زهير الخويلدي"الفلسفة هي التي تعطي براهين ما تحتوي عليه الملة الفاضلة"

- أبو نصر الفارابي، كتاب الملة.

يحتفل الإنسان أين ما كان في كل خميس من الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر باليوم العالمي للفلسفة ولا يمكن الإجابة بسهولة عن سؤال ما الفلسفة؟، لأنها الاختصاص الذي لا يمكن تدريسه بالشكل العادي وإنما يتطلب المرور بالطرق البيداغوجية المناسبة التي تحث على التفكير والتدرب على التفلسف الذاتي، ولأنها ليست مجرد مادة معرفية مثل بقية المواد الأخرى على غرار العلوم الدقيقة والمعارف الصناعية.

لقد ولدت الفلسفة منذ الأصل في هيئة معرفة كلية تشمل كل العلوم وتتضمن جل المعارف والاختصاصات الأخرى ولقد تبلورت فكرا موسوعيا وعدت منبعا رئيسيا للفنون الحرة والصناعات والعلوم والتصورات.

هكذا تتمحور الرسالة الحقيقية للفلسفة حول الحكمة بجانبيها النظري والعملي وحول سبل المعرفة بالأسس الأولى والعلل القصوى وتشتغل على امتحان شروط إمكان المعرفة الحقيقية وإمكان الفعل السديد والنافع.

يمكن افتراض أربع بدايات للتفلسف: الأولى كانت من الشرق مع الصين والهند وفارس وبابل والثانية من الإغريق وشملت الإسكندرية وتركيا والثالثة من ناحية العرب والرابعة من ناحية الأوروبيين والأمريكيين.

كما يمكن الانطلاق من معنيين للفلسفة: المعنى الأول ضارب في القدم ويفيد رؤية العالم وتصور الحياة وجل الأفكار والاعتقادات التي تم تكوينها عن منزلة الإنسان في الكون والدور الذي تم استدعائه ليقوم به. لقد كان للأوائل عدد من الفلسفات والحكماء وكانت فلسفتهم البسيطة قريبة من الميتافيزيقا والتيولوجيا.

المعنى الثاني للفلسفة يشير إلى أنها تفكير نقدي في المشاكل والحلول التي تمنح لها وتحليل للأفكار والفكر نفسه الذي أوجدها وبالتالي تبتعد الفلسفة عن الموقف العفوي للفكر لكي تتحول إلى وعي عقلي بالمشاكل.

مهما كان المعنى الذي تتشكل وفقه الفلسفة فإنها لا تتطور داخل قفص مغلق وإنما هي مفتوحة دائما على خارجها وتنمو ضمن السياق الثقافي الذي تنتمي إليه وفي الإطار التاريخي والاجتماعي الذي تعاصره. لذا تظل الفلسفة مرتبطة بمجموع الثقافة الإنسانية ولا يمكن أن تكون معزولة ومستقلة بذاتها، فهي في حوار دائم مع اللاّفلسفة وخاصة الثقافة والأدب واللغة والتقنية والفن والدين والأساطير والأخلاق والحق والعلم.

والآية على ذلك أن الفيلسوف لا يستطيع التخلص بشكل تام من الموروثات والتقاليد ولا يتمكن بصورة نهائية من تجريد المعتقدات الدارجة والآراء الجاهزة ولا يقطع نهائيا مع التصورات العلمية التي تنتشر في عصره والأحكام الأخلاقية التي توجه السلوكيات المجتمعية التي ينتمي إليها والنظام المعياري السائد.

الفلسفة المعاصرة تدرس نقديا وإبستمولوجيا المعرفة العلميّة وتهتم بمعنى الوضع البشري وتعالج قضاياه الاجتماعيّة والنفسية والسياسيّة.  من هذا المنطلق يهتم الفلاسفة المعاصرون بدراسة المعرفة العلمية ونقد معنى الوجود ومُعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية التي تواجه الإنسان اليوم. لقد جعلت هذه الفلسفة من التجربة اللغوية وسيطا رمزيا بين الوعي العقلي والواقع المادي. إن ديناميكية الفلسفة المعاصرة نابعة من انفتاحها على الأدب والدين والفن والتقنية والتراث ليس بوصفها لافلسفة ولاعقل بل من حيث هي حقول الابتكار الدلالي. ليس المرء هيدجاريا بالرغم من مروره المطول بنصوصه ومداومته التحدث بلغته وإنما استشعر باكرا أهمية المنعطف الريكوري في العقلانية التواصلية النقدية التي سجلتها الحقبة المعاصرة، وما يراهن عليه في الزمن الثوري هو تراوح أدوار الفلسفة بين الاعتراض على الفساد وتجذير السياسي بغية التوقي من التطرف العنيف والإفساد المهلك والإضرار بالناس والتربية على الحرية والديمقراطية.

علاوة على ذلك يجب أن تحتل الفلسفة منزلة مرموقة في الثقافة الإنسانية وأن تتخلص من النظرة المناوئة التبخيسية التي يوجهها إليها بعض النخب من بعض القطاعات الثقافية الأخرى وأن تفتك حقوقها وتقوم بمهامها النضالية باقتدار وتدفع المسار الثوري في الاتجاه الصحيح وحسب المراد الشعبي. من جهة أخرى يهتم معول الهدم بطرائق اقتلاع السلطة من ساحات المعرفة ويوثق الانغراس الذي تتصف به شجرة الحرية على أرضية الكرامة ويتم  تشغيل آليات التفكيك في الحقل اللغوي بغية التفريق بين الإيديولوجيا المزيفة والمعقولية الواقعية النقدية ويقوم بتمرين الترجمة وفق لعبة الكتابة والقراءة على أرضية الحضور والغياب باحثا عن علاج شاف بالكلمات للأسقام التي يتسبب فيها ضجيج الأصوات وصمم في الآذان.

الفلسفة ليست ميتافيزيقا متعالية ولا تقنية صناعية محايدة بل هي سلاح ثوري وفضاء للتحرر تلعب الكثير من الدوار العمومية وتركل كل احتكار خاص للمعرفة وتعترض على أي استخدام براغماتي ضيق للقيمة.

يتسم الزمن الثوري الذي يعيشه الجمهور وسط العالم الافتراضي في خضم الثورة الرقية بالحركية والتغير والتبادل للمواقع والتموقع المتحول والتأثير القوي وصعود شرائح اجتماعية مهمشة وهبوط نخب مسيطرة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي الذي تستند اليه الدوائر المستفيدة من المصالح المتوفرة والعلاقات القائمة.

تفكيك الفساد لا يقتصر على معالجة جملة من الحالات الخاصة والتجاوزات المحددة والأخطاء الجسيمة في حق المرفق العام والحقوق الشخصية والتشهير بالتحيل والقرصنة والاحتكار والتلاعب والاستفادة من استثمار الموقع الوظيفي بل يتطلب تشريح الآفات من الأصول والحفر في الأعماق والاقتلاع من الجذور.

تجذير السياسي لا يتوقف عند تطوير الديمقراطية وتعديل الطريقة التمثيلية وتكثيف التجارب التشاركية ولا يقتضي إسناد المواطنة إلى السيادة واستبدال حق الأقوى بقوة الحق والعنف المطلق بمنطق القانون بل يعتمد على دمقرطة الحياة السياسية برمتها وتفجير الثورة الثقافية وتغيير الذهنيات واعتماد الديمقراطية المباشرة وتربية الفاعل السياسي على الاستشارة والتفاوض واحترام التعددية وتقدير المختلف وتفضيل الصراع الفكري على الإقصاء الايديولوجي والتنافس الميداني في خدمة الصالح العام على التملك الأناني.

فكيف نجعل من التفلسف في المقام الخاص بنا خروجا ثوريا من الملة والانتماء المتبصر إلى المعمورة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

صادق السامرائيطالح: فاسد

الإطلاح: الإفساد

دعوات الإصلاح الديني تتواصل منذ منتصف القرن التاسع عشر وتتنامى في القرن الحادي والعشرين ويقول بها مفكرون من غير العرب والمسلمين، فينظّرون ويلقون المحاضرات ويكتبون ويؤلفون الكتب، ويمعنون بالتركيز على الإسلام كدين يجب إصلاحه لأنه لا يتفق وماهية الزمن المعاصر.

ويخلص العديد منهم إلى أن الإسلام دين لا يمكن إصلاحه وعلى العالم أن يتقبل نواعير الدماء والدموع والصراعات التخريبية التدميرية المتفاقمة في بلاد المسلمين، أي أنهم يريدون القول بأن ما يحل بالعرب والمسلمين هو بسبب دينهم اللامستقيم!!

وفي هذا الإقتراب تسويغ عدواني وتبرير إهلاكي ودعوة لمزيد من البغضاء والكراهية والشرور، وفيه دعوة لإدامة التصارعات وتحول بلاد العرب والمسلمين إلى سوح حروب وأسواق سلاح مفتوحة.

وقد إنساق العرب المسلمون وراء هذه الدعوات والتوجهات العاصفة في الواقع الثقافي والفكري، وأمعن المفكرون والمثقفون بالبحث والإجتهاد والتحليل ومنهم من توصل إلى نتائج نافعة ومنهم من أفضت به دراساته إلى اليأس والقنوط، والبعض الآخر إلى العدوان على الدين بمحاولات تبريرية تنسف جوهر الدين، وتمضي على إيقاع المفكرين الغربيين الناقمين على الدين.

ومن المؤلم أن لا تجد تقييما منطقيا وواقعيا للطروحات، ولا مَن يتصدى لها بعقل منير وبأدلة ذات قيمة إدراكية ومحاججية رصينة، وإنما السائد أن الأغلبية تجري مع التيار وتزيده تدفقا وعنفوانا، وتجد مياهه ذات عذوبة وكأنها ماء فرات!!

ولا بد من القول بأن الأديان والعقائد والأحزاب إنما جاءت للتعبير عن إرادة الخير، ولا يوجد واحد منها يقول بأنه يعبر عن إرادة الشر، وهذا ديدنها منذ الأزل وستمضي إلى الأبد.

فهل وجدتم دينا أو عقيدة أو حزبا يصرح بأنه يمثل الشر ويسعى للتعبير عن الشرور؟

لم يحصل هذا في مسيرة البشرية، حتى جنكيز خان وهولاكو كانا يعبران عن إرادة الخير وفقا لرؤيتهما، وكذلك جميع السفاحين والمستبدين والطغاة والمجرمين.

وفي الدين الواحد والحزب الواحد تتفرع كينونات ذات مسميات متنوعة وكل منها يؤكد على أنه يعبر عن إرادة الخير، وضمن المسمى الواحد تكون المسميات ذات مواقف ضد بعضها، فتتصارع وتنسف ما يؤمن به الطرف الآخر منها.

ولهذا تجد في الأديان مذاهب ومدارس وفي الأحزاب إنشقاقات وتفرعات، وفي أي إتجاه تتخذه مجموعة من البشر هناك تفرّق، ذلك أن في البشر طاقة تنافر تتجمع وتتفاعل وتؤثر بفعلها وتنتهي إلى مرامها.

والأديان برمتها لا يمكنها أن تضبط السلوك البشري مهما حاولت، لكنها قد تؤثر به بآليات أخلاقية وقيمية ومعايير ذات نتائج ردعية، ولهذا تجد في الأديان والمعتقدات مفهومي الحلال والحرام، أي الخير والشر، فالحلال هو الخير والحرام هو الشر، ولكل منهما نتائحه وعواقبه، فالخير يؤدي إلى ما هو جميل وسعيد والشر إلى ما هو قبيج وتعيس، ووفقا لذلك هناك الجنة والنار.

وبما أن الأديان منذ نشوئها لم تفلح بضبط السلوك البشري، رغم أن البعض منها فيه تشريعات واضحة للحلال والحرام، فأن البشرية قد سنت القوانين ووضعت الدساتير منذ شريعة حمورابي وما قبله لضبط السلوك وتحديد العقوبات والمحفزات.

وهذا يعني أن الأديان قد تؤثر برسم خارطة السلوك لكنها تعجز مهما كانت قوية وواضحة وراسخة من تحقيق إنضباطية عالية وإنسيابية دائبة للحفاظ على السلامة والأمن والأمان، وكلما زاد عدد البشر كلما ضعف دور الأديان في هذا الشأن، فهناك فرق ما بين دور الأديان في زمن نشأتها حيث عدد البشر يقاس ببضعة عشرات آلاف وبين دورها اليوم وقد تجاوز سكان الأرض السبعة مليارات.

هذه حقيقة مغيبة ومهملة،  ويتصور المفكرون بأن الأديان لها ذات القدرة على لجم السلوك البشري وسط هذا العدد الهائل من الناس، ذلك أن أي سلوك مهما كان سيئا سيجد في تياره الآلاف المؤلفة الساعية لتأكيده، وفي زمن التواصلات الإجتماعية فأن الحالة تتجسم وتتعاظم، وتنفلت إن صح التعبير.

ولا يوجد دين أو معتقد لم يتم إستعماله لتسويغ أفعال الشر والخير في وقت واحد، ولا يخلو دين من هذين الأمرين، ولهذا فأن القول بأن الدين غير صالح والعلة فيه، طرح بعيد عن الطبيعة السلوكية للبشر، فكل الأديان صالحة وطالحة وفقا لآليات تسخيرها وتأويل ما فيها وكيفيات إستخدامها وما يتفق والنفوس التي تدّعي المعرفة بها.

فالموجود إقتراب متنوع ومتعدد، وجوهره أنه للخير طامح ولكل الناس صالح، ويقوم بما يقوم به من أعمال ويحسبها فعل خير وصلاح ورحمة، والآخر يراها غير ذلك.

وعلى هذا المنوال فأن كافة الأديان والمعتقدات ستتواصل فيها الحركات والتنوعات الفئوية متواكبة مع زيادة أعداد البشر وإكتظاظهم فوق اليابسة.

ووفقا لما تقدم عندما نعود إلى موضوع الإصلاح علينا أن نتساءل عن إصلاح مَن وماذا؟

الأديان صالحة كما ترى نفسها ولا يوجد دين طالح، فهل المقصود إصلاح الصالح بمعنى تجريده من صلاحه وصلاحيته؟

فالأديان جاءت أو وضعت لإصلاح السلوك البشري والإرتقاء به إلى مستوى السلوك الإنساني الذي يتميز عن سلوك المخلوقات الأخرى، ومعظمها إن لم نقل جميعها قد عجزت عن الإرتقاء بالسلوك إلى مصاف الإنسانية العليا، لكنها نجحت وبنسب متفاوتة بالأخذ بالبشر إلى دروب العمل على تأكيد الرحمة والألفة والأخوة والسلام، والتقليل من سفك الدماء، والعمل على التعاون على البر والتقوى.

فالمشكلة هي ليست في الأديان وإنما بالبشر الحيران، الذي لا يؤمن بأن العمل الإنساني من الإيمان، البشر الغارق في نوازعه ورغباته، والقابع في أقبية النفس الأمّارة بالسوء والبغضاء والعدوان.

وعليه فأن القول بأن العلة في الإسلام طرح مجانب للحقيقة السلوكية للبشر، والتأكيد على أن العرب هم العاهة الكبرى في هذا الدين فيه مغالطة وإجحاف، فالعرب لا يختلفون عن غيرهم من البشر، وسيقوم جميع البشر بما يقومون به لو عاشوا في مواطنهم والعكس صحيح.

لكن السبب الجوهري الذي يغفله المفكرون الأجانب والباحثون وينساق وراءه المفكرون العرب، أن العرب يعيشون في دول لا تحترم القانون، وخالية من الدساتير ذات الفاعلية المؤثرة في الحياة، فأنظمة الحكم هي فوق القانون والدستور، ويمكن القول بأنها دول بلا دساتير وقوانين، ولهذا فأن المحسوبية والفساد والعديد من آفات التدمير السلوكي الفردي والجماعي مستشرية فيها ومتفاقمة.

أي أن السلوك الحاصل في البلاد العربية خصوصا ليس منبعه الإسلام وإنما غياب القانون وإنتفاء حرمة الدستور وضياع قيمة الإنسان، وتحول الواقع إلى ميادين لصراع العصابات والمافيات، ولهذا ينتشر الغدر وتتعاظم التبعيات والخيانات، ويُترك المواطن في حيرته وتداعياته المريرة النكداء.

