 أقلام حرة

أصحاب "الكاشير" والقبّعة التي تصنع الظل والذل

رشيد مصباحبعدما صدّوا في وجوههم كل الأبواب وغلّقوها وأخذوا المفاتيح معهم .. دفعوا بهم إلى الصفوف الأماميّة ليرتدوا بذلة، ظاهرها الرّحمة وباطنها العذاب، وقبّعة تصنع قليلا من الظل وكثيرا من الذل، وليصوّبوا بنادق الخزي والعار في وجوه الأحرار من بني جلدتهم، وهم ينادونهم بكل سلميّة: "يا عبيد" "انزع القبّعة وتعال معي".

حرام على أبناء العصابة أداء الخدمة الوطنية وحمل البندقيّة للدّفاع عن الجزائر، فالحياة الوردية والأماكن الرّاقية التي يعيشون فيها، كتلك التي نراها في الأفلام، لا تسمح لهم بمخالطة " العبيد " من أبناء الشّعب الغلبان . الجنّة مضمونة لبنيهم قبل وحتى بعد الولادة . تلك الجنّة التي ورّثوها لهم قبل حتّى خروجهم إلى هذه الحياة الدنيا،وكذلك لذويهم وأحبابهم، لن تصل إلى أبناء الشّعب "المحقور"، الذين عملوا بكد وجد وسهروا اللّيالي الطّوال ليضمنوا مستقبلهم في بلد منهوب ولم يقدروا على ذلك . حتى مع نيل بعضهم للشّهادات والخبرات ، لأن قدرهم المحتوم كان دائما في الصّفوف الأماميّة، لحماية العصابة ومواجهة الشّعب المقهور.

العصابة المحصّنة بالدّستور، محميّة أيضًا بأصحاب القبّعات والبذلة الرّسميّة، هؤلاء الذين يقفون عائقًا أمام وصول الأحرار إلى الرّؤوس التي سرقت ونهبت وعبثت بالجزائر. الدّفوع التي خرجت لتحرّرهم من العبودية، ومن دين "المحنّط " الذي كفر بالحقوق وعبث بالدّستور لإطالة عهدته "الخامجة"، السّامريّ الذي فتن شعبه، فرعون الجزائر الذي استخفّ قومه ببعض دنانير وقطع من " الكاشير " فأطاعوه وهو مشلول في كرسيّه و ركعوا وسجدوا له وهو صورة في "كادر" معلّق، وهلّلوا وكبّروا تعظيما له و لفخامته .

شخصيا لم أكن أعرف عن "الكاشير" سوى أنه منتج غذائي يتكوّن من بعض المواد رخيصة الثّمن والتي هي في متناول كل الجزائريين في نهاية الأمر، حتى قرأت عنه، وعن تاريخه الحافل بالنّضال ؛

تشاء الأقدار أم الظّروف أن يعود "الكاشير" في الواجهة من جديد، في ظل هذا الحراك السلمي والحضاري، النّقيّ، التّقي، والذي نقّي البلاد من الفساد مثلما يرمز إليه عند مساء كل جمعة حينما يقوم بتنظيف الشّوراع للتخلّص من القمامة .

ظلّ هذا "الكاشير" ذاته رمزا للمقاومة، إبّان فترة الإحتلال، بمفهومه الحقيقي ومعناه الأصلي بالعِبْرية " صالح للاستهلاك " . حين قاطع الجزائريون، مسلمون ويهود، شرائح لحم الخنزير المستوردة من فرنسا واسبانيا. وهاهم يقاطعونه اليوم من جديد، ليس لأنّه حرام أو مشبوه، ولكن لأن العصابة التي تحكم الجزائر ومصيرنا بيدها، أرادت تشويه تاريخه ومعناه الحقيقي لتجعل منه هذه المرّة مادّة دسمة للخيّانة والنّذالة ، مثلما أرادت فعله (رمعون بن غبريط) وزيرة التربية بالهويّة و لذّاكرة حين كرّست للرّداءة في برامج التّربيّة . قامت باستدراج بعض السذّج ممّن عيّرهم الشّعب في مسيرته بأنّهم باعوا دينهم ووطنهم بثمن بخس دراهم معدودة وقطعة من "الكاشير". وقالوا عنهم إنّهم ليسوا من أبناء هذه الأمّة التي أنجبت من الأبطال من أمثال (العربي بن مهيدي)، و(أحمد زبانة )، و(لي لابوانت)، و(سي الحوّاس)، و(عميروش)، و(مصطفى بن بولعيد).. وغيرهم من شهداء الواجب الذين ضحّوا بحياتهم لأجل أن تعيش الجزائر حرّة أبيّة .

لكن النّظام الفاجر الذي ماانفكّ يعمل على إثارة النّعرات وزرع الخلافات، تعوّد على الخيانة منذ عقود؛

لم ينس هذا الشّعب الأبيّ ما جرى له في التسعينيات عندما تسلّل خفافيش الضلال و الظّلام وجاؤوا إلى قراه ومداشره ومدنه ليزرعوا الرّعب و الخوف في شوارعها وأحيائها الآمنة المطمئنّة . فذبحوا الأبرياء وهم نيّام، وشرّدوا العوائل من بيوتهم . ثم رموا باللّحي المستعارة في الأماكن والطّرقات حتى يلصقوا التّهمة بالشّرعيّين الأحرار .

لن ينسى هذا الشّعب ذلك ما حيا.

الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، جرائم الإبادة الجماعية والقتل والإخفاء، لا تسقط بالتقادم أبدًا .

 

مصباح (فوزي) رشيد      

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4604 المصادف: 2019-04-14 01:34:28