حسين فاعور الساعديوالانتخابات دفيئتها والكرسي راعيها وحاميها، وفيما يلي بعض الحقائق

أن نواصل اتهام السلطة بما يجري في المجتمع العربي في إسرائيل من جرائم وأعمال قتل في وضح النهار وفي قلب قرانا ومدننا هو تجاهل للحقيقة المرة وتهرب من تحمل المسؤولية. السلطة لا تقوم بواجبها وتتهاون مع المجرمين بل وتتعاون معهم وتمدهم بالسلاح. لكن المجرمين منا وفينا. هذه حقيقة يعرفها القاصي والداني ولا جدال حولها.

السؤال الجوهري والأساسي الذي يجب على كل واحد منا أن يسأله هو: من هم المجرمون ومن أين جاءوا وأين يعيشون؟ الجواب الصريح على هذا السؤال يعرينا ويفتح عيوننا على الحقيقة التي نتهرب منها ولا نريد الاعتراف بها. حقيقة أن المجرمين هم أبناؤنا ونحن من ربيناهم وكنا قدوة لهم ونصمم أن نحافظ ونتستر عليهم.

من تجربتي الشخصية ومن خلال عملي في سلطاتنا المحلية ما يقارب الأربعين عاماً رأيت وعشت الأجواء الحاضنة التي كبر وترعرع فيها هؤلاء المجرمون وبرعاية وحماية مباشرة من بعض رؤساء سلطاتنا المحلية وقادتنا المحليين.

كعمال اجتماعيين عملنا مع المدمنين من متعاطي السموم والمخدرات ومع من مارسوا العنف مع زوجاتهم وعائلاتهم ومحيطهم. وعندما كنا نحتاج لتطبيق القانون ضد هؤلاء لردعهم كنا نواجه بتدخل الرؤساء والقيادات المحلية "كفاعلي خير!" فيمنعوننا من التوجه للشرطة وتفعيل قانون العنف. بعض رؤساء سلطاتنا المحلية كانوا بمثابة الدفيئة التي احتضنت بذور العنف ووفرت لها الظروف لتنمو وتصبح جريمة. فكم من مواطن "كسّر!" أشياء في مباني سلطاتنا المحلية كرد فعل على عدم التجاوب مع طلباته كما يعتقد، فحصل على ما يريد بدل أن يعتقل ويعاقب. وكم من مواطن اعتدى على موظفي السلطة المحلية كأسلوب للحصول على الطلبات فقوبل بالسكوت عنه وتلبية طلباته. كل هذه الأجواء سكت عنها وغطى عليها بعض رؤساء سلطاتنا المحلية مراضاة لهؤلاء المجرمين في سبيل مواصلة كسب أصواتهم وأصوات عائلاتهم.

إن أول جرائم القتل في مجتمعنا العربي في إسرائيل حدثت في سنوات السبعين من القرن الماضي وعلى خلفية الانتخابات لسلطاتنا المحلية وكان يقف وراءها رؤساء ومرشحون للرئاسة.

الانتخابات سواء لسلطاتنا المحلية أو للكنيست هي بمثابة العظمة التي رمتها لنا السلطة لنتعارك حولها ونتدرب على العنف والجريمة. فأصبح كرسي السلطة المحلية وكرسي الكنيست الهدف الوحيد وكل شيء ممكن ومباح في سبيل الوصول إلى هذا الهدف: اللجوء إلى الحمولة، استعمال العنف، تأليف العصابات، بيع الأرض ومقايضتها والرشاوى. كلها أمور حدثت وأصبحت مألوفة في سبيل الوصول إلى الكرسي أو المحافظة عليه.

بفضل الانتخابات أصبح مألوفاً التعصب للحمولة أو للطائفة. وبفضل الانتخابات أصبح مألوفاً شراء الذمم وتقديم الرشاوى. وبفضل الانتخابات أصبح مألوفاً ومقبولاً تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة وكلها مقدمات لنشوء وتطور الجريمة.

كل من لدية عشرة أصوات صار يستعملها للحصول على الكثير من الأشياء. وأصبح يستطيع ممارسة العنف ضد الآخرين دون أن يعاقب لأن الرئيس سيوفر له الحماية من القانون ومن الشرطة طمعاً بما لديه من أصوات.

في دفيئة الانتخابات نمت بذور العنف وترعرعت وهيئت لنفسها البنية التحتية اللازمة لتتحول إلى جريمة منظمة. لأن الانتخابات عندنا لم تكن في يوم من الأيام عملية منافسة نزيهة لاختيار الأفضل بل هي عملية صراع عنيف تقوده الغرائز والعواطف والنزوات بعيداً عن شيء اسمه العقل والمنطق والأخلاق.

في مناطق ال 48 هنالك نوع من الحياة المشتركة بين اليهود والعرب واختلاط كامل في الكثير من المجالات تقريبا ما عدا التعليم الابتدائي والثانوي. ولا يوجد صراع يومي. هذا الوضع يبدو انه يخيف السلطة التي لا تطمئن له ولا تريده أن يتعمق أكثر. لذلك وجدت في أعضاء الكنيست البوق الملائم لتبث من خلاله سموم الكراهية والخوف المتبادل. هذه السموم تغطي على سياستها الظالمة اتجاه المواطنين العرب وتبرر نهجها غير العادل معهم في الكثير من القضايا.

إن أكثر ما تخشاه السلطة هو التقاء المواطنين اليهود والعرب حول قضايا اجتماعية واقتصادية مشتركة وخوضهم النضال معاً لتحصيل حقوقهم. السلطة تفضل أن يظل التباعد قائماً لأنها بذلك تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

على مدى أكثر من سبعين عاماً أثبت المواطنون العرب في إسرائيل أنهم مسالمون ويريدون العيش بكرامتهم. ناضلوا بأفعالهم وممارساتهم اليومية في تحصيل لقمة العيش والحفاظ على ما تبقى لهم. ورغم المصادرات وهدم البيوت التي شكلت اعتداءات صارخة وقاسية على وجودهم إلا أنهم حافظوا على القانون وكان لهم الدور الأكبر في بناء الدولة مقابل لقمة العيش. وقد نجحوا بفضل جهودهم وتضحياتهم من التغلغل في كل مرافق الدولة حتى الأمنية منها وقاموا  بدورهم بإخلاص وعلى أتم وجه.

بالمقابل كان أعضاء الكنيست يكدون ويثابرون في إبراز وجهاً آخر للمواطنين العرب الذين يمثلونهم. وجه العداء للدولة. عداء غير موجود في الواقع وفي الممارسات اليومية للمواطنين العرب. وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً لاعبين على غرائز البسطاء وعواطفهم. ومع الوقت صار مفهوم الناس العاديين لدور عضو الكنيست العربي يتمثل في العراك مع الأعضاء اليهود وتبادل الصراخ معهم غير مدركين أنها في كثير من الأحيان لعبة متفق عليها. المواطن العادي فترة طويلة اكتفى بهذا الدور ولم يطالبهم بحل القضايا الملتهبة بالتواصل مع رئيس الحكومة وأعضائها. هذا النهج وفر مادة خصبة للفضائيات التي سوقت أعضاء الكنيست على أنهم مناضلون ومجاهدون. وهذا كله يصب في مصلحة السلطة التي لا تريد خدمة المواطنين العرب ويشكل غطاءاً جيداً لتقصيرها.

في بداية سنوات التسعين من القرن الماضي كان نائب وزير الزراعة عربياً وهو المرحوم وليد صادق طيب الله ثراه. كان لفترة ليست بالطويلة ولكنه قدم للوسط العربي ما لم يقدمه احد غيره. على سبيل المثال أعطى مخصصات المياه للكثير من القرى غير المعترف بها والتي كانت محرومة من الماء كوسيلة ضغط لترحيلها. بعمله هذا ساهم مساهمة مباشرة وفعالة في الاعتراف بهذه القرى وبقائها وتطورها.

للأسف الشديد نوابنا في الكنيست على مدار عقود أرسوا قواعد لعبة أساءت وتسيء للوسط العربي ووفروا للسلطات ذريعة تغطي على تقصيرها بحقنا وتبرر تخليها عن أمننا وسلامتنا. رفعوا الشعارات الجوفاء والسخيفة ك"إسقاط نتنياهو" ، "مقاطعة اليمين المتطرف" وكأنهم يقولون أن اليسار قادم وهم بانتظاره.

هذا الوهم والكذب المكشوف شكل مدرسة في مجتمعنا وأغرى الكثيرين بالتعلم منهم وتقليدهم في الحياة اليومية فصار الفرد يقول ما لا يفعل ويبحث عن مصلحته الذاتية ويقدمها على المصلحة العامة دون خجل.

الانتخابات للسلطات المحلية وللكنيست استدعت المحافظة على الحزب والحمولة وترسيخ الولاء لهما بدل الولاء للقضايا المصيرية كالأرض والمسكن ولقمة العيش. صار الانتماء للحزب والمحافظة على مصلحته هو المقياس للوطنية وللإخلاص. في الوقت الذي يرى فيه المواطن البسيط أن هذا الحزب ما هو إلا مزرعة أو عزبة لعدد من الأفراد وللمقربين منهم. يستعملونه في جني الأرباح والثروات. بينما هو على مدار سنوات وعقود كان من المضحوك عليهم.

أعضاء الكنيست العرب بدل أن يقوموا بدورهم البرلماني في خدمة مواطنيهم الذين انتخبوهم اختاروا لأنفسهم دور المطبل والمزمر لإبراز مظالم هؤلاء المواطنين. مظالم المواطن العربي والتمييز الممنهج ضده بحاجة لمن يعالجه وليس بحاجة لمن يبرزه ويظهره ويكتفي بذلك. المواطن العربي يعرف مشاكله وليس بحاجة إلى من يعرفه بهذه المشاكل. وقد أرسل مندوبين عنه للكنيست بأمل معالجة هذه المشاكل. ومعالجة هذه المشاكل يكون بالعمل مع الحكومة لحلها وليس بمقاطعة الحكومة بدعوى أنها يمينية وكأنه كانت حكومة يسارية في هذه الدولة في يوم من الأيام.

هذا الضحك على المواطن برفع الشعارات الجوفاء لم يعد ينطلي على أحد وهنالك نقمة شعبية على أداء أعضاء الكنيست الذي أوصل الوسط العربي إلى ما هو فيه من فوضى وعنف وجريمة وأعطى الحكومة المبرر والغطاء أمام المواطن اليهودي على تقصيرها وعدم قيامها بواجبها. فهو يتساءل وبحق: كيف يا عرب تطلبون الحماية من حكومة تقاطعونها ولا تريدون التعامل معها؟. الدكتور منصور عباس جلس مع نتنياهو فهوجم وكأنه ارتكب الخيانة العظمى. جلس معه ليس لمسامرته أو مغازلته وإنما لمطالبته بالقيام بمسؤوليته فانهالت عليه التهم لأنه خرج عن النهج الممارس منذ عقود: نهج الشعارات السخيفة. نهج مخاطبة الغرائز والعواطف الذي شرعن العنف والجريمة وبرر تخلي السلطة عن القيام بواجباتها ومسؤولياتها اتجاه المواطنين العرب الذين ثبت ولاءهم وإخلاصهم لهذه الدولة بالأفعال وليس بالأقوال.

المطلوب اليوم من أعضاء الكنيست العرب التخلي عن نهج تسويد وجه الوسط العربي أمام المتطرفين اليهود. والتوقف حالاً عن لعب هذا الدور الذي لا يخدم إلا عنصرية العنصريين الذين يكرهوننا ولا يريدون الخير لنا. المطلوب من أعضاء الكنيست التخلي عن دور المناضلين والمجاهدين فهم ليسوا كذلك ولا يمكن القيام بهذا الدور في برلمان صهيوني. المطلوب منهم التصرف كموظفين في مؤسسة تشريعية صهيونية. ومن يريد أن يكون مناضلاً أو مجاهدا فليفتش عن ساحة أخرى غير الكنيست.

في الكنيست لدينا قضايا لا يمكن حلها في أي حال من الأحوال إلا بالتعاون مع الأعضاء اليهود ومن الأحزاب التي تشكل الحكومة وليس من الأحزاب المعارضة. هذا التعاون يتم بالعمل المهني البرلماني الجاد بعيداً عن الشعارات والمهاترات.

هذا ما قام به الدكتور منصور عباس وهذا هو المطلوب. شعبنا لم تعد تنطلي عليه العنتريات الصبيانية والشعارات الجوفاء. شعبنا يريد حلولاً لقضاياه المصيرية.

***

حسين فاعور الساعدي

 

هيثم نافل واليمازال هناك- وهم كثر- من يعتقدون بأن التسامح شيمة عربية راقية كمفهوم المساواة وفي هذا خلط واضح، وجهل صارخ لأن التسامح يختلف عن المساواة، والأخيرة هي من يتوجب أن تتبع في حياة الشعوب والأمم وللأسف هذا ما لم يحدث ولم يتوفر لغاية اللحظة قط وهنا تكمن مصيبة العرب الشاملة. كيف، سأقول لكم:

كنت في يوم أسير في منطقتنا التي أسكن وأعمل فيها وكانت فترة أعياد مسيحية يركن إليها الناس هنا بفرح غامر وهم يشعرون بالطمأنينة والراحة لأنهم صادقون مع أنفسهم، يحملون شخصية واحدة، لا يقربون النفاق إلا ما ندر وشذ طبعاً، وهذا ليس موضوعنا، فلنرجع إلى ما أردت سرده؛ وأثناء سيري شاهدت خيمة تحوي على تماثيل تعود إلى العصور المسيحية الأولى وظهور يسوع وأمه مريم واقفة بجانبه وهناك كان من ثمة ماعز وبعض الرجال وإلى ما ذلك تعبر عن ولادة جديدة تبعث النور حسب ما فهمت، وبجانب هذه الخيمة الجميلة التي رأيت فيها البساطة والجمال كانت تجاورها خيمة نصبها العرب ووقف ثلاثة من صناديدهم وأمامهم طاولة نشرت عليها كتب دينية كثيرة ولوحة معلقة خلفهم كانت تقول: التسامح بين الأديان!

جذبني العنوان، اقتربت منهم بحذر منكمشاً على نفسي، في حين كان هناك رجل وزوجته ينقشان العرب أصحاب الخيمة عن أمور تتعلق بدينهم وهجرة العرب إلى أوروبا وسمعت الرجل الأوروبي يقول لهم بالحرف دون تردد مواجهاً متحدياً وكأنه سيدخل في عراك معهم بعد لحظة:

- أنتم تسيرون في بلادنا كالماء تحت التبن، ثم أكمل جملته، لا تدعون أحداً يراكم أثناء سيركم كاللصوص.. 

الحقيقة استغربت من تلك الصراحة التي تجاوزت حدود الجرأة، وقلت في نفسي، بأن الرجال العرب الثلاثة الصناديد سيهجمون على هذا الرجل ويشبعونه ضرباً، لكن لم يحدث ما خفت منه، بل ظل هؤلاء صامتين كالحجر لا ينطقون فاقتربت منهم أكثر لتلطيف الأجواء التي شعرت بأنها توترت فجأة، وباللغة الألمانية كي يفهما الرجل وزوجته، قائلاً:

- لماذا أنتم هنا؟ ثم أردفت: سكتنا عليكم دخلتم بحماركم!..

الحقيقة كانت بدايتي غير موفقة، أقصد، أضفت على الطين ماءً وكأنني أسقيه! لم أكن خبيثاً، بل شعرت بأني أردت أن أخفف من وطأة الحدة التي رأيتها والصدام الذي توقعت حدوثه في أي لحظة بين الألماني والفحول العربية التي ظلت ساكتة كالتماثيل الموجودة في الخيمة المجاورة! فشرع أحدهم يرد على سؤالي:

- ماذا تقصد لماذا نحن هنا؟ ثم رطن بكلمات أعرف بأنه يحفظها ظهر عن قلب لأنه يجهل غيرها: أردنا أن نقول للعالم بأن ديننا متسامح مع الأديان الآخرين!

جوابه وترني، شعرت بأنه جاهلاً، لم يكن يعرف ما يقول، متأكد من ذلك، فحفزني للدخول معه وأمام الزوج الأوربي الذي بقي يسترع الانتباه لمداخلتي وهو يهز رأسه علامة الإعجاب، قلت:

- أنت تعرف بأن هناك عيد مسيحي في هذه الأيام، فنصبت خيمتك هذه العارية من التراث بجانب خيمتهم، تنشر كتبكم وتروجون لها، ثم تروج لأفكار غير مقتنع بها، لن يصدقها أحد لمعرفة العالم المتحضر بأن التسامح ليس شيمة جميلة، بل، أمر استعلائي، غرور لا حدود له، كبرياء لا يعترف بالجروح، هذا الذي تقوله، لا يعني أكثر من أن الآخرين ارتكبوا حماقة ما، أو اقترفوا ذنباً عظيم ثم جئتم أنتم بتسامحكم هذا الخادع لتقولوا لنا بأنكم أفضل منا، أسيادنا، رحمتنا التي أنزلها الله علينا، وبالنتيجة تسامحوننا على أفعالنا التي أرتكبناها والتي لم نرتكبها بعد! قلت ذلك وأنا أنظر إلى الرجل الأوروبي بنظره جانبية، فرأيته يبتسم، ثم اقترب مني خطوة وهمس: 

- آه.. لقد عبرت عما أردت قوله ولم أنجح! هذا ما يحدث بالضبط لنا، أضاف نابراً: صرحت بالحقيقة التي لم يجرؤ الآخر من إعلانها.. والصناديد العرب الثلاثة يلتفتون يميناً ويسارا وكأنهم يرغبون بالهروب أو الاختفاء والانزواء ولكن أين المفر وخيمتهم مغلقة عليهم إلا من جانبنا ونحن أمامهم واقفون! فغلب حمارهم..

وجدت بأن وقفتي معهم قد طالت، تذكرت بأني ذاهب باتجاه عملي، فحاولت أن أضع نهاية لمأساة العرب بقولي الذي أردت أن يكون الأخير معهم:

- اسمعوا، العيب لا يقع عليكم، بل على بلدية مدينتنا التي سمحت لكم بنصب خيمتكم بجوار خيمة التراث تلك الجميلة التي لا تنطق إلا بالبساطة والتواضع وكأنكم جئتم لتنافسونهم حتى في أعيادهم رغم أحقيتهم بالاحتفال في أوطانهم، لتبقون تتطفلون في كل بقاع الأرض سعياً بالانتشار وكأن العدد في مفهومكم خير من جوهر إيمانكم لأنكم لا تراعون الوعي بقدر الانضمام وتوسيع رقعة العرب العددية دون النظر إلى الجودة وقيمة الإيمان.. هذه هي مشكلتكم الأساسية، تؤمنون بالتسامح لأنه يرتفع عن المساواة، التسامح لا يمثل التشابه، ولا يرمز له، وما يحتاجه العالم اليوم، خاصة بعد أن توقفت سمات الإبداع عندكم منذ سقوط الدولة العباسية بعدها لم تعرفوا الحياة، بقيتم في ظلام دامس وترغبون بأن يشملنا هذا أيضاً، ثم تسامحوننا على غفلتنا وطيبتنا وإنسانيتنا وجمالنا ومروءتنا ونخوتنا وترفضون المساواة معنا لأنكم وحسبما تعتقدون، بأنكم شعب الله المختار الذي جاء ليكون رحمة للعالمين جمعاء وهذا ما موجود في نصوصكم التراثية الدينية التي تدعي بأن دين الله هو دينكم.. ثم وقبل أن أغادرهم بعد أن أطبق السكون عليهم نوهت:

- ماذا لو حدث العكس في بلدكم، بأن ينصبون هؤلاء الخطاة في رأيكم وجئتم لتسامحونهم خيمتهم في وسط مدينتكم يوزعون فيها كتبهم مجاناً على كل عابر سبيل، فهل تقبلون؟! ثم لم أدعهم أن يجيبوا لمعرفتي الإجابة التي لا تحتاج إلى ذكاء كبير، رطنت مغنياً ببيت لأبي الطيب المتنبي الذي يقول:

" أغاية الدين أن تحفوا شواربكم، يا أمة ضحكت من جهلها الأمم" 

غادرتهم وأنا أشعر بالحزن لِما آل إليه الوضع العربي غير المقروء الذي يهرب منه الضوء أميال!..

