ميلاد عمر المزوغيمنذ نصف قرن استكمل العدو سيطرته على كامل تراب فلسطين بما فيها الأماكن المقدسة، شغلنا انفسنا بأشياء اخرى في محاولة للهروب مما آلت اليه الامور، تعلمنا الاتجار في كل شيء، بما فيه، المتاجرة بالعرض، لم نعد نأبه بالكرامة، وصل الامر بنا الى بيع اوطاننا للغير، تنازلنا عن ديننا، دخلنا في اديان اخرى، بل اصبحنا ملحدون، فالرب لم يعد الرب المعهود، نصبح ونمسى على افعال يتبرأ منها الشيطان، فجرائم شياطين الانس تعجز الشياطين مجتمعة عن فعلها.

سنوات عجاف مرت على امتنا العربية، قاتلنا بعضنا ولا نزال، والينا اعداءنا، استنجدنا بهم لإذلال بعضنا. بفضل زعمائنا السياسيين والكهنوتيين ومشايخ واعيان قبائلنا الميامين، عشنا بعضا من ايام الفيل، رأينا الطيور الابابيل وهي تصعق بعضنا بأحجار ليست من سجيل، كبّرنا وهللنا واعتبرناه يوم الفتح المبين، اتخذناه عيدا لنا، صرنا نستنجد بآلهة العصر، برنار، حمد، اردوغان وساركوزي وغيرهم عند الشدائد، بعض الالهة قضى نحبه (السياسي) ومنهم من ينتظر.

الشرفاء من ابناء الامة لم يرضخوا لما تخطط له النفوس المريضة الحاقدة، التي ساهمت في سقوط آلاف القتلى والجرحى، ملايين المشردين بالداخل والخارج، قرر هؤلاء الشرفاء المضي قدما في محاربة الفكر التكفيري الذي لا يقيم وزنا للنفس البشرية، بعد ان انكشفت الاعيب من يدعون الاسلام.

التحمت الجماهير مع من اراد تحريرها وفك اسرها من العصابات الاجرامية، فكان السقوط المدوي لحكم الاخوان في مصر والذي لم يستمر طويلا، فكانت بداية النهاية لسقوط الاخوان الذي شكل دافعا للأحرار في دول "الربيع العربي" لمواصلة النضال ودحر العصابات الاجرامية، لقد ضاقت الارض على المجرمين بما رحبت، تخلى عنهم غالبية من كانوا يدعمونهم فالمساعدات لم تؤتي اكلها بل اصبح المجرمون عبئا على الدول الداعمة لهم ما الّبت الرأي العام على حكام تلك الدول.

 لقد لاحت بارقة امل لهذه الامة المنكوبة بعد سنين العسرة، فانتصار الشعب المصري لإرادته بفعل جيشه المغوار يبعث على الفرح وقد طوى المصريون صفحة الاخوان الى غير رجعة، اما اخوان تونس فإنهم يداهنون الشعب لأجل الاستمرار في السلطة ولكن حتما سيرحلون كما رحل حكم الاخوان في السودان، اما إخوان ليبيا المسيطرون على مقاليد الأمور بفعل السلاح واستجلاب المرتزقة فإنهم قاب قوسين او ادنى على الرحيل بفعل ضربات اجيش الوطني والقوى المساندة له من كافة انحاء البلاد.

هنيئا للشعب المصري بإزاحة حكم الاخوان، المستقبل سيكون زاهرا بإذن الله، صمود شعوبنا العربية غيّر المسارات التي رسمت لتدمير الامة العربية، هنيئا للوطنيين في كافة انحاء عالمنا العربي لما بذلوه من تضحيات لقد تحطمت على صخرة الصمود مخططات الاعداء وأتباعهم من العرب وما هم بعرب.

على شعوبنا ان تتخذ من الذكرى الاليمة منطلقا لاسترداد ما اخذ منها عنوة ولن يتأتى ذلك إلا ببناء القوة العسكرية وتنمية الموارد الاقتصادية التي تغذي المجهود الحربي.لمحو ما لحق بالأمة من عار وذل وهوان، فالجماهير قادرة على صنع الاحداث والانتصارات، فالجراح ستضمد والمؤسسات ستفعّل والوطن سيبنى من جديد، وستلاحق لعنات الشعوب الحكام الذين اذلوها وشيوخ الفتنة الذين سببوا المآسي للأمة. 

 

ميلاد عمر المزوغي

 

أضحك من كل قلبي وأنا أتابع عن كثب التصريحات النارية بشأن ضرورة ملاحقة أسلحة اﻷطفال البلاستيكية وتجارها برغم إقراري التام بخطورتها وعديد الإصابات المهلكة التي تتمخض عنها سنويا وباﻷخص في اﻷعياد والمناسبات اﻻ أنني أتساءل كما في كل مرة " إذا كانت هذه اﻷلعاب الخطيرة محظورة على وفق القانون والكل يطالب بمنعها، فيا ترى كيف تدخل الى البلاد إذا، كيف تباع في الشورجة وجميلة على عينك ياتاجر، كيف تعرض في المولات واﻷسواق العامة ليبتاعها اﻵباء بإلحاح من أبنائهم ممن يفضلونها على جميع اﻷلعاب اﻷخرى تقليدا للعراضات والنزاعات العشائرية العراقية التي تستخدم فيها مختلف أنواع اﻷسلحة بضمنها اﻷحاديات والثنائيات والرباعيات والراجمات والهاونات والقاذفات، علاوة على أفلام اﻷكشن اﻷجنبية واﻷلعاب اﻷلكترونية وفي مقدمتها البوب جي والفورتنايت، فضلا عن النشرات الإخبارية التي يراق من جراء عنفها اللامتناهي وبراميلها المتفجرة وسياراتها المفخخة يوميا على جوانب التلفزيونات..الدم ؟ !"

ومابال أسلحة الكبارالحقيقية، بل قل ترساناتها المكدسة وبعضها يفوق ترسانات الجيش والشرطة نوعية وعددا بإعتراف كبار قادة اﻷجهزة اﻷمنية وضباطها وفي أكثر من تصريح متلفز ومؤتمر صحفي عقد لهذا الغرض، أليست تلكم اﻷسلحة التي تباع ويتم تناقلها بعتادها وقطع غيارها في أماكن معروفة حرية بالملاحقة أيضا أسوة بأسلحة ..الزعاطيط البلاستيكية، أم أن شعار " يد بيد، لاسلاح باليد " مجرد هواء في شبك شأنه في ذلك شأن - همبلات - مكافحة الفساد والاصلاح والنزاهة وإعادة البناء وإعمار المناطق المدمرة التي صدعوا بها رؤوسنا منذ عقد ونيف وحالنا معها حال من يسمع جعجعة تصم اﻵذان طوhل النهار وﻻ يرى طحينا يأكل منه وعياله خبزا آخره ؟!

وأعجب أكثر حين يطالب عضو بارز أو نائب عن حزب ما بمنع تداول اﻷسلحة البلاستيكية وملاحقة مستورديها، ويتناسى عن قصد اﻷجنحة المسلحة التابعة لحزبه زيادة على أفراد حمايته ومواكبه المدججة بالسلاح التي تذرع الشوارع وتروع اﻵمنين وتنغص عيشهم ليل نهار !

وهنا لايسعني إﻻ أن أعيد ما سبق لي ذكره مرارا عن مديرة إحدى دور الايتام في العاصمة بغداد عام 2004 حين نهرت أحد ممثلي الجمعيات الخيرية بشدة بعد أن قدم للاطفال هدايا لإدخال السرور على قلوبهم كان من بينها - 6 مسدسات مائية بلاستيكية ملونة فقط - وقالت له بالحرف " لقد ودعنا مرحلة تجييش الدولة وعسكرة المجتمع ونريد طي الماضي وقلب صفحة جديدة تتضمن تعليم الاطفال الحب والسلام حتى في لعبهم، يومها أصيب الرجل الطيب بالخجل وتصبب عرقا وقال على إستحياء مطأطأ رأسه " كلامك صحيح 100% واعدك في المرة المقبلة لن يكون بين الهدايا أية ألعاب تشجع على العنف ولو كانت مخصصة للمياه المعدنية " .

وما هي الا ايام قلائل حتى عدت بصحبته وبمعيته ألعاب وهدايا جديدة ﻻسلاح فيها البتة واذا برتل من الهمرات الاميركية يقف أمام الدار، واذا بجنود الاحتلال يتجولون بعدتهم وعتادهم في الدار، واذا بالاطفال يلعبون بخوذ الجنود الاميركان ويتحسسون اسلحتهم المتدلية وسط فرح المديرة الغامر بتلك الزيارة الميمونة التي تبشر بغد مشرق كله سلام وحب ووئام بعيدا عن العسكرة والطرطرة والفشخرة والسرسرة كما زعمت في لقائنا الاول معها ...ومنذ ذلك الحين وانا أستذكر هذا الموقف العجيب كلما سمعت بكدس عتاد أو مخزن سلاح تابع لفصيل مسلح يتفجر وسط اﻷحياء السكنية مخلفا عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، كلما تناهى الى سمعي عملية تسليب على الطرق الخارجية بالإكراه بحق ركاب وسائقي العجلات والشاحنات والناقلات، بسطو مسلح في وضح النهار على مكتب للصيرفة أو أحد دور المواطنين كما حدث في منطقة حمام العليل جنوبي الموصل حين هاجم مسلحون مجهولون منزلا وقاموا بقتل رب الاسرة وابنيه وأحد أقاربه وأمه وأصابوا شخصين آخرين بجروح قبل أن يلوذوا بالفرار الى جهة مجهولة، بتهديد مديري ومعاوني مدارس من قبل ذوي بعض الطلبة الكسالى ﻷن -ابنهم الافندي - رسب في المرحلة الابتدائية،كلما تناقلت وسائل الاعلام أنباء إعتداء على الطواقم الطبية او مقتل طبيب علي يد مسلحين مجهولين كما حدث مع الدكتور محمد الخفاجي طبيب التخدير في مدينة الامام الحسين الطبية الذي اختطف وقتل في الشعلة، كلما ضجت النشرات الاخبارية بمقتل مثقف عراقي كما حدث مع الروائي علاء مشذوب بـ 13 رصاصة في كربلاء، كلما هوجمت قرى آمنة من قبل مسلحين وقتل عدد من ابنائها بدم بارد ﻷثارة الفتن وتأجيج الضغائن وإحداث التغيير الديمغرافي كما حدث في قريتي " المحولة وابو خنازير" التابعتين لناحية " ابو صيدا" في ديالى، كلما اطلقت الاف العيارت النارية في اﻷفراح واﻷتراج والليالي الملاح وفوز أحد منتخباتنا بكرة القدم - عثرة بدفرة - ببطولة ما وإن كانت غير معترف بها دوليا واقليميا !

وألفت الى أن اسلحة الاطفال البلاستيكية خطيرة جدا وقد أصابت أكثر من 50 طفلا بسبب (الصجم) المستخدم فيها على وفق احصائية وزارة الصحة خلال العيد الماضي ناهيك عن الحروق التي أحدثتها الالعاب والمفرقعات النارية، وأن البرلمان سبق له أن شرع قانونا يحظر الألعاب المحرضة على العنف بكافة أشكالها، ويتضمن القانون الذي أقره مجلس الوزراء عقوبة تصل الى 3 سنين سجن بحق المخالفين، وغرامات مالية تقدر بـ 10 ملايين دينار بحق المستوردين لها إﻻ أنه ظل كملفات الادانة بحق حيتان الفساد مجرد حبر على ورق وباﻷخص حين يفر هؤلاء بجنسياتهم الثانية الى دول - التجنيس - باﻷموال التي نهبوها من الخزينة العامة أثناء توليهم المناصب الرفيعة بالجنسية العراقية على إثر فوزهم ولو تزويرا بالاصابع البنفسجية !

وأختم وبصريح العبارة بأن ﻻ أمن ولا آمان ..ﻻسلم ولاسلام ..ﻻمصالحة وﻻوفاق وطني ..ﻻدولة مؤسسات وإستثمارات ومصانع وشركات بوجود السلاح المنفلت في اليد العابثة وﻻبد من مصادرة كل أنواع السلاح خارج إطار الدولة جبرا لا إختيارا في حملة وطنية كبرى شاملة لامحاباة فيها ولاتهاون إطلاقا، وعلى السياسيين وقادة الكتل واﻷحزاب وتجار الحروب الكف عن - قشمرة - الجماهير بغد مشرق - بالمشمش - وبعضهم يقود جماعات وأجنحة مسلحة خارج إطار الشرعية ﻻ رقيب عليها ولاحسيب لها، بعضها اغلقت مقارها الوهمية في حملات سابقة وبعضها مازال يمارس عمله بحرية تامة، وبخلاف ذلك فإن ما قاله الكاتب المصري الساخر جلال عامر، ينطبق علينا حرفيا (نحن الشعب الوحيد الى يستخدم المخ فى السندوتشات) وأضيف (واللسان في مؤتمرات الضحك على الذقون والاستخفاف بالعقول ووووالباجة!!).

 

 

احمد الحاج

 

صادق السامرائيالمتعارف عليه وفقا للدراسات والملاحظات أن نسبة الإنتحار تقل في زمن الحروب والويلات الجسام، وتزداد في وقت السلام، وهذا سلوك بشري يصعب تفسيره في أغلب الأحيان، لكن الذي يشد الإنتباه أن في بعض المجتمعات المبتلاة بالويلات والحروب والنواكب، يتم التحدث عن زيادة نسبة الإنتحار مما يعني أن هناك ما يساهم في دفع السلوك البشري إلى خارج مجراه المتعارف عليه.

وفي هذه المجتمعات التي تتفاقم فيها الإنتحارات مع تعاظم النواكب والويلات هناك مشترك واحد وسائد، وخلاصته أن الأحزاب التي ترفع رايات الدين هي المتسلطة على مصير الناس، وأن ذوي العمائم هم الذين يقودون المجتمع ويحشون الرؤوس والنفوس بالأضاليل والأفكار، التي تحولهم إلى قطيع خانع ومستسلم ومتيقن أن هذا هو قدره الذي عليه أن يقبله ولا ينبس ببنت شفة.

وفوق ذلك فأنها تصدح على المنابر وفي وسائل الإعلام والمواقع بثقافة الموت الذي يأخذ الناس إلى جنات النعيم، فما يعظون به هو الدفع بإتجاه الموت وتحبيبه إلى النفوس ونكران قيمة الحياة وتبخيسها، وإعتبارها إثما وخطيئة على البشر أن يتخلص منها ويتحرر من أوزارها.

ويبدو أن لهذه الثقافة السوداوية التيئيسية ربما دورها الفعال في دفع الناس وخصوصا الشباب منهم إلى الموت إختيارا، لأنه سيخلصهم من وجيع الحرمان والقهر والتيهان في دروب الحياة المحشوة بالعثرات والمصدات العدوانية الشرسة.

ويغفل الباحثون والدارسون لسلوك الإنتحار دور ثقافة الموت الشائعة في المجتمع، ربما خوفا أو رهبة أو تجنبا للمساس بالأوثان المقدسة، التي صار الناس يتعبدون في محاريب أضاليلها ودجلها الفتان.

ولا يمكن لبحث أن يكون رصينا إذا إتخذ منهج الإنتقاء وغابت عنه الجرأة المتطلعة للحقيقة العلمية والسلوكية الفاعلة في تحقيق الحالة أو الظاهرة.

ولا بد من القول وبكل قوة ووضوح، أن الثقافة الموتية التي تعبر عنها المنابرالمؤدينة بأنواعها لها الدور الكبير في تعزيز قيمة الموت وتدمير الحياة، لأنها تلغي قيمة الإنسان وتحوله إلى عبد أو رقم تفعل به ما تشاء وترغب بإسم الدين الذي تدّعيه، وهو على قياس هواها ورغباتها المطمورة.

ولهذا فأن العلاقة واضحة وتتناسب طرديا مع زيادة عدد ودور هذه المنابر في المجتمع، فكلما زادت زاد الإنتحار والإجرام، وهذا ينطبق على الأحزاب التي تسمي نفسها دينية، وما هي إلا إجرامية تلبس قناع الدين.

وعليه فأن الإنتحار سيتفاقم مادام دور الوعاظ الموتيين في تزايد، وسلطتهم صارت مطلقة وتأثيرهم شديد وفعال.

فهل من شجاعة ومواجهة والقول بأن الثقافة الموتية تحث الناس على الموت، وتمنعهم من ممارسة الحياة الحرة الكريمة، لأنهم قد حولوها إلى خطيئة عند غيرهم ونعيما لذيذا عندهم؟!!

وإن أكثرهم ماركات تجارية مسجلة في دواوين أباليس الشرور!!

 

د. صادق السامرائي

 

حسيب شحادةاللغة العربية بشقّيها الأساسيين، المعيارية (MSA) وهي اللغة القومية، والعامّية وهي لغة الأمّ، مثلها مثل لغات العالم الطبيعية الأُخرى، تقترض بطرق متنوّعة كلماتٍ وألفاظًا من لغات أخرى قريبة أو بعيدة عنها جغرافيا أو لغويا. في العصر الحديث تقترض معظم لغات شعوب العالم مثل هذه المادّة اللغوية، ممّا يُدعى بـ”المعيار الأوروبي المتوسّط“ (Standard Average European)، وهو يشمل الإنچليزية والفرنسية والألمانية. في هذه العُجالة نتطرّق لاقتراض كلمات منضوية في خانة المحسوسات (ريآليا) مثل: أوطومبيل، تراكتور، تاكسي، ترين، راديو، تلفزيون، تلفون، كومبيوتر، فاكس، فيس بوك، وهنالك محاولات لا بأس بها لتعريب مثل هذه الكلمات الدخيلة أو إيجاد بديل عربي فصيح. وهذا البديل يُستعمل عادة عند الكتابة بالعربية المعيارية في حين أنّ العامية قد تستخدم اللفظة الأجنبية مرّة واللفظة المعيارية في أحيان أخرى، وذلك وَفق المناسبة ومستوى الناطق التعليمي والثقافي. يقول العربي في البلاد عادة ”تَكْسي“ ويكتب عادة ”سيّارة أجرة“.

هنا أطرح عبارة ”كعّابة الحذاء“ لتحلّ محلّ المرادفات التالية في الكتابة على الأقلّ، أمّا على المستوى العامّي فلكلّ شخص بالطبع خياره في استخدام ما اعتاد عليه من كلمات. يبدو لي، بناء على ما قمت به في بحث أوّلي، أن لفظة ”كعّابة“ بمعنى تلك الأداة الخشبية أو المعدنية أو البلاستيكية المقوّاة المستخدمة لتسهيل انتعال الحذاء لدى المسنّين والمسنّات خاصّة، مستعملة في بعض القرى والبلدات في البلاد مثل الجش وكفر سميع وحرفيش. من الواضح أنّ الكلمة الشائعة لاسم هذه الأداة هي كَرَتَه/ا (مثلا في: عبلين، الناصرة، كفر كنّا، القدس (لبّاسة/لبّيسة الكندره أيضا)، بيت لحم، بيت جالا، بيت ساحور، نابلس، الزبابدة -  قضاء جنين، المغار، اللد، سخنين، باقة الغربية، دير حنا، الخليل، جيّوس، العراق، لبنان، صدد في محافظة حمص. وفي بعض الأماكن نجد ”كَرْتِه“ كما في بيت صفافا وجت المثلّث أو ”كَرَتِه“ في دبورية والمشيرفة ومنطقة أمّ الفحم و”كرَتايه“ في حلب. ويعود أصل هذه الكلمة الدخيلة إلى اللغة التركية kerata وهي مستمدّة من اللغة اليونانية kérato/χερατο.

هناك أسماء أخرى للأداة ذاتها مثل ”كفّ الإجر“ في البقيعة، ”مِلْعَكَه“ في طوباس بالقرب من جنين، ومثلها في محافظة حمص؛ “إلْسان الكُنْدَره“ في لبنان و”لسان البوط“ في قرية مخول في البلاد. هذا ما عثرت عليه على الصعيد العامّي المستعمل (ويطيب لي هنا أنّ أشكر كلّ منِ ٱستجاب وأجاب على سؤالي بخصوص اللفظة المستعملة في لهجته)، أمّا كتابيًا فلا أذكر أنّني صادفت مثل هذه الكلمات في أيّ نصّ عربي عادي حتّى الآن. المتصفّح في الشابكة سيجد صورًا شتّى بألوان ومقاسات متباينة للكعّابة وكذلك أسماء جديدة مترجمة، على ما يبدو، من لغات أجنبية كالإنكليزية والألمانية كما ترى في القواميس المذكورة أدناه. من هذه الأسماء نذكر: قرن/قرون، بوق/أبواق الحذاء، ملعقة سحب، لبيسة حذاء.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التسمية ”قرن، بوق“ موجودة في هذه اللغات: الإنجليزية والآيسلندية والإيدش والكردية واللاتڤية والليتوانية والمالايام والمالطية والباشتو والسويدية والصومالية والسواحيلية والدانمركة. وتسمية الأداة بـ”ملعقة الحذاء“ موجودة في هذه اللغات: الألمانية (فيها أيضًا ما معناه: جاذب الحذاء) والهولندية والفنلندية والعبرية.

