 أقلام حرة

كامبل بنيرمان والتبرير من الإيمان!!

صادق السامرائيالسير كامبل بنيرمان رئيس وزراء بريطانيا (1905-1908)، ويُقال أنه عقد مؤتمرا للدول الغربية عدا ألمانية في عام 1907، وطرح سؤالا مفاده: هل تريدون أن نبقى أقوياء، أم متناحرين ضعفاء، فكان الجواب أقوياء، ووزع عليهم خرائط المنطقة العربية، ورأى أنها مصدر قوة الغرب الحقيقية!!

ولهذا المؤتمر وثائق ذات مرتكزات ثلاثة، ويبدو أن معاهدة سايكس بيكو كانت إمتدادا له.

ولا يوجد ما يثير في أن الدول تبحث عن قوتها وهو ديدنها منذ أول دولة في الأرض.

لكن الذي يثير الإستغراب والدهشة أن العديد من الأقلام العربية ومن الذين يدعون بأنهم مفكرون وباحثون في شؤون الأمة، يعتبرونه السبب الأساسي فيما وصل إليه العرب اليوم، وكأن الأمة بلا إرادة ولا رغبة في الحياة وبناء الحاضر والمستقبل.

وكأن التفاعلات القائمة في الأرض ليست تصارعية وتنافسية وإحترابية للإستحواذ على مصادر الطاقة والمياه والطعام.

فالدول منذ الأزل في تفاعلات محتدمة على هذه الموارد والثروات، ولا جديد في الأمر، فكيف يتم طرحه على أن العرب بلا مسؤولية وليس لهم دور فيما حل بهم ووصلوا إليه، ويتم ترويج هذه الوصفة التبريرية للترويح عنهم وتعطيل دورهم في الحياة؟!

الأمم تكون بالتحديات ولا يحققها الجمود الإنكماش والعزلة والتمترس في ذاتها وموضوعها، وكأنها تعيش في كوكب آخر.

الأمم بعقول أبنائها وسواعدهم وهممهم، ولا توجد أمة في الأرض لم تواجه تحديات ومحاولات لإلغائها وإفتراسها بالكامل، حتى الدول الغربية نفسها، كم وكم حاولت أن تلغي بعضها البعض، وعاشت تحديات قاسية ومريرة أوجدتها بهذه القوة والإقتدار.

فما تمخض عن ذلك المؤتمر ونجم عنه وعن معاهدة سايكس بيكو كان تحديا مصيريا حضاريا لم يستثمر فيه العرب، ولم يشخذوا هممهم ويطلقوا إبداعات عقولهم للتصدي والإنتصار، وإنما أمعنوا في الهروب إلى الوراء البعيد، وتركوا الآخرين يفعلون بهم كما يشاءون ويطمحون.

فالنهضة العربية كانت سباقة وقد إنطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعقول عربية متنورة سبّاقة لعصرها وطرحت أفكارا وبرامج وآليات لصناعة الغد الأفضل، فماذا حصل لروادها؟!

تم محاربتهم من قبل العمائم وأدعياء الدين الذين يريدون الناس جهلة بكل شيئ وقطيعا رهن إشارتهم، بل وتم تأسيس الأحزاب الدينية المدمرة للحياة والتي ترفع شعارات الإسلام هو الحل، ولا تزال على ديدنها التدميري التخريبي وما قدمت شيئا نافعا بل أمعنت بإتلاف الوجود العربي وإنهاك الأجيال بدعاواها الفارغة المخلة بالحضارة والحياة.

ففي مصر تم إنشاء حزب الإخوان المسلمين الذي بدد طاقة المجتمع المصري وعطل الكثير من المشاريع وأسهم في التوترات والإحتقانات التدميرية للحياة، ووصل إلى ذروته وكاد أن يجهز على البلاد والعباد بالضربة القاضية لولا إرادة الشعب المصري وهمة الغيارى من رجالاته الذين هبوا للحفاظ على الوجود المصري المنير.

وفي جميع الدول العربية تكرر المشهد التدميري التمزيقي للوجود العربي القوي، تحت مسميات لا تحصى ولا تعد، منها القومية والطائفية والفئوية ومعظمها ذات طابع ديني بحت يهدف إلى إلغاء الزمان والمكان والغوض في أعماق كان يا ما كان.

