 أقلام حرة

فن التراجع والتنازل في صراع البقاء للعراق

صائب خليلوصف القائد الألماني رومل انسحابه امام البريطانيين في معركة العلمين، انه كان أكبر انتصاراته! وهذا يعني ان الانسحاب العسكري او "التراجع" قد يكون انتصاراً. ولكنه يعني أيضا أنه قد يكون هزيمة! فمتى يكون التراجع وتقديم التنازلات عموما، صحيحا، ومتى يكون خطأً وهزيمة؟

لنفرض أنك تقود مجموعة تقاتل عدواً ينوي الاستيلاء على ارضها وإبادتها. ولنفترض ان مجموعتك تتحصن في بناء كساتر. ولكنك قدرت ان احتمال الصمود صغير وان الخسائر قد تكون فادحة، فهل يكفي هذا لإصدار قرار بالتراجع؟

المنطق البسيط يقول: لا يكفي، ويجب عدم ترك موقعك إلا في حالة واحدة! إذا كان هناك موقع في الخلف، يمكنك ان تتحصن فيه بشكل يتيح لك الصمود بشكل أفضل في المجابهة التالية. يعني الأهم ليس خسارة الأرض التي سيسيطر عليها عدوك، بل قدرتك على الصمود بعد هذا التراجع، والدفاع عما بقي لديك. وإن لم يكن هناك أي موضع أفضل للصمود؟ يجب ان تبقى في مكانك وتصمد. فمهما كلفك ذلك فأن كلفة التراجع في هذه الحالة ستكون أكبر، ومهما كان احتمال الصمود في الموقع الأول صغيراً، فأنه أكبر من احتمال الصمود عند تركه، والتراجع في هذه الحالة حماقة!

هنا لا نتحدث عن شجاعة وجبن، بل هو المنطق فقط، والذي يفترض ان ينطبق على الشجعان والجبناء على السواء. فمن يخاف عدوه وهو في مكانه المحصن نسبيا، يجب ان يخافه أكثر حين يواجهه في المجابهة التالية القادمة حتما، بمكان آخر ليس فيه أي تحصين. ففي هذه الحالة سيتحول "التراجع" الى "تدهور" و "انهيار" إلى هاوية لا يستطيع أحد ان يحدد عمقها.

إذن كلمة السر هي: "المجابهة التالية"، التي لا يجب ان تغيب عن بال متخذ القرار!

لتثبيت الفكرة أكثر للتمييز بين "تراجع" محسوب، وبالخطوة نحو "انهيار"، تخيل نفسك تتمسك بصعوبة بصخرة ناتئة في حافة جبل زلق، وقدرت أنك قد لا تصمد بما يكفي للحصول على النجدة. عندها تفكر في افلات تلك الصخرة والهبوط الى مكان أسهل، حتى لو تسبب السقوط في بعض الكسور. لكنك بدون شك، ستنظر الى الأسفل قبل ان تفلت ما بيدك، لترى أين سينتهي سقوطك! فإن لم تجد مكاناً وقدرت أن انهيارك قد لا يقف إلا عند الهاوية، فستفضل المراهنة على الصمود على صعوبته لأنه الأمل الوحيد لك بالحياة.

لنذهب الآن الى السياسة لنرى كيف تعمل في العراق. أكاد اجزم ان الغالبية الساحقة من التراجعات في العراق، سواء امام الاحتلال المصمم على القضاء على البلد، او امام الجهات التي تعمل بخدمته، هي من النوع الذي يمثل قرار انهيار، يضع صاحبه في كل مرة في موقع أضعف للصمود، والدليل على ذلك هو السلسلة المستمرة من التراجعات والتنازلات والهزائم، أي الانهيار.

التعامل مع كردستان مثلا، بدأت سلسلة التنازل بالقبول بنسبة الـ 17% التي أسس لها عادل عبد المهدي واياد علاوي وقاومها الصدريون بعد ذلك (حينها كانوا الافضل) دون جدوى. كان بإمكان الحكومة الصمود ورفض هذا الرقم الإعتباطي والإلتزام بأعلى إحصائية للسكان لصالح الكرد، والتي لم تتجاوز الـ 11%، وهناك مؤشرات انها تراجعت عنها ولم تزد عليها.

