لقد كان للمؤسسات ألدينية دور كبير{سلبا أوأيجابا} في صيغة ألبنية ألأساسية وألأجتماعية وألثقافية في ألعالمين ألعربي وألأسلامي؛ بل في صياغة ألمشروع ألحضاري لهذه ألأمة على مدار ألتاريخ. وقد برز هذا ألدور منذ أن تم أحتواء ألمؤسسات ألدينية من قبل ألحكام بغية تحقيق أهداف قد تتفق أو تتعارض وألشريعة ألأسلامية. أن أستغلال ألدين عبر ألمؤسسة ألدينية هي ديدن كل حاكم ومسؤؤول!! بغض ألنظر عن معتقداته ومنطلقاته حتى وأن كانت معتقداته معادية للدين مثل طاغية تركيا مصطفى كمال أتاتورك؟. أستخدم ألسادات ألأزهر لتحقيق مأربه وأطلق على نفسه شعار {ألرئيس ألمؤمن !!}. كما فعل طاغية ألعراق صدام على نفسه{بطل ألقادسية؟}. وتحت عنوان أستغلال ألدين لأغراض ألحكام؟ وقد دافع شيوخ ألأزهر عن ألطاغية ألسادات؛ بفتوى{أن حكام مصر لايردون لله حكما ؛ كما فعل صدام وحكام نجد وألحجاز حيث أطلقوا على أنفسهم خدام ألحرميين ألشريفين؟. في كارثة ألخليج 1990 كان بوق ألنظام ألرسمي؛ مع شيخ ألأزهر جاد ألحق. وقد كان في صف ألكويت والسعودية حسب ألدور ألمرسوم له من ألدولة. بل أنه ذهب ألى ألسعودية لزيارة ألقوات ألمصرية في حفر ألباطن!!وقال بجواز ذلك شرعا؟. أعترض ألكيان ألصهيوني على حلقات ألشيخ ألشعراوي ؛ عام 1980؛ عند تفسيره لسورة ألبقرة وكلامه عن مكر أليهود وخداعهم وقتلهم للأنبياءبغير حق. أستجابت ألحكومة ألمصرية؛ فمنعت حلقات ألشعراوي فترة ثم أعادته بعد مقتل ألسادات !!. يعتبر ألأنموذج ألسعودي ألتجربة ألفريدة في تاريخ ألممالك ألأسلامية؛ حيث أستخدمت ألأنظمة ألحاكمة ألمتعاقبة –ألدولة ألسعودية ألأولى وألثانية وألحالية؛ ألدين على نطاق واسع وبصورة دقيقة ومدروسة.. فالعلمنة خفية وألهدي ظاهر{لحية؛ نقاب؛حجاب؛ غلق ألمحلات في أماكن معينة وقت ألصلاة..}. من خلال هذا ألطرح نلقي ألضوء على طبيعة ألعلاقة بين ألمؤسستين ألدينية وألحاكمة وأستخدامها؛ حتى أصبحت بوقا يضفي ألشرعية على كل مخازي وجرائم ألنظام ألسعودي؟ وكيف ظهر ألمخبوء وبانت سوأة ألمؤسسة ألدينية في ألأونة ألأخيرة.. بعد أجتياح ألقوات ألعراقية أرض ألكويت أصدرت هيئة كبار ألعلماء بيانا يؤيد ألأستعانة بقوات أجنبية غير مسلمة؟؟. وأن حزب ألبعث ألعراقي قومي وليس حزبا أسلاميا؛ أذا تعدوا؛ وجوب ردعهم؛ ولو بألأستعانة ببعض ألكفار. وأستدلوا بأن ألرسول{ص}أستعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب أهل ألطائف؟وأفتى محمد بن سبيل؛ ألرئيس ألعام للحرمين ألشريفينألأسبق؛ قائلا {بأن ألأستعانة بجيوش أسلامية وغير أسلامية أمر يحتمه ألواقع وتقره ألشريعة ألأسلامية؛ أسوة بفعل ألمصطفى{فقد أستعان ألنبي؛ ص} بعبد ألله بن أريقط عندما تكالبت قريش وأرادت أن تفتك به؟ ونسأل حكام ألسعودية؛ لماذا لم تتعاونوا مع حلفائكم وولاة أمركم في واشنطن ولندن وباريس؛ في تحرير ألأقصى وعودة اللاجئين ألى ديارهم؛ ماضر هؤلاء ألعلماء لو أنهم حرضوا ألأمة على ألجهاد ألمقدس؟كما يحدث ألآن في جهاد ألشعب ألفلسطيني ضد ألكيان ألصهيوني؛ وجهاد مجاهدي حزب ألله؛ ألذين حرروا أرضا أسلامية وعربية؛ وتطلقون عليهم بأنهم {حزب ألشيطان؟}. فهل ألصهاينة أقرب ألى شرع ألله من مجاهدي فلسطين وحزب ألله؟{يأيها ألذين آمنوا قاتلوا ألمشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}. فهل ألتحالف مع جزاري صبرا وشاتيلا أفضل عندكم من مجاهدي ألشعب ألفلسطيني؟ وهل ألجهاد في أليمن فرض عين؟. كيف يرضى علماء ألدين؛ بهذا ألهوان وبدنيا زائلة؟ويوقعون على أول حملة صليبية يهودية ممولة من ثروات؛ وخيرات ألمسلمين؛ ألتي أستولى عليها ألحكام ألخونة؟. لماذا تصرفون ألمليارات شهريا على قتل أهل أليمن؛ بدم بارد؛وتتركون غزة وألقدس ألشريف مباحة للصهاينة؛ وتتحالفون معهم،ضد ألشعب ألفلسطيني وأليمني؟؛ وكأنهم كفار قريش؟. لقد تستر ألنمط ألسعودي وراء ألدين زمنا طويلا. حتى جاءت حرب ألخليج ألثانية. فكشفت وفضحت. علماء ألسلطة ألذين لطالما نمقوا ألبيانات وسطروا ألصحائف وألكتب والمجلات؛ بفتاويهم ألمنظمة ألتي تصب دائما في خانة ألسلطة ألسعودية.. لذلك لما حظر ألسلف من ألدخول على ألسلاطيين. والجلوس معهم. لم يكن هذا ألحظر؛ وهذه التنبيهات ألنورانية. والجلوس معهم. عبثاّ. فما بالك بحكام ليس لهم من ألأسلام ألى أسمه ورسمه فقط؟!!ورغم علم هؤلاء بأقوال علماء ألسلف وترديدهم أياها. ألا أنهم رضوا بالقعود معهم؛ فخاضوا فيما خاضوا فيه. ونزلوا في ألوحل مثل حكامهم. بل زينوا لحكامهم. ببيع ألبلاد وألعباد. بأسم ألدين؟. في عشرينيات ألقرن ألماضي؛ أصدرت ألحوزة ألعلمية في مدينة ألنجف ألأشرف؛ فتاوي بالجهاد ضد ألأحتلال ألبريطاني ألغاشم؛ وقاتلوهم لسنوات عدة؛ وقتلوا منهم ألمئات وكلفت ألميزانية ألبريطانية خسائر فادحة؛ وبسب موقفهم هذا؛ ضد قوات ألأحتلال؛ ر فضت تسليمهم مواقع سيادية؛ بعد ألأحتلال؛ بل سلمتها ألى ألمتعاونين معهم؛ مثل نوري ألسعيد وغيرهم من حثالات ألعهد ألبائد؟.. فلماذا لايفتي وعاظ سلاطين نجد وألحجاز؛ بأعلان ألجهاد لتحرير ألقدس وألمسجد ألأقصى من براثن ألصهاينة. دخلت ألقوات ألصليبية؛ أرض ألحرميين ألشريفيين في حرب ألخليج ألأولى؛ ولم يصدر وعاظ ألسلاطين فتاوي؛ بحرمة أستباحة ألقوات ألصليبية لبلاد ألحرمين ألشريفين أنذاك؟. فبأسم ألدين يسجن ألدعاة وألعلماء. وبأسم ألدين تحاك ألمؤمرات لفلسطين؛ وبيعها بثمن بخس. وبأسم الدين يحاكم ويقتل كل من يعارض ألمؤسسة ألحاكمة. كل ذلك بفضل وبركة صكوك ألمؤسسات ألدينية ألخليجية؟. أن تدافع مشايخ ألخليج وهرولتهم للأعتراف بالكيان ألصهيوني؛ وأقامة علاقات عسكرية وتجارية؛ تشمل أيضا مصر وألأردن وألمغرب؛تعتبر خروج على شرعة ألسماء؛وتطاولا على ألله جل جلاله ورسوله ألكريم{ص}؛ فحسبنا ألله ونعم ألوكيل.

 

د. عبد ألحميد ذرب

..............

* أقتبست بعض ألأراء وألأفكار من كتاب ألصراع بين ألمؤسسات ألدينية وألأنظمة ألحاكمة لمؤلفه هاني ألسباعي.

    

داود السلمانفي سنة 2010 أصدرت كتيباً عن الغجر، وتحديداً الغجر الذين يسكنون العراق، وحاولت أن اشرح فيه مأساتهم ومعاناتهم المستديمة، وسلطت فيه الضوء على مشاكلهم بصورة عامة. وظل موضوع الغجر يؤجج مشاعري الانسانية، ويرهق ذاكرتي، بحيث بقيت اتعايش مع مأساتهم، وأتحين الفرصة تلو الاخرى لتسجيل صور أخرى في خزينة ذاكرتي لهم، فرأيت المأساة أكبر مما تسع الذاكرة، والمحن أعظم مما تروم الصمود امامها الانسانية، ويصعب على اليراع أن يسجل ما يمر به مجتمع الغجر، هذا المجتمع المسالم، من محن لا يدرك كنهها الا الغجر انفسهم، فهي مأساة بالمعنى الحقيقي لهذه المفردة.

وخرجت بحصيلة تفوق التصور، ووجدت ملحمة مروعة من مآس مجتمع كأنه يعيش خارج التاريخ، ويقبع في كهوف مظلمة، لها أول وليس لها آخر، مجتمع أموات في اجساد احياء، فهم مشروع لإبادة جماعية، حكمت عليها بعض العقول المتحجرة ونبذتها في العراء، أن عاشت وأن ماتت فسيان عند تلك العقول الهرمة، التي تنظر الى بعض المجتمعات ومنها مجتمع الغجر، على انهم انصاف بشر، واحيانا تعاملهم اقل مما تعامل الحيوانات، إذ جعلوا بينهم وبين الغجر حاجزا محاطا بالصلب والحديد، وتحرسه جنود جفاة اغلاظ الاكباد لا تعرف الرأفة والرحمة، علاوة على انهم اختلقوا لهم قصصا مروعة، منها انهم يسرقون الناس ويخطفون الاطفال ويرتكبون جرائم قتل ومختلفة، وفوق هذا وذاك ادعوا أنهم يعملون على فساد وافساد المجتمعات بشذوذهم، كما عبروا عنهم، وتلويث بيئة مجتمعية بعاداتهم تلك، حتى عزلوهم تماما عن مجتمع المدينة، بحيث لا يروهم ولا يختلطون بهم ولا حتى يكلمونهم بكلمة واحدة،  وقالوا أن ذلك لا يليق بالإنسان السوي المتصف بالأخلاق الحميدة. وهكذا ظل مجتمع الغجر يرزح تحت ظل هذا الانعزال، منطويا على نفسه مكبلا بقود ذلك المجتمع واوامره، فلم يستطع أن يحرك ساكنا، بحيث حرم من ابسط وسائل العيش، تصب على رؤوسهم صنوف الشدائد، فأطفالهم عراة، حفاة، لم يدخلوا في المدارس، ولم يعرفوا مصطلح تعليم، اميون لا يعرفون القراءة والكتابة، وشيوخهم يرزحون تحت وطأة المرض، عاطلون عن العمل، واما نساؤهم فيشحذن في الطرقات والشوارع، فالدولة لا توظفهم، والمجتمع المدني لا يشغلهم، والحكومة لا تحل مشاكلهم، ومنظمات المجتمع المدني لم تزرهم، الدول الاخرى التي تنادي بحقوق الانسان لا تلتفت اليهم، الامم المتحدة لا تصلها اخبارهم، وأن وصلتها اخبارهم، فهم لا يعملون لهم شيئا، فقد زارتهم بعض الفضائيات العراقية وبثت لهم بعض التقارير المصورة، وشاهد هذه التقارير ملايين الناس، من مختلف العواصم العربية وربما الاجنبية كذلك.

لماذا العالم مطبق الصمت حيال هذا المجتمع، الذي يموت رويدا رويدا؟، من خلال الفقر والعوز والحرمان، وهو تتكالب عليه مختلف الامراض، ومنها الخطرة، لأنهم مجتمع معزول. اليس هم أناس؟، بشراً مثلنا، يريدون أن يعيشوا الحياة ويتمتعون بالدنيا كما نتمتع نحن، يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويناموا كما نحن نفعل هذا، يريدون أن يتمتعوا بمتعة الكهرباء وأن يشربوا ماءاً معلب بالقناني كما تشربه بقية البشر.

نفوس الغجر لعله اليوم قليل، لماذا الدولة لا تزجهم في المدن، على أن تفرقهم في جميع المحافظات، حتى يندمجوا هناك فيعملون وينتجون، وعلى الاقل يحصلون على جزء ولو يسير من حقوقهم، وبذلك نطوي صفحة من مأساة مجتمع مسالم كاد أن ينقرض بسبب الاهمال المقصود، ومن ظلم المجتمع الذي عزلهم عنه.

 

داود السلمان

 

علجية عيشلم يفتح الجراك الشعبي الملفات السياسية وكيف احتالت جمعاة من الأشرار على مال الشعب، بل فتح الحراك الشعبي ملفات قديمة تخص قطاع الثقافة، ولولا الحراك الشعبي لما انفجر هذا البركان، وتخرج النخبة المثقفة عن صمتها  لتكشف عن صراعات تعود إلى عهدة الرئيس هواري بومدين وهي ملفات تخص اتحاد الكتاب الجزائريين ومن كان وراء انهيار سقفه، ثم حديث عن رابطة إبداع وظروف توقف نشاطها وتجميد مسيرتها الإبداعية، ومن كان وراء إقصاء وتهميش النخبة المثقفة  في الجزائر من شعراء وقصاصين وروائيين

سمحت ندوة أدبية بإماطة اللثام عن ملفات ثقيلة تتعلق بقطاع الثقافة  في الجزائر والصراعات التي دارت بين من يُسَمُّونَ بالنخبة المثقفة، المسألة لا تتعلق بصراع الأفكار  كما هو دائر حول الروائي رشيد بوجدرة أو الروائي الزّاوي، وإنما هي صراعات سياسية أرادت أطراف محسوبة على أحزاب أن تفرض سلطانها وسلطتها السياسية على الفكر والإبداع، ليس مهما طبعا معرفة لماذا صمت هؤلاء طيلة 50 سنة أو أكثر، حتى جاء الحراك الشعبي، ولماذا لم يكشف هؤلاء عمّن عاثوا في الأرض فسادا يوم كانوا وزراء، ولما فقدوا مناصبهم كوزراء شرعوا في كشف عوراتهم ، لكن الأهم هو أن ثمار التغيير بدأت تظهر في الجزائر  بفضل الحراك الشعبي.

اتحاد الكتاب الجزائريين ، المكتبة الوطنية، ورابطة إبداع التي ترأسها الأديب الطاهر يحياوي  وربما هناك منظمات أو جمعيات ثقافبة كان لها وزن ثقيل في مرحلة السبعينيات  وهي الفترة ما بين رحيل الرئيس هواري بومدين وتولي الشاذلي بن جديد الحكم، مرت فيها الحركة الأدبية بظروف يمكن وصفها بالصعبة جدا، هذا ما صرح به الدكتور عبد الله حمادي في ندوة فكرية نظمت على شرف كل من الشاعرين نور الدين درويش ومحمد شايطة ومسارهما الأدبي تحدث فيها عن الحركة الأدبية في مرحلة السبعينيات وكيف تفتح جيل هذه المرحلة على الثقافة العربية التي كانت تحمل مشروع المجتمع، إلى أن جاءت مرحلة الشاذلي التي كسرت كما قال هو هذا الجدار المتين وسمحت لرياح العبث أن تتسلل بين النخب المعربة وتغرقها في الفوضى ، دخل معها الشعر في مرحلة تيهان، إلا أنه مع التفتح السياسي ظهرت ملامح مرحلة جديدة  حملت معها أسماء شعراء جدد على غرار الشاعر نور الدين درويش ، محمد شايطة، ناصر لوحيشي،  وكان لهم تصورا جديدا للشعر وعودة متميزة للتراث العربي برؤية جزائرية.

وبالرغم من الصعاب ظل عند هذا الجيل حضورا دائما ومميزا، حاولوا من خلاله التفاعل مع المرحلة الانقلابية للفكر الجزائري، عندما عانقوا الحراك الوطني الجديد الذي وجدوا فيه ضالتهم وأصبحت لهم رؤية واضحة للشعر الجزائري، وباعتباره الرئيس السابق لإتحاد الكتاب الجزائريين ،  حاول الدكتور عبد الله حمادي في كلمته تسليط الضوء على مرحلة السبعينيات والتأريخ لها وتوثيقها عندما أماط اللثام عن ممارسات جيل السبعينيات من بعض الأدباء الذين أقرّوا القطيعة المطلقة مع القصيدة التراثية،  حيث خرج عن صمته ليوجه أصابع الإتهام للشاعر عز الدين ميهوبي وقال أنه أوّل من دمّر الإتحاد، في محاولة منه أن يضفي على الإتحاد الطابع السياسي،  وقال أن عز الدين ميهوبي طلب منه  أن يلحق هذا التنظيم الأدبي بحزب التجمع الوطني الديمقراطي، أي أن يكون الإتحاد تحت برنوس الأرندي، مذكرا ما حدث في مؤتمر سطيف،  وأضاف أن ميهوبي استغل منصبه كوزير ليدمر وزارة الثقافة  وهو من أوصلها إلى ما هي عليه الآن، ولا ندري لماذا تحفظ الشاعر نور الدين درويش عن ذكر بعض الحقائق ، وحالة الإنسداد التي سادت اتحاد الكتاب الجزائريين ، وأعاقت نشاطه بعد مسلسل الإنشقاقات، منذ تعيين يوسف شقرة على راس الإتحاد ونشاة حركة التقويم داخل الإتحاد، أعطي لها اسم " اتحادنا قويٌّ" ، التي كان ناطقها الرسمي  الدكتور محمد بغداد،  وطالبت الحركة في وقت غير بعيد يوسف شقرة بالرحيل، إذا لم يعدل عن مواقفه المتطرفة والانفرادية في اتخاذ القرارات، كما كان الصراع داخل اتحاد الكتاب الجزائريين قد اشتد بين أعضاء الإتحاد ويوسف شقرة، بعدما اتهموه بمحاولته تسييس الإتحاد ، عندما عين كعضو في المجلس الوطني لإحدى الأحزاب السياسية، مما زاد تخوف الأعضاء من أن يتورط الإتحاد في قضايا سياسية لا شأن له بها، كونه مؤسسة ثقافية تعني بالثقافة والإبداع ، ويعتبر الصوت الناطق باسم الكتاب والمثقفين ويسهر على طرح قضاياهم  ومشكلاتهم.