والأعظم من ذلك أن الدين تحول إلى مطية لإرضاء الرغبات والنوازع الشرهة النكراء، وتوفر له من الجهلة والأميين بالدين، أدعياءٌ يتاجرون بالدين، ويحسبون الناس بضاعتهم ومصدر أرزاقهم، وبهذا يتحقق تشويه الدين وتحميله ما ليس فيه، حتى ليحسب الناظر للعرب على أنهم يمثلون الدين، وما هم كذلك.

فهل أن المنتمي لديانات أخرى يمثل الدين الذي ينتمي إليه، وهل يمكن القول بأن هذا المجتمع كذا وكذا وفقا لتوصيفات دينية، أم أن المجتمع يمثل دولته والنظام السياسي السائد فيه؟

إن الخلط بين السياسة والدين هو الذي جلب الضرر على الدين، وأوهم الآخرين بأن ما يحصل في بلاد العرب يمثل الدين، وما هو إلا حالة أخرى لا تمت بصلة للدين وإن إدعته وإمتطته وتاجرت به.

والمشكلة أن المثقفين والكتاب والمفكرين العرب، لا يخرجون من قبضة التوحل بأن العلة في الدين، وتلك مصيبة دين بأبنائه التائهين!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

صائب خليلفكرة المقالة: إن كانت الطائفية قد ضربت المجتمع العراقي الأقل ثقافة ضربة قاصمة في السنين الماضية، فأن الخلاف حول الموقف من التظاهرات قد أصاب الطبقة الأكثر ثقافة، بتمزق لا أعرف له مثيلا قبلا. لقد انقسم  العراقيون الى خندقين متقابلين: قسم يضع كل آماله على التظاهرات، ويدعمها مباشرة بكل قوة، وآخر شديد القلق من تطورها الى خراب شامل للبلد ضمن مؤامرة تشبه ثورات الربيع العربي الأخرى. حدة الانقسام واهمية الموضوع يبعد كل من الفريقين عن الآخر ليتحدث لوحده، فتتطور لكل منهما عواطف مختلفة ومعان مختلفة للكلمات وقيم مختلفة. ومع الوقت يصبحان مثل مدينتين تتكلمان لغتين مختلفتين، يصعب عليهما التفاهم، ويسيطر على النقاش سوء الفهم والتوتر وتنام للعدائية. يفترض أن نأخذ هذه الحقيقة بالجدية التي تستحقها، لنعرف كيف نتعامل معها فلا فائدة من دفن الرأس في الرمال. هذه المقالة محاولة أولى لدراسة هذه الظاهرة وأبعادها.

***

هناك سوء فهم وصعوبة حوار بين الجماعتين الوطنيتين: الأولى الداعمة مباشرة للتظاهرات، والثانية المحذرة من مخاطر انجرافها. ويعود سوء الفهم هذا إلى التصور المختلف لساحة النزاع وعواملها بين الطرفين، مدعوماً بالخلفية الفكرية المختلفة والأولويات المختلفة.

إن تكلمت عن نفسي ومن يشابهني في الخلفية الفكرية وما في رأسنا من ذاكرة ما قبل التظاهرات، فالصورة التي لدينا هي اننا نعيش في بلد نجح الاحتلال الأمريكي – الإسرائيلي في ربط كل شيء أساسي فيه والسيطرة عليه! الجيش والقوات الأمنية والاعلام والنظام المالي والاقتصادي وغيرها. وقد نشرت مقالة توضح التفاصيل لمن يحب قراءتها ومناقشتها، لأنه لا مجال لذلك هنا.(1)

أميركا تسيطر بشكل خاص على مجلس النواب، وخاصة في دورته الأخيرة التي استبعد فيها (بالصدفة!) كل من كان يفتح فمه بفضح عملائها وخاصة في كردستان وسرقاتهم.

أميركا تمتلك سفارة تحتوي على الاف الخبراء، ليس في الامن والجيش فقط، انما بعلماء النفس والإعلام والمال وغيرها. ومن المعلوم انها قامت بدورات تدريبية كثيرة في الاعلام وفي قيادة الجماهير.

نلاحظ مثلاً، ان الإدارات الامريكية المختلفة، حتى تلك التي تحتج بشدة على توفير اية خدمة مجانية لشعبها، مثل إدارة ترمب، لا تجد ضيراً من صرف تلك الأموال على تدريب عراقيين في دوراتها "مجاناً"! فعلى ماذا كانت تدربهم ومن اجل أي شيء؟

يمكننا ان نرجع الى تدريبها للجيش العراقي، وكيف نتج عن ذلك التدريب ان تمكنت من وضع قادة للجيش في كل نقطة حساسة وبما يكفي تسليم المدن مع السلاح إلى فرقها الإرهابية المسماة "داعش" و"البيشمركة". واكثر من ذلك، نكتشف حجم سيطرتها على رئاسة الحكومة وقيادة القوات المسلحة حين ينجو جميع الخونة من الحساب!

الاستنتاج: ليس لدى العراق جيش! الكلام عن وطنية الساعدي او برواري كلام فارغ لا أساس له، خاصة بالنسبة لأي ضابط يرفعه الاعلام الأمريكي. الجيش العراقي الحالي في احسن الأحوال جيش "حيادي" حين تصطدم مصلحة الوطن مع الأوامر الامريكية، ينسحب من المعركة، ان لم يكن يقف في خندق الأخيرة. وينطبق هذا الامر بشكل اكبر على قيادات القوات الأمنية والخاصة الأخرى. من تزعجه هذه الحقائق يجب ان يجد تفسيراً لما حدث.

ولذلك رغم امتلاء العراق بجيش مهول وقوات "تحالف" يفترض انها متواجدة "لحمايته" بكل تقنياتها المتطورة، من خلال اتفاقية "صداقة"، لم يكن للعراق سوى بركة الحشد الشعبي لإنقاذه! أما "الصداقة" و "الأمن" و "الجيش العراقي"، فكل شيء مزيف ومعكوس المعنى عن الإسم!

ولم يكن لهذا الحشد من يسلحه ويقدم له المشورة العسكرية، سوى إيران والمقاومة اللبنانية، ولولاهما لما قامت له قائمة، ولما كان له تأثير، ولكانت تضحياته الجليلة اضعافا مضاعفة وبنتائج اقل بكثير.

وتسيطر أميركا اكثر من ذلك على الحكومة من خلال عادل عبد المهدي، الذي اعتبره عميلا أمريكيا صريحا مكلفا بتحطيم العراق، بضربات اقوى مما فعلته الحكومات السابقة، وسيرته الذاتية تؤهله لذلك الاتهام، وكذلك مواقفه المختلفة الخطرة وتصريحاته وكتاباته منذ تم فرضه وزير للنفط من قبل العبادي الذي جيء به بمؤامرة أمريكية خالصة.. الخ. وقد نشرت أيضا تفاصيلا اكثر في مقالة خاصة بذلك، لمن يجد هذا الموقف مشكوكاً به: (2)

لذلك فأن تصوري عن التظاهرة، ومن هذا المنطلق، أنها، رغم عفوية وسلامة وبطولة 95% ممن شارك بها، لرفض حكومة عبد المهدي الذي كنت افضحه سنينا قبل توليه الحكم، فأنها لا يمكن إلا ان تكون مخترقة، وان متدربي السفارة الامريكية لا بد أن يسعوا بكل قوة إلى السيطرة عليها، حتى لو لم يكونوا من اطلقها. وأنا لا استهين بقوة هؤلاء الـ 5% أو ربما 1% ابداً على التهديد بقيادة تظاهرات تفتقد إلى القيادة. هذا هو مصدر القلق، إضافة الى كل الذاكرة التي مازالت حية عن ثورات الربيع العربي التي بدأت بتشابه مخيف مع تظاهرات تشرين، واضافة الى الدعم الهائل لكل عملاء اميركا وإسرائيل في الاعلام، حتى قناة الحرة التي لا تخفي هويتها.

الصورة التي لديكم أيها الأصدقاء بالمقابل، هو انه هناك حراك جماهيري عظيم ورائع، له أسباب نبيلة متمثلة بالثورة على حكومة شديدة الفساد والتبعية للأجنبي، ونظام يتم تقاسم ثروة البلاد من خلاله لعقود من السنين ولا يحتاج من يحركه من خارجه. كذلك لا يمكن لعدد صغير ان يفرض ارادته على الملايين. التظاهرة هي الأمل لإنهاء القهر والفقر والجهل وكل الامراض التي يعاني منها الشعب. إنه بنظركم حراك رائع لشباب ابطال يخاطرون بحياتهم بشجاعة لم نألفها يوما بين الجماهير بهذا الحجم، واقل ما يجب على الباقين ان يدعموه بكل قوة، وان يفخروا به، ويشجعوه ويشيدون بوعيه المفاجئ المدهش، والأمل الذي يثيره لأول مرة في الشعب العراقي للتخلص من الفاسدين.

هكذا نكون فريقين. محور تصور الفريق الأول هو "القلق"، ومحور تصور الفريق الثاني هو "الاحتفال". الأول يجبر أصحابه على وضع "التحذير" والمراقبة في اعلى اولوياتهم، والثاني يجبر أصحابه ان يضعوا "الدعم" والإشادة و التحشيد في اعلى اولوياتهم.

وقد يبدو انه من الممكن والطبيعي ان "يحتفل" الانسان، مع الاحتفاظ بـ "المراقبة" وأن المحتفل والمراقب يكمل احدهما الآخر ويفترض ان يتمكنا من الحديث بهدوء. ولكن هنا تصطدم الأولويات! فـ "القلق" يتناقض مع "الاحتفال" و "التحذير" يضعف زخم "الدعم" كما ان "الدعم" يضعف قوة "التحذير". وهكذا يشعر كل منهما أن الآخر يخرب أهدافه ويمثل خطراً على اهم أولوياته!

من الناحية العاطفية، يقود الفريق الثاني عاطفياً الإحساس بالألم الشديد لمناظر الضحايا الشباب وقد اخترقت رؤوسهم قنابل الدخان، بينما يقود الأول منظر الدمار الأشد لو تطورت التظاهرات الى تخريب البلد كما في بلدان أخرى، بل هم ينظرون بعين الشك الى تلك الصور لضحايا الشباب ويغمزون بأنها تبدو اقرب الى الحيل السينمائية منها الى الواقع، حتى لو لم يستطيعوا التصريح بذلك، مثلما يصمت الفريق الأول عن اعتقاده بسخف "نظرية المؤامرة" التي تقود الأول ليشطح في خياله الى الدمار الشامل.

ما الذي يحدث نتيجة هذا؟

سينفصل الطرفان الى فريقين مختلفين، قلما يزور أي منهما صفحات الآخر. وستتكون لغة منفصلة لكل منهما، لها مفرداتها وبديهياتها وما يعتبر فيها طبيعيا وما هو غير طبيعي. ففي واحدة منهما يكون الحديث عن التحذير من "المندسين" و "المؤامرة" و "المهوسين" و"اختطاف التظاهرة" و "ثورة ربيع عربي" و "عملاء اميركا وإسرائيل" و "الفوضى" و "الحرق" و "اعمال العنف والقتل" و "تظاهرات عشوائية بلا رأس"، "جيل مخدوع" وغيرها أمراً طبيعياً ومقبولا يحصل على الاعجاب. وفي الطرف الثاني تسود عبارات "الثورة" ، "تظاهرات الشجعان"، "ابطال التكتك"، "الاستقلالية عن الأحزاب" "اسقاط الفاسدين" ، "التضحية"، "جيل الوعي"، "تظاهرات عفوية" .. "ذيول ايران".. ويسمى "النقد والتحذير"، "مبالغة" و "وسواس" لا مبرر له.

"التشكيك" شبهة لدى احدهما لأنها تمس بوطنية التظاهرات ويواجه من يقولها بالغضب، لكنها عند الأخرى علامة تفكير وتعقل إيجابية، يفتخر بها. كذلك "عفوية" التظاهرات دليل نقائها عند مجموعة، إلا أنها ليست سوى اسم منمق للفوضى عند الأخرى!

“الموقف” عند الأولى هو الوقوف "مع الشعب" بوجه الطغاة والفاسدين، لكنه عند المجموعة الأخرى هو الوقوف مع القلة التي تصر على قول "الحق" رغم الاتهامات، وليس بـ "التصفيق" مع الأكثرية وتجنب مجابهتها بالخطأ.

كذلك تتعرض قيم الحقائق بين الطرفين الى تقييم مختلف. فكل منهما يعطي "الحقائق" المناسبة له، قيمة اكبر من المعاكسة، وهذا يسبب "منطقاً" مختلفاً لدى الطرفين. وباعتبار ان الموضوع شديد الحساسية والقيمة، فأن شق الخلاف يكون كبيرا، وربما فوق قدرة الحوار على ردمه.

السؤال الأول لدى القلقين: كيف لا يدرك الداعمون حجم الخطر على البلاد ان افلتت الأمور؟ هل حدث يوماً أو يمكن ان تحدث في ظرف البلاد العربية تظاهرات بدون ان يسعى اعداءها لركوبها واستغلالها؟ ألا يكفي 1% من المتظاهرين المدربين والمجهزين بالمال والأدوات اللازمة، لقيادة الـ 99%؟ اليس هذا ما حدث في كل "ثورات الربيع" العربية؟

وجواب المؤيدين المتحمسين: وكيف يتغلب 1%  على الـ 99% ويوجهونهم حيث يريدون؟ ثم ألا يرون التظاهرات تهتف هتافها العظيم "سلمية سلمية" وانها تطالب بمطالب خدمية وأخرى محقة بعد فساد طويل؟

الحذرون يجيبون: ما قيمة الهتاف بسلمية التظاهرات وما يحدث فيها عكس ذلك؟ ثم الم تهتف تظاهرات ليبيا وسوريا المدمرتان بنفس ذلك الهتاف بالضبط؟ انه دليل الخطر وليس ضمان للنجاة!

ويطرحون سؤالاً بالمقابل: ألا ترون "الحقيقة المهمة" التي تقول أن جميع عملاء اميركا وإسرائيل وقنواتها الإعلامية تهتف للتظاهرات وتدعمها؟

فيجيب الداعمون المتحمسون بإهمال تلك "الحقيقة غير المهمة" برأيهم، والتركيز على "حقيقة مهمة" بالمقابل: الم تقل الإدارة الامريكية انها تقف مع حكومة عبد المهدي وتجتمع معه؟

هكذا تتكون لدينا "مدينتان محرّمتان" متجاورتان، تتكلمان لغتين مختلفتين وتمتلكان قيماً مختلفة وأولويات مختلفة.

وحين يتجرأ بعض من المدينة المحرمة الأولى على اختراق الثانية أو بالعكس، بحسن نية في الغالب، فسوف يسمع ما لا يروق له، بل ما لا تتحمله اذناه. فكل الكلمات "الطبيعية" التي يتبادلها الناس في تلك المدينة، عبارة عن "شتائم" وسخرية مما تعوده وما يدافع عنه! وحين يحاول ان يرد بما يعتبره كلمة "طبيعية" من تلك التي تعودها في مدينته، وكله أمل ان يقدر له اهل المدينة "حياديته"، فأن اهل المدينة سيرون فيما يقول شتيمة تمسهم، فيردون بأقسى منها! وهو لا يدري لماذا..

وهكذا تنتفي اللغة، وتتحول محاولته حسنة النية الى صراع، قد يصل الى العراك، بدلا من التقارب، ويعود خائباً حانقاً ليروي لرفاقه ما حدث. وكلما فشل احد في الدخول الى مدينة الآخر، تردد الآخرون في تكرار المحاولة، وبني بين المدينتان جدار يزداد سمكا وارتفاعا مع الوقت. واعترف ان الجدار الحالي من سوء الفهم بين الفريقين قد بلغ مستواً اني لم اعد اعرف ان كانت بعض المنشورات سوف تسرهم ام تزعجهم! ولا شك ان هذه الحالة لا تولد الا الإحساس بالمرارة واليأس، وتجعل التواصل والنقاش مكلفاً جداً من الناحية العصبية.

ما هو الحل؟

لا تشير المؤشرات إلى أننا نقترب من حل، بل ليس مستبعداً ان تزداد الفرقة شدة وتقترب من العداوة مع الوقت واستمرار انفصال كل طرف بإعلامه ولغته وسخريته التي يراها كل طرف باهتة وموجهة ضده. لكن إن كان هناك حل ممكن، فهو يبدأ قبل كل شيء، بإقرار كل طرف بأنه لا يمثل "الشعب" لوحده! ان الآخر له ذات الحق في الوطن!

