حسن حاتم المذكور1 -اخول نفسي ان ارفع صوتي بوجه اهلي في الجنوب، بمحبة مغموسة في الدموع، اقولها: انكم الآن لوحدكم، لا تملكون سواكم، تفرق الذين صرحوا خطبوا واوعدوا، ثم سحبوا اذيال اكاذيبهم وانصرفوا، كل الى  متراسه، جميعهم اتقنوا مهن جديدة، ولا يمكن لهم ان يكونوا غير ما هم عليه، يعرضون اسمال ماضيهم، على ارصفة السمسرة، ربما هناك من يحتاج، في زمن العورات، ترقيع ثقوب دستور الفتنة وديمقراطية الخدعة، اغتسلوا منهم واعيدوا قرائتهم، من صفر منابعهم، ولا تقبلوا ان يكون وطنكم، مصباً لغسيلهم، فهم من خدعوكم وخذلوكم، وابلسوا الشيطان قبلكم، وهم ذاتهم من يدوروكم ويجددون استنساخكم، في ورشات التجهيل والأفقار والأذلال، لمذاهب الألف واربعمائة عام.

2 - جميعهم يا اشقائي في الأرض والرافدين، من فتحوا ثقوب الأختراقات في سدود سيادتكم، ومرروا مجاري الفساد والأرهاب والعمالة، دقوا اضلاع الأرض بأقدامكم، وابكوا دموعها بقوة العويل، لقد مرت على تراب الجنوب، حوافر الأحزاب الشيعية، كأدلاء للصوص المذاهب، عبرت قوافل التهريب، محملة برماد ارواحكم واصواتكم ورغيف خبزكم الحافي، على جراحكم (شخ) السائرون والفاتحون والسائبون ودافعي خمس العقار المسروق، ارموا اكياس التخريف والشعوذات، بوجه مراجع تسوقكم على مسيرة الأذلال، واخرجوا من هاوية الفقر والجهل والموت بلا هوية.

3 - تذكروا كنتم العراق، اذا نهض وان عثر، وبغداد قبلتكم ومقدسكم وبركان التغيير، مثلما هي البصرة وميسان وذي قار، فصلاح الدين والموصل والرمادي عراقكم، ولا تنسوا عراقة تاريخكم في النجف وكربلاء وسامراء واربيل والسليمانية وكركوك، جغرافية لا يمكن اعادة تمزيقها، ثم فصالها، على مقاس شوفينية احزاب العشائر، وطائفية احزاب المذاهب، تعلموا القراءة والكتابة، اعيدوا قراءة تاريخكم ثم كتابته، ازيلوا عن وجه الأرض، حماقات المتنازع عليها، ومواد فتنة الدستور، وديمقراطية الخدعة، هناك في الجنوب العراقي، لكم جمرة انتفاضة، لا ولن يترمد بركانها، حتى يغتسل العراق، من احزاب شيعية تسرق اهلها، واحزاب سنية تبيع اهلها، واحزاب كردية تهرب قوت اهلها، وفي الحرائق، تغتسل الغابات من موتها البطيء وتولد من جديد.

4 - مات الحلم وكذب الرمز وخان المدعي، واللحى تغتسل في دسم الفساد، على الأرصفة، تتعاهر الفضائح، بكل القابها ومظاهرها واحجامها، تذكروا لكم نهضة في الجنوب، ولكم فيه ثروات وانتفاضات وتاريخ رافض وموعد قادم، ولكم فيه دماء غالية، لا تنزف الا من اجل رغيف خبزكم، اخرجوا من جيوب اللصوص، اهتفوا للأنتفاضة، بأسم الوطن والحياة، يا من زاخو حد الفاو، كن شيعي سني كردي تركماني، لكن عراقي اولاً، ولا تكن عراقي ايراني او خليجي او تركي، واحذر ان تتأمرك، فتصبح عارياً من ستر الهوية، تحرروا من عبوديتكم وفقركم وجهلكم، ومن رموز خانت الله والوطن، ومن حكومة معاقة يرأسها معتوه، والتحقوا بأنتفاضة زيت سعيرها دماء الجنوب.

 

حسن حاتم المذكور

 

علجية عيشاستطاع الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر منذ 22 فبراير 2019 أن يُسْقِطَ كثير من أسماء ذات وزن ثقيل في السلطة، مارست حكما دكتاتوريا في البلاد التي حمل دستورها اسم "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية" أي أنها دولة تتبع نظاما جمهوريا والكلمة فيها للشعب صاحب السيادة، وفي مقدمة الذين أقيلوا، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وشركائه في الحكم، الذين اقتيدوا بفعل الحراك الشعبي إلى المحاكم، وطالما بدأت بذور التغيير تظهر في الجزائر، لا شك أن كل القرارات التي صدرت من قبل سيتم إلغاؤها بصدور مرسوم رئاسي جديد، ولا شك أيضا أن رئيس الدولة الحالي عبد القادر بن صالح الذي علقت صوره في كل المؤسسات مكان الرئيس المخلوع، لدليل قاطع على أن كل الصّلاحيات أصبحت في يده وله الحق في إصدار المراسيم الرئاسية يرفع بها الحظر على الأحزاب المعارضة الممنوعة من ممارسة حقها السياسي، وفي مقدمتها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) المحظورة التي كان يتزعمها الراحل الدكتور عباسي مدني، وحركة الوفاء والعدل الغير معتمدة بقيادة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وربما أحزاب أخرى كان لها موقف مغاير لموقف السلطة.

فالذين خرجوا في المسيرات الشعبية كانوا نساءً وشبابا وكهولا وشيوخا وإطارات ولم يكن مكتوب في جبينهم، هذا ينتمي إلى حزب سياسي ما، بل كانوا جميعا معارضين للنظام القديم وطالبوا برحيله، بما فيهم أصحاب "اللحية"، وهم قبل كل شيئ أبناء الجزائر يحملون بطاقة تعريف وطنية وجواز سفر مكتوب فيهما عبارة "الجنسية جزائري"، إن إسقاط النظام يعطي الحق لهؤلاء المطالبة بحق العودة إلى الساحة السياسية، فمن جهته أصدر أنصار الفيس مؤخرا بيانا موقعا باسم الشيخ علي بن حجر أكدوا فيه أنهم يقفون إلى جانب الحراك، ويتابعون الأحداث، وطالبوا في البيان المؤسسة العسكرية أن توضح موقفها من دولة المؤسسات والقانون، ذلك بالإعلان عن موقفها صراحة من مستقبل الجزائر السياسي بعد مرافقتها للحراك الشعبي في مطالبه، وقد وصف اصحاب البيان الحراك بالصحوة السلمية الهادفة ودعوا الطبقة المثقفة إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في هذا المنعطف التاريخي الهام في مسيرة الأمة الجزائرية.

أما أحمد طالب الإبراهيمي الذي أفل نجمه كما يقال في وقت عاشت فيه الجزائر مخاض سياسي في بداية التسعينيات، أظهر مواكبته للحراك الشعبي، إلا أنه رفض دعوات جمعيات لقيادة المرحلة الإنتقالية، التي وصفته برجل الإطفاء، بسبب حالته الصحية التي حالت دون ذلك، وباعترافه هو شخصيا، بأنه لم يعد قادرا على الإستمرار، ولعل موقف الإبراهيمي كان واضحا جدا، بتركه السياسة وتفضيله العزلة، ليتفرغ لنفسه، بعدما فشلت مساعيه أمام السلطة في اعتماد حزبه الذي أسّسه وهو "حركة الوفاء والعدل"، فكان محطته الأخيرة التي يتوقف عندها، مثلما توقف من سبقوه فيها، ومنهم العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله، وعلي بن محمد وزير التربية الوطنية الأسبق أطال الله عمره، وآخرون حكم عليهم بالعيش على الهامش من قبل سلطة دكتاتورية .

قبل فترة من انطلاق الحراك الشعبي في الجزائر، شهدت الساحة السياسية غيابا شبه كليا للأحزاب الإسلامية أيام الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة والمحيطين به، الذين كانت لهم مواقف وصفها ملاحظون بالعنيفة جدا تجاه الإسلاميين، تميزت بمنع أبناء زعيم الفيس المحظور لحضور جنازة والدهم الدكتور عباسي مدني، الذي توفي مؤخرا بمنفاه في قطر، وهو موقف أثار استياء الشعب الجزائري، الذي أصرّ على استمراره في المسيرات الشعبية السلمية حتى تتحقق مطالبه في الذهاب إلى مرحلة انتقالية واختيار شخصية توافقية، وهو مطلب يعكس تصريحات الفريق أحمد قايد صالح الذي رفض مرحلة انتقالية وأعلن على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها المحدد وهو الرابع من جويلية القادم واعتبرها (أي الإنتخابات ) أولوية من الأولويات، وهذا يدعوا إلى البحث عن رجل "الإجماع" لحل الأزمة وإيجاد حل توافقي يرضي جميع الأطراف، تبقى مسألة عودة الفيس إلى الساحة وكذلك اعتماد حزب الإبراهيمي تحتاج إمّا إلى إصدار مرسوم رئاسي من قبل رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، يعلن فيه إعفاؤه عن أنصار الفيس ويسمح لهم بالعودة، أم أنه يترك الخيار للشعب وهو الذي يقرر، أي الذهاب إلى استفتاء شعبي.

و الحديث عن رجل "الإجماع" يعيد إلى الذاكرة أسماء تركت بصمتها في الساحة بفعل وعيها السياسي ونضالها النزيه من أجل بناء دولة الحرية والقانون، ومن بين الأسماء نذكر عبد الرزاق بوحارة، العقيد محمد الصالح يحياوي، وأحمد السبع الذي كان ضابطا في جيش التحرير الوطني، وعين في اللجنة الدائمة أيام محمد الصالح يحياوي وغيرهم، هؤلاء خرجوا من حزب كانوا يصفونه ذات يوم بالعملاق، إنه حزب جبهة التحرير الوطني الذي يعيش اليوم نكبة سياسية ويحتاج إلى " نوّاحات" أو " بكّايات" يرثينه في مأتم افتراضي على عهده الذهبي المفقود، خاصة ما يشهده اليوم من صراعات داخل الحزب وداخل البرلمان، لقد ترك رجل الإجماع عبد الرزاق بوحارة الذي توفي في 10 فيفري 2013 ولا أحد من قادة الحزب تذكره ولو بكلمات قصيرة، (كعينة فقط) رسائل كثيرة في خطبه التي كان يلقيها في التظاهرات الوطنية، حيث كان يدعو إلى إزالة التناقضات وإلى التحرر من بعض الأفكار والمقولات التضليلية، وهي نفس مواقف العقيد محمد الصالح يحياوي، الذي غادر الحياة يوم 10 أوت 2018، لو بقي على قيد الحياة لكان هو الآخر رجل إجماع أو رجل توافقي، خاصة وأن الإثنان يتميزان بميزات هامة، إذ يملكان صفات القائد ولهما شخصية كاريزماتية تختلف عن الآخرين، لكن الموت يأخذ ولا يستأذن أو يستشير.

 

علجية عيش

 

 

رشيد مصباحعندما تسير الأمور بشكل عادي فليس هناك مشكلة لدى الغرب، وليس لديه ما يقوله سوى اللّهم بعض التصريحات هنا أو هناك تخصّ التعاون الاقتصادي أو مسائل تتعلّق بضرورة الحفاظ على الأمن والسّلام العالمي، مجرّد كلمات يذرها في العيون، كما هو الحال بالنسبة لمحاربة الإرهاب وهو الذي بمقدوره أن قطع الكهرباء وشل الحياة بوسائله المتطوّرة

ثم إذا ما حدث هناك اضراب أو تنديد أو مسيرات ومظاهرات تطالب بالتغيير، فإنّنا لا نحتاج إلى تعليقات أو صور تأكّد لنا انزعاج الأنظمة الغربية وقلقها حول ما يدور في السّاحة العربيّة .

هذا الشعور بالقلق لا يترجمه الإعلام الغربي ولا يسمح له بالنّقاش حوله، لأن بنود المواثيق التي تربطه بضرورة التحفّظ عندما يتعلّق الأمر بالأمن القومي، جدّ صارمة، وعلى رأسها الأقتصاد طبعا .

هذه من الأبجديات المقدّسة لديهم، ولا يجب على الإعلام الخوض فيها بكل حرّية وشفافيّة .

المصالح الغربية لم تعد سرا، خاصة إذا ما نحن عرفنا مكانتنا وحجمنا الطبيعي في هذا الكوكب الأزرق؛

نحن نشكّل الجانب “ المتعفّن “ منه، نحن نمثّل بالنسبة إليهم الجانب المظلم الذي يعج بالقمامة والآفات، ومظاهر التسكّع والانحطاط، والتشرذم والنّهب والسّرقة، والذي يكثر فيه القتل لأتفه الأسباب، " ديستوبيا "  حقيقيّة، كما يتم تصوّيرنا في أفلامهم الهوليووديّة .

أليس هذا هو بالفعل واقعنا الذي نعيشه اليوم نحن العرب مقارنة بمظاهر الحياة الجميلة لديهم؟ 

نحن بالنسبة إليهم لا نرقى لمستوى الحيوانات التي  لديهم، لأنّها أنضف، حتّى لا أقول أشرف، من أن تقبل بنفس شروط الحياة التي يعيشها الفرد العربي البسيط داخل محيطه " المتعفّن " .

هذا واقع لا يجب أن ننكره . وكذلك، فإن الحيوان لديهم يحظى بالرّعاية اللاّزمة، بل بقوانين تحميه وتجرّم كل من يُحاول الإعتداء عليه، وليس من باب العطف عليه فقط مثلما هو الحال عندنا .

منذ أجيال ونحن نحلم بهذه الحياة، حياتهم،  وهذه الأخلاق، أخلاقهم، والتي كتب عنها مفكّرونا، وصوّرها لنا أدباؤنا، وتغنى بها شعراؤنا، وأطربنا بها فنّانونا وفنّاناتنا ... من أمثال (محمّد عبده) الذي كتب ذات يوم يقول:  "ذهب إلى الغرب فوجدت إسلاما ولم أجد مسلمين ولما عدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاما"، ومن أمثال الفنّانة الرّاحلة (أسمهان) التي اطربتنا بإغنيّتها المتميّزة: "ليالي الأنس في فيينا" ، وكذلك كلمات الأغنية التونسية: " ما أحلى ليالي اشبيلية " وموسيقاها الرّائعة، وهي للآسف ذات أصول عربية لكنّها ضاعت منّا.

فكيف ومتى نرقى إلى هذا المستوى من الحياة الجميلة التي لديهم؟

منذ سقوطنا في الجانب المظلم، الحزين الكئيب، من هذا الكوكب الأزرق، ونحن نعيش في ظُلمة وظلام دامس، بين المطرقة والسندان، نعاني من الجهل والتخلّف وغياب الوعي والأخلاق .

نعاني من الاستبداد والحكم الجبري، نعاني من شيوخ السّلطان الذين أهدروا حقّنا في العيش بحريّة وكرامة، نعاني من التدخّل الأجنبي، الغرب الإمبريالي والخليج  القوّاد وعلى رأسه دويلة الإمارات " بائعة دينها للغرب “، نعاني من اتّهامات النّظام " المكارثي " وعلى رأسه الجنرالات الدمويّون، ومن الذباب الإلكتروني، نعاني من كلمة " احنا شعب وانتم شعب " والفُرقة، ومن التشرذم .

تألّمنا  كثيرا، وطال حلمنا، ولم نفعل شيئا كي نُغيّر واقعنا، ونلقي اللّوم على غيرنا ولسان حالنا يقول

نَعيبُ زمانَنا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزّمان بغير ذنب

ولو نطق الزّمان لنا هجانا

وليس الذّئب يأكل لحم ذئب

ويأكل بعضنا بعضا عٍيّانا

 

مصباح (فوزي) رشيد 

 

معراج احمد الندويإن التحديات التي تواجه الأسرة الدولية في هذه المرحلة من التاريخ والأزمات والصراعات والمشاكل التي يعرفها العالم اليوم، كل ذلك بلغ مستوى من الحدة والضراوة والخطورة، لا سبيل إلى التعامل معها ومواجهتها، لا يمكن الآن الحلول والتسوية لهذه النزعات والصراعات إلا بالحوار الثقافي والديني الذي يفضي  إلى التفاهم والتقارب والتوافق مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل. وهذا هو الطريق الوحيد الذي يؤدي الناس إلى التعايش السلمي في أمن وسلام.

إن اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة. خلق الناس وجعلهم شعوبا وقبائل ايتعارفوا ويتعاونوا على البروالتقوى وعلى ما فيه خير الإنسان  ومصلحة العاجلة والآجلة.قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ وبذلك قرر الإسلام أن التعددية سمة من سمات المجتمعات البشرية، يجب التعامل معها بإيجابية، لا تفرق بين الناس حسب أعراقهم وألوانهم، لأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.  وإن التنوع العرقي واللغوي مدعاة تعارف بين الشعوب والأقوام وليس مدعاة تنابذ، والتعارف تواصل حضاري بين الشعوب في العالم.

التعايش السلمي ليس هو فقط موضوعاً وهاجساً ومشروعاً يهم دولة ومجتمعاً، بل هو أيضاً هاجس إنساني بعد أن تحول العالم إلى قرية صغيرة. يتحمل  التعايش السلمي  قيمة كبيرة في العالم المتحضر، لقد أصبح مبدأ أساسي من مبادي العتايش السلمي داخل الأمم وفيما بينها الذي يتحقق في ظله الأزدهار والتقدم. فالتعايش السلمي له شروط منها الاستقرار  والمساواة والتسامح والتمتع بالحقوق تساعد على تحقيق السلام الاجتماعي والتعايش السلمي الذي يصون المجتمع لتحقيق الحياة الآمنة السعيدة.

لقد أصبحت فكرة التعايش والتسامح دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي بأنها هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى في الأديان.

إن موقف الإسلام من التعايش بين أتباع الأديان بحسبان التعايش قيمة راقية من القيم الإنسانية، وباعتباره قضية بالغة الأهمية، ولأن هدفه هو تعزيز التعايش السلمي المشترك بين البشر من أحل تحقيق الأهداف النبيلة. ولقد أكد الإسلام على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13) هذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التألف بالتعارف وإلى ترك التعادي بالتخالف. فإن ذلك يؤكد تأكيدا على عالمية الرسالة الإسلامية, وعالمية الإسلام تجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم متجاوبتين مع الثاقفات الشعوب،لأن الإسلام يريد أن تكون في العالم حضارات متعددة ومتميزة، كما يريد الإسلام هذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في ما هو مشترك إنساني عام.

إن التعايش السلمي فضيلة هي ضرورة مجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها، ويدعو التعايش السلمي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم. التعايش الإنساني في داخل المجتمع الواحد، مطلوب موضوعيا واجتماعيا، مهما اختلفت الأفكار والمفاهيم والعادات والتقاليد والقيم والمباديء، التعايش والتفاهم وقبول الآخر، يتم عن طريق التواصل بشكل مباشر، وبشكل يومي أو شبه يومي، في القرية والمدينة والمجتمع الواحد بشكل عام، ولا يجوز الهروب أو رفض لهذا الواقع، الذي يضم في اكنافه تناقضات واختلافات عديدة، في وجهات النظر أو العقائد والمفاهيم وخلافه.