ما وقفنا عليه خلال الندوة أن الشعراء كانوا مع الحراك الذي يجني ثماره كما قال في ذلك الشاعر نور الدين درويش، وقالوا أن كل الأحلام والأماني تحققت في هذا الحراك من خلال التوجه الجديد للمؤسسة العسكرية وما يفعله الضباط الأحرار في اصطياد العصابة، وتحدث نور الدين درويش عن ديوان الحراك الذي سيصدر قريبا عن دار الأوطان ، كانت فرصة لإزالة الضبابية لما تعرضت له رابطة إبداع التي دعا إلى تأسيسها الأديب الطاهر يحياوي صاحب دار الأوطان للنشر والتوزيع ،  وكان هو رئيسها في ذلك الوقت، إلى أن رأت النور في نهاية الثمانينيات،  وبظهورها تغير وجه الأدب والإبداع في الجزائر، وبتحفظ شديد تحدث الشعراء عن ظروف توقف الرابطة عن النشاط .

ولأول مرة يكشف الشاعر نور الدين درويش عن سبب تجميد الرابطة، - حسبه هو- كانت جماعة من الأدباء المعادية للرابطة أوصلت للسلطة  صورة مشوهة عن الرابطة بأن توجهها "إسلاميٌّ" وقالوا انها تشكل خطرا على مستقبل البلاد ولذا وجب  محاصرتها، وكان لهم ما أرادوا، بحيث منع أعضائها من النشاط، ومنعهم أيضا من فتح مكاتب ولائية ماعدا مكتب العاصمة، والفضل يعود للوزير السابق رشيد بوكرزازة يوم كان وزيرا للمدينة،  حيث تعاطف هذا الأخير مع الرابطة ، دون الحديث عن العقبات التي واجهتها الرابطة للحصول على الإعتمادات، وأضاف محدثنا أنه من الصعب اليوم إعادة بعث الرابطة من جديد وعودتها إلى الساحة ، وأيد هذا الموقف الشاعر محمد شايطة الذي ذكر أن الرابطة كانت بديلا عن الحقرة التي تعرض لها الشعراء.

 

علجية عيش

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: نشر الأستاذ الدكتور محمود محمد علي أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل في جامعة أسيوط سلسلة مقالات مهمة في المثقف الغراء تحت عنوان: كيف سعت أمريكا للسيطرة على منطقة الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثاني] قدم فيها معلومات مهمة ووجهة نظر محترمة حول موضوع مهم وحساس في هذا الوقت بالذات...و ارغب ان ابين وجهة نظري لا فيما طرحه الأستاذ الفاضل انما في نفس الموضوع... قد نلتقي في نقاط وقد نبتعد... اعترف اني سجلتها بانحياز سياسي وايمان بنظرية المؤامرة... تبقى تصورات واستنتاجات وتفسيرات وتحليلات عن كيفية احتلال الولايات المتحدة الامريكية لمنطقة الخليج  ما جرى خلال الفترة من عام 1947 الى عام 2003 حيث تحطيم العراق قبل وبعد احتلاله وقد قسمتها الى اربعة مراحل زمنية هي:

1- من عام 1947 إلى عام 1967

 2- من عام 1968 الى عام 1988

 3- من عام 1989 الى عام 1999

 4- من عام 2000 إلى عام 2003

5- اتمنى ان يتقدم من يكتب لنا عن الحال من 2004 الى 2014 حيث احتلال الموصل وقيام "داعش"...شخصياً سأحاول عسى ان اُوفق.

هي مساهمه متواضعة اسجل في بدايتها احترامي وتقديري لكل من يتفضل ويصرف جزء من وقته للاطلاع عليها وتقبلي باحترام لكل ما قد يُكتب عنها من ردود...هي اجتهاد قد يُذَّكِرْ البعض بما مضى أو قد يُحفز البعض للنقاش أو قد تُضيف للأجيال التي لم تعاصر الحدث بعض الرغبة لإعادة تصفح الماضي القريب أو قد تثير فضول الجيل الجديد ليسأل الذي قبله سواء شفاهياً أو من تقليب العتيق من الكتب أو قد تحفز الأم والأب أو الجد والجدة ممن عاصروا/نه تلك السنين من أن يقصوا/صن لأبنائهم/ن أو أحفادهم/ن بعضاً من تلك البطولات أو الآلام أو الانفعالات كل حسب الجهة التي نظر/ ينظر بها لما جرى. ونحن نعيش أيام ذكرى ثورة 14 تموز 1958 والاختلاف في وجهات النظر عنها.

الجزء الأول: من عام 47  إلى عام 1967

في خطابه امام الكونكَرس عام 1947 حدد الرئيس الأمريكي المرقم (33) ترومان سياسته الخارجية/ صيانة المصالح القومية / مبدأ ترومان في احتواء الاتحاد السوفييتي اي منع التمدد الشيوعي تحت شعار "على الولايات المتحدة الامريكية دعم الشعوب الحرة" والمتضمنة منع الاتحاد السوفيتي من التمدد فتم انشاء حلف شمال الأطلسي واطلاق مشروع مارشال اوربياً... ومنعه من الوصول للمياه الدافئة في الخليج حيث منابع النفط وخطوط الإمداد وكانت خطة منع الاتحاد السوفييتي والشيوعية من الاقتراب من الخليج تتضمن أنشاء حائطي صد:

الأول: يشمل أو يضم تركيا واليونان: حيث كانت تركيا تتعرض لضغوط هائلة من الاتحاد السوفييتي بخصوص الملاحة في الدردنيل وكانت اليونان تعيش حرب داخلية يلعب فيها الحزب الشيوعي اليوناني دور كبير. تم دعم الدولتين عسكريا وتم ضمهما الى حلف شمال الاطلسي

الثاني: يضم إيران والعراق وسوريا كحائط صد داعم للأول حيث إشراف إيران والعراق على الخليج فتم بهما ومع تركيا بوجود بريطانيا وتشكيل حلف "بغداد" بخطوة خطيرة من الولايات المتحدة الامريكية وبالذات اشتراك تركيا وبريطانيا في الحلفين الذي يعني دفاع امريكي اوربي عن تركيا  وايران والعراق في أي خطر يواجه تلك الجبهة... ووجود سوريا الغرض منه إكمال الحائط في جنوب تركيا ومشارف اليونان.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت لها قاعدة أساسيه ومهمة في الخليج من خلال أرامكو عام 1933 ودور السعودية فيما حصل عام 1936 في فلسطين واللقاء السري بين روزفلت وعبد العزيز عام 1945 على متن الطراد كوينسي في البحر قرب قناة السويس وتصاعد انتاج النفط الذي يعني تصاعد العلاقات بين البلدين.

أما إيران فقد كانت ضمن الخط العام لمفاهيم أمريكا والغرب وتعزز ذلك بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإجهاض حكومة مصدق كما اعترف بذلك أخيرا الرئيس الأمريكي أوباما وأصبحت إيران خلال فتره قصيرة (شرطي الخليج) وخامس جيش في العالم

أما بالنسبة للعراق وسوريا حيث كان البلدين تحت التأثير والتبعية البريطانية والفرنسية رغم الاستقلال الشكلي فبعد الاطمئنان لحائط الصد الأول من خلال اشراف حلف شمال الأطلسي عليه جاء الدور على الحائط الثاني الذي يجب ترتيب الأوضاع فيه بالشكل الذي يضمن إسناده للحائط الأول وأن يكون له العمق الجغرافي وأن لا يسمح بأي حال من الأحوال للسوفييت من القفز وتأسيس قاعدة لهم تشرف على الخليج وكان أكثر ما يقلق الأمريكان وحلفائهم السعوديين هو الأتساع المستمر للمد الشيوعي في كل من العراق وسوريا فكانت الفكرة هي كيفية إيقاف المد الشيوعي وتحجيمه ومن ثم الانقضاض عليه لتحطيم ما قد يكون أساس لقاعدة قد يثب عليها الاتحاد السوفييتي في لحظه من الزمن

وكان العمل يسير باتجاهين:

 الأول: محلي يتضمن تأجيج الحس الديني لمواجهة ما يسمى بالإلحاد الشيوعي فتشكل حزب الدعوة.

 الثاني: تأجيج الحس القومي الذي كان متنامي فكان تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي وذلك بعد فترة قصيرة جداً على خطاب الرئيس الأمريكي وكان هذا الاسم يحمل إيحاء عند البسطاء وهم السواد الأعم ببعث أمجاد الأمة العربية من خلال بعث الرسالة المحمدية أي أنه أسم فضفاض شمل الاشتراكية ايضاً وهذا الحزب كان بين كل الحالات فهو له موقف من الشيوعية وموقف من الدين وموقف من القومية/جمال عبد الناصر. انا لا أقول هنا ان الامريكان التقوا رجال دين والتقوا السياسيين القوميين وحفزوهم، لذلك اخترت كلمة "تأجيج" ثم اُعلن عن قيام دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية لتكون القاعدة المتقدمة للإمبريالية العالمية وأعقب ذلك حرب 1948 التي مني فيها العرب بالهزيمة على أيدي العصابات الصهيونية بدعم بريطاني مفضوح ودعم أمريكي شبه خفي لتعم حاله من الهيجان بوجه بريطانيا والحكومات العميلة لها وانتشرت أكذوبة السلاح الفاسد لتبرير الهزيمة ووضع ألّوم على مصدر هذا السلاح وهي بريطانيا ونتيجة ذلك توالت الانقلابات العسكرية كحالة انتقام للهزيمة والمتسببين فيها فكانت ثورة 1952 في مصر وبعدها ثورة 1958 في العراق.

سنترك مؤقتاً ثورة 1952 في مصر ونعود إليها بقدر تأثيرها على حائط الصد الثاني.

خلال الفترة من 1947 الى1958 كان العراق يغلي معاهدات تُوَّقَعْ وتسقطها الجماهير، إضرابات، انتفاضات، احتجاجات، إسقاط حكومات حيث لم تصمد الكثير من الحكومات أكثر من ستة اشهر وكان حلف بغداد سيء الصيت ولكن الحدث الأهم هو قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن ومطالبته بضم الكويت إليه هذا الحدث هز المنطقة بعنف شديد وبالذات السعودية والكويت لما له من وزن بشري واقتصادي وسياسي وموقع جغرافي والذي سيُثير حتماً ما اطلق عليه "سلب الحجاز".

هذا العامل والوضع الداخلي المتفجر وامتداد تأثير العدوان الثلاثي على مصر ونجاح مصر في التصدي له كلها حركت كل من كان يفكر بالقيام بعمل عسكري لإسقاط النظام الملكي في بغداد.

فكانت ثلاث خطوط تتحرك الأول بتأثير الاتجاه القومي الذي أنفرد فيه ذلك الوقت اعلامياً جمال عبد الناصر وعلى الأرض حزب البعث العربي الاشتراكي والثاني وطني داخلي يريد إشاعة العدل والانتصار للعراق وأهل العراق والثالث سعودي كويتي متطير من الاتحاد الهاشمي الذي يعتبره مُوَّجَهْ ضد السعودية( والسعودية عملت نفس الشيء ضد الوحدة المصرية السورية وبعدها محاولة الوحدة بين العراق وسوريا عام1978 ومن ثم بالتعاون العربي بين العراق والأردن ومصر واليمن).

كان ما يجمع الخطوط الثلاثة غير المفروزة بوضوح هو إسقاط النظام الملكي والشيء الثاني أن مثل هذا العمل غير مضمون النجاح من دون الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يفكر بالموضوع بشكل يلتقي قليلاً ويبتعد كثيراً عن خطط وتوجهات الضباط الأحرار وربما "حدس أفكار الآخرين وتوجس منها" هو والعقيد عبد السلام عارف لذلك لم يخبروا الاخرين بساعة الصفر وترك الوقت للظروف التي أحسنوا استغلالها.

وقد كان لمقتل العائلة المالكة في صباح الثورة أثر كبير في مستقبل العراق فلم يكن في بال من قام بالثورة او البعض منهم ان يحصل ذلك ولم يكن من داعي آني له لأن العائلة المالكة اقتنعت بنتيجة ما جرى وارادت تسليم نفسها ولكن تصرف الملازم أول عبد الستار العبوسي لم يكن وليد لحظته كما أشيع لأنه لا هو ولا من معه تعرض للخطر ولا يوجد على مدى حركة الشارع العراقي كل تلك السنين ما يسيء أو يمس بالعائلة المالكة وبالذات الملك فيصل الثاني والنساء بالحد الذي يدفع الى حصول ما حصل وإنما كانت الحركات السياسية توجه جام غضبها على الحكومات المتعاقبة وقد مست الوصي عبد الاله في بعض الحالات وكان يستحق ذلك لما كان له من دور فيما حصل عام 1941 و1947.

فرحت الجماهير لأنها تخلصت من الملكية/الاقطاع وفرحت السعودية لأنها حطمت الاتحاد الهاشمي وانتهى موضوع "سلب الحجاز" وبقتل العائلة المالكة أصبح من المستحيل أن يلتقي العراق والأردن مرة أخرى وفرحت الكويت لأنها تخلصت من كابوس الضم القسري للعراق الذي لَمَّحَ اليه الملك غازي وبعد ذلك الاتحاد الهاشمي وفرحت إسرائيل لأن الملك حسين أدار لها ظهره وتوجه للانتقام لدم أولاد عمومته وفرحت أمريكا لأن الثورة طردت بريطانيا من العراق وسنحت الفرصة لنزول القوات الأمريكية إلى المنطقة وفرح عبد الناصر لأنه توقع سيطرة المقربين منه على السلطة.

كل تلك المؤثرات دفعت إلى فرز سريع جداً لموازين القوى وتوجهاتها ولهذا ظهر جلياً الاختلاف بين توجهات المساهمين في الثورة وأرادت كل مجموعه السير بالأمور بالاتجاه الذي تريد وهذا ما يفسر تعرض الثورة لمحاولات الإجهاض والتآمر عليها وعلى شخص الزعيم عبد الكريم قاسم منذ أيلول 1958 أي بعد أقل من شهرين من قيام الثورة وتصاعد ذلك مع ما كانت تنجزه الثورة من قرارات لصالح عامة الشعب مثل قانون الإصلاح الزراعي وقانون العمل وقانون الأحوال الشخصية إلى -أن وصلت ذروتها إلى إصدار قانون 80 لتنظيم حقوق الشعب في ثروته النفطية هذه القوانين الجديدة على المنطقة في إقرارها وتنفيذها والتفاف الشعب لحمايتها جعل الثورة تتجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها الإمبريالية والرجعية العربية رغم إن مثلها قد نفذته الثورة المصرية لكن مصر بعيده عن حائط الصد الثاني.

وهنا كان القرار حاسماً بقتل الثورة والثوار والشعب أو الطليعة التي تحمي الثورة فاصطفت لذلك الإمبريالية العالمية والرجعية العربية المتمثلة بالسعودية والبحث عن الثأر الأردني وحامي القومية العربية عبد الناصر وحزب البعث والكويت بعد مطالبة عبد الكريم قاسم بها واكيد شاه ايران.فكان التنفيذ للبعث والأموال من السعودية والكويت والأسلحة من مصر والدعم المتنوع المتعدد من أمريكا حيث يصف شاهد عيان هو الدكتور علاء بشير في كتابه (كنت طبيب لصدام) صفحه 53 السطر 5 كيف كانت طائرات النقل الأمريكية تحط في القاعدة الجوية في الحبانية لتفريغ ما تحمله من أسلحه وعتاد جلبته من مصر ورشاشات البور سعيد شاهد على ذلك وكان الانقلاب وعناصره ودوائره متوجهين بكل حقد لقتل الثورة وحُماتها وبالذات الحزب الشيوعي العراقي لتأمين حائط الصد الثاني فكانت مجزرة 8 شباط 1963 ولتامين كامل الحائط حصل انقلاب 8 آذار 1963 في سوريا أي بعد شهر واحد من انقلاب 8 شباط في العراق. وبذلك تم تحطيم أو تحجيم ما كانت تتصوره الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية أنه القاعدة التي قد يقفز إليها الاتحاد السوفييتي في لحظه من الزمن ليقترب من المياه الدافئة. هذا الوضع فتح فرصه كبيره للأمريكان لترسيخ تواجدهم في المنطقة والعمل على اخراج القوات البريطانية بالتدريج منها وبالذات بعد أفول الإمبراطورية البريطانية. استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال فتره وجيزة من الاقتراب من عقول حكام الخليج وبالذات بعد اعتراف العراق بدولة الكويت وانضمامها للأمم المتحدة. أي أن الأمريكان فعلوا ما عجز عنه البريطانيين.

في هذه الفترة تحركت الولايات المتحدة الأمريكية بخطين متوازيين في هذه المنطقة الحساسة والمهمة والقلقة هما:

الأول: التركيز وبشده على إبعاد الاتحاد السوفييتي عن المنطقة والاستمرار باعتبار ذلك مهم جداً للأمن القومي الأمريكي.

والثاني: متابعة إخراج بريطانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً من المنطقة والحلول محلها لحماية منابع النفط وطرق الإمداد.

ولتحقيق ذلك تحركت بخطين متوازيين أيضاً هما:

الأول: تمثل بدعم الحكومات في الدول الهامدة سياسياً وتدعيم نظم الحكم فيها مثل دول الخليج وإماراته.

الثاني: إيجاد ما اُطلق عليه شرطي الخليج بعد فشل محاولات احياء حلف السنتو/حلف بغداد...فكان تعاظم دور شاه إيران.

كيف سيتم تحطيم محاولات الاتحاد السوفييتي دخول المنطقة التي استمرت ووجدت لها بعض المواقع هنا وهناك وبالذات في مصر فلا بد من عملية كبرى تهز المنطقة تكون بحجم كارث تستمر في سيطرتها على تفكير الناس والنفوس في المنطقة فكانت كارثة 5 حزيران 1967 التي رُسمت بدقة وحرفة عالية لتكون نقطة الغلت ما قبلها لتطرح أخرى جديدة وهي حدود عام 1967 التي دخلت جديداً على الشرق الأوسط والعالم وهذا الطرح يحتاج الى دعم امريكي كبير وتام وبشكل مباشر وغير مباشر... ما نتج عن هذه الهزة ...هذه الكارثة.. هذا الزلزال هذا التسونامي سيكون في الجزء التالي.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

عقيل العبودأنا اعتقد جازما انه لا يمكن لهذه الوزارة ان تضطلع بدورها الحقيقي، كونها لا تمتلك حق الاستقلال الثقافي والسياسي.

 فهي مثلها مثل بحيرة صغيرة وسط ارض عالية تسلط عليها جميع ما يراد تسليطه بما في ذلك نفايات الوسائل الإعلامية الخاصة بقنوات الأحزاب والكتل.

حيث لكل كتلة موضوع وخطاب وسياسة، ووزارة الثقافة والإعلام فقط عبارة عن يافطة كتب عليها الاسم المذكور، لكي يصار الى املاء الفراغات والمسميات الوزارية لإكمال النصاب الإداري للدولة العراقية.

