امجد الدهاماتدائماً ما يتم وصف أشخاص مثل غاندي، مانديلا، زيدان، بيكاسو، بيتهوفن.. ألخ بأنهم شخصيات كاريزماتية.

حسناً، هذه صحيح، لكن ما الكاريزما على أيّة حال؟

طبعاً هذا سؤال مهم، وجوابه التالي:

الكاريزما (Charisma): قدرة أو مهارة يمتلكها شخص ما يستطيع من خلالها التأثير على الآخرين ويوجه سلوكهم ويقودهم، بأختيارهم، لتحقيق الأهداف التي يرغب بها، لولائهم له وإيمانهم بقدراته.

هل من الممكن تعلم الكاريزما؟

في اليونان القديمة كان هناك اعتقاداً سائداً ان الكاريزما هي نعمة أو هبة آلهية، بمعنى انها منحة من الألهة لبعض الناس، ولهذا لا يستطيع أي انسان الحصول عليها، إلا ان العلم الحديث أثبت انه من الممكن لأي شخص ان يصبح كاريزماتياً.

كيف تكون كاريزماتياً؟

توجد عدة صفات ومهارات عليك تعلمها والتدرب عليها وعند إتقانها ستكون شخصاً كاريزماتياً مؤثراً وقائداً في مجال عملك أو في المجال العام، وسأذكر تالياً أهم هذه الصفات:

أولاً: كنْ الأول في مجال عملك وتخصصك، فلا أحد يعرف الثاني!

أغلب الناس يعرفون أن (Neil Armstrong) هو أول انسان نزل على سطح القمر عام (1969)، ولكن القليل منهم يعلمون ان الثاني هو (Buzz Aldrin)، رغم ان الفارق بينهما هو (20) دقيقة فقط.

ثانياً: خاطرْ لكن بدون تهور:

الكاريزماتيون يخوضون، بحساب، المخاطر للمصلحة العامة، ويجلعون الآخرين على علم بالأخطار، أنهم لا يريدون منهم الانقياد الأعمى غير الواعي، يريدون جماهير عارفة وغير مخدّرة أو مغيّبة، مثلما فعل (Winston Churchill) عندما أصبح رئيساً لوزراء بريطانيا عام (1940) حيث صارح شعبه وقال في أول خطاب له في مجلس العموم: "لا أعدكم إلا بالدم وبالدموع والبكاء والألم"، ولكنه وعدهم بالنصر في الحرب العالمية الثانية.

ثالثاً: كنْ صاحب مبادئ وأهداف:

حافظ على مبادئك، وضعْ أهدافاً واضحة وكبيرة لحياتك ولمَن معك، واعمل جهدك لتحقيقها، الناس يحترمون الشخص المبدئي، هل تتذكرون (Dalai Lama)؟ انه زعيم البوذيين في التبيت، هذا الرجل الذي تمسك بمبدأ (اللاعنف) كطريقة وحيدة لتحرير بلده من الاحتلال الصيني الممتد منذ (1959) ولم يدعو لإستخدام العنف في مقاومة الاحتلال، فأستحق احترام العالم وجائزة نوبل للسلام.

رابعاً: قدمّْ المساعدة:

الناس يحبون مَن يعمل من أجلهم ويساعدهم، خاصة في أوقات الازمات والمحن، ولهذا نكنُ الاحترام للبنغالي (محمد يونس) الذي أسس بنك (Grameen) لتقديم قروض صغيرة للفقراء، فقدم (20) مليار دولار لحوالي (9) مليون فقير، وكذلك الملياردير (Bill Gates) الذي تبرع بحوالي (35) مليار دولار، وساهم بتوفير العلاجات لـ (6) مليون انسان افريقي.

خامساً: كنْ قدوة وابدأ بنفسك:

كانت بريطانيا تشتري القطن الهندي بثمن بخس، ثم تبيع الملابس القطنية للهنود بأسعار باهضة، فطلب (غاندي) عام (1920) من الشعب مقاطعة الملابس البريطانية وغزل ملابسهم بأنفسهم من قطنهم، وخاطب شعبه: "احمل مغزلك واتبعني"، فبدأ يغزل ملابسه وفعل مثله الشعب، وتكرر الامر عام (1930) عندما فرضت بريطانيا ضريبة على الملح فقرر (غاندي) السير إلى البحر لإستخراج الملح بنفسه، فمشى معه الناس لـ (24) يوماً وقطعوا مسافة (240) ميلاً للوصول إلى البحر وقاموا باستخراج الملح، لو أن (غاندي) لم يغزل ملابسه ولم يسر إلى البحر لربما لم يستجب الشعب ولفشلت دعوته.

سادساً: ان تكون متمكناً من لغة الجسد وتتقن فنْ التواصل:

أثبتت الدراسات ان لغة الجسد (Body language) تساهم بإيصال الأفكار للآخرين بنسبة (%55)، ونبرة الصوت بنسبة (%38) اما الكلمات فدورها لا يتعدى نسبة (%7) فقط، إذن من الضروري ان تتقن هذه اللغة لتؤثر بالناس.

سابعاً: قوة الشخصية:

كنْ واثقاً بنفسك وتمتع بشخصية قوية مؤثرة غير متأثرة، وأن تعرف نفسك جيداً، وتعرف ما تريد بالضبط، ونقاط قوتك كما ضعفك، يقول (ارسطو): "معرفة نفسك هي بداية كل حكمة".

ثامناً: كنْ شجاعاً في اتخاذ القرار:

عليك أن تعي أبعاد الخطوة التي ستقوم بها، والتفكير بها وتحمل مسؤولية قرارك، ولهذا قيل: "لا تتخذ قراراً مهماً إلا إذا درت حول التل دورة كاملة"، لتكتمل الصورة وتأخذ وقتاً للتفكير قبل اتخاذ القرار.

تاسعاً: توافرْ على مهارة التخطيط:

الكاريزماتي مخطط ناجح لأنه يستشرف المستقبل ويضع خطط للتعامل معه، وهو مسؤول عن معيته الذين وضعوا ثقتهم به وانقادوا له، ولابد ان يقودهم لتحقيق الأهداف المرسومة ولا سبيل لذلك غير التخطيط، ولهذا فقد وضع رئيس رواندا (Paul Kagame) خطة طويلة المدى (Vision 2050) لبلده، مثلما فعلت الهند وغيرها من الدول.

عاشراً: اجعلهم يتذكرون كلامك:

في حديثك استخدم الأمثلة الواقعية والقصص والجمل القصيرة التي تتوافر على تعبيرات بلاغية لأنها من أكثر الادوات التي تجعل حديثك ممتعاً ومؤثراً، وتساعد الغير على تذكر كلامك، ولهذا فأن خطاب (لدّي حلم) لداعية الحقوق المدنية (Martin Luther King) أصبح علامة فارقة في تأريخ المناضلين من أجل الحرية.

أخيراً: كنْ مختلفاً عن غيرك ولا تُقلد أحد، فقد مللنا من النسخ المكررة!

 

أمجد الدهامات - العراق

 

صادق السامرائيالوعي الجمعي المتوارث يختزن العجائب والغرائب المختلقة والتي تدور في أفلاك الكراسي، وهي أشبه بالفنتازيا والتهيؤات الناجمة عن الحرمان الشديد.

والعجيب فيها أنها ذات صلة بالحياة الموعودة بعد الموت، حيث ما لذ وطاب من الرغائب العُجاب.

فما هو قائم في وعينا أن أصحاب الكراسي ومنذ فجر التأريخ وحتى اليوم لا هم لهم إلا الجنس، فتوارثنا ما لا يمكن تصديقه من القصص والحكايات عن أن الخليفة والسلطان والحاكم والأمير بل وحتى النبي، لا هم لهم ولا شاغل عندهم سوى ممارسة الجنس مع الجواري والغلمان، ووصلتنا أعداد هائلة من الجواري لدى هذا الخليفة أو ذاك.

وتقف متحيرا أمام مصداقيتها، لأنها تتنافى وقدرات البشر الفسيولوجية والنفسية، لكنها مغروسة في رؤوسنا ولا يمكن القول بغيرها أو مساءلتها.

ومهما توهمنا وتخيلنا فلا يمكن للرجل مهما إمتلك من قوة بدنية وصحة وعافية أن يمارس الجنس يوميا وبلا إنقطاع، بل أن المعدل المعلوم للرجل بتمام صحته وعافيته أن يمارس الجنس مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، وهذا العدد يتناقص مع تقدم العمر.

فكيف يعقل القول بأن هذا الخليفة أو السلطان لديه كذا مئة جارية وأنه يجامعهن جميعا، فحتى الكلب الذي هو أشره مخلوق لممارسة الجنس والأكل لا يمكنه أن يقوم بذلك، وإنما يطارد كلبة واحدة حتى تنهكه وتخور قواه.

ووفقا للفهم الفسيولوجي والبايولوجي للجسم البشري من الصعب التصديق بما توارد إلينا في كتب التأريخ من مرويات، ذات نفحات أسطورية وخيالية لا رصيد لها من الواقع، إذ يتم تصوير الذي في كرسي السلطة على أنه كبش وسط قطيع من الجواري، ولا شغل عنده سوى أن يمارس الجنس مع مَن يشتهي منهن!!

هذه الروايات تقول بأن الخليفة أو السلطان إنسان آلي بلا نفس ومشاعر وأحاسيس، وأن قوته وهيبته في قضيبه الحديدي، وأنه يختلف عن باقي البشر، فلا يشبع من الجنس وعليه أن يكون في مخدعه ليل نهار، والجواري تتقاطر إليه ولا ينهار!!

يبدو أن في ذلك إنتقاص من قيمة وهيبة الخليفة والسلطان أيا كان، فلا يُعقل أن يتمكن مسؤول بهذا الموقع أن يمارس مهام عمله بحكمة ورجاحة، وهو منهوك بدنيا ومسلوب عقليا وفاقد لقدرات التفكير لإنغماسه أو إدمانه على الجنس، وكأنه يسعى لحتفه.

ولا ننسى في تلك الأزمان كثرة الأمراض وقلة العلاجات، ومعاناة البشر من الحرمان، فما يعيشه أبسط إنسان في زماننا أفضل مما كان يعيشه ملوك وسلاطين تلك الأزمان، الذين لم تتوفر لديهم أبسط وسائل الراحة والإستجمام، التي نتمتع بها اليوم.

وعليه فأن القراءة الموضوعية لتلك الحالات تشير إلى أنها غير واقعية، ولايمكن لبشر أن يحققها مهما توهمنا بقوته وقدرته البدنية، ولا يمكن لرجل أن يرضي حاجات أكثر من إمرأة، وحتى القول بأربعة نساء فيه نظر، فهل وجدتم رجلا مع أربعة نساء، أم أن السائد وهو شاذ أن يكون مع إمرأتين، وقد بدى منهوكا ومصابا بالوجيع النفسي ومشاعره في إضطراب.

ومن الممكن القول بأن العقل الخرافي السائد يتقبل مثل هذه الحكايات، ويطورها حتى يتحول بطلها إلى رمز أسطوري لمطمورات فاعلة في أعماق الأجيال التي يفترسها الحرمان.

فهل لنا أن نعيد النظر بما يُقال من التخريف والهذيان، وأن نُعمل العقل فيما يكون وكان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

هادي جلو مرعيتعجبني الكلمة، لكنها لاتتحقق مع أي واحد منا نحن البشر فكأنها موجهة لإنسان من بيئة غير عربية، وغير مسلمة، فالبيئة الإسلامية التي يتحكم بها الزعماء والقادة وظفت لخدمة هولاء، ولجماعات تتصل بهم وتؤيدهم، وليس مهما فيها أن يكون العقل حاضرا، أو مغيبا، فالمهم هو الطاعة المطقة والولاء الكامل، وتغييب العقل، ولابأس من تشغيل الحواس كما يفعل عادة المتطرفون الذين يظهرون من الإسلام كل مايتعلق بالحواس، فهناك السبايا والجنس والمال والذهب والقتل والتعذيب والحرق، وهي سلوكيات شائنة، ولكنها في النهاية جزء من رغبة شهوانية حسية مقيتة تلبي غرائز الأشخاص، ولاتتعلق بإنسانية الدين والرحمة المهداة به للبشرية جمعاء، فيكون الخوف والرعب والتقتيل من أولويات أدعياء نشر الدين.

في الغرب لاتجري الأمور بشكل سيء دائما، فهناك رغبة في التحرر، ودعك من الحسيات كالمثلية الجنسية والخمور والرأسمالية، وهي أمور تتعلق بوجود الإنسان الذي طبعه الله على العمل من أجل الخير، ولكنه لم يمنعه من الشر لأنه مخير في ذلك، وتوعده إن فعل شرا بعقاب جسيم، فتحرير العقل هي الفكرة المثالية التي تبعد الإنسان عن عبادة أخيه الإنسان حيث تتشظى الأفكار الدينية، وتتعدد الرموز البشرية، وتتكون مع الوقت ديانات غير معترف بها تتعلق بأفراد ومجموعات لايرى الإنسان إنه قام بها، أو صنعها، ولكنه في الحقيقة يمارسها في كل لحظة، فعندنا الكثير ممن ينتفض لوشتمت زعيما سياسيا يتبعه، وحتى مرجعا دينيا، أو رمزا مقدسا، ولكنه يتجاهلك لو شتمت الرب، وأقصى مايفعله معك أن يقول لك: أستغفر الله.

كيف يمكن أن يتحرر العقل في البيئات التي تتوقف فيها الحياة لو إشتغل العقل، وهي بيئات تعتمد الرمزية العالية التي تذيب فكر وروح وكيان الإنسان في بوتقة الولاء المطلق للطائفة والزعيم، والمصيبة الكبرى إن الناس وبمرور الوقت وتراكم الشعارات والأفكار لايعودون في رغبة للتحرر، ولا للخلاص من التبعية، بل إنهم يتعشقون ذلك، ويتصورونه الخلاص الكامل من الأعباء الحياتية، وهم يتجاهلون إن الله يريدهم معه وأتباعا له، وسيحاسبهم على أنهم أشركوا به حين زاحموا وحدانيته بولاءات وطقوس وعادات وعبادات لايريدها، ولم يكن له إرادة فيها، بل يمقتها. أشك في أن الغالبية في الشرق المسلم والعربي خاصة تفكر في تحرير العقل، فالأغلال والسلاسل تستهوي هذه الغالبية.

 

هادي جلو مرعي

 

جمعة عبد اللهالاوضاع في المنطقة تتجه الى التصعيد والتوتر الخطير، الذي يلوح بشبح الحرب، واشعال المنطقة والعراق خاصة، بنيران الحرب المدمرة والمهلكة، في التصعيد المتشنج الذي يقرب ساعة الصفر. وان المحاولات في زج العراق في محرقة الحرب، باتت هدفاً للمليشيات التي تدين بالولاء المطلق لايران، وهي تحت وصايا واوامر الحرس الثوري الايراني. في استغلال وجودها ونفوذها في زج العراق، عنوة دون أرادته ومصلحته الوطنية، ورغم انف الحكومة والبرلمان والمرجعية الدينية، التي توصي بسياسة النأي بالنفس . وعدم زجه في الصراع الدائر بين ايران وامريكا . لان مشاكل وازمات العراق الكثيرة تكفيه بنزيفها الجاري، ولا يتحمل اثقالاً اخرى خطيرة تهدده بالصميم. ان ما يعانيه العراق من غول الفساد والفرهدة من احزاب الاسلام السياسي (الشيعية والسنية). اهلكت العراق ونشفت خزينة امواله وخيراته، التي تذهب الى جيوب اللصوص والحرامية من هذه الاحزاب الفاسدة، احزاب علي بابا والف حرامي. اضافة مما يعانيه العراق من الضعف الامني . بسبب سيطرة المليشيات التي تدين بالولاء المطلق لايران، على حساب المصالح الوطنية العراقية، التي دسيت بالاحذية. واصبحت هذه المليشيات تتحكم بالوضع الامني، وفي كل شؤون العراق، الصغيرة والكبيرة، حتى باتت هي الحاكم الفعلي، الذي يرسم مصير ومستقبل العراق. وان وجودها ليس فقط اهانة للدولة العراقية، وانما حولت العراق الى دويلات تابعة الى عصابات الاصنام المزيفة، التي تدعي العصمة والقدسية . مما دفعوا العراق الى الفقر والعوز والحياة الشاقة على شفاء الجحيم. ان هذه المليشيات بات هدفها المعلن توريط العراق بالحرب، بحجة الدفاع عن ايران وولاية الفقيه، وجعله طرفاً في الصراع الدائر، يعني تقود العراق الى الهلاك والمصير المجهول، من خلال اطلاق صواريخ اعلامية صاعقة، بتدمير وهزيمة امريكا من العراق والمنطقة . تتناغم مع تصريحات قادة الحرس الثوري الايراني، الذي يطلق كل يوم عنتريات فارغة، في تدمير امريكا، وان السفن والبوارج البحرية في الخليج والمنطقة تحت السيطرة الكاملة للجيش الايراني والحرس الثوري للتدمير. وان مضيق هرمز تحت السيطرة الكاملة لايران، وان امريكا ستلقن درساً قاسياً بالهزيمة الشنعاء، وانها ستجر اذيال الهزيمة المنكرة . يعني بكل بساطة الحرس الثوري يعجل من قيام ساعة الكارثة المهلكة على ايران . وحتى وزير الخارجية البريطانية . حذر القيادة الايرانية من الاستخفاف بالتهديدات الامريكية .