وأخيرًا أقترح على الكتّاب استخدام اللفظة ”كعّابة“ ووزنها فَعّالة يدلّ على الأدوات، أمّا في العاميات فلكلّ واحد منّا لهجته الخاصّة وهي جزء من هويّته وكيانه، في عامّيتي الكفرساوية أستخدم في الأساس لفظة ”إمْزََكِّه، إمْزَكّات“ ولم أعثر عليها في لهجات أخرى حتى الآن والكلمة ”كَرَتَه“ مستخدمة أيضا.

 

حسيب شحادة -  جامعة هلسنكي

.....................

- رفائيل نخلة اليسوعي، غرائب اللهجة اللبنانية السورية. بيروت: المكتبة الكاثوليكية، ١٩٥٩، ص. ١٧١ (كرَتايه، لهجة حلب: قرن للاحتذاء).

- عبد اللطيف البرغوثي، القاموس العربي الشعبي الفلسطيني. اللهجة الفلسطينية الدارجة. رام الله: جمعية إنعاش الأسرة  البيرة، مركز التراث الشعبي الفلسطيني، ١٩٩٨،  ج. ٣، ص. ١٠٧.

- محمود مهدي عبد الله، قاموس فنلندي -  عربي. همينلنا، ٢٠٠٧، ص. ٣٨٤،  قَرن (لتسهيل لُبس الأحذيّة) عم لَبّيسه.

- Leonhard Bauer, Deusch- Aranisches Wörterbuch der Umgangssprache in Palästina und im Libanon. Otto Harrassowitz- Wiesbaden, 1957, S. 266.

- Omar Othman & Thomas Neu, Qaamuus Il- Quds. A Dictionary of the Spoken Arabic of Jerusalem (English- Arabic). Jerusalem: B.O. Box 340, 2008, p. 215.

- Socrates Spiro, An Arabic - English Dictionary of the Colloquial Arabic of Egypt. Beirut: Libraraire du Liban, 1973, p. 514.

- דוד שגיב, ערבי –עברי, עברי–ערבי (שני כרכים). הוצאת שוקן 208.

- יהודית רוזנהויז, מילון תלת–לשוני שימושי עברי–ערבי. פרולוג מוציאים לאור בע’’מ, 2002, 2003, 2004. עמ’ 327, קַרְן ל(אלְ)כֻּנְדַרַה ובספרותית قرن للأحذية.

 

رائد عبيسماذا يعني نقاء الهوية؟ وهل نجد هناك هوية نقية؟ بعيدا عن التداخل بينها وبين هويات اخرى؟ وهل هذا التداخل أو الاختلاط الهوياتي يأتي دائما بأبعاد إيجابية بين الهويات المتجاورة أو المتشاركة؟ ام هناك هجينية بين الثقافات البشرية عامة والهويات العراقية خاصة؟ متى تتحول المشتركات إلى ملوثات بين الهويات؟ ومتى يتحول الدخيل الثقافي الى فايروس معدي ومشوه وقاتل؟ وهل للثقافات قدرة تحصينية ضد ما يلوث ثقافتها؟ هذه أسئلة ربما تعد أسئلة افتراضية عند من يقرأها،لأن كل الثقافات البشرية وما ينتج عنها من هويات، يكون بينها تداخل وتأثير وتأثر،بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن هناك مناسبات، ومواقف يبدأ بها هذا التأثير يقوى أو يضعف، او يطغى أو يتحول الى ثقافة أو ثقافة منشطرة جديدة ناتجة من ذلك التفاعل. وهذا يؤكد فكرة الحديث عن هوية ملوثة، وأسباب التلوث تتضح أو تدرك بعد أن يكون التلاقح بين الهويات والثقافات، ينتج حركات راديكالية متطرفة، تنقلب على الاصلين معا وتكون قاتلة ومكفرة لكليهما،وان لم يكن ذلك شرطا محتوما على كل الثقافات أو العقائد، لان بعضها تعرضت لذلك فكان مصيرها الاندثار أو التلاشي، أو التعديل و التبدل أو القبول بالهجينية، كثقافة بين جماعات ثقافية أو عقائدية أو فكرية، كالمرحلة الهيلينستية، والمرحلة الهيلينية التي نتج عنها اندماج بين ثقافة الغرب والشرق، وما ترتب عليها من قبول أو عدمه أو تكفير أو تفكير. هل يعني ذلك أن النقاء أمر متحقق في ثقافة ما دون اخرى؟ لا نعتقد أن هناك ثقافة نقية بشكل كامل في الثقافات البشرية، وعدم النقاء هذا يعني أن هناك نسب من الخليط الثقافي مع ثقافات مشاركة في إنتاج قيامها، سواء كان ديني أو فلكلوري أو حضاري، وهذه المشاركة لا يعني التقاطع الذي يتحول الى فكر ملوث بأفكار العنصرية أو العدائية أو الأنانية أو التغالب أو الانتقام، فمثل هذا الاستثمار الملوث بطموحات شريرة اتجاه ثقافات أخرى مشاركة بكثير من التفاصيل ،يعد استثمار مستند إلى مأرب الإبادة والظهور أو التدخل في مجريات رسم طريق جديد لثقافة جديدة ،كالتي ظهرت وان كانت بشكل مؤقت وطارى واضمحلت، أو كالتي ظهرت بشكل اتفاقي وتحولت إلى عقيدة ثابته أو ثقافة راسخة، وهذا ما نجده في الموروث الديني ،مثلا نجد رواية كاذبة وغير منطقية تسود بين الأوساط الشعبية أو الرسمية وتؤخذ بها على أنها جزء من الدين نفسه، أو حادثة تاريخية باطلة تتحول الى مصداقية في الوعي الجمعي، وهذا ولعب المحققين أو المدققين يكتشفون زيف هذا الأمر وملوثاته التي بتلوث بها فكر الأجيال القادمة ولكنهم يعجزون عن تغييره ،لانه أصبح من حقيقة الجماهير وتصديقهم. وللحديث تتمة.....

 

الدكتور رائد عبيس

 

ميلاد عمر المزوغيتمكنت الجماهير السودانية من اسقاط حكم العسكر بالتجائهم الى العسكر نفسه! ولكن ما ان تمت الاطاحة براس النظام حتى افتتحت شهية المحتجين، يريدون اقصاء من وقفوا معهم وفي احسن الاحوال ان يكون للعسكر مجرد تمثيل شكلي في مجلس ادارة الدولة، يردون استلام السلطة لفترة انتقالية بالتأكيد انها ستطول بالنظر الى ما يرغبون في تحقيقه قبل الانتخابات وهي محاسبة رموز النظام السابق والقضاء على الفساد المستشري في البلاد وهذه امور تتطلب وقتا لا باس به وكذا ادارة منتخبة لا يرقى اليها الشك في نزاهتها وعدم وان تكون المحاسبات وفق معايير محددة بعيدا عن الثأر والمكائد السياسية التي ستقود البلد الى مزيد من الفوضى وإثارة الفتن بين مكونات المجتمع.

يتحدث حراك الحرية والتغيير على انه امكن حلحلة العقد مع العسكر بنسبة 95% ألا يعد ذلك كافيا للبدء في العملية السياسية؟ يبدو ان 5% المتبقية هي تسلمهم السلطة منفردين دون مشاركة بقية اطياف المجتمع، المجلس العسكري من جانبه يرفض تسليمهم السلطة لأنهم لا يمثلون كل شرائح المجتمع ونرى انه مصيب في ذلك.

نجزم يقينا بان المجلس العسكري يحظى بتأييد شعبي اكبر من الحراك فكيف لهؤلاء اذن الاستحواذ بمفردهم على السلطة، ألا يمكن تنظيم انتخابات عقب فترة انتقالية بسيطة تكون تحت رعاية العسكر الذين وقفوا الى جانب الشعب وساهموا في التغيير؟. فالعسكر يظل العين الساهرة لحماية مقدرات البلد والمحافظة على النسيج الاجتماعي والتصدي للاعتداءات الخارجية وفرض الامن والاستقرار والضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه المساس بالكيان السياسي للبلد.

ما ان سقط النظام حتى بدأت التحركات الإقليمية للتدخل في الشأن السوداني، كلٌّ يحاول استمالة الحكام الجدد ليكون في صفه، لاشك ان دخول السودان في لعبة المحاور سيفاقم من ازماته المزمنة، الفترة الانتقالية التي يطالب بها الحراك لا تعرف نهايتها وقد تقود البلاد الى مزيد من اعمال العنف والشواهد على ذلك كثيرة لدى ليبيا واليمن.

حديث الحراك بالنزول الى الشارع لن يجدي، فبإمكان الاخرين التحرك ايضا وقد يتدخل طرف ثالث في اللعبة وتكون عواقبه وخيمة، وينقلب السحر على الساحر ويفقد وبكل سهولة بريقه الذي يحاول وبشتى الطرق ان يجعله لامعا لأطول فترة ممكنة، فالسودان من الناحية الامنية جد هش ويمكن للتنظيمات الارهابية اتخاذه ساحة صراع لها.

الاعلام اللامسؤول كان له دور جد سيء في تأجيج الصراعات بين ابناء الوطن الواحد ضمن نكبة الربيع العربي، وما اقدم عليه المجلس العسكري من قفل مكاتب شبكة الجزيرة الاخبارية الفتنوية وسحب تراخيص مراسليها، تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ومحاولة تضخيم الحراك على انه القوة الفاعلة بالسودان يعد محاولة يائسة من تنظيم الاخوان العالمي متمثلا في قطر وتركيا، وفي حال استمرار الحراك في تعنته وتمركزه امام القيادة العامة لخلق بلبلة بالشارع ، نعتقد انه لم يعد هناك بد من فض الاعتصام (لن تكون هناك رابعة جديدة)وليكون ذلك النقطة الفاصلة وليتجه البلد الى انتخابات رئاسية وبرلمانية وتكوين مؤسسات شرعية يمكنها محاكمة من اجرم في حق المجتمع بكل نزاهة وشفافية وموضوعية ويكون هناك حق التقاضي وبناء دولة عصرية. سياسة الاعتدال هي الانسب في ظل الظروف الراهنة لتصل السفينة الى بر الامان.

 

  ميلاد عمر المزوغي

 

يحدد مجال التداوليات الاداء اللغوي ويدرس افعال الكلام والاقتضاء والاستلزام التخاطبي، واختلفت آراء النقاد والمحدثين في تحديد مصطلح التداولية، البعض منهم عده جزءا من السيميائية التي تعالج العلاقات بين العلامات ومستخدميها، والبعض الاخر يرى ان التداولية قدرة اللغة على الخطابية وتفسير الاقوال المستعملة بوساطة عنصر ذاتي يتمثل في التعبير عن معتقدات المتكلم ومقاصده واهتمامته ورغباته، وعنصر موضوعي يختص بالظروف الزمانية والمكانية، وآخر يوضح المعرفة المشتركة بين المتكلم والمخاطب، وكثرت المقابلات ازاء المصطلح الانكليزي (براجماتكس) ترجمة او تعريبا بالتداولية، المقاماتية، المقامية، علم المقاصد، البراجماتية والبراغماتية، الا ان المصطلح الاكثر استخداما هو التداولية فهي العلم الذي يعنى بالشروط اللازمة لكي تكون الاقوال اللغوية مقبولة وناجحة وملائمة في الموقف التواصلي الذي يتحدث فيه المتكلم .

تتضمن اللغات على اختلافها مفردات تعتمد اعتمادا تاما على السياق الذي تستخدم فيه فلا يمكن تفسيرها بمعزل عنه تلك هي الاشاريات في التداولية، وتعد الاشاريات الشخصية عنصرا هاما فيها معتمدة على الضمائر بمختلف انواعها (المتكلم - المخاطب - الغائب) بالافراد والتثنية والجمع، وهي من اوضح العناصر الاشارية الدالة على الشخص كما تجسد ذلك في قصيدة (حبيبة من الاوائل)

اعود طفلا انا

احتاج درك

فأشم صدرك

وأشبع منه .

 استخدمت الشاعرة ضمير المتكلم (انا) كي لا يحدث لبسا في الامر ويكون التواصل واضحا ومفهوما  بين المتكلم انا والمخاطب الام .

لكن قد ينشيء لبسا في استخدامها اذا تعددت مراجعها كما في قصيدة (تمزيق)

احرقت ارتجافها الستين

بحقيبة سفره المعتقة

فتهاوت الاشعار

وتحنط الرمل في الساعات

تباينت المراجع هنا بين المتكلم هي والغائب هو وتوقف الوقت حين يتحنط الرمل في الساعات الرملية لكن التداول الاشاري يشير الى ان سفره ازهق روح الزمن لديها، او قد يكون هناك تبادل كل من المتكلم والمخاطب متكلما او نقل المتكلم خطابا عن متكلم اخر كما في قصيدة (تسول أب)

امد كفي اتسول أبا

هل من احد يهديني اياه ..؟

نم ياصغيري قالت امي

فكورت نفسي لعينيها رجاء.

هنا تحول المتكلم انا الى مخاطب والمخاطبة هي الى متكلم فتداولت الاشارات بذلك البناء اللغوي التواصلي الذي جسدته الشاعرة بحوارية مسبوكة المعنى والمبنى .

توحي الاشاريات الزمنية لزمان المتكلم مركزا للاشارة الزمنية في الكلام يحدده السياق قياسا الى زمن المتكلم، وقد ارتبطت الاشاريات بوجود ووضوح المتكلم كي لا يحدث ابهاما تجسدت في قصيدة (صدفة)

سلاما ايها المصباح .....

صحوت اخيرا في نفس المحطة

لكن قطاري رحل.

القي السلام على المصباح حين انطفأ لينبلج الفجر ويصحو الحالم فيجد ذاته في نفس المكان بعد رحلة طويلة في الحلم، تداولت الشاعرة اشارة توديع المصباح لتأذن بزمن الصحوة فجرا فيكون التواصل بين المتكلم والمخاطب سليما لا لبس فيه، كذلك في قصيدة (وردة الصباح)

سافرت شمس الصباح

رحلت والكل يغدوا لا محال.

سفر الشمس يشير الى الغروب الى زمن رحيل الشمس كرحيلنا عند غروب رحلة الحياة .

تشير الاشارات المكانية التداولية الى مكان المتكلم ووقت تكلمه  كما في قصيدة (احلام)

في ليل المدينة

حلم مشنوق

آخر معلق على (كشك الشاي)

جنب المقهى العتيق

ثالث خلف القباب

حددت الشاعرة الاشاريات التداولية زمانا ومكانا بحرفية عالية فليل المدينة زمان محدود وقريب والعتيق زمان غير محدود وبعيد عن مركز الاشارة  للمتكلم وكشك الشاي والمقهى وخلف القباب امكنة متداولة فأمتلك تداول الاشاريات المكانية الاثر البالغ في تحديد المكان واختيار العناصر الاشارية بعدا او قربا من مركز الاشارة المكانية او المكنية معتمدة على السياق المادي المباشر الذي قيلت فيه، وتجسد ذلك في قصيدة (جسد ابيض)

اخرج من صحراء الموتى

حلما ابيض

احمل اكفاني على كتف الازمان......

تشظى الشر فيها

لأرض كربلاء

استخدمت الشاعرة اشاريات مكانية مباشرة وغير مباشرة فكانت اشارية صحراء الموتى توحي بصورة غير مباشرة الى مكان المقابر اما الاشارة المادية المباشرة في ارض كربلاء تحديد واضح ومادي ومتداول للمكان.

ضمت الاشاريات المتداولة ايحاءات بالعلاقات الاجتماعية بين المتكلم والمخاطب سواء كانت  رسمية كما في قصيدة (مشرحة)

ان العدالة تجلجل

بأسم الحاكم المذعور

المختفي خلف البخور

فلقب حاكم يشير الى العلاقة الاجتماعية المتداولة بين ابن الشعب والحاكم وهنا العلاقة رسمية ومن الواضح انها غير حميمية او قد تكون العلاقة الاجتماعية غير رسمية كما هو في قصيدة (ابي)

 

الشجر يكنس باب ابي

الجبال ترمي الياسمين في طريقه

يمر ابي كأمير ... وأي أمير.

نجد ان لقب امير يوحي بعلاقة رسمية متباعدة الاطراف فشتان بين الفقير والامير الا ان الشاعرة تجمع التضاد بين الاب ابن الشعب والامير ابن حاكم الشعب بتشبيه حميم يوحي بالوسامة واناقة الامراء، وقد تكون العلاقة الاجتماعية حميمية كما في قصيدة (سنام ألم)

حين ولدتني امي

باعت ثوب عرسها

والخاتم المنحوت بالاحجار

العلاقة الحميمية العميقة بين الام وابنتها تتوضح من خلال الاشاريات التداولية الاجتماعية التي استخدمتها الشاعرة لتوحي بالدفء والحنان والتضحية للأم .

تداولت الشاعرة هدير التميمي الاشاريات  في (طقوس بندقية) بثراء وتنوع وتداخل جمالي متفرد بين الاشاريات الشخصية، الزمنية، المكانية والاجتماعية فنجدها تارة منفصلة عن بعضها البعض مستقلة وتارة اخرى متشابكة ومتداخلة كقطعة فسيفسائية مسبوكة ببناء تداولي اشاري سميك.

 

بقلم د. امل الغزالي.

 

منى زيتونمن أكثر الفرق الإسلامية التي شطَّت عقديًا وفقهيًا حتى وصلت إلى تكفير المخالف تلك الفرقة من غلاة الحنابلة التي أصبحت تُطلق على نفسها في العقود الأخيرة اسم السلفية.

تعتبر أول أسباب الإشكالية العقدية بين سائر المسلمين والسلفية، هو رفض الفرقة الأخيرة للتأويل، وتمسكهم بظواهر معاني نصوص الكتاب والسُنة، لتقرير اعتقادهم في الله  عزّ وجلّ، ادعاءً أن هذا ما كان يفعله السلف، وهي إشكالية تنظيرية، لم تكن لتتسبب في إحداث الفتن لولا ارتباطها بإشكالية لها أثرها على المستوى التطبيقي، وهي إيجابهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشقيه الاجتماعي والعقدي باليد وبسلّ السيوف، فلا يكتفون أن يكون بالقلب أو بتقديم النُصح باللسان.

في نهاية القرن الثالث الهجري كانت أول إشارة تاريخية وأول ظهور سياسي يأتي فيه ذكر الحنابلة، أثناء حوادث فتنة خلع المقتدر وولاية ابن المعتز سنة 296هـ. وقد أحدثت تلك الفرقة منذ ظهورها حالة من الذعر في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، بحيث لم تكد ‏تمر سنة إلا وسجّل فيها المؤرخون فتنة عظيمة حدثت بسبب ممارستهم لذلك الأصل الهام من أصول ‏عقيدتهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي لا يرتضونه بغير اليد، حيث نصَّبوا من أنفسهم محتسبين على الفرق الأخرى من المسلمين. وتعتبر تلك الفرقة سببًا من أسباب ضعف الخلافة ‏العباسية بما أضاعوه من هيبتها بكثرة افتعال الفتن في عاصمة الخلافة،‏ وبما أضاعوه من أموال كانت تُصرف من آنٍ لآخر، على إعادة إعمار ما تهدّم واحترق جراء فتنهم التي لا تكاد تنتهي.

