محمد صالح الجبوريالمال عصب الحياة هذه العبارة قرأتها في إحدى المجلات، عندما كنت طالباً في الدراسة المتوسطة، وهذه العبارة كتبت تحت صورة لوزارة المالية، وكان المقال يتحدث عن دور وزارات الدولة، العبارة لاتزال في ذاكرتي، دور المالية مهم في إقتصاد البلد، وترتبط في المالية مؤسسات توفر السيولة النقدية وتهتم بالمصارف والسياسية الإقتصادية للبلد، وتوضع فيها مبالغ تصدير النفط، وأموال الضرائب، والأموال التي تحصل عليها من شركات الدولة، وتتولى صرف رواتب موظفي الدولة، وإدارة المعاملات المالية، والبلد الذي يمتلك قدرة إقتصادية يستطيع بناء المعامل الإنتاجية، والمؤسسات الخدمية، ويقضي على البطالة، وعلى مستوى الأفراد الذي يمتلك المال يكون له قوة ونفوذ في المجتمع، ومن يمتلك المال يمتلك القدرة، و السلطة، القطاع الخاص يعتمد على الذين يمتلكون المال، وعندما تمتلك المال تستطيع تحقيق أهدافك وامنياتك، المال له دور كبير في تغير حياة الإنسان، والعيش برفاهية، العالم أليوم هو عالم مادي يتأثر سلباً وإيجاباً بالمادة، فهي فعلاً شريان ألحياة، وكانت هذه العبارة لها قيمتها ولها معانيها، الغني يستطيع بنفوذه المادي أن يسيطر على المجتمع، باستخدام هذه الأموال، وربما هناك من يختلف معي في الرأي، لكن الواقع يشير إلى ذلك، وينبغي ان تستخدم الأموال في أعمال الخير والبناء، وان تبتعد عن  التبذير واللهو، والأفعال التي يرفضها المجتمع والدين والأعراف، المال نعمة من نعم الله، علينا أن نحسن إستخدامه في مشاريع تخدم الإنسان والمجتمع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

علاء اللاميأثارت تغريدة لسكرتير الحزب الشيوعي العراقي والنائب في مجلس النواب عن كتلة "سائرون" رائد فهمي اهتماما كبيرا. وقد اعتبرها البعض أوضح إشارة على تبني الحزب وقيادته للمشاريع الاقتصادية والسياسية الرأسمالية والمناقضة لما عرف عن البدائل الاشتراكية والشيوعية التي يزعم الحزب الانتساب إليها تقليديا.

يقول نص التغريدة (أمام جسامة التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه العراقية كتحقيق تنمية مستدامة وخلق فرص عمل وتوفير البنى التحتية المادية والمؤسساتية، يكاد يغيب النقاش "حول" السؤال السيتراتيجي هل اقتصاد السوق وآلياته الحرة قادر على توفير الحلول؟ ما رؤية الحكومة لتطبيق " السوق الاجتماعي؟). نلاحظ ان هذا النص القصير مصوغ بمهارة وحذر ولكنه لم ينجُ من بعض الأخطاء اللغوية على قصره. وللإنصاف، فقد لا يفهم للوهلة الأولى من قوله (هل اقتصاد السوق وآلياته الحرة قادر على توفير الحلول؟) أي تروج لاقتصاد السوق بل ربما يفهم منه تحفظ عليه وتشكيك بجدواه. 

* أما السؤال الثاني القائل (ما رؤية الحكومة لتطبيق "السوق الاجتماعي"؟) فههنا تسكب العبرات كما يقال إذ أنه ينطوي على ترويج واضح بل على دعوة إلى الحكومة – وهي للتذكير: حكومة محاصصة طائفية تابعة في دولة المكونات تم إيصال رئيسها الى منصبه بطريقة مشكوك في دستوريتها وفي صفقة دبرت بليل إدارة نهب وتوزيع الريع النفطي على الأحزاب والعوائل السياسية الطائفية في العراق - إلى الأخذ بهذا السوق الاجتماعي.

* يمكن أن يفهم قارئ تغريدة السيد فهمي أيضا، أنه يحاول التفريق بين السوق الحرة "سيئة السمعة" وبين السوق الاجتماعي "الحبابة الطيبة"، وربما كان المغرد يفضل الثانية على الأولى. هذه بسطة سريعة في التعاريف والماهيات الخاصة في هذا الموضوع لكشف جوهر هذه المحاولة وتباين المضمون الرأسمالي الحقيقي لها:

* يقول التعريف التقليدي شبه الحصري لاقتصاد السوق، والاقتصاد الحر، والنظام الرأسمالي إنه (النظام الاقتصادي لليبرالية الكلاسيكية التي تكون الليبرالية الاقتصادية مكوّنا أساسيا فيه، ويقوم هذا النظام على فكرة سيادة الاقتصاد الحر بما يعنيه من عدم تدخل الدولة في الأنشطة الاقتصادية وترك السوق يضبط نفسه بنفسه. وتتكئ فلسفيا على مبدأ الحرية الفردية، القائلة إن الفرد ولد حرا، بالتالي فإن له الحرية في أن يقوم بأي نشاط اقتصادي.

* يقوم اقتصاد السوق على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وعلى المبادرة الفردية، ويخضع لتفاعلات قانون العرض والطلب داخل السوق وعلى المنافسة الحرة وتحرير الأسعار من أي قيد عدا ما تفرضه المنافسة الحرة غير الاحتكارية ذاتها.

ولكن اقتصاد السوق – عمليا وتاريخيا - لا يعني غياب القطاع العام ودور الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية غيابا تاما بل يحضر ويغيب تبعا لحاجة النظام الرأسمالي المهيمن والطبقات السائدة ومصالحها المباشرة.

* لا يمكن فهم اقتصاد السوق اصطلاحيا وعملياتيا ونمطا اجتماعيا إلا بوضعه في مقابل نقيضة الاقتصاد الاشتراكي كما تكرس في التجربة السوفيتية بوصفها شكل بدائي وبيروقراطي من أشكال الانتقال الى الاشتراكية وليست الشكل الوحيد والحصري. هذه التجربة قامت على أساس تدخل الدولة التي تدعي أنها عمالية وهي ليست كذلك بل حزبية بيروقراطية في الاقتصاد من البداية الى النهاية تخطيطا وإنتاجا وملكية وتوزيعا. ورغم بيروقراطية التجربة في الاتحاد السوفيتي وقضائها على الجوهر الديموقراطي الثوري لحكم المجالس" السوفيتات" واستبداله بدكتاتورية الحزب الشيوعي النخبوي البيروقراطي والنظام الأمني القاسي فقد قدمت هذه التجربة إنجازات مذهلة – رغم كل ثرثرات الإعلام البرجوازي المعادي الرث عن فشلها- ونقلت بلدانها من أقسى درجات التأخر والفوات الحضاري الى القطبية العالمية في الاقتصاد والسياسية والثقافة، فبعد أن كانت روسيا تسمى في الغرب " كيس البطاطا الثقيل" و" قلعة الرجعية الأوروبية " بعبارات ماركس نفسه أصبحت القطب الدولي المقابل للقطب الدولي الإمبريالي الغربي والمتسابق معه في ميادين الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلوم. 

* أما اقتصاد السوق الاجتماعي، والذي يريد البعض أن يقدمه كمنقذ من الضلال الى الهدى، ومن الخراب إلى فردوس الإصلاح من داخل النظام ويجعل منه الدجاجة التي تبيض ذهبا، فيقول تعريفه الأشهر إنه:

* اقتصاد السوق الاجتماعي هو نموذج اقتصادي يجمع بين اقتصاد السوق الحر، مثل قدرة اقتصاده متطورة عالية الكفاءة وتوفير المنتجات، وفي نفس الوقت تلافي مساوئ طرق المنافسة الشرسة وعدم السماح بالانفراد بتصنيع المنتجات (منع الاحتكار) ومن استغلال العاملين وذلك عن طريق السماح بتكوين نقابات عمال قوية وعدم السماح لعمليات تجارية تسيئ إلى النظام الاجتماعي. فالغرض من اقتصاد السوق الاجتماعي هو تحقيق أكبر مستوى للرخاء مع تأمين المجتمع والعاملين. اقترحه الألمانيان "ألفريد أرماك " ولودفيغ إيرهارت وفي ظل هذا النظام لاقتصاد السوق الاجتماعي لا تتصرف الحكومة سلبيا كما هو في اقتصاد السوق الحر، وإنما تتدخل الحكومة على هامش مجرى الاقتصاد الذي يكون إلى أبعد الحدود في القطاع الأهلي المدني، مثل تحفيز النشاط الاقتصادي، وضع سياسات تضمن منافسة أمينة سليمة، وسياسات اجتماعية تخص العاملين والمواطنين."

* ممن يؤيدون اقتصاد السوق الاجتماعي المشهورين ألفريد أرماك فهو يرى في اقتصاد السوق الاجتماعي أنه "يحاول الجمع بين مثالية العدالة، والحرية، والنمو الاقتصادي في "منظومة متوازنة معقولة" وهذا مجرد حشو لفظي وإنشائي فارغ من أي مضمون علمي قابل للرصد والتقييم يمكن أن نجده في خطاب أي سياسي ثرثار لا يعني ما يقول!

كما يمكن القول إن "اقتصاد السوق الاجتماعي" هو من حيث الجوهر محاولة فاشلة عمليا ونظريا للجمع بين قوانين الاقتصاد الحر كما عرفتها الرأسمالية المتوحشة وبين مبادئ أخرى تناقضها في الصميم وتتعلق بالجانب الاجتماعي في النظام الاشتراكي، حيث تحتل مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والضمانات الصحية والتعليمية المرتبة الأولى من سلم الاهتمامات. وهي إذن أشبه بمحاولة لجمع النار والماء!

بعض الكتاب والمتخصصين يعتبر "اقتصاد السوق الاجتماعي" نوعا من الليبرالية المنظمة، وآخرون يعتبرونه نوعا من الرأسمالية الملطفة، و"غير المتوحشة كرأسمالية بريطانية التأسيسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر"، يعتقد اقتصاديون كثر أنه أشبه بمحاولة لخط طريق ثالثة بين الرأسمالية والاشتراكية تتميز باستمرار حضور الدولة والقرار السياسي في صياغة ومراقبة العلاقة بين التنافس والتضامن وبين وحشية السوق والعدالة في الحياة، وكل هذا محض كلام لا مضمون علميا مفيدا له ولا يمكن التدليل على صحته عمليا.

* من تجارب اقتصاد السوق الاجتماعي تجربتا السويد وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية ولكن أي محاولة للمقارنة بين أوضاع بلد فاقد للسيادة والاستقلال، يعيش على النفط الريعي النفطي بنسبة شبه مطلقة كالعراق اليوم، وهذين البلدين الصناعيين المتطورين، رغم هول الدمار المادي الذي طاول ألمانيا ستكون مضحكة وفي مضيعة للوقت.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها ألمانيا مدمرة تماما، اتبعت اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وضعه لودفيج إيرهار، فأسس المجتمع المدني شركات تساهمية للإنتاج وإعادة البناء تعززها في ذلك المصارف والبنوك، نعرف منها اليوم شركات مثل مرسيدس بنز وفولكسفاجن وباير للأدوية والصناعات الكيميائية، وشركات مساهمة للحديد والصلب مثل كروب وسيمنز وغيرها... حتى إنتاج الكهرباء تقوم به شركات مساهمة أهلية تمتلك نحو 19 مفاعلا نوويا لإنتاج الكهرباء.

* ولكن الحقيقة تقول إن هذا السطح البراق للاقتصاد الحر الاجتماعي يخفي خلفه حقائق مختلفة تقول مثلا إن الشركات الأهلية التي بدأت صغيرة بخمسة أشخاص على سبيل المثال نمت وكبرت وتضخمت كما يتضخم المسخ بمرور الأيام والسنين وأمسى يعمل فيها لاحقا مئات العمال ويتضخم رأسمالها لتتحول الى شركات رأسمالية يملك أسهمها القادرون على شراء الأسهم.

والحقيقة أن أحدا لا يمكنه أن ينكر ما تحققه المشاريع الصغيرة من فوائد في امتصاص البطالة وتشجيع حركة الإنتاج ولكن لماذا لا يتم اللجوء إلى هذا الأسلوب في التجارب الاشتراكية التي تضمن له آفاقا أكثر أمنا وازدهارا ولكن تحت هيمنة الاقتصاد الاشتراكي المخطط؟ لماذا لا يتم اللجوء إليه إلا في اقتصادات رأسمالية كبيرة وتابعة للاقتصاد الدولاري المهيمن عالميا؟

في الأزمات الاقتصادية حيث تسرح الشركات والمصانع بعضا من عامليها بغرض التوفير، فيكثر عدد العاطلين، وهنا تشجع الحكومة الأشخاص على إنشاء مشروعات صغيرة يرتزقون منها وتكون بمثابة شركة صغيرة يمكن أن تنجح في السوق فتكبر ويزداد عدد العاملين فيها.. لقد شكلت السويد كما يقول أحد الخبراء (منافسا حقيقيا للدول الاشتراكية من حيث طابع ونوعية المكتسبات المعيشية والصحية والخدمية التي تعم المجتمع). ولكن هذا الخبير ينسى أن أي هزة في النظام الرأسمالي الدولاري العالمي ستنعكس سريعا وسلبا على السويد وألمانيا وغيرهما من فقاعات كبيرة اقتصادية تضخمت في فترة الاستقرار لما بعد الحرب الأوروبية "العالمية" الثانية!