لكن ايضاً نجد العقلاء في القيادة الايرانية، يحاولون جاهدين ابعاد شبح الحرب والتصعيد الاعلامي الخطير، الذي يصب الزيت على نار اشعال الحرب . لذا نجد القيادة الايرانية منقسمة بين العقلاء، وصقور الحرب . ففي الجانب الاول يمثله الرئيس الايراني (حسن روحاني) من انصار الحوار والتفاهم بين ايران وامريكا، لكن الظروف المتشنجة لا تسمح بذلك . وكذلك (حشمت الله فلاحت) رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الايراني . حيث صرح (لن ندخل الحرب تحت اي ظرف من الظروف، ولا يمكن لاي جماعة ان تعلن انها تدخل في الحرب بالوكالة عن ايران) حتى انه اقترح مكان الحوار بين ايران وامريكا، في العراق او في قطر. وكذلك وزير خارجية ايران (محمد جواد ظريف) في مقابلة مع شبكة (سي . ان . ان) حيث قال ( ليس من مصلحة ايران التصعيد، وقلنا بوضوح شديد، اننا لن نكون من يبدأ التصعيد) ولكن التصعيد بطبول الحرب تقرع وتتصاعد من جانب الحرس الثوري الايراني، ووكلائه في المنطقة والعراق خاصة، بالتهديدات وبتصاعد التوتر المتشنج، الذي يقرب ساعة قيام القيامة وستكون كارثة على ايران . ان الاعمال التخريبية المتشنجة، تغلب على صوت العقل والحكمة، في ابعاد المنطقة من شبح الحرب المدمرة، وان مثل هذه الاعمال الصبيانية، تهدد المنطقة بحريق نيران الحرب . مثل ضرب واستهداف السفن التجارية مقابل ميناء الفجيرة . أو ضرب السفارة الامريكية في بغداد بصاروخ كاتيوشا . يعني استمرار سياسة التصعيد من طرف وكلاء الحرس الثوري الايراني . وهذا يتطلب من كل المعنيين بشؤون العراق، الحكومة . البرلمان. المرجعية الدينية، ارسال رسالة قوية وحاسمة الى هذه المليشيات، في الكف في دفع العراق الى التورط بنيران الحرب . كطرف من الصراع الدائر . ان ابعاد هذه المليشيات المارقة والوقحة، هو انقاذ العراق من محرقة الحرب والصراع الخطير ..... والله يستر العراق من الجايات !!

 

 جمعة عبدالله

 

مصطفى انصاليمن المعلوم في الدين بالضرورة أن الإسلام دين يبنى على أركانه الخمس: شهادة فصلاة وزكاة ثم صوم فحج، خمسة أعمدة يستند عليها هذا البنيان ويشيد من خلالها المسلم دينه وعلاقته بربه. وبما أن كل بناء يحتاج إلى أساس متين يقام عليه والذي بدونه سينهار، فإن المسلمين يعتقدون بأن هذا الأساس هو ركن الصلاة والتي في عرفهم هي عماد الدين وفضلا عن ذلك هي أول ما يسألون عليه يوم القيامة فإن صلحت صلحت سائر أعمالهم وإن فسدت فسدت أيضا سائر أعمالهم، لكن ورغم الأهمية الكبيرة التي أولاها الدين لشعيرة الصلاة فإن عدم أدائها لا ينفي عنك صفة مسلم، فعامة المسلمين لا يستنكرون عدم إقبال أبنائهم وأصدقائهم على طقس الصلاة، بل هناك أسر بأكملها لا تستشعر أدنى حرج في عدم ممارستها لهذا الطقس ولا ترى في ذلك مسا بكونهم مسلمين. فصفة المسلم ثابتة بالصلاة أو بدونها وهذا ما تؤكده حتى فتاوى فقهاء عصرنا الذين تخلو في شق كبير منهم عن تكفير تارك الصلاة ليصبح مجرد مسلم عاص. نحن متسامحون إذن مع من لا يقيم الصلاة، وعندما يطرح علينا السؤال: هل تصلي ؟ نجيب بدون حرج بالنفي، نقول لا بدون خوف.  

هذه "اللا" التي تصدر عنا بخصوص الصلاة  تصبح نافية لك ولدينك ولهويتك عندما يتعلق الأمر بشعيرة الصيام. فأن تصلي أولا تصلي هذا شأنك الخاص، لكن أن تصوم أو لا تصوم ليس شأنا خاصا بك، لقد تحول الصيام إلى شأن عام فيه الكثير بينك وبين الناس والقليل بينك وبين الله، صار طقسا الاجتماعي فيه يفوق الديني بكثير، فعدم صومك ليس في الحقيقة خروجا عن الدين بل هو في عمقه اقصاء من/وخروج عن مجتمع.

الصلاة إذن لا تلغي اسلامك لكن الصيام يفعل، وما يجعله كذلك ليس هو كونه ركنا من أركان الدين -فالصلاة اولى منه بذلك-  بل لأنه ركن من أركان المجتمع، فالدولة لا تعاقبنا على ترك الصلاة لكن بإمكانها أن تعاقبك على ترك الصيام.

هذه الهالة التي يضفيها المجتمع على صوم رمضان والذي تزكيه الدولة بقوانينها هو بالضبط أحد اهم الأسباب التي تسموا بهذه الشعيرة لكي تصبح طقسا مقدسا يفوق بكثير باقي الشعائر الدينية الأخرى، وليس قصدي من وراء ذالك أن الصيام يكون بإكراه وقوة القوانين، فلطالما أثار استغرابي إصرار جدتي على مخالفة نصائح الطبيب الذي يحذرها من خطر الصيام في رمضان لكنها دوما تضرب بنصائح الطبيب عرض الحائط وتجسد الطقس تاركة أمر صحتها بيد الله. كما لن انسى أيضا ذلك الإصرار الكبير الذي شاهدته من تلاميذ السنة الثانية باكالوريا وهم يقبلون على اجتياز امتحان سيحدد جزءا كبيرا من مستقبلهم  رافضين أن يكون الامتحان عائقا يجعلهم يحرمون أنفسهم من لذة تجسيد شعيرة الصوم ، بل وحتى بعض الأصدقاء الذين يوحي خطابهم بأنهم لا دينيين تجدهم بدورهم قد انصاعوا طواعية منهم للخضوع لهاته الهالة الغريبة التي يفرضها عليم شهر رمضان منصهرين بذلك في روح عرقهم ومجتمعهم ومبررين خضوعهم هذا بمبررات واهية لا تقنع حتى ضعاف العقول درءا للتناقض الحاصل بين أقوالهم وأفعالهم . أما القلة القليلة التي تتجرأ على اقتحام هذا الطقس وعدم تجسيده فهي وإن استطاعت التخلص جزيئا من سلطة المجتمع تجدها عاجزة عن تخلصها من وسواسها القهري الذي يجعلها متوجسة وخائفة من حصول ذلك العقاب الآني الذي يردده على مسامعهم كل الصائمين.

أمثلة وغيرها إن دلت على شيء فإنها تدل على أن الأساس الذي يبنى عليه الدين هو هذا الصيام الذي يدوم شهرا بأكمله داعيا إيانا إلى الامساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الشمس حتى غروبها، إمساك يحاول المسلم من خلاله أن يقدم صورة عن نفسه كإنسان لم يوجد ليأكل ويشرب ويتزاوج فقط، تقدمه على أساس أنه يرفض أن يكون مجرد جسد بل هو كائن عاقل قادر على عقل غرائزه وشهواته البهيمية، فمن خلال صيامه يعطي المسلم للعالم درسا في صراع الانسان مع طبيعته الداخلية عبر محاولة انتصاره على الجوع والعطش ليعبر بذلك عن قوة ارادة يعترف له بها حتى المخالفون له في الدين والثقافة. لكن المشكل الكبير هو عندما يتحول هذا الطقس من قوة إرادة فردية تحاول القضاء على الوحش الموجود بداخلنا إلى إرادة قوة جماعية تصبح هي نفسها وحشا يخيف كل من حاول أن ينظر إلى الصيام بنظارات غير تلك التي يرتديها مجتمعه. فالدين بشكل عام علاقة ثنائية بين الله والعبد عندما يتدخل فيها المجتمع تصبح كلها طقوس خالية من الروح فيخسر المسلم بذلك لا جسده فقط بل وروحه أيضا.

 

الأستاذ: مصطفى انصالي

 

عبد الرزاق عودة الغالبيقول يطرح ذاته في مجال رفقة ومؤانسة، وهي منطلق لإنسانية البشر: من عاشر قوم صار مثلهم، ينبئ آخرًا عن جوهر الأصل ورسوخ الذات في أرضية الأخلاق: الزمن الصعب يجلي معدن المرء. وقرأت الكثير- دون حدود- حتى لو سألني أحدهم قلت: إني لا أفقه شيئًا، غير أني أقرأ، كادت نوافذي توشك على الانغلاق إلا من نزر خلف زجاجات لعينة، هي أقرب لي من حبل وريدي، لم تبكِني مقالة أو موضوع مهما كان صاحبه ماض في فن الأسلوب، صدفة، عثرت عليها حين اندمج القولين في إناء واحد ليكمل بعضهما الآخر، وصارت نوافذي المتعبة تمطر غيثًا من وجع...تخيلت أني أبكي، وعثرت على نفسي وأنا فعلًا أبكي، أشهق بحشرجة في صدري أعلنت العصيان إلى الساعة، جدار سميك انهطل فوق جثتي لمقالة كتبها (المسرحي التونسي حكيم مرزوقي):

إلى السوريين دون استثناء، شعب أنيق حتى في أحزانه.

من حبي لهذا الشعب ظننت أن الرجل الطيب هذا يخاطبني أنا...! وعجبت لهذا الاندماج الحسي، أهو المؤانسة أم العرق....!؟ ودون استئذان أخذ الدمع طريقه نحو زجاجاتي اللعينة، حتى صرت أقرأ ببصيرتي بعد أن غاص بصري بين طيات أحزاني ومصابي هنا ومصاب أخوتي هناك، بين الياسمين ينتظر الموت وانا بين النخيل ينتظر الجوع، وغشيَ الدمع كلي وغرقت في بحر التساؤلات، وبدأت أعد صفحات التاريخ، وصفات هذا الشعب العجيب من خلال ما عشت مع أفراد اعتبرتهم ملائكة - وهم فعلًا ملائكة، فأنا لست واهمًا أو مبالغًا - حتى أصبحت أمام أخلاقهم طفلًا يحبو، أتعلّم الحب ومسالك الحياة من جديد، قلّ نظيرهم في الخلق العجيب.....وعانى هذا الشعب، ولا يزال يسبح في محيطات المعاناة حتى نفذت كل أحداث الحياة التراجيدية، وما وصل شكسبير لمشهد من مشاهد الموت فيهم، تحت سوط الزمن من فوق جلد النساء والأطفال والشيوخ، ويستمر الجميل، الخلوق انيناً ولوعشنا حدّ القيامة لا نجد حادثًا أليمًا إلا وسبح فيه الياسمين السوري بحرًا، حتى اضمحلت علامات التعجب والاستفهام من فوق وجوههم المشرقة....

أم تعاتب ذباح ولدها، سورية ثكلى، أب هارب من القصف، يتبعثر جسد طفله أمامه لا يستطيع الوقوف خوفًا على الباقين، صبي يحمل أخاه القتيل فوق ظهره، غارقًا بدمه ودموعه، ينتظر الدور في المقبرة ليجد مكانًا في ازدحام الفناء ليدفن منبع الحياة،عائلة تعانق دارها قذيفة بحنان فلم تبقِ منهم إلا صراخ رضيع تحت الأنقاض، والد لخمسة أولاد ينتظرون، تمسكهم قبضة شرفاء العصر ووكلاء الموت والتخلف ينتظمون في الدور للذبح، لا يملك الذباح إلا سكينًا واحدة، والأب يتوسل ليستهل الذبح حتى لا يشهد عطاء الدين الجديد من الأمن والأمان والسلام في رقاب أولاده، الأم تفقد الوعي هناك، ويصحو وعيها وغيب عقلها خلف هذا المشهد، ولا تزال تلف شوارع دمشق، إلى الساعة، تذكر أسماء أولادها الخمسة وترفع يدها إلى السماء، تظن أن السماء قد غلّقت أبوابها بوجهها....!؟

أم مهاجرة في زورق تحتضن رضيعيها، أحدهما يجهش بالبكاء من فرط المرض، يموت بين ذراعيها، يستله الوالد ليلقيه في البحر ليرضي البحّار الغاضب، ويا ليتها لم تصحُ من النوم فالمفاجأة تذهب بعقلها، بعد التأكد أن الوالد قد أخطأ، والقدر ملازم لهذا الشعب بالعطاء، ارتبك وألقى طفله الحي في البحر، وبقي الميت بين ذراعيها ....بربك ...هل تتحمل الملائكة هذا الموقف....؟؟

نحن العرب أقسى مخاليق الله...!؟ وبقيت صور الأطفال الغرقى لبلد الياسمين على شواطئ البحر إعلانًا بخس الثمن لصحف العابثين وأبناء الزنا....اشتغل الموت بإخلاص ونشاط في هذا البلد الأمين، وترك مستحقي الموت بجدارة يرفلون بالسعادة والبطر... ياله من قدر كفيف، هل يستحق هذا الشعب الرقيق، الشعب المدلل الجميل العريق ذو التاريخ التي تمتد جذوره عميقًا في هذه الأرض المباركة ما يحصل...!؟ أطفاله أجنحة فراشات تنتقل من زهرة لزهرة بين زهور الياسمين، ضاقت الدنيا فيهم فنقلهم الله إلى حدائق الجنان مشكورًا....هي إرادته لا مفرّ منها ولا اعتراض عليها، لكننا هل خلقنا لنموت....!؟ وتساؤلي مشروع ...لِمَ يلقي الزمن هذا الشعب بالذات في أدران السياسة وقمامتها ليتسوّق بها من هبّ ودبّ في أسواق الموت؟ أنا لم أستطع إحصاء جميع أحداث الحياة لأضعها أمام حكامنا

 الأبطال ليشاهدوا ما فعلوا بأهلهم إرضاءً لذوات الشعر الأشقر والوجوه الحمراء.. والعطاء القادم كبير ووفير....! نسى العرب أرض فلسطين السليبة، وباشروا بالتأسيس لفلسطين جديدة واستشهدت الخارطة العربية احتلالًا، ونحن مشغولون في تكنولوجيا الحضارة العكسية والتقدم نحو الخلف، وما يشغل حياتنا إلا الموت والتفنن فيه... !...وعملنا قتل أحدنا الآخر بحرفنة وبذوق....!؟ متعتنا التهجم على بعضنا البعض، وليس الأغراب، بل الأعراب، والفرق بسيط، هو النقطة فقط.... أجمل مقتنياتنا، سلاح نقتل بعضنا...؟  هنيئًا لنا هذا الإنجاز....!؟ وإلى الخلف يا أبناء قحطان، والله ناصركم على أهلكم وقتل أبناء جلدتم....والله المعين .!!

 

عبد الرزاق عوده الغالبي

 

حميد طولستيتلقى الكثيرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي،  عشرات الصور لمشاهد الصلاة على قارعة الشوارع وملتقيات الطرق، بعضها مفبرك وبعضها الآخر حقيقي، والتي تبقى في مجملها صلاة مستحدثة "ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب" ولا يُبتغى بها مرضاة الله، ويروج لها الذين يرغبون في نشر صورة مجتزأة وغير كاملة عن الإسلام والمسلمين، نعم الصلاة واجبة ومؤكدة،  ومحمود وجميل أن يؤديها المسلم في وقتها، والأجمل منه والذي يحمده لنفسه، ويحمده الناس له، ويجازيه ربه عليه يوم الحساب، أن يصليها في المكان المخصص لها، وألا يعطل بها مصالح غيره بإقامتها في الشارع الذى هو ملكية عامة لكل المواطنين بما فيهم هو نفسه، وإن فعل فلن تكون صلاته إلا ومزايدات هجينة على العبادات ورياء ونفاقا ودعاية كاذبة، ولن تكون قطعا تلك الصلاة الراقية المتحضرة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتلزم المصلي باحترام الآخرين والاعتراف بحقوقهم، الأمر الذي من أجله سن الله الصلاة وأجبها على المسلم ..