ومن مبادئ الإسلام الراسخة، وهو الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع أهل الأديان, ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام إلى التعامل  مع غير المسلمين، فلا تكتمل عقيدة الإسلام إلا إذا آمن  بالرسل جميعا، لا يفرق بين أحد منهم، وهذا هو البعد الإنساني  الذي يعطي للتسامح في الإسلام مساحات واسعة. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولمنه يؤسس العلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصومات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى ألغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصومات أن تمنع التعاؤف بي ن الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها. إن مفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاون  والتساكن والتعايش، ويمكن أن يستوعب التعارف قيم الحوار والجدل بالتي هي أحسن والاحترام المتبادل.

اليوم نحن في أشد الحاجة إلى التعايش السلمي بين الناس أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن التقارب بين الثقافات والتفاعل بين الحضارات يزداد يوماً بعد يوم بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة التكنولوجية التي أزالت الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب، حتى أصبح الجميع يعيشون في قرية كونية كبيرة. فالتعايش السلمي بهذا المفهوم يمثل أساس السلم الاجتماعي لأي مجتمع بهدف إبعاده عن النزاعات والصراعات والسير بخطى ثابتة نحو التنمية المستدامة.

 

دكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

عقيل العبود(وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)لغاية اية 74

تمهيد:

هنالك سبيلان لحقيقة خلق الإنسان

السبيل الأول تشريع عبادي، من العبادة

والسبيل الثاني تشريع استخلافي، من الخلافة 

والسبيلان  يصبان في مجريين:

الأول تسخيري، بمعنى التسخير لأن الله سخر لنا الكون وما فيه لنحمده ونثني عليه ولذلك يكون المجرى الثنائي تقديري بمعنى التقسيط والتقدير والموازنة حفاظا على  طاعة الخالق في نفس المخلوق لذلك قوله بحسب الاستدلال الأول مرتبط بما جاء في قوله سبحانه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون). والعبادة تعبيد الطريق الذي يمشي به الإنسان وصولا الى محبة الخالق، كما جاء في قوله سبحانه (اهدنا الصراط المستقيم).

اما الاستدلال الثاني فمرتبط بما جاء في قوله سبحانه

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كلها.

هنا إشارة لما جاء في (وعلم ادم الاسماء كلها) كلمة (كلها)تعني الموضوعات والمسائل بجميع مسمياتها، المتناقضات، العموميات منها والمتفرعات ومسائلها بما فيها تلك المفاهيم التي تتصارع مع بعضها بناء على جدليات الاختلاف القيمي للحقيقة الكونية والتي تدخل في تفسيراتها مقاييس الحق والباطل والتي ذكرت في المنهج الذي جاء به الأئمة ومن تبعهم من الاولياء والصالحين. 

مقدمة البحث

سورة الفرقان إنما يشار بها الى الإختلاف والتصارع بين لغة الخير  ولغة الشر، أي جدلية الصراع بين الحق والباطل.

اما لغة الخير فمعرفتها والتعامل بها يتساوق مع قدرة العقل لإدراك المعنى الفعلي لحقيقة السلوك الإنساني، مع العلم ان هذا الإدراك قائم على مقولة التامل والتدبر التي تتداخل فيها هورمونات البناء البايو-سايكولوجي للجسد الخاضعة لتفاعل الحس والعقل ذلك باعتبار ان الإنسان كائن حسي عقلي، والحس تتجاذب حقيقته اللامرئية مع المشاهدات المرئية بناء على بصمة العقل الذي له القابلية على رفض اوقبول الموضوعات وما ينعكس عنها.

هنا توضيحا، العظمة الخالقية تنعكس في مرآة العظمة المخلوقية ولذلك فان الله أراد ان يعظم المخلوق بطريقتين: 

-فسيولوجيا الخلق: الخاص  بموضوع البناء الهرموني وعامل النمو  الخاص بالذكر والأنثى وهذا متركب في جميع النفوس بلا استثناء بمعنى ان النفس الانسانية هي مطلق الإنسان (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة ان الله سميع بصير) اية ٢٧ سورة لقمان ٤١١

والخطاب القراني جاء الى الإنسان بالمطلق (يا أيها الإنسان)..النفس اذن هكذا تركبت.

-كوزمولوجيا الخلق: وهي قدرة الله على جمع هذا العالم في شمس واحدة وأرض واحدة تفصلها المحيطات والبحار والأنهار. (الم تر ان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري الى اجل مسمى وان الله بما تعملون خبير) اية ٢٨ سورة لقمان

والغاية ان الإنسان عندما ينظر الى عظمة الكون ودقة الخلق الإنساني سيدرك قدرة الخالق، عندئذ سيفهم مغزى وجوده- تامل ما جاء في قوله في سورة ال عمران ايه ١٨٩-٩٠(ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لإولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).

 لذلك في دعاء البهاء في مفاتيح الجنان ومن باب الثناء نقرأ (اللهم أني أسالك من قدرتك بالقدرة التي استطلت بها على كل شئ).

فالبناء الهندسي للكون مظهر به تتجلى الصورة الوصفية لعظمة وقدرة الخالق وكماله وعلمه وعظمته، ما يجعلة أي الخالق أمراً عباديا خاضعا للشكر والتنزيه وهذا ما جاء في اول الآيات الخاصة بأوصاف عباده الشاكرين العابدين، باعتبار ان الشاكر والعابد هو من يتصف بقدرة استنطاق المفردات المتعالية للحقيقة الكونية.

فالتجلي يظهر بأجمل واسنى وأبهى صوره لدى العقل المتنور المتيقظ والحس النقي، ففي دعاء الصباح للأمام علي ع اللهم يا من دلع ....) وتلك مرآة النفس التي من بريقها تنعكس الحقيقة اللامرئية لهذا الخالق والتي من مميزاتها هذه اللامحدودية من الإتصاف والتشخص عبر قراءة دعاء علي بن ابي طالب (ع).

والتشخص هو الاتقان والكمال الحكمة والعلم والعظمة كما نقرأ في القران وهو السميع العليم، وهو العليم الحكيم، العلي العظيم، وهكذا،  وذلك امر لا يمكن ادراكه الا بالعبادة.

والعبادة التزام اخلاقي وديني ومعناها التعبد، والتأمل، والتدبر، والتفكر، والخضوع، والخشوع، والصدق، والإخلاص، والمواكبة على العمل الصالح وعدم الشرك، ومن ضمن هذه المواكبة الدعوة الى الصلاح باعتبارها خدمة اخلاقية وانسانية لتوسيع رقعة الخير في هذا العالم، وهذه الخدمة هي بمثابة الدعوة الايمانية لتقريب عقول الناس وأرواحهم، ونفوسهم، والسير بها الى طريق المحبة والعمل الصالح، وهو مفتاح الدخول الى بيت الرحمن الذي مقره الأسمى والأطهر  في القلب والنفس الطاهرة الزاهدة عن شهوات الدنيا وملذاتها.

وهذا المقر الخبئ بين دهاليز الروح هو المسجد الحقيقي للنفس الانسانية، وهو الذي سوف يبقى متصلا مع المؤمن حتى بعد موته.

والسؤال بناء على ما تقدم،  كمدخل للموضوع ما هي الصفات الحقيقية لعباد الرحمن؟

التواضع ٦٢-٦٣وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا

المواكبة على الصلاة والخوف من الله ٦٣-٦٦وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)

عدم الإسراف والموازنة اية٦٦-٦٧وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا

عدم الشرك المرتبط بحرمة النفس وقدسيتها وعدم الزنا، اوالتوبة في حالة الزنا ٦٧-٧١ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71).

تجنب قول الزور والابتعاد عن اللغو ٧١-٧٢ (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا).

الخشوع مع ذكر القران ٧٢-٧٣( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا).

الدعاء بالذرية الصالحة ودعوة المتقين الى الصلاح  والرشاد ٧٣-٧٤ (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).

السبيل الثاني: الخلافة

ورد في قوله سبحانه

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون ان هذا لبلاغا لقوم عابدين)٣٢١ الحج ص ٣٣١ مرتبط بدعاء الافتتاح (يهلك ملوكا ويستخلف اخرين).

ووراثة الأرض موضوع له علاقة بقضية استخلاف الله لهذا العبد الصالح وهو الإمام العادل في الأرض وهذا الإمام هو الذي سيمسك زمام الخلافة الحقيقية التي أراد لها الخالق ان تنبعث بعد هذا الطيش من الانحطاط والتهافت والتهالك الذي اجبر الإنسان على التراجع، والتنازل عن حقيقته الانسانية، فراح يسرق ويقتل ويكذب ويخرب باسم الدين تارة، وباسم القانون والسياسة والحكم تارة اخرى، ولذلك هنالك  وعد الهي لإستخلاف عباده الصالحين، بدلالة قوله في سورة النور ٥٤-٥٥-ص ٣٥٧

(وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ألذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

عندئذ الخلافة المقصودة  هي ولادة العدل المنتظر، ذلك لتمثل الرعاية الحقيقية لعالم الأرض، يومئذ سيتحقق نظام العدل الكوني المطلق.

وهذا مرتبط مع قوله سبحانه (أني جاعل في الأرض خليفة).

إذن المستقبل الحقيقي للصلاح، وليس لهذا العالم المزيف الكاذب الذي يمنح علامات الامتياز لهذا وذاك متجافيا بذلك لغة الحقيقة ، والأرض بفعل هذا الصلاح ستكون محكومة من قبل إمام عادل وهذا الخليفة هو الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، حيث بعد الحروب وانهيار القيم الحقة ، ستسود قيم الخير والمحبة إشارة الى صاحب العصر والزمان، لذلك عودة مرة اخرى لما جاء في سورة  البقرة اية ٢٩ ومن باب التوضيح

(وإذ قال ربك للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك قال أني اعلم ما لا تعلمون)-البقرة،٢٩

اذن الأمر الاعتراضي للملائكة كان موجها للإنسان، وليس للإمام، باعتبار ان الإمام بحسب الآيات خارج عن نطاق ملاحظتها العرضية.

وهذا الاستدلال  مرتبط في مغزاه مع سورة الجن اية 9 (وأنا لا ندري اشر اريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا).

خاتمة البحث

بعد ان تسلحت قوى الشيطان بما لديها من قوى، تحتاج قوى الرحمن لان تتبع طريق الاستقامة وان لا تشرك بالله احدا ان تعبد الله بناء على خارطة المنهج الصحيح (بعيدا عن الشرك) والشرك معناه تعظيم المخلوق على حساب المبادئ التي اراد لها الخالق ان تسود، تلبية لقوله سبحانه* ولذلك قوله سبحانه( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات ٥٦

والعبادة تعني تعبيد وتطهير النفس بطريقة تقتضي تقديم طاعة الخالق على المخلوق.

خلاصة البحث

العبادة هي الاستقراء والتأمل والتدبر والاستقامة وضبط النفس وتحصينها من الزنا والشهوات والارتقاء بالعقل، فكلمة إقرأ هي التي ابتدأ بها الله مع نبيه الأكرم والغاية هو السعي لفهم حقيقة الكون.

 

عقيل العبود

..................

هوامش

القران الكريم

مفاتيح الجنان

 

غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

قلتُ كذلك أكثرَ من مرَّةٍ من قبلُ، ورَغْمَ أنَّ سَيْرورةَ هذا الثَّوَرَانِ الشعبيِّ العربيِّ، في أطوارِهِ الأولى، لمْ تدأبْ ذلك الدُّؤُوبَ المَأمُولَ نحوَ حُرِّيَّةٍ وعَدَالةٍ اِجتماعيَّةٍ كانتْ شُعُوبُ هذهِ البلدانِ المقهُورةُ في اليَقَاظِ وفي المَنَامِ، وما بَرِحَتْ، تَتُوقُ إليهِمَا أيَّمَا تَوْقٍ، كبدايةٍ لحَاضِرٍ جَديدٍ وبدايةٍ لمستقبلٍ مَجيدٍ، قلتُ وكُلِّي تفاؤُلٌ وافْتِآلٌ إنَّ ما نشهدُهُ الآنَ من طَوْرٍ هَجِينِيٍّ، أو مِمَّا يبدُو على السَّطْحِ أنَّهُ «طَوْرٌ لاهَجِينِيٌّ»، لِثَوَرَانٍ مُضَادٍّ تحملُ شتَّى «مشاعِلِهِ» سِفْلَةٌ، أو حُثَالةٌ، من أرْجَاسِ الظَّلامِ والشَّرِّ والعُهْرِ، على اختلافِ مَشَارِبِهَا وعلى ائتلافِ مَآرِبِهَا في المستوى المَحَلِّيِّ (أفرادًا وجماعاتٍ، على حَدٍّ سَوَاءٍ) وفي المستوى الدُّوَلِيِّ (دُوَلاً تابعةً ودُوَلاً متبوعةً، على حَدٍّ سَوَاءٍ كذلك)، لا يعدُو أنْ يكونَ، في إبَّانِ تَسْيَارِ المَسَارِ التاريخيِّ «الطبيعيِّ»، طورًا مذمُومًا من أطوارِ الثَّوَرَانِ الشعبيِّ (الكونيِّ) ذاتِهِ، طورًا محْتُومًا زمَانيًّا ومحْسُومًا مَكَانيًّا مهما امتدَّ زَمَانُهُ ومهما اتَّسَعَ مَكَانُهُ، طورًا محْمُومًا ومسْمُومًا لا بُدَّ لهُ من أنْ يسْعَى إلى حَتْفِهِ بِأظْلافِهِ، حينما تندلعُ ألْسِنَةُ اللَّهَبَانِ الكَنِينِ من جديدٍ عَاليًا عَاليًا، وحينما تُعْلِنُ هذهِ الألْسِنَةُ بسَعِيرِهَا العَارمِ إرْهاصَاتِ الطورِ القَرَاريِّ الأخيرِ، طورِ الحَسْمِ الثوريِّ الذَّخِيرِ، شاءَتْ أرْجَاسُ تلك السِّفْلَةِ، أو تلك الحُثَالةِ، ومَنْ تُكِنُّ الوَلاءَ لهُمْ من لفيفِ أسْيَادِهَا الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ المَعْنِيِّينَ، أمْ أبتْ. وكما هي الحَالُ في أيَّةِ ثورةٍ شعبيةٍ عربيَّةٍ، أو حتى في أيَّةِ نظيرةٍ «عَالَمْ-ثالِثِيَّةٍ» لاعربيَّةٍ، تثُورُ على الطُّغْيَانِ وعلى حَيْفِ الزَّمَانِ، ينجلي في ذلك الطَّوْرِ الهَجِينِيِّ لِلثَّوَرَانِ المُضَادِّ الآنِفِ الذِّكْرِ انجلاءً، بأضْعَفِ الاِحْتِمَالِ، ينجلي عاملانِ قَمْعِيَّانِ «كَمِّيَّانِ» مكمِّلانِ لبعضِهِمَا البعضِ، فيما يتبدَّى، أوَّلُهُمَا داخليٌّ مباشرٌ (يُسَيِّرُهُ أزلامُ الحُكْمِ المُتَشَبِّثُونَ بالبقاءِ)، وثانيهمَا خارجيٌّ لامباشرٌ (يُصَيِّرُهُ أسيادُ أزلامِ هذا الحُكْمِ المُتَرَبِّثُونَ بالشَّقَاءِ)، عاملانِ قَمْعِيَّانِ «كَمِّيَّانِ» يعملانِ بجِدٍّ وكَدٍّ على إدَامَةِ هذا الطورِ الهَجِينِيِّ، وعلى دَيْمُومَةِ مُجْتَباهُ إلى حَدِّ اجتباءِ ذاتِ «الطَّوْرِ اللَّاهَجِينِيِّ»، بأيَّتِمَا ذريعةٍ سياسيةٍ براغماتيةٍ كانتْ، حتى لو كانتْ هذهِ الذريعةُ لاأخلاقيةً في الصَّميمِ، وحتى لو كانتْ هذهِ الذريعةُ لاإنسانيةً، لا بَلْ مَا دُونَ-حَيَوانِيَّةً، في صَميمِ الصَّميمِ – والمشهدانِ الثوريَّانِ الشَّعْبِيَّانِ في السُّودَانِ وفي الجَزَائِرِ، حتى هذا الحينِ من الهَيَجَانِ والغَلَيَانِ الجَمَاهِيرِيَّيْنِ منهمَا ومَا يليهِ من أحيَانٍ قمينةٍ، لا يُشَكِّلانِ البَتَّةَ استثناءً مُسْتَثْنًى بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ، في هذهِ القرينةِ. ولٰكِنْ، ولٰكِنْ، ومعَ كلِّ أشكالِ هذا التَّدْوِيمِ الدَّخِيلِ واللادَخيلِ وكلِّ أشكالِ هذا اللااستثناءِ «الضَّلِيلِ»، وبالرَّغمِ من كلِّ ما ينجُمُ عنهُمَا عِلاوَةً عليهِ من حالاتِ الاسْتِعْصَاءِ المُسْتَطِيلِ، فإنَّ كلاًّ من هٰذَيْنِ المشهدَيْنِ الثوريَّيْنِ الشَّعْبِيَّيْنِ لَمْ يَزَلْ سَائرًا، حتى هذا الآنِ من ثَوَرَانِهِ السِّلْمِيِّ الجَلِيلِ، لَمْ يَزَلْ سَائرًا على قَدَمٍ وسَاقٍ مَتِينَينِ ثابِتَيْنِ بكلِّ ما يقتضيهِ السَّيْرُ من عَزْمٍ ومن حَزْمٍ لا يعرفانِ أيَّ معنًى لقيدٍ من القُيُودِ معنًى سَليلٍ، ولا حتَّى يعرفانِ أيَّ مغزًى للخُمُولِ أوِ الخُمُودِ أوِ الحُيُودِ مغزًى غَلِيلٍ.