 

بقلم: هيثم نافل والي

 

 

علجية عيششدّ انتباهي مقال نشر في موقع إعلامي جزائري يتحدث فيه صاحبه عن قرار سلطة الضبط السمعي البصري في الجزائر وتحذيرها كل من يعمد إلى تكسير "الطابوهات"، والخروج عن الخط الأحمر بذريعة عدم احترام القوانين، وهذا من باب التغاضي عن بعض القضايا وإبقائها في خانة المتستر عنها، حيث طالبت هذه السلطة كل مسؤول على قناة فضائية أن لا يقدّم أيّ نشاط أو يبثه إلا بترخيص من وزارة الإتصال، وهددت بمقاضات المؤسسة الإعلامية وجرّها أمام العدالة في حالة تقديم نشاطات تكسر الطابوهات وتزعزع الرأي العام، أو لأنها تمس بالمصلحة والأمن العموميين، وخرقها الشرط السالف الذكر، في ردها على ما بثته قناة "لينا" عندما ناقشت قضية التطبيع الرياضي مع الكيان الصهيوني، إلا انها لم تحدد نوع النشاط الذي يدخل في خانة "الطابوهات"، يحدث هذا طبعا في ظل الفوضى التي يغرق فيها قطاع السمعي البصري وما يقدمه من برامج، لا ترقى أحيانا إلى الذوق العام، خاصة وجلّ القنوات الفضائية تسيَّرُ بقوانين أجنبية.

اعتادت السلطة في الجزائر أن تمارس ثقافة الترهيب والتخويف الإعلاميين والصحفيين، فلو ناقشت قناة وطنية إشكالية "التطبيع" وكشفت أن فريق رياضي وطني شارك أو سيشارك في مقابلة مع فريق رياضي إسرائيلي، فهذا لا يعتبر خرقا للقوانين، لأن هذه المشاركة تدخل في إطار التطبيع مع إسرائيل، وهذا التطبيع لا يختلف عن اشكال التطبيع الأخرى بذريعة التعاون الإقتصادي بين دولة عربية وإسرائيل، كما سارت في ذلك البحرين والإمارات، فلا يعقل طبعا أن يبرم فريق رياضي وطني مهما كانت شهرته اتفاقية مع إسرائيل لتنظيم مقابلات رياضية معها، حتى لو كان ذلك من باب التعايش مع الآخر، أو إحداث السلام، في ظل ما تشهده الساحة الفلسطينية من قمع وقهر على يد الكيان الصهيوني وتفقير الشعب الفلسطيني وتجويعه، خاصة والجزائر منذ الرئيس هواري بومدين وهي رافعة شعار: "نحن مع فلسطين ظالمة أم مظلومية".

لست من متتبعي الرياضة لأن ما أهواه لا يعرض في بلادي (التزحلق على الجليد)، أو ما كان يُعْرَضُ أو يُقَدَّمُ توقف لأسباب مجهولة مثل التنس والفروسية، ولا يهمنا هنا الدخول في التفاصيل لمعرفة سبب توقفها، لكن يدفعني الفضول إلى فتح قوسين (.....) للحديث مجددا عن ظاهرة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وإقامة معه علاقات ثنائية في مختلف المجالات، والقول أن إقامة شراكة رياضية بين دولة عربية وإسرائيل لا تخرج عن دائرة التطبيع، خاصة إذا كان هناك تنازلات لصالح الفريق الخصم، أو كما يسمونه بـ: " بيع الماتش" لخدمة أجندات أو تحقيق مصلحة ما، وكثير من اللاعبين الذين رفضوا مواجهة إسرائيليين في بطولات رسمية وودية، حتى لو كانت في إطار اتفاقيات "السلام"، ثم أن التطبيع يظل تطبيعا أكان في المجال الإقتصادي أو الرياضي أو الثقافي، ومحاصرة القنوات الفضائية في مناقشتها مثل هذه القضايا، هو عبارة عن ممارسات قمعية ضد الصحافة المستقلة سواء كانت سمعية بصرية أو مكتوبة، كما هو ضد حرية التعبير والرأي، وضد الإنفتاح الإعلامي الذي انتهجه الرئيس عبد المجيد تبون، عندما استلم مهامه كرئيس جمهورية يوم 19 ديسمبر 2019، وأكد أنه مع حرية الصحافة إلى أقصى حد، إذا مارست نشاطها الإعلامي بعيدا عن كل أشكال التجريح والسب والشتم والقذف في الآخر.

فالتطبيع خيانة عظمى وإسرائيل التي يقودها حكماء صهيون والدول الحليفة لها وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في عملها المستمر بدعم عربي أيضا (دون تعميم) تدرك بأنها على قاب قوسين أو أدنى من التحكم في مصير العالم، كما أنه لا أحد يجهل أن صراع إسرائيل الآن مع كل صحوة إسلامية أو وَعْيٍ عَرَبِيٍّ أو مدّ تحرّري، مثلما يحدث في فلسطين، وهو صراع حياة أو موت بالنسبة لها، كما هو صراع ربح أو خسارة، وذلك منذ صدور قانون اللاسامية (1918) الذي يعاقب بالإعدام كل متهم بعدائه لليهود وحتى بعد إلغائه، لا تزال إسرائيل ترى نفسها الأقوى وتماس تهديداتها ضد الشعوب، لذا ترى بعض الأنظمة أنه لا مانع من التطبيع مع إسرائيل إذا تعلق الأمر بالجانب الإقتصادي أو الرياضي، فهذه الأنظمة تخاف على أمنها القومي وتخشى من انهيار اقتصادها إذا ما رفضت السير في مخططات إسرائيل التي تتحكم في مقدرات الولايات المتحدة الأمريكية وحتى الإتحاد السوفياتي، بدليل أن كل الأنطمة العربية عاجزة عن مواجهة إسرائيل عسكريا لما تملكه هذه الأخيرة من ترسانة أسلحة نووية متطورة.

أمّا عن الجزائر فهي تدرك أيّما إدراك ما يواجهها من مخاطر وما تدفعه من ثمن لرفضها التطبيع مع إسرائيل، ولكنها لا تبالي، وموقفها ثابت من القضية الفلسطينية، وبالتالي فأي قناة فضائية وطنية سواء كانت معتمدة بقوانين جزائرية أو بقوانين أجنبية تتطرق إلى هكذا قضايا لا تعتبر خارقة للقانون، طالما هي تقدم خدمة عمومية لكل الجزائريين وتعمل على زرع الوعي في المواطن وتنويره، وترقية روح المواطنة في إطار الديمقراطية التشاركية، وبالتالي فمناقشة قضايا التطبيع لا يعتبر من الطابوهات، ويمكن القول أنها محاولة لتدجين القطاع كما يقال، تجدر الإشارة أن أول قناة فضائية ظهرت في الساحة الإعلامية الجزائرية هي قناة النهار في الثلاثي الأول من سنة 2012، والقنوات الفضائية اليوم تشهد انتشارا في ظل الأحداث التي تعيشها الساحة العربية والظواهر البارزة التي تطبع سلوك الفرد وتتحكم في اتجاه الرأي العام، وهذا ما نتج عنه قصور في إعطاء التجربة الإعلامية الرقمية في الجزائر وصعوبة دفعها إلى الأمام، بدليل أن معظم القنوات الفضائية وبسبب الضغوطات تتجاهل الأحداث الحسّاسة التي تقع في البلاد وتكتفي بنقل نشاطات المسؤولين المحليين، باستثناء بعض القنوات التي رفعت التحدي وكانت في مستوى القنوات العربية والأجنبية، حيث فرضت نفسها في الساحة، واثبتت وجودها ليس كقناة إخبارية فقط، بل كقناة "رأي"، بعضها أغلق كقناة "الأطلس" وأخرى ما تزال تقاوم (وبدون خلفيات).

 

علجية عيش

 

عبد الخالق الفلاحسلطة الدولة الحقيقية هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة والدولة الحديثة وهي دولة المواطنة التي يعيش فيها الجميع بتساو في الحقوق والواجبات ويكمن قدرتها على تحويل التعدد والتنوع الطبيعي للمجتمع إلى ثروة وطنية لتنمية ونهضة المجتمع، وتحويل التقاطع والصراع الطائفي إلى احتشاد منظم نحو بوصلة وطنية واحدة في ظل هوية وطنية واحدة ذلك الوعاء الكبير الذي يعترف ويوثق ويستوعب كل طوائف ومكونات المجتمع ويعطي الحق في  ممارسة جميع أبناء المجتمع لكافة شعائرهم الدينية واحتفالاتهم الخاصة بحرية كاملة، مع الاعتراف الكامل للدولة بهذه الشعائر والاحتفالات، ومع إنشاء مؤسساتهم الدينية والثقافية بحرية كاملة ودون أية معوقات من الدولة، وقدرتهم الكاملة على تعليم أبنائهم قيمهم الدينية الخاصة بهم لمن يرغب في تعلمها.

لكن الدولة لا تبنى بالتسويات ولا بتبادل الصفقات وتوزيع الحصص بل بتطبيق القانون وتجاوز كل الاعتبارات والحسابات الدينية والانتماءات السياسية التي ينبغي أن تكون بعناوينها ومضامينها مسخرة لخدمة الناس وليس لخدمة الأشخاص والفئات و يعني ان كل المسؤولين وفصائلهم وكتلهم واحزابهم  ومدعوون إلى خلع ثوب التكالب على السلطة ولبس ثياب الخدمة الصادقة بعيداً عن النفاق السياسي و الدخول في ورشة قيام الدولة التي تعمل بكل اخلاص وتفاني لخدمة المجتمع وتحاسب المقصر وتحاكم الفاسد، كما  تعطي الحرية الكاملة في تقلد كافة الوظائف والمراكز القيادية المختلفة في كافة مجالات الحياة المدنية والعسكرية والقضائية بحرية تامة وفق قواعد الكفاءة المهنية المتعارف عليها وكافة حقوق المشاركة في الحياة العامة والتعبير عن الرأي بحرية كاملة، وإنشاء مؤسسات المجتمع المدني بمجالاتها المختلفة ويخلق منه وبه كيانا كبيرا وقويا يمثل الجميع ولا يقصي أو يلغي أحدا، بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكونات دولة المؤسسات والفصل بين السلطات وهي من  أحد المبادىء الأساسية التي ترتكز عليها النظم الحديثة ، وهو مبدأ رئيسي في جوهرها ، تماما على نحو يماثل في ذات الأهمية مبدأ سيادة الأمة و الشعب و التي يتم تداول السلطات فيها بسلمية مطلقة بقوة وملكية الإرادة الحرة للجماهير عبر الصناديق الانتخابية، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية الذي يهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها.

علينا ان ندرك تماماً ان العالم ينقسم الى مجموعة كبيرة من الدول، وإن اختلفت اشكال اجناسها وقومياتها وأنظمتها السياسية والدولة هي العقد الاجتماعي، و القوانين والدستور واحتكار القوة وضمان أمن المجتمع ماديا ورمزيا.

الدول المعاصرة التي يعيش في ظلها الآن أكثرية شعوب الأرض، سلطة دولة الأشخاص فيها عابرون، ويأتون لخدمتها مهما علت امتيازاتهم، لفترة زمنية محدد وفق القوانين  وليس وجودها دائم لكي تخدمهم، كأشخاص أو كعائلات أو كفئات ذات لون واحد ودولة السلطة الحاكمة ابداً ولا يمكن فصل واحدة عن الأخرى مهما كانت الدولة ضعيفة أو تعيش إشكاليات حقيقية في مجتمعها أو مع محيطها.

استقلالية الدولة هي الضامن لمجتمعها من تغول سلطة المنفردة بالشخصنة ، سواء كانت فردية أم عائلية. لأن الحاكم الفرد في حالتنا، عندما يطابق بين مصلحته ومصلحة الدولة فإنما يريد أن تصبح مصلحته الشخصية اعلى من مصلحة الدولة، دون أي اعتبار لو أمكنه ذلك. لهذا في الدول التي تحكمها سلطات فردية تغيير الشخص يكون أحيانا مفصليا، وعدم تغيير الوضع لا يعني أن الدولة هي الحاضرة بل يعني قوة السلطة الفردية هي التي بقيت حاضرة.

استقلالية الدولة هي التي تحمي تداول السلطة، والدولة غير المستقلة هي التي لا تستطيع إنتاج تجربتها في تداول السلطة و التداخل بين مفهومي السلطة والدولة قضية شائكة، ولكنها بالمقابل ليست مستحلية على المفهمة، وبالتالي مهما كانت السلطة فهي بحاجة للدولة والدولة بلا سيادتها تصبح مزرعة للأقوى وأن ضعف مؤسسات الدولة هو المصدر الأول للمشاكل الخارجية والداخلية و الدولة القوية لها دعامتان أساسيتان، أولهما استقلال أجهزتها فيما تتخذ من قرارات، فتصدر هذه القرارات بناء على تفضيلاتها وقواعدها ومنطق عملها، وليس تحت ضغوط من قوى داخلية كشيوخ القبائل أو رجال الأعمال أو المؤسسة الدينية، كما تسعى هذه الأجهزة لأن توسع من مجال حريتها فى مواجهة القوى الخارجية في الاسهام الفاعــل فــي بنــاء وحمايــة الامــن والاســتقرار والســلم علــى المســتوى الوطنــي ُوالاقليميـي والدولـي وتعزيـز عـرى التعـاون وسـبل الحـوار بيـن الـدول والشـعوب والحضـارات لمـا مــن شــأنه حمايــة وتطويــر المنافــع والمصالــح المشــتركة، وتعزيــز الســلم والتضامــن الانســاني ولكن الدعامة الثانية لا تقل أهمية، لأنها تقضى بأن يتم هذا الاستقلال فى إطار من القبول العام من جانب المجتمع لما تقوم به هذه الأجهزة. أى إن ارضاء المواطنين هو الشرط الثانى لوجود الدولة القوية التي تحفظ على الثـروات الطبيعيـة بجميـع أنواعهـا ومصـادر الطاقـة الموجـودة فـي باطـن الارض أو فوقهـا أو فـي الميـاه الاقليمية  أو الامتـداد القـاري والمناطقـ الاقتصاديـة الخاصـة باعتبارها ملـك لعامـة الشـعب وتلتـزم الدولـة بتنميـة إنتاجهـا و حسـن توظيفهـا لمصلحـة الشـعب مـع الحفـاظ علـى حقـوق الاجيــال القادمــة منهــا، وتحديــد نســبه مــن عائدتهــا لمناطــق المنبــع لاغــراض التنميــة فــي ً للقانـون ، وإعــادة الاعتبــار لمفهــوم العدالــة الاجتماعيــة والاقتصاديــة وترســيخ مفهــوم الشــراكة وتعــدد قطاعــات الملكيــة الاقتصاديــة العامــة والخاصــة والمختلــط والتعاونــي والشــركات المســاهمة وتطويرهــا للقيــام بإنجــاز مهــام التنميــة الاقتصاديــة والاجتماعيــة المســتدامة و تشـجع الدولـة للتعـاون والادخـار وتكويـن المنشـئات والانشـطة التعاونيـة والخيريـة والتنمويـة بمختلـف صورهـا وتسـن القوانيـن لتنظيمهـا وحمايتهـا، بعبارة مختصرة الدولة القوية هى المتحررة من الضغوط فى صنع قراراتها وفى إنفاذها وهي التى تحظى بالشرعية من جانب مواطنيها بعد تحقيق مطالبهم ووفق قناعتهم .

 

عبد الخالق الفلاح –باحث واعلامي

 

صادق السامرائيمعظم الخلفاء لم يتجاوزوا العقد الخامس من العمر إلا قلة نادرة منهم، ومعظمهم يموتون مبكرا لأسباب بسيطة بمعايير عصرنا، لعدم توفر العلاجات وصعوبة التداخلات الجراحية، وما هو سائد ما يسمى بالفصد (شق الوريد وإخراج شيئ من دمه بقصد التداوي) او الحجامة (إمتصاص الدم بالحجم) . وهذه هي التداخلات الجراحية الشائعة لقرون، وعادة يكون موضعها الساق أو الذراع.

والعلاج بالأعشاب معروف وبالحمية، والتركيز على تنمية القدرات النفسية والروحية عند المريض.

ولا أدري لماذا كلما قرأت عن هارون الرشيد (148 - 193) هجرية، في آخر رحلة له، أتساءل هل أنه مات بالفتق المُختنق، وفي بعض الكتب التي قرأتها سابقا، هناك وصف يشير إلى أن ما كان يعانيه هو الفتق المختنق.

وفي تأريخ الخلفاء للسيوطي: " وفي سنة إثنين وتسعين (192) هجرية، توجه الرشيد نحو خراسان، فذكر محمد بن الصباح الطبري، أن أباه شيّع الرشيد إلى النهروان، وجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبكَ تراني بعدها، قلت: بل يردك الله سالما، قم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد، فقلت: لا والله، فقال: تعال حتى أريكَ، وإنحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص، فتنحوا، ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي، وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي عليَّ رقيب، فمسرور رقيب المأمون، و(جبريل بن يختيشوع) رقيب الأمين، ونسيت الثالث، ما منهم أحد إلا ويُحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري، فإن أردتَ أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون (غير العربي من الخيل)، فيجيئون به أعجف (مهزول، ضعيف) ليزيد في علتي، ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف، فنظر إليّ ثم ركبه وودّعني، وسار إلى جرجان، ثم رحل منها في صفر سنة (193) وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن مات".

يبدو أنه كان يعاني من فتق، وقد عمل على علاجه بشد بطنه بعصابة الحرير، لكن هذا الفتق فد تطور مع الأيام، وصار إنبعاجه مختنقا، أي لا يمكن للأحشاء المندلقة من الفتق أن تعود إلى جوف البطن، وبسبب ضغط الفتق عليها، يحتقن الدم فيها وتتورم، فتزداد صعوبة عودتها إلى داخل البطن، وهذا يتسبب بآلام شديدة، وإنسداد الأمعاء، وإلتهابات خطيرة وتسمم في الدم مما يؤدي للوفاة.

وهو في وصفه للبرذون الأعجف ما يشير إلى أن حركته وإضطرابه، تساهم في دفع المزيد من الأحشاء الداخلية خارج البطن، مما يزيد في علته، أي أوجاعه ومعاناته من مضاعفات ذلك.

ولا يُعرف لماذا لم يُعِدْ طبيبه الأحشاء المندلقة إلى داخل بطنه، ويوصِه بعدم ركوب الخيل ويحدد حركته، ويعين جدار بطنه على منع إندلاق الأحشاء، ولماذا لم يخضع للمراقبة اليومية، ويُنْصَح بعدم الذهاب إلى خراسان، فهذه الرحلة الطويلة على ظهر برذون أعجف ستقتله حتما، فهل كانت مؤامرة من أولاده، وبمشاركة طبيبه، ففي قوله ما يشير إلى ذلك!!

فهناك إهمال مقصود من طبيبه تجاهه، تؤكده ضعف ثقة الرشيد به، ووصفه بأنه رقيب عليه، ويوجز الأمين بحالته الصحية، وعدم إجراء أي تداخل علاجي مناسب له، ولم يرافقه، فكأن الرشيد كان يطبب نفسه، ويعصب بطنه للحفاظ على أحشائه الداخلية من الإندلاق الشديد.

وهل كان لطبيبه جبريل بن يختيشوع (رقيب الأمين عليه) دور في وفاته، البعض يذكر أنه مات بالسل أو بمرض أصاب دمه، لكن لا توجد أعراض وعلامات سريرية مدونة تشير لذلك، وربما يكون قد مات مقتولا بصورة غير مباشرة، وبتحالف طبيبه مع ولي عهده الأمين، فلطبيبه ربما دور في التعجيل بوفاته، وفي بعض المصادر ما يشير إلى تأزّم علاقة الرشيد بطبييه!!

 

د. صادق السامرائي

 

بكر السباتينهل الخيانة وجهة نظر!

الإمارات فعلت ما أبته الشعوب الأوروبية عن نفسها؛ ما استرعى من السلطة الفلسطينية أن قدمت شكوى رسمية ضد حكومة أبو ظبي، في الأمم المتحدة، لخرقها القانون الدولي بالاستيراد من المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية.

ففي الوقت التي تقاطع فيه الشعوب الأوروبية البضائع القادمة من المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلتزاماً أخلاقياً منها، وبما ينسجم مع القانون الدولي، إلا أن دولة الاحتلال الإسرائيلي وجدت لنفسها مخرجاً اقتصادياً من خلال إبرام اتفاقيات تجارية مع العديد من الشركات الإماراتية. دون الاكتراث إلى أن هذه الاتفاقيات تتناقض مع “القائمة السوداء” التي أطلقها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لحظر التعامل مع المستوطنات.

ونفذت السلطة الفلسطينية التي أبدت غضبها الشديد من اتفاقيات التطبيع العربية الأخيرة، التي وصفتها بـ “الخيانية”، تهديداتها، وقدمت الشكوى رسمياً ضد حكومة أبو ظبي، لاستيرادها منتجات المستوطنات، خلافاً للقانون الدولي.

