هل تعلم ان العبقري زرياب، الذي ترك بغداد الى اسبانيا عام 860 م، كان قد نقل معه الموروث الموسيقي العراقي الذي قام بمزجه هناك بالانغام المحلية البدائية وطورها حتى غدت من تحف الفنون الراقية؟ .

لي مع هذا الموضوع قصة طويلة. بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي عندما كنت مقيما في المانيا وانا طالب جامعي، حيث كنت اواظب على حضور حفلات الكونسرت نصف شهرية بانتظام. استمع خلالها الى مقطوعات موسيقية متنوعة، لمؤلفين عظام، كانت جولاتي الاولى استكشافية، ومع ذلك كان مردودها مجزيا، ومع الزمن ازداد عندي الوعي اللازم لحاسة التخيل السمعي المطلوب، فبدأت افهمها واحفظ الحانها، حتى غدوت مسكونا بها. خاصة بما يتعلق بأعمال الموسيقيين العباقرة من امثال بيتهوفن وتشايكوفيسكي ويوهان سباستيان باخ.

غير ان ذهني كان يخطف احيانا انغاما تترائ لي وكأن لها رنة الشرق، كانت اكثر سطوعا في الموسيقات الكنائسية، فكنت اتسائل نفسي كيف حدث ذلك، رغم قناعتي بان الاديان السماوية تجمعها احساسات ايمانية مشتركة، مستوحاة من روحانية الشرق.

وبعد التخرج من الجامعية عام 1964 عدت الى الوطن ودخلت معترك الحياة. 

بدأت امارس المهنة في بغداد، وانا اخصائي في طبابة العيون وجراحتها، اعمل في المستشفى الحكومي نهارا وفي عيادتي الخاصة مساء، كان الفنان العراقي الشهير محمد القبانجي أحد مراجعيي - وعبر زياراته المكوكية وحلو حديثه، نشأت بيننا صداقة، فكنت ادعوه احيانا الى داري لاقامة حفلة غنائية، ادعو اليها بعض الاصدقاء.

وفي احدى الامسيات، دخلت مع ضيفي في حوار ثقافي موسيقي، باديا اياه شكوكي حول وجود صلة ما بين موسيقانا الشرقية والموسيقى الغربية، فأظهر لي عدم معرفته بهذا الضرب من الفن، لكني قلت له : ألا تظن يا استاذ بان الوشائح التاريخية القديمة في شعاب الامم المختلفة في محاكاتها الحضارية قد اوصلت موسيقانا الى الغرب؟

لكنه لم يجب على ملاحظتي بل نظر اليّ مستفهما. غير اني طلبت منه لو تفضل واستمع الى مقطوعة كلاسيكية، لكي اعلم مدى تحسسه بأنغامها ومعرفة مضمونها،

كان اسم المقطوعة (براندنبرغ)، وعنوانها (ابتهال) وهي موسيقى كنائسية لمؤلفها الموسيقار الالماني الشهير باخ، ولم اخبره بعنوانها عن قصد ـ ـ فاصغى المرحوم القبانجي اليها برفاهة السمع للحظات معدودات، ثم رفع رأسه ونظر اليً منفعلا وقال : دكتور هاي، ابتهالات ! ! وفعلا كانت عبارة Supplication التي تعني ذلك مطبوعة على صفحة الاسطوانة. (1)

ولم يمض وقت طويل واذا بي اجد في كتاب (الحرية والطوفان) للباحث العربي جبرا ابراهيم جبرا العبارة التالية:

(ان الموسيقى الكنائسية التي كانت تعزف من قبل يوهان سبستيان باخ في المانيا ابان القرن الثامن عشر قد بنيت على قواعد، فيها شبه شديد بقواعد الموسيقى الشرقية، فالقاعدة الرئيسية في تركيبها هي التكرار والتردد والترادف الموسيقي، طبقا لما هو موجود في مقاماتنا العراقية. (2)

وبعد فترة من الزمن، وانا اواصل البحث، وجدت في كتاب (اسرار الموسيقى) للباحث العراقي علي الشوك، حيث يقول في ص 18 و 19 : (ان جذور تهليلة الهللويا اي ـ الحمد لله ـ التي تحويها بعض القطع الموسيقية الغربية الكنائسية، لها علاقة بالتهليلة البابلية !!!، فقاعدة تركيبهما هي – ألمتتالية - وان موضوع – الهوكيت - في الموسيقى الغربية، لها علاقة ايضا بالايقاعات العربية ). (3)

كما جاء في كتاب ( تاريخ الآلات الموسيقية) للباحث الانكليزي كورت زاكس الذي يقول فيه (من الثابت ان جميع الآلات الموسيقية الاوربية جائتنا من الشرق، و بأكثر من طريق، والآلة الوحيدة التي كنا نحن الاوربيين نعتبرها من مبتكراتنا وهي (آلة البيانو)، ثبت بانها منحدرة من مصدر عربي اندلسي، اوجدها العراقي زرياب. (4)

لقد استبشرت خيرا وزدت تفائلا، كوني حصلت على معلومات قيمة لكنها لا تكفي لأثبات حقيقة تاريخية، وهي انتقال الموسيقى العراقية الى الغرب؟

لم يمضي كثير من الوقت واذا بي اعثر على كتاب (الحضارة السريانية حضارة عالمية) لموسى مخول، الذي اورد في صفحة 335 - المعلومة التالية:

(ان تاريخ الارث الموسيقي في منطقة الهلال الخصيب قديم، كقدم المنطقة، خاصة بعد ان اقتبس اليهود اثناء (سبي بابل) السلم الموسيقي السومري - آبان حكم الملك بنوخذ نصر عام 586 ق. م. لكنهم جلبوه معهم الى فلسطين واستعملوه هناك، (بعد سقوط بابل على يد الحاكم الفارسي كورش 500 ق. م. الذي سمح لهم بالعودة).

اي ان السلّم الموسيقي الذي انبثق من معابد سومر، والذي حمل اولى النغمات الموسيقية في تاريخ العراق القديم، قد تسربت الى بلدان الهلال الخصيب مع غيره من الموروث الرافدي الثقافي والحضاري).(5)

اقول: وبعد مضي حقبة زمنية ناهزت 1700 سنة على تاريخ سبي اليهود، تعرضت منطقة (الهلال الخصيب) الى الحملات الصليبية، فكانت جحافل الاوباش الجائعة تتدفق من الغرب باتجاه الشرق، بهدف قتل ابنائه وسرقة ثرواته. كانت سورية التاريخية يومذاك منارا للثقافة و العلوم والاداب والفنون و الموسيقى، فضلا عن الصناعات اليدوية ذات الشأن، مثل فن صياغة الذهب في حلب و صناعة الزجاج الشفاف والملون في دمشق، فكان الغزاة ينقلون منهوباتهم عبر البحر المتوسط الى المواني الايطالية، فلم يتركوا شيئا ثمينا ومفيدا لم تمتد اليه ايديهم، فلا جدال في ذلك في ان السلم الموسيقي السومري ذو الارومة العراقية، كان ضمن ما اغتنموه، خاصة لو علمنا ان الحملات الصليبية دامت حوالي القرنين من الزمن !

اما المصدر المباشر الذي اقتبست اوربا عن طريقه الجزء الاهم من ثقافتنا الفنية، كان الموسيقي العراقي الفذ زرياب، الذي نقل معه الى اسبانيا الوهج الموسيقي البغدادي الساطع، تلك الموسيقى التي كانت مدارس بلاد الرافدين يومذاك تشمخ بها، فاستقبله الخليفة الاندلسي في العاصمة قرطبة ودعمه ماديا ومعنويا.

وفي هذا السياق يضيف المؤرخ رشيد خيون قائلا :

(وصار لزرياب منزلة عند عبد الرحمن بن حكم لانه صاحب باع في الموسيقى، واعتباره (بيتهوفن) عصره، والاخير ساهم في عصر الانوار الاوربية كموسيقار مخلفا نفائس ـ السمفونيات ـ للبشرية. وما زالت الموشحات الاندلسية تملأ الاسماع نغما ورفاهية) (6) 

وبعد ان استقر به المقام، قام زرياب في جمع القواعد النظرية والرموز الماورائية والتنجيمية، وكذلك هذّب النظام الصوتي والنمطي والجوفي للنوتات الموسيقية التقليدية الاربع والعشرين، ثم قام بفرض السمات المتعلقة بالمزايا والامزجة المتوافقة مع المقامات العراقية، ومزجها بالموسيقى الغربية السائدة مزجا رائعا حتى أبتكرمنها نمطا جديدا ومقبولا، فموسيقى زرياب هو سر من الاهواء، يبتدع الخيال الخصب من حب وحزن وفرح، يتجاوز حد الاحلام، فضلا انه اضاف الى اوتار عود استاذه اسحاق الموصلي في بغداد، وترا خامسا. كما استحدث (مضرابا) من قوادم النسر. فغدا اهل اسبانيا يعشقون موسيقى زرياب و يتغنون بالحان زرياب، ولا تزال القيثارة الاسبانية حاليا، هي قيثارة زرياب.

..

لقد طور زرياب بعدئذ الموسيقى العراقية تطويرا حديثا. ثم قام بفرض السمات المتعلقة بالمزايا والامزجة المتوافقة مع المقامات العراقية، ومزجها بالموسيقى الغربية السائدة مزجا رائعا حتى أبتكرمنها نمطا جديدا ومقبولا، فموسيقى زرياب هو سر من الاهواء، يبتدع الخيال الخصب من حب وحزن وفرح، يتجاوز حد الاحلام، فضلا انه اضاف الى اوتار عود استاذه اسحاق الموصلي في بغداد، وترا خامسا. كما استحدث (مضرابا) من قوادم النسر. فغدا اهل اسبانيا يعشقون موسيقاه، يتغنون بالحانه، ولا تزال القيثارة الاسبانية حاليا، هي قيثارة زرياب.

هكذا انتشرت الانغام الموسيقية العراقية بعد تطويرها في اوربا في عصر زرياب، يستقبلها الاوربيون بحماس وسرور. كل هذه الكنوز الثمينة المتمثلة في الركائز الاصلية للانغام السومرية العراقية، قد ساهمت بشكل او بأخر حتى بقدر محدود في نشوء موسيقى الكلاسيك التي نتمتع بمباهجها في الوقت الحاضر.

 

بقلم: د. رضا العطار

........................

المصادر:

1 ـ حوار مع عميد المقام محمد القبانجي عام 1974

2 ـ كتاب (الحرية والطوفان) للباحث جبرا ابراهيم جبرا

3 ـ كتاب (اسرار الموسيقى) للباحث العراقي علي الشوك

4 ـ كتاب (تاريخ الآلات الموسيقية) للباحث الانكليزي كورت زاكس

5 ـ كتاب (الحضارة السريانية حضارة عالمية) لموسى مخول

6 ـ مقتبس من مقالة المؤرخ رشيد خيون (صوت العراق) في 12. 6. 2019

  

صادق السامرائيمصطلحان يطغيان على الوعي والفكر والتصور والإقتراب من الحالة العاصفة في المجتمع العربي والمجتمعات التي فيها أغلبية تدين بالإسلام، وهذان المصطلحان يتواصلان بتأثيرهما وصياغة الحالة التفاعلية ما بين المجتمعات والبلدان.

فهل حقا هناك إسلامي وإسلامية؟!

يقولون بلد إسلامي وبلدان إسلامية، حزب إسلامي وجماعات وفئات إسلامية، وغيرها العديد من المسميات التي تتوالد بسرعة عجيبة في زمن متسارع الدوران والتجدد والإمتهان.

ويقولون ما يقولون ويدّعون ما يدّعون، والحقيقة، أن الإسلام لا يمكن إلصاقه بكل حالة، ذلك أنه للعالمين وليس لجماعة من الناس وإن كان الكتاب بلسان عربي، فهو رسالة قيمية أخلاقية ذات ضوابط تساهم في بناء الحياة الإنسانية الصالحة الرحيمة المباركة بآيات الرحمن الرحيم.

فما تدخّل الإسلام بثقافات الأمم والشعوب، ولا فرض عليها أن تنسلخ من معتقدها وذاتها وموضوعها، وإنما توجه إلى القلب والروح والعقل والنفس، وترك مساحة مطلقة للحرية والتقدير والتدبر والتبصر والتأثير، ولهذا حافظت المجتمعات التي إعتنقت الإسلام على ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها وشذبتها وفقا لوعيها ومعرفتها للدين، ولم يمحق الإسلام هويات الأمم والشعوب ويلغي موروثاتها الحضارية والمعرفية، ولهذا فالقول بثقافة إسلامية فيه نوع من الضعف والقصور والإعتداء على الدين الرحيم، فالإسلام دين والدين له دور إنساني مطلق لا يمكن صبه في قوالب وخنقه في منعطفات وحفر وخنادق وتوظيفه لأسوأ الغايات.

ويبدو أن العرب والمسلمين جميعا قد خُدِعوا بهذه التسمية وراحوا يصيبون الإسلام بالأذى والعدوان دون وعي وتبصر مبين.

والقول بالدولة الإسلامية أيضا مصطلح لا يمت بصلة للإسلام، فمنذ الهجرة إلى المدينة، لم ينطق أحد بمصطلح الدولة الإسلامية، وإنما برسالة الإسلام والدعوة إلى الدين الحنيف، فلا يوجد قول بالدولة الإسلامية في زمن الخلافة الراشدة، وبعدها نشأت الدولة الأموية والعباسية والعثمانية وما بينهم وفيهم وبعدهم من الدول، وكلها ذات طابع سياسي لكنها تدين بالإسلام وتدافع عنه وفقا لوعيها وإدراكها للدين، ومعظمها إتخذت من الدين وسيلة للحكم، لكنها لم تكن دولا إسلامية بالمعنى الدقيق والصريح للمصطلح، لكنها دول كغيرها من الدول التي نشأت في الأرض، وإتخذت ما إتخذته من عقائد وفلسفات للحكم.

ومن المعروف أن البشرية ومنذ الأزل تتخذ من الأديان وسائل ومبررات للحكم، فدول بلاد الرافدين القديمة إتخذت من الدين وسيلة للحكم وكذلك دول مصر القديمة، وغيرها من حضارات الدنيا الغابرة، لكنها لا يمكن تسميتها بالدول الدينية، فالسومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والفراعنة كانوا يحكمون بدين لكن لا يمكن القول بأن دولهم دول دينية، فبرغم كثرة المعابد والآلهة في زمنهم، لكنهم دول وإمبراطوريات كباقي الدول في الدنيا المتغيرة.

فالحكم البشري لا بد له من عقيدة تضبطه وفلسفة تهذبه، وإذا لم يكن هناك دين شائع يتم إختراع دين، لأن البشر لا يمكن تهذيب سلوكه وحكمه إلا بدين يحقق الضبط الذاتي والموضوعي للسلوك.

ولهذا فأن التعامل بهذين المصطلحين يشوهان الإسلام ويدمران جوهره ومعاني رسالته وأهدافه الإنسانية الواضحة، فعندما يتم ربط عادات وتقاليد مجتمع ما بالإسلام يتحقق الإعتداء على الإسلام، أو عندما يتحقق الربط ما بين المجرمين والإسلام يكون العدوان سافرا، فمن المعلوم أن الجريمة رافقت البشرية منذ البدء وأنها تتنامى مع تزايد أعداد البشر، وأن العصابات تنتشر في المجتمعات وتتحكم بالحياة في العديد من الدول المعاصرة القوية المتقدمة،  التي ما استطاعت القضاء على الجرائم والسلوك المافيوي.

والعصابات تنتشر وتتألف في جميع المجتمعات، وعندما تنشأ عصابة في مجتمع يدين معظمه بالإسلام، لا يمكن القول بأن هذه العصابة أو الجماعة والفئة إسلامية، بل إنها عصابة إجرامية، وإلا لوجب القول على العصابات الكثيرة جدا في المجتمعات التي تدين بديانات أخرى بأن هذه العصابات منسوبة لدينها، وإن صح ذلك فأن من الواجب ربط المساجين بدينهم والقول بأن هذا المجرم مقرون بإسم دينه، وهذا لا يحصل لكنه يحصل فقط عندما يكون المجرم من دين الإسلام، فلماذا هذا الحال ومن الذي يساهم فيه؟!

إن العرب وغيرهم من المسلمين هم الذين يساهمون بنشر المصطلخات السلبية وربط الجريمة بالإسلام، في حين أن الجريمة جريمة ولا علاقة لها بأي دين، لكن هذا التوصيف يدفع إلى أسلمة المساوئ والشرور والمآثم، ويجعل من الدين دين إجرام وآثام، وفي الحقيقة أن المسلمين يقومون بدور خطير ضد الإسلام بترويجهم لهذه المسميات والتوصيفات.

وكأن الدنيا خالية من المجرمين ومن العصابات والمافيات وأن سبب كل ذلك هو الإسلام، ولهذا تجد المسلمين يقرون كما يقر الآخرون بالإرهاب الإسلامي والعدوان الإسلامي والإجرام الإسلامي، والعصابة الإسلامية والمافيا الإسلامية والحرامي الإسلامي والقاتل الإسلامي والمتطرف الإسلامي، وما شئت من التسميات التي يروّج لها المسلمون وهم في غفلة مما يفعلون.

بينما الواقع السلوكي البشري يؤكد وعبر العصور ومنذ الأزل أن البشر لديه نزعة للإجرام وفعل الشر، وأن جميع الأديان جاءت لتهذّب سلوكه وتردع النفس الأمارة بالسوء الفاعلة فيه والمقررة لسلوكياته المتنوعة.

فالأديان جميعها لا علاقة لها بالشرور والعدوان لكنها من الممكن أن تستخدم لتحقيق ذلك، أي أن المجرمين يمكنهم أن يتخذوا من أي دين وسيلة لتبرير وتسويغ جرائمهم، وهذا لا يعني أن الجريمة عليها أن تقرن بذلك الدين.

لكن العرب خصوصا والمسلمين عموما يرتضون هذا الإقران ويهللون له، ويبددون الجهود والطاقات والأموال للسعي وفقا لما يميليه ويقرره، وهم في ذلك يحاربون وجودهم ودينهم، فعليهم أن يستيقظوا من هذا الهراء والضلال، وينظروا للجريمة بعيون القانون ويفصلونها عن أي الدين، فالمجرم يندفع نحو إجرامه بنوازع دفينة فيه، وعندما يمتلك ما يسوّغ جريمته من تصورات ومنطلقات فأنه يندفع نحوها بقوة أكبر وبشاعة أخطر.

فلا علاقة للدين بأية جريمة أو صيرورة سلوكية سيئة، وإلا يفقد الدين إسمه ورسالته، والذين يتخذون من الدين قناعا أو شعارا لتنفيذ جرائمهم إنما هم من أخطر المجرمين، وأنهم يعملون في عصابات، فلكل عصابة دستورها وقوانينها وضوابطها وقواعدها، وقد تتخذ العصابة من الدين شيئا من ذلك، فتختار من أي دين بعض المفاهيم التي تضمنها في دساتيرها وقوانينها وضوابطها السلوكية المحكمة الخطيرة النتائج والتفاعلات.

فالحقيقة لا يوجد ما هو ديني إلا ما يتعلق بالمخلوق وخالقه، وما يبدر منه من المحاولات الجادة للتعبير عن إنسانيته، وكل ما هو شر وعدوان لا يمت بصلة لأي دين!!

