 أقلام حرة

آدم الأخير المحو والإثبات

قحطان الفرج الله"لا جيل يخلق جيلا آخر. كل جيل يتخلق هو. نحن لن ننتظر من الجيل الذي سبقنا أن يخلقنا... البروفسور سيد البحراوي"

النزعة الإنسانية في الآداب والفنون رؤية فلسفية ترى أن الأشخاص هم المصدر والمنبع الوحيد للمعنى والفاعلية، وتُعد شكلاً من أشكال التفكير الذي يزيح النزوع نحو الأنا إلى التفكير الإنساني الذي يشمل كل ما على الأرض من كائنات.

يُثير الشاعر (عارف الساعدي) من جديد مجموعة من الأسئلة الفلسفية المصيرية من خلال ديوانه (آدم الأخير) متخطيا بذلك الأفق الآني لشروق النص، إلى رسم أفق بعيد في خيال المتلقي.

وللوصول إلى عمق النص علينا الكشف ولو بشكل جزئي عن مفردات قاموسه الثقافي، وفي عملية الكشف والتفكيك هذه لا نبتغي إلغاء صورة النص الجمالية التي يتمتع بها نص الساعدي، بل الهدف هو الكشف عن مسارات النص وتحليله للعثور على الضديات الثنائية الهرمية كما أسماها (دريدا).

إن النص الذي يوصف بالغرابة والجدة هو النص الذي يجيد عملية الثنائيات الضدية من خلال ممارسة الرفض لطرف على حساب طرف آخر، فالرفض لميتافيزيقا الحضور – المعنى الذي يمتلك حضورا ذاتيا ثابتا- يثير عملية صراع تسعى لإبراز المعنى المغاير عن طريق الإيهام الفني المتعمد، أو ما يسمى (الانزياح الفني)، وهو أن تضع معنى وتسعى لمحوه، أن تطرح فكرة وتثبتها، وترنو للقضاء عليها من خلال تكنيك المفارقة، وهذا يعني إثبات من أجل المحو "أن تضع كلمة تحت المحو هو أن تكتب الكلمة أولا، ثم تقوم بشطبها لتكشف على حد السواء الكلمة ونسختها المشطوبة" ومن خلال ذلك يتم زعزعة التصورات المألوفة ووضع المتلقي أمام صدمة فلسفية بجرعة شعرية لذيذة تثير الكثير من الأسئلة الوجودية.

إن كمية الأسئلة التي تحفل بها مجموعة الساعدي الجديدة هذه تدعونا لطرح السؤال المنهجي والموضوعي، الذي ظل يدور في أروقة النقد منذ فجر المذاهب النقدية وتكاثرها؛ سؤال التلقي، هل مهمة الشاعر تنحصر في زيادة وعي الجماهير الفني؟ هل مهمة الشاعر الهبوط نحوهم، أم مهمة المتلقي الارتقاء إلى منصة الشاعر؟  "في تصوري أن الجناحين لا ينفصلان. إن ثمة إبداع في الشعر يقوم به المبدعون، وهذا يظل تأثيره في دائرة محدودة يمكن تسميتها بالواعين أو المثقفين أو المهتمين بالشعر لأنه ليس كل متعلم مثقفًا، كما ليس كل مثقف يقرأ الشعر.

قراءة الشعر موهبة لا تقل عن إبداعه، لأنه على المتلقي أن يعيد فك الرموز والإشارات التي تحفل به االقصيدة " وبالعودة لآدم الأخير فالضاديات الهرمية تتصارع بدءًا بعناوين قصائد الساعدي بين محوٍ وإثبات (ماذا صنعنا) يضع العنوان دون علامة للاستفهام في مقدمة لعنوان ضدي يجيب بعنوان قصيدة أخرى (عتاب على باب القيامة) غياب علامة الاستفهام في النص الأول يدل على أن السؤال لم يوجه بعد بل أنه مؤجل ليوم تطرح فيه عتابات الناس على العذابات التي أشكلها نص (ماذا صنعنا) فالنص فيه أكثر من عشر اسئلة (كيف خلقت هذي الناس من ماء وطين.. ونثرت.. وزرعت.. ووزعت.. كم كنت تنثر من ملائكة عليهم... كم كنت تزرع.. وتبذر.. الخ) وأخيرًا سؤال العتاب (ماذا صنعنا كي تدير الوجه عنا) مشفوعا بـــ خمس علامات استفهام.