ففيما لهُ رباطٌ بالمشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ، من ناحيةٍ أولى، وبعدَ الإطاحةِ بعَرْشِ طاغيةِ البلادِ، عمر حسن البشير (ذلك الطاغيةِ العَتِيِّ الذي أفرزَهُ نظامٌ أوتوقراطيٌّ عسكريٌّ قدِ استبدَّ بالحُكْمِ استبدادًا مديدًا، مَدى ثلاثينَ عَامًا)، تواصلُ الثَّائراتُ والثَّائرُونَ السُّودَانيُّونَ سَعْيَهُمْ بسَائِرِ أطيافِهِمْ تارةً في الاحتجَاجِ بسِلْمِيَّةٍ هَا هُنا، وتارةً أُخرى في الاعتصَامِ بأكثرَ منهُ سِلْمِيَّةً هَا هُنَاكَ أمَامَ مَقَرِّ القيادةِ العامَّةِ للجَيْشِ «الوطنيِّ» (في العاصمةِ الخرطومِ، في المَقامِ الأوَّلِ)، يواصلونَ سَعْيَهُمْ مطالبينَ بكلِّ إصْرَارٍ، على أقلِّ تقديرٍ، بتسليمِ «مقاليدِ» الحُكْمِ العسكريِّ إلى نظيرٍ مدنيٍّ قلبًا وقالِبًا، وبتمثيلٍ رَمْزِيٍّ من الجَيْشِ جِدِّ مَحْدُودٍ لأسبابٍ بَدَهِيَّةٍ بَيِّنَةٍ بذاتِهَا، مَهْمَا حاولتْ عناصرُ مِمَّا يُسَمَّى بـ«المجلس العسكري الانتقالي» أفَّاكَةً في تَسْويفِ التفاوُضِ الجَادِّ معَ قادةِ ذلك الائتلافِ المدنيِّ المُنْضَوي تحتَ لواءِ «قوى (إعلان) الحرية والتغيير»، وذلك تشبُّثًا بـ«مقاليدِ» ذاتِ الحُكْمِ العسكريِّ برئاسةِ عبد الفتاح البرهان (ذي التَّواصُلِ «الحَمِيمِيِّ» معَ طاغيةِ مصرَ، عبد الفتاح الآخَرِ!)، ومَهْمَا حاولتْ كذاك عناصرُ مِمَّا يُدْعَى بـ«قوات الدعم السريع» فَتَّاكَةً بالقوَّةِ، أو حتَّى بالفِعْلِ، في استخدامِ العُنْفِ بارتدادِهِ العَكْسِيِّ في الضَّرَّاءِ لا في السَّرَّاءِ، وذلك تشبُّثًا أكثرَ حتَّى بـ«مقاليدِ» ذاتِ الحُكْمِ العسكريِّ أيضًا بنيابةِ رئاسةِ محمد حمدان دقلو، ذي اللَّقَبِ العَامِّيِّ الشَّهيرِ «حْمِيدْتِي» (وذي التَّواصُلِ «الأكثرِ حميميَّةً»، بدورِهِ هو الآخَرُ، معَ طاغيتَيِ السُّعوديَّةِ والإماراتِ، المحمدّينِ الآخَرَيْنِ!)، حتَّى تكتملَ، هَا هُنَا، مهزلةُ المهازلِ في التَّطَابُقِ الغريبِ والعَجيبِ مَا بَيْنَ الأسْمَاءِ الأوائلِ – وهذهِ القواتُ الأخيرةُ، للتذكيرِ العَابرِ، إنَّمَا هي قواتٌ «بَلْطَجِيَّةٌ» بامتيازٍ لا تختلفُ، من حيثُ الفَحْوَاءُ، عن قطعانِ «شَبِّيحَةِ» النظامِ الفاشيِّ المَافْيَويِّ الطائفيِّ المتوحِّشِ المُخْتصِّ بشتَّى صُنُوفِ الإجرامِ مَا دُونَ-البَهِيمِيِّ في سوريا. وفيما لهُ مِسَاسٌ بالمشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ الجَزَائِرِيِّ، من ناحيةٍ أُخْرَى، وبعدَ الإطاحةِ أيضًا بعَرْشِ طاغيةِ البلادِ، عبد العزيز بوتفليقة، من طَرَفِهِ هو الآخَرُ (ذلك الطاغيةِ العَتِيِّ الذي أنْتَجَهُ نظامٌ بيروقراطيٌّ عسكريٌّ قدِ استبدَّ بالحُكْمِ استبدادًا أمَدَّ بكثيرٍ من استبدادِ «قَرِينِهِ» السُّودَانيِّ، مَدَى خمسةٍ وخمسينَ عامًا)، تتابعُ الثَّائراتُ والثَّائرُونَ الجَزَائِرِيُّونَ جَهْدَهُمْ في الاحتجَاجِ وفي الاعتصَامِ السِّلْميَّيْنِ بكافَّةِ أطيافِهِمْ أيضًا، وقد تأوَّجتْ هذهِ الأطيافُ مُؤَخَّرًا بازديادِهَا الجَمَاهيريِّ المَلْحُوظِ في جُمُوعِ طالباتِ وطُلاَّبِ الجَامِعَاتِ أمَامَ مَقَرِّ قيادةِ أركانِ الجيشِ «الوطنيِّ»، أو «اللاوطنيِّ» بالأحْرَى (في العاصمةِ الجزائرِ أيضًا، في الأغلبِ والأعمِّ)، يتابعونَ جَهْدَهُمْ مطالبينَ بكلِّ إلحَاحٍ، في الحَدِّ الأدنى من الدستورِ الجزائريِّ بالذَّاتِ، بتفعيلِ كلٍّ من المادةِ السابعةِ التي تنصُّ على أنَّ «الشَّعْبَ مَصْدرُ كلِّ سُلْطَةٍ» والمادةِ الثامنةِ التي تنصُّ على أنَّ «السُّلْطَةَ التأسيسيَّةَ مِلْكٌ للشَّعْبِ»، وبترحيلِ كُلٍّ مِمَّا تبقَّى من «أشلاءِ» النظامِ الفاشيِّ المَافْيَويِّ الهَرِمِ المُتَهَرِّئِ الهِرْدَبَّةِ الهِرْشَفَّةِ الآسِنِ حتَّى القِحْفِ من الرَّأسِ في مستنقعاتِ الفسَادِ والرَّذيلةِ والمُحَابَاةِ والمحسوبِيَّاتِ بكلِّ أشكالِهَا، وعلى رأسِهِمْ رئيسُهُ المؤقَّتُ (عبد القادر بن صالح) ورئيسُ وزرائِهِ الأكثرِ توقيتًا (نور الدين بدوي) وقائد أركانِ جيشهِ الأقلِّ توقيتًا (أحمد قايد صالح)، حتى لو تَوَغَّنَ هؤلاءِ بقايَا «الأشلاءِ» عَلى إجراءِ مَا يختلقُونَهُ ومَا يُسَمُّونَهُ بـ«الانتخابِ الرئاسيِّ» المُزْمَعِ مَوْعِدُهُ في اليومِ الرَّابعِ من شهرِ تمُّوزَ المُقْبِلِ من هذا العَامِ – وهو، على فكرةٍ، ذاتُ «الانتخابِ الرئاسيِّ» المَرْفُوضِ من أُسِّ أسَاسِهِ الاختلاقيِّ بالاِسْمِ رَفْضًا قَاطِعًا من لَدُنْ أولئك الثَّائراتِ المستمرَّاتِ والثَّائرِينَ المستمرِّينَ في ذلك الثَّوَرَانِ السِّلْمِيِّ الأُسْطُوريِّ بِجُلِّهِنَّ وجُلِّهِم، لا مَحَالَ. 

وبالنظرِ الوَكِيدِ إلى كُلٍّ من هٰذَيْنِ المشهدَيْنِ الثوريَّيْنِ الشَّعْبِيَّيْنِ بعينَيْنِ عقلانيَّتَيْنِ لابَخْسِيَّتَيْنِ، وعلى الأخصِّ أنَّهمَا مشهدانِ ثوريَّانِ يتبدَّيَانِ بوَصْفِهِمَا استمرارًا «ربيعيًّا» في الجَانبِ الإفريقيِّ من هذا العَالَمِ العربيِّ التَّائِهِ والرَّائِهِ رَيْهًا جَمُوحًا كعادتِهِ في الخَوَالِي من تلك السَّنَوَاتِ الثَّمَانِي، فإنَّ أيَّ جِنْسٍ من أجناسِ ذلك «التحليلِ السياسيِّ» المُتَمَرِّسِ بحُكْمِ المِهْنَةِ، أو حتَّى المُتَمَرِّسِ بحُكْمِ غيرِ المِهْنَةِ، يلجأُ مَحْثُوثًا بذلك «الحَمَاسِ الثوريِّ» المُفْرِطِ إفراطًا إلى حَدِّ الافتعالِ (أو، بالحَرِيِّ، ذلك «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» Hyper-Revolutionary Fervour، إنْ جازتِ الاستعارةُ، هَا هُنَا، من مصطلحَاتِ علمِ النَّفْسِ الحَدِيثِ «المُسَالِمِ»)، يلجأُ مَحْثُوثًا إلى استخدامِ فَيْضٍ من بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ، ومَا تَنْطَوِي عليهِ بدورِهَا من دلالاتٍ تمييزيةٍ، أو من دلالاتٍ تفضيليَّةٍ – لا بل جِدِّ تفضيليَّةٍ، في مَعْرِضِ الكلامِ عن «إنجازاتِ» الثورةِ الشعبيةِ السُّودَانيَّةِ، حتَّى هذا الحينِ أو حتَّى ذاك الحينِ منها، ودونَ الأخْذِ بالحُسْبَانِ بَتَّةً مَا يقابلُ هذهِ الـ«إنجازاتِ» فيمَا يتعلَّقُ بالثورةِ الشعبيةِ الجزائريَّةِ تحديدًا (أو أيَّةِ ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ أُخرى، بقَدْرِ ما يتعلَّقُ الأمرُ بِهَا كذلك)، إنَّمَا هو جِنْسٌ من أجناسِ «التحليلِ السياسيِّ» الانتقائيِّ الاصطفائيِّ الحَائِدِ عن جَادَّةِ الصَّوَابِ والسَّدَادِ إلى حدٍّ كبيرٍ، ولا رَيْبَ، وخُصُوصًا كُلَّ الخُصُوصِ حينمَا يصدُرُ هذا الجِنْسُ عن المصدرِ المَرْبُوصِ على «اليسارِ العربيِّ» تنظيرًا وَ/أوْ تطبيقًا، وسَواءً كانَ هذا اليسارُ العربيُّ  ماركسيًّا أمْ لاماركسيًّا أمْ في مَرْهَصَةٍ بينَ المَرْهَصَتَيْنِ. وقدْ أشرتُ، في القسمِ الثامنِ من هذا المقالِ، إلى شيءٍ من بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ تلك، إشارةً إلى مَا قَامَ بِهِ الباحثُ الجَامعيُّ جلبير الأشقر بكلِّ جِدٍّ وجِدِّيَّةٍ في مقالهِ المُشارِ إليهِ، «التضامنُ مع الثورةِ السودانيةِ ملحٌّ!» (القدس العربي، 23 نيسان 2019)، إشارةً إلى قَوْلِهِ «الحَمَاسِيِّ فوقَ-الثوريِّ» بأنَّ الثورةَ الشعبيةَ السُّودَانِيَّةَ إنَّمَا تشكِّلُ «الحالةَ الأكثرَ تقدُّمًا وخطورةً» وإنَّمَا تشكِّلُ «الحالةَ الأكثرَ صَلابةً وجذريَّةً»، وذلك لمجرَّدِ أنَّ هذهِ الثورةَ تَمْتَازُ بوجودِ قيادةٍ ثوريَّةٍ يقودُهَا قادةُ الائتلافِ المدنيِّ بالذَّاتِ، «قوى (إعلان) الحرية والتغيير»، المذكورِ قبلَ قليلٍ. وقلتُ هناكَ إنَّ في هذا القولِ «الحَمَاسِيِّ فوقَ-الثوريِّ» إجحَافًا وتسفيهًا غيرَ مباشِرَيْنِ – وقدْ صَارَا مباشرَيْنِ الآنَ، في حقيقةِ الأمرِ، بحقِّ الثورةِ الشعبيةِ الجزائريَّةِ، خاصَّةً (وبحُقُوقِ الثوراتِ الشعبيةِ العربيةِ الأُخرى، عَامَّةً)، لماذا؟ – لأنَّ الثورةَ الشعبيةَ السُّودَانِيَّةَ من طَرَفِهَا، ومعَ اتِّصَافِهَا بصِفَةِ الحُضُورِ القِيَادِيِّ الثوريِّ المُتَكَلَّمِ عَلَيْهِ، لمْ يميِّزْهَا حتَّى هذهِ اللحظةِ من نشوبِهَا أيَّ تمييزٍ موضوعيٍّ، ولا حتَّى ذاتيٍّ، من ذلك «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» عن شَقِيقَتِهَا الثورةِ الشعبيةِ الجزائريَّةِ، ومعَ اتِّسَامِهَا بسِمَةِ الغِيَابِ القِيَادِيِّ الثوريِّ على النَّقِيضِ. حتَّى أنَّ هذهِ الشَّقِيقَةَ الجزائريَّةَ الأخيرةَ، من طَرَفِهَا هي الأُخْرَى، قدْ أثبتتْ للعَالَمِ كُلِّهِ، من جَرَّاءِ سِمَةِ الغِيَابِ القِيَادِيِّ الثوريِّ التي تَتَّسِمُ بِهَا، أنَّهُ مَا مِنْ قُوَّةٍ فيزيائيَّةٍ، ومَا مِنْ قُوَّةٍ مِيتَا-فيزيائيَّةٍ حتَّى، يُمْكِنُ لَهَا أنْ تَعْلُوَ بَتَّةً على قُوَّةِ مَا يُعْرَفُ بـ«المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ» Collective Human Agency، وعلى الأخصِّ حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ: حتىَّ أفراخُ الطَّيرِ تستطيعُ أنْ تُحَلِّقَ في السَّمَاءِ أعْلى مِمَّا تستطيعُ (على الأرضِ) بقُوَّةِ الإرادَةِ في حَدِّ ذاتِهَا، لا بقُوَّةِ الجَنَاحَيْنِ، كَمَا كَانَ الحُكَمَاءُ القُدَامَى يقولونَ وقدْ كانوا عَلى يَقِينٍ مُطْلَقٍ من هذا القَوْلِ، وأوَّلُهُمْ كُونْفُوشْيُوس. وهكذا، وهذا يعني بجَلاءٍ، بالغِرَارِ ذاتِهِ، أنَّ صِفَةَ الحُضُورِ القِيَادِيِّ الثوريِّ التي تَتَّصِفُ بِهَا الشَّقِيقَةُ السُّودَانِيَّةُ الأولى، ورَغْمَ «إيجابيَّاتِ» هذا الحُضُورِ السَّاطِعِ للعِيَانِ عَلى أكثرَ من صَعِيدٍ، ليسَ لهَا مَحَلٌّ من الإعْرَابِ في التَّألُّقِ الأشدِّ سُطُوعًا لِقُوَّةِ المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ، وبالأخصِّ حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ (لكي نُعِيدَ التعبيرَ ذاتَهُ، مرَّةً ثانِيَةً، للتَّوْكِيدِ – من بُدِّهِ). هذا هو الوَعْيُ الطَّبَقِيُّ الجَمَاهيريُّ اليقينيُّ بالصِّرَاعِ بينَ طبقةِ الطُّاغِيَةِ العَتِيِّ وبينَ طبقاتِ الشَّعْبِ المَعْتِيِّ (عَلَيْهِ) أيًّا كانَ في تاريخِ مَدِّهِ، هذا هو الوَعْيُ الطَّبَقِيُّ الجَمَاهيريُّ اليقينيُّ الذي تمخَّضَ عن مَدَى القَمْعِ والقَسْرِ والقَهْرِ ومَا تمخَّضَ عنْهَا بدَوْرِهَا من بُؤْسٍ نفسيٍّ-اِجتماعيٍّ مدِيدٍ زائدٍ عنْ حدِّهِ، هذا هو الوَعْيُ الطَّبَقِيُّ الجَمَاهيريُّ اليقينيُّ الذي حَطَّ كلاًّ من أنظمةِ الطُّغْيَانِ المَعْنِيَّةِ في مَحَطٍّ مُنْحَطٍّ لَمْ يَعُدْ في مَقْدُورِهِ التَّحَكُّمُ فيهِ بالسِّيادَةِ والسِّيَادِ لَدَى اشتدادِ ذاك الزَّنْدِ، زَنْدِ الشَّعْبِ السُّودَانِيِّ أوِ الجَزَائرِيِّ أوِ اللِّيبِيِّ أوِ المِصْريِّ أوِ اليَمَانِيِّ أوِ العِرَاقيِّ أوِ الأُرْدُنِّيِّ أوِ الفِلَسْطِينِيِّ أوِ السُّورِيِّ أوِ القَادِمِ والقَادِمِ، لا مَحَالَ، لَدَى اشتدادِ ذاك الزَّنْدِ، زَنْدِ الشَّعْبِ الزَّنُودِ في شَدِّهِ، هذا هو الوَعْيُ الطَّبَقِيُّ الجَمَاهيريُّ اليقينيُّ الذي سوفَ يُسَجِّلُهُ التاريخُ الإنسانيُّ وَعْيًا متزايدًا باطِّرَادٍ في سِجِلاَّتِ «النَّشَاطِ التاريخيِّ المستقلِّ» بالذَّاتِ – وقدْ تَطَرَّقَ إلى أشكالِ هذا النَّشَاطِ التاريخيِّ بالذاتِ لينينُ عَيْنُهُ مِرَارًا وتكرارًا في أكثرَ من سِيَاقٍ ثوريٍّ مَاثِلٍ، وخُصُوصًا بالاستنادِ إلى مَا عَنَاهُ ماركسُ عَيْنُ عَيْنِهِ من مرحلةِ التناقضِ الحَتْمِيِّ بين قِوَى الانتاجِ وبينَ علاقاتِ الانتاجِ، قبلَ أن يستحيلَ هذا التناقضُ الحَتْمِيُّ إلى قوَّةٍ تدميريَّةٍ شَاملةٍ لكَيْمَا يستهلَّ استهلالاً مرحلةَ الثَّوَرَانِ الاِجتماعيِّ الشَّاملِ.