فهل سيستيقظ المسلمون من هذه الغفلة ويتفكرون ويتعقلون ويبصرون بعين العقل واليقين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

كريم مرزة الاسديصحيفة بلادي اليوم تسرق مقالة لي بكمالها وتمامها، من ألفها إلى يائها للمرّة الثانية، وتصدرها صفحتها؛ بمعنى المقالة لرئيس تحريرها (عليَّ!!)؛ والجريدة مطبوعة، بدليل الهامش بعد المقالة:

-  صحيفة بلادي اليوم - جريدة بلادي اليوم- العراق - بغداد- الموصل... تجدون بقية الهامش بعد المنشور، والمقالة مهمة جدّا وبحلقتين مطوّلتين، وأنا أتكلم عن الحلقة الثانية بعنوان (إشكالية التعصب للنسب في الشعر العربي).

والحق وأنا أبحث في موضوع مهم جدّا -سأنشره بعد عدّة أيام في المواقع والصحف والمجلات والفيس بوك وسمته بـعنوانين رئيسي وثانوي (مرض "ازدواج الشخصية" النفسي الاجتماعي، دمّر العراق والأمّة.

وهو ليس بمرض "انفصام الشخصية" العقلي الفردي؛ ولا بمرض "ازدواج أو متعدد الهويات" النفسي الفردي الشهير.)

المهم رغبت بتضمين بيتين من الشعر، أحفظ الأول ونسيت أن أكمل الثاني، وضعت البيت الأول على كوكل، خرجت مقالة لي تتضمن البيتين لشاعر جاهلي،  دخلت على (جريدة بلادي اليوم)، تفاجأت للمرة الثانية، بمقالة لي بتمامها وكمالها تتصدر الجريدة، دون أي ذكر لاسمي، لا من قريب، ولا من بعيد!!... قلت مع نفسي - يا كريم- خذ عنوان المقالة، وادخل على السيد (كوكل)؛ دخلت ولماذا لا؟!! تفاجأت في الصفحة الأولى للبحث في كوكل، يخرج لي: مركز النور، الحوار المتمدن، المثقف، كتابات في الميزان، الأخبار، الحقيقة في العراق، مغرس (الأدبية - طنجة، الصدى الثقافي!! كلهم ذكروا اسمي إلا (بلادي اليوم)!!

لماذا يا (بلادي اليوم) تظلميني نهارًا جهارًا؟!وسبق أن سرقت مقالة لي، ونشرت السرقة، وتحتها صورة السيد إبراهيم الجعفري، أطال الله عمره- وسرقت أختها (براثا) مقالة لي عن الشاعر دعبل الخزاعي، وموقع (ستار تايمز) الشهير مقالتي بثلاث حلقات، عنوانها: (لغتنا الجميلة بين الشعر والشعراء، والتجديد العظيم، والرفض العقيم.)، ومثله موقع (مترجم عربي)!!

لهذا كلّه كتبت أربع حلقات مهمة جدّا عن (السرقات الأدبية بين النحل وتوارد الخواطر ونظرية التأثر والتأثير)، ونشرت الموضوع كعادتي في المواقع التي أنشر بها، وأستعجلت من بعد لطبع مؤلفاتي، لكي لا تضيع جهودي، وسهر الليالي حتى ضحى الغدِ!! وتسجل مؤلفاتي بأرقام إيداع في دمشق وعمان وبغداد، وأخيرًا أشكر بامتنان (دار الفرات للثقافة والإعلام - بابل)، سجلت مؤلفاتي الأخيرة برقمي إيداع عراقي ودولي.

نعم نشرت العديد من المواقع والصحف والجرائد الصادرة من بغداد قصائد ومقالات لي دون علمي، ؛ ولكن تذكر اسمي، وهذا فضل كبير، بل أجرت جريدة الحفيفة العراقية الصادرة من بغداد، ومجلة الرسالة المصرية، وجريدة الأنباء المغربية، وصحيفة مؤسسة المثقف العربي حوارات معي مطوّلة، جزمًا أشكر الجميع على كرمهم وفضلهم؛ ولكن استنكر وأحرم - في حياتي، وبعد موتي كل من ينشر حتى لو عدة كلمات من بحوثي ومقالاتي وقصائدي، ولم يذكر اسمي، يا سبحان الله!! هذه جهودي وتعبي وفكرتي وأسلوبي؛ والأسلوب هو الإنسان نفسه، والكلام صفة المتكلم، وإليكم المقالة المسروقة، وأتحدى أي إنسان،  ممن يعاصرني، أو من السادة في عالم الغيب، أن يأتوا بمثلها، إلا إذا استنسخوني كريمًا نغسه!! والله على كل شيءٍ قدير!!!

ترقبوا كتاب الجديد :(اللغة العربية بين يديك).

............................................

 جريدة بلادي اليوم

 11 مايو ٢٠١٧

إشكالية التعصب للنسب في الشعر العربي

أعداء الأمّة إلى أين ؟!!

يقول دعبل الخزاعي، وللقول حديثٌ وحديث، من يقف ضد الأمة وتراثها ولغتها وآدابها وأفذاذها، يقف مع أعدائها صفاً بصف، والقضية ليست بشخصية جزماً، من يتخيل أنّه يملك السيف والمال والجنس، وسيغلب القلم والفكر والفن، لهو في ضلالٍ مبين !! والحكم للتاريخ والأمة والذوق العربي:

نعوني ولمّا ينعني غيرُ شـــامتٍ *** وغيرُ عدو ٍ قـــد أصيبتْ مقاتلـهْ

يقولون إن ذاقَ الردى ماتَ شعرُهُ ** وهيهات عمر ُالشعر طالتْ طوائلهْ

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناس أمرهٌ**** ويكثرُ مـــن أهل الروايةِ حاملهْ

يموتُ رديء الشعرِ من قبل أهلهِ *** وجيدهُ يبقــى وإنْ مـــات قائـلـهْ

إشكالية التعصب للنسب لاحقت الإنسان من قديم الزمان على مستوى الأمم والشعوب والقبائل والأفراد، وكلٌّ ينادي بالإنسان، والإنسان نفسه حيران، يتعصب ويضحي بالمجان، والحقيقة أنّ المغالاة في التعصب للنسب، ورمي الآخرين بالنقص والعيب والدونية، قد ولـّد من المشاكل الكبرى، والجرائم العظمى ما لا تحصى، وإنْ بدت في بادئها من الأمورالصغرى، وقديماً أبدع طرفة بن العبد (ت 569 م) - توفي قبل ولادة النبي الكريم (ص) بسنة واحدة - حين قال:

قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ **** حتى تظلَّ لهُ الدماءُ تصبّبُ

والظّلمُ فرّقّ بيــــــنَ حيِّ وائل ٍ **** بكرٌ تساقيها المنايا تغلبُ

وقضية حرب البسوس بين بكر وتغلب شهيرة في التاريخ العربي وأدبه، وكذلك دعوة ملك الحيرة عمرو بن هند غير الموفقة لأم الشاعر التغلبي الشهير عمرو بن كلثوم لخدمة أمه، ومعلقته الشهيرة:

أَلاَ هُـبِّـي بِصَحْـنِـكِ فَاصْبَحِيْـنَا *** وَلاَ تُـبْـقِي خُـمُـوْرَ الأَنْدَرِيْـنَا

أَلاَ لاَ يَـجْـهَـلَـنَّ أَحَـدٌ عَـلَـيْـنَــا*** فَنَجْهَـلَ فَـوْقَ جَهْـلِ الجَاهِلِيْنَا

بِـاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْــنَ هِـنْـدٍ*** نَكُـوْنُ لِقَيْلِـكُمْ فِيْـهَـا قَطِـيْـنَـا

وقال أفنون التغلبي مذكـّراً بهذه الدعوة: لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا *** ليخدم أمي أمه بموفقِ

ويقال: إن أخ الشاعر القاتل واسمه مرة بن كلثوم هو أيضاً قد قتل المنذر بن النعمان بن المنذر من قبل، وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً ! :

أبني كليب إن عمى اللذا *** قتلا الملوك وفككا الأغلالا

يعني بعميه عمراً ومرة ابني كلثوم، ولشغف تغلب بقصيدة ابن كلثومهم، وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء متهكماً :

ألهى بنى تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أولهم **** يا للـــرجال لفخر غير مسؤوم

كان النسب الشغل الشاغل للعرب منذ تصنيفهم الأمة إلى عرب عاربة وعرب مستعربة، فقيلهم وقالهم مشتعل بين الطرفين حتى أنّ الله أنزل نبيهم من هؤلاء المستعربين لا العاربين، ومن ثمّ تولى المستعربون - كما نعتهم المجحفون - الخلافة الإسلامية طيلة العصرين الأموي والعباسي ! وأشار إلى ذلك جرير عندما هجا الأخطل التغلبي، إذ فخر الأول بإسلامه ومضريته قائلاً :

إنّ الذي حرمَ المكارمَ تغلباً *** جعلَ الخلافة والنبوّة فينا

لا أعلم لماذا جرير لم يقدم النبوّة على الخلافة ؟! وهي أعظم مقاماً، وأسبق زمناً، والشعر يمشي وزناً، فالبيت من البحر (الكامل)، المهم لم يكتفوا بهذا التفاخر والتنابز ورمي الآخرين حتى ذهبوا إلى المقابر يعددون موتاهم، فأنزل الله عليهم " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر "، وجرّهم الأمر إلى رمي بعضهم بعضاً إلى أمم أخرى، بل تطاولوا على عباقرتهم وأفذاذهم، فقذفوهم للأجانب والأباعد، وهؤلاء يستحوذون ويصرخون هل من مزيد لهذا المجد التليد ؟!! صرخ المتنبي العظيم متهكماً داعياً للصحوة والتعقل:

أغاية َ الدّين أنْ تحفوا شواربكمْ ***

يا أمّةً ضحكتْ من جهلها الأممُ ؟!

ذهبت صرخته أدراج الرياح كما ذهبت صرخات السابقين واللاحقين، والإشكالية قائمة حتى يومنا هذا المستكين !

نعم ما بين التعصب القبلي، والتكسب المصلحي، والتجاذب السياسي، والتصارع الدنيوي، يبزغ فجر الأثافي الثلاث لتركيب الشعر العربي في عصره الأموي، أولهم أخطلهم، وثانيهم فرزدقهم، وثالثهم جريرهم - سنتكلم عنهم حسب ضرورة البحث - ... هؤلاء جاهليون في نزعاتهم، إسلاميون في أيامهم، يُحرَّكون ويتحركون، ملأوا الدنيا بنقائضهم، و هجائهم، وفخرهم، ومدحهم ... حالهم ليس على حال، وموقفهم ليس على موقف، يوم لهم ويوم عليهم، وبقى صخبهم من يومهم الأول حتى يومنا الأخير، شغلوا حيزاً واسعاً في تاريخ الأدب العربي، تناسى هذا التاريخ الطغاة والملوك أو كاد، وما نسى هؤلاء الشعراء، ولا كاد !!.

ولكن لم يُقرن شاعران في تاريخ الأدب العربي، كما قُرن جرير بالفرزدق، فما ذُكر أحدهما إلا و رفرف الآخر بظلاله على الذاكرين المتذكرين، ليقول: أنا هنا، كلاهما من بني تميم، ولكن الفرزدق من نسبٍ رفيع، وجرير من نسبٍ وضيع، كما صُنّفا، وليس منّا !!، أمّا لماذا سنلحق جرير بالفرزدق، لأن الأخير أكبر سنّا، وأطول عمراً في هذه الحياة، فالفرزدق هو همام (وقيل : غمّام) بن غالب بن صعصعة، ولد بالبصرة، وتوفي فيها بعد عمر مديد (20 هـ - 114 هـ / 641 م - 732م) - وستأتيك ترجمة جرير- كنية فرزدقنا أبو فراس، ولقبه الفرزدق، ولقب به، لغلظة في وجهه، كان أبوه من أشراف البصرة ووجهائها، وكرمائها، سليل أجداد من ذوي المآثر الحميدة بين العرب، فهو ينتمي إلى مجاشع بن دارم من تميم، فقد جمع بين زهوي النسب العريق، والشعر الرقيق، لذلك نراه يفخر على غريمه جرير قائلاً :

مِنّا الّذِي اخْتِيرَ الرّجالَ سَماحَةً *** وَخَيراً إذا هَبّ الرّياحُ الزّعَازِعُ

وَمِنّا الّذي أعْطَى الرّسُولُ عَطِيّةً *** * أُسارَى تَمِيمٍ، وَالعُيُونُ دَوَامِعُ

وَمِنّا خَطِيبٌ لا يُعابُ، وَحامِلٌ **** أغَرُّ إذا التَفّتْ عَلَيهِ المَــــجَامِعُ

وَمِنّا الّذي أحْيَا الوَئِيدَ وَغالِبٌ ***** وَعَمْروٌ وَمِنّــا حاجِبٌ وَالأقارِعُ

وَمِنّا الّذي قادَ الجِيادَ عَلى الوَجَا **** لنَجْرَانَ حَتى صَبّحَتها النّــزَائِعُ

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ ***** إذا جَمَعَتْنا يـــــــا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ليس هذا فقط، بل لمّا يروم هجاء جرير، يذكّره بنسبه التميمي الوضيع، ويلحق نفسه بنسبهم الرفيع، وكان الأمر مألوفاً محقّاً في ذلك العصر، رغم أن الإسلام نادى بالسواسية، وعدم التفرقة، ولكن الخلفاء قربوا الأقرباء، والعرب الأصحاء، والتنابز بين القبائل والشعراء، اقرأ كيف يقذف الفرزدق جريراً بعد فخره في الأبيات السابقة :

يا ابن المراغة كيف تطلب دارما *** وأبوك بين حمارة وحمــــــار

وإذا كلاب بني المراغة ربّضت *** خطرت ورائي دارمي وجماري

دارم قوم الفرزدق، باذخة المجد والشرف والعزّة، وما جرير إلا بدوي من أعراب بني كليب التميميين الفقراء الرعاة، ويتمادى في قسوته، إذ يتعرض في البيت التالي إلى قريبات جرير اللواتي رعين ماشيته:

كم خالة لك يا جرير وعمة *** فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

ولكن هل كان الرجل الفرزدق الشاعر على شاكلة أبائه وأجداده ؟ كلا - يا قارئي الكريم - فقد اتهم بالفسق والفجور، مزواجا مطلاقاً، بعيداً عن أخلاق باديته وأهله - سوى الخشونة والفظاظة -، متقلباً في مواقفه صباح مساء، نشبت بينه وبين جرير - شاركهما الأخطل التغلبي - معارك شعرية، اتسمت بالهجاء والسخرية حتى قذف محصنات الطرف الآخر، وبالمقابل الفخر بالنفس والقبيلة، سميت بالنقائض، وكانت معروفة بشكل أخف منذ العصر الجاهلي، وخمدت جذوتها في صدر الإسلام، لمحاربة الإسلام النزعة القبلية الجاهلية، وأججت بشكل أعنف وأشد في العصر الأموي، بدوافع تحريضية من قبل الخلفاء، والأسباب سياسية وقبلية، وتلاقفها الشعراء لإبراز مواهبهم، ورفعة شأنهم، وقوة نفوذهم السياسي والاجتماعي، وتحصيل أرزاقهم، وتنمية أموالهم، وكان الفرزدق ينحت شعره بالصخر فخراً، إذ يوظف فخامة اللفظ، وصلابة النظم، وعراقة الأصل، وسعة الخيال، وتوليد المعاني المبتكرة، وترك لجرير أن يغرف من بحر ما يشاء من شعر مطبوع، لين الإسلوب، رقيق العبارة، متعدد الأغراض، ومال كثيراً للغزل والنسيب والتشبيب، فطغى شعره سيرورة، أمّا الأخطل، فإضافة لمشاركتهما المدح والهجاء والنقائض، أجاد في وصف الخمر، والندمان .

لقد مدح الفرزدق خلفاء بني أمية أمثال عبد الملك بن مروان، وولديه الوليد وسليمان، وعلى أغلب الظن لتقية تحميه، وارتزاق يكفيه، ولدفع شبهة لصقت فيه، إذ كان أبوه من أصحاب الإمام علي (ع) المقربين، ثم أنّ القصيدة الميمية في مدح الإمام السجاد، كان يجب أن يدفع ثمنها، والرجل رجل دنيا، لولا ميميته العليا، مهما يكن، قد غالى في مدحهم، اقرأ كيف يخاطب سليمانهم :

أنت الذي نعت الكتاب لنا ** في ناطق التوراة والزبرِ

كم كان من قسٍّ يخبرنا **** بخلافة المهدي أو حَبْرِ

إنا لنرجو أن تعيد لنا *** سنن الخلائف من بني فهر

عثمان إذ ظلموه وانتهكوا *** دمه صبيحة ليلة النحر

لم يمدحهم لكرم، أو شجاعة، أو سماحة ...، بل جعلهم أحقّ الخلق بالخلافة، وهم سيوف الله، والقمر الذي يهتدى به ...

أمّا جرير فهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي ...ابن كليب اليربوعي التميمي (كنيته أبو حرزة، ولد بتهامة سنة (33 هـ / 653 م) من أب فقير، وضيع، خامل، بخيل، ولم ينكر الشاعر هذا الأمر، بل كان يتماهى بنفسه عصامياً، وتوفي سنة (114هـ / 732 م) بعد فترة وجيزة، لا تتجاوز ثلاثة أشهر من وفاة غريمه الفرزدق، وقد رثاه جرير، ثم ودع دنياه بعد خمسين عاماً من المهاجاة، والتنابز، والمباهاة، ومن الرثاء قوله :

لعمرِي لقد أشجى تميما وهـداها ** على نكبات الدهرِ موت الفرزدق

عشـية راحـوا للفـراق بنعشـه **** إلى جدث في هوّة الأرض معمق

ثوى حامل الأثقال عن كلّ مغـرم **** ودامغ شيطان الغشوم السمـلق

عمـاد تمـيم كلها ولسانــها ***** وناطقها البـــــــــذاخ في كل منـطق

فمن لذوِي الأَرحامِ بعد ابن غالب **** لجار وعان في السّلاسل مـوثق

وكـم من دم غال تحـمّل ثقـله *** **** وكان حمولا في وفاء ومصدق

تفـتّح أبـواب المـلوك لوجـهِه ******* بغيـــــــرِ حجاب دونـه أو تمـلّق

فتى عاش يبني المجد تسعين حجّة *** وكان إلى الخيرات والمجد يرتقي قصيدة موجعة، مؤلمة، مؤكدة أنَّ لا إنسان إلا بالإنسان، فما كانا أن يكونا مخلدين إلاّ بالاثنين، ولا بمحظوظين إلاّ باللسانين، وما كانت المهاجاة، وما كان التنابز بالألفاظ إلا لإبراز الذات، وجذب انتباه عقول ومسامع الذوات، وقد نجحا في مرماهما، ويقيني لو كان العكس، لحدث العكس.

الراعي النميري بين مطرقة جرير وسندان الفرزدق، وبنو نمير يدفعون الثمن الباهض !! :

ومن سخرية أقدار الحياة، حين تورّط الشاعر الراعي النميري في إصدار حكمه بتفضيل الفرزدق هجاءً على جرير، بتحريض وإلحاح من عرّادة النميري - نديم الفرزدق - في جلسة شرب بالبصرة، فما أن أخذ منه الشراب مأخذاً، حتى قال بيته الشهير (الكامل) :

يا صاحبي دنا الأصيل فسيرا *** غلب الفرزدق في الهجاء جريرا

فجنّ جنون هذا الجرير الكبير، ولما سمع البيت، وبعد قيل وقال مع الراعي، ذهب إلى منزله، وندع عبد القادر البغدادي يكمل روايته، كما وردت في (خزانته)، وقال للحسين راويته: زد في دهن سراجك الليلة، وأعدد لوحاً ودواة. ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يملي حتى ورد عليه قوله: (الوافر)

فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعباً بلغت ولا كلابا

فقال حسبك أطفئ سراجك ونم فرغت منه ثم إن جريرا أتم هذه بعد وكان يسميها الدامغة أو الدماغة وكان يسمي هذه القافية المنصورة..."