* أما مع العراق فمن المضحك حقا مقارنة تجارب وأوضاع ألمانيا والسويد: فألمانيا المدمرة بعد الحرب تم إنقاذها بخطة مارشال الأميركية، والسويد كانت دولة منتجة ومستقرة وذات تجربة صناعية راكزة في حين قام نظام المحاصصة الطائفية التابع في العراق بكارثة تشبه خطة مارشال مقلوبة على رأسها فنهب الريع النفطي وهو الوحيد الذي يوفر الغذاء لأربعين مليون عراقي تقريبا، ولم يبن شيئا حتى قبور ضحايا الاقتتال الطائفي الذي تسبب به أو فشل في منعه طيلة سنوات. وألمانيا كانت قبل الحرب دولة صناعية منتجة ذات معدل نمو عال وتجربة متراكمة خبرات صناعية وتجارية ثم البناء عليها بعد الحرب، نحن في العراق ماذا أبقيتم في البلاد حتى تدعون الى السوق الحرة الاجتماعية؟ حتى القطاع العام لما قبل الاحتلال حلوتموه الى سكراب وخردة تم بيعه بأطنان الحديد!

* وثانيا، فإن ألمانيا لم تكف عن أن تكون بلدا رأسماليا معلقا بشعرة الاقتصاد الدولاري الذي ما أن يغرق حتى يجر الجميع معه نحو القاع! هل تعلمون أن تحذيرا مصرفيا واحدا صغيرا صدر عن الولايات المتحدة وضع الاقتصاد الماني على حافة الهاوية وسرعان ما تراجعت المانيا عن محاولتها لاستعادة كميات الذهب الألماني المحتجزة في الولايات المتحدة الأميركية كرهينة حيث فشلت الخطة الألمانية لاستعادة ثلثي احتياطي الذهب الألماني المودع في بنوك أميركية وفرنسية وبريطانية بحلول عام 2020، وقررت ألمانيا في الوقت الراهن ترك ما يعادل ستمائة وخمسة وثلاثين مليار دولار من الذهب في خزائن الولايات المتحدة، بعد تهديدات بمعاقبة الاقتصادي الألماني من قبل أميركا؟ فعن أي سوق حرة اجتماعية يتحدث ويروج رائد فهمي في العراق؟

* وأخيرا فالسيد رائد فهمي حر تماما في أن يروج ويتبنى ما يعجبه ويعجبه حزبه من هذه النماذج الرأسمالية الملطفة، ولكن لماذا هذا الإصرار على اعتبار أنفسهم شيوعيين على سن ورمح؟ لماذا لا يعتقون هذه المفردة "الشيوعية" و"يحلون عن سماها"؟ وعموما فهي مفردة كما قال هادي العلوي قد "ابتذلت ابتذالا هائلا من قبل زاعمي الانتماء إليها" حتى أنه بدأ باستعمال بديل لها هو "المشاعية"! أم أن قصة الفجل الأحمر القشرة والأبيض الباطن ماتزال سارية المفعول؟ ففي العراق نوعان من الفجل أحمر مستورد وتقليدي محلي أبيض؟

 

علاء اللامي - كاتب عراقي.

 

صادق السامرائيالمتاجرون بالدين يضللون الناس ويمتهنونهم ويصادرون حياتهم ويقبضون على مصيرهم، بالخطب الخدّاعة والكلمات الفتاكة التي يصرحون بها على المنابر الهلاكة، الساعية لتعزيز التبعية والخنوع والتجهيل وتحصين الأمية ومنع الناس من إستعمال العقل، وتحريم السؤال، لأنه ليس من الإيمان.

وتستمع للعديد منهم بدرجاتهم وألوان عمائمهم وأحجام طرر جباههم وأطوال لحاهم، وهم يغردون بالأفك المبين، ويعلنون أن الفقر من الإيمان وأن المقاساة والحرمان والهوان هي أقصر الطرق إلى جنات النعيم والتمتع المقيم، ولا يجرؤ أحدٌ أن يسألهم لماذا لا تتخذون الطريق الذي تحثون الناس على السير فيه والإقامة في مستنقعات الويلات والتداعيات والأمر العسير؟

لماذا لا يفعلون كما يقولون إن كانوا صادقين؟!!

وتجدنا اليوم نستمع إلى خطب تعزز الفقر وتحسبه النعيم، وضريبة لا بد لها لكي يفوز المساكين بما يحلمون من أبسط حقوق الإنسان المحرومين منها، والخطباء يتنعمون بالرفاهية والبذخ ويكنزون الذهب والفضة، ويمتصون دماء الفقراء، ويحقنونهم بأمصال تخديرية تنويمية تحيلهم إلى قطيع خانع يسبّح بإسمهم، ويتعبّد في محراب أضاليلهم السوداء.

الفقر مسؤولية المجتمع وهو نتيجة لسوء السلوك وشيوع الفساد، الفقر حاصل تحصيل، فأدعياء القيمومة في الفقر يقيمون في الثراء، وكأنهم يريدون حماية ثرواتهم بتعليم الفقراء أن الفقر قدرهم وأنه من الإيمان.

" فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" الحج 28

"اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر" حديث نبوي

"الفقر الموت الأكبر" كما يقول الإمام علي (ع).

 الفقر الذي كاد أن يكون كفرا، يتغلغل في النفس البشرية فيعذبها ويحرقها في جحيم العوز الحرمان.

 الفقر الأليم اللئيم الذي يزأر في أعماق الفقراء كأنه وحش فتاك، هذا الفقر من واجبنا أن نحاربه بكلامنا وسواعدنا وعقولنا، ورحمتنا وكرمنا وزكاتنا وصدقاتنا ورأفتنا وحبنا، وديننا وعقيدتنا وإرادتنا وعزيمتنا، وكل ما فينا من طاقات ممكنة لقهره وتحرير البشر من سجونه، وتخليصهم من براثن بطشه وعذابه.

الفقر عدونا الأكبر وعلينا أن نجاهد ضده ونقضي عليه.

الفقر القابع في أرضنا التي نقول عنها أرض خير وماء ونفط وعتبات مقدسة، وفيها ما لا ينتهي من الموارد الوفيرة الفائضة.

الفقر علينا أن نقف إزاءه وقفة إنسانٍ واحد.

إن الفقر عدو الإنسانية والرحمة والدين، فهيا بنا إلى محاربة هذا العدو الفتاك.

وعلينا أن نساهم بزرع الفرح في الوجوه والمحبة في القلوب، وأن نرتقي إلى جوهر الدين والعقيدة، وأن نكون عباد الله إخوانا.

أ يرضى الله أن ننام ومن حولنا جياع ومعوزين وأطفال تبكي وأيتام تعاني وتريد.

فانظروا ما أنتم فيه من أسباب الهلاك وإستثمارات للفقر والموت والخراب، وتأملوا محاربة الفقر عدونا الأكبر المتوحش الشرس الذي يأكل البشر ويحصدهم حصدا.

فهيا إلى إطعام الجياع وبث الفرح في نفوس الناس.

فإلى متى يبقى الإنسان مسجونا في فقره وضنك عيشه ومعاناته اليومية من أجل سد رمقه ورمق أطفاله:

إلى متى يبقى يركض وراء لوازم يومه من طعام وشراب ووقود لمدفأته وسيارته؟

 إلى متى يبقى على تل العناء وشظف العيش؟

 إن الأمم التي تحارب الفقر هي الأمم المتطورة، وفي الصين يتفاخرون بحربهم على الفقر وإنقاذ الملايين من قبضته كل عام.

فما أحوجنا إلى حملة جادة صادقة لإنقاذ الناس من الفقر وإنتشالهم من مستنقعاته وويلاته.

وعلينا أن نفتخر بإنقاذنا كذا عائلة من فقرها، وإطلاق أبنائها لكي يكونوا سواعد حية في بناء البلد وتطويره والإنتقال به إلى مصاف الدول المتقدمة.

نعم إن من أهم واجباتنا أفرادا وجماعات وعلى مختلف المستويات هو محاربة الفقر.

حربنا على الفقر هي التي ستقضي على غياب الأمن والقلاقل والإضطرابات.

إن الإرادة الجماعية في مواجهة الفقر وطرده هي التي ستشيع الأمان وتسعدنا، أما غيرها فأنها لن تأتي بنفع وستزيد الآلام آلاما والفقر فقرا والأيتام أيتاما والثكالى ثكالى والاضطراب إضطرابا.

ما دام الفقر ثقيلا والحاجة أثقل فإن الحديث مع البشر في هذه الحالة النفسية حول أي موضوع لا يغني ولا ينفع، فالذي ينفع أن تعطيه ما يقضي على فقره ورزاءة حاله وأن تخلصه من ضنك عيشه، لكي يرى بوضوح ويقرر بمعرفة ووعي وعلم منه وبملئ إرادته الواعية وليست الجائعة المأسورة بقيود الحاجات.

إن من الأخطاء القاتلة أن يتم توظيف الحاجات البشرية في السياسة وحكم الناس من أفواههم.

نعم ..إن التوجه لمحاربة الفقر هو الحل، فالفقر عدو وجودنا الأكبر، ومخربه الأول، ومدمره الأشرس، فلن يهدأ الوطن ما دام الفقر سائدا فيه وهو بلد الخير والثراء، فتبا للفقر والعوز والإملاق.

 

علينا أن نرفع شعار "لا فقير في الوطن"

إن المجتمع قادر على تحقيق هذا الشعار، وفيه كل الإمكانات اللازمة لتحقيق الثراء الإجتماعي والتطور الفعال.

ألا يحق للمواطن أن يسكن في مسكن لائق به؟

ألا يحق له أن يقود سيارة مثل البشر؟

ألا يحق له أن يلبس الملابس الجديدة ويأكل الأكلات الجيدة؟

ألا يحق له أن يتمتع بمائه ونفطه وخيراته الأخرى؟

ألا يحق له أن يعيش بدعة وطمأنينة ويسر؟

ألا يكفي هذا البلاء وهذا الشرر؟

فهيا بنا جميعا لنعلنها حربا لا هوادة فيها على الفقر، بالجد والإجتهاد والعمل وفتح أبواب المستقبل مشرعة أمام الناس، لكي يعيشوا ويذوقوا طعم الحياة كغيرهم في البلاد المتطورة.

أطعموا الجياع وطاردوا الفقر أينما حل، فلا يجب أن يكون للفقر مكانا في بلادنا، وإلا أتريدونا أن نبقى نردد

"نامي جياع الشعب نامي   حرستك آلهة الطعام"

بل علينا أن نقول:

ثوري جياع الشعب ثوري      وتجاوزي عوز الطعام

وحاربي فقرا شديدا           وتخيري فرح الأنام

وتجددي...

 لا تشربي من بركة الآلام.

إن أعظم إنجاز مطلوب تحقيقه في بلداننا هو القضاء على الفقر، وبناء نظام للرعاية الإجتماعية والصحية الشاملة، والذي يكفل حقوق المحتاجين ويوفر لكل مواطن حياة حرة كريمة وسكن صحي حديث، لكي يستعيد الإنسان كرامته وعزته وشعوره بقيمة وإنتمائه إلى وطنه.

فتبا للفقر ومرحبا بالغنى والرفاه والسعادة والإنطلاق الواعد الرشيد في دروب الحياة.

ومن سار على الدرب وصل.

ومن زرع حصد.

وتلك والله بديهيات الصيرورة والتقدم والعلاء.

ليس وهما ما تقدم، بل أنه حقيقة تبدو واضحة للعيان ولا بد من الوصول إليها.

فما دام المواطن يرى ويقول ويبدي رأيه، فأن الحياة لا بد لها أن تستقيم برغم المرارات والعثرات والخطوب.

هذا ليس تغريدا خارج السرب وإنما توجه إلى جوهر المأساة والآلام والمصائب، وهذا الجوهر يتفاعل مع عوامل أخرى مؤثرة لصناعة المأساة الدامية.

إن البشرية تنسى هذا العدو الكاسر وتلهو بغيره، لكي تزداد مساحات الفقر ويكثر عدد الجياع في الأرض.

ولم تساهم البشرية بجدية في محاربة الفقر، بل أنها إجتهدت في حروب من أجل أن تخلف المزيد من الفقراء والجياع والمرضى والمعوقين بدنيا ونفسيا.

فلو حاربت البشرية هذا المارق الفتاك لحققت سعادتها فوق الأرض، ونأت عن الحروب وشعرت بنشوة تحقيق النصر على آفة الفقر والآلام.

إن جوهر الزكاة في الإسلام هو لمحاربة الفقر ومعالجة هذه المشكلة الإجتماعية بإقرار حق الآخرين المحتاجين، لأن كل غني يثرى إنما على حساب آخر يفقر.

وإن ما لدى الأغنياء فيه حق للفقراء.

يقول الإمام علي (ع) "إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتع به غني".

ونحن مسلمون ونتبع هدى الأئمة والصالحين، نقول ذلك بأعلى أصواتنا وعلينا أن نوثقه بأفعالنا، لأن الدين العمل، وإن لكل قول إمتحان ولكل عمل أجر، والبينة على من إدعى. فكونوا عباد الله إخوانا.

وليساند الأخ أخاه ويدفع عنه غائلة الفقر والجوع، ويساهم في إسعاده وتخفيف همومه، وغسل آلامه وأحزانه بفيض الرحمة والألفة والحنان.

جراح الفقر تؤذينا    

          وفقر النفس يدمينا

فحارب فقرها العاتي

          وقارب من أمانينا

وهكذا يجب أن يتساءل كل شخص عن كيف يتخلص من الفقر وعليه أن يبحث عن الجواب، وبتفاعل الآراء والأجوبة والمقترحات، لا بد من إبتكار خطة موضوعية وعملية تقضي على الفقر المقيت، وتخلصنا من هذا المارد الذي ألحق الضرر بالمجتمع ومضى قيدا ثقيلا في سواعد الأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

هادي جلو مرعيولولا الخبز لما عبد الله. لكن مالفرق بين الخبز والجنس؟

الخبز مايملأ البطن، وهو الوسيلة التي يحتكم لها الإنسان لكي يتقوى على العبادة، والعبادة التي أعنيها تعني وجوده ودوامه في الحياة، فوجوده فيها عبادة، وهناك من يكفر بالله بسبب الخبز، وينفي عنه الوحدانية، ويتمرغ في فوضى الإلحاد والتمرد والرغبة في فعل الأخطاء، وعدم الركون الى العقل والفضيلة في تعامله مع الناس، ولهذا فالخبز وسيلة، والخبز معنى لكل حاجة تشعر الإنسان بكرامته الكاملة غير المنقوصة، ولكن هناك غاية كبرى ونهائية ومطلقة مرتبطة بوجود الرب ووجود مخلوقاته، فالجنس الذي نعنيه هو الممارسة بين الأنثى والذكر عند المخلوقات جميعها التي تتلاقح لتتكاثر، فعظمة الخالق في وجود مخلوقاته لأنه خالق كل شيء.