اتفاق الأمة على فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عموم المؤمنين

‏‏‏يقول القرطبي في تفسيره (ج5، ص73): "وفي التنزيل ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:67-71]. فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وقد رُوي في كتاب الإيمان من صحيح مسلم (حديث 4085- 78/49)، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وبرواية أخرى عن عبد الله بن مسعود (حديث9602-80/50) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وروى الإمام الترمذي في سُننه (حديث 2169) عن حُذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم". وحديث (2172) قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكرًا فليُنكره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وقد روى ابن ماجه الحديث بلفظ مشابه وسند آخر (1275). وقد كان للإمام أبي بكر بن العربي تعليق على هذا الحديث بأن "في هذا الحديث من غريب ‏الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يُبدأ باللسان ‏والبيان فإن لم يكن فباليد".‏

قال أبو محمد ابن حزم في "الفِصَل" (ج5، ص19): ‏"اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منها، ثم اختلفوا في كيفيته، فذهب أهل السُنة من القدماء ‏من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره، وهو قول سعد بن أبي ‏وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، إلى أن الغرض من ذلك إنما هو ‏بالقلب فقط ولا بد، أو باللسان إن قدر على ذلك. ولا يكون باليد ولا بسل السيوف، ووضع السلاح ‏أصلًا، وهو قول أبي بكر بن كيسان الأصم، وبه قالت الروافض كلهم، ولو قُتلوا كلهم، إلا أنها لم ‏تر ذلك الإمام يُخرج الناطق، فإذا خرج وجب سل السيوف، ولا بد حينئذ معه، وإلا فلا"أهـ.

فخلاصة القول في حكم أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد وسلّ السيوف، إن عموم أهل السنة قالت به عدا قلة، منهم أحمد بن حنبل وسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وابن عمر. كما أوجبته المعتزلة بالسيف، وإن كانوا أوجبوه بالعقل لا بالشرع، وشذ عنهم أبو بكر بن الأصم المعتزلي فرأى وضع السلاح أصلًا، وأخذت عنه الشيعة الإمامية هذا الرأي، فهم لا يرون سلّ السيوف إلا إن خرج الإمام العادل المنتظر. وأوجبت الشيعة الزيدية على أنفسهم أن يكون باليد وسلّ السيوف، ويكون ذلك لأقصى درجة وصولًا لمقاتلة وتغيير الإمام الجائر. والغريب أن كل الفتن التي أثارها الحنابلة جاءت بسبب تطبيقهم ‏لعقيدتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد خلافًا لرأي الإمام أحمد بن حنبل وفعله!

وقال الإمام النووي في "المنهاج" (ج2، ص22) في شرحه لحديث "من رأى منكم منكرًا": "وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فليغيره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يُعتد بخلافهم. كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يُكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافًا للمعتزلة"أهـ. ولكن هذا النقل للإمام النووي عن إمام الحرمين الجويني يُعد ناقصًا، فلا يوضح المحاذير التي ضمنّها رأيه في الموضوع حول ما يحتاج إلى اجتهاد وما لا يحتاجه، وكذا الشروط التي ينبغي توفرها في الآمر الناهي، وما ينبغي عليه مراعاته أثناء أدائه عمله، والذي طرحه في كتابه "الإرشاد في أصول الاعتقاد".

وفقًا للأشاعرة، يذكر إمام الحرمين الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص368) أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالإجماع على الجملة؛ ولا يُكترث بقول من قال من الروافض: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، موقوفان على ظهور الإمام. فقد أجمع المسلمون قبل أن ينبغ هؤلاء على التواصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوبيخ تاركه مع الاقتدار عليه. فإذا ثبت ما قلنا أصلًا، فلا يتخصص بالأمر بالمعروف الولاة، بل ذلك ثابت لآحاد المسلمين. والدليل عليه الإجماع أيضًا. فإن غير الولاة من المسلمين في الصدر الأول، والعصر الذي يليه، كانوا يأمرون الولاة بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف من غير تقلد ولاية"أهـ. لكن يُفرِّق الجويني (ص369) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين ما يحتاج اجتهاد وما لا يحتاجه. يقول: "حكم الشرع ينقسم إلى ما يستوي في إدراكه الخاص والعام، من غير احتياج إلى اجتهاد، وإلى ما يُحتاج فيه إلى اجتهاد. فأما ما لا حاجة فيه إلى الاجتهاد، فللعالم وغير العالم الأمر فيه بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما ما اختص مدركه بالاجتهاد، فليس للعوام فيه أمر ولا نهي، بل الأمر فيه موكول إلى أهل الاجتهاد. ثم ليس للمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف، إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا، ومن قال إن المصيب واحد فهو غير متعين عنده، فيمتنع زجر أحد المجتهدين الآخر على المذهبين"أهـ.

فهل يلزم الأمر والنهي على آحاد الرعية بشهر السلاح، وعلى من ظن وقوع الأذى عليه؟

ما يُفهَم من نص حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي أنه بدأ بالأصعب كي يقرنه بالاستطاعة، ولم يوجبه على الإطلاق حتى يتأذى من يؤديه من ورائه أو تثور الفتن.

يقول القرطبي في تفسيره (ج5، ص74-75): "أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر –في التمهيد- أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كثيرة جدًا، ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكلم مؤمن يُرجى، أو جاهل يُعلَّم، فأما من وضع سيفه أو سوطه وقال: اتقني اتقني، فما لك وله؟! وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه". قالوا: يا رسول الله، وما إذلاله نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يقوم له". قلتُ –أي القرطبي-: وخرَّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جُدعان، عن الحسن، عن جُندب، عن حُذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تُكلم فيه. ورُوي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرًا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات: اللهم إن هذا منكر، فإذا قال ذلك، فقد فعل ما عليه. وزعم ابن العربي أن من رجا زواله، وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأى فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يُبالي. قلتُ –أي القرطبي-: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر –يعني ابن عبد البر- من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:17]. وهذا إشارة إلى الإذاية".

وكان للإمام الغزالي في "الإحياء" (ج2، ص233) رأي مشابه للرأي الأخير عند عرض مراتب الحسبة، فهو يرى أن المحتسب المحق –فيما لا يحتاج إلى اجتهاد- إن قُتِل مظلومًا فهو شهيد، فيجوز له تغيير المنكر بشهر السلاح وجمع الأعوان، كما أنه لا يلزمه استئذان الإمام قبل محاولة التغيير. ويخلص الغزالي إلى أن "كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وسلاحه وبنفسه وبأعوانه"أهـ. وهذه الطريقة التي قررها الغزالي رأينا آثارها عندما اعتمدها حنابلة بغداد كأسلوب للأمر والنهي –ليس عن رأي الغزالي، بل قبله بقرون-، وكم حكى التاريخ لنا عن فتن.

ويقرر ابن حزم في "الفِصل" (ج5، ص20) أن أغلب أهل السُنة والمعتزلة والزيدية على وجوب التغيير بشهر السلاح إن عظم المنكر ولم يمكن دفعه إلا بهذا. يقول: "وذهبت طوائف من أهل السُنة، وجميع المعتزلة، وجميع الخوارج، والزيدية إلى أن سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك. قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولم ييأسوا من الظفر، ففرض عليهم ذلك. وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول ........."أهـ. وعدّ ابن حزم كثيرين يرون هذا الرأي.

وأرى أن الأمر في أوله وآخرة يتعلق بتقدير المحتسب للمصالح الحاصلة من أمره ونهيه والمفاسد الناتجة عنه، وما إن كان مع المجازفة إمكانية للتغيير أم لا فائدة تُرجى من ورائها.

بينما يميز القرطبي في كيفية تطبيق الأمر والنهي بطرقه الثلاث، موضحًا انتفاء تطبيقه باليد على غير السلاطين. قال في تفسيره (ج5، ص75): "قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني لعوام الناس". ويوضح (ج5، ص73) "ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان؛ إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير موكل إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب، فينصب في كل بلدة رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا ويأمره بذلك، ويُمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج:41]". ويضيف في تفسير آية الأمر والنهي [آل عمران:104] (ج5، ص253): "﴿‏‏مِنْ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ في قوله: ﴿‏‏مِنْكُمْ﴾ للتبعيض، ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء، وقيل: لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا كلكم كذلك. قلتُ –أي القرطبي-: القول الأول أصح؛ فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضٌ على الكفاية، وقد عيَّنهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الحج:41]، وليس كل الناس مُكنوا"أهـ. ويوافقه الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) إذ يقول: "ثم الأمر بالمعروف فرض على الكفاية؛ فإذا قام به في كل صقع من فيه غناء سقط الفرض عن الباقين. وللآمر بالمعروف أن يصد مرتكب الكبيرة بفعله، إن لم يندفع عنها بقوله، ويسوغ لآحاد الرعية ذلك، ما لم ينته الأمر إلى نصب قتال وشهر سلاح؛ فإذا انتهى الأمر إلى ذلك رُبط ذلك الأمر بالسلطان، فاُستغني به"أهـ. وقرر الغزالي في "إحياء علوم الدين" (ج2، ص307) مثلهما أنه فرض كفاية لا فرض عين، مع ‏اختلافه عنهما في تجويزه لآحاد الرعية –كما أسلفنا- الاحتساب باليد وشهر السلاح.‏

ولا يجيز السلفية الخروج على الحاكم الظالم على عكس المعتزلة، والزيدية، وعلى عكس بعض الأشاعرة. يذكر الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) عن اعتقاد الأشاعرة "وإذا جار والي الوقت، وظهر ظلمه وغشمه، ولم يرعو عما زجر عن سوء صنيعه بالقول، فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه، ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب"أهـ. ولكن للسلفية توجهات في العصر الحديث نحو إباحة الخروج على الحكام الذين لا يحكمون بشرع الله وفقًا لتصوراتهم التقليدية عن طبيعة الدولة.

فهل هناك اشتراطات تلزم أن تُوجد فيمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

اختلف أئمة المسلمين في ضرورة وجود اشتراطات فيمن يقوم بالأمر والنهي، رغم أن الشائع والمفترض منطقيًا في الآمر الناهي أن يكون ‏عالمًا بما يأمر وينهى، وأن يعمل بما يعلم، وأن يلزم الإخلاص مع الله فيما يقول ويفعل، ويكون ‏صاحب أمانة، وأن يكون صبورًا  يتحمل أذى الناس، رفيقًا لينًا واسع الصدر.

ومن الحكم المأثورة لدى الشيعة الإمامية –الذين لا يرون الأمر والنهي باليد-، عن الإمام جعفر الصادق: إنما يُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلم، فأما صاحب سوط وسيف فلا. ومن الحكم المأثورة عنه أيضًا: إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، من كانت فيه ثلاث خصال، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى، عادل فيما يأمر، عادل فيما ينهى، رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى. وهي الاشتراطات الرئيسية للإمام الصادق فيمن يقوم بالأمر والنهي وتتمثل في: العلم- العدالة- حُسن الخلق.

ويوافق الإمام الصادق في ذلك الصفات ذاتها التي أكّد عليها علماء السُنة. يحدد الغزالي في ‏‏"إحياء علوم الدين" (ج2، ص333) ثلاث صفات في المحتسب: العلم، والورع، وحُسن الخُلق. ‏يقول: "فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القُربات، وبها تندفع المنكرات، وإن فُقِدت لم ‏يندفع المنكر"أهـ.‏

لكن يذكر الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص369) أن "الذي يتعاطى الأمر ‏بالمعروف لو لم يكن ورعًا، لم ينحسم عنه الأمر بالمعروف؛ إذ ما يتعين عليه في نفسه فرض ‏متميز عما يتعين عليه الأمر به في غيره، ولا تعلق لأحد الفرضين بالآخر". ويقول القرطبي في ‏ تفسيره (ج5، ص74): "وليس من شرط الناهي أن يكون عدلًا عند أهل السنة، خلافًا للمبتدعة –كما أسماهم- حيث تقول: لا يغيره إلا عدل. وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامٌ في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:44]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى"أهـ. وهذا قول يبدو شاذًا، ولكن قد يفسره ما أوضحه الغزالي في "الإحياء" (ج2، ص234) أنه بعد أن ‏اشترط شروطًا في المحتسب قال: "لسنا نعني أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعًا بالفسق، ولكن ‏يسقط أثره عن القلوب بظهور فسقه للناس"أهـ. وقد أفاض الغزالي في شرح هذا الرأي، وبيّن ‏‏(ص312) أن من يرون بأن ليس للفاسق أن يحتسب ربما استدلوا عليه بالنكير الوارد في الآيات ‏والأحاديث على من يأمر بما لا يفعله، وربما استدلوا من طريق القياس "بأن هداية الغير فرع ‏للاهتداء، وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح، فمن ليس ‏بصالح في نفسه فكيف يُصلح غيره؟، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟"، لكن الغزالي رفض هذا ‏الرأي، وكان من أهم ما دفع به لنقضه أن لا أحد معصوم من المعاصي كلها، وسيكون في شرط ‏العدالة إن وُضِع حسمًا لباب الاحتساب.‏

وما أفهمه من عدم انحسام الأمر والنهي عمن يقترف المعصية ذاتها أن كثيرًا من الناس قد يأتيها ضعفًا، معترفًا ومقرًا بذنبه، وربما يكون نصحه لغيره أعظم أثرًا من نصح المعافين منها؛ كمن ينهى ولده عن معاقرة الخمر أو التدخين، مخبرًا إياه أنه لو عاد به الزمن ما أخطأ هذا الخطأ في حق نفسه، وأنه يتمنى أن يعافيه الله مما ابتلي هو به. فإن كان هذا هو المقصود فرأي الغزالي لا غبار عليه.

والسلفية المعاصرون يستحسنون هذا الرأي الأخير من الغزالي أيما استحسان، ويُدرِّسونه لدعاتهم ‏أكثر مما يفعل الأشاعرة أنفسهم، والغزالي أشعري. وقد رأينا عاقبة هذا الرأي عندما أسيء تطبيقه؛ فأخذ به السلفيون في تعيين ‏خريجيّ السجون في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليس هذا بغريب، فطوال تاريخ السلفية ومنذ سمع بهم المسلمون في القرن الرابع الهجري، كان من يقوم منهم بالأمر والنهي أبعد الناس عن صفات الورع والحلم، وأكثرهم تنفيرًا للناس في التزام شرع الله، وأكثرهم إثارة للفتن.

ويؤكد الجويني في "الإرشاد في أصول الاعتقاد" (ص370) على أنه "ليس للآمر بالمعروف البحث والتنقير والتجسيس واقتحام الدور بالظنون، بل إن عثر على منكر غيَّره جهده"أهـ. بينما سنرى عند مراجعة أمهات كتب التاريخ الإسلامي كيف كان السلفية يكبسون الدور وينتهكون حرماتها.

ولعل المشاكل الناجمة عن السلفية ليست في ‏اشتراطات علمائهم فيمن يقوم بالأمر والنهي، بقدر ما تكمن في أن عوامهم يسارعون في تطبيق الأمر ‏والنهي باليد، والذي يتعاضد مع وجود اعتقادات كثيرة لديهم تُخالف اعتقادات باقي فرق المسلمين، ‏مما يجعل الأمر على المستوى التطبيقي أكثر اشتعالًا بدرجة لا يمكن مقارنتها بأصحاب أي ‏عقيدة إسلامية أخرى. فالأهم من صفات القائم ‏بالأمر والنهي، واشتراط أن يكون عدلًا أو لا، أن الثابت عن علماء مذاهب السُنة الباقية بوجه عام، سواء ‏شافعية أو مالكية أو حنفية، وكذلك علماء الشيعة، عدم ميلهم إلى العنف، وعدم تجريئهم العوام على تغيير المنكر بالمقاتلة وشهر ‏السلاح، وأن يُترك صاحب هذا المنكر الغليظ إلى السلطان منعًا للفتن، مما أسهم في تقليل الفتن ‏التي حدثت بفعل عوامهم عبر التاريخ مقارنة بعوام السلفية.

كما أن جانبًا آخر من إشكالية جموع المسلمين مع الحنابلة، هو اختلاف مواطن الأمر والنهي ‏المعني بها تطبيقه باليد، فأنا كأشعرية أفهم أن يكون الأمر والنهي باليد للعامة عندما لا تكون وسيلة ‏لدفع الأذى إلا به، لأنه لو اُنتظِر تدخل السلطان لحدث المنكر، كأن يهم أرباب العصابات بقتل ‏نفس أو خطف طفل أو فتاة أو سرقة أموال شخص، فيجب على من يرى ذلك من المسلمين أن ‏يمنعه جهده، وبكل ما يمكنه من وسائل، حتى لو ناله الأذى في سبيل دفع هذا، لكن الحنابلة ‏مشغولون بشيعي يلطم وجهه في عاشوراء، أو صوفية يُنشدون، بينما يُسأل أحد مشايخهم عن رجل ‏تُختطف امرأته من بين يديه لتُغتصب، فيجيب السائل بأن عليه أن يتركها دفعًا للأذى عن نفسه!

وقد كان لتطبيق السلفية عبر تاريخهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جانبان: جانب اجتماعي فنشأت جماعات المطوعة التي تراقب الناس والأسواق للتأكد من انضباط الآداب العامة، وجانب عقدي/فقهي لكنه عُني بفرض اعتقاداتهم وما يرونه حلالًا وحرامًا بالقوة، وكانوا يطبقونه –ولا زالوا- في الإنكار على عقائد الفرق الأخرى، باعتبارهم ممثلو الإسلام الصحيح، مما أدى لمصادمات عديدة بينهم وبين غيرهم من الشيعة –خاصة-، والمعتزلة، ثم الأشاعرة بعد ذلك، وكذا غير المسلمين.

وكانت ممارساتهم طوال الفترات التي استقووا فيها عبر التاريخ أشبه بممارسات أرباب العصابات وقُطَّاع الطرق، وحكى لنا التاريخ عن جماعات المطوعة التي نشأت أول مرة ببغداد، وكان من أشهرها جماعة عبد الصمد. وكان لأبي محمد الحسين بن علي بن خلف البربهاري الحنبلي، وهو تلميذ أبي بكر المروذي –تلميذ الإمام أحمد-، والذي كان قائد الحنابلة بدءًا من سنة 296هـ وحتى وفاته سنة 329هـ، دور في فتن كثيرة رغم شهادة المؤرخين له بحسن الديانة. كان البربهاري أول من طبّق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عقائد الفرق الأخرى بتلك الطريقة الهمجية التي لا تقرب من قريب أو بعيد لنهج الإمام أحمد بن حنبل، والذي كان من أبعد الناس عن العنف وإثارة الفتن رغم كل ما مر به من محنة طويلة. وبسبب البربهاري وجماعات المطوعة حدثت فتن كثيرة ببغداد خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، فبمراجعة كتب التاريخ الإسلامي في هذين القرنين تحديدًا نجدها مليئة بذكر أخبار الملوك والحروب في كل بلاد الإسلام، إضافة إلى ذكر الفتن ببغداد بين الحنابلة والشيعة، وكأنه لا فتن بين العوام على ظهر الأرض إلا ببغداد. وسير الفتن التي نبشوا وراءها ‏وتسببوا فيها تملأ أمهات كتب التاريخ الإسلامي، ويمكن العودة للكامل والبداية والنهاية والمنتظم، حتى لا يُقال إن ما ندعيه عليهم هو ادعاء باطل لا أصل له.‏

ولم يكن البربهاري وحيد عصره. يذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج 18، ص546-548) في ترجمته لأحد أعلام الحنابلة وهو الشريف أبو جعفر عبدالخالق بن أبي موسى عيسى العباسي ‏الهاشمي، المولود سنة إحدى عشر وأربع مائة، وهو أكبر تلامذة القاضي أبي يعلى: "وقال أبو الحسين بن الفراء: لزمته خمس سنين، وكان إذا بلغه منكر عظم عليه جدًا، وكان شديدًا على المبتدعة، لم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه يقمعونهم، ولا يردهم أحد"، وقال ابن النجار: "كان منقطعًا إلى العبادة ‏وخشونة العيش والصلابة في مذهبه، حتى أفضى ذلك إلى مسارعة العوام إلى ‏إيذاء الناس، وإقامة الفتنة، وسفك الدماء، وسب العلماء فحُبس"أهـ. وأقول، وتراجم الحنابلة مليئة بمثل هذا النموذج، ونذكر منهم على سبيل المثال: محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادي الأزجي، وإسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي، والحافظ عبد الغني المقدسي.

نسبت هذه الفرقة نفسها إلى الإمام أحمد بن حنبل، وجعلوه في عين من لم يعرفه شخصًا ذا عقيدة مشوهة، وفقه متشدد، ومصدرًا للعنف والإرهاب؛ فهل أحمد بن حنبل هو أبو الإرهاب الإسلامي؟! نجيب على هذا السؤال في مقال آخر.

 

د. منى زيتون

 

صادق السامرائيمعاركنا تبدو للآخرين همجية من الدرجة الأولى، في عالم تتعاظم فيه المعارك الفكرية والعلمية والإبتكارية والإستكشافية.

عالم تتسابق فيه المجتمعات لإستثمار الفضاء وتعدين القمر وتحرير الطاقة من أوراق الشجر، ومن الماء والرياح والشمس والذرات والإليكترونات والنيوترونات.

بل أنه عالم في أشد حالات النزال لإمتلاك العناصر النادرة في الجدول الدوري للعناصر، والتي أصبحت ذات إستخدامات علمية وإختراعية لا تخطر ببال.

عالم يطمح إلى آفاق بلا حدود، وولوج أكوان من المعارف والعلوم والمخترعات التي أذهلت كل موجود.

وفي هذا الخضم المحتدم لا تزال بعض المجتمعات تنقاد بهمجية عمياء، نحو سلوكيات مناهضة لوجودها وقدرات بقائها ومعاني تفاعلها في الحياة، ومنها مجتمعاتنا التي عبّرت عن أفظع درجات الهمجية  منذ بداية القرن الحادي والعشرين، ولا تزال في غاية الإمعان بسلوكها العدواني على ذاتها وموضوعها ومعتقدها وكل ما يمت بصلة لهويتها.

وما تعلمت أبسط ضوابط ومرتكزات المعارك الفكرية والمعرفية، وإنما إستلطفت الإنطمار في تراب الأجداث والغوابر  والباليات، حتى إحترق الحاضر وغاب المستقبل، وتأسنت معالمها وإنقرضت طاقات أبنائها، وهُدرت في سوح التراهات.

ولا يمكن لهذه المجتمعات أن تستعيد رشدها، وتعي دورها من غير معارك فكرية، تلهب الطاقات وتطلق الأفكار وتمنحها آليات التفاعل مع الحياة.

فهذه المجتمعات لا تحتاج لتعزيز همجية السلوك بمعارك حزبية كرسوية فئوية طائفية، وإنما عليها أن تتخلص من القيود الإنقراضية، وتتعلم كيف تفكر وتحاجج وتبحث وتدرس وتقييم وتسعى نحو إدراك المستجدات، مثلما تفعل الشعوب الحية والمجتمعات المعاصرة القوية المتحضرة.

فالمعارك الفكرية التي تحتاجها مجتمعاتنا لا تُسفك فيها دماء أو تطلق رصاصة واحدة، وإنما هي عبارة عن ميادين لمقارعة الحجة بالحجة والعقل بالعقل، والتفاعل الإنساني الخلاق اللازم لإستيلاد العقول قدرات العطاء الأصيل.

وفي تأريخ مجتمعاتنا العديد من المعارك الفكرية التي خاضها أفذاذ أسهموا بتقدم الرؤى ونماء العقول وتهذيب السلوك، وفي مصر كان عباس محمود العقاد أحد قادة هذه المعارك والمقارع الصعب فيها، مما أسهم بإنجاب أعلام كبار في الثقافة المصرية.

وفي مجتمعات أخرى تكاد تنعدم هذه المعارك الفكرية، مما تسبب في خمول العطاء وخمود الجد والإجتهاد.

ولهذا فأن مجتمعاتنا مطالبة اليوم بالتوجه للمعارك الفكرية والعلمية والثقافية، بكل طاقاتها، لكي تتمكن من إنجاب ذاتها الحقيقية ورسم معالم دورها الأصيل.

ولكي تبصر بعيون العقل المعاصرة!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الجبار نورييشهد التأريخ بأن البشرية مرت بعدة ثورات وآخرها ثورة (تكنلوجيا الأتصال)والتي أحدثت القطيعة بين كل ما هو قديم وأصبح اليوم جديد، ونتيجة لهذه التطورات تزايد الطلب على هذه التكنلوجيا، وبالتالي أصبحت هذه التقنية الرقمية أكثر الموارد أهمية بالمقارنة بالموارد الكلاسيكية مما أصبح الأهتمام بتكنلوجيا المعلومات والأتصال الرقمي الشرط الشاغل بأعتبارها نقطة القوة والتمييز في عصر المعلوماتية لذاأحدثت التكنلوجيا الحديثة (الهواتف النقالة والآيباد) المعطي الرقمي برمته وهو الرابط الفعلي بين الفرد والعالم، وهو ما يثير التساؤل حول رؤيتنا المستقبلية أين نحن كعراقيين أو عرب من معطيات تلك التكنلوجيا ؟ وكيفية مواكبتها، وخصوصا ما يخصُ الطفولة البريئة، الملاحظ أن تكنلوجيا الأتصال خلال السنوات الأخيرة تميزت بتطورات سريعة وتأثيرات مباشرة للثورة الرقمية على نمط الحياة الأنسانية وطموحاتها  في السلام العالمي وأستغلال الأمكانات المتوفرة والمتجددة في هذا العصر .

الموضوع/أحدثت التكنلوجيا الحديثة تغيراً جذرياً على حياة الأطفال الأمر الذي ساعد على أن يكون مفتاحاً للآمراض النفسية لدى جيل المستقبل، نتيجة غياب الحوارالأسري والأستخدام المبكر يدفع الطفل إلى الأدمان، صحيح أن في المد الأنفجاري للعصرنة الحداثوية أوجه أيجابية أذ حولت الحياة نحو الأسهل من خلال قضاء الأمور والحاجات بشكلٍ أسرع، ألا أنّها أحدثت فجوة كبيرة بين شرائح الناس على أرض الواقع وهذا ما يلاحظ في البيت والشارع والسيارة والقطار أن كل فرد ممسكاً هاتفهُ الشخصي ومنغمراً في عالمه الخاص .

والوضع الطبيعي للطفل هو اللعب ومشاهدة الرسوم المتحركة ولك ما نراه اليوم هو العكس تماما، فالطفل أصبح متعلقا ب(الآيباد) بحيث أصبح أكثر براعة وخبرة من الكبار، وأثبت الطب النفسي أن الوالدين هما المحفز الأساسي لأدمان أطفالهما كونهما هما منشغلان طوال الوقت بهذه الأجهزة وبوسائل التواصل الأجتماعي، فضلا على أن بعض المدارس في عالمنا الواسع تسمح بالدراسة عبر الأجهزة الألكترونية والآيباد لأحتوائها على الفصول الدراسية للكتب المقررة ربما هي من أجتهادات المسؤولين التربويين المعتقدين بأن هذه الأجهزة عملة ذات وجهين – وهم على حق – النافع والضار، آن الوجه الحسن في أداء الطفل بالمعلومات الثرة لتفتح مداركه وتوصله بالعالم من حوله وتجعله ملما بالأحداث وبالجديد فضلا على أنها تنمي مخيلته والقدرة على الأستماع وتحليل المعلومات بمستوى الوعي والأدراك من خلال التفاعل البصري والصوتي للبرامج التعليمية الموجودة على الشبكة العنكبوتية وتخلق ثقافة البحث العلمي والأبداعي .

أما الوجه السلبي فهو يعزل الطفل عن أسرته وتضعف علاقته بمفهوم الأسرة لكونه يعمل على تفكيك الروابط الأسرية، وقد تخلق خللأ في شخصية الطفل في حال دخوله على مواقع مشبوهة في ظل غياب الرقابة الأبوية وقد يصاب بالأكتئاب وتتولد عنده العنف، وأستعراضي لمعطيات تداعيات الآيباد النفسية ما هو ألا فيض من غيض حيث دفعني لتشخيص أسبابها فوجدت بعضها في العنف الأسري أو أنفصال الوالدين، وأن أغلب أولياء الأمور يفتقدون لمساحة الوقت الكافي والمخصصة للأبناء، بالأضافة إلى عدم ألمامهم بقدرات أطفالهم وتوظيفها من خلال الخدمات المجتمعية من قبل المراكز والأندية التي هي الأخرى قليلة في بلدنا العراق، وكذلك غياب الحوار الراقي مع الأبناء بسبب أنصرافهم إلى الأجهزة الأكترونية، وربما تكمن في أسباب ومعاناة أرثية في الجينات الوراثية ويكون الأفراط في أستعمال الطفل لهذا الجهاز في تبكير ظهور السمنة الزائدة والنحافة الزائدة، فلا بد من ملاحظة مخاطر هذا الجهاز في :

-الأدمان حيث تكون علاماته الشعور بالأنزعاج والقلق الشديدين في حالة البعد عن الهاتف الذكي أو الآيباد، شعور الطفل بالسعادة والحبور عندما يكون الجهاز بين يديه، ويميل الطفل المدمن إلى العزلة كثيراً ما يترك جلسة عائلية ليخلو بأصدقائه الأفتراضيين، وملازمة الطفل للجهاز أينما يتحرك .

- نمو الدماغ بشكل سريع خلال الأستخدام المفرط يحدث تحفيز قوي للدماغ بالنمو السريع حيث ينجم عنه مخاطر جمة مثل نقص الأنتباه وتشتيت التفكير وضعف في التعليم، وتأخير في تنمية مهاراته في التقبل، تشنج في عضلات العنق وأوجاع في العضلات، الكسل والجهد والخمول الجسدي والفكري والهذيان الذهني، والوميض المنقطع يتسبب في حدوث نوبات من الصرع عند الأطفال، أحتمال الأصابة بمرض أرتعاش الأذرع، والسرطان والأورام الدماغية والصداع والأجهاد العصبي، أضافة لأمراض العيون وضعف النظر والرؤية الضبابية(عن مركز التأهيل النفسي لمشفى هودنكه ستوكهولم/ ترجمة الكاتب) .

- البدانة: للجلوس الطويل لساعات حيث الخمول والكسل الذي يؤدي إلى السمنة الذي كما هو معروف انها السبب الرئيسي لمرض السكري والنوبات القلبية المبكرة .

- الأرق: أكدت الدراسات العلمية الحديثة أن 60% من الآباء لايشرفون على أستخدام أطفالهم للأجهزة الحديثة، وأن 75% منهم يسمحون بأستخدامها في غرف النوم وبدون رقابة مما يؤدي إلى حرمانهم من النوم وأصابتهم بالأرق وهذا يؤثر على أداءهم الذهني .

-  أن الأضطرابات النفسية والأمراض العقلية بين الأطفال في تزايد مستمر بسبب ظهور التقنيات الحديثة من الأجهزة الأكترونية ومن بينها ( الآيباد ) الأصابة بالأمراض العقلية الأستخدام المفرط لهذه الأجهزة قد يصاب الطفل بالأكتئاب والقلق والتوحد ونقص الأنتباه .

- الميل للعنف: أن ما يشاهده الطفل في أجهزة الآيباد من ألعاب أفتراضية أحيانا لا يدرك أنها تفتقد الواقعية في مشاهد القتل والتعذيب والتشويه والأغتصاب، فيميل إلى التقمص فيمارسها على أخوته أولا ثم يصدرها إلى الخارج مع زملائه في المدرسة  ليحصل على عضوية نخبة البلطجة (عصابة التنمر المدرسي) أن هذه المعطيات والتداعيات النفسية الكارثية على الطفل البريء يبدوأنه ونحن الآباء في أمتحان عسير لحلحلة المشكلة والأتجاه إلى بعض من المعالجة والحل :بالبدأ لدي همسة في أذن الوالدين : أني لا أقصد منع الأطفال من تداول هذه الأجهزة لأن في زماننا يعدُ ضربا من الخيال وأن المنع المطلق غير ممكن لكون مجمل هذه التقنية مفيدة ومن أفضل وسائل التعليم أذا أن لا يكون المنع بطريقة بوليسية قهرية قمعية لكون كل ممنوع مرغوب، يبدو أن المشكلة شاخصة وعامة لدى أغلب الأسر في أنتزاع الجهاز منهم أنتزاعا بعد ملحمة درامية، يفضل أن يحولوا أنتباههم إلى البديل كالأتجاه إلى الرياضة وخاصة إلى اللعبة المحبوبة لديهم كرة القدم أو للعبة الشطرنج، أو محاولة الأتجاه ألى الحل الوسط بأستعمال الآيباد من حيث عدد ساعات الأستخدام، زرع الوازع الأنساني داخل الطفل، المراقبة عن بعد، عدم حفظ البيانات الشخصيى داخل هذه الأجهزة على العموم ومنها الآيباد، ولابد من التركيز على توفير الثقة والقدرة على (توظيف) الأثر الأيجابي في الحياة والأستمتاع بما تحققهُ بعيدا،عن الأضرار والأوجاع والمشاكل والعراقيل التي هي من أفرازات الوجه الثاني لعملة التقنية الرقمية، ترى هل نراهن على أيجابياتها ؟ أم نترك السلبيات تقضم طموحات الأجيال القادمة، فالوجهان مفروضان علينا فلا بد أن نكون في الأتجاه الصحيح في أستثمارفوائدها والتقليل من أثر الجانب المعاكس، وأن لا ننسى دور الدولة وحرصها على حضور الأجتماعات الدولية لدراسة سبل حماية الشباب من مخاطر الجريمة الألكترونية وفي اعداد مكتبة للتوعية الألكترونية، وكذلك يجب أقحام السلطة الرابعة (الأعلام) في خضم هذه المعركة المصيرية وأبراز التوعية من أجل ثقافة ألكترونية جادة ووطنية

 

 عبد الجبار نوري

 

بكر السباتينشركة هواوي تخرج من عنق الزجاجة بعد أن هددت الصين بحظر تصدير أهم المعادن النفيسة النادرة إلى أمريكا، وهي معادن تدخل في تصنيع تكنلوجيا الذكاء الاصطناعي منها الهواتف الذكية والمتواجدة فقط في مناجمها، الأمر الذي سيشكل ضربة قوية لمنتجات وادي السليكون في أمريكا.. ناهيك عن سياسة عض الأصابع والرد بالمثل بين طرفي الصراع، فيما يتعلق بالقطاع الزراعي.

إنه تصعيد للنزاع بين أكبر اقتصاديْن في العالم.. بدأ بقرار الصين اليوم بوقف عمليات استيراد فول الصويا من أمريكا وتجميد الصفقات المبرمة بينهما.. والمعروف أن الصين يعتبر أكبر مستورد لهذه السلعة الغذاية من الأسواق الأمريكية؛ مما سيكبّد الاقتصاد الأمريكي خسائر طائلة.

وفي سياق متصل لمحت وسائل إعلام صينية رسمية إلى أن بكين قد تقيّد مبيعات المعادن الأرضية النادرة للولايات المتحدة مما أثار مخاوف بشأن دورها كمورد وحيد لهذه المعادن النفيسة. وتظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الصين لوحدها تحوي ثُلث احتياطات العالم فقط من المعادن النادرة وإن أمريكا تستورد 80% من تلك المعادن النفيسة من الصين وحدها، وهي مجموعة من سبعة عشر معدنا تُستخدم في الإلكترونيات الاستهلاكية ذات التكنولوجيا الفائقة والعتاد العسكري.

فعلى سبيل المثال يستخدم معدن النيوديميوم غالبا لإنتاج الأشعة تحت الحمراء التي تعمل بالليزر للدفاع الوطني، كما تستخدم معادن أخرى نادرة لإنتاج أجهزة استشعار للأنظمة الصاروخية.

وتدخل المعادن النادرة أيضاً في صنع عدسات التلسكوب ومحركات الطائرات وتستخدم كعوامل مساعدة في أنظمة العادم التلقائي للمساعدة في تقليل الانبعاثات.

والعناصر النادرة مطلوبة أيضاً لصنع البطاريات القابلة لإعادة الشحن والمستخدمة عادة في السيارات الكهربائية، كما تستخدم في صناعة أجهزة التلفزيون.

بالإضافة إلى استخدامها في مجال الدفاع الوطني والسلع الاستهلاكية. وفي مجال الرعاية الصحية، بما في ذلك الوسائل الخاصة بالإمدادات الجراحية وأجهزة ضبط نبضات القلب والأدوية الخاصة بعلاج السرطان والتهاب المفاصل.

أما في قطاع التكنلوجيا الذكية فتعتبر العناصر النادرة النفيسة من أهم المدخلات في صناعة الأجهزة الذكية.. فقد ساعدت في جعل الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية أخف وأصغر وأكثر كفاءة. فعلى سبيل المثال تعتمد شركة "آبل" العملاقة في مجال التكنولوجيا على "تراب نادر نفيس" للأجزاء المكونة لبعض الصناعات الحساسة بما في ذلك الكاميرات ومكبرات الصوت، وتعتبر الشركة أنه من الصعب استرداد العناصر في عملية إعادة التدوير لأنها تظهر بكميات صغيرة في المنتجات الأصلية.

من هنا تكمن خطورة حظر هذه المواد على الشركات الأمريكية بسبب هيمنة الصين على قطاع معالجة تلك المعادن الذي تتفوق فيه على أمريكا التي ما زلت مساعيها في هذا الشأن مبكرة كونها تفتقر لموقف داعم موحد من الكونغرس وإدارة الرئيس دونالد ترامب الذي أشعل الحرب التجارية مع الصين لجلبها إلى طاولة المفاوضات المشروطة دون جدوى، والجهود الأمريكية المبذولة في تجهيز بنية صناعية لمعالجة العناصر النادرة النفيسة ستأتي أكلها في العام ٢٠٢٠ حسب تقديرات الخبراء.

صحيح أن الولايات المتحدة استثنت واردات المعادن النادرة الصينية من زيادات الرسوم الجمركية التي فرضتها على بكين في الآونة الأخيرة؛ لكن بكين دون أن تأبه بالخصم الأمريكي فقد رفعت الرسوم الجمركية المفروضة على واردات المعادن النادرة الخام المستوردة من الولايات المتحدة بنسبة تتراوح ما بين 10% إلى 25% مما يقلص الجدوى الاقتصادية لمعالجة تلك المعادن في الصين ويحمي المنتج الصيني من خطر ما يتم استيراده من السوق الأمريكي المنافس.

ولن يتوقف التصعيد بين الباندا الصيني والعم سام الأمريكي عند هذا الحد، ففي سياق متصل أعلنت الصين بأنها سترد على أمريكا بالمثل وستعلن عن قائمة سوداء لبعض الشركات الأمريكية. وبحسب صحيفة جولدن ستار فإن الصين ستدرج على رأس القائمة شركة "ألفا بت" وهي المالكة للمجموعة التي تضم شركة "جوجل" بالإضافة لشركة "آرم" البريطانية وشركة "كولكوم" و"أنتيل". ومن غير المستبعد أن تقدم الصين على حظر التعامل مع شركة "أبل" التي انخفض مؤشر أسهمها في البورصة بعد قرار الحظر الأمريكي بنسبة ٤٪. وتنتج شركة "أبل" الهاتف الذكي "آيفون" و"اللابتوب" والآباد" حيث تستهلك الصين لوحدها ٢٦٪ من المنتجات التي تحمل علامة "أبل" التجارية.

وبالعودة إلى شركة هواوي الصينية التي تم حظر التعامل معها أمريكياُ، فقد ساعدت التهديدات الصينية الأخيرة على إنجاح المفاوضات السرية التي توصلت إلى تفاهمات بين هواوي وجوجل حيت قررت الأخيرة يوم الجمعة الماضي بإعادة خدماتها للجيل الخامس من هواتف هواوي الذكية وتزويدها بالأندرويد المحدث..

من جهة أخرى قررت كل من جمعية sd association وجمعية wi-fiوهيئة bluetooth العالمية إعادة انضمام هواوي إليها والسماح لها بالنفاذ إلى بطاقاتها والاستفادة من خدماتها.

وكان الرئيس التنفيذي لشركة هواوي ومؤسسها المهندس "رن تشانغ فاي" قد أكد على أن خيارات شركة هواوي متعددة وسوف تتجاوز المحنة بالسرعة القصوى. أي أن الشركة سوف تخرج أخيراً من عنق الزجاجة. وشركة هواوي تتخذ من مدينة شنجن مقرًا لها، وهي أكبر شركة مصنّعة لمعدات الاتصالات في العالم وثاني أكبر منتج للهواتف الذكية هواوي. حيث قدرت ثروة مؤسسها "رن تشانغ فاي" في شهر فبراير هذا العام ب 1.7 مليار دولار أمريكي.. ومن فرط ثقته بالشركة علق "رن تشانغ فاي" على قرار الحظر الأمريكي لهواوي ساخراً: بأن قرار المنع الأمريكي قدم لهواوي خدمة دعائية مجانية حتى باتت حديث كل بيت في العالم.

هكذا يكون الرد من دولة تمتلك إرادتها ولديها خيارات للرد المناسب. إنه الباندا الصيني الذي أحرج الموقف الأمريكي المتسرع في حربه التجارية على العملاق الصيني الذي كشر أحيراً عن أنيابه الحادة دفاعاً عن النفس في سوق تجارية لا تعرف المبادئ ولا ترحم.

