 أقلام حرة

مِصْرُ فِي مُوَاجَهَةِ الجَمَاعَةِ.. حِكَايَةُ ثَورَةٍ

بليغ حمدي اسماعيلالثلاثين من يونيو من عام 2013 هو يوم الشعب، هذا الشعب العظيم الذي قال عنه كاتب مصر العظيم توفيق الحكيم مقولته الشهيرة "أمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى أو معجزات، لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلى الأبد ". هذا الوطن الفريد والعجيب والمثير بتاريخه وحضارته وشعبه وقيمه يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته .

كيف يظهر المؤيدون لرئيس الصناديق الانتخابية الفائز وهم يعلنون نصرة الشريعة والجهاد ضد الليبراليين الكفرة والمدنيين الفجرة والعلمانيين السحرة رغم أنهم في زمرة وحضن وحرمة الإسلام الحنيف الجميل الرقيق وفي الوقت نفسه يظهر الرجل الذي يؤيدونه معلناً ضرورة الحوار والتوافق والمشاركة مع أولئك السحرة الكفرة الفجرة؟ أي فصام في الفكر والتصرف ذلك تعاني منه فصائل الإسلام السياسي التي فشلت سياسياً وسقطت دينياً بفضل تصرفاتها منذ الثلاثين من يونيو.

خرجت مصر بطوائفها المتباينة سوى أنصار الجماعة المنحلة بحكم القانون والمعزولة بقوة الشعب وهي في يقينها  أن مصر ليست عزبة ولن تصير وليست وسية لجماعة أو جمعية أو فرقة أو تنظيم سري لا يجيد العمل إلا تحت الأرض، هكذا كان خروج المصريين العظيم وهم يعلنون أن تظاهراتهم سلمية لكنها وهي على وعي بالأمر  فوجئت بأسلحة بيضاء وبخرطوش وببنادق آلية وكأن أولئك الخائفين لأنهم يحملون السلاح يحاربون عدواً خارجياً..

فتحت شعار ليس خفياً على أحد مفاده هيا بنا نسقط الرئيس في عامه الرئاسي الأول سرت موجة عارمة من الغضب الشعبي ممثلة في حملة شعبية يقودها مجموعة من الشباب الذي لم يرضخ لاستلاب الجماعة وإقصائها للآخر المختلف في التوجه والأيديولوجية، وهذه الحملة  تقوم بجمع توقيعات وتوكيلات من المصريين بكافة طوائفهم وفصائلهم لإعلان التمرد الشعبي الغاضب ضد مندوب الجماعة في حكم مصر محمد مرسي باستثناء جماعة الإخوان وعدد ليس بالقليل من التيارات والائتلافات الدينية ذات الطابع السياسي. واعتقد وقتئذ رواد حملة التمرد الشعبي أن مسألة سحب الثقة من رئيس هو في الأساس شرعي وشعبي أي جاء بإرادة شعبية منتخبة كما ظن وادعى أنصار ومريدو التنظيم أمراً لا يعد يسيراً لذا فكان في مأمولهم  أن تكون صفوف وطوابير المتمردين أو المنضمين للحملة ستفوق أعداد المنتظمين في طوابير انتظار رغيف الخبز منذ سنوات أو انتظار اسطوانات الغاز الذي تباهت الجماعة بتوفيرها وقت حكمهم وكأنه أعظم منجزهم التاريخي في سجل الحضارة المصرية المعاصرة.

وحينما استطاعت حملة تمرد إلى جمع ما يقارب الخمسة عشر مليوناً من التوقيعات فإن هذا اعتبر حينها بمثابة الإعلان أو الإنذار الأول على يد محضر شعبي لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة هذا كله حدث تحت مرأى ومسمع القوى السياسية ووسط ترقب أكثر حذراً وصمتاً وتأملاً للمشهد السياسي من قبل المؤسسة العسكرية التي كانت تحتفظ ولا تزال  برصيد استثنائي من القبول والتأييد بل والمناداة بضرورة النزول إلى الشارع والانضمام إلى صفوف المتمردين إسقاطاً للنظام الحاكم الإقصائي بامتهار .