وفَوْقَ ذلك كُلِّهِ، أيَّتُهَا القارئةُ الفَطِينَةُ وأيُّهَا القارئُ الفَطِينِ، لَمْ نَفْتَأْ في هذا الآنِ والآوانِ نَرَى مثقَّفينَ لامِعِينَ مِمَّنْ هُمْ (وهُنَّ) في عِدادِ المنتمينَ إلى «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوِ الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، لَمْ نَفْتَأْ نَرَاهُمْ يلجأُونَ مَحْثُوثِينَ بذاتِ «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» إلى استخدامِ فَيْضٍ (أو فُيُوضٍ) من بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ المُنَوَّهِ عنهُ آنِفًا، مَثَلُهُمْ في هذا اللُّجُوءِ كَمَثَلِ ذاك الصَّبيِّ «العبقريِّ» حينَ يشاهدُ، وَهْوَ مُخْرِجٌ بجهازِ التَّحَكُّمِ مِنْ بُعْدٍ، مَشَاهِدَ لُعْبَةٍ إلكترونيَّةٍ من تلك الألعَابِ المُسَمَّاةِ جَمْعًا بـ«حُرُوبِ النُّجُومِ» Star Wars، فيختارُ مَا يَشَاءُ من هذهِ الحُرُوبِ «مثالاً مَلْحَمِيًّا» يَحْتَذِي بِهِ احتذاءً في تَجْوالهِ الاِفْتِرَاضيِّ المَائِرِ، ويُكْسِيهِ من ثَمَّ «فُسْتَانًا أُسْطُورِيًّا» بكُلِّ مَا يَبْتَنِيهِ من خَيَالاتِ الاِسْتِيهَامِ الحَمَاسِيِّ الفَائِرِ، وبغضِّ الطَّرْفِ كُلِّ الطَّرْفِ، في مَعْمَعَانِ هذهِ «الحَرْبِ الضَّرُوسِ»، عن أيِّمَا «مثالٍ مَلْحَمِيٍّ» آخَرَ. فهَا هو، على سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، مثالُ الكاتبِ الرِّوَائيِّ اللبنانيِّ إلياس خوري، في مقالِهِ المَعْنِيِّ «السودانُ والربيعُ العربيُّ» (القدس العربي، 6 أيار 2019)، هَا هو يتحدَّثُ عن الثورةِ الشعبيةِ السُّودَانِيَّةِ بوَصْفِهَا «مِرْآةً ناصِعَةَ» تسمحُ، والحَالُ هذهِ، بإعادةِ النَّظَرِ في كَافَّةِ الثوراتِ الشعبيةِ العربيةِ التي سَبَقَتْهَا (بما فيها كذلك الثورةُ الشعبيةُ الجزائريَّةُ التي تُزَامِنُهَا الآنَ)، دونَ أنْ يتجشَّمَ أيًّا من عَنَاءِ القولِ بالنَّحْوِ العكسيِّ تمامًا بأنَّ هذهِ المِرْآةَ الناصِعَةَ ذاتَهَا، ولا شكَّ فيهَا بتَّةً، إنَّما استمدَّتْ نُصُوعَهَا، بنَحْوٍ أو بآخَرَ، من هذهِ الثوراتِ ذاتِهَا في الحَيِّزِ الأوَّلِ، رغمَ كلِّ مَا اعتراهَا ومَا يعتريهَا من إخفاقٍ ومن إحباطٍ، على مدى تلك الثَّمَانِي من عِجَافِ السِّنِينِ. وقدْ أشارَ الكاتبُ الرِّوَائيُّ مُنَاقِضًا نفسَهُ بنفسِهِ إلى بعضٍ من أسْبَابِ هذا الإخفاقِ وهذا الإحباطِ، إشارةً إلى أتْرَاحِ المشهدِ السُّورِيِّ الرَّثِيمِ، وبعدَ الإسْهابِ الرِّوَائيِّ في بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ الرَّنِيمِ، تلك الأسْبَابِ التي تأزَّمَتْ في آخِرِ المَطافِ في وُقُوعِ السُّوريَّاتِ والسُّوريِّينَ، أيَّامَ غُلِبُوا عَلى أمْرِهِمْ وأيَّامَ غُرِّرَ أيَّمَا تَغْرِيرٍ بِهِمْ، في وُقُوعِهِمْ بينَ فَكَّيْ نظامَينِ طُغْيَانِيَّيْنِ تَكَتُّلِيَّيْنِ يتقاتَلانِ تقاتُلاً هَمَجيًّا، لا بَلْ مَا دونَ-بهيميًّا، على السِّيَادةِ والنُّفُوذِ في أرضِ الشَّآمِ، من جهةٍ، ويتباريَانِ تباريًا لا يقلُّ هَمَجيَّةً ولا يقلُّ مَا دونَ-بهيميَّةً على إخْمَادِ الثورةِ الشعبيةِ السُّوريَّةِ باسْتنفَارِ شتَّى أولادِ الحَرَامِ، من جهةٍ أُخرى. وهٰذانِ النِّظامَانِ الطُّغْيَانِيَّانِ التَّكَتُّلِيَّانِ هُمَا: نظامُ السُّحْتِ الأسديُّ الإجْرَامِيُّ العَمِيلُ بقَرْنَيهِ الرُّوسيِّ والإيرانيِّ الجَلِيَّيْنِ (إضافةً إلى قُرونِهِ الخَفِيَّةِ من دولِ الغربِ الإمبرياليِّ الحَدِيثِ، بما فيها إسرائيلُ)، أوَّلاً، ونظامُ الزِّفْتِ السُّعُوديُّ النَّهْيَانيُّ الاجْتِرَامِيُّ الأجَلُّ عَمَالَةً بمخالبِهِ الجَلِيَّةِ من أشتاتِ المتوحشينَ التكفيريِّينَ والظلاميِّينَ (فضلاً كذلك عنْ مخالبِهِ الخَفِيَّةِ من دولِ الغربِ الإمبرياليِّ الحَدِيثِ، بما فيها إسرائيلُ)، ثانيًا – فـ«شجاعةُ» السُّودانيَّاتِ والسُّودانيِّينَ في تحطيمِ جُدْرَانِ الخَوْفِ، ولا ريبَ فيها بَتَّةً أيضًا، ليستْ مُنْعَدِمَةً على الإطلاقِ في أذْهَانِ الجزائريَّاتِ والجزائريينَ (ولا حتَّى مُنْعَدِمَةً في أذْهَانِ السُّوريَّاتِ والسُّوريِّينَ، ولا حتَّى مُنْعَدِمَةً في أذْهَانِ أيٍّ من الشُّعُوبِ التي ثارتْ والتي لم تَثُرْ بعدُ)، حتَّى يفتتحَ الكاتبُ الرِّوَائيُّ بلاغيَّاتِهِ التَّخْيِيريَّةَ بهَا (أي بـ«الشجاعةِ» المُتَحَدَّثِ عنهَا) متفرِّدًا بالسُّودانيَّاتِ والسُّودانيِّينَ، دُونَ غَيْرِهِنَّ ودُونَ غَيْرهِمْ، ودُونَ أنْ يختتمَ البلاغيَّاتِ ذَاتَهَا إنْ كانَ يعلمُ أنَّ هذهِ «الشجاعةَ» المُتَحَدَّثَ عنهَا بالذاتِ إنَّمَا اسْتَقَتْ بَريقَهَا، بِنَحْوِهَا هي الأُخْرَى، مِنْ «شَجَاعَاتِ» مَنْ قَوَّضْنَ ومَنْ قَوَّضُوا جُدْرَانَ الخَوْفِ ذَوَاتِهَا قبلَ تلك «الثَّمَانِي من عِجَافِ السِّنِينِ»، ومِنْ قُدَّامِ أنظمةٍ طُغْيَانِيَّةٍ أكثرَ وَحْشِيَّةً وأكثرَ بربريَّةً وحُوشِيَّةً في الظَّنِّ واليقينِ.

وهَا هو، على سَبِيلِ التَّمْثِيلِ كذاك (والأنكى من ذاك كلِّهِ)، مثالُ الكاتبِ الرِّوَائيِّ الجزائريِّ واسيني الأعرج في مقالِهِ المَعْنِيِّ «أيقوناتُ الثوراتِ العربيةِ، والحراكُ السلميُّ؟» (القدس العربي، 21 أيار 2019)، هَا هو يتكلَّمُ، من زاويتِهِ هو الآخَرُ، بتفرُّدٍ أشدَّ عَلى المستوى الجَمْعِيِّ، وبتفرُّدٍ أشدَّ شِدَّةً حتَّى على المستوى الفرديِّ تحديدًا، هَا هو يتكلَّمُ عن شخصيَّةٍ أنثويَّةٍ برزتْ فجأةً في المشهدِ السُّودَانِيِّ، كمثلِ الشابَّةِ السُّودانيةِ آلاء صالح (ولا شكَّ، لا شكَّ، في كُلِّ الثَّنَاءِ وفي كُلِّ التقديرِ اللذَيْنِ تستحقُّهُمَا استحقاقًا، في هذهِ القرينةِ)، يتكلَّمُ عنهَا عَلى اعتبارِهَا «أيقونةً جَمِيلةً» أنْشَأتْهَا الثورةُ الشعبيةُ السُّودَانِيَّةُ تعبيرًا عن الحَرَاكِ السِّلْمِيِّ في هذا الزَّمَانِ، وعَلى اعتبارِهَا كذلك صُورةً أنيقةً و«تمثالاً للحريَّةِ في كلِّ مكانٍ»، وعَلى اعتبارِهَا عِلاوةً عَلى ذلك كلِّهِ جَسَدًا أُنثويًّا تجسَّدتْ فيهِ رُوحُ «الملكةِ النُّوبيَّةِ الأسطوريَّةِ كَنْدَاكَةَ» بالرُّوحِ فأصَابَهَا شيءٌ من خُلودِهَا المُصَانِ، إلى آخرِهِ، إلى آخرِهِ، من أمثالِ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ الدِّعَائيِّ والدِّعَاوِيِّ التي تختصُّ بها وسَائلُ الإعلامِ الغَنِيَّةِ عن التعريفِ في الشَّرْقِ قبلَ الغَرْبِ (إنْ أرادتْ أنْ تُشْهِرَ شخصيَّةً أنثويَّةً، أو ذَكَرِيَّةً، إشْهَارًا لمَأْرَبٍ من المَآرِبِ، تمامًا مثلمَا تريدُ أنْ تُغْمِرَهَا إغْمَارًا، أو حتَّى أنْ تُفْنِيهَا إفْنَاءً، بمَقْلَبٍ من المَقَالِبِ). وهكذا ببساطةٍ، وهكذا لمُجَرَّدِ أنَّ هذهِ الشابَّةَ السُّودانيةَ وقفتْ على ظَهْرِ سيَّارةٍ «تُهَوِّسُ» وَسْطَ الحُشُودِ ببضْعٍ من عباراتِ الزَّجَلِ الشَّعبيِّ (الثوريِّ)، تحوَّلتْ بينَ عَشِيَّةٍ وضُحَاهَا إلى «أسطورةٍ ثوريَّةٍ» بهذا الزَّخْمِ الرِّوَائيِّ العتيدِ الذي استقطبَ كُلَّ الاِستقطابِ يَرَاعَاتِ الكاتبينَ وحَنْجَرَاتِ المُغَنِّينَ من «اليَسَارِ العربيِّ»، أو المَحْسُوبِ عليهِ (كمارسيل خليفة وسميح شقير، مثلاً لا حَصْرًا)، وعلى الرَّغْمِ الرَّغِيمِ من أنَّ هكذا «أسطورةً ثوريَّةً»، في حَدِّ ذاتِهَا، لَمْ تتحوَّلْ حتَّى خالدة زاهر (1926-2015) إلى أيِّ شيءٍ منها، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، تلك الناشطةُ اليساريَّةُ الماركسيَّةُ الحقيقيَّةُ التي كانتْ من أُولَيَاتِ النِّسَاءِ اللواتي كُنَّ غَيْرَ آبِهَاتٍ بالاعتقالِ والتنكيلِ إلى حَدِّ الجَلْدِ بأنواعِهِ، حينمَا كُنَّ يَقُدْنَ المُظاهراتِ تنديدًا بالاستعمارِ الإنكليزيِّ في الأربعينيَّاتِ ومطلعِ الخمسينيَّاتِ من القرنِ الفارطِ (قبلَ خُرُوجِ هذا الاستعمارِ إبَّانَئِذٍ)، وحينمَا كُنَّ يَقُدْنَها كذلك احتجاجًا على كلِّ أشكالِ الطُّغْيَانِ والاستبدادِ (بعدَ خُرُوجِ ذاك الاستعمارِ عَامَ 1956) – وثَمَّةَ الكثيرُ الكثيرُ، عَلى اختلافِ الِانتمَاءَاتِ بكُلِّهَا، ثَمَّةَ الكثيرُ من أولئك الناشطاتِ اللواتي ارْتَقَيْنَ والناشطينَ الذينَ ارْتَقَوْا إلى مَصَافِّ «الأسطورةِ الثوريَّةِ» وإلى أرقَى مِنْهَا مَصَفًّا حتَّى، ثَمَّةَ الكثيرُ مِمَّنْ لَمْ يلتفتْ إليهِنَّ ولا إليهِمْ ضَميرُ «اليَسَارِ العربيِّ» أيَّ التفاتٍ بذلك الزَّخْمِ الرِّوَائيِّ الحَمَاسِيِّ العتيدِ. كَمَا قالَ أحدُ المُعلِّقينَ الفُطَنَاءِ مَا مَعْنَاهُ، هُنا، إنَّ أيَّ عَاملةٍ تعملُ في مَعْمَلٍ للمَلابسِ عَمَلاً شريفًا لكيمَا تُقَدِّمَ للنَّاسِ المَلابسَ جَيِّدةً، وحَسْبُ، إنْ هي إلاَّ أيقونةٌ وطنيَّةٌ لَأَهمُّ بكثيرٍ مِنِ امْرَأةٍ تَصْدَحُ بالصَّوتِ، لا لشيءٍ سِوَى لكيْ تكونَ «كَنْدَاكَةً»، ليسَ إلاَّ! وكَمَا يقولُ لِسَانُ الحَالِ كذاك لدَى أيَّةِ ذاتِ وأيِّ ذِي ضَميرٍ إنسَانِيٍّ في هذا الزَّمَانِ الفَقِيرِ إلى الضَّميرِ الإنسَانِيِّ مَا فَحْوَاهُ، هَا هُنا، إنَّ ظُفْرًا واحِدًا مِنْ أظْفَارِ الصَّبِيِّ الأبِيِّ حمزة الخطيب، تلك الأظْفَارِ التي اقتلعَتْهَا بكُلِّ وَحْشِيَّةٍ وبكُلِّ هَمَجِيَّةٍ وبكُلِّ حُوشِيَّةٍ كَمَّاشَاتُ نظامِ السُّحْتِ الأسديِّ الإجْرَامِيِّ العَمِيلِ، إنَّمَا يُعادلُ وَزْنًا لَأَجَلَّ بكثيرٍ مِنْ وَزْنِ «كَنْدَاكَةٍ» فَوْقَهَا سِتِّينَ ألفَ «كَنْدَاكَةٍ» مِمَّا يَعُدُّونَ!

وإنْ كانَ ثَمَّةَ مَنْ لا بُدَّ لَهُ مِنْ أنْ يَتَحَلَّى مَحْثُوثًا بفَيْضٍ مِنْ ذلك «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» في هذا الزَّمَانِ الفَقِيرِ إلى الضَّميرِ الإنسانيِّ، وإنْ كانَ ثَمَّةَ مَنْ لا بُدَّ لَهُ مِنْ أنَ يَتَمَلَّى مَحْثُوثًا إحْثَاثًا أشدَّ مِنْهُ فَيْضًا أوْ فُيُوضًا مِنْ بَلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ، ومَا تَنْطَوِي عليهِ بدورِهَا مِنْ دَلالٍ تمييزيٍّ، أوْ مِنْ دَلالٍ تفضيليٍّ أوْ جِدِّ تفضيليٍّ، وسَواءً كانَ هذا الـ«مَنْ» بَاحِثًا جَامِعِيًّا أمْ كاتبًا رِوَائِيًّا أمْ مُؤَلِّفًا مُوسِيقيًّا أمْ نَاشِطًا سِيَاسِيًّا (يَسَارِيًّا ماركسيًّا أوْ لاماركسيًّا أوْ بَيْنَ بَيْنَ)، أمْ حتَّى أيَّ شَيْءٍ غَيْرَ ذلك في الفَضَاءِ الرَّقَمِيِّ واللارَقَمِيِّ، فليسَ لَهُ إلاَّ أنْ يُوَظِّفَ هذا الحَمَاسَ كُلَّهُ، وليسَ لَهُ إلاَّ أنْ يُوَظِّفَ هذهِ البَلاغيَّاتِ كُلَّهَا، لِصَالِحِ رُمِّ الشُّعُوبِ العَرَبيَّةِ (أوِ اللاعَرَبيَّةِ) المُسْتَمِرَّةِ في ثَوَرَانِهَا السِّلْمِيِّ، وليسَ غيرَ هذهِ الشُّعُوبِ. ذلك لأنَّ هذهِ الشُّعُوبَ، بمَا تُبدِيهِ للدُّنْيَا بأٍسْرِهَا من وَعْيٍ فَرْدِيٍّ وجَمْعِيٍّ حقيقيٍّ بوجودِهَا المَسْلُوبِ، لا تحتاجُ بَتَّةً إلى أيٍّ من «أيْقُونَاتِ» الحُضُورِ القِيَادِيِّ الثوريِّ، لا في الشُّرُوقِ ولا في الغُرُوبِ!

[انتهى القسم التاسع من هذا المقال ويليه القسم العاشر]

 

غياث المرزوق – دبلن

 

 

صادق السامرائينسخ: أبطل وأزال أو ألغى، وفقهيا: إزالة ما كان ثابتا بنص شرعي.

نسخ الكتاب: نقله وكتبه حرفا بحرف، وفي الوقت الحاضر نقول إستنسخه أو صوره بآلة الإستساخ المعروفة.

يذكرون أن آية السيف في سورة التوبة (5) قد  نسخت(126) آية تدعو للعفو والصفح والحسنى، وهناك من يرى أن في القرآن (230 – 500) آية منسوخة، أي بطل العمل بها، وبمعنى آخر لا داعي لوجودها في القرآن.

وهذا الإقتراب يستند على "ما ننسخ من آية...."2:106 و "وإذا بدلنا آية مكان آية..." 16:101،

وهو إقتراب إنتقائي جاهل مبهم لا يستوعب إرادة الكتاب ومعناه الأشمل والأعمق والأصدق، ويحاول أن يسوّغ ما يهدف إليه بإسم الدين، وهو دليل دامغ على أن " القرآن حمّال الأوجه".

بينما المعنى الجوهري للآيتين يشير إلى أن التغيير سنة الحياة، ففي ظرف أقل من ثلاثٍ وعشرين سنة، تم نسخ بعض الآيات في القرآن والإتيان بأفضل منها لتتوافق مع معطيات الزمان الجديد!!

فكيف يناقض الخالق نفسه، لا تقل أنه قادر على كل شيئ قدير، فأنه كذلك لكنه يقول أن هذا الكتاب تام ولا عوج فيه ، ولا مبدل لكلماته، وهو مكنون مبين مرقوم مبارك ليدبروا آياته التي أحكمت ثم فصلت، فكيف يصح في الأفهام ما ينسخون وينتقون؟

وهؤلاء المتخندقون وراء هذه الإدعاءات هم الأصوليون الذين يرون أن لا إجتهاد في النص، ولا تأويل للنصوص القرآنية، لكنهم يجيزون لأنفسهم العمل بما يتوافق وأهواءهم ونوازعهم المطمورة الفاعلة فيهم، فالدين مطية لتحقيق رغبات نفوسهم الأمارة بالسوء.

وهم في توجهاتهم هذه يعادون الله ورسوله ويقللون من قيمة وهيبة القرآن، لأنهم وكأنهم يريدون القول بأنه من تأليف البشر، وفي هذا العصر المعلوماتي الفياض ربما سيكون القرآن بسببهم كتابا عاديا، إن لم يستفيقوا ويتفكروا فيما يذهبون إليه ويقومون به من سلوكيات منافية للدين والعصر.

ومعنى توجهاتهم أيضا، أنهم يدعون الناس إلى إسقاط العديد من الآيات في القرآن، أي كأنهم يريدون كتابة القرآن من جديد ووفقا لأهوائهم، وإلا ما معنى أن القرآن يزدحم بالآيات الباطل العمل بها، وأن علينا أن ننتقي الآيات التي يرونها تخدم مصالحهم وتجارتهم بالدين؟

إن أي كتاب إذا أبطلتَ جوهر ما فيه فأنك تلغيه، وتجرده من دوره وقيمته وتأثيره في العقول والنفوس، وتحوله إلى موجود عادي أو يستحق الإهمال والنسيان، لأنه محشو بما لا يجوز العمل بموجبه، وفي هذا عدوان كبير على القرآن والدين.

فهل سيرعوي أعداء الدين والقرآن، ويستوعبون مخاطر ما يدّعون على الدين؟

فتعقلوا وكونوا من الصالحين الذين يجيدون الحكمة والموعظة الحسنة فالله رحمان رحيم!!

 

د. صادق السامرائي

 

لم يجد الرئيس الامريكى دونالد ترامب فى كل شهور السنة غير شهر مايو ليعلن فيه قيام المؤتمر الاقتصادي حول فلسطين (من السلام الى الازدهار) ولم يجد فى كل عواصم الدنيا غير المنامة العربية الإسلامية مكانا تقيم فيه هذا المؤتمر، فالرئيس ترامب له أجنداته الخاصة لعقد مثل تلك المؤتمرات ومن بين ما يشرح تلك الأجندات دلالة الزمان لكى تنشط الذاكرة فى استحضار الأحداث، ودلالة المكان لكى ينشط العقل فى استلهام المعاني لان استحضار الإحداث يوجب على المؤتمرين الرجوع الى شهر مايو من عام 1948م حينما تم اعلان دولة اسرائيل من وتم ميلاد النكبة للشعب الفلسطينى من جهة اخرى، واستلهام المعانى يوجب على المؤتمرين ايضا الركون الى ان الدول العربية والاسلامية التى كانت تجعل من اسرائيل عدوها الاول هاهى الان تسير على تناغم مع معها للوصول الى تصفية قضية فلسطين  الى الابد.

لا يأبه ترامب وصهره كوشنر بمن يقول (لا) لصفقة القرن ومن بينهم الفلسطينيون اجمعين، ولا تحفل اسرائيل بمن يقف فى وجه تسوية النزاع على النحو الذى يراه ترامب بما فيهم الدول العربية والإسلامية كلها، بل أنهم جميعا يمضون قدما الى الإمام فى اتمام صفقة القرن، لانهم على علم يقينى بان من يقول اليوم لا سيقول غدا نعم فحال الدول العربية لن يتغيرومسارها لن يتحول وضعفها الذى لازمها منذ اعلان دولة فلسطين لن ينقلب اليوم الى قوة، وها نحن اليوم نصل الى مرحلة الترتيبات الاقتصادية لتلك الصفقة، لتعقد فى احدى عواصم العرب وسيحضرها ممثلين للعرب وسيتكفل بتنفيذها العرب وسيتحمل عبء التزاماتها العرب ثم على العرب  ان يتحملوا كل نتاج هذا الفعل واقله ضياع فلسطين العربية .

هى اذن رشوة مالية للفسطينيين تدشن بها ادارة ترامب رسميا لشرعنة مسار صفقة القرن ، وتبدأ بها اول فصول التصفية الاجبارية لقضية فلسطين وترسم بها اولى خطوات الاخفاق العربى الكبير لا بايديها هى ولكن بايدى العرب انفسهم ، هى رشوة مالية يقدمها ترامب لانه يدرك ان كل العالم اليوم يسير وفق ما تقضيه المصالح المادية، وان الكل يبيع ويشترى فى هذا السوق الكبير، وان الناس جميعهم مستعدون للبيع وان المبييع يمكن ان يكون كل شئ بما فيها الاوطان ، وكما قالت صحيفة نيويورك تايمز ( ان ترامب وصهره قررا نهج رجال الاعمال تجاه السلام فى الشرق الاوسط عبر محاولة شراء طريق للتوصل الى اتفاق سلام )  .

تكمن فكرة مؤتمر المنامة بشأن فلسطين كما تقول صحيفة نيويورك تايمز ايضا فى تامين التزامات مالية من دول الخليج وكذلك الجهات المانحة فى اورويا واسيا لحث الفلسطينيين وحلفائهم لتقديم تنازلات سياسية، وعلى هذا يعول الرئيس ترامب لانه يريد تصفية قضية العرب بايدى العرب وهو نهج رجال الاعمال الذين يسعون لانجاز اعمالهم بأيدى غيرهم ثم يتقاضونهم ثمنها، هم يريدون بناء دولة من حيث البنى التحتية لتكون مكانا هانئا لمن يسكنه ويريدون ان ينعم الناس فيها بالرفاه والامان الدعة ويريدون  من شعب فلسطين ان يعيش فى اماكن الشتات لانها أصبحت لهم وطن  ويرتجون من وراء كل ذلك انهاء كابوس حماس والجهاد والمقاومة، فقد أرهقتهم هذه التسميات وافزعتهم تلك التفجيرات وعذبتهم تلك الحجارة، هم يريدون وطنا يهوديا خالصا لان لهم قضية كبرى  فى بسط نفوذهم على ارض الميعاد ومن بعدها على البشرية كلها ليتذوقوا فيها حلاوة السيادة على الاخرين بعد معاناتهم المتطاولة مع النازيين

هى اذن نكبة فى ذكرى النكبة .. هى نكبة لأن ترامب عازم على ازالة فلسطين من الوجود ردا على من يقولون بإزالة اسرائيل من الوجود، وهى نكبة لان الختيار ترامب يوظف العرب وليس غيرهم لتلك الازالة وهم راضون، وهى نكبة لانها ترتبت على افعال مخالفة للقانون الدولى والاخلاق الدولية والاعراف الدوليةالذى يتشدق به العالم فى ترتيب الحقوق والواجبات وهى نكبة لانها تعقد على ارض عربية  اسلامية

وبترتيبات عربية اسلامية وباموال عربية اسلامية والعرب يقولون بعد كل هذابانه ليست هنالك اية دوافع خفية وراء الورشة الاقتصادية وان قرار البحرين استضافة الحدث هو انعكاس لدعمها للقضية الفلسطينية، وأصحاب القضية الفلسطينية رغم خلافهم الكبير اجمعوا على رفضهم المؤتمر وعدم حضورهم لجلساته بل وطالبوا البحرين بعدم اقامة هذا المؤتمر على اراضيها... اليست هذه نكبة فى ذكرى النكبة ؟؟

 

ناجى احمد الصديق -  السودان

 

محمد صالح الجبوريالثقافة نوعان ايجابية وسلبية، الثقافة الإيجابيةهي التي تسعى لخدمة المجتمع، من خلال إشاعة روح التعاون، وإحياء التراث ونشرالعادات والتقاليد الاصيلة، ونبذ التفرقة والعنف والطائفية،وتَحلي الإنسان بالصفات النبيلة الصدق والشجاعة والوفاء والإيمان بالمبادئ والقيم العالية وإحترام  القانون وحب الوطن والدفاع عنه، وبناء المجتمع على أسس تسهم في الرقي والتقدم، ومحاربة الفساد والسرقات والإختلاس، والحفاظ على ألمال العام، وتحمل المسؤولية تجاه الشعب والقضاء على الجهل والمرض والأمية، وإنشاء جيل قوي له أهدافه وتطلعاته في الحياة الحرة الكريمة، الثقافة التي تساهم في البناء والأعمار، وترتقي نحو السمو والرفعة والمجد ومحبة العلم، أما الثقافة السلبية هي التي تنشر المفاهيم الخاطئة التي تقلل من شأن المجتمع، وتسود فيه مفاهيم التفرقة والتطرف والطائفية، والإنقسام، وتدعو إلى الانحلال والقيم المستوردة البعيدة عن أخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا، والسعي إلى إشاعة الفتن والإقتتال بين أفراد الشعب، وعدم الحفاظ على أموال الشعب، وتفشي الأمراض الإجتماعية التي تضعف المجتمع، وعدم الإهتمام في التربية والتعليم، والمباديء التي تنهض بالمجتمع إلى المراتب العليا بين الأمم المتحضرة في هذ العالم، المؤسسات الثقافية قادرة على بناء مشاريع كبيرة للنهوض بالواقع الثقافي ، الذي يُنشأ اجيالاً لها منهجها وأهدافها لبناء مجتمعاًقوياً،إن تَظافر الجهود في خلق وعي مجتمعي هدفه تحقيق ثقافة  ايجابية لخدمة الفرد والمجتمع، والقضاء على كل أشكال التخلف، الدعوة إلى العيش بسلام وأمان وإستقرار وتعاون بين الجميع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

امجد الدهاماتيتصرف أغلبنا، نحن العراقيين، وكأننا نعيش بمعزل عن العالم، لا نقبل أو نتقبّل أشياء كثيرة مارستها البلدان والشعوب الأخرى بشكل عادي جداً منذ زمن طويل، ولكننا نرفضها ونتحسس منها ونعتبرها شيء غير طبيعي، بل ونستغرب منها كثيراً.

أكتب هذا بمناسبة الجدل الكبير الذي يبرز بين فترة وأخرى حول موضوعة النشيد الوطني العراقي التي نتعامل معها بحساسية كبيرة وتشدد مفرط، ومع أعترافي بأهمية النشيد الوطني لكل دولة، لكن بعض الناس حمّل هذا الموضوع أكثر من طاقته، خاصة أولئك الذين يريدون نشيداً وطنياً عراقياً (خالصاً) من حيث الكلمات واللحن، أنهم يستغربون من أشياء هي في حقيقتها طبيعية جداً وليست غريبة، منها:  

يتسائلون بأستغراب: كيف يكون نشيد العراق الوطني مكتوباً بأكثر من لغة واحدة؟!

أنهم يجادلون بأن الأغلبية في البلد هم من العرب الاقحاح ويجب أن يكون النشيد الوطني بلغتهم العربية حصراً وخالٍ من كلمات باللغات العراقية الأخرى، مثل: الكردية، التركمانية، الاشورية، السريانية، المندائية والشبكية.

أقول: أيها السيدات والسادة لسنا أصحاب هذه (البدعة) وبالتالي فلا نتحمل وزرها، إذ سبقتنا إليها دول كثيرة تحرص على تمثيل مكونات شعبها المتعددة في رموزها الوطنية مثل العلَم والشعار والنشيد الوطني، فلماذا تستغربون من ذلك؟ أليستْ هذه المكونات جزءاً اصيلاً من شعبنا ومن حقها أن تتمثل بالنشيد الوطني؟

هل تريدون مصداقاً لكلامي؟ حسناً ... هاكمْ هذه الأمثلة:

نشيد أيرلندا الوطني وعنوانه (The Soldier's Song) مكتوب باللغتين الرسميتين للبلاد وهما الأيرلندية والإنجليزية، ونشيد نيوزيلاند الوطني (God Defend New Zealand) مكتوب باللغة الإنجليزية ولغة محلية هي (Māor)، نشيد دولة سورينام (God be with our Suriname) مكتوب باللغة الهولندية ولغة محلية اسمها (Sranan Tongo)، نشيد جزر فيجي (God Bless Fiji) باللغتين الإنجليزية والفيجية، نشيد كندا (O Canada) بثلاث لغات هي الإنجليزية والفرنسية ولغة الشعوب الاصلية (Inuktitut)، نشيد بلجيكا (La Brabançonne) مكتوب بثلاث لغات هي الهولندية والفرنسية والألمانية، نشيد زمبابوي (Blessed be the Land of Zimbabwe) مكتوب بلغة البلد الرسمية (Shona) وله ترجمات رسمية باللغة الإنجليزية ولغة محلية اسمها (Ndebele)، نشيد سنغافورة (Onward Singapore) المكتوب باللغة الملاوية له ترجمات رسمية باللغات الإنجليزية والماندرينية والتاميلية، نشيد سويسرا (Swiss Psalm) مكتوب بأربع لغات هي الفرنسية، الألمانية، الإيطالية والرومانية، اما نشيد دولة جنوب افريقيا (Lord Bless Africa) فمكتوب بخمس لغات هي (الهاوسا، الزولو، السيسوتو، الأفريكانس، والانجليزية).

والأكثر غرابة أن الأناشيد الوطنية لبعض الدول لم تُكتب بلغتها الرسمية اصلاً، مثل أناشيد: فنلندا (Our Land) مكتوب باللغة السويدية، الفاتيكان (Papal Anthem) باللغة اللاتينية، الهند (Jana Gana Mana) باللغة البنغالية، الباكستان (Qaumi Taranah) باللغة الفارسية، الفلبين (Chosen Land) بالإسبانية، بروناي (God Bless the Sultan) بالماليزية، أنغولا (Onwards Angola) بالبرتغالية، موزمبيق (Pátria Amada) وغينيا الاستوائية (Let Us Tread the Path of Our Immense Happiness) بالإسبانية، اما أناشيد دول: ناميبيا (Namibia, Land of the Brave)، الكاميرون (O Cameroon, Cradle of Our Forefathers)، مالي (Mali)، ليبريا (All Hail, Liberia, hail)، وجنوب السودان (South Sudan Oyee) فقد كُتبت باللغة الإنجليزية.

ويتسائل الذين يريدون نشيداً عراقياً (خالصاً) من جديد: كيف يكتب نشيدنا شاعر غير عراقي؟!

ولكن، أيها الأعزاء، هذا أمر عادي جداً وحاصل فعلاً في كثير من الدول، وإليكم الدليل:

النشيد الوطني السوري الأول لعام (1923) وعنوانه (سوريا يا ذات المجد) كتب كلماته الشاعر اللبناني مختار التنّير، نشيد ليبيا الأول (يا بلادي) لعام (1955) مؤلفه التونسي البشير العريبي ونشيدها الثاني (الله أكبر) لعام (1969) من كلمات المصري عبد الله شمس الدين، اما أناشيد: تونس وعنوانه (حماة الحمى) فقد كتبه المصري مصطفى صادق الرافعي، الفاتيكان كتبه الفرنسي (Charles Gounod)، فنلندا كتبه السويدي (Johan Runeberg)، استراليا (Advance Australia Fair) من كلمات والحان الاسكتلندي (Peter Dodds)، بنغلادش (My Golden Bengal) كتبه ولحنه الهندي (Rabindranath Tagore)، ليسوتو (Lesotho, land of our Fathers) كتبه الفرنسي (Francois Coillard)، أما البارغواي (Paraguayans, Republic or Death) فقد كتب نشيدها الشاعر (Francisco de Figueroa) وهو من دولة اورغواي.

ويتسائل الذين يريدون نشيداً عراقياً (خالصاً) مرة أخرى: كيف يلحن نشيدنا ملحن غير عراقي؟!

وهذا ايضاً طبيعي جداً، وتكرر مرات كثيرة، وهذه امثلة تُثبت ذلك:

النشيد الوطني السوري الثاني لعام (1938) وعنوانه (حماة الديار) من ألحان الموسيقار اللبناني (محمد فليفل)، نشيد ليبيا الأول من ألحان الموسيقار المصري محمد عبدالوهاب بينما نشيدها الثاني من ألحان المصري محمود الشريف، نشيد تونس من توزيع محمد عبد الوهاب ايضاً، اما أناشيد: الأردن وعنوانه (عاش المليك) فهو من ألحان اللبناني عبد القادر التنّير، الجزائر (قسماً) من ألحان المصري محمد فوزي، موريتانيا (بلاد الأباة الهداة) من ألحان المصري راجح داود، الامارات (عيشي بلادي) من ألحان المصري سعد عبدالوهاب، فلسطين (فدائي) لحّنه المصري علي إسماعيل، نشيد السعودية الأول لعام (1945) وعنوانه (يعيش ملكنا الحبيب) من ألحان المصري عبدالرحمن الخطيب، المغرب (النشيد الشريف) لحّنه الفرنسي (Léo Morgan)، عُمان (النشيد السلطاني) لحّنه (James Frederick Mills)، الصومال (يا صومال استيقظي) لحّنه الإيطالي (Joosub Blanc)، نشيد السنغال (Everyone Strum Your Koras) ونشيد دولة إفريقيا الوسطى (La Renaissance) من ألحان الفرنسي (Herbert Pepper)، نشيد تشاد (The Chad Song) من ألحان الكندي (Paul Villard)، اندونيسيا (Indonesia Raya) من ألحان الهولندي (Jozef Cleber)، المالديف (Qaumii Salaam) من ألحان السريلانكي (W. D. Amaradeva)، ألمانيا (Song of Germany) من ألحان النمساوي (Joseph Haydn)، فنلندا من ألحان الألماني (Fredrik Pacius)، البانيا (Hymn of the Flag) من ألحان الروماني (Ciprian Porumbescu)، المكسيك (Mexicans, at the cry of war) لحّنه الاسباني (Jaime Nunó)، الارجنتين (Patriotic March) لحّنه الاسباني (Blas Parera)، كولومبيا (O Unfading Glory) من ألحان الإيطالي (Oreste Sindici)، بوليفيا (Bolivians, a most Favorable Destiny) لحّنه الإيطالي (Leopoldo Vincenti)، تشيلي (National Song) من ألحان الاسباني (Ramón Carnicer)، اما نشيد السلفادور (Let us salute, the Motherland) فهو من ألحان الإيطالي (Juan Aberle). 

ولكي أزيد من استغرابكم أقول لكم أن هناك دول لها نشيدان وطنيان في وقت واحد، مثل: فلسطين التي لها نشيد رسمي عنوانه (فدائي) ونشيد شعبي عنوانه (موطني) وهو نفس النشيد الوطني العراقي الحالي، الدنمارك لها نشيدان عنوانهما (There is a lovely country) و (Kong Christian)، النرويج (Yes, we love this country) و (Sons of Norway)، نيوزيلندا (God Defend New Zealand) و (God Save the Queen)، بل أن اليونان وقبرص لهما نفس النشيد وهو (Hymn to Liberty)، مثلما كان نشيد (والله زمان يا سلاحي) للشاعر المصري صلاح جاهين نشيداً مشتركاً بين مصر خلال الفترة (1979-1961) والعراق (1981-1963)، أما نشيد استونيا (My Fatherland, My Happiness and Joy) فيشترك باللحن نفسه مع نشيد فنلندا، وكذلك نشيد امارة ليختنشتاين (High on the Young Rhine) فهو يشترك باللحن مع نشيد بريطانيا (God Save the Queen).

كما أن أناشيد بعض الدول عبارة عن موسيقى فقط بدون كلمات مثل: اسبانيا (Royal March)، البوسنة (Intermeco)، سان مارينو (Inno Nazionale)، كوسوفو (Europe)، اما الاتحاد الأوربي فقد اختار مقطعاً من السمفونية التاسعة (Choral Symphony) للموسيقار الشهير (Ludwig van Beethoven) نشيداً وطنياً له.

ومع حقيقة أن العراق من أكثر الدول التي بدلت نشيدها الوطني، (تم تغيير النشيد خمس مرات بينما النشيد الوطني الهولندي "The William" لم يتبدل منذ عام 1572)، اعتقد أن الحل الأمثل للخلاص من هذه المعضلة هو:

1- إطلاق مسابقتين دوليتين لكتابة وتلحين نشيد وطني متعدد اللغات.

2- عند تعذر الاتفاق على المقترح الأول، أقترح إطلاق مسابقة دولية لتلحين نشيد وطني يتكون من موسيقى فقط بدون كلمات، لكون الموسيقى محايدة ولا تثير حفيظة أحد.

عندها ربما تنتهي إحدى مشاكل بلدنا المزمنة!

 

أمجد الدهامات - العراق

 

أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات لافتة حيال الأزمة المتفاقمة مع ايران مع  خلال زيارته لليابان يوم أمس. وجاءت التصريحات مخالفة لسياق التصعيد الذي انتهجته الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الأزمة والذي غلب عليه طابع التهديد والوعيد حتى خيّل لكثيرين بأن شبح الحرب بات مخيما على الأجواء, وان لا مناص منها إلا بتطبيق ايران للشروط ال 12  التي أعلنها  وزير الخارجية الأمريكية جورج بومبيو   لوقف التصعيد العسكري  ورفع العقوبات الإقتصادية الصارمة  التي فرضتها بلاده على ايران.