وهذا البيت المشؤوم على بني نمير، من قصيدة طويلة عدد أبياتها مئة وتسعة، كما يذكر البغدادي نفسه، مطلعها :

أقلي اللوم عاذل والعتابا *** وقولي إن أصبت لقد اصابا

ومنها:

إذا غضبت عليكَ بنو تميمٍ *** حسبتَ الناسَ كلّهمُ غضابا

وأراد هذا العبيد الراعي أن يردّه بقوله أتاني أن جحش بني كليب *** تعرض حول دجلة ثم هابا

فأولى أن يظل البحر يطفو *** بحيث ينازع الماء السحابا

ولمّا عجز عن أن يجاريه، عكف عن الأمر، فمن يسمع لجرير، لا يلتفت للراعي، ولو أنَّ الأخير كان يُعتبر شاعر مضر، فمن قصد البحر استقلَّ السواقيا، وحاول الفرزدق نفسه، وهو من سادة تميم، وأشرافها، أن يعارض ابن عمه جرير التميمي ثأراً لناصره المتعثر، بقصيدة مطلعها :

أنا ابن العاصمين بني تميم *** إذا ما أعظم الحدثان نابا

وتجاوز الناس الفرزدق، والراعي، وتمسكوا ببني نمير، فقال الراعي لابنه : يا غلام بئس ما كسبنا قومنا. ثم قام من ساعته وقال لأصحابه: ركابكم فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم جرير. فقال له بعض القوم: ذلك بشؤمك وشؤم ابنك.....وسبوه وسبوا ابنه. وهم يتشاءمون به ..."، ولا أطيل عليكم، قد غيّر معظم بني نمير أنسابهم، ولحقوا بنسب أعلى جد، وهاجروا بصرتهم الفيحاء، لا تتعجب - عزيزي القارئ - كان للشعر دور كبير في وجدان الأمة، يزلزل القاعدة والقمة ...!!

- صحيفة بلادي اليوم

- جريدة بلادي اليوم

- العراق

- بغداد

- الموصل

- الرد السريع

- الفرقة الذهبية

- جهاز مكافحة الارهاب

- تحرير الموصل

- رسائل الى الموصل

- الحشد الشعبي

- الحشد الشعبي المقدس

................................

السرقة الفكرية أجرم من السرقة المادية، وهي خط أحمر لا أتهاون معها.

 

عبد الرضا حمد جاسمملاحظة: أعتذر مقدماً من الأعزاء القراء لكثرة ما يرد في التالي من (روابط) تعمدتها للضرورة لأبين لك عزيزي القارء تعدد "كلام الجرايد" وتنوعه وكيف يلتقط الزملاء الكتاب من تلك "الجرايد" المعلومات التي يبنون عليها مقالاتهم و "دراساتهم"... الحقيقة يعصرني الألم وأنا اتابع ذلك او حتى وأنا اكتب هذه الردود...نحن نتكلم عن مجتمع وما يحدث هنا او هناك فيه. نتكلم عن حالة واقعة بين النفس ودهاليزها العميقة والمجتمع ودهاليزه المظلمة وسطحه المضطرب] انتهى.

انهيت الجزء السابق بالمقطع التالي: [ولكن قبل ذلك لابد ان ابين ما اشرت اليه أعلاه بخصوص اعتماد المقالات مصادر وذكرت في ذلك اسم الأستاذ الفاضل الدكتور كاظم حبيب حيث من الواجب عليَّ أن اُثبت ذلك عليه فاسمحوا لي ان اُقدم لكم نموذجين هما مقالتين: الأولى للأستاذ الدكتور الفاضل أحمد عبد الجبار شكارة والثانية للأستاذ الدكتور الفاضل كاظم حبيب لنقف على خطورة ما أُسِسْ ويؤسَسْ بدون قصد طبعاً] انتهى.

هذا الجزء مخصص لمقالة الاستاذ الفاضل الدكتور أحمد عبد الجبار شكارة: "الانتحار بين قمة جبل الجليد والغاطس العميق من أزمات عراقية متفاقمة"/ صحيفة المدى بتاريخ 05/05/2019 أي بعد أيام معدودة من نشر أ. د قاسم حسين صالح مقالته: انتحار الشباب/ بتاريخ 23/04/2019 في نفس الصحيفة "المدى" وربما في نفس الصفحة...الرابط

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=218335

 كتب د. أحمد عبد الجبار شكارة التالي:

 أولاً: [ما يخصنا مع ازدياد معدلات الانتحار في العراق في الآونة الأخيرة (علماً بإن بلدنا لم يعرف سابقاً من الدول التي تنامت فيها مثل هذه الظاهرة بهذا الحجم) حيث بلغت في الاحصاءات الحديثة نسبياً ما يقارب من(3000) حالة في الفترة بين 2015 و2017 ....] انتهى.

*تعليق:

1- يقول الدكتور: "ما يخصنا مع ازدياد معدلات الانتحار في العراق في الآونة الأخيرة"...ماهي الآونة الأخيرة لطفاً؟ الزيادة بالقياس الى ماذا؟ هل هناك أرقام تخص الآونة قبل الأخيرة حتى قارنها الدكتور الفاضل وتوصل الى ان هناك زيادة؟

2- كيف عرف الدكتور احمد عبد الجبار شكارة ان بلدنا لم يُعرف سابقاً من الدول التي تنامت فيها مثل هذه الظاهرة بهذا الحجم؟ هل لدى الدكتور أرقام عن حالات الانتحار قبل الآونة الأخيرة أو قبل عام 2003.

3- ما هو تعريف "الظاهرة" وفق تصور الدكتور احمد عبد الجبار شكارة وعل وصل الانتحار في العراق الى "الظاهرة"؟

4- ما هي تلك الاحصائيات الحديثة نسبياً ومن أي جهة صدرت وكيف تأكد منها الدكتور الفاضل ومن اين جاءت بالرقم (3000)؟

5- هل يشمل هذا الرقم كل العراق؟ هل هناك جدول يبين كم حالة انتحار في كل محافظة، بحيث لو جمعناها حصلنا على رقم (3000) حالة؟

6- ما هو مصدر هذه المعلومة (3000) ان توفرت؟

واليكم بعض ما نُشر عن هذا الرقم:

1- الجزيرة/24/04/2019: (132) حالة انتحار في العراق بثلاثة أشهر

https://www.aljazeera.net/news/humanrights/2019/4/24/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%83%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86

[وفي تقرير سابق للجزيرة نت -نشر نهاية العام الماضي - ذكرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان إنها رصدت نحو ثلاثة آلاف حالة انتحار في الفترة بين 2015 و2017 لدوافع مختلفة] انتهى.

2- ن بوست/أحمد الدباغ: "معدلات خطيرة... حالات الانتحار في العراق تسجل أرقامًا قياسية" 28/04/2019

https://www.noonpost.com/content/27546

[وأشارت تقارير نشرتها منظمات حقوق الإنسان في العراق إلى أن عدد حالات الانتحار بين عامي 2015 و2017 بلغ 2000 حالة انتحار، وهو رقم يشير إلى ارتفاع كبير في معدلات الانتحار في البلاد، يذكر أنه لا تتوافر إحصائية رسمية دقيقة عن أعداد حالات الانتحار الكلية في البلاد منذ عام 2003 وحتى الآن] انتهى

3- موقع: ارفع صوتك "جسور مسيجة لمنع الانتحار ...العراقيون يسخرون"22/04/2019/السي ملكونيان...

https://www.irfaasawtak.com/a/490148.html

[وبحسب ما ورد في كتاب من مجلس محافظة بغداد الى وزارة الداخلية بلغت حالات الانتحار نحو (3000) حالة بين سنتي 2015 و2017] انتهى.

..............

ثانياً: وكتب الدكتور أحمد عبد الجبار شكارة التالي: [المفوضية العليا لحقوق الانسان رصدت حالات الانتحار في المحافظات للعام 2017، حيث وجدت أن محافظة ذي قار تصدرت المعدلات العليا (119) تبعتها ديالى (76)، نينوى (68)، بغداد(44) والبصرة (33)] انتهى.

تعليق:

1- هل لدى الأستاذ الدكتور احمد عبد الجبار شكارة ما يؤيد قوله هذا؟

2.الأرقام التي وردت في هذا المقطع ليست لعام 2017 انما لعام 2013 فكيف انقلب الحال من عام 2013 الى 2017؟

اليكم ما نُشر/ ورد عن هذه الأرقام:

1- من القدس العربي/التي أعتمدها أ. د قاسم حسين صالح كمصدر: [كانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة 60 في المئة ماعدا اقليم كردستان، وأشارت إلى ان محافظة ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة] انتهى

2- في نفس صحيفة المدى نشر أ. د قاسم حسين صالح: مقالته "انتحار الشباب" المدى/بتاريخ 23/04/2019 قبل اقل من أسبوعين من نشر دكتور احمد مقالته في المدى ذكر فيها التالي: [نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013 (القدس العربي)

3- وكتب أ. د قاسم حسين صالح ايضاً في مقالته: ما هكذا نقدم كارثة انتحار شباب العراق/المدى بتاريخ 01/07/2018 التالي: [نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بواقع 199 حالة في 2013(القدس العربي) انتهى.

4- وذكر فيها أيضاً: [نشرت مفوضية حقوق الأنسان تقريرا عن معدلات الانتحار في العراق حددتها بـ (439) حالة مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع 119 في ذي قار و76 في ديالى و68 في نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة...]

5- في نفس الصحيفة نشر قاسم حسين: ما هكذا نقدم انتحار شباب العراق ذكر فيها بتاريخ 01/07/2018 التالي:

نشرت مفوضية حقوق الانسان تقريراً عن معدلات لانتحار في العراق حددتها ب (439) حالة مسجلة بشكل رسمي خلال عام واحد فقط أغلب ضحاياها من الشباب توزعت بواقع (119) في ذي قار و (76) في ديالى و (68) في نينوى و (44) في بغداد و (33) في البصرة و (16) في المثنى و (15) في ميسان و (12) في واسط . ..(السومرية نيوز ، أيار 2013)...الرابط

https://almadapaper.net/Details/208071

6- القدس العربي... الرابط:

https://www.alquds.co.uk/%EF%BB%BF%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4/

(كانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة 60 % ماعدا اقليم كردستان، وأشارت إلى ان محافظة ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة. وقالت المفوضية في بيانها ان (439)حالة انتحار مسجلة بشكل رسمي في العراق خلال عام 2013 الماضي أغلبهم من الشباب، وبزيادة وصلت60%عن العام 2012] انتهى.

7- مقالة محمد العبيدي: "الحد من انتحار الشباب في العراق … مهمة ليست بالمستحيلة" 16 أيار/مايو 2017

https://kitabat.com/2017/05/16/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A9/

 [وكانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة 60 في المئة ماعدا اقليم كردستان، وأشارت إلى ان محافظة ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة وقالت المفوضية في بيانها أن “633 حالة انتحار مسجلة بشكل رسمي في العراق خلال عام 2013 الماضي أغلبهم من الشباب، وبزيادة وصلت 60 في المئة عن عام 2012″، ومشيراً إلى أن مشاكل اقتصادية واجتماعية ونفسية، فضلاً عن حالات التفكك الأسري تقف وراء دفع العراقيين إلى الانتحار] انتهى

8- دلال العكَيلي شبكة النبا للمعلوماتية...انتحار العالم بالأرقام

https://annabaa.org/arabic/community/11979

 [وكانت مفوضية حقوق الإنسان العراقية كشفت عن زيادة معدلات الانتحار في العراق خلال العام 2013 الماضي عن سابقتها بنسبة 60 في المئة ماعدا اقليم كردستان، وأشارت إلى ان محافظة ذي قار سجلت أعلى حالات الانتحار في محافظات العراق بـ (119) حالة] انتهى.

9- واع/حقوق الانسان: ارتفاع معدلات الانتحار في العراق خلال سنة 2013 واع/ن.خ14/06/2019

[كشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، عن زيادة معدل الانتحار في العراق خلال سنة 2013 عن سابقتها بنسبة 60 بالمائة وقال عضو المفوضية، مسرور أسود، في حديث صحفي , أن "حالات الانتحار خلال سنة 2013، توزعت بواقع 119 في ذي قار، و76 في ديالى، و68 نينوى، و44 في بغداد الرصافة، و33 في البصرة، و16 بالمثنى، و15 في ميسان، و12 في واسط"] انتهى

http://www.al-iraqnews.com/news/newwss/local-news/116160-%D9%88%D8%A7%D8%B9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D9%86%D8%A9-2013.html?print

*ختامها اليكم تقرير الجزيرة الذي ربما اختاره الدكتورأحمد عبد الجبار شكارة ليعتمده هنا لأنه الوحيد الذي جمع ما ورد في:"اولاً" و"ثانياً" أعلاه:

10- [الجزيرة: الانتحار في العراق... (موت يعلمه الجميع ويحاط بالكتمان) 22/10/2018 مروان الجبوري

[تقول المفوضية العليا لحقوق الإنسان إنها رصدت نحو 3000 حالة انتحار في الفترة بين 2015 و2017 لدوافع مختلفة.وتتصدر محافظة ذي قار نسب المقدمين على الانتحار في العراق، تليها ديالى ثم نينوى وبغداد والبصرة، إضافة إلى الحالات الموجودة في إقليم كردستان، التي غالبا تحاط بالسرية والكتمان. وقد بلغ عدد الذين قرروا إنهاء حياتهم خلال عام 2017 في ذي قار 119 شخصا و76 وفي ديالى و68 وفي نينوى و44 في بغداد و33 في البصرة، وفقا لتقرير المفوضية] انتهى

https://www.aljazeera.net/news/humanrights/2019/4/24/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%83%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86

................................

الى التالي بخصوص ما ورد في مقالة أ. د كاظم حبيب.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

وداد فرحانإنها الصحافة وليست كما يحلو للخائفين أن ينظروا إليها "صح آفة"!

نحتفل اليوم بذكرى انطلاقتها الخمسين بعد المئة، وهي تجدد شبابها ولا تشيخ، رغم وقوعها تحت الظلم الدائم والتعسف والاتهام الزائف.

الصحافة العراقية وهي تحتفل بعيدها تستذكر تلك المسيرة الحافلة بالعطاء، والمزينة بالانتقالات النوعية للنهوض بشأنها، مستفيدة من التطور والتجدد في عالم التكنولوجيا ونقل المعلومات، لتشق طريقها في سفر التاريخ العالمي.

ورغم ما تتعرض له عبر سنواتها الطويلة، فإنها تمر في فصول ربيعية وأخرى جافة ساخنة، تعرض العاملين بها الى شتى أنواع الاضطهاد، وصولا الى الاغتيالات في وضح النهار.

لقد أصبحت كلمة صاحبة الجلالة ناقوس خطر يدق في عالم الخائفين منها، حتى اعتبروها آفة تكشف المستور من الحقائق وتنقل الوقائع بوضح النهار، غير مبالية بالخطر الذي يقف على عتبة مملكتها.

وفي عيد الصحافة العراقية، يحدونا الأمل في تحسين ظروف الحقل الإعلامي، والانتباه الى الصحافة المغتربة التي حملت على أكتافها صليب التضحية بكل أنواعها، لترسم على حدود العالم صورة وطن علم العالم الحرف والكتابة، والانتباه الى الظروف المعيشية للصحافيين، فهم شموع النورالمحترقين لإضاءة صورة الوطن في كل مكان، وهم رواسي مفاهيم السلام الذي ينشده العالم.

تحية لقرابين صاحبة الجلالة العراقية الذين ضحوا من أجلها، وتحية للصامدين برفع اسمها، وباقات الورود الى الصحافة العراقية المغتربة، وهي تحمل أعباء التحدي دون أن تلتفت عين رعاية لها.

وكل عيد صحافة عراقية والصحافيون بألف خير وسلام.

 

وداد فرحان - سيدني

 

عبد الرضا حمد جاسمكتب لي صديق: [لماذا كان ردك على مقالتي أ. د قاسم حسين صالح طويلاً "أكثر من عشر مقالات طويلة"؟ كان يمكن لك ان تتوجه للأستاذ بسؤال واحد فقط وهو: لو تقدم لك طالب او باحث بدراسة او مقالة عمودها الفقري من تلك المصادر التي اعتمدتها في مقالاتك ...هل تقبل له ذلك او تقبل ان تعتبرها دراسة؟ أكيد سيكون جوابه كلا] انتهى

كان جوابي هو: [لقد ورد في الردود/المناقشة مثل هذا السؤال او قريب منه.. لكن ارجو ان تستخدم أحد المصادر التي اعتمدها أ. د قاسم حسين صالح وأقصد "غوغل" وتطلب منه معلومات عن "الانتحار في العراق" وان تَطَّلِعْ عليها، وانا اعرف أنك قارئ جيد، سيكون امامك يومين لترد على طلبي هذا وتخبرني ماذا وجدت وما هو رأيك فيه؟

في الموعد كتب لي: [اطلعتُ على مقالات كثيرة واخبار "جرايد" وتقارير مراسلي فضائيات عربية وعراقية وما أثار انتباهي ان كل من كتب اعتمد على تلك الاخبار والمصادر. ان المقالات أصبحت مصادر لمقالات أخرى واستغربت حين وجدتُ ان بين من كتب مقالات واعتمد فيها على مقالات كانت مصادرها تلك الصحف والفضائيات أساتذة قرأتُ وقرأتَ لهم كثيراً ومنهم أ. د كاظم حبيب] انتهى.

ردي هو: [لهذا توسعتُ في الردود، وكنتُ قد اطلعت على ما كتبه أ. د كاظم حبيب وآخرين (سيأتي ذكر ذلك)... وبدا لي ان الحالة أصبحت نهج شجع عليه بعض الأساتذة الكرام أكيد دون قصد والخوف ان يسود هذا النهج وينتقل من المقالات الى الدراسات وهو انتقل ثم ينتقل الى أطاريح/ اطروحات الدراسات العليا "الماجستير والدكتوراه"... وربما لا يقتصر ذلك على مواضيع علم النفس والمجتمع بل يتعداها الى العلوم الاخرى وهنا الطامة الكبرى والخسارة التي لا يمكن تعويضها والتي ستقضي على العلم والبحث العلمي والعلماء في العراق ونحن وجدنا ونجد ان الكثير من أطاريح/اطروحات الدراسات العليا ترد فيها كمصادر هذ الكتاب وذاك] انتهى.

