 أقلام حرة

الخارجي المقدّس والداخلي المُخنّس!!

صادق السامرائيالأمة لم تقدّم بحوثا ودراسات أصيلة ذات قيمة معرفية مؤثرة في الحياة، ومن أهم أسباب ذلك أننا نقدّس الأجنبي ونخنّس العربي، وتلك ظاهرة عارمة التفاعل في عقول المفكرين والمثقفين والباحثين وذوي العلم والإختصاص.

فالإعتماد على الخارجي يكاد يكون مطلقا، فلا يمكن البحث والدراسة إنطلاقا من الملاحظات وتقيمها وفهمها، بل لابد من رؤية خارجية يُعتمدعليها، وهذا الإقتراب السلبي القاصر يسود في النشاطات العلمية والبحثية بأنواعها.

فلا توجد لدينا بحوث ودراسات أصيلة.

وما مرت به مجتمعاتنا من تحديات وتجارب فريدة لم تأتِ بما هو أصيل على مدى السنوات والعقود، بينما الصين وفي بضعة أسابيع أو شهور أنتجت من الدراسات والبحوث الأصيلة عن فايروس كورونا، بإعتمادها على الملاحظة ودراستها، ما لم ننتجه في عقود.

ففي مجتمعاتنا نعجز عن تقديم دراسة تنفع الناس وتساهم في حل مشكلة، لإعتمادنا على الدراسات والرؤى الخارجية، ونحاول فرضها على الواقع الذي لايتواءم معها، فهي من نتاج عقل مكان وزمان يختلف عن عقل مكاننا وزماننا.

فلو إطلعتم على ما كتبناه في ميادين العلوم المتنوعة ستجدونه يشترك بإعتماده على الخارجي المستورد، ولن تجدوا دراسة ذات أصالة وقدرة على فهم الواقع أو الظاهرة، إلا فيما ندر.

ومن الأمثلة على ذلك أن بعض المختصين يدرسون نظريات الآخرين، ويستخدمونها كأداة لفهم الظواهر القائمة في مجتمعاتنا، فينتهون إلى فرضيات ونتائج غير واقعية، وإنما تؤكد النظرية التي إستعملوها للنظر في الحالة التي يفترضون دراستها.

ولهذا تجدنا نتكلم عن " الإزدواجية"، وعن موضوعات أخرى لاتتصل بجوهر حقيقة واقعنا، لكنها رؤية نظرية مستقدمة من عوالم أخرى.

كما أن بعض المثقفين والباحثين ينتقون كتابا أو بحثا لشخص ما في المجتمعات الأجنبية ويترجمونه، أو يعظمونه ويقدمونه على أن صاحبه من الأفذاذ العظماء، ولو سألت عنه في مجتمعه فلن تجد له ذكرا، وتستغرب كيف يفعلون ذلك.

وكلما تفاعلت مع الزملاء والمفكرين وتحدثت معهم عن الأصالة وضرورة تقديم ما يعبّر عنّا يرفضون، ولا بد لهم أن يعتمدوا على الآخرين، وكأن للأجنبي القول الفصل في كل شيئ، فلا قيمة لما نفكر به ونبحث فيه إن لم يكن معززا بما هو أجنبي.

فعلينا أن نعيد الثقة لأنفسنا ونؤمن بقدراتنا وبعقولنا، وبأننا يمكننا أن نقدم أصيلا نافعا للبشرية لو تحررنا من هذه التبعية الفكرية الغير مبررة، فالمجتمعات التي تقدمت إعتمدت على نفسها وإستثمرت بعقول أبنائها.

فهل لنا أن نكون ونتمكن؟!!

 

د. صادق السامرائي

...........................

* المُخنّس: المُوارى، الغائب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5017 المصادف: 2020-05-31 03:41:25