والحاصل هو استلاب المضمون الحقيقي لمعنى هذه الوزارة، كجهة ينبغي ان تمتلك الحق الأعلى في الدولة كنصاب مستقل، هذا النصاب ادارته الطبقة المثقفة غير التابعة الى الأحزاب والكتل، بما في ذلك اصحاب الكفاءات العلمية، والخبرات الأكاديمية والإدارية، والذين منهم في الخارج طبعا.

ولتوضيح الأمر تجد ان هنالك تداخلات وتقاطعات أفقية وعمودية في سلسلة أعمال الوزارات المختلفة، ومن هذه التقاطعات هو الخلافات السياسية بين الكتل والأحزاب، حيث تراها منشغلة دائما بتوطين عدم التوافقات لتمشية دفة الحكم، ليس من باب مصالح العامة، بل من باب خدمة منافعها.

ولذلك نجد ان الخطاب الإعلامي والثقافي يروج دائما لما يسمونه بالتوافق، والتوافق هذا، معناه السكوت عن الخلافات والاختلافات، وهذه الاختلافات في حقيقتها الحزبية والكتلوية، كما يقول كتاب الله

 (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا).

وعليه فان الوزارة المذكورة في مثل هذه الحالة ينتهي تماما دورها الحقيقي باعتبارها انها لا تمتلك الحق في تاسيس كتلة مستقلة، تمتلك حق الاعتراض والرد ازاء ما يحصل، وبضمن ذلك ما يتم فرضه  من قبل حكومة كردستان، سيما وان ذات الوزارة تابعة لحزب، اوكتلة هي نفسها مشمولة بعملية الصراع هذه.

 

عقيل العبود

 

عماد عليالمعلوم ان الصحافة والعملية الصحفية بشكل عام وبكل ما تحويه والملم بها ودورهما والمنحنيات التي مرّ بها منذ قرن ونيف تقريبا في كوردستان يشير الى انها لازالت في بداية امرها ولم يثمر عنها ناتجاما  يمكن ان ياخذ دوره الحقيقي وتاثيره المباشر وموقعه الخاص لدفع حياة الناس نحو الافضل كما هي مهام الصحافة الحقيقية بعيدا عن المصالح التي يمكن ان يستغلها الجهات العديدة سلبا وتنحدر هي بما تواجه نحو احداث الاضرار الكبيرة التي تفرز ما  يبعدها عن مسارها الحقيقي.

هناك اختلافات كبيرة بين منشا ومسيرة ومهام وكيفية عمل الصحافة في كوردستان مع اي منطقة اخرى يمكن مقارنتها بها، فان كانت الارض محتلة بشكل واخر كما كانت عليه ولازالت اكثريتها تحت نير الظلم والغدر بعيدا عن حقوقها وما يجب ان تكون عليه، فان صحافتها هي  اول من يتاثر بظروفها العامة، وعليه فان الصحافة الثورية طالت مدتها ولازالت تعمل ولم تصل لحد اليوم الى الواقع الذي يمكن  ان ندعي بان الصحافة تقوم بمهامها الاصيل وتؤدي دورها المناط بها، وهي قد انبثقت بشكلها الموجود في كوردستان واتخذت صورتها وجوهرها الحالي المختلف لاسباب كثيرة وفي مقمدتها السياسية والاقتصادية والثقافية العامة للناس ومن ثم توجه وخلفية من يعمل في هذا السلك وعقليته ايضا.

ابان الثورة الكوردستانية الطويلة الامد، لم تكن اهمية الصحافة الثورية اقل من دور العسكر والبيشمركَة وما ضحوه من اجل الاهداف والمصالح العليا، كان لكلمة دورها رغم ان النتاجات كانت نادرة لعدم توفر الامكانيات التي كانت صعبة المنال في هذا المجال في ظروف عاشها المثقفون واهل الصحافة والادب في صفوف الثورة في المناطق النائية البعيدة عن المدنية. ولكن رغم ندرتها الا انها كانت اكثر تاثيرا على الناس وفرضت نفسها على اهميتها في توجيه وتوعية المتتبعين واهل السياسة والثقافة والادب وكان لها الدور المؤثر حتى على الموجودين في المدن وهم بعيدون عن الثورة، وبالاخص الادبيات الحزبية الايديولوجية والقليلة منها الفلسفية اضافة الى الادبيات الاخرى المتنوعة التي اخذت دور الصحافة في مسار الثورة الكوردستانية.

اما اليوم ونحن احرار في اقليم كوردستان ومضى حوالي ثلاث عقود فلم نلمس تقدم ملموس في مجال الصحافة سواء الحزبية منها كانت او المستقلة المتاثرة بتاريخ الصحافة ومسار الثقافة في كوردستان وظروفها. كان بالامكان ان  يكون لها الدور الاكبر الايجابي في توجيه حتى القادة السياسيين ووضع عراقيل امام طموحاتهم الشخصية المضرة والتخفيف عن كاهل الشعب ومحاولة محاربة الفساد بشكل اكبر واقوى لو كانت هناك صحافة حرة مستقلة مؤثرة منبثقة من رحم الشعب بعيدا عن الاحزاب والكوادر الصحافية التي نشات من رحم الصحافة الحزبية الايديولوجية. لو تتبعنا اكثر الاوساط الحزبية الظاهرة اليوم في كوردستان وتذكرنا انبثاق الموجود والعامل في هذا القطاع لتبين لدينا عجينة الصحافة المكونة الناشئة من رحم التنظيمات الحزبية بشكل مباشر كان ام غير مباشر. فتاريخ الصحافة الكوردستانية مرتبط بالثورة ومتطلباتها وما بدر منها في هذا المجال وعليها فانها سارت مرتبكة وبانحدارات واحيانا انحرافات كبيرة، فانها وحتى بعد الانتفاضة سيطرت  هذا النوع من الصحافة بشكل كامل على الساحة الكوردستانية ولم تظهر ما يمكن ان تكون صحافة شبه مستقلة الا قريبا جدا وكانت ايضا بمبادرة من كوادر لهم خلفيات حزبية فكرية سياسية ولهم ايديلوجيا وفلسفة خاصة مرتبطة بتوجه معين ايضا وليس من وسط صحافي بحت،  فليس هناك اكاديما صحافية مستقلة لحد هذه الساعة وحتى الاقسام والتخصصات الصحافية الاكاديمية او الجامعية مرتبطة بتاريخ الصحافة الثورية واقعيا ولم تصل الى حد القول بانها انبثقت بشكل طبيعي ومن وسط صحافي وبعقلية صحفية اكاديمية علمية مستقلة لها مهامها الصحفي البعيد عن الانحياز والحزبية.

ربما يمكننا ان نقول بان هناك من يطمح الى ان يعمل على ان ينتج صحافة حرة مستقلة تؤدي دورها ومهامها الخاص بها الا ان ظروفه المختلفة لا تدعه ان يسير على السكة الخاصة بهذا العمل والمهام. فاول المعوقات للصحافة الحرة هو الحالة الاقتصادية قبل السياسية المؤثرة، فان النسبة القليلة من القرّاء وانتشار الصحافة الالكترونية وتاثيراتها ارجعت حتى ما كانت عليه الصحافة الى الوراء كثيرا بحيث لم تدع ان تنبثق الصحافة الحقيقية الكوردستانية وهي في بداياتها وماتت من رحمها قبل الولادة حقا.

 كانت هناك محاولات خيرة من قبل الملمين والمهتمين رغم الخبرات الشخصية غير الاكاديمية او العلمية في هذا المسار، الا انهم ادوا دورهم وفق امكانياتهم وبدا ظهور بدايات نشوء الصحافة المستقلة الحرة ومن ثم دفنت بالتغييرات الكبيرة التي حصلت نتيجة سيطرة الصحافة الاكترونية وانتشار مواقع المعلومات ودور الصحافة العالمية على كافة بقاع العالم من خلال هذا المجال الالكتروني الغازي للعالم، اضافة الى الدور السلبي للاحزاب وعملهم السياسي في التاثير على الصحافة بشكل يكون لمصلحتهم الضيقة فقط دون النظر الى ما يهم الشعب بشكل عام، فانهم اي الاحزاب ادوا دورا سلبيا كبيرا في هذا المجال وانشئوا صحافة في الظل باسم الصحافة المستقلة وشوّهوا العملية التي كانت بالامكان ان تسير بشكل طبيعي كي تنبثق منها الصحافة الحرة الحقيقية وبولادة طبيعية، الا ان ما نلاحظه انهم قد اجهضوها قبل الولادة. وعليه نلاحظ تخلف الصحافة الكوردستانية وتراجعها اكثر يوما بعد اخر ولا نتوقع بروز الصحافة الحرة المستقلة بعد في كوردستان بعد اليوم، وعليه يجب على المهتمين البحث في ايجاد وسائل وطرق اخرى لاتخاذ دور الصحافة الحرة الحقيقية الايجابية على الحياة العامة للناس من كافة المجالات بعد تعسر ولادة المطلوب.

 

عماد علي

 

ضياء محسن الاسديبين الحين والآخر نسمع بأن الحكومة العراقية تتخذ موقفا محايدا من هذه الأحداث والصراعات التي تدور من حوله على حساب مصالحها ومصالح شعبها ويسعى جاهدا أن لا يكون فيها كبيضة القبان في هذه الصراعات حيث أن أكثر هذه الصراعات وتأثيراتها الجانبية تكون في ساحته ومؤثرة على سيادته لأنها تخدم بعض الأحزاب السياسية المرتبطة بهذه الدولة أو تلك وأن موقف الحكومة العراقية ودورها فاعلا في المحايدة وإبعاد سياسته عن هذه الصراعات وأن يكون له دورا متوازيا لهذه الدول المتصارعة وأن له الدور الفاعل في إخماد بعض التوترات الإقليمية التي تقترب نيرانها في بعض الأحيان إلى حدوده الهشة . نعم نقر بأن العراق له الدور الفاعل في تقارب وجهات النظر بين الدول التي تشهد صراعا محتدما مع بعضها البعض في سبيل تحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية التي تقاتل عليها بشراسة . فمن حقنا نحن العراقيون أن نسأل أين مصلحة الشعب العراقي؟ وما هي النتيجة التي تجنيها الحكومة العراقية من كل هذه الصراعات وما هي المصلحة والثمن من موقفها من هذه الأطراف المتصارعة والكثير منها على أرضه وتمس حياة شعبه هل استطاعت الحكومة العراقية تبني علاقات جيدة مع الأطراف المتوترة في العلاقات والمتصارعة على مصالحها الخاصة ومعرفة كيفية استرداد حقوقها المشروعة والمسلوبة من هذه الدول ومساهمة هذه الدول في ترتيب البيت العراقي وإنعاش اقتصاده المتدهور هل للحكومة العراقية مطلبا واضحا من هذه الدول كي تمد يد العون لبناء الاقتصاد العراقي الذي يحتاج الكثير من الدعم المادي والمعنوي من دول العالم الذي قاتل العراق نيابة عنها كثمن لموقفها الإيجابي والمفاوض نيابة عن هذه الدول المتصارعة . وخاصة أن كل الدول المتوترة العلاقات الآن تقاتل وتستميت للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية في داخل بلدانها أو خارج حدودها خدمة لبناء أوطانها وتنمية واقع مجتمعاتها إلا العراق الذي ما زال يقاتل داخل أرضه وخارجه في سبيل تحقيق مصالح غيره على حساب شعبه ووطنه وما زال يعطي الكثير والثمين ويقبل بالقليل الذليل وما زال سياسيوه لا يعرفون كيفية الاستفادة من هذه الصراعات لجذب المصلحة لشعبهم المتعب وهذا ما يدل على أنهم بعيدين كل البعد عن شعبهم ومتطلباته ومعاناته أو لديهم قصور في الرؤيا للسياسة الحالية في العالم وعدم معرفة في أدارة فنونها التي تطورت في أرجاء العالم فهل سيتدارك المسئولون العراقيون هذه الهفوة السياسية وتصحيح مسارهم ورسم سياسة خارجية وداخلية تصب في مصلحة وخدمة المواطن العراقي للنهوض في بناء اقتصاده ومجتمعه ووضعه في مكانه الطبيعي الذي كان عليه قبل تغيرات الأخيرة للعالم العربي والدولي.

 

ضياء محسن الاسدي

 

ميثم الجنابي"لا تلتفت إلى ما مال إليه البعض من لا يعرف

 وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة"

(الغزالي) 

 أبدعت الصوفية فكرة "حجاب العقل" بالصيغة التي حاولت فيها تقويم العقل في مدارج آدابها. وهي الصيغة التي تتعارض مع الاستهجان الفج للتقليل من شأن العقل. إذ لا تعني رمزية حجاب العقل في مدارج آدابها سوى ضرورة تعريضه "للهيب أنوارها" بتخليصه من شوائب التعصب المذهبي والتقليد. وهي الشوائب التي واكبت صيرورته الثقافية. فالصوفية لا تتناول هنا العقل المنطقي بل عقل الوجود الثقافي. وهي الصيغة التي أسس لها في  آرائه ومواقفه من العقل وما وراء العقل. وليس مصادفة أن يتكلم في آن واحد عن حجاب العقل ونور الحكمة باعتبارها عقلا. أما العلاقة المتناقضة في مظهرها فهي الصيغة المناسبة لإعادة إدراك الوحدة المتناسقة بين الظاهر والباطن. وذلك لأن هذه العلاقة تمتلك مستوياتها العديدة وتجلياتها العديدة. فهي تظهر في الوجود والميتافيزيقا كأجزاء متناثرة في قضايا المُلك والملكوت.أما في الثقافة فإنها تتجلى في ممكنات الوحدة المفترضة بين العقل المكتسب وحقائق الحكمة المطلقة. وبما أن العقل الإسلامي المكتسب هو عقلها الذاتي المتنور منذ بداياته الأولى بنور الحكمة القرآنية، لهذا تحوّل القرآن إلى نور حكمتها المطلقة أو إعلانها. فالغزالي لا يتكلم في الواقع إلا عن العقل في علاقته بالقرآن. من هنا مقارنته للعقل بالنور، والقرآن بنور الشمس[1]، أي كشف الصلة الضرورية والمثالية بينهما. إذ لا يعني حجاب العقل هنا سوى ضرورة إزالته. فالعقل قادر على كشف الأسرار الباطنة والمعاني الخفية في القرآن بالصيغة التي تجعلها ظاهرة وجلية. فالظاهر هنا هو اكتشافاته، والباطن هو حقائق المعاني. وهي عملية لا تنتهي بفعل تواجدها الدائم في الإبداع ذاته.

وفيما لو أهملنا تناول هذه القضية من زاوية علاقة العقل بالشرع فإنها لا تعني في ميدان تأسيسه الفكري لعلاقة الظاهر بالباطن سوى محاولة الكشف العقلي النوري (الذوقي)، والذي يتطابق في صفته الوجودية والمعرفية مع فكرة وحدة عوالم المُلك (الحس) والملكوت (العقل وما وراء العقل). أما التباين الحاد أو الثنائية البارزة هنا فهي الصيغة الظاهرية لا غير. حيث يجري اختزالها في العروج المعرفي الأخلاقي في مجرى الارتقاء من الحس إلى العقل. وفيها تتبين بوضوح معالم العلاقة الأولية بين عوالم المُلك والملكوت، باعتبار الأول مثالا ملموسا للثاني. مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إدراك وحدة الكلّ باعتبارها إدراكا لله. وهو العروج الذي يتخذ عند البعض "حالة العرفان العلمي"، وعند البعض الآخر حالة "الذوق والحال"[2].  وهو ما سعى الغزالي لتوحيده في بسط فكرة "سلطان العقل الذي هو ميزان الله تعالى في أرضه"[3]. ولا يعني ذلك في منظومته سوى إعادة اللحمة إلى عوالم المُلك والملكوت في إدراك حقائق الوجود من خلال العقل (نور اليقين) المستند إلى التجربة الصوفية. "فالصراط المستقيم" على سبيل المثال هو أيضا عملية الترّقي من عالم المُلك إلى عالم الملكوت. ولا يمكن توقع حدوثها دون وجود مناسبة بينهما. إذ ما من شيء في هذا العالم، كما يقول الغزالي، إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم.ومع ذلك لم ينظر الغزالي إلى هذه العلاقة بمعايير المقابلة الميكانيكية، بل بمعايير علاقة التباين الموحّد وإمكانية أن يكون الشيء الواحد في عالم الُملك مثالا لأشياء عديدة من عالم الملكوت، وإمكانية أن يكون للشيء الواحد من عالم الملكوت أمثلة كثيرة من عالم المُلك[4]. وفي هذا التباين الموحّد تكمن الصيغة الجديدة التي وضعها في موقفه من وحدة وعلاقة الظاهر والباطن. بحيث جعله ذلك يعيد في معرض انتقاده للباطنية والحشوية في (مشكاة الأنوار) ما سبق وإن وضعه في (إحياء علوم الدين)، وأن يبقى في الوقت نفسه ضمن نفس الاتجاه العام. فعندما يتناول، على سبيل المثال، قضية "خلع النعلين" الموسوية، فإنه يشير إلى أن "إبطال الظواهر هو رأي الباطنية، الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد النعلين"[5]. بمعنى جهلهم بالموازنة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على الحشوية. أما الكامل فهو الذي يجمع بينهما. ولا يعني هذا الجمع في لغة الغزالي سوى توليفهما الجديد على أساس وحدة الظاهر والباطن. مما جعله يعبّر عن أعماق موسى، بأنه فهم من خلع النعلين إطرّاح الكونين فامتثل الأمر ظاهراً يخلع نعليه وباطنا بخلع العالمين[6].

إن هذه الوحدة الجديدة لاستيعاب علاقة الظاهر بالباطن، تبدو في مظهرها كما لو أنها تمثل للظاهر في المظاهر والباطن في البواطن، أي كما لو أنها تحاول اختراق عالم الإنسان الواقعي في بحثها عن تجانس معقول في ما بينهما. إلا أن هذا هو مجرد مظهرها العام. وذلك لأن الباطنية والظاهرية الغزالية لم تعد مجرد ترتيب معقول وتنسيق ممكن لدرجات الوعي ومستوياته، بل والوحدة المثلى لتناسق الممكن، والذي يصهر الظاهر والباطن فيما وراء معقولية الأشكال العابرة، باعتباره الروح المتجدد لإدراك حقيقة الحق. وبالتالي تحويل الوحدة إلى الحالة التي تتحول فيها أعماق الإنسان إلى جزء من الكون ذاته في أدق تجلياته. مما يجعل من هذه الاعماق ميدان السرّ الفاعل، والحرية المطلقة في إدراكها للظواهر، و"العبودية الظاهرية" للسحرية الداخلية. وبهذا المعنى تنتفي الغرابة في الوجود. حينذاك  يتحول الوجود إلى ميدان الأنا الكلية العارفة. مما يعطي للتناقضات قيمتها المعقولة في العقل ومعناها الأسمى في الأخلاق.

إن غياب تعارض المتعارضات وتناقض المتناقضات المميزة "للعقل المستقيم" ما هو إلا إدراكها الجديد في الحقائق المتناسقة لقيم ومعاني الوحدة الظاهرية الباطنية. وقد جعل ذلك من الممكن تحول العالم والكلمة أيضا إلى كيان وجودي معرفي أخلاقي. إذ لم تعد الكلمة مجرد أصوات وحروف أو أفكار وهواجس، بل والنغم الذي يجمع في ذاته وحدة العابر والمطلق في الروح الانساني الإلهي. فهي النغمة غير المسموعة بفعل قوة تداخلها وغورها العميق، والمسموعة في مجرى إدراك ذوبان الذات في سريان الوجود، باعتبارها كلاّ منفرداً، وكلاّ جمعيا، وكلاّ مطلقا.