لكن ما يحدث الآن هو العكس تماما والاستعداء والسخرية والتخوين سيدة الموقف!

ليس غريبا ان يسعى كل فرد للدفاع عن وجهة نظره ومجموعته، لكن عليه ان لا ينسى أن المجموعة الأخرى ليست هي العدو، بل النصف الآخر في الوطن، والذي يجب ان يتم التفاوض معه واقناعه وتطمين مخاوفه. له ان يدافع عن مجموعته، لكن ان لا ينسى العراق، وان لا ينسى ان العراق يتكون من الجميع!

ولأجل هذا يجب مواجهة الواقع أولاً، فعلى الجميع أن يدرك أن "سوء الفهم" هو المتوقع في أي نقاش، نتيجة اختلاف معاني كلمات اللغتين واختلاف قيم المحاججات. ومن المهم تجنب السخرية من حجج ومنطق الأسئلة التي تطرحها المجموعة الأخرى، فهي تراها بعين أخرى. وكذلك يجب التذكر ان محاججاتك ليست بالضرورة سليمة عندما لا تحصل على اعتراض من جماعتك، فهم ميالون لطمطمة أي خلل فيها، اما الآخرون فعلى العكس سيمسكون ذلك الخلل ويضخمونه.

على كل منا أن يعترف بأن صاعقة ضربت تلاحمنا، وان يأخذه بجدية، وان يتذكر، رغم ما في ذلك من ألم يحز في النفس، ان من يقف امامه لم يعد نفس الصديق الذي كان يعرفه قبلاً! ورغم ذلك يجب التفاهم معه.

حتى مع كل هذا الفهم، فالتقارب بالتأكيد ليس سهلا، ويتطلب الكثير من قوة الإرادة إضافة الى الوعي والأمانة، إلا ان الامر مستحيل بدون هذا الفهم. .

 

صائب خليل

.......................

(1) لماذا العراق مختلف ويدعو للقلق؟ صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2699632523427133

(2) عبد المهدي عميل إيراني أم أمريكي؟ صائب خليل

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2626169144106805

 

عبد الخالق الفلاحلا نريد أن ننتقص من الاحتجاجات التشرينية شيئ لانها هي مطالب لكل الجماهير العراقية وصفت المرجعية المباركة هذه الاحتجاجات بأنها "مطالبة بالإصلاح في البلاد" تجلّى فيها كثير من الصور المشرقة التي تعبر عن محاميد خصال العراقيين، وما يتحلّون به من شجاعة وإيثار وصبر وثبات، وأكدت عدم قناعتها بردود فعل الحكومة، وطالبتها بحسم الملفات والقوانين بلا تسويف ومماطلة كما راقبتها خلال الايام الفائتة، ودعت إلى التعامل السلمي مع التظاهرات التي هي أصلاً متحققة في سلوك اكثر المتظاهرين السلميين، وتحويلهم ساحات الاحتجاجات إلى ورش عمل لصناعة مستقبل عراق جديد: لذلك من الافضل اشراك الطليعة الوطنية من أجل التخلص من المعاناة التي يعاني منها الشعب ولعل الوقت قد حان من اجل قطف ثمارها وابعاد الذين سرقوا خيرات العراق ولا يعطون المجال من اجل ان يقررون ويتلاعبون بمصيرهم من جديد وبنفس الاساليب والمرحلة تستوجب اشتراك قيادات واعية متمرسة ومخضرمة في السياسة والعلوم السياسية والاقتصاد السياسي ومثقفة بالعلوم الاجتماعية، ان الخيال السياسي للمثقف العراقي كان يختزن مجموعة سيناريوهات للتغيير مستقاة من التجربة السياسية العراقية لكن الموقف كان سلبياً وفي أحسن الأحوال داعماً لفظياً بل ذهب جمهور من المثقفين الى التحذير من هذه الاحتجاجات ونسبتها الى توجيهات أميريكية في إطار صراعها مع الجمهورية الاسلامية الايرانية من دس مجموعات مخربة وهو غير خفي وحقيقي كما ظهرت الشواهد والى الايادي البعثية هي التي تقوم بتنسيق فعاليات الانتفاضة من بعض جوانبه وظهورهم في اهم حراك جماهيري وركوبهم الموجة. إن المواطنين لم يخرجوا الى التظاهرات المطالبة بالإصلاح بهذه الصورة الغير المسبوقة ولم يستمروا عليها طوال هذه المدة بمثل هذه الظاهرة القوية التي اشتركت فيها نماذج مختلفة من المجتمع وبكل ما تطلّب ذلك من ثمن فادح وتضحيات جسيمة، إلاّ لأنهم لم يجدوا غيرها طريقاً للخلاص من الفساد المتفاقم يوماً بعد يوم، والخراب المستشري على جميع الأصعدة، بتوافق القوى الحاكمة ـ من مختلف المكونات ـ على جعل الوطن مغانم يتقاسمونها فيما بينهم وتغاضي بعضهم عن فساد البعض الآخر، حتى بلغ الأمر حدوداُ لا يطاق، ولا سيما في مجال ملاحقة كبار الفاسدين واسترجاع الاموال المنهوبة منهم والغاء الامتيازات المجحفة الممنوحة لفئات معينة على حساب سائر الشعب والابتعاد عن المحاصصة والمحسوبيات في تولي الدرجات الخاصة ونحوها واصبح من المتعذر على نسبة كبيرة من المواطنين الحصول على أدنى مستلزمات العيش الكريم بالرغم من الموارد المالية الوافية للبلد. 

الواقع ان على النخبة السياسية الحاكمة التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها صاحبة حق ولا تهدد وجودها انما تعلن عن مظلوميتها وهي الان قد تجاوزت الشعارات المطلبية العادية اليوم إلى مطالب سياسية بإصلاح النظام أو حتى تغييره، من خلال إطلاق مسميات كثيرة على مثل هذه التظاهرات المطلبية . من هذا الباب، يمكن اعتبار الاحتجاجات الراهنة بوصفها الحركة الأهم في مسار الحركة الاحتجاجية العراقية والطريق الاصوب الضاغط لاصلاح الفساد السياسي والاقتصادي والخدمي المعدوم مع صرف المليارات من الدولارات دون بروز اي مشروع للعيان والواقع .

وقد كان خطاب المرجعية الدينية الاخير بمثابة انذار للطبقة السياسية في العراق وتحذير من امكانية التدخلات الخارجية اتهم من سمَّاهم (أطرافاً وجهات خارجية كان لها في العقود الماضية دور بارز فيما أصاب العراق من أذى، قد تسعى لاستغلال الحركة الاحتجاجية الجارية اليوم لتحقيق بعض أهدافها) وإنّ معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب العراقي الكريم إنما هي معركة وطنية تخصه وحده، والعراقيون هم من يتحملون اعباءها الثقيلة، ولا يجوز السماح بأن يتدخل فيها أي طرف خارجي بأي اتجاه، مع أنّ التدخلات الخارجية المتقابلة تنذر بمخاطر كبيرة، بتحويل البلد الى ساحة للصراع وتصفية الحسابات بين قوى دولية واقليمية يكون الخاسر الاكبر فيها هو الشعب على حد قولها اذا تماهلت او لم تستطع القوى السياسية الحالية على اجراء اصلاحات حقيقية بعد 16 عام من الفساد والمحاصصة وتقاسم المكاسب على حساب خدمة المواطن العراقي واذا بقى الوضع هكذا وما دام صراع البقاء هو السائد فان قوة القوي تلغي منطق المساواة والعدالة في أي مجتمع أو سيادة ولا بد أن يظفر في النهاية للسيطرة على مظاهر الحياة ويختفي الأصلح الذي يجب ان يسود وتبقى القوة هي المسيطرة على تحقيق المصالح المشتركة .

وقد صرحت المرجعية : "إنّ الحكومة إنما تستمد شرعيتها ـ في غير النظم الاستبدادية وما ماثلها ـ من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعية غيره، وتتمثل إرادة الشعب في نتيجة الاقتراع السري العام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة، ومن هنا فإنّ من الأهمية بمكان الإسراع في إقرار قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية ولا يتحيز للأحزاب والتيارات السياسية، ويمنح فرصة حقيقية لتغيير القوى التي حكمت البلد خلال السنوات الماضية اذا أراد الشعب تغييرها واستبدالها بوجوه جديدة. وإنّ إقرار قانون لا يمنح مثل هذه الفرصة للناخبين لن يكون مقبولاً ولا جدوى منه. كما يتعين إقرار قانون جديد للمفوضية التي يعهد اليها بالإشراف على إجراء الانتخابات، بحيث يوثق بحيادها ومهنيتها وتحظى بالمصداقية والقبول الشعبي "

المهم الأحزاب السياسية في العراق كلها فاشلة وأثبتت الأحزاب التي تشهد المظاهرات عدم قبولها وعدم تمكنها من أن تثبت قدرتها على تولي السلطة بشكل مقبول وان فشل القيادات المشاركة في العملية السياسية وفي الحكومة من ايجاد الحلول وعدم سماعهم النصائح السديدة، بل عن انعدام إلارادة السياسية - وعن وسعت الفساد في كثير من الأحيان.

وتُعدّ مطالب المحتجّين عادلة ومحقة لا شوائب فيها وباعتراف الكتل السياسية على العموم دون استثناء، فقد نفذ صبرهم. دون ان يقوموا الساسة بخطوات واضحة لمعالجة الامورسوى محاولات امتصاص زخم الشارع والقول بصوتٍ عال وواضح: "نحن نسمعكم" واعطائهم الاذن الطرشاء وهذا سبب فشلها، ولا نريد أن نخوض تجاربها من جديد لانها لم تكن يوما في مسار صحيح، حتى وان لم تحقق الاجتجاجات أهداف التغيير التي تهدف إليها اليوم إلا أنها تذكر الجميع بأن نبض الشعب العراقي قد تغير، وأن الطائفية ليست طوقا يطوق به، وأن الشعب العراقي عصي على الخضوع وقوة القتل والقمع ستقهر فالظروف تتغير وموازين القوى لا تثبت، والزمن هو سلاح أبناء التراب، إن تجاوز المأزق الحاد الراهن يتطلب وعياً استثنائياً من جميع المعنيين بتجاوزه، وإن مفتاح ذلك راهنٌ كما يرى المحتجون.فی اصلاح العملية السياسية. فهل يمكن تحقيق ذلك، هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.ولابد للغيوم أن تنقشع والشمس أن تشرق من جديد وتطل علينا ببهائها الجذاب فتنبعث أشعتها لتبعث بالدفء في كل الوجود حينها مهما طال الظلام لتمحو اعواماً من الحرمان.

 

عبد الخالق الفلاح – كاتب واعلامي

 

 

كثيرة هي الخطوات الجادة والمهام الصعبة الواجب إتباعها في هذا الوقت العصيب الذي تمر به البلاد لغرض الإصلاح في جميع مؤسسات الدولة عموما والمؤسسات التعليمية والأكاديمية على وجه الخصوص ونحن نعيش ضغط الشارع لمكافحة الفساد وإحالة الفاسدين الى القضاء، ولاشك أن تظاهرات 1- 25 اكتوبر / تشرين الأول ممن يحلو لبعض المراقبين تسميتها بـ" ثورة التك تك " قد إندلعت بفعل عوامل عدة كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير لعل من أبرزها مطالبات خريجي الدراسات العليا خلال إعتصام مفتوح بالتعيين ضمن الملاكات التدريسية في المعاهد والكليات والجامعات العراقية أسوة بأقرانهم لينتهي الاعتصام  بخراطيم  مياه قوات مكافحة الشغب أمام مكتب رئيس الوزراء وسط العاصمة بغداد على مرآى ومسمع من العالم كله بدلا من إنصافهم، سبقه تعرضهم الى حادث دهس ليلي عرضي عن غير قصد بـ"ستوتة" يقودها مخمور أمام مبنى  وزارة التعليم حيث كانوا يعتصمون هناك لأسابيع، ما أثار حفيظة الشارع المثخن بالجراح وأصابه بمقتل والكل يعتصره الألم وهو يتساءل "اذا كان حملة الشهادات العليا يتعرضون لكل هذا الغبن والحيف والتفريق بالقوة نساء ورجالا، فما بال الأميين وأنصاف المتعلمين من عامة الشعب ؟!".

ولا يفوتني هنا التذكير بأن العراق صار خارج التصنيف العالمي لجودة التعليم بمراحله كافة "الابتدائية، الثانوية، الجامعية" وبات يشارك ذلكم الخروج المذل دولاً فقيرة تشهد حروبا أهلية ومجاعات نحو اليمن، ليبيا، الصومال، سورية بحسب مؤشر دافوس للتعليم، سبقها تذيل العراق لتصنيف ويبوميتركس الاسباني العالمي الذي يصنف الجامعات بناء على مدى فاعلية مواقعها الالكترونية وتتصدره الجامعات الاميركية وفي مقدمتها جامعة هارفرد وستانفورد، والجامعات الاوربية وعلى رأس قائمتها اكسفورد وكامبريدج، بالتزامن مع تلكؤ العراق ولأسباب تقنية بنشر البحوث والملخصات في مجلات رصينة محكمة تؤهله  لدخول تصنيفات مهمة جدا تعتمد على بيانات البحث العلمي كـ " سكوبس، كلاريفيت، شنغهاي " والأخير يعتمد الحصول على جائزة نوبل ووسام فيلدز للخريجين والتدريسيين والنشر في المجلات العلمية الكبرى كمعايير لتقييم الجامعات صعودا أو هبوطا بنسبة طردية !

المراقبون للشأن العراقي شخصوا طيلة الفترة الماضية وجود خلل كبير أسفر عن جل التداعيات الانفة  في مجمل المنظومة التعليمية في العراق لابد من مكافحتها وإجتثاث شأفتها سريعا، منها ما يتعلق ببروز ظاهرة الجامعات والمدارس الأهلية،كثرة العطل الرسمية وشبه الرسمية،كثرة الاحتفالات بالمناسبات الوطنية والدينية  وحفلات التخرج المبكرة والمتأخرة داخل أروقة الجامعات على حساب اكمال المناهج الدراسية، قلة المختبرات والاعتماد على المناهج النظرية من دون العملية، كتابة  وبيع الرسائل والأطاريح الجاهزة لبعض المناقشين الكسالى أحيانا مقابل المال، إستشراء  ظواهر الغش في الامتحانات، المحسوبية والمنسوبية والحزبية الضيقة في التعيينات والقبولات، هجرة الكثير من الكفاءات والخبرات نتيجة التهديدات والاضطرابات في بعض المحافظات، اضافة درجات خاصة الى عموم المعدلات السنوية حتى إن بعضها ليتخطى حاجز الـ 100% ليصل الى 110 – 120 بما لا تجد له نظيرا في العالم بأسره قط، ولن أتناول هنا ما بات يعرف بالشهادات المزورة أو غير المعادلة أو غير المعترف بها محليا وكذلك شهادات الجامعات المفتوحة والتعليم عن بعد، لوجود ضوابط نجحت الى حد كبير في كبح جماحها لضمان عدم تسلل اصحابها الى الجامعات بالعموم مع عدم قدرتها على منعهم من خوض الانتخابات النيابية والمحلية وحصد  المناصب والمزايا الثقافية والاجتماعية من خلالها، وهناك ظاهرة لابد من الالتفات اليها جديا  بعد ان أضحت هما يؤرق طلبة الماجستير والدكتوراه في عموم العراق بكل ما تعني الكلمة من معنى، ولربما تعد واحدة من أسباب تدهور التعليم في العراق وخروجه من التصنيفات العالمية لجودة التعليم الا وهي ظاهرة " الكرزات، القوزي على تمن،الأوبن بوفيه، العزائم والولائم " قبل وخلال وبعد المناقشات حتى اصبحت عرفا فاسدا لا يجرؤ طلبة الدراسات العليا على التخلص من دائها العضال البتة  فيما لا يقوى المئات منهم على تحمل أعبائها المرهقة وتكاليفها المادية المجحفة في ظاهرة تكاد تقترب من الابتزاز اذ إن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، ومن طلبة الدراسات العليا المجتهدين من لا يجد قوت يومه  وليس له مرتب ولا دخل ثابت يعينه على تمشية أموره المعيشية فما بالكم بإطعام المتخمين والميسورين من المشرفين وأعضاء لجان المناقشين في مطاعم خمس نجوم بعد انتهاء المناقشة خارج الجامعة تارة، او بنصب الموائد العامرة بما لذ وطاب داخلها تارة أخرى معظم تكاليفها  تدفع عن طريق الاستدانة، والذريعة المسلفنة هي الفرح بالنجاح بما يشبه إفراغ جيوب الآباء بالأكراميات في مستشفيات الولادة، اسوة بذوي المرضى في الردهات على مقربة من صالات العمليات بعد نجاحها، بل وفشلها ايضا؟!