صحيح أن ما وُصِفَتْ به الإمارات من قبل السلطة قد ينسجم مع سلوكها التطبيعي المُشين؛ ولكن لنعترف أيضاً بأن الأولى على سلطة أوسلو إيقاف اتفاقية التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي المجرم، فليس من الفضيلة أن تكون غارقاً بالوحل وتتهم الآخرين بالقذارة حتى لو استحقوا ذلك! في المحصلة على السلطة أن تمضي قدماً في مقاضاة النهج الإماراتي المشين كونه يمثل سابقة عربية لا مثيل لها، وغنيمة لم تكن تحلم بها تل أبيب.. فالتطبيع العربي المهين تجاوز كل الحدود الأخلاقية والقانونية.. وعموماً ف"الخيانة" ليست وجهة نظر.. والعدو هو من يتعدى على حقوق الشعب الفلسطيني بصرف النظر عن القرابة والنسب.. فرب أخ لك لم تلده أمك.. في المقابل فد تجد أخوة قلوبهم ميتة على بعضهم بعضاً، .. ففي زمن الرياء قد يحدث مثل هذا وأكثر.. عجبي!

**

سؤال مشروع!

من تراه الذي أوعز لداعش؛ كي تقوم بعملية تفجيرية "جبانة" تبنتها في محافظة صلاح الدين بالعراق راح ضحيتها جنودَ ومواطنين، غيرُ الذي صنعها!؟ أمريكا وعملاؤها في المنطقة مثلاً، كي تحجب الأنظار إعلامياً عن مصطلح الإرهاب اليميني الداخلي في أمريكا! فيكثر الحديث من جديد عن الإسلامفوبيا!؟ فكروا معي في ذلك! فالإرهاب اليميني حينما يتمدد، سيبحث أصحابه عن ستائر تخفي جرائمه! ومن سيفي بالغرض غير داعش التي ألْصِقَتْ بالإسلام وهو منها براء.. ولا أريد أن أبالغ فأقول بأنه من المحتمل قيام اليمين في بلاد العم سام بتنفيذ عمليات ينسبها لداعش لذات الغرض، ما لم ينفذها اليمين الأوروبي بالنيابة عنه! عجبي

***

سائل إلى المستقبل

إذا لم تتعامل الحكومة الأردنية في ظل أزمة كورونا مع قطاع التربية والتعليم بجدية أكثر بعيداً عن التجريب واستغلال الظرف الطارئ لفرض نظام التعليم عن بعد دون سد الثغرات التربوية الناجمة عن ذلك، ما يؤدي إلى انتشار ظاهرة الجهل المُقََّع بين الأجيال اللاحقة؛ فتوقعوا أن تسود بعض الأفكار المشوهة بين الشباب مثل انتشار ما يقال بأن الأرض مسطحة في سياق تحطيم الحقائق العلمية، لا بل سيأتي من يطالب بتعليم السحر الأسود في الجامعات! وسيخرج علينا من يعتبر ذلك نوعاً من الانفتاح الثقافي والتعامل مع هذه الظواهر المشوهة كوجهات نظر، وإن المبادئ معوقات للتنمية! عجبي!

**

لصوص وأقنعة

من مظاهر الفساد التي انتشرت أخبارها في الآونة الأخيرة، أن البعض يفتح المدارس الخاصة (المتوسطة أو الصغيرة) بأموالهم من باب الاستثمار في مجال التربية والتعليم، فيحسن الناس فيهم الظن كونهم من الفئة التي يبدو على أصحابها مظاهر التقوى والتدين والاحترام، لكنهم يتصرفون مع المعلمات كلصوص حقيقيين.. في إطار عمليات نصب يمارسونها في وضح النهار دون حسيب أو رقيب، فثمة قصص وقفت على تفاصيلها الصادمة من بعض المدرسات المشتكيات اللاتي أثبتن من خلالها أن اللصوصية لم تعد دمغة عار في مجتمع اختلط فيه الحابل بالنابل إلا من رحم ربي.

فمن أشكال اللصوصية أن إدارات بعض المدارس الخاصة، وبإيعاز من أصحابها "المحترمين"!! تنتظر حتى تستلم المعلمة الراتب المستحق لها وفق قرارات وزارة العمل الملزمة، بما يتضمن مساهمتيّ ْ المدرسة والضمان الاجتماعي، ثم تخيّر المعلمة المغبونة بين أمرين، فإما إعادة ما تساهم به المدرسة في الراتب والاكتفاء بمساهمة الضمان الاجتماعي، أو الطرد التعسفي.

بعض المدارس تنهي خدمات المعلمات وتفاوضهن على جزء من المستحقات المتبقية كي تسدد في وقتها الموعود،بذريعة عدم توفر الملاءة، وإلا فالدين سوف يظل مؤجلاً حتى يموت في الصندوق! ولو بحثت في ظروف هؤلاء المستثمرين ستجدهم منعمين برغد العيش وهمهم الربح الوفير على حساب المعلمين ولو بالتحايل على قوانين الطوارئ.. وهنا ألقي اللائمة على من يتعرض لمثل هذه الإجراءات المندرجة في قائمة اللصوصية والنصب على الناس، دون أن يتقدم بشكوى للجهات المعنية، حتى تصوب الأخطاء فلا تتحول إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها..عجبي!

 

بقلم بكر السباتين

24 يناير 2021

 

جواد العطارالخرق الامني الكبير بتفجير انتحاري مزدوج في ساحة الطيران بقلب بغداد، والتداعيات الاقتصادية ومشاكل الموازنة السنوية، وملف كورونا وتحدي توفير اللقاح لعشرات ملايين العراقيين الذي تخلف العراق عن توفيره أسوة بباقي بلدان الجوار والعالم، والقصف الصاروخي الذي يستهدف اماكن حيوية بالعاصمة والسلاح الارهابي والسلاح المنفلت والخلافات السياسية وعدم وجود مرجعية وطنية قادرة على صناعة القرار الملزم للجميع وانفلات العشائر وشحة المياه في موسم جاف غير مبشر وتعطل الصناعة وتوقف الزراعة والكثير الكثير من الملفات المطروحة والتي لم تجد لها اي حكومة سابقة او حالية حلا او محاولة جدية لمعالجتها... فماذا تفعل الحكومة حيال هذا الواقع المر والاليم؟ وهل يستطيع السيد الكاظمي الوقوف على حل للمشاكل المطروحة او بعضها؟ أسئلة يمكن الاجابة عليها من حكومة اصبحت دائميه وغير انتقالية بحكم الواقع مع تأجيل موعد الانتخابات المبكرة من حزيران الى اكتوبر وقابلة للتأجيل مرة اخرى حتى نهاية الدورة البرلمانية الحالية.

ان اتجاه الحكومة الى اصعب القرارات التي تمس المواطن البسيط في تخفيض قيمة العملة الوطنية ومحاولة معالجة الملف الامني بأسلوب التغييرات القيادية بشكل ارتجالي وغير مدروس حتى انها اعادت بدلاء المعفيين ذاتهم الذين اقيلوا قبل عدة سنوات، وسكوتها عن كافة الانتقادات وتراجعها عن قرارات اتخذتها في لحظات حاسمة تحت ضغوط بعض الاحزاب وانقيادها الى رؤى الكتل البرلمانية وضغوطها وهي اصلا متناحرة ولا تمتلك رؤية مشتركة حول اصغر القضايا... يجعل العراق على مفترق طرق ينبغي ان يتنبه اليه الجميع.

فحكومة الكاظمي غير قادرة على إدارة اي ملف ولن تنجح في تحسين الأحوال وتهيئة اجواء امن واستقرار ميداني وسياسي وديمقراطي ولن تتمكن من تجاوز الازمة الاقتصادية الخانقة لأنها ببساطة تحابي الاقليم على حساب  قوت المواطن البسيط وتقبل الحيف على الموظف البسيط بينما تعفي الكبار اصحاب الرواتب والامتيازات.

ان واقع مثل الذي يعيشه العراق يحتم على الجميع التدخل لإنقاذ ما يمكن انقاذه، فالدماء التي سالت في سبيل حماية امن واستقرار البلاد ورفعته تستحق التضحية حتى لا تذهب سدى.

انها دعوة الى طاولة حوار وطنية يشارك بها الجميع من قوى سياسية وشخصيات وطنية من كافة المشارب والاتجاهات تضع نصب عينيها مصلحة الوطن اولا؛ والدستور والقانون ثانيا؛ وتوجيهات المرجعية الرشيدة ثالثا. طريقا للخروج بموقف موحد تجاه  التحديات وكافة القضايا المطروحة وبالذات الخلافية منها وحتى يدرك اعداء العراق ان ابناءه موحدين عند الشدائد... وان التحديات الأمنية والاقتصادية والأخرى ستصبح من الماضي ان وجدت من يتصدى لها حكومة كانت ام برلمان او قوى سياسية او جميعهم بروح موحدة دافعها الوطنية ومصلحة الوطن والمواطن قبل المصالح الاخرى.

 

جواد العطار

 

 

محمد سعد عبداللطيفعود ثقاب أشعله البائع المتجول في جسده فاشتعلت في جسد الأمة حتي كتابة هذه السطور بعد أن صب الوقود على نفسه في ولاية سيدي بوزيد؛ احتجاجًا على احتجاز السلطات  التونسية بضاعته قبل عشر سنوات من اليوم، اندلعت شرارة ثورات شعبية لم يتوقع أحد حدوثها في العالم العربي، أثارت أحلامًا، عيش حرية، عدالة اجتماعية، عندما أسقطت شعوب دول الربيع العربي الأنظمة الديكتاتورية التي كانت تحكمها بثورات كانت سلمية في معظمها، ساد الاعتقاد بأن الناس سينعمون بالسلام والرفاهية والحرية التي حرموا منها على مدى عقود، فخرج علينا من اطلق علي أنفسهم خبراء، يعيشون أحلام اليقظة بتوزيع الثروة علي الشعب، وأن ثورتنا المباركة سوف يحملها جيل بعد جيل، وسوف يتعلم منها الغرب، وارتفعت أصوات البعض: ارفع رأسك يا مصرى، ولم يعلم أن السكاكين سوف تقطع الرؤوس، وأن السقف له حدود، غير أن العنف استمر وتصاعد، وأسقط الآلاف من القتلي والجرحي والمتشردين من الضحايا في دول الربيع العربي، بينما لا تزال سوريا وليبيا واليمن تخوضان مخاضًا أمنيًا من حروب أهلية وتدخلات دولية وإقليمية!!

 في مثل هذا  اليوم 25 من يناير 2011م حدث تاريخي غير وجه المنطقة برمتها؛ خرجت الجماهير في شوارع وميادين المحروسة في عيد الشرطة، لتندلع شرارة الثورة، فجاءت صرخة المحامي اليساري التونسي في شوارع الياسمين الخضراء: “بن علي هرب”، سمعها المستضعفون فى الأرض، ليرددوا بصوت واحد بعد صلاة الجمعة في جمعة المصير رايحين العصر للقصر، من عاصمة المعز الشعب يريد إسقاط النظام، ارحل.. فيخرج شباب متحمس في جنوب سوريا في مدينة (درعا) يكتبون علي حوائط المبانى جاء الدور عليك يا دكتور بشار، فيتم اعتقالهم  فتدخل سوريا في حرب مفتوحة، ثم تقلع  طائرة من تونس إلى جدة تحمل أول ديكتاتور، ثم يعلن “عمر سليمان” في بيان متلفز عن تخلي “حسني مبارك” عن السلطة، فتقلع طائرة تحمل مبارك وعائلته  إلى شرم الشيخ !!

 لتندلع بذلك شرارة الثورة فى دول عربية أخرى  من الموجه الثانية في السودان والجزائر ولبنان، وتسقط أنظمة زين العابدين في تونس، ومبارك في مصر، وكذلك يسقط الإسلام السياسي، ويُقتل القذافي، وعبد الله صالح، والبشير فى السودان يتم الإطاحة به، وعدم ترشح الرئيس الجزائرى، وتزرع أحلامًا جديدة بالحرية… فهل تحققت هذه الأحلام بعد عشر سنوات من الربيع العربي؟!!!

 لقد نجحت الثورة المضادة، وأعلنت الحرب علي التاريخ، واحتشدوا جميعًا لإفشال الربيع العربي، وإجهاض مسيرته، إما تضامنًا مع حلفائهم، أو دفاعًا عن أنفسهم؛ خوفًا من وصول شرارة الثورة كما حدث في البحرين أو الاثنين معًا، ففتحوا خزائنهم وحشدوا منابرهم الإعلامية واستدعوا عناصر الدولة العميقة من مكامنهم، وأطلقوا حملات التشويه والتخوين والتعبئة التي سممت أجواء الربيع، وأعلنت فكانت الانتكاسات والهزائم التي سربت القنوط إلى نفوس كثيرين، الأمر الذي سوغ للبعض أن يعلن على الملأ وفاة الربيع العربى، كما ذكرها من قبل الكاتب الصحفى “فهمي هويدى” في حوار صحفي علي CCN العربية، وكان يجب  طي صفحته، ومن ثم صبوا عليه اللعنات، وأهالوا على وجهه الأوحال، وتم نعته بمختلف أوصاف الشماتة والهجاء، حتي في مجلس النواب وقف نائب ليعلن رغم اعتراف الدستور الجديد بها، عدم اعترافه بثورة 25 يناير التي كان أخفها أنه كان خريفًا وخرابًا عربيًا، وهذا نتيجة 30 عامًا من الفساد السياسى؛ إنه عصر مبارك البليد !!!

 إذا قرأنا تاريخ الدول المتقدمة، سنكتشف أنها مرت بنفس المراحل قبل أن تحقق الاستقرار، ولا بد من حدوث فوضى قبل تحقيق الاستقرار الثابت الذي يمكن البناء عليه، نعمٌ؛ يمكن تحقيق الاستقرار مع الديكتاتورية، ولكنه يبقى استقرارًا هشًا ينتهي عند انتهاء الديكتاتور!!

 ثورات الربيع العربي مثلها مثل كل الثورات، بمجرد أن تنتصر على المستبد وتسقطه، تدخل في معارك جديدة مع أذناب المستبد، والمستفيدين منه فيما يُسمى بالثورة المضادة للثورات، كما حدث في دول أوروبا الشرقية عام 1968م، فيما يُعرف بثورة  (براغ)، وفي رومانيا بالثورة المضادة، وفي اوكرانيا بالثورة البرتقالية !!

 فبقايا الأنظمة المستبدة بعد نجاح الثورات تدخل فى معارك مع قيم وثقافة الثورات، من أجل الدفاع عن مكتسباتها وامتيازاتها قبل الثورات، ولابد وأن تستعيد الثورات توازنها، وترسخ ثقافتها وأهدافها بمرور الوقت؛ هذا الزلزال السياسى والجغرافى الذى هزَّ المنطقة الذى أطلقت عليه صحيفة بريطانية اسم الربيع العربى، لتشابه أحداثه مع الربيع الغربي في بداية عام 1845، حتى الثورة الفرنسية أدى إلى نتائج متفاوتة؛ فالتظاهرات الشعبية الحاشدة في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا تبعتها إصلاحات مخيبة للآمال في أحسن الأحوال، أو ردود أفعال قمعية من أنظمة ديكتاتورية، ولكن أيضًا نزاعات دامية !!

 ويُظهر التاريخ أن الثورات تحتاج إلى سنوات طويلة، غالبًا ما تكون صعبة، لبلوغ نتائجها؛ إلا أنه ليس من السهل العودة عن التغييرات التي تطرأ على أشخاص شاركوا في تلك الثورات، أو كانوا شهودًا عليها، وفى اعتقادى اطلاق مسمى (ثورات) على الربيع العربي نوعًا من الظلم؛ لأنها تمثل انتفاضة تاريخية حقيقية في حياة الشعوب العربية، فهى لم تكن نتيجة تخطيط مسبق وموجه من قبل قيادات اختارت ظروف ولحظة تفجير الفعل الثوري، لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسى، وإحلال فكر وأيديولوجيا بديلة، مثل ثورات ربيع شعوب الغرب، تمثل رؤية ومصالح طبقة اجتماعية جديدة، فهي ليست مثل الثورة الفرنسية  لها توجه سياسي قامت على ثلاثية العقل والحرية والإرادة في مواجهة اللاهوت الديني والتراتبية الاجتماعية، كما أنها لم تكن كالثورة البلشفية عام 1917م، والتي قامت تجسيدًا للأيديولوجيات الماركسية، فسادت طبقة اجتماعية واحدة، وألغت بقية الطبقات؛ كما أنها لم تقم بها طبقة اجتماعية تحمل مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، ولهذا فهى ليست ثورات اجتماعية وثقافية، بل هي انتفاضات تاريخية تحولت إلى ثورات سياسية؛ ولذلك هي إحدى الانتفاضات التاريخية الكبرى، رجوعًا لفكر  الفرنسي “آلان باديو” الذي يصنف الانتفاضات إلى ثلاثة أنواع، منها: انتفاضة جزئية ومحدودة كرد فعل على حدوث واقعة ظلم، والنوع الثاني من الانتفاضات هو تلك التي تكون تعبيرًا عن صمت مكبوت تفجر بسبب حدث عارض، أما النوع الثالث هو الإنتفاضة التاريخية التى يتواصل فيها زخم الفعل الثورى حتى يخلق وقائع تفتح آفاقًا تاريخية جديدة، فقد اختلط مفهوم الثورة والإنقلاب!!

 والإنتفاضة فى 15 من مايو  عام 1971م أطلق السادات اسم ثورة التصحيح، وفي  يومى 18و19عام 1977م خرجت الجماهير ضد ارتفاع الأسعار، فأطلق السادات عليها انتفاضة الحرامية؛ إن شواهد الفشل والانتكاسات التي حفلت بها مسيرة الربيع العربي، كما أن الإنتصارات التى حققتها الثورة المضادة ماثلة تحت أعيننا، ولا سبيل لتجاهلها، أو إنكارها بدورها، لكننى أزعم ان هذا كله، وذاك لا يعنى بالضرورة نهاية الربيع العربى، إذا احتكمنا إلى تحليل الواقع وخبرة التاريخ، وإذا اعتبرنا ما مررنا به درسًا نتعلم منه ما يبصرنا بأخطائنا، ومواطن الضعف فينا، وليس نعيًا لتطلعات شعوبنا وأحلامها !!

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

سامان سورانيفي الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني ٢٠٢١ عرض في إيران فيلم دعائي بعنوان "توكل" من ٩ دقائق  يظهر قاسم سليماني  قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، الذي قتل في الثالث من کانون الثاني عام ٢٠٢٠ في ضربة أمريكية بالقرب من مطار العاصمة العراقية بغداد، مشرفاﹰ على عملية عسكرية تنتهي بإستعادة قضاء مخمور، الذي يقع ضمن نطاق (المناطق المتنازع عليها) بحسب تعريف الدستور العراقي، من قبضة "تنظيم الدولة الإسلامية"، زاعماً أن الزعيم البيشمركة مسعود بارزاني "إستغاث بسليماني لصد خطر التنظيم"، وينتهي الفيلم الذي لايمُت للحقيقة بصلة هبوط طائرة ينزل منها أشخاص على أنهم قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وعسكريين آخرين في أربيل عاصمة إقليم كوردستان.

لو أمعنا النظر في محتوی الفيلم، تكشف لنا بأن الهدف من نشرە في هذا الوقت هو من الناحية السيكولوجية (التقليل من شأن الآخرين).

إنه أسلوب نفسي يلجأ إليه الإنسان إستجابة لما لحقه من إحباط نتيجة عدم قدرته على تحقيق دافع لديه، أو حين يصاب بصدمة نتيجة لفشله في مجال ما، فيبدأ بتقصي أخطاء وضعف الذين نجحوا حيث فشل، بل وفي إختلاق أخطاء وضعف لهم غير موجودة أصلاﹰ، والبحث عما يقلل من حجم شأنهم ونجاحهم، وتفسير ذلك النجاح بأسباب تحطُّ من قدرە، هذا بالفعل هو الأسلوب الذي يلجأ الیه أصحاب الفيلم الدعائي المذکور أعلاه.

الذین حالفهم الحظ أو سنحت لهم فرصة التعرف بالرئیس مسعود بارزاني عن كثب یؤیدون قولي، فهو کقیادي کان ولايزال مستعداً ليموت في سبيل قضية شعبه، إنه قائد من هذا الزمن يحمل في داخله  منذ مرحلة  مبکرة من عمله کبيشمرگه والی حین تمسکه زمام القیادة رؤیة وهدف إنساني نبیل، ألا وهو الوصول الی الحریة التامة لشعبه وإستقلالە، لايستغيث إلا بالله. 