لكنه الخواء الفكري، القنبلة الموقوتة التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية ويلاتها في زماننا هذا، حيث أن خلو العقل مما ينفع، وإمتلاءه بما لا يفيد من التأثيرات الخارجية السلبية، والتأثر بأي فكر واه وأي مَنهج غير إيجابي، بِغض النَظر عن محتواه وَدرجة صحته وَموافقته للشريعةَ الإسلامية، لهو الكارثة العظمى التي تحركها الأصابع الشيطانية الماهرة، المقنعة بقناع الصلاح والتقوى والمبادئ الدينية والقيم الإنسانية، والتي تهيئة السبل وتمهيدها للوصول لغايتها الخاصة، التي غالباً ما ستكون وخيمة العواقبها على الفرد والمجتمع، اللذين لابد أن يستفيقا من غفلتهما - وربما من غبائهما- ويكفا عن الربط بين صلاة المصلين، وصلاحهم وتقواهم ونزاهتهم، حتى ولو صلوا في كل شوارع وطرقات الدنيا، لأن الشرط الأساس للصلاح والتقوى والنزاهة، هو العمل الفعلي ذو المردودية الواقعية المباشرة على الناس، و ليس العبادات-على صحتها- كيف ما كان شكلها، وإن بعض التطرف خارج حدود الشرك أخطر من الشرك، فرب مشرك مسالم، لا يشكل أي خطر بشركه على الناس، ولا يستغل عقيدته، ولا يفرضها على غيره، خير من مصل يستغل الصلاة في الشوارع لتشويه الإسلام والإساءة للمسلمين وغيرهم من الناس..

وما أظنها إلا حيلة قد أنكشف أمرها -كما الآلاف غيرها- ولم تعد تنطلي حتى على البسطاء من الناس، الذين لم تعد تهمّهم لا صلاة المصلين ولا ابتهالاتهم ولا أذكارهم، بقدر ما أصبح يشغلهم معاشهم وحقوقهم المهضومة، بعد أن تغير الوضع وتغيرت أدواته ومدخلاته ومخرجاته وقوانينه مع انتشار شبكات التواصل الإجتماعي التي كشفت المستور، ولم يعد يحتمل معها المزيد من الإستحمار..

 

حميد طولست

 

في معرض إعلان رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي عن تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق يوم 31 كانون الاول (ديسمبر) 2018، قال إنه "عقد العزم على مكافحة الفساد ومحاربة المفسدين، وبإرادة صادقة وجادة، تنفيذاً لتطلعات الشعب والبرنامج الحكومي"، مؤكداً إدراكه خطورة الفساد وتأثيره المدمرعلى العباد والبلاد، وامتثالا لاتفاق الأمم المتحدة لمكافحته.

تزامنا مع تأسيس المجلس، الذي انبثق عن القرار رقم 70، نشرت لي صحيفة "الحياة" في 16 شباط (فبراير) 2019 مقالة بعنوان: "العراق: 70 جعجعة بلا طحن" قلت فيه: "لا أعتقد أن المواطن العراقي سوف يفرح وتنفرج أساريره ولن يتوهم بأن المجلس الجديد سيكافح الفساد ويعاقب المفسدين... وفي العراق الجديد، كلما أراد مسؤول تسويف قضية ما وطمسها ورميها في سلة المهملات، فإنه يقوم بتشكيل لجنة خاصة بها".

وهذا ما يحدث فعلا، إذ بعد مضي أقل من خمسة أشهر على تأسيس المجلس، أصدر في ختام جلسته الحادية عشرة يوم الخميس 9 أيار (مايو) 2019، بياناً أريد منه تكميم أفواه المنتقدين وتحجيم الكتاب ووسائل الإعلام، بدلاً من مساعدتهم في الحصول على المعلومة وفضح المفسدين ومعاقبتهم، جاء فيه: "إن المجلس أشار إلى الاتهامات التي تساق بحق المسؤولين الحكوميين في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من قبل جهات وأشخاص بغض النظر عن مسمياتهم وصفاتهم الوظيفية"، مطالباً "بضرورة تقديم الأدلة على هذه الاتهامات إلى المجلس الأعلى لمكافحة الفساد خلال مدة أسبوعين، وبخلافه يحتفظ المجلس باتخاذ الاجراءات القانونية في حق مطلقي الاتهامات".

هذا البيان المخيب للآمال، جاء مفاجئاً للشارع العراقي. ففي وقت كان العراقيون ينتظرون بفارغ الصبر صولة حكومية على الفاسدين، جاء البيان متناغماً معهم ورادعاً للجهود التي تبذلها وسائل الإعلام في كشف المفسدين وفضح الفساد المستشري في جسد الدولة، وفيه تهديد بتكميم الأفواه وفرض الأمر الواقع على الصحافة والإعلام بالاستسلام ورفع الرايات البيضاء.

ماذا فعل المجلس حيال ملفات الفساد المتراكمة في غرف "هيئة النزاهة" ومكاتب المفتشين والوزارات السيادية والخدمية؟ وهل تمت محاسبة مسؤول رفيع، أو أحيل أحد سارقي المال العام على القضاء؟ ولا أقصد هنا الموظف البسيط الذي يتقاضى أجرا زهيداً لا يسد رمقه أو يكفل حياة هانئة كريمة لعائلته.

البيان المثير للجدل، لا يعدو كونه محاولة للتضييق على الحريات ومصادرة حق التعبير وتفريغ وسائل الإعلام من محتواها، وتحويلها من رقيب أمين على مصالح الشعب والمجتمع، إلى أبواق للحكومة، كونه لم يأت إلا لذر الرماد في العيون وتعميق الفجوة وانعدام الثقة بين الحكومة والشعب، الذي لم يجد جدوى في تشكيل المجلس مضافاً إلى "هيئة النزاهة" (تأسست في عام 2004) وديوان الرقابة المالية الاتحادي (تأسس في عام 2011) ومكاتب المفتشين العموميين (تأسست في عام 2004) وكلها تكلف خزينة الدولة أموالاً طائلة، من دون أن تتقدم خطوة في اتجاه الحد من الفساد أو مكافحته.

إن العراق ليس بحاجة إلى بيانات وقرارات لا تغني ولا تسمن، بقدر حاجته إلى حملة جادة لمقاضاة الفاسدين من الدرجات العليا، وإلى قرارات شجاعة ومحاكمات علنية وعادلة لحيتان الفساد والمتهمين بالسرقات وبالاستيلاء على ممتلكات الآخرين، والإثراء على حساب المال العام. وفي هيئة النزاهة وحدها، ما يزيد عن 13 ألف ملف ينتظر الإجراءات القانونية اللازمة.

هل سيقوم المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، الذي هدد بمعاقبة الكتاب والصحافيين ووسائل الإعلام التي تنشر غسيل الفاسدين، بمقاضاة رئيس تحالف "الإصلاح والإعمار" عمّار الحكيم؟، لأنه قال في معرض حديثه عن الفساد، خلال ندوة مفتوحة أقامها "مركز الرافدين للحوار" يوم الثلاثاء 14 أيار (مايو) الجاري في بغداد:

"إن هناك اتساعاً لظواهر الفساد، وليس هناك أي تراجع. فالمواقع (المناصب) بدأت تباع وتشترى في بورصة علنية في بغداد، فيما كانت خلال الدورات السابقة، تحدث بشكل سريّ خارج العراق وفي عواصم إقليمية".

أم أنه سيعاقب رئيسة "حركة إرادة" حنان الفتلاوي، لأنها قالت إن "موظفين كبيرين في مفوضية الانتخابات، طالباها بمليوني دولار مقابل فوزها بمقعد انتخابي؟"، وهي التي أكدت أنها تمتلك تفاصيل في شأن تحكم أربعة أشخاص في المفوضية بجميع الأصوات من خلال بطاقات خاصة بالخوادم الخاصة بالأجهزة الالكترونية، وكانت الفتلاوي اعترفت سابقاً على شاشات التلفزة قائلة: "أخذنا العمولات وتقاسمنا الكعكة". أم أن المجلس سيقاضي النائب السابق مشعان الجبوري، الذي قال بملء فمه أمام وسائل الإعلام:

"كلنا حرامية"، وأن لديه مخزون من المعلومات والإثباتات الموثقة؟

لا يسعني سوى أن أختتم مقالي، ببيت شعر جميل للإمام الشافعي، جاء فيه:

."وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا"

 

جورج منصور

 

محمد صالح الجبوريكلمة السياسية مأخوذة من كلمة (ساس) والسياسة فعل السائس، والراعي الذي يسوس رعيته، السياسة رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وهي علاقة الحاكم بالمحكوم، وهي توزيع النفوذ والقوى في المجتمع أو نظام معين، والسياسة أنواع، وانا لا أحب السياسة، ولاأشتهي وصلها، فهي متعبة وصعبة، السياسة في الماضي تعتمد على تشكيل أحزاب وطنية وجمعيات تدافع عن مصالح البلاد  والناس و تتنافس بينها، وكان الملك هو المسؤول عن إختيار (رئيس الوزراء)، وتكليفه بتشكيل الحكومة، وإذا أخفقت الوزارة يستقيل رئيس الوزراء، يكلف الملك شخصا آخر لتشكيل وزارة جديدة، يعلن عن أهدافها وخططها، وتقديم خدمات للمواطنين، اليوم كل شيء إختلف امام مغريات الحياة، والمصالح الشخصية، والامتيازات الخاصة في هذا العالم  المادي، التفكير بالمصالح العامة غير ضروري، وغابت  كثير من الأمور التي نعدها من الثوابت، ومفاهيم كنا نعتز بها، وسادت مفاهيم لاتليق بمجتمعنا، إصلاح المجتمع يأتي من خلال مساهمة الجميع، و تشخيص الحالات السلبية والقضاء عليها بتظافر الجهود، وهذه بحاجة إلى سياسية طويلة الأمد، السياسة في الماضي كانت هادئة، وتنافس مشروع بعيدا عن التفرقة والتناحر والابتزاز، اتمنى ان يعم الخير في البلاد، وان يوحد العباد وان يعم علينا الأمن والأمان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

زهير الخويلدي"إن قمع الفكر النقدي أخطر بكثير مما يتصور معظم الناس...وعلى ذلك فالتعليم هو أن يتعلم المرء كيف يفكر بنفسه بتوجيه معلم"1[1]

تتميز الحاضرة التونسية منذ بدء الفتوحات بالإنتاج العلمي والإبداع الأدبي والخلق الفني والنشاط الثقافي وبإعطاء الأولوية للأفكار والمفاهيم على الإنشاء والعرض وتبجيل التساؤل والنقد على التقليد والجواب.

لقد استفادت من مكوناتها الذاتية المتنوعة التي تعود إلى حضارات عريقة مختلفة تضرب بجذورها في صور والسكان الأصليين من الأمازيغ ومن علاقاتها الجدلية مع الجوار المتوسطي ومحيطها الأفريقي والانتماء إلى الديار العربية والرمزية الإسلامية وتواصلها مع المسيحية الأصلية وتسامحها مع اليهودية.

لقد ازدهرت الثقافة في تونس واعتنى السكان بالعلوم الدينية ونظريات التفسير والآداب والفنون الجميلة ونقد الشعر وفقه القضاء وصناعة الكتب والوراقة وانتشرت المذاهب والفلسفات وعلم الكلام والتصوف.

إذا كان المشرق العربي قد شهد نوعا من المركزية العلمية منذ تأسيس المدن التاريخية الكبرى التي اختصت في نشر العلوم والمعارف مثل المدينة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والقدس وانضمام القاهرة إلى الجغرافية الثقافية المشرقية فإن تونس والقيروان وبدرجة أكبر وأقل مدن الأندلس والمغرب قد نقدتا هذه المركزية وأقامتا علاقة تنافسية ندية مع المشارقة وصلت إلى حد الريادة والسبق المعرفي والمدني.

لقد دخل التونسيون بوابة الفلسفة من شخصية عبد الرحمان ابن خلدون الذي طورها نحو علوم العمران والتاريخ والاقتصاد والسياسة، ثم عرفوا اهتماما بالطب والتربية لدى ابن الجزار القيرواني والقابسي وبعد ذلك ظهر علي بان زياد وابن رشيق مؤلف كتاب العمدة واشتهر الإمام سحنون وأبو العرب التميمي وكتابه طبقات علماء افريقية وابن عرفة وابن المنظور صاحب معجم لسان العرب والقادمين من الأندلس حازم القرطاجني والشاعر ابن هاني وأبو اليسر الشيباني الرياضي وأبو الحسن علي القلصادي الرياضي.

لقد واكب علماء تونس النهضة العربية الأولى وبرع المصلح خير الدين بكتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك ودعمه أحمد ابن أبي الضياف بكتاب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس ومحمد بيرم الرابع ومحمود قابادو ومحمد بن الخوجة وسالم بوحاجب ومحمد بيرم الخامس صاحب كتاب صفوة الاعتبار والمؤرخ محمد الصغير بن يوسف والشيخ إبراهيم الرياحي والمصلح الفذ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتب مسألة المنبوذين وتونس الشهيدة وروح التحرر في القرآن ومعجز محمد والكلمة الحاسمة.

لقد قدم لنا مؤسسة الزيتونة نظرية مقاصد الشريعة السمحاء على يد الطاهر بن عاشور ودعوة إنصاف المرأة من طرف الطاهر الحداد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع وساندتها مؤسسة الصادقية في بناء الحركة العمالية والوطنية من العديد من المصلحين والمناضلين وتكوين نخب مثقفة وكوادر في الدولة.

كما برز محمد علي الحامي وبلقاسم القناوي ومختار العياري وأحمد بن ميلاد والشيخ الفاضل بن عاشور والشهيد فرحات حشاد في وعي الطبقة العاملة وتأسيس المنظمات النقابية التونسية المقاومة للاستعمار.

من ناحية أخرى فرض الشاعر أبو القاسم الشابي نفسه على الأوساط الأدبية العربية من خلال ديوانه أغاني الحياة وبحثه حول الخيال الشعري عند العرب وانتشرت قصيدة إرادة الحياة ووجد الأديب طه حسين سدا أمام مسرحية السد للأديب محمود المسعدي وحدث أبو هريرة قال.. وروايته مولد النسيان.

لقد أدى هذا الزخم السياسي والترسب المعرفي الى ترسيخ ثقافة التنوير والتسامح والانفتاح على الوافد ومواكب التطور وتركيز قيم التقدم والحرية والانتباه الى الواقع والتشبث بتغيير المدنية وإصلاح المجتمع.

فكيف ساهم هذا التراكم النضالي والمعرفي في تهيئة الأرضية النظرية والعملية لقيام الثورة في تونس؟ ولماذا ارتبط الاستثناء التونسي بالجرأة وممارسة الفعالية النقدية وتدبير التنوع والتعايش بين المختلف؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المرجع:

1- برتراند رسل، حكمة الغرب، عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 364 يونيو 2009، ص119.

 

جعفر الحكيمالحرية الفكرية ما بين دراسة الايمان ودحضه

رد على مقال الكاتبة مادونا عسكر

نشرت الاستاذة (مادونا عسكر) مقالا بعنوان (هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان؟) جاء في سياق الرد على مقال

(قصة قيامة المسيح.. كيف بدأت وكيف تطورت؟) مع ملاحظات حول مقال (المسيح قام.. ثم ماذا؟)

وفي بداية هذا المقال، اود ان اتوجه بالشكر الجزيل والتحية مع وافر الاحترام والتقدير للأخت الاستاذة مادونا عسكر

وكذلك اود اعادة التنبيه على بعض النقاط حول سلسلة (حوارات في اللاهوت المسيحي) مع التعقيب على بعض الفقرات التي وردت في مقال الأخت الكاتبة.

