 أقلام حرة

عند المساء أسمع أناسا يصرخون

نجوى السودةبقلم: آندريه فلتشك

ترجمة: نجوى السودة

عندما يحل الليل بسواده الكالح أسمع أصواتا تصرخ، في وقت لاأتوقعه، عندما أظن أنني نائم لكنني في الحقيقة لست، أو ربما عندما أكون نائما نوما حقيقيا ولكنه ليس كاملا .لا أدري .كل ذلك كنت شاهدا عليه أو سمعته صدفة، كل ذلك ظننت أنني نسيته لكنني لم أقدر، كل ذلك الذي حاولت يائسا أن أمحوه من ذاكرتي، عاد مجددا، إعتبرته في البداية فورة نشاط، بعدئذ تحول إلى كامل قوته . في بعض الأحيان أظن أن الغرب أصابه الجنون .تماما، للعكس تماما !إنقلب للوحش نفسه، ومستمر في تصنيع الحديث منه، أصغر حجما لكنه لا يقل في حجمه عن البهائم السامة ينشر سمه على كل أنحاء العالم . يلف العالم، يأتي على الحابل والنابل في طريقه .كما أنني لست موقنا إذا ماكان يمكن إيقافه أم لا .

تلك القواعد العسكرية البشعة في كواجالين آتول، جزر المارشال ...تلك القوات الإسرائيلية المحتلة التي تخنق مرتفعات الجولان بسوريا، تلك القاذفات بالهليكوبترالتي تطلق نيرانها على المدنيين في غزة......

هنا، في هذا المقال لن أخوض في الصورة الكاملة للفهرس المصور لعمليات الرعب التي تخترق مخي وتسيطر عليه، عازمة بألا تغادره، وفي الغالب، لن تبرحه إلى الأبد .إن القائمة طويلة جدا –تقريبا لانهاية لها .ماعدا ذلك ليس قائمة فقط، بل مجموعة صور مجمعة لأحداث حقيقية حدثت لمئات بل آلاف من الجنس البشري في كل ركن من أركان العالم، أمام عيني .في بعض الأحيان، في منتصف الليل، أسمع ناسا يصرخون .أحاول أن أعمل، أكتب الكتب والمقالات، أن أصنع الأفلام .في العادة لا أسمح لنفسي بالولع في الحديث مع الآخرين عن تلك الليالي .لكنني في هذه المرة سوف أتكلم .يتساءل الكثيرون عن ما يوقد الفتيل في ما أكتب ؛ما الذي يجعلني أستمر .ما الذي يجعلني أجرؤ على أن أفعل مالا يفعله الآخرون، وأسير في طريق تقريبا لا يسير فيه أحد .

دعوني أجيب في الحال وللجميع .دعوني أشارك على الأقل بلحظات شخصية ليست كثيرة مع قرائي. قابلت بنت سورية داخل معسكر صغير للاجئين في وادي البقاع، لبنان، على مقربة من مدينة زحلة، غير معروف، وغير رسمي . كانت الفتاة لاجئة، عمرها ربما في الخامسة أو السادسة .في بداية الأمر، إرتعدت حينما حاولت أن ألتقط صورة فوتوغرافية لها، لكنها إبتسمت بعد ذلك .في نهاية الأمر، أخرجت لسانها، وحركته على أحد جوانب وجهها، وهي تمزح.كانت تقف بعيدا، في وسط المعسكر غير المعروف، ومعها شقيقتها الأكبر منها .بعدئذ، بعد دقائق قليلة، دنت مني في حرصولمست يدي .كان الشتاء قد أوشك .كان اللاجئون يتجمدون، وكانت البنت تعاني من سوء التغذية . كان تصرفها الطبيعي، براءتها وحالة النسيان التي تعاني منها من جراء الحرب أثرت في بصورة مروعة . بعد أسابيع قليلة، رجعت للمعسكر محملا بالحلوى واللعب.إلا أن البنت كانت قد غادرت لتوها .قالوا لي بأن عائلتها أخذتها شمالا إلى عرسال، على مقربة من الحدود السورية حيث يوجد حزب الله يقوم بالواجب في معركة ملحمية مع الدولة الإسلامية .نعم، هي نفسها الدولة الإسلامية التي تدربت وتسلحت على يد حلف الناتو في تركيا ولندن . قمت بطباعة صورتها وألصقتها على ثلاجتي .لا تغيب عن بالي، أفكر فيها في أوقات كثيرة، تقريبا كل يوم .لا أدري لماذا. بطريقة ما، تلك الصورة هي صورة لبنت بسيطة، لطفلة تقف وسط الظروف البشعة التي يعيشها اللاجئين في المعسكر على مقربة من منطقة الحرب، مثال يبين لنا مدى إختلال القوى العقلية للعالم الذي فُرِض علينا أن نعيش فيه . بطريقة أو بأخرى، هي رمز للمقاومة ضد وحشية الإمبراطورية، هي رمز للتوق والحنين إلى المعقول وسط الحماقة التي وصلت حد الجنون .إنه الصراع، الحرب في وطنها، سوريا، ظروفها غاية في الغرابة، أجج فيها الغرب وحلفائه السفلة ومن لهم مصالح معه. عندما تتطلع في عينيها الشابيتين المملوءتين بحب الإستطلاع وبالأمل، كانوا يقصدون أن يوجهوا الدنيا لعالم يعلو فيه معدلات الموتى لتصير عدما بفعل الدمار الكاحل السواد .