ولو تتبعنا عنوانات النصوص نكتشف التصارع الذي يُطرح ويطار بعضه بعضًا (ماذا صنعنا، عتاب على باب القيامة)، (آدم الأخير، سوف يأتي)، (محنة الحمقى، حين يعود الموت)، (حدود الذاكرة الطينية،سيرة ذاتية لعاشق منسي)، وبتأملنا كلمة (طين) مثلا في النص نجد أن الساعدي يبتعد عن الدلالة السياقية الصريحة بشكل كبير نحو دلالة المحو الضمني، ويقفز بها نحو آفاق رحيبة، فالفكرة الدينية القائمة على الاعتقاد أن آدم خُلق من طين، وهذا الطين الذي يقدسه الناس ويجلونه؛ لأنه طين ميتافيزيقي غيبي لعله لا ينتمي إلى كوكب الأرض ولا لطبيعتها يزجه عارف الساعدي في متاهة السؤال الفلسفي العميق،

(وأنا لا أتذكر أني كنت هنا

لا أعرف من أين أتيت

وأنا ما زلت بذاكرتي الطينية مبلولا

لا مندهشا بضياع العمر ولا حائر

لكني أغفو منتصف الليل قليلا

فأرى أحلاما كثرًا)

معللا هذه التساؤلات بشرعية خطيرة فهو مازال بذاكرة طينية مبلولة لم تجف وقد يغرقها الماء وتسيل ولا تترك أثرًا يدل على وجودها. هذا الانحراف في استخدام المفردة، وقصرها على الجانب الوجودي ومحاكاة المعطيات الحقيقية الماثلة في الطبيعة والابتعاد قدر الإمكان عن الأساس الغيبي، يجعل النص يعيش في عالم اليقظة المستمرة، ويتخلى عن الأحلام الغيبية التي وصفها بـــ(الكثر) فهو يمحو من خلال الإثبات، يثبت الوجود من خلال محو الغيب الكثير، من خلال تقسيم الوجود إلى عالمين: عالم الحقيقة وعالم ما وراء الحقيقة على رأي فردريك نيتشه.

وقد يفهم مدلول كلمة الطين من خلال محاولة تعريف الفضيلة المصطنعة، التي يتبجح بها الكثيرون، وهم في الأصل يمارسون الدنس، ولكن بدلالة الماء والبلل تكون هذه الذاكرة غرة وقابلة للمحو واستمرار سؤال الوجود دون إجابه كما تركه الساعدي دون علامة استفهام بحرفة شعرية لا تخلو من الذكاء.

وفي هذا المضمار فإننا لا نتلمس النصوص من حيث بُناها البلاغية فحسب، إنما نبحث النص من حيث الوظائف التي يؤديها، ولا نريد الكشف عن الأشكال والمضامين التي قد يتخذها نص ما منعزلا عن النصوص التي تتوالد معه في ذات اللحظة، وبالعودة إلى القصيدة الأم التي حمل الديوان اسمها (آدم الأخير) أجد أنها توهم بأنها تحمل خبرًا؛ ولا وجود لذلك الخبر! أنها تحمل سؤالا، ولا وجود لهذا السؤال! فآدم الأخير هو ذاته آدم الأول. وسؤال آدم الأخير هو سؤال آدم الأول، وحاجات آدم الأخير هي ذاتها حاجات آدم الأول فـــ(آدم المنسي في خاصرة الوقت 

وحيدًا كالبدايات)

هو في وحشة النهايات أيضا، وآدم الذي كان حائرًا

(ماذا يفعل آدم في هذا الفراغ المر

والناس جميعا غادرت)

هو ذاته عندما لم تأت الناس بعد إلى هذه الدنيا، وآدم الذي يملك (بلدانا، ولا يفهم ما معنى بلد) وهوآدم الذي لا يفهم معنى الوقت (لا موعد لكي يذهب محموما إليه) فالوقت حاجة للتواصل لا يشعر به الإنسان دون صلة بالآخر، فآدم (يملك كل الوقت)، وهذا الوقت المملوك (هل كان له يوما، أم الوقت عليه) آدم الأول الذي لم يذق طعم الأم ترك هذه المرارة بقلب آدم الأخير

(آدم جاع

فمن يطعمه الليلة زادا؟

من يغطيه؟

ومن يهتف لبيك إذا آدم نادى؟)

في ظهور مباغت لعلامة الاستفهام التي تشير إلى سؤال حقيقي وليس غيبيــًا عن آدم الوجود لا آدمالتخيل، آدم الأول الذي كان يتلمس فجر البدايات على هذه الأرض ينادي آدم الأخير

(أستعجل الآن

لقد أجلت يا آدم ميعاد القيامة)

وفي التأجيل حلول للموعد أو اقترابه في إزاحة ضدية لفكرة (الفناء) التي تطارد الإنسان منذ القدم، تأجيل القيامة لموعد اخر، وهل آدم الأخير سيستجيب لطلب الاستعجال هذا؟

هذا ما تركه نص الساعدي مفتوحا لخيال المتلقي الذي يزيح بعضه بعضا حسب طبيعة الثقافة التييضمرها. 

إن فكرة إثارة الأسئلة التي تطرحها مجموعة (آدم الأخير) من خلال الإزاحات الضدية تتيح قراءة الفلسفة للشعر من جديد، وبهذا تكون قراءة الفلسفة للشعر مشروع رؤيا، "لأن الشعر بدءًا هو فتنة الكلمة، والفلسفة بدءًا هي عقل الكلمة وفتنة كبريائها" إذا كانت الفلسفة بأبسط تعاريفها هي السؤالالدائم؛ فإنه مجموعة (آدم الأخير) فلسفة تُقرأ شعرًا

 

قحطان الفرج الله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4910 المصادف: 2020-02-14 01:12:55