غريزة الجنس هي الغريزة الأكثر خطورة في مستقبل البشرية، وبقية المخلوقات الحيوانية والنباتية، ولاندري وربما غيرها كثير من مخلوقات نجهلها وهي تتكاثر بذات الطريقة لتكون مجتمعا نباتيا وحيوانيا وماديا متسعا وممتدا على هذا الكوكب، ولعل الغيوم والمياه والرياح والجمادات وسواها من كائنات قال لها الرب كن فكانت جميعها توجد بطريقة جنسية بحتة، وتجد إن الرغبة الجنسية هي الدافع لعمل كل شيء، وهناك من يضحي بكل مايملك من أجل إشباع رغبته، ويرتكب الحماقات والجرائم، وهناك من يجني المال بالجنس، أو يرغب الآخرين به، أو يوقعهم به كما يحصل معنا في الغالب.

الخبز يأتي تاليا إذن، أي إن الناس يأكلون الخبز ليعيشوا ويصنعوا الحياة على قاعدة، نحن نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل، مع إن مايجري في الحقيقة هو إن الناس صارت تعيش لتأكل، بينما طلب منها أن تصنع الحياة، وأن تبدع فيها وتستمر، لكن مامصير وحدانية ووجود الرب لولا تكاثر المخلوقات، وهو القائل، ماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. فالأمر جلي في أن كل مايجري من تدافع بين الكائنات، ووجود للمخلوقات، وللكواكب والمجرات والعوالم التي نعرفها والتي نجهلها، والتي لا نعرفها ولانجهلها لأننا لاندرك منها شيئا، وهي من أسرار الرب العظمى إنما وجدت وتدافعت للتعبير عن شيء واحد عظيم هو وجود الرب وكبرياؤه وسلطانه الدائم، وماحركة الناس إلا تعبير عن ذلك فالحاكم المتجبر يريد أن يأخذ سلطة الرب، ويقول للناس عليكم أن تحتكموا لي، وتتعبدوا لي فيرغم أنوفهم حتى يفنيه الرب لأنه المتجبر الأكبر المتحكم في حركة الكون والحياة فيه.

تجد الجنس في السياسة والفن والصحافة والحياة هو الدافع للتجمل والتزين، وإظهار حلاوة الجسد والركب والصدور، ولهذا فالزينة الصارخة، والتعري في السياسة والصحافة والفن من عوامل النجاح والدوام، والجميع يرغب في أن يرى المرأة سلعة جميلة، فالمثقفون المنفتحون يدافعون عن حريتها بإظهار ساقيها، وبعض صدرها، وأن تضع الماكياج وأطايب العطور، وأن تتصرف كما تريد، والإسلاميون يمنعون ذلك علنا، ولكنهم يريدونه سرا، والطرفان يقتتلان على الصدور والسيقان وصارت السينما والدراما والأسواق والنوادي والملاهي والمطاعم. ووأماكن الراحة والإستجمام والفنادق والسواحل والشواطيء ميادين رحبة لجنس يريده الله لكنه يقيده.

 

هادي جلو مرعي

 

لطيف عبد سالمليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ الاقتصادَ العراقي يُعَدّ من الاقتصادات الواعدة التي تعرضت لحالاتٍ من التدهور في مراحلٍ عدة، فضلاً عما صاحب ذلك من تعثرٍ في المساعي الرامية إلى تنميته. ويمكن الجزم بأنَّ السببَ الرئيس في ذلك يعود في واقعه الموضوعي إلى جملة من العوامل الموضوعية التي تركت في أرجائه ندبات سلبية عميقة الأثر، مع العرض أنَّ أغلبَ تلك العوامل متأتٍ من تداعيات الحروب، وسوء الإدارة، وما ظهر من السياسات المرتجلة، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الفساد بشكلٍ مخيف.

من المعلوم أنَّ الاقتصادَ العراقي شهد تحولات في نظامه واتجاهاته وأدائه منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فضلاً عن تعرضِه إلى صدماتٍ عنيفة بفعل رؤى القيادات السياسية الَّتِي ترتب عليها إقحامِه في ظروفٍ معقدة أفضتْ إلى زعزعة استقراره وفقدانه فرص التطوير المفترضة. ولعلّ أبرز هذه المحطات هو الحروب العبثية، والتي بدأت بحرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات، وتسببتْ في استنزاف نسبة عالية جداً من الاحتياطيات الأجنبية التي استخدمت من أجل تمويل الإنفاق الحربي، إلى جانب كارثية آثار هذا التوجه الذي كان في مقدمة نتائجه المأساوية ما حصل من تشوه في بنية البلاد التحتية، وتراجع إنتاجية قطاعات البلاد الرئيسة، إذ وصلتْ قيمة الإضرار حينئذ إلى نحو (453) مليار دولار أمريكي بحسب البيانات الحكومية.

حين أطلَ عقد التسعينيات من القرن المنصرم على المجتمع البشري، كان الاقتصاد العراقي وهو لم يتعافَ بعد على موعدٍ مع التداعيات السلبية لمجريات حرب الخليج الثانية، والتي سبقت التحضيرات لها فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية قاسية تمثلت بحصارٍ اقتصادي جائر، أفضى إلى دخول البلاد بعزلةٍ دولية وإقليمية دامت لأكثرِ من عقدٍ من الزمان، بالإضافة إلى جسامة التعويضات المالية التي تحملها العراق، والتي قدرت خسائرها بما يقرب من (200) مليار دولار أمريكي بالاستناد إلى الوثائق الدولية.

من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ الاقتصادَ العراقي يعاني اليوم من كونه أسير العديد من العوامل المقيدة لمحاولات تطويره، إذ ما تزال قِطاعات البلاد الرئيسة تعيش التراجع والتشتت، وتعتمد على مختلفِ دول العالم، فضلاً عن المحيط الإقليمي بمهمة تغطية حاجات السوق المحلي، فلا ريب أنَّ العراقَ أصبح في مقدمة البلدان المستهلكة لبضائعٍ وسلع ضرورية أو غير ضرورية من خارجِ البلاد، على الرغم من أنَّ البياناتَ الرسمية تشير إلى استنزافه ما يزيد عن (500) مليار دولار في المدة الماضية. 

تتجسد المشكلات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي في عالم اليوم بمجموعةٍ من العوامل الموضوعية التي من أهمها ارتفاعِ حجم المديونية الخارجية، تباطؤ معدلات النمو، تراجع إنتاجية قطاعي الزراعة والصناعة، القوانين القديمة المعرقلة لإنضاج البيئة الاستثمارية والاعتماد على الاستيراد الخارجي بنسبةٍ عالية في ظل تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي أفضت إلى انهيار القطاع الخاص.

 

لطيف عبد سالم

 

زينب فخريممَّا لا شكّ فيه أن شهر رمضان المبارك يحمل سمة خاصة من بين الشهور ليس في العراق فحسب بل في جميع العالم الإسلامي، وله ممارساته التي أضحت تقاليده وعاداته.

وكان مألوفاً تخصيص هذا الشهر الفضيل لقراءة القرآن الكريم والأدعية والابتهالات وقضاء معظم الأوقات في المساجد والحسينيات فضلاً عن قيام الليل اما في أيامنا هذه فمعظم الأوقات تخصص على شاشات الهواتف الذكية والفضائيات.

بل قضى التطور التقني على مهنة المسحراتي أو كما يسميه البغداديون (المسحرجي أو أبو الطبل)، تلك شخصية الرمضانية الحاضرة بقوَّة في الذاكرة العراقية منذ القدم، ومهمته كما هو معروف للجميع تقتصر على تنبيه النائمين على موعد السحور على ايقاع طبلته، وقد يتجول في الأزقة بمفرده أو يكون بصحبة  مجموعة، كان الأطفال ينتظرونه ويقدمون له شيئاً من السحور معهم، لكن دوره تلاشى الآن، باستثناء بعض الأزقة والمناطق التي مازالت تسمع طبلة هنا وإيقاع هناك، والجميع متيقن أن معظم الناس مستيقظون، مستمتعون بشاشات الفضائيات والهواتف الذكية وفي حال خلودهم للنوم فمنبهات الهواتف الذكية تتولى مهمة إيقاظهم بدلاً عن المسحراتي!

ومن العادات والتقاليد المهددة بالانقراض هو التزاور بين العوائل التي تربطها صلات قربى أو علاقات وشيجة، فبعد الإفطار كان من النادر ان تبقى عائلة في بيتها، مستثمرة الشهر الفضيل لتعزيز هذه العلائق وتمتينها وتقديم العون لبعضها لكن بعد غزو الهواتف الذكية والفضائيات باتت هذه العادات مهددة بالانقراض، فالعائلة تقضي جلّ وقتها مبحلقة أمام الفضائيات، متسمّرة لمتابعة مسلسلات سطحية لا تمت لتقاليدنا بصلة بل لا تحافظ على قدسية شهر رمضان الفضيل ممَّا يشكل تراجعاً خطيراً في مستوى العلاقات الاجتماعية بل الأسرية فضلاً عن تدني مستوى الذائقة الفنية.

ومن العادات والتقاليد الرمضانية التي قضى عليها التطور التقني، تبادل الأكلات بين عوائل الحي الواحد، الأمر الذي يسهم بزيادة تماسك النسيج المجتمعي والتقارب الاجتماعي بل يوفر فرصة للفقراء والمحرومين والمتعففين بالتمتع بأكلات قد لا تكون بمتناول استطاعتهم الاقتصادية ليبقى هذا السلوك منقوشاً في الذاكرة معبراً عن أبهى صورة للتعايش السلمي المجتمعي، لكن هذا الأثر الرمضاني للأسف يكاد يختفي على نحو كامل من مجتمعنا على الرغم من أن هذا الشهر الفضيل هو شهر محبة وصدقات.

واشتهر في هذا الشهر الفضيل أيضاً بعض الألعاب الرمضانية كـ (لعبة المحيبس أو البات)، نسبة للمحبس الموجود في اللعبة، وكانت هذه اللعبة التراثية الشعبية تقام في الأزقة والحدائق العامة بين فريقين وربما فرق كل فريق من مدينة، وحالياً هذه اللعبة أصبحت تقام وفي خطوة لإحيائها تحت إشراف مؤسسات او اتحادات لمنع اندثارها وزوالها ولكنها تظل محاولة خجولة أمام وسائل جذب باتت منتشرة في مجتمعنا كالمقاهي والكوفيشوب والمولات المزودة بالنت والنرجيلة وكل شيء.

ونختتم مقالتنا هذه بالقول وبحسرة إن العادات والتقاليد في شهر رمضان المبارك قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه قبل سنوات، بل تكاد تضمحل وتزول بشكل نهائي، فالفضائيات ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الهواتف الذكية التي غزت بيوتنا فعلت فعلها في التأثير على نمط حياتنا وفرضت علينا أنماطاً من السلوك الفردي والجمعي لم تكن سائدة من قبل وقامت بدورها المرسوم في الحرب الناعمة!

 

زينب فخري

 

"علي وياك علي" هتاف تناهى الى سمع الإمام علي في السماء، ففرح به وهو يمنّي النفس بتحرر الفقراء من فقرهم وجوعهم وبؤسهم من قبل سراة شيعته وهم يحكمون في بلاد كانت فيها عاصمته. فهبط به جبريل بعد طلب منه ببغداد، وتركه فيها ليعود إليه وقت آخر. سار علي بين شوارع خربة وأزّقة يلعب فيها أطفال ذوي ثياب رثّة وآثار الجوع تظهر جلية على وجوههم. فاتكأ على جدار آيل للسقوط والدمع يبلّل لحيته وهو يجهش بالبكاء لحال الناس، فخرجت إليه عجوز لم يبقي لها الفقر والجوع الا جسد نحيل وتجاعيد تشهد بقسوة الأيام وشدّتها.

العجوز: ماذا تريد يا رجل، ولم تقف على باب دارنا؟

علي: أريد قليلا من الماء لأغسل به وجهي.

العجوز: لا ماء لدينا، فماء الإسالة غير متوفر وأنا إمرأة لا أملك المال لأشتري به ماء. وأني أراك رجل ذو هيبة والماء الذي عندي لا يليق بمقامك، فهو ماء غير صالح للإستهلاك البشري.

علي: "بحنان كبير" لا يهم أيتها المرأة، إعطيني بارك الله فيك قدح منه لإغسل به وجهي وأرحل.

العجوز: أراك غريبا وطيبا، فمن أنت؟

علي: أنا إمام الفقراء والأيتام والأرامل، أنا الإمام علي بن أبي طالب.

العجوز: وماذا تفعل هنا في مدينة الموت والجوع والميليشيات واللصوص فداك أمّي وأبي؟

علي: جئت لأرى الفرح والسعادة في حياة شيعتي وباقي أبناء العراق، الا إنني خُدعتُ بعمائم شيعتي وسراتهم على ما يبدو.

العجوز: لم يخدعوك وحدك يا أمير المؤمنين، فقد خدعونا وسرقونا وخدعوا الله قبلك وقبلنا.

علي: أين تقع المنطقة الخضراء، وهل هي بعيدة عن هنا؟

العجوز وهي تتحدث إليه، شاهدت إبنها وهو مقاتل في الميليشيات الشيعية يأتي من بعيد فقالت: إرحل بسرعة لأني أخاف عليك من غدر إبني وأصحابه، فهم قاتلوك كما قتل شيعتك قبلهم إبن أخيك مسلم بن عقيل، وهو يقف على دار عجوز مثلي بالكوفة.