وأشار في رسالته الأخيرة الى التالي: [هل تعلم ان جريدة.. التي كنتً تبحث عنها عندما كانت ممنوعة لم تنشر ردودك تلك] انتهى

جوابي: [اعرف ذلك وانت تعرف إني اُتباع ما تنشره تلك الصحيفة/الموقع يومياً كما تعرف حتى عندما كانت ممنوعة أي قبل الانترنيت. سأستفسر عن ذلك من صديقي/المشرف عليها عندما التقيه في زياتي القادمة للعراق، ربما يكون السبب هو تصريح لقريب منها عن الموضوع، وهي التي نشرت لي كل ما كتبته عن طيب الذكر الراحل الدكتور علي الوردي] انتهى

أقول: قبل ان انشر اول مقالة عن موضوع الانتحار كَرَدْ على مقالة أ. د قاسم حسين صالح: "انتحار الشباب"/المثقف 26/04/2019 وانا ابحث عن أصل المعلومات التي وردت فيها. اطلعتُ على مقالته التي قبلها: [ما هكذا نقد للعالم انتحار شباب العراق/ المثقف /08/01/2018] حيث بَدَتْ لي انها نسخة من المقالة الأولى واطلعتُ على ما أطلقَ عليها "دراسة علمية" [في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق! (دراسة علمية) /المثقف بتاريخ 08/08/2017]. التي بدت لي هي العمود الفقري للمقالتين التاليتين لها في النشر واستغربت انه اعتمد نفس الأرقام والاخبار والتصريحات من نفس المصادر مع تكرار لمقاطع كاملة مع اخطائها الطباعية رغم الفارق الزمني بينها وبين اخر مقالة "انتحار الشباب" بمدة (سنة واحدة وثمانية أشهر وحوالي 15 يوم) وهي فترة طويلة صدرت فيها تصريحات وأرقام ووجهات نظر كثيرة ربما. والغريب ان هذه الدراسة قد اعتمدها أ. د كاظم حبيبي كمصدر في احدى مقالاته.

لقد اطلعت على كل ما نُشر عن الانتحار في العراق تقريباً من مقالات ووجدت ان جميعها تشترك في تلك المصادر التي ناقشتها في ردودي على مقالات أ. د قاسم حسين صالح.

أعود للسؤال الذي طرحه الصديق العزيز: لماذا تَطَّلبَتْ مناقشة مقالتين للأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح حول الانتحار في العراق أكثر من عشرة مقالات طويلة؟ واُضيف عليه: لماذا التكرار في الردود والمقالتين يمكن ان أقول عليهما انهما مقالة واحدة بعنوانين وبتاريخين يفصل بينهما خمسة أشهر بالتمام والكمال؟ ولماذا سأتطرق الى نسختهما الاصلية أي مقالة أ. د قاسم حسين صالح: [في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق! (دراسة علمية)/المثقف بتاريخ 08/08/2017]

الجواب: أنا لم اُناقش مقالتين لأن الرد عليهما كان يكفي كما تفضل الصديق في سؤاله...وأقول: يمكن ان لا يتعدى الرد عليهما أكثر من سطر او سطرين او سؤال أو سؤالين من قبيل: هل المعلومات حقيقية او من مصادر رسمية او من تقارير تتمتع بمصداقية او من دراسات جامعية؟ او سؤال اخر: هل يقبل أ. د قاسم حسين صالح أطروحة طالب دراسات عليا مصادرها تلك التي اعتمد عليها أ. د قاسم حسين صالح في مقالتيه ومقالته الثالثة التي قال عنها "دراسة علمية "؟ أنا لم اُناقش مقالات انما ناقشت نهج كما بدا لي من اطلاعي على ما كُتِبَ عن الانتحار في العراق، نهج يبدو ان البعض سار عليه، وفوجئت انه استشرى وأتوقع أنه سيعم قريباً. عليه كانت وقفتي هذه ضرورية وسأكملها في مناقشة اساس المقالتين أي "دراسة علمية" في الزمن الديمقراطي تضاعف حالات الانتحار في العراق.

قيل ويُقال وسَيُقال: ان ثروات العراق أربع هي:

ما في باطن أرضها من مخزونات وما يجري على سطحها من مياه وما انتجت من حضارات وما تعيش على سطحها من عقول...

وقيل ويُقال وسيُقال اننا بَذَّرْنا بخيرات باطنها ولم نحسن التصرف بما يجري على سطحها وشاهدنا او تفرجنا على نهب وتدمير اثارها ومشاهد تاريخها/تاريخ الانسانية وقيل ويُقال اننا فَّرَطنا بالعقول وأتمنى ان نقف عند "يُقال" في هذا الجانب ولا نصل الى "سَيُقال".

عليه استوجب عليَّ وأكيد معي الكثيرين ان أقول ونقول وأتمنى ان تقول عزيزي المهتم، كفى!! كفى تسطيحاً لتلك العقول، لنحافظ على الأصول التي قالت إن مستقبل العراق كياناً واجيالاً معقود برقاب أصحاب تلك العقول وبالذات في زمن الافول، زمن الظلمة والظلم الا معقول الذي "حدد ويُحدد" [من الحديد] كل من يريد ان يعمل خيراً أو عِلْماً يقول.

يجب ان نكون دقيقين حتى لا "يتمزهد" علينا أو يستخف بنا المتحجرة عقولهم من القابعين في جحور "توربورا القديمة والجديدة" الذي نَّشَطهم الخراب والتخريب في زمن "الدكتاتورية" وفي زمن "الديمقراطية"، الذين تصيدوا ويتصيدون عدم دقة بعض النُخَبْ حيث اسسوا عليها ويؤسسون ما اقتنع به العامة مُكرهين في الغالب وسيقنعون به المسترخين المهملين المغيبين، بأن هذا حال "النُخب" فماذا تترجون أو ترتجون منهم؟ ليؤسسوا العقول وفق ما يريدون وقد قطعوا شوطاً لا بأس به. عليه يجب تدارك الامر سريعاً وهذا طريق سلمي هادئ للحفاظ على الثروة الرابعة لم يخسر فيه الانسان الا جهد بسيط للانتباه يُعيد به ثقته بنفسه وتمّيزه الذي يُريحه ويخدم العلم والبحث العلمي والعلماء والقارئ. عليه، علينا أن نكون صادقين دقيقين لا ننظر الى موقع القدم فقط وننشغل به انما ننظر ايضاً في المدى الواسع امامنا دون ان نترك ما يحصل على جوانبنا او خلفنا مقتدين بسائق المركبة (السيارة) عندما يجلس خلف المقود بحريه وارتياح حيث تتضح امامه مساحة الرؤيا في الزجاجة الامامية واسعة وهو يعرف لماذا؟ ولماذا من وضعها وضع زجاجات جانبية صغيرة جداً في مساحتها بالقياس للأمامية ووضع أخرى أصغر الكل، ليرى/ليتطلع السائق بها الى ما جري ويجري في الماضي الأبعد والأقرب للطريق الذي قطعه وما يجري على جانبيه؟ فالقيادة بأمان هي في ان ننظر بعيداً وان لا نترك الجوانب والخلف، الجوانب هنا هي ما نعيشه اليوم من مزاحمة ومضايقة وعراقيل والخلف هو الماضي القريب والبعيد وأن نأخذ منهما بقدر الصورة الظاهرة في الزجاجات الصغيرة وان نركز في الأفق الواسع امامنا الذي هو المستقبل القريب والبعيد على مد البصر والبصيرة. هذا يتطلب الاهتمام بالعقل الذي يدير كل ذلك...فكيف نحافظ على العقول التي تعيش على سطح أرض العراق؟

 واحدة من الإجابات الكثيرة على هذا السؤال هي:

ان نَتَعَلَمْ ونُعَّلم الطريقة المفيدة الصحيحة الدقيقة للقراءة والكتابة هذه التي ربما تركتها أجيال حيث تربت/تدربت على قراءة "الموجزات المختصرات والمقدمات" فقط وتعلمت ان تأخذ ما قاله "فلان ورد عليه علان" وتعودت على حفظ اقوال "تُبسمل بها وتُصَّدق" في المكان او الزمان المناسبين او خارجهما. علينا ان نتعلم كيف نقرأ لا أن يُقرأ لنا أو يُتلى علينا ونحن فاغرين مصفقين ونحن نعيش تأثير ذلك في كل مناحي حياتنا اليومية، ان نتعلم كيف نُدَّقِقْ و"نُدَقْدِقْ" ونتحرى وبالذات في الأمور المهمة، لا نُقَّلِبْ ونتصفح فقط وأن نتعلم كيف نعتن بالحروف والكلمات والجمل وننتبه للأرقام والمعادلات لأن الأرقام بالذات تستطيع ان تتكلم وربما تصرخ تُعين وتفضح. وعلينا ان نُحْسِنْ ونُحَّسِنْ البحث العلمي ونحترم العلم والعلماء ونُقَّدِرْ المطروح من أقوال وأفكار وفق خطأ وصواب وفق أكيد واعتقد وربما، وفق نعم ولا، وفق متى واين وكيف ،وفق الاختلاف لا يُفْسِدْ ويُبْعِدْ ويُفَرِقْ بل يُصْلِحْ ويُقَيِّم ويُقَوِمْ ويُقَرِبْ ويُوَفِقْ، وفق أعْتَذِرْ إن أخطأت أو أهملت أو سهوت وأفرح حين تكون صحيح ودقيق ومُجِد وأن تتقبل اعتذاري كما أتقبل اعتذارك سواء كان  الاعتذار "بيني" أي بصوت خافت او عام بصوت مرتفع فالاعتذار أحسن الحسنات واطيب الطيبات وأشجع مواقف الشجعان وخصلة من خصال علم العلماء الاجلاء والعارفين الواثقين المؤمنين بالعلم والساعين اليه والناشرين له والحريصين عليه.

هذا ما دفعني للتركيز و""التطويل" الممل"" في مناقشة مقالتي أ. د قاسم حسين صالح وبيان عدم دقة الاعتماد على مثل هذه المصادر ووجوب إبداء الرأي في هذا التوجه الذي استسهله بعض الجيل الحالي وإن لم يُرَدْ عليه بما يناسبه ويوضِحَهُ سيعتمده الجيل القادم ليكون أساس للمُقْبلِات لتحل الكارثة الكبرى ونحن نعيش بعض اساسها /اساسنا أي حملة/هجمة "تسييس" التعليم منذ عقود وما انتجته مما نعيش بعضه الان.

ان من يجامل ويخجل أو يتردد في الرد على مثل هذه الأمور كما أتصور، يتحمل إثماً علمياً ومجتمعياً هائلاً ستختار الأجيال بعض الاوصاف له .وأنا وعهداً مني لنفسي اولاً ولواجباتي ثانياً سأُشير الى كل ما يصادفني بهذا الاتجاه او يقع امامي او اتعنى اليه باحثاً مهما كان موقع من أنتجه مع كل احترامي وتقديري له ولهم واعتزازي به وبهم وموقعه ومقعهم وما انتج وانتجوا وقدم وقدموا، طامحاً مع الاحياء من الأساتذة لهم العمر المديد، ان يتقبلوا ذلك هم أنفسهم امام نفسهم اولاً وإن أرادوا مزيد الفائدة لهم اولاً وللثقافة ثانياً ولنا ثالثاً ان يتواصلوا ويُعلنوا ويستحسنوا الحَسِنْ ويردوا على القبيح/الخطأ إن وجد فيما نُشِرَ ويُنْشَرْ وسَيُنْشَرْ. من خلال معالجة الهفوات التي وقعتْ او تقع هنا وهناك وهي المتوقع حدوثها/وقوعها في هذه الحياة المرتبكة وليس في وقوعها من إثم او انتقاص او عار وبالذات إن اُشيرَ لها واستُقبلتْ تلك الإشارة برحابة صدر الباحث العالم او القارئ الجاد المهتم الراغب بالتعليم والتَعَّلُمْ.

عند أول اطلاعي على مقالة أ. د قاسم حسين صالح:(انتحار الشباب) المنشورة في المثقف الغراء بتاريخ 26/04/2019 أثار انتباهي فيها التالي:

1- اهداء المقالة: "مهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد"...وانا اعرف ان هذا الموضوع مطروق في بعض البلدان ويمكن في الكثير من البلدان وهناك جسور في عواصم مهمة مثل لندن وغيرها تم وضع اسيجة عليها وكذلك أماكن سياحية مهمة مثل "برج ايفل" ومسارات خطوط السكة الحديد في الكثير من الدول المتقدمة. فهو ليس بجديد وكان المفروض ان تُقدم اقتراحات أو آراء بخصوص الموضوع للاستفادة من الاسيجة في محاولة عرقلة عمليات الانتحار أو تأثيرها على من يصادف وقوعها امامه، وكذلك مقترحات في إضفاء لمسه جمالية على تلك الجسور او هكذا، لا ان يكون فرصة للتندر عليه والاستخفاف به. اليكم رأي أحدهم: [عضو الحزب ال.. غرد في حسابه على تويتر ساخرا من القرار بالقول "بعد تفكير طويل اقترح المسؤولون وضع سياج عالٍ على جسور بغداد للحد من حالات الانتحار، غاب عن بالهم الأسباب الحقيقة التي تدفع شباب العراق لذلك الفعل، وفي مقدمتها الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة والبطالة التي أنتجت اليأس والإحباط وفقدان الأمل] انتهى.

 الحقيقة استغربت صدور هكذا طرح منه، والذي يعني ان على امانة بغداد ان تترك الأمور الى ان يتم القضاء على الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة والبطالة ومعالجة ما انتجته من اليأس والإحباط وفقدان الامل. أجد ان هذا طرح متسرع من شخص اعرف انه حريص ومتابع ومحب.

معروف ان أسباب الانتحار كثيرة وعميقة وقد تطرقتُ الى ما اعرف عنها وهو قليل وعام، وكل من يدعي انه يستطيع تحديد تلك الاسباب او تأثيراتها او الحد من حالات الانتحار ولا أقول ايقافها او القضاء عليها سيعرقل النقاش حولها حيث سيكون موقعه موقع "فتاح فال " "يضرب بالتخت رمل" أو حاله حال الوعاظ وبذلك سيكون ليس بدارس او عالم مهما حمل وكان ووصل. يمكن ان يُقضى على السرطان والايدز لكن أعتقد انه لا يمكن القضاء على "الانتحار" ولا يمكن التقليل من حصوله/ وقوعه والدليل ارتفاع عدد حالات الانتحار وتنوع اسبابها في كل المجتمعات حيث لا تختلف في ذلك رغم اختلاف النظم الاجتماعية/السياسية او المواقع الجغرافية او الديانة ويكفي ان اذكر سبب ذكرته مع أسباب أخرى سابقاً وهو الزيادة الهائلة الحاصلة في عدد السكان على كوكب الارض.

إن ما يجري في كل العالم بخصوص الانتحار كما اتصور هو محاولات للوصول الى معرفة الأسباب المتجددة/الجديدة التي تدفع او تساهم في تنفيذ عملية الانتحار وليس البحث في الأسباب المعروفة، والسبب كما اعتقد هو: ان قرار الانتحار او الانتحار لا يأتي الانسان من خارجه انما يخرج من داخله العميق جداً الذي عجز العلم عن الوصول اليه. وقال أحد حكماء هذا الزمان عن الانتحار:

(هو مرض يصيب الجهاز النفسي، ويدفع إلى القضاء على البدن الذي هو فيه....).

 فمن يضع الأسباب على البطالة والفقر او الكأبة وغيرها من الشماعات التي يُعلق عليها هو من لا يريد ان يفكر في المشكلة وهو مَنْ تعود على "القطع واللصق" فيما كتب من مقالات وقدم من اقتراحات .اعتقد لا يُؤخذ بما يقول او يتم تجاهل ما كتب واقترح أو يُتَنَّدَرْ على ما طَرَحَ ويطرح إن أصَّرَ لسبب بسيط هو: [لماذا لم ينتحر كل العاطلين عن العمل او كل الفقراء او كل من يُعاني من الكأبة أو حتى نسبة عالية منهم او حتى 1% منهم او حتى 0.1%؟]...الجواب هو: لأن هذه الأمور ما كانت ولا ولن تكون هي السبب في الانتحار فالكثير من حالات الانتحار تجري ولا أقول تحصل في بلدان ليس فيها فقر وليس فيها بطالة تنتج الفقر وليس فيها فساد وليس فيها كبت او حرمان او مضايقات.

2- لفتت انتباهي ايضاً ما أطْلَقَ عليها أ. د قاسم حسين صالح "شواهد" تلك التي تشير الى ارتفاع او تَضاعف حالات الانتحار في العراق وعند البحث عنها في أرشيف الانترنيت وجدتُ ما هو غريب فعلاً حيث استخدمها/اعتمدها أ. د قاسم حسين صالح بالنص في مقالات متعددة بفوارق زمنية بعيدة ومعها مقاطع كاملة منقولة نصاً من مقالات سابقة أي موجودة حرفياً بالكلمات والصياغات والأرقام والأخطاء الطباعية كما اشرت الى ذلك اعلاه واعطى لتلك الشواهد أسماء واوصاف أخرى بدون حق او سند مثل: "نماذج" و" حقائق" وقال عنها انها "دراسات" ومن " مصادر رسمية" و"تقارير تتمتع بمصداقية" و" أدلة بالكلام والأرقام من مصادر مختلفة" و" تقارير رسمية وصحافة عالمية تتمتع بالمصداقية". وهي خلاف كل تلك الاوصاف والمعاني فلا دقة فيها ولا هي حقيقة ولا هي من مصادر موثوقة ولا هي من تقارير صحافة عالمية تتمتع بمصداقية.

عليه كان التركيز عليها والبحث عن مصادرها، وقد صُدمِتُ حين وجدت أن تلك الأرقام والصياغات غير الدقيقة أصبحت مصادر تعج بها كل المقالات التي نُشرت عن حالات الانتحار في العراق وبكل مستويات كاتبيها وناشريها، سواء في العراق او خارج العراق مع الأسف الشديد، ثم أصْبَحَتْ تلك المقالات التي بُنيت على تلك "الاخبار" "المُستلة" من قصاصات الصحف والمقالات مصادر يعتمدها أساتذة متخصصين... فعندما نقل أ. د قاسم حسين صالح من صحف مثل "الحياة والمدى والقدس العربي والشرقية وسومرية نيوز وغيرها" ...أصبح الكُتاب ينقلون من مقالات أ. د قاسم حسين صالح وغيره من الكتاب فوجدتُ من الأساتذة من يكتب كمصدر للمعلومة: (انظر مقالة فلان في الموقع الفلاني) ...و ستصبح مع الأيام مصدر يعتمد عليه البعض مثل: "انظر أ . د قاسم حسين صالح ...انتحار الشباب/المدى "أو غيرها والخوف انها ستصل الى طلبة الدراسات العليا  علماء وأساتذة المستقبل في العراق حيث سيكون اسهل مصادرهم في "بحوثهم ودراساتهم" هو "حجي الجرايد" مثل تلك التي اعتمد عليها أ. د قاسم حسين صالح وهنا تحل الكارثة حيث ستشكل خطر شديد على الباحث والبحث العلمي والمجتمع العراقي وهذا لا يقل خطراً عن الطائفية والتحزب الاعمى والركض خلف هذا المرجع وذاك سواء كان دينياً او سياسياً او بحثياً مع الاحترام لهم جميعهم ، فتُتْرَكْ المصادر الصحيحة أو يُترك "النبش بجد وحرص وتعب وعرق وقلق" للحصول على المعلومة الصحيحة ويُتَّمَسَكَ بقال فلان ورد علان وفق "ذبها براس عالم واطلع منها سالم".  لنُنقذ الثروة الرابعة العراقية، العقول بعد ان فقدنا/بَذَّرنا موارد النفط والنهرين وأهملنا النهر الثالث التاريخ والآثار فمن هنا اسمحوا لي بالتوسع في الردود. حيث أجد من الضروري مناقشة مقالة أ. د قاسم حسين صالح وَ: [في الزمن الديمقراطي.. تضاعف حالات الانتحار في العراق! (دراسة علمية)]/المثقف بتاريخ 08/08/2017  والتي نشرها في كل المواقع والصحف التي ينشر فيها واعتمدها البعض كمصدر موثوق به. وقد تبين لي انها أساس مقالتيه التي ناقشتهما: "انتحار الشباب" و"ما هكذا نقدم كارثة انتحار شباب العراق"...رابط المقالة

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/b1d/919456

  ولكن قبل ذلك لابد ان ابين ما اشرت اليه أعلاه بخصوص اعتماد المقالات مصادر وذكرت في ذلك اسم الأستاذ الفاضل الدكتور كاظم حبيب حيث من الواجب عليَّ أن اُثبت ذلك عليه فاسمحوا لي ان اُقدم لكم نموذجين هما مقالتين: الأولى للأستاذ الدكتور الفاضل أحمد عبد الجبار شكارة والثانية للأستاذ الدكتور الفاضل كاظم حبيب لنقف على خطورة ما أُسِسْ ويؤسَسْ بدون قصد طبعاً.