تراجع بغداد كان حماقة حيث صارت في موقع أضعف لأن العدو هنا صار أكثر ثراءاً وأكثر قدرة على الابتزاز وشراء الذمم، كما انه كسب شعبية كبيرة بين ناخبيه كـ "لص ماهر". كان على الحكومة ان تصمد وترفض. فمهما كان التهديد الكردستاني في ذلك الموقف، فأن التهديد بعد التراجع سيكون اقوى وأخطر.

في المعركة التالية تراجع العراق أكثر وقبل إجراء حكومة كردستان غير الشرعي بتوقيعها عقودا مع شركات النفط الأجنبية بدون علم الحكومة. فالنفط كله للشعب كله حسب الدستور، ولا يمكنك ان تمنح مثل هذا الحق لكردستان دون ان تمنحه للبصرة إن اردت معاملتهما بالتساوي. هذا التراجع كان أيضا حماقة وزاد صعوبة بغداد للصمود في الموقع التالي. وهكذا كانت سلسلة التراجعات الحمقاء التي لم تتوقف حتى اليوم: طالب الكرد الحكومة بدفع ما يسمى "مستحقات" الشركات التي وقعوا عقودها دون رضا بغداد، وبعد عناد اذعنت بغداد وطلبت الوصولات لتدفع. فطالبوها بالدفع على ان يعطوها الوصولات لاحقا! فأذعنت ودفعت مرة وانتظرت ولم تأت الوصولات. ثم دفعت مرة أخرى ولم تأت الوصولات.. واظن انها لم تأت ابدا وما زال الدفع الاعمى مستمراً.

ثم تغاضت بغداد عن تصدير كردستان لبعض نفطها مع احتفاظها بنسبتها الظالمة لكنها لم تستطع بيعه في السوق العالمية لأنه غير شرعي. لكن كردستان صارت قوية جداً، فتعاونت مع اميركا ونصبت العبادي، وكان ثمن كرسيه ان يعين عبد المهدي وزيرا للنفط وهو لا يعرف أي شيء عن النفط، وان يذهب في اول يوم الى كردستان لوحده ليوقع لها على بياض. ومنذ ذلك الحين صارت كردستان تصدر رسميا وتبيع في السوق العالمية. وحين أعلن انها تبيع لإسرائيل كان وضع الحكومة من الضعف انها لا تستطيع ان تعترض ابدا. واستمر التقدم من كردستان والتراجع من بغداد حتى جاء عبد المهدي واخترع لها تسليم رواتب الموظفين دون تسليم نفطها بحجة سخيفة، ثم جاءت السفارة بالكاظمي ليستمر في هذا النهج الذي صار "طبيعيا".

كذلك تراجع العراق امام اعدائه في موضوع الدعم النفطي للأردن، الذي تم تمديده ليصل بأنبوب نفط بدلا من الشاحنات لكيلا يعرف أحد كميته، وليوقع مشروع غريب لمصفاة نفط في الأردن وليمتد بعد ذلك الى مصر ولا يعلم الا الله اين سيقف هذا الابتزاز المتزايد بوجه هذا التراجع المستمر. ففي كل خطوة ينتقل العراق الى موقع أضعف ويجبر على التراجع أكثر وأكثر. وهكذا تحول التراجع، إلى "انهيار" وهبطنا إلى حالة خطرة وما زلنا نهبط في تلك الهاوية!

فيما يتعلق بدور الأمريكان في تعيين رئيس الحكومة هناك قصة مماثلة. فقد تراجع العراق عن دعم رئيس الحكومة المنتخب الأول، الجعفري، ورضي بإعادة انتخاب آخر في مجلس النواب، وكان بالإمكان الصمود وكان الامريكان سيتراجعون عن مطالبهم بدون شك. كانوا يأملون ان يكون التالي عميلهم القديم عبد المهدي، لكنه فشل بوقوف الصدريين مع المالكي (ولم يكن مقتدى قد تحول بعد). تحمل الامريكان المالكي مقابل تقديمه تنازلات عديدة (وصموده بقضايا أخرى) لكن تنازلاته اضعفته إضافة الى حماقاته، فقام الامريكان وكردستان بمؤامرة لتنصيب شخصية باهتة لم يكن أحد يعرفها هي العبادي، ولكن بدعم قياديين من كتلته، وهي الكتلة الأكبر. بنجاح العبادي في استلام السلطة قام بالمطلوب منه من ثمن من نفط ومن تعيينات امنية (كان العميل الامريكي الكاظمي أحدها) وعسكرية، جعلت العراق أضعف من ان يصمد للضغط التالي، واعطت الساسة الانطباع بأن من يريد الحكم يجب ان يرضي اميركا وليس الشعب وحساب الأصوات.