وبنظرة خاطفة على ظاهرة "اوبن بوفيه" وموائد وتكاليف المناقشات يتضح لك جليا بأن المناقشة الخالية من الغمزات واللمزات والهمسات والتقاعسات يجب ان تتضمن دفع تكاليف حجز القاعة " 50 الف دينار " + تكاليف تنظيفها " 30 الف دينار" + قطع كيك بـ 50 الف دينار + كيلو كرزات مشكل + 2 درزن عصائر زجاجية + 2 درزن بيبسي كولا + 25 الف دينار تصوير + 25 الف دينار اكرامية + إما عزيمة معتبرة خارج الجامعة، وإما وليمة كبرى داخلها " يعني قوزي على تمن مع بقية المرطبات والحلويات والفواكه والمقبلات!!"، مع ان طالبي الماجستير والدكتوراه سبق لهما ان دفعا ما لايقل عن مليوني دينار فيما اذا كانا على القناة العامة كمستلزمات الطباعة  والاستنساخ والتجليد و المراجع والمصادر والذهاب والاياب طيلة السنة التحضيرية وما بعدها  "، اما اذا كانا ضمن قناة النفقة الخاصة فالتكاليف هنا ستقفز الى ما لايقل عن 12 مليون دينار للماجستير، وضعفها للدكتوراه بحسب التخصص،فهل هذا عدل وانصاف؟ وهل تلكم الولائم والعزائم والكرزات تمتُ للتعليم بأدنى صلة؟!

لي أصدقاء ومعارف كبار في السن سبق لهم ان تخرجوا في مختلف جامعات العالم الرصينة بما فيها جامعة هارفرد الاميركية لم اسمع من اي منهم من حدثني بمثل هذا  الهراء الذي نسمعه هاهنا اطلاقا، بل إن معظمهم قد اشار الى أن جلسات المناقشة تكون في معظم الاحيان سرية لا علنية يحظر على اقرب المقربين دخول قاعة المناقشة احتراما للطالب الذي قد يبدو عليه الارتباك ويستبد به القلق ويظهر منه ما يخجل من اطلاع المقربين عليه،علاوة على الحيلولة من دون التأثير على لجنة المناقشة، فما بالك – بالمشوي والمحشي – بعدها، وهناك ظاهرة اخرى الا وهي ان العديد من المشرفين وكما اخبرني غير واحد من طلبة الدراسات العليا لايتابعون طلبتهم الا لماما واحيانا عبر الهاتف وبعضهم لا يحضر جلسة المناقشة حتى  متذرعا بالمرض أو السفر مع ان المشرف يتقاضى مخصصات شهرية طيلة اشرافه لا تقل عن 150 الف دينار تزداد بإطراد بحسب الدرجة العلمية والتخصص .

وخلاصة القول ان المطلوب حاليا هو القضاء على ظاهرة العزائم والولائم والحلويات والعصائر خلال المناقشات وما بعدها كليا ونهائيا كونها لا تليق بالتعليم الجامعي ولا تتناسب مع من تصدوا لهذه المهمة الكبرى في اعداد اساتذة المستقبل وهم من خيرة المجتمع وعلية القوم ولاريب، ناهيك عن ما يبدد فيها من أموال عبثا قد يكون الطالب أحوج ما يكون اليها في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها العراق، مع  التشديد على متابعة المشرفين لطلبتهم وعدم تركهم هملا والا فما الجدوى من صرف مخصصات للمتنصلين منهم من غير اشراف ومتابعة تذكر لمن شاءت الاقدار ان يشرفوا عليه وهم قلة ولاشك، آمل ان يكونوا كذلك.  اودعناكم اغاتي

 

احمد الحاج

 

حميد الموسويأيها السائرون على غير هدى،  أيها المندفعون خبط عشواء.. انتم يا من تضجون.. وتعجون.. تزبدون وترعدون.. تتنافسون وتتنابزون وتتخاصمون . تفترون ؛تنافقون ؛تسقطون بعضكم وتتهافتون !.

أتدرون أي عاصفةٍ تركبون؟!.. وأي فوهة تفتحون؟!.. يا من تستثمرون الفرصة أبخس استثمار،  وتنتهزون الموقف أسوأ انتهاز؛ وهما يمران مرّ السحاب. فتضعون الندى في موضع السيف، وتضعون السيف في موضع الندى.. وفي أوان التثبت والتشبث والتمركز تتشرذمون!.

اتعلمون أنكم تبتعدون عن غايتكم التي كانت نبيلة أكثر فأكثر كلما حثثتم الخطى، وكلما امتد بكم الزمن، وكلما ثنيت لكم الوسادة!. لأنكم عملتم على غير بصيرة بعد ان اعجبتكم كثرتكم، واغوتكم بهارج النفوذ، واطغتكم الزعامة،  فتنكبتم الطريق غير الطريق،  تنكرتم لرسالة الرواد وشهدائها فتبخرت مياه وجوهكم،  نسيتم هدفهم السامي فضاعت بوصلتكم،  نسيتم ناسكم ؛واعرضتم عن الجماهير المستضعفة التي كانت حطب كل العهود  فانساكم  الله انفسكم !.

نعمة الحرية والخلاص هذه،  بفسحتها الشفافة-التي كان ثمنها قوافل من شهداء بررة - كم بذلتم دونها؟!.. كم حلمتم.. كم تمنيتم استنشاق نسمة من عبيرها قبل أن تغيبكم المطامير.. وتبتلعكم مقابر الرفاق الجماعية، اوتذيب اجسادكم احواض اسيد قصر النهاية، اوتطحن عظامكم فرامات الشعبة الخامسة؟!. وها أنتم تدمرونها دون قصد أو دراية وبلا تروٍ؛ بل تحت طغيان الانا وفورة الجشع، ونزعة الاستحواذ!. إنكم تعينون على أنفسكم وما تشعرون.. تضعون العصي في عجلتكم وما تبصرون،  تنفرون الاخيار وتبعدون الموهوبين-كونهم يذكرونكم بغبائكم وفسادكم – وتستعينون بالامعات الخنوعين الذين بدورهم استعانوا بالارذل والاردئ لتدوروا في حلقة مفرغة من الفشل والاخفاق والتقهقر !. "ماعزت دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ،  وَلاَ اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ،  أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ،  و سَأَلْتُمُوني التَّطْوِيل دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ المَطُولِ،  لاَ يَمنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ! وَلاَ يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلاَ بِالْجِدِّ! أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ،  وَمَعَ أَىِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟ الْمَغْرُورُ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ،  وَمَنْ فَازَبِكُمْ فَازَ _ وَاللّهِ _ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ،  وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ . أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ،  وَلاَ أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ،  وَلاَ أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُم. مَا بَالُكُم؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ،  أَقَوْلاً بَغَيْرِ عِلْمٍ! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ! وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ" (1).

ألا ترون تداخل الخنادق،  واختلاط الأوراق؟!، الا تشعرون بما يراد بكم ؟ الا تحسون بحجم الطوفان الداهم ؟!!. فما لكم تصيرون لغازيكم جسرا؟؟مالكم تهبون للفتنة ضرعاً و ظهرا؟! فتُركبون،  وتُحلبون،  وتُذبحون؛ليجني ثمار تضحياتكم المتفرجون ؛و ليتربع ويأخذ بزمام القيادة المنهزمون.. الفارّون: (إن تعرف نفسك فقد كسبت نصف المعركة؛ فإن عرفت عدوك كسبت المعركة كلها)؛ وما أحسبكم تعرفون.. وأظنكم صم بكم عمي  لا تفقهون.

عدوكم يمتلك المليارات؛ يوظف ماكينات الاعلام بكل صنوفها وبارقى واحدث ادائها،  واخبث اساليبها،  ويجند المتشردين والمرتزقة والمدمنين.. يدعمه الموتورون والمضللون وفاقدوا امتيازات حكمهم (الذهبي)؛  يخترقكم حتى العظم وأنتم في غفلة ساهون،  وها هو يتدرع بكم،  جاعلاً منكم دريئة،  وأنياباً،  ومخالب!.. حتى إذا أنهكتم بعضكم  أجهز عليكم بضربة معلم معلناً انتصاره الساحق لتعودوا اذلة.. مسحوقين.. مخذولين.. منكسرين،  ولتبدأ من جديد دورة المعادلة المجحفة الظالمة اشد قسوة واعتى اذلالا وقهرا وامتهانا وعبودية  .

كنت أعجب- كلما قرأتُ التاريخ- من هذا الفشل الذريع  والاخفاق الذي يلازم دعواتكم؛ويرافق ثوراتكم ؛ ويصاحب انتفاضاتكم - ولا شك ان غيري أشد عجباً- وما أجدَتْ معي نفعاً كل تحليلات المختصين؛ وتنظيرات المنظرين؛ المتعاطفين معكم والمناوئين. أما وقد عايشتكم.. وبلوتكم.. وخبرتكم ميدانياً فقد زال عجبي،  وزاد برمي. ونحيت كل مراجع وقائعكم الغابرة؛ ألستم خير خلف لخير سلف؟!. 

وإن هذا السليل لذاك الدليل؛ هذه الجينات من تلك الأمشاج؟!. تهزأ بكل حضاري.. تناجز كل ريادي..تحارب الموهوب الكفوء.. تنبذ الخير النقي.. تناحر التجدد .. ترفض التغيير.. تجتر.. وتجتر.. تُلدغ من الجحرذاته  مرات؛ ومراتٍ؛ يتعظ بهاولا تُتعظ.

 تاريخكم يكرر نفسه؛ وعدوكم يعبيء جنده ؛ ويجعلكم ترسه!. يغير جلده،  يستثمر أبعاده الأربعة ليحصد زرعكم اليافع اليانع!!. فأنصروه بفسادكم ؛واسندوه  بتشتتكم؛ وادعموه بتشرذمكم؛واعينوه بسوء اختياركم. حتى إذا أعلن انتصاره على أكتافكم؛ واشتفى بكم،  ومحى وجودكم. اشتموه بما شئتم.. اتهموه بجرائر التهم،  انعتوه بأقذر النعوت،  فلن يبالي.. ولن يبالي.. فقد سبر غوركم،  بعد ان كشفتم عورتكم. وما دام الظهر ظهركم؛ والضرع ضرعكم؛ والرقاب رقابكم؛ والقطف من الجني حصته ونصيبه،  فما الذي يضيره ولماذا  يبالي؟!. وعندها انشغلوا بدفن ضحاياكم .. ولملمة جراحكم، وعلقوا خيباتكم وفشلكم وسوء تصرفكم وفسادكم على شماعة ايران وسليماني !. إملأوا جيوبكم ندماً وحسرة ولات ساعة مندم،  ومن جديد.. إبدأوا دورة انتظاركم التليد!!.

 

حميد الموسوي

.........................

(1) المقطع من خطبة للامام علي عليه السلام في اهل الكوفة .

 

محمد سعد عبداللطيفلا غزة ولا لبنان أفدي روحي ﻹيران

خرجت الجماهير الغاضبة العام المنصرم ۔ تندد برتفاع اسعار الوقود والكهرباء وفشل السياسات الاقتصادية ۔ آمس اندلاع المظاهرات والأحتجاجات مرة آخري بسبب إرتفاع أسعار الوقود ۔وضد سیاسات

التدخل الخارجي، وتصدير الثورة الي دول الجوار والتدخل في الحرب الداٸرة فی سوريا والفشل الاقتصادي الذي فجر السخط عند أﻹيرانيين من مدن لا يتوقع اصحاب العمامات والحوزات الاسلامية في مدن مثل (قم او مشهد) وهي مدن مقدسة عند الشيعة ..؟

منذ عام وآکثر يفاخر النظام في إيران بتوسع في دائرة تأثيرة الاقليمي وتمدد محورة داخل العالم العربي وتصریح السید (ظریف) وزیر الخارجیة الإیراني منذ أکثر من شهر من هذا العام الجاري ۔۔ أن جغرافیة إیران أکبر من مساحتها بإعتبار الهیمنة خارج حدودها الإقلیمیة لتصبح إمبراطوریة جغرافیة دون السیطرة وهی الحدود الشفافة التی یقصد بها الهیمنة العسکریة دون حدود خراٸطیة للدولة ۔ بمفهوم جدید (للجیوبولتیك) وتكوين ميلشيات شبة عسكرية حتي حدود إسرائيل وتكوين حزب جديد في سوريا بديلا عن إيران يقوم في حالة حرب مع إسرائيل حروب بالإنابة وتکوین كتائب زينب، وفاطمة، من الباكستانيين والافغان والحشد الشعبي العراقي ۔ لتکون الاذرع الطویلة خارج حدودها الجغرافیة ۔۔ وتكوين جبهة تتكون من ايران والعراق وسوريا وجنوب لبنان كل ذلك علي حساب العالم العربي بعد خروج زعامة مصر ودورها الإقلیمي والعربي عقب عام 1979م بتوقيع اتفاقية السلام ۔ وقد ساعد علی ذلك ولادة إیدلوجیة جدیدة من رحم ثورة ولایة الفقیة وهو عام تغيیر وجة العالم العربي، بعد ذلك لقد فهم الكثير من العرب ان القومية العربية كانت مرتبطة بالزعيم عبد الناصر لذلك فشل العرب ونجحت القومية والامبراطورية الفارسية والتركية في مللئ الفراغ في العالم العربي ۔۔ وعلي رقعة الاحتجاجات الشعبية المضطربة ومن خلال الصراع اﻹقليمي والدولي حول إيران الدولة شاسعة المساحة مع حدودها ل9دول ۔۔ نستنتج الترابط بين ديناميكيات السياسة الخارجية وبين تطور اوضاعها الداخلية ونظامها السياسي الثوقيراطية .ومعناها حكم رجال الدين او الكهنة وهو عبارة عن تفويض أﻹلة لهم بالحكم ..