............

التالي سيكون عما ورد في مقالتي الفاضلين الدكتور احمد عبد الجبار شكارة والدكتور كاظم حبيب

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

 

امجد الدهاماتكالعادة ينقسم العراقيون، كما في أي موضوع آخر، حول الفدرالية ما بين مؤيد أو معارض لها، وقد نسوا ان اغلبيتهم قد وافقوا على دستور (2005) الذي نصَّ على الفدرالية وحرية تكوين الأقاليم في العراق، وكانت الحجة الرئيسية لدى الرافضين للفدرالية انها يمكن أن تؤدي الى تقسيم البلد!

حسناً، لنطلع على تجارب العالم ولنرى هل الفدرالية قسمت البلدان أم وحدتها؟

بنظرة سريعة على خريطة العالم سنرى ان تطبيق الفدرالية والحكم الذاتي الموسع كان السبب الرئيسي لعدم تقسيم الدول التي تتكون من قوميات، أعراق، لغات، أديان ومذاهب متعددة، وان عدم تطبيق الفدرالية أو إلغاء تطبيقها كان السبب المباشر لتفكك تلك الدول أو محاولة أجزاء منها الانفصال عنها.

هل تريدون، أيها السيدات والسادة المعترضون، دليلاً على هذا الكلام؟

اذن هاكم هذه الأدلة:

كانت بلجيكا تعاني من مشاكل كثيرة بين مكوناتها العرقية واللغوية الثلاثة (الفلامينك، الوالون، الجرمان)، فكان الحل الفدرالي هو أفضل الممكن للحفاظ على وحدة البلد وعدم تقسيمه فتحولت عام (1993) من دولة مركزية إلى دولة فدرالية وتم انشاء ثلاثة أقاليم (Flemish، Wallonia، Brussels).

وكذلك حفظت الفدرالية وحدة بلدان كثيرة، مثل: الولايات المتحدة، المانيا، سويسرا، الهند، ماليزيا، جنوب افريقيا، البرازيل، الارجنتين، وغيرها. 

بينما كان السبب المباشر لبداية نضال ارتيريا للانفصال عن اثيوبيا هو إلغاء النظام الفدرالي الذي كانت تتمتع به من قبل الامبراطور (Haile Selassie) عام (1961) الامر الذي أدى الى استقلالها (1993).

وكذلك سبب بداية الحرب الأهلية السودانية هو إلغاء فدرالية الجنوب من قبل الرئيس (جعفر النميري) عام (1983) وكانت النتيجة استقلال دولة جنوب السودان (2011).

وتكرر نفس الامر عندما ألغى الرئيس الصربي (Slobodan Milosevic) الحكم الذاتي لإقليم كوسوفو (Kosovo) عام (1989) فكانت النتيجة الحتمية انفصال الإقليم (2008).

اما محاولة إقليم بيافرا (Biafra) الانفصال عن نيجيريا واندلاع الحرب الاهلية (1967) فكانت بسبب عدم منحه صلاحيات كافية لإدارة شؤونه الداخلية، وهو سبب تمرد ومحاولة انفصال إقليم الباسك (Basque) عام (1968) عن اسبانيا، ومحاولة انفصال مقاطعة ايرلندا الشمالية (Northern Ireland) عن بريطانيا والتي انتهت باتفاق الجمعة العظيمة (1998) الذي مُنحت بموجبه حكماً ذاتياً موسعاً، وكذلك سبب محاولة جزيرة أنجوان (Anjouan) وجزيرة موهيلي (Moheli) الانفصال عن دولة جزر القُمر ولم تنتهي هذه المحاولات إلا عام (2001) بعد تعديل الدستور وإنشاء نظام فدرالي وتداول رئاسة الدولة بين الجزر.

بينما لم يحصل مثل هذا التمرد في زنجبار (Zanzibar) لأنها عندما اتحدت مع تنجانيقا لتشكيل دولة تنزانيا (1964) تم منحها حكماً ذاتياً بصلاحيات محلية كبيرة.

وأيضاً ساهم منح هونغ كونغ (Hong Kong) عام (1997) وماكاو (Macao) عام (1999) استقلالية كبيرة في إدارة شؤونهما الخاصة في تسهيل رجوعهما إلى الصين وتخلصهما من الاستعمارين البريطاني والبرتغالي.  

إذن، على عكس رأي المعترضين، ان السبب الرئيسي لتفكك وانقسام الدول المتعددة المكونات هو الحكم المركزي الدكتاتوري وعدم تطبيق الفدرالية بالإضافة الى تصاعد الروح القومية بتأثير من السياسيين القوميين المتعصبين، كما حصل في الاتحاد السوفيتي (السابق) الذي تفكك إلى (16) دولة عام (1991)، ويوغسلافيا (السابقة) التي انقسمت الى (7) دول (1991)، إذ رغم انهما دولتان فدراليتان بالأسم، إلا ان نظام الحكم فيهما شديد المركزية وكل الصلاحيات بيد الحكومة الاتحادية الدكتاتورية ولا توجد صلاحيات مهمة لدى الحكومات المحلية للجمهوريات المكونة للبلدين، فكانت النتيجة الحتمية هي الانقسام، وهو السبب الرئيسي لانفصال سوريا عن مصر (1961)، وانفصال بنغلادش عن باكستان (1971)، وانقسام تشيكوسلوفاكيا الى دولتين (تشيك وسلوفاكيا) عام (1993).

ولو تم تطبيق الفدرالية عند اتحاد دولتي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي (1990) لما حدثت الحرب الأهلية الانفصالية بينهما عام (1994)، ولكن عندما حصل الحوار الوطني اليمني عام (2014) كانت الفدرالية أحد مخرجاته حيث تم الاتفاق على إنشاء (6) أقاليم اتحادية.

وكذلك عدم تطبيق الفدرالية في قبرص وقيام الرئيس (Makarios) عام (1963) بتعديل الدستور لتقليص الحقوق السياسية للقبارصة الأتراك أدى الى انفصالهم واعلان (جمهورية شمال قبرص التركية).

وأيضاً لو تم تطبيق الفدرالية في تيمور الشرقية (East Timor) لما انفصلت عن اندونيسيا (1999)، ولكن بعد الانفصال تعلمت الحكومة الاندونيسية الدرس فمنحت الحكم الذاتي الموسع لإقليم بابوا (Papua) عام (2001) وإقليم آتشيه (Aceh) عام (2005) بعد تمرد طويل ومطالب بالانفصال، وكذلك الحال في إقليم بانجسامورو (Bangsamoro) الذي منحته الحكومة الفلبينية الحكم الذاتي (2014) بعد تمرد عسكري للحصول على الاستقلال بسبب قيام الرئيس (Ferdinand Marcos) بإلغاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به شعب مورو (Moro) منذ عام (1976)، وحتى الحل المقترح لمشكلة الصحراء الغربية القائمة منذ عام (1975) هو منحها الحكم الذاتي ضمن المغرب الذي طرحه الملك محمد السادس عام (2007).

ثم يذكر المعترضون، لتأييد رأيهم، استفتاءات الانفصال التي جرت في إقليم كيبك (Quebec) الكندي عامي (1980، 1995)، ومقاطعة اسكتلندا (Scotland) البريطانية (2014)، وإقليم كتالونيا (Catalonia) الاسباني عام (2017).

ولكن هذه الحجة غير ناهضة أيضاً، وبدون الدخول في التفاصيل خشية الاطالة، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وجرت هذه الاستفتاءات تحت مبدأ حق تقرير المصير (Self-determination) الذي كفلته الأمم المتحدة، وليأس هذه الاقاليم من استجابة حكوماتها الاتحادية لمطالبها المستمرة في منحها المزيد من الصلاحيات لحكم نفسها.

علماً ان أحد أسباب إستفتاء كتالونيا هو إلغاء الحكم الذاتي للإقليم من قبل الدكتاتور (Francisco Franco) ثم ارجاعه مرة أخرى عام (1979) وبعدها ألغاء المحكمة الدستورية جزءاً منه (2010)، ولكن بعد الاستفتاء اقترح رئيس الوزراء (Pedro Sanchez) تقديم المزيد من الصلاحيات للإقليم مقابل التخلي عن فكرة الانفصال.

ونظراً لكون الحكومة المحلية في اسكتلندا لا تتمتع بصلاحيات كبيرة لحكم المقاطعة وعدم موافقة الحكومة الاتحادية على تفويضها المزيد من الصلاحيات، فقد قررت إستفتاء الشعب للإنفصال عن المملكة المتحدة، علماً ان رئيس وزراء بريطانيا (David Cameron) قد وافق على اجراء هذا الاستفتاء، بمعنى انه قانوني.

وحالة إقليم كيبك مشابهه للحالتين السابقتين تقريباً، بالإضافة الى النزعة القومية والأسباب الاقتصادية.

إذن، الاحداث في مختلف دول العالم لا تؤيد الرأي القائل ان الفدرالية تؤدي الى التقسيم، بل بالعكس ان الفدرالية هي الحل الأفضل للدول المتعددة المكونات.

وبالتأكيد هي أفضل حل للعراق.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

بكر السباتينفي ميدان تويتر تشتم رائحة الحريق من خلال التغريدات الدبلوماسية المتبادلة بين أطراف النزاع في الخليج العربي، والتي أصبحت تقليداً عالمياً لقياس ردود الأفعال على القرارات المزمع اتخاذها في كل الدول.. وفد عودنا ترامب على هذا النهج حتى بات المترجم الحقيقي لمفهوم التغريد خارج السرب كونه لا ينسق في ذلك مع الكونغرس الأمريكي.

أما خليجياً وفي ظل التداعيات الأخيرة المتسارعة في الخليج العربي وتحديداً حرب ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي وبحر عمان، حيث تأخذ المنطقة الخليجية إلى هاوية حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، ميدانية كانت أو على شكل ضغوطات تمارسها إمريكا على إيران، ترجمة لصراع إقليمي بين إيران وخصومها وفق ما رمزتهم بالحرف "ب" (بولتين، بن سلمان، بن زايد، نتنياهو). من هنا فإن أي تغريدة تطلق من طرفي النزاع سيكون لها وزن الجمل فلا تقاس بوزن الذبابة ما دمنا نصول ونجول في سياق الحرب التي يشهدها ميدان تويتر من خلال تغريدات المسؤولين والذباب الإلكتروني. من ذلك على سبيل المثال ما غرد به وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حيث قال:

“توجيه الولايات المتحدة الاتهامات ومن دون تأنٍ ضد ايران، ومن دون ان تقدم واشنطن اي برهان على ذلك وادلة واقعية، وهذا يكشف بكل وضوح بأن فريق “ب” (بولتون، ابن زايد، ابن سلمان، وبنيامين نتنياهو) ماض في مخطط “ب” في الديبلوماسية الهدامة والتي ترمي الى تخريب مساعي خطوات رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ وذلك بغية التغطية على الارهاب الاقتصادي المعادي لايران”. مكملاً:“إن حكام الامارات يسعون لأن تكون دولتهم إسرائيل ثانية في المنطقة”. وهي تلميحات ليست جديدة ألبست للإمارات من قبل الإعلام العالمي إزاء دورها المشبوه في اليمن وقطر وليبيا وغزة ومصر والسودان ومحاولاتها اليائسة في الأردن حتى جزر الواق واق الأسطورية.

وفي إطار عاصفة إعلامية شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي، ليخرج الرد الإماراتي المنتظر "الكاسح"!! في تغريدة مختصرة لأنور قراقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، والذي عودنا على لغة الردح الإعلامي في كافة القضايا، وخاصة أنه من المتهمين بإدارته للجيش الإلكتروني الإماراتي، الذي وظف جيداً في التمهيد عربياً لصفقة القرن وإظهار "إسرائيل" كحليف ضد محور المقاومة الذي تمده إيران بالمال والسلاح لمواجهة العدو الإسرائيلي الحقيقي، حيث يقال أيضاً في سياق ذلك بأن قراقاش هو المسؤول عن الصندوق المالي الأسود الذي تحفظ فيه أموال الرشاوي الإماراتية، حيث توزع على نطاق واسع لشراء الذمم في كل دول العالم؛ بغية إشعال الفتن الطائفية والتأثير على مؤشرات الرأي العام العالمي لصالح أجندة "ب" التي ذكرت في السياق أعلاه.. فاختصر قرقاش الرد قائلاً في تغريدة على تويتر قبل أسبوع:

"إن مصداقية وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تتضاءل”.. وهو رد فيه استخفاف واضح للطرف الإيراني الذي لم يسكت عليها حيث جاء الرد الإيراني على هذه التغريدة بإسم الخارجية الإيرانية سيد عباس موسوي في تغريدة أوضح من خلالها كل مساعي الإمارات التخريبية في الشرق والغرب من خلال دفع الرشاوي وتوزيعها كهبات على ضعاف النفوس، فقال:

“من ليس لديهم منذ البداية لا مصداقية ولا شرعية ولا استقلال، وهمهم الأول شراء الامن الورقي من الغرب، ونظرة الغرب لهم على أنهم بقرة حلوب، من الافضل الصمت وعدم التحدث عن المصداقية الكبيرة لمسؤولي الجمهورية الاسلامية الايرانية الذين يمكنهم سكب المياه في وكر النمل بتغريدة”. ملمحاً في ذلك إلى فشل الدورالأمريكي والمدفوع الأجر من الأموال الخليجية بالمليارات، في حفظ أمن الخليج بالإضافة لنتنياهو الذي كان يتباهى في كل مناسبة بأنه ضامن أمن السنة والخليخ في إطار سكب الزيت على النار لحرق ثروات العرب في الخليج مجاناً لصالح تثبيت هويته ووجوده.

في المحصلة فقد تحول تويتر إلى ساحة حرب إعلامية يتراشق عبرها المتخاصمون التغريدات "بعيدة المدى" كأنها صواريخ تصيب العمق المعنوي للطرفين وتؤثر فيه.. ومواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر غدت الميدان الأساسي لهجمات الذباب الإلكتروني (الجيش الإلكتروني) الذي يملأ طنينه الفضاء الافتراضي بالإشاعات.. وما يدور بين الإمارات وإيران خير مثال على ذلك.

 

بقلم بكر السباتين

 

تداولت وسائل الإعلام خبر تلويح رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالاستقالة في حال عدم الانتهاء من التصويت على ما تبقى من كابينته الوزارية، ودائماً ما يلجأ الأخير إلى التلويح بها عندما يشعر بأنه وسط مأزق، ولا مجال للخروج إلا بهذه الوسيلة، ما عده البعض أسلوب ضعف وليس قوة في مواجهة المشاكل والتحديات التي تواجه العملية السياسية، ومع تسلم رئيس الحكومة مهامه يتبادر إلى الأذهان ما يرد طوال الفترة الماضية من التلويح بالاستقالة وقت شاء، خصوصاً وأن ما يجري على الساحة السياسية والحراك السياسي الذي يمر بحالة تخندق نتيجة التدافع والتسابق والتسقيط المتبادل في ظل الصراعات الداخلية والتجاذبات والتداعيات الإقليمية للمنطقة، والتي تؤثر بشكل مباشر على المشهد العراقي، خصوصاً مع التشظي الواضح في الكتل السياسية والاختلاف في الرؤى، وهو المأزق الذي يحاصر عبد المهدي ويجعله مقيداً في اختيار قراراته .

عبد المهدي قدم وعوداً للكتل السياسية وللجمهور أن تكون كابينته الوزارية بعيدة عن المحاصصة، وتعتمد التكنوقراط في الاختيار الأمر الذي كان حافزاً في استخدام الوسائل الالكترونية في الاختيار، والذي تجاوز فيه عدد المتقدمين أكثر من 30 ألف متقدم، والذي لم يرشح أي من هولاء لأي منصب حكومي، ولكن يبقى هذا الأمر على الورق دون أي خطوات في الاختيار، وتم تشكيل الحكومة على أساس المحاصصة الطائفية والقومية، ولحد الآن لم يصادق على أربع وزارات نتيجة لهذه الخلافات والصراعات، وما شهدناه من صراع على حقيبتي الداخلية والدفاع، إلا دليلاً على ذلك، وهذا يؤكد أن سيناريو الضغط على فرض الإرادات والتهديدات، كما هو الحال في السابق ما يجعل عجلة الفساد تدور بوتيرة أسرع، وتجعل الفاسدين أكثر سطوة ونفوذاً، وهذا ما جعل الأمور تسير نحو التعقيد والإرباك، وهذا ما يؤثر على الواقع السياسي والأمني في البلاد .

تركة ثقيلة جداً على حكومة عبد المهدي ولكن كيف سيتعامل معها؟ اعتقد أن سوف يحاول إصلاح جزء معين من المشاكل التي يعاني منها العراق، بينما سوف يتجاهل المشاكل الأخرى لخشيتهِ ترك السلطة أو التصادم مع الأحزاب، وبالتالي فأن الحلول القادمة ستكون نصفية وليست كلية والمعالجات جزئية . أن عبد المهدي يمتلك الفرصة من خلال خلفيته السياسية المتعددة والتي قد تكون له نوعاً من الانفتاح السياسي؛ ولكن في الحقيقة أن الحاكم الحقيقي في العراق هي الأحزاب السياسية التي خلقت هذه التركات، وهناك سلطة تحكم العراق حالياً وهي من أوصلت البلاد إلى ماهو عليه الآن وهي من كلفت السيد عادل عبد المهدي بمهام رئيس الوزراء، لهذا فان فرصة الاستقالة مغلقة تماماً، ولكن في المقابل فان فرص الإقالة مفتوحة وبأساليب متعددة .

 

محمد حسن الساعدي

 

شاكر فريد حسنفي التاسع من ديسمبر الماضي اندلعت الاحتجاجات السلمية في السودان، وذلك تحت وطأة التردي الاقتصادي، حيث طالب المحتجون بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية، ثم ارتفع سقف المطالب إلى الاطاحة بعمر البشير، ومع تشبث البشير المجرم بالسلطة، وعجز النظام السوداني الحاكم عن الوفاء وتحقيق المطالب الجماهيرية، تم تطوير أسلوب الاحتجاجات، والانتقال من التظاهرات إلى الاعتصام المفتوح أمام مقر قيادة القوات المسلحة، لينتهي الامر بانتصار الارادة الشعبية بسقوط نظام البشير والإطاحة به وفراره في الحادي عشر من نيسان المنصرم .

لكن الذي حدث أن الطغمة العسكرية سرقت السلطة بعد الاطاحة بعمر البشير وزبانيته، ما يعني أن السودان الغارق في صراعات مريرة متواصلة منذ سنوات طويلة، يعيش الآن مرحلة سوداء أخرى في تاريخه، وفي طريقه إلى المجهول من جديد بفعل اللعبة القذرة التي تديرها قيادة العسكر السودانية .

لن يكون السودان بخير، ولن يعيش شعبه حياة هانئة وسعيدة، ما دامت النظم السياسية المستبدة تحكمه، وتسرق خيراته، وتغتال أصوات الحرية والعدالة والديمقراطية فيه .