لكن ترامب مزّق تلك الشروط خلال بضع ثواني معلنا ان هدفه من هذا التصعيد هو الحصول على تعهّد ايران بعدم انتاج سلاح نووي! تصريحات أثارت ارتياحا في العديد من دول المنطقة والعالم المحبة للسلام, وفي ذات الوقت أصابت الدول التي تقرع طبول الحرب بخيبة أمل وانتكاسة كبيرة, بعد ان كانت تمنّي النفس بحرب يعلنها ترامب على ايران تسفر عن سقوط نظام الجمهورية الإسلامية. غير ان ترامب أعلن وبشكل جلي عدم عزمه تغيير النظام وأن ايران لديها إمكانيات إقتصادية عظيمة وان كل ما يريده منها هو ” التعهد بعدم صنع سلاح نووي“!

وهنا بيت القصيد! فإن كان مراد ترامب ذلك, فلقد كان متحققا في الإتفاق النووي الذي وقعته بلاده ضمن مجموعة 5+1 مع ايران والذي تعهدت فيه بعدم انتاج أسلحة نووية وأخضعت منشآتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتزمت بالإتفاق بشكل كامل بحسب الوكالة الدولية, فلم انسحب منه ترامب؟ فإن كان ترامب صادقا في دعواه فليعلن عودة بلاده الى الإتفاق النووي الملزم لإيران بعدم انتاج اسلحة نووية وبذلك يتحقق هدفه من هذا التصعيد! ولذا فقد جاء رد الفعل الإيراني على هذه التصريحات  وعلى لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية بلهجة غير المكترث معلنا ان بلاده تريد أفعالا وليس أقوالا.

إن هذه التصريحات تدين ترامب قبل غيره إن كان صادقا في إطلاقها لأن الهدف متحقق فلم هذا العبث؟ وبغير ذلك فإن هناك أجندة تقف خلفها! وأولى تلك الأجندة أن ترامب أعلن مرارا وتكرارا أنه غير مستعد لحماية السعودية وقد أطلع ملكها على ذلك بحسب قوله, فماكان من السعودية الا ان وقعت معه عقودا قاربت قيمتها النصف تريليون دولار! لكن ترامب لم تمتلأ خزائنه وعاد يصرخ هل من مزيد! لقد حرك ترامب قطعاته العسكرية نحو المنطقة منذ إندلاع الأزمة مع ايران ولا شك أنه يعتبر ذلك جزءا من مشروعه لحماية دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات, فهل كانت هذه التصريحات رسالة مبطنة لتلك الدول بضرورة الدفع المسبق لتكاليف أي حرب سيشنها ترامب على ايران؟ وهل سيكون الثمن هو شركة آرامكو؟

أم إن ترامب يريد هذه المرة  بتصريحاته مغازلة الجانب الإيراني واضعا عينيه على خيرات ايران الإقتصادية التي وصفها بالعظيمة؟ ولذا فإن هذه التصريحات ستكون موضوعا لحراك دبلوماسي سعودي و ايراني مكثف خلف الكواليس لمعرفة حقيقتها والمراد منها, فإن كان الأول فإن بعض دول الخليج هي المعنية بها, وهي امام خيارين , إما تسليم الجمل بما حمل لترامب مقابل شنه حربا على ايران غير مضمونة النتائج وقد تكون نتائجها كارثية على تلك الدول, او الإنصات لصوت الحكمة والعقل بالتوقف عن قرع طبول الحرب والتوجه نحو التنمية بدل التسلح والتعاطي مع ايران ونظامها كواقع لا يمكن تغييره.

وأما بالنسبة لإيران فإن كانت هي المعنية بتصريحات ترامب فلاشك بانها ستفتح ذراعيها لها وستتطلع للتعاون الإقتصادي مع الولايات المتحدة وبما يحفظ مصالحها وسياساتها ويدرء عنها الأخطار وقد سبق لها ان وطدت علاقاتها الإقتصادية مع العديد من دول الإتحاد الأوروبي حليفة امريكا. وفي حال تحقق ذلك فإن الخاسر الأكبر هي الدول التي تقرع طبول الحرب, والإتحاد الأوروبي الذي يقدم قدما ويؤخر أخرى في تعاطيه مع الملف النووي, بالرغم من إدارة ترامب لا تطيق رؤية هذا الإتحاد بل تتطلع لتمزيقه على ايدي الشعوبيين!

 

ساهر عريبي

 

قاسم حسين صالحعلي، هو ابن ابي طالب بن عبد المطلب تاج هامات بني هاشم وأعيانهم، وابن فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف القرشي اشجع الشجعان.. ما يعني انه ما كان شيعيا، لأن الشيعي كما افهمتنا الأحداث السياسية والطائفية يكون متعصبا لمعتقداته المذهبية، فيما كان عليّا محبا للانسانية ونصيرا للحق حتى لو كان صاحبه من غير دين.

لن نتحدث عن شجاعته.. فتلك صفة يتفرد بها مذ نام وهو فتى في فراش النبي محمد حين اجتمع القوم على قتل محمد في تلك الليلة.ويكفي ان نشير الى واقعة (بدر) ولكم ان تتذكروا الموقف في فلم الرسالة كيف برز الشاب علي وقتل محاربا محترفا مشحونا بدافع الحقد والانتقام.ولا عن بلاغة اقوال هذا الرجل المعجزة من قبيل: ان صوتا واحداً شجاعاً أكثرية في العباد، ولا تطلب الحياة لتأكل.. بل أطلب الأكل لتحيا، وجالسوا العقلاء.. أعداءا كانوا ام أصدقاء.. فأن العقل لايقع الاعلى العقل، ولا تزيدني كثرة الناس من حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة وما اكره الموت على الحق. ولا عن فلسفته في التربية التي سبق بها كبار علماء التربية الغربيين الذين نتباهى بالاستشهاد بهم كقوله تعلموا العلم صغارا تسودوا كبارا، والتنبيه الى ان تربية الاطفال ينبغي ان تكون لزمانهم لا لزماننا.. ولا عن نهج بلاغته التي شرحها كبار فقهاء السنة من بينهم الامام الشافعي، وكتّاب مسيحيون واجانب بينهم جورج جورداق وغارودي.

ما يعنينا هنا.. قضية واحدة.. التذكير بأهم صفاته في كيفية تعامله مع السلطة حين صار خليفة على المسلمين.فقد كان امينا على مال المسلمين.. لا منصب جعله يتعالى على الناس ويستأثر بنعمه، ولا مال افسد رأيه، ولا سلطة ولا مغريات، ولا تساهل مع ولاته الذين خاطبهم قائلا: (يا ولاة امور الناس، لا يكن حظكم في ولاياتكم مالا تستفيدونه، ولا غيظاً تشفونه، ولكن أماتة باطل وأحياء حق). وهو القائل: الناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق فلا تجوروا عليهم. وكتب لابنه الحسن يقول له ناصحاً: (يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين الناس فأحبب لنفسك ما تحب لانفسهم، وأكره ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب ان تُظلم، وأحسن كما تحب ان يُحسن اليك..).

ومن قرأ عهد الأمام علي لمالك الأشتر لما ولاّه مصر، يجد انه حدد صفات يجب أن يتحلى بها الحاكم.ففي قوله (لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم..)، فانه يطرح مقياسا كاملا للعدالة هو ان يضع الحاكم نفسه موضع المحكوم، فيكره له ما يكرهه لنفسه.

 ويذكّر الذين جاءوا الى السلطة من داخل الشعب انهم كانوا قبل ذلك يثيرون النقد ضد سيئات الحاكم السابق، فيدعوهم الى ان لا ينسوا مواقعهم النقدية السابقة فيصغوا الى النقد الآتي من القاعدة الشعبية.. وتلك اثمن نصيحة لم يأخذ بها من جاء بهم (الشعب) الى السلطة بعد التغيير فأوصلوا كثيرين الى ان يترحموا على طاغية.

 ونصيحة اخرى بقوله (ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك)، فيما حكّام اليوم اختاروا من يكون رهن طاعتهم واستبعدوا افضل الكفاءات وانضج الخبرات، وعملوا بالضد من نصيحة أخرى بقوله(وانصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك). ونصيحة اخرى بقوله (الأصغاء للعامة من الناس)فيما المتظاهرون يطالبون بالاصلاح ويصرخون من شباط 2011 وهم عنهم ساهون.

 وختامها ان أمام سلطة الحق اشترط توافر الضمير لدى الحاكم، فيما حكّام العراق خانوا الأمانة بسرقة ثروة الوطن.. والأقبح، ان بينهم من يدعون انهم أحفاده وأخلص شيعته.

 انا علي يقين ان الذين يحّيون ذكرى استشهاده من سياسيين يدّعون انه جدّهم او شيعته (المخلصين) من الذين اشاعوا الفساد او سكتوا عنهم وهم اصحاب قرار.. لن يستذكروا خصاله في الأمانة وكيفية التعامل مع السلطة، لأنهم في سريرتهم يعرفون انهم يخالفونه، وانهم يخشون من ادانة الناس لهم ان يصفوهم بانهم منافقون.ولن يمروا على قوله: (ان المال مال الله فهو مردود في بيت المال).

لكن العراقيين ياسيدي الأمام سيتوجهون اليك في ذكرى استشهادك يسألونك قائلين:

هل سيردّ المال من يدعون انك جدّهم واخلص شيعتك ؟.. واي مال يا ابا الحسن.. لو علمت به لخرجت عليهم شاهرا سيفك ذا الفقار!

لكنهم سيخافون عليك سيدي.. لانك ما ان تصل قريبا من المنطقة الخضراء فانك ستراهم قد اصطفوا يتقدمهم مبعوث عنهم اليك يخيرك بين امرين: العودة من حيث من اتيت.. او القتال!

 ***

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس المجلس الاستشاري للثقافة والاعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية

 

 

رائد عبيسأي بعد من أبعاد القيادة لا يخضع لعوامل الانفعال والافتعال؟! فانفعال القائد مزاجه، وافتعال المزاج محاكاة للمنفعل ولمزاج الآخرين من الجمهور، بين هذه وتلك سياسة يُرسم و يخطط لها داخلياً وخارجياً، وتستثمر بين حين وآخر، من اجل تنفيذ أجندات تحدد موجهات الخطاب للجمهور، وخطاب الجمهور للقادة، وكيفية استثمار القيادة من قبل الجمهور، وكيفية إستثمار القادة للجمهور، بأبعاد اقتصادية واجتماعية ومنافع أخرى. وهذا الاستثمار والاستغلال يحدد تبعا لمزاج الحاكم ومحكوميه، ومزاج المحكومين مع الحاكم، هذا الأمر اختزلته مقولة الحسين ابن علي في دعاءه (اللهم لا ترضى الولاة عنهم) والعكس يتحقق بعدم رضاهم عن الولاة، كنتيجة طبيعية لعدم الرضا بين الطرفين، و مبدأ الرضى وعدمه مبدأ مزاجي الى حد كبير، تتفاعل معه العلاقات وتحدد أبعادها بين السكوت والثورة، بين القناعة وعدمها، ويوضح العلاقة اللا عقلانية بين الحاكم ورعيته، العلاقة المزاجية التي يسلطها عليهم أو يسلطونها عليه، والتي تظهر على أساسها قدرة الاستمرار بالقيادة، أو التنازل أو أو الاغتيال أو العزل، وكل واحده من هذه للجمهور فيها رأي وقناعة ومزاج.عانت المجتمعات العربية والإسلامية من إثارتها وفاعليتها، أو ضمورها، فمجتمعاتنا تأثرت كثيرا من نتيجة السبات الطويل الذي استمر عقود، وذلك مرجعة الى برودة المزاج إتجاه قضايا مصيرية تمس أمنهم، وحياتهم، ودينهم، ومبادئهم، وأطمئنانهم لمزاج قائدهم الذي يتوافق مع مزاجهم الى حد السكوت، فتوافق المزاج يؤمن السلطة، ويسكت الجمهور وان كان بعدم الرضا للتام، ولكن تحدث حالة من المقبولية، وهي الحالة التي يستغل مزاجها الحاكم لتمرير أفكاره الاقناعية للجمهور، او العكس، لاسيما اذا كان الحاكم يمثل أكبر شريحة متأدلجة بايديولوجيته السياسية أو الدينية، او متماهية مع خطابه الشمولي، فالمجتمعات التي تعتمد على مزاجها السياسي في التقييم الراهن أو التأريخي، تبقى أسيرة الى انفعالية الحاكم إزاء القضايا سلبا وايجابا، ومنفعلة ومتفاعله مع الحدث التاريخي مهما كان قدمه، بمعنى هناك استعداد لخلق ديمومة من العمل السياسي على وفق مزاج مثار أو مستحدث أو طارئ. فالمزاج الجمعي، والمزاج الفئوي، والمزاج الفردي، ومزاج القادة، يمثل موضوعة مهمة لعلم الاجتماع السياسي، وعلم النفس السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، اذ بهذه العلوم يتم تحليل الظاهرة المزاجية للمجتمعات والشعوب، وما تنتجه امزجتها من أنماط سياسية حاكمة تناسبهم، نرى أن الشعوب التي تحكمها قضيتين أو اكثر، تبقى في صراع ذاتي كبير، يتخلف عنه عدم توافق مع أنماط الحكم، وحروب داخلية، وصراعات فئوية، وتزاحم اقتصادي كبير، يترك أثره السلبي وتمثلاته بالتخلف، والأمية، واللا استقرار، والفقر، وسوء إدارة الدول والخراب الشامل، في كل القطاعات الحياتية، وهذا ما نشاهده في أغلب البلدان العربية والإسلامية التي تبقى تعيش صراع المفاضلة بين قضية حكم واخرى، وهي ما تظهر بين حين واخر، فضلا عن العوامل المتداخلة مها المتمثلة بالأنظمة السياسية الطارئة على مجتمعاتنا، كالديمقراطية، والليبرالية، والاشتراكية، وأفرازاتهما والتي أتت كعامل اخر واضافي لتشتيت المزاج الوطني وصرفه عن قضاياه الكلية. اليوم وفي عالم التواصلية نرى ذلك الانفعال والتفاعل، بين مزاج القادة ومزاج المقود عبر ما تظهر بصيغة تغريدة، او منشور، أو خبر عبر مانشيست، أو فضائية أو جرائد أو تصريح اذاعي، أو حتى عبر مسج موبايل او اتصال، هذا العالم الجديد ومتغراته التي أبرزت عامل المزاج وأبعاده النفسية في الحكم وإدارته وقيادة الجمهور.

 

 الدكتور رائد عبيس

 

موسى فرجشهدت المرحلة التي سبقت اختيار رئيس الوزراء الحالي اجماع واضح بين الأطراف الأساسية الثلاث: الشارع العراقي والمرجعية الدينية وعدد من الكتل السياسية بشأن اشتراطاتها على من يتم اختياره لتولي رئاسة الحكومة فكانت ثلاثة شروط واضحة ومعلنة بأفصح العبارات وبالبنط العريض وهي الاتي:

1- أن يكون سلوك رئاسة الحكومة مستقل وغير خاضع لإملاءات الأطراف السياسية ورغباتها وان يقوم رئيس الحكومة باختيار كابينته الوزارية من خارج أطر المحاصصة التي يلعنها الكل في العلن ويسارع الجميع الى حانتها بين صلاة التراويح...

2- ان تكون الحكومة حكومة خدمات وليست حكومة سياسه...

3- وأن تنبش الفساد نبشاً وتذيق الفاسدين عذابا لم يروا مثله في عهد الأسلاف...

هذه هي المهام المركزية التي تم اختيار السيد عادل عبد المهدي على أساسها... فما الذي تحقق منها بعد مضي ستة أشهر على البيعة الميمونة وماهي الجوانب التي أخفق في تحقيقها؟

أولا: أما عن المنهج والسلوك المستقل والنأي عن المحاصصة فليس أدل على النكوص عن ذلك والإخفاق فيه من الفشل ولغاية تاريخه في حسم اشغال 4 حقائب وزارية تشكل المواقع الأهم والأكثر حساسية ليس في الحكومات المعاصرة فقط بل في حكومات ايام زمان على عهد المأمون والمستنصر بالله يوم كانت كابيناتها الوزارية تنحصر في الجيش والشرطة والعدل والتعليم والجباية...هذا بالنسبة لواقع تحقيق السيد عادل عبد المهدي للمهمة الأولى...

ثانيا: أما فيما يتعلق بتحقيقه للمهمة الثانية أعني حكومة الخدمات فقد بدأها السيد عادل عبد المهدي بزيارته اليتيمة والشهيرة لعلوة الرشيد في يوم ممطر وموحل ويومها استقطب اهتمام الناس وسلب ألبابها فقد كانت الكَاع يومها زلكَ ومركز الثقل في جسده لم يكن ملائماً لممارسة رياضة التزحلق على الجليد والناس خائفه على رئيس حكومتها يزلكَ ويتم تسمية ذلك اليوم بـ يوم الزلكَ العراقي لكن الزياره عدت على خير ولم يقع المحذور...

غير أن السيد عادل عبد المهدي استثمر تلك الزيارة لعلوة الرشيد ليعلن في أول ايجاز اسبوعي له وبعد شهر واحد من تاريخ البيعة أنه قد أتم البرنامج الوزاري وفقاً لتوقيتاته المقررة وان مدة العدة قد انتهت ويا محلى السفر بعون الله فكانت السجاجيد تطوى وتمد تحت اقدامه المباركة من عمان لتطوان ومن طهران الى الرياض فأنقره ، والخيل تتقافز مطهمة أمام دولته في شوارع فارس وبلاد الأناضول فتحولت الحكومة من حكومة خدمات مطلوب منها معالجة ملفات الفقر والبطالة والخدمات الى حكومة علاقات عامه...

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن فخامة رئيس الجمهورية أيضاً بدأ مشواره بزيارة يتيمة رفقة عقيلته الى شارع المتنبي وذاك يوم وهذا يوم فقد وجد فخامته في الصور التذكارية مع الملوك والرؤساء متعة أعمق عبقاً من صور السيلفي مع مواطنيه...

أما عن توظيف عمل رئيس الحكومة لصالح قضية معيشة الشعب ومصلحة العراق بعيداً عن المنطلقات السياسية فلا أدل عن الإخفاق في ذلك من توظيف الموازنة لترضية السيد مسعود برزاني واطلاق المليارات من دون أن يراعي حليفه اخلاقيات الالتزام بالقانون فقد رفض تسليم برميل نفط واحد الى سومو مثلما رفض تسديد دينار واحد من قيمة النفط المهرب من الإقليم الأمر الذي لم يؤثر مباشرة على التفاوت الفاضح بين نسب الفقر السائدة في محافظات الإقليم والتي تتراوح بين 2% و9% وبين تلك السائدة في محافظات الوسط والجنوب التي تصل في بعض المحافظات الى 51% انما ألهب مشاعر المحافظات التي تصاعدت أصواتها بالمطالبة بأقاليم على غرار إقليم كردستان...