سبق وأن بينت في مقالات منشورة لي ان سلسلة (حوارات في اللاهوت المسيحي) هي دراسة نقدية وتاريخية (متجردة) لنصوص الكتاب المقدس وما احتوته من تأصيلات إيمانية وأخبار تاريخية، ليس الغرض منها مهاجمة عقيدة معينة او الطعن فيها، و لا اثارة طرف معين او ارضاء اخر، وانما هي مجرد بحث علمي متواضع لغرض المساهمة في تحريك الفكر عبر طرق أبواب المسلمات بكفوف الدراسة النقدية الجريئة، وهي في نهاية المطاف قناعة شخصية ورأي لا الزم به احدا، ومن حق اي انسان ان يعارضني ويختلف معي حولها.

وقد حاولت خلال حلقات هذه السلسلة ان اكون متجردا (ما استطعت) وان تكون منهجية الدراسة والطروحات بمعزل عن الإيمان الشخصي والقناعات العقدية المسبقة، مع علمي ان هذا النهج لن يعجب الاخوة المسيحيين، ولن يعجب بنفس الوقت الاخوة المسلمين!.. لاني في اغلب الاحيان اصل لنتائج غير مقبولة من قبل الطرفين!

وفي هذا المقال، ايضا، اكرر التأكيد على محبتي للاخوة المسيحيين، واحترامي لما يعتقدونه ويؤمنون به، واعتزازي بكل اصدقائي الرائعين منهم، والذين تشرفت بالاشتراك معهم في حوارات كثيرة على بعض قنواتهم، وقد شرفني البعض منهم لدعوتي في كنائسهم والتحدث الى الاخوة المسيحيين فيها.

الدراسة النقدية للأديان بشكل عام، هي حقل بحثي علمي راقي جدا، وسبب مهم لتحريك مياه الفكر والمعرفة، لأن هذه الأديان ونصوصها هي تراث إنساني ومن حق كل انسان مهما كانت خلفيته العقدية، ان يبحث فيها ويناقشها ويسطر انطباعاته حولها، كما كان الحال مع الدين الإسلامي، الذي خضع جميع تراثه إلى دراسات كثيفة ومعمقة وغزيرة لمئات المستشرقين (أغلبهم مسيحيون ويهود) ممن بحثوا وكتبوا عن الاسلام بكل تفاصيله وتفرعاته وانتجوا من بحوثهم مئات المجلدات والموسوعات التاريخية والمعرفية، ولم يعترض أحد من المسلمين (الا ما ندر) وليس من حق احد ان يعترض!

لأن حرية البحث هي حق مكفول ومتاح للجميع، ولا يوجد قانون ينص على ان ليس من حق المسلم مناقشة التراث المسيحي او العكس.

العقيدة المسيحية هي الأخرى، خضعت للبحث والتحقيق، من مئات الباحثين طوال التاريخ، وتم استحداث علم (النقد النصي) على يد علماء وباحثين مسيحيين منذ أكثر من مائة عام، و لازالت البحوث والتحقيقات مستمرة، من دون ان نجد حساسية او رفض مسيحي لهذه البحوث كما نجده عندهم، حينما يتصدى شخص مسلم لنفس المهمة، رغم اننا نجد الكثير من القنوات المسيحية التبشيرية، تتناول بشكل يومي، بالبحث والنقد عقائد المسلمين، بل تجاوز(البعض) من تلك القنوات هذه الخطوة الى الانحدار الى اسلوب التهجم والطعن والسخرية بطرح وصل فيه مدى الانحطاط والتردي الأخلاقي الى مستوى اللغة الشوارعية القميئة !!

في بداية مقال الاستاذة (مادونا عسكر) نجد الاخت الكاتبة تأخذ على سلسلة الحوارات بأنها تنطلق من (الفكر الشخصي والمنطق الخاص!!!) و ترى ان الكاتب قد وقع في فخ اللغة واستدلت على ذلك برفضها للقول بأن قيامة المسيح تعني عودته الى الحياة بعد الموت !

وهنا لابد من التعليق على ما تفضلت به الأخت الكاتبة، لتبيان ما التبس عليها من عدم التفريق ما بين القناعة الشخصية المتجردة والمبنية على دراسة وبحث، وبين الفكر والمنطق الشخصي المسبق، فالفرق بين الاثنين واضح وجلي!

لقد رفضت الاخت الكاتبة، ان يكون تعريف قيامة المسيح بأنها تعني عودته الى الحياة بعد ان مات لمدة ثلاث ايام !

و بنفس الوقت، لم توضح لنا حضرتها، ما هو المعنى او التعريف الصحيح للقيامة، إذا لم يكن ذلك المعنى دقيقا؟!!

وفي مكان اخر من مقالها، نجد الاستاذة (مادونا) تنتقد تناولنا للنصوص لان دراستنا لها (تنحصر في الحرف) وهي تريد ان تقرر ان التعاطي مع النصوص يجب ان (تنطلق من الحرف ولا تتوقف عنده)

وكلام الاستاذة الكاتبة، قد يكون صحيحا في سياق التعاطي الإيماني مع تلك النصوص، وليس في سياق الدراسة البحثية التي يجب ان تتحدد بالنص وتحترم ظواهره، و ليست ملزمة بتأويلات او استفاضات المؤمنين !

لأن مسار الوصول للحقيقة يبدأ من الخبر الذي يتضمنه النص، ويلتزم فيه (إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله) رومية 10/17

في مقال (قصة قيامة المسيح ...كيف بدأت وكيف تطورت) طرحت فكرة بسيطة وواضحة ومنطقية وهي

ان الاخوة المسيحيين يطرحون قصة قيامة المسيح على اساس انها حقيقة (تاريخية) مؤكدة !

وفي هذه الحالة، من حق الاخرين ان يطالبونهم بإثباتها من خلال أدوات ونصوص (تاريخية) متفق عليها، وليس بنصوص دينية، لا تلزم الا المؤمنين بها

ان الطرح المسيحي لقصة القيامة وكأنها حدث تاريخي واقعي واكيد، هو الذي يستدعي المطالبة بأدلة (تاريخية) وليست

(إيمانية) على إثبات واقعية حدوث تلك القصة.

بنفس الوقت، تشتمل العقيدة المسيحية، حالها حال كل العقائد الأخرى، على قصص وأخبار عن أمور وحوادث يتم التعاطي معها، على أساس ايماني بحت، يخص المؤمنين بها فقط، و ليس من حق غيرهم ان يرفض تلك الحقائق التي يؤمنون بها او يطالبهم باثبات او دليل تاريخي، مادام التعامل مع تلك القصص يدور ضمن الحلقة الايمانية، من غير ان يعني ذلك بالضرورة، ان تلك الاحداث او القصص، ليست حقيقية، او لا اصل لها، كما قد يتوهم البعض !

فعلى سبيل المثال، ليس من حق غير المسيحي، ان يطالب المسيحيين بتقديم دليل (تاريخي) وليس (إيماني) على صدق رواية الولادة العذرية ليسوع المسيح، ولم نطالب مثلا، ان يقدم لنا المسيحيون اثبات تاريخي على صدقية حدوث قصة اختبار (ابليس) ليسوع ولمدة أربعين يوما في البرية (لوقا 4 1، 2)

او قصة تجلي يسوع على الجبل وتغير وجهه بشكل صار معه يشع كالشمس مع ظهور موسى(الميت) له مع إيليا، كما جاء في بداية الاصحاح السابع عشر من إنجيل (متى)

وكذلك أيضا، ليس من حقنا مطالبة الاخوة المسيحيين بتقديم ادلة علمية، وبراهين طبية تثبت مصداقية الرواية التي جاءت في الإصحاح الخامس من انجيل (مرقص) حول السيد (لجئون) الذي كان يسكن جسده (جيش) من الشياطين، وقد قام يسوع باخراج ذلك الجيش الشيطاني، وجعله يستقر في اجساد قطيع من الخنازير، بلغ عددها 2000

الامر الذي ادى الى اندفاع تلك الحيوانات المسكينة الى البحر، والموت بعد ان القت نفسها فيه !!

كل تلك الامثلة، هي نماذج لقصص واخبار وردت في النصوص المقدسة المسيحية، ونعلم جيدا انها تعكس (حقائق ايمانية) تخص الاخوة المسيحيين وحدهم، كما تخص الاخرين حقائقهم الايمانية ايضا، و لايحق لاحد مطالبتهم بتقديم ادلة تاريخية او علمية على تلك الحقائق ما دامت في سياق المنظومة الايمانية.

لكن الحال، يختلف مع قصة قيامة المسيح، لأنها كما سبق وذكرنا، مطروحة على اساس انها (حقيقة تاريخية)

لذلك كان من حق غير المسيحي، ان يطالب بادلة (تاريخية) تؤكد مصداقية حدوثها، وكذلك من حقه ايضا، ان يقوم باعادة قراءة تلك القصة من جميع الزوايا، مع الأخذ بالاعتبار، جميع الظروف التاريخية والسوسيولوجية، وكذلك التأثيرات النفسية و الثيولوجية التي قد تلقي بظلالها على صياغة أحداث تلك القصة وتطور بناء سردياتها مع الزمن.

وهنا أجد من الضروري أن أوضح للاستاذة (مادونا عسكر) ان النظر الى القصة من جميع الزوايا، وعدم الالتزام بالجهة التي تنظر إليها العدسة المسيحية، لا يعني ذلك التناقض، بل على العكس، يعني التوسع والبحث المعمق المتحرر من قيود الثيولوجيا أو الإيمان المسبق، من اجل الوصول الى فهم أكثر شمولية وعمقا.

أما بالنسبة للمقال الثاني الذي اشارت اليه الاخت الكاتبة، وهو مقال (المسيح قام...ثم ماذا)

فأن فكرته قائمة على تساؤل منطقي بسيط وهو، ان قصة القيامة لو صدقناها وقبلناه (من باب الفرض) فإنها لا تستلزم بالضرورة الإيمان بأن يسوع الناصري هو الإله الخالق للسموات والأرض !!

لأن القيام من الموت والرفع للسماء لم يكونا حدثان مختصان بيسوع، وانما شاركه فيه اشخاص اخرون!

ولا أدري ما الذي أثار الاخت الكاتبة، وجعلها ترفض طرح هكذا تساؤل منطقي، يحتاج الى ان يطرحه، كل باحث عن الحقيقة، خصوصا ان السيد المسيح قد علمنا ان نبحث عن الحقيقة، لأن معرفة الحق تقود الى تحرر الإنسان

(تعرفون الحق والحق يحرركم) يوحنا 32\8

في الختام، اكرر شكري واحترامي للأخت الكاتبة، مع تأكيدي على احترام كافة العقائد والأديان، و تنبيهي للأخت المحترمة على ان دراسة الأديان والبحث فيها، لا يعني ابدا مهاجمتها، ولا (استعراض للمعلومات !)

وان حرية الفكر المستندة الى البحث العلمي الجاد، والأسلوب الرصين المحترم، هي حرية مكفولة، و سقفها السماء، وليس من حق احد، مهما كان، ان يمنعها او يدعو لايقافها.

 

د. جعفر الحكيم

........................

للاطلاع

هل يكفي الفكر الشّخصيّ لدحض الإيمان؟ / مادونا عسكر

 

رائد الهاشميلو قامت أي جهة دولية بإجراء استبيان علمي واسع على عيّنة منتخبة من مواطنين من جميع شعوب العالم وسألتهم سؤالاً واحداً (ماهي طموحاتك وآمالك الشخصية في الحياة؟) فمن الطبيعي أن تختلف الإجابات بين مواطن وآخر حيث ستكون إجابة كل منهم ترجمةً وانعكاساً لطبيعة المعيشة التي يحياها في بلده ومقدار الرفاهية التي وفرَتها حكومته له ولأقرانه، ومن السهل لأي أكاديمي أن يصل الى تقييم حقيقي لأداء حكومات هذه البلدان من خلال الإجابات الواردة في هذا الاستبيان.

سنجد من خلال الإجابات بأن طموحات الكثير من المشاركين تنحصر (بأن يكون له بيت مستقل وراتب ثابت وعائلة وسيارة وأن يحيا هو وعائلته بأمان وان تتوفر له الخدمات الضرورية في الحياة)، ولكن بالمقابل سنجد ان هذه الطموحات الكبيرة عند هؤلاء سنجدها لاتشكل أي اهتمام في اجابات المواطنين الذين ينتمون للدول المتقدمة ولم يفكروا بها أساساً لأنهم يعتبرون ان هذه الأمور هي حقوق ثابتة ومكتسبة لجميع المواطنين ولانقاش فيها ، لذا سنجد إجابات هؤلاء ستكون مختلفة تماماً لأن طموحاتهم أكبر من هذه الأمور المتوفرة لهم أساساً فمثلاً سيفكرون برحلة سياحية حول العالم أو الانتقال في السكن الى مكان أرقى وأفضل من المكان الذي يقطنون فيه أو إقتناء سيارة فارهة وغالية الثمن أو شراء يخت سياحي تتوفر فيه أرقى وسائل الترفيه وغير ذلك من الأمنيات والأحلام الوردية التي نشاهدها في الأفلام ونقرأها في الروايات وقد نعتبرها بطراً في المعيشة.

عندما  ستقوم الجهة المنظمة لهذا العمل بدراسة النتائج وتطبيق المعايير الإحصائية وتحليل واستخلاص النتائج العلمية ستجد ان طموحات وآمال المواطن العراقي في ذيل القائمة وهي لايمكن وصفها بغير طموحات بسيطة جداً ومتواضعة فهو لايتمنى غير (الأمان له ولعائلته ومورد رزق ثابت يغطي الاحتياجات الضرورية للمعيشة) وسيجد القائمين بهذا الاستبيان صعوبة في تفسير هذه القناعة المفرطة والسلبية لدى المواطن العراقي وسيحاولون البحث في الدوافع والأسباب التي تمنع هذا المواطن عن عدم التفكير ولو بالأمنيات في امتيازاته وحقوقه التي يستحقها كمواطن يعيش في هذا البلد، ولغرض توفير الجهد والوقت على هؤلاء الباحثين في معرفة الأسباب والدوافع التي أوصلت المواطن العراقي لهذه الدرجة من السلبية، فسنجيبهم ونوضح لهم بأن الكمّ الهائل من الظلم والقهر والعذاب ونقص الخدمات وانعدام الأمن والأخطار ألتي عانى منها المواطن العراقي عبر عقود من الزمن وخاصة في السنوات العجاف التي أعقبت عام 2003 جعلت منه انساناً قنوعاً ومسالماً لحد السلبية وقليل الطموح والأمل بمستقبل مشرق وبحياة رغيدة، وجعلته لايفكر ولايتمنى أكثر من هذين الأمرين (الأمان ومورد رزق ثابت حتى لو كان بمستوى الكفاف)، وسنضيف للأخوة القائمين على هذا الاستبيان بأن هذه الحالة التي وصل اليها المواطن العراقي يعود الفضل بها الى طبقتنا السياسية المتصدية للمشهد السياسي والتي أشهد بأنها نجحت نجاحاً منقطع النظيرفي تدمير كل شيء جميل في نفس الانسان العراقي وقتلت حتى الطموحات والآمال بمستقبل زاهر نتيجة أفعالها وتناحراتها المهينة على المكاسب والمصالح الشخصية ولم تجعل للمواطن العراقي حيزاً ولو بسيطاً في أجنداتها واهتماماتها فكان نتيجة هذه الأفعال وصول المواطن العراقي الى هذه المرحلة من السلبية والقناعة المفرطة بواقعه المرير.

 

 د. رائد الهاشمي

 

معراج احمد الندويالتطرف العنيف ظاهرة عالمية بطبيعتها تقوض الإنسانية المشتركة. وقد تضررت من التطرف العنيف مجتمعات مختلفة في حقب مختلفة ومناطق متباينة من العالم. فالتطرّف وهو وليد التعصّب إذا ما انتقل من التفكير إلى التدبير وأصبح سلوكاً سيتحوّل إلى عنف، والعنف حين يضرب عشوائياً ويستهدف خلق الرعب والفزع في المجتمع يستهدف إضعاف ثقة الناس بالدولة والقانون، وعندها يصير إرهاباً ممتداً على مساحة جغرافية واسعة من العالم.

يتنافى العنف والتطرف مع القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بل مع أبسط مقومات المجتمعات المدنية والحضرية ويعد العائق الذي يحول دون التمتع بجوهر الحقوق والحريات، ومن شأنه أن يؤدي إلى أنماط متجددة من التفكك الاجتماعي والنزاعات وانعدام الاستقرار فلا يستقيم أمر الفرد أو المجتمع.

إن التطرف قد يتحول من مجرد فكر الى سلوك ظاهري او عمل سياسي يلجأ الى استخدام العنف وسيلة لترجمة افكاره التي يؤمن بها او اللجوء الى الإرهاب النفسي او المادي ضد كل من يقف عقبة في طريق تحقيق تلك المبادئ والأفكار التي ينادي بها، بأن التطرف يمثل الترجمة الواقعية لأوضاع البؤس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي ينخر في جسد المجتمع وهو بذلك نتاج لتلك الظروف الصعبة والازمات التي يمر بها المجتمع.

وكان ما أعقب ذلك من أعمال إرهابية اتخذ أشكالاً مختلفة ووسائل متنوّعة ، شملت العالم أجمع بما يلقي مسؤولية كبرى على الدول والمنظمات الدولية، ولاسيّما الأمم المتحدة لتعميم ثقافة السلام واللّاعنف، وتعزيز مستلزمات تعميق الوعي بأهميتها من خلال وسائل  تربوية وتعليمية حديثة ومتطورة تسهم في تعزيز القيم الإنسانية .

لقد أصبح نبذ العنف وعلاج أسبابه في مقدمة الأولويات التي تفرضها ثقافة السلام، سواء كان ذلك على مستوى الجهود التي تبذلها الحكومات، أو على مستوى الجهود التي تبذلها منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية. ولا يمكن اغفال الدور الفاعل الذي يقوم به الكتاب والمفكرين والباحثين لمعالجة هذا الموضوع من حيث تقديم نماذج عملية للشباب والأطفال للتأكيد على مغزى وأهمية التعايش والحوار والتفاهم والتسامح بين مختلف الطبقات والفئات في المجتمع بغض النظر عن أصولها العرقية أو المذهبية أو الثقافية أو السياسية.

إن مشكلة التطرف العنيف من اهم المشكلات ذات الاولوية التي نالت اهتمام الامم المتحدة والمجتمع الدولي لما لها من آثار على زعزعة الاستقرار في المجتمعات واحلال السلام بين الدول، والتطرف العنيف المؤدي الى الارهاب له اهمية كبيرة وطنيا واقليميا ودوليا، فان الحل الامثل لمعالجة ازمة التطرف والتخريب الفكري انما تكمن في التربية والوسائل التي تتبعها في بناء الشخصية المتوازنة وفي إقامة العلاقات الإنسانية على أساس راسخ من الوئام والتسامح والاحترام.

إن هناك ضرورة لإستراتيجية متكاملة لتقتلع أسباب التطرف العنيف وتقوض الأسس التي يقوم عليها وغرس ثقافة السلام والعيش المشترك الكريم و ذلك بتعزيز الطرق التقليدية في تسوية النزاعات وفتح قنوات جديدة للتفاهم من خلال الفنون والآداب، وتعزيز الحوار سواء على الصعيد المحلي أم على الصعيد الدولي.

إن الخطوة الأولى الرئيسية لمكافة التطرف هي تبادل الآراء والنقاش حول أبرز القضايا الإنسانية المشتركة خاصة تلك التي تتعلق بالتعايش وقبول الآخر ورفض العنف. وترسيخ ثقافة السلام. إن هناك ضرورة لإستراتيجية متكاملة لتقتلع أسباب التطرف العنيف وتقوض الأسس التي يقوم عليها وغرس ثقافة السلام والعيش المشترك الكريم.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

يضطر الإنسان إلى اللجوء إلى البدائل في الكثير من شؤون حياته عندما لايحصل على مايريد لسبب ما، فمعلوم إن لدى الإنسان رغبات مشروعة أو غير مشروعة قد يلجأ إلى اشباعها بطريق أو بآخر،

ومن رغباته المشروعة مثلاً حاجته إلى منزل يأويه، فعندما لا تتوفر لديه الإمكانيات المادية لبناء منزله ضمن المواصفات المطلوبه يلجأ إلى استخدام البدائل  في بناء منزله في المنطقة العشوائية بدلاً من المنطقة المنتظمة، ويختار أدنى المواصفات في مواد البناء بدلاً من أمثلها، ومن أجل اشباع رغبته لهذه الحاجة كما أسلفنا، فهو مضطراً إلى البدائل المتدنية في حال عدم قدرته على سواها،

وفق هذه المقدمة يمكن قياس الكثير من أعمال المجتمع والدولة باستخدام البدائل لضرورة صحيحة أو غير صحيحة،

إن قيام الشعب أو مجموعات منه بخرق القانون عمداً أو جهلاً لم يأت من فراغ وإنما كانت هناك أسباب للقيام بذلك وهو ما عبّرنا عنه (باللجوء إلى البدائل ).

فهو عندما يرى إن القانون لا يطبق إلا على الضعيف  وبإمكان الفاسد القوي الإفلات منه، وربما لأكثر من مرة، هنا تعتمل في داخله دوافع الرغبة في القصاص   من هؤلاء الفاسدين، ومؤكد إن آلية القصاص لا تتبع الطرق القانونية لأن القصاص هنا عبارة عن ردة فعل على تراكمات من الأخطاء تؤدي اخيراً إلى تفجّر الغضب نتيجة لسحق الرغبات والدوافع النفسية بعدم تطبيق القانون على الفاسد، حيث ثبت لدى  الشعب من بديهات القوانين وأجراءات الدولة لابدّ من أن تسري العقوبة على الفاسدين ولابدّ من إن ينالوا جزاءهم العادل،

وبما إن القانون ومنفذه قد عجز تماماً عن وضع الشيء في موضعه الصحيح، وتكرر هذا الأمر اتجاه أكثر من فاسد فإن هذه الأفعال لاتغادر نفوس أبناء الشعب المتتبع لكل هذه القضايا وينتظر الفرصة المناسبة ليقوم هو بذاته في اتخاذ البدائل لمحاكمة هؤلاء الفاسدين وليس الأمر يختص بقضية الفساد  بل يتعداه إلى الكثير من الجرائم التي تستحق العقوبة، وبهذا ايضاً تتعدد الاستخدامات لهذه البدائل،

فلو كانت الدولة تؤدي واجبها بصورة صحيحة من خلال سلطاتها التشريعية والتنفيذية، لما وجدنا قيام البعض بالتظاهر ضد الفاسدين وقيامهم بحرق مكتسباتهم ومصالحهم إذا أنهم لجأو إلى هذا البديل لإنهم لم يروا أي إجراء قانوني بحق الفاسدين منذ إن بانت لديهم مشخصات الفساد،

في ضوء ذلك نتوقع إن تؤدي هذه الظاهرة (أي الابتعاد عن تحمل المسؤولية) من جهة السلطات الثلاث إلى ماهو أسوء بكثير كردة فعل في إختيار البدائل غير المناسبة لذا وتلافياً لما هو متوقع بهذا الخصوص وعلى نحو شامل يتطلب ممن يهمهم الأمر الإسراع بتطبيق القانون وتنفيذه وعدم التسويف والمماطلة أو تبسيط الإجراءات بحكم العلاقات من أجل إفلات المسؤول الفاسد. 

 

رسول مهدي الحلو - العراق

 

محمود محمد علينعود ونكمل الجزء الثاني من حديثنا عن التفسير السوسيولوجي لنشأة وتطور الفكر السياسي الإسلامي  فنقول : كان الحج إلى مكة مصدرًا آخر من مصادر الرزق وفرض السيادة، إذ اكتسبوا به اعتراف العرب بمكة عاصمة دينية لهم إضافة إلى كونها عاصمة اقتصادية. وقد فرض هذا سيادة التجار الأغنياء من قريش، مالكي الثروة والعبيد وزمام تسويق البضائع، وأوصل مجتمع مكة إلى مستوي من الغني والترف في جانب، ومن الفقر والتقشف من جانب آخر، يعبر عنهما الخير الذي يفيد أن " عبد الله بن جدعان"  أرسل ألفي بعير لتجلب له البُر والسمن للفقراء. فهذا الخبر يدل من جهة على مستوي من الثراء يتيح لثري واحد أن يتصدق بحمولة ألفي بعير من البُر والسمن. ومن جهة ثانية على وجود عدد كبير من الفقراء يحتاج إلى مثل هذه الحمولة، ومن جهة ثالثة على وصول التفاوت الطبقي إلى درجة من الحدة اضطرت هذا الثري إلى إجراء ما يحول دون تطور الأمور إلى صراع يحول دون استمرار النظام الاجتماعي القائم وتطوره .

وبغية توفير شروط الاستقرار والتطور السياسي عرفت مكة، ما سُمي "دار الندوة"، وكانت للحل والعقد، وإذا بدا أن فئة من القرشيين تعتدي عقدت فئة أخرى ما سُمي " حلف الفضول"، وهدفه إنصاف المظلوم من الظالم.

في هذا الوسط التي ذكرنا، وُلد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في مكة، وشب في جو تجاري شارك ببعض نشاطه في شبابه قبل أن يتفرغ للدعوة الإسلامية، فأخذ يبشر بدين جديد قائم على الوحدانية المطلقة، ويحمل في ثناياه عوامل التغيير والإصلاح، فدعا إلى عبادة الله الواحد الأحد القيوم والقدير، والطاعة، والتسليم المطلق بالإسلام، إذ: إن الله كريم رحيم يعد عباده ومن يُسلم أمره إليه الجنة، ويبعث في قلبه الإيمان وهو واهب الأشياء ومقسم الأرزاق يحث المسلم على السعي والعمل من أجل دنياه وآخرته .

بيد أن قريشا خشيت على نفسها وعلى مصالحها من أمر هذه الدعوة الجديدة ووجد فيها زعماؤها تهديدًا لعقيدتهم وخطرًا على نفوذهم ومكتسباتهم، فقاموا يضطهدون الرسول وأصحابه الذين أمنوا بدعوته، ما حمله إلى الهجرة إلى يثرب التي عُرفت منذ ذلك الحين بالمدينة المنورة، وقد تغير موقفه في المدينة المنورة، فلم يعد يكتف بالدعوة، بل راح ينظم المسلمين من المهاجرين والأنصار، ولما كانت الشريعة لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة تضبط الشؤون الدينية والأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة والجهاد ضد المشركين لحملهم على الدخول في الإسلام، ونشر مبادئ الدين الحنيف. وبعد مواجهات عسكرية مع قريش استطاع النبي فتح مكة، فأسلم أهلها، واقبلوا على الدعوة الجديدة محافظة منه على ما كان لهم من مكانة في الجاهلية، وفرض على كل مسلم ومسلمة الحج إلى بيت الله الحرام مرة واحدة على من يستطيع ذلك، وتصرف بمناسك الحج وشعائره بما يتوافق مع مبادئ الإسلام، فألغى منها ما يتعلق بالوثنية، ولم تلبث القبائل في أنحاء الجزيرة العربية أن تكون قد أقبلت على الدين الجديد، وتم للجزيرة العربية وحدة دينية وسياسية متماسكة لم تعرف مثلها من قبل .

ثانيًا : طبيعة الفكر السياسي الإسلامي:

إذا كان العرب لم يتفاعلوا ولم يخضعوا للنظام السياسي لا عند الفرس ولا عند الروم، فكيف الشأن وقد جاء الإسلام بقيادة نبي الرحمة، فألف بين قلوبهم وجعلهم أمة واحدة ؟ أين الفكر السياسي الإسلامي من هذه النماذج السياسية ؟

منذ أن هاجر الرسول – (صلى الله عليه وسلم) - من مكة إلى المدينة (622م)، بدأت مسيرة الدولة الإسلامية السياسية والمؤسساتية. وكان الشغل الشاغل للرسول والصحابة يكمن في نشر الدعوة وإرساء قواعدها، والتمكين للدين الجديد لأن يستقر في قلوب المؤمنين، وهنا أكد الرسول أنه لا بد مع الدعوة من عمل، ولا بد مع التشريع من تنفيذ، ولا بد مع العلم من تطبيق؛ فشرع الرسول وأصحابه بإبرام المعاهدات، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وصياغة القوانين، والأحكام المستمدة من القرآن، كما كان يعمل على تنفيذها.

ولم يمض وقت طويل في المدينة دون إتمام الدعوة وتبليغها حتى تبين للرسول وأصحابه، أن هناك عقبات تحول دون إتمام الدعوة وتبليغها – ذلك أن دعوة النبي الإصلاحية ثورة شاملة، والمبادئ الجديدة التي غرسها في المجتمع الجديد؛ مبادئ على غاية من الكمال، والمكاسب التي كسبها الناس من وراء هذه الثورة مكاسب ما كانوا يحلمون بها أبدًا. فمن ذا الذي يصدق أن يجلس السادة مع العبيد في مجلس واحد يقفون في الصلاة صفًا واحدًا؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن الغني المترف مكلف - رغم أنفه - أن يدفع ضريبة مستحقة مفروضة للفقير والضعيف؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن يتحرر الإنسان من ظلم أخيه الإنسان فلا يعبده ولا يسجد له ولا يسبح بحمده ويتغنى بذكره ؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن المرأة المحتقرة التي كانت تُؤأَدُ وتورث كالمتاع، تتحرر وتكرم ويحترم رأيها وتحترم إنسانيتها وتسهم بواجبها المشروع في خدمة المجتمع ؟ من ذا الذي كان يصدق هذا وغيره من المبادئ والغرس الجديد التي جاءت بها ثورة الإسلام؟، من أجل هذا أذن الله لرسوله بالقتال كي يكون الدين لله، وألا تكون فتنة ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء.

ومن هذا المنطلق جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) جيوش المسلمين المؤمنين ونظمها وقادها لحماية الوحدانية الخالصة والعقيدة الصحيحة من عدوان المعتدين، لتبلغ الأسماع والقلوب، فكان أن قام النبي (صلى الله عليه وسلم) بقيادة سبع وعشرين غزوة بنفسه (غير السرايا والبعوث) كانت آخرها غزوة تبوك .

ويمكن لنا بناء على هذه الغزوات أن نستنتج نتائج عظيمة لها ثلاثة مستويات كما يلي:

1- المستوي السياسي

أنها وحدت قبائل العرب تحت لواء الإسلام؛ حيث ألف الإسلام بين قلوبهم، وقضي على العصبية الجاهلية؛ فزالت الحزازات القديمة والثأرات التي بين القبائل، فخضعوا لحكم النبي وأوامر القرآن بعد أن كانوا يدينون لرؤساء متفرقين، وبذلك قامت في بلاد العرب حكومة مركزية موحدة عزيزة الجانب، كما كشفت هذه الغزوات  عن جانب هام، وهو أن حماس العربي للإسلام وولاءه له لا يقل عن حماسه لوثنيته واستبساله في الذود عنها، ومن ثم بذل النفس والنفيس في سبيل نشر الدين وحمايته حتى دانت قبائل العرب وأصبحت تري في الإسلام رمز وحدتها وشعار مجدها.

2- المستوى التنظيمي

إن الرسول قسم جزيرة العرب إلى مقاطعات هي: المدينة المنورة (عاصمة لدار الإسلام؛ حيث تصنع فيها السياسات العامة والخاصة للمسلمين في أرجاء الجزيرة)، تيماء، الجند، ومقاطعة بني كندة، ومكة، ونجران، واليمن، وحضر موت، وعمان، والبحرين. ونصب الرسول على كل مقاطعة من هذه المقاطعات واليًا عهد إليه بإقامة الحدود وإنقاذ الأحكام وتوطيد النظام وإعداد الترتيبات الخاصة بالقضاء. وإلى جانب الولاة عين الرسول عمالا على كل منطقة لجمع الزكاة والصدقات .

3- على مستوى الفكر السياسي:

أن سادت مفاهيم الحرية والمساواة، والعدالة، والشورى بين المسلمين في أرجاء جزيرة العرب؛ بل إن هذه المفاهيم السياسية التي تضمنها الإسلام، والتي وجدت تطبيقًا فعليًا لدى المسلمين في عهد رسول الله كانت إحدى العوامل الحاسمة في دخول كثير من الشعوب في دين الله أفواجًا والمصادر التاريخية تؤكد ذلك.

ومع الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب (السياسيين الفذين في تاريخ الإسلام بلا منازع) استمرت المحافظة على ثوابت ومبادئ ثورة الإسلام، واستمرت كذلك الفتوحات واستمرت الأمة الإسلامية الناشئة تكسب إلى صفوفها عصبيات جديدة، ولقربهما ومعايشتهما لرسول الله – اكتسبا الحس الإسلامي السليم، فاستطاعا عبر توظيف هذا الحس من تحويل الفكرة والمثال إلى واقع معاش وأفعال منجزة؛ فأكملوا المهمة التي بدأها الرسول الكريم، فأبو بكر الصديق (رضي الله عنه)، الذي آلت إليه الخلافة بعد أن انتقل الرسول إلى جوار ربه في يوم الأثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هجرية الموافق 8 يونيو سنة 632ميلادية؛ والذي تصوره المراجع التاريخية كشيخ رقيق الحس، ما هو في حقيقة الأمر إلا رجل صلب الإرادة لا يقبل التفريط في ثوابت الإسلام، فكان أول عهده بالخلافة أن حمل على المرتدين حملة لا هوادة فيها (وهي من الحركات السياسية الأولى في تاريخ الإسلام) وما لبث النظام السياسي أن استقر حتى  كانت الجيوش الإسلامية تفتح بلاد الفرس والشام، وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة (13 هـ - 634م) استمرت المحافظة على ثوابت ومبادئ ثورة الإسلام، واستـمر كذلـك تدفق الناس من كل جنس أفواجًا لنيل شرف العضوية في دين الإسلام المشاركة في أعماله وفاعليًاته ونشر مبادئه، فاستمرت الغزوات وتوالت الفتوحات الكبرى، ومع هذه الفتوحات وجد المسلمون موارد أساسية وضخمة لتمويل بيت المال (الجزية والخراج) بالإضافة إلى ما كانوا يغنمون. ومع توسيع رقعة الدولة التي ذهبت كل مذهب، زادت موارد الدولة المالية. فمن سور الصين شرقا وجبال الهند وباكستان تنتشر الدولة الإسلامية حتى  جبال الأطلسي في الغرب، ومن تركيا في الشمال حتى  اليمن جنوبًا، إنها ليست دولة، وإنها إمبراطورية بالمعنى القديم للكلمة . واستطاع المسلمون في زمن قياسي أن يقوضوا أركان الإمبراطورية الفارسية فمحوها من على خريطة العالم، كما نجحوا أيضًا في وثبتهم تلك في انتزع الشام ومصر وشمال إفريقيا من الإمبراطورية البيزنطية، وأن يهددوا الحدود الجنوبية لها حيث كانت تجري معارك بين المسلمين والبيزنطيين على طول هذه الحدود .

ولم تقف حركة الفتوحات الإسلامية الأولى إلا من خلال  أحداث الفتنة التي شهدتها المراحل الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) (23 هـ-35هـ/ 644م-656م) وما تلاها من حروب داخلية بين على بن أبي طالب (رضي الله عنه) (35-40هـ/656-661م)، ومعاوية بن أبي سفيان (41هـ/661م)، وإلي الشام حينئذ، ولقد أدت هذه الفتنة إلى انشغال المسلمين عن تثبيت أقدامهم في البلاد التي فتحوها، وعن نشر الدعوة، مما يعكس الأثر السلبي للخلافات الداخلية عن وضعية الأمة الإسلامية الناشئة على الساحة الخارجية، وهذه السلبية سوف تصبح نمطًا يتكرر مرات عديدة في التاريخ الإسلامي، فأضحت الخلافات الداخلية عاملا مهددًا لوجود ومكانة الأمة الإسلامية في لحظات الضعف .

وهكذا فإنه بعد خمس سنوات من فتنة عثمان ستطوي الأمة الفتية هذه الصفحة الحزينة من الصراعات الداخلية، عندما ينجح معاوية بن أبي سفيان في تأسيس الخلافة الأموية لتستعيد الأمة الإسلامية قوتها من جديد ولتستأنف اكتساحها لسواد العالم القديم شرقًا وغربًا، إذ أثبت خلفاء بني أمية أنهم على قدر عال من الاقتناع بسياسة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الخارجية. فالخلافة الأموية استوعبت حجم وطبيعة الخطر القادم من الدول غير الإسلامية على الإسلام وآمنت أن خير وسيلة لمواجهة الخطر هي الهجوم وليس الدفاع.

أما غايتها النهائية من تعاملها الخارجي، فكان حمل راية الإسلام إلى أرجاء العالم القديم، وهذه الغاية كان لها دلالة عظيمة فيما يتعلق بشكل نظام العالم آنذاك، التي كانت الخلافة الأموية تسعي إلى إقامته، من نظام ثنائي الأقطاب، إلى نظام يتحكم فيه قطب واحد وهو الأمة الإسلامية .

هذه هي الصورة العامة للواقع السياسي الإسلامي في النصف الأول من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، الذي ما كاد ينتهي حتى  ساد الإسلام كثيرا من أرجاء العالم وربوعه آنذاك.

ومن هنا يتبين لنا أن مقومات النظام الديني الأساس الاقتصادي الجديد، ومنذ بداياته الأولى المتمثلة في تجربة المدينة، لاستطعنا أن نحددها على النحو التالي:

1- الدين الجديد الذي أوحى به الله إلى رسوله.

2- القيادة الفذة التي كان  الرسول على رأسها.

3- الوحدة التي أوجدها الدين الجديد ليس فقط بين أتباعه وإنما بين مختلف قبائل الجزيرة.

4- البناء التشريعي القانوني الذي جاءت به الدعوة والذيكان  يتم استكماله من خلال الممارسات الفعلية نفسها ( أسباب النزول).

5- المؤسسة الاقتصادية التي بدأت بتبرع القادرين والموسرين من المسلمين من أجل تمويل الجيوش اللازمة للدفاع عن الدين الجديد، وانتهت بتأسيس "بيت المال". على أنه ستتوفر لبيت المال مصادر أخرى للتمويل أكثر أهمية وأكثر ثراء حين يتم فتح البلاد ذات الموارد الاقتصادية المتطورة وستكون "الجزية" و "الخراج" أهم هذه المصادر .

لقد استمر المشروع الثقافي الحضاري للأمة العربية الإسلامية موضوعاً في مستوى أدنى من الاهتمام والعناية طوال عصر نشر الدعوة داخل الجزيرة وخارجها في عصر الفتوحات، وحتى قيام الدولة الأموية.

ثالثًا: نظام الحكم في الإسلام.

هناك سؤال أثار الكثير من المؤرخين والمفكرين خاصة عقب الأحداث الجسام التي كانت بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وهو : كيف تتحقق الأمة الإسلامية ؟

كانت إجابة الأمويين بخلافة عربية تتزعمها قريش (بعض بطونها) وتتبعها الشعوب الأخرى، وكانت حجتهم العقلية في ذلك أن الكتاب والسنة لم يحددا شكلا خاصا للحكم، لكنهما بينا الأصول التي تحدد طبيعته مهما اختلف شكله، تركا لهذا الشكل فرصة الاستجابة لظروف كل عصر، والتطور مع تطور معارف الناس، وزيادة عدد السكان، واتساع رقعة الأمة الإسلامية .

وعلى هذا الأساس آل أمر الخلافة إلى بني أمية من بطون قريش وأصبحت الخلافة ملكا سياسيا. واحتلت الشورى مكانة مهمة في النظام السياسي الأموي عند معظم خلفائهم وولاتهم، واحتفظ الأمويون بالاتصال المكثف بالرعية، أما اعتماد الأمويين ولاية العهد مذهبًا في توريث الخلافة – رغم مخالفة ذلك النسق الإسلامي الأعلى الذي يؤثر الشورى الكاملة في اختيار الخلفاء – فهو أمر كانت ظروف المجتمع الإسلامي توحي به، وكان عدم وجود طريقة واحدة للاستخلاف في عصر الراشدين، وما جري بين المسلمين من تقاتل ودماء بسبب اختلافهم حول منصب الخلافة، دافعًا لمعاوية للتفكير على ذلك النحو، ولم يكن الأمويون وحدهم في الحقيقة هم الذين يعتمدون هذه الطريقة من الحكم، بل كان خصومهم من الشيعة على ذات الطريق، بل هم في الحقيقة أول من ابتدعها وطبقها، ثم أصبحت فكرة راسخة في النظام السياسي الإسلامي عدة قرون فلم يغيرها العباسيون أو من تلاهم .

وكانت الدولة الأموية تهتم بالفتوحات الإسلامية حتى قيل أنها "فتحت بلاد الهند والسند، حتى وصلت حدود الصين شرقاً، وواصلت فتوحاتها في المغرب العربي، بل وجاوزته إلى أوروبا، حتى فتحت الأندلس، ووصلت جنوب فرنسا" .

وقد شهد العصر الأموي عديدا من المنجزات الحضارية الكبري التي واكبت حاجات الأمة وتطورها السياسي والإداري والنفسي... فكان منها ما اتجه إلى تطوير الإدارة الإسلامية بابتكار بعض الدواوين مثل ديوان البريد وديوان الخاتم... والاتجاه إلى

صهر الأمة الإسلامية مختلفة الأجناس في الإطار العربي، وذلك ببدء حركة التعريب الكبري؛ سواء  بتعريب أهم دواوين الدولة وهو ديوان الخراج؛ أو بتعريب العملة، وذلك بسك العملة الإسلامية؛ مما حقق الاستقلال الاقتصادي للدولة الإسلامية .

وجاء العباسيون بعد انتزاعهم الخلافة من الأمويين، وكانت إجابتهم واضحة إزاء كيفية تحقق الأمة الإسلامية. وذلك من خلال سياسة الموازنة التي اتبعها العباسيون الأوائل بين عصبيات الأمة. فقد كانت الفئات التي حملت العباسيين إلى السلطة – فئات العرب والموالي بالعراق وخراسان – هي عصبيات المعارضة الصلبة للسلطة أيام الأمويين باسم الأمة وتجربتها التاريخية. لذا فإن قيام السلطة العباسية حقق انفساح الآفاق لتحقيق فكرة الأمة الإسلامية العالمية. وكان من نتائجها الأولى إزالة الفروق بين العرب والمسلمين على المستويات كلها.  ثم كان من نتائجها كتكملة لذلك الاعتراف بالعصبيات كلها، بل إن الاستيعاب النظري لمستجدات الوضع الإسلامي جعل الفقهاء في العصر العباسي مستعدين لإعطاء تلك المستجدات الصبغة الفقهية الشرعية، بحيث أمكن القول بأن ظهور عصبيات غير قبلية أو إقليمية تشارك في السلطة ليس ممكنا، بل هو أمر متحقق وشرعي ولا يناقض القرآن والسنة .

وقد ترتب على تلك السياسة التي اتبعها العباسيون نتائج هامة لعل أهمها تخليهم عن سياسة الفتوحات والقتال كأداة أولى من أدوات نشر الإسلام، وكأداة لتعاملهم مع الدولة البيزنطية.

ولقد شاء أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي الثاني، بعد أن شيد عاصمة خلافته (بغداد)، وأطلق عليها اسم  "دار السلام أو مدينة السلام"، أن يثبت من دعائم ملكه بإخضاع العلويين المناهضين له في الحكم، ثم يتجه بعد ذلك لاختيار أفضل أساليب الحكم والإدارة، وأغلبها مأخوذ من النظام الفارسي عن طريق مستشاريه الفرس، الذين قامت على أكتافهم الدولة العباسية . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

عبد الرضا حمد جاسم10- ثم كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء، والثاني.. يعتمد الأحصاء ايضا ولكنه يُحَّكِمْ المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق. والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ (quantitive study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية).. أعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا] انتهى

اضطر الى ان اُجزأ هذا المقطع الى جزأين للأهمية وكالتالي:

1: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين، الأول (نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء، والثاني يعتمد الاحصاء ايضا ولكنه يحكّم المنطق ويأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق] انتهى

*تعليق: بخصوص "خبرتنا في البحوث العلمية" أعتقد ان الموضوع ليس جديد وهو يعتمد على طبيعة البحث او الموضوع المراد دراسته فالذي يريد دراسة عدد المواليد والجنس...يعتمد الأرقام والإحصاء والذي يريد تقديم دراسة عن عدد السكان والجنس والعمر والحالة الاجتماعية يعتمد الأرقام أي يكون نصي لكن الذي يريد ان يبحث في موضوع ادمان الكحول والمخدرات او حالة السوق عليه ان يأخذ بالأرقام والإحصاء وينزل الى الواقع ليُكَّوِنْ صورة ولو بسيطة قد تنفعه في الاستنتاج او الاقتراح او ألتنبُأ ..,فالموضوع ليس جديد فأن تأكد الان بالنسبة للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح فهو كما اعتقد متأخر... وأشعر أن فيها دعوة لمراجعة بعض بحوث ودراسات أ. د قاسم حسين صالح وهذا من الواجب كما أتصور. وقد بينتُ بعض الملاحظات على مقالته عن انتحار الشباب وعلى مقالته التي اُناقشها حالياً تدفع للاطلاع على دراسات الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح.

أما ما يخص نوعي الباحثين:

النوع الأول: [(نصّي) يلتزم بالأرقام وما يقوله الإحصاء].

تعليق: بقدر تعلق الأمر برد أ. د قاسم هذا يمكن ان تُفَسَرْ كلمة "يلتزم" على ان الباحث "النّصي" يأخذ الأرقام وما يقوله الاحصاء على علاتها دون ان يُفكر بها او يناقشها او يحللها وكأنه يُقدسها. وهو لا يهتم للواقع الذي جرت بين ثناياه ما تُمثله تلك الأرقام والاحصائيات. هذا القول أعتقد أنه لا ينطبق على هذه الدراسة ولسبب بسيط هو أن من قام بها هم أبناء ذلك الواقع، عاشوا ويعيشون كل خلجاته وارهاصاته تلك التي تجري على سطحه او في أعماقه من خلال تواجدهم ومن خلال تخصصاتهم ومن خلال انحداراتهم وتوجهاتهم الفكرية... ويملأ اسماعهم وابصارهم كل ضجيج المجتمع ويطالعون الصحف ويقَّلبون الفضائيات ويلتقون الناس بكل الوسائل والطرق يومياً فهم ليسوا منقطعين عن الناس ولا حبسوا أنفسهم في بُرجٍ عاجية عالية عليه هم ليسوا غريبين عن المجتمع او بعيدين عنه انهم جزء منهم وربما بعضهم سمع ويسمع من المجتمع أكثر مما سمعتُ انا أو سمع أ. د قاسم حسين صالح. والتزامهم بالأرقام يفرضه عليهم العلم والمنطق وأصول البحث وشرفهم المهني وتلك الأرقام حصلوا عليها بطرق رسمية مهنية وفق استمارات خاصة وزعتها منظمة الصحة العالمية عن طريق وزارة الداخلية فهي وثائق رسمية مُعتمدة.

و أ. د قاسم حسين صالح أحد أعضاء هذه المنظمة يعتمد ارقامها.

النوع الثاني: [يعتمد الإحصاء أيضاً لكنه يُحّكم المنطق ويأخذ ما يقدمه الواقع من حقائق].

تعليق: وفق توصيف النوع الأول ب "النصَّي" يمكن لي ان أوصف النوع الثاني ب "اللانصّي" وهو الذي لا يلتزم بالأرقام لكنه يعتمد الاحصاء.

معلوم ان الفرق بين "يلتزم" و"يعتمد" كبير جداً. الباحث "اللا نّصي" ترك الأرقام وأعتمد الإحصاء كما كتب أ. د قاسم حسين صالح...

ما هو الإحصاء؟ هو: جمع المعلومات او استمارات البيانات وتدقيقها وعدها ومن ثم تحليل البيانات /المعلومات وتبويبها ثم ابداء الرأي بها وبحالها الراهن او ما يتوقع في المستقبل وتضاف اليها التنبؤات والاقتراحات...ف"لجنة الدكاترة" جمعت المعلومات من مصادرها الموثوقة وفق استمارات خاصة وصنفتها وحللتها وبوبتها وفسرتها وعرضت الصعوبات والاحتمالات والتنبؤات والاقتراحات.  فهنا هي التزمت بالأرقام وقامت بالإحصاء وأعضاؤها من الواقع عليه فهي "لانّصية".

 كيف يُحَّكَمْ المنطق؟...يكفي ان "لجنة الدكاترة" مؤلفة من خمسة اشخاص أي خمسة عقول وخمسة "خمسة حواس" وخمسة طموحات وخمسة رغبات وخمسة مستويات في الفهم والتفكير والثقافة وخمسة اراء وخمسة تطلعات وخمسة خلفيات ثقافية وخمسة مراحل عمرية عليه فأن المنطق كان حاضراً ومعه الواقع كما أتوقع وبالذات في وضع اجتماعي وسياسي وأمني مثل الذي فيه العراق حيث لا يمكن ان يجبرهم على الاتفاق أحد الا المنطق واحترام الذات والموقع العلمي وهم يعلمون ان أي واحد منهم يمكن أن يخرج على الصحافة ليطعن بالنتائج بكل يسر لا.فهي ليست كما كانت الدراسات تجري قبل2003  حيث كانت تُديرها سلطة "علمية" واحدة خاضعة لسلطة امنية واحدة خاضعة لسلطة فكرية واحدة خاضعة لقائد وحيد أوحد.

 ثم أضاف الدكتور قاسم: أن الباحث "اللانّصي" يأخذ بما يقدمه الواقع من حقائق!! اسأل هنا: هل تلك المعلومات التي قال أ. د قاسم حسين صالح أن اللجنة حصلت عليها من مصادرها/السلطات القضائية ومراكز الشرطة وأهالي المنتحرين ليست من الواقع؟

لا اعرف إذا "الباحث اللانّصي" لا يلتزم بالأرقام ولا يعتمدها في بحثه فأين يضعها او ما قيمتها عنده ولماذا وكيف وأين يستخدمها؟ ومن يعتمد الإحصاء هل يستعمل الأرقام نفسها أم يختلق ارقام كما ظهر في السابقات؟ الإحصاء في معنى من معانيه الحصول/الوصول على /الى الاستنتاجات من المعلومات فهل قام الأساتذة في "لجنة الدكاترة" بطرح استنتاجاتهم من تلك الأرقام ام لا؟ الجواب نعم فهم اعتمدوا الأرقام وحللوها وقدموا تصوراتهم عنها وثبتوها في الاستنتاجات من تلك الدراسة وكون الأرقام من الواقع وهم أعضاء في ذلك الواقع أي أنهم جزء من الواقع وما يقدمه الواقع من حقائق هم عايشوها ويعايشون، لأنهم من نفس الواقع.

لكن السؤال هو كيف حَكَمَ أ. د قاسم حسين صالح هذا الحكم على دراسة "لجنة الدكاترة" وهو لم يَّطَلِعْ عليها ولم يَّطَلِعْ حتى على ملخصها كما وضح ذلك من/في الأجزاء السابقة؟ ويمكن ان أتجاوز ذلك الى حين، وأسأل كيف يستطيع هذا النوع من الباحثين "اللانصيين" الحصول على ما يقدمه الواقع من حقائق" هل هناك آلية معينة تُعينهم وتُسهل لهم ذلك؟

 ثم هل كل ما يُقَدِمه الواقع هو حقائق؟ والواقع مليء بالمغالطات والأحقاد والكذب والمبالغات والتناحرات والفساد؟ او كيف يستطيع الباحث "اللانصي" من فرز/معرفة الحقائق عن/من غيرها من ذلك الكم الهائل من الذي يُقدمه ُالواقع؟ يعني هل هناك معيار دقيق يستعين به هذا النوع من الباحثين لتمييز الحقائق من غيرها؟

طرح أ. د قاسم حسين صالح يمكن ان يُطرح عن شخص قدم دراسة أو كتب مقالة وهو جالس في صومعته أو لجنة أعضائها غرباء عن الواقع او بعيدين عنه يجلسون في أبراج عاجية عالية يُقلبون ما تصلهم من صحف وقنوات التلفاز ليتسقطوا اخبار ومعلومات مشوهة عن المشكلة ويُسَّطرون كلماتهم من على الكيبورد ويعتبرونها دراسة علمية. من يقرأ هذا المقطع يتوقع ان يقدم أ. د قاسم حسين صالح معلومات وحقائق مهمة وموثقة تلك التي قدمها له الواقع وهذا اعتقادي انا ايضاً.

2: [والمأخذ على هذه الجهد العلمي ان دراسته الـ (quantitive study) تعاملت مع الأرقام بطريقة (حنبلية). أعني انها قيدت نفسها بمقارنات احصائية، ونأت عن واقع يناقض تماما تلك النتيجة الصادمة بان معدلات الانتحار في العراق هي اقل من معدلاته في العالم، التي هي صحيحة رقميا ولكنها غير صحيحة واقعيا] انتهى

تعليق: أقول "يُفهم من: تعاملت مع الأرقام بطريقة حنبلية" ان "لجنة الدكاترة" اعتمدت تلك الارقام بتشدد/بقدسية وهذا الوصف غير موفق لسببين:

السبب الأول: ان الأرقام صادرة عن مصادرها والدكتور يؤيد صحة تلك الأرقام حينما كتب في نهاية المقطع: (...التي هي صحيحة رقمياً...). اي انها ارقام صحيحة وهي من تم تطبيق علم الإحصاء عليها. وتعني هذه العبارة أن أعضاء "لجنة الدكاترة" على مذهب فكري واحد.

السبب الثاني: التشدد بدقة الأرقام واجب على الدارس والمُعِدْ لدراسة والناشر لها وهو واجب مقدس لا يوجد بديل عنه مطلقاً. ويقال إن "المذهب الحنبلي" يؤمن بالاجتهاد أي يؤمن بتحليل الأرقام ووضع الاستنتاجات. أي أن التعامل ب "حنبلية" مع الأرقام إلزام لكي يحصل الدارس على احصائيات دقيقة تفسح المجال له بمقاربتها مع الواقع بدقة أكثر مع معرفة الدارس بأن الواقع فيه الكثير من العيوب كما بينتُ أعلاه. ولا يمكن التلاعب بالأرقام انما يمكن وضع احتمالات او تطرق لآراء مختلفة في تحليل تلك الأرقام وهذا ما ورد منه في الدراسة، حيث التلاعب بالأرقام جريمة غش وتزوير وتزييف وجريمة مخلة بالشرف العلمي مهما كانت الدوافع والأسباب.

 لذلك فأن تعامل "لجنة الدكاترة" بطريقة حنبلية مع الأرقام عزز الثقة بتلك الدراسة ونتائجها حتى لو كان فيها بعض العيوب وهي متوقعة.

من النوعين الذين ذكرهما أ. د قاسم حسين صالح عن الباحثين نجد ان دراسة "لجنة الدكاترة" لا تقع تحت أيٍ من النوعين ف"النصي" لا يأخذ بالواقع والأساتذة في "لجنة الدكاترة" أخذوا بالواقع وهم جزء منه واللانصي لم يأخذ بالأرقام والأساتذة اخذوا بالأرقام...فما قيمة ما وجد أ. د قاسم حسين صالح: [ومن خبرتنا في البحوث العلمية تأكد لي وجود نوعين من الباحثين].

المهم ان معدلات الانتحار في العراق كما ورد في نتيجة الدراسة هي اقل من معدلاته عالمياً وهي صحيحة رقمياً كما أكد أ. د قاسم حسين صالح يبقى الخلاف حول ما يقدمه الواقع من حقائق حيث يقول أ. د قاسم حسين صالح ان الواقع يناقض تماماً تلك النتيجة الصادمة...ولم يقدم لنا أ. د قاسم حسين صالح كيف إن "الواقع يخالف تماماً تلك النتيجة الصادمة"... والنتيجة المناقضة تماماً لنتيجة الدراسة تعني انها أكثر من المعدل العالمي ...عليه ننتظر من أ. د قاسم حسين صالح أن يُثبت قوله هذا  حيث يمكن الاستنتاج من طرح أ. د قاسم عن النتيجة الصادمة أنه يستند على بَيِّناتْ واضحات عدها حقائق من الواقع...نتمنى ان يتفضل علينا بها حتى يُقَدِمْ الصورة الحقيقية للمشكلة وأكيد سنستفيد من تسليط الضوء عليها ومناقشتها لنلمس وتلمسوا الحقائق!!! وأتمنى عليه ان يرشد الباحثين الى الأسلوب والطريقة التي يستطيعون بها الوصول الى الحقائق التي يقدمها الواقع لتعم الفائدة منها. وإنا لمنتظرون!!

11- ثم كتب أ. د قاسم حسين صالح التالي: [والمؤسف ان التزامها الحرفي بالأرقام دفعها "يقصد لجنة الدكاترة" الى ان تقول انها لا تمتلك ارقاماً عن معدلات الانتحار في العراق قبل 2003 لتحكم ما إذا كانت قد ارتفعت معدلاته بعدها، وهو تبرير صحيح ايضا لأن الانتحار في العراق ما كان يشكل ظاهرة] انتهى.

تعليق: لا اعرف كيف صاغ أ. د قاسم حسين صالح هذه العبارة واعتبرها مناسبة هنا؟ انها عبارة مرتبكة غير متناسقة لا لغوياً ولا علمياً. أن التزام "لجنة الدكاترة بالأرقام لم يدفعها الى القول بعدم امتلاكها لأرقام ما قبل 2003 ...هذه العبرة قد تدخل في باب "تعمد الاخفاء او في باب التزوير والتزييف والكذب"...وهذا غير صحيح وغير مرغوب فيه في كل الأحوال ومن يطرح هذا عليه اثبات ما يؤيد كلامه وإلا فلا.

هذه العبارة غير صحيحة مطلقاً حيث أن الدراسة لا/لم تنكر أو تؤكد ارتفاع حالات الانتحار في العراق بعد 2003 لأنها بكل بساطة غير معنية بهذه المقارنة فهي تكلمت عن المقارنة بين معدلها في العراق والمعدل العالمي خلال سنتي الدراسة [2015 و2016].

ولمعلومات أ. د قاسم حسين صالح أن ذكر عبارة 2003 عيب بحثي، ف"قبل 2003" يعني مدى مفتوح في علم الإحصاء والأرقام ...ماذا تعني قبل 2003؟ هل يقصد عام 2002 أم عام1900؟ أم يقصد فترة حكم البعث؟ وهذا ليس من المنطق او الواقع ...يُقال عن نظام الحكم قبل 2003 ويقصد به فترة اخر حاكم لكن هذا لا يدخل في "الانتحار" الذي يُحسب سنوياً ويستخرج معدل الانتحار سنوياً ويدرس سنوياً ويقارن سنوياً ويُنشر سنوياً حاله حال ميزانية الدول وعدد الولادات والوفيات وغيرها وربما حتى عدد السكان.

الدراسة تتكلم عن موضوع والدكتور يتكلم عن موضوع أخر لا علاقة له بالدراسة التي ينتقدها وهذا دليل أخر على عدم اطلاع أ. د قاسم حسين صالح على الدراسة التي انْتَقَدَها.

 ثم كيف عرف أ. د قاسم حسين صالح أن الانتحار في العراق قبل 2003 لم يكن يشكل ظاهرة؟ وهذه العابرة دفعتني للبحث فيما كتب أ. د قاسم حسين صالح قبل عام 2003 فلم اجد ما يفيد بخصوص الانتحار... لكن عرفت من سيرته الذاتية انه عمل في اختصاصه وكان قريب من الصحافة والاعلام ومجال الطب النفسي وأجرى عشرات البحوث والدراسات عن العوامل النفسية والاجتماعية وعن جرائم العنف والانعكاسات النفسية للحرب على المواطن العراقي  واسس وترأس عام 1995 مكتب الاستشارات النفسية والاجتماعية والغريب اني لم أجد مما ورد في سيرته الذاتية أنه قام بدراسة عن الانتحار او كتب مقالة عنه قبل عام 2003""مما تيسرلي الاطلاع عليه"" على الرغم من ان الانتحار في تلك الفترة طرق مسامعنا كثيراً "يعني قدمه الواقع" وبالذات في صفوف المجندين العسكريين في الحرب مع ايران وبعد معركة الكويت عام 1991و كذلك في صفوف التجار والباعة خلال فترة الحصار الظالم  نتيجة انهيار العملة  تذبذب أسعار الدولار وتعرضهم لخسائر جسيمة  وحصل في الحملات العسكرية على الاخوة الاكراد قبل جريمة الانفال وفيها وبعدها  وحالات انتحار بسبب الزنا بأنواعه والحرمان والاضطهاد السياسي وتفشي الفساد المالي من سرقة ورشوة وتزوير. وقد كتب عن بعضها الدكتور في وقتها.

نعم الانتحار قبل 2003 لم يُسجل كظاهرة لأنه كان يُعتبر من أسرار الدولة ويخص الامن الاجتماعي الذي يتبع الامن الوطني الذي يتبع الامن القومي الذي يتبع الامن الرئاسي.

ان الربط بين التعامل ال "حنبلي" مع الأرقام وارقام ما قبل 2003 قد يُفَسَرْ أنه اتهام بعدم النزاهة وتعمد عدم الدقة وحتى التزييف والكذب وانا لا أتوقع أن يكون هذا هو قصد أ. د قاسم حسين صالح من هذا الربط لكن ربما لا يعرف أنه قد يعني ذلك وهو اتهام خطير ليس في محله او لا داعي له اصلاً فهو ربط مُعيب. أنا اعيد هنا هذه النقطة لبيان أهمية الدقة في الطرح وضرورة العودة الى ما نكتب قبل أن ننشر والعودة اليها بعد أن ننشر فربما نجد ما نعتذر عنه وعليه وهذه الحالة الواجبة يفتقد اليها البعض ولمستُ عدم اهتمام أ. د قاسم حسين صالح بها حيث أن رد "الدكاترة" على انتقاده الدراسة تَضَّمَنَ الإشارة الى هذه النقطة والرد مضى عليه أكثر من سنة وثلاثة أشهر تقريباً ولم يؤشر الدكتور أي إشارة على هذا الاعتراض وهذا كما أتصور غير محبب.

 12- [ثم أكمل أ. د قاسم حسين صالح التالي: [فيما المنطق والحقائق ومصادر حكومية وتقارير تتمتع بالمصداقية ودراسات جامعية عراقية تؤكد ان معدلات الانتحار في العراق تضاعفت بعد 2003، اليكم نماذج منها:] انتهى

الى اللقاء في الجزء التالي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

كاظم الموسويهل تخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وتنفذ بريكست، أو تبقى تمدد الفترة القانونية؟ هل تستمر بالتفاوض مع قيادة الاتحاد الأوروبي ام مع حزب العمال المعارض، بزعامة جيرمي كوربين؟ هل تذهب حكومة المحافظين الى استفتاء جديد وتستجيب لآلاف، اذا لم يكن ملايين، المتظاهرين والموقعين على عريضة جماعية مفتوحة، المطالبين بالبقاء في الاتحاد؟ من يقرر كل هذا ومن ينفذه؟!  الحكومة اليمينية ام مجلس العموم المنقسم عموديا وافقيا، ام الشارع الغاضب؟. ما هي آفاق العمل السياسي الذي تسير عليه الحكومة؟ وأسئلة كثيرة اخرى، تبين حجم المازق والانسداد السياسي أمام حلول تخرج الدولة منها لاسيما وأنها دخلت بسببها في أزمات على مختلف المستويات..

اجري الاستفتاء الاول في 23 حزيران / مايو2016  وبينت نتائجه رجحان الموافقة على الخروج من الاتحاد بنسبة ضئيلة، واندفاع حزب المحافظين أو عصبة فيه الى الترويج للخروج، دون حساب النتائج التي تترتب عليه، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وحتى أمنيا ووحدة المملكة، التي قد تتعرض للتفكك ويصبح الخروج من الاتحاد الأوروبي خروجا داخليا ايضا من اتحاد المملكة وتوزعها الى دول جديدة. منذاك بدأت الأزمات تتفاقم والتحذيرات من تعقيدها تتزايد، وصولا إلى ما هي عليه الأوضاع الآن.

كان المفروض أن تخرج المملكة من الاتحاد نهاية آذار/مارس الماضي حسب الفترة القانونية التي يحق لها البقاء وفق تفعيل المادة خمسين من اتفاقية الإتحاد. وقامت حكومة المحافظين ورئيستها تيريزا ماي في جولات مارتونية بين لندن وبروكسل، عاصمة الاتحاد ومقر رئاسته، للوصول إلى إتفاق حول عملية الخروج أو الطلاق كما سمي في وسائل إعلام كثيرة. وعرضت ما توصلت إليه على البرلمان البريطاني للحصول على موافقة الطلاق، الا أن البرلمان رفض كل ما عرض عليه، وطالب بأن يكون الطلاق باتفاق والامتناع عن خلافه، مما عقّّد الأمور أمام ماي وحكومتها واضطرارها في الاخير الانحناء والتفاوض مع حزب المعارضة، حزب العمال وزعيمه، للوصول معا الى حلول متفق عليها وقبول الخروج، حتى في إطار التمديد الأخير  إلى 31  تشرين اول/ أكتوبر هذا العام. وسبق أن طرح هذا السيناريو من ضمن الحلول المطروحة لإيجاد مخرج الطلاق باتفاق لا يضر المصالح المشتركة.

ثلاث مرات فشلت ماي في إقناع مجلس العموم البريطاني لما طرحته عليه، واخيرا فشلت في مفاوضاتها مع حزب العمال المعارض. حيث أعلن الحزب وقف المفاوضات معها بعد ستة أسابيع من مفاوضات "غير مثمرة".  وقال زعيم الحزب المعارض جيرمي كوربين، في رسالة إلى ماي، إن المفاوضات "ذهبت إلى أقصى حد ممكن" بسبب "ضعف" الحكومة المحافظة معبرا عن عدم ثقته فيها للتوصل إلى أي اتفاق. مضيفا أنه رغم إجراء محادثات "بناءة" و"بحسن نية" من جانب الطرفين "لم نتمكن من سد ثغرات سياسية كبرى بيننا". واعتبر كوربين أن "تلاشي سلطة" تيريزا ماي يهدد قدرتها على "جعل أي تعهد" تقطعه خلال هذه المحادثات ملموسًا. كما حذر كوربين من أنه "في حال لم يحصل تغيير كبير، سنواصل معارضة الاتفاق الذي أبرمته الحكومة" حول بريكست معتبرا أن هذا النص لا يحمي الوظائف أو الصناعات في بريطانيا.

معروف ان حزب العمال يفضل البقاء ضمن اتحاد جمركي أوروبي، يرسي سياسة جمركية وتجارية مشتركة، بحيث لا تفرض جمارك أو ضرائب على تبادل البضائع بين المملكة المتحدة ودول الاتحاد. فيما تؤكد ماي أنها تريد الخروج منه لإفساح المجال أمام بلادها للتوصل إلى اتفاقات تجارية مع دول أخرى. كذلك لا يستبعد حزب العمال خيار إجراء استفتاء ثانٍ، بحيث يصوت الشعب على الاتفاق الذي يقره البرلمان.

 فشل المفاوضات بين الحزبين الرئيسين،  المحافظين والعمال،  قبل ستة أيام من الانتخابات الأوروبية في البلاد، مقدمة صراع سياسي جديد بينهما، في الانتخابات وفي تحقيق أفضل نتائج لكل منهما، بعدما انتقدهما الناخبون  أو عاقبهما في نتائج الانتخابات المحلية بسبب المماطلة بشأن اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي، وابقاء التوتر والانتظار قائما.

وكانت المفاوضات بين الحزبين وما انتهت إليه موضع غضب بين المحافظين الداعمين لبريكست، إذ يقولون إن الاتحاد الجمركي سيحد من قدرة بريطانيا على إبرام اتفاقيات تجارية خاصة بها. كما يرون أن التصويت للمرة الثانية غير ديمقراطي. وهو أمر يثير استفسارات عن موقفهم مما يتحدثون عنه في قضايا مماثلة. كما انتقد بعض النواب المحافظين ذهاب ماي الى التفاوض مع حزب العمال، لكنها قالت إن الحكومة "لا تملك إلا التواصل مع النواب على الجانب الآخر من مجلس العموم". مع تاكيدها والحكومة البريطانية، على أن المفاوضات مع حزب العمال المعارض حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست" انتهت دون الوصول لاتفاق. مما يدفع إلى إجراءات صعبة وربما تعقيدات جديدة. لا اتفاقا داخليا وضغوطا خارجية مستمرة، وفشلا في التفاوض والاقناع، وحراكا شعبيا وردودا وأجوبة غير مقنعة وغير مسؤولة.

من بين ما يمكن حصوله هو اضطرار رئيسة الوزراء الى اعلان موافقتها على التنحي بعد التصويت على الاتفاقية في مجلس العموم ودخول البلاد في فترة سياسية قلقة لما بعد ماي. رغم ان التنافس داخل حزب المحافظين حول خليفتها القادم كان قد بدأ، أو أعلن عنه داخليا أكثر من مرة، وكانت قد صرحت اثرها بانها قد تعهدت بوضع جدول زمني لترك منصبها بعد تصويت مجلس العموم على خطتها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو القادم.

بعد نحو 3 أعوام من التصويت على نحو غير متوقع بالطلاق، الخروج من الاتحاد، بريكست، وكانت النتائج بسيطة ولها اسبابها وضغوط توجهاتها، لا يزال من غير الواضح متى ستعلن بريطانيا خروجها باتفاق أو بدونه، أو بقاءها في الاتحاد الذي انضمت له عام 1973، باستفتاء ثان أو سحب طلبها الاول، وفي اي سيناريو ستتجه سياسات لندن وما هي صورتها القادمة؟!.

 

كاظم الموسوي

 

صادق السامرائيالمفكرون العرب يتحدثون عن الجهل المقدس، أي أن المجتمع يقدس الجهل بتكرار عقائد دوغماتية غير خاضعة للتحقيق العلمي، ومنهم مَن يذهب إلى الجهل المؤسس، ويعني به النظام التربوي الذي يؤسس للجهل ويغلق الأبواب أمام المعرفة والتفكير ويعطل العقل، ويمعن بالتلقين وعدم تشجيع الإنسان على إستعمال عقله لأنه من المحرمات.

ومعظمهم يخشى أن يشير إلى بيت الداء ويدور حوله، خوفا من التكفير والإتهام بالزندقة وغيرها من الإتهامات، التي يسهل إطلاقها والعمل بموجبها من قبل أعداء الثقافة والمعرفة وإعمال العقل.

فبيت الداء أن تجارالدين لا يسمحون بالتعلم والمعرفة وينكرون على البشر وجود العقل، فهم الذين يعرفون وعندهم العقل والحكمة والقول الفصل، وما على البشر إلا أن يتبع ويطيع ولا يجوز له السؤال، لأن في ذلك زعزعة لقدسيتهم ومقامهم الجليل.

وهؤلاء هم الذين يكرسون الجهل ويعملون بجد ونشاط على إدامته، والحث الدائب على التجهيل والتدمير العقلي، للذين إمتطوا مصيرهم بإسم ما يدّعون من طائفيات ومذهبيات وآليات إستعبادية وتدميرية للبشر والدين.

فهم يعتقدون بعقائد أوجدوها ويحسبونها دين، وهي لا تمت بصلة إلى جوهر وحقيقة الدين، وإنما من وحي تأويلاتهم وتسويغاتهم وتطويعاتهم اللازمة لتمرير ما يرغبونه ويذهبون إليه، فيخدعون أنفسهم ويضللون الناس من حولهم، ويمعنون بتجهيلهم وحرفهم عن الصراط المستقيم والنهج القويم.

ووفقا لذلك فالجهل أكثر من مقدس، وإنما أصبح عندهم طقس تعبدي، وأساس للإيمان، فما عليك إلا أن تؤمن بقلبك وتعطل عقلك، لأن ما يأتي به العقل وساوس وأضغاث وهمسات شياطين تريد أن تبعد المؤمن عن الدين.

ومن الواضح أنهم يشجعون على الجهل والتجهيل، فكلما زاد عددهم وتأثيرهم في المجتمع تنامى الجهل وتعاظمت الأمية، ولن تجد منهم مَن يسعى إلى التثقيف والتعليم ومحاربة الجهل والأمية، لأن في ذلك خسارة كبيرة لوجودهم التضليلي ودورهم الإستعبادي، ويؤدي إلى أضرار تجارية هائلة لا يمكن القبول بها.

فالبشر بضاعتهم وبه تنتعش تجارة الدين، ولكي تكون البضاعة مربحة يجب أن يكون الجهل علامتها الفارقة وماركتها التجارية المتميزة.

فهل عند المفكرين العرب الجرأة بتسمية الأشياء بأسمائها بدلا من المصطلحات التي تدور حول المعضلة، وما أوجدوا حلا فاعلا لأية مشكلة تمخر الواقع العربي على مدى عقود، ولن يعفيهم قولهم بأن هذا ليس من واجبهم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

المتابع للسجال بين المجلس العسكرى الإنتقالى وقوى الحرية والتغيير يحس إن قوى الحرية والتغيير تريد فرض رأيها على المجلس العسكرى عبر مراحل من التكتيك وترى هذه القوى إن على المجلس العسكرى  السمع والطاعة لهم بحكم إنهم يمثلون الشعب  السودانى حسب ظنهم  وهذا فقد وافق المجلس العسكرى على الكثير من طرحهم وفى كل يوم يخرجوا  إلينا  بجديد وبعد أن وافق المجلس العسكرى على هياكل السلطة الإنتقالية الثلاثة بصلاحياتها خرج  علينا الحزب الشيوعى بمقولة يجب  أن تكون الأغلبية فى المجلس السيادى مدنية وكذلك رئاسة المجلس مدنية والسؤال الذى يفرض نفسه هل  تقبل قوى التغيير برئيس المجلس العسكرى ونائبه وبقية الأعضاء فى المجلس العسكرى أعضاء معهم فى المجلس السيادى إذا وافق الإنتقالى على الأغلبية والرئاسة للمدنيين أم أن هذا سؤال ليس له إجابة حالياً؟ السؤال الأكثر عمقاً لماذا هذا  الإصرار؟ وماذا عن مقترح الرئاسة الدورية هل الحزب الشيوعى موافق على ذلك؟  ماذا يعنون بتفكيك الدولة العميقة هل هو الصالح العام وإقامة دولة تمكين أخرى من كوادرهم أم هنالك معنى آخر لهذا العبارة؟ وماذا يعنون بمحاسبة المفسدين من عضوية المؤتمر الوطنى هل هو المصادرة دون تحقق أم المحاسبة العادلة؟ أتمنى أن يخرج علينا الحزب الشيوعى صاحب الصوت الأقوى ومن خلفه بقية قوى الحرية والتغيير ويقدموا للشعب السودانى البرامج التى سوف يقومون بها فى الفترة الإنتقالية بكل صراحة وأتمنى أن يستفتوا الشعب السودانى فى برامجهم  تلك حتى يستطيعوا أن يقولوا بكل  ثقة إنهم يمثلون الشعب السودانى بحق وحقيقة والله أسأل التوفيق إذا حسنت النوايا

 

حافظ مهدى محمد مهدى

عبد الخالق الفلاحمن الصعب على المرء، مهما كان انتماؤه السياسي، أن ينكر أن مجال السياسة أصبح خلال السنوات الاخيرة التي مضت أقل تحضرا ودماثةً وكما يعتقد البعض أن السياسة تستدعي التخلي عن القيم والأخلاق والتوجه إلى أساليب تتحرر من القيم فكانت الأخلاق والسياسة لهما مفهومان متناقضان.

كما يتصورون أن السياسة هي أن تحافظ على كيانك والبقاء قائما سواء على مستوى الأفراد والحكومات والدول باستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وهؤلاء يستندون لنظرية ميكيافيلي الذي يرى أن الأخلاق يجب إبعادها عن السياسة لأنها العائق الوحيد أمام تطور الدول وله مقولة مشهورة «الغاية تبرر الوسيلة ومن هذا المنظور ومع الاسف ان العظمة والغلبة ينالها الأمراء المخادعون الذين لا عهد ولا وفاء لهم ،والبقاء في السلطة فوق كل الغايات والاعتبارات وبكل الوسائل حتى ان كانت غير مشروعة . لان القوة الغالبة في سياسة حكومات الدول في الزمن الحالي هي المصالح وليس الأخلاق، وذلك على الرغم من ادعاء الدول المتقدمة على التمسك بالمبادئ والأخلاق، باعتبارها الحصن الذي يحمي الدول والحضارات من الوقوع في براثن التدهور والانهيار وهي على ما يبدو ان الحديث عن الأخلاق عموماً والأخلاق في السياسية اليوم مجرد نزوة اخترقت شرفات الحلبة المشتعلة التي تأوي ومايُفترض أن تكون أسرة السياسية واعية بدورها وأسباب وجودها؛ ولأن الإحتقان العلائقي الذي تعيشه أفراد الأسرة السياسية هي عدم التوازن فيها والسياسة تعني في اللغة وماخوذة من فعل ساس الحصان أي قاده إلى حيث الماء.

وافضل نموذج للادارة هي ما بعثها الإمام علي(ع) إلى مالك الاشتر (رض) والي مصر) كما جاء في نهج البلاغة وفيها أهم الأفكار والمفاهيم السياسية والاقتصادية وشؤون الحكم والإدارة بل من أهم الركائز الفكرية والسياسية والادارية التي بعث بها رئيس دولة إلى أحد ولاته و تضمن هذا العهد رسم الخطوط العريضة للسياسة العامة التي يجب أن ينتهجها الحكام في كل عصر على أساس المنطلقات الإنسانية والإسلامية التي تهدف إلى تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنظيماً دقيقاً وبناء العلاقات الداخلية في المجتمع الإسلامي على أساس العدل والحرية والمساواة سواءاً كان تعامل الحاكم مع الشعب أو مع رجال السلطة وفق سياسة تكفل للجميع الاستقرار والتقدم.

فالأصل في الفعل السياسي قيادة الناس وتنظيم شؤونهم وقضاء مصالحهم. غير أن تجارب البلدان في السياسة وتجارب الشعوب تبين كيف أن الحصان لا يقاد دائما ومن المفيد والضروري استدعاء الأخلاق في السياسة لإنقاذها من بين طواحين أفراد اسرهم الذين يتمادون في التنكيل بها فالأخلاق والسياسة ماهيتان مختلفتان بطبيعتيهما عندهم ومن المحال احتواء إحداهما للأخرى

نظرياً قد تكون ثمة «معايير أخلاقية» للعمل السياسي، لكن إسقاط ذلك على الواقع يبدو أقرب للخيال، فالعلاقة معقدة بين قيم الأخلاق المعروفة، مثل (الصدق والنزاهة والوفاء..الخ)، والوسائل اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية، التي تعتمد غالباً على ممارسة الكذب والخداع، لكون السياسة تشكل بيئة خصبة لتحقيق المكاسب المادية وصفقات الكواليس والامتيازات المعنوية والوجاهة والألقاب، وقد ساهم في تعزيز هذا السلوك طغيان وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة. ويمكن التمييز بين بلدان الخضوع والخنوع التي تحكم بالنار والحديد والدول الديمقراطية المستقرة سياسيا، التي تشكل صناديق الاقتراع وتكريس مبدأ تداول السلطة من خلال الأحزاب السياسية، مخرجا للرد على كذب السياسيين واستبدالهم، عندما يفشلون في تحقيق برامجهم ويكتشف الجمهور خداعهم، وهذه ميزة مفقودة في الدول التي تحكمها أنظمة بوليسية ، أو تصل الى الحكم عبر الانقلابات العسكرية . إن سر نجاح البعض من الدول المتقدمة كان في تبني قيم ومبادئ أخلاقية أصبحت راسخة لدى شعوب هذه الدول، إلا أن هذه الدول أو معظمها خرجت عن هذه الضوابط والقواعد الأخلاقية في سياساتها الخارجية، فكانت معاييرها مزدوجة وفق مصالحها التي تدعيها، والتي لا تخدم بالتأكيد مصالح الشعوب الاخرى .وكما يقول الشاعر احمد شوقي:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مع وجود التناقض الشديد ما بين المبادئ والقيم الداخلية التي ترعاها وتحافظ عليها، وبين سياساتها الخارجية التي تعتمد مبدأ المصلحة كمبدأ في التعامل مع العالم الخارجي، خاصة مع العالم الإسلامي وبالرغم من أضراره الخطيرة على علاقاتهم ومصالحهم.

رغم ذلك يمكن دمجهما في زوايا محددة (اي السياسة والاخلاق) في تفاعل متبادل ترعاه أجواء الحرية والاعتدال، لأن الفضيلة السياسية أو الأخلاق في السياسة لا يمكن أن تنمو عيانياً في مناخات التطرف والعنف والغلو ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة. وقد ميز المفكرون والفلاسفة منذ أفلاطون الفارق الكبير في البنية الأخلاقية بين الفرد الذليل والمدفوع وراء أهوائه ونزواته عن الذي يتمتع بكامل حقوقه الطبيعية، المدنية والسياسية ويصبو لقيم الخير والحق والجمال والعدل، فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضاً أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر، وكلاهما، السياسة والأخلاق، تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفاً ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعياً عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكيافيللي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه " الأمير"، ليظهر السلوك الميكافيللي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية!!.. أن ممارسة الفرد لاي عمل وفي جميع المجالات يتحتم عليه الالتزام بالمعايير الأخلاقية الثابتة، وأن تلتزم الدول والمؤسسات بالالتزامات الأخلاقية حيث سوف يُستنتج من أن المعايير والضوابط تلك لها دور مهم في إرساء قواعد الممارسة المهنية والروابط السياسية والاجتماعية الفاضلة .والخلاصة في القول ان العلاقة بين السياسة والأخلاق، ينقسم بين طرفين. بين الوصل بينهما أو الفصل. والأمر يتقدر بين الفلاسفة بحسب منظوراتهم. وفيها ينفصل المنظور البراغماتي للسياسة عن المنظور الأخلاقي. لكن التاريخ معيار. واحترام القيم الانسانية هو المعيار الحقيقي على الدول اليوم وتقدمت بالأمس على اساسه ورفعت شعاره؟

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي