 أقلام حرة

أهذه سفارة في دولة أم دولة في سفارة؟

علاء اللاميإنَّ أهم وأوضح دليل على تبعية العراق الشاملة دولةً وبلداً ونظامَ حكمٍ للولايات المتحدة الأميركية وكونه بلدا فاقدا للسيادة هو مجمع سفارتها في المنطقة الخضراء ببغداد، فهي السفارة الأضخم في العالم، وحتى إذا تم تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال ذات يوم، ونال العراق استقلاله الكامل، فسيكون من العار على كلِّ عراقي أن يقبل ببقاء سفارة أميركا في هذه القلعة الهائلة!

فإلى المتباكين على ما يسمونها "البعثات الدبلوماسية الأجنبية وضيوف العراق" من محللين يتقافزون كالقردة على شاشات الشرقية ودجلة والعراقية وغيرها ومن مضللين سذج لا يرون سوى ظاهر الأمور، أدرج هذه المعلومات الموثقة عنها ليعرفها الناس وأتحدى البكائين على البعثات الدبلوماسية المسالمة أن يقرأوها يجيبوا بصدق وشرف على هذا السؤال: أهذه سفارة، أم قاعدة عسكرية تجسسية تشكل خطرا على أية دولة تحترم نفسها وشعبها، وهي عار على النظام الحاكم الذي قبل بها؟ المعلومات:

*احتلت القوات الأميركية أحد القصور الرئاسية العراقية سنة 2003 وجعلته سفارة لبلادها حتى سنة 2008. وقال الرئيس الفخري الأسبق جلال الطالباني إن السلطات الأميركية قد استأجرت القصر من العراق وتأكد لاحقا أن ذلك الكلام كان كذبا رخيصا. فقد (سئل الطالباني في مؤتمر صحفي عن مقر السفير في القصر الجمهوري، وهذه كانت التسمية الرسمية للقصر، فقال إنَّ السفارة الاميركية استأجرت القصر لمدة عامين والجواب مهزلة حقا، حيث أن القصر رمز السيادة التي زعموا أنها عادت الى العراق ورغم أن المدة كانت عامين بحسب الطالباني إلا أنها استمرت طيلة رئاسته ورئاسة معصوم فقد كانا يداومان في أبنية كانت سابقاً من ملحقات القصر الجمهوري).

*إنها أكبر سفارة بنيت في العالم من حيث المساحة والتكلفة المادية، فهي تفوق مساحة دولة الفاتيكان. ومجالها الجغرافي أكبر 6 مرات من مساحة مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وهي أكبر 10 مرات على الأقل من أي سفارة أمريكية أخرى في العالم.

*تحتوي على 21 عمارة، بالإضافة إلى مجموعة من المطاعم والأسواق والمدارس وقاعة السينما ومحطة الإطفاء وأنظمة إنتاج الكهرباء ومعالجة النفايات، كما تحتوي على وسائل اتصالات متطورة ونظام لإدارة مياه الصرف الصحي. فهل هذه دولة في سفارة أم سفارة في دولة؟

* تقع السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، وتبلغ مساحتها نحو عشرة كيلومترات مربعة، وتقدرها مصادر أخرى بـ 104 فدانات، على نهر دجلة‎، بمساحة تقارب ثمانين ملعب كرة قدم، وتتكون من واحد وعشرين مبنى بنيت فوق آلاف القطع السكنية، تزعم السلطات الأميركية أنها تدفع تعويضا شهريا لأصحابها.

*تخطت تكلفت بنائها كما تزعم السلطات الأميركية سبعمائة وخمسين مليون دولار، وقد استوعبت نحو 16 ألف موظف ومقاول.

*صممت مباني السفارة ضد القصف الصاروخي بمنظومة مضادة للصواريخ من نوع باتريوت وقيل من نوع آخر مشابه وبأجهزة إنذار مبكر مرتبطة بالأقمار الاصطناعية.

*تم تحصين السفارة بشكل استثنائي، حيث صُممت وكأنها حصن أمريكي مضاد للقنابل البيولوجية، كما زُودت بنظام تنقية الهواء من أي هجوم كيماوي أو بيولوجي، بالإضافة إلى نوافذ صغيرة تشبه الشقوق.

*مباني السفارة تحتوي على شبكة معقدة من أجهزة الاتصالات المتطورة والرادارات المرتبطة بالأقمار الاصطناعية لأغراض التجسس وهي تغطي بنشاطها منطقة الشرق الأوسط بكاملها.

*(تحرس مباني السفارة قوات مختارة من قوات نخبة المارينز " البحرية". وقد وصف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، القوات المرسلة إلى بغداد عقب الاقتحام بأنهم "الأفضل"، حيث قال في تغريدة بحسابه (تم إرسال العديد من مقاتلينا الأفضل، برفقة المعدات العسكرية الأكثر فتكاً في العالم. شكراً لرئيس العراق ورئيس الوزراء على الرد السريع على طلبنا).

*القوة التي أرسلتها الولايات المتحدة تدعى (قوة المهام البحرية الجوية ذات الأغراض الخاصة"، أو قوات "الاستجابة للأزمات"، وقد تم تكوينها في عام 2013 بعد حادث مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز في مدينة بنغازي الليبية عام 2012. وكان انتقاء عناصر هذه الوحدة بعناية، من الكتيبة الثانية والسابعة مشاة التابعتين لسلاح المارينز، وتدعى اختصاراً بـ "SPMAGTF-CR-CC"، وبحسب موقع المارينز، فإن هذه الفرقة مهمتها "الاستجابة للأزمات، وعمليات الطوارئ، والتعاون الأمني في ساحة المعركة، وتمكين القيادة المركزية من توجيه جميع العمليات والمهمات" فهي إذن ليست سفارة بل هي مقر لهيئة أركان تقود معركة. وبحسب موقع "مارين تايمز"، فإن عدد هذه الوحدة يصل إلى 850 جندي مارينز وبحار يضاف إلى القوات الأصلية الموجودة أصلا في هذه السفارة / القاعدة.

أميركا لن تبقى في العراق بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة سواء فاز ترامب أو هُزِمَ، وإيران لا تريد انسحابا أميركيا سريعا وكاملا، وانسحاب أميركا إذا حدث فهو بداية معركة استعادة استقلال العراق وليس نهايتها، والخطوة اللاحقة له هي تفكيك نظام أحزاب ومليشيات الفساد! سأبدأ بطرح سؤال على الحمقى والمشبوهين الذين يرون في الولايات المتحدة "حليفا استراتيجيا" سيفقده العراق بإغلاق سفارته وسحب قواته: أي حليف استراتيجي هذا الذي أوصل العراق إلى ما وصل إليه من دمار وخراب وتخلف ورثاثة: بلد منزوع السلاح وهو الخاصرة الرخوة للعالم أمنيا وجغرسياسيا،

بلد لا ينتج غذاء شعبه هو البلد الزراعي العريق،

بلد مثقل بالديون وعاجز عن تدبير رواتب موظفيه وهو الدولة النفطية والغازية المهمة،

بلد لا يسيطر على أمواله في الخارج والداخل وتذهب عائدات نفطه الى البنوك الأميركية أولا،

بلد لا يسيطر على أجوائه ولا على اتصالاته الرقمية والهاتفية وغيرها،

بلد أراضيه مقسمة الى شبه دويلات تسرح وتمرح فيها العصابات والمليشيات من كل شكل ولون،

بلد مياهه الإقليمية وطلته البحرية الصغيرة مرتهنة ومهددة بالإغلاق من قبل حلفاء أميركا في الكويت وخصومها الإيرانيين؟

فهل يسمى حليفا استراتيجيا هذا الذي فعل بالعراق كل هذه الأفاعيل وطيلة 17 عاما، وعبر نظام حكم رجعي طائفي أسس له وحماه وغطى على وفساده جرائمه؟ هل نسينا آخر جريمة له وهي قتل المئات من المتظاهرين السلميين وجرح الآلاف منهم دون أن يرتفع صوت استنكار جدي من هذا الحليف الاستراتيجي ولا من حلفائه الغربيين لإدانة القتلة ثم انتهى بأن أوصل ثلة من جواسيسه العلنيين وذوي العلاقات المعلنة مع الكيان الصهيوني ليسرقوا دماء شهداء الانتفاضة ويسيئوا إلى ذكراهم وتضحياتهم؟

وإلى من يعتقدون أن إيران تريد إخراج الأميركيين من العراق سريعا، أقول: إن كلَّ هذه الضجة والتهديد والوعيد سينتهي بانتهاء الانتخابات الأميركية، وسواء فاز ترامب أو هزم فيها، فأميركا لن تطيل البقاء في العراق بعد أن حققت الهدف الرئيس من وجودها وهو تدمير العراق وتحويله الى أطلال تسرح وتمرح فيه عصابات اللصوص والقتلة وستكتفي بمراقبته من الجو والفضاء وعبر شبكات الجواسيس وأجهزة التنصت التي زرعتها في الداخل. أما بخصوص إيران فيخطئ من يعتقد أنها تريد انسحاب أميركا من العراق بأسرع وقت لأنها ستدخل معركة مكشوفة مع العراقيين، هي ليست مستعدة لها وتعرف آفاقها المخيفة والمهددة لها هي ذاتها. وإيران حين أعلنت عن أن ثأرها لجنرالها الذي قتل في العراق سيكون بإخراج أميركا من الشرق وخاصة من العراق فهي تدرك انها عاجزة بقواها الذاتية وقوى أتباعها هنا وهناك عن إخراج أميركا من الشرق الأوسط، وهي تطلق هذا الهدف كحلم وامل بعيد لتغطية العجز الراهن فهو لا يختلف نوعا عن الهدف الذي أطلقه الدواعش باحتلال روما، وأنها قد اكتفت بزخة الصواريخ على قاعدة عين الأسد وتركت الهدف الاخر ليتحقق مستقبلا لهذا السبب أو ذاك، فتقول حينها لقد أجبرناهم على الخروج. إخراج الأميركيين من العراق ليس نهاية المطاف إلا عند الساذج بل هو بداية معركة استعادة استقلال سيادة واستقلال العراق وليس نهايتها، والخطوة اللاحقة بعد تحقق إخراج القوات الأميركية وتفكيك القاعدة العسكرية الضخمة التي أقامتها في قلب بغداد باسم "أضخم سفارة في العالم" يجب أن تكون تفكيك نظام المحاصصة الطائفية وإعادة كتابة الدستور المكوناتي على أساس المواطنة والمساواة واستعادة الثروات التي نهبها لصوص الحكم من زاعمي تمثيل الطوائف والعرقيات أو من الهيئات الدينية التي تحولت الى دويلة داخل الدولة!

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5139 المصادف: 2020-09-30 02:50:11