  

بقلم بكر السباتين

 

امجد الدهاماتكتبت في مقدمة مقالي المعنون (نشيدنا الوطني بثلاث لغات؟!.. يا للهول!) ما يلي:

"يتصرف أغلبنا، نحن العراقيين، وكأننا نعيش بمعزل عن العالم، لا نقبل أو نتقبّل أشياء كثيرة مارستها البلدان والشعوب الأخرى بشكل عادي جداً منذ زمن طويل، ولكننا نرفضها ونتحسس منها ونعتبرها شيء غير طبيعي، بل ونستغرب منها كثيراً".

ما دفعني لذكر هذه المقدمة مرة أخرى هو ما ورد في المواد (17، 68، 77) من الدستور العراقي والتي تشترط برئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء ان يكونا عراقيين بالولادة ومن ابوين عراقيين وتمنع ازدواج الجنسية لكبار مسؤولي الدولة، بمعنى انه لا يحق لمكتسب الجنسية العراقية أو الذي يحمل جنسيتين ان يتولى المناصب العليا في البلد.

بالحقيقة ان الكثير من دول العالم قد غادرت هذه الجزئية وتقبلتّها منذ زمن طويل، وسمحت لمزدوجي الجنسية وللمهاجرين اليها المكتسبين لجنسيتها، حتى ان كانوا مولودين خارج اقليمها الجغرافي، بالمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية وغيرها، لأنها اعتبرتهم مواطنين من الدرجة الأولى لهم نفس حقوق وواجبات مواطنيها الأصليين، انطلاقاً من نظرة إنسانية بحتة تقوم على المساواة التامة بين البشر بغض النظر عن دينهم أو قوميتهم أو جنسهم أو أثنيتهم، ولهذا لم تعد الشعوب تتحس من كون كبار المسؤولين فيها من المهاجرين المتجنسين، لكننا في العراق لا نزال نتحسس من هذا الموضوع كثيراً، ولا نتقبّل ان يكون كبار المسؤولين من المتجنسين أو مزدوجي الجنسية، ربما بسبب وجود أخطاء وفساد أو بتأثير الأفكار القومية التي عشنا تحت ظلالها فترات طويلة.

ولو اطلعنا على تجارب العالم لوجدنا ان هناك شعوباً عديدة تجاوزت هذا الامر وتقبلتّه، وأبرز مثال هو ما حدث في أمريكا اللاتينية التي حكم دولها الكثير من المهاجرين وخاصة من العرب، فهناك (11) رئيس جمهورية من أصل عربي، أهمهم:

ثلاثة من أصل لبناني تولوا رئاسة الاكوادور هم خوليو ثيودور سالم (1944)، عبد الله بو كرم عام (1996)، جميل معوض (1998)، اما جمهورية الدومنيكان فقد تولى رئاستها جاكوبو آزار وهو من أصل لبناني عام (1982)، وسلفادور جورجي بلانكو من أصل سوري عام (1982)، كما تولى جوليو سيزار طربيه وهو من أصل لبناني منصب رئيس كولومبيا عام (1978)، كارلوس منعم من أصل سوري رئيس الأرجنتين (1989)، كارلوس فلوريس من أصل فلسطيني رئيس هندوراس (1998)، أنطونيو سقا من أصل فلسطيني رئيس السلفادور (2004)، ميشال تامر من أصل لبناني رئيس البرازيل (2016)، ماريو عبده من أصل لبناني رئيس باراغواي (2018)، نجيب أبو كيلة من أصل فلسطيني رئيس السلفادور (2019)، و(Alberto Fujimori) من أصل ياباني رئيس بيرو (1990).

كما تولى المهاجرون مناصب آخرى كثيرة، سأذكر أمثلة قليلة منها حتى لا أطيل:

مهاجرون عراقيون تولوا مناصب رفيعة، مثل: وديع دده عضو الكونغرس الأمريكي، آرا درزي وزير الصحة البريطانية، ناظم الزهاوي عضو البرلمان البريطاني ووزير شؤون الأطفال والأسر في بريطانيا، جبار كريم عضو البرلمان السويدي، عمر الراوي عضو برلمان مدينة فينا النمساوية.

وهناك مهاجرون من دول مختلفة، مثل: طارق العيسمي من اصل سوري نائب رئيس فنزويلا، نجوى جويلي من أصول مصرية عضو البرلمان الاسباني، (Aida Hadzic) مولودة في البوسنة وزيرة التعليم في السويد، (Aydan Özoğuz) من أصول تركية عضو البرلمان ووزيرة الهجرة والسكان في ألمانيا، وزير داخلية بريطانيا (ساجد جاويد) وعمدة لندن (صادق خان) هما من أصول باكستانية، (Maryam Monsef) المولودة في أفغانستان وزيرة التنمية الدولية في كندا، (Harjit Sajjan) المولود في الهند وزير الدفاع الكندي، رشيدة طليب من اصل فلسطيني عضو الكونغرس الأمريكي، (Madeleine Albright) مولودة في تشيكوسلوفاكيا وزيرة خارجية اميركا، دينا حبيب مولودة في مصر نائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي، نجاة بلقاسم المولودة في المغرب وزيرة حقوق المرأة الفرنسية، خديجة عريب المولودة في المغرب رئيسة مجلس النواب الهولندي، إلهان عمر من أصول صومالية عضو الكونغرس الأمريكي، وأحمد حسين المولود في الصومال وزير الهجرة الكندي، (Sinan Selen) المولود في تركيا نائب رئيس جهاز الاستخبارات الألماني.

اما مزدوجو الجنسية فقد تعاملت الكثير من دول العالم معهم بشكل طبيعي ايضاً، ولم تقف الجنسية المكتسبة عائقاً امامهم في تولي المناصب العليا في بلدانهم، وتوجد الكثير من الأمثلة، منها:

Manuel Valls)) رئيس وزراء فرنسا (2014) يحمل الجنسيتين الفرنسية والاسبانية بل انه اعلن انه سيرشح نفسه لرئاسة بلدية مدينة برشلونه الاسبانية، (Boris Johnson) وزير خارجية بريطانيا (2016) مولود في أميركيا يحمل الجنسيتين البريطانية والأمريكية، (طارق الوزير) نائب رئيس وزراء ووزير الاقتصاد في ولاية هيسن الألمانية (2014) يحمل الجنسيتين الألمانية واليمنية، (Nebahat Albayrak) عضوة البرلمان الهولندي ووزيرة العدل (2007) تحمل الجنسيتين الهولندية والتركية، (Anne Hidalgo) عمدة باريس (2014) تحمل الجنسيتين الفرنسية والاسبانية، أحمد أبوطالب مولود في المغرب وزير الدولة للشؤون الاجتماعية والعمل في هولندا (2007) يحمل الجنسيتين الهولندية والمغربية، الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحمل الجنسيتين الفلسطينية والأردنية، رئيس وزراء لبنان سعد الحريري يحمل الجنسيات اللبنانية والسعودية والفرنسية.

طبعاً لم يقتصر الأمر على الجانب السياسي فقط بل بالجانب الاقتصادي أيضاً، وأبرز الأمثلة:

(Mark Carne) الذي يحمل الجنسيات البريطانية والكندية والأيرلندية تولى منصب محافظ البنك المركزي الكندي ثم محافظ البنك المركزي البريطاني، اما نائبته (نعمت شفيق) فتحمل الجنسيات المصرية والبريطانية والأمريكية، وكارلوس غصن لبناني يحمل الجنسيات البرازيلية والفرنسية وهو أول شخص يصبح رئيس لشركات نيسان اليابانية ورينو الفرنسية وميتسوبيشي اليابانية وأوتوفاز الروسية في وقت واحد.

ما اريد قوله بالنهاية ان هذا الموضوع صار طبيعياً في الكثير من دول العالم، فمتى نتخلص من تلك العقدة ونتعامل معها بشكل عادي؟

 

أمجد الدهامات - العراق

 

بدأت غيوم الحرب التي خيّمت بظلالها على المنطقة طوال الأسابيع القليلة الماضية بالإنقشاع بعد أن أمطرت ما لا يقل عن 8 مليار دولار على الولايات المتحدة الأمريكية التي أقر رئيسها صفقات أسلحة الى كل من السعودية ودولة الإمارات في آخر غزوة من غزوات ترامب لثروات هاتين البلدين اللذين أصبح الرئيس الأمريكي خبيرا في الإستحواذ عليها وبأسهل من شربة ماء!

فأجواء الحرب والتصعيد والتهديد والوعيد سرعان ما تبدّدت مذ أكد الرئيس الأميركي  في ختام زيارة لطوكيو الأسبوع الماضي أن واشنطن لا تسعى إلى تغيير النظام في طهران معتبرا أن ايران لديها إمكانيات إقتصادية كبيرة، وأن كل ما يريده  هو تعهد ايران بعدم إنتاج أسلحة نووية، فاتحا الباب أمام اليابان للقيام بوساطة بين البلدين.

تصريحات سرعان ما ردّ عليها الرئيس الإيراني حسن روحاني معلنا  استعداد بلاده لمحادثات، إذا "أظهرت الولايات المتحدة الاحترام واتبعت المعايير الدولية"، مؤكدا على أن "طهران لن تدخل في مفاوضات تحت الضغط“. ولم تكد تمضي سوى بضع ساعات على هذا الإعلان الإيراني إلا وسارع وزير الخارجية الأمريكية جورج بومبيو الى الرد بالإيجاب معلنا استعداد بلاده للحديث مع إيران دون شروط مسبقة.

وبعد رسائل الغزل هذه  كشفت  صحيفة "ماينيشي شيمبون" اليابانية الأحد أن رئيس الوزراء شينزو آبي الذي تحتفظ بلاده بعلاقات وثيقة مع طهران، سيجري زيارة الى ايران  يلتقي خلالها  بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي في أحدث مسعى للتوسط بين طهران وواشنطن. وكان آبي تلقى الضوء الأخضر من ترامب خلاله  اجتماعه به في طوكيو  لفتح حوار بين طهران وواشنطن، بعد ان رحّب ترامب بالمقترح.

ومن اللافت هنا تركيز الصحيفة اليابانية على أهمية لقاء آبي بالمرشد الإيراني وليس بحسن روحاني، ويرجع هذا التركيز الى ان المرشد أعلن ألا تفاوض مع واشنطن، كما وأنه أعرب عن تذمره من المفاوضات السابقة التي اجرتها بلاده مع مجموعة 5+1  قبل عدة سنوات وأنتهت بالتوصل الى الإتفاق النووي كاشفا عن عدم رضاه عما حصل حينها. ولذا فإن لقاء آبي بالمرشد يهدف الى نيل مباركته لبدء مفاوضات بين الطرفين بوساطة يابانية.

وهناك امر آخر يتعلق بالوساطة اليابانية وهو رمزيّة اليابان! فإن إختيار ترامب لطوكيو  كوسيط يأتي من باب التذكير بالرد الأمريكي على إستهداف اليابان لميناء بيل هاربر الأمريكي اواسط القرن الماضي والذي ردّت عليه أمريكا بالقاء قنبلتين ذريتين على اليابان، ولعل في ذلك تذكير بالقوة الأمريكية في حال مهاجمة ايران للقوات الأمريكية في المنطقة، مع أن ايران ليست بصدد الشروع بالحرب ولكنها تحتفظ بحقها في الرد حال الإعتداء عليها، لكن هذه الإدارة الأمريكية المتشددة التي يقودها الصقور لن تتورع عن استخدام كافة أنواع الأسلحة لحسم الحرب لصالحها فيما لو اندلعت شرارتها.

وعند العودة الى أصل الموضوع وهو المفاوضات فإن الطريق تبدو شائكة إذ ليس من المؤكد في حال إنطلاقها أن يلتزم ترامب بما أعلنه في طوكيو بأنه لا يريد من ايران سوى تعهد بعدم تصنيع أسلحة نووية! فإن مثل هذا التعهّد يمكن  ان تقدمه إيران عبر إتفاق وكما فعلت في الإتفاق النووي أو من خلال إعادة المرشد الإيراني لفتواه الصريحة بحرمة إنتاج تلك الأسلحة. ولذا فإنه من المتوقع أن تطرح الأدارة الأمريكية على طاولة المفاوضات كافة المواضيع التي طرحها وزير الخارجية الأمريكية ضمن شروطه الإثني عشر التي وضعها لتطبيع العلاقات مع طهران.

وتنقسم تلك الشروط الى مجموعتين تتمحور الأولى حول تقليص قدرات إيران العسكرية والثانية حول تقليص نفوذها في الشرق الأوسط. ولا شك أن مثل هذه المواضيع قابلة للتفاوض بهدف الوصول الى صيغة مقبولة من كل الأطراف، ولكن من المؤكد أن هذه الصيغة ستكون أشد صعوبة على إيران من صيغة الإتفاق النووي الذي وقعته مع إدارة اوباما وتنصّل منه ترامب. ولعل أهم موضوع على الجانب العسكري هو الصواريخ البالستية الإيرانية لإن البرنامج النووي الإيراني تحت السيطرة بحسب الإتفاق النووي.

إن ملف الصواريخ الشائك سيشكل عقبة امام نجاح أي مفاوضات، لأن ايران تعلم ومن خلال خبرتها الطويلة في التعامل مع الولايات المتحدة طول العقود الماضية ان أي تنازل منها على هذا الصعيد من قبيل وقف التجارب الصاروخية أو التخلص من ترسانتها من الصواريخ بعيدة المدى، فإنه سوف يثير شهية الأمريكان للحصول على المزيد من التنازلات وبما يؤدي الى إضعاف قدرات ايران العسكرية واستسلامها وهو ما لا ترضاه طهران .

واما على صعيد المجموعة الثانية والمتعلقة بتقليص نفوذ إيران في المنطقة، فهي قابلة للتفاوض لأن بعضها ليس من صلاحيات ايران ومنها نزع أسلحة الحشد الشعبي وهو مؤسسة عراقية، واما بالنسبة للإنسحاب من سوريا فهو قابل للتفاوض خاصة بعد أن تجاوزت سوريا مرحلة الخطر، وفيما يتعلق بحزب الله فلقد دخل المعترك السياسي في لبنان وهو ممثل في الحكومة اللبنانية التي يتعامل معها المجتمع الدولي وبضمنه الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي الواقع ان هذه المجموعة من الشروط تهدف بالمقام الأول الى تعزيز أمن اسرائيل، وهو ما تسعى إدارة ترامب الى تحقيقه بشكل دائم عبر خطتها المعروفة بصفقة القرن لحل النزاع العربي الإسرائيلي. يتوقف نجاح هذه الخطة على عدم عرقلة ايران وحلفاؤها لها في المنطقة وخاصة بعد أن ضمن ترامب تأييد معظم الدول العربية لخطته او على القل عدم معارضتها. ولذا فإن ملف صفقة القرن هو أكثر الملفات الشائكة في أي مفاوضات، ولا يعتقد بان ايران بصدد التخلي عن مبادءها التي قامت عليها الجمهورية على هذا الصعيد.

وبعيدا عن لغة التشاؤم أو التفاؤل المفرط فإن الأرضية غير مهيئة لنجاح أي مفاوضات بين الخصمين اللدودين إيران وأمريكا، ولكن مثل هذه المفاوضات فيما لو بدأت فإنها ستبعد شبح الحرب عن المنطقة وحتى حين، ولكن ايران ستظل تحت وطأة الحصار الذي يستخدمه ترامب كورقة رابحة في أي مفاوضات، واما ترامب فإن الوقت هو الآخر ليس في صالحه مع قرب بدء المعركة الرئاسية التي يتطلع ترامب لحسمها في دورة رئاسية ثانية، وسيقع في مرمى الديمقراطيين ومنافسيه من الجمهوريين، الذين سيتخدمون تطورات النزاع مع ايران ضده بهدف هزيمته.

ويراهن ترامب اليوم على ورقة صفقة القرن للإحتفاظ بمنصبه معولا على دعم اللوبي اليهودي الأمريكي له ”آيباك“، وهو يعرف بان هذه الصفقة لن يمكن تمريرها بلا ضمان عدم عرقلة إيران لها، ولذا فسيلقي ترامب بكامل ثقله في المفاوضات فيما لو انطلقت لضمان تمرير صفقة القرن مقابل رفع الحصار عن ايران وبدء صفحة جديدة من العلاقات معها.

وأما ايران فستتمسك بالمبادئ التي قامت عليها الجمهورية وستتحمل وطأة الحصار بإنتظار حصول تغيرات في أمريكا، وبغير ذلك فإن ساحة البيت الأبيض وقبيل إحتدام السباق الرئاسي، ستكون مستباحة لصقور الإدارة الأمريكية وأولهم مستشار الأمن القومي جون بولتون المتعطش للحرب!

 

ساهر عريبي

 

 

ضياء محسن الاسديان كل أمم العالم عاشت في فترة من الجهل والظلام من تأريخها استطاعت بعدها تسلق سلم المجد والعلو في الثقافة والحضارة على فترات من الزمن وحجزت لها مقعد متقدم بين الأمم الأخرى وأصبحت مصدر أشعاع لباقي الأمم . إلا أمة وحيدة كانت تتربع على قمة الشموخ والمجد والحضارة امتازت بولادة رجالا من رحمها ساهموا في سطوع نجمها بين أقرانها وهي الأمة العربية والتي ذكرها القران الكريم بأنها خير أمة أخرجت للناس أختارها الله تعالى من بين الأمم أن تكون خاتمة الرسالات السماوية ومن أظهرها خاتم الرسل وهو سيدنا محمد بن عبد الله أفضل الصلوات عليه وعلى آله وصحبه تتفيأ بظلال أشجارها المورقة على الجميع ونبراسا يقتدى ويهتدى بها لما تميزت من حضارة وتراث ثري وألق إلا أنها ضيعت كل هذا وأعادت عقارب ساعتها إلى الوراء وخاضت غمار التخلف والجهل بعدما زورت تأريخها وأدبها ودينها وشوهت ماضيها الأصيل الجميل وتراثها الغض. أمة أصبح ماضيها أفضل من حاضرها وخطر على مستقبلها حين ركضت ولهثت وراء الأمم الأخرى على حساب مواطنيها وشخصيتها وتراثها وتحجيم طاقاتها البشرية والاقتصادية بقيادة أناس لم يعرفوا السياسة على حقيقتها وخدمة لمصالح شعوبها فقادوا البلاد العربية إلى التخلف والجهالة وربط مصالحها مع الغرب وفسح المجال للهيمنة الغربية على كل شيء حين سمحت للدول الأخرى التدخل في شؤونها الداخلية والخارجية وعلى مقدراتها الاقتصادية والفكرية ومجتمعاتها وتعطيل كل الجهود العلمية والبشرية في بناء اقتصادها ومؤسساتها الحكومية وجعلت نفسها ذيولا تلهث وراء مصالح سياسيها على حساب مصالح شعوبهم وتركهم تحت خط الفقر ليكونوا دائما تحت وصاية أولياء أمورهم الغربيون وهؤلاء الولاة والحكام زوروا تأريخ هذه الأمة الخيّرة التي رحمها الله تعالى بالإسلام العظيم ونبيه الكريم الذي قادها نحو السمو والرفعة والسيطرة على نصف الكرة الأرضية . لكن تكالب الأمم الأخرى عليها وتجريدها من حضارتها من خلال دس كل ما هو مشوه وبعيد عن الإنسانية والحضارة عن تأريخها وأرثها الحضاري الإسلامي حيث أصبحت تفتقر إلى أبسط مقومات الحضارة والرفاهية من الناحية الاقتصادية والعمرانية والتقدم وزجها في حروب وصراعات داخلية وخارجية وتدمير لاقتصادها وشعوبها وعقول أبنائها بما يسمى الحضارة العصرية الجديدة والتكنولوجيا المدنفة بالسم القاتل للشخصية والأسرة العربية كل ذلك ساهم في إيجاد بيئة مُتَقَبِلة لكل شيء من الخارج وهناك من يدفع بهذا الاتجاه الخطير المعد مسبقا ضمن مشاريع ومخططات مرسومة بدقة وترتيب لهذا بدت الأمة العربية مهزوزة من داخل شخصيتها وأصبحت أذيل الأمم في ترتيب العالم باقتصادها وحضارتها وسياستها وهذا ليس تحاملا عليها لكن الواقع يشير إلى ذلك وعدم وجود بصيص أمل منير لنهاية النفق المظلم الذي تسير فيه هذه الأمة المرحومة الميتة سريريا وغياب الرؤيا الواضحة لحل مشكلاتها ومحاولات جادة لانتشالها من تخلفها وهيمنة العالم عليها وعلى مقدرات شعوبها.