تحرّك الإمام علّي مبتعدا عن دار العجوز، وحثّ خطاه بحثا عن المنطقة الخضراء ليقابل هناك معمّمي الشيعة وسراتهم من الساسة وزعماء الميليشيات، ليجلس إليهم ويسألهم عن سبب فقر الناس وجوعهم ودمار وخراب البلد. فجأة شاهد أمواج من البشر العراة الحفاة يركضون وراء سيّارة مضللة يجلس فيها معممان يضحكان وهما ينظران الى البؤساء الذين يحاصرون سيارتهم المحصّنة، وهتافات "علي وياك علي" تملأ السماء.

وقف الإمام صارخا صرخة إهتزّ لها محيط المكان، ووقف الناس ليروا صاحب تلك الصرخة فيما كانت السيارة المضللة والسيارات التي معها تبتعد بإتجاه المنطقة الخضراء. عدّل الإمام عمامته ووقف يقول: " أيها الناس أنظروا، فإن أنكرتم فأنكروا. وإن عرفتم فآزروا حقّ وباطل ، ولكل أهل". فأرتفعت أصوات تسأله من أنت أيها الإعرابي، فأجاب أنا علي بن أبي طالب، ووالله أنّ ضربة إبن ملجم على هامتي لأهون عليّ من ذلّكم وسجودكم للباطل.

أيها الناس، ها هو يحكمكم "من يعمل فيكم بأعمال كسرى وقيصر"، وهم والله من أهل "المكر والغدر"، "وأولي الجور والظلم"، "وأكلة الرشا"، وهم والله يسرقون الفقير الجائع وينهبون مال الله. ما لكم لا تكونوا من الساخطين على حالكم وواقعكم المزري، "الا تسخطون وتنقمون أن يتولّى عليكم السفهاء ... فتعمّوا بالذلّ وتقرّوا بالخسف ويكون نصيبكم الخسران"؟. أيها الناس "إنمّا يجمع الناس الرضا والسخط: فمن رضي أمرا فقد دخل فيه، ومن سخط فقد خرج منه". ما لكم لا تخرجون من العبودية وذلها وسوطها وفقرها وجبنها، نحو الحرية وعزّتها وسعادتها؟.

أيّها الناس: كذّبوا ساستكم ومن ورائهم من عمائم، هؤلاء الذين يدّعون موالاتي وهم يغتصبون أموالكم وأعراضكم، فأنا وأحكم بالعدل الإلهي "قشّرت المحتكرين من كل مال أغتصبوه، كما تقشّر عن العصا لحاها". إسألوهم من أين لكم هذا، وكيف ملكتم القصور والضياع والمعامل والمولات والحسابات المصرفية في كل بلدان العالم؟

أيها الناس: "الجوع خير من ذلّ الخضوع"، ووالله لا أراكم وأنتم الجوعى والعراة الا أذلاء خانعين، وهذه ليست من صفات شيعتنا. وأضاف الإمام وهو ينظر الى الجموع التي طأطأت رؤوسها "شر الفقر فقر النفس" ولا أراكم الا فقراء النفس، فمن يرى طفله جائع وطفل الشيخ شبعان، ويرفع صورة الشيخ على أنها تاج رأسه ليس من شيعتنا. ومن يقف أمام معمّم يجمّل له الفقر ويسكت والمعمم يعيش في غنى وترف، لحاسبه الله يوم المعاد أشد من حسابه للمعمّم الكذاب.

أيها الناس: أتركوا العصبية والقبلية والعشائرية، فوالله ما فلح قوم نادوا بها، "فإن كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحاسن الأمور والأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والآثار المحمودة، والأخذ بالفضل والكفّ عن البغي والإنصاف للخلق وإجتناب المفاسد في الأرض".

أيها الناس: لقد قال معاوية لكوفي يوما "أبلغ عليّا أني أقابله بمائة ألف رجل ليس فيهم من يفرّق بين الناقة والجمل"، وأني وربّ العزّة، أرى أحفاد معاوية يقابلون الأحرار ويفتكون بهم وبوطنكم، كونهم يملكون الملايين ممّن لا يفرقون بين الحق والباطل، بين النزيه والمرتشي، بين القاتل والضحية. وما أن سكت الإمام علي حتى رأى الجموع من جديد تهتف "علي وياك علي"!! خلف مجموعة مسلحة يقودها رجل دين متعممّ بعمامة سوداء، يسيرون شاهرين أسلحتهم نحو الإمام علي الذي بقي وحيدا ينظر بأسى الى حال شيعته وواقعهم المزري وبؤسهم وذلهم أمام عمائم الشيطان. وقبل أن يصل الحشد اليه، سجد الإمام على سيفه ذوالفقار ... وأنتحر.

 

زكي رضا - الدنمارك

 

دخلت عدد من الدول المنطقة في سباق محموم مع الزمن لنزع فتيل أزمة قد تكون الأكبر والأخطر في تاريخ المنطقة ومنذ عقود. فمنذ تصاعد التوتر بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن كلا من العراق وعمان يبذلان جهودا حثيثة لمنع انزلاق هذه المنطقة الحساسة من العالم الى اتون حرب ستكون لها تداعيات لا تعرف مدياتها على حاضر ومستقبل شعوب بلدان الخليج.

تحولت بغداد ومسقط الى محطتين للجولات المكوكية التي يقوم بها مسؤولون كبار في الجمهورية الإسلامية مما يوحي بان جهودا تبذل وراء الكواليس لتخفيف الإحتقان والتصعيد وابعاد شبح الحرب. ففيما وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى بغداد في زيارة اجتمع خلالها بعدد من كبار المسؤولين العراقيين، فإن نائب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي توجه في جولة خليجية يزور خلالها كلا من عمان وقطر والكويت، وهي الدول التي يعلو فيها صوت الحكمة بين دول مجلس التعاون، إذ تحاول النأي بالمنطقة من أي حرب محتملة.

وتأتي زيارة عراقجي بعد زيارة مفاجئة قام بها وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي الى طهران في وقت سابق من هذا الشهر، وزيارة أخرى لوزير خارجية قطر لطهران. ويبدو من نسق هذه الجولات الإيرانية أن مسارات أي جهود لنزع فتيل الأزمة تنحصر بين مسارين يمر أحدهما من طهران ببغداد والآخر بمسقط فيما ينتهيان في واشنطن. واما الدور القطري والكويتي فهو دور مساعد داعم لكلا المسارين بحكم علاقتهما الجيدة بكل من العراق وعمان وبحكم كونهما لايمكن ان يلعبا دور الوسيط المباشر في النزاع ولأسباب مختلفة ومنها ان قطر تعاني من أزمة الحصار التي مر عليها عامان دون النجاح في حلها، كما وان الكويت لا تتمتع بحظوة كبيرة لدى واشنطن ولأسباب تتعلق بالموقف الكويتي من قضية فلسطين.

 ولذا فإن سؤالا مشروع يطرح نفسه وهو أي المسارين سيكتب له النجاح هل العراقي أم العماني؟ في الواقع ان نجاح كلا المسارين له مرجحاته، فبالنسبة لعمان فإن لها تجربة غنية في هذا المجال عندما إحتضنت مفاوضات سرية بين مسؤولين امريكيين وإيرانيين دامت لمدة ثلاث سنوات حتى توّجت في العام 2015 بتوقيع إتفاق بين مجموعة 5+1 وايران حول برنامج الأخيرة النووي.

إن هذا الدور الذي نجحت فيه مسقط يغريها اليوم بإعادة لعبه وهو ما تفعله اليوم. لكن شكوكا تحوم حول مدى قدرة عمان على النجاح هذه المرّة.

واما أسباب هذه الشكوك فلاتعود الى ضعف في قدرة السلطنة وحنكة قيادها، بل لأن الجالس في المكتب البيضاوي ليس نسخة أخرى من الرئيس السابق باراك اوباما المعتدل ولا من فريق عمله. فالرئيس دونالد ترامب يشكل اليوم ظاهرة فريدة في الرؤساء الأمريكيين الذي جلسوا في البيت الأبيض، إذ تشكل الدوافع الإقتصادية وامن اسرائيل الركنان الأساسيان في سياساته. فهو من جهة يسعى الى تحقيق أكبر منافع إقتصادية لأمريكا ومن جهة أخرى فإن إدارته تعتبر الإدارة الأكثر ولاءا لإسرائيل في تاريخ الإدارات الأمريكية.

وعند المرور على سيرته في الحكم خلال السنتين والنصف الماضيتين فيمكن وبسهولة ملاحظة أنه نجح نجاحا كبيرا في تحقيق هدفه الأول الذي توجه بتوقيع إتفاقيات مع السعودية قاربت قيمتها النصف تريليون دولار، واما هدفه الثاني فقد بدأ خطوات تحقيقه عبر طرحه لمشروع صفقة القرن الذي يهدف الى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإنهاء عقود من الخصومة بين اسرائيل والدول العربية. لكن تحقيق هذا الهدف يصطدم بعقبة ايران الكأداء وحلفائها القادرين على عرقلة هذا الصفقة التاريخية. وهو ما دفعه الى الإنسحاب من الإتفاق النووي وفرض عقوبات على ايران هي الأشمل من نوعها واخيرا التلويح بورقة الحرب.

لقد حقق ترامب أيضا نجاحا على هذا الصعيد بعد أن رضخت العديد من الدول المستوردة للنفط الإيراني لتهديداته وفي مقدمتها الصين والهند اللتان اعلنتا وقف شراء النفط الإيراني وقد سبقتهما في ذلك عدد من الدول ومنها اسبانيا وايطاليا واليونان. وامام هذا التشدد الأمريكي فلاتبدو أن فرص نجاح الوساطة العمانية قائمة لحل هذه الأزمة. ويعود ذلك ايضا الى ان الإدارة الأمريكية حتى وإن لم تكن في وارد شن الحرب على ايران فإنها نجحت في فرض العقوبات ولذا فهي ليست في عجلة من امرها للتفاوض، ولن يجبرها على التفاوض سوى خرق الحصار المفروض على ايران من قبل الصين مثلا، وحينها فلن تكون ايران بحاجة للتفاوض.

ولكون هذا الفرضية مستبعدة حاليا، وتبعا لذلك فإن فرص نجاح الوساطة العمانية تبدو ضئيلة فبالنسبة لايران فإنها تسعى لرفع الحصار فيما تنظر له الإدارة الأمريكية كورقة رابحة، ويبدو من خلال تصريحات المسؤولين الأيرانيين الأخيرة أن أمريكا تسعى لتركيع ايران وهو الأمر الذي لن ترضاه الأخيرة. وأما بالنسبة للعراق فإن حظوظه في حل الأزمة لاتبدو أفضل من الحظوظ العمانية ولذات الأسباب، ولكن ما يميز العراق أن علاقاته وثيقة بكلا البلدين فضلا عن كونه ساحة لتواجد كليهما، ولذا فهو يسعى للنأي بنفسه عن هذا الصراع وتبعاته ويأمل بنزع فتيل الأزمة عبر بذل جهود استثنائية .

ولذا فإن الأمل ضعيف في أن يرتفع دخان أبيض من بغداد او عمان مؤذنا بإنتهاء الأزمة، إلا إذا ما قررت ايران تقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية وحينها فإن الدخان الأبيض سيرتفع من مدينة السلام، لأن أمريكا وايران ليستا ضيفتين في العراق فكلاهما يشعران بانه بلدهما بعد ان تقاسما النفوذ فيه وأصبح تحقيق التوازن بين مصالحهما سياسة لا يحيد عنها قادة العراق وبإنتظار حسم النزاع الأمريكي الإيراني الذي سينهي هو الآخر نفوذ أحدهما في بلاد الرافدين، أو أن تحقق الوساطة العراقية معجزة ستكون أبرز تداعياتها استمرار القطبين بتقاسم النفوذ في أرض السواد!

 

ساهر عريبي

 

 

صالح الطائيلا ينكر أن عادات وتقاليد أي شعب تتكون نتيجة التوارث عبر الأجيال، وأن لهذه العادات والتقاليد طقوسا تاريخية أغلبها عرضة للتغيير بسبب وجود بعض المتغيرات التي تطرأ عند التطبيق، سواء نحو الأحسن أو الأسوأ، وبعض هذه المتغيرات مأخوذة أصلا من الموروث نفسه وبعضها الآخر غريبة عنها ولا تمت لها بصلة، وهي عادة وليدة التطور المجتمعي والانفتاح على تقاليد وعادات الشعوب الأخرى، بما فيها الشعوب غير المسلمة، واليوم هناك الكثير من الدخائل في ممارساتنا الموروثة، نالت بعضها درجة القدسية، ولا نملك القدرة على تغييرها أو التنكر لها، أو الاعتراض عليها، ولاسيما منها تلك التي لها علاقة بالدين وممارساته!.

صيام شهر رمضان والاحتفال بعيده فضلا عن كونه أمر إلهيا ملزما، يعتبر تقليدا موروثا، وإذا ما كان الصيام بحد ذاته شعيرة دينية من فروع الدين، يجب أدائها للقادرين عليها، وإذا ما كان العيد نفسه مظهرا من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره، وهناك أحاديث ـ بغض النظر عن امتحانها ـ تدعو إلى الاحتفال بالعيد كما في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك، قال: "قَدِم النبي (ص) المدينة؛ ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يومَ الفطر والأضحى"، فإن هناك من يبيح الرقص والغناء في أيام العيد استنادا إلى رواية عن أمنا السيدة عائشة أم المؤمنين، قالت في صباح عيدٍ: دخل علي رسول الله(ص) وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي، فأقبل عليه رسول الله، فقال: دعهما، فلما غفل، غمزتهما، فخرجتا. هكذا رواه البخاري. أما رواية أحمد بن حنبل ففيها قول النبي(ص): "يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا ... لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، إني أُرسلت بحنيفية سمحة". وفي رواية أخرى أخرجها البخاري للسيدة أم المؤمنين عائشة، تتحدث فيها عن يوم عيد، يلعب فيه السودان بالدّرق (الدرع من الجلد) والحراب بجوار بيت رسول الله، وأنها إما هي سألت رسول الله(ص) وإما هو، قال لها: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدِّي على خده، وهو يقول: "دونكم يا بني أرفدة" حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي".