لقد وضع هذا الاستنتاج أمام الغزالي مهمة التنظير الشامل لعلاقة الباطن بالظاهر، والتي يصعب حلها دون الاستناد إلى تجارب الباطنية والظاهرية الإسلامية ككل. من هنا انطلاقه في البرهان على ضرورة وجود علم الباطن. وهي الضرورة التي جرى صياغتها في تاريخ الفكر الإسلامي (الكلامي والسياسي والفلسفي والصوفي) لقرون خلت قبل الغزالي. وعندما استشهد بآراء سهل التسترى، فإنه لم يسع من وراء ذلك إلى تنظيره في اطار تفسير إحدى الأفكار العميقة للتصوف، بقدر ما انه وجد فيها المثال المناسب في ذاته للكشف عن حقيقة الظاهر والباطن ووحدتهما في علم العلماء وعملهم وأثرها في آفاق وإدراك الوجود والنفس (القرآنية والثقافية)، أي الفكرة القائلة بأن للعالم ثلاثة علوم: العلم الظاهر لأهل الظاهر، والعلم الباطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وأخير العلم الذي بينه وبين الله لا يظهره لأحد. ولم يقف الغزالي عند حدود التصنيف الخاص بالصوفية في إدراكها الذاتي لموقفها وتجاربها المتميزة، بل وحاول إدراجها في بنية الكلّ الإسلامي من خلال توليف المجاهدة الصوفية بالحد الوسط، أي صياغة علاقة الظاهر بالباطن والشريعة بالحقيقة بالاتجاه الذي يحافظ على صحة الفكرة الصوفية، التي عبّر عنها التستري ومعقوليتها العملية، أي فكرة "إن إفشاء سرّ الربوبية كفر. وإن للربوبية سرّ لو أظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سرّ لو كشف لبطل العلم. وللعلماء بالله سرّ لو اظهروه لبطلت الأحكام". وهي المعقولية التي كانت تتضمنها أخلاقية الفكرة الصوفية والقائلة بأن "الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه". لقد أراد الغزالي إزالة التناقض الممكن بين الظاهر والباطن، أو خلاف الحقيقة والشريعة. فهو يؤكد على أن معارضة الحقيقة بالشريعة والظاهر بالباطن هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان. وهو الحكم الذي يعكس في أعماقه انتقاد الباطنية الغالية بما في ذلك في "أغلاط" الصوفية، لا موقفه المعارض من أسلوب الباطنية بحد ذاته أو حتى أسلوبها ككل.

إن المضمون النقدي لهذه المواقف عند الغزالي هو جزء من نظريته الاجتماعية والأخلاقية والقانونية. بمعنى أنه ليس جزءا من تقاليد المناهضة المدمرة أو الاستهجان المقبح لتقاليد الفضائح المميزة لصراع الفرق والمذاهب، بل الصيغة النقدية المتنامية في مجرى وعيها الخاص لمبادئها الأساسية. فهي الصيغة التي يفترضها منطق الحدود الوسطى واشتراط فاعليتها في الوجود الاجتماعي للأمة. فقد أنتج تاريخ التصوف "أغلاطه" في "غلّو" الشطح والأفعال والتأويل. وبهذا يكون قد ميّز بين الشطح في التجارب، والأخلاق في السلوك. لهذا السبب أفرد الطوسي في كتاب (اللمع في التصوف) فصولا عديدة عما اسماه بأغلاط الصوفية، أي كل ما يمكن ادراجه في قانون ضبط النفس. لذا نراه يتكلم عن غلط البعض في الموقف من الغنى والثروة وإجازتهما انطلاقا من أن الله هو الغني، وأن التصوف يساوي بين الغنى والفقر. إذ وجد فيها تأويلات خاطئة لفهم حقيقة الآيات ومضمونها ومقاصد المتصوفة من استواء الغنى والفقر.، باعتبارها حقا وحقيقة عند أهل الحقائق والمعارف عند النهايات لا في البدايات[7]. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مواقفه من أغلاطهم بصدد المواقف من مختلف القضايا والآداب كالاكتساب والإرادة والعزلة والحرية والعبودية ومقامات الإخلاص والولاية وغيرها. أما انتقاد الغزالي لأغلاط المتصوفة فقد كان جزءا من انتقاد الكلّ الإسلامي في ميادين غروره.ومن ثم مساهمته في تهذيب هذا الكلّ بمختلف ميادينه ومجالاته.

 فالغزالي لا يكفّر  أسلوب وضع الظاهر بالضد من الباطن، بقدر ما انه ينظر إليه بمقارنات تناقض الكفر والإيمان. أنه لا يدين الظاهرة بحد ذاتها. ومن ثم يقر بإمكانية وجود التناقض النسبي بين الظاهر والباطن. لكنه يقف بالضد من أسلوب وضع أحدهما بالضد من الآخر. لهذا السبب وضع هذه القضية وحاول حلها من خلال إدراجها ضمن قضايا علم المعاملة، والاهتمام بالجانب العام لا الخاص، وبالإيمان العقائدي (التقليدي) لا الفردي الصوفي الخاص. انه تتبع أسلوب التستري وليس الإقرار المباشر باستنتاجاته. وهو الاتجاه الذي ميّز منظومته الفكرية وروحها النقدي في توليفها لتراث الثقافة الإسلامية ككل وتقاليدها الإصلاحية بالأخص.

إن التناقض الظاهري الممكن هنا هو نتاج الوهم لا تناقضه الفعلي. وينطبق هذا بالقدر ذاته على ما أدخله في فكرة السرّ الصوفي ومحاولته حل خلاف الظاهر والباطن على أساسها. إذ لم تكن الفكرة الصوفية عن السرّ شكلا من أشكال هزيمة الروح في معاركه الجسدية مع السلطة، رغم أن الهزائم تعلم الجميع فنون الحرب. لكن الغزالي لم يطوّع تعامله مع "السرّ الإلهي" للدفاع عن الصوفية بقدر ما انه حاول توليف آرائها في منظومة تعطي لهذا السر ّمضمونا اجتماعيا سياسيا وأخلاقيا فاعلا يرتكز في نهاية المطاف على أسس الوحدة الداخلية المتناسقة للباطن والظاهر وللحقيقة والشريعة. إذ لا يتعلق عدم إفشاء السرّ بتناقض الظاهر والباطن بقدر ما انه يعود لأسباب عديدة منها، على سبيل المثال، ما هو دقيق يكلّ الفهم عن إدراكه إلا للخواص مثل حقيقة الروح. فهو السرّ المعلوم للخواص، الذي قد جلب المضرة للعوام بسبب إمكانية تأديته إلى إثارة البلبلة. فالصفات الإنسانية تختلف اختلافا جوهرياً عن "الإلهية". إلا أن الإنسان يدركها بالمقايسة. وبالتالي فإن الإنسان لا يدرك في الجملة إلا صفات نفسه ونفسه. من هنا استحالة إدراك الذات الإلهية. بمعنى لا يعرف الله حق المعرفة إلا الله. ولكن يوجد مع ذلك ما هو مفهوم في نفسه ويمكن فهمه من قبل الآخرين. إلا أن ذكره يضر بأكثر المستمعين كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لسرّ القدر. فقد يكون ذكره مضرا للبعض كما يضر نور الشمس الخفافيش، أو ماء الورد للجعل. إذ كيف يمكن فهم قولنا بأن الكفر والزنا والشرور والمعاصي كله بقضاء الله وقدره؟ ألا يؤدي ذلك إلى نقيض الحكمة والسنّة والرضا بالقبيح؟ وينطبق هذا بالقدر ذاته على قضايا كثيرة مثل تحديد القيامة بالزمن، كأن يكون بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر. وذلك لأن عدم ذكره هو لمصلحة العباد وخوفا من الضرر. بمعنى إن أثر الزمان المحدد يؤدي إلى الغلوّ في السلوك اكتراثا أو لا ابالية. بينما توجد أشياء يمكن فهمها في حالة ذكرها صراحة ولكنها تكنىّ على سبيل الاستعارة والرمز مثل قولنا "لا تضع الدر في أعناق الخنازير"، أي لا تضع المعرفة في غير محلها. من هنا ضرورة فهم الأسرار الموضوعة في الكلمات على خلاف ظاهرها أما بدليل عقلي أو بدليل شرعي مثل معنى القدرة في كلمات "أصابع الرحمن"، وغاية الاقتدار في كلمات "كن فيكون". من هنا مطالبته المرء بأن لا يلتفت "إلى ما مال إليه البعض ممن لا يعرف وجوه التأويل ولا يعقل كلام أولي الحكمة والراسخين في العلم، حين ظن أن قائل لا تحدثوا الناس بما لم تصله عقولهم أراد الكفر الذي هو نقيض الإيمان والإسلام"[8]. حيث وجد في ذلك حكما لا يخرج "إلا على مذاهب أهل الأهواء الذين يكفرون بالمعاصي"[9].

مما سبق يبدو واضحا بأن الغزالي حاول وضع فكرة السر ّفي اطار استكمال الباطن للظاهر لا تعارضهما أو اختلافهما. فهو ينطلق هنا من أن الإنسان عادة ما يدرك الشيء في جملته أولا ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق والذوق، بحيث يتخذ تحول المعرفة الجملة شبها بمعرفة الظاهر، أما المعرفة اللاحقة (التحقيق والذوق) فتشبه معرفة الباطن (اللباب). فالأولى هي معرفة ظاهرية والثانية باطنية. وكلاهما مثل رؤية الإنسان لإنسان آخر في حالتي الظلام أو البعد. وحالما يقترب منهما يدرك التفرقة بينهما.حينذاك لا يكون "الآخر ضد الأول، بل هو استكمال له"[10]. وطبق موقفه هذا على كافة القضايا الأساسية المتعلقة بالظاهر والباطن وكذلك إدراكها من خلال وضعها على محك التجربة. لهذا نراه يشدد على أن للإنسان تصورات عن الشهوة والعشق والجوع إلا أن معرفة حقائقها غير ممكنة دون تذوقها. بمعنى ما قبل وفي مجرى وما بعد ممارستها من أجل إدراك حقائقها فيها وفينا.

لقد شكلت هذه المقدمة الفكرية أساسا للغزالي في توكيده على ضرورة وأهمية وجود الباطن والتأويل. إذ لو كان المعنى هو الظاهر فقط لما اختلف الناس فيه[11]. من هنا أهمية إدراك الباطن باعتباره الشيء الأكثر جوهرية والمطلق المتجلي في نسبيته الدائمة والحقيقة في وحدة ما دعته الصوفية "التعبير بلسان المقال عن لسان الحال"، أي عدم الوقوف عند الظاهر بل والدخول إلى حقيقة السر فيه من أجل إدراكه. وهنا يكون الغزالي قد فسح المجال أمام الإمكانية غير المتناهية للفكرة الباطنية. لكنه لم يجعلها في الوقت نفسه فضفاضة المعنى. من هنا تأويلاته المقيدة في حريتها. فعندما تناول كلمات القرآن التي يخاطب بها الأرض والسماء قائلا "ائتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين"، فإنه حاول من خلالها إبراز معنى الضرورة والاضطرار في التسخير والسخرة. وهي الصيغة التي ملئ بها الربع الأخير من (إحياء علوم الدين) حيث تظهر بوضوح وجلاء متزايد ملامح نظرته عن علاقة الظاهر بالباطن ووحدتهما. وإذا كانت هذه العلاقة تتخذ أحيانا صورة الخلاف في أمثلته الملموسة فليس  ذلك إلا لأنها أمثلة وحيدة لكشف تحول المجرد إلى الملموس، والملموس إلى مجرد في حركته الدائمة، أي الوحدة في المعنى. فعندما يأخذ الدنيا مثالا للآخرة فإنه يحاول أن يكشف عما في الظاهر من باطن. إذ لا يمكن إدراك الآخرة في عالم المُلك، كما يقول الغزالي، إلا بمثال منه. بمعنى لا يمكن فهم حقائق الآخرة دون فهم حقائق الدنيا أو مثال الآخرة دون عناصره ومكوناته الملموسة في الدنيا. فعالم المُلك هو مجرد نوع لعالم الملكوت. من هنا عبارته القائلة بأن "ما سيكون في اليقظة لا يتبين في النوم إلا بمثال، وما سيكون في يقظة الآخرة لا يتبين في نوم الدنيا إلا في مثال"[12].  وهو أسلوب استطاع أن يؤدي دوره الفاعل في تهشيم أسس اللاهوتية المتحجرة والهيبة التقليدية للفقهاء والسلطة، وبالأخص من خلال صياغته المتعمقة لوحدة عوالم المُلك والملكوت على مثال عوالم النوم واليقظة أو العابر والمطلق في حقيقة العلاقة بالله.فالظاهر والباطن في نهاية المطاف هما مجرد انسابٍ نسبية لأنه لا ظاهر ولا باطن عند الله. ووضع هذه الصيغة المجردة في صلب مقدماته الأخلاقية، باعتبارها إلزاما متساميا حقا في إمكانية التنقية المتزايدة للموقف الاجتماعي الشرعي  من مختلف قضايا العادات والعبادات. الأمر الذي حدد بدوره الاتجاه الاجتماعي والأخلاقي الكامن في تنظيره لعلاقة الظاهر بالباطن. فعندما يناقش تلجلج الفقهاء الظاهرى في رؤيتهم استتباع أحكام الله لأحكامهم وقضائهم، فإنه شدد على معاكسة ذلك من خلال ابراز حقيقة كون الباطن عند الله ظاهر. وبالتالي فإن أدلة ونتائج "سوط القلوب" كالكلمة الغاشمة والإجبار والمصادرة وما شابه ذلك لا وزن لها في ميزان الحق الإلهي وقواعد أخلاقه المتسامية[13].

لقد تمثل أسلوب الغزالي في التعامل مع قضايا الباطن والظاهر نتاج الفكر الإسلامي ككل، ولكن بالصيغة التي جرى صهرها في تآلفه النظري. إذ يمكننا العثور هنا على عناصر شتى لمدارس الجهمية والشيعية والمعتزلة والأشعرية، الفلسفية والتعليمية (الإسماعيلية) وتقاليد التفسير اللغوي والتاريخي والكلامي، والتأويل الصوفي. إلا أنها تضمحل في تناسق المكونات العقلية والأخلاقية لمنظومته الفكرية. ففي مواقفه من الباطن والظاهر تنعكس "أسرار" وبقايا الفيثاغورية والاسماعيلية الباطنية، لكنه لم ير في الإنسان معياراً لكل شيء. لقد وضع فكرة الحق المطلق معيارا للمعرفة، بينما يتحول الإنسان في ميدان التأويل إلى مثال الفكرة المطلقة في ظهورها الملموس. فعندما تناول قضية القيامة الصغرى والكبرى (الموت والقيامة) فإنه يؤول الآيات من خلال موشور الوحدة المتماسكة بين الظاهري والباطني (الأرضي المادي والروحي الإلهي). فالأرض التي يجلس عليها الإنسان بالإضافة إلى بدنه هي ظرف ومكان. لهذا السبب يخاف الإنسان زلزلة مكانه لأنه يزلزل بدنه الخاص. فالأرض هي أرضه وترابه، وعظامه هي جبال أرضه، ورأسه هو سماء أرضه، وقلبه هو شمس أرضه، وسمعه وبصره وسائر حواسه هي نجوم سمائه. ومفيض العرق من بدنه هو بحر أرضه، وشعره نبات أرضه، وأطرافه هي أشجار أرضه. فإذا انهدم بالموت أركان بدنه فقد زلزلت الأرض زلزالها. وغذا انفصلت العظام عن اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفا، فإذا اظلم قلب الإنسان عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا. وإذا بطل سمعه وبصره وسائر حواسه فقد انكدرت النجوم انكدارا. وإذا انشق دماغه فقد انشقت السماء انشقاقا. وإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدّت حتى ألقت ما فيها وتخلّت[14]. بينما وجد في الآية (أفمن يمشي مكبا على وجهه كمن يمشي سويا على صراط مستقيم) إشارة للفريقين المختلفين، اللذين يأخذ أحدهما في نظرته إلى الحقيقة المعاني من الألفاظ، بينما يلحظ الثاني المعاني أولا ثم يتطلع على حقائقها ثم يلاحظ الأسماء[15]. في حين أوّل الآية (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) انطلاقا من مفاهيم القرب والبعد من الله. فقد خلق الله الخَلق وفطرتهم الاحتياج إلى استعمال الشهوات لتكمل بها أبدانهم. غير أن هذه النِعم يمكنها أن تكون آلة للابتعاد عن الله، وأن ترده بالتالي إلى أسفل المراتب، أو أن تكون آلة للانجذاب إليه[16]. بينما تحولت الآية (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) في تأويله الصيغة المجردة لضرورة استيعاب الحكمة الإلهية في وجود الأشياء. فالكفر بنظره هو استعمال الشيء لغير وجهته. وبما أن الفضة والذهب لا غرض لهما بحد ذاتهما، إنما هما وسائل للأغراض، فكنزهما هو العجز عن "قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة في صفحات الموجودات بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت، والذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة"[17]. وأما معنى "اعتبروا يا أولي الأبصار" فهو العبور من عالم المُلك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت. وذلك لأن عدم العبور هو حبس النفس عند أبواب جهنم. وبما أن الحجاب لا يزول إلا بالموت آنذاك سيدرك الإنسان نار الأفئدة. من هنا قول القرآن (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين). فالحجج يدركها البعض في الدنيا مرة بعلم اليقين ومرة بالآخرة بعين اليقين[18]. في حين اتخذت الآية (لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) في تأويلاته مثال للدلالة على فكرة الوسط الأخلاقي المجرد ودليلاً على رجحان العدل وحسن الخُلق. فالتقليل من الأكل عبادة. وخصي النفس لإزالة شهوة النكاح أو الانهماك بها هو خسران الميزان. في حين إن العدل هو أن يخلو وزنه وتقديره عن الطغيان فتتعدل به كفتا الميزان[19]. في حين عبّرت الآية (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين، فلما نجاهم إلى البر إذ هم يشركون) عن أن من انكشف له أمر العالم كما هو عليه، علم أن الريح هو الهواء، والهواء لا يتحرك بنفسه ما لم يحركه محرك. وكذلك محركه وهكذا إلى أن ننتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه (الله). فالتفات الإنسان في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحزّ رقبته فكتب الملك ترخيصاً بالعفو عنه، فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم[20]. أما معنى (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر)  فيشير إلى مثال لمناجاة ذرات الوجود مع أرباب القلوب في السرّ. وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى. إذ أنها كلمات تستمد من بحر كلام الله الذي لا نهاية له[21]. ولا تعني الآية (وما خلقنا السموات والأرض وما بينها لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق) سوى إشارة إلى درجات ترتيب الوجود الذي لا تتكشف حقيقته إلا بنور الحق، أي لا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم. وإن كل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب حق لازم لا يتصور أن يكون إلا كما حدث[22]. في حين لا تعني الآية (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) بالمقتول في المعركة، إذ للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد[23].

إن هذه الأمثلة وكثير غيرها تكشف عن مساعي الغزالي صياغة الوحدة المتصوفة والمعقولة للظاهر والباطن. ففي الوقت الذي يدرجها من حيث مضامينها في اطار نظراته الوجودية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، فإنه يحافظ بالقدر نفسه على طابعها التاريخي الملموس. وفي الوقت الذي حافظ على نزوعها الشرعي المنقول، ألبسها لباس المعقول من خلال إضفاء الطابع العقلاني والأخلاقي عليها. مما كان يعني أيضا فسحه المجال أمام الإمكانية الدائمة لتحرير الباطن من القداسة المفتعلة للوعي التاريخي. وبهذا يكون قد أنزل "ضرورة" الوحي الإلهي إلى عالم الحرية الصوفية، باعتبارها الميدان الأخلاقي المتسامي لوحدة الحق. 

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص59.

[2] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص72.

[3] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص75.

[4] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص91.

[5] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص101.

[6] الغزالي: مشكاة الأنوار، ص101-102.

[7] الطوسي: اللمع في التصوف، ص431

[8] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص39.

[9] الغزالي: الإملاء على مشكل الإحياء، ص39.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص103.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص285.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص23.

[13] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج3، ص399-400.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص64.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص67.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص88.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص91.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص102.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص103.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص247.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص248.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص255.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص309.

 

محمود محمد علينعود ونستأنف حديثنا عن الهيمنة الأمريكية علي منطقة الخليج عقب الحرب العالمية الثانية فنقول : تتمثل الأحداث والمتغيرات التي انبثقت عنها الأسباب غير المباشرة للحرب العراقية – الإيرانية في الوقائع التي جرت في كل من الدولتين قبيل الحرب، فالعراق الذي كان يحكمه نظام قوي راديكالي، يؤمن بوحدة الأقطار العربية تحت راية القومية، وقع فيه تغيير دراماتيكي، حيث تولى قيادة النظام شاب في الثانية والأربعين بخصائص شخصية معروفة، أهمها تطلعه لتحقيق الانتصارات والإنجازات الكبيرة، وكان ذلك الشاب هو "صدام حسين" الذي تربع على سدة حكم العراق في يوليو 1979م .

وكان النظام الراديكالي في العراق مدعوماً باقتصاد متين عززه تأميم النفط، وبجيش قوي مدرب، يملك تجهيزاً متقدماً أتاحه متانة اقتصاد العراق، وعلاقات النظام الاستراتيجية مع أكبـر مصدّر للسلاح في العالم (الاتحاد السوفيتي)، وشراكتـه الاقتصادية والنفطية مع عدد من الدول المهمة، وخاصة فرنسا .

وأما إيران فقد حدث فيها، أيضاً، تغير دراماتيكي، إذ عاد إليها الخميني في شباط من العام نفسه (1979م)، وقاد ثورة إسلامية مدعومة بمشاعر الملايين من الشعب الإيراني، الذين وجدوا في الإسلام وشعاراته منقذاً ومخلصاً من غطرسة الشاه "محمد رضا بهلوي"، وكان الشاه قد عاش إمبراطوراً محالفاً للغرب، وحالماً بالهيمنة على منطقة الخليج كلها  وبعد انتصار الثورة اضطر الشاه إلى مغادرة إيران مخلفاً وراءه جيشاً قوياً، كان يوصف بأنه خامس جيش في العالم، كما خلف وراءه ثروة كبيرة تحققت نتيجة للصعود الكبير في أسعار النفط .

وتكمن خطورة ثورة الخميني على الدول المجاورة بشكل خاص، في رفعها شعار تصدير الثورة، مما يعني، ببساطة، أن إيران ستعمل على نقل أفكار الخميني إلى جيرانها، ومن ثم إلى الأقطار الأبعد؛ بمعنى أنها ستوسع حلقات الثورة شيئاً فشيئاً، وكان منطلقها فكرة مولّدة تتلخص في: "أممية الدين، وولاية المهدي الذي سيظهر ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً وظلماً".

وهكذا، أصبح الخميني نائب الإمام وقائد الثورة، وأصبح النظام الإيراني الجديد نظاماً راديكالياً راغباً في التوسع، وبالمقابل كان "صدام حسين" قائداً للثورة في العراق، وكان يسعى إلى تزعّم العروبة، ويتلمس كل ما يجعله بطلاً للتحرير القومي. ويقع هذان المشهدان الجديدان في العراق وإيران على تخوم دول الخليج المترفة مادياً بفعل عائدات النفط، والضعيفة عسكرياً بفعل عوامل كثيرة: بشرية ونفسية وبنيوية، وكانت هذه الدول – وفق حسابات التاريخ والجغرافية – هدفاً محتملاً لمد عروبي قومي وعسكري .

لقد كان كل من العراق وإيران في عهد "صدام حسين" و"الخميني"، يعد البندقية بيد المواطن قبل الخبز، وميدان التدريب العسكري قبل ميدان العمل والبناء، وكانت لكل منهما نظريته الأيديولوجية ورؤيته السياسية. ويمثل وجودهما على تخوم دول الخليج العربي تهديداً واضحاً لهذه الدول واستقرارها ومصالحها، وخاصة أن لكـل من الدولتين: العراق وإيران تاريخاً ينبئ بمستقبل علاقاتها مع دول الخليج، فالعراق أخذ يرفع جهاراً نهاراً شعارات التخويف لـ (أمراء النفط)، و(الرجعية العربية)، ورافق ذلك كثير من السب والشتم لهذه الدول.

وأما إيران فكانت ولا تزال تَعُدُّ الخليج فارسياً، وتعتبر الدويلات الصغيرة على ضفافه الشمالية توابع لها، كما أنها احتلت جزراً تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتمسكت بها، ولم يغير انقلاب النظام في إيران من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لم يغير موقفها قيد أنملة تجاه الجزر، ولم يغير نظرتها إلى دول الخليج العربي .

لقد أدركت دول الخليج العربي أنها أمام معضلة مزدوجة، ورأت أن أفضل حلٍّ لهذه المعضلة هو جعل الجارين الكبيرين المتربصين بها، يمتص كل منهما قوة الآخر وزخم اندفاعه، وقد عبّر الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود عن هذا الموقف عندما قال مقيماً الحرب العراقية- الإيرانية: "عسى أن تموت الأفاعي من سموم العقارب".

وهكذا كانت الحرب مصلحة خليجية، وكانت، أيضاً، مصلحة أمريكية وغربية، فبحجتها تداعت الأساطيل العسكرية إلى الخليج، الذي حرصت التوازنات الدولية – إبان ذروة الحرب الباردة،على التعامل معه بحساسية مفرطة، وأخذ العلم الأمريكي يرتفع على ناقلات النفط التي أحيطت بالبوارج الحربية الأمريكية، وهي تخرج من الخليج العربي محملة بالنفط، خوفاً من هجمات إيرانية تستهدف قطع النفط، والإضرار بمصالح دول الخليج التي دعمت العراق .

وأصبحت البحرية الأمريكية سيدة مياه الخليج العربي، وحامية مضيق هرمز، فقد أخذت تمخر مياه أعالي بحر العرب، بينما صمت السوفييت مكتفين بمليارات الدولارات ثمناً للسلاح الذي باعوه بأسعار خيالية للطرفين المتحاربين، والذي باعته مصانع غربية وشرقية أخرى بأسعار باهظة أيضاً، وقد زاد ذلك نار الحرب تأججاً .

وتحققت بتمزق القوتين العراقية والإيرانية مصلحة إسرائيل، فهاتان القوتان اللتان كانتا تجاهران بعدائهما لإسرائيل أنهكت الحرب قواهما، واحترقت في أتونها مقدراتهما، فقد أتت الحرب على آلاف العسكريين المدربين، وآلاف الدبابات والمدرعات، ومئات الطائرات المقاتلة ، ومئات، بل آلاف المدافع، وغيرها من أنواع الأسلحة والعتاد، وهو الأمر الذي أدى إلى اختلال ميزان القوة لصالح إسرائيل .

ولقد أدت الأسباب المباشرة وغير المباشرة، التي سبق ذكرها، إلى اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وقد بدأت هذه الحرب في الرابع من شهر سبتمبر لعام 1980م على شكل مناوشات حدودية، إذْ تبادلت قوات الطرفين قصف المخافر والقصبات النائية والسواتر الترابية، إلا أن هذه المناوشات ما لبثت أن تحولت في 22/9 من العام نفسه إلى حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، ففي ذلك اليوم وجهت القوة الجوية العراقية ضربة شاملة لإيران التي ردت بقوة، وهكذا اندلعت حرب طاحنة، لم يدخر الطرفان المتحاربان أي قوة في خوضها، فقد استخدمت كل أنواع الأسلحة المتاحة، واستهدفت المنشآت العسكرية والاقتصادية والمدنية، وطالت الحرب حتى المدارس والأرياف، وقضت على الآلاف من المدنيين والعسكريين. وتجاوزت الحرب كل ما تعارفت عليه الحروب من علامات النصر والهزيمة، وكان كل من الطرفين يدعي كسب الحرب والانتصار، ولم يعد موت آلاف الشباب في يوم واحد سبباً كافياً للتوقف وإعادة الحساب، بل كان ذلك مدعاة للفخر والمباهاة، وتأكيداً للتضحيات البطولية، وتحقيقاً للأمجاد، وانتصاراً للدين تارة، والدنيا تارة أخرى. وتداخلت في هذه الحرب الشعارات، بينما استمر نهر الدماء في تدفقه، وكادت تجف ينابيع القوة لكثرة ما تكبد الطرفان من خسائر. وكان من أبرز الشعارات التي ارتفعت في هذه الحرب: شعار الدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية في بغداد، وشعار الدفاع عن الثورة الإسلامية في طهران .

لذلك رأت الولايات المتحدة أن في استمرار الحرب مصلحة لها ولحلفائها شرط ألا تمتد إلى مناطق أخري، وألا تهدد النفط وممراته ، حيث كان هدف الولايات المتحدة الرئيس، الحفاظ على لعبة توازن القوي بين إيران والعراق ، القائمة على السماح لبناء قوة إحداهما، لموازنة القوة الأخرى .

كما أشارت كافة التقارير الصادرة عن البيت الأبيض، إلى أن الولايات المتحدة لا تريد خروج إيران منتصرة من الحرب؛ لأن النتيجة الأولي ستكون تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول الخليجية، ومن ثم يتهدد نظام الحكم في تلك الدول ، ومن ثم سيقطع الحكام الجدد للخليج النفط عن الولايات المتحدة، وإذا حاولت الولايات المتحدة التدخل عسكرياً لمنع الوصاية الإيرانية على دول الخليج ، فإن ذلك سيتطلب نقل قوات وإمدادات عسكرية كبيرة للمنطقة .

لقد كان هدف الحرب العراقية – الإيرانية، إسقاط الثورة الإيرانية، وإبعاد العراق عن الصراع العربي– الإسرائيلي، وخلق ذريعة للتدخل العسكري المباشر في منطقة الخليج. وكان نفط المنطقة هو الهدف الأساسي، والسبب الرئيسي المباشر، للتصعيد والوجود العسكريين في منطقة الخليج العربي، وكانت الرغبة الأمريكية ألا ينتصر أي طرف في هذه الحرب .

بيد أنها لا تريد بروز العراق كقوة مهمة، حيث عارضت قيام دولة قوية في منطقة الخليج يمكنها أن تهدد الدول الأخرى المنتجة للنفط، وتفرض إرادتها على المنطقة، وقد أوضح رئيس قسم الشرق الأوسط في مجلس الأمن ذلك بقوله :" نحن لا نريد للعراق أن يكسب الحرب، كما أننا لا نريد للعراق أن يخسر، فنحن في الحقيقة لسنا سذجاً ، فقد كنا نعرف صدام حسين، إلا أنه يخصنا .

لذلك بينما كانت الولايات المتحدة تميل علناً إلى جانب العراق خشية انتصار إيراني، شحن مجلس الأمن القومي الأمريكي الأسلحة سراً لإيران، وزود الإيرانيين بمعلومات مخابراتية سرية. ويرجع سبب ذلك إلى أن الولايات المتحدة بنت موقفها في البداية على حسابات مختلفة، حين قدرت أن القوات العراقية ستسحق القوات الإيرانية بسهولة، ولكن بعد أن تطورت الأمور بذلك الشكل، أدركت إدارة الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، بأنها قد تركت الساحة الإيرانية لغيرها، وكان السوفييت في طليعة المستفيدين من غيابهم، يليهم أصدقاء الأمريكيين الذين سربوا الأسلحة الأمريكية وقطع الغيار، مثل إسرائيل، وكوريا الجنوبية خاصة، فلا بد من مراقبة عمليات التسريب؛ لجعل الخطر الأمريكي فعالاً، وحمل الإيرانيون على القبول بالتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ التفاوض فعلاً بإيحاء من مجلس الأمن القومي الأمريكي، بواسطة عملاء يهود .

لقد زودت الولايات المتحدة إيران بالأسلحة في البداية، عن طريق إسرائيل منذ 1981م من خلال اليهود المزدوجي الجنسية، ومن خلال وساطة تجار السلاح الإيرانيين، فكانت الأسلحة ترسل من إسرائيل إلى إحدى الدول الأوربية أو الإفريقية، من ثم يتم تغيير الأوراق، ثم شحنها إلى إيران .

وهنا شكل دور إسرائيل بمثابة البديل، والدرع للولايات المتحدة في تلك العملية، وحسب اعتراف الرئيس الأمريكي"رونالد ريجان"، فقد استخدم اليهود مرة أخري؛ للتقليل من الخطر السياسي المحيط به. فقد كان أمد الحسابات الإيرانية، مرهوناً بالدعم الأمريكي المباشر أو بالواسطة، وعليه أقر مجلس الشوري الإيراني في جلسته ، التى عقدها في نوفمبر عام 1981م بشراء أسلحة من إسرائيل بقيمة 200 مليون دولار، وهنا وجدت إيران في إسرائيل خير عميل، لا سيما بعد أن تلاقت مصلحة الطرفين حول ذلك الموضوع ، فالنزاع بين إيران والعراق يعنى نزاعاً بين طرفين كليهما عدو لإسرائيل، إضافة إلى أن بيع السلاح ينشط الاقتصاد الإسرائيلي، والتعاون مع الخميني يؤمن رعاية للجالية اليهودية المتواجدة في إيران (80 ألفا) .

وفي سبتمبر 1985م تفاقم الموقف بشدة وتدهورت الأوضاع القتالية للقوات العراقية، فطلبت العراق مساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية، فأصدر الرئيس ريجان قراراً عبر توجيه لمجلس الأمن القومي بأن الولايات المتحدة ستسعى جاهدة لمنح المساعدة للعراق وعدم خسارتها للحرب، حيث أرسل سنة 1986م رسالة سرية لصدام حسين يخبره فيها أنه على العراقيين رفع مستوى حربهم الجوية ورفع غاراتهم على إيران، وبذلك استعادة العراق علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة  التي كانت مقطوعة منذ حرب  1967م، وبهذا أخذت الأسلحة المتطورة تتدفق على العراق مما زاد من قدرته القتالية، بالإضافة إلى الدعم المالي من دول الخليج، في نفس الوقت دخلت إيران مرحلة الضعف والتقهقر .

واستناداً إلى ما صرح به وزير الخارجية الأمريكية " هنري كيسنجر" حين قال :" هذه أول حرب في التاريخ نتمنى ألا يخرج فيها منتصر، وإنما أن يخرج الطرفان كلاهما مهزومين، وفي موقف آخر صرح :" أنه من المؤسف أن الحرب قد تنتهي بخسارة أحد الطرفين فقط".

ويستدل من وقائع الحرب ما أكد ذلك الرأي، فعندما كان مسار الحرب يميل لمصلحة العراق، كانت المساعدات والأسلحة تأتى إلى إيران، والعكس صحيح. ففي الوقت الذي كانت إيران تستعيد توازنها، وتقوم بهجمات ناجحة ضد القوات كانت الولايات المتحدة تسارع بمساعدة العراق، بما يسمح بإطالة أمد الحرب على النحو الذي يخدم الأهداف الأمريكية .

وهنا فهم الخميني حقيقة هذا المغزى، فانتهز فرصة قيام القوات الأمريكية الموجودة في مياه الخليج بإسقاط طائرة إيرانية، ومصرع 295 راكباً، فأعلن في 18 يوليو 1988م وقف إطلاق النار بناء على بقاء النظام على أساس أن أمريكا تحاول جر إيران إلى حرب لا تحمد عقباها،  الأمر الذي اعتبره العراق فخراً عسكريا، وخرج بجيش مكون، وكفاءة عسكرية متميزة، وعتاد ذو قاعدة عسكرية متطورة، غير أنه خرج بأوضاع مزرية، ومنهارة، وبأزمة اقتصادية ضخمة، وديون خارجية قدرت بـ 80 مليار دولار وتصاعدت الأزمة في الداخل بين النظام العراقي والأكراد، أما المستوى الخارجي زاد الأمر توتراً وحدة بين العراق والولايات المتحدة. وبريطانيا وإسرائيل تنامي بسبب تنامي قوتها الاقتصادية، بالإضافة إلى انخفاض النفط في الأسواق العالمية وتوقف خطط التنمية بعد الخسائر الكبيرة التي كانت موجهة إلى الإنفاق العسكري والقوة العاملة التي وجهت إلى جبهة القتال .

أما بالنسبة للنتائج التي خلفتها هذه الحرب هي التفرقة بين الدول العربية، حيث إن دول الخليج كانت تدعم النظام العراقي بشكل كبير؛ خاصة الكويت والسعودية، وكذلك كل من مصر والأردن، رافعين شعاراً علنياً لذلك هو: دعم العرب لشقيقهم ضد عدوه الطامع في أرضه. في حين وقفت سوريا إلى جانب إيران ، وكان الهدف من إقحام العراق في  الحرب مع إيران إضعافه عسكرياً وصناعياً وزيادة الفتن الداخلية، إلا أنه حصل عكس ذلك وتنامت قدرته العسكرية وخبراته القتالية وزيادة الصناعة التكنولوجية .

كما خلَّفت الحرب العراقية- الإيرانية، آثاراً وجروحاً كثيرة، طالت مجالات الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والفكرية، والاجتماعية، ولم تقتصر هذه الآثار على الدولتين المتحاربتين، وإنما امتدت إلى دول المنطقة، وتجاوزتها إلى كثير من دول العالم، وهكذا أصبح من العسير حصر أطراف الحرب، وتبين تداخلاتها التي اختلطت وشابتها ضبابية كثيفة. وفي الوقت الذي ظنَّت فيه دول الخليج العربي أن نهاية الحرب ستؤمن لها الاستقرار، بدأت مرحلة جديدة تداخلت فيها العلاقات، واختلطت المصالح، وتلاحقت  التغيرات ..

ما يمكن قوله عن حرب الخليج الأولي أنها كانت حرباً قاسية ومدمرة، استمرت ثماني سنوات من 1980 إلي 1988م، وهي أطول الحروب التقليدية في العصر الحديث ذهب أكثر من مليون شخص ضحايا لتلك الحرب، ودمر اقتصاد الدولتين؛ حيث تقدر الخسائر المادية بمئات المليارات من الدولارات، إلا أنه ومع خروج العراق منهكاً اقتصادياً، ومتأثراً اجتماعياً بما خلفته الحرب، خرج بقاعدة عسكرية متطورة، وقدرة قتالية، وتسليحية  متفوقة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

صادق السامرائيالمفردة اللغوية قوة فكرية وسلوكية، وضعف المفردات يساوي ضعف القدرات، ومعرفة مفردات أكبر يحقق سلوكا أفضل في الحياة ويدفع بها إلى التقدم الأمثل، وتوفر مفردات أقل يعني اللجوء إلى السلوك الضعيف والمؤذي.

ولو أجرينا إمتحانا لأصحاب السلوكيات المقيتة، لتبين لنا أن مخزونهم اللغوي أو مفرداتهم قليلة وقدراتهم على التعبير بالكلام ضعيفة أيضا، ولهذا يميلون إلى السلوك الأولي المتوحش الذي يُظهر لنا الإنسان وكأنه أخرس ومعوق عقليا، ويتفاعل بيديه وقدميه وأسنانه ولا يعرف معنى السلوك الحضاري المفيد.

إن أفكارنا وسلوكنا وحياتنا ثلاثة أركان تصنع وجودنا القائم في أي عصر، ولا يمكننا الخروج من هذا المثلث الذي نؤسسه وفقا لتفاعلات أضلاعه، ومدى قدراتها في التعبير عن الأفكار وترجمتها إلى بيئة نفسية وإجتماعية نكون فيها.

وهذا المثلث محكوم بالمفردات اللغوية التي تمنحه القوة والقدرة على صياغة التفاعلات، التي تحافظ على ما فيه من الأجيال البشرية التي يتحدد مصيرها بأضلاعه.

المفردات اللغوية تؤسس وحدة تفاعلية جادة ولا تساهم في صياغة النظريات، التي لا تعرف واقع الحياة وتأخذ الأجيال إلى سوء المصير.

إن الضعف العربي تحقق بضعف اللغة العربية وسيادة الجهل والأمية في أركان الأرض العربية، التي كانت تنطق اللغة وتتعامل معها بحب وإبداع وقوة ثقافية وحضارية عالية.

ولا زلنا لا نعي هذه العلة ولا نقترب منها ونحسب الحديث فيها نوع من التأخر والرجوع إلى الوراء، في حين أنها مهماز الصيرورة الكبرى والتطلعات الحضارية المشرقة.

فلا توجد أمة على وجه الأرض وعبر الأزمان إستطاعت أن تبني وجودها الحضاري من غير المفردة اللغوية، التي تحفظ أفكارها وتمنح العقول المادة اللازمة لصناعة رمز الفكرة، وتجسيدها الواضح في الواقع والتعبير عنها في الكتابة، التي تحفظها وتودعها في عقول الأجيال المتعاقبة.

ولهذا فقد إخترع السومريون الكتابة والمفردات اللغوية وأسسوا نظامهم اللغوي، الذي بواسطته تمكنوا من إكتشاف الدروب الحضارية المنيرة، وانطلقوا من بيئة القصب والطين إلى بيئة البناء والتحضر والإبداع.

وعندما نقارن ما بين أجيال اليوم التي تتوطن بيئة السومريين نجد أنهم أقل تحضرا منهم، وذلك لقلة مفرداتهم اللغوية وأميتهم المهيمنة على حياتهم مما حوّلهم إلى أدوات يستخدمها الغير لتحقيق مصالحهم المتنوعة. فما هي حضارة هذه الأجيال وهي تتعامل مع ذات البيئة التي تعامل معها الأوّلون؟

قد يأتي البعض بآلاف الأسباب والتبريرات لكن السبب الواضح والعملي والصريح هو الفقر اللغوي ، الذي أصاب هذه الأجيال وحدد قدراتها العقلية والفكرية وسجنها في زنزانة الأمية الشاملة مما جعلها غير قادرة على الإبداع والتطور، والإنتقال إلى واقع الحضارة الإنسانية والمعاصرة الثقافية.

وهذا مثل تجلى في بلدنا على مدى العقود الماضية التي لم تترك لنا أثرا واحدا يشير إلى همة حضارية وفكرية وثقافية.

فما رأينا إلا غوصا متواصلا بالقصب والماء ومفردات بسيطة لم تتطور بل تكلست، وحققت تحجيما للدماغ والنفوس وصنعت مجتمعا مقيدا بالعثرات والأمراض والآهات، ولا تسمع فيه إلا صوت الأنين وبكائيات الأحزان واللطم السعيد، أجيال معدمة لغويا ولهذا فهي محطمة حضاريا.

وعندما تأخذ عينة عشوائية من بلد متقدم وآخر متأخر تندهش من الفرق الكبير ما بين عدد مفردات الطرفين، ويتضح لك أن العلة الكبرى تكمن في هذا الخلل العقلي والنفسي، الذي أسسه نضوب المفردات في عقول المتأخرين، بينما غزارتها في عقول المتقدمين دفعت بهم إلى تحقيق المستجدات والرقي المعاصر والمتواصل، لأن سيل المفردات المتدفق لا ينضب في عقولهم ويتنامى من حولهم ليثير كل خلية دماغية، ويحثها على التفكير والإنجاب الجديد لرموزها التي تصنع الحياة المتألقة الأركان.

إن الكلام عن القدرات والتطلعات يكون بلا معنى عندما يتجاهل موضوع المفردات اللغوية وأهميتها في صياغة الحياة والتطور، وترميم السلوكيات الضارة الناجمة عن القحط اللغوي، الذي نكابده ونسقط ضحايا بريئة تحت وطأة قهره وتدميره لوجودنا الفعال، لأنه يلغي العقل وينمي العواطف والإنفعال فيخلق إضطرابات سلوكية قاسية النتائج ودموية التفاعلات والرؤى والتصورات.

فاللجوء إلى العقل لا يمكنه أن يكون ناجحا من غير أن نضخ الأدمغة بالمفردات اللغوية، ونشحنها بطاقات وأدوات التفكير والإستنتاج والإستنباط وفقا لأصول التفكير العلمي المعاصر.

أما أن يتسيّد الإنفعال ويموت العقل بسبب الفقر اللغوي فأن الآفة ستتفاقم، لأن العصر بحاجة إلى مفردات غزيرة لكي نتواصل معه وبدونها سنبقى خلفه، وسنتساقط على هامشه المظلم ولا نرى النور ونمضي كالخفافيش الحائرة في ضوء الظهيرة الساطع .

فأعيدوا للمفردات اللغوية قوتها ودورها في حياة الأجيال!!

 

د. صادق السامرائي

 

ـ حينَ تُصابُ اللغة بالحيرة، يغدو الصمتُ عِكّازُها!

* الكونُ غارقٌ في صخبً، لا أستطيعُ التحرُّرَ منه.. فمصيرنا الوطني، وحتى الإنساني، يُعذِّبُ النفسَ.. ثمةَ إستبدادٌ  كونيٌ، لا يُصيبنا وحدنا. قد نشعرُ به أكثر من غيرنا ! لأننا الأضعف حالياً.. إلى جانب أزمة بتأريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. لكن الأخطر هو أزمةُ العلاقة بالمستقبل. من هنا فالصَخبُ قويٌّ جداً ! لكن يجب الأّ نردَّ عليه بصخبٍ كتابي. لأننا لا نملكُ أدواتٍ تُصارع الصخبَ بصخبٍ لُغويٍّ، لأن الصخب الماديَّ أقوى من صَخب الكتابة. لذلك يتعيَّنُ علينا أنْ نقاومَ هذا الصخب بنقيضه.. بلغةٍ هادئةٍ.. لغةٌ للتأمل.. ترتبط بالحياةِ وبتمجيد جمالياتها...

* الأنسانُ كائنٌ يتذكّر.. قلتُ في واحدة من الأفوريزمات، التي أشتغل عليها (نصوص شحيحة)، قلتُ: "طالما أننا نتذكر وننسى، فنحنُ نحيا !" فالأنسان إذ يتذكر، يستحضر صوراً من الماضي، بيد أنه لا يستطيع إستحضار التجربة وإستعادتها.. فعندما يتذكر يسعى إلى التحرّرِ من ضغط الحاضر. إنه يتذكر فقط لأنه يتذكر ! يتذكّر ليعرفَ مَن هو؟! وأين هو؟! ينضافُ إلى ذلك ما للذهن من قُدرةٍ على تكوين صورٍ ذهنية لأشياءَ وأحداث غابت عن متناول الحس والوعي، تُضافُ إلى ذكرى محدَّدة، فتدخلُ في نسيجها، كأنها جزءٌ من الأصل، تُحاكي مفرداتها عمل الخيال...!

فالطفولة بالنسبة للمبدع لا تُكتبُ مرةً واحدة.. إنها تخترقُ نصوصه من حينٍ إلى حين، تستعيدُ عالماً مفقوداً، حتى وإنْ كانت طفولةً بائسة. ذلك أنَّ الذاكرة تُجمّل عناصرَ الطفولة وتشحنها بجماليات لم تكن فيها بواقع الحال.. قد تكون طفولةً بائسة، لكن مسافة الحرمان تُجمِّل الماضي وتجعله هدفَ الأحلام، التي نخترعها، كي نتغلَّبَ على وطأة الراهن الثقيلة.. ولا نُفلِتُ بوصلةَ المستحيل، الأنعتاق والحرية والعدالة...إلخ

الذاكرةُ، إذاً، تستطيع أنْ تَخلُقَ وَهمَ العودة إلى الماضي. لكن طريقة عملها الغامضة، تكشفُ مدى تعقُّد العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل في الوعي الأنساني. فالذاكرةُ الفردية، متحف خاص، لا يختارُ محتوياته بوعي أو إنتقائية. هي ذاكرة عفوية وتطوعية.. تحنُّ إلى أمكنتها وأزمنتها السابقة... قد تستعيدُ ذكرى فَرَحٍ، لم يَعُدْ يُفرِحُ،

أو ذكرى حزنٍ لم يَعُدْ يُحزن.. إنها تعمل بطريقةٍ تختلف عن الذاكرة "الرسمية". ذلك أنَّ الأخيرةَ تنتقي بوعي كامل

 ما تريد للجماعة أنْ تتذكره عن تأريخها، إذ تنزعُ عن الذاكرة طابعها المُطلق، لأن التأريخَ يحاول أنْ ينسى...

فالذاكرة الرسمية لا تُريدُ للجماعة أنْ تنسى، بل تُحدِّدُ لها ما ينبغي تذكُّرَه. وهكذا تُخضعُ الجماعة لسياسة صنعِ الصورة عن النفس، صورة خالية من العيوب، لأن الذاكرة الجمعية هي ذاكرة وظيفية، براغماتية. أما الذاكرة الفردية فهي " شاعرية "! ترتبط بشكلٍ حميمٍ، تحنُّ إلى المكان الحميم، الذي توقظ زيارته المُتخيلة كل ما في الزمن الماضي من جمال.

ثمة سؤال مشروع : هل تستطيع الذاكرة الفردية أنْ تكونَ حرةً تماماً؟! أَلا تتأثّر بالذاكرة الجمعية، التي هي عالم العادات والتقاليد والأهداف "المشتركة"؟!

صحيحٌ أنَّ علاقة الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية تحمي الفردَ من خطرِ الإقتلاع و اللا إنتماء، لكنها تضغط أيضاً على طريقة تشكُّل شخصيته وخصوصيته.

في حالتي، المُحدَّدَة، أزعم أنني أستطيع التمييزَ بين تَذَكُّرِ ما هو شخصيٌّ وما هو عام.. لكنني لا أستطيعُ وضعَ حدودٍ سرمديةٍ بينهما ! لأنَّ ذاكرةَ الأشياء الحميمة الشخصية ترتبط موضوعياً بذاكرة الجماعة، التي أنتمي إليها في علاقتها

بالمكان...الحنين ! فذاتي تحتضنُ ذواتيَ الأخرى، فيختلطُ صوت الفرد بصوت الجماعة. لكن في الوقت عينه عندما تقوم الذاكراتُ الفردية بسرد حكاياتها، فأنها تُسهمُ في تشكيلِ ذاكرةٍ جمعية، مثلما تُسهم الذاكرةُ الجمعية في تشكيلِ الذاكرة الفردية، وفق شروطٍ وخصائصَ تتعلَّقُ بمستوى الوعي والثقافة....إلخ

قد يبدو غريباً بالنسبة للكثير من الناس عندما أقولُ أن علاقتي بالبيت / الوطن توطّدت في المنفى ! فعندما تكون في بيتكَ، لا تُمجِّدُ البيت / الوطن.. ولا تشعر بأهميته وحميميته. لكن عندما تفقده، يتحوَلُ إلى صَبْوَةٍ، إلى مُرتجى، كأنه الغاية القصوى.. بهذا المعنى عمَّقَ المنفى مفهوم البيت / الوطن، كون المنفى نقيضاً لهما. لكنني لا أستطيعُ الآنَ تعريف المنفى بنقيضه، ولا الوطن بنقيضه.. فقد إختلف الأمر وغدا كل منهما مُلتبساً. لذلك أقولُ يبقى الطريق إلى البيت / الوطن أجمل، وإنْ شئتَ الحلم بهما وحتى بالثورة أجمل من تحققها... قد يكون البيت/ الوطن عادياً جداً

– دون إطناب في المديح والتوصيف – لكنك حين تفتقده، تكتشف نواحٍ أخرى لم تكن تراها وقت كان " مُتاحاً/ متوافراً " لديك.. فعندما كنّا هناك لم نشعر يوماً بأننا نحتاجُ إلى تقديمِ براهينَ عن حقّنا بالمكان، بيتاً كان أم وطناً..

كانت علاقتنا بالمكان تلقائية وعفوية، لا تحتاج إلى مسوّغٍ أو تبرير.. كنا مشغولين بأمرٍ آخر، بالدفاع عن حقنا في إمتلاك مستقبل أفضل، مع الإحتفاظ بحريتنا في أن نحلم ونعمل من أجل المستحيل!.. من أجل العدل والإنعتاق والحرية... مشروعاً يشمل الجميع !

بأختصار، كل الأحلام أكبر وأجمل من شكل تَحقُّقِها !

لكن للأسف لا تبدو صورةُ المستقبل القريب غير مُشِعّة، بل قاتمة من منظور الحاضر !!

وعليه فذاكرةُ المُبدعِ هي مخزونُ الصور والإنطباعات، التي عاشها، رآها، قرأها أو تخيلها من خلال ثقافته وتجربته الحسية والفكرية...

من جانب آخر، فأنَّ أزمنة الذاكرة هي الماضي البعيد أو القريب.. وأمكنتُها هي الأمكنة المفقودة والغائبة، أو

تلك التي شَهِدَت تجربةً " شخصية أو حميمة " أو شهدت " كارثةً جماعية ".. فنحنُ لا نتذكرها كي نستعيدها، بل

لنفهمَ حاضرَنا ونتهَجَّسَ طريقنا إلى المستقبل! فلا أحدَ يحنُّ إلى وَجَعٍ سابقٍ، لكننا نحنُّ إلى أفراحٍ، حتى صغيرةٍ وإنْ

كانت وسط سماواتٍ مُلبّدة !! عرفناها في الماضي، ولا نجدها إلاّ في المستقبل، كما نظن ! وعندما يتذكر الفردُ والجماعة الوجَعَ السابقَ، فأننا نفعلُ ذلك كي لا تتَكرّر تلك التجربة المأساوية.

لكن حين يصبحُ طريقُ الغدِ سالكاً، آمناً، فأن شيئاً من النسيان يغدو واحداً من شروط التحرُّرِ والإنعتاق !!

* الآنَ حان وقت الحديث عن الصمت، إسمح لي أن أُعالجه معك بصيغةٍ أخرى غير ما تقدَّمْ ! ولن أُخوّضَ في موضوع "صمتِ أجزاءٍ واسعةٍ ممن يُسمَّونَ بالنُخَب" أسبابها و " مسوّغاتها "...إلخ فهذا أمرٌ قد يحتاج إلى تحبيرِ مئاتٍ من الصفحات.. لا أنا بقادرٍ عليها، ولا تتوفَّرُ لي من مادةٍ أرشيفية تُعينني على ذلك !!   

ـ الصمتُ، صُراخُ الأحشاء، حين يمتليءُ الفم رَملاً..!

ـ تَصمِتُ وحوشُنا تحتَ قَمرٍ يُطلقُ في دَمنا دودةَ الحنين...

ـ هل ينتهي عَفَنُ الدنيا، إنْ خَرَجنا نصرَخُ من الفجائعِ إلى عالمٍ مُسمَّرٍ بالصمت؟!!

ـ إنْ كَسَرنا الصمتَ يبطُلُ مفعولُ " السحر" !

لكنْ هل سيكونُ بمقدورنا توصيف يَرَقَةٍ تَلصِفُ في غابةِ الليلِ؟!

ـ مَنْ ينبِشُ فينا ما تَرَسَّبَ منْ صمتٍ، عَجَزْنا عن قَولِه؟!

ـ صِرتُ فَمَ صمتي، الذي لا معادِنَ تُخفي وجهَهُ..

 فصمتي منبسطٌ أمامي، مثل بحيرةٍ بلا رمالٍ تَتَشَرَّبُه...

ـ النَبعُ يَشهَقُ بزَبَدِ كلماتٍ كَسَّرَها الصمتُ...

ـ أيّ الطُرُق أَنشُدُ إلى الصمتِ.. فللزورقِ، الذي أَعمَته ذاكرتُه، أشرِعَةٌ في كلِّ الإتجاهات؟!!

ـ بوّابةُ المستقبلِ مُقفَلَةٌ من الداخل، كي لا أقولَ صامتة، مثل بواباتِ حاناتٍ سهرَتْ حتى الفجر...

 لماذا لا تَملّ أيادينا من الطَرقِ؟!

ـ مَنْ يمُد لنا خيطاً، حتى واهياً، كي نَخرُجَ من بئرِ الصمتِ؟!!

 

يحيى علوان

 

عباس داخل حسنللمرة الثالثة تتعرض مقالاتي النقدية للتشويه أو السرقة من قبل بعض الباحثين في رسائل نالوا بها درجة الماستر، وأحياناً التلاعب بنسبها لشخص آخر أو وضعها تحت إسم وهمي، علماً إنها موثقة ومنشورة في الصحف والمواقع الالكترونية.. آخرها ما حدث؛ في إطروحة لنيل الماستر" للباحثة الجزائرية / مباركة رايسي - جامعة عمار ثليجي الاغوط - الجزائر، والموسومة "تمظهرات المكان في رواية السقوط في الشمس" اعتمدت مقالتي الموسومة "تيار الوعي في رواية السقوط في الشمس للاديبة سناء الشعلان. والمقال منشور بأ كثر من صحيفة وعلى المواقع الثقافية والادبية في الانترنيت .

الأمر المستغرب والماخذ على الباحثة ذكرت إسم المقال دون ذكر اسم الكاتب كما جاء في ص23، ومن ثم ذكرت المصدر نفسه ص24 ونسبت المقال وذكرت إسم لاوجود له على الاقل بالنسبة لي . ومن خلال البحث على الشبكة العنكبوتية "google ".  للتحقق من الاسم المذكور "محمود الحويات" لا وجود له البتة  . لا أعرف ما القصد من هذا التلاعب وضرب حقوق الملكية الفكرية لكاتب المقال عرض الحائط وتجيره تحت اسم وهمي، علماً إن هذه الاطروحة الجامعية لنيل الماستر ويجب عليها توخي ضوابط الأقتباس والأنتحال  والصدق في النقل . وعلى الاستاذة الباحثة أن تكون أمينة علمياً ومراعاة المنهجية في البحث الاكاديمي بأقصى درجات المهنية والمسؤولية والامانة . وعدم إختلاق نتائج وبيانات دون الاستناد الى تجربة البحث الدقيق .

و من إصول الاستلال أو الانتحال والاقتباس أن تكتب اسم المصدر " الموقع الالكتروني  أو المطبوع"، وإسم الكاتب عند ذكره أول مرة، وإذا إقتبست منه للمرة الثانية إسم البحث  والصفحة، أو ذكره في قائمة المصادر والمراجع دون اغفال اسم المؤلف او المترجم بصفته صاحب حق موازي .

 لقد ضربت بكل هذا عرض الحائط وهو من أبسط أبجديات كتابة البحوث التي يعرفها طالب في الثانوية، وهذا الفعل ان دل على شيء يدل على الخلل المعياري في منح الشهادات الجامعية لهذا بتنا إزاء عقول اكاديمية تعمل بطريقة النسخ والصق والاجترار ولاتستطيع اوتقدر أن تفكر أو تساهم بالمعرفة  الخالصة والتنمية البشرية، وبقينا في الدرك الاسفل من التقييم العلمي بين الامم .

هذه مثلبة واضحة ارجو أن تصحح من قبل الاستاذة صاحبة الاطروحة مستقبلاً حفاظاً على القيم البحثية والاكاديمية المتعارف عليها بكل جامعات العالم  وإذا  ما طبعت اطروحتها في كتاب عليها تصحيح الخطأ  .

على الاستاذ المشرف والمقرر  للاطروحة الدكتور "بو لرباح عثماني " تبيان الرأي عن هذا الخطأ او السهو حفاظا على سمعة مؤسسته وسمعته كأكاديمي وشاعر معروف والتمتع بروح الاعتذار . و الاعتذار خلق من أخلاق الكبار، ويمنح صاحبه المصداقية والثقة، كنت اتأمل بالرد على الشبهات وإزالة أية إلتباس أو إرتياب او خطأ بطريقة حضارية خالية من التجريح والمناكفة ولكن هذا ما  لم يستجب له الاطراف المعنية  في اغلب ما حصل مما دفعني لكتابة هذا المقال .

وسبق أن  نشرت في  موقع المجلة الثقافية الجزائري وهو موقع ذائع الصيت في الجزائر بين الكتاب والمثقفين اضاءة بهذا الخصوص آملاً بان تصل الرسالة للمعنيين لكن لاحياة لمن تنادي . وبعدها خاطبت أمانة الجامعة عن طريق الاستاذ رئيس الأمانة العامة  "الدكتور مقوسي خليفة" بتاريخ  - الاثنين  - 17/6/2019  بارسال " إيميل " والمطالبة   بايضاح عن الخطا أو السهو الحاصل وتم تجاهل الامر . هذه الحادثة  ومثلها المئات يتم تجاهلها من قبل البعض لسببين

1- إنعدام ثقافة حقوق الملكية الفكرية  أو عدم المبالاة بها عند الكاتب بغض النظر عن أهمية منجزه وحجمه . وضعف التشريعات القانونية وان وجدت فهي حبر على ورق. ولايتم التعويض المعنوي او المادي عن الضرر الحاصل.

2- عدم ثقة صاحب الحق  بالمؤسسات التي كثيراً ما تنأى بنفسها  وتتجاهل مثل هذه الحقوق عمداً او جهلاً، ويصل الامر عند البعض بالاستخفاف والسخرية من إثارتها لان معظمها مترعة بالفساد حالها حال المشهد السائد في الوطن العربي . وكل الامور نسبية في بلداننا العربية، لكن  تبقى دون الطموح  بحدوده الدنيا. الامثلة اكثر من ان تعد وتحصى .

- ما حصل مؤخراً من نسخ حرفي لاطاريح الدراسات العليا وتقديمها لنيل الماستر في الجامعات والكليات العراقية والعربية ونتحفظ على ذكر أسماءها باتت حديث الاعلام والاوساط الاكاديمية دليل دامغ  يدلل على انحطاط قيمي ومعرفي مريع في مؤسسات  يفترض أن يكون عمادها الشرف المهني والنزاهة وروح البحث والابتكار.

-  ناك ظاهرة أخرى ؛ هو كتابة رسائل الماجستير مقابل مبلغ مالي معتبر . وهذا الامر معروف عند بعض الراسخين في شارع المتنبي ومثله في بلدان عربية أخرى ووصلت المقايضات لحد لا أخلاقي وسفل ما بعده سفل .

- وظاهرة ثانية ؛ موثقة ومعروفة لدى الجميع هو نشر بعض الاساتذة كتب مسروقة من الالف الى الياء من بحوث طلبتهم او بتحريف طفيف في الهوامش والعناوين .

المحزن بالامر كلنا صامتون حيال هذه الكوارث والسلوكيات التي بلغت مبلغها في تردي المؤسسات العلمية وكان المسالة ارتفاع في أسعار الجعة او البيض ولم تك من أهم عوامل تقدم الامم وترسم مستقبل الشعوب . واليوم كثير من بلدان العالم تتباهى ليس بثروتها بل بمستوى التعليم والشفافية والنزاهة  وحقوق الملكية الفكرية والعلمية  وتصدر مناهجها وأنظمتها التعليمية مقابل أثمان مليارية على سبيل المثال لا الحصر فنلندا، اهم استثماراتها في التعليم الذي بنت به نهضتها الجبارة بكافة المجالات الاخرى خلال عقود .

الظاهرة التي نحن بصددها لاتنفصل عن الاخلاق والسياسة والعدالة السائدة في وطننا العربي الذي يشهد انحدار سلبي مريع وخطير، وسببه فساد التعليم العمود الفقري لاي حضارة، بات المشهد مترع بالكذب والزيف والغش . نحن امة تملك ثروة من الشباب لو استثمرت بنزاهة وتوزيع عادل للفرص لغيرت وجه المعمورة لكن على مايبدو هناك استهداف من الاخر بادوات محلية اقتنعت إنها الافضل والاعلى كعباً علما إنها لم تقدم شيء بكل الاصعدة والمجالات للاسباب الانفة الذكر وتمارس استبداد من نوع اخر وعدم القدرة على صناعة الاجيال، وكما يقول ابن خلدون :إذا فسد الانسان في قدرته ثم اخلاقه ودينه فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة .

 وهنا اطالب كل المعنيين عدم السكوت والصمت من أجل الحقيقة إتجاه مثل هذه الخروقات القاتلة والمدمرة  وهذا السرطان في التعليم بكل مراحله  المتفشي في أهم مؤسسات الدولة  والمجتمع .

 كما اتمنى على الاتحاد العام لادباء وكتاب العراق اتخاذ موقفا جليا ضد هذه الممارسات  .. للموضوع شجون لها اول مالها اخر . وحق الرد يكفله القانون ايمانا مني ان انسان اليوم هو كائن قانوني قط وما دون ذلك هراء ولايستحق الرد .

1032 عباس1

1032 عباس2

عباس داخل حسن / هلسنكي

...........................

 روابط مقال "تيار الوعي في رواية السقوط في الشمس لسناء الشعلان" على الانترنيت

http://www.almadenahnews.com/article/546636-

https://www.arabstoday.net/68/184341

https://www.alfaraena.com

https://www.intelligentsia.tn

https://alraipress.com/news35149.html

للتواصل

email   altnoor62@gmail.com

facebook  Hassan Abbas Dkhel

 

صباح شاكر العكامأن ما حصل صبيحة يوم 14 تموز سنة 1958م في العراق اثار جدل واختلاف بين شرائح واسعة من المجتمع فسماه بعضهم انقلاب والبعض الآخر ثورة، ولتوضيح الفرق بين الانقلاب والثورة .

الانقلاب يعني تبديل رجال الحكم فقط، إما بالعنف المسلح وغالباً ما تكون بعملية عسكرية مثل الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 في عهد الملك غازي . أو ما يسمى على السلطة بانقلاب القصر، يقوم رجال من نفس الطبقة الحاكمة بعملية تغيير الحكام نتيجة للصراعات فيما بينهم على السلطة كما في سوريا عندما استولى حافظ الاسد على السلطة وفي الجزائر عندما استولى هواري بومدين على السلطة وكلاهما كانا وزيران للدفاع .

أما الثورة فهي عملية تبديل شامل للحكام وقد يتم بالعنف المسلح أو بدونه، ولكن بالضرورة تكون مصحوبة بتغيير النظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي للبلد، أي تغيير القاعدة الإقتصادية والإجتماعية للمجتمع .

 ماذا حصل في يوم 14 تموز 1958 وما تلاه؟

إن ما حصل في ذلك اليوم كان انقلاباً عسكرياً قام به مجموعة من العسكريين ابادوا فيها العائلة المالكة وتم تعليق جثة الوصي على العرش عبد الاله امام وزارة الدفاع والتمثيل بها، وقتل رئيس الوزراء نوري السعيد وسحله في الشوارع، وقد حصلوا على دعم الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه التي نزلت الى الشوارع والساحات مؤيدةً الانقلاب .

 بعد ذلك حصل تغير جذري وقد شمل: اسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبنى سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات المخلة بالاستقلال الوطني، والخروج من (حلف بغداد)، وتحرير الاقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر والنظام الاقطاعي، وتحرير الملايين من الفلاحين من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي وتوزيع الاراضي الزراعية عليهم، وتحرير 99% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الاحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وتأسيس شركة النفط الوطنية العراقية وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 والذي وحد العراقيين جميعاً بقانون واحد واعطى امتيازات واسعة للمرأة، وازدهار الصناعة، وبناء عشرات الأحياء السكنية للفقراء . وبذلك فان ما حصل في يوم 14 تموز 1958 كان انقلاباً عسكرياً تحول الى ثورة بكل معنى الكلمة .

 

صباح شاكر العكام

 

عقيل العبودعادة عندما يجلس الاصحاب اوالمعارف في مكان ما، أي عندما تنعقد جلسات الصدفة، يصبح للجالس رغبة للاشتراك في الحديث اوالمناقشة وتستمر هذه الرغبة طوال انعقاد المجلس  حتى يتاح لهذا اوذاك من الجالسين فرصة للحديث والتعبير عن الرأي.

 ومن المناسب انه عندما يخضع النقاش الى الأفكار العامة، تفقد الجلسة ثمرة حلاوتها باعتبار ان هنالك محاورا متعددة، وليس محورا واحداً، وهذا يؤدي الى  المقاطعات والتشتت بعيدا عن المبدأ العام للفكرة التي يبحث عنها اصحاب المعرفة أوالمعنيين بأمور الثقافة والمجتمع.

فمثلا عندما يخوض الجالسون موضوعا عن تدهور الاقتصاد العراقي كفكرة يراد بها طرح اشكاليات مهمة بغية الإدلاء ببعض الآراء تلك التي يتعلق الأمر فيها بالتخطيط والإحصاء والزراعة وإدارة الموارد البشرية والمعدنية والمائية، والتنمية والهجرة، ينبري طرف معين من الحاضرين أوطرف اخر للخوض في امر يبعد المتكلمين عن المراد طرحه، اويعزز هذا الطرف اوذاك محاور الحديث لتتجدد الذائقة في التلقي والاستماع ذلك بحسب آلية التفاوت الثقافي والإدراكي.

وهكذا وباعتبار ان التفاوت في الأفكار والمعلومات بين المتحدثين يأخذ دوره الأساس في التأثير، تفقد المحاورة صورتها الناصعة وتتفكك محاورها حتى يصل الحديث الى الملل، وينصرف الحاضرون تباعا وبدون أي فائدة.

لذلك يعتبر الصمت موضوعا مهما كونه به يتم استيعاب الآراء المختلفة ومفارقات الحديث ومواضع التشتت، وانحدار سياق الأفكار المطروحة وبحسب المستويات الفكرية للمتحدثين وأنماط الثقافات التي يحملونها ونسبة الجهل في النقاش، ومديات الالتزام الرصين لبعض المتكلمين ذلك بغية تصحيح مسارات الثقافية وترشيح اصحاب الكفاءات ممن يتمتعون بفن ادارة الحديث للاستفادة من افكارهم لاحقا.

وهذا يفيد حتما في بحث بعض الموضوعات والقضايا المهمة في المجتمع ويشجع على المطالبة بتأسيس البيت الثقافي، ذلك لتفادي قضايا التهريج والمحاورات التي لا فائدة من الجدل فيها، ما يصب في خدمة المصلحة العامة لبناء المجتمع ، بما في ذلك الجانب الإعلامي الذي يتم ادارته الان بعيدا عن آراء الجمهور كونه يخضع لمصالح التيارات والأحزاب المختلفة مع بعضها.

 

عقيل العبود  

 

كفاح محمودأصيبت أحزاب الإسلام السياسي بهزيمة كبيرة في انتخابات  2018 التي جرت في إقليم كوردستان، حيث تقهقرت شعبيتها عن الدورات السابقة بشكل مثير دفعها إلى أن تقصي نفسها من المشاركة بالحكومة الجديدة، رغم محاولات الحزب الأكبر وهو الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي قاد عملية الاستفتاء في 25 أيلول 2017 وحصد إثرها غالبية الأصوات في البرلمان الكوردستاني، حاول إقناعها بالمشاركة رغم ضآلة مقاعدها في البرلمان، إلا أنها اختارت أن تكون خارج التشكيلة الحكومية، بل أنها رفضت تعديل قانون رئاسة الإقليم، ولم تصوت لمرشح الأغلبية في رئاسة الإقليم، ولا لرئيس الوزراء في محاولة لخلق كائن جديد باسم المعارضة، خاصة وإنها خاضت تجربة مريرة في اشتراكها بالكابينات السابقة وادعائها بأنها تحارب الفساد وتتهم الحكومة بأنها ضالعة فيه وهي جزء منها ومنه!

هذا السلوك المهجن لصناعة معارضة بين المشاركة في الحكومة ومعارضتها في البرلمان استخدمته حركة كوران (التغيير) في دورتها الأولى بعد انشقاقها عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ولم تجنِ ثمرا من ذلك التهجين، بل خسرت الكثير من أصواتها في الانتخابات الأخيرة، ويبدو إن الأحزاب الدينية حاولت استنساخ عملية التهجين في الدورتين السابقة والحالية، وها هي تحاول ثانية إقناع شارعها بأنها ستكون خارج السلطة التنفيذية لكي يتسنى لها معارضتها، رغم إن النتائج الأخيرة كانت مخيبة لأمالها في الجلوس على مقاعد برلمانية تعطيها نفوذا اكبر، بل على العكس  أعطت مؤشرا أكد إن شعبيتها النسبية التي كانت قد تحققت في دورات سابقة من الانتخابات إنما جاءت بسبب خلافات الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) وادعائها بأنها تحارب ظاهرة الفساد، مما تسبب في تورمها على شاكلة الأعراض الجانبية لبعض الأدوية، هذا التورم سرعان ما انكمش في الانتخابات الأخيرة وظهر حجمها الحقيقي ليس في الشارع الانتخابي فحسب بل لدى مساحات واسعة من الأهالي التي تؤمن فطريا بأنه لا علاقة للدين بالسياسة، وان الدين علاقة روحية ثابتة بين الفرد ومعتقداته، لا يمكن التلاعب بها وإدخالها في عالم السياسة المتقلب.

وعلى ضوء تلك النتائج أقصت هذه الأحزاب نفسها عن المشاركة بالحكومة ظنا منها بأنها سترضي ما تبقى من مؤيديها، وتلملم مؤيدين جدد لصفوفها مستقبلا، وبذلك ولأول مرة منذ استقلال الإقليم ذاتيا وتشكيل حكومته الأولى في 1992م، تأتي الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان خالية من أحزاب الإسلام السياسي، مما يعطي رغم كل التفسيرات انطباعا أوليا باتساع مساحات الثقافة المدنية وتكريس نظام علماني يحترم الأديان لكنه يبعدها عن فضاءات السياسة وإدارة الدولة، كمقدمات مهمة لتشريع دستور دائم للإقليم، تعمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على تحقيقه خلال دورتها الحالية.

 

كفاح محمود كريم

 

 

عماد عليكان ولازال الدور المؤثر للمثقف في نتاجاته ومواقفه له تاثيره القوي المباشر على مسار حياة الناس ومراكز السلطة التي لها الدور في التغيير المطلوب نحو الافضل في كافة المجالات ومنها الثقافية والحياتية والامور المستقبلية قبل حاضر الشعب، وهي الثقافة التي تهم الشباب اكثر من غيرهم. الحياة العامة والنظام الساري وطبيعة المجتمع وسمات الناس وتعامل السلطة وجهودها لهم الدور الاكبر في تحديد دور المثقف الايجابي سواء لتقييم وتطوير الواقع وتصحيح المسار ام تقويمه من خلال الانتقاد البناء وبيان وتحديد البديل لكل سيء او مضر.

العقلية المثقفة تعيش لتفيد الناس ولا يمكن ان تهمل صاحبها وانما تكون منصفة معها ايضا مواكبا لما يمهم من حياة الناس ومصيرهم، المثقف الحقيقي صاحب الجوهر السليم يكون بعيدا عن الفساد وما يمكن ان يصيب السياسي او المهني اينما كان فهو لابد ان يكون بعيدا عنه قبل غيره، وان اصيب المثقف بداء اجتماعي او اقتصادي او سياسي قبل  ثقافي او فرض عليه ما ليس له او دفعته الظروف الخاصة الى الخروج من مهامه الجوهري، فانه ينتقل مسلكيا من مرتبة المثقف الى مهنة ممكن التاثير على صاحبها بشكل ابسط وتظهر عليه اعراض ممكن ان تكون اخطر من ظهورها على غيره.

في كوردستان ونظرا لقلة التجربة والخبرة وعدم وجود عمق ثقافي كبير للنقص الموجود وخراب البلد على يد المحتلين الداخليين والخارجيين وفقدان الوسط الملائم لاستيعاب المثقف والثقافة من جهة وممكن التاثير عليه وابتعاده عن اصالته ومهامه الصحيح من جهة اخرى، فانه من الصعب بقاءه على ماهو عليه دون نفاذ صلاحيته لمدة طويلة كما وصل اليه في الظرف الراهن الموجود فيه حاليا وكان نتيجة الركود الذي فرض نفسه عليه منذ اكثر من عقدين، وعليه نرى التغييرات الكبيرة المفاجئة غير المتوقعة في مواقف ومواقع المثقفين الكورد وانتقالهم بشكل سريع بين جبهة واخرى وبين المعارضة والانتقاد الى وصف السلطة ومدحها المبالغ فيه وعلى كل سيئاتها والارتماء في حضنها في لحظة زمن، وبه فانه يتعرض لمشاكل اكبر من مثيله في دولة او مكان اخر.

وما نشاهده اليوم من غياب دور المثقف الحقيقي في التاثير على مسار الاحداث وتوجه السلطة او النظام بشكل عام يرجع لعدة اسباب ومنها وقبل غيرها هي اقتصادية بحته اجبرته ظروفه على التغيير غير المقتنع به لضمان حياته وعائلته ومصلحته. ومن ثم يُطفا نوره بالتدريج منسيا في النهاية وتغلب السلطة على الامر وتستمر في اخطاءها دون اي ىمراقب ومقيّم ومقوّم. الفكر اصبح تحت امرة وسيطرة الظروف الخاصة، وعليه الاحداث لم تتاثر باي فكر نتيجة غيابه على الساحة الثقافية  وتغيير من يملكه وهو بعيد عن الاحداث او الساحة بشكل كامل.

كانت الهوة واسعة بين المثقف الكوردستاني والبسطاء من الناس الا ان اليوم قد تقاربا كثيرا وردمت الهوة بشكل كبير نتيجة المتغيرات والوسائل الالكترونية الغفيرة وسيطرة الكسل على المثقف قبل المواطن البسيط في اداء مهامه ومن ثم الظروف العامة المسيطرة.

اما كوردستان وما موجود فيها، فانها حالة خاصة نظرا لظروفها السياسية الاجتماعية الاقتصادية الخاصة بها، والخلط الموجود المسيطر على نظامها العام ودور المستورد الاكبر المغطي على الاصيل في كافة المجالات ومنها الثقافة والمثقفين ودورهم وكيفية اداء مهامهم، وعليه ترى عجب العجائب هنا قبل اي مكان اخر، وتجد من ليس له صلة بالثقافة وهو يتكلم باسمهم ويدعي الثقافة وما يمتلكها عملة زائفة ولا صلة لها بالثقافة الكوردستانية الجوهرية الاصيلة ولم تصل حتى الى ما كانت عليه ابان العقود السابقة التي كانت تئن تحت نير السلطات المركزية العنيفة والعاملة على انهاء ونفي ثقافتها الاصيلة بكل السبل.

اما اليوم السلطة الذاتية بنفسها ونظرا لتخلفها وانتشار الفساد فيها وعدم قدرتها على مسايرة العصر من كافة النواحي والثقافة في مقمدتها بشكل ملائم، فاصبحت  الثقافة كلام عام وفعل ومهنة تحت طلب السياسيين ليس الا. فان المثقف الذي اصبح تابعا للسياسي مهما كان مستواه الثقافي او العلمي، المثقف الذي اصبح تابعا ومتنازلا من اجل فتات يسد بها رمقه وما تحتاجه عائلته، لابد ان يتعرض ما يملك للضغوطات وتصل لحال تنمسح كليا ما يمكلها في نهاية الامر ويصبح هو مهنيا مؤجرا بحتا فارغا في عتبة باب المسؤول. رغم الانين الموجود حاليا وبصوت خافت جدا لدى من تحمّل الصعاب وقاوم الاغراءات والتهديدات، فانه ايضا قد تاثر نتيجة التحولات والتغييرات الكبيرة للاوساط التي كانت محل امله على ان يكونوا مستوعبين له ومقدرين له على ان يكون في طليعة  المضحين وما يجب تثمين وتقدير دوره وتضحياته على ما قدم ويقدم وما تحمل من الظروف الصعبة، فلم يحصل على ما يشجعه وعليه فانه اخفق او اجبر على التراجع نتيجة الظروف السياسية  كانت ام الاقتصادية او الاجتماعية خاصة به ايضا واجبرته في نهاية الامر على رفع راية الاستسلام.

وعلي، يمكننا ان نقيم الحال الموجودة فيها كوردستان ان نصرح بعظمة لساننا اننا في فراغ ثقافي وانعدام الثقافة والمثقف الحقيقي الى حد كبير جدا والقليلة القليلة فقدت تاثيراتها على الوضع العام للمجتمع، فاننا نصل الى اعتقاد بعدم وجود دور المثقف النهائي في مسار العام لحياة الناس في كوردستان في هذه المرحلة.

 

عماد علي

 

كثر الحديث هذه الايام عن العلاقة غير المتوازنة بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان وامتناع الاخيرة عن تسديد ما بذمتها من التزامات تتمثل بالتحديد ب ٢٥٠ الف برميل يوميا رغم إيفاء المركز بحصة الاقليم من الموازنة الاتحادية.

واذا كانت الثروات موضوع الخلاف تحتكم الى الدستور العراقي الدائم لعام ٢٠٠٥ في المادة (111) منه التي نصت: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات". والمادة (112) التي نظمت العلاقة بين المركز والأقاليم وحصرت الاختصاص في مادتها اولا: "تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد". لذا فان ما يجري حاليا خرق واضح للدستور من قبل المركز والإقليم على السواء، فلا الحكومة الاتحادية تدير الانتاج في كردستان ولا الاخيرة تسدد ما يستخرج الى المركز.

وعلى ما يبدو ان هناك اسباب جوهرية تقف خلف هذا الموضوع وتحول دون تنظيمه دستوريا وقانونيا في مقدمتها تأخر البرلمان بتشريع قانون للنفط والغاز اولا؛ والذي ما زال معلقا منذ سنوات على رفوفه. ورغبة الاقليم بتحقيق نوع من الاستقلالية عن المركز ثانيا؛ تمهيدا للانفصال. 

عليه فأن الازمة بين المركز والإقليم المستمرة منذ اربعة عشر عاما غير قابلة للانفراج اذا لم تتوافر الإرادة السياسية الجادة للحل، فحكومة الاقليم تذرعت طوال السنوات الماضية بعدم تعاون المركز، وفي الوقت الذي تعاون فيه المركز تمرد الاقليم وامتنع عن الإيفاء بالتزاماته في الاتفاق الاخير بين الطرفين، مما يعني ان هناك نية مبيتة من الاقليم لفض الشراكة والانفصال.

وحتى لا تكون دولة داخل دولة وحتى لا تتكرر ازمة الاستفتاء ينبغي على الحكومة المركزية والبرلمان أخذ زمام المبادرة بإلزام الاقليم بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة والالتزام بالدستور، وعلى الكتل السياسية داخل البرلمان ترك المجاملات وتقديم مصلحة الشعب على غيره من المصالح الثانوية وطرح الموضوع للنقاش واتخاذ ما يلزم بشأنه، وبعكس ذلك فإن المغامرة هذه المرة بمستقبل وحدة العراق.. وهو امر لا يجوز المراهنة عليه.

 

جواد العطار

 

علي علييعيش الإنسان حاضره بين ماض معلوم ومستقبل مجهول، وبين الإثنين تمضي ساعات حاضره تارة مفرحة وأخرى مبكية، وشاء أم أبى هو عمر محسوب عليه بشكل أو بآخر. وعادة مايكون مطمئنًا لأحداث الماضي وإن كانت سيئة، ذلك أن سوءها قد عُرف مداه، اما المستقبل فالتوجس منه يبقى قائما مادامت أحداثه في الغيب وإن كانت إيجابية. لذا نحن نرنو الى الماضي بسكينة رغم ما فيه من سلبيات، في الوقت الذي نتوجس من المستقبل وننظر اليه بريبة وخوف، كون أحداثه غامضة للحظة التفكير فيه، لذا نرى أحدهم ينشد:

وددت لو يسـتعيد الدهر دورتـه

ولو لحظة من زمان الأمس تـُسترق

ماذا سأشكو على الأوراق من ألم

أقـل شـكـواي لايقـوى لــه الورق

وقد تعودنا نحن العراقيين بلهجتنا حين نسرد حديثا يستهوينا، فيه من ذكريات الماضي الشيء الجميل أن نقول: (من چنـّه وچنينه). او كما أنشد مطربنا من شدة حنينه الى الماضي ورفضه واقعه الحاضر حتى قال:

علوّاه أرجع صبي    علوّاه واحبي حبي

فالقاسم المشترك بين الجميع إذن هو السكون الى اي شيء يوحي الى الماضي.

في عراقنا الجديد، اي بعد عام 2003  حيث شهد ذاك العام الخلاص من الدكتاتور، وسياسته القمعية ونهجه المتقوقع داخل صومعات الحروب والاقتتال الخارجي فضلا عن الداخلي، ومارافق ذاك العام لدى الكثيرين من أمانٍ وأحلام في الانفتاح الى المستقبل، حاول العراقي بكل ماأوتي من مقدرة، ان يجدد حياته فيما ينسيه الماضي، لأنه لم يكن فيه غير سياسي واحد فقط، كان يضعه في مربع واحد فقط لايعرف رقمه، ولايدرك هل سينتقل الى مربع أفضل؟ أم سيتقهقر الى مربعات أسوأ وأردأ مما كان عليه!

لكن الذي حدث في ذلك العام لم يكن بحسبان أغلب العراقيين المعروفين بطبعهم الساذج ونفوسهم الطيبة، فقد فوجئ العراقي بعبارة يذكرها الساسة والقادة (وهم كثر) عندما يختلفون -وهم دوما وأبدًا كذلك- فيتخذون من هذه العبارة (بعبع) يهددون به أبناء جلدتهم، هي عبارة (العودة الى المربع الاول). هنا خرج العراقي عن المألوف عند باقي الناس في الحنين الى الماضي. فقد اصبح الماضي يمثل له المربع الاول، بمعنى ان ساسة الحاضر، يحاصرون المواطن بين الرضوخ الى مربع محكوم به اليوم، او يزجون به الى مربعات عهد الظلم والجور.

فهل نسي سياسيو العراق الجديد ان منصبهم الذي تسنموه هو تكليف وليس تشريفا؟ وهل نسوا أنهم عراقيون؟ أم هناك جنسيات ثانية وثالثة وعاشرة ينتمون اليها زمانا ومكانا وروحا وقلبا وقالبا؟ وإذا كانوا كذلك؛ هل هم يظنون العراق متجرا يتبضعون منه ما شاءوا ليتمموا حياتهم التي بدأوها في الدول التي منحتهم الجنسية وباتوا من أبنائها الخلص؟

نعم، دستورنا العراقي أجاز تعدد الجنسيات، لكنه حدد المناصب التي يتسنمها من له جنسية غير العراقية، بعد أن خيره بين الوظيفة والجنسية الأخرى؟. المطلوب منكم ياساسة ان تكونوا عراقيين، وإن لم تكونوا كذلك فالعراق ليس (مول)  او (SUPERMARKET).

 

علي علي

 

محمد الدعميإذا كانت بعض “إنشاءات” تلاميذي قد أخذتني في جولات متعبة عبر غابات الأمازون، بغريب نباتاتها وأقوامها البدائية المنسية وحيواناتها النادرة، فإن ما كتبه أحد تلاميذي في اختبار إنشاء نهاية السنة الدراسية، قد منحني نوعا من القلق الحضاري الذي أسهم بصناعة شخصيتي كما هي اليوم.

كتب تلميذي العزيز في ورقة الإنشاء بأنه “ليس بمعجب فقط بالحمار المربوط بالقرب من دار سكنه” ليراه يوميا عندما يغادره متوجها إلى الكلية، وإنما هو “يحسد” هذا الحمار الأصم بسبب خلو حياة الحمار من المشاكل والهموم والالتزامات والامتحانات الدراسية! معترفا لي (همسا) عبر ورقة الإنشاء التي وجب عليّ قراءتها بدقة وتصحيح ما شابها من أخطاء واختلالات لغوية وأسلوبية وبلاغية، بأنه طالما تمنى شخصيا أن يكون حمارا.

ومع أن تلميذي هذا من بلد آخر (سوى العراق)، فقد تعمدت أن أستدعيه إلى غرفة الأساتذة لسبر أغوار نفسه والاطلاع على مسببات “الاستحمار” الغريب الذي يعاني منه. وقد تبيّن بأنه يتمنى أن ينقلب حمارا، نظرا لعدم معاناة “المطي”، كما يسمى الحمار في العراق، من الحب!

وبعد أخذ ورد مستطيلان بيني وبين “صريع الحمير” اكتشفت أن تلميذي هذا قد وقع في حب زميلة من زميلاته التي لا تبادله ذات المشاعر والعواطف الجياشة، كاشفا لي بشكل خاص، بأن الحمار أفضل من سواه من المخلوقات لأنه إن كان بحاجة لـ”لحمارة” أنثى معينة فإنه لا يحتاج لكسر الحواجز والجدران والمطبات كي يحظى بأنثاه دون تعقيد: لا رسائل غرام ولا تبادل أغنيات، لا خطوبة، ولا أية موانع عنصرية أو طائفية أو دينية أخرى!

وإذا لم تكن تلميذاتي على هذا النوع من الاستعداد للكشف عن خبايا و”فنتازيات” دواخلهن بسبب الضوابط الاجتماعية واحتمالات الاستغلال والتشهير في مجتمع محافظ كمجتمعاتنا العربية، فإن تلميذتي، “فلانة”، لم تكن تكتفِ بالعناوين التي كنت أقترحها لإنشاءات تلاميذي، ذلك أنها راحت تخط الخواطر (طوعا) عن علاقتها السرية بأحد رموز النظام الحاكم المتنفذة آنذاك، مفصلةً طرائق التقائها بذلك الشخص سرا، اعتمادا على ما أتيح له من أدوات وأساليب تنجيه وتنجيها من “كلام الناس”!

 

أ. د. محمد الدعمي

 

تماضر مرشد آل جعفربدءًا مما بدأت: افتقار العالم إلى بوصلة أخلاقية، جعل الساسة يدعون إلى (وحدة الأديان) بكل مفاهيمها المغلوطة التي شابها الاحتراب الديني بالفساد، وبعد أن فشلت تلك الحلول الضيقة بمفاهيمها عالميا بدأ المفكرون بطرق أبواب الفلسفة علها تكون المنقذ أو يمكن الاعتماد عليها كحل لذلك التباعد والاحتراب، يأتينا مقال دكتور علي الربيعي* ليُظهر نقاط الضعف في الفلسفة لاختلاف الفلاسفة (ذوو الشأن في الإصلاح).

لم تضع الفلسفة قانونا للتسامح وفق ماذكره الشارع: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) قرآن كريم، سورة البقرة 109. فجعل العفو بعد أمر شابَ النفس الإنسانية من الحسد الذي دفع الآخرين لنصب العداء، عند تتبعنا لأسباب الخلاف سواء أكانت بين الفلاسفة أو عامة الناس سنجد اختلاف أفهام الناس حول قضية معينة مع اختلاف إدراكهم العقلي كان سببا للتمايز بين الناس أدى إلى تحاسدهم فيما بينهم  لبروز رأي أحدهم أو شخصه.

هنا تأتي أهمية الالتزام الإيتيقي أو الأخلاقي بمفهومه النظري والعملي ليوجد سببا للتسامح يدفع أسباب العنف، فهل استطاع الفلاسفة الالتزام بتلك النظم الأخلاقية فيما بينهم؟ بعد فشل (رجال الأديان) لإيجاد مبررات توقف القتل وتصفح وتعفو؟

في قراءة دكتور علي لتاريخ الفلسفة أثار الغبار عن تلك المثالية التي ذكرتنا بتهافت الفلاسفة أمام أنظار الغزالي، ثم حرق كتب ابن رشد، ولا زال السُهروردي المقتول ضحية الخلاف بين الفلاسفة وتحاسدهم في علو نجم أحدهم.

ولا نستطيع أن ننسى خلافات الاشتراكيين والرأسماليين في فلسفاتهم الاقتصادية التي أدت أيضا إلى الاحتراب على أن الاقتصاد كان يجب أن يكون سببا للتوافق(لإطعام جياع الإنسانية) من باب الأخلاق.

في الخلاف بين الفلسفة والدين، لازالت الفلسفة تحاكي العقول بينما يرى فلاسفة مثل الغزالي بأن العقل عاجز عن إدراك كنه الإلوهية، وقد رأى آخرون ذلك عجزا من بعض العقول وليس جميعها لا تدرك أمور الإلوهية، فدخلت من هاهنا مسألة وحدة الوجود مع رفضها من قبل فلاسفة مخالفين للفلسفة الصوفية، أو رفض التصوف في الفلسفة والخلاف حولها أيضا بدعوى (الإساءة إلى الأخلاق) فوصل عدم التسامح إلى التحريض على القتل،

وفي رأي دكتور علي ما نصه: (أن نظرة عامة على الفلسفة تشير إلى أن الفلاسفة أقل تسامحًا مما قد يتصور المرء. يعود ذلك الى بعض أسباب: فمن ناحية، التزامهم بقضايا الحقيقة والمنطق والحجج  ما يجعلهم ربما غير متسامحين لما يرون أنه وجهات نظر سخيفة أو معيبة؛ ومن ناحية أخرى، فإن الطبيعة الأيديولوجية  للفلسفة في الغالب تؤدي في حد ذاتها دورا في جعل الفلاسفة أقل انفتاحًا على وجهات النظر المختلفة أو المعارضة)...هنا يمكن أن نقول أنه يمكن للفلاسفة أن يغضوا النظر عن آراء مخالفيهم إذا ما التزموا أخلاقيا برأي سبينوزا القائل : ( لا يتمثل التسامح باعتبار أن أي رأي يكون صحيح، ولكن الاعتراف بالحرية الكاملة للغير في التفكير بذاته، والتعبير عن آرائه)،

التسامح في هذا العصر لماذا؟ تساؤل أجاب عنه دكتور علي بكثرة الحروب وتبعاتها، لكن إن جعلنا الأمر أكثر نظاما لقلنا أن الفلسفة والدين ستكون أكثر التزاما إذا ما طُبقت قوانين الأمم المتحدة والمنظمات العاملة على معالجة آثار الحروب، فميثاق الأمم المتحدة تنص على اعتبار التسامح قيمة أساسية في العلاقات بين الدول والأفراد: (نحن شعوب الأمم المتحدة آلينا على أنفسنا أن نعيش وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاني السلام وحسن جوار. كما تنص مواد هذا الميثاق على ضرورة تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك بدون تمييز حسب العنصر أو الجنس أو الدين)

ونظرا لأن ميثاق الأمم المتحدة وثيقة توجيهية ذات طابع معنوي وأخلاقي، وبالتالي غير ملزم، لذلك ستبقى نقطة ضعف الفلسفة قائمة مالم ينظروا لأنفسهم كقادة باحثين عن إيجاد نظرية للتسامح تكون ملزمة للجميع بتوصيف أخلاقيات تقبل الرأي الآخر ورسم حدود الآداب التي يمكن التعامل معها دفعا للعنف كون الفلسفة أعم من الدين إذ لا قداسة تُفرض عليها.

وأخيرا لا يمكن أن ننظر إلى التسامح على أنه محبة، فإن الحب لا يمكن أن يكون مع وجود القسوة في القول والفعل، واستشعار الإهانة أو الضعف من التنازلات المطلوبة من أحد الأطراف المتسامحة لذلك كانت الحكمة الأولى: العفو عند المقدرة فضيلة.

اعتذاري لدكتور علي المحترم إن أغفلت مابين السطور وشكرا له لإثارته ذلك الموضوع الهام.

 

د. تماضر آل جعفر

................

للاطلاع

إلى أي مدى الفلاسفة متسامحون؟ / د. علي رسول الربيعي