 أقلام حرة

في رأسنا سيزيف!!

صادق السامرائيسيزيف في الأساطير اليونانية هو الذي حكمت عليه الآله بأن يعيش في محنة دحرجة الصخرة من أسفل التل أو الجبل إلى قمته، ومن ثم تنفلت من يديه وتسقط ويعيد الدحرجة، والبعض يرى أنها ترمز للشمس المرهونة بالشروق والغروب.

لكن الأساطير في جوهرها تمثل ما يعتمل في الأعماق البشرية، وكأنها مرايا النفوس، وسيزيف يمثل التكرارية الفاعلة في دنيا البشر، والتي يكون محكوما بها ودائرا في مداراتها المُفْرَغة.

يحضرني سيزيف كلما قرأت مقالة أو قصيدة مكتوبة قبل عقود أو قرون، ومرفوقة بتعليق رحم الله فلان كأنه يصف حالنا اليوم!!

فلو قرأتم شعر الجواهري لتبين لكم أن ما تناوله في بداية القرن العشرين قد تناولناه في بدايات القرن الحادي العشرين، ويمكن إستحضار العديد من الأبيات الشعرية من دواوينة التي تنطبق تماما على واقعنا المعاصر، وأوضحها قصيدة "  طرطرا " وغيرها  من قصائده.

وعندما نتوغل بعيدا في التأريخ ونعتمد على الشعر لأنه ديوان العرب، سنتمكن من إستحضار قصائد قيلت قبل قرون وتنطبق على واقعنا المعاش، وموضوعاتها لا تختلف عن الموضوعات المتداولة في قصائد اليوم. 

وهذا ينطبق على الكثير من الكتابات والدراسات والمقالات، وهو خاص بأمة العرب، ويقل مثيله في أمم الدنيا الأخرى، ويشير إلى التأسن والركود وعدم القدرة على التواكب والجريان في نهر الوجود العارم التيار، وفيه نوع من الإنحسارية والعزلة عن الواقع الإنساني، والإمعان في الإندساس بالغوابر الباليات، كما يشير إلى الإجترارية والإنصفاد بالعبثية والعدم، وهيمنة الفراغية على الوعي الجمعي.

فكيف يكون وصف حال قبل قرون ينطبق على حال معاصر؟

هل أن الأجيال كالأموات؟

هل أنها تعيش خارج زمانها ومكانها؟

هذه ظاهرة سلوكية عربية بحاجة إلى دراسة عميقة وتحليل موضوعي يحدد أسبابها ومعالجاتها، لأنها تمخر وعي الأمة وتزيدها يأسا على يأس، وبؤسا على بؤس، وتُراكم إنكساراتها ونكساتها، وتعلي قيمة الإنهزامية والتبعية والخنوع المشين، وتستدعي كل تطرف شنين.

كما أنها تؤكد هيمنة العوق الحضاري وفقدان قدرات المواجهة وإبتكار الحلول والأجوبة الصحيحة على التحديات، وغياب المنطلقات والرؤى المستقبلية التفاؤلية المساهمة في صناعة الهمة وإعلاء شأن الحياة وقيمة الإنسان فيها.

فهل سننتصر على سيزيف القابع في رؤوسنا والآسر لوجودنا؟!!

إنها محنة أمة تعيش في دوامات تكرار وجيعها!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الدكتور صادق .. تحية لك .. حالة سيزيف كما نراها وترونها لعنة ابدية وجودية .. فلو كان سيزيف قد اوصل الصخرة الى القمة ، ولو استقر به المقام في اسفل السفح ، لكان قد كف عن وجوده في الصراع ، والصراع هو التدحرج الأبدي .. حال الأمة يتمثل بين واقعين أو أكثر هو اشبه بفكي كماشة منذ النكبة الفلسطينية في اربعينيات القرن الماضي .. حين ادخلت النظم العربية غير المتجانسة في رؤاها السياسية والأقتصادية وغيرها ، وغير متفاعلة وغير موحدة في رؤيتها للمخاطر التي تحيط بها ، وتنوع نظمها بين ملوك ورئاسات دستورية ونيابية ومشيخات تأكلها الأنانيات .. كلها كانت تخاف شعوبها، وهي موزعة تحت حمايات اجنبية بريطانية وفرنسية وإيطالية وتركية وامريكية .. فالخوف من الشعوب دفعها إلى تلبية جزء من رغبات الجماهير التي كانت تطالب بتحرير فلسطين، ليس بدافع التحرير إنما تقديم انصاف الحلول على طريق التيئيس، منذ اندلاع الحروب في تلك الحقبة وحتى الآن.. الأمر الذي جعل الجماهير تدرك بأن لا شيء قد تحقق ، فضلا عن قمع النظم الوحشي والدموي لأي صوت عنيد يطالب بالتحرير.. لكن المشكلة لا تكمن في فعل التحرير حيث عناصر القوة متوفرة ، بل المشكلة تكمن في الأنظمة العربية ، التي أوصلت الشعب العربي إلى حافة اليأس,, ولكن استمرار الضغط يولد الأنفجال الذي يحرق الأخضر واليابس .. وكما نرى، النظم تتساقط .. بعضها القوي المدرك لواقع الحال اسقطته قوى خارجية، والبعض الأخر اسقطتها جماهير الشعب وحُرِفَتْ مساراتها الى خارج سياقاتها، والبعض الأخر ما يزال الصراع فيها ومن حولها محتدما ... سيزيف يلتصق بمصير الأنسان الكائن في هذا الوجود .. والشعوب لا تعاني من السيسيفية .. ولكنها تستوعب لكي ترد حتما وبقوة .. دمت بخير وعافية ..

د. جودت صالح
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4604 المصادف: 2019-04-14 01:42:30