وهناك قاعدة فقهية لدى بعض المدارس الإسلامية ترى أن السنة في الأعياد أن يظهرها المسلمون ويعلنوا بها . وفي فتح الباري لابن حجر: "أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين". وربما لهذا السبب ونظرا لتنوع الثقافات، دخل الاحتفال بعيد الفطر في باب الطقوس والعادات والتقاليد أكثر من كونه شعيرة دينية.

وحينما يتحد الطقس مع الشعيرة، تجد الكثير من الابتداع، بل إن التهيؤ للعيد بحد ذاته فيه انفتاحا طقسيا يجتمع على رؤية واحدة حتى مع اختلاف جزئياته، لها علاقة بالشعيرة والطقس، ومن ذلك التهيؤ لرؤية الهلال لتحديد التواريخ، جاء عن عبد الله بن عمر قوله: "تراءى الناس الهلل، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله(ص) وأمر الناس بصيامه" وقد ورث المسلمون هذه الممارسة عبر التاريخ، حيث الحركة الجمعية المفاجئة للبحث عن الأماكن العالية والمنفتحة الفضاء لإمعان النظر في الأفق بحثا عن هلال الشهر الجديد، حيث كان طقس الصعود على أسطح المنازل والخروج إلى البراري لمراقبة ولادة شهر شوال أحد الأمور المهمة جدا التي يحرص أغلب الصائمين على العناية بها والمشاركة في فعاليتها، ولا زالت إلى الآن قائمة في بعض المناطق، بعد أن كادت تختفي بفعل تناقل الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهي وإن لم تعد لها تلك الأهمية إلا أني أتمنى لو أن الشباب أخذوا على عاتقهم ممارستها ولو لأغراض تخليد المناسبة لا أكثر بصفتها جزء من الموروث.

وكل الأمور الأخرى تتعلق بالرؤية نفسها، فإذا ثبتت الرؤية،  يبدؤون ـ ومشاعر الفرح والحزن تتصارع في وجودهم ـ بتوديع شهر رمضان من خلال ترديد كلمات مثل: (الوداع يا شهر رمضان، الوداع يا شهر الطاعة والغفران) حيث يتأكد لهم أن يوم غد هو أول أيام العيد، وانهم سيتحررون من السحور والامساك وتعب الصيام والفطور في أوقات محددة لا يجوز مخالفتها، لكنهم مع ذلك وتبعا لتقليد الشهر كانوا يتسحرون السحور الأخير، ويسمى (سحور اليتيمة) ويقال إن التسمية أخذت من كون هذه الليلة هي ليلة حزينة كحزن اليتيمة لأنهم سيودعون الشهر، وينتظرون عودته بعد عام كامل، وهناك من يرى أن بساطة السحور باعتبار أن يوم غد ليس يوم صيام يشبه أكل اليتيمة في بساطته ومن هنا جاءته التسمية.

من طقوس هذه الليلة أن رب البيت يقوم بإخراج مبلغ زكاة (الفطــــــــر) وهي مبلغ بسيط عن كل فرد من افراد العائلة حتى لو كان جنينا في بطن امه وحتى عن الخدم، وتدفع الزكاة عادة إلى الفقراء ليدخل الفرح إلى نفوسهم. ويقال إنها

شرعت لسببين؛ مثلما يتضح من قول عبد الله بن عباس الذي أخرجه الحاكم وأبو داود وغيرهم: "فرض رسول الله زكاةَ الفطر؛ طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، من أداها قبلَ الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".

ومن طقوس ليلة العيد أيضا أن حمامات الأسواق كانت تزدحم بالزبائن، لأن البيوت في ذلك الزمن لم تكن فيها حمامات خاصة، ولذا كان الأهالي يذهبون إلى حمامات السوق العامة.

والجميع في هذه الليلة صغارا وكبارا كانوا يضعون ملابسهم الجديدة بالقرب منهم وكان بعضهم يضعها تحت الوسادة، وينهضون مبكرين للاحتفال بالعيد.

في صباح اليوم الأول للعيد يذهب الكبار عادة إلى الجوامع لأداء صلاة العيد، ومن ثم يذهبون إلى المقابر لزيارة الأموات، وهو تقليد لا زال متبعا.

وأما الصغار فيبدؤون بجمع مبالغ العيديات للذهاب إلى أماكن اللهو لركوب المراجيح ودولاب الهواء والفرارات وركوب العربات والحمير، وباقي الألعاب البسيطة الأخرى. ويتناولون الأكلات الشعبية مثل لفة بيض مع العنبة او لفة الفلافل والعنبة وغير ذلك.

أما الشباب فكانوا يذهبون إلى المتنزهات والسينمات المنتشرة في بغداد، حيث كانت السينمات تعرض أكثر من دور، وعادة تكون الأفلام هابطة وقديمة.

أما العوائل فكانت تذهب إلى سلمان باك وشارع أبي نؤاس والحدائق القريبة.

وفي صباح أول أيام العيد يبدأ أبو طبيلة بالدوران على المحلات والمناطق التي كان يوقظها للسحور ليجمع منهم العيدية. وقد أصبح هذا التقليد مزعجا ولاسيما للفرق التي تستخدم آلات موسيقية عالية الصوت مثل البوق والطبل الكبير والآلات النحاسية، ولذا أتمنى لو ألغيت هذه الممارسة واستعيض عنها بخروج بعض الشباب وهم يرتدون الأزياء الشعبية ويحملون أدوات موسيقية بسيطة في ليلة محددة من ليالي شهر رمضان، لكي لا يتذكر الأبناء هذه الممارسة التاريخية.

ومن الحقائق الجميلة في العيد ولاسيما في اليوم الأول منه، وذلك بسبب طيبة قلوب أهلنا، انهم كانوا يترقبون العيد للمصالحة بين المتخاصمين وتنقية النفوس، حيث كانوا يزورون من لا يتكلمون معه ويصالحونه فتنسى العداوات.

والملاحظ أن هذه العادات والتقاليد تكون قريبة من بعضها في الجنوب والوسط والشمال، تكاد لا تختلف كثيرا، إلا في بعض الجزئيات، وفي هذا دلالة على وحدة العراق وتشارك أهله في مراسيم أفراحهم. وأمنيتي أن تحافظ الأجيال على بعض هذا الموروث، وتستمر بالعمل به، وأن لا تأخذها التكنولوجيا الحديثة عن جذورها، فتتندم غدا لأنها لا تملك ما تورثه لأبنائها.

 

صالح الطائي

 

محمد الدعميتحتم “دكتاتورية رأس المال” إن لم تكن مكبلة بكوابح أخلاقية أو روحية واجتماعية، على الجمهور حالا مرعبة من الاستقطاب على أساس مما يحتوي عليه جيب المرء من مال. وتتجلى هذه الحال هذه الحال في أقسى، بل وأبشع صورها في المجتمع الأميركي الذي تتجسد فيه معطيات الصراع الطبقي بأكثر أشكالها حدة.

وإذا كنا، حالمين، لأن نذهب إلى أميركا بهدف الدراسة أو السياحة، شبانا يافعين، فإن الواقع بعد أن تحقق ذلك “الحلم” قد دلّ على ما هو معاكس لمعنى “الحلم الفردوسي” الذي طالما لاعب مخيلاتنا آنذاك. ودليل ذلك يتجسد في اتفاق الآراء عبر الأطياف السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، على أن أخطر أزمة متوقعة ستواجه المجتمع الأميركي إنما تتجسد في تمادي آثار “الاقتصاد الربوي” على الحياة وتجاوزها على كرامة وحضوة الإنسان، إذ يتوقع أن تصل مديونية خريجي الجامعات هناك، أي بين الذين اعتمدوا القروض للتأهيل الجامعي كي يحصلوا على درجات علمية تؤهلهم لوظائف مناسبة حسبما يحملون من شهادات تأهيل جامعي، قد بلغت “التريليونات” من الدولارات التي قدمها المقرضون (بالربا) لملايين من هؤلاء الشابات والشبان الذين لا يقوون أبدا على سدادها بسبب تضاعفها مع الزمن وضآلة ما يحصلون عليه من مداخيل (بعد بداية حياتهم العملية) قد لا تكفي لوضع طعام كافٍ على موائد عشائهم بعد الزواج. من يصدق أن هذا هو وضع الشبان في أغنى دولة في العالم، بعد أن كنا نتخيّل بأنهم في الحانات ونوادي الرقص.

أنت إما أن تكون غنيا بما فيه الكفاية لتقرض الضعفاء ماليا مقابل الفوائد، وإما أن تكون محدود الدخل درجة أنك لا تستطيع أن تبتاع سيارة أو دارا، إلا من خلال الاقتراض (بالفائدة): فتبقى مدينا لما لا يقل عن ثلاثين سنة، تدفع خلالها ديونك مقسطةً، أي “بالأقساط المريحة” لسداد قرض شراء دار، على سبيل المثال.

في أميركا لا يمكن أن يستعصي على المرء اقتناء أي شيء ما دام هو قادرا على استدانة المال أو الاقتراض: هل تريد سيارة آخر طراز، لن تحتاج سووى إمضاء صغير على ورقة اقتراض من شركة بيع السيارات، ولكن بهذا التوقيع، تبقى تنزف من مدخولك لسنين، بل وحتى لعقود، حتى تتمكن من سد مديونيتك على السايرة وعلى دار السكن، وعلى طبيب الأسنان وطبيب العائلة، وعلى كل ما تقتنيه لأفراد أسرتك: فيالها من حال رفاه اجتماعي!

 

د. محمد الدعمي

 

رائد الهاشميالسياسي يستمد قوته من قاعدته الشعبية لأنها الاساس والجذور التي تجعله متماسكاً وصامداً أمام التناحرات والدسائس والتنافس مع الاخرين فالمعروف ان السياسة تُخفي بين طيًاتها من المكر والاساليب المشروعة وغير المشروعة مالاتخفيه أي عملية أخرى ومن هذا المنطلق يجب أن يعمل السياسي دائماً في كل تحركاته وسلوكياته على كسب رضا وثقة المواطن لأنه وُجد من أجل خدمته وتحقيق رفاهيته لكن المتتبع للوضع في العراق يجد أن العلاقة بين المواطن والسياسي وصلت الى مفترق طرق لأنّ الفجوة بينهما إتسعت تدريجياً طوال السنوات العشرة المنصرمة حتى أصبح حجم هذه الفجوة كبيراً لدرجة الخطر...

هذه الفجوة لم تأتي من فراغ لأن المواطن العراقي تحمل مالم يتحمله أي مواطن في العالم فقد عانى عبر هذه السنوات المريرة من تأريخه ويلات كبيرة مثل تردي الوضع الأمني والبطالة والفساد وسوء الخدمات وتراجع مستوى التربية والتعليم وامتهان الكرامة والتهجير والمحسوبيات والقائمة تطول وهي معروفة للجميع، ماجعل المواطن العراقي لايثق بالسياسي مهما كان في السلطة التشريعية  او في الحكومة أو في الكتل  والاحزاب المختلفة وهنا تكمن الخطورة لأنه في اعتقادي ان هذه الحالة من انعدام الثقة ستنعكس نتائجها و تُترجم من قبل المواطن العراقي في الانتخابات التشريعية القادمة بالمقاطعة وعدم الاشتراك فيها كوسيلة للتعبير عن الرأي ورفض الواقع المرير والوصول الى حالة من اليأس تجاه السياسي لأنه لم يعد يصدق بالوعود والتصريحات والمشاريع الانتخابية التي جرًبها طوال عقد من الزمن ولم يحصد منها غير الخراب والدمار والفقر ونقص الخدمات, واذا ماحدث هذا الذي توقعناه من مقاطعة عامة للانتخابات فان العملية برمتها ستعود للمربع الأول وهذا مالايريده جميع الاطراف وليس فيه مصلحة لأحد.

الآن ومن خلال ماتقدم فان الكرة أصبحت في مرمى السياسين وبيدهم الأمر خاصة وان الانتخابات على الأبواب  فعليهم السعي لمحاولة تقليل حجم الفجوة مع المواطن وإعادة بناء جسور الثقة معهم من خلال الصدق في التعامل وتقديم التضحيات والتنازل عن المكاسب الشخصية التي اُتخموا بها ،والتفكير قليلاً في المواطن الضعيف المسكين المهمّش، وليعلموا علم اليقين انّه لن يبقى المواطن ضعيفاً ومسكيناً وانه اذا ماغضب سينقلب الى مارد يُدمٍر كل شيء أمامه لأن الظلم اذا مازاد عن حده سيُحٍول الضعف الى قوة عظيمة فاتقوا غضبة المواطن المظلوم أيها السياسيون والحليم تكفيه الاشارة.

 

رائد الهاشمي

 

حميد طولستتعد ظاهرة تدخل السياسة والسياسيين في الرياضة واستغلال الرياضيين وجمعياتهم وأنديتهم،لخدمة مصالح السياسيين الخاصة، ظاهرة قديمة لم تقتصر على شعب دون آخر أو دولة أو ثقافة دون أخرى، وارتبط وجودها بوجود الأنظمة السياسية، إلا أنها تتفاوت من مجتمع لآخر حجما درجة، حيث تضعف حدتها مع الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على أسس احترام حقوق الإنسان وحرياته العامة وشفافية وسيادة القانون، بينما تتضخم مع الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية، خاصة مع تجار الانتخابات الذين يعتبرونها مجرد لهو ولعب وتسلية، وقلما يدرجونها في جداول أعمالهم، ويصنفونها في آخر مراتب اهتماماتهم، إلا في مواسم الانتخابات، فلا تتعدى عندهم وعود عرقوبية لا تساهم في تطويرها وتقدم مجالها .