صراع بين المحافظيين والاصلاحيين سمي عام 2009م عقب الانتخابات المزورة (بالثورة الخضراء) وإستخدام فيه القوة المفرطة رغم أن الإدارة الأمريكية تغاضت عن ملف حقوق الانسان لعقد وإبرام اتفاق بخصوص الملف النووي (5+1) المعروف باتفاقية (لوزان) والذي نص علي الافراج عن 100مليار دولار مجمدة منذ اعقاب الثورة عام 1979م وقد استغلت إيران من الأموال المجمدة في توسيع مشاريعها التوسعية علي حساب الشعب الإيراني لذلك خرجت الجماهير لآول مرة العام الماضي تحرق صور رمز الثورة (أیة الله خاميني) وتندد برجال الدين وإتهامهم بسرقة ونهب البلاد . ومع الصراع الداٸر وحالة من حرب باردة بین الولایات المتحدة الأمریکیة وحلیفتها إسراٸیل ضد إیران وفرض حصار إقتصادي علیها کان من أسباب ۔ تجدد المظاهرات ومع ظهور ظاهرة الإحتجاجات فی العراق ولبنان اصبح الوضع صعب ۔وهل تدخل المنطقة فی فوضي عارمة الرابح فیها إسراٸیل ۔۔ هل نهایة عام 2019م سوف يشهد تغیير في الخريطة السياسية وتنهار الثوقيراطية في ايران وهل البدیل سیکون من صنع أجهزة إستخباراتیة أم أن ولایة الفقیة ستصمد ۔۔فی ظل الوضع الراهن فی الداخل والخارج هذا ما سوف تكشفة لنا الايام القادمة. ..؟

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة

 

عدنان الظاهرأجلْ، لِمنْ الشكوى؟ سيدة الزهور تُسيءُ فهم مقاصدي أو يتعسّرُ عليها فكَّ رموزِ رسائلي. وعشتار بابلَ ـ وهي من بناتِ أعمامي ـ غضبى عليَّ ولكنْ بدون حقدٍ، زعلانة ! أحسبُ أو أعزو سبب غضبها إلى تقصيرها في فهم ظروفي وعجزها عن تصوّر ما ألاقي من مصاعب ومتاعب حياتية متشعبة تعرف لا شكَّ بعضها وتجهلُ أغلبها. معها حق، لها في كافة الظروف ـ وإنْ تنوّعت واختلفت ـ حقٌّ واضحٌ معلومٌ (للسائل مثلي والمحروم). إذا أسميتُ تلك الفتاة المغرورة القاصرة الفهم " سيدة الزهور " فعشتارُ بابلَ سيّدةُ الكون الأعلى والأسفل. إنها من رَحِمي. إنها عظمي ودمي وتأريخي وحاضري فإنْ غابتْ غبتُ معها وإنْ حضرتْ كان معها حضوري [إنْ غبتَ عني فما إنسٌ يؤانسني // وإنْ حضرتَ فكلُّ الناسِ قد حضرا. لإبن زيدون]. في كفيها الطاهرين أريجُ أديمِ تُربةِ بابلَ حمورابي وإذا تعرّقَ الكفّانِ فمنهما سلسبيل دجلةَ والفرات. فيا سيّدةَ الأكوان قاطبةً متى أراك وأين؟ ما الذي يحولُ دون لقائنا عَلَناً أمام العالمين وعلى رؤوسِ الإشهادِ؟ تفجيراتُ أسواقِ ومدارسِ بغدادَ أم أعرافُ الناس التي تقادمَ عهدها وأكلَ الدهرُ عليها وشرب؟ قالت حيائي، خجلي، ترددي... هي التي تحولُ وتجعلُ لقاءنا عسيراً ولا أقولُ مستحيلاً. لا من مستحيلٍ في الحياة إلا أبدية عمرِ وحياةِ الإنسانِ. لماذا لقاءُ سيدةِ الزهورِ ممكنٌ وممكنٌ على الدوامِ لكنَّ لقاءكِ ـ سيدتي، فأنا جزءٌ من أكوانك ـ شبه مُحرَّمٍ؟ قالت بالضبط ! وصلتَ، إلتقفتها طائرةً، إنما هي في أول وآخر أمرها مسألةُ حلالٍ دينيٍّ وعرفيٍّ وحرامٍ. ماذا سيكون جوابي وأنا أتحاشى مناقشةَ أمورِ الدين خاصةً مع العَلَوياتِ سليلاتِ المجدِ التالد وعالي المُحتّد؟ كيف أناقشها ونحن مختلفان في هذا الأمر؟ متى اجتمع قطبُ الشمالِ مع قطبِ الجنوب؟

يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ واسقِ بهِ

مَنْ كانَ صِرفَ الهوى والودّ يسقينا

ويا نسيمَ الصبا بلّغْ تحيتَنا

مَنْ لو على البعدِ حيّا كان يُحيينا

(لإبن زيدون في الولاّدة بنت المستكفي) .

كتبتُ مرةً لها هذين البيتين فلم أسمعْ منها تعليقاً. يبدو أنها لا تُحبُ الشعرَ وربما لم تقرأهُ لأنها محسوبةٌ على العلماء. هل ـ سيدتي، سيدة الكون ـ تسمعينني؟ اما زلتِ في بغدادَ أم قد رحلتِ منذ قرونٍ عنها؟ إلى أين رحلتِ سيدتي وتركتيني أبحث في تأريخ بابلَ عنك وأشمُّ ماءَ الفراتِ لعلَ فيه شئٌ باقٍ منكِ، من عَرَقِ راحتيكِ. وأتشمّمُ شجرَ أغصان َ وسيقانَ صفصافِ ضفافِ الأنهارِ عسى أنْ أعثرَ على بعضِ آثارِ أريجِ حنّاء كستناء شعرك. هام كما تعرفين (وربما لا تعرفين!) قيس العامري في البراري والفلواتِ بحثاً عن إبنة عمّه ليلى الممنوعة عنه والمحرّمة عليه لكني همتُ أبحثُ عنك سيدتي في مدن العراق شمالاً وجنوباً، وفي شطآنِ أنهاره وما يتفرعُ منها من قنواتٍ وخوّضتُ في مياهها بكامل ملابسي طافياً وغائصاً أبحث عنك لعلي أجدكِ بين اللئالئ في القيعانِ مستقرةً أو تلعبين بين الحور والجان. لا أحبُّ الصحارى والبيد وإنْ عشقتُ رمال سواحلِ البحار صيفاً وشتاءً:

أُحبُّ رمالَ شتاءِ الجَنوبِ

وأهوى الثلوجَ شتاءً وصيفا

ففي زهرةِ الأقحوانِ أُراني خَجولاً عَجولا

شديدَ تلوِّنِ فصلِ الخريفِ

فيا طائفاً قد تقضّى سريعاً سريعاً

وعادَ ومن ثُمَّ طوّحنا واختفى

أفي طبعنا أنْ نَشُتَّ وفي طبعنا

أنْ نموتَ فنَشتُمَ أرواحَنا

أما من علاجٍ لرجعِ الصدى في عليلِ الخُطى؟

شذى البحرِ يملأُ صدري صباحاً

بكئيبِ الخواطرِ والرؤى

على شُرفةِ البيتِ والشمسُ جذوةُ رأسِ الضُحى

وطِبُّ جسومٍ تُحبُّ شديدَ العرا

فالمصيفُ اللطيفُ مضى حسرةً في مطاوي الحشا

أفي الرملِ آثارُنا

وبقيا كؤوسِ شرابِ الهوى

في مقاهي المصيفِ تركنا سُدى

على أملٍ أنْ تعودَ مصايفُ أحزاننا القهقرى؟

دفنّا موجةً للأسى وعزيزِ المُنى

في كثيبِ رمالِ المصيفِ الكئيبِ

ظهيرةَ يومٍ غريبٍ شديدِ الوجومِ

لأنَّ الزمانَ يخونُ كثيراً، وقد خاننا

ولنْ نلتقي مرةً... ربّما !

هل ستقرأُ مولاتي هذا الشعر الحزين الذي قلته في إحدى دورات حياتي المتقلِّبة قبل قرابة العشرة أعوام؟ وأنتِ، الصبيّةُ المغرورةُ سيدةُ الزهورِ، هل لديك بعضُ الوقتِ لقراءة شعري هذا المُكَرّسَ للرملِ والبحرِ والمصيفِ وقد كنا معاَ سويّةً قبل عشرة أيام نتمشى على رمال سواحل جزيرةِ إيبيزا الإسبانية؟ هل تتذكرين أمْ أنَّ كثرةَ ما في حوزتكِ من زهورٍ أنستك أسماءَ قاطفيها ومَنْ أهداها؟

قال المتنبي:

أَتُراها لكثرةِ العُشّاقِ

تَحَسبُ الدمعَ خِلقةً في المآقي

أجابتْ مُحتجّةً : ليس لي عُشّاقٌ إنما لي أصدقاء كثيرين ليس فيهم مَنْ أعشقُ أو يستحقُّ حبّي الأصيل ! ما زلتُ صغيرةً على الحب والعشق. يبدو أنكَ تغارُ من بعض أصدقائي؟ ماذا أقولُ لهذه الصبيّة؟ هل لديَّ وقتٌ أو مزاجٌ للغيرة؟ وهل بقيَ فيّ عصبٌ يحتملُ عبء الغيرة؟ أنت واهمةٌ يا صبيّةَ الصبيات والمُزهرة بين الزهرات. أنت واهمة وأنت عاجزة عن فك رموز ما أكتبُ لك بل وتسيئين فهمَ بعض ما أكتب لك فمتى تنضجينَ ومتى تفقهين معاني سطوري؟

هل من لقاءٍ آخرَ على سواحلِ مدائنَ وجزائرَ أخرى بعيدة؟ قالت عشتارُ بابلَ بل أنا المرَشّحةُ لهذا اللقاء الآخر. أنا مثلك مزاجي بحريٌّ والماءُ هوايَ ومتعتي، وغموضُ البحرِ يُحاكي طبيعتي وهيبتُه تستهويني. إتفقنا. أعدّي نفسكِ إذاً وجهزي جوازَ سفرك وحقيبةَ ملابسك وسأكونُ في إنتظاركِ في أي مطارٍ تشاءين.

 

عدنان الظاهر

  حزيران 2009

 

 

حسن الحضريمن المسلَّم به قطعًا أن الناس متفاوتون في طبيعة تكوينهم الذي طبعهم الله عليه، ويشمل ذلك ما لديهم من أفكار وطموحات وقدرات وغير ذلك مما يتعلق بالسمات الشخصية لكل إنسان، وما يتصل بكل ذلك في علاقته بالآخرين، وقد راعى الشرع الحنيف هذا الأمر في المفاضلة بين الناس على المستويَيْنِ الديني والدنيوي؛ فالله تعالى يقول: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124]؛ كما كان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يجعل كلًّا في مكانه الذي يستحقه، بحسب طبيعة الأمر، وصفات من ينتدبه له.

وقد أمر -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالأخذ بمعيار الكفاءة، وحذر من المحاباة والمجاملة على حساب ذلك؛ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من وَلِيَ مِن أمر المسلمين شيئًا، فأمَّر عليهم أحدًا محاباة؛ فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صِرفًا ولا عدلًا، حتى يدخله جهنم» [أخرجه أحمد في مسنده (ص 202/ 21)]؛ فالمحاباة فيها جورٌ على حق مَن هو أولى بالأمر، وفيها إفساد لكل أمر يتولاه من لا يصلح له، وإن كان يصلح لأمرٍ غيرِه.

وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- زاهدين في المناصب والقيادة، ويقدِّمون مصلحة المسلمين على كل اعتبار؛ رُوِيَ في «المغازي»: «لما قُتل ابن رواحة؛ انهزم المسلمون أسوأ هزيمة، ثم إن المسلمين تراجعوا، فأقبل رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن أقرم؛ فأخذ اللواء وجعل يصيح بالأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه من كل وجه، وهم قليل، وهو يقول: إليَّ أيها الناس!!؛ فاجتمعوا إليه، فنظر ثابت إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان؛ فقال: لا آخذه؛ أنت أحق به؛ أنت رجل لك سنٌّ، وقد شهدتَ بدرًا؛ قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك» [«المغازي» للواقدي (2/ 763)]؛ فثابت بن أقرم -رضي الله عنه- لم يفكر في الاحتفاظ بالراية لنفسه، وهو من كبار الصحابة السابقين إلى الإسلام؛ ولكنه دفعها إلى من هو مشهود له في هذا الميدان، وإن كان أحدث من ثابت إسلامًا وأصغر سنًّا، بالرغم من أن ثابتًا نفسه أهلٌ للراية أيضًا؛ بدليل قول خالدٍ له، وإجماع أصحابه عليه كما ورد في رواياتٍ أخرى؛ حيث «قال: يا معشر المسلمين؛ اصطلِحوا على رجل منكم؛ قالوا: أنت؛ قال: ما أنا بفاعل؛ فاصطلح الناس على خالد بن الوليد» [«السيرة النبوية وأخبار الخلفاء» لابن حبان (1/ 318)].

وقد اشترط الإسلام القوة والقدرة على القيادة لمن يتولاها، في أي أمرٍ من أمور الدِّين أو الدنيا، فلا يُكتفَى بصلاح دينه فقط؛ ولذلك قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- حين طلب أن يستعمله: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» [أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1457/ 1825)].

أما في عصرنا هذا فنجد المحاباة والمجاملة لأناسٍ لا دِين لهم، ولا قوة ولا قدرة على شيء، ولا علم ولا دراية بشيء، حتى فسدت الأمور؛ ونسأل الله السلامة.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

صادق السامرائي"نتعلم من الماضي ولا نرتهن به"

الأجيال العربية أمضت عصورها رهينة أحداث تأريخية لا يمكنها  التحرر من أسرها، ولا زالت تجتر تفاصيلها وتستهلك طاقاتها في النظر المتكرر فيها دون جدوى أو منفعة حضارية، حتى تحول التأريخ العربي إلى داء عضال وطاقة سلبية مدمرة للحاضر والمستقبل، بل أنه ألغى هذين البعدين وأمعن في تضخيم الماضي وهيمنته على الوجود بأكمله.

وبسبب هذا الإرتهان فأن العرب يتحركون وكأنهم العربة التي تدور عجلاتها في الوحل ولا قدرة عندها على التقدم خطوة إلى الأمام.

وقد أسهمت في هذا الإرتهان الحضاري المروّع، حركات وطوائف، لأن سلوك الإرتهان يحقق لها البقاء والتواصل وفرض السيطرة على الناس، كما أنه يعود بمنافع إقتصادية لأصحاب النفوذ والقدرة على  التحكم بسلوك الناس، وتحويلهم إلى جموع خانعة تابعة بلا رأي، وإنما مشدودة عاطفيا وإنفعاليا إلى الموضوع وتتلذذ بدور الرهينة والطاعة المطلقة وتنفيذ الأوامر وحسب، لأنها أصبحت ركن مهم من أركان السلوك.

ومع أن الإسلام دين الحرية والكرامة والسعادة الإنسانية، وهو ضد إستعباد الإنسان وإمتلاكه ومصادرة رأيه وحريته وحقه في الحياة، فأن مناهج الإرتهان أخذت تسوغ للرهينة ضرورات الإستسلام والشلل وعدم التفكير بغير ما تملي عليها لكي يتم إسلامها وإستلابها.

وفي واقعنا العربي لعب منهج الإرتهان الدور الأساسي في التدهور الحضاري والتردي الثقافي والأخلاقي، ومنع الناس من التعبير عن طاقاتهم الفكرية والعلمية والثقافية فعمت الأمية والجهل، وكأن الإسلام لا يحث على العلم والمعرفة والوعي المعاصر للزمن الذي يعيش فيه المسلم، حتى صار الناس يتصورون الإسلام مقرون بالفقر والجوع والجهل وسفك الدماء والصراعات الحامية ما بين المسلمين أنفسهم.

ولا يمكن لأمة أن تقوم بدورها وتؤدي رسالتها إذا لم تتخلص من قيود الإرتهان التي أبتليت بها.

أمة تحررت من الإرتهان الجاهلي وسلطته التي لخصها جعفر بن أبي طالب في كلمته أمام النجاشي ملك الحبشة، وإنطلقت في رحاب العلم والفكر والثقافة والحضارة وأسست وجودها السامي النبيل.

وبرغم نكساتها وإنكساراتها لكنها بين عصر وعصر تتحرر من الإرتهان وتؤكد دورها الحضاري.

ولا يمكن للثورات العربية المتوهجة أن تؤكد فعلها الثوري إن لم تحقق حالة التحرر من الإرتهان، الذي يأسر الأمة ويحجب رؤيتها ويغلق دروبها ويضع الحواجز في مساراتها.

إن معنى الثورة أن تتخلص الشعوب والأمم من قيود الإرتهان، وأن تتحرر عقولها ونفوسها  من نمطية  الضياع والتداعي والإنحباس في بقعة  تأريخية لا تبارحها.

فالتأريخ نتعلم منه ولا نرتهن به، والتأريخ يمنحنا الدروس والعبر ولا يضعنا في زنزنة القنوط.

فهل ستحررنا الثورات العربية  المعاصرة من سلوك الإرتهان ، وهل ستتحرر الأمة من دور الرهينة، أم أننا سنزداد إرتهانا وأسرا؟!

 

د. صادق السامرائي

 

هادي جلو مرعيخطبة المرجعية ظهيرة واحدة من جمع العراق الحافلة بالدعاء والرجاء صدمت الساسة، وأمرتهم بالإستسلام للحقيقة، فتداعوا مؤيدين هاتفين بالرضا والخضوع، مرحبين ومعلنين السمع والطاعة.

ستة عشر عاما كاملة لم تكن كافية ليفيق النيام من سهدتهم الطويلة في كهف الأوهام، ويتعرفوا كيف تسير الحياة من حولهم، وتناسوا إن العراق ليس فقط خزينة، وساحة خصومة، ومكانا لجمع الغنائم، بل هو أكبر وأخطر، وأول ضحاياه هم ظالموه وسارقوه.

بلد مثل العراق لايحكمه إلا جبار، أو ثلة من الأخيار، كان يفتقد للجبار وللأخيار، فترك نهبا لدول الجوار، ولقوى الإستعمار، ولنفوذ التجار، وقبائح أفعال الفجار الذين عاثوا فيه فسادا وعنادا، وتركوه بلاأسوار تحمي تلك البستان العامرة بالخيرات، وصنوف الأثمار لتنهبها أيدي الأشرار.

إحتلال، وطائفية، وفساد، وتدخلات خارجية، ومجموعات عابثة، وسراق وقتلة. بشر تائهون حائرون، لايستدلون الى طريق، ولايهتدون الى ركن وثيق يعصمهم من الخطأ والخطيئة.