وفكرة التمرد الشعبي لم تكن جديدة على مصر لأن الشعب المصري بحكم طبيعته الاستثنائية أيضاً مروراً بتراكم الحضارات المتواترة عليه جعلته أكثر قبولاً لفكرة الرفض وإن بدا هذا الرفض بطيئاً ووئيداً أيام حكم المؤسسة العسكرية على مصر منذ قيام ثورة يوليو 1952، وعادة ما لجأ المصريون إلى فكرة إعلان تمردهم على الحاكم حينما يرون أنه وجهازه النظامي الرسمي غير قادر على إدارة شئون البلاد، وتسيير المصالح وإتمام مهام الرئاسة بكفاءة وقدرة تشبه الساعة السويسرية المنتظمة بغير خلل أو عطب . وقد حدث هذا منذ عهد أحمس الذي عرف في التاريخ المصري كما تقول كتب وزارة التربية والتعليم غير المطورة والمهملة لقواعد تنمية التفكير والذكاءات المتعددة بأنه طارد وقاهر الهكسوس.

والتمرد الشعبي في مصر يضرب بجذوره بعيداً في تاريخها، ومثل تمرد المماليك في حياة حكم الدولة العثمانية على مصر أقوى حركات التمرد وإن لم يكن شعبياً خالصاً وكان يشوبه بعض من المصالح والمنافع الشخصية لضباط وجند المماليك، وكان هذا التمرد نتيجة طبيعية لاستيلاء العثمانيين على مصر شعباً وأرضاً، ويذكر التاريخ الشعبي للتمرد في مصر حركات مقاومة عديدة قام بها شيوخ القبائل مثل حركة الشيخ عبد الدايم بن بقر التي قادها في إقليم الشرقية آنذاك ضد خاير بك والي مصر، والذي يلتقط تاريخ العثمانيين في مصر قد يتعب ذهنياً من كثرة حركات التمرد ضد السلطة الحاكمة والتي باء جميعها بالفشل والنكوص والارتداد للخلف، إلا أن سمة الغضب والتمرد ذاتها لم تتقهقر ولم تتوارى بعيداً عن أذهان المصريين أنفسهم.

ولعل أبرز مظهرين من مظاهر التمرد الشعبي تجاه المؤسسة الرئاسية في العصر الحديث ما عرف بانتفاضة يناير 1977 التي كان لطلاب الجامعة دور بارز وقيادي ومؤثر ضد قرارات الرئيس والزعيم البطل محمد أنور السادات الاقتصادية، والمظهر الثاني حينما خرجت طوائف مصر إلا قليلا ضد مبارك ومشروع توريث نجله جمال والذي انقضى بإسقاط مبارك ورحيله نهائياً عن مشهد السلطة وإن لم يكن رحل بعد ذلك بفترة وجيزة عن المشهد السياسي لأنه كان شريكا قويا فيما حدث للمصريين من انقسامات وفرقة وتطاحن وتصارع سياسي بعد الثورة التي يصر كثيرون اليوم على تغيير مسمى الثورة إلى مسميات أخرى مثل الانتفاضة الشعبية أو الوقفة الاحتجاجية.

وفي وقت الغضبة الشعبية الاستثنائية للمصريين في وجه جماعة الإخوان كانت هناك أصوات متعددة تلمح تارة وتصرح تارة أخرى بعدم شرعية هذه الحملة الموجهة لإسقاط مندوب الجماعة محمد مرسي، وأنها في الوقت ذاته حملة عبث وفوضى تطيح باستقرار وأمن البلاد والعباد، فعلى الشاطئ الآخر من المشهد السياسي من رأى أن الحملة قانونية وشرعية ونموذجية تعبر عن الحياة الديموقراطية عقب انتفاضة يناير التي قادها صبية صغار لا يفطنون لأبعاد المشهد السياسي  إعمالاً بالمادة الدستورية القائلة بأن السيادة للشعب .

 أي أننا ساعتها كنا أمام صورتين متمايزتين ؛ الأولى تؤيد الاستقرار السياسي الرسمي ولكن تحت مظلات متعددة مثل الانتماء الأيديولوجي لفكر الرئيس الحاكم أو أن النظام الحاكم هو الوجه المعبر عن الحكومات الإسلامية التي ينبغي أن تسود المنطقة، أما الصورة الثانية فهي صورة ترى عدم صلاحية الرئيس للحكم في هذه المرحلة التي لا تظل انتقالية، ويبدو أن فريقا ثالثا كان بمقدوره أن يظن بأن الخاسر في المعركة هو الوطن ذاته الذي يتحمل كل المعارك والمساجلات التي لا دخل له فيها ولكن قدر مصر ومصيرها أن تظل دائمة منطقة استثنائية جغرافياً وتاريخياً وسياسياً أيضاً.

والمستقرئ لموجات الغضب الشعبي التي اجتاحت محافظات مصر بصورة ملفة للنظر وغير مسبوقة في التاريخ الحديث والمعاصر،  أن تلك الموجات الأكثر غضبا ونفورا واستياءًا من ممارسات الجماعة الإقصائية وتهميش الآخر،  كانت تدعي أنها موجهة لسحب الثقة من محمد مرسي إلا أنها في حقيقة الأمر موجهة ضد جماعة الإخوان، حيث إن الذين وقعوا على بطاقات واستمارات سحب الثقة هو بالفعل في حرب سياسية ضد الجماعة وسياساتها ظناً أو يقيناً منهم بأن الجماعة ومكتب إرشادها هي المسيطرة على الوطن آنذاك، وأن ثمة محاولات تكرس لأخونة المؤسسات والهيئات في مصر، هذا بخلاف ما سيطر على شباب القائمين على موجات الغضب الشعبي من أن ثورتهم وئدت على أيدي الجماعة لاسيما وأن المشاركين في إحداثيات انتفاضة يناير لم ينالوا القدر الكافي من الاهتمام هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنهم رأوا كيف أن الجماعة هي التي استفادت فقط من مكتسبات الثورة دون بقية التيارات المنظمة أو الفردية التي قامت بالثورة نفسها.

واستناداً إلى لغة العلم فإن المظاهر التي سادت المشهد السياسي في تلك الأيام يمكن توصيفها بالطاقة الإيجابية التي حفزت الملايين للمشاركة وهذا الخروج الكبير في وجه التنظيم وليس النظام السياسي فحسب،  وما ساعد الغضبة الشعبية حالة فقد الطاقة من جانب الجماعة بصورة من الصعب إعادة إنتاجها مرة جديدة لأن الفكرة المسيطرة على كلا طرفي النزاع هي فكرة الانقلاب على الآخر، لأن كافة أطراف الصراع يرى في غريمه أو غرمائه صفة الخيانة لا مزية المشاركة في الوطنية والمواطنة، الأمر الذي فرض على أصحاب جماعة الإخوان حزمة من الممارسات التي تظهر في الرفض المطلق انتهاء بالتعبير عن الغضب بصورة عدوانية غير حضارية بل ودموية عملا بنظرية الأرض المحروقة .

ولعل الجميع تغافل وقتها القانون الأبدي للفعل السياسي وهو أن وجود سلطة في البلاد يستلزم وجود قوى للمعارضة ولكن لأن السلطة نفسها بدت مضطربة في قراراتها كل الشئ و غير واضحة في إجراءاتها التشريعية فإن ذلك لحقه بعض الاضطراب في تلقي تلك القرارات والإجراءات، ويكفي أن ترصد بعض الملامح السياسية المعارضة التي بزغت في مصر منذ محمد مرسي حكم مصر مثل العصيان المدني الأول والثاني واختراق قرار حظر التجوال بمدن القناة وظهور البلاك بلوك وتظاهرات الألتراس ومليونيات الجمع التي لم تنته إلا بعد وعي الشعب المصري بمخططات الجماعة.

هذا الاضطراب في تلك الأيام الغاضبة في الفعل ورد الفعل أدى بنا في النهاية إلى عدم الاستقرار السياسي الذي ألقى بظلاله على مناشط أخرى في المجتمع مثل عدم الاستقرار الأمني وعدم الاستقرار الاجتماعي وفقدان ثقة المواطن في السلطة الاستقطابية وفي قوى المعارضة أيضاً لدرجة أن المواطن البسيط الذي كان مؤيداً لمحمد مرسي في بداية توليه سدة الحكم تخلى عن تأييده وانتقل للوقوف في صفوف التيارات المناوئة له ثم استقر به الرأي للجلوس بعيداً عن المشهد السياسي برمته انتظاراً لما ستسفر عنه الأيام وهو غير مبال بصراع القوى السياسية.

وحركة الغضب الشعبي التي سادت قبيل إسقاط تنظيم الجماعة وإن كانت آتية من الشارع الغاضب، فإن ثمة حركة أخرى من الغضب وجدناها تأتي من جانب النظام القائم آنذاك نفسه، ليس هذه المرة عن طريق مواجهة الأمن للمواطن ولكن تبدو صورة الغضب والكراهية في عدم استقرار النظام الحاكم على نموذج اقتصادي يمكن محاكاته ارتقاء بالوطن وكأنه من الضروري تقليد التجارب الناهضة في دول العالم رغم أن العقل المصري بغير مجاملة قادر على النهوض والبناء والارتقاء ولكن هذه العقدة ظلت وراثية منذ عقود بعيدة وهي اللجوء إلى الفكرة من الخارج لا استنطاقها من رحم الوطن لذا تفشل جميع التجارب المستوردة باستثناء تجربة بناء السد العالي في عهد الزعيم الوطني جمال عبد الناصر لأن الهدف كان مشتركاً أي تشارك فيه طوائف الشعب حكومة ومواطنين.

فرأينا جولات مكوكية عدها البعض أنها اقتصادية أو محاولة للاقتراض الخارجي والتمويل أو للاطلاع على تجارب التنمية في تركيا والصين وأفريقيا وباكستان وألمانيا والبرازيل بالرغم من أننا تعبنا من كثرة التصريح بأن التنمية مفادها المعرفة التي لا تتحقق إلا بدراسة الواقع الفعلي للبلاد والعباد وتحليل مقدرات الوطن البشرية والمادية ومعرفة الاحتياجات مقارنة بالقدرات والإمكانات وبعد ذلك نستطيع وضع خطة حقيقية للبناء والتنمية لكن تخبط القرار السياسي الرسمي الإخواني على نفسه باللهث وراء تجارب أجنبية لها ظروفها وطبيعتها الاستثنائية أصبح أمراً لا يتناسب مع ظروف المرحلة الراهنة فكان سقوط تنظيم الجماعة الرسمي سريعا أيضا.

ووجدنا في هذه الأيام والساعات التي تزامنت واشتغال الغضب الشعبي الوطني في وجه الجماعة ورئيسها ومرشدها أيضا،  ما صدر  من تصريحات وتنبيهات وأوامر من قيادات جماعة الإخوان بشأن ما سيفعله رئيسهم محمد مرسي في مواجهة هذا الغضب، رغم أن الرئيس نفسه لم تصدر عنه أية تصريحات تقلل من رصيده لدى المصريين الذين انتخبوه وتمحو رصيده السياسي لدى الملايين الغفيرة الكبيرة التي لم تصوت له من الأساس لأنها بالفعل لا تعرفه أو تعرف تاريخه السياسي، وعجب هذه التصريحات أنها لم تتعلق بالشأن المصري الداخلي كالاقتصاد الذي انهار تماما في هذا الوقت، والبورصة التي بدأت في ترنحها النهائي قبيل السقوط، ولا عن رصيد مصر من القمح الذي سيكفينا في الشهور المقبلة، أو حتى عن مصائب وأزمات التعليم الجامعي وما قبله، بل وجدت هذه التصريحات تتعلق مثلاً بمكان احتفال جماعة حسن البنا بنصر أكتوبر مع قتلة البطل الشهيد أنور السادات، أو العفو عن أمراء الجماعات الإسلامية الذين أباحوا الدم وأشاعوا الفتنة والغلو منذ سبعينيات القرن الماضي وكان العفو الرئاسي لهم شهادة ضمان لأنصار الجماعة بأنه لا مكان لعموم الشعب بينهم على أرض مصر.

وثمة تصريحات أخرى عن حرب وشيكة مع الكيان الصهيوني في الوقت الذي يعاني الوطن من حروب داخلية بالفعل أبرزها الأمن المفقود والانفلات الأخلاقي والغذاء وأزماته والبنزين الذي أصبح كالعفريت المنتظر خروجه من مصباح علاء الدين . ولكن المشهد السياسي يحتاج لمثل هذه التصريحات التي تعرقل الحياة السياسية نفسها في مصر بدلاً من تسيير الأعمال بصورة طبيعية . ليس هذا فحسب بل وجدنا من يظهر علانية في الفضائيات الفراغية التي زادت من أوجاعنا وهمومنا ليؤكد أن الرئيس محمد مرسي سيفعل كذا، وأنه سيحاسب هذا، ولن يقبل مصالحة مع هؤلاء، أو أنه سيعقد صفقة أخرى مع هؤلاء، وغير ذلك من الترهات السياسية التي تودي بالبلاد نحو فتنة محمومة.

وكم هو غريب أن يظن أولئك المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين أن بفوز الدكتور محمد مرسي في انتخابات الرئاسة هو فوز لهم، لأن الدكتور مرسي أعلنها صراحة بأنه رئيس لكل المصريين وليس لفصيل لم ندرك كنهه بعد هل هو سياسي أم ديني أم كلاهما معاً . وهؤلاء ظنوا عبثاً أن الوطن أصبح في قبضتهم، وأنا تربطني صداقات عميقة مع شخصيات أكثر تعصباً للجماعة وفكرها وتقريباً نجلس سوياً كل ليلة بصحبة أصدقاء ينتمون لتيارات سياسية متباينة إلا أن هؤلاء المنتمين للجماعة يصرون على اقتناص الحديث وحدهم عن الوطن وعن مستقبله، وهم في ذلك لا يسعون فقط إلى مصادرة المستقبل فحسب بل هم أيضاً يعلنون قتل الماضي صراحة .

وهكذا أصبحت جماعة الإخوان مرفوضة من جانب كافة الفصائل السياسية حتى الدينية منها وكذلك من بعض القوى والتيارات الشعبية الآن، وأصبح الجميع يحاول الإجابة عن أسباب هذا الرفض الشعبي، بل تبارت البرامج الفضائية في تلك  الأيام في الإجابة عن هذا التساؤل والذي يحمل في طياته الإجابة البليغة عنه .فمنذ إعادة ظهور الجماعة في نسختها الشرعية عقب انتفاضة الخامس والعشرين من يناير وهي تعاني من بعض اللغط السياسي لها لاسيما وأن حالات المد والصعود التي صادفت هذا الظهور كان سريعاً .

المهم أن الوطن شهد حالة غضب بل موجات من الغضب المتواتر سواء على المستويين الشعبي والرسمي، وصارت المنتديات الإليكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ونوادي الهيئات والجمعيات الأهلية ساحة خصبة لإشعال هذه الحركة أو إخمادها أيضاً ومشكلة كبيرة أن يحيا الوطن في صراع سياسي مستدام وألا يستفيق إلى مشكلاته الحقيقية رغم أن الفعل السياسي من أبرز مشكلات المجتمع لكن في ظل ذروة الاحتدام السياسي الذي لا انتهاء منه ولاشك في أن المشهد السياسي يتسبب في الكثير من المشكلات التي يشهدها المجتمع مثل حركات العصيان والتمرد ووقف عجلة الإنتاج والهروب الجماعي العشوائي للاستثمارات الوطنية والأجنبية وزيادة معدلات البطالة وتفاقم ظاهرة التحرش الجنسي وغياب الرؤية المستقبلية لمنظومة التعليم بل وتعطل حركة قطار التعليم نفسها .

وبدا الأمر جد خطير ومسألة الخروج من الأزمة السياسية المشتعلة لن تنفرج بمظاهر ديموقراطية صورية مثل موائد الحوار الوطني، ولن تحل أيضا بمجرد تغيير في الوزراء والمحافظين، ولن تجد سبيلاً لوضوح الرؤية في إسقاط النظام مرة ثانية، كان الخروج ينبغي أن يتمثل في توافق مع النفس أولاً ومع صدق ذاتي يتجسد في العمل الجاد.

وظهرت المؤسسة العسكرية الوطنية في البزوغ، حرصا منها على سلامة الوطن، وإيمانا بدورها التاريخي في الحفاظ على مقدرات الأمة العظيمة، وهو ما دفع المؤسسة العسكرية إلى إمهال كافة القوى المشاركة في الغضب ومنها النظام الاستقطابي الحاكم أقصد جماعة الإخوان في الحوار، لكن وسط غضبة تاريخية ووعي مستدام من الشعب ومواجهة دموية من تنظيم الجماعة التي بزغت للوجود السياسي مكشرة عن أنيابها وملوحة بوضوح بوجهها الحقيقي في اقتناص مصر وحكمها لا إدارتها لصالح المواطن، كان الوقوف التاريخي للقوات المسلحة المصرية بجانب ملايين المواطنين الذين لم يخرجوا هذه المرة بحثا عن العيش والخبز واسطوانات الغاز والتقاط فرصة عمل ولو مؤقتة بل كان خروجهم دافعه الحفاظ على الوطن من حفنة باتت تخطط لسنوات طويلة من أجل لحظة التمكين التي تحدث عنها مؤسس التنظيم حسن البنا في عشرينيات القرن الماضي.

وأخيرا جاءت لحظة الثورة التاريخية التي صنعها الشعب، وهي ثورة شعب بكافة المعايير الدولية، ثورة استعادت فيها مصر هويتها الوطنية، ثورة أدرك فيها الوطن قيمة وجود قائد عسكري وطني هو الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي استجاب سريعا لنداء الشعب والوطن معا، وبالضرورة مصر تضرب للعالم مثلا رائعا في التلاحم بين الشعب والجيش من أجل مصر، وما أكدته الأيام أن ما صنعه أنصار الجماعة من إرهاب وتطرف وأعمال دموية واسباحة الوطن وجيشه هو خير دليل على أن الثورة هذه المرة لم تكن حركة عسكرية، ولم تكن ثمة مطالب فئوية، ولم تكن تظاهرة موسيقية يقودها بعض الشباب \اخل خيمهم كمان كان الخالي في الخامس والعشرين من يناير .

كانت الثورة في الثلاثين من يونيو ثورة وعي وطني، ومنجز تاريخي في التلاحم بين نداء الشعب لجيشه بقيادة وطنية عظيمة  .

 

الدكتور  بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.    

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5045 المصادف: 2020-06-28 11:30:32