أما عن كم ستسمر ؟كانت وماتزال البنت هي الغانمة، غانمة باابتسامتها وإصرارها على أن تحيا، أن تبقى على قيد الحياة .لكن هي الآن في عرسال، حيث تشعل الحرب أوزارها بلا رحمة، إنني في غاية القلق عليها .كما أنني ألعن الإمبراطورية الغربية . بالطبع لقد عشت الكثير من الأشياء لم يكن من اليسير أن تظهر حتى على صفحات القراء " القاسية "، والفظة قلوبهم .كانت من هذه الأشياء، أشياء رهيبة جدا يلين لها الحجر حتى ولو كان قلبه مثل قلب الثور ؛أشياء لا ينبغي أن يراها أحد أبدا وخاصة أن هذه الأشياء قد تحدث لأي حد .

تخيل "معسكر اللاجئين الآن "على مقربة من جوما، شرق كيفو، في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أتخيل " معسكرا للاجئين " في مكان تتسلح فيه ميليشيات إختلت قواها العقلية، وتدعمها الحليفين الأقرب للغرب في المنطقة وهما-رواندا وأوغندا –وقد قاموا باغتصاب كل النساء من السكان بدءا من الأطفال الرضع ضئيلي الحجم حتى الجدات الطاعنات في السن .

تخيل الكولتان واليورانيوم الذين يتم تهريبهم ، تحت إشراف مباشر من جنود الأمم المتحدة، ما يطلق عليهم "قوات حفظ السلام " .تخيل زيارة لقرى عديدة في العراق، على مقربة من الموصل، قرى أغارت عليها مؤسسة المجتمع الدولي لحماية الأفراد وبعد ذلك قامت القوات الجوية الأمريكية بالغارة عليها بالقنابل .تخيل أن لديك صورا فوتوغرافية لقرى شرق تيمور من عقدين مضوا من الزمان، حيث سُلِبت ونُهِبت واغتُصبت، لكنه و بصراحة لم يصب أحد لعاناته وتعيش مع كل هذا، نهارا وليلا.ولنفترض قولا أنك رأيت العديد من رجال الفلسطينين والجنود الإسرائيلين يطلقون عليهم الذخيرة الحية .تتجمع لديك تلك الصور، أيضا، من مستشفى شيفا في غزة. تدور في مخيلتك الكثير من مثل تلك الصور، تستعيدها ذاكرتك وتدور في دماغك .

أناس بلا وجوه، أناس أحرقوهم حتى يعترفوا بالإحتلال، مازلوا أحياءا، مازلوا يتحركون، مازلوا يتوقون للحياة .هذا هو كل ما يمكن أن تبتلعه "خليط من الرعب والبؤس، جلبتهما لك الرأسمالية العالمية، والمسيحية الأصولية !

ماذا أنت فاعل، ليلا حيال هذا ؟

عندما تكون ماتزال في ريعان العمر وترى كل هذا النجس لأول مرة، بكل بساطة ينتابك أحساسا بأنك تريد أن تتقيأ، وتتقيأبالفعل .

بعد ذلك، وبعد أن تتوقف عن التقيئ وإذا ماكان لديكم خصيتين أو بويضات، فإنكم تجاهدون !

مع مرور الوقت تصير معظم المعارك "في الدرك الأعلى "، وفي يأس تتمنى أن تكون قادرا على أن تثق في الناس أو على الأقل في أحد الأشخاص، شخص بادر وجاءك، عارضا عليك أن "يشارك في كل هذا، وأن يؤارك في الجهاد، إلى الأبد ".

إلا أنه بالرغم من شجاعتك، وعزمك كذلك، روح الحمية بداخلك، شدة القنوط والحصاد المستمرفي الحقيقة، للاشئ .

 

نجوى السودة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4583 المصادف: 2019-03-24 00:12:20