وللتاريخ نقول، لقد بقي الزعيم مسعود بارزاني في مدة عام وخمسة أشهر من الحرب ضد داعش ١٩٨ يوماً في جبهات القتال، کان يشرف بنفسه على قوات البيشمركة، وقد زار عدة مرات جبهات القتال في جميع المحاور. 

بالتأكيد هناك جهات تعتقد أن بٳمكانها ٳرغام الشعب الكوردستاني علی التنـازل عن قیمه وٲهدافه، عن طريق التضليل والإعلام والأفلام الدعائية والسلاح والمال، لکن هذه الجهات لاتعلم بأن هناك الملايين من الشباب الكورد المؤمنين بالقيم والأهداف العليا للبارزاني الخالد، یحمون كرامة وسيادة شعبهم ولا يستنجدون بالأجنبي للدفاع عن حقوقهم الشرعية، لأنهم يعلمون أن المثابرة لا القوة، هي التي تصنع الاعمال العظيمة.

نحن في كوردستان لانريد لبيتنا أن يكون محاطاً بالاسوار ولا أن تكون نوافذه مغلقة، بل نريد أن تهب على بيتنا ثقافات كل الأمم.

الرئيس مسعود بارزاني کمهندس كبیر بالسياسة على مستوى المنطقة والعالم يمتلك ويحظی بکافة الصفات الشخصية للقائد، کالثقة بالنفس والإتزان الإنفعالي والسیطرة والذکاء والمبادءة والطموح والمرونة والحماس والبشاشة والمرح والحساسیة الإجتماعیة والشجاعة والإبتكار والابداع واللباقة والموضوعیة، يعزز بسياسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، فهو یرید أن ینقل هذه التجربة الكوردستانیة الناجحة الی کافة أرجاء العراق والمنطقة لأنه یدرك جیداً بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته، لذا نراه یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك يؤکد علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية ويحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وكذلك یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة الشعب العراقي بشکل عام والشعب الكوردستاني بشكل خاص، بعيداﹰ عن نشر روح العداء والكراهية والتبخيس في التقليل من وزن وقيمة الناس، لتبرير العدوان تجاههم، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة.

وختاماﹰ نقول: الإحتماء والتشبث بالهويات المسيّجة والسيادات المصطنعة لاتجدي ولاتسهم في بناء علاقات التعايش والتواصل.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

نايف عبوشوإعادة تشكيل عالم مابعد كورونا

لقد كشفت جائحة فيروس كورونا عيوب الحضارة الغربية المعاصرة بكل تداعياتها المادية، بعد أن بان تدني فاعلية النظام الصحي في مؤسساتها العلمية والطبية بشكل صارخ، واخفاقه في التصدي للجائحة على النحو المرجو .فالتداعيات السلبية التي يعيشها عالم اليوم، وفي المقدمة منها العالم الصناعي المتطور، بما فيها الفساد السياسي، والافلاس القيمي، والأخلاقي، والتلوث البيئي، بالإضافة إلى عجز بلدان تلك المنظومة عن إيجاد الحلول المناسبة للوقاية من فايروس كورونا، وغيره من الأوبئة المستعصية،كلها تصب في خانة الإساءة إلى الإنسان، والفتك بصحته.

ومع أن جائحة كورونا وبكل آثارها المأساوية من الفتك بالإنسان، وشل حركة الحياة، كانت كارثية حقاً، فأن النظم الصحية في الدول الرأسمالية، ومنها الولايات المتحدة بدت عاجزة، في معالجة الجائحة. فقد انهار نظامها الصحي تماما، فلا معدات وقائية طبية، ولا مستشفيات تكفي، وترك الفقراء، ليلاقوا مصيرهم المحتوم. ولا ريب أن ترك العائلات تستعد لفراق احبتها، وما حصل من إهمال لكبار السن ليموتوا، ويواجهوا مصيرهم، وتحويل الاجهزة الانعاشية الى الشباب المصابين، كان إفلاسا مقرفا للقيم الديمقراطية الغربية الزائفة، وامتدادا لفكر اقتصادي مالثوسي بشع، قامت عليه الرأسمالية المتوحشة، التي ما انفكت تتمادى في سعيها المادي الجشع، لتعظيم الأرباح، ومضاعفة العائد على رأس المال، كأسبقية أولى في ترتيب أهدافها، عند ممارسة أي نشاط.

أما في دول العالم الثالث فكان الوضع مأساويا ومقرفا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وذلك بسبب ضعف الإمكانات المتاحة، المادية والعلمية معا، عندما انهار الأمن الصحي بالكامل، وغاب اللقاح، وشح الدواء، واضطر الناس للحجر البيتي التلقائي، لمواجهة المصير ألمحتوم، أو بانتظار حصول معجزة الفرج الإلهي، بصرف الوباء والبلاء وغلاء الدواء عنهم.

ولا ريب أن الإنتشار السريع للفايروس، وغزوه العالم بهذا الشكل المفزع والمروع، والعجز  التام عن الوقاية منه، أو معالجته بشكل مطمئن، قد هز عروش الديمقراطيات الغربية المهووسة بحقوق الإنسان، بعد أن مرغ تشدقها بالقيم والمثل الانسانية بصديد تداعيات الكارثة المأساوية، وكشف مدى الإنهيار الأخلاقي، والقيمي، لمعايير مدنيتها المادية الراهنة.

وهكذا يبدو أن الأوضاع بعد حقبة جائحة كورونا في العالم كله، قد لا تبقى كما هي عليه الآن . وهذا يعني، أن نظرية نهاية التاريخ، بالتوقف عند تخوم الحضارة الغربية المعاصرة، كما تم الترويج لها، ستبقى مجرد أوهام في عقل، وثقافة واقع حضاري معاصر، يعيش تناقضات عميقة، تحمل في طياتها، أسباب انهيار هذه الفرضية. فالسيرورة الحضارية الإنسانية ما برحت مستمرة، وبالتالي فإن التاريخ لن يتوقف عند محطة بذاتها،ولاسيما بعد جائحة كورونا، وهو ما قد يفضي إلى رؤية أخرى جديدة ومغايرة، ربما تخفف من غلواء، وسلبيات ثقافة سوق المنافسة،بعد تقييدها بمنعكسات إيجابية على الصحة العامة لشعوب العالم، المتقدم منه، والنامي،على حد سواء.

  ولذلك قد تتهاوى نظرية (نهاية التاريخ)، وتتداعى فلسفة (صراع الحضارات)، التي زعمت أن التاريخ قد توقف عند النموذج الرأسمالي الأميركي وحسب، وأن العقل البشري، قد وصل سقف التطور، بابتداع هذا النظام المتمركز، الذي هيمن على العالم، وفرض قيمه، وثقافته المادية عليه، في عولمة عصرنة صاخبة، مفتوحة في كل الإتجاهات بلا قيود، مما يبرر متطلبات البحث في تشكيل عالم جديد بديل، رغم كل ما قد يواجه هذا المنحى من صعوبات.

ومن هنا فإن الأمر يتوجب أن يأخذ العالم، المتقدم منه، والنامي، على حد سواء، العبرة، ويستوعبا الدرس من تداعيات هذه الجائحة، ومما هو قادم من مثلها، وان يتم الشروع بتبني استراتيجيات جديدة على مستوى دولي، توظف العلم، ومعطيات التطور، بشكل جاد في خدمة الإنسانية، والتركيز على حظر توظيفه للشر، والدمار الشامل، تحت أي ذريعة، وذلك بالعمل على تشكيل عالم جديد، يقوم على التعددية والتكامل، وليس الهيمنة والقطبية الأحادية، وصراع الأقطاب، وإشاعة ثقافة التعايش السلمي بين الشعوب، والتركيز على توظيف مستجدات التطور العلمي والتقني، بأبعادها العلمية، والطبية، والفلسفية والدينية والحضارية، بما يرسخ منعكساتها الإيجابية على الإنسانية، والعوالم الأخرى، والبيئة، بمنظور أخلاقي، يتجاوز حسابات دافع الربح المجرد، واسدال الستار على سباق التسلح بكل أشكاله، البيولوجية، والنووية، الساخنة منها، والباردة، وأن يتم التخلي عن فلسفة الحقيبة النووية، ليحل محلها إعتماد نهج الحقيبة الطبية، إذا جاز التعبير، بكل ما يعنيه، هذا النهج، من ضرورات التركيز على الأبعاد الإنسانية، والمعاشية، والصحية، والتعليمية، والاجتماعية، والبيئية، وتعميق ثقافة النهوض بهذه المعايير، في عالم ما بعد كورونا، الذي يبدو أنه قيد التشكيل، عاجلاً أم آجلا.

 

نايف عبوش

 

علجية عيشلقد عَلّمَتْ (بتشديد اللام وفتحها) الثورات العربية دروسا ثمينة لم يكن من السهل اكتسابها بنفس السرعة وبنفس العمق، ثورات أعطت للأنظمة ومن يحركها  درسا لا يُنْسَى، ونجاح هذه الثورات يعود إلى تطور الممارسة  الثورية للجماهير التي رسمت آفاق الثورة العربية وحددت مضمونها وطريقها، لكن وجب هنا التساؤل لمعرفة من هو الرابح ومن هو الخاسر في هذه الثورات، أي معرفة من هم الزارعون ومن هم الحاصدون؟، يقول متتبعون للشأن العربي أن نظرية ستالين  في الأمّة والقومية لم تستطع أن تحتوي الواقع العربي الحرّ، ومأساة هؤلاء هي أنهم يحاولون إخراج التاريخ من رؤوسهم.

لم تعد شعوب دول العالم الثالث وحدها التي عاشت ثورات داخلية، بل العالم كله حتى الدول المتقدمة والتي كانت في يوم ما تتحكم في مصير الشعوب ولا تزال إلى يومنا هذا، وتتدخل في شؤونها الداخلية  بطريقة أو بأخرى، تارة باسم التسامح والتعايش، وأخرى باسم التعاون الإقتصادي  وربط الشراكة فيما بينها من أجل تقوية العلاقات، وتناست الدول المُسْتَعْمِرَة (فرنسا كنموذج) ما ارتكبته من جرائم في حق الشعوب، والتي كانت سببا في قيام الثورات العربية في كل دولة من الدول التي اصطدمت أنظمتها مع شعوبها وعاشت حربا أهلية  ما تزال آثارها إلى اليوم، والشارع العربي يحيي الذكرى العاشرة ( 2011) على ثورة الياسمين في تونس 2011، أو كما يمسيت بثورة الخبز، والثورة في سوريا التي بدأت في مارس من نفس السنة، رفع فيها الشعب السوري لافتات تطالب بإقالة الأسد، خلفت آلاف القتلى والنازحين.

والثورة في مصر  أو ما اصطلح عليها بميدان الثورة، أو ميدان التحرير، عاش المصريون أحداثها في نفس السنة،  ثورة قيل عنها أنها حركت الضمائر الميتة، بعدما أشعلت الشرارة في الأوساط الشعبية، أسقطت فيها الرؤوس الفاسدة، ثم انتفاضة الليبيين في 2011، عندما خرجت الجماعير العربية في مظاهرات مطالبة بإقالة الزعيم معمر القذافي، وحق الشعب الليبي في التعبير عن رأيه، ووقعت صدامات دموية في مدن  ليبية أبرزها في بنغازي وطرابلس ودرنة  والبيضاء، سقط فيها الآلاف من القتلى، بعد حملات عسكرية قامت بها الولايات المتحدة ضد ليبيا بمساعدة الحلف الأطلسي، ولا يزال الليبيون اليوم رغم إقالة القذافي يدفعون ثمن التدخلات الخارجية، بل يواجهون مرحلة أشد قسوة في انتفاضتهم ضد نظام حفتر، وهم يواجهون الحرب من كل الجبهات، حرب القذاذفة وأولاد سليمان، وحرب التوارق  والتبو، و...و...الخ.

هذه الثورات التي يطلق عليها اليوم اسم "الربيع العربي"، يقول عنه البعض أنه مسَّ دولا دون دول أخرى، ما يجعلنا نعود إلى الوراء بعشر سنوات أو أكثر، عاشت بلدان أخرى ثورات شعبية حركت العالم كله، ولعله يجدر بنا الوقوف على أحداث سبقت الربيع العربي عاشتها دول من قبلها، وتمكن شعبها من الصمود في وجه جلّاديهم رغم الإعتقالات والإغتيالات، فقبل ميلاد الربيع العربي في 2011، انطلقت ثورات شعبية لم يتوقع أحد حدوثها في العالم كله، والتجربة الجزائرية خير  مثالٌ عمّا عاشته من أحداث بدءًا من الربيع الأمازيغي الذي عاشته في الثمامنيات من القرن الماضي، استيقظ فيها العالم على ثورة اندلعت شرارتها في بداية 1980 ثم 05 أكتوبر 1988،  لقد لقبت أحداث أكتوبر 88  بثورة عربية قبل الأوان، انقلب فيها الشعب على النظام، ثم العشرية السوداء التي دامت عشر سنوات كاملة، هي تجربة رائدة حققها الشعب الجزائري من أجل مواجهة استعمار داخلي عاث في الأرض فسادا،  استعمار داخلي جوّع الشعب وأغرقه في الفقر والبطالة، فكان عليه أن ينتفض ويواجه جلاده، وإجهاض كل مخططاته، ووضع حد للصراعات الداخلية،  بعدها بعشر سنوات عاشت الجزائر اضطرابات أخرى عنيفة إثر مقتل الفنان معطوب الوناس في 1998، ثم مقتل الطالب مايسنيسا في الجزائر عام 2001، فيما عرف بـ: "الربيع الأسود"، اشتعل فتيل المظاهرات بمنطقة القبائل والولايات المجاورة لها، ارتفعت فيها أصوات تنادي بحقوق الإنسان وحرية التعبير وتوفير الحقوق الطبيعية للإنسان والمساواة وتحقيق العدالة الإجتماعية والديمقراطية، شهدت فيها المنطقة كثير من التغيرات وحركات التمرد، أثرت سلبا على الأوضاع الإجتماعية والسياسية والثقافية.

كان هذا من باب وجه المقارنة بين هذه الأحداث وأحداث 2011، لم تكن هذه الثورات ثورة رجال، بل كانت معركة النساء ايضا، نساءٌ خرجن  لمحاربة الثقافة "الذكرية" ووضع حد لإيديولوجيا  متحيزة للرجل، كما عرفت هذه الثورات بثورة الطلاب، والعمال، والنقابيين والمحامين  والأطباء، وقفوا وقفة المتمرد الرافض  لكل سلوك دكتاتوري، من أجل إحداث نسق لقيم جديدة،  فلكل دولة ولكل شعب مشروعه الوطني، ولكل مجتمع خصوصياته، وثقافته، رغما ما حدث، هناك من يقول أن ثورات الربيع العربي مبالغ فيها، وتجاهل أن هذه الثورات قامت من أجل "الحرية والكرامة"، سُفِكَتْ من أجلها الدّماء، مات من مات تاركا أطفال يتامى، والذين كتبت لهم الحياة بعضهم أصيب بالإعاقة والشلل، وآخرون مازالوا صامدين إلى اليوم، حتى تسقط الأنظمة الدكتاتروية الفاسدة، ومن هذا المنطلق يتبادر إلى الأذهان سؤال يجب ان يطرح وبشكل عقلاني لمعرفة كيف نقيس عمر الثورات، هل بالأعوام أم بالأحداث؟، ومن كان وراء تحريك الشعوب لنفض عنها الغبار والنهوض مجددا لإسكات صوت الأنظمة وقطع لسانها؟.

لم تغير هذه الإنتفاضات أو الحروب الأهلية الوضع السياسي والإقتصادي والإجتماعي للمواطن العربي، بل ساهمت هذه الإنتفاضات والحروب الأهلية في انتشار  الجريمة المنظمة، بظهور عصابات تهريب الوقود والسلاح والمخدرات وصولا بالإتجار بالبشر، دون أن ننسى جرائم القتل والإختطاف والإغتصاب، كما ساهمت في تزايد المضاربين  في السلع ورفع الأسعار، فكان الرابح الوحيد فيها هو السلطة وأرباب المال والأعمال والإنتهازيين من رجال السياسة، الملقبون بـ: " الستاليين العرب"، والمواطن الفقير لا يزداد إلا فقرا كلما تأزمت الأوضاع، ولكن، فبالرغم من ذلك، ومن باب التفاؤل،  يمكن القول أن هذه الثورات تظل "رائدة"  لأنها  أوصلت صوتها إلى العالم كله، وإلى الرأي العام الدولي، وحركت بعض الضمائر، وعلّمت دروسا ثمينة، لم يكن من السهل اكتسابها بنفس السرعة وبنفس العمق، حيث أعطت للأنظمة ومن يحركها  درسا لن تنساه، ويمكن القول أن نجاح ثورة من الثورات يعود إلى تطور الممارسة  الثورية للجماهير اتي رسمت آفاق الثورة العربية وحددت مضمونها وطريقها، الجماهير المناضلة، المجاهدة،  النزيهة الصادقة في نضالها وجهادها، المخلصة لدينها ووطنها، وكما يقال فالتاريخ تكرار وليس تجاوزا.

 

علجية عيش

 

 

مصطفى محمد غريبفي مصر وإثناء حقبة التراجعات عن النهج السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد وفاة جمال عبد الناصر ولا نريد الدخول في التفاصيل لكن أتذكر اسم للفساد اطلق تحت شعار شبح " القطط السمان" وكان المعني الثلة من الأغنياء الجدد والقدماء الذين استغلوا عمليات الانفتاح الاقتصادي وراحوا ينهبون اليابس والاخضر وفي المقدمة قطاع الدولة، فسمنوا حتى التخمة بينما خلف الانفتاح الاقتصادي زيادة في الملايين من الساكنين المقابر من الفقراء والمحتاجين والعاطلين والمهاجرين من أجل لقمة العيش، ومثلما قلتُ أن  التفاصيل معروفة للشعب المصري وقواه الوطنية الشريفة ، الوضع في العراق لا يقارن مع الوضع المصري حينذاك إلا بمقولة الفساد العام الذي أنتج بدوره ليس القطط السمان من البرجوازية الطفيلية والأغنياء القدماء فحسب بل شلة جديدة من (الملتي ملياردير) التي كانت تعتمد على الموائد الخارجية، وحملت حملها من الحقائب الخفيفة  وجاءت بواسطة الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري فتسنت لها الأوضاع بما فيها السلطة والنهج الطائفي والمحاصصة الى تسمين نفسها فأصبحت بدلاً من القطط السمان ومخالبها الاقتصادية العادية، ضباع ضخام بحقائب ثقيلة سافرت للخارج بأريحية واستقرت في بنوك ومصاريف وأسماء وهمية للدلالة، وبمخالب مسدسات كاتمة للصوت وبنادق اتوماتيكية ومدافع ورشاشات ودبابات ومدرعات  وسيارات مظللة حديثة ومئات المرتزقة وحمل ثقيل يقدر بالمليارات، هذه الحالة هي الفجوة الأمنية الاولى والأخيرة لها مخاطر العودة والبقاء في المربع الأول من التفجيرات والخطف والاغتيالات الإرهابية من قبل المنظمات الإرهابية وفي مقدمتها داعش الإرهاب فالبلاد وما تحتويه من انقسامات سياسية ووجود تنظيمات وميليشيات مسلحة وسلاح غير محصور في يد الدولة وقاعدة فكرية واسعة كان المفروض معالجتها وفق أساليب عملية وعلمية  لكي لا تستطيع المنظمات الإرهابية والميليشيات الطائفية من استغلالها والاستفادة في وجود ظهير وقاعدة  لتنظيم الخلايا والخلايا النائمة التي تنتظر الإشارة بالتحرك وإعادة نشاطها على شكل تدريجي، حكومة حيدر العبادي ومن بعده عادل عبد المهدي لم يفقهوا او رفضوا النصيحة  بضرورة ملاحقة الإرهاب وقواعده الفكرية بالعمل الفكري التنويري لأن الانتصار العسكري لا يكفي ولن ينهي معضلة الإرهاب أو حصر السلاح بيد الدولة، وبمجرد رحيل حيدر العبادي وحكومته ومن ثم إقالة عادل عبد المهدي بعد الاحتجاجات الجماهيرية وانتفاضة تشرين 2019 فقد بدأت التحركات الإرهابية وتمدد الفصائل المسلحة بالوقوف ضد مصطفى الكاظمي الذي أعلن التحرك لحصر السلاح بيد الدولة، الى جانب الذهاب الى انتخابات نزيهة وعادلة مبكرة حسب تصريحاته في السادس من حزيران 2021 ، ونجد كلما اقترب موعد الانتخابات ازدادت المضادة من أجل التأجيل او ترحيل الموعد ليتسنى للبعض من القوى المتنفذه افشالها للحصول على مكاسب انتخابية تستطيع من خلالها الهيمنة وتسيير الأمور حسبما تريد.