وفيما يتعلق بالعلاقة مع دول الجوار فإننا لم نسمع من دولته عبارة يقولها لملك الأردن مثلاً بأن الرأي العام العراقي مستاء من احتضان عاصمة جلالته لكل المناهضين للنظام السياسي في العراق ولم نسمع منه إشارة الى حقيقة استياء العراقيين من جراء التعامل الطائفي للسلطات الأردنية مع الزائرين منهم للأردن أو العابرين لها عندما تسألهم تلك السلطات عن كون المسافر شيعي أم سني ...مقابل مد العراق لأنبوب النفط عبر الأردن والذي تبلغ كلفته 18 مليار دولار الى جانب إقامة المنطقة الحرة على حدوده...

وحصل مثل ذلك أيضاً مع روحاني فعندما طلب بلهجة آمرة أن يرفع العراق رقم التبادل التجاري مع ايران الى 20 مليار دولار كنا نتوقع من رئيس الحكومة أن يقول له ولكن على ايران مراعاة مصلحة العراق في معالجة توجيه مخلفات نهر كارونها الى العراق الذي أحال شط العرب الى مستنقع آسن وخرب الأراضي الزراعية وأيضا مطلوب من الجانب الإيراني ان يتحول بتصديره للبضائع للعراق من أجبان كَاله الى بضائع إنتاجية تخدم الزراعة والصناعة...ومثل ذلك بالضبط حصل بشأن العلاقة بالجارة تركيا فعندما وجه الرئيس التركي وبلهجة آمرة الكلام الى رئيس حكومتنا أثناء المؤتمر الصحفي بأن يكون حجم التبادل التجاري 20 مليار دولار لم يطلب رئيس حكومة العراق معالجة جدية لقضية المياه ولم يطلب توجيه التبادل التجاري مع تركيا لبناء السدود ومشاريع الإسكان بدلا من تصدير كَيمر العرب المنتج في المصانع التركية ...

ثالثاً: وفيما يتعلق بقضية مكافحة الفساد التي كان يُنظر إليها باعتبارها المهمة الأولى لإدارة السيد عادل عبد المهدي لتحقيق الأفضلية في هذا المجال على سلوك سلفيه المالكي والعبادي اللذين اكتفيا بشجب الفساد دون فعل مؤثر في مواجهته لكن واقع الحال أكد حقيقة واضحة مفادها أن السيد عادل عبد المهدي لم يكتف بما درج عليه اسلافه من تسويف في هذه القضية بل زاد عليها تسفيه لعملية مكافحة الفساد ومن خلال الآتي:

1- مجلس مكافحة الفساد الذي اريد له أن يكون دافعاً ومفعلاً لإجراءات القضاء وهيئة النزاهة بحسم ملفات الفساد الكبيرة والزج بكبار الفاسدين بالسجن تحول الى عنق الزجاجة وكاتم الصوت لهيئة النزاهة حتى أننا افتقدنا صيحاتها المتكررة قبل حقبة السيد عادل عبد المهدي بالإعلان عن مئات المشاريع الوهمية والمتلكئة والتي تبلغ أقيامها مئات المليارات من الدولارات ومئات التريليونات من الدنانير وبتنا نسمع بدلاً من ذلك تحويل ملف التهريب في سعات الأنترنت الى مستشارية الأمن الوطني وحسب العائدية في حين يكون الصحيح هو تشكيل فريق تحر مشترك من هيئة النزاهة والأمن الوطني والتحقيق فيه من قبل هيئة النزاهة أما عن التوجيه بسحب يد من يواجه قضايا فساد فإنها ممارسة ليست بالجديدة فقد كانت متبعه منذ عام 2004 لكنها تطبق على صغار الفاسدين ويفلت منها كبارهم ...

2- وبلغت قضية تسفيه مهمة مكافحة الفساد غايتها عندما أصدر مجلس مكافحة الفساد توجيه ينطوي على التهديد باتخاذ الاجراءات القانونية ضد كل من يتهم مسؤول حكومي بقضايا فساد مالم يقدم ادلة الإثبات المعتبره وفي هذا الصدد لابد من بيان الآتي:

- من أصدر التوجيه آنف الذكر تناسى أن الآلاف من ملفات الفساد مدققه من قبل ديوان الرقابة المالية ومحقق فيها من قبل هيئة النزاهة مركونة في أدراج تلك الأجهزة أو أدراج أجهزة القضاء والناس كانت تنتظر من المجلس أن يفعل جهود أجهزة القضاء لاستصدار قرارات حكم ضد مرتكبيها ولكن كانت النتيجة أنه وبدلاً من ذلك تم اغتيال رئيس هيئة النزاهة ورغم وجود أصوات قالت بأن اغتياله تم بدم بارد ولكن لم يتم الكشف عن نتائج التحقيق...

- ومن أصدر التوجيه بالتهديد تناسى أيضاً أن الاتهامات الشائعة مصدرها كبار المسؤولون الحكوميون والنواب والساسة أنفسهم يستخدمونها في سياق الحرب البينية الطاحنة بينهم وليس المواطن البسيط وعلى سبيل المثال لا الحصر:

-  فساد البنك المركزي بما يتجاوز 300 مليار دولار جاءت على لسان رئيس الحكومة العبادي أمام الشعب ومئات الألاف من الفضائيين هو من صرح بشأنها ...

- عقارات الدولة المنهوبة تبلغ 100ألف عقار عن لسان مدير عقارات الدولة نفسه ...

- وجود 40 ملف فساد كبير رئيس الحكومة الحالي هو من صرح بوجودها وليس غيره ...

-  وزير الصحة الحالي قدم استقالته بسبب وجود مستشفيات وهمية تستولي على الأدوية ومدير صحة النجف السابق علي الشمري يقول على رؤوس الأشهاد ان التخصيصات المالية لشركة استيراد الأدوية تبلغ سنوياً ملياري دولار ولكن لم يتم التعاقد على أكثر من 140 مليون دولار لأن الاحزاب لا تسمح بتمرير اي عقد مالم تقبض كومشناتها ...

- وإذا كان من أصدر تلك التوجيهات قد تغافل عن حق المواطن في ممارسة حكومته للشفافية واطلاعه عن كيفية تصرفها بأموال ومقدرات البلد فهل تناسى أيضاً ان القانون العراقي يلزم أي عراقي بالإخبار عن جريمة وقعت بحق الاشخاص أو ممتلكات الدولة وأموالها وقد تناهت للمواطن معلومات بشأنها وفي حال عدم قيامه بإخبار السلطات الرسمية عنها يعد شريكاً فيها ويقع تحت طائلة القانون ...؟

- ولكن القضية تتعلق بسلوك الأجهزة التي تتلقى المعلومات عن الفساد فهي لا تملك حق اهمال تلك المعلومات وفي نفس الوقت لا تصلح تلك الإخبارات لاعتمادها أساساً في توجيه التهمة بالفساد كما لا تصلح لاعتمادها في استصدار قرارات حكم قضائية انما ينبغي التصرف بها باعتبارها معلومة خام يجب استتباعها بالتحري والتدقيق والتحقيق ...ومثال ذلك أنه عندما يقوم مواطن بإخبار ضابط الشرطة بوجود معمل لصنع المفخخات في الدار الفلانية في الشارع الفلاني فإن الضابط المذكور يكون احمق عندما يضبط مدافع الهاون باتجاه الدار المذكورة ويقوم بقصفها ويكون اشد حمقاً عندما ينهر المواطن ويقذف الاخبار بوجهه تحت ذريعة وجود اخبارات كاذبة كثيره لأن التهاون في اخبار دقيق واحد من بين 999 إخبار كاذب يعني ازهاق أرواح كثيره أما الضابط الكفوء والمتسم بقدر عال من الشعور بالمسؤولية فهو ذلك الذي يعبر للمواطن المخبر عن تقديره ويحرك فوراً فريقاً من معيته للتحري والتحقق...

- وبشأن البيان الذي أصدره مكتب رئيس الوزراء والذي ينفي علمه أو تدخله بشأن قضية القبض من قبل فرع الانتربول الدولي في لبنان على محافظ كركوك فإن النفي كان من الأنسب ان يعلن في اليوم الأول لانتشار ذلك الخبر في وسائل الاعلام وليس بعد مرور 3 أيام خصوصاً أن فطنة الفريق المحيط بالسيد رئيس الوزراء عجزت عن أن تستبعد محافظ كركوك من اللقاء بالسيد رئيس الوزراء ضمن الوفد المفاوض الذي قابل رئيس الوزراء قبل أيام مادام المحافظ المذكور مطلوباً للقضاء العراقي ...مع ذلك فإن ردود الفعل الغاضبة التي واجهها التدخل المزعوم لصالح المحافظ المذكور لا تخلو من فائدة لتذكير السيد رئيس الوزراء بحقيقة مفادها التالي: الصراع بين الفساد والاستقامة سبقت اقصاء آدم من الجنة ونفيه الى الأرض كما تنص الكتب السماوية الا ان تطبيع العلاقة بين الانسان والفساد أمر مستحيل فليوجه السيد عادل عبد المهدي مجلس مكافحة الفساد باتجاه تفعيل تلك المكافحة بدلاً من خنقها ذلكم أدعى وأكثر صوابا...

 

موسى فرج

 

صادق السامرائيكنت أتحدث في محاضرة عن تأريخ الطب وجذب إنتباهي ما رأيته من دهشة غامرة على وجوه الحاضرين، وكأنهم يستفيقون من غفلة وحلم بعيد، وتزاحم العديد منهم حولي بعد المحاضرة يستغربون مما ذكرت وكأنه خيال وليس حقيقة!!

فنحن نعيش في زمن يختلف عمّا سبقه ولا يمكن مقارنته بأي زمن مرّ على البشرية، بل أنه زمن قائم بذاته وكأنه لا يمت بصلة لأي زمان أو مكان!!

كيف يكون هذا القول معقولا؟

سألت الحاضرين عن عمر العلاجات الطبية الحديثة، فتسمر أكثرهم وما عرفوا الجواب!!

وغاب عن أذهانهم أن أول مضاد حيوي هو البنسلين الذي إنطلق قبل سبعة عقود، وبعده توالت المضادات الحيوية بأنواعها، فقبله لم يكن عند البشر غير مادة السلقا كوندين وأخواتها، وما ورثته من الطب الشعبي والعشبي عبر العصور.

فالبشرية إنطلقت بمشوارها الحضاري، الذي قطعت شوطا كبيرا منه، منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، أما قبل ذلك التأريخ فأنها كانت تعيش في عصور همجية مدثرة بالجهل والأمية والعدوانية الشرسة المدمرة، وتتطاحن بالحروب وتبيدها الأوبئة والأمراض والعاديات الطبيعية.

البشرية أمضت عمرها الطويل بهمجية مروعة بكل ما تعنيه كلمة همجية ، وبتوحشية قاسية، وما عرفت الرحمة والمحبة والإنسانية وروح التسامح والود والتفاعل الإيجابي بينها، بل السائد هو العدوان والإمعان في شراسة السلوك والإمتهان بأنواعه وصنوفه النكراء.

البشرية أخذت تعي المعنى الجديد للحياة قبل عقود، ودخلت في عصر العلم والمعارف والإعتماد على العقل قبل قرن أو يزيد بقليل، فما مضى كان ظلاما دامسا وتوحشا فتاكا، وتفاعلات دامية صاخبة لا ترحم، توجتها بحربين هائلتين في النصف الأول من القرن العشرين، ذهب بسببهما عشرات الملايين، ودمرت المدن الأوربية وأرتكبت الفظائع البشعة بحق الإنسانية.

فالسائد في السلوك البشري هو التوحشية والعدوانية، والغريب هو الرحمة والتسامح والتعاون والالفة والمحبة والأخوة والعمل المشترك.

ويبدو أن البشرية ستحتاج إلى قرون عديدة لكي تتحرر مما إنطمر فيها من الوحشية والعدوانية، فلا يمكنها أن تتخلص من سلوك متواصل متكرر لمئات الآلاف من السنين ببضعة عقود، لكنها قد تمكنت من الإقدام على خطوات ذات قيمة ومعنى وحضور في مسيرة الحياة.

فبرغم الحروب والصراعات القائمة لكنها لا تقاس بما عاشته البشرية في القرون السابقات، بل لا يمكن مقارنتها بما جرى في النصف الأول من القرن العشرين.

ذلك أن البشرية تمتلك أسلحة فتاكة وخارقة التدمير، لكنها تتحكم بها ولم تستخدمها إلا مرتين قبل سبعة عقود، ومنذ ذلك التأريخ وهي كاظمة لغيضها ومتحكمة بسلوكها وتجتهد في منعه من الإنفلات.

كما أنها أحرزت تقدما سريعا في مجالات لم تخطر على بال الأجيال، فصار التواصل ما بين الناس في جميع بقاع الأرض ممكنا وسريعا، وتفاعلت الرؤى والتصورات وإنطلقت المشاريع الساعية لبناء مجتمع إنساني عولمي كوكبي المواصفات.

ومع تلك الإنجازات الفائقة الأصيلة، فأن البشرية ستظهر فيها سلوكيات متوحشة هنا وهناك، وتفاعلات عدوانية قاسية، لكنها ستنتهي حتما وتتلاشى أمام تيار التفاعلات الإيجابية الهادرة في جميع الأوطان.

والخلاصة أننا نعيش بدايات عصر جديد لا زالت البشرية تتلمس خطواتها فيه، لكنها ستتمكن بعد حين من رؤية سكة مسيرها ومحطات أهدافها ومعنى أن تكون في مركبة واحدة تأخذها إلى مصير واحد، وذلك ليس ببعيد، وسيولد من رحم القرون الآتيات!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد الدعمييعود الإجهار بالصراع المحتدم بين “أنصار الحياة” و”أنصار الخيار” إلى ما سمي بـــ”سنوات الثورة الجنسية” في العالم الغربي، إبان ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إذ استقطب الصراع الجمهور إلى فريقين متنافرين حتى هذه اللحظة (أحدهما يؤيد الحرية المطلقة، بينما يعارض الآخر ذلك).

والمقصود بــ”أنصار الحياة” فهم هؤلاء الذين يدعون إلى منع الإجهاض وتجريمه، بينما يكون المقصود بــ”أنصار الخيار”، فهم هؤلاء الذين يمنحون المرأة حق أن تختار بين الاحتفاظ بجنينها أو التخلص منه (إن حملت). وقد استعر الجدل بين الفريقين ثانية قبل بضعة أيام في ولاية “الباما” Alabama، إذ فاز المحافظون بتمرير قرار بتحريم وتجريم عمليات الإجهاض (حتى لو كان الجنين من فعل اغتصاب، أو من اتصال بالمحارم) والمتوقع هو أن يرفع القرار أعلاه إلى أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة الأميركية؛ أي إلى “المحكمة العليا” Supreme Court كي يأخذ مداه عبر بقية الولايات الأميركية الخمسين التي تسمح قوانين بعضها بذلك. أما في ألباما فقد كان القرار النهائي هو أن لحظة التمكن من الإنصات إلى دقات قلب في أحشاء المرأة تعني وجود حياة: لذا فقد حرم الإجهاض (باستثناء حالات تهديد حياة المرأة الحامل)، بل ويحكم على الطبيب الذي يقوم بهذه العملية بالسجن لمدة 99 سنة.

وعلى نحو معاكس لهذا القرار الإنساني، يستغرب المرء ما تناقلته وسائل الإعلام الأميركية من أنباء عن تظاهرات ومسيرات (أغلبها نسوية) لمعارضة قرار الكونجرس في ولاية ألباما، مطالبة بإعادة “حقوق” المرأة بالتخلص من جنينها حال شعورها بالحمل أو حتى بعده بأسابيع! بيد أن المتوقع هو أن يفوز “أنصار الحياة” على “أنصار الخيار” في نهاية المطاف، ذلك أن الرئيس دونالد ترامب قد وعد أثناء التنافسات الانتخابية التي حملته إلى البيت الأبيض بتعيين قضاة المحكمة العليا من المحافظين، أي من هؤلاء المضادين للسماح بالإجهاض، ومعنى ذلك هو أن هذا الجدل، إن دفع حتى المحكمة العليا، فإنه لا بد أن يقود إلى فوز المحافظين من أنصار الحياة في استصدار قرار يحرم، بل ويجرم عمليات الإجهاض ويفرض عقوبات صارمة قد توازي العقوبة التي أقرها كونجرس ولاية “ألباما” أعلاه، أي 99 سنة سجن لمن يساعد أو يقوم بعملية إجهاض لامرأة حامل، حتى وإن كان الجنين من عملية اغتصاب قسرية، أو من اتصال بالمحارم!

 

د. محمد الدعمي

 

جمعة عبد اللهفي البلدان المتحضرة والديموقراطية. تحترم رأي وصوت المواطن. حقاً وحقيقة دون تزوير واحتيال وتزييف. فأن صوت المواطن، الذي يعبر عنه بقناعة واختيار حر في صناديق الاقتراع، يعتبر بارومتر تقيس عليه الاحزاب والكتل السياسية المتنافسة على دفة صولجان السلطة والحكم. فتعتبر الانتخابات بمثابة امتحان حقيقي للكتل والكيانات السياسية، سواء في النجاح في المسؤولية، وكذلك الحرص على المواطن والوطن، او الفشل في المسؤولية، وكذلك الابتعاد عن المواطن والوطن، أو فشلت في نيل ثقة الشعب، لذا عليها الاعتراف بالفشل في ادارة المسؤولية، وتقديم الاعتذار الى الشعب، بأنها فشلت في تحمل المسؤولية، وانها غير جديرة في تحمل المسؤولية اعباء الوطن والمواطن، هذه هي اسس ومفاهيم الثقافة الديموقراطية، وعليها التنحي وفسح المجال للاخرين، الذين يحظون بثقة الشعب والمواطن، بتولي مسؤولية الوطن والمواطن. وعلى ضوء ذلك جرت في الدولة اليونانية، ثلاثة انتخابات في يوم واحد وفي نفس الوقت، بأن المواطن يجد أمامه، ثلاثة صناديق انتخابية. وهي :

1 - الانتخابات للبرلمان الاوربي (حصة اليونان 21 مقعداً من مجموع المقاعد في البرلمان الاوربي البالغ عددها 751 مقعداً. توزيع المقاعد تتم حسب نسبة عدد السكان في كل دولة اوربية، والتي عددها 28 دولة.

2 - الانتخابات البلدية (وتعتبر البلديات حسب الدستور اليوناني. حكومات مصغرة بكامل الصلاحيات، في ادارة شؤون البلدية من صغيرها الى كبيرها).

3 - الانتخابات الاقاليم اليونانية (عندهم اقاليم وليس محافظات مثلما عندنا في العراق. لذلك اليونان موزعة على اقاليم. لها صلاحيات كاملة في ادارة شؤون كل اقليم. وحسب الدستور اليوناني. يحق لكل اقليم الانفصال والاستقلال عن الدولة المركزية اليونانية).

الحزب اليساري الحاكم في اليونان (سيريزا)، سحق بخسارة فادحة بهذه الانتخابات الثلاثة. مني بهزيمة ساحقة (كان قد حصل في الانتخابات عام 2015، على نسبة 36.34%. اما في الانتخابات الامس. في يوم الاحد 26 - 5 - 2019. حصل على نسبة 23.76 %).