ولكن مهما طال الليل والسحب الحالكة، ورغم الممارسات الاستبدادية  العسكرية، فإن الشعب السوداني مصمم على مواصلة درب الكفاح والاحتجاج والثورة الشعبية، حتى تتحقق مطالبه وآماله وأحلامه بمعانقة ضوء الشمس والحرية، وسيخرج  في نهاية المطاف منتصرًا عزيزًا شامخًا كالرواسي والجبال، وسيحرر أجهزة الدولة من الذين اغتصبوا السلطة بالقهر والاستبداد، وبالحديد والنار . والنصر دائمًا وأبدًا حليف الشعوب المستضعفة المناضلة والمكافحة، المؤمنة بالغد السعيد والمستقبل الجميل .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

قال تعالى: "مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين " .

ﻻ أجد حرجا بالإنتقاص من أسطوانة المارد والقمقم المشروخة والإستهزاء بها ذاك أنها من وجهة نظري أحط عبارة تناقلها المثقفون والكتاب وبعض الساسة والمصلحين طوال عقود وترديدهم كالببغاوات عبارة "متى ما خرج المارد من القمقم فويل للغرب " إذ ليس بالمارد الخارج من إناء معدني أو خزفي ضيق الرأس تحبس مردة الجن داخله بزعمهم تتقدم وتنتصر اﻷمم، وإنما بتحرير العقل الجمعي من اﻷساطير والخرافات، وﻻ غرو أن يخرج المارد من القمقم ضاحكا " هاهاها " على العقول الساذجة التي تصدقه وتؤمن بقدراته الخارقة لتغيير واقع أسهم أبناؤه على مستوى الشعوب والقادة بإنهياره كليا !

سخف العبارة يكمن في إن فكرة " القمقم والمارد " فكرة شعوبية إقتبسها الإستشراق وهللت لها هوليوود وآخر تهليلة تمخضت عن فيلم " علاء الدين " الذي يتصدر شباك التذاكر حاليا بإيرادات فلكية وصلت حتى كتابة السطور الى 650 مليون دولار، حيث يؤدي الممثل ويل سميث، دور - الجني - في الفيلم، والفكرة كلها قائمة على أساس رجال ﻻ إرادة وﻻعزيمة وﻻذكاء لهم و ليس بوسعهم فعل أي شيء غير الخرافات والاستعانة برجال من الجن، أو برجال من المارينز، السي اي ايه، الموساد، بلاك ووتر، MI6، S V R لتحقيق مآربهم والمحافظة على ملكهم ..فزادوهم رهقا".

وهذا ما يحدث واقعا فترى - الروزخون - حين يريد الثناء على شخصية تأريخية ما فأنه يلف ويدور ويلجأ الى قصص ﻻيصدقها العقل بهدف إبهار الجموع فتخلص من طرحه البائس الى نتيجة مفادها،أن " ليس للرجل الممدوح ميزة تستحق الذكر بهدف الإبهار والدليل لجوء المادح الى اﻷساطير للثناء عليه من دون التطرق الى قصة واقعية واحدة قابلة للتصديق والإعجاب فضلا عن التقليد خلال العرض " وهنا مكمن الخطر الداهم، فهذا المادح اللعين يطعن بالممدوح بزعم مدحه والثناء عليه فيما هو يذمه واقعا وهذه واحدة من أحابيل الشعوبية الحاقدة !

انت وعندما تقول،توماس اديسون، مخترع المصباح الكهربائي الذي ينير حياتنا فهذا يكفي لمدحه ..الكسندر فيلمنك، مكتشف البنسلين الذي يعالج أمراضنا فهذا كفيل بالثناء عليه ..هوارد ايكن، مخترع الحاسوب الذي غير حياتنا يكفي للفخر ..اﻻ أنك عندما تلجأ الى المارد والقمقم والبساط السحري وافتح ياسمسم لمدح أعلامنا اﻷعلام، فهذا خطاب العاجزين للثناء على الغابرين ليس إلا، وبناء عليه فأنا أفهم جليا لماذا لم تكن معجزات النبي اﻷكرم صلى الله عليه وسلم معجزات حسية مع وقوع الحسيات منها وإنما منهجية، فكرية، عقدية،تربوية، أخلاقية ذاك أن المعجزات الحسية تذهب مع من عايشها ورآها عين اليقين فحسب وهي غير قابلة للابهار بمرور الزمن بخلاف المنهجية المتجددة والمبهرة في كل زمان ومكان تتلمس ذلك مع كل إحصائية جديدة صادرة عن منظمة الصحة العالمية عن ما تسببه الخمور والمسكرات والمخدرات التي حرمها الاسلام من مآس ﻻتحصى بالبشرية ..مع كل دراسة علمية رصينة لمركز بحثي عالمي بشأن اﻷمراض واﻷوبئة القاتلة التي يسببها الإنحلال الجنسي الذي حرمه الشارع الحكيم ..مع كل إنهيار إقتصادي بسبب القروض الربوية التي حرمها الدين الحنيف يكبل بها البنك الدولي ضحاياه من الحكومات والشعوب والدول على سواء ...وقس على ذلك كل متجدد وجماع الفكرة قوله تعالى: (وما منعنا ان نرسل بالايات الا ان كذب بها الاولون) وبالتالي فلا نريد ماردا يخرج من القمقم ضاحكا ليغير حياتنا نحو اﻷفضل بقدر حاجتنا الى عقل جمعي واع يغادر - الميثولوجيات - ليصنع أمجاده بنفسه بغير الإستعانة بمردة وﻻ مصابيح وﻻبسط ولا عصي سحرية كثيرا ما تذرع بفقدانها ساسة - الكراث والفجل - لتبرير فشلهم فتسمع الى بعضهم حين تدلهم الخطوب من حولهم يرددون خلال المؤتمرات الصحفية " ليس معنا عصا سحرية لتغيير الواقع " ومن قال لكم أن العصي السحرية غيرت واقعا عبر التأريخ ؟ من أخبركم أن الناس المتعبة بحاجة الى تلكم العصي التي ﻻتملكونها ؟ إنهم بحاجة الى برامجكم الفاعلة، نزاهتكم، كفاءتكم، خبراتكم، إخلاصكم، وطنيتكم، ﻻ الى سحركم وطلاسمكم وعصيكم ياكهنة فرعون وشخصيات أفلام الكارتون !

اليوم يواجه العراق ظاهرة تتنامى بقوة يقودها ما يسمى بـ" الروحانيين " وهي تسمية يراد منها تحسين صورة - المشعوذين والدجالين - تشبه اطلاق - المشروبات الروحية - على الخمور بأنواعها، ومن أشهر الدجالين ﻻعب كرة القدم المعروف باللغة العربية - ابو علي الشيباني - ومعلمه الذي لم يفصح عن اسمه، وكذلك حجي ثقب " الروحاني احمد الوائلي " الذي يناصب الشيباني العداء ويبيع عبوات العسل الصغيرة بـ 100الف $ كونها الشافية المعافية التي تشبه - جكليتة أحدهم التي تشفي الواحدة منها قبيلة بأكملها على حد غثائه -، اضافة الى المدعو سنما الذي يقدم نفسه على أنه خبير أبراج وباراسيكولوجي ومتخصص في العلاج بالطاقة والفنغ شوي - وهي فلسفة صينية قديمة تعنمد على الطاقة والتناغم معها - والأحجار الكريمة والتنويم الأيحائي - المغناطيسي - علاوة على عشرات المنجمين وقراء اﻷبراج والحظ والطالع، وخطورة هؤﻻء تكمن في انهم يقدمون برامج متلفزة وتستضيفهم القنوات ولهم صفحات فاعلة يضحكون بها على عقول السذج للحصول أموالهم .اما الطامة اﻷدهى واﻷمر فهي تعامل المشرع العراقي كونه لايعترف بالسحر واقعا مع هؤلاء وفق المادة 456 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 كنوع من الاحتيال وعقوبته الحبس، والحبس لهؤلاء إزاء ثرائهم الفاحش من السحت الحرام وعلاقاتهم الواسعة وأذرعهم الاخطبوطية تعني اطلاق السراح الفوري أو تقليص المدة لحسن السيرة والسلوك !!

الدجالون والمشعوذون في العراق مازالوا على خطى أسلافهم يلجأون الى ما يسمى بـ" طقطقة الحرمل " بعد خلطه بالملح وحرقه قبيل الغروب بزعم طرد الحسد والعين وهي عادة اغريقية وثنية، إذ إن الحرمل يحتوي على مواد كيمائية تساعد عند حرقها على زيادة إفراز مادة الدوبامين في الدماغ ما يؤدي الى الشعور بالراحة ولهذا فهو يستخدم في علاج مرضى الباركنسون وتسكين الالام وعلاج الصرع والصداع، اضافة الى أن الحرمل يطرد الهوام والحشرات المؤذية ولعل هذا من أسباب إرتباطه بالروحانيات وطرد اﻷرواح الشريرة على وفق تصورهم القاصر !

أما عن حدوة الحصان التي ينصح الدجالون بتعليقها أعلى أبواب المنازل فهذه عادة وثنية إغريقية ورومانية تزعم قدرتها على طرد الشياطين، وأول من نقلها الى المسيحية حداد اصبح فيما بعد اسقف كانتبري عام 959 بعد إدعائه بأن شيطانا أتاه متلبسا بصورة آدمي فعاقبه بالحدوة، كما إن للحدوة ارتباط بالمجازر التي إرتكبها الاسبان بحق المسلمين في الاندلس حين وجهوا غير المسلمين بتعليق حدوة الحصان التي تشبه الهلال لتمييز غير المسلمين عنهم بهدف قتلهم فأصبح لدى الناس إعتقاد جازم بأن من يعلق الحدوة يدفع عن نفسه واهله الموت المحقق والشر المحدق !

ويوصي المشعوذون ايضا بإستخدام خرزة العين الزرقاء لدفع الحسد وهذه بدورها عادة وثنية فرعونية تمثل عين ما يسمى بالاله " حورس" عندهم لطرد الارواح الشريرة، وهي عادة وثنية عند الفينيقيين أيضا وتمثل ما يسمى بإله القمر،اما سبب زرقتها فيعود الى لون السماء، أو الى لون عيون الرومان الذين استعمروا شعوبا شرقية واذلوها فكانت تلك الشعوب ترى في لون اعينهم الزرقاء رمزا للشر، كما ان للون الازرق عند القدماء رمزية قادرة على كبح جماح الشر على وفق أباطيلهم !

وينصح المشعوذون بتعليق ما يعرف بـ" أم سبع عيون " لطرد الشرور وهذه أسطورة أخرى تتحدث عن عجوز شمطاء من الجن تدعى " أم الصبيان " حبسها نبي الله سليمان - حاشاه - وأخذ منها 7 عهود نيابة عن الجن تقضي بعدم التعرض للبشر في حال تم تعليقها في منازلهم، الطريف في اﻷمر أنك لو وصلت بين الثقوب السبعة في هذه التميمة التي حرمها الاسلام بخطوط مستقيمة لظهرت لك - نجمة داوود - التي تطرز العلم الاسرائيلي !!

أكاذيب السحرة لم تقف عند ما ذكرنا سالفا بل تعدته الى أكذوبتين هما اﻷكثر رواجا بين المغفلين، اﻷولى " عظم الهدهد " والثانية " عرج السواحل " أو مايعرف محليا بـ" عرج سويحلي " ولطالما سمعت مثقفين وحين يصدمون بمدير عام شجاع وﻻيخشى رؤساءه وﻻ مرؤوسيه، أو أنه محط إعجاب النساء لقوة شخصيته وربما لوسامته بأنه يحمل - خرزة أو عرج السواحل أو عظم هدهد - وما يحيط هاتين التعويذتين من اكاذيب يفوق الوصف ويخالف الشرع ويناقض العقل، ويستخف بالمنطق، فبين مدع يبث هراءه على يوتيوب يزعم أن ذيل الهدهد نافع لفك عقدة النساء، الى زاعم بأن جناح الهدهد عاقد للسان الرجال، الى ممخرق بأن عظم الهدهد جالب للمحبة، الى متوهم بأن عرج السواحل يستخرج من القنفذ الشوكي البري أو القنفذ الشوكي البحري في حين انه يستخرج من "خلفية انثى القنفذ المدرع التي تعيش في الصحراء بعد حملها اﻷول داخل الحفرة التي تضع فيها " ويزعم الممخرقون ان له قوة لجلب الحبيب لما يمتلكه من قوة كهرو مغناطيسية قادرة على تحطيم الزجاج ليصل سعر الاصلي منه الى مليون دولار والمزيف الى بضع مئات والحديث يصدق على ما يعرف بـ "دم الغزال" المصنع من شقائق النعمان ذات التأثير المخدر والتي تورط بعضهم بزراعتها في الجزرات الوسطية وسط بغداد !!

عن باقي الجرائم الاخلاقية والمفاسد الاجتماعية والمخالفات الدينية التي يرتكبها السحرة من كتابة الايات القرآنية بالنجاسة، واستخدام الاقفال ورفات الحيوانات وعظام الموتى، واستعمال ملابس الضحايا الداخلية وخصلات من شعرهم لكتابة الطلاسم ودفنها في المقابر، كتابتها على النجاسة بمعنى ممارسة الرذيلة مع طالبي السحر واغلبهن من النساء، الضحك على عقول السذج ببيعهم الاحجار الكريمة - ومعظمها مزيفة - وادعاء قدرات خارقة لكل حجر ولون وزعم الكشف عن المفقودين والغائبين وجلب الاحبة أو تفريقهم لن اتحدث خشية الاطالة، اﻻ انني سأسوق حكم الشرع في السحرة والمنجمين والدجاجلة :

قال تعالى في حرمة السحر وبشاعته "وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد "، وقوله صلى الله عليه وسلم " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له؛ ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ"، وقوله صلى الله عليه وسلم " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"

اما عن المنجمين وزيفهم فحسبي ان أسوق ما قاله نائب رئيس الجمعية الكونية السورية، موسى ديب الخوري” لا تزال النجامة ترتكز على المبدأ البطليموسي القديم الذي يجعل من الأرض مركزا للكون وهذا واحد من أفدح مشاكلها، ولا يزال المنجمون يعتمدون على هذه الاسس الخاطئة علميا في فهم العالم وقراءة الطالع″ فضلا عن تغير مواقع الابراج باستمرار كل 2148 سنة لتعود الى مواقعها كل 25778 وبناء عليه فلابد لوسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة الكف عن نشر هذه الزاوية الاحتيالية وان كان لابد فلينشروا تحذيرا اقترحته جامعة ستانفورد الأمريكية اشبه ما يكون بالتحذير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية على علب السجائر،ينص على، ان ” الأبراج هي للتسلية فقط وللمتعة وأنها محض كلام لا يستند الى اية حقائق علمية” وأخطر ما في انتشار السحر والنتنجيم هو أن الحركات الهدامة كلها تتخذ من التنجيم وقراءة الطالع والسيمياء - علم العلامات والرموز - منطلقا لها لتضليل الشباب وخداعهم بدأ بالويكا، والرائيلية، وطائفة اوم، وما يسمى بعبدة الشيطان، وبوابة السماء، وهاركريشنا، والبابية والبهائية والقاديانية وغيرهم وقد حكم فقهاؤنا على السحرة بالزندقة، وبناء عليه فلابد من منع ظهور السحرة والمنجمين على الفضائيات منعا باتا، منع طباعة وتسويق الكتب المعنية بالسحر والشعوذة ومصادرتها، ملاحقة السحرة والمشعوذين واغلاق مكاتبهم ومقارهم ومصادرة ادواتهم وموادهم، اصدار قوانين جديدة صارمة تغلظ فيها العقوبات على السحرة والمنجمين للحد من انتشارهم وجرائمهم، اطلاق حملات توعية على مختلف الصعد للتحذير من الدجل والشعوذة ومن الجرائم والاثام التي ترتكب على يد من يدعون ممارستها واﻻ فأن راسبوتين الدجال او احد تلامذته صاعد لامحالة الى سدة الحكم كما حدث في روسيا القبصرية من ذي قبل حيث كان أحد اسباب اندلاع الثورة الروسية الكبرى عام 1917 بعيد اغتياله على ايدي النبلاء قبلها بعام واحد 1916بما وصف حينها بـ " انهاء قوى الظلام حول العرش" وﻻعجب في ذلك فلطالما سمعنا بمرشحين وسياسيين يرتادون مكاتب الدجاجلة لمساعدتهم بالفوز أو اطلاعهم على حظوظهم في الترشح والظفر بالمناصب التي يحلمون بها ليل نهار، و كل ما ذكرته متعلق بالسحر الاسود، أما عن ألعاب خفة اليد التي تستخدم للترفيه في المسارح بما يحلو لبعضهم تسميتها بالسحر البارد فهذا شأن آخر .

 

احمد الحاج

 

جوتيار تمرتشهد المناطق الكوردية في كل من جنوب وغرب وشرق كوردستان موجة حرائق تلتهم الاخضر واليابس من المحاصيل الزراعية، والقرى المتاخمة لها، وتحت الانظار الدولية والاقليمية دون اي حراك وسعي منها ومن المنظمات الدولية لوضع حد لتلك الحرائق التي التهمت لحد الان الاف الهكتارات من الاراضي الزارعية، وتتباين الاراء حول مسببي تلك الحرائق، بين من يرى انها من اعمال داعش الارهابي، واخرون يرونها انها ممنهجة ومنظمة وموجهة من قبل السلطات والحكومات المعادية للكورد في اجزاء كوردستان المقسمة، وهناك من يرى بانها مفتعلة من قبل بعض الاشخاص الخاضعين لاجندات فكرية وحزبية معادية للتوجهات الكوردية الساعية لنيل الاستقلال ونيل الحقوق القومية، وفي كل الاحوال يبقى هناك عامل مشترك وهو ان المتضرر الوحيد من تلك العمليات " الحرائق" هو الكوردي او لنقل الفلاح الكوردي الذي كد واجتهد وصارع الوقت من اجل الزرع ليحصد فيما بعد ثمن ذلك الكد.

تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي فديوهات وصور، تمنطق ما يحصل بشكل شبه قطعي، وليس هناك الا صوت واحد يعلو من خلال تلك الفديوهات وهو صوت الحقد الموجه للكورد سواء من الجنود الاتراك الذين يحاولون حرق المحاصيل المتاخمة للحدود، او من الدواعش الذين تبنوا اكثر من حريق كاحدى عملياتهم الجهادية المؤدية الى الجنة والمزيد من حور العين اللاتي ينتظرونهم هناك، او حتى من القرى العربية المتاخمة للقرى الكوردية لاسيما في جنوب كوردستان حيث كانت تلك القرى باهلها جزء من عمليات الدعشنة التي اجتاحت الكثير من المناطق الكوردية اثناء الحرب الضارية التي خاضها الكورد ضد امتداد جبروت وطغيان داعش، فضلاً عن الممارسات الايرانية في شرق كوردستان والتي هي الاخرى ليست الا جزء من عمليات الابادة الجماعية التي تمارسها هذه الجهات ضد الكورد.