 

ضياء محسن الاسدي

 

واثق الجابريعشرات الأمثلة لقواميس الكلمات وقوانينها، لكنها كالعادة وضعت في غير محلها، فأدت الى إنتاج عقدة في الحاضر مرتبطة بالماضي، ولن تتقدم الى الأمام، وستؤدي بالضرر على المواطن والمصلحة العامة وبنية المؤسسة التي صارت تراوح في مكانها، بل حتى العالم بدأ ينظر لكثير منا لعدم إمتلاكنا رؤية إستراتيجية تستشرف المستقبل بخطط إستراتيجية.

جل ما يشغل القوى السياسية، وما يكتب عنه الكتاب، ويتحدث عنه المحللون ويتوقع نتائجه المجتمع بخوف كمحصلة لسابق الحديث، هو خلاف وإفتعال أزمات ونهاية كل أزمة ..أزمة أشد

يعتقد بعضهم أن الحل بهذه الطريقة هو حسنة ومنجز، ولا يفكر كم أستنزفنا وإستهلكنا من الكلام، وكم تولدت من الكراهية والعقد والشكوك، وعدم وضوح ملامح العمل السياسي، وحتى التفكير المجتمعي إبتعد عن التفسير المنطقي، لوجود من ينطلق بفكر مخالف ثم يعود بمخالفة ما كان يدعو له.

إستخدم معظم الساسة والكتاب والمحللون، مقدمات متشابهة في معظمها لا تدل على طموح مستقبلي، وصار من الواضح على أنها محاولات مستهلكة، وأن العراق ما بعد 2003 تأسس على أنقاض نظام دكتاتوري، والمسؤول الفلاني لا يستطيع العمل بشكل جيد، لوجود تراكمات تركها سابقه، وأن العملية السياسية بل حتى الواقع المجتمعي والإقتصادي والصحي والتربوي وكل ما يخص الحياة العامة، لا يمكن إصلاحه أبداً، وعلينا قبول الحاضر بكل عيوبه.

هكذا إقتصر الحديث بتدوير الماضي، والإستغراق بالحديث عنه، فمرة نتحدث عن أن العراق صاحب حضارة عميقة وكبيرة لا يناسبها الواقع، وآخرى يطول الحديث عن عقد الحاضر وفقدان الحلول، ولم نأخذ الأخطاء كنقطة إنطلاق الى مستقبل يبحث عن حلول، وعقدة الماضي لا تغادرنا في كل خطبنا وكأننا لا نفكر بالمستقبل، أو لا نبحث عن حاضر يلعن الماضي بحسن الأفعال، دون الحاجة إلى مقدمات نلعن بها الماضي.

الكلمات هي ذات الكلمات، سلاح ذو حدين، وصحيح أن الماضي مرتبط بالحاضر، وهذا بالمستقبل، ومن لا يعرف الماضي لا يعيش الحاضر ولا يفكر بمستقبل، لكن الإستغراق بالماضي واليأس من الحاضر، لا يجعل للمستقبل صورة في الأذهان، وهذا ما يعطي إنطباع عام على أن لا خروج من تراكمات الماضي، ولا تحسين لحاضر نحصد نتائجه في المستقبل.

الإتكاء على تراكمات الماضي، وإعادة المقدمات المستهلكة، لن تزرع أملا في الحاضر، ولا إشراقا في المستقبل، وإن كان بعض الساسة لا يملكون سوى التذرع بالماضي، فواجب الكتاب والمحللين والساسة الوطنيين؛ مغادرة الماضي والتحليق نحو المستقبل، والحديث الطويل عن الماضي كلام في غير محله.

الماضي مؤلم، والحاضر فيه عثرات، لكن للمستقبل سبل لا يمكن الوصول لها باليأس والإحباط والتنصل من المسؤولية.

 

واثق الجابري

 

أغرب ما في كارثة الإدمان الدوائي والكحولي عراقيا هي تلك الحرب الضروس القائمة على قدم وساق بين تجار الخمور- من جماعة ابي نؤاس - من جهة وبين تجار المخدرات وعلى رأسها الكرستال والكبتاغون الشهير بحبة “صفر – واحد " الذي اكتشفه اليابانيون وطوره هتلر كمنشط لجنوده في الحرب العالمية الثانية من جهة أخرى، الطرفان كلاهما يرتبطان بجهات نافذة لتحقيق أعلى قدر من اﻷرباح المليارية على حساب الضرورات الخمس التي أوجب الدين الحنبف حفظها من كل عابث " حفظ العقل، النفس، الدين، المال، العرض " ولعل تدمير الضرورات الخمس وما يتربتب عليها من آثام لاتحصى مبتغاهما إضافة الى الارباح الفلكية، ويحاول كل منهما قدر المستطاع كبح جماح اﻵخر وتحجيم تجارته بوسائل شتى بضمنها محاولة استصدار قوانين للحد منها والتضييق عليها، فكانت الطامة الكبرى هي ولادة فريقين " فريق ابو نؤاسي "يتغنى بالخمر ويدافع عنها وينكر تحريمها ويشكك فيه ويقلل من شأن أضرارها التي حذرت منظمة الصحة العالمية بجلالة قدرها منها، وفريق " كبتاغوني، ترياقي، كرستالي، ثنري، اسيتوني، امفيتاميني، حشيشي، هيروييني، كوكاييني، ماريجواني "يحاول منع الخمور واغلاق الخمارات، بعضهم ليس ورعا بقدر الترويج للمخدرات بشتى الطرق والوسائل كما اشار الى ذلك النائب فائق الشيخ علي بمؤتمر صحفي وعلى الهواء مباشرة، وكلا الفريقين يرقص ويغني على جراحات عوائلنا وبقايا عقول شبابنا ممن اهلكتهم الخمور والمخدرات ومزقتهما أي ممزق : " هل رأى الحب سكارى مثلنا ؟ !" .

وأضيف وبالتزامن مع هلاك أخطر تاجر مخدرات في العالم " فرانك لوكاس" الذي تحولت سيرته الاجرامية الى فيلم سينمائي من بطولة دينزل واشنطن، وكيف انه كان يهرب الهيرويين الخام بتوابيت قتلى القوات الاميركية في فيتنام، انه لم يعد مهما أن يكون مصدر المخدرات الارجنتين وكارتلات أميركا الجنوبية كما أشار الى ذلك رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في مؤتمره الصحفي الاسبوعي، أو أن يكون مصدرها وبنسبة 70 % ايران كما اعلن ذلك في وقت سابق قائد شرطة البصرة، أو أن يكون مصدرها مزارع الخشخاش، التي عثر عليها قريبًا من بعض القواعد العسكرية الأمريكية بعد إخلائها عام 2011 شمالي العاصمة بغداد، فيما عثر على مزارع مماثلة بين محاصيل قصب السكر والذرة جنوبي العراق،لطالما تناحرت بعض العشائر على عائداتها بين حين وآخر بمختلف انواع الاسلحة، المهم في اﻷمر والذي بات يستدعي تظافر الجهود الحثيثة كافة وعلى اعلى المستويات هو أن المخدرات اضحت اﻵفة رقم واحد التي تنخر نسيج المجتمع العراقي برمته وتزعزع أركانه وتفتك بشبابنا فتكا مريعا فاق جميع التوقعات بعد أن لم يكن لها وجود يذكر في العراق قبل 2003، واﻵخر هو تحول العراق الى معبر لهذه المخدرات شمالا الى تركيا فأوربا، وجنوبا الى دول الخليج العربي، ومعلوم أن كل دولة تصبح ممرا للمخدرات يدمن 10 % من ابنائها عليها، اضافة الى تحول العراق الى مصنع لبعض أنواعها وأبرزها الكرستال القاتل، وتحوله الى زارع ﻷنواع أخرى منها ولو بدرجة أقل كبديل عن زراعة المحاصيل الستراتيجية والتي أصبحت في خبر كان لغياب الدعم الحكومي وإرتفاع أسعار وقود المضخات والمعدات الزراعية، وأسعار المبيدات الحشرية واﻷسمدة الكيميائية والبيوت البلاستيكية المخصصة للاستزراع الشتوي، وملوحة اﻷراضي والتصحر ونقص المياه، فضلا عن التدمير المبرمج للاراضي الزراعية والبساتين عبر تجريفها لتحويل جنسها الى سكني بدلا من زراعي، وحرق البساتين والمحاصيل المتعمد وتبادل الاتهامات بشأن ذلك، وفتح اﻷبواب على مصاريعها أمام المستورد الاجنبي الذي أصاب المنتج المحلي بمقتل وانتشار الامراض والاوبئة الغريبة بين الحقول بالتزامن مع الروزنامة الزراعية المحلية لصالح المستورد اﻷجنبي المسرطن والمعامل جينيا، كلها عوامل دفعت بعض ضعاف النفوس من المزارعين الى زراعة أنواع من المخدرات المقاومة بطبيعتها لجميع الافات والظروف البيئية والتي لاتحتاج الى الرعاية والعناية والسقي كسابقاتها علاوة على الارباح الطائلة التي تحققها برغم التدمير الذي تحدثه وعلى مختلف الصعد!

قبل أيام خلت أصبنا بصدمة لم نستفق منها بعد على إثر الكشف عن زراعة - شقائق النعمان - التي تدخل في تصنيع المخدرات في الجزرات الوسطية في بغداد ﻷغراض الزينة، ما أثار ضجة لم نهدأ بعد كونها تباع في منطقة السنك أولا، وﻷن أمانة بغداد لاتعلم بذلك ثانيا، تلاها إعلان شرطة الشامية عن تمكنها من إحباط محاولة لإدخال كمية كبيرة من الحبوب المخدرة تقدر بأكثر من ( ١٥٦٩٣ حبة) وبأنواع مختلفة إلى مركز محافظة الديوانية، وقبلها صعقنا بشاب عراقي أدمن المخدرات فأصيب بمرض نفسي حاد من جراء ذلك ما دفعه الى قتل والدته في اربيل .. الكهل المصري، محمود نظمى، يقتل طفليه "محمد وريان"، نتيجة تعاطى المواد المخدرة وابرزها الحشيش والبانغو ..شاب سعودي يدعى زيد بن مطلق بن جمل العتيبي أقدم بتأثير الخمر والحبوب المخدرة على قتل والده بـ”عكاز حديدي” وضربه لمرات عدة في اماكن متفرقة من جسده ما ادى الى وفاته متأثرا بجروحه في الرياض .. عصابة تتاجر بالمخدرات وابرزها الكرستال في قضاء طوز خورماتو شمالي العراق لجأت لممارسة عملها في ترويج المخدارت بين المدمنين الى تزوير اختام وهويات وباجات مختلفة لعبور السيطرات والفرار من قبضة الاجهزة الامنية ..أب أقدم على قتل أولاده الثلاثة بسلاحه الشخصي وإصاب الرابع بجروح، بتأثير المسكرات في ناحية بني سعد في محافظة ديالى ..شاب يقتل والده البالغ من العمر 61 عاما وشقيقته البالغة من العمر 22 سنة وإحراق منزلهم بمدينة الناصرية جنوبي العراق بعد تناوله عدة حبات مخدرة بجلسة سكر وعربدة ..اب وام يقتلان طفلهما البالغ من العمر سنتين ويرميان جثته بمدينة التل بريف دمشق بعد تعاطيهما كميات كبيرة من المخدرات ..تقرير مصري يؤكد ان 79 % من جرائم القتل والسرقة بالاكراه والاغتصاب في عموم مصر سببها المخدرات على حد وصف مدير صندوق مكافحة الإدمان والتعاطى الدكتور عمرو عثمان،، فيما اشار خبراء الى أن 95 % من جرائم الاغتصاب والقتل سببها المسكرات والمخدرات، ناهيك عن الحوادث المرورية المروعة التي يذهب ضحيتها الالاف اضافة الى الامراض المستعصية السايكولوجية والفسيولوجية الناجمة عنهما وقلة الانتاج، الكسل،الخمول، البطالة، الرسوب، عقوق الوالدين، قطيعة الارحام،ترويع اﻵمنين، زد على ذلك حجم الجهود والاموال الهائلة المبذولة لملاحقة المتعاطين والمتاجرين والمروجين علاوة على علاجهم وإعادة تأهيلهم ثانية بعد رحلة إدمان مروعة لأسباب عدة لعل أصدقاء ورفقاء السوء في مقدمتها !

ولا شك أن البطالة تلعب دورًا مهمًا في هذا المجال،ما يجعل المتعاطي يهرب من واقعه الاجتماعي والاقتصادي المرير إلى الإدمان، فضلًا عن تأثير وسائل الإعلام المشبوهة في الترويج لهذه الظاهرة والضغوطات النفسية والشعور بالملل، والفراغ وعدم القدرة على مجاراة الواقع وتلبية الحاجات، وقلة الكفاءة وحب المجازفة وغياب الوازع الديني، والتفكك الأسري، فكلها عوامل تدفع باتجاه الإدمان الكحولي والدوائي وإلى تعاطي المخدرات بأنواعها وبالأخص حبوب الكبسلة ولا نغفل أصدقاء السوء والمروجين، فلهؤلاء الدور الأكبر في جر أصحابهم إلى هاوية المخدرات السحيقة.

واﻷعجب ان ﻻ مراكز - مال آوادم - لتأهيل المدمنين بما يتناسب وحجم الكارثة التي ألمت بالعراق، فيما لم تتعد القوانين حتى اﻵن غرامات مالية تقدر بـ 10 ملايين دينار والسجن لبضع سنين بأمكان اصغر تاجر مخدرات يريح الملايين شهريا دفعها - على الجزمة - كما يقول المصريون ولسانه يردد - بس هاي ؟ يدلل الحلو !" .

وللخمارين حسبي ان اذكر بالحديث النبوي الشريف " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" . وبإحصائية الصحة العالمية بأن " أنّ استهلاك الكحول ينطوي على مخاطر صحية ويخلّف آثاراً اجتماعية لها علاقة بقدرته على الإسكار وإحداث التسمّم والإدمان ..ويقتل على نحو ضار 2.5 مليون شخص، 320000 منهم شباب تتراوح أعمارهم بين 15 - 29 سنة. وهو عامل الخطر الرئيس الثالث المسبب للوفاة حول العالم ".

 

احمد الحاج

 

 

معمر حبارتصفحت صفحة مقران آيت العربي وقرأت نظرته لأحداث الجزائر عبر ماأطلق عليه إسم "من أجل حلول سلمية للخروج من المأزق الدستوري" فكانت هذه الملاحظات:

1- قبل أن أبدأ في العرض والنقد أطلب من القارىء الكريم أن يقف عند المعلومتين الآتيتين وهما: أوّلا: نشر زميلنا Youcef Mili ونقلها عنه زميلنا محمد لعاطف عبر صفحته صورة لـلمترشح آيت مقران العربي بتاريخ: 25 فيفري 1977 لانتخابات المجلس الشعبي الوطني لولاية البويرة، أي الانتخابات أيام الحزب الواحد والحكم المطلق.

2- ثانيا: سبق لمقران آيت العربي أن كان مديرا لحملة الجنرال غديري قصد الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 التي كان من المفروض أن تقام في 18 أفريل 2019  ودائما في إطار تثبيت العهدة الخامسة والتي ألغيت بسبب أحداث الجزائر بتاريخ 22 فيفري 2019.

3- أعود الآن لمضمون البيان حيث يقول مقران آيت العربي: "حوار الصّم بين المتظاهرين والسلطة الفعلية التي فرضت نفسها عن طريق رئيس الأركان"، أقول: لايوجد حوار الصّم لأنّ الجيش الشعبي الوطني تعهد بضمان ومرافقة الشعب الجزائري وحقن دماء الجزائريين وصون ممتلكاتهم وأعراضهم وهو الذي دعا وما زال يدعو للحوار  بل يعاتب الذين يرفضون الدخول في الحوار. كيف إذن يقال أنّ هناك "حوار الصّم؟ !".

4- قال: " كيف ستنظم انتخابات بدون تحديد أهداف واضحة وبدون الشعب ودون المرور على مرحلة انتقالية". أقول: وهل الجزائر الآن بحاجة إلى مرحلة انتقالية. ألا يمكن تنظيم الانتخابات دون المرور بمرحلة انتقالية التي لاتعرف نهايتها المأساوية الدموية.

5- يرى أنّ: " الرئاسة الجماعية ستتكفل بتعيين حكومة ". أقول: سبق للجزائر أن جرّبت "الرئاسة الجماعية؟ !" أيام الفرقة الخماسية التي ضمّت يومها: بوضياف وخالد نزار والتيجاني هدام وعلي هارون ورضا مالك بعد اغتيال بوضياف، وكانت هذه الفرقة من أسوء المراحل التي شهدتها الجزائر وما زلنا نعيش آثارها الدموية لغاية كتابة هذه الأسطر حتّى أنّ رضا مالك قال يومها عبارته المشؤومة: "آن للرعب أن ينتقل للجهة الأخرى" فكانت وديانا من الدماء والرقاب البريئة  المتطايرة. فكيف نستعين بتجربة مقيتة دموية فاشلة مرعبة؟

6- يقول أنّ المرحلة الرئاسية ستحكم الجزائر باسم " التشريع بالأوامر". أقول: من أخطاء الرئيس المستقيل أنّه كان يعتمد وبشكل كبير وفي قضايا مصيرية حاسمة على "التشريع بالأوامر" مستغلاّ فترة عطلة البرلمان ومجلس الأمّة وانجرّت عنها نتائج كارثية على الاقتصاد وسيادة البلاد وهوية الجزائر التي مازلنا نعيشها آثارها الوخيمة لغاية اليوم. كيف يطالب مقران آيت العربي بتكرار نفس التجربة السيّئة التي خرج المجتمع الجزائري للشارع لسحقها وعدم العودة إليها.

7- يتساءل: "من سيعيّن الشخصيات التي ستشكل هذه الهيئة؟". أقول: المهم في نظره أن لاتكون انتخابات وتكون تعيينات تتلوها تعيينات رغم أنّ المجتمع الجزائري خرج ضدّ التعيينات التي أهلكت البلاد والعباد وجعلت أعزّة الجزائر أذلّة وكذلك يفعلون.

8- قال: "كيف يضمن انضمام ومساندة الأغلبية الشعبية للرئاسة الجماعية، باعتبار هذا الانضمام شرطا مسبقا لشرعيتها؟". أقول: يطلب من الشعب الجزائري أن يوافقه في فرض ديكتاتورية التعيينات وإقامة ديكتاتورية الرئاسة الجماعية والمهم عنده أن لايكون أثر للصندوق والانتخابات.

9- يرى أنّ: "المجلس التأسيسي الذي هو مطلب تاريخي". أقول: مهمة المجلس التأسيسي هدم مقومات المجتمع الجزائري المتمثّلة في الدين والتّاريخ واللّغة و وحدة التراب الوطني وفي نفس الوقت إقحام الجزائر في مفهوم الطائفية والمحاصصة والتّبعية والدوس على مقوماتها لكن أصحاب المجلس الدستوري لايعلنون ذلك صراحة خوفا من غضب الشارع هذا من جهة ومن جهة ثانية المقصود بالمجلس التأسيسي هو تمرير قضايا خطيرة تهدم أركان الدولة والمجتمع بصمت وهدوء وتجاوز صناديق الاقتراع لأنّهم يعلمون مسبّقا أنّ المجتمع الجزائري لايقبل بمثل هذه القضايا الخطيرة.

10- قال: "وعليه ينبغي الاتفاق حول مفهوم الديمقراطية، ولا يمكن اختزالها في صندوق الاقتراع الذي يمكن أن يكمّم باسم الأغلبية كل الأصوات المعارضة وأن يسحق الأقليات". أقول: أعترف أنّي قرأت البيان وأعدت قراءته لأجل هذه النقطة بالذات والتي تبيّن بوضوح نظرة أصحاب "المرحلة والانتقالية؟ !" و "المجلس التأسيسي؟ !" للمجتمع الجزائري لأنّ الغاية الأسمى لديهم هي عدم الذهاب لصناديق الاقتراع والالتفاف بكلّ الطرق لعدم خوض الانتخابات لأنّ الصندوق في نظرهم "يكمّم الأغلبية؟ !" و "يسحق الأقليات:؟ !". هذه هي نظرتهم للديمقراطية: أقلية تسحق الأغلبية ولا حقّ للأغلبية ولو فازت عبر الصندوق ولا سلطة للصندوق لأنّ الديمقراطية لاتقوم على الصندوق بل تقوم على ديكتاتورية التعيينات التي مازال المجتمع الجزائري يعيش مآسيها وآثامها على الأرض والعرض منذ استرجاع السيادة الوطنية 5 جويلية 1962 وإلى اليوم لكن اليوم باسم الحقوق تهضم حقوق الصندوق وتعطى للتعيينات ومن هنا يتّضح جليا لماذا يعارضون الانتخابات وبكلّ الوسائل ويدعون في نفس الوقت لـ "المرحلة والانتقالية؟ !" و "المجلس التأسيسي؟ !".