الحمقى الذين تمترسوا بالمناصب الواهية والأموال السائبة، وأضعفوا القانون، وأعموا عن الحقيقة العيون، لم ينتبهوا الى النهاية، وإن شعبا متذمرا سينتفض، وجيلا غاضبا سيثور، وعاقلين واضحين سيضعون الأمور في نصابها في لحظة حقيقة صادمة لابد في يوم قادمة لتتغير وتتبدل الأحوال، وتوضع الأحمال، فيكون على كل واحد ممن إرتكبوا الخطيئة وزر ثقيل تنوء به الجبال، وتستثقله قلوب وعقول الرجال.

لم تنته الأمور في 9 نيسان 2003 بل كانت بداية صراع مختلف. فمن كانوا يحومون في سماء العراق قبل هذا التاريخ، ومن كانوا يبحثون عن ثغرات دخلوا جميعهم، وصاروا يمارسون ماشاءوا من منافسة ومصالح وصراع ومكاسب وتصفية حسابات.

أيها السادة العراق ليس منصبا، فقد تنصب عليه جبابرة الأرض ولفظهم كلهم، وليس مالا فالمال لاينفد. العراق تحد عظيم فشل فيه كثر والقائمة تطول.

 

هادي جلو مرعي

 

بكر السباتينانتصار المقاومة على نتنياهو وفرض شروطها بوساطة مصرية

وأخيراً انتصرت إرادة المقاومة ورضخ نتنياهو لمطالب المقاومة.. بعد أن قدمت غزة أكثر من32 شهيداً ارتقوا إلى السماء و100 جريحاً وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، بسبب العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي بدأ منذ فجر الثلاثاء الماضي واستمرت آلة القتل الصهيوني في حصادها حتى صباح يوم أمس الأول، الخميس الموافق 15 نوفمبر 2019.. حيث دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.. فقد أعلنت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية أن هدنة أبرمت مع دولة الاحتلال الإسرائيلي بوساطة مصرية بعد يومين من قصف إسرائيلي خلف عشرات الشهداء والجرحى.

وفي سياق متصل ذكر متحدث باسم الحركة مصعب البريم للأناضول أن "التوافق على وقف إطلاق النار تم تنفيذه وفقاً لشروط المقاومة الفلسطينية التي مثلتها وقادتها حركة الجهاد الإسلامي".

وأفاد مسؤول مصري بأن إعلان التهدئة جاء "في ضوء موافقة الفصائل الفلسطينية وحركة الجهاد الإسلامي على مقترح مصري بالوقف الفوري لإطلاق النار والحفاظ على سلمية مسيرات العودة، وموافقة "إسرائيل" على مقترح مصري أيضا بالوقف الفوري لإطلاق النار ووقف الاغتيالات، وكذلك وقف إطلاق النار باتجاه المتظاهرين في مسيرات العودة".

ولم يتضمن الإعلان التزام العدو الإسرائيلي بتفاهمات كسر الحصار عن غزة التي أجريت نهاية عام 2018 بوساطة أممية وقطرية ومصرية، وهي من أهم ما جاء في المطالب التي ذكرها في حديث تلفزيوني، الأمين العام للحركة زياد النخالة.. ويجيء ذلك بسبب الضغط الداخلي الذي أحدثته صواريخ المقاومة حيث تجاوزت معظمها القبة الحديدية وأصابت أهدافها في مدن الغلاف الإسرائيلي وصولاً إلى جنوب تل أبيب (تل الربيع)، ومنذ ذلك الحين وأهالي غزة يشيعون جثامين عدد من شهداء قصف الاحتلال.. هذه حرب ضروس فرضت على الشعب الفلسطيني البطل الذي واجهها باقتدار وبتفرد وبكبرياء قل نظيره.

وعلى ضوء ما سبق، يمكننا تقييم نتائج العدوان وفق الأهداف الإسرائيلية المنشودة التي يتكهن بها المحللون، منها ما كان يتعلق بإعادة الهيبة للجيش الإسرائيلي الذي مرغ جبينه في التراب، أو خلط الأوراق الإقليمية في المنطقة كونها موجهة مباشرة إلى حركة الجهاد الإسلامي التي تتلقى دعماً مفتوحاً من قبل إيران، هذا إذا علمنا أيضاً بأن الأخيرة تستهدفها الدول العربية المؤيدة لصفقة القرن الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية مجاناً، ولا استبعد أن من بين تلك الأهداف، إثارة الخلاف ما بين القوى السياسية المنضوية تحت لواء المقاومة في غزة من خلال تحديد عنوان المواجهة مع الجهاد الإسلامي، والتي ردت ب 360 صاروخاً باتجاه العمق الإسرائيلي، دون أن يحرج ذلك موقف حركة حماس السياسي التي تمسك بزمام الأمور في قطاع غزة، إذ إنه من الصعب اختراق المقاومة الموحدة كونها تجتمع في إطار غرفة عمليات مشتركة تضم كل الفصائل الفلسطينية.. ولعل من أشد الأهداف بروزاً ما يتعلق باللعبة الانتخابية الإسرائيلية حيث يسعى رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال هذا العدوان إلى استعادة مكانته من خلال توجيه ضربة قاسية لغزة، هذا الرئيس القلق الذي يعيش لحظاته الأخيرة في قمة السلطة، قبل قضاء ما تبقى من حياته خلف القضبان بتهم الفساد، بسبب فشله في الفوز بالانتخابات بأغلبية مقعد واحد مرتين.. كان نتنياهو هو البادئ بالعدوان عندما أرسل صواريخه لاغتيال اثنين من أبرز قادة حركة (الجهاد الإسلامي) الميدانيين، الأول بهاء أبو عطا، قائد المنطقة الشمالية في قطاع غزة الذي استشهد وزوجته، والثاني أكرم العجوري في دِمشق الذي نجا بأُعجوبة، ولكن نجله معاذ وحفيدته انضمّا إلى قوافل الشّهداء، وكان العدو يعتقد بأن الجهاد الإسلامي كدأب الدول العربية ، لن ترد على هذا العدوان الإجرامي السافر.. حيث نجم عن عمليات الاغتيال تبادل للقصف الشديد بين المقاومة ممثلة بالجهاد الإسلامي، وجيش الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أحدث فرقاً في الموازين على الأرض، فجاءت حسابات البيدر خلافاً لحسابات الحقل؛ وهو ما جعل نتنياهو يستجيب مرغماً لكل مطالب المقاومة (الجهاد الإسلامي) في غزة؛ حتى تُوْقِفَ قصفَ المدنِ الإسرائيليةِ وعلى رأسها العاصمة تل أبيب (تل الربيع).

وتتجلى مطالب الجهاد الإسلامي التي وافق  نتنياهو على أول بندين منها، عبر وساطة مصرية، فيما يلي:

أولاً: التعهد بعدم اللجوء إلى نظام الاغتيالات.

ثانياً: التعهد بعدم إطلاق النار على المتظاهرين السلميين الذين يخرجون أسبوعياً في مسيرات العودة وصولاً إلى الحدود بين قطاع غزة وغلافها المحتل، وذلك تعبيراً عن حق العودة إلى كل فلسطين التاريخية، وإشارة إلى عدم الاعتراف بهذا الكيان المغتصب لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وعلى رأسها حق العودة.

ثالثاً: التزام العدو الإسرائيلي بتفاهمات كسر الحصار عن غزة التي أجريت نهاية عام 2018 بوساطة أممية وقطرية ومصرية، وهو كما يبدو قد تم تجاهله لإنجاح الهدنة.

وينبغي العلم في سياق الاعتداءات الإسرائيلية على غزة وردود المقاومة الفاعلة بأن القوة دائماً تساند صاحب الإرادة الأقوى التي من شأنها أن تكسح عربدة الرياح في زمن تكثر فيه الطبول والزمامير وخفافيش الظلام لأن المقاومة هي صاحبة الحقوق المشروعة، وتمتلك أيضاً قواعد الاشتباك وتغيرها وفق شروط كل لعبة؛ ولا شك أن رد المقاومة غير المألوف لدى الدول العربية سيكون دون وسطاء، عبر إطلاق الصواريخ باتجاه العمق الإسرائيلي.. فالرهان على المقاومة كبير.. وقد وضعت أمام خياري الموت الزؤام أو الحياة.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

في الظروف الطبيعية عندما يشعر الانسان بحصوله على كافة حقوقه وانه لا يعاني من الفقر وهنالك قانون يضمن له حقوقه ويصون له كرامته ويضمن مستقبل اطفاله، في هذه الحالة تصبح الرقعة الجغرافية التي يعيش عليها هي وطنه التي لا يجب ان يفرط به وان يدافع عنه بكل ما يملك، وان قتل في سبيل ذلك فهو شهيد وفي اعلى درجات جنان الخلد والعكس بالعكس فما قيمة الارض عندما يكون الانسان تحت وطاة الظلم والاستبداد وسلب الحقوق ولا يجد قوت يومه ولا لعياله ويُطالب بالدفاع عن وطن لا يملك متر مربع فيه ولم ياكل من خيراته ولا يشعر بالامان بقوانينه، فلا قيمة لهذه الارض ولا تستحق الدفاع عنها

شعار اريد وطن هو شعار لالغاء كل الاعتبارات الشرعية والعرفية التي تبني انسان بكامل حقوقه وبصيانة كرامته، هذا الشعار يراد به ان ينسى الانسان حقوقه المسلوبة من قبل السارق الذي ينادي بهذا الشعار، هذا الشعار هو شعار الاحزاب المزيفة الطاغوتية .

مكة هي وطن الرسول محمد صلى الله عليه واله، عندما عانى ما عانى في مكة من اضطهاد وتجاوز ومنع حرية التعبير اضطر الى ترك مكة، فاوته يثرب التي اصبح اسمها المدينة المنورة فحصل على كل حقوقه في هذه المدينة الطيبة التي جعلها وطنه لدرجة عند فتح مكة التي هي وطنه اصلا تركها وعاد الى المدينة، فالوطن هو الذي يشعر الانسان فيه بكرامته وحقوقه وامانه .

ولعل حديث امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام عن الوطن جاء في اروع صوره ليجعله دستور للمواطن وللحاكم عندما قال (الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة) لله درك يا مولاي يا امير المؤمنين ففي هذه العبارة جعل حقوق الانسان لها الاولوية قبل حقوق الوطن وفي نفس الوقت كشف زيف المنادين بالوطن والوطنية دون منح المواطن حقوقه الشرعية والقانونية .

ولا بد لنا هنا الاشارة الى الغنى والفقر المقصود بهما ان الغنى الذي يروم الانسان الحصول عليه هو ما يكفيه وليس تضخيم دخله الفردي، ويتهرب من الفقر اي الفقر المدقع الذي يحجزه عن مواصلة عمله العبادي، وليس الفقر العادي .

وكم من مغترب حصل على حقوقه بالرغم من انه مغترب ومن غير قومية حسب مفاهيم القومجية حصل على حقوقه في بلاد الغربة فتراه مستعد لان يدافع عنها وله الحق في ذلك يدافع عن ارض اوته وعن حكومة صانت كرامته وليس عن تشريعات قد تكون بخلاف الشارع المقدس فتلك هي تشريعات تكون ملزمة لمن يؤمن بها اما المسلم الذي تراعى كل حقوقه وحتى طقوسه الدينية ويضمنون له العيش الكريم فانه لا يفرط ببلاد الغربة بل يجعلها وطنه واعرف الكثيرين منهم ممن التحق بالقوات العسكرية لخدمة وطن (الغربة) لانه يرى ذلك من واجبات الارض التي احتضنته.

فالهجرة اصلا لماذا شرعت اذا كنا نريد وطن خال من العدالة والقوانين التي تضمن لنا حقوقنا فتعسا لهكذا ارض تمس فيها كرامتي ولا اضمن مستقبلي ومستقبل اطفالي، فمن يتمكن ماديا وضامنا لعمل يهيء له رزقه تصبح الارض التي يسكن عليها هي الوطن التي من حقه ان يدافع عنه لان بضياعه يضيع رزقه ومستقبله وامان عائلته والدفاع عن الوطن هنا دفاع عن الشرف ويصبح من الواجبات التي يعتبر فيها القتيل شهيد وفي اعلى درجات جنان الخلد

واخيرا ارجو الابتعاد عن الكلمات الفلسفية او الانشائية ومنها ان الوطن هو الكرامة والوطن مقدس والوطن خيمتنا كل هذه الاعتبارات في الخط الثاني هنالك الخط الاولى بعد اجتيازه لك الحق ان تقول ما شئت عن الوطن فاذا كنت انام جائعا ولا امارس عبادتي ولا اعيش بامان ةهذا هو الخط الاول فكيف تكون الارض التي انا عليها وطني

واخيرا ان كان بمقدور الشعب ان ياخذ حقه ممن كان السبب في سلب حقوقه ويطهر الارض منهم فهذا ايضا من الواجبات المهمة التي تدخل تحت عدة مسميات منها قول كلمة الحق عند سلطان جاء او النهي عن المنكر لان الحاكم وسلطته هي المنكر وعندما يتحقق له ذلك ويسترد حقوقه اولا هنا ثانيا يقول اصبح لدي وطن.

 

سامي جواد كاظم

 

 

ضياء محسن الاسديان الشعوب التي تمتلك حضارة عريقة وعميقة موغلة في القدم تمتد جذورها آلاف السنين ولها بصمة واضحة ومؤثرة على الحضارات المجاورة لها والدور الفاعل في تقدم الإنسانية والمجتمعات الأخرى تكون شعوبها أكثر تمسكا بأرضهم وحضارتهم وتأريخهم الذي بناه أجدادهم القدماء وبقي ارتباطهم بالأرض قويا لا يكاد يفارق نفوسهم وعقولهم وقد تصل هذه التضحيات تقديم أرواحهم وأجسامهم لتربة وطنهم دفاعا عنه ويعتبرون حب الوطن واجب مقدس والمساس به خطا أحمرا لا يمكن التعدي عليه وعلى حرمته على العكس من الذين يهاجرون إليه من بلدان أخرى ويستوطنون فيه يكون ولائهم أقل درجة من الشعوب الأصلية وخصوصا عندما يستلمون زمام السلطة والمراكز المتقدمة في الحكم وقيادة البلد حيث تراهم يتمسكون بدفة الحكم وعروشهم بشتى أنواع التشبث على حساب القيم والمبادئ وهمهم الوحيد هو كيفية ديمومة السلطان وهذا المنصب وقد يصل بهم الحال المناورة والمساومة على حساب الآخرين من أقرانهم وشركائهم في الوطن لأن نظرتهم للوطن هو ملك عضوض والاستعلاء والتكبر ووضع الفوارق الطبقية بين المجتمع ليكون لهم الفضل على الآخرين ودفاعا مستميتا عن المكاسب التي   تدر عليهم بالكثير من المال والثروة . وهذا ينسحب على ما هو عليه في العراق الآن وما يعانيه من تكالب الأعداء وفي خضم الفوضى العارمة التي تجتاح أرضه وشعبه حين حكموه حكام على مدى سنين من عمره بالحديد والنار واستعباد شعبه بكل أطيافه الذين لهم الفضل الأكبر في بناء وإرساء حضارته وصموده أمام متغيرات الزمن ونوائبه غير مستعدين للتفريط بأي شبر من أرضهم ولو على حساب دماء وأرواح أبنائهم وهذا هو المقياس الحقيقي للانتماء للوطن وهذا ما يشهده التأريخ للعراقي الأصيل من أبناء أهل الجنوب والوسط بالذات حيث أن كل الثورات التي وقفت أمام تدنيس أرضه واحتلال شعبه من بعض المجموعات الفاسدة الحاكمة نهضت وولدت من رحم أمهات الجنوب ورايات رُفعت للنضال والمنازلة تحملها أكتاف أهل الجنوب والوسط دفاعا عن مقدسات وحضارة العراق الغالي لأنهم يعرفون امتدادهم الحقيقي لوجودهم على هذه الأرض المقدسة على مدى قرون عدة حيث ما زال هذا الشعب المعطاء يقدم ما هو الأغلى لديه من دماء مقدسة زكية طاهرة حفاظا على هذا الوطن العزيز ودفاعا شرسا ضد كل طامع ومحتل وسالب لحقوقه وتطلعات شعبه على العكس من غيرهم الذين يقفون في الجهة الأخرى من نهر الدم الجاري للمواجهة متفرجين ينتظرون الفرصة السانحة والجاهزة لركوب الموجة في السلم والهدوء والعودة إلى المركب على أكتاف ورقاب الضحايا والشهداء , فإلى متى سيبقى الطرف الآخر يتفرج من برجه العالي وهو يرى سقوط أبناء الوطن من الجنوب والوسط المدافعين عن حقوقهم ومقدساتهم ووطنهم المُضاع والمسلوب والمُباع بأبخس الأثمان والمتفرقة مكاسبه وثرواته في جيوب الآخرين وأحضان الأحزاب والفساد والسؤال إلى متى يبقى أهل الجنوب وقودا لنيران الأعداء في مواقد الحروب للدفاع عن وطنهم كما في ثورة العشرين وانتفاضة عام 1991 ميلادية وما يجري الآن على ساحات التحرير في المنازلة على خطى آبائهم وأجدادهم.