قبل التأجيل كثر الجدل في تلك الأيام حول إجراء أو عدم إجراء الانتخابات العراقية، فقد ذُكر في البداية تاريخ السادس من حزيران المقبل موعدًا للانتخابات المبكرة، إلا أن التاريخ المذكور بقي محط تجاذب ونقاش ما بين اتجاهين.

1 -: القوى السياسية المستفيدة والمتنفذة التي بقت تتصدر المشهد السياسي بواسطة استغلالها في تزوير الانتخابات وباقي التجاوزات مما جعلها تتحكم بالعملية السياسية وتستغل وجودها في هرم السلطة  السياسية لحماية الفساد المالي والاداري، هذه القوى السياسية الدينية تراهن على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه ليتسنى لها الاستمرار بدون أي تغييرات جوهرية بل عبارة عن تغييرات شكلية لا تمس جوهر الفساد والهيمنة وفق منهج المحاصصة الطائفية التي تسببت في الكارثة المدمرة التي تحيط بالبلاد، وهذه القوى ليست الوحيدة القادرة على التحكم والسيطرة بل الى جانبها الفصائل المسلحة التابعة والميليشيات الطائفية المدعوم اكثرها من قوى خارجية

2 -: القوى السياسية الوطنية والديمقراطية وانتفاضة تشرين وجميع الذين لهم مصلحة في تنفيذ انتخابات تشريعية عادلة ونزيهة لإحداث إجراءات ذات هدف وطني للتخلص من نهج المحاصصة والفساد وحصر السلاح بيد الدولة.

واشار لها في هذا المضمار رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي " ان القوى والتيارات " تدرك جيداً أن ثمة مستلزمات اساسية لهذه الانتخابات يجب العمل وممارسة الضغط من أجل توفيرها لكي تنهض بالدور المنشود؛ اهمها تأمين منظومة انتخابية عادلة ونزيهة حقا، وتشمل المنظومة قانون الانتخابات ومفوضية انتخابات مستقلة فعلا".

على ما يظهر إن الاتجاه الأول استطاع التأثير للتمديد على الرغم من الإصرار في البداية على السادس من حزيران من قبل مصطفى الكاظمي وقد غير موقفه الذي كان يعلنه " قدرة حكومته على تأمين انتخابات مبكرة بخطط عسكرية وأمنية" وتأكيدات أخرى بالالتزام حول موعد للانتخابات المبكرة، تأكيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي "وجاء هذا الموعد إيفاءً بتعهداتنا بإجراء الانتخابات خلال عام من تولينا المسؤولية" في السابع من مايو أيار 2020 " كل تلك التأكيدات والتعهدات ذهبت ادراج الرياح  عندما صرح مصطفى الكاظمي لاحقاً بتأجيل موعد الانتخابات  حسب قوله " للحاجة " للتمديد من أجل مواعيد الترشيح وإعطاء " وقت أطول لاستكمال جدول العملية وضمان انتخابات حرّة ونزيهةً وعادلة" وسط هذا الزخم من الصراع والتناقضات حول إجراء الانتخابات وبروز قناعات بأن التأجيل سيلحق الضرر بعملية التغيير والإصلاح يطل برأسه نوري المالكي  من أجل تحقيق حلم العودة واستحصال موقع رئيس الوزراء من جديد بمغازلة رئيس الولايات المتحدة الامريكية جو بايدن الصديق ولا نعرف كيف سيكون حل المعضلة ما بين التوافق بين التأييد لجانبين متناقضين أمريكا وايران في آن واحد. في الوقت نفسه تدخل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات على خط الصراع فيعلن مصدر رفيع المستوى فيها الخميس 21 / 1 / 2021 " إن الانتخابات تأجلت لأسباب وصفها بالسياسية والفنية" لتنضم للتصريح أعلاه النائب ألماس فاضل عضو اللجنة القانونية النيابية " ان الانتخابات تأجلت لأسباب وصفتها باللوجستية" وهنا تعني عدم إمكانية المفوضية إتمام الإجراءات الانتخابية مرجحة ترحيلها الى الشهر أكتوبر 2021 ، الانكى من كل ذلك ما كشفه كاظم الصيادي النائب المستقل يوم الجمعة 22 / 1 / 2021 عن وجود اتفاق سياسي جديد وعن التوافق في الدولة العراقية ومحاصصة تحت طائلة من الصفقات السياسية ايضاً وهي عبارة عن تسويف المطالب الجماهيرية وحجة عدم جاهزية المفوضية وبهذا وجود عدم رغبة الكتل السياسية  وهي اتفقت " على إجراء الانتخابات في منتصف 2022،  بينما مجلس الوزراء قد حدد موعداً جديد هو الشهر العاشر  تشرين الأول 2021 موعداً جديداً لإجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة وبهذا حسم الجدل. اذن نجحت القوى المتنفذة في التأجيل الذي كان هدفاً بارزاً من مخططاتها لكي تتسلح تماماً بتبويش  المطالب الجماهيرية بما فيها انتفاضة تشرين وعدم تحقيقها بشكل يتلاءم مع عملية الإصلاح والتغيير نحو انتخابات نزيهة وعادلة تنتج سلطة تشريعية تتمكن من تشريع القوانين التي تساهم في إقامة الدولة المدنية وتساهم في حصر السلاح وملاحقة ضباع الفساد في الدولة، أن البقاء على القديم الذي يراد بموجبه خوض الانتخابات في أجواء تناسب البعض من القوى المتنفذة، وبما ان الشكوك تحيط اساساً بمستلزمات  الانتخابات والذي قال عنها رائد فهمي انها " ليست متوفرة حاليا بدرجة تضمن نزاهة وعدالة الانتخابات القادمة" فنحن لم نأت من فراغ عندما اشرنا في مقال سابق وبالتفصيل وقبل أي حديث عن التأجيل " شبح تأجيل الانتخابات يطرق الأبواب".

هذا هو الشبح أيها السادة! لا يحتاج الى براهين وأدلة لأن الرجل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إذا كانت نيته حسنة! سوف يخضع ليس للشبح فحسب بل لأشباح موجودة في القوى المتنفذة وقوى ترتبط بقوى خارجية، هذه المنظومة المعقدة الشبحية العلنية في الوقت ذاته المتمكنة بإمكانيات مالية هائلة ودعم خارجي معروف لن تسلم راية الفساد وإقامة انتخابات عادلة ونزيهة إلا على جثثها السياسية وهو أمر بالغ الصعوبة يحتاج الى مستلزمات وطنية كبيرة.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

قاسم محمد الكفائيفي ظروف استثنائية اعتمدتها مؤسسة المباحث السعودية الإماراتية من أجل بث رسالة عاجلة الى المنطقة مفادها أننا قادرون على توظيف كل الإمكانات لتحقيق ما نصبو اليه، وأن الهدوء النسبي الذي تشهده المنطقة حال مغادرة ترامب للبيت الأبيض يمكننا توظيفه الى حالة حرب في العراق لإشعال المنطقة وإنشغالها بإطفاء حرائقها، ولتعميق جراحاتها بدفع خطوط داعش النائمة لعمل تخريبي لأي موقع نخطط له في بغداد العاصمة.

تفجيرات بغداد يوم الواحد والعشرون من شهر كانون الثاني الجاري تُعَدُ نموذجا يفسر تلك الحالة السيئة التي شهدها العراق في ظل حكومات الإنفلات والفساد، وفي ذات الوقت يُفسر حالة الفشل السياسي على مستوى المنطقة والعالم الذي انتاب المملكة والإمارات ما بعد انتصار بايدن في الإنتخابات ومغادرة ترامب البيت الأبيض دون رجعة. كذلك يمكن إضافة تحليلا آخر لما ورد بأن هذه التفجيرات هي رسالة تحدٍ الى بايدن من أننا فاعلون وفي أي موقع.  

العراق تتوفر فيه عدة عوامل لأن يكون الأرض الرخوة لتنفيذ أجندات المملكة وحليفتها الأمارات بدفع إسرائيلي. من هذه العوامل هو الصراع القائم ما بين الأقطاب السياسية وانشغال مسؤوليه بالنصب وسرقة خزينة الدولة، كذلك الهبوط الحاد بعدم الكفاءة في المؤسسة الأمنية، الى جانب إنتماء أرفع المناصب في الدولة الى الخارج وليس الداخل.

منذ سنين مضت أشرت في مقالات سابقة كنت قد كتبتها بأن مؤسساتنا الأمنية لم تعد صالحة لمواجهة المخاطر وهي فاشلة الى الدرجة التي لا تستوعب وضع أي برنامج أمني قادر على حماية البلاد ومصالحة وحماية أرواح الناس ما لم تشمل حالة التغيير جذور المؤسسة أولا.

في لقائين منفصلين متفاوتين في الزمان مع سفيرين عراقيين حضرتهما داخل سفارتنا في أوتاوا عاصمة كندا.عرضت كفائتي لهذا الغرض، لكنني واجهت شيئا من السخرية بالقول على الطريقة العراقية (من يقره من يكتب...؟ يقصدان الداخل العراقي في ظل الفوضى الخلاقة والفساد).

التقيت كذلك بمسؤولين عام 2012 في المنطقة التي يسمونها خضراء وتحدثت لمن هو أقرب الى رئيس الوزراء وكل الحكومة فلم أجد فيها من يدعمني سوى التسطير بالأقوال وتكرار الوعود دون أن يتعرفوا على الإمكانات الحقيقية التي فيها وجدت صورتي دفاعا عن وطني وشعبي، لكن الفاسد والنحس لا يطهر بماء دجلة ولا الفرات.

إذن: المهنية لا تكتمل ولن تكفيها أبدا الدراسات الأكاديمية ومنح الشهادات دون خبرة، والإمتيازات الفضفاضة في ظروف تمر على البلاد فيها الفساد والإستهتار السياسي يطغيان على الحس الوطني والمصالح العامة، فلو وُجدت الإمكانيات يمكن أن نسميها خبرات عشوائية أو كلاسيكية لا تتناسب ووضع الداخل العراقي أو الخارج وتطورات الحياة في الأمن والسياسة.

فالمهنية تأتي بالموهبة والمتابعة لعنصر عاش سنين حياته في السجون السياسية والتغريب تتخللها محاولات القتل والإختطاف التي تعرض لها ونجى منها باحترافية لا يعرفها مثل أولائك المشغولين بفسادهم وصراعاتهم.

عندما يتسلق جاهل على المؤسسة الأمنية العراقية ويصبح قائدها ولا يحمل تلك القيمة المعرفية في إدارتها وتعميم برامج الحماية الصحيحة على البلاد سيكون هذا الجاهل في هذا الموقع نقمة وأداة تدمير وقد عشنا هذه الظاهرة منذ عام 2003 فصارت مؤسساتنا مهزلة عند البدو والحضر.

لقد خسر العراقُ الكثير من إمكاناته الإقتصادية والبشرية تحت دوامة تجديد الإجرائات وتغيير المسؤولين الأمنيين وغيرها من ترتيبات لا تصلح أن تكون حلا لمعضلة في زاوية من زوايا المخاطر القائمة، أو حتى على مستوى شارع في بغداد والموصل مما جعل الثغرات تتعدد وتنفذ منها تلك الوحوش الكواسرالى حيث يشاؤون ليحققوا فيها أهداف الإرهاب الدولي والإقليمي.

لقد نجحت السعودية على إحرق العراق بتدبير أمريكي إسرائيلي دون أت تواجه الرد المناسب سوى أن حكومتنا أبدت تعاطفها مع المملكة وحسن نواياها بما لا يقبله العقل ولا المنطق حين أعادة عناصر الإرهاب للسعودية أو قطر بارتياح دون عناء. أما العناصر الداعشية الوهابية التي في السجون العراقية فطعامها ومنامها من الدرجة الأولى تحت ذريعة (حقوق الإنسان) التي تعلموها من الإدارة الأمريكية والأوروبية ولا يفهمون أن الإنسان نوعان بخيره وشره فهما يحددان شموله بتلك الحقوق من عدمه. بهذا فقد نجحوا بتمرير تلك الذريعة على الأغبياء فالتزموا بها وهم صغارا مما شجع الإرهابيين على فعل المزيد دون وجل.

إنتفض رئيس وزرائنا مصطفى الكاظمي ما بعد حادث التفجير المروع فغير مناصب وبدل شخصيات أمنية أو طرد بعضهم منها إعتقادا منه أن القادمين الجدد سيحلون العقدة وينتشر الأمن في البلاد.

ما بعد التفجيرات الأخيرة ببغداد قام السيد الكاظمي بتغيير بعض الضباط الأمنيين المسؤولين عن مناطق التفجير وغيرهم واستبدلهم بآخرين. هذا الإجراء بعينه لا يعالج ولا يسد ثغرة، لأن المشكلة لا يحلها تغيير ضابط أو أفراد، وإنما الصحيح هو أن تجلس على الطاولة وأمامك كبار ضباطك المختصين، الى جانبهم خبراء في السياسة والأمن الإستراتيجي، وفي الشأن البغدادي.

على تلك الطاولة تسلمهم بغداد العاصمة بخرائطها السياسية والمجتمعية والبلدية وتسألهم عن إمكانية تحصينها من كل المخاطر المحتملة من عدمه...ووو.

تنتهي الجلسة بعد ساعات النهار، تلحقها جلسة أخرى بعد أسبوع تكون فيها المناقشات أدق وأعمق وأطول من سابقاتها لأنها تناقش برامج الأمن والحماية التي أحضرها المختصون. وقد تستغرق أسبوعا آخر في لقاء يومي متكرر. أما التنفيذ فعند الجاهلين يحتاج الى عشرة أيام وعند المهني يحتاج من سنة ونصف الى سنتين شريطة أن لا تنام عيون العاملين وإلا فلا تكفيها غير خمسة سنوات من العمل البطيء المدروس. يبقى تأثير العمل الفعلي التدريجي مؤثرا على الساحة العراقية يوما بعد آخر حتى اكتمال النصاب المطلوب فيصبح الشأن الأمني ثقافة لدى كل مواطن.

الإنفجارات التي وقعت بالأمس ليس هي الأخيرة لأن العناصر الداعشية الوهابية التي أعدت قوتها لغرض التفجير والقتل قد دخلت الى البلاد منذ زمن مسبق أي ما بعد تحرير الموصل فهي تنتظر الأوامر وكأنهم هم المتفضلون على الحكومة العراقية أن لا يستعجلوا بتفجير أنفسهم بهذه السرعة، مما يعني أن حكومتنا فاشلة ومؤسساتها الأمنية غير قادرة على تقديم ما هو أفضل أمام الكم الهائل من الخلاليا النائمة المنتشرة على مستوى نصف البلاد.   

هنا ولحد الآن لا أدعو الى تحديد المسؤول عن ما جرى في البلاد منذ 2003 والى اليوم لأن الكوارث هي أعمق مما يتصوره العقل، بل أدعو الأغبياء حفاظا على كرامة الدولة والمواطن  كحد أدنى الى وضع المؤسسة الأمنية بيد أمينة، مهنية، قادرة على الحفاظ على هيبة الدولة وحماية مؤسساتها والحفاظ على أرواح المواطنين. (في كل الأحوال يبقى الأغبياء مصونين كحلٍّ أسلم).

 

قاسم محمد الكفائي

 

صائب خليلالصورة الأولى: كثيرا ما كتب لي أحد الأقرباء في الحشد الشعبي في حديثة انهم يعرفون اين يختبئ الدواعش، لكنهم محميين واقوياء، وقيادة الجيش ترفض تقديم الاسناد الجوي اللازم لمهاجمتهم. قال: لما نهاجمهم فمن اجل ان نقتلهم، لأننا إن سلمناهم الى الحكومة، فسوف يطلق سراحهم خلال يوم واحد أو أيام، ويعودون للانتقام منا.

الحكومة مع من؟ والجيش مع من؟ والشرطة الاتحادية مع من؟

الصورة الثانية: نائب رئيس الجمهورية يتعذر لرئيسه عن توقيع الإعدام بآلاف الدواعش المدانين بالإجرام في سجن الحوت، بسبب "ضغوط منظمات حقوق الانسان"!

رئاسة الجمهورية مع من؟

الصورة الثالثة: فيديو يتم تداوله لوزير الدفاع (سني)، يعترف انه من الطبيعي ان يتواجد الدواعش في القرى السنية قرب "أهلهم"، فلو فرضنا ان قرية فيها 4000 شخص، سيجدون بالتأكيد أربعين او عشرين او عشرة يساندوهم.

طيب لماذا لا تتعاونون مع بقية الـ 4000 الآخرين على قتلهم؟؟

الصورة الرابعة: كاريكاتير لإثارة الشيعة فيه شخص متأنق كتب عليه "سني معتدل" يخبر ضحية شيعي على وشك ان يذبحه داعشي، بأنه لا يعتبر داعش محسوبة على السنة!

شخصية متخفية تحت اسم أبو علي الشمري، بلا صورة، يضع الكاريكاتير أعلاه ليشجع قراءه على مهاجمة السني بشكل عام يختم تويتره بشتيمة "للطاهرين" من السنة، وقطيع من الغنم تبدي اعجابها بـ "شجاعته"!

آخر يكتب محتجا على كمية الإعلام الذي حصل عليه والد ضحيتين هما "علي وعمر"، وآخر يذهب الى الدعوة الى الاحتجاج على الاعلام الذي حصل عليه عثمان الذي استشهد وهو ينقذ ضحايا جسر الأئمة.

آخر يضع فيديو لداعية سعودي يدعو الى قتل الشيعة، ويفترض ان هذا هو مصدر الإرهاب السني العراقي ضد الشيعة وانه دليل ان القضية "مذهبية" الخ...

(لم أر احداً وضع فيديو من العشرات الموجودة لداعية عراقي سني يدعو الى الوحدة مع الشيعة ومحاربة داعش، فهل العراقيين في جوامعهم يستمعون الى السعوديين ام العراقيين؟)

تسونامي اعلامي يريد اقناعنا ان الباب الشرقي منطقة شيعية! ولولا إن معظم طلعاتي مع أصدقائي في بغداد كانت الى الباب الشرقي، لكنت صدقت الكذبة! وحين تبينت هوية بعض الضحايا وانهم من السنة، انزعج الكثيرين وسارعوا إلى محاولة حماية الكذبة العزيزة بمختلف الطرق. فمثل هؤلاء لا يلذ له الحدث، ما لم يكن مصبوغا بصبغة طائفية، مثلما لا يلذ له التويت ما لم يكن يرفع من شأنه الطائفي على حساب المقابل، او يجعله ضحية والمقابل في الطائفة الأخرى مجرم، وحين يجد الضحايا من الطرفين، والمذنبين بالجريمة من الطرفين، ستبدو القصة "باهتة" و "بلا ملح" و"شعارات وطنية" لا تثير الحماس المطلوب، ولا تفرغ الغضب.

لذلك، حين يرى منشورا مثل كاريكاتير "علي الشمري" فإنه يجد فيه متنفساً لكل غضبه الذي لا يدري اين يذهب به. ها هو أخير "رجل شجاع" يقول "الحق" ويتيح لي ان انفس غضبي!

لكن هل هو الحق فعلا، وهل هي الشجاعة والقوة فعلا؟ أم إنها اندفاعة ضعف وعجز عن مقاومة إغراء الخطأ المفضوح وتفريغ التوتر والغضب بأي كان ووصفه بالشجاعة؟

السني يا اخي العزيز، مثلك تماما! إن كان بريئا فهو بريء 100%، وان ارتكب جرماً فيجب وصفه بالمجرم وليس بالمتطرف أو المعتدل الإجرام! السني مثلك يريد ان يعيش بأمان ويحيا بطمأنينة. لكن السني (مثلك ايضاً) مخترق بالعملاء والمجرمين والاعلام المدمر. و(مثلك أيضا) فيه المجرم وفيه المرتشي وفيه الخائن وفيه الوطني والشريف، فيه الجبان وفيه الشجاع المقاتل. ومثلك أيضا يحتاج الشريف الى تنظيم واسناد ليقاتل. لكنه (مثلك أيضا) محاصر من كل جانب ومهدد من كل جانب.

