 أقلام حرة

أكذوبة "الزمن ألجميل"

غانم المحبوبيالعراقيون كما هم ألعرب تعودوا ليس على ألحنين إلى ألماضي فقط بل أن يعيشوا فيهِ بما في ذلك ألماضي من معتقدات دينية وإجتماعية وأخلاقية وغيرها. ألمشكلة ألأساسية في مثل هذا ألنوع من ألسلوك هي ليست في سوء ألماضي أو ألإرث ألتأريخي فحسب بل هي أيضاً في مستوى تفكير ألشخص. عندما يعانوا ألعراقيون من أزمة أو مشكلة، أيَ كانت سياسية أو إقتصادية إو ثقافية تراهم ينشغلون في إسترجاع محاسن ماضيهم (إن وُجِدت حقاً) بدلاً من أن يكرسوا جهودهم في ألحلول ألناجعة لتجاوز محنتهم ألحالية لغرض ألوصول إلى مستقبل أفضل. بهذا ألتصرف ألذي أصبح ألآن لهم سلوكاً عقائدياً شائعاً، كأنهم يرغبون بل ويفضلون أن يعيشوا في ألماضي هاملين متطلبات ألحاضر وغير آبهين إلى ألمستقبل. قد يستفاد ألمرىء من ألماضي لإستنباط ألمعرفة وألعِبرة منه، لكنهم ومع ألأسف يسترجعون ألماضي إما لندب حالهم ألحاضر وألبكاء على ما هم عليه وإما لمداعبة غرورهم بمجد ماضيهم (إن صح ذلك)، كمن يُطَبِبَ مرضهُ بألتمني.

وكمثال حي نعيشه في وقتنا هذا هو ما يتردد على ألسنة ألعراقيين وبشكل واضح عبارات ألترحم وألتأسف على زمن ما سبق سقوط ألدولة ألعراقية في سنة ٢٠٠٣ ووصف ذلك ألزمن "جميلاً" بما فيه (وبزعمهم) من أمان ورفاه وثقافة وعلم مقارنة بما آلت إليه ألحياة ألآن من بؤس وفقر وجهل.

قد يعترض ألقاريءُ عليَ بسؤال فيقول: وهل هناك من أدنى شك بأن ألوضع ألحالي في ألعراق هو ألأسوء كثيراً مقارنة بما كان عليه قبل ٢٠٠٣؟! ألجواب على هذا ألسؤال أشبه ما يكون بمنزلق خطير يستوجب ألتأني وألتمعن ألمنطقي به قبل ألغور في ألإجابة عليه. ليس ألغرض ألأساسي في هذا ألمقال هو ألمقارنة بين هاتين ألحقبتين ولكن لابأس في شيء بسيط من ألمقارنة.

فقبل ألبدىء في مقارنتنا أود أن أُوضح مايلي:

أولاً، ألمقارنة يجب أن تكون بين أشياءِ ذات صفة مشتركة قابلة للمقارنة، أي ليس صحيحاً أن نقارن، وكما يقال، بين شكل ألتفاحة وألعنب ولكن تصُحُ ألمقارنة بين شدة ألمذاق ألحلو في هذه ألفاكهة. ثانياً، من أهم ألصفات ألتي تُميزُ ألشعوب ألمتحضرة وألتي تتمتع في زمنها "ألجميل" هيَ: ١) طبيعة ألنظام ألسياسي، ٢) حرية وحقوق ألمواطن ثم ٣) ألوضع ألإقتصادي للفرد ومستوى ألمعيشة. هذه ألصفات لا تُمْنَح لشعب ما كهبة رخيصة من أحد أو من ألسماء بل هي حصيلة إرادة وعمل دؤوب من قبل ذلك ألشعب. في نفس ألوقت، ألحفاظ على مثل هذا ألتحضر وأستمراره لا يتم إلا بظمان ألتصرف ألحضاري للافراد ومدى إحترامهم للقانون.

١)   ولنبدأ مقارنتنا أولاً بطبيعة ألنظام ألسياسي. قبل ٢٠٠٣ كان ألعراق يُحكم من قبل نظام دكتاتورياً صارماً ودموي على شعبه يتمثل بحكم مزاجية ألفرد ألواحد وما تبقى من ذلك ألتَحَكُمٍ فهو من صلاحيات ألعائلة وألعشيرة. ثم تغير هذا ألحكم (وبغض ألنظر عن ألفساد وقلة ألكفاءة في ألسلطة) تغير إلى نظام ديمقراطي يفترضُ أن يكون ظمن إطار دستوري وتشريعات برلمانية من قبل ممثلي ألشعب. إن سوء ألوضع ألسياسي ألحالي في ألعراق ليس بسبب طبيعة ألنظام ألسياسي ألحالي فألنضام ألديموقراطي هو نظام ألشعوب ألمتحضرة في ألعالم، بل ألعيب في سوء إدارتهِ من قبل ألشعب، وأقول ألشعب لأن ألسلطة بألنسبة لي ليس إلا جزءً نابعاً ومنتخباً من قبل ألشعب.