 

ضياء محسن الاسدي

 

شاكر فريد حسنالعدوان الغاشم الذي شنته حكومة العدوان والاحتلال بزعامة نتنياهو على قطاع غزة، وأودى بحياة العشرات من المدنيين العزل، وأباد عائلة كاملة بريئة مكونة من ثمانية أطفال قبل وقف اطلاق النار، هذا العدوان الهمجي كشف وأظهر الكثير من الامور والحقائق، فقد كشف اولًا حقيقة الاجماع الصهيوني بأحزابه المختلفة في دعم ومساندة نتنياهو في عمليات التصعيد ضد غزة، وبيّن أن لا فرق بين غانتس ونتنياهو في النهج السياسي المعادي لشعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة، كذلك كشف نجاح اسرائيل في تحقيق انجاز استراتيجي بتعميق الانقسام الاضافي بين أطراف المقاومة نفسها، وابقاء الشرخ بين السلطة في الضفة الغربية وحركات المقاومة الاسلامية في غزة.

فبينما وقفت حركة الجهاد الاسلامي وحيدة في معركة الدفاع عن قطاع غزة، فإن حركة حماس التي عودتنا على المواجهة والتصدي للعدوان الاسرائيلي وقفت مكتوفة الأيدي هذه المرة، في حين أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تتحرك نصرة لغزة المستهدفة، وبغية توفير الحماية الدولية للمدنيين الذين يدفعون دائمًا ثمن التصعيد العسكري الاسرائيلي.

ومن الواضح أن العدوان الاسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، والعودة إلى اتباع سياسة الاغتيالات الجبانة المرفوضة والمدانة، وقصف المباني السكنية واستهداف المدنيين العزل، يأتي في اطار التجاذبات والصراعات الاسرائيلية الداخلية ومحاولات نتنياهو انقاذ نفسه من محاكمات الفساد، وتجاوز أزماته الشخصية، والتغطية على فشله السياسي على حساب الدم الفلسطيني، والهدف منه ضرب المشروع الوطني الفلسطيني وابقاء حالة التجزئة بين شقي الوطن الفلسطيني.

وعلى ضوء استمرار البطش الاحتلالي الاسرائيلي والتصعيد العسكري ضد شعبنا، فلا بد من انهاء الانقسام المدمر المعيب في الساحة الفلسطينية، وتحقيق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، واستعادة الوحدة الوطنية بين جميع الفصائل الوطنية والاسلامية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، وواجب المجتمع الدولي تحمل المسؤولية والتخلص من سياسة الكيل بمكيالين وادانة اسرائيل والتحرك الفاعل لتوفير الدولية لشعبنا، والعمل على رفع الحصار الجائر والظالم عن غزة، ومحاسبة نتنياهو وحكومة وقيادة جيشه المتورطة في تنفيذ المجزرة بحق الأسرة الغزية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

جمعة عبد اللهتطور خطير في القمع الدموي. في سبيل اخماد واجهاض ثورة الشباب، في انقاذ نظامهم الفاسد والعميل. لم يتركوا وسيلة دموية، إلا ونفذوها وجربوها في التجمعات وساحات التظاهر. لم يتركو وسيلة فاشية بالعنف الدموي، إلا وكانت محل الاختبار ضد فتية وشبيبة وشباب الثورة. يعني بكل تأكيد يستلهمون العنف الدموي من داعش المجرم، لذلك ان الاحزاب الشيعية وداعش من رحم واحد، في بربرية وهمجية القتل وسفك الدماء.

قبل ايام هدد الناطق بأسم القائد العام للقوات المسلحة (اللواء عبدالكريم خلف) في ارسال رسالة تهديد واضحة الى المتظاهرين، بقوله بأن باستطاعة القوى الامن أخلاء ساحة التحرير من المتظاهرين في نصف ساعة فقط، واليوم يطبق هذا التهديد بالفعل، ولكن جاء بعد خطبة المرجعية الدينية التي وقفت الى جانب المتظاهرين بشكل قوي، وسمت ثورتهم السلمية، ثورة الاصلاح ضد الفساد والفاسدين. ولذلك جاء التطور الخطير في استعمال المتفجرات والمفخفخات بالسيارات والدراجات. كأنها رسالة رد على خطبة المرجعية الدينية، وبكل وقاحة وصلافة، كأن الحكومة والمليشيات الموالية الى ايران، تحتقر وتسخف وتستهزى بتدخل المرجعية الدينية، ووقوفها الى جانب المتظاهرين. هذا يدل ان الحكومة ومليشيات ايران اتخذوا الطريق الدموي نهجاً للحل الازمة العويصة ، وفي قمع ثورة الشباب واخمادها ، في الانزلاق الخطير الى العنف الدموي ضد المتظاهرين.

ففي هذا اليوم الجمعة بعد استجاب المتظاهرين لخطبة المرجعية بنزول الملايين الى الساحات والمدن العراقية، في دعم ثورة الشباب، ترتكب الحكومة والمليشيات الايرانية جرائم وحشية مروعة بحق المتظاهرين السلميين، في ساحة التحرير حدث انفجار دراجة مفخفخة، انفجرت وسط الجموع البشرية الهائلة في ساحة التحرير. وكانت الحصيلة الاولية. 4 شهداء و20 مصاباً بعضهم قطعت اطرافهم، والارقام في تصاعد، ولم يوقفوا الى هذا حد من الجريمة المروعة، وانما رشقوا الساحة باطلاق قنابل صوتية مدوية، من اجل ادخال الرعب والخوف وافراغ ساحة التحرير من المتظاهرين، كما هدد الصحاف الجديد.

وكذلك حدث انفجار دموي آخر في محافظة (ذي قار) مما تسبب بأصابة 11 متظاهر. هذا الانزلاق الخطير في اختيار الطريق الدموي لاجهاض ثورة المتظاهرين. يعني المزيد من سفك الدماء، يعني اغراق العراق بطوفان من الدماء، وان هذا الاسلوب في دس المتفجرات والمفخفخات الى ساحات التجمع للمتظاهرين، لن يتوقف، إلا بوضع العراق تحت الحماية الدولية. إلا بالضغط على أدانة ايران على اسلوبها الوحشي والدموي في العراق. ان هذا الطريق الخطير سينزلق العراق حتما لا محالة، الى الحرب الاهلية الدموية، انه يقود العراق الى التهلكة والفوضى. اذا لم يتدخل المجتمع الدولي.

ان الاسلوب الدموي جربه ومارسه المقبور سابقاً بقوله (الذي يريد يستلم الحكم، يستلم الارض بدون شعب) وها هي الاحزاب الشيعية تطبق مقولة المقبور الفاشي، يعني بكل بساطة : البعث والاحزاب الشيعية، وجهان لعملة واحدة............... والله يحفظ العراق

 

 جمعة عبدالله

 

مادونا عسكر"طلّاب لبنان يتخرّجون من الشّارع". بهذه الجملة المقزّزة عبّرت إحدى الوسائل الإعلاميّة اللّبنانيّة عن فخرها بالتّحرّك الطّلابيّ في الشّارع. بل إنّ الأغلبيّة السّاحقة فخورة بنزول الطّلّاب إلى الشّوارع. ولم يتبيّن أحد، على حدّ علمي، خطورة هذا العنوان وفظاعة مضمونه. ومَن دعا هؤلاء الطّلّاب وأخرجهم من فصولهم الدّراسيّة إلى الشّارع دون أيّ مراعاة لدرجة وعيهم وفهمهم ونزعتهم إلى الانفلات والتّفلّت، إمّا مستهتر إمّا عقل شرّير يستغلّ قصّراً لتحقيق مآربه.

المكان الطّبيعيّ للطّالب هو الفصل الدّراسيّ وليس الشّارع. ولا يجوز إقحامه في أيّ ظرف اجتماعيّ أو سياسيّ أو حتّى ثورويّ، ومن ثمّ استغلاله إعلاميّاً واستدراجه ليجترّ ما يتكرّر على مسمعه. ومن غير المقبول الثّناء على كلامه واعتباره مدعاة للفخر. ففي هذا حثّ على الانفلات واستدعاء للغرائز والنّزعة إلى عدم الانضباط وسعي إلى تدمير البراءة وانتهاك الطّفولة وهدم الوعي. ناهيك عن أنّ هذا الفعل انتهاك للتّعليم وإخلال في التّربية الّتي لا ينبغي أن يعرقلها شيء. ويجب ألا يعترض أيّ طارئ مسيرة الفكر والفهم والوعي.

ماذا يعرف هذا الطّفل أو هذا المراهق عن مفهوم "الثّورة"؟ وما هي درجة وعيه بما يحصل من حوله وبالعبارات الّتي يهتف بها؟ هل يدرك هذا الطّفل معنى عبارة "إسقاط النّظام"؟ وهل يعقل الفرق بين إسقاط النّظام وإحقاق النّظام؟ وما هي نسبة انضباطه لنفسه وسلوكه وردّات فعله؟ وما هو مستوى فهمه للمطالبة بحقوقه؟ وهل يعي حقّاً الفرق بين حقوقه وواجباته؟ هذه التّساؤلات برسم الأهل والمعلّمين والمربّين، وبرسم الضّمير الإنسانيّ الّذي ينبغي أن يتحرّك بقوّة لحظة تُنتهك الطّفولة. فلو كنتم عمياناً ولا تبصرون جيّداً العواقب فلا ملامة عليكم. ولكنّكم تشجّعون وتدّعون حسن البصيرة وتقولون إنّكم تفتخرون بالثّورة الطّلّابيّة، وهنا الكارثة.

هؤلاء الطّلّاب المتروكون في الشّارع لهواتفهم الذّكيّة، الماكثون طول النّهار واللّيل يهتفون ويصرخون ويقلّدون في فوضى مريبة، المندفعون بحرّيّة مطلقة نحو الهلاك. هؤلاء الطّلّاب مشروع جيل فاسد لا يقلّ فساداً عن الحاكمين وعمّن يسوقونهم كالأغنام إلى الشّوارع والفلتان والحرّيّة الفوضويّة. فالفساد لا يقتصر على السّرقة والنّهب. الفساد الفكريّ أشدّ خطراً على الأوطان وأشدّ فتكاً بالإنسان؛ لأنّ الفساد الفكريّ تدمير للحضارة واستدعاء للغريزة الحيوانيّة. والفساد الأخلاقيّ أشدّ بطشاً؛ لأنّ وطناً لا أخلاق فيه خرابة يعبث بها الجهّال الّذي يدّعون الفهم والوعي. ولعلّ من انتهك التّعليم وحقّ الطّلّاب في التّعليم يريد الوطن خرابة يحيا فيها ليبطش ويحكم ويستحكم وينشر جهله المقيت. وها هم طلّابنا بأغلبيّتهم  يتجمهرون هنا وهناك رافضين الذّهاب إلى مدارسهم باستهتار شنيع وجرأة منفّرة وإرادة مسلوبة مأخوذين بالهرج والمرج والصّراخ بدل أن يتعلّموا ويفهموا ويبنوا فكراً يؤهّلهم لبناء وطن حقيقيّ.

ماذا ننتظر من أطفال يتعلّمون لغة الشّارع، ويهدرون الوقت في الشّارع؟ كيف سيتصرّفون إذا ما استخدم الشّارع وأغلب من يديره لغة الشّارع؟ من سيردع طفلاً جاهلاً بالظّروف المحيطة فيه؟ من سيلجم اندفاعه إذا ما فُقدت براءته لحظة الانهيار الأكبر؟

دعوا الطّلّاب وشأنهم وارفضوا أن تكون إنسانيّتهم مستباحة في الشّارع، وأعيدوهم إلى مقاعدهم الدّراسيّة ليتعلّموا ويفهموا ويتربّوا على الوعي، وابنوا لهم فكراً مستقيماً وشجّعوهم على الأخلاق وسط الفوضى، حتّى إذا ما نحجت "الثّورة" تلقون جيلاً متماسكاً واعياً مدركاً كيفيّة بناء وطن، عارفاً بمواجهة الأزمات وإدارتها، عالماً بمفهوم القول لينفّذه بالفعل بوعي وإدراك.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

جواد بشارةهل نحن أمام مهزلة وكوميديا مرة أم تراجيدياً ومأساة عند مشاهدة المشهد السياسي العراقي المضطرب اليوم؟ فالسيد رئيس الوزراء العراقي في خطابه يحذر شعبه بأنه أما خيار الدولة واللادولة، ما يعني إما أن يبقى في سدة الحكم وتكون هناك دولة أو يذهب ويستقيل عندها سيتحول العراق إلى اللادولة. فهل يصدق السيد عادل عبد المهدي نفسه فعلاً أنه على رأس دولة تحترم حالها وتحترمها المنظومة الدولية في وقت لا يعرف لا هو لا حكومته ــ إن كان ادعائه صادق بأنه لا يعرف ــ هويات من أطلق النار بالرصاص الحي على المتظاهرين وتسبب بمقتل أكثر م 300 شخص وجرح ما لا يقل عن 15000 خمسة عشر ألف جريح استشهدوا على يد قناصة ملثمين انتشروا فوق سطوح البنايات الحكومية وغير الحكومية منذ الأيام الأولى للتظاهرات الجماهيرية الاحتجاجية من الأول من تشرين أكتوبر. ثم تفاقم التخبط الحكومي الرسمي عبر تصريحات تثير السخرية ولا تقنع حتى الطفل الصغير من قبيل أن هناك أشخاص يلبسون الزي العسكري الرسمي الذي ترتديه القوات النظامية مثل قوات الرد السريع ومكافحة الشغب وحفظ النظام، تتصدر المتظاهرين، أي يقفون أمام المتظاهرين وخلفهم النساء والأطفال ويحملون أسلحة نارية ويهاجمون القوات الأمنية غير المسلحة سوى بالهراوات ويطلقون عليها النار حسب تصريح رئيس الوزراء الذي أضاف: "نشهد ازدياد حالات الخطف التي تقوم بها جهات توحي بأنها تنتمي إلى إحدى مؤسسات الدولة، ونرفض هذه الممارسات بشدة ونعدّ هذا العمل جريمة يعاقب عليها القانون، وعلى الجناة إطلاق سراح المختطفين فورا "هل هذه دولة حقاً يفخر بها رئيسها ويحذر شعبه من فقدانها وخسارتها إذا لم يعودوا إلى بيوتهم ويوقفوا احتجاجاتهم ومطالبهم المشروعة؟ هل فعلاً الحكومة تجهل الميليشيات التي تقوم باختطاف المواطنين؟!. وبالأمس ظهر علينا وزير الدفاع العراقي السيد نجاح الشمري على قناة فرنسا42 في مقابلة تلفزيونية ليدلي لنا بتصريحات أقل مايقال عنها أنها مريبة وتثير الاستغراب والدهشة والاستنكار لأنها تفضح واقع الحال مما أوقعه وحكومته في حالة من الإحراج الكبير واضطر وزارة الدفاع إلى إصدار بيان توضيحي جاء فيه إن "ما يقصده وزير الدفاع، نجاح الشمري، ممن وصفهم في تصريحه بـ(الطرف الثالث) الذين يقومون باستهداف المتظاهرين وقتلهم، هم عصابات تستخدم الأسلحة ضد القوات الأمنية والمتظاهرين معاً".وأضافت الوزارة في بيانها تقول إن "هذه العصابات تستخدم رمانات الدخان القاتلة ضد أبناء شعبنا من المتظاهرين، وكذلك ضد القوات الأمنية". وأضاف وزير الدفاع نجاح الشمري في المقابلة التلفزيونية مع المحطة الفرنسية قائلاً: إن القنابل المسيلة للدموع لم تستوردها أي جهة عراقية وان كل القنابل التي أدت إلى مقتل المتظاهرين غير موجود شبيه لها لدى القوات العراقية بل إنه حتى أداة الإطلاق والبندقية المستخدمة في الإطلاق غير عراقية ودخلت إلى العراق دون علم الحكومة وليس عن طريق الحكومة. وعن سؤال حول ما إذا تلقى أوامر مباشرة من قاسم سليماني هل سينفذها أم يمكنه رفضها وعدم تطبيقها فأجاب محرجاً سأرفضها وإنه لم يقابل سليماني منذ أن تسلم منصبه كوزير للدفاع مما أثار امتعاض سليماني والقيادة العراقية الحقيقية المتمثلة برؤساء الأحزاب والكتل الإسلامية الحاكمة والتابعة للولي الفقيه علي خامنئي في طهران والمنفذة لأوامره وأوامر ممثله من الحرس الثوري قاسم سليماني. وكان تصريح وزير الدفاع العراقي أثار من جديد قضية وجوب الكشف عن الجهة أو الجهات " المجهولة" التي تقتل المتظاهرين وتخطفهم وتعذبهم وتستخدم ضدهم “قنابل اخترقت جماجمهم، يبلغ وزنها 10 أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع التي تستخدم عادة لتفريق المتظاهرين والتي تزن ما بين 25 و50 غراماً حسب اعتراف ووصف وزير الدفاع، وهو الأمر الذي أكدته في مطلع الشهر الحالي منظمة العفو الدولية في تقرير لها حول القنابل التي اخترقت أجساد المحتجين في العراق. كما أفادت المنظمة الدولية في تقريرها في حينه أن قوات الأمن العراقية استخدمت قنابل مسيلة للدموع “اخترقت جماجم” المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام في بغداد، مشيرة إلى أن هذه القنابل المصنوعة ببلغاريا وصربيا، يبلغ وزنها 10 أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع التي تستخدم بالعادة والتي تزن ما بين 25 و50 غراما. و أشارت إلى أن تلك القنابل “نوع غير مسبوق” من الأسلحة التي تهدف إلى قتل وليس إلى تفريق المتظاهرين. ينبغي القول بأن تصريح وزير الدفاع، نجاح الشمري من باريس حول السلاح الذي استخدم في قتل المتظاهرين، وإعلانه أن الدولة لم تستورد مثل تلك الأسلحة والقنابل، وأن طرفاً ثالثا هو الذي أجهز على المحتجين، أثار جدلاً واسعاً في الشارع العراقي خلال الساعات الماضية، ما أجبر وزارة الدفاع على تقديم توضيح قالت فيه إن ما قصده الوزير ممن وصفهم بالطرف الثالث الذي يقوم باستهداف المتظاهرين وقتلهم، هم عصابات تستخدم الأسلحة ضد القوات الأمنية والمتظاهرين معاً بيد أن توضيح الوزارة بدوره لم يوقف التساؤلات، حول الجهة التي استوردت أسلحة كهذه والجميع يعلم أن الطرف الثالث الغامض معروف وهو الميليشيات الشيعية التابعة للأحزاب الدينية الموالية لإيران .