ان فيض الانتعاش الذي تشعر به لما يكتب أمثال علي الشمري، ليس لفرط الحق والشجاعة التي في هذا المنشور، بل لأنه يعفيك من البحث عن الحق ومن الشجاعة، ويعطيك بضربة واحدة الإحساس بالتفوق. أما الحق فهو ان تشير الى المجرمين الحقيقيين وليس الى خليط يلبس فانيلة فريق الطائفة ليسهل تمييزه عندك، ومعظمه من الأبرياء، والشجاعة ان تقولها بوجه المجرمين الحقيقيين وليس ان تجد ضحية اسهل تفرغ فيها توترك!

أنا لست "سني معتدل"، انا "متطرف" بامتياز. متطرف في الوقوف مع ما اعتقد به حتى النهاية، ولا اعرف من هو اشد تطرفا مني في مواقفه، واحتقر "الاعتدال" بين ما أراه الحق والباطل والتمييع بينهما. انا اعتز بأن تطرفي هذا جعلني أول من يدعو الى تنفيذ الإعدام في مجرمي سجن الحوت ردا على الجريمة الأخيرة. وربما كنت اول من نبه الى خطر التظاهرات على سجن الحوت وانها قد تهدف الى اطلاق سراح المجرمين فيه، وكنت اول من دعا لنصب تمثال للجنرال الكبير قبل ان يستشهد بسنين حين كان أبناء طائفته يحاولون رد التهم عنه بحذر. ولطالما هاجمت متعهدي الطائفية السنة قبل الشيعة، وبتطرف اعتز به! ودعمت "بتطرف" الصدريين حين كانوا وحدهم بوجه الاحتلال، ثم كشفت مراوغاتهم حين انقلبوا الى خندقه، وهاجمت من يدعو لبقاء الاحتلال.

ولا اعرف أحدا مثلي من دافع عن ايران بوجه سيل الاخبار والتلفيقات الكاذبة التي أثيرت عليها سنوات طويلة (حتى كشفت حكومة روحاني المشبوه عن حقيقتها بدعم تنصيب العميل الأمريكي مصطفى الكاظمي)، وكذلك دفاعي المستميت عن الحشد بوجه كل المؤامرات والأكاذيب التي حيكت حوله. لم اكن معتدلا في أي موقف ابدا، ولست آسف ولا أطالب أحدا بشيء لأني فعلت هذا وما أزال افعله من اجل رضاي عن نفسي متحملا ما كلفني ذلك، من اجل مواقف لا اخجل منها يوما.

قبل اشهر نشرت فيديو للوزير الوحيد الذي تجرأ على مطالبة الحكومة بدفع ثمن الغاز الإيراني وقال ان العراق يحتاج الى ايران ان كان يريد الكهرباء وان ايران مستعدة وان الغاز منها ارخص من السعر العالمي. وهذا قبل ازمة الكهرباء الحالية مع ايران بسنين عديدة! هذا الوزير "السني" لم يكن معتدلا ايضاً بل كان شريفا و "متطرفاً" وليس في ملف غاز ايران وحده، فما كان مصيره؟ تخلى عنه الجميع، الشيعة قبل سنة الحكومة، واضطر لترك منصبه بعد بضعة اشهر!

رأيت قبل فترة احد شيوخ العشائر السنية المعروفة في الرمادي بموقفه الصريح المعادي لداعش (حميد الهايس) يقول بمرارة ساخراً: لو عاد الزمن لوقفت مع داعش.. (أو شيء من هذا القبيل) وحين يسأله محدثه عن هذا الكلام الغريب ينفجر غاضباً ان الدواعش في الانبار هم من يحصلون على الدعم الحكومي والأمني وهم من يرتفع نجمهم بينما يجد معارضيهم في وضع خطر على حياتهم بدون حماية! إذن، في السنة كما في غيرهم، من هو سافل او حمار، ومن هو شريف وشجاع وواعي، فمع من وقفت الحكومات المتتالية؟

هل تعاونت الأحزاب الشيعية مع الهايس واللويزي والشيخ محمد النوري والشيخ خالد الملا والشيخ أحمد الكبيسي، ام كانت لا تظهر "اخوتها العابرة للطائفية" إلا مع خميس الخنجر واثيل النجيفي وسليم الجبوري ومحمد الحلبوسي؟

طرحت هذا السؤال فأجابني احدهم: هذا لأن السنة يصوتون للخنجر والنجيفي والحلبوسي فيضطر الشيعة الى التحالف معهم من اجل مقاعدهم ليصبحوا الكتلة الأكبر ليتمكنوا من تشكيل حكومة مناسبة. وهنا نطرح ثلاثة أسئلة:

1- هل الانتخابات سليمة الى الدرجة التي تؤكد هذا وانه ذنب الناس فعلا؟

2- لنفرض بالفعل ان المجرمين حصلوا على اعلى الأصوات بحق، هل من حق الانسان الشريف ان يتحالف معهم؟ إن كنت تتحالف معهم من اجل مقاعدهم، فأنك تفقد حقك بلوم من يقف معهم او يتجنب مواجهتهم من اجل سلامته او حتى مصلحته!

3- ما الذي فعلته كتلة الفتح بمقاعد المجرم خميس الخنجر، وما هي الحكومة "المناسبة" التي لم يكونوا يتمكنون من تكوينها لولا مقاعده التي جعلتهم الكتلة الاكبر، واضطروا من اجلها الى التحالف مع مجرم؟

ألم تكن اوسخ حكومة عرفها تاريخ العراق كله واشدها عمالة وخسة؟ اين الكتلة الأكبر التي تم التضحية بالشرف من اجلها والتعاون مع المجرمين من اجلها؟ من يعرفها؟ ما دورها بتشكيل الحكومة؟

ستقول لي: وماذا بيدي أن افعل انا مع ساسة لا يستمعون الي وطاعتهم الوحيدة للسفارة؟ وأقول لك: لماذا اذن لا تفكر ماذا يستطيع السني ان يفعل وساسته قد لا يستمعون اليه وهم اكثر عمالة للسفارة، خاصة انه تحت الإرهاب المباشر لداعش وليس له أي تنظيم ديني او اجتماعي يحميه؟

وستقول لي أنك لم تنتخبهم وانهم جاءوا بالتزوير. ولكن الا ينطبق ذلك على الجميع؟

إن المواطن الشيعي البعيد، يستغرب ان يجد أمثال الدواعش مكانا في مدينة ترفضه او يرفضه معظم سكانها، ويسيطرون عليها. لكن ألم يسيطر التشرينيون على مدن الجنوب ويفرضوا سلطتهم على شوارعها واخلاقهم المناقضة لأخلاقية مجتمعاتها، على مشاهدها لأشهر طويلة وربما سنة كاملة، ومازالوا حتى اليوم يظهرون بمشاهد عنف في شوارعها، ويجبروها على أن تبقى حبيسة بيوتها يعمها الشلل، وهم اقل سلاحا وشراسة من داعش؟ فهل لنا ان نقول ان "الشيعة" حواضن لهؤلاء المكبسلين؟ هل احتاج هؤلاء اية خلفيات عقائدية أو تاريخية ليقنعوا مجتمعاتهم بأنفسهم ام فرضوا أنفسهم واخلاقهم عليها؟ ألا يكفي هذا للتشكيك بالفرضية القائلة باحتضان السنة لداعش بالرضا، وبأن ذلك يعود بالفعل لاستماع سنة العراق لخطابات المعتوهين في السعودية؟

لا اريد ابدا ان ارسم صورة وردية للسنة، بل العكس، حالهم هو الأسوأ واختراقهم هو الأشد، لكني يا صديقي اريد ان اصحيك من حلمك الطائفي الوردي الذي تلبس فيه طائفتك ثياب الملائكة والضحايا دائما وتلبس الأخرى ثياب الشياطين. فحواضن داعش الحقيقية هم العملاء في الحكومة شيعة وسنة، وهم من يحموها وهم من سلمها سلاحه وسلمها المدن السنية التي كانت تحت حمايته وترك بعضها يدافع عن نفسها اشهرا بدون دعم الجيش، ثم بعد ذلك حمى الخونة من الضباط ولم يحاكم كلبا واحدا منهم بتهمة الخيانة! فمن هي "حواضن" داعش، هؤلاء أم المواطن السني الذي لا حول له ولا قوة والذي هجرته داعش من مدنه حين تخلى الجميع عنه؟ وإن كان بعض السنة قد تم غسل ادمغتهم واقنعهم الاعلام، مستغلا صورا طائفية، بأن داعش تأتيه بالخلاص والخير، فما هي حجة ساستك "الواعين" الذين لم يكن الاعلام قادرا على خداعهم لوقوفهم مع الدواعش، سوى العمالة الخالصة من اجل المنصب وعلى حساب دماء كل العراقيين، من طائفتهم وكل الطوائف؟ من هي حاضنة داعش حقاً؟

إذن يا صديقي، افق من روايتك الطائفية الملائكية اللذيذة، ففيك وفي طائفتك من الخلل والاختراق بقدر غيرها، وتعاون مع امثالك من الطائفة الأخرى بوجه العملاء من طائفتيكما، وخصوصا من وصل منهما الى الحكم والجاه. فهؤلاء هم حاضنة داعش وحاضنة الاحتلال وحاضنة الفساد وكل الشرور. والشجاعة هي ان ترى ذلك، لا ان تضرب من تستطيع ان تضربه. كن شجاعاً لتحمل الحقيقة الثقيلة، وكن "متطرفا" في الدفاع عنها وارفع نعلك بوجه من يريد ان يجرك الى قطيع طائفي مخادع وذليل!

أن امامنا وأمام عزمنا وشجاعتنا اهداف محددة واضحة انتقاما للضحايا الذين مضوا، وانقاذا للقادمين:

- اعدام الدواعش المدانين في الحوت

- اجبار اميركا على تسليم المناطق التي تحمي فيها الدواعش للجيش

- اجبار اميركا على سحب قواتها من العراق

- إزالة الحكومة العميلة لأميركا من الخضراء وانتخاب من نصدق انه لن يكرر هذه الخيانة، وإلغاء كل قراراتها المدمرة

على قدر تحقيقنا هذه الأهداف يكون مستقبلنا وعلى قدرها يمكننا ان نعتز بشجاعتنا، لا بمهاجمة الأبرياء لمجرد اننا لا نقدر على مواجهة العدو الحقيقي.

 

صائب خليل

24 كانون الثاني 2021

 

 

من اشهر ادبيات الاسلام هو ادب المعجزة التي لا تدخل ضمن المعاجز النبوية المنصوص عليها قرانيا، بل حتى معاجز المعصومين واقل منها معاجز الصحابة، وهذا المحور الديني التفت اليه المفكر جورج طرابيشي وقد اشار الى كتابه السيد كمال الحيدري لنقد ظاهرة تضخم المعجزات في الاسلام، هذا الموضوع الشائك حقيقة يستحق وقفة ومهم جدا من اجل استنهاض عقل المسلم ممن يغوص في بحر المعجزات ليستدل بها فقط على ارجحية كفة النبي او المعصوم على البقية.

اشارة السيد الحيدري الى هذا الكتاب اشارة سليمة واشارة المؤلف الى ظاهرة المعجزة ايضا اشارة سليمة، وهو الذي انتقد نقد العقل العربي للجابري، وقال لو التفت الجابري الى مادة المعجزات لاصبحت اساس قوي يعتمده في نقد العقل العربي، وبخصوص هذا النقد كان الافضل ان يقال نقد عقل الحاكم العربي، والحاكم سواء كان سياسي او ديني او اجتماعي فهؤلاء هم من يمنحون هوية تفكير عقلية المجتمع وفق ما يملكون من ادوات تمكنهم من ذلك سواء السلطة او الدين او الوجاهة والمال، وهذا يستحق مقالة خاصة به .

بخصوص المعجزة هذه الفكرة لا يمكن تفنيدها نهائيا ولا يمكن اعتمادها كليا، نعم يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار التفكير لدى المسلم في تلك العصور وما هو عليه في هذا العصر، والمعجزة تكون بخوارق خارج التفكير العقلي وضمن الحدود الايمانية، ولانها معنوية تصبح محل اشكال ولغو، فالقران الكريم كما اشار لاعجازه الاستاذ طرابيشي بانه محل نقاش عند بقية الاديان ومقارنة عند المسلمين، فالكتاب السماوي معجزة فكرية وهذه لا تاخذ تاثيرها كما هي المعجزة المادية فبقية الاديان تدعي انها ايضا لديها كتاب منزل من الله، اضافة الى ذلك لدى عيسى وموسى معاجز مادية منظورة كثيرة، وحتى املاء هذا الفراغ بدا المسلمون بوضع معاجز كثيرة اكثر من الحقيقة وتنسيبها الى رسول الله صلى الله عليه واله، وقد احصى ذلك طرابيشي بان المعجزات للرسول في القرن الاول كان عددها عشرة معجزات في سيرة ابن هشام بينما في القرن الحادي عشر في السيرة الحلبية اصبحت اكثر من الفي معجزة، وحقيقة لا اعلم هل قرا طرابيشي سيرة ابن هشام والماوردي وابن كثير والحلبية ووضع قراءته لعدد المعاجز ؟ واما ما يخص الامامية فقد اشار ايضا الى عملية التضخم لسرد المعجزات وادت الى سبات العقل الشيعي فقد ذكر ان تعداد معاجز الائمة الاثنى عشر في الهداية الكبرى للخصيبي لا يتعدى المائة وعند الطبري الشيعي في نوادر المعجزات ارتفع الى مئتين وخمسين حتى وصل عند البحراني المتوفى 1107 الى الفين وثلاثا وستين معجزة اكثرها للامام علي واقلها للامام الجواد، وهو صائب في تشيخصه هذا بعض الشيء من ناحيتين اولا دس معجزات خرافية وثانيا اعتماد العقل الشيعي بافراط على المعجزة لتدعيم ايمانه ومناقشة الاخر الذي لا يؤمن اصلا بالامامة او يفكر بطريقة عصرية، فاذا كنا لا نصدق اي حدث الان عبر النقل الا بدليل فكيف نصدق بمعجزة حدثت قبل مئات السنين ؟ وهنا يجب ان تكون هنالك دراسة في طرح الفكر الامامي العلمي الايماني وليس العرفاني، فالمعصوم في عصره هنالك من ينكر علميته فكيف ونحن نعيش الغيبة الكبرى في اثبات علميته ؟ فليس امامنا الا تراثهم العلمي لاثبات ذلك .

الامر الاخر مسالة اثبات صحة المعجزة عن كذبها تكون خاضعة الى رجال السند كما هو الحديث هذا اولا وثانيا طالما اصلا هنالك معجزة حدثت فلا يوجد معيار عقلي يفرق بين صدق وكذب المعجزة حسب خرقها للنواميس الطبيعية، وتكون دائما مثار جدل بالنسبة للامامية وقد يصعب اثباتها او لماذا لم يستخدمها المعصوم عند الحاجة وهنا تدخل الفلسفة الكلامية بقوة لتثير جدالات سقيمة لا طائل منها .

احياء امر اهل البيت عليهم السلام حسب مفهوم الامام الرضا عليه السلام هو ذكر محاسنهم وليس معاجزهم، ومحاسنهم هي العلوم العلمية والثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها التي تخدم المجتمع وتقوده الى الرقي، اما الاصرار على المعاجز فحقا يؤدي الى سبات العقل ويفسح المجال للاخر للنيل من ثقافتنا، اليوم الحديث عن ما يخدم العقل والاحتفاظ بالمعاجز الصحيحة في قلوبنا وهي الدعم المعنوي لنا في دعائنا.

 

سامي جواد كاظم

 

 

اياد الزهيريمن الواضح للعيان، أن الشارع العربي عامةً والعراقي خاصةً ً يسوده الكثير من التوتر والأضطراب في جانبه السياسي وحتى الأجتماعي، ولو دققنا في أسباب ذلك، لوجدنا هناك سببين رئيسين، هما القمع، وغياب العداله الأجتماعيه، ومن الملاحظ أن هذين السببين مصدرهما سلطوي حكومي، وأخر أجتماعي شعبي، أما مايتعلق  بالجانب السياسي، فنجد أن السلطه تلعب  دوراً جوهرياً في تكريس القمع أتجاه من يعارضها، وأنها تعتبر معارضة السلطه من قِبل المواطن  خط أحمر لا يمكن السماح به أطلاقاً، لذلك فهي تستخدم أشرس أنواع العقوبات، وأكثرها أيذاءاً لكل من تسول له نفسه التفكير بمعارضة السلطه الحاكمه، حتى يمكننا وصف ممارساتها بممارسات  ذات نمط  فرعوني، وذلك بسبب ماتظهره من تجبر وقسوه على أفراد المجتمع، حتى أصبح القمع في مجتمعاتنا سمه ظاهره وأساسيه، كما كنا نسمع مراراً وتكراراً من أهلنا أن الحائط له آذان، وذلك دليل على أن الدوله تنشر جواسيسها وشرطتها السريه في كل مكان . من المؤكد أن من مسببات القمع، هو بقاء الحاكم في بلداننا على كرسي الحكم مدى الحياة، ولا رأي غير رأيه مهما كان  رأي غيره حكيماً، لأن رأس النظام يُخيل له أنه رأس الحكمه، وأنه وحيد زمانه، وليس هناك هامه علميه تطال هامته. هذا النوع من الحكم يفقد الناس معه  الشعور بالكرامه، ويحسسهم بالهشاشه والأنكسار النفسي، هذا من جانب، ومن جانب أخر هناك  جانب لا يقل أهميه من الأول، الا وهو غياب العداله الأجتماعيه، والتي تعني غياب الحقوق، وهي من أقوى المشاعر التي تولد الحنق والكراهيه للسلطه، وتجعل النفوس تغلي من السخط عليها، وهذا السخط يزداد حده وضراوه كلما تراكم مع الوقت، وكلما كان الظلم شديد، ومؤلم، لأن الكرامه الأنسانيه لا تطيق الظلم مهما كانت درجته، ولو دققنا بأسباب الحروب وأكثرها لوجدناها بدافع الدفاع عن الحريه والكرامه المهدوره من قبل السلطات الوطنيه أو المحتله . أننا نرى لدى بعض الحكومات سلوكاً يتصف بالعنجهيه والطغيان، وهو أنها تستخدم العنف والقسوه المفرطه ظناً منها بأنها تساعد على منع حدوث الأنفجار الشعبي من جراء تراكم الشعور بالقهر والحرمان، وفقدان العداله الأجتماعيه، ولكن ذلك لم يمنع قيام الثورات والأحتجاجات من قِبل الجماهير ضد الحاكم وسلطته القمعيه. نحن العراقيون لنا تاريخ قمعي لا ينافسنا عليه أحد من الشعوب، ولو أرخنا للقمع منذ بني أميه، ومن خلال عاملهم الحجاج بن يوسف الثقفي، لرأينا أن القمع وغياب العداله الأجتماعيه لم تتوقف لحين سقوط النظام الصدامي، وأما ما بعد سقوط النظام، وأن أختفى القمع ولكن مازال هناك غياب للعداله الأجتماعيه، وهذا هو السبب الرئيسي بسخونة الشارع العراقي وظهور مظاهر العنف والتدمير فيه وخاصه في المظاهرات التي تسمى بالتشرينيه، كما لا ننسى تراكم القمع الطويل والمختزن في نفوس أبناءه  جراء سنوات القهر والحرمان من قِبل الأنظمه المتعاقبه والتي أرتكزت سلطتها على مرتكزات عنصريه وطائفيه . أن العنف بالعراق سيأخذ مده أطول لأنه تنفيس لما سبق من حرمان ورد فعل لمشاعر غياب العداله الأجتماعيه من قبل الدوله أزاء مواطنيها، خاصه وهناك مظاهر واضحه وكبيره تتجلى فيها مظاهر التميز بين أبناء الشعب الواحد. كما أننا لا نستطيع تجاهل القمع والظلم الأجتماعي المتأتي من العادات والتقاليد الأجتماعيه وخاصه العشائريه، والتي يظلم فيها القوي الضعيف، وتهضم فيها حقوق المرأه، ويستأثر فيها الرجل، وخاصه في حقوق الملكيه، كما نحن نعيش اليوم دوامة قمع، حيث أي فئه تأتي تقمع الأخرى بعملية أنتقام مقابل، وهذا ما يجعل شارعنا العراقي دائم الغليان، فهذه الأسباب مجتمعه جعلت من القمع حاله مترسخه في مجتمعنا، ومرض عضال نعاني منه على طول الزمن. كما يجدر بالأشاره الى  حاله من الضروري الأشاره أليها، والتي غفل عنها الكثير، وهي نقطه حساسه،  وسبب هام في تصاعد التوتر الأجتماعي، الا وهو تصاعد وتيرة  الأعتداء أو التجاوز على  الخصوصيه الفرديه، وهذا يحدث بمستويين، واحد أجتماعي، ومن قبيل الفضول والحشريه الزائده، والضغط بأتجاه فرض النمط الواحد، ومحاولة المجتمع بأذعان أفراده للسياق السائد، وأخر تمارسه الأنظمه القمعيه الشموليه، التي تفرض على الناس نمط الحزب الواحد، واللون السياسي الواحد، وفرض العقيده الحزبيه الواحده على الناس، وهذه الظاهره مارستها بقوه الحكومات ذات التوجه القومي الشمولي خاصه، وتجربة العراق فريده في هذا اللون من القمع، حيث كان المواطن وخاصه الطالب والموظف يجبر على الأنتماء لحزب البعث العربي الأشتراكي، ولا يسمح له بأختيار العقيده السياسيه التي يراها هو بنفسه، مما يسبب للمواطن ضغطاً نفسياً كبيراً بسبب الشعور بالقمع والضغط والأجبار على الأنتماء، في حين حرية الأنتماء والعقيده مبدأ أساسي من مباديء حقوق الأنسان . أن ما نشاهده من هشاشه وفتور بالهمه، وبرود وأنكسار، وشعور بالأحباط، سببه القمع المستمر، وعدم شعور المواطن بالقيمه والكرامه الأنسانيه، والذي يزيد من تضخم الشعور بالقهر لدى المواطن، هو معرفته أن دينه يمنع كل ممارسات القمع والظلم الأجتماعي، بل هو يحفظ على ظهر قلب المقوله الدينيه التي تقول (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، فالتناقض بين ما أدانوا به، وما تربوا عليه، وبين ممارسة أنظمة الحكم، وضغط العادات الأجتماعيه الظالمه هو مصدر أساسي من مصادر الأستياء والتور في الشارع الشعبي، وهو السبب في أحتقانه المستمر، وما ظاهرة العصبيه لدى المواطن العراقي وسرعة  الغضب، والهيجان، الا ردة فعل لحالة القمع الطويله والقاسيه التي تعرض لها عبر أجيال متواليه، وما عاناه من غياب للعداله الأجتماعيه، ولذلك قيل (العدل أساس الملك)، وهذا ما أكدته الآيه الكريمه (وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).

 

أياد الزهيري

 

 

عبد الخالق الفلاحالعراق بلد هش وهو مفهوم تحليلي؛ بمعني دولة أشبه بالدولة الفاشلة، الضعيفة، أو المنهارة و من اكبر المخاوف التي بدأت تدب في عقل الانسان العراقي بعد الاحداث الاخيرة من التفجيرات التي ذهب ضحيتها اعداد من المواطنين البسطاء والمعدومين الذين يفتشون عن لقمة عيش حلال لعوائلهم وإمكانية توسع شبكات المنظمات المتطرفة العنيفة نشاطها بما يتجاوز المناطق التي هم فيها حالياً وتوسيع تحركاتهم، ولاسيما المنظمات المرتبطة بتنظيم داعش والقاعدة وغيره من الشبكات الارهابية المجرمة التي تنمو وتنشط في مناطق مختلفة من جديد وارتخاء القوات المسلحة في مواجهتها . كما تشعر بالقلق حيال الهجمات الهستيرية التي قد تقوم بها في المستقبل في ظل الوضع السياسي المضطرب مع تنامي شدت الخلافات بين القوى المشاركة في الحكومة ونحن على موعد مع الانتخابات  وقد تلجأ هذه المجموعات الى اساليب جديدة لاستغفال البسطاء والاطفال والمراهقين واغرائهم في مثل،التجار غير المشروع كالمخدرات والاسلحة والبشر، وغير ذلك من القضايا البعيدة عن الانسانية التي تستوجب من الدولة  على تقييم المخاطر ووضع الخطط للطوارئ. وبشكل مشابه، ولخلق دوائر التطوير الواسعة من الاطر النظامية لتقييم الهياكل السياسية الواضحة من قبل الدولة بدل من ان يجعل المواطن فيها عرضة لمجموعة مختلفة من الأخطار المتنوعة في حين يتحسس بضعف كفاءة الدولة في أداء مهامه الأساسية مثل الامن والاقتصاد والسياسية و لكونه بلداً مهتز الشرعية بحسب مؤشر تقييم أداء الدولة والأداء المؤسسيCPI لسنة 2020 حيث وضع العراق في التسلسل 13 في حالة التأهب القصوى من الدول،و يكشف تقرير "مؤشر الدولة الهشة Fragile States Index " الصادر في شهر يوليو 2014 عن أن غالبية دول الشرق الأوسط تدخل ضمن فئة الدول الهشة وغير المستقرة، وذلك في اتجاه يتصاعد تدريجياً منذ اندلاع "الثورات" العربية في عام 2011، حيث تعاني هذه الدول من اضطرابات سياسية وأمنية ومجتمعية، فضاً عن ثبات الأوضاع المتدهورة لدول مركزية بالإقليم، خاصة العراق واليمن وسوريا ولبنان ودول اخرى .

ويحتاج العراق في الوقت الحالي إلى نماذج إنمائية، يختلف جذريًا عن تلك التي تُستخدم في الدول الأكثر تماسكًا واستقرارًا، نظرًا إلى البيئة المليئة بالأخطار التي تتواجد فيها وهوعرضة سريعة للأزمات، في أكثر من نظام فيه، الرئيسية والفرعية، ومعرض للتقلبات الداخلية والخارجية، والصراعات المحلية والدولية. فقد ظل فيه حالة عدم الاستقرار المزمن يُعرقل الأمن الغذائي لسنوات. وبما أن البلاد لا تزال تتعافى من جولات الصراع المتكررة، والدمار الذي أحدثه تنظيم “داعش”، فإن هشاشة مؤسسات الدولة – في بلد يعتمد فيه السكان بشكل كبير على تدخل الدولة لتلبية احتياجاتهم الغذائية – يمثل سبب رئيسي للقلق. على الرغم من انخفاض عدد المحتاجين إلى مساعدات غذائية عاجلة خلال عام 2019، و لا يزال محفوفًا بالخطر بعد ان تعطل سلاسل الإمدادات الغذائية العالمية إلى وضع ضغط شديد على واردات البلاد من الغذاء، حيث تستورد عادة حوالي 70 % من احتياجاتها الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، ألحق انهيار أسعار النفط بتاثير شديد في ميزانية الدولة لكونها تعتمد على عائدات النفط بنسبة 90 % من إجماليها.

وادى استمرار العنف لمدة طويلة، إلى إهمال البنية التحتية اللازمة لتقديم الخدمات الضرورية للمجتمع وتفسخ المتبقي " قال الروائي الروسي ليو تولستوي إن "العائلات السعيدة كلها متشابهة، ولكن كل أسرة تعيسة هي فريدة في تعاستها"، كما أن غياب الحكم الرشيد، وانهيار النظام الاجتماعي، وادى كذلك  إلى ازدياد الإقصاء المجتمعي وخاصة مكوناته، سواءعلى أساس عرقي، أو ديني، أو سياسي، أو جنسي. هذا الُعنف الذي استشرى بعد عام 2003 سبب الإرهاب أو الصراع، مما فسح المجال امام مجموعة واسعة من المعوقات الأمنية، التي اثرت على توقف الخدمات الأساسية بشكل ملفت للنظر،كذلك، فإن الترتيبات المؤسسية في هذه الحالة تجسد أو حتي تحمي أوضاع الأزمات؛ فمن الناحية الأقتصادية تعزز في الركود، أو معدلات النمو المنخفضة، أو قد تجسد أوضاع متطرفة من عدم المساواة،وجملة من  العوامل قد تتمكن من أن تؤدي إلى صراع كامنة في داخل الدولة وليس بينها وبين غيرها من الدول. حيث يُعتقد هناك خطرًا مباشرًا تشكله الدول ذات الدخل والإمكانيات المحدودة وخاصة وهو يعتمد على الطاقة النفطية الغير مستقرة كمورد وحيد لدعم اقتصاده و في البلدان المنخفضة الدخل مثل العراق، يحتاج الى حكومة قوية  تعمل على كبح جماح الفساد في جميع المؤسسات المجتمعية والحكومية العاملة. وكثيرا ما يعاني من الفساد وعدم فاعلية الهيئات القضائية والرقابة البرلمانية. ومن ناحية أخرى، تظهر البلدان الغنية دلائل على عدم كفاية تنظيم للقطاع الخاص، من حيث معالجة الرشوة في الخارج من قبل هذه الدول، وضعف الرقابة على المؤسسات والمعاملات المالية و وفي جميع الاحوال فأن الواقع الحالي يؤشر الى حاجة ملحة الى تبني استراتيجية واضحة لمناهضة المعاناة وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الا إنسانية أو المهينة تعتمد إضافة الى النهج العقابي نهجاً وقائياً علاجياً يشجع على اتّباع الممارسات والاجراءات التي تقي من الدخول في وضع مدمر قاسي مستمر ومغادرة نهج الانكار واعتماد نهج المصارحة والحقيقة والمسائلة في التعامل مع الانتهاكات التي وقعت في الماضي او تلك التي ستقع والتعامل المهني والاحترافي معها من خلال توثيقها ومسائلة مرتكبيها في خطوات جادة في عملية شاملة لتحقيق العدالة للتعامل مع الانتهاكات التي وقعت في الماضي بمهنية وحيادية لتمنع استمرار وقوعها في المستقبل.

 

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

 

تابع العالم اجمع نتائج الانتخابات الأميركية، وما أن أعلنت حتى أثير الجدل بين محتفل بفوز بايدن وبين من أعلن الحداد على خسارة دونالد ترامب، وعلى الرغم من أن السياسة الأميركية لاتتغير بتغير الشخوص، إلا أن الهاجس الأكبر لدى العالم اجمع هو ما سيعمد إليه بايدن بشان القضايا الجوهرية وأهمها الشرق الأوسط، والحرب في سوريا واليمن وملف العراق، ويبقى الملف الأعقد هو العلاقة مع طهران، ويبقى التخوف الأكبر هو توجهات بايدن إزاء الأطراف الموالية لإيران، وما أن كانت فترته ستركز على عقد تفاهمات مع طهران على حساب المصالح العراقية، الأمر الذي ربما سيعطي قوة وزخم أكبر للفصائل المسلحة في العراق .

الشي اللافت هي التهنئة التي قدمها رئيس أئتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي، والتي أعطت انطباعاً بأن القوى الموالية لإيران بدت مرتاحة في وصول بايدن إلى البيت الأبيض، الأمر الذي يبين حجم المخاوف التي كانت لتلك الأطراف في احتمالية بقاء ترامب في الحكم، والذي خسر الانتخابات بسبب فقدانه لرؤية واضحة بشان الشرق الأوسط إلى جانب الوقوف بوجه خط المقاومة فيها، إلا أن جو بايدن تميز عن سابقه بمعرفته للوضع العراقي منذ عقود طويلة، فضلاً عن كونه يرتبط بعلاقات جيدة مع بعض القيادات العراقية، في حين أن تلك الميزة لم تكن متوفرة لدى ترامب الذي ينظر كره واشمئزاز، والذي يرى أن أكبر خطأ أرتكبه الاميركان هو غزو العراق، ومحاولة تحويل العراق إلى ساحة صراع معلنة بين واشنطن وطهران، حيث تؤكد الأخبار أن هذا الأمر ربما يتغير مع غدارة بايدن التي تنظر إلى الساحة العراقية ساحة تهدئة، على الرغم من الخطط التي حملتها حقيبة بايدن في كون العراق ينبغي أن يكون مقسماً على أساس طائفي وقومي، إلا أن بايدن ينظر إلى العراق على أساس وجوده كدولة وليس منطقة للتصعيد ضد طهران، والذي ربما يعيدنا لفرضية وجود أتفاق نووي جديد بين واشنطن وطهران، وصياغة أتفاق شامل بخصوص المشروع النووي الإيراني.

التوقعات وحسب ما يؤكد بعض المراقبين إن المؤشرات جميعها تشير إلى عكس ذلك تماماً، إذ أن حماس بعض القيادات السياسية العراقية في وصول بايدن إلى البيت الأبيض تمثل ربيعاً جديداً للعراق عموماً، من خلال نهاية الضغط على طهران، وإتباع سياسة أكثر انفتاحاً وحسم الكثير من الملفات السياسية العالقة في المنطقة، ويأتي ذلك من خلال رغبة بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي مع طهران، ما يعني التخلي عن استراتجييه الضغط الأقصى الذي تبناه ترامب على طهران سابقاً، واتخاذ سياسة أكثر انفتاحاً وفق سياسة اليد المفتوحة تجاه إيران والتي اتبعها أوباما من قبل، لذلك لن يكون في سلم أولويات الإدارة الجديدة لجو بايدن، بل سيعمد إلى إنهاء هذا الملف، والذهاب نحول حل المشاكل الداخلية العالقة وأهمها المشاكل الاقتصادية والصحية التي عانى منها الأميركيون، لذلك يرى المحللون أن حدة التوترات في المنطقة عموماً يتخف تدريجياً، وسيكون هناك حلحلة لكثير من القضايا العالقة وفق إستراتيجية ستكون على حساب المصالح الوطنية، ولكن في نفس الوقت تبقى المخاوف لدى العراقيين من أن يكون وصول بايدن إلى السلطة ممهداً لتنفيذ ما يطلق عليه "مشروع بايدن للتقسيم" والذي طرحه عام 2006 حيث تحدث فيه عن أنشاء أقاليم على غرار إقليم كردستان كحل لحالة الاقتتال الطائفي الذي ساد البلاد سابقاً، ويكمن الحل في حل الأزمة العراقية بتطبيق رئيس الوزراء لتعهداته في إقرار القانون وتدعيم الدولة ومحاربة القوى الموازية لها سواءً في وجود بايدن أن غيره من ساسة البيت الأبيض، وأن يصار إلى ان يكون القرار عراقياً بامتياز بعيداً عن أي تأثير خارجي.

 

محمد حسن الساعدي

 

 

عبد الرضا حمد جاسمتقديم: حسب فهمي المتواضع اشعر انه يمكن ان يُقال في المستقبل ان بعض دُور الإفتاء الكبرى في العالم الاسلامي في القرن الخامس عشر الهجري اثارت بعض الشكوك في موضوع تحريم لحم الخنزير الذي ورد في نص [الآية 115 سورة النحل (مكية)] و[الآية 145 من سورة الانعام (مكية)] و[الآية 173 سورة البقرة (مدنية)] و[الآية 3 من سورة المائدة (مدنية)] وذلك بعد الجائحة/الكارثة التي اجتاحت المعمورة في القرن الواحد والعشرين الميلادي والتي اُطلق عليها كوفيد19 حيث اُثيرت ضجة حول احتواء اللُقاح المضاد لتلك الجائحة /الكارثة /الوباء (كوفيد 19) على شيء من الخنزير اعقب ذلك زوبعة الفتاوى التي صدرت بخصوص السؤال الذي طُرِحْ: هل اللقاح حلال ام حرام؟ لقد تركوا كلام الله المثبت في الآيات الأربعة وركضوا جميعاً خلف،عنعنات وقلقلات وحدحدات، السلف الطالح والصالح.

السؤال الان هو: في القرن العشرين الهجري أي بعد خمسة قرون من اليوم ماذا سيصدر عن دور الإفتاء بخصوص الخنزير ولحم الخنزير بعد ان ينفي العلم كل ما طرحه السلف والخلف من تبريرات لذلك التحريم ومن اسباب؟ ومن الأسئلة التي سيعاد طرحها بتكرار سيكون كما أتصور هو: هل الخنزير حرام أم لحم الخنزير؟ عندها سيكون ل، الاستحالة، التي طرحها أصحاب الفتوى من الخلف في ردودهم على موضوع اللقاح دور كبير في التفسيرات والإجابات.

...............................

في الشتاء الاول للتواجد في مخيم اللجوء في فرنسا في نهاية التسعينات من القرن العشرين الميلادي تم ادراج اسمائنا كما الاخرين في مؤسسة خيرية تقدم المساعدات (من فرشة الاسنان حتى اللحم الحلال) وبالذات في فصل الشتاء لكل من يحصل على راتب او مساعدة الحد الأدنى الشهري/ه على كامل التراب الفرنسي ومنهم طالبي اللجوء... عند تنظيم البطاقة الخاصة بذلك سألني المتطوع عن ديانتي. انزعجت لأنها المرة الأولى التي اُسأل فيها عن الديانة وانا اعرف بعض الشيء عن علمانية فرنسا... المهم كما بدى بعد ذلك انه وضع في البطاقة علامة يُفْهَمْ منها أني مسلم بعد ان اعتذر عن السؤال. كان للسؤال وقع خاص يدعو الى الاستفسار عندما تحين الساعة.

وفي أحد الأيام استلمت الحصة وخرجت واذا بمنادي خلفي يصيح بصوت عالي، مسيو...مسيو سلفو بلي، توقفت واذا به يعتذر عن خطأ ارتكبه كما قال وانا لا اعرف عن أي خطأ يتكلم...ثم قال لقد اعطيتك بالخطأ معلبات يدخل في تصنيعها زيت الخنزير...استبدلها بأخرى وكرر الاعتذار.عندها عرفت سبب سؤاله عن ديانتي. فرحتُ لما حصل حيث بخلاف ذلك لليوم اظن به السوء ولكنت ربما اكتب عكس ما اكتبه الان. 

وفي عام 2010 اشتريت من احد الأسواق كيس، شيبس، فقال لي صاحبها: هذا حرام ولما استغربت من ذلك قال انه معمول بزيت الخنزير. دار بيني وبين هذا الشاب العربي المسلم الملتزم دينياً وهو مهندس جيولوجي في بلده المغاربي حوار طويل تشعب وجرى في عدة ايام سجلته بعلمه واطلاعه بمقالة من خمسة أجزاء في أيلول من عام 2010بعنوان: [إذا كان الخنزير حرام فكل الانعام حرام].

تذَّكرت هذه الأمور اليوم بفعل ما ظَهَرَ من لغط او استفسارات يبدو انها تزاحمت خلال هذه الفترة للحد الذي دفع أعضاء وخبراء ومسؤولي دور الإفتاء الإسلامية الكبرى:هيئة كبار العلماء في السعودية ودار الإفتاء المصرية/ الازهر والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين/قطر ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي ومفتي العراق ودور افتاء أخرى للتدخل حيث السؤال المهم والأساسي الذي طُرح هو: يدخل في لقاح كوفيد 19 شيء من الخنزير فهل اللقاح حلال ام حرام؟ 

أعتقد ان المليار وستمائة مليون مسلم في العالم لا يعرف منهم مكونات اللقاح إلا، نفر، قليل جداً حالهم في ذلك حال السواد الأعظم من البشر ولا اعتقد ان هؤلاء او أحدهم هو من اثار الموضوع...السؤال الأهم كيف ظهر الموضوع على السطح اليوم وكيف انتشر بحيث دفع مثل تلك  الهيئات والشخصيات للتدخل؟...أتمنى ان يحض هذا الموضوع بالمتابعة.

طرح مثل هذا السؤال وبهذه الدقة او الأهمية او السذاجة بعد ان انتشر الموضوع لا اعتراض عليه لكونه سؤال يحتاج جواب...الاعتراض على ردود دور الإفتاء وتبريراتها الغريبة والقريبة أحيانا وحسب فهمي المتواضع ايضاً الى الكفر والسذاجة والتي جعلتني ابحث في موضوع تحريم الخنزير لاقف على كدس كامل من صفحات الانترنيت لا تسمن ولا تغني كلها،عنعنات وقلقلات وحدحدات، لوكان في كل صفحة من ذلك الكدس ألف كلمة ربما لا تجد منها مقبول خارج الآيات القرآنية حتى عشر كلمات وليس في هذا المقبول من نفع سوى نقل صورة مصغرة لما كان يجري من أمور في الغابرات بخصوص موضوع الإفتاء والاجتهاد والتي أدت هي وامثالها الى تَشَّكُلْ الأحزاب والزمر التي أصبحت بعد ذلك مذاهب وصلتنا وجعلت حالنا الحال الملموس اليوم والذي لا نُحسد عليه من تمزق وتلف وفشل للإنسان والمجتمعات والقيم والذي دفع آخر المغردين أي الرئيس الفرنسي ليقول ان الإسلام يعيش ازمة في كل العالم واعترضتْ عليه نفس دور الإفتاء ونفس المشايخ وقد نسي هؤلاء اليوم ما حصل من الرئيس الفرنسي وانشغلوا بحلال اللقاح ام حرامه وهذا ليس بجديد عليهم وحتى ماكرون يعرف ان هذا ما سيحصل حيث نسوا التطبيع بخطاب ماكرون ونسوا خطاب ماكرون وغلق المساجد الجاري اليوم في فرنسا بلقاح كورونا. علماً ان من أمر بالتحريم وضع الأسس لتجاوزه بكلمات بسيطات واضحات بليغات مفهومات للعامة والخاصة في نهاية كل من الآيات الاربعة التي ورد فيها التحريم أي لا تحتاج لتفسيرات و،عنعنات وقلقللات وحدحدات، السلف.