11- يتعامل مع العاصمة على أنّها هي الدولة الجزائرية. والسؤال: لماذا المسيرات عبر ولايات الجزائر تتم بهدوء وسلمية إلاّ في الجزائر العاصمة ولماذا يتمّ التركيز على العاصمة من طرف الفضائيات العاصمية ومقران آيت العربي دون غيرها من ولايات الوطن التي أبدعت وتفنّت في حسن اختيار الشعارات والتنظيم المحكم والتآزر واللّحمة الوثيقة بين المتظاهرين ورجال الأمن وقد رأيت ذلك رأي وانا أشارك في المسيرات كلّ جمعة وذكرت ذلك عبر مقالاتي الخاصّة بالمسيرات وكذا منشوراتي عبر صفحتي. وهذه الملاحظة هي التي تدفع المتتبّع للتساؤل وبغرابة عن الاهتمام المبالغ فيه جدّا بالتركيز على العاصمة دون غيرها من الولايات مع التحية البالغة لإخواننا وأحبّتنا وأعزّائنا في الجزائر العاصمة.

12- قال "يرى أنصار المرحلة الانتقالية أن الرئاسة الجماعية ستتكفل بتعيين حكومة". أقول: المعيّن وغير المنتخب هو الذي يعيّن الحكومة غير المنتخبة والمهم عدم المرور بصناديق الاقتراع وهذه إحدى مظاهر الديمقراطية المعاصرة؟ ! حسب أصحاب "المرحلة الانتقالية؟ !" و "المجلس التأسيسي؟ !".

13- أكثر من استعمال كلمة "توافقية؟ !" كقوله: "مشروع توافقي" و"ضمانات توافقية مسبقة" و"قواعد توافقية" و"حلول توافقية"، و"الزعماء التوافقيين" و "شخصيات مستقلة وتوافقية". أقول: والسبب في ذلك هو الإصرار على عدم الذهاب لصناديق الاقتراع ورفض قبول نتائج الانتخابات المنبثقة من الديمقراطية لأنّ الصندوق في نظره "يكمّم الأغلبية؟ !" و"يسحق الأقليات:؟ !" ولذلك اختار لها كلمة رقيقة تدغدغ المشاعر ألا وهي "التوافقية؟ !" وذلك إمعانا في الهروب من الانتخابات والصندوق.

14- من الكذب والزور على الجزائر والجزائريين الزعم أنّ الجزائر لها "أقليات؟ !" والتحدّث باسمها وكأنّها أقليات وهذا بحدّ ذاته نكران لفضل الجزائر على الجميع  والتي ضمّت جميع الجزائريين ودون استثناء لحضنها الآمن الدافئ وطعنا في الجيش الشعبي الوطني الذي يضمّ في صفوفه ورتبه جميع أبناء الجزائر ودون استثناء. والتحدّث في الجزائر باسم الأقلية واستغلالها لتفكيك الجزائر ونسف وحدتها الترابية وهدم حضارتها ولغتها ودينها وتاريخها باسم الأقلية جريمة بحدّ ذاتها.

15- في انتخابات الدول العظمى يفوز الرئيس بـ 51% وأحيانا أقلّ وحين يعتلي الرئيس المنتخب الحكم يوجّه أوّل خطاب له للذين انتخبوا عليه والذين لم ينتخبوا عليه ويتعهد للجميع أنّه رئيس للجميع ودون استثناء ويعمل طيلة مدّته على أنّه رئيس للجميع وكأنّه فاز بـ 100% ولم يقل أحد عن الرئيس الفائز عبر الصندوق أنّه "يكمّم الأغلبية؟ !" و"يسحق الأقليات:؟ !" وتبقى حقوق 49% أو أقلّ مضمونة مصونة محترمة وإلى الأبد.

16- بقيت الإشارة أنّه سبق لي أن انتقدت أحمد طالب الإبراهيمي الذي طالب بمرحلة انتقالية عبر مقال لي بعنوان: " ملاحظاتي حول بيان أحمد طالب الإبراهيمي " وبتاريخ: السبت 14 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 19 ماي 2019. وانتقدت بيان "العلماء؟ !" الذي دعا لمرحلة انتقالية عبر صفحتي وبتاريخ: 31 ماي 2019 لمن أٍراد أن يعود إليها، وسنظلّ على عهدنا مع الجميع ودون استثناء.

 

معمر حبار

 

 

 

صادق السامرائيالتأريخ الذي نقرأه بسلبية عارمة ونتلقاه بعقول معطلة نائمة ومبرمجة، يؤكد لنا حكايات عن السلوك القبلي، وكيف كانت القبائل تهاجم بعضها وتستحوذ على ما عند غيرها، وذلك بالغزو أو الإغارة ومنها إشتقت كلمة "غارة"، حيث تطورت في عصرنا المتحضر لترتبط بالطائرات، التي ترمي بقنابلها وصواريخها على المجتمعات، لتدمر بنيتها التحتية وتقتل منها الآلاف في لحظات.

ولا يزال دريد بن الصمة صادقا في قوله:

"وما أنا إلاّ مِنْ غَزِيّةَ إنْ غوتْ .....غوَيْتُ، وإنْ ترشدْ غَزِيّةُ أرشدِ"!!

والغزو - قديما- في حقيقة أمره هو نشاط إقتصادي في وقت لا يوجد فيه مصدر لتطوير الواقع الحياتي بسرعة، إلا بالإستحواذ على ما عند الآخرين لتوفير القوة والمال والسلاح والرجال  والسبايا، التي كانت تعبّر عن القوة المحسوبة بعدد الخيول والجمال والماشية وغيرها من الحيوانات الداجنة.

فلم يكن للزراعة دور ولا للأرض المتصحرة منفعة، لأنها لا تعطي ما يغني من جوع، أو لأن البشر لا يرى أن فيها قيمة تتفوق على الغزو.

ويبدو أن التطور الإقتصادي حاجة غريزية قائمة في أعماق البشر.

ومَن يتأمل الأحداث يدرك أن العامل الرئيسي، الذي يكمن وراء أسباب الغزوات والحروب هو الإقتصاد، الذي يعني القوة والنماء لدى القبيلة أو الأمة أو المجموعة، التي تمكنت من السيطرة على غيرها، وحققت حرية التصرف بممتلكاتها وما يرتبط بها من مفردات إقتصادية ومصادر قوة.

فالناس في الزمن الماضي كانت تغزو بعضها، ولم تفكر في إستثمار ما عندها وتنميته، لأن ذلك يحتاج إلى وقت، ولأن القلق قائم والإستقرار صعب، والغزو يوفر النماء الأسرع ويمنح المردودات النفسية والقيم الذاتية، التي تؤسس لأسطورة ومجد المجموعة البشرية أيا كان إسمها.

وقد تواصلت البشرية في سلوك الإغارة على بعضها البعض وإمتلاك ما عند الآخر،  وبهذا تم كتابة العديد من صفحات التأريخ وطرح ما نقرأه فيها من موضوعات، ذات فكرة واحدة وخيط واحد يربطها ببعضها وعنوانه القوة والسيطرة والمال، وكلها يمكن إجمالها بالعامل الإقتصادي الذي كان يكمن وراء معظم الغزوات والحروب.

ولكي يتحقق الغزو لا بد من وجود مجاميع بشرية تسمى القبيلة أو العشيرة أو الأمة، وغيرها من المسميات، التي تعطي صفات مميزة وفارقة لمجموعة بشرية ما، مما يؤهلها ويؤهل غيرها  توفير الأسباب اللازمة للدخول في حرب معها أو تحقيق الغزو.

وكما هو معروف فقد مارست شعوب الأرض كافة وبلا إستثناء هذا السلوك، الذي تواصل  حتى القرون الأخيرة حيث أصبحت المفاهيم تتخذ منطوقا آخر، لكي تحقق ذات الغاية القبلية التي أمضت البشرية عمرها الطويل في تفاعلاتها الصاخبة.

وقد تطور مفهوم الحروب والغزوات لكنه بقي مرتبطا بالإقتصاد، وهو على هذا الحال الجامد إلى اليوم.

أي أن البشرية ما إرتقت بمفاهيمها وما سمَت بنفسها إلى مستوى التطور الحضاري المادي الذي أسسته في الوقت الحاضر، وإنما بقيت سجينة الرؤى والأفكار البالية القديمة، وأسيرة النظرة القبلية والعشائرية وعلى مستوى البشرية جمعاء، إلا ما ندر في ميادين التفاعلات القائمة في الأرض، والتي تديرها منظمات ذات أهداف إنسانية تريد أن توقظ البشرية من هذا الإستنقاع المؤلم، الذي يكلفها الكثير من الخسائر الحضارية.

فالبشرية لا زالت تستثمر في الحروب والأزمات والصراعات وتحسبها نشاطا إقتصاديا مربحا، وقوة مضافة إلى ما عندها من القدرات، ولهذا فهي تسعى إليها وتمارسها على أنها نشاط ضروري لا بد منه، لكي تتواصل الحركة الإنمائية وتتمكن من توظيف إبداعات العقول البشرية في مشروعات إستثمارية جديدة.

والحروب في عُرف الدول الغازية تنمي الإقتصاد، وتزيد من المصادر اللازمة للحركة التطورية فيها، وهي تشنها وفقا لذرائع مشوهة ومُضلِلة، لكي تخفي وراءها الدافع الحقيقي والقوي، وهو الإستحواذ على المصادر الإقتصادية للآخر المُستهدف أو الذي يتم غزوه.

والملاحظ أن الكثير من التغييرات الكبيرة التي حصلت في الأرض، إنما كان للحروب دور مهم فيها.

وما يجري في عالمنا المعاصر من حروب يكمن وراءها، وبصورة أساسية العامل الإقتصادي وتوفير المواد الأولية ومصادر الطاقة، اللازمة للقوة الإقتصادية للمجموعة التي قررت أن تغزو أو تحارب.

ومَن ينظر في حروب القرن العشرين سيرى أن العامل الإقتصادي يشترك في الكثير من أسبابها، برغم أنها قد إتخذت  منطوقا فكريا ودينيا وأخلاقيا وغيرها من الأسباب والشعارات، لكن هذه الموضوعات يحركها العامل الإقتصادي  أيضا.

فيكون خلاصة أسباب الصراعات كامنة في الإقتصاد والقدرة على كسب المال والغنائم، وبتوفر مصادر القوة والطاقة، تتحقق باقي أركان القوة والسيادة والإستبداد على مستوى الأفراد والجماعات والأمم.

وبعد أن إستهلكت البشرية الكثير من طاقاتها في حروب القرن العشرين المريرة ومشاكله العسيرة، تراها في القرن الحادي والعشرين تتعامل بذات العقلية والرؤى والتصورات الجامدة، ولا زالت تحسب الحرب نشاطا إقتصاديا، والغزو يوفر ثروة مادية تساهم في دعم القوة والإقتدار.

ولهذا أصبحت الدول الغنية بالمصادر الإقتصادية والطاقة هدفا تتسابق عليه القوى القادرة لتحقق الوصول الأسرع إليه، مما أدخل البشرية في صراعات جديدة ذات نتائج قاسية، ستلقي بظلالها على جزء كبير من القرن الحادي والعشرين، وستعطل حركة البشرية في الإتجاهات الحضارية الصحيحة، لأنها ربما ستستخدم تقنيات الدمار الهائلة من أجل الوصول إلى الهدف، وبذلك تحصل الكارثة الكبرى والفاجعة المروعة، التي لم تعهدها الأرض من قبل.

وبرغم أن بداية هذا القرن أوضحت أن الحروب ليست نشاطا إقتصاديا، وإنما مشروع دمار وخراب وويلات ومصائب لا تليق بالإنسانية، وهي تدّعي الحضارة والتقدم وتنادي بالمبادئ،  التي تحقق رقي الإنسان وتحفظ كرامته وحريته وحقه في التعبير عن رأيه، لكن التمادي بتطويرها وطرح نظرياتها الجديدة والعمل بآلياتها المعقدة المبرمجة، يشتد في مجتمعاتنا التي تحولت إلى سوح لإختبارها.

فالحروب باتت عاهة كبيرة تواجه البشرية، وعليها أن تجد لها مخرجا منها وتفكر خارج الصندوق الأسود، الذي أمضت القرون في زواياه الظلماء، التي لا تعطي إلا الشقاء والكراهية والأحقاد.

البشرية اليوم تقيّد حركة الحياة وتعطل قدراتها الخيرة بالإستثمار في الحروب، لأنها إمتلكت من وسائل الخراب ما لم تمتلكه في تأريخها، ونتيجة لذلك تحولت الحروب إلى قوة تدمير شاملة،  لكل الأطراف الفاعلة في معادلة الدمار والخراب الأرضي في أية بقعة فيها مهما بعدت، لأن ما يحصل في أي مكان من الأرض يؤثر في أجزائها الأخرى، وأصبحت نظرية الأواني المستطرقة تنطبق على ظاهرة الحياة الأرضية في عصرنا التكنولوجي الفائق التطور.

وصار من اللازم علينا أن نخرج من أفكارنا القديمة ونرى بوضوح ودقة وعلمية ما سيؤول إليه الحال، لو واصلت البشرية مسيرتها بهذه العقلية التي أمضت عليها القرن العشرين، لأن النتائج المتمخضة عن أي نشاط مهما كان ستكون مضاعفة التأثير، بما لا يُحصى من المرات بالقياس بنتائجها في القرن العشرين.

وأصبح من الضروري أن يفكر القادة بعقلية البشرية جمعاء، قبل أن يفكروا بعقلية القبيلة والعشيرة والأمة، وغيرها من أنماط التفكير التي تقرر وجود حالة الصيرورة المعزولة عن حركة الحياة المعاصرة، وهي في دور التحول إلى محيط إنساني واحد.

فعالمنا الجديد وما يحصل في أية بقعة منه ترى آثاره وتسمع صداه في بقاعه الأخرى، حيث تمكنت الأرض من التعبير الأوضح عن كرويتها، وكل الصفات المرتبطة بكونها كرة تتحرك في فضاء مجهول، وتطالب مَن عليها أن يحدّقوا بالأمور ببصيرة شاملة. 

فعندما تقترب الأرض من وعيها الكروي لا بد للقادة أن يفكروا، ويتعاملوا مع الأشياء بكروية واعية، وينظروا إلى المواقف والأشياء بزاوية الدائرة الكاملة.

فما عاد ممكنا النظر بزوايا حادة للأمور في هذا العالم، بل أن على الجميع أن يرى بزوايا منفرجة إلى أقصاها، ويحاول الإقتراب ما يستطيع إلى النظرة الدائرية أو الكروية للأحداث والموضوعات المختلفة.

عالمنا الجديد الذي أخرجنا من الأنفاق والكهوف، ورمى بنا إلى الفضاء الواسع الرحيب، علينا أن نرتقي إلى قوانينه ونظرياته الجديدة.

فهذا القرن يختلف تماما عن سابقه، وإيقاع الحركة القائمة فيه ذات سرعة فائقة، وما سيحصل فيه أما أن يتطور خارج المعقول أو سيحقق الخراب والدمار، الذي سيتفوق على خيال وتصور العقول.

فهل سنكون بمستوى القرن الجديد، أم سننحدر إلى عالم البدايات ونقضي على وجودنا الحضاري بالحروب والغزوات؟

سؤال سيجيب عليه القرن الحادي والعشرون المُظفر!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي الزاغينيتتنوع برامج التلفزيون وتختلف حسب القنوات الفضائية المحلية والعربية وتحاول كل قناة أن تقدم كل ما هو جديد ومميز يجذب المشاهدين إذا ما علمنا إن تلك القنوات في تزايد مستمر ولكن يبقى التنافس على تقديم الأفضل الذي ينال استحسان ورضا الجمهور على اختلاف ثقافتهم وأذواقهم هو هدف تلك القنوات.

المسلسل العراقي الفندق الذي عرض خلال شهر رمضان الكريم والذي انتقده البعض من جهة ونال إعجاب البعض الأخر من جهة اخرى، وهذا الانقسام ربما جاء رد فعل على ما طرحه المسلسل بطريقة جرئية على الواقع العراقي خلال هذه الحقبة من الزمن، ان مسلسل الفندق الذي اخرجه حسن حسني وكاتبه السينارست حامد المالكي والذي تعودنا عليه من خلال اعماله التلفزيونية السابقة بطرح ما يدور في الشارع العراقي ويجعلنا نترقب احداث ومشاهد اعماله حتى اخر المشاهد .

لماذا ينتقد البعض العمل الفني الجيد ويحاول ان يجد المسوغ لذلك بحجة ان بعض المشاهد لا تليق بالعائلة العراقية متناسياً ان التلفزيون يعرض الكثير من الافلام العربية والاجنبية بها من المشاهد المثيرة التي لا تليق بمشاهدتها من العوائل، ولكن بما انه هذا العمل عراقي فأنه يتعرض للنقد بشدة، ولم يثنوا على فكرة المسلسل واحداثه ونقده لبعض الظواهر السلبية التي انتشرت ويحاول من خلال المسلسل تسليط الضوء عليها برؤية فنية تخاطب فئات من المجتمع وخصوصاً الشباب .

ومن الامور التي سلط الضوء عليها في هذا المسلسل مواقع التواصل الاجتماعي وانغماس الشباب بها متناسين ان هذه المواقع ليست للتسلية فقط وانما للاستفادة من هذه التكنلوجيا الحديثة وعدم الانجرار خلف عالم وهمي والكلام المعسول لأشخاص لم يلتقون بهم وانما فقط من خلف شاشة الكترونية وهذا خطأ كبير وخصوصاً اذا ما تطورت تلك العلاقة واصبحت علاقة غير مرغوب بها في المجتمع وبالتالي يقع المقال بالمحظور ويكون الشخص ضحية نصب وابتزاز مما يضطر اما الى الخضوع الى مطالب المقابل او الهروب اذا ما وصلت تلك المحادثات والصور الى ذوي الضحية التي لا تغفر تلك الهفوة او الغلطة مهما كانت كبيرة او صغيرة وتبحث عن اسباب ذلك وربما تكون العائلة هي السبب بسبب عدم الاهتمام ومتابعة ابناءها .

مسلسل الفندق رغم ما اثير حوله من انتقادات سلبية وامور اخرى على مواقع التواصل الاجتماعي لكنه كان عملا دراميا رائعا جسد ادواره فنانين كبار منحو المسلسل نكهة رائعة .