حين انتشرت حرائق اسرائيل قبل سنوات لامست من الاعلام العربي بالذات توهجاً وبريقاً وكأن لسان حالهم وقتها كان يقول طالما لانستطيع ان نواجههم وجهاً لوجه، فلندعوا من الله – الرب ان ينتقم لنا منهم بالحرائق ولااخفيكم سراً اني حين كتبت مقالي (حرائق اسرائيل هل هو الانتصار العربي المنشود..؟..) كانت امام عيني تلك التغريدات وتلك المقالات وتلك المقابلات التي تنوعت في الوسائل الاعلامية سواء مواقع التواصل الاجتماعي ام المرئية والفضائية والسمعية، حيث كان غالب اعتقادهم بأن تلك الحرائق هي غضب السماء على اسرائيل والتي تبين فيما بعد بانها كانت غير ذلك اكيد، انما كانت غضب وحقد الانسان على الطبيعة وعلى الانسان المقابل لكونه لاينتمي لدينه وعرقه قوميته، وعلى ذلك المسار اشاهد واعي ما يحدث لنا الكورد، حيث تتضاعف الاحقاد يوماً بعد يوم تجاهنا لكوننا لاننتمي - للعرق والقومية -  ولكوننا نريد العيش بحرية واستقلال بعيداً عن الثورات التي حولت الربيع الى حلقة دم مثل قلوبهم الممتلئة بكل ما هو لاانساني تجاه كل من لاينتمي اليهم، بل ضد كل من لا يخضع لشهواتهم السلطوية ولشهواتهم الاقتصادية ولشهواتهم المذهبية الدينية.

ان ما يحدث للكورد وللمناطق الكوردية ليس الا خليط حقد متوارث من (الفرس – الاتراك – الاعراب "العرب") الذين تاريخهم يشهد لهم افعالهم البشعة تجاه القوميات الاخرى ممن لاينتمون اليهم سواء باسم الحضارة او باسم القومية او باسم الدين، (نحن هنا لانعمم القول بلاشك)، لكننا فقط نحاول اظهار عمقه التاريخي الذي بدأ بما كان يسمونه توسع الامبراطوريات الكبرى (الفارسية) صاحبة التاثير على اغلب المكونات الشرقية لاسيما اثناء صراعها المستميت مع الامبراطورية البيزنطية، ومن ثم صراع الامبراطوريات الفتية والتي تمثلت بالعرب المسلمين حيث هي الاخرى تبنت نفس النهج التوسعي ولكن ليس باسم نشر الحضارة لانها في الاصل اقتبست فيما بعد جل معالمها الحضارية سواء الادارية او المراسيم من الفرس والبيزنطينيين، انما باسم نشر الدين ولطاما استشهدت بمقولة اوردها احد الكتاب المجتهدين " عبدالزراق الجبران " حول العجوز التي قالت لقائد جيش الاسلام لم أكن اعلم بان لله لصوص، هذا العمق التاريخي لمحاولة وأد الاخر لم تتوقف ليومنا هذا، وهو يلبس في كل مرة لباساً كريهاً ملطخاً بالمزيد والكثير من دماء الابرياء والفقراء "وقود الثورات "، ولم تنتج الا البلاء والوباء للناس وللامم الاخرى التي لاتنتمي الى امتهم وعرقهم وقوميتهم ومذهبهم.

تتمثل عمليات " حرائق كوردستان " احدى المراحل التاريخية الهامة لعمليات الوأد القومي العرقي المذهبي الذي تتبناه تلك القوى وتلك الاعراق ضد الكورد، وهي لم تزل تحمل نفس العمق التوسعي، حيث تركيا لم تزل تريد استرجاع ما فقدته جراء هزيمة العثمانيين الطغاة على يد الحلفاء، في حين الامة العربية المقسمة على نفسها تريد استرجاع بهرجة الخلافة الاسلامية وقت ما كانت محصورة في بني قريش وبني امية، اما الفرس هم الاقدم وهم من رفدوا الاخرين بمعطيات الثقافة والحضارة واسس النظم والادارة فكيف يسمحوا بمن ينادي بغير اسمهم، على هذه الشاكلة تبدع هذه الامم في خلق الافات للاخرين ممن لاينتمون اليها من الامم، سواء بالقتل المبرمج والمنظم وفق اجندات خاصة تتمثل بالحروب او زرع الفتنة او الاعتقالات وزج القادة والمناضلين الثوار  في السجون او الضرب بالاسلحة الكيماوية او اطلاق علميات الابادة الجماعية " الانفال " او من خلال الاضطهاد الاقتصادي وضرب الحصار حولهم، او التدخل السافر والمباشر في شؤونهم، بل وصل الامر بهم لتقديم التنازلات لاعدائهم وتقبل المذلة فقط لضرب الحركة التحررية الكوردية، واخيراً وليس اخراً حرق قوت الفقراء، وبالطبع  لا تهمهم القيم الانسانية حين يختلقون هذه الافات، فكل الوسائل مباحة لوأد المخالفين المارقين الملحدين الانفصاليين، حتى ان اعراضهم واموالهم وارضهم غنائم للفاتحين الجدد، وكأنهم بذلك يريدون طمس معالم السعي الكوردي لنيل الحرية، متجاهلين بأن الكورد مروا بظروف اصعب من هذه وتجاوزوا الامر بصمودهم وعزة نفسهم، وان لاشيء سيثني الكوردي عن سعيه لنيل حريته، فكلما كان الطغاة اكثر دموية كان في اعتقاد الكوردي ان طغيانهم دليل ضعفهم ودليل استنزافهم الداخلي.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

جيهان السنباطىحرص الغرب على مر العصور على امتلاك سلاح العلم والمعرفة على ان تبقى مفاتيحها فى يده هو فقط دون ان تصل الى شعوب المنطقة العربية او دول الشرق الاوسط بشكل خاص ليتفوق هو عن باقى دول المنطقة وتكون له الكلمة العليا فى تحديد مصائر تلك الشعوب .

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف استخدم الغرب كل مايمتلكه من امكانيات عسكرية واقتصادية وسياسية واستخباراتية ليحتفظ بتفوقه العلمى والمعرفى والتقنى والتصدى لمنافسيه بكل قوة حتى لايفقد عناصر قوته .

وتركزت خططه فى القرون الوسطى على استخدام السياسة الاستعمارية لابقاء شعوب المنطقة فى حالة تخلف وتدهور مستمر عبر استراتيجيات مدروسة واليات مختلفة بدءا من نهب ثروات المنطقة من بترول وغاز ومعادن وغيرها والحيلولة دون تحويل هذه الثروات إلى طاقة علمية ومعرفية وتقانية عبر الاستثمار في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية وإقامة الصناعات الاستراتيجية والتنمية البشرية بأشكالها المختلفة وحرص على إنفاق ما تدره هذه الثروات من أموال باتجاه النفقات الاستهلاكية والخدمات الترفيهية ومظاهر التبذير والإنفاق غير الضروري

ولم تقف المسألة عند حدود تكريس نمط سلوكي وثقافة استهلاك أو توجيه قسري للموارد عند تلك الشعوب أو الأفراد المستهدفين بتلك السياسات وإنما أخذ طابعاً آخر في التعامل مع دول أخرى اتبعت قياداتها نهجاً مغايراً في استراتيجياتها التنموية وطريقة استثمار مواردها وطاقاتها المادية والبشرية بهدف تحقيق تنمية حقيقية وذاتية تستند إلى قاعدة علمية ومعرفية وبنيان في الإنسان والبشر لا الحجر وهنا نذكر العديد من الدول التي نهجت ذلك النهج ومنها مصر وسورية والجزائر والعراق وإيران وكوبا وكورية الديمقراطية وبعض دول أميركا اللاتينية ما جعل هذه الدول وقادتها في دائرة الاستهداف الغربي عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وتحت عناوين كاذبة ومضللة من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمكين المرأة والحكم الرشيد والإصلاح أو اتهامها بدعم الإرهاب والديكتاتورية والتسلط وغير ذلك من مفردات وادعاءات بات الجميع يدركها ويحفظها عن ظهر قلب.

كان الهدف من تلك السياسيات الاستعمارية هو حرمان دول تلك المنطقة من تحقيق قدر من الاستقلال العلمى والمعرفى يكرس ويعزز استقلالها السياسى وذلك بالتدخل المباشر فى شئون تلك الدول واستغلال مواردها.

ومع مرور الوقت تغيرت تلك السياسات والتى اعتمدت لسنوات طويلة على القوة العسكرية الخشنة واتجهت لتطبيق سياسات اخرى تستخدم فيها القوة الناعمة او قوة العلم والمعرفة والاعلام والاتصال والثقافة واصبح الصراع العالمى الان ليس صراع حروب وجيوش وسلاح فحسب،بل هو صراع عقول في مباراة مفتوحة،ساحتها فكرية ثقافية، وأداؤها هو البحث العلمي بكل امكاناته المتفوقة وانجازاته التي تحققت في عالم اليوم واصبح من يعلم اكثر هو الاقوى ومن يعرف قبل غيره هو الافضل وهو المسيطر والناجح بدون اى تدخل عسكرى.

واصبح العصر الحديث او مايطلق عليه بعصر الثورة المعلوماتية المتجسدة فى وسائل الاعلام والتواصل اكثر تاثيرا على المجتمعات فى العالم باسره حيث انه الغى الزمان والمكان بالمقاييس المعهودة وحول العالم الى قرية صغيرة قضت على الحواجز والحدود التى تقف عثرة فى وجه انتشار المعرفة وشموليتها فدخلت المعلومات الى كل مكان وباتت فى عهدة اى باحث عنها .

وتغيرت موازين القوة فلم يعد العنف هو مصدر القوة ولا الثروة وحدها هى التى تصنع التطور والازدهار والتحكم فى الاقتصاد والشئون العسكرية وانما اصبحت المعلومة هى مصدر القوة من يمتلكها امتلك العالم باسره.

وقد اسهمت ثورة المعلومات فى توسيع الهوة بين الذى يملك ويتحكم فى تكنولوجيا الاتصال وبين الذى مازال لم يتخط بعد مرحلة المجتمع الزراعى واصبح مفتاح النمو الاقتصادى وتطوره فى القرن الواحد والعشرين هو مفتاح المعرفة.

ورغم ان القرآن الكريم اكد فى آياته على اهمية العلم والمعرفة كما فى قوله تعالى"وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً"الا ان امتنا تراخت بل وتراجعت فى فهم وترجمة هذا وكلَّما أَمعنتُ النظَرَ في أَمر هذه الأُمَّة، لاحظتُ، بكلِّ أَلَمٍ، أَنَّها تنحدرُ نحو الانقراض التدريجيِّ منذ فترةٍ طويلة .

ولا سيَّما إذا قارنَّا جمودَها المحزِن أَو تراجُعَها المؤسِف بالحركة المتفجِّرة التي يَجري بها العالَمُ المتقدِّم نحو الأَمام بسرعةٍ هائلة، الأَمر الذي يؤدِّي إلى زيادة الفجوة الحضاريَّة بين الطرفَين، وبالتالي إلى ما يُلاحَظُ اليومَ بكلِّ وضوح، من التبعيَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والعِلميَّة والثقافيَّة التي تَزيدُ من التخلُّف، وهكذا تعود هذه الدورةُ القاتلة إلى تكرار نفسه

قضية الابتكار والإبداع وصلتها بالعلم والمعرفة باتت مسألة بالغة التعقيد في وطننا العربي، تطال المجتمعات ودور العلم من أدناها إلى أعلاها ومنظومة التعليم فيها وطرق التعلم وإمداد الأجيال بالمعرفة..

وتحفيزها نحو التميز بشكل إبداعي لاستشراف المستقبل مواكبة للعصر باعتبار العلم والمعرفة سلاح المنافسة العالمي الذي تمتلك فيه الأمم مفاتيح المستقبل. وبالطبع فأمام حكوماتنا مسؤوليات جسام لأداء دورها بإيجابية لنصبح أمة مؤثرة لا متأثرة فقط، ومنتجة لا مستهلكة فحسب.

 

بقلم: جيهان السنباطى

 

صادق السامرائينشرت العديد من المقالات حول "المؤامرة"، وتجاوب معها عدد من الأخوة، وأكثرهم كان ينكرها ويدينها على أنها إسطوانة قديمة، وقد حفزني مؤخرا على إعادة نشر بعض تلك المقالات الأستاذ عبد الرضا حمد جاسم، وقد فرحت كثيرا بأن التفاعل مع مفهوم المؤامرة قد تطور وبلغ ذروته الإدراكية والمعرفية، ويسرني أن أقرأ ما تفضل به الدكتور حسين سرمك حسن والدكتور أحمد مغير.

وهذا إقتراب من وجهة نظر سلوكية بحتة، أن المخلوقات كافة تتآمر على بعضها البعض، أي أنها تريد النيل من غيرها في دائرة البقاء المفرغة، والدافع الأساسي هو الحصول على الطاقة اللازمة للقوة والحياة، إبتداءً من الطعام إلى مصادر الطاقة الأخرى بأنواعها ومسمياتها.

ولكي تنال ما تريده من الآخر فلابد من التآمر عليه، أي أن تجد الأساليب والوسائل اللازمة للقبض على مصيره أو تسخيره لما تريد وتهدف.

وفي المجتمعات البشرية خصوصا لا يمكن للمؤامرة أن تنجح وتتواصل إلا بتضافر جهود مفردات وعناصر الهدف معها، أي أن المجتمع المُستهدَف من قوة خارجية لا يمكنه أن يكون صيدا لها من غير تفاعل عدد من أبنائه مع القوة الساعية لإمتلاكه.

فلكي تغنم ما تريد عليك أن تجد مَن يستفيد مما تريد لتملكه بما تريد.

ولو نظرنا في الأهداف التي تم القبض عليها في الواقع العربي، لتبين أن القوى داخل الهدف وما حوله قد تعاونت وتفاعلت مع القوة الساعية لأخذه.

فعلى سبيل المثال، ما حصل للعراق لم يكن ليُنجَز بهذه السهولة والطريقة لولا تعاون قوى داخلية وإقليمية، وتفاعلها بآليات تآمرية مع القوة المندفعة نحوه لتدميره والهيمنة على مصيره.

ووفقا لذلك فالقوى التي تريد هدفا ما تقوم بشق صفوفه وكما تعودنا سماع " فرّق تسد"، والتفرقة يمكن أن تتحقق بما لا يحصى من الأساليب والإقترابات التفريقية، كما هو حاصل في الواقع العربي، حيث يتأكد إستعمال الدين لتمزيق المجتمع وإصعاف الهدف، وتحويله إلى طاقة فاعلة لتحقيق إرادة القوة الطامعة به.

فالمشكلة ليست بالمؤامرة، وإنما بالمغامرة التي تنزلق إليها الشعوب والمجتمعات وتندحر فيها، فلا يمكن نفي القول بأن ما حصل للعراق يوم نكبة الملكية، وما نجم عنها من سلوكيات فتاكة هو مؤامرة بكل ما تعني الكلمة، فبها وبعدها إنخرط الشعب في متوالية هندسية من الأحداث الدامية، التي وفرت في الهدف ما يساهم من التمكن منه والقبض الدائم عليه.

ولا تزال ذات الآلية فاعلة في الواقع، مما تسببت بإرهاقه وتدميره ودفعه بعيدا إلى الوراء وعلى جميع المستويات، حتى صار الفساد فيه هو الدستور والعصابة هي القانون.

إذن هي مؤامرة أوصلت المجتمع إلى دوامة المغامرات التآمرية الدامية الحامية، التي لا تعرف السكون والخروج إلى موانئ الأمان والحياة المعاصرة.

إنها دائرة مفرغة من الويلات، وهذا أقصى ما تطمح إليه المؤامرة، أن تبدأ وتدفع الهدف بتعجيل متزايد إلى حيث تتحقق أهدافها وتطلعاتها وتتأكد مشاريعها.

فالعيب الحقيقي يكمن في الهدف المتآمَر عليه وليس في المؤامرة، فكم من المؤامرات حيكت ضد فيتنام والصين والكوريتين واليابان وألمانيا وغيرها من الدول، لكن الهدف أدرك مفردات المؤامرة وعناصرها، وابتكر مهارات المواجهة والرد بالتآمر المقابل الرادع لأية مؤامرة عليه.

وتلك حقيقة وطبيعة التفاعلات القائمة ما بين المجتمعات والشعوب منذ الأزل.

فهل نجيد مهارات مواجهة المؤامرة، أم أننا مهرة في التآمر على بعضنا وعلى بلداننا وننادي بنكران المؤامرة، ونتهم القائلين بالمؤامرة على أنهم يفسرون الماء بعد الجهد بالماء؟!!

* هذه قراءة سلوكية مركزة، قد يغضب منها مَن يغضب، لكنها لا علاقة لها بموقف أو رأي، إنها قراءة مجردة وخالية من الميل والإنحياز.

 

د. صادق السامرائي

 

 

احمد الشيخاويإن المتتبّع لمسيرة ريم الإبداعية، لا يسعه سوى تسجيل الفارق، والانجذاب إلى عوالم الشعرية المنكتبة لروح تحاول قهر واقع اغترابها، مثلما توقّع صيحات للأنثوي، في ساحة النضال التعبيري، هي بألف صوت ذكوري، واشد منه قوة وحضورا بكثير.

عبر الإفصاح العاري عن ذات مهجرية تكابد محنة التشويش على هويتها، وتشاكس نوبات إرباك حالاتها الوجودية، على نحو يخترق آفاق القضية والرهانات الثورية التي قد تترع سياقات القول الشعري المنشد في مجمله إلى أصول العروضية ومقامراتها، ضخّا إستطيقيا، تفيض له كؤوس الممارسة المحتفية ببعدين جوهريين لا ثالث لهما: رومانسي تتأنق معه الذات في ترتيب مشاهد وجوديتها، وآخر ثوري يفكك المنظومة المفاهيمية اللصيقة بتقليدانية الانتماء وأحاسيسه المغلوطة والمغشوشة.

بذلك تكون الشاعرة السورية ريم سليمان الخش، تؤكد صيانتها لقناعاتها وثوابتها ومبادئها، لكن ضمن حدود تتناسل فيها التيمات والدوال وتزدهر، تبعا لصياغة وجودية موسوعية تراعي النيوكلاسيكية وتنتصر لصيرورة خطابها، بما يتيح تحديثات وقفزات نوعية تجبّ ما قبلها، كي تعد بالأجمل والأشهى والأنضر في دورة للمعنى السرمدي الذي قد تغازل بأسراره القصيدة المتمردة في إخلاصها لروح الجدة والمغايرة، وعقّها للساكن والخامل، وإن التزمت بالكتابة العروضية وتباهت بسبر أغوارها، في كثير من الأحيان.

وأنا أقلّب جديد شاعرتنا، هالتني غزارة وتصاعدية خطها الإبداعي، علما أنه فيض منشّط للمخيال الثوري، في ضرب من الحرص على بلورة الجيد والنوعي وغير المسبوق، فارتأيت أن أسوق النماذج التالية للتدليل على بعض ما قصدت إليه:

[يا ربّة القمح جوعٌ في الطواحين

لم ترحم النار أفواه المساكين

سنابل الحزن لون الليل بيدرها

محرّق القلب يشكو لي ..فيُبكيني

لم يترك الموت للأصحاب نافلة!

الشفعُ فالوتر جوعٌ قبلُ تأبينِ!!

ضاع العزيز وخلّى العقدَ منفرطا

دمعٌ يفيضُ وشكوى من ملاعينِ].

.................

[مصلّبةٌ جذوعك في بلادٍ

أردتَ لها الخلاصَ من البُغاةِ

ومنهمرٌ سحابك في عيوني

وفي بردى وفي جرح الفراتِ

ستبقى في عيون الشمس نورا

لتخبرنا بأنّ الوعد آتِ].

...................