وبهذه الأساليب العربية - العربية تم تفريغ الإرادة الوطنية وقتل معنى الدولة الوطنية، وسلبها من الرؤية الموضوعية والتصورات النافعة لصناعة الحياة، لأن جميع الحركات المؤدينة تسفه قيمة الحياة وتلعنها وتريد البشر أمواتا لكي يفوزوا بجنات عرضها السماوات والأرض.

فأين إرادة التحدي ومشاريع الصيرورة العربية الوطنية في كل دولة؟!!

أنظروا مصر مرة أخرى، وقد بدأت ثورتها الصناعية قبل الصين وجميع الدول الإقليمية من حولها، وكانت تصدر السيارات في السبعينيات من القرن العشرين، وما كانت الصين تصنع سيارات، وكان فيها مشاريع صناعية مستقبلية ذات تأثيرات إقتصادية حاسمة في البلاد والمنطقة، فمن عطلها، وقرأ عليها الفاتحة، وحولها إلى مومياءات لمدة ثلاثة عقود، وكأن الشعب نائم أو في غيبوبة، حتى جاءت القيادة الحالية وبعثت الروح في النفس والعقل المصري الذي لو تواصل لعقد من الزمان لإستعادت الأمة إرادتها المعاصرة وأسست لوجودها القوي.

إن العيب في العرب، شعوبا وحكومات، لأنهم يدينون بالإذعان والتبعية، ويستلطفون الإرتهان.

خذ النفط مثلا، فهل بدأ العرب بالتنقيب عنه أم الأجانب؟

ومَن الذي إستخرحه العرب أم الأجانب؟

ولماذا لم يشمر العرب عن سواعدهم ويفكروا بكيفية إستخراجه وتصديره، بدلا من الإذعان للآخر الذي يفرض شروطه عليهم؟

ترى لو أن النفط موجود في الصين أو اليابان في ذلك الوقت، هل سيتوسلون بالآخرين لإستخراجه وإعطائم نسبة من عائداته كما فعل العرب!!

أ لم يضحك على عقول حكومة عربية شاب يافع اسمه كولبنكيان ويستحوذ على نسبة 5% من نفطها لعدة عقود؟!!

إن العيب في العرب، وليس في الآخرين الذين يفكرون بمصالحهم ويعبرون عن إخلاصهم المنقطع النظير في خدمة مواطنيهم وأوطانهم.

أما العرب فأنهم ضد الوطن والمواطن في كل ما يقومون به ويقولونه، فأتني بحكومة وطنية عربية واحدة يمكن مقارنتها بحكومة أمة أخرى من الأمم؟!!

فهل أن الخيانة دين العرب؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

حوار هادئ. مع

د صادق. السامرّائي المحترم

على ضوء قراءتي لمقالاتك السابقة تكوّنَ لديَّ. إنطباعٌ

قويّ بأنّك. ذات. ميول ( ليبراليّة ) من الجانب السياسي

و حسب علمي المتواضع ان الليبرالية تقتضي تطبيق

الديمقراطيّة كأليّة لتبادل السلطة. والتنافس بين الأحزاب

السياسية . كذلك تستلزم الليبرالية. مدنيّة الدولة .

فكيفَ تُشيدُ في مقالك هذا بإنقلابٍ عسكريّ جاء

بضابطٍ جيش مغمور الى سدّة الحكم. ألغى و بجرّةِ

قلمٍ واحدة كلَّ الأحزاب السياسية و حوّلَ المؤسسة

الاعلاميّة و القضائيّة الى جوقة مهرّجين .

عزيزي. د صادق :

لو كُنْتَ ذكرْتَ. التجربة. ( التونسية ) أو (الماليزيّة )

كأمثلةٍ يُقتدى بها في عالمنا العربي والإسلامي

لحالفكَ التوفيق اكثر و تَجَنّبْتَ حرج. التناقض .

مع الود والتقدير

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وتقديري
وتثميني للذي كتبت بخصوص هذه المقالة التي إقتربت من الحالة الإنجازية وليست التوصيفية
أما بخصوص الثورة التونسية فنشرت عنها العديد من المقالات منذ انطلاقها وحتى اليوم بعضها منشور في صحيفة المثقف

تنورنا بما تفضلت به وسررتُ بكلماتك الثاقبة الهادفة

مع خالص الود والاحترام والإعتزاز

د. صادق السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4729 المصادف: 2019-08-17 00:40:04