 ويبدو ذلك -مع اللأسف الشديد- جلياً في تخلي أكثريتهم عن التزامهم بالاهتمام بميادينها، مباشرة بعد الفوز في الانتخابات، وحصولهم على المنصاب السياسية المنشودة، ليتركوها وفرقها وجمعياتها، تسبح في مشكالها انتكاساتها المتتالية، وتتخبط في احباطاتها التسيرية، المادية منها والمعنوية، والتي لا يكفي للخروج منها، وتفادي مصائبها وكوارثها الأخلاقية، لا تنزيل الشرائع التنظيمية، ولا إخراج القوانين الزجرية، ومع كل هذا وذاك، فلا يجب أن نستغرب من تدخل السياسة في الشؤون الرياضية في بلادنا إطلاقاً، لأن ذاك سلوك عرف في كل بلدان المعمور ومند القدم، لكن مع فارق بسيط وخطير، في نفس الآن، هو ان الفائدة في ذلك عندهم تشاركية بين الطرفين، بينما الأمر عندنا أحادي الاستفادة، ولا يستفيد من ذاك التدخل، السياسي وحزبه وحدهما. وقد عرف العالم عدد كبير من حالات التدخل السياسي في الرياضية، يصعب على المرء الإحاطة بها كلها، لكثرتها وقدمها، حيث أنها بدأت مند العهد الروماني بإلغاء (ثيوديوس) الألعاب الأوليمبية القديمة لأسباب سياسية، وتدخل (موسوليني) وهتلر في شؤون الرياضة من أجل السياسة، حيث عطلت السياسة بطولة كأس العالم دورات الألعاب الأوليمبية لسنوات بذرائعها سياسية، خلال الحربين العالميتين، حين استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم على ذلك بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات، وقد أعاد تدخل السياسة في الرياضة العلاقات بين أميركا والصين عبر دبلوماسية كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأميركية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين الطامحين في قضية استضافة أولمبياد 2008 بكين، ولا يمكن لأي متتبع رياضي أن يتجاهل استغلال برلسكوني لكرة القدم سياسيا، وأن نجاح نادي ميلان كان وراء اتساع شعبيته ليؤسس بعد ذلك حزبه السياسي «فورزا ايطاليا»، الذي صعد به الى رئاسة الحكومة في بلد عاشق لكرة القدم الى حد الجنون، كما يجب أن لا ننسى استفادة "كارلوس منعم" من دعم مارادونا حينما كان يواجه ازمات محلية، وعندما تخلى عنه النجم الشهير خسر معركة رئاسة الارجنتين، وكان زيدان ايضا من اكبر الداعمين للرئيس شيراك خلال حملته الانتخابية عام 2002 في مواجهة الزعيم اليميني لوبان.

 

حميد طولست

 

كفاح محمودمنذ تأسيس مملكة العراق وحتى يومنا هذا، ولعنة الحرب والدمار عالقة بذيول دشاديش حكامها، فما من ملك أو رئيس، إلا وحلم بأنه عنترة بن شداد ليستيقظ صباحا فيتوهم انه نابليون بونابرت أو جنكيزخان، وكانت أولى تدريباتهم في كوردستان منذ مذبحة سميل ضد الأشوريين وحتى محرقة حلبجة والأنفال وما تلاها من محاولات لاجتياح الإقليم وإلغاء وجوده قبل ما يقارب السنتين، وعبر التاريخ السياسي والعسكري للعراق منذ 1958م حينما أسقطوا الملكية وحولوها إلى جمهورية، بدأ التهافت على عسكرة الدولة والمجتمع، فكلما بلطوا شارعاً أو بنوا جسراً اشتروا طائرة أو دبابة لمشروع حرب لا مناص منها، كأنما تلك الثقافة البائسة التي يمارسها القروي أو البدوي أيام زمان حينما تكثر أمواله فيحتار ماذا يفعل بها، فإما الزواج على رأس زوجته أو زيجاته أو شراء بندقية كخطوة أولى لمشروع استثماري في القتل، وهكذا حال معظم أنظمة الحكم التي توالت على (اغتصاب) العراق.

والمصيبة الأكبر تلك التي وقعت بعد تسلط حزب البعث والتيار المتطرف فيه على كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، أولئك الذين قفزوا إلى القصر الجمهوري ليطبقوا نظريتهم الانقلابية في تموز 1968م، وأوهموا الناس بأنهم ورثوا دولة من خرائب وأطلال، فباشروا بتبليط عدة شوارع وبناء عدة مجمعات سكنية ومجموعة مستشفيات (ليبلشوا) أي ليشرعوا في حروب ما زلنا ندفع فواتيرها إلى أن يشاء الله، ويهتدي خلفائهم في بناء دولة مدنية تعتمد العقل والحكمة والعلم والثقافة والتحضر أساسا في قوة البلاد الدفاعية والهجومية، بدلاً من الطائرات والدبابات والمدافع، كما فعلت ألمانيا وشقيقتها إمبراطورية اليابان بعد انتكاستيهما العظمى في الحرب العالمية الثانية، حيث كان الدرس بليغاً والخسائر أعظم، ولكن الأكثر روعة ونُبلاً وفروسية هو موقف الحكماء فيهما، حينما قرروا ترك لغة السلاح والتسلح واستبدالهما ببناء دولتيهما وتطوير مجتمعاتهما في إطار مدني متحضر، أنتجوا خلال أقل من نصف قرن دولتين عظيمتين في تطورهما الحضاري والتقني والعلمي والاجتماعي وفي كل نواحي الحياة حيث تغطى وفرتهما المالية ما تنتجه ثلث دول العالم؟

وفي بلادنا التي اكتوت بنيران حروب فاقت في مجموعها حرباً عالمية عظمى خسرت فيه الأخضر واليابس، وتحولت البلاد من أغنى  بلدان العالم وأثراها وأجملها إلى أفقرها وأفشلها وأوسخها، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط نظام الانقلابات، فشلت الإدارة الاتحادية في إقناع الشارع العراقي بأنها البديل الأفضل رغم هامش الحرية، فقد تقهقرت الخدمات بشكل مريع حتى تحولت إلى أزمة كبيرة لا يمكن حلها بهذه العقلية، خاصةً وأنها شرعت منذ فترة إلى ذات الثقافة في بناء ترسانة عسكرية في بلاد أكثر من ثلث سكانها تحت خط الفقر والآخرين يعانون من نقص كارثي في الطاقة بكل أنواعها، وتدهور مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية إضافة إلى انعدام حلقات مهمة من الصناعة والإنتاج، وتحول نمط الحياة إلى نمط استهلاكي بعد إغراق الأسواق بالمستوردات الزراعية والغذائية من دول الجوار حتى توقفت معظم أنواع الصناعة والزراعة، ولم نعد نملك خارج إقليم كوردستان إلا النفط والمزارات الدينية!؟

يبدو أن الحاكمين اليوم لم يفهموا الدرس الذي تلقنه نظام صدام حسين ومن يأتي إلى حكم العراق إلى أبد الآبدين كما يقولون، فهو الذي كان يمتلك واحدا من أكبر وأقوى جيوش المنطقة، وسخر إمكانيات دولة من أثرى دول العالم للتصنيع العسكري والتسلح، بل إن أغنى دول العالم في الخليج كانت حليفته بل مرضعته خلال عقد كامل من الحروب، فماذا أنتج، وإلى أين وصل هو وجيشه وحكومته وحزبه الذي بناهم خلال ما يقارب أربعين عاما بآلاف المليارات وملايين العراقيين من القتلى والجرحى والمعاقين والمحرومين!؟

فهل انتهى الدرس كما قال الممثل محمد صبحي في مسرحيته (انتهى الدرس يا غبي) لكي نقول افهموا الدرس إلا يكفي ما جرى عبرة لمن لا يعقلون ولا يفقهون!؟

 

كفاح محمود كريم

 

صادق السامرائيالواقع العربي يمتلك بنية تحتية نفسية ضعيفة، شأنها كأي البنى التحتية الأخرى الواهنة، مما يتسبب بوقوع المجتمع في مطبات تدميرية وإهلاكية ذات نتائج وخيمة.

فما يعتمل في الكيان النفسي العربي يشمل الشعور بالدونية والتبعية والهزيمة والإنكسار، والإندحار والإنتكاس والتعود على الخيبات والتداعيات، وفقدان التفاعل مع الحاضر ونكران المستقبل، والتقهقر بإتجاه الماضيات، والتوهم بأن الدين هو الحل، إنطلاقا من الشعور الوخيم بالذنب.

وهذه الحالات وأخواتها تعني أن البنية النفسية التحتية ذات سلبية عالية، وتساهم في تنمية متواليات القهر والتظلم والتشكي، والتوهم بأن العلة في الآخر وليس في الوعي الجمعي، والتفاعل القائم ما بين المواطن وذاته وبينه وبين المواطنين من حوله.

ووفقا لأبجديات التوصيفات السلبية، فأن المواطن يجد نفسه في محنة التخلص مما يمت بصلة إلى منابع الويلات والأحزان، فتراه يحاول مسخ الوطن وإهمال اللغة والتخلص من الهوية ومعاداة الدين، والإقدام على تفاعلات تدميرية كاسحة ومتنوعة، نابعة من مشاعر اليأس المتراكم والإختناق الداهم المهيمن على الحياة العربية في أرجاء بلدانها.

ومن الواضح أن المجتمعات الخالية من البنية النفسية التحتية القوية لا يمكنها أن تتفاعل مع عصرها، ولا تستطيع المشاركة بالعطاء الإبداعي الأصيل، وإنما تتمتع بإنهزامية عالية، ومشاعر دونية قاسية، مما يتشبب بإضطرابات سلوكية داخلية، يتحقق الإستثمار فيها من قبل الطامعين بثروات البلدان، لأن المواطنين في غفلة عنها ومنشغلين بما يزيدهم ضعفا وقهرا.

تُرى كيف نعيد بناء أو ترميم أو إنشاء بنية نفسية تحتية عربية ذات قيمة حضارية وإنسانية، تساهم في الإرتقاء بذات الإنسان العربي، وتمنحه القابلية المعنوية الكفيلة بالتعبير عما فيه من الطاقات والقدرات الأصيلة النافعة لأمته والإنسانية؟

والجواب يحتاج إلى تفاعل ذوي الإختصاصات النفسية، للوصول إلى آليات سلوكية تعيد للإنسان العربي ثقته بنفسه، وتمنحه القوة والقدرة على التحدي والإنطلاق الواعي المعاصر.

وما ينجم عن هذا التفاعل يتطلب رفدا إعلاميا وسياسيا، وتوجها نحو الإنسان العربي والإستثمار فيه وإعتباره القيمة العليا والقوة الكبرى، التي بدونها لا يمكن لحياة عزيزة كريمة أن تكون.

ويبدو أن مصر العربية قد إنطلقت بهذا المشروع متنورة برؤى نفسية وفكرية ذات غايات واضحة وأهداف مركزة، كما أن الإختصاصيين في العلوم النفسية لديهم نشاطات توعوية وتثقيفية وإرشادية وإعلامية ذات نتائج إيجابية، بتراكمها سيتنامى الوعي النفسي وتستعيد الذات العربية قدرتها على الحياة الأفضل والأرقى والأقوم.

وبإختصار لا بد للجهود الجمعية أن تتضافر وتتنامى وتتقوى، لتصنع مستقبلا مشرقا ومتوافقا مع إرادة أمة ذات مقام حضاري مديد.

وتلك مجرد إضاءة تبحث عن جد وإحتهاد، فهل من مواظبة وإصرار على صناعة النفس العربية الأبية؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

رائد عبيستظهر علامات الحضور بين الآخرين في وجوهم، وتختلف فهي بين القبول والرفض أو الامبالاة، إذ انها تستند إلى عوامل سايكولوجية صرفة في كثير من الأحيان، ربما لا نجد للعقل دور في تقييم حضور الاخرين إزاء حضورنا، ولا ننطلق من مقولة (الناس صنفان أما اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) التي ذكرت عن الامام علي بن ابي طالب، فأي مساحة من الاخلاق ممكن أن تتاح للآخر، بدون أن تضيق بهم نفوسنا، بل وحتى دماءنا، واجسادنا؟ فالترحيب السايكولوجي و البايولوجي له أثر كبير في قبول الآخر ورفضه، وهذا ما نحن نراقبه في سلوك الآخر إزاءنا كطريقة السلام، وحركات الجسم، وعلامات الوجه وما تظهره من تعليق أو صمت، عند بعض الناس فمنهم من يحاول أن يتجاوز هذا الأمر ويظهر خلاف ذلك، متصنعاً أخلاقاً ترحابية بالآخر لاعتبارات متعدد كالقرابة أو الصداقة الحميمة، أو المصلحة أو التدين أو سمو الأخلاق، وهناك العكس يعلن لك رفضه بكل ما للكلمة من معنى، فتفصح بها عيونه، وجسده، وطريقة كلامه، واي سلوك اخر يعبر به عن عدم رضاه من الآخر. ما موقف الأنا من ما يظهره الآخر إتجاهه؟ وهو يرى رفضه من خلال علامات وجه، يرى ذاته المرفوضة، والغير مرحب بها، ويرى أناه المغتربة، في وجه الآخر المقابل. كيف ارى ذاتي بوجه الآخر بموضوعية؟ وكيف أفسر كل علامة اتجاهي؟ وكيف اتجاوز ما غير مقبول دون المصارحة أو المقاطعة؟ أي مساحة امنحها للآخر من مساحات وجهي؟ فالوجه المحمر خجلاً أو غضبأ أو المصفر، أو المزرق، أو الشاحب، أو المتلون بالوان الكأبه، والذي يعلن عدم تفاعله التام اتجاه الآخر ووجوده، يترك مساحة من عشرات الاميال بينه وبين الآخرين، إذ أنه يرفض قربهم، وتفاعلهم، وعلاقتهم، وهذا ما يحدث قطيعة بين أفراد المجتمع التي يجمعها موقف واحد، كأفراد الأسرة مثلا او الأقارب، أو السياسي الزعيم ومواقفه من الآخرين وتقليد الاتباع له لموقفه من الآخرين، هل يعني بالضرورة أن الطاعة للزعيم تتطلب قطيعة بايولوجية وسايكولوجية مع الاخر، هناك صنف من الناس عندما يقابل شخص من أبناء العشيرة المخاصم لها، تظهر تلك الخصومة في كل علامات وجهه وسلوكه. فبالوجه نرى صورة الآخر، المخاصم، المتصالح، المعترف، الموضوعي، الانفعالي، وكل مفهوم اخر يكشف المعنى الحقيقي لصورة الأنا في وجه الاخر، من بداية التفاعل وحتى القطيعة، أما في حالات اللاتفاعل فتظهر القراءة الأولى التي تحتاج إلى تأويل سايكولوجي إزاء الآخرين ورغبة الانفتاح عليهم. لماذا علاقة المصلحة والمنفعة والربح تظهر الوجه الضاحك المرحب على الدوام وكان الآخر جزء من ذاتك؟!؟! ولماذا الزعل مثلا يعتم صورة الآخر في وجهك، فلم تعد ترى نفسك فيه رغم قربه منك؟ هذه أسئلة ذاتيه جداً، إذ أن الإجابة متفاوته بحسب سعة اخلاق الفرد وانفتاحه، فهناك ذوات مغلقة، وذات منفتحة، ذات كأيبة، وذات ضاحكة، وذات متفائلة، وذات متشأئمة، وذات منطوية، وذات اجتماعية... وهلم جرا.... إذ لا يمكن بهذا التقابل الثنائي أن نرى ذواتنا بحسب ما نشتهي ونرغب في مزاج الاخر، الوجه مزاج، وكل ما يتفاعل داخلياً يظهر بدون سيطرة خارجياً، فهناك من يكاشف وهناك من يضمر، وهناك من يكابر، وهناك من يتظاهر بوجه الآخرين تبعا للمواقف التي يريد أن يمررها من خلال تلك العلامة، الوجه هو علامة، وإعلان، ودلالة، لها ما يمكن أن تحققه من معان عند صاحبه للآخرين، وهذا يعني أن مساحات التذاوات اي التفاعل الإيجابي بين الأنا والآخر ينتج عبر قبول واستجابة مشتركة. فلا الثقافة المشتركة، ولا العلاقة المشاركة، ولا المستوى المشترك، ولا البيئة المشتركة، قادرة على إنتاج بايولوجية تفاعل ايجابي بين الأنا والآخر ما لم يكن هناك رغبة حقيقية بها. تستبشر بها الذوات فيما بينها وتعلن تفاعلها واحترامها وتذللها وقبولها وخضوعها ورغبتها، وهي ما تصل إلى السادية عند بعض الأشخاص ولاسيما بين المرأة والرجل، والقائد ومواليه، والزعيم ومحبيه.فالمرأ الحريص على كرامته الذاتية، يبقى يبحث عن وجوه سمحاء تتسع لكل الأنوات بالظهور في مرأته، ويجد الآخرون متسع من الاحتواء والقبول الجماعي بما يعلن سماحة الخلق ورفعة النفوس.