 

علي الزاغيني

 

غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

قلتُ مُؤَكِّدًا تأكيدًا من قبلُ، في القسمِ الآنِفِ من هذا المقالِ، إنَّ كلاًّ من هٰذَيْنِ المشهدَيْنِ الثوريَّيْنِ الشَّعْبِيَّيْنِ، في السُّودانِ وفي الجَزائرِ، لَمْ يَزَلْ سَائِرًا، حتى هذا الآنِ من ثَوَرَانِهِ السِّلْمِيِّ الجَلِيلِ، لَمْ يَزَلْ سَائِرًا على قَدَمٍ وسَاقٍ مَتِينَينِ ثابِتَيْنِ بكلِّ مَا يقتضيهِ السَّيْرُ منْ عَزْمٍ ومنْ حَزْمٍ لا يعرفانِ أيَّ معنًى لقيدٍ من القُيُودِ معنًى سَليلٍ، ولا حتَّى يعرفانِ أيَّ مغزًى للخُمُولِ أوِ الخُمُودِ أوِ الحُيُودِ مغزًى غَلِيلٍ، وبالرَّغمِ منْ كلِّ أشكالِ ذلك التَّدْوِيمِ الدَّخِيلِ واللادَخيلِ، تدويمِ طورِ الثَّوَرَانِ المُضَادِّ كطورٍ ذَمِيمٍ دَميمٍ بِسِيمَائِهِ اللااستثنائيِّ «الضَّلِيلِ»، وعلى الرَّغمِ من كلِّ ما ينجُمُ عنهُمَا عِلاوَةً على ذلك كُلِّهِ منْ حَالاتِ الاِسْتِعْصَاءِ الاِستثنائيِّ المُسْتَطِيلِ. فالثَّائراتُ والثَّائرُونَ السُّودَانيُّونَ، من طَرَفِهِمْ، يواصلونَ سَعْيَهُمْ بسَائِرِ أطيافِهِمْ مطالبينَ بكلِّ إصْرَارٍ، على أقلِّ تقديرٍ، بتسليمِ «مقاليدِ» الحُكْمِ العسكريِّ إلى نظيرٍ مدنيٍّ قلبًا وقالِبًا، وبتمثيلٍ رَمْزِيٍّ من الجَيْشِ جِدِّ مَحْدُودٍ لأسبابٍ بَدَهِيَّةٍ تخُصُّ المَجْلِسَ السِّيَاديَّ بهَيْكَلِهِ الأخيرِ، مَهْمَا حاولتْ عناصرُ من ذاك «المجلس العسكري الانتقالي» أفَّاكَةً في تَسْويفِ التفاوُضِ الجَادِّ تشبُّثًا بهذهِ «المقاليدِ»، من جهةٍ، ومَهْمَا حاولتْ كذاك عناصرُ من «قوات الدعم السريع»، تيك الشَّبِيهَةِ بقُطْعَانِ «الشَّبِّيحَةِ»، فَتَّاكَةً بالقوَّةِ، أو حتَّى بالفِعْلِ، في استخدامِ العُنْفِ بارتدادِهِ العَكْسِيِّ تشبُّثًا أكثرَ حتَّى بذاتِ «المقاليدِ»، من جهةٍ أخرى. والثَّائراتُ والثَّائرُونَ الجَزَائِرِيُّونَ، من طَرَفِهِمْ هُمُ الآخَرُونَ، يُتَابِعُونَ جَهْدَهُمْ بكافَّةِ أطيافِهِمْ أيضًا، مطالبينَ بكلِّ إلحَاحٍ، في الحَدِّ الأدنى من الدستورِ الجزائريِّ بالذَّاتِ، بتفعيلِ كلٍّ من المادةِ السابعةِ التي تنصُّ على أنَّ «الشَّعْبَ مَصْدرُ كلِّ سُلْطَةٍ» والمادةِ الثامنةِ التي تنصُّ على أنَّ «السُّلْطَةَ التأسيسيَّةَ مِلْكٌ للشَّعْبِ»، من ناحيةٍ، وبترحيلِ كُلٍّ مِمَّا تبقَّى من «أشلاءِ» النظامِ الفاشيِّ المَافْيَويِّ الهَرِمِ المُتَهَرِّئِ الهِرْدَبَّةِ الهِرْشَفَّةِ الآسِنِ حتَّى القِحْفِ من الرَّأسِ في مستنقعاتِ الفسَادِ والرَّذيلةِ والمُحَابَاةِ والمحسوبِيَّاتِ بكلِّ أشكالِهَا، من ناحيةٍ أخرى. وقلتُ مُؤَكِّدًا تأكيدًا كذلك، إنَّهُ لَمِنَ الخَطَأِ الفادِحِ أن يلجأَ «التحليلُ السياسيُّ»، أيًّا كانَ، مَحْثُوثًا بذلك «الحَمَاسِ الثوريِّ» المُفْرِطِ إفراطًا إلى حَدِّ الافتعالِ (وقد سَمَّيْتُهُ هناك تَسْمِيَةً نفسَانِيَّةً بِـ«الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» Hyper-Revolutionary Fervour)، فيلجأَ منْ ثَمَّ مَحْثُوثًا إحْثَاثًا أشدَّ إلى استخدامِ فَيْضٍ منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ، ومَا تَنْطَوِي عليهِ بدورِهَا منْ دلالاتٍ تمييزيةٍ، أو منْ دلالاتٍ تفضيليَّةٍ – لا بل جِدِّ تفضيليَّةٍ، في مَعْرِضِ الحَدِيثِ عن «إنجازاتِ» ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ مَا (كالشقيقةِ السُّودَانيَّةِ، مثلاً) دونَ الأخْذِ بعَيْنِ الاعتبارِ بَتَّةً مَا يُنَاظرُ هذهِ الـ«إنجازاتِ»، في الأصْلِ، منْ أسَاسٍ مَادِّيٍّ (تاريخيٍّ) وَ/أوْ لامَادِّيٍّ (لاتاريخيٍّ) تأسَّسَتْ عليهِ بنحوٍ أوْ بآخَرَ أيَّةُ ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ أُخرى، سواءً كانتْ هذهِ الثورةُ قد عاصرتْها في الهَيَجَانِ والغَلَيَانِ (كالشقيقةِ الجزائريَّةِ، بسَيْرِهَا) أمْ كانتْ قدْ سَبَقَتْهَا بمرحلةٍ أو أكثرَ في الزَّمَانِ والمَكَانِ (كالشقيقةِ السُّوريَّةِ، وغَيْرِهَا)، كما رأيتُما في مَظِنَّتِهِ – نَاهِيكُمَا، بالطَّبْعِ، عن أنَّ هذا الخَطَأَ المُتَكَلَّمَ عنهُ منْ هكذا خُصُوصٍ إنَّمَا يزدادُ فَدَاحَةً أكثرَ فأكثرَ حينمَا يصدُرُ هكذا «تحليلٌ سياسيٌّ» اِنتقائيٌّ اِصطفائيٌّ (حَائِدٌ) عن مصدرٍ مَرْبُوصٍ على «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ». وقدْ أشرتُ، في القسمَيْنِ الثامنِ والتاسعِ منْ هذا المقالِ، إلى شيءٍ منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ التي تَنْجُمُ عن ذلك «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» على المُسْتَوَيَيْنِ الجَمْعِيِّ والفَرْدِيِّ، على سبيلِ التمثيلِ لا التحْصِيرِ، في كُلٍّ من مقالِ الباحثِ الجامعيِّ جلبير الأشقر، «التضامنُ مع الثورةِ السودانيةِ ملحٌّ!» (القدس العربي، 23 نيسان 2019)، ومقال الكاتبِ الرِّوَائيِّ إلياس خوري «السودانُ والربيعُ العربيُّ» (القدس العربي، 6 أيار 2019)، ومقالِ الكاتبِ الرِّوَائيِّ واسيني الأعرج، «أيقوناتُ الثوراتِ العربيةِ، والحراكُ السلميُّ؟» (القدس العربي، 21 أيار 2019). أقولُ هذا الكلامَ الاِحْتِرَاسِيَّ وذاك بكُلِّ تأكيدٍ هَا هُنَا، لماذا؟ – لأنَّنَا، نحنُ الجَاثِمَاتِ والجَاثمينَ في هذا المَكَانِ الكئيبِ وفي هذا الزَّمَانِ العَصِيبِ، قُدَّامَ مَرْحَلَةٍ تاريخيَّةٍ فريدةٍ بكلِّ المَعَايِيرِ من ثوراتٍ شعبيَّةٍ عربيَّةٍ ليسَ لنَا إلاَّ أنْ ننظرَ إليهَا كَافَّةً بمثابةِ «ثورةٍ شعبيَّةٍ عربيَّةٍ واحدةٍ» (فَلْيَذْهَبْ إلى الجَحِيمِ، دَرَكِ الجَحِيمِ، ذلك الشِّعَارُ الذي يَرِنُّ، لا بَلْ يَئِنُّ، بالصَّوتِ والإيقَاعِ رَنًّا مَرْنُونًا في الأسْمَاعِ من أولئك «البَعْثِيِّينَ» الاِزدواجيِّينَ والاِنهزاميِّينَ والاِنتهازيِّينَ في الدَّاخِلِ من سوريا والعراقِ وفي الخَارِجِ منهمَا، كذلك)، ليسَ لنَا إلاَّ أنْ ننظرَ إليهَا كَافَّةً، في كُلٍّ من أوقاتِ النَّدَاوَةِ والجَفَافِ، ننظرَ إليهَا جَسَدًا وروحًا لا ينفصِلانِ ملتهبَيْنِ التِهَابًا مَوْزُونًا بميزَانٍ مُتَوازِنٍ مُتَعَدِّدِ الكِفَافِ: فَثَمَّةَ كِفَّةٌ سُودَانِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ جَزَائِرِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ سُورِيَّةٌ وثَمَّةَ كِفَّةٌ يَمَانِيَّةٌ، وهَلُمَّ جَرًّا. فإذا رَجَحَتْ كِفَّةٌ أو أكثرَ من هذهِ الكِفَافِ في حَالٍ (صُورِيَّةٍ) استثنائيَّةٍ لا مَنَاصَ منهَا، كما هي الحَالُ الآنَ في كُلٍّ من الكِفَّتَيْنِ السُّودَانِيَّةِ والجَزَائِرِيَّةِ في مُقَابِلِ أخْتَيْهِمَا الكِفَّتَيْنِ السُّورِيَّةِ واليَمَانِيَّةِ (أو حتَّى في مُقَابِلِ أخْتِهِنَّ الكِفَّةِ الليبيَّةِ)، فإنَّ هذا الرُّجْحَانَ لا يعني البَتَّةَ اختلالاً بنيويًّا باطنيًّا في الميزَانِ المُتَوازِنِ ذاك بقَدْرِ مَا يعني اختلالاً بنيويًّا ظاهريًّا يتبدَّى تَبَدِّيًا مُؤقَّتًا كجُزْءٍ من سَيرُورةِ ذلك التَّدْوِيمِ الدَّخِيلِ واللادَخيلِ، تدويمِ طورِ الثَّوَرَانِ المُضَادِّ الذَّمِيمِ والدَّمِيمِ المُشَارِ إليهِ قبلَ قليلٍ.

ومِنْ أسبابِ هذا الاِختلالِ البنيويِّ الظاهريِّ في الميزَانِ المُتَوازِنِ المَعْنِيِّ هُنَا إنَّمَا يكمُنُ في الموقعِ الإستيراتيجيِّ (أو الجيو-سِيَاسيِّ، بالقمينِ) للبَلَدِ العربيِّ الذي اندلعتْ فيهِ ثورةُ الشَّعْبِ على طُغيانِ النظامِ الحَاكِمِ، أوْ طَبَقَتِهِ، كمثلِ سُوريا ومَا تمتازُ بِهِ منْ جِوَارٍ جغرافيٍّ شديدٍ لإسرائيلَ، بوَصْفِ هذهِ الـ«إسرائيلِ» المَخْلُوقَةِ في هذا الجِوَارِ بالذاتِ «نَشِيئةَ» بريطانيا في المقامِ الأوَّلِ وبوَصْفِها «ربيبةَ» أمريكا في المقامِ الثاني – نَاهِيكُمَا، بطبيعةِ الحَالِ كذاك، عن كَوْنِهَا قبلَ ذاك كُلِّهِ «مَهِيدَةَ» عُصْبَةٍ أو عِصَابةٍ منْ كلابٍ «عربيةٍ» متوحِّشةٍ مَسِيخةٍ مَهينةٍ ليسَ لهَا سِوَى أنْ تُمَهِّدَ السَّبيلَ عندَ الطَّلَبِ شيئًا فشيئًا تحتَ أقدامِ أسْيَادِهَا منْ هذا الغربِ الإمبرياليِّ دونَ غيرِهِ منْ أشْتَاتِ الغربِ «الديمقراطيِّ» و«الليبراليِّ» و«الخَيِّرِيِّ»، ليسَ لهَا سِوَى أنْ تُمَهِّدَ السَّبيلَ كُلَّهُ تمهيدًا حَثيثًا لاحتلالِ أجزاءٍ ومناطقَ إسْتيراتيجيةٍ (أو جيو-سِيَاسيَّةٍ) هامَّةٍ بدأتْ مدارسَتُها باهتمامٍ كبيرٍ منذُ بداياتِ مَا كانَ يُسمَّى بـ«الثورة العربية الكبرى» عامَ 1916. فكما أنَّ عِصَابةَ أولئك الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، وَقْتَئِذٍ، قدْ مَهَّدُوا السَّبِيلَ بجُيوشِهِم «العربيةِ» أيَّمَا تمهيدٍ لاحتلالِ بقاعِ فلسطينَ عامَ 1948، فإنَّ أشْبَاهَهُمْ منْ عِصَابةِ هذهِ الكلابِ المتوحِّشةِ المَسِيخةِ المَهينةِ تبتغي الآنَ أن تكرِّرَ الشيءَ ذاتَهُ منْ خلالِ التدخُّلِ العسكريِّ «العربيِّ» بدلاً من التواجُدِ العسكريِّ الأمريكيِّ في فُراتِ سُوريا، مثلاً لا حَصْرًا، وذلك في مُقَابِلِ «لُهَاثِهِمِ الأبَدَيِّ المُذِلِّ» وَرَاءَ السُّلْطةِ المُطْلقةِ. وهكذا، في حَالِ نظامِ السُّحْتِ الفاشيِّ المَافْيَوِيِّ الطائفيِّ الإجْرَامِيِّ العَمِيلِ في سُوريا، مَا إنْ شَرَعَتْ أطيافٌ أبِيَّةٌ من الشَّعْبِ السُّوريِّ في حَرَاكِهَا السِّلْمِيِّ الأسطوريِّ الجَلِيلِ هُنا وهُناك، ذلك الحَرَاكِ السِّلْمِيِّ الذي كانَ، ولَمْ يَزَلْ، يشهدُ لهُ كلُّ مَنْ كانَ شاهدَ العَيْنِ على مَاجَرَيَاتِهِ منذُ البدايةِ، حتى شَرَعَتْ أنْجَاسُ هذا النظامِ، نظامِ السُّحْتِ الفاشيِّ المَافْيَوِيِّ الطائفيِّ الإجْرَامِيِّ العَمِيلِ، بإيعازٍ جَلِيٍّ منْ إيرانَ قبلئذٍ ومنْ رُوسيا بعدئذٍ وبإشرافٍ خَفِيٍّ كذاك منْ ذاك الغربِ الإمبرياليِّ (بما فيهِ إسرائيلُ)، حتى شَرَعَتْ في اللجُوءِ إلى قوَّةِ الحَدِيدِ والنَّارِ بشتَّى سِلاحِهَا الثَّقيلِ والأثْقَلِ و«المُحَلَّلِ» والمُحَرَّمِ بَرًّا وبَحْرًا وجَوًّا (وشَرًّا وعُهْرًا)، وذلك منْ أجْلِ الحَيْلُولةِ والحُؤُولِ القَطْعِيَّيْنِ قَطْعًا بَاتًّا دونَ استمرَارِ ذاك الحَرَاكِ السِّلْمِيِّ الأسطوريِّ الجَلِيلِ، ومنْ أجْلِ القَضَاءِ عَلَيْهِ قَضَاءً وَحْشِيًّا هَمَجِيًّا حُوشِيًّا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ – وللضَّميرِ الإنسانيِّ، في هذا الزَّمَانِ الفقيرِ إلى الضَّميرِ الإنسانيِّ، أنْ يتصَوَّرَ هَا هُنا، إنْ كانَ في الوَاقِعِ أو حتَّى في الخَيَالِ مُسْتَطِيعًا مُطِيعًا للتَّصَوُّرِ، كلَّ مَا ارتكبتْهُ قُطْعَانُ «الشَّبِّيحَةِ» و«النَّبِيحَةِ» وأَقْطَاعُ العَسْكَرِ والأمْنِ والمُخَابراتِ «القَبِّيحَةِ» منْ مَجَازِرَ أو مَذَابِحَ أو شَنَائعَ أو فَظَائعَ منْ كلِّ الصُّنُوفِ بحَقِّ البريئاتِ والأبرياءِ، عَلى اختلافِ أعْمَارِهِنَّ وأعْمَارِهِمْ. ولَمْ يَقِفْ إجْرَامُ النظامِ، نظامِ السُّحْتِ الفاشيِّ المَافْيَوِيِّ الطائفيِّ الإجْرَامِيِّ العَمِيلِ، عندَ هذا الحدِّ: كانَ قدْ حَدَا بِهِ الإجْرَامُ البَهِيمِيُّ، لا بلْ مَا دُونَ-البَهِيمِيُّ، كذاك أيَّامَئِذٍ، وبالإيعازِ الجَلِيِّ ذاتِهِ وبالإشرافِ الخَفِيِّ ذاتِ ذاتِهِ أيضًا، كانَ قدْ حَدَا بِهِ إلى إطلاقِ سَرَاحِ كافَّةِ السُّجَناءِ (أوْ جُلِّهِمْ) منْ أولئك الإسلاميِّينَ و«المُتَأسْلِمِينَ» الأصوليِّينَ المُتَطرِّفِينَ، عَلى اختلافِ تَحَزُّبَاتِهِم وتَكَتُّلاتِهِمْ هُمُ الآخَرُونَ، وعَلى الأخَصِّ أولئك الإسلاميِّينَ و«المُتَأسْلِمِينَ» الذينَ سَرْعَانَ مَا اسْتَهْدَفَتْهُمْ بالدَّعْمِ التمويليِّ والتسليحِيِّ أرْجَاسُ الظَّلامِ والشَّرِّ والعُهْرِ منْ «عُرْبَانِ» المملكاتِ والإماراتِ، وبذاتِ الإشرافِ الخَفِيِّ ذاتِ ذاتِهِ منْ ذاك الغربِ الإمبرياليِّ (بما فيهِ إسرائيلُ) كذلك. كلُّ هذا الإجراءِ البَرَاحِ «المَحْرُوسِ» في هذا الإطلاقِ، إطلاقِ السَّرَاحِ «المَدْرُوسِ»، إنَّمَا كانتْ، وما زالتْ، غايتُهُ الأولى والأخيرةُ، ولا شَكَّ، تتمَثَّلُ في سَعْيِ النظامِ، نظامِ السُّحْتِ الفاشيِّ المَافْيَوِيِّ الطائفيِّ الإجْرَامِيِّ العَمِيلِ، إلى إيهَامِ العَالَمِ العربيِّ، خَاصَّةً، وإلى إيهَام العَالَمِ الإسلاميِّ، عَامَّةً، بأنَّهُ يخُوضُ الآنَ بعدَ الآنِ، في سَاحَاتِ الوَغَى منْ كلِّ الجِهَاتِ، يخُوضُ غِمَارَ حَرْبٍ شعْوَاءَ مُزْدَوَجَةٍ خَوْضَ «الأشَاوسِ» و«البَوَاسِلِ» معَ كلِّ أشكالِ الإرهابِ الجِهَاديِّ (والتكفيريِّ)، منْ طَرَفٍ، ومعَ كلِّ أشْتَاتِ الغربِ الإمبرياليِّ (والتطهيريِّ)، منْ طَرَفٍ آخَرَ.

وعلى الرَّغمِ من ذلك كُلِّهِ، أيَّتُهَا القارئةُ اللبِيبَةُ وأيُّهَا القارئُ اللبِيبُ، لمْ نبرحْ في هذا الآنِ وفي هذا الأوانِ نرى مثقَّفَاتٍ جِدَّ لامعاتٍ ومثقَّفينَ جِدَّ لامعينَ – ومَا أكثرَهُنَّ ومَا أكثرَهُمْ، مثقَّفَاتٍ مَرْبُوصَاتٍ ومثقَّفينَ مَرْبُوصِينَ على «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، وبغضِّ الطَّرْفِ عن ذلك «اليسارِ العربيِّ» المُتَذَبْذِبِ في مُنَاوَرَاتِهِ وفي مُحَاوَرَاتِهِ وفي مُؤَازَرَاتِهِ بَيْنَ أنْجَاسِ النظامِ الطُّغْيَانيِّ وبَيْنَ أرْجَاسِ الظَّلامِ «الإسلاميِّ»، لمْ نبرحْ نراهُنَّ يتشدَّقْنَ ونراهُمْ يتشدَّقونَ بعباراتِ «النقدِ الثوريِّ البَنَّاءِ» وعباراتِ «النقدِ الثوريِّ النَّاصِحِ والجَادِّ» تشدُّقًا دُونَمَا أيِّ تَحَفُّظٍ بوَضْعِ اللائمةِ، هكذا كَيْفَمَا اتَّفَقَ، عَلى ذَوَاتِ السُّوريَّاتِ والسُّوريِّينَ، وَضْعِهَا وَضْعًا مُسْتَتِرًا ومُبَطَّنًا ومَلْغُومًا بأنَّهُنَّ وأنهُمْ ثائراتٌ وثائرونَ «فاشِلُونَ» يفتقرونَ إلى أيَّةٍ منْ تلك «الأيقوناتِ الثوريةِ» السَّاطعةِ، وبأنَّهُنَّ وأنهُمْ ثائراتٌ وثائرونَ «فاشِلُونَ» يفتقرونَ كذاك إلى أيٍّ من ذاك «الحُضُورِ القيَاديِّ الثوريِّ» الأشدِّ سُطُوعًا!

[انتهى القسم العاشر من هذا المقال ويليه القسم الحادي عشر]

 

غياث المرزوق – دبلن