هذا التراجع جعل من الهجوم التالي ممكنا، فتم تعيين عميلهم القديم عبد المهدي بشكل مناقض تماما للدستور وبدون حتى اعلان الكتلة الأكبر. وقد لعب مقتدى دورا بشعا في هذه العملية، كما ان هناك اتهامات قوية جدا بأن المحيطين بالمرجعية ساهموا في المؤامرة. وهكذا تراجعت قيمة الدستور أكثر وأكثر وأصبح الشعب أكثر طواعية واستعدادا لقبول التنازلات وأصبح صموده للضربة التالية أكثر صعوبة. وفي هذه الاثناء كان لأميركا فيتو على وزير الدفاع والداخلية على الأقل، وكان واضحا أيضا دورها الحاسم في تنقل الضباط في ولاية العبادي وما بعدها. كذلك فان عملائها الذين سهلوا لداعش احتلال العراق لم يعاقبوا بل تم ترفيع بعضهم، وتراجع الجيش العراقي، حيث صارت الخيانة للبلد والطاعة لأميركا، امر لا يخشى العقاب منه.

لكن كارثة كوارث التراجعات كانت قبول القوى المقاومة التي فازت بالمقاعد الأكثر، هي قبول تعيين السفارة الامريكية لعميلها الكاظمي رئيسا للحكومة العراقية، رغم اتهامه بالمشاركة في عميلة الاغتيال المزدوج وسمعته السيئة جدا (وهي تكفي دستوريا لمنعه) باعتباره قام بتهريب الأرشيف العراقي الى اميركا، مسلما إياها كل الأسرار اللازمة لابتزاز كل الشخصيات العراقية المؤثرة، ورغم ان الامر تم بتهديد امريكي صريح ومخجل بمنع العراق من استيراد الغاز والكهرباء الإيرانية، ورغم الرسالة الأشد اثارة للخجل التي هدد بها السفير الأمريكي ساسة العراق ان لم يقبلوا بعميلهم رئيسا عليهم، ورغم علم هؤلاء بأن الهدف الأساسي لهذا العميل سيكون السيطرة على العراق بكل الطرق، والقضاء على الحشد أولا، فتلك كانت اهداف اسياده المؤكدة والمعروفة لقيادة الكتلة وللحشد وكل العراقيين تقريباً، واكدتها مراكز الدراسات الامريكية بعد ذلك ايضاً.

لم يكن هذا التراجع بلا سبب بالتأكيد، فقد كانت هناك تهديدات كثيرة وجدية وضغوط أمريكية وإيرانية (واحتمال كبير ان المحيطين بالمرجعية شاركوا في ذلك كما يستشف من تصريح للعامري ومقابلة تلفزيونية للخزز علي). كان هناك تهديدات وضغوط، لكن كما قلنا في مثالنا في بداية المقالة، السؤال الحاسم الذي يحدد سلامة التراجع، هو: هل سنكون أكثر قدرة للصمود في الموقع الذي سنتراجع إليه، في "المواجهة التالية"، مما نحن في موقعنا الأول؟

وفي حالة الكاظمي الجواب واضح كالشمس وبدون اية حسابات ومهما كانت الخسائر، وهو لا! فمهما كان ما يستطيع العدو تحقيقه من تهديدات ان رفض العراق الخضوع لإرادته هذه، فسوف يستطيع تحقيق أكثر منه في حالة قبولها! وهنا ننطلق من اتفاقنا ان الهدف الأمريكي هو ليس فقط الحصول على ثروة العراق، بل هي مكلفة بتحطيمه ايضاً. فتسليم المناصب استسلام وليس تراجع، وهو يسلم قرارك نفسه الى عدوك، وهو من سيقرر أين سيقف انهيارك! وهذا ينطبق على كل تسليم للمناصب المؤثرة كما بينت في مقالة سابقة(1)، أما تسليم رئاسة الحكومة فهو "ام الكوارث".

لننظر الى اهم التهديدات والأسباب: قال البعض ان التهديد كان خطيرا بسبب التظاهرات التي كانت تهدد البلد. لكن موقفا شجاعا وثباتا على ترشيح رئيس حكومة شريف من المقاومة كان يمكن ان يحل مشكلة التظاهرات، بالإقناع وبالقوة ان لزم الأمر. نعم سيكون هناك صعوبة وربما مخاطرة وتحمل مسؤولية وهجوم اعلامي شرس، لكنها تبقى اقل بكثير من مخاطرة تسليم البلد لعدوك.

أما السبب الذي قدمه الخزز علي (لكي يبرهنوا ان الفساد ليس مقصورا على رؤساء الحكومات الشيعة الإسلاميين)، فهو سبب يدل على ان صاحبه لا يدرك حجم خطورة القرار، وقد اشرت اليه في مقالة منفصلة (2)

ركز البعض على التهديدات الامريكية بمنع التجارة مع إيران وربما حجز الأموال العراقية. والحقيقة ان تنفيذ هذا الأمر يعني اعلان الحرب على العراق، ولا يمكن ان تتخلى اميركا عن كل ما حققته في العراق وتغلق سفارتها الهائلة لـ "تزعل" على عدم نجاحها بتحقيق خطتها الأخيرة! والمعقول انها ستتظاهر بالغضب وربما تقوم بشيء بسيط لا يخرب علاقتها مع البلد، ثم تعود لتتعامل بشكل طبيعي وتخطط للحصول على الفرصة القادمة. وفي كل الأحوال، لا يمكنك ان تتراجع امام تهديد امريكي هو في يدها دائما، لأنها ستستطيع ان تجبرك بواسطته ان تنتقل من تنازل الى تنازل، في انهيار مستمر حتى تصل الى غايتها النهائية في تدمير البلد وتقسيمه وتطبيع اجزائه والسيطرة على ثروته وتجويع وإلغاء شعبه نهائياً! إن أسهل منطقة للصمود هي الأولى!

لأنه عندما يكون بلدك في يد عدوك، ينتهي كل شيء. لا اقتصاد له معنى ولا سياسة ولا دراسة. فكل شيء سيتحول الى الخندق المعادي للبلد والشعب، وحتى لو أمكن تحقيق انتصار اقتصادي او علمي فسيكون تحت تصرف العدو الذي يحكم البلد. تسليم البلد لعميل عدو ينهي كل شيء تماما!

إنه الآن مثلا مشغول بتحطيم الاقتصاد ليس فقط من خلال قروض يتم المبالغة بها عمدا، لكن من خلال ما يسمى الورقة البيضاء" التي صممتها الدوائر الاقتصادية الافتراسية الكبرى في العالم وهدفها الواضح والمعلن هو القضاء على القطاع العام بعد ان تمت شيطنته بشكل مدهش وبالغ في اكاذيبه. و "الورقة البيضاء" تراجع آخر ربما يكون الأخير الذي يوصل الى الهاوية، فسوف يكون الشعب أقل قدرة للدفاع عن نفسه مما قبلها، ولن يكون هناك أمل في الصمود حتى لو تمكن من تنصيب حكومة شريفة، لأن هذه الحكومة ستجد ان كل شيء قد تم بيعه وان عليها ان تخضع لإملاءات أصحاب الثروة الوطنية الجدد.

 ماذا لو صمد العراق وبقي على قيد الحياة بعد هذه المؤامرة؟ إنه يعني انه كان يستطيع الصمود بشكل أفضل وبخسائر اقل لو انها رفضت! لأنه يعني ان العراق كان قادرا بموقعه السابق على مواجهة التحديات التي هددوه بها.

ما اردت قوله من هذه المقالة أن كل تراجع وتنازل، يجب ان يكون على الأقل خسارة مقابل الانتقال نحو موقع يمكن الصمود فيه بشكل أفضل، وإلا فهو إطلاق لانهيار وليس تراجع، ويجب تجنبه مهما كانت مخاطر الصمود وكلفته، لأنها تبقى الأقل كلفة وألماً، وأن قرار التراجع او التنازل يجب ان لا يتم إلا بعد حساب تأثيره على "المجابهة التالية"، وهذا ما يميز "التراجع المحسوب" عن "الانهيار".

***

صائب خليل

.........................

(1) التنازل عن المناصب – تضحية أم خيانة للناخبين؟

https://saieb.com/article/444

(2) المقاومة والضياع السياسي – نقد مقابلة الشيخ الخزعلي

https://saieb.com/article/528

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5200 المصادف: 2020-11-30 03:13:34