 أقلام حرة

ونفس وماسواها..

"ونفس وماسواها، فالهمها فجورها وتقواها"..الشمس7

قبل كل شئ يجب ان نعلم ان النفس تختلف عن الروح، فالنفس مرهونة بتصرف الانسان نفسه واما الروح فهي من امر الله"قل الروح من امر ربي"..الاسراء85

فالنفس هي كيان الانسان واساس وجوده ومحورتصرفاته والمسؤولة عن شهواته، واهواءه ومزاجيته من حيث فرحه، حزنه، المه، سعادته، حبه، كرهه، فالنفس هي التي تشتهي، تحب، تضجر، تمل، تعاني وتتعذب ثم تموت مع الجسد" لاتدري نفس ماذا تكسب غدا ولاتدري نفس باي ارض تموت"..لقمان 33-34

ومعنى ذلك ان النفس تموت مع الجسد والنفس والجسد متلازمان لايفترقان. 

فاذاتاملنا الايات القرانية التي تحدثت عن النفس لوجدنا ان النفس هي المسؤولة عن ارتكاب المحرمات ابتداءا من اول الخلق ادم وخروجه من الجنة، و قابيل الذي سولت له نفسه قتل اخيه، ثم اغواء زليخة ليوسف الذي تصدى لها بتقواه

اذن فالنفس هي المسؤولة عن جنوحها اواستقامتها، فسادها او اصلاحها "ونفس وما سواها، فالهمها فجورها وتقواها"، في هذه الاية قال الله جل وعلا" فالهمها فجورها"فلماذا الهمها الله فجورها اولا وتقواها ثانيا!

ذلك ان الله انما اراد ان يختبر ويمتحن الانسان في نفسه اولا وقدرته على السيطرة عليها وجهادها وتزكيتها لكي تصل الى مرحلة التقوى فتكون جديرة برضا الله"ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدون منكم والصابرين"..محمد31

وكلنا نعلم ان اكبر جهاد هو جهاد النفس واصلاحها وافسادها مرهون بقدرة وارادة وايمان الانسان نفسه، فكم نفس فسدت وخضعت لاهواءها فهوت وهوى معها كل شئ، لان الانسان ليس نفسا واحدة بل هو سلسلة من الانفس وهي عائلته، والديه، اخوته، زوجته اولاده، واحفاده"والله جعل لكم من انفسكم ازواجا وجعل لكم من ازواجكم بنين وحفدةورزقكم من الطيبات افبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون"..النحل 72

 وكم من نفس صالحة ساهمت باصلاح اجيال من الانفس، " كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء"فاصلاح النفس يبنى عليه اصلاح المجتمع وفسادها يودي بالمجتمع الى الهاوية، لان المجتمع مجموعة من الانفس.

ولذلك فكل نفس تحصد مازرعت خيرا اوشرا"كل نفس بما كسبت رهينة"..

فلناتي على انواع النفس التي ذكرها القران على سبيل المثال وهي :

 - "النفس اللوامة"وهذه النفس نالت من السمو ماناله يوم القيامة من رفعة وعظمة وقدسية، لانها الضمير الحي الذي لايفتئ عن لوم صاحبه عن كل صغيرة وكبيرة لاعادته الى السراط المستقيم، وهي النفس المؤمنة التي تبعد صاحبها عن المعاصي قبل فوات الاوان وتحذره وتوبخه، وتحاسبه اولا باول، تخاف الله وتاتمر بامره وتجتنب نواهيه و معصيته وعقابه، ولاتتكاسل عن عبادته

 وطاعته، ولذلك اقسم بها الله كما اقسم بيوم القيامة لما لها من منزلة عظيمة عندالله جل وعلا"لااقسم بيوم القيامة ولااقسم بالنفس اللوامة.."..القيامة 2

- "النفس المطمئنة"وهذه النفس التي اغدق الله عليها الايمان فسكنت واطمئنت ورمت احمالها على الله فزادها هدى ثم دعاها اليه لانه راض عنها فاستجابت"ياايتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك"..