٢) يكاد أن لا يختلف إثنان في حقيقة غياب حرية وحقوق ألمواطن من قاموس ألزمن "ألجميل" قبل ٢٠٠٣ بما في ذلك من حرية وحق ألشعب في إختيار ألمسؤول وحرية ألريء وألعمل وألسفر وألإمتلاك وغيرها ألكثير، بل لا شيء في ذلك ألقاموس غير ألكبت وألإضطهاد وصولاً إلى ألإبادة ألجماعية. في سنين ألزمن "ألجميل" قبل ٢٠٠٣ قد يحصل ألشاب ألعراقي على ألشهادة ألجامعية ويُجْبر على ألإنتماء إلى ألحزب ألحاكم ثم يؤدي ألخدمة ألعسكرية ألإلزامية لكنه لا يستطيع وليس من حقه (غالباً) أن يحصل على جواز سفر ليزور إحدى دول ألجوار. لا يستطيع ألمواطن أن يتمتع بحق ألسفر لأنهُ، وبعد كل ما حققهُ أعلاه، مشكوك في وطنيته لأسباب خاصة أو لأن ألسفر ممنوعاً على ألمواطن ولأسباب خاصة وحتى إشعار أخر. في نفس ذلك ألوقت "ألجميل" كان ألواجب ألوطني يُجبر هذا ألمواطنَ بأن يُساقَ إلى ألحروب ولأسباب خاصة أيضاً ولسنين طوال (إن بقي حي) وحتى إشعار آخر.

٣) وكمثال بسيط على نوع ألمستوى ألمعيشي للفرد، عندما كنت طالباً جامعياً في سبعينات ألقرن ألماضي من ألزمن "ألجميل" كنا كل ستة طلاب ننام في غرفة واحدة بائسة في ألقسم ألداخلي لطلاب ألمحافظات من خارج بغداد. كنا طلبة جامعيين في زمن "ألإزدهار" قبل ألحروب ألمدمرة، لكننا لم نكن نستحق "مكرُمةَ" ألتبريد في ألصيف أوألتدفئة في ألشتاء في تلك ألغرف ألبائسة ولا أن نغتسل في ألشتاء إلا لربما مرة واحدة في ألشهروألسبب هو عدم توفر ألماء ألساخن لعدم توفر ألنفط في وطن ألنفط. وإن كنا محظوظين بعض ألشيء فنأكل ألرز وألخبز وألمرق ولكن بدون أللحم. ولم لا وكان ألمواطن يومها وفي عاصمة ألرشيد يحلم بتوفير شيئاً من ألموز أو ألبيض أو حتى ألطماطم لعائلتهِ.

بإختصار، إن أبسط ما يُوصَف به تعبير "ألزمن ألجميل" هو أنهُ أكذوبة سخيفة، وأبسط ما يُوصف به من يروج لها هو ألساذج أو ألمُدلس. نعم، إن ألوضع ألسياسي وألإقتصادي ألحالي هو سيء جداً ودون طموح ألمواطن بكثير ولكن، وكما أشرنا إليه أعلاه، ليس هناك وجه للمقارنة مع نظيره قبل ٢٠٠٣ لأنهما مختلفان. وألأهم من ذلك، ليس من ألعقل وألإنصاف أن "نُجَملَ" وجه ألزمن ألماضي بناءاً على بؤس ألوضع ألحالي لأن كلاهما بائسان قبيحان لكنهما مختلفان بألشكل وألجوهر، ولا مجال هنا لتوضيح ذلك بألإسهاب. إن بؤس ألزمن ألماضي كان مفروضاً على ألشعب من قبل ألسلطة ألغير منتخبة حيث كان ألشعب مستضعفاً ولا يمتلك أدنى ألإختيارات. أما بؤس ألزمن ألحالي هو نتاج ألشعب على ألشعب، لأنه (أي ألشعب) هو من أنتج وأختار سلطتهُ ألبائسة (طبعاً إضافة إلى ألتدخلات ألإقليمية وألدولية ألبغيضة). أقول وقبل ألختام، إن طبيعة ألنظام ألسياسي ألحالي وكمية ألحريات وألصلاحيات ألمتاحة للشعب كافية للأخذ بزمام ألأمور وبسلاح ألعلم وألعمل وألسلوك ألإنساني فقط نحو ألإصلاح وألتطور. فإن كان في ألشعب من يستطيع عمل ذلك فليتقدم وليترك ألماضي لماضيه، وإلا فألإناءُ ينضحُ بما فيهِ.

 

ألدكتور غانم ألمحبوبي

ملبورن، إستراليا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4846 المصادف: 2019-12-12 11:33:56