يبدو ان هذا موضوع بدأ في تشرين ثاني/أكتوبر 2020 عند زيارة وفد دبلوماسي/علمي/ديني من اندونيسيا الى الصين للتعاقد على شحنة لقاح ضد كوفيد 19 حيث انشغل العلماء في الموقف العلمي من اللقاح وانشغل الدبلوماسيين في إتمام الصفقة ورجال الدين انشغلوا في هل هذا اللقاح حلال ام حرام وهل يتطابق مع الشريعة الإسلامية؟ 

وبينما تتسابق الشركات في بحوثها لإنتاج اللقاح والدول لتأمين ما يكفي من اللقاح لإنقاذ مواطنيها تصاعد اللغط الإسلامي عن الحلال والحرام في التعاطي مع الجائحة/الكارثة واللقاح وفي خضم كل ذلك اُثيرت الأسئلة حول استخدام منتجات لحم الخنزير، المحرّم عند المسلمين بدرجة النجاسة المغَّلظة  في انتاج هذا اللقاح او أحد انواعه وتبين انه مستعمل في أمور طبية أخرى منذ عقود وربما الغالب من المسلمين تعاطوا او تعاملوا مع تلك الأمور الطبية بعلمهم او بدون علمهم... أثار هذا الطرح مخاوف بشأن احتمال تعطيل حملات التطعيم ضد فيروس كورونا عند البعض ليس خوفاً عليهم إنما الخوف منهم كي لا يكونوا مصدر او بؤر تلوث مستمر يقلق البشرية وهم سوادهم الأعظم ومن هذا السواد،،عُلمائهم،،/ مشايخهم/ معمميهم /أساتذة جامعاتهم الإسلامية / مسؤولي دور الإفتاء لا يعرفون تركيب اللقاح والبعض منهم يبدو انه لا يعرف الفرق بين اللقاح/ التطعيم والدواء/العلاج ولم يساهموا فيه ولم يقدموا حتى دعماً بسيطاً لمن تصدى لهذا الوباء بحثاً او رعاية وعناية طبية أي الباحثين او الكوادر الطبية التي فرض عليهم واجبهم الوظيفي والإنساني معايشة المصابين. 

الفتاوى التي كانت أجوبة على هذا السؤال فيها بعض الأمور التي تثير علامات استفهام وتعجب من المسلمين وغير المسلمين لان الجميع مسلمين وغير مسلمين يعرفون ان الكثير/ أغلب المسلمين إلا افراداً قلائل منهم سيذهبون للقاح/ التلقيح سواء كان حلال ام حرام... حتى لو كان هذا اللقاح هو لحم خنزير نفسه او هو ميتة او دم مسفوح او خمر او نطيحة او متردية او منخنقة او موقوذة او ما اكل السبع او ما ذُبح على النصب وكل واحد منهم سيتسلح بطروحات السلف وأحاديث وآيات قرآنية قدمها له، خير، خلف لذلك السلف.

هذا السؤال وتلك الفتاوى ذكرتني بما كان قد جرى في العراق في أيام الحملة الايمانية حيث كان هناك برنامج اسبوعي من خلال تلفزيون الشباب لصاحبه عدي صدام حسين ... يقدمه، الشيخ عبد الغفار العباسي،!!! كل يوم جمعة مع وقت صلاة الجمعة وكيف كان الناس يتندرون على البرنامج ومقدمه خفيف الظل الذي اصبح فيما بعد امام وخطيب جامع الامام الأعظم، من خلال رسائلهم واسئلتهم التي كانت تُذاع/ تُقَّدَمْ/ تُعرض بشكل مباشر (عرض/نقل حي)...حيث كان الناس يتابعون البرنامج لأنه فاصل طويل هزلي ومقدمه الفكاهي العوبة السلطات الشيخ العباسي وكان البعض الذي يبحث عن الاستخفاف بالشيخ وبالبرنامج يرسل رسائل للسخرية يتكفل الشيخ بالإفتاء بخصوصها...واحدة من تلك الرسائل تناقلتها الألسن في الشارع والمجالس وهي غير حقيقية كما اتصور لكنها سارت بين الناس تعكس الرأي بالفتاوى يومها وحتى اليوم وهي: ان فتاة اسمها (س..) سألت الشيخ النصيحة من انها (ز.....) عشرة مرات وتريد التوبة وبعد مقدمة الشيخ الطويلة و،عنعنته، ومدحه لصحوة الفتاة بالتوبة افتى بأن كفارة ذلك هي الصوم كذا يوم أو اطعام كذا فقير والصلاة بأوقاتها مع اداء كذا ركعة بين أوقات الصلاة ودعا لها الله قبول توبتها... وفي الأسبوع التالي وصلت الشيخ رسالة من فتاة قالت فيها انها (ن..) اخت (س..) وقد (ز.....) ثلاثة مرات وتريد التوبة وبعد المديح والتبريك اوصاها الشيخ المهرج بأن تُكمل العدد الى عشرة وتفعل كما فعلت اختها.

اليكم الفتاوى التي صدرت وكانت جواب دور الإفتاء على السؤال: هل لقاح الكورونا،حلال أم حرام؟

1ـ هيئة،كبار العلماء، في السعودية: دعا مفتي المملكة رئيس هيئة، كبار العلماء، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، كافة السعوديين إلى تلقي اللقاح المضاد لفيروس كورونا وقال: [إن التطعيم نعمة من نعم الله] انتهى 

*تعليق: لم يًقُلْ الشيخ ان لقاح الكورونا (كوفيد19) نعمة من نعم الله انما قال عن التطعيم أي عملية التطعيم والتي يمكن ان تنسحب هذه النعمة الى من أمر بالتطعيم أي، ولي أمر المسلمين خادم الحرمين وولي عهده الأمين، هكذا سينظر أصحاب، العنعنات، في القرن العشرين الهجري ويركزون على ان الشيخ قال التطعيم وليس اللقاح والتطعيم عام ولم يخصص الشيخ بالتطعيم بشيء فيه خنزير او،نجاسة، وسيأخذ تفسير قول الشيخ صفحات طويلة ونقاشات حادة ربما تصل الى التكفير والرجم والإخراج من الملة. حالها حال أسباب تحريم لحم الخنزير.

 اليوم يمكن ان يكون كلام الشيخ على،علاته، مقبول دينياً واجتماعياً وهو خلاصة ابتعد بها الشيخ عن تفاصيل غير مفيدة عن اللقاح (حرام أم حلال) وفيه هروب من الإجابة على السؤال...أما موضوع (نعمة الله) فكل شيء عند المسلم من نِعَمْ الله عليه حتى الخنزير وتحريم لحم الخنزير وهذا يتطابق مع قولي ان اغلب ألمسلمين سيأخذون اللقاح حتى لو كان لحم خنزير وكل واحد منهم في جيبه فتوى ونص مقدس بتوقيع من الخلف مسنود من السلف.

2ـ مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أجاب بالتالي على السؤال العام وعلى استفسار وزير الشؤون الإسلامية بمملكة ماليزيا حول نفس الموضوع حيث كان الجواب هو: [...حتى ولو اشتمل اللقاح في مكوناته على مواد نجسة أو محرمة؛ فإنَّه يجوز استعماله، وذلك إعمالاً لقاعدة،الاستحالة، وقاعدة جواز التداوي بالنَّجس إذا لم يوجد غيره وأشار المجلس كذلك إلى قاعدة أنَّ "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة] انتهى

*تعليق: نعم جواز التداوي بالنجس والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة...لكن سبق ذلك بدعة، الاستحالة، المنقولة من السلف وهي المهمة حيث سيكون لها دور كبير في القرن العشرين الهجري.

3ـ دار الإفتاء المصرية في اجابة امين عام الفتوى خالد عمران: [...هذا المكون (يقصد الجزء من الخنزير) تتحول حقيقته الكيمياوية من هذه الحالة الى حالة أخرى وبالتالي يخرج عن حكم التحريم أو النجاسة التي كان فيها. وأكمل الشيخ: هناك شيء اسمه،الاستحالة، يعني حدث له تغير يعني تحول من حقيقته التي كان عليها وهذا لا يأخذ نفس حكم ما كان عليه في الخنزير انما تحول من حال الحرمة الى حال الحل ومن حال النجاسة الى حالة الطهارة]انتهى.

*تعليق: ان جواب دار الإفتاء المصرية ومجلس الإفتاء الاماراتي متقارب ويدور حول، الاستحالة، وهذا كما أتصور مثير وفيه ما سيثير الجدل والتشكيك في هذا التفسير او التشكيك بصحة التحريم مستقبلاً حيث ان القول وفق، الاستحالة، سيفتح جدلاً في المستقبل عند الباحثين عن الجدل في دقة نصوص القرآن حيث يتركون عدم دقة المتكلم ويذهبون الى حكمة التحريم في النص القرآني للتشكيك بها. هل الله لا يعرف ان هناك استحالة ستحصل وهذه الاستحالة يمكن ان تكون حتى على لحم الخنزير نفسه؟

4-اتحاد علماء المسلمين/الدوحة أصدر الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي محيي الدين القره داغي: [دعا إلى ضرورة الاعتماد على أهل الطب بشأن التطعيم باللقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد المسبب لمرض كوفيد-19وقال إن الفتوى تبيح استخدام اللقاح الجديد الضروري واللازم لفئة معينة أو لأشخاص معينين، وذلك حفاظاً على مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل، وحفظ المجتمع ومنع العدوى والانتشار، مشيرا إلى أن هناك قرارات جماعية توجب العلاج في حالة العدوى اعتماداً على الحديث الثابت: “لا ضرر ولا ضرار”. وختم فتواه: ولذلك اتفق الفقهاء على أن أيّ شيء تكون منافعه أكبر وأكثر فإن حكمه المشروعية”].

*تعليق: هذه الفتوى أنضج وأوضح فتوى رغم حشر بعض الأمور من قبيل: (إن الفتوى تبيح استخدام اللقاح الجديد الضروري واللازم لفئة معينة أو لأشخاص معينين) حيث لا اعرف لماذا هذا الحشر؟ لا اعرف من هم هؤلاء افراد الفئة المعينة او الأشخاص المعينين حيث لم يشخصهم الشيخ واللقاح كما معروف لكل البشر المصاب والسليم؟ لقد ترك الشيخ وكالعادة الناس في حيرة فيمكن ان يُفهم من هذا النص ان هناك فئة كثيرة او قليلة يجوز لها التطعيم وغيرها لا... ولم يبين الحد الفاصل بين الفئتين او من هم أصحاب الفئة الأولى ومنهم أصحاب الفئة الثانية. يبدو ان الشيخ لا يعرف الفرق بين الدواء/العلاج واللقاح/التطعيم... ربما في القرن العشرين الهجري سيكون حال هذه العبارة حال الفرق في الإسلام والفرقة الناجية. 

5- أصدر مفتي العراق الشيخ مهدي الصميدعي/ السٌنة (لان في العراق مفتي واحد للسنة وعشرين مفتي للشيعة) فتوى بـ حرمة لقاح كورونا في حال ثبت استخدام مشتقات الخنزير في صناعته، مشدداً على عدم وجود شفاء في أمر محرم كونه نجس وقال الصميدعي: [نحن أمة الإسلام، والنبي (ص) قال: (لم يَجعَل شفاء أمتي فيما حرم عليها) وأضاف: لا يوجد شفاء في محرم، وإذا كان المعلوم أن الناس علموا أن هذا العلاج لكورونا فيه دهن الخنزير أو المادة التي تخرج من دماغ الخنزير، فهو نجس محرم لا يجوز استخدامه] انتهى

*تعليق: هذه فتوى غريبة بانغلاقها وحسمها. وهي تنفي بدعة،الاستحالة، وتنفي انه (نعمة من نعم الله) وتنفي (لاضرر ولا ضرار) وتنفي ما قيل عن جواز الدواء بالنجاسة بشروطها

**تعليق عام: خمسة دور افتاء بخمسة فتاوى غير متطابقة والتناقض هو السائد لو ترك من افتى أساليب و،عنعنات قلقلات وحدحدات، السلف لوجدوا الكثير من السهلات والمقبولات من الجميع مسلمين وكتابيين وملحدين وقد طرحوا بعضها مثل (نعمة الله) و(لا ضرر ولا ضرار)... وهناك الكثير من قبيل (أهون الشرين) و(أخف الضررين) و(الضرر الأصغر يسقط الضرر الأكبر) وغيرها الكثير وهناك الكثير  من النصوص في القرآن والسُنة التي تشير الى أهمية النفع العام والجواز في تقديم النفع العام على الخاص. 

والعجيب انهم تركوا أقربها وابسطها واشملها وادقها وأصدقها وأقصد هنا ما ختم بها من انزل تلك الآيات الأربعة حيث قال: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] والاضطرار هنا بائن وواضح وخالي من (باغٍ وعادٍ) وهذا رد واضح ولام لكل المتفرقين لكنهم كما يبدو ابوا إلا ان يبقوا متفرقين وهذا الإصرار العجيب يدفع بسؤال هو: هل هناك أوضح وأشمل وأدق وأصدق من هذه العبارة الحكمة المؤكدة حيث تركوا كلام الله عمداً؟ تركوا مغفرة ورحمة الله وتمسكوا بأمور اخذوها عن فلان وتفسير فلان وهم يعلمون ان من حَّرَمَ أوضح بكلمات معدودات كررها أربعة مرات أي في كل آية ورد فيها التحريم تأكيداً لها وتركيزاً عليها وحسماً للتمسك بها وإبعاداً عن كل ما يفرق من تلك غير المفيدات التي تملأ مجلدات من،عنعنات وقلقات وحدحدات، السلف غير النافعات... لجأ من أفتى الى،كدس السلف الصالح والطالح، ليستخرج منها بدعة، الاستحالة، وهو غير مضطر الى ذلك لو التزم بالنص القرآني وتابع ما ورد فيه. أليس ذلك من الكفر؟

ربما أصحاب، الاستحالة، هنا لا يعلمون ان لحم الخنزير كأي لحم تحصل فيه تغّيُرات كيميائية كبيرة منذ لحظة الذبح تجعله مشمول ببدعة،الاستحالة،  وهناك تغَّيُرات أخرى ستحصل له اثناء عملية الطبخ/الشي(الشواء) تجعله مشمول ب، الاستحالة، مرة ثانية ويضاف الى ذلك الإضافات الكيميائية/العطرية (ملح،خل، بهارات، مطيبات) اثناء الطبخ لتجعله مشمول ببدعة ال، الاستحالة، للمرة الثالثة هذه  وهناك عمليات تصنيع يتعرض لها  تجعله مشمول ب، الاستحالة، للمرة الرابعة وهذه،الاستحالات، تُذهب عنه الرجس والنجاسة وهذه، الاستحالة، ربما مستقبلاً تنسحب على محرمات أخرى يصير حالها حال المخدرات والقات اليوم. 

ماذا سيقول المفتي لو تم صنع منتوج يدخل فيه لحم الخنزير بنسبة 50% او حتى 100% بعد ان يتعرض لعمليات تتطابق مع عملية الهضم التي تجري في جسم الانسان حيث تحصل هنا، الاستحالة، هل يكون هذا المُنْتَجْ حلال؟

ورد تحريم الخنزير في أربعة مواضع في القرآن موضعين في الآيات المكية وموضعين في الآيات المدنية وهي:

1- [الآية 115 سورة النحل/مكية]: [إِنما حَرًّم عليكمُ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير وما اُهل لغير الله به فمن اضطرً غير باغٍ ولا عادٍ فإِن الله غفورٌ رحيمٌ]

2- [الآية 145 من سورة الانعام/مكية]: [قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] 

3- [الآية 173 سورة البقرة/مدنية]: [إِنما حرَّمَ عليكم الميتةُ والدَّمَ ولحمَ الخنزير وما أهلَّ به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا اثم عليه ان الله غفورٌ رحيمٌ] 

4- [الآية 3 من سورة المائدة/مدنية] : [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] انتهى

يتبع لطفاَ

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

صادق السامرائيينقش: بالعامية تعني يستنسخ أو يسرق إبداع غيره وينسبه إليه.

زارني ذات يوم أحد الأخوة، ووجدته يحدق في أرجاء منزلي متحيرا، فلا يجد مكتبة، فسألني متعجبا: أين الكتب التي (تنقش) منها؟!!

قلت: ماذا تقصد؟

قال: من أينَ لك بهذه الكتابات، أ لست تأخذها من كتب الآخرين؟!!

إحترتُ وقلت: إن الكتابة ليست كذلك، فالذي لا يمتلك قدراتها عليه أن لا يكتب!!

لم يقنع الأخ بما ذكرتُ، ويرى أنني (أنقش)، مثلما هو يفعل وتنشر له الصحف، وكم كاد أن يقع في مشاكل كبيرة، لأنه  كان ينشر كتابات أناس أحياء ويوقعها بإسمه، فتعلم أن يذهب إلى كتب الأموات ويأخذ منها.

وذكّرني بموقف في أحد البلدان العربية في بداية التسعينات، عندما إشتهرت فتاة في الرابعة عشر من عمرها، بما تنشره في الجرائد، وأصبحت وكأنها نجمة، يتقرّب منها الصحفيون والناشرون ويحسبونها موهبة متميزة واعدة، فهي تنشر أكثر من مقال في الجريدة كل أسبوع.

وذات يوم عَلِمتْ والدتها (جارتي) بأني ذاهب إلى المكتبة العامة، فحمّلتني بعض الكتب التي تستعيرها إبنتها وعليها أن تعيدها قبل الغد.

وفي السيارة رحت أتصفحها، وإذا هي لكتّاب ماتوا في بداية القرن العشرين، وأن تلك الفتاة تنقل مقالاتهم منها وتوقعها بإسمها، فتوهم الجريدة والصحفيين بأنها من إبداعها!!

وتعجبتُ من سلوكها وكيف فَطِنَت إلى هذه اللعبة!!

واليوم تجدنا في زمن النشر السهل في المواقع والصحف، والعديد من الأسماء تعلمت لعبة (النقش)، وبلا إعتبارات أخلاقية، فتأخذ من غيرها وتنسبه لنفسها، وأصحاب المواقع والصحف ينشرون.

كنتُ أكتبُ بإسم مستعار لمدة طويلة، وكم عانيتُ من أخذ مقالاتي ونشرها بأسماء متعددة، وأقف واجما لا أعرف كيف أدافع عنها، ومرة أرسلتُ لرئيس تحرير أنبهه بأن المقالات التي ينشرها بإسم فلان الفلاني هي مقالاتي، فأجابني وكأنني لستُ صاحبها والذي ينشر له هو صاحبها، رغم إشارتي إلى مواقع نشرها بإسمي في الصحف والمواقع الأخرى.

ويوما سألتُ أحد الأخوة الذي كان ينشر مقالاتي بإسمه، فأجابني بأنها تعجبه، وكأنَّ عليَّ أن أشكره!!

ذات مرة أحد مقدمي البرامج في محطة تلفازية عالمية معروفة،  نشر مقالا ولم يُشِرْ فيه إلى مصدر عبارة قد أخذها من كاتب آخر، وكاد أن يفقد عمله ويتعرض لمساءلات قانونية، رغم إعتذاره وإعترافه بالخطأ الغير مقصود.

إن إحترام حقوق الكاتب وصيانة الإبداع من مميزات الشعوب المتحضرة، التي تحترم الكلمة وتبجّل دور المبدعين في مسيرتها الحضارية، أما أن تزدحم المواقع والصحف بالسرقات، فهذا أمر مشين ومخجل ومخزي، ومعادي لأبسط القيم والمعايير الأخلاقية.

فالعرب منذ أن إنطلقوا بالتدوين، إحترموا الكلمة، وحقوق المبدعين والمدونين، وكانوا حذرين من المنسوبين إلى الكتابة.

إن هذا السلوك المتكرر في مواقعنا وصحفنا يشير إلى تردي الثقافة، وموت الإبداع الأصيل!!

فهل من ردع لسرّاق الحقوق الإبداعية؟!!

وهل لرؤساء تحرير المواقع والصحف دور في الردع؟!!

 

د. صادق السامرائي