اعلنت نتائج النهاية لهذه الانتخابات الثلاثة، في سويعات معدودة بعد اغلاق صناديق الانتخابات، وليس مثل العراق تستغرق اعلان النتيجة اسابيع واشهر كاملة. ثم لا توجد في اي دولة اوربية كيان، او جهاز اداري يسمى المفوضية العامة المستقلة للانتخابات. لان مسؤولية ادارة شؤون الانتخابات، من صلاحيات وزارتي الداخلية والعدل، تحت اشراف كامل،من لجان الاحزاب والكيانات السياسية المشاركة في الانتخابات، ولها صلاحيات كاملة غير منقوصة، في ألغاء صندوق او صناديق، والاستجابة الفورية، في تسلم الاعتراضات والشكاوي من اي حزب. في اعادة حساب عد الاصوات، او التدقيق في النتائج، بشكل مباشر وفوري. لان نتائج الانتخابات النهائية، تسلم في اليوم التالي الى رئيس الجمهورية، لتصديق والتوقيع عليها، حتى تصبح شرعية وقانونية للدولة اليونانية.

ان الكيان المسمى، المفوضية العامة المستقلة للانتخابات، الذي يأخذ على عاتقه المسؤلية الكاملة. في ادارة شؤون الانتخابات، حسب التجربة العراقية للانتخابات المتعاقبة التي جرت في العراق. تحولت صناديق الانتخابات الى متاجرة ومساومة ومقايضة وصفقات مالية، في شراء المقاعد البرلمانية بالدفع المالي (عربون المحبة). وحتى الذين يحتاجون الى اصوت انتخابية اضافية. تحدد بالدفع المالي (عربون المحبة) مثلاً احد المرشحين في الانتخابات حصل على 20 ألف صوت انتخابي مثلاً، يتحول بكل بساطة وسهولة الى 200 صوت فقط. وبالعكس الذي حصل على 200 صوت انتخابي وفق شريعة (عربون المحبة) الى 20 ألف صوتاً.

بعد اعلان النتائج النهائية للانتخابات في ثلاثة صناديق انتخابية مختلفة، والتي اسفرت نتائجها بخسارة ساحقة للحزب اليساري الحاكم (سيريزا). اعلن رئيس الوزراء، تقديم استقالة حكومته امام رئيس الجمهورية، وطلب تحديد موعداً جديداً لاجراء الانتخابات البرلمانية العامة. التي حددت خلال شهر واحد في فقط، رغم ان الفترة المقررة قانونياً للانتخابات البرلمانية ستكون في نهاية هذا العام 2019.. ولكن تقديم الاستقالة، هوبمثابة الاعتراف بالفشل في المسؤولية. وفشل في نيل ثقة الشعب والمواطن، لذا لا يمكن تجاهل صوت المواطن والشعب ساعة واحدة فقط. ولا يمكن ان يمارس الاحتيال والتلاعب والزيف. لذلك قدم استقالته الى رئيس الجمهورية، وهذا بدوره سيكلف حسب الدستور اليوناني، في تشكيل حكومة موقتة تكون برئاسة رئيس المحكمة الاتحادية العليا، الذي سيتولى مهام رئاسة الوزراء وتشكيل حكومة موقتة لشهر واحد فقط، من الشخصيات التكنوقراط المستقلة غير الحزبية، تنتهي مهمتها لحين اعلان نتائج الانتخابات البرلمانية المرتقبة. هذا العرف الديموقراطي المتبع. وقد حدث تطبيقه على عدة مرات على فترات متعاقبة، بحكومات موقتة برئاسة رئيس المحكمة الاتحادية العليا. هذه هي عقلية وثقافة البلدان الديموقراطية والمتحضرة، وغيرها زيف واحتيال وخداع على الناس وطعن للديموقراطية المغدورة. بأن يتحول رأي وصوت المواطن والشعب، الى متاجرة ومقايضة وصفقات مالية. تعلو على الوطن والمواطن المسحوق... والله يستر العراق من الجايات !!

 

 جمعة عبدالله

 

المعروف حسب علم الإجتماع إن الدولة هي إحدى وسائل الضبط الإجتماعي الرسمية فهي التي تقوم بتنظيم أجهزتها الأمنية للحفاظ على الأمن ومكافحة الفساد والجريمة، وكذلك تقوم بالرقابة والمتابعة لمؤسساتها ذات العناوين المختلفة التي منها الإدارية والإقتصادية والثقافية وغير ذلك،

وبما أن الدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على أستخدام القوة بأسم القانون أو الدين أو الأخلاق أو الصالح العام، توجّب عليها إن تتحمل مسؤولياتها إزاء ذلك،

ومن هذه المسؤوليات التي أهملتها الدولة في عهد ما بعد السقوط هي مسؤولية (الضبط الإجتماعي) بإعتبارها القوة الوحيدة المتمكنة بأدواتها من القيام بذلك على أتم وجه وكما أسلفنا،

لقد تزامن مع اهمال هذه المسؤولية مشكلة أخرى وهي ضعف القانون الرسمي الذي بدوره فتح الباب امام القوانين العرفية والعشائرية لتستحوذ على أغلب مساحة القانون الرسمي للدولة،

وتحولت خشية الناس من عواقب مخالفة القانون الرسمي إلى الخشية من مخالفة الأعراف (والسواني) العشائرية التي هي الأخرى خاضعة للمرونة حسب العلاقات والمؤثرات.

ومما يعزز إن يكون للدولة دورا واضحاً في تربية المجتمع هو مانراه اليوم من الانفلات الأخلاقي والتردي الإجتماعي الذي بدأ يتزايد ويتسع نتيجة للضعف الحاصل في مواجهته، مع وجود بعض الدعوات والإجراءات المتواضعة التي تصدر من جهات دينية أو شخصيات مؤثرة إلا أنها لا تصل إلى المستوى المطلوب مادامت لا تحمل في طياتها شكلاً من أشكال العقوبة أو القصاص أو الردع.

أن المجتمع اليوم هو غير مجتمع الأمس لإسباب كثيرة، منها دخول المفردات التكنولوجية والإلكترونية الكثيرة في حياة الناس التي أثرت سلباً على العلاقات الإجتماعية وأيضاً العلاقات الأسرية، فضلاً عن تعقيدات الحياة الأخرى التي ساهمت بطريق أو بآخر في زيادة إهتمام المجتمع المادي دون الإهتمام الروحي،

وكذلك تراجع التزامات الدولة بالمؤسسات التعليمية والتربوية فلم يعد هناك إلزامية التعليم و محو الأمية، بالإضافة إلى عدم وجود آليات تمنع تسرب الطلبة في الدراسة الأبتدائية والثانوية، كما كان الأمر في فترة السبعينات، وكذلك عدم وجود التجنيد الإجباري الذي كان سبباً في مواصلة الدراسة للكثير من الطلبة كما إن الخدمة العسكرية بحد ذاتها تعتبر مدرسة وطنية تُعلّم الضبط والاحترام وتصنع رجالاً قادرين على تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها.

كل هذا الأمور التي أهملتها الدولة تسببت بإيجاد ظواهر غربية عن مجتمعنا المحافظ وخصوصاً لدى المراهقين والشباب منها مثلاً، ظاهرة الإلحاد، وظاهرة التخنث، وظاهرة المقاهي النسائية الليلية، وظاهرة الانتحار وغيرها من الظواهر السلبية وغير المالوفة لدى المجمتع العراقي.

 

رسول مهدي الحلو - العراق

 

عبد الخالق الفلاحإن ثقافة تقديم الإستقالة إذا ما أخفق المسؤول في أبسط الأمور تعبير عن الاعتراف بالتقصيرو تُعد من الأمور الحضارية والديمقراطية المتقدمة، ومن لا يعترف بثقافة الاستقالة هو من يريد الاستمرار في إخفاقاته ولا يهتم بنتائجه من باب الإنانية لكي يحظى بوهج المنصب أو للتحكم بالمال والجاه ومع الاسف الشديد لم نصل نحن إلى ذلك المستوى الحضاري منها ليؤهل مسؤولينا في تقديم الاستقالة بعد الفشل في تحقيق مطالب الجماهير؟ وليس من المنتظر أن نشهد بداية صحوة لفهم معنى ومغزى العلاقة بين الذات والكرسي، لأن الفرق كبير وهائل في أن تكون خارج السلطة وداخلها كما يعتقدون بسبب المغريات والغرورالذي يعتليهم،

نعم كلا، والف كلا لم نصل بعد الفشل في الاداء والتخبط الذي يعلوا كل شئ.على العكس من دول مختلفة في العالم ترسّخت لديهم ثقافة الاستقالة وتطبق بكل شجاعة، وتجسّدت لديهم الحكمة الخالدة «المسؤولية تكليفاً وليست تشريفاً». فإذا شعر المسؤول عندهم أنه ليس بالكفاءة وليست لديه القدرة على أداء مهامه بالشكل الأمثل والأنجع، وأن تكلفة وجوده على الكرسي أكثر بكثير من الإنجازات التي سيحققها يقدم براحة بال وقلب مطمئن استقالته من منصبه مهما كان مستوى ذلك المنصب .

ومن هنا أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، اخيراً عزمها التخلي عن زعامة حزب المحافظين يوم 7 يونيو/ حزيران المقبل .بعد ان بذلت مافي وسعها " لتنفيذ نتيجة استفتاء 2016 للخروج من الاتحاد الأوروبي وخرجت وهي تشعر "بأسف عميق" لأنها لم تتمكن من تنفيذ قرار الاستفتاء، لكن اختيار رئيس جديد للوزراء سيكون "في مصلحة البلاد".

ورئيس وزراء نيوزيلندا «جون كي» قدم استقالته لأسباب عائلية بحتة بعد ثماني سنوات في منصبه، في قرار لم يكن منتظراً لرئيس الحكومة الذي كان يتمتع بشعبية واسعة في بلاده. لقد قال في كلمة مؤثرة خلال المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه استقالته «إن القادة الجيدين يعرفون متى يجب عليهم الرحيل، وقد حان الوقت بالنسبة لي للقيام بذلك». السؤال: أين المسؤولون العراقيون من هذا النموذج الحضاري؟

والمثال الاخر استقالة الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول الشهيرة في عام 1969، عندما ربط مصيره السياسي بنتيجة استفتاء شعبي طالب خلاله بتعديل عضوية مجلس الشيوخ وأعطاء صلاحيات موسعة لمجالس الاقاليم، وعندما لم تأت نتيجة الاستفتاء كما اراد، استقال وانسحب بهدوء من الحياة السياسية بعد تاريخ وطني حافل. مثل هذه الامثلة كثيرة -كريس هيون وزير الطاقة البريطاني اكتشفت الصحافة أنه ارتكب مخالفة تجاوز السرعة وعوض رخصة سياقته برخصة زوجته السابقة.

-أولاندو سيلفا وزير الرياضة البرازيلي اكتشفت الصحافة فساد مالي قام به في توليه تنظيم مونديال 2014 وأولمبياد 2013 فاضطر للإستقالة.

- مونا سالين الوزيرة السويدية استقالت بعد فضيحة شرائها شكلاطة ببطاقة الوزارة واضطرت لمغادرة الحياة السياسية.

-محمد المثيني وزير النقل المصري في الفترة الاخيرة قدم استقالته مباشرة بعد حادث اصطدام قطار بحافلة الأطفال وتوفى 50 منهم.

وكذلك الرئيس السوداني الراحل عبد الرحمن اسوار الذهب نموذج يدعوالى الافتخار والاعتزاز لأنه لم يقبل أن يعرض بلاده للخطر واضافت إليه قدرا كبيرا من الاحترام فى عيون الآخرين طالما لم يستقل وهو متهم فى قضية مخلة بالشرف أو بمقتضيات وظيفته انما بدافع وطني وحرصاً للقضاء على الفتن .

هذه الحالة غائبة عند سياسيينا الحالين وفي العالم الثالث حتى في حالة الفشل والتمسك بالمسؤولية مهما كان الثمن ويحتاج أمر شيوعها كثقافة إلى حاضنة شعبية تتفهمها. وإذا كانَ اعتزال السياسيين واستقالة المسؤولين في البلدان الديمقراطية مسألة شائعة، مبدئية واخلاقية فإنّ الاستقالة من المنْصب غير متداولة عندنا ويعتبرها البعض بالكارثة والسقوط السياسي لا بل الافلاس،وخاصة في العراق حيث يتشبّث المسؤولون بمناصبهم حتّى إنْ فشلوا في مهامّهم، أوْ ارتكبوا جرائم غسيل للاموال او الفساد او اعتداء على حقوق الشعب اوأخطاء تثير غضب الرأي العامّ، ولا يتخلّوْن عنْها إلا إذا أُقيلوا بقوة القانون حتى ان القانون في كثير من الاحيان عاجز من ان يكون سببا لاحالة ذلك المسؤول من مسؤوليته، كمَا حصل مع وزراء في الحكومات السابقة وحتى الحالية. ويماطل وينفرد برأيه، ويتهرب من فشله، ويقوم برمي وتوزيع الأعذار بما يمكنه من التمسك بكرسيه، برغم ضعفهم في أدائهم الوظيفي؛ وهذا هو الواقع الذي قاد مجتمعاتنا لما وصلت إليه من تردٍ وأزمات وسلبيات لا تعدّ ولا تُحصى."أنَّ ثقافة اللامسؤولية والإفلات من المسائلة، وعدم الاستجابة لمنطق التداول على السلطة سيد الموقف الان، بسبب غياب ثقافة مؤسسات الدولة ودولة القانون من جهة، وسيادة منطق الزبونية من جهة أخرى"، و لأنَّ مناصب المسؤولية تندرج ضمن سياق الاعتبارات الشخصية والامتيازات الحزبية والمناطقية والعشائرية، ولا يحكُمها منطق الكفاءة وتحمُّل المسؤولية؛ وهو ما يجعل صاحبَ المنصب يتشبّث بمنصبه، الذي يحقّق له مصالح مادّية أو رمزية في حين ان الاستقالة عملية ارادية يثيرها الموظف او المسؤول او العامل في حال الشعور بضرورة ترك العمل او المسؤولية لأي سبب من الأسباب واهمها الاخلاقية لأي حال من الأحوال واتباع الطريقة الصحيحة و المعتمدة على الكفائة المهنية للإحتفاظ بماء الوجه و إشعار الآخرين بأهمية الاستقالة وهو قرار مصيري يحتاج إلى الكثير من التفكير قبل اتخاذه،لان المسؤول تجده ملتزماً تجاه أمته بتقديم كل ما يستــطيع لضمان عدم حدوث خلل من جانبه قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بمواطنــيه .

لكن قد يجد الشخص نفسه أحياناً مضطراً تحت ضغوط معينة لاتخاذ القرار السريع بطلبه وتنتهي الخدمة فيها بالقرار الموافق عن الجهة الادارية، لبيان عدم الرغبة في الاستمرار في الخدمة لسبب خاص او عجز اوعدم الارتياح من المسؤولية به او لوجود السلبيات إلا أنه يتم في معظم الحالات بسب عوامل خارجية سواء منها ما يتعلق بالعمل أو بأسباب شخصية والتي تعود بالضرر على العمل،منها الارتباك الذي يحصل للمهام الموكلة ويقوم بتقديم استقالته، والمستقيل الذي يقدم استقالته هذا لا يعني ان الاستقالة عملية تعاقدية تتم بايجاب من الجهة المسؤولة عن مقدم الطلب . وثمة قلة قليلة من تستجيب لنداءات الضميروتحلق في سماء الانصاف، نتيجة الفشل الذريع في إدارة المكان المسؤول عنه، بسبب سيطرة المصالح المادية والسلطوية على النزعات الأخلاقية. وهوجزء لا يتجزأ من طبيعة النفس الانسانية التي يُفترض بها رفض البقاء في مكان أو منصب فشلتْ أو أُفشلت في تحقيق أبسط متطلبات نجاحه.

إن المتأمل والمراجع لحال واقعنا يلاحظ غياب كلمة «الاستقالة» من قاموس المسؤول،وينتقل الافتخار: من الاعتزاز بالنفس إلى خداع النفس كما يحدث في الكثير من البلدان، بل على النقيض منها نجد مسؤولاً يتشبث حتى آخر رمق بالمنصب والاستقالة لا يقوم بها إلا شخص واثق من نفسه، خصوصاً إذا كان سببها قصوراً في أداء بعض المهام المنوطة به والاعتراف بالخطأ فضلية، وإعلاء لشأن القيمة الوطنية والمسؤولية الأدبية والالتزام الأخلاقي أمام الرأي العام.

فهل ستبقى ثقافة العظمة والنظرة الدونية للغير التي يتسلح بها مسؤولينا هي السائدة؟ متى سيأتي اليوم الذي نعترف فيه بأخطائنا ونتحمل المسؤولية بكل معانيها وننسحب ونعود الى اخلاقنا السامية؟ لان الوظيفة أو المنصب تكليف قبل أن تكون تشريف "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" .فهل سيمتلك المسؤول عندنا القدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات الشجاعة؟ ... لماذا تغيب ثقافــة الاستقالة في مجتمعاتنا مع أنها من أساسيات القيادة الرائدة في المجتمــعات المتقدمة؟!

صحيح أننا سنحتاج إلى عشرات السنين حتى نصل إلى ذلك المستوى من الرقي في التعامل، ولكن ليس عيباً أن نستفيد من دروس الآخرين عندما لا نجد انفسنا قادرين للقيام بمسئوليتنا فنقدم استقالتنا بكل ذوق رفيع.. بكل احترام وتقدير من الاخرين لأننا أخلصنا لوطننا ولا نريد أن يغرق بلدنا بالفساد الى ما لا نهاية.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

هذه المرة سبقنا الغرب، بالعادة هم يفعلوها قبلنا.. أصبحوا تنويرين قبلنا وقوميين قبلنا وليبراليين قبلنا وماركسيين قبلنا ونيوليبراليين قبلنا، لكن هذه المرة هم من يحاول اللحاق بنا .. سبقناهم بالإصرار على الهوية و"ليبرالية" محكومة بالخصائص المحلية وديمقراطية لا ليبرالية ولا علمانية وتجريم وتحريم أي نقد لكل ما يعتقد به الجمهور وكل ما يتصل بالهوية أو ما نفترض ونزعم أنه كذلك وخاصة ذلك الفصام: أن تكون ليبراليا بل وليبراليا متطرفا وأن تطالب بكل الحريات التي تكفلها الليبرالية عندما تعيش في الغرب وفي نفس الوقت أن تكون داعشيا في بلدك الأم .. المفروض ألا يقلقنا أن يقلدنا الآخرون ويقولون ويفعلون ما نقول ونفعل لذلك لا أفهم قلقنا اليوم من صعود اليمين المتطرف خاصة وأنه يجري بصورة ديمقراطية تماما عبر صناديق الانتخابات التي نعتبرها جميعا أصدق أنباءا من الكتب .. مبروك، تؤكد الانتخابات الأوروبية أننا السباقون هذه المرة وهم اللاحقون ... باقية وتتمدد

 

مازن كم الماز