-النفس الملهمة" وهي النفس التي الهمها الله وخيرها بين امرين، الفجور والتقوى، فبدات تقاوم فجورها بكل مااوتيت من قوة بالايمان، لكي تكبح جماحها وتخمد شيطانها بالتقرب الى الله فافلحت في تزكيتها وفازت بالتقوى"قد افلح من زكاها".. وهذه هي المكافاة من الله وهو الفلاح في الدنيا والاخرة

-النفس الكريمة وهي النفس التي تبذل الخير في سبيل الله وتنفق سرا وعلانية لتنال رضا الله، وتؤثر الاخرين على نفسها "ومن يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون"..الحشر3

والشح يعني البخل والطمع وهوعكس الكرم والايثار، والشح نوعين، اما طمع فيما ليس لك به، اي ليس من حقك، واما منع لما يجب عليك بذله، "والذين يمنعون الماعون"..الماعون7

وفي هذا الباب الكثير من المعاصي منها اكل اموال الناس بالباطل، اكل مال اليتيم، اهدار حقوق الناس، منع الصدقة، وقد يصل الامر بالشح على النفس ذاتها، فقد يكون الانسان غنيا لكنه يبخل على نفسه بابسط امور الحياة كالماكل والملبس والسكن المريح، لان الله عندما يغدق نعمه يحب ان يرى اثر ذلك على عباده"واما بنعمة ربك فحدث"..الضحى 11

لذلك فالشح صفة ذميمة وهي اعظم من البخل، وهي النقيض للايثار، فالانسان الكريم يحبه الله والناس والكريم اسم من اسماء الله الحسنى، ومن احبه الله اكرمه بحب الخير للجميع"ويؤثرون على انفسهم".. الحشر9  وتلك اعلى درجات الايثار الاوهو ايثار الناس وتفضيلهم على النفس بما وهب الله من نعم.

ولذلك كانت مكافاة النفس الكريمة "الفلاح" ولنتامل عظمة الفلاح فهي بمنزلة الصلاة عند الله ولذلك عندما نرفع الاذان نقول "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، وقال "واولئك هم المفلحون."

-النفس المرضية وهي النفس التي رضى الله عنها فارضاها بنعمه الظاهرة والباطنة، هذه النفس التي رضت بقضاء الله وشكرته، وهي النفس القنوعة، القانعة بما قسم الله لها من نعم مهما كانت"وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها"..النحل، فهي دائمة الحمد والشكر لله على نعماءه، لذلك فقد دعاها اليه لكي تنعم بجنانه "ارجعي الى ربك راضية مرضية، فادخلي عبادي وادخلي جنتي"..هذا الدخول الذي لم يضع له شرطا اوقيد، بل فتح لها ابواب رحمته وقال لها "ادخلي" هل توجد رحمة ورضى اكثر من هذا!

-النفس الامارة بالسوء وهذه الاولى من حيث النشاة فقد نشات مع خلق ادم عليه السلام عندما وسوست له بمعصية الله واخرجته مع زوجه من الجنة بايعاز من الشيطان، فظلمته وظُلمت هي الاخرى، لولا رحمة الله به واستغفاره وانابته "ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"..البقرة 37

وهي النفس التي سولت لابن ادم قتل اخيه بدم بارد، وسهلت له الامر بل وشجعته وصورت له ان قتل اخيه طوع سهل "فطوعت"، ليتحمل بعد ذلك ذنب القاتل والمقتول ويكون اول قاتل بتاريخ البشرية واول من سن سنة القتل، فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة"فطوعت له نفسه قتل اخيه فاصبح من الخاسرين"..المائدة30

هذه النفس اذالم تقاوم وتحارب فيها المعصية فانها تودي بصاحبها الى التهلكة، فهذه النفس التي حاولت اغواء سيدنا يوسف عليه السلام من قبل زليخة لولا رحمة الله به لانه اصطفاه واختبره فوجده من الصابرين" ان النفس لامارة بالسوء الا مارحم ربي.."..يوسف53

من هذا نخلص الى القول ان النفس والجسد متلازما الانسان، وان الجسد مرهون بالنفس، طائع لها منفذ لاوامرها، ملبيا لرغباتها، اي انها تتحمل نتيجة عملها "كل نفس بما كسبت رهينة "..المدثر 38

وقد رهن الله امر النفس للانسان ليصلحها او يفسدها فهو مخير بذلك، لكنه بالتاكيد سيتحمل نتيجة اعماله خيرا او شرا"لايكلف الله نفسا الاوسعها لها ماكسبت وعليها مااكتسبت"..البقرة286

اي ان النفس تكسب رضا الله بالطاعة والعبادة والعمل الصالح"لها ماكسبت"وهذا مكسب كبير، "وعليها مااكتسبت"، والاكتساب من الاثم والعدوان والاعمال السيئة التي زينها لها الشيطان وسيطر عليها بوساوسه فجعلها مطية له، فتحملت نتيجة اساءتها"وما اصابك من سيئة فمن نفسك"..النساء79

 ومن رحمة الله بنا ان جعل لنا عقل يدرك الحق، وقلب ينبض بالخير وهدانا واصلح عملنا وجعل الجنة مكافاة لنا ليميز الخبيث من الطيب"وان الله ليس بظلام للعبيد"..الانفال 51

 

مريم لطفي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5046 المصادف: 2020-06-29 02:44:59