 

وللمقال تتمة..... الدكتور رائد عبيس

 

كاظم الموسوياستعاد الشعب الفلسطيني قبل أيام ذكرى النكبة، أو ما اصطلح عليه بها، مشروع الاستيطان والاحتلال واقتلاع شعب من أرضه ومقدساته وحقوقه ومزارعه ومصانعه وأحلامه.. وعاشت اجيال من الشعب الفلسطيني هذه المأساة من جديد ورغمها ظلت، عند الكثيرين منهم، مفاتيح ديارهم بايديهم وصورها بقلوبهم وظلت عيونهم، سواء من ظل صامدا او هجر عنوة وتوزع تحت نجوم السماء، ظلت عيونهم تشراب نحوها، ونحو القدس، مقدسة وعاصمة للوطن الذي لن يتغير عنوانه ولن يتبدد اسمه، فلسطين بكل حروفها العربية، من الفاء الى النون، مهما صعبت الظروف أو تكالبت المخططات أو تسابق الأعداء على تصفية القضية.

رغم النكبة وتداعياتها، واستمرار الكفاح والمقاومة يظل العدو متربصا ومخططا لكيانه واحتلاله، وتعمل له دول كبرى لاستمراره قاعدة استراتيجية لها وتتخادم معها حكومات من شتى الأصناف والمسميات، إلا أن العدو الصهيوغربي، الامريكي اولا، بكل طغيانه لن يجرؤ أن يعلنها مرة واحدة، سمتها وسائل الإعلام صفقة قرن، وكنتها بصفعة القرن وتداولتها الألسن والمقالات ولن تخرج ثانيا، إلى النور مشروعا متكاملا وواضحا مطلوبا. إلا أن خطوات قاسية صعبة نفذت وأخذت مكانها أمام السمع والبصر، كقانون العنصرية الكريه، وتسمية العاصمة وانكار التاريخ، والغاء اعتبار اسم اللاجئين وتجفيف منظمة الأونروا وسيادة الجولان وغيرها  وليس آخرها ما سمي زورا بورشة عمل في المنامة، عاصمة مملكة البحرين، تحت اسم "السلام من أجل الازدهار". والتراجيكوميدية فيها انها تركز عملها على القضية الفلسطينية ولم تدع ممثلي الشعب الفلسطيني، لا السلطة الرسمية ولا الفصائل الوطنية ولا الشخصيات التاريخية، فعن أي سلام واي ازدهار تهدف الورشة، المؤامرة.

احسنت المؤتمرات العربية الثلاث، المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي- الاسلامي، والمؤتمر العام للاحزاب العربية، في بيانها. في الكشف عنها، واعتبارها "واحدة من المحاولات الأمريكية المتكررة التي تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني في فلسطين والوطن العربي، وتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية". ودعا البيان القوى الشعبية العربية، في فلسطين والبحرين خصوصا، والوطن العربي عموما، إلى مقاطعة هذه الدعوة المفضوحة، والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، مؤكدا على وحدة الإرادة والمقاومة وتغليب التناقض الأساس الرئيس مع العدو الصهيوني على كل تعارض اخر ، وردم الهوة القائمة بين النظام الرسمي العربي وبين الواقع الشعبي العربي.

كما رفضت كتلة تقدم البرلمانية استضافة المملكة لما أطلق عليه بورشة واصدرت بيانا اكدت موقفها، وراي الشعب في البحرين الرافض لأي نوع من التطبيع والشراكة مع الكيان الغاصب. وذكر البيان: أن مجرد اعلان السلطة الفلسطينية أنه لم يتم التشاور معها بشأن عقد هذه الورشة في البحرين، في الوقت الذي وجهت الولايات المتحدة دعوة لحكومة الاحتلال الصهيوني لحضورها، من شأنه أن يفضح النوايا المبيتة بالمضي في إبرام الصفقات الرامية إلى محاولة فرض الاستسلام.

ولم تنته الأمور عند البيانات وحدها، بل جرت اتصالات بين الامناء العامين للمؤتمر القومي العربي والقومي- الاسلامي والأحزاب العربية ومؤسسة القدس الدولية وتمت الدعوة إلى لقاء فلسطيني عربي جامع للتداول في سبيل مواجهة صفقة القرن قبيل انعقاد ما سمي بالورشة في البحرين. واتفق على عقده يوم الأحد، الثاني من شهر حزيران/ يونيو .

 أن مجرد الدعوة هذه هي مساهمة فعلية في رفض الورشة ونتائجها وإدانة شعبية لها والمشاركة فيها وإعلان صريح بأن القوى الشعبية العربية لن يهدأ لها بال وهي ترى هذه المخططات العدوانية تسعى لأن تمر وتفعل وعلى أرض عربية. هذه الدعوة واللقاء الذي اشتركت فيه المؤتمرات وقيادات بعض الفصائل الفلسطينية ووسائل إعلام وشخصيات سياسية معروفة يعلن الموقف الشعبي العربي، يذيع صوت الضمير العربي، ويتطلب العمل عليه وتنفيذ توصياته والتأكيد على نفاد صبر الأمة العربية وغضبها من ما يحيق بها ويخطط لها ويسعى إلى الخراب والدمار فيها.

أن شعوبنا أمتنا مصممة بكفاحها التحرري ان تعمل من أجل التقدم والسلام والازدهار فعلا وتواصل التضحيات الجسيمة في سبيل ذلك، وهذه اهداف ومطالب حركة تحررها الوطني والقومي، فكيف تقلب الأمور وتسرق النهايات؟!.. أنها لن تنسى ولن تغفر للمستعمر والمستوطن والمحتل ما يخطط ويتامر ويخرب في وطنها وما يسعى له. الصورة واضحة ولا تحتاج إلى ورش وتهديدات واغراءات وإجراءات. والنصر مهما طال اجله صبر ساعة.

 

كاظم الموسوي

 

التَعادليّةُ تعني التَكافُؤ؛ وهي لاتعني دائماً المساواة . الكونُ وهو كتاب الله التكويني متعادل؛ هو قائمٌ على التَعادليّةِ اي: انه متناغم ومتناسق الاجزاء؛ لايوجد بين اجزائه تنافرٌ واضطرابٌ ... الله تعالى يؤكِدُّ هذه التعادلية والانسجام والتناسق بين اجزائه بقوله تعالى:

(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ).الملك: ألاية: 3. فاللهُ تعالى بعدَ الاشارةِ الى السمواتِ السبعِ الطباقِ ذكرَ انَّ هذهِ التعادليّةَ ليست مقصورةً على السموات فحسب؛ بل هي ساريةٌ في كُلِّ ماخلق الرحمن؛ فلاتفاوت ولااضطراب ولاتنافر بل تناسقٌ وتناغُمٌ .

ويقابلُ كتابَ اللهِ التكويني؛ القران الكريم وهو: كتابُ اللهِ التدوينيُّ؛ وهو ايضاً قائمٌ على التعادليّة؛ يقول الله تعالى:

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) . النساء: الاية: (82). وكذلك قوله تعالى:

(لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). فصلت: الاية: 42.

والكتاب التكويني يعادل الكتابَ التدوينيّ .

في عالَمِ الخلقِ هناكَ تعادليّةٌ بينَ الموت والحياة:

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). الملك: الاية: 2.

هناك تعادليّةٌ بين الموتِ والحياة ... ففي جسم الانسان تموت خلايا؛ وتخلق خلايا؛ وفي الكائنات الحية هناك وفِيّاتٌ ويعادلها ولاداتٌ جديدةٌ.

وفي القران الكريم هناك تَعادِلِيَّةٌ بينَ الاحكامِ والتَفصيلِ؛ كما في قوله تعالى:

(الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).فُصّلَت: الاية: 1.

وهناك تعادليّةٌ بينَ السبعِ المثاني والقران العظيم:

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ). الحجر: الاية: 87؛ لان الفاتحة اجملت مقاصد القرانِ الكريم؛ فهناكَ تَعادليّةٌ بينَ الاجمالِ والتفصيلِ.

وهناك تعادليّةٌ بينَ الامرالذي أُمِرَ الرسولُ (ص) بتبليغهِ والرسالة اي: هناك تعادليّةٌ بين الولاية والرسالة . يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين. المائدة: الاية: 67.اي: انه (ص) اذا لم يبلغ ماامره الله به كأَنّهُ لم يُبَلِّغ الرسالةَ كلها؛ فهناك تعادليّة بينَ هذا الامر والرسالة.

وَتَتضِحُ تعادليّة الولاية والرسالة في قوله تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). المائدة: الاية: 3 . فهنالك تعادليّةٌ بينَ اكمالِ الدينِ واتمامِ النعمةِ؛ ولاتوجد تعادليّة بين اكمال الدين والرخصة في اكل المضطر.

وفي اية المودة توجدُ تعادليّةٌ بينَ مودةِ ذوي القُربى وبين اجر الرسالة:

(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ). الشورى: الاية: 23.

التعادليّةُ في الاحاديثِ النَبَوِيّةِ

وفي الاحاديثِ النَبَوِيّةِ نجد تعادليّات واضحة؛ فهناك حديث التعادليّة المشهور وهو قول النبيّ صلى الله عليه واله وسلم:

(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي). الصواعق المحرقة: ص 145 . في حديث الثقلين نلمسُ بوضوحٍ التعادليّةَ بين العترة الطاهرة والكتاب الكريم

وحديث السفينة فيه تعادلية بين سفينة نوحٍ باعتبارها سفينة انقاذٍ ونجاةٍ؛ واهل البيت باعتبارهم سفينة نجاةٍ. يقول الرسول الاعظم:

(إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك).المستدرك على الصحيحين؛ الحاكم النيسابوري 3: 150.

التعادُلِيّاتُ العلويّةُ

في الايةِ الكريمةِ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).ال عمران: الاية: 61 .

هناك في الاية تعادِلِيّةٌ بين نفس المُصطفى (ص) ونفس عليٍّ؛ وكما قلتُ: انّ التعادليّةَ لاتعني دائما المساواة؛ بل تعني التكافؤ في الطهر والنقاء والسجايا والملكات؛ لاننا نعتقدُ انّ رسول الله (ص) اشرفُ موجوداتِ عالم الامكان؛ ثُمَّ انّ النبيّ (ص) هو الذي صاغ نفس عليّ على منوالهِ ونموذجه . يبقى لرسول الله السبق لانه الاصل . فالنُسخَةُ وان كانت طبق الاصل يبقى الفضلُ للنُسخَِة الاصليّة.

رسول الله (ص) يقولُ لعَلِيٍّ عليه السلام: (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة). البرهان: 3: 208 . ففي الحديث الشريف تعادُلِيّةٌ بينََ حب المؤمنِ لعليٍّ (ع) وبينَ بُغضِ المُنافقِ له (ع) .

وحديث: (لضربة علي (ع) يوم الخندق تعدل من عبادة الثقلين) . هناك تعادليّة بين ضربة عليٍّ يوم الخندقِ وعبادة الثقلين .

وحديث المنزلة حديث تعادليات؛ يقول المصطفى (ص):

(يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا بني بعدي) في الحديث تعادليّة نسبة اي: تعادليّة بين نسبة هارون الى موسى عليهما السلام ونسبة علي الى محمد صلوات الله عليهما.

وحديث: (من سب عليا (ع) فقد سبني) فيه تعادلية بين سب علي وسب رسول الله (ص)

وحديث: (يا علي! أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي) هناك تعادليّة بين حرب النبي (ص) وحرب عليّ عليه السلام؛ وبين سلم النبي(ص) وسلم عليّ (ع) .

وفي المؤاخاة؛ حينما اخى النبيّ (ص) بين المهاجرين والمهاجرين؛ وبين المهاجرين والانصار؛ اخى النبي في كلا المشهدين بينه وبين علي؛ لان علياً لايعادلهُ في نفسه وتطلعاته الا النبي (ص) .

وتعادلية: (علي مع الحق والحق مع علي)؛ وتعادليّة (علي مع القران والقران مع علي) . كلُّ هذهِ التعادليات ترشح ان يكون عليا هو من يقوم مقام النبي (ص) .

وهذه التعادليات هي التي رشحته ان يبيت في فراش النبي (ص)؛ لانه لايقوم بهذا العمل الفدائيّ العظيم الا من هو معادلٌ لنفس الرسول في طهرها ونقائها وشفافيتها .

 

زعيم الخيرالله

 

هادي جلو مرعيمن سوء الحظ أن تكون البلاد العربية في أغلبها سهلة التضاريس ومنخفضة وتنزل عليها وتمر منها الحضارات والشعوب، وتطالها الغزوات، وتكون مرتعا لأطماع الغرباء أيا كانوا عبر تاريخ ممتد لآلاف من السنين، فكل من يحيط بنا يغزونا ويستولي على خيراتنا، وحتى الطوائف والديانات المهزومة في العالم تأتي لتأخذ حصتها منا كما في فلسطين المغتصبة، أو أن تأتي دولة مجاورة وتحكم بلدا بأكمله، أو أن تأتي دولة عظمى من مسافة قصية، وتنهب الثروات، وتؤسس القواعد، وتنشر الجيوش مستغلة تنازع العرب بينهم، أو تنازع المسلمين وخصوماتهم الفارغة، وربما جشعهم وطمعهم ببعض.

تخيلوا إن الرئيس ترامب أهين من الفتى المدلل الكوري الشمالية وهو يتوسل لقاءه، وقد إلتقاه لمرتين بغية تفكيك برنامج بيونج يانج النووي، وطلب من الروس والصينيين حمله على فعل شيء يرضي غرور سيد البيت الأبيض، لكنه في النهاية أرسل صواريخه على بحر اليابان، وهدد جزر المحيط الهادي وسواحل أمريكا، ومازال يتوعد بالمزيد، بينما فشل الرئيس ترامب في الحصول على أي مكسب من تواصله مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ملفات عدة إقتصادية ونووية وسياسية، وتراجعت واشنطن في ملف أوكرانيا وسوريا أمام الدب الروسي، وفي فنزويلا وبقاع من العالم لم تتمكن الإدارة الأمريكية من كسر إرادة مناوئيها، فغيرت المسار قليلا.

وفي الملف الإيراني يبدو العالم متحيرا، فمع كل هذا الإنفاق المالي الكبير من العرب، وبالرغم من عديد القوات، ونوع التسليح في المنطقة إلا إن إيران ماتزال متماسكة، وتدلي بتصريحات واثقة، ووجهت عدة رسائل لحلفاء واشنطن في المنطقة، وهددت وتوعدت بمالديها من مخزونات، وماتمتلكه من قوة غير معلنة، وحلفاء يمكن أن يضربوا في اليمن ولبنان والعراق وسوريا، وفي الخليج كله، فلاندري أتأتي الضربة من إيران ذاتها، أم من الحلفاء، وربما تشي الحوادث الأخيرة في الإمارات وسواحلها والمملكة العربية السعودية بخطورة الموقف، ومايتطلبه من هدوء في التفكير، فالمعركة ليست لعبة، ومن لم ينتصر قد ينتقم، والعرب ليسوا بحاجة الى المزيد من المصائب، فإسرائيل ذاتها قلقة ومترددة، وبدأت تخفف من لهجتها، بينما الأمريكيون يتحدثون عن صفقة القرن، وعن ورش عمل في البحرين لتأمين حضور قوي يدعم الصفقة التي تريد واشنطن بها تصفية القضية بالكامل.

هذا هو ترامب الذي على مايبدو لم يتمكن من تحقيق نصر على أي عدو غير عربي، ولكنه منتصر على العرب.

 

هادي جلو مرعي

 

امجد الدهاماتكان الاوربيون يعتقدون بأن كل طيور البجع ذات لون أبيض، ومن المستحيل وجود بجعٍ أسود اللون، لكن عندما اكتشف الهولندي (Willem Janszoon) قارة أستراليا عام (1606) وجد فيها طيور بجع سوداء، فأصبحت عبارة (البجع الأسود) تعني ان المستحيل ممكن التحقق.

وفي عام (2007) نشر المفكر (Nassim Taleb) كتابه (The Black Swan)، يؤصل فيه لنظرية (البجعة السوداء) التي يمكن تلخيصها بما يلي:

ان الأحداث الكبرى في التاريخِ، والتي كان من المستحيل توقعها، قد حدثت فعلاً، وبشكل مفاجئ وغير متوقعٍ، مثل: اختراع الراديو، نشوب الحربين العالميتين، تفجيرات 11 سبتمبر، وغيرها، أي ان فكرة هذه النظرية ليست التنبؤ بالأحداث، بل تفترض ان الاحداث التي لا يُتوقع حصولها وتبدو وكأنَّها من المستحيلات، من الممكن ان تتحقق فعلاً.

بعد النتائج الكارثية التي انتهت إليها دول (الربيع العربي) أصبح هناك رأي يقول إنه من المستحيل تكرار هذه الأحداث في باقي البلدان العربية، لأن شعوبها تعلمت الدرس وفضّلت جور وظلم حكامها على حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها تلك الدول، وأستغل الحكام تلك النتائج لتخويف شعوبهم من المصير الذي ينتظرهم لو قاموا بتحركات مماثلة.

ويبدو أن تلك الشعوب قد أقتنعتْ بمصيرها ورضتْ بقدرها، لكن مع ذلك تمادى الرؤساء في غيهم وأحكموا قبضتهم على السلطة واستمروا بنفس نهجهم الدكتاتوري القديم، ولم يمنحوا هامش من الحرية أو يعملوا من أجل تحسين الواقع الحياتي لشعوبهم بعد ان اطمأنوا إلى أن الجماهير قد تم ترويضها.

ولهذا فقد أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الترشح للرئاسة للمرة الخامسة (يحكم الجزائر منذ نيسان 1999)، وبدأ الرئيس السوداني عمر البشير بتعديل الدستور للترشح لفترة جديدة (يحكم السودان منذ حزيران 1989).

ما قام به بوتفليقة والبشير كان بمثابة (حركة الفراشة) التي أطلقت الأحتجاجات الشعبية في الجزائر يوم 22 شباط 2019، وفي السودان يوم 6 نيسان 2019، ورغم استقالة بوتفليقة وقيام الجيش السوداني بعزل البشير إلا ان الاحتجاجات لا تزال مستمرة لحين تحقيق اهداف الجماهير.

ان ما حدث هو حركة فراشة أدت الى بجعة سوداء (أرجو مراجعة مقالي: القيادة حسب نظرية تأثير الفراشة)، أي ان ما كان يُقال انه (مستحيل) قد تحقق فعلاً.

وكما يبدو ان الجماهير في البلدين قد تعلموا الدرس من شعوب دول (الربيع العربي) ولم يقعوا بالأخطاء التي وقعوا بها، وأهم هذه الاخطاء:

أولاً: عدم وحدة ووضوح القيادة.

ثانياً: تشتت المطالب وتصاعدها.

ثالثاً: استخدام العنف من قبل بعض المتظاهرين.

رابعاً: إخلاء الشوارع من المتظاهرين قبل تحقيق اهداف التحركات.

ولهذا استمرت الأحتجاجات وحققت نتائج مهمة ولا تزال مستمرة لحين تحقيق باقي مطالبها.

ان ما جرى في الجزائر والسودان هو بمثابة جرس إنذار لباقي حكام الدول العربية الذين عليهم الانتباه لنقطة مهمة وهي ان لصبر الجماهير حدود ومهما تحملت من ظلم حكامهما فسيأتي يوم وتضع نهاية لهذا الظلم، ويبدو ان أول مَن انتبه لهذا الأمر هو رئيس موريتانيا محمد ولد عبد العزيز (يحكم موريتانيا منذ الانقلاب العسكري في آب 2008)، فرغم انه أوعز لنواب حزبه في البرلمان بتعديل الدستور للسماح له بالترشح لفترة ثالثة، لكنه بعد حدوث الأحتجاجات في البلدين رفض إجراء هذه التعديلات وأعلن انه سيلتزم بالدستور ولن يرشح للرئاسة.

لكن يبدو ان بعض الحكام لم ينتبهوا لهذا الجرس لحد الآن، ولهذا ربما تحط البجعة السوداء في بلدانهم وهي تنتظر حركة فراشة فقط!.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

في أوج الحرب الباردة التي اشتعلت بين المعسكرين الغربي والشرقي وفي مطلع ستينيات القرن الماضي حدثت ازمة الصواريخ النووية بينهما على خلفية الغزو الامريكي الفاشل لجزيرة الخنازير في كوبا (1961) وقد حبس العالم انفاسه آنذاك بعد ان عاش لحظات رهيبة مرتقبا اندلاع حرب عالمية ثالثة تكون هذه المرة نووية مدمرة وبُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة .

وذات الاجواء تتكرر اليوم في منطقة الشرق الاوسط على خلفية التصعيد الذي بدأ يأخذ مديات خطيرة بين الولايات المتحدة وايران وصل الى درجة عرض العضلات واشعال حرب اعلامية ونفسية حامية الوطيس بينهما وعدم انتهاج الطرائق البراغماتية والدبلوماسية لنزع فتيل الازمة حرصا على سلامة المنطقة التي تعد قلب العالم ومركز السوق النفطية فيه ، فالعداء طويل بين البلدين ويمتد الى مطلع ثمانينيات القرن الماضي منذ انتصار الثورة الايرانية وتأسيس الجمهورية وما تبعها من حادثة حصار السفارة الامريكية في طهران، ومالحقه من قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما ولحد الان وتخلل ذلك احتقان متبادل بين البلدين خاصة بعد رفع شعار (الموت لأمريكا) الذي اعتبرته واشنطن عداءً مستمرا لها، ولم يتنفس العالم الصعداء الاّ حينما اقتنعت طهران بجدوى عقد اتفاقية الاطار النووي (5 + 1) مع الغرب الامر الذي عدّ انفراجا في العلاقات المتأزمة بين البلدين وكان الاتفاق النووي يهدف إلى الحد من طموح إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، ولكن التوتر بين واشنطن وطهران ازداد حدة في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق واتخاذ واشنطن مسارا اخر بعيدا عن رغبة شركائها منذ دخول الرئيس ترامب الى البيت الابيض .

واليوم مازال العالم يحبس انفاسه ويترقب حدوث حرب دامية بينهما معيدة الى الذاكرة ازمة خليج الخنازير الى الذاكرة وبعد اكثر من نصف قرن من الزمان مازالت واشنطن تنتهج نفس الاسلوب في التعاطي مع الملفات الساخنة خاصة اذا كان الطرف الاخر من الازمة لايتمتع بروح براغماتية ومرونة كافية تساعد على التنازل ولو مؤقتا لكي تمر العاصفة الهوجاء التي قد تطيح بكل شيء، وللاسف فالمتشددون على كلا الجانبين الأمريكي والإيراني هم اصحاب القرار مايزيد من خطورة الوضع، وقد يعاد مرة اخرى سيناريو ازمة خليج الخنازير حيث كانت الصواريخ النووية معدة للانطلاق المتبادل بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، الا ان الحوار السري المثمر والقنوات الدبلوماسية المشتركة بينهما والاحتكام الى لغة العقل نزع فتيل الازمة وجنّب العالم اهوال حرب نووية هائلة .

 أمّا الازمة الحالية قد استفحلت منذ ان حشر الرئيس ترامب الملف النووي الايراني في برنامجه الانتخابي وتعّهد امام الناخب الامريكي بمراجعة اتفاقية (5+ 1) او تعديلها مجيّشا الرأي العام الامريكي ضدها والتي انسحب منها من جانب واحد رغم اعتراض شركائه الغربيين، وتطور الامر الى وضع منظومة عقوبات ضد ايران ومن يتعاون معها، اذ يسعى ترامب إلى حرمانها من تصدير النفط بشكل تام، فقد أوشكت الصادرات النفطية الإيرانية على الوصول إلى الصفر، على ضوء انصياع حتى الدول التي تعتمد على النفط الإيراني كالصين والهند للعقوبات الأمريكية".

 ووصل الامر الى استعراض القوة العسكرية بعد ان لوّحت ايران بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي كخطوة استباقية لعرض عضلاتها امام الجميع بانها قادرة على مقاومة التهديدات الاميركية التي وصلت الى نشر سرب قاذفات استراتيجية في الشرق الأوسط كقاذفات B-52 H التابعة للسرب الـ22 لسلاح الجو الأميركي، وارسال ترساناتها الحربية وطائرتها القاذفة الى الشرق الاوسط استعدادا لأي موقف من ايران لتعلن ساعة الصفر للحرب، ومع تلميحها على امكانية ارسال حاملة الطائرات «لينكولن» إلى هرمز في مسعى لتخويف ايران كدلالة على الاستنفار الامريكي العالي، والتنويه على دقّ طبول الحرب التي صار ضجيجها يصمّ الاذان والاصم هو الذي لايسمع ذلك الضجيج على رأي هنري كسينجر بالرغم من تلويحات ترامب من أنه مستعد للقاء القادة الإيرانيين في إي مكان وفي أي وقت ومن غير شروط مسبقة.

قد تكشف لنا الايام عن اسرار وخفايا لهذه الازمة هي ابعد بكثير من قضية الملف النووي الايراني واقرب الى المصالح الجيوستراتيجية الامريكية في هذه المنطقة كما كشفت عن ازمة خليج الخنازير التي اصبحت ذكرى مرعبة .

 

عباس الصباغ