فهل يمكننا إطلاق صفة الدولة على نظام لا حول له ولا قوة ويعلم عن طريق الإعلام بحدوث اختطاف في وضح النهار على يد مسلحين تابعين لإيران يكرسون حالة اللادولة في العراق، ويطلع رئيس الحكومة، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرها على اختفاء عشرات النشطاء والمتظاهرين في ظروف غامضة وسط بغداد في حين يكتفي رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي بتحذير الخاطفين، أي مهزلة أكبر من هذه في عراق اليوم؟ فهناك عجز واضح وانفلات أمني وانتشار السلاح بيد عناصر مسلحة منفلتة خارج إطار الدولة لديها نفوذ حقيقي وفوق القانون والمساءلة، أي وجود وسلطة موازية لسلطة الدولة تمارسها ميليشيات الأحزاب الحاكمة ومن وراءها إيران في العراق ولا احد يجرؤ على التصريح بذلك بالاسم. فالميليشيات المسلحة تمتلك نفوذا يفوق نفوذ الدولة الغائب أصلاً ويمتثلون لإرادة طهران وتحكمها بالقرار السياسي والاقتصادي في العراق . ومن علامات ضعف وهشاشة الدولة اختطاف ضابط كبير في وزارة الداخلية مع حمايته على يد مسلحين " مجهولين" وفي وضح النهار في أهم أحياء العاصمة العراقية بغداد وأكثر أمناً . فلقد ذكرت الأنباء القادمة من العاصمة العراقية أن مسلحين ملثمين ومسلحين بأسلحة متوسطة يقودون سيارات رباعية الدفع لا تحمل لوحات تسجيل مرورية أوقفت رتل اللواء ياسر عبد الجبار رئيس المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري، في شارع الوزراء بمنطقة الجادرية في بغداد، وأنزلوه منها، ثم اقتادوه إلى مكان مجهول. والمعروف أن منطقة الجادرية هي محل سكن إقامة كبار المسؤولين العراقيين وزعماء الكتل والأحزاب السياسية الموالية لإيران كهادي العامري وعمار الحكيم . ويبدو أن هؤلاء الملثمين أنفسهم هم الذين يقومون بترهيب وقتل واختطاف نشطاء وصحافيين ومتظاهرين،، في محاولة لإرهاب المحتجين وللتأثير سلباً في الحراك الشعبي، ولم يكن بوسع الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء عبد الكريم خلف ورئيس الوزراء سوى الاعتراف أن عملية الخطف تمت على يد جهات مجهولة، وقد جاء تعليق رئيس الوزراء رسمياً وبالحرف عندما صرح :" "نشهد ازدياد حالات الخطف التي تقوم بها جهات توحي بأنها تنتمي إلى إحدى مؤسسات الدولة، سواء بعناوين حقيقية أو مزيفة"، مشيراً إلى أن كاميرات المراقبة سجلت "اختطاف اللواء الدكتور ياسر عبد الجبار محمد حسين عميد المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري في وضح النهار وفي منطقة الجادرية من بغداد واقتياده إلى جهة مجهولة". وأضاف القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء مستنكراً :" "إننا نرفض هذه الممارسات بشدة ونعد هذا العمل جريمة يعاقب عليها القانون، وعلى الجناة إطلاق سراحه فوراً ومن دون قيد أو شرط"، مشيراً إلى أن "الأمر يتناول أي شخصية أخرى مختطفة، فالقانون يعاقب على احتجاز أو اعتقال أي شخص من دون أوامر قضائية أصولية ومن غير الجهات المخولة بأوامر إلقاء القبض وتنفيذه".

من الواضح تماماً أن حديث عبد المهدي ينم على اعتراف ضمني ولكن غير صريح وبالإسم بوجود جماعات مسلحة تنفذ عمليات الخطف تابعة للدولة لكنها خارجة عن سيطرتها، أو أنها تستخدم عنوانها وأدواتها على الأقل، معترفاً بأن لدى هذه الجماعات نفوذاً وتأثيراً واسعين، لكن اللافت هو استخدامه لغة التحذير والنداءات والتوسل في الحديث عن ميليشيات خارجة عن القانون، تستخدم مقدرات الدولة لترويع السكان ومحاربة المتظاهرين وقتلهم بالرصاص الحي. والحال فقد ذكرت مصادر مطلعة أن المجموعة المسلحة التي قامت بجريمة الاختطاف ترتبط بكتلة نيابية كبيرة في البرلمان العراقي وموالية لإيران هي كتلة الفتح أرادت معاقبة هذا المسؤول العسكري الكبير لأنه رفض قبول عناصر منتمية لهذه الكتلة البرلمانية وميليشياتها المسلحة الانضمام للمعهد الذي يقوده لأنهم غير مؤهلين . إنها مقدمة لضياع الدولة الرسمية وإنهاء دورها وتحطيم هيبتها فليس من المعقول أن يتوسل رئيس الدولة الخاطفين لإطلاق سراح المختطفين بدل اعتقالهم ومحاكمتهم علنا أياً كانت الجهة التي تحميهم. وأخيراً تجدر الإشارة إلى إطلاق سراح اثنين من النشطاء البارزين في بغداد، وهما صبا المهداوي وعلي هاشم، اللذين اعتقلا لدى جهة مجهولة مع تصاعد الاحتجاجات أوائل الشهر الجاري.

 

د. جواد بشارة

 

صادق السامرائيالأمة فيها خير كامن وجوهرها ضامن، وعلتها غياب قدرات الإستثمار فيها، فأبناؤها يحوّلون خيرها إلى نقمة، وجوهرها إلى عتمة، وبهذا يساهمون بتقديمها سهلة للطامع فيها.

فالمشكلة في الأبناء إذ أكّدوا عجزهم وقصورهم عن الوصول إلى حقيقتها ودورها وإرادتها في مسيرة الإنسانية، ويُعزى ذلك إلى إضطراب الفكر وغياب المنهج وإنعدام الغاية، فالأمة كالسفينة التائهة في مياه الوجود العاتية، لا تمتلك ربّانا أمينا ولا بوصلة إرشاد ولا أطواق نجاة تكفي للوقاية من الغرق.

إنها أمة عائمة بلا خارطة مسير ولا قدرة على إستبيان المسار الذي يأخذها إلى مرافئ الإقتدار المكين.

فمكنونها ثمين وجوهرها مبين، وأبناؤها في تصارع وتناحر وإنحدار إلى ما هو مهين، بعيدا عن الوعي والدراية بما تكنز وما تريد من الخير والتعامل الصادق الأمين.

هذه الأمة تريد أن تكون أو تصر على أن تكون، والأجيال لا تلبي نداءها وتميل إلى غيرها، وتمضي في دروب التبعية والخسران المشين.

ولكي تتحقق يجب أن تنسجم إرادة وروح أبنائها مع تطلعاتها ومراميها العلياء.

فهي أمة حية، وتعبر عن الحياة ومنطلقاتها وما فيها من براعم وجود وتفتح ونماء، وإن لم يبادر أبناؤها فأنها عازمة على التحقق بغيرهم، مثلما فعلتها في سوابق الأزمان.

فالأمم إرادات حية تأبى أن تموت وتؤكد وجودها وفقا لمعطيات مكانها وزمانها.

وإن الأمم تكون رغما عن أبنائها الذين يعادونها بجهلهم لها وبإستحضار أسباب هوانها وإنكسارها، فالأمم ترفع رايات الحياة وتتمسك بها، وتعلن أن لا بد من التعبير عن جوهرها وإطلاق مكنونها.

وإن لم يتمكن أبناؤها من القيام بدورهم المطلوب فأنها ستتأكد وفقا لمقتضيات الوجوب.

فالأمة كانت بالعرب وبغيرهم، وستكون كما تريد رغم المعادين لإرادتها من العرب وغيرهم.

إنها سِنة وجود وفرض كون ولود، وسلطان عرش ودود.

فهل للأمة من غيارى يحملون روح وعزيمة الجدود؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر الساعديالنظام التعليمي في العراق لم يتغير بالشكل المطلوب، بل انه بقى يعاني من التركة الثقيلة التي خلفتها الأنظمة السابقة، أذ هناك سوء في التخطيط و البرامج التعليمية، فعندما يكون عدد الخريجين في اختصاص معين غير كاف لحاجة البلد، يكون هناك اختصاصات أخرى تخرج إعداد كبير من الخريجين الذين لا يجدون لهم فرصة عمل في القطاع الحكومي أو الخاص، ما يضطر الكثير منهم للبيع في الأسواق وافتراش الشوارع والساحات العامة أو الهجرة إلى خارج العراق في ظل أعمال العنف التي تمارسها الحكومة العراقية ضد المتظاهرين وبالأخص خريجو الكليات والمعاهد وأصحاب الشهادات العليا، تحت ظل تراجع النمو الاقتصادي، أو توظيفهم في اختصاصات غير اختصاصاتهم .

 فلابد من وجود تخطيط مركزي وتنسيق مبرمج بين احتياجاتنا من الكوادر العلمية وما بين ما ينتجه القطاع التعليمي وخاصة التعليم التقني والتعليم العالي، لكون العراق مستورد للتكنولوجيا والمشاريع الجاهزة من الدول المتقدمة .

والواقع إن فكرة جعل التعليم مقتصر على أعمار محددة لا يتفق مع الظرف الذي يمر به العراق في الوقت الحاضر، لما يمتلكه العراق من طاقات وكفاءات علميه وتجارب سابقة في محو الأمية وتعليم الكبار، لان برامج التنمية القائمة حالياً تقع مسؤولية تنفيذها على الإفراد الذين تتراوح أعمارهم بين (20-50) سنه، لكن العلماء وجدوا أن روح المنافسة تبلغ ذروتها في سن الخمسينيات، وهذا ما يؤدي إلى تغيير اعتبارات التوظيف مستقبلا، حيث ينظر أغلب الشباب على أنهم أفضل وأكثر أنتاجا من زملائهم الأكبر سنا.

ويرى بعض الباحثين إن النشأة الحديثة للتعليم في المجتمع الأوربي ترجع في جوهرها إلى الثورة الصناعية و عملية التصنيع، حينما ظهرت الآلات ونشأت المصانع وتطورت المجتمعات وتحولت من النشاط الزراعي إلى النشاط الصناعي ذي الإنتاج الواسع .. وبما إن الحضارة الصناعية تتطلب السرعة نتيجة للاكتشافات والمخترعات العلمية المختلفة، إذ كان لزاماً على الجميع إن يتعلموا ويتدربوا حتى يسايروا ذلك التطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يفاجئنا كل يوم بجديد.

لقد توصل العلماء بعد تجارب عديدة إلى عمل إحصائيات قالوا فيها: أن التعليم البسيط الذي يحصل عليه العامل في سنه واحده يزيد أنتاجه 30 بالمائة والذين تعلموا أربع سنوات زاد أنتاجهم فوق أنتاج الأميين بنسبة 43 بالمائة والمتخرجون من الثانوية العامة زاد أنتاجهم بنسبة108 بالمائة، أما خريجو الجامعات فقد زاد أنتاجهم بنسبة300 بالمائة .

مما تقدم نفهم أن التعليم في الدول المتقدمة أرتبط بمجالات واسعة شملت النواحي المهنية والاجتماعية والاقتصادية وبمساعدة و مساهمة الحكومات، إذ فتحت الجامعات الأوربية والأمريكية أبوابها لتعليم الكبار فيما اصطلحوا عليه باسم (Lifelong education) إي (التعليم مدى الحياة).

أما نحن في العراق، فليس من المستحيل علينا أن نتبع نفس الأسلوب، فالجامعات والمعاهد متوفرة لدينا الحكومية والأهلية، الصباحية منها والمسائية، وإنما ينقصنا هو التخطيط السليم، واستيعاب أصحاب الشهادات وفق آليات عادلة ومنصفة للجميع والاعتراف بالشهادات التي يحصل عليها الموظفون أثناء الخدمة الوظيفية، وأنصاف أصحاب الشهادات العليا من حملة الماجستير والدكتوراه، من خلال القاعدة التي تقول (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب).على أن تتطابق عملية التعيين مع طبيعة الاختصاص، فيصار إلى تعيين خريجي كليات هندسة النفط ومعاهد النفط في وزارة النفط، وخريجي كليات الزراعة والمعاهد الزراعية في وزارة الزراعة وخريجي الكليات والمعاهد الطبية في وزارة الصحة....الخ.علينا أن نؤمن أن ثقافة الإنسان يجب أن تمتد من المهد إلى اللحد..وهذا لن يتم ألا أذا تبدلت عقولنا، وتحررت أفكارنا من الضغوط الاجتماعية التي تطوق المرأة وتمنعها من الدراسة، وأهمية وجود حركه أصلاحية تربويه واجتماعية وثوره علميه تطوي صفحات الأمية والجهل والبطالة، والقمع الحكومي لأصحاب الشهادات.

وما زال الدين الإسلامي يؤدي رسالته قي تعليم الجميع، وذلك عن طريق خطب الجمعة، والمناسبات الدينية المختلفة، ودروس الوعظ والإرشاد . وعبر المجلات والصحف والقنوات الفضائية والمدارس والجامعات الدينية دون أن يتوقف، لآن القران الكريم كتاب سماوي يُقرأ ويُفهم.ويتحول في حياة المسلمين إلى شريعة وعمل ونظام.

 

شاكر عبد موسى الساعدي // كاتب وأعلامي