[تُعاقرُ أسراب الطيور خمائلي

بأفنانها شهد الثمار مشبّعُ

أنا المنّة العظمى لأوروك رحمة

نماءٌ وقمحٌ بالمحبّة مشْبَعُ

هياكل عشاقي حدائقُ لذّة

وأنهارها طفلٌ وثديٌ ومرضعُ

حليبٌ بها يجري كنبع مقدسٍ

لتروى عروق الأرض بالحب تشبع

طوافٌ وأركاني غرامٌ ومتعةٌ

بترتيل لذّات الحياة ملعلعُ].

....................

[ لم يتركوا الطفلَ للأعياد في وطن

كلّ الأماكن طغيانٌ بطغيانِ

كلّ تراشقَ بالبارود يقتلني

رعبٌ أصمَّ كما (الفتيشُ) آذاني

كلّ تناهبَ ألعابي وذاكرتي

أرجوحة العيد قد طارت بخلّاني

كلّ يُريدك حكرا في طوائفه

قلبي الحزين له يا عيدُ أكفاني ].

.................

[ قرّبوا موعد الخلاص وإلا

حرق الظلم كوننا لا يُبالي

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

ضرب العار وجهكم بالنعالِ

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

فالبسوا ذلّكم كداء عضالِ

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

سو ف أرثي لفقدكم في الرجالِ].

...................

[ نبض الشعوب براكينٌ مدمرة

فيها تُحرّقُ إنْ خانت أصابيعُ

لن يوقف الضوءَ آثامٌ بهم علقت

لمنبع النور آفاقٌ وتوسيعُ

لا تبكِ يا قدسُ لم تُطفأْ منارتنا

كلا ..وليس لنا عارٌ وتطبيعُ ].

بالتالي، نحن إزاء صوت مناهض لإيديولوجية الاستبداد والاستعباد، تلكم رواية القطيعة مع عقلية القطيع، ورفض سياسة الكيل بمكيالين في عالم السياسة، بحيث يعتّم ذلك على مسرح متوالية المتلازمات بين الراعي وشعبه، ويخلط الأوراق أو الأدوار ما بين الضحايا والجلادين.

هكذا، نجد طواحين وطواسين ريم، بلا جعجعة، ولو أنها تفرز لنا في دومين الشعرية المنرسمة لانخطافات الخطاب النيوكلاسيكي الرصين، متاهات من ثقافة مبارزة النرجسية المقنّعة، حدّا يجعل مثل هذا الغضب الطاعن بصوت الأنثوي، يحقق إلى حدا ما المعادلة الوجودية، أقله لذات، تكابد اغترابها وتتنفّس القصائد عن طريق تجويد إبداع الحس الهوياتي، بدل الاستسلام الكلي والتسليم بالبكائيات والانهزامية الميؤوس منها، والترنّم بمعطيات الطللية المكشوفة بنصوص الفجاجة المرتكنة إلى برودة الحنين في المعانقات الذاكراتية للأوطان.

ريم شاعرة تعانق وطنها المطعون بتوحش، يم لها ذلك في دائرة مخيال تتآكله سيمفونية الاغتراب، ما يؤهلها للارتقاء إبداعيا فوق كثيرات ممن تجايلنها أردن المزاوجة أو خلق توليفة مخملية مابين نوطتين متباعدتين دلاليا متجاورتين إبداعيا، ، وعلى مستوى كاف من الاجتراحات الميتالغوية، الرومانسي الذي هو صلب توازنات الذاتية والغيرية والكونية، لدى النوعين وبلا مفاضلات، ثم الثوري كلعنة تميط الأقنعة عن خلل الإيديولوجيات وتكشف زيفها ومواطن كمونها السرطاني الوبائي.

في كل كتابة جديدة للشاعرة ريم سليمان الخش، تتكشّف ذات أعمق لحمة بالتجربة الشعرية المدغدغة بفلسفة تجميل راهن المهجر، كما تخصيب مخيال الأنثوي بحضور وتجليات الوطن المطعون بالتكالبات الإيديولوجية.

تلكم ريم المتعثّرة بأعياد الكتابة العروضية في تجاوزها الإبداعي المتشبّع بإيقاعات ثورة الأنثوي، أفقا يجبّ آخر، واندلاقا كينونيا يتضوّع بسيرة شآمية عصية على عوامل الإبادة وسائر إيديولوجيات الخراب.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

قلتُ مُؤَكِّدًا تأكيدًا كذاك قَبْلَئِذٍ، في القسمَيْنِ الآنِفَيْنِ منْ هذا المقالِ (في القسمَيْنِ التاسعِ والعاشرِ منهُ)، وعَلى الأخصِّ في قرينةِ الكلامِ بشيءٍ من التَّفْصِيلِ والتَّمْثِيلِ عَمَّا سَمَّيْتُهُ حِينَذَاك تَسْمِيَةً نَفْسَانِيَّةً بـ«الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» Hyper-Revolutionary Fervour، قلتُ إنَّهُ لَمِنَ الخَطَأِ الفادِحِ بالفِعْلِ أنْ يلجأَ جٍنْسُ «التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ»، أيًّا كانَ، مُحَفَّزًا بِزَخْمِ هذا «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» أيَّمَا تحفيزٍ إلى استعمالِ فَيْضٍ (أو حتَّى فُيُوضٍ) منْ بلاغيَّاتِ ذلك اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ، ومَا تَنْطَوِي عليهِ هذهِ البلاغيَّاتُ بدورِهَا منْ دلالاتٍ تمييزيةٍ، أوْ منْ دلالاتٍ تفضيليَّةٍ – لا بَلْ جِدِّ تفضيليَّةٍ، في مَعْرِضِ «التَّحْلِيلِ» مَاسًّا مِسَاسَ التَّحْلِيلِ الجَادِّ بـ«إنجازاتِ» ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ دُونَ سِوَاهَا (كالشقيقةِ السُّودَانيَّةِ، مثلاً)، ودُونَمَا الأخْذِ بعَيْنِ الاعتبارِ بَتَّةً مَا يُنَاظِرُ هذهِ الـ«إنجازاتِ»، في الأصْلِ، منْ أسَاسٍ مَادِّيٍّ (تاريخيٍّ) وَ/أوْ لامَادِّيٍّ (لاتاريخيٍّ) تأسَّسَتْ عليهِ بنحوٍ أوْ بآخَرَ أيَّةُ ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ أُخرى، سَوَاءً كانتْ هذهِ الثورةُ قدْ وَاكَبَتْهَا في الهَيَجَانِ والغَلَيَانِ (كالشقيقةِ الجزائريَّةِ، بسَيْرِهَا) أمْ كانتْ قدْ سَبَقَتْهَا بمرحلةٍ أوْ أكثرَ في الزَّمَانِ والمَكَانِ (كالشقيقةِ السُّوريَّةِ، وغَيْرِهَا)، كما رأيتُما في مَظِنَّتِهِ إذْ ذاكَ – نَاهِيكُمَا، بالطَّبْعِ، عنْ أنَّ هذا الخَطَأَ المُتَكَلَّمَ عنهُ منْ هكذا خُصُوصٍ إنَّمَا يزدادُ فَدَاحَةً أكثرَ فأكثرَ حينمَا يَصْدُرُ هكذا «تحليلٌ سياسيٌّ» اِنتقائيٌّ اِصطفائيٌّ (حَائِدٌ) عنْ مَصْدَرٍ مَرْبُوصٍ عَلى «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ». ومعَ ذلك، وعلاوةً عَلى مَا أشرتُ إليهِ منْ تمثيلٍ مَلْمُوسٍ ومَحْسُوسٍ يُبَيِّنُ قُدَّامَ كِلْتَا العَيْنَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ مَا يكْفِي منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ التي تَنْجُمُ عن ذلك الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ عَلى كِلا المُسْتَوَيَيْنِ الجَمْعِيِّ والفَرْدِيِّ، لَمْ نَزَلْ نَرَى مِنْ بينِ أولئك المُحَلِّلِينَ السياسيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ رَأْيًا ورُؤْيَةً بهٰتَيْنِ العَيْنَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ذَاتَيْهِمَا، لَمْ نَزَلْ نَرَى مِنْ بينِهِمْ مَنْ يتحدَّثُونَ جَادِّينَ عنْ «أسْرَارِ التَّفَوُّقِ والتَّمَيُّزِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ، أو حتَّى عنْ «أسْبَابِ الإخْفَاقِ والإحْبَاطِ» في سَائِرِ مَا خَلاهُ منْ مشاهِدَ ثوريَّةٍ عربيَّةٍ قدْ تأجَّجتْ منْ قبلُ في المقابلِ، يتحدَّثُونَ جَادِّينَ بذاتِ الزَّخْمِ الرِّوَائِيِّ، أو «الشِّعْرِيِّ»، الدِّعَائيِّ والدِّعَاوِيِّ الذي تختصُّ بهِ وسَائلُ الإعلامِ الغَنِيَّةُ عن التعريفِ في الشَّرْقِ قبلَ الغَرْبِ – منْ حيثُ قُدْرَتُهَا الوَلائِيَّةُ كُلاًّ عَلى الإشْهَارِ، إشْهَارِ فَرْدٍ أو جَمَاعَةٍ في حِينٍ، ومنْ حيثُ قُدْرَتُهَا العَدَائِيَّةُ كُلاًّ كذاك عَلى الإغْمَارِ، إغْمَارِ هذا الفردِ أو هذهِ الجَمَاعَةِ، أو حتَّى عَلى الإفْنَاءِ، إفْنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا إفْنَاءً كُلِّيًّا، في حِينٍ آخَرَ. فإذا كانتِ الحُجَّةُ المُثْلَى عندَ هؤلاءِ المتحدِّثِينَ الجَادِّينَ، في أغلبِ الظَّنِّ تارةً، أنَّ الحَرَاكَ الشَّعْبِيَّ السِّلْمِيَّ في السُّودانِ يمتازُ امتيازًا بوُجُودِ قيادةٍ ثوريَّةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ يقودُهَا قادةُ ذلك الائتلافِ المدنيِّ المُسَمَّى بـ«قوى (إعلان) الحرية والتغيير»، مدعومينَ تحتَ لوائِهِمْ، إنِ اقتضى الحَالُ (التَّنْظِيمِيُّ)، منْ لَدُنْ قادَاتِ تَحَالُفَاتٍ مدنيَّةٍ أُخرى، كذلك التَّحَالُفِ المدنيِّ المَدْعُوِّ بـ«تجمُّع المِهَنِيِّينَ السُّودانِيِّينَ» أو غيرِهِ، فإنَّ قرارَ مَا يَحْدُثُ الآنَ منْ عِصْيَانٍ مدنيٍّ على نطاقٍ واسعٍ يكادُ أنْ يكونَ شاملاً في طُولِ البلادِ وعَرْضِهَا إنَّمَا هو، أوَّلاً وآخِرًا، قرارٌ مُتَّخَذٌ منْ طَرَفِ الشعبِ السُّودانيِّ الصَّعْتَرِيِّ الخِنْذِيذِ بوَعْيٍ جَمْعيٍّ بوُجُودِهِ السَّليبِ، سَواءً تمسَّكَ بهذا القرارِ لأجَلٍ مُسَمًّى (أو حتَّى بأيِّمَا قرارٍ سِوَاهُ، لذاتِ الأجَلِ المُسمَّى) قادةُ هذا الائتلافِ المدنيِّ أو أيٌّ منْ قادَاتِ تلك التَّحَالُفَاتِ المدنيَّةِ أمْ لمْ يتمسَّكُوا بِهِ لأيِّمَا أجَلٍ مُسَمًّى آخَرَ بَتَّةً، وسَواءً كانَ القادةُ المَعْنِيُّونَ أو أيٌّ من القادَاتِ المَعْنِيِّينَ مجتمعينَ عَلى التفاوضِ (الجَادِّ والحَادِّ) منْ أمَامِ قادةِ «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ» أمْ كانوا حتَّى متفرِّقينَ فيما بَيْنَهُمْ، وقدْ كانوا كذلك، في واقعِ الأمرِ. ذلك لأنَّ جَذْوَةَ، أو جِذَاءَ، العِصْيَانِ المدنيِّ المُتَكَلَّمِ عنهُ، هَا هُنَا، كانتْ تشتدُّ اتِّقَادًا وتوهُّجًا في ألْبَابِ السُّودانِيَّاتِ والسُّودانِيِّينَ، ومَا زَالتْ تشتدُّ في قلوبِهِنَّ وفي قلوبِهِمْ، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ في مطلعِ هذا الشهرِ عناصرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ منْ «قواتِ الدعمِ السريعِ» (أو منْ «ميليشياتِ الجَنْجَويدِ» الشَّبِيهَةِ بـ«الشَّبِّيحَةِ»، سَابقًا)، بإيعازٍ مَرْئِيٍّ منْ فَلِّ الطُّغَاةِ الفُسَلاءِ طُغَاةِ الثوَرَانِ المُضَادِّ من المملكاتِ والإماراتِ (بما فيها مصرُ، والحَبْلُ البحرينِيُّ والعثمَانيُّ عَلى الجَرَّارِ)، وبإشرافٍ لامَرْئِيٍّ كذاك منْ أسيادِ هؤلاءِ الطُّغَاةِ الفُسَلاءِ الفِسَالِ منْ ذاك الغربِ الإمبرياليِّ الرُّوسِيِّ والأمريكيِّ والفرنسيِّ والإنكليزيِّ الأشَدِّ فُسُولَةً والأشَدِّ فَسَالَةً (بما فيهِ إسرائيلُ، والحَبْلُ الصِّينِيُّ والإيرانيُّ عَلى الجَرَّارِ، كذلك)، حتى قبلَ أنْ لجأتْ عناصرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ كهذهِ إلى ارتكابِ تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ بحَقِّ مَنْ كانوا يعْتَصِمُونَ، ومَنْ كُنَّ يعْتَصِمْنَ، اعْتِصَامًا سِلْمِيًّا في الخَارجِ من مَقَرِّ الدِّفَاعِ بالذاتِ، مِمَّا أسْفَرَ عنْ عَشَراتٍ من القَتْلى قابلةٍ للزِّيَادَةِ حَتْمًا وعنْ مِئَاتٍ من الجَرْحَى كذاك قابلةٍ للنُّقْصَانِ لكيمَا تزدادَ العَشَرَاتُ الأولى أكثرَ فأكثرَ – وهذهِ الجَرَائِرُ النَّكْرَاءُ والمَجَازِرُ الشَّنْعَاءُ بغَايَاتِها الجَلِيَّةِ في فَضِّ الاِعتصَامِ السِّلْمِيِّ ذاك باستخدامِ قوَّةِ الحَديدِ والنارِ، في حَدِّ ذاتِهَا وذَوَاتِهَا، ليسَ لهَا إلاَّ أنْ تُذَكِّرَ تذكيرًا بَدْئِيًّا دُونَ لَبْسٍ ودُونَ التِبَاسٍ بنظيراتِهَا الدَّمَوِيَّاتِ أيَّامَ ميدانِ اللؤلؤةِ في البحرين في أوَائِلِ شهرِ آذارَ عامَ 2011 (وبارْتِكَابِهَا بالعَمْدِ، فضلاً عنهُ، عَلى أيدي عناصرَ لاإنْسِيَّةٍ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٍ نظيرةٍ منْ أرْجَاسِ السُّعوديِّينَ والنَّهْيَانِيِّينَ)، منْ جهةٍ أولى، وأنْ تُذَكِّرَ تذكيرًا بَدْئِيًّا أيضًا بمثيلاتِهَا الأكثرِ دَمَويَّةً أيَّامَ ساحةِ رابعةَ العدويةِ في مصرَ في أوَاسِطِ شهرِ تمُّوزَ عامَ 2013 (وباقْتِرَافِهَا بالقَصْدِ، عِلاوَةً عليهِ، على أيدي عناصرَ لاإنْسِيَّةٍ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٍ مثيلةٍ من أنْجَاسِ السِّيسِيِّينَ)، من جهةٍ أخرى. 

وإذا كانتِ الحُجَّةُ المُثْلَى عندَ أولئك المتحدِّثِينَ الجَادِّينَ كذاك، في أغلبِ الظَّنِّ طَوْرًا، أنَّ الحَرَاكَ الشَّعْبِيَّ السِّلْمِيَّ في السُّودانِ ينفردُ انفرادًا بحُضُورِ دَوْرٍ طليعيٍّ ملحوظٍ تلعبُهُ قيادةُ، أو قياداتُ، ذلك الحزبِ السِّيَاسِيِّ اليَسَارِيِّ (الفِعْلِيِّ) المَوْسُومِ منذُ نشأتِهِ عامَ 1946 بـ«الحزبِ الشيوعيِّ السُّودانيِّ»، عَلى اعتبارِهِ إذْ ذاكَ بمَعِيَّةِ «الحزبِ الشيوعيِّ العراقيِّ» حتَّى ذلك العامِ المشؤومِ، عامِ الانْحِسَارِ الأيديولوجيِّ المَزْؤُومِ، عامَ 1971، عَلى اعتبارِهِ إذْ ذاكَ أكبرَ حزبٍ ماركسيٍّ في العَالَمِ العربيِّ بأسْرِهِ – رَغْمَ كافَّةِ المَحْدُودِيَّاتِ المَادِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ لَدَى نُشُوءِ «طبقةٍ عاملةٍ» سُودانيَّةٍ كانتْ قدِ اقترنتْ بِهذا الحزبِ الماركسيِّ في أعقابِ تَمَرْكُزِ الاستعمارِ الإنكليزيِّ واتِّكَائِهِ بالبَسَاطِيرِ على الرِّقَابِ منْ أنْذالِ الجيشِ المصريِّ بالذاتِ، فإنَّ ذلك الاِنقلابَ المدرُوسَ الشَّهِيرَ الذي قامَ بِهِ (في ذلك العامِ) بعضٌ من الأعضاءِ القادةِ والأعضاءِ غَيْرِ القادةِ منْ تلك القيادةِ، أو منْ تلك القياداتِ، عَلى العسكريِّ «اليَسَارِيِّ» اللاماركسيِّ جعفر النميري بعدَ استعانتِهِمْ بعسكريَّتِهِ «المَتِينَةِ»، حَسْبَ ظَنِّهِمْ إبَّانَئِذٍ (وهو، عَلى فكرةٍ، اِنقلابٌ مدرُوسٌ لمْ يتكلَّلْ بأكاليلِ النَّجَاحِ خَلا أيَّامٍ معدُوداتٍ (ثلاثةٍ أوْ يزيدُ) قبلَ قيامِ هذا العسكريِّ «اليَسَارِيِّ» اللاماركسيِّ، منْ طَرَفِهِ هو الآخَرُ، بانقلابِهِ المدرُوسِ «المُضَادِّ» الأكثرِ شُهْرَةً)، فإنَّهُ لا يختلفُ منْ حيثُ المبدأُ، ولا حتَّى منْ حيثُ المَنْهَى، عن أيٍّ منْ تلك الانقلابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، أو منْ حتَّى تلك الانقلابَاتِ العسكريَّةِ، التي قِيمَ بِهَا في أجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ ومُخْتَلِفَةٍ منْ هذا العَالَمِ العربيِّ الحَزِينِ منذُ ذلك الحينِ: فَثَمَّةَ فارقٌ جَوْهَرِيٌّ جِدُّ كبيرٍ، والحَالُ هذهِ، بينَ عَيْنِ «الثورةِ السِّيَاسِيَّةِ»، دَعْكُمَا منْ ذِكْرِ «الثورةِ العسكريَّةِ» إنْ جَازَ استعمَالُ المُفْرَدَةِ الأولى في هذهِ القرينةِ، وبينَ عَيْنِ «الثورةِ الاِجْتمَاعِيَّةِ» التي نحنُ بصَدَدِ الكلامِ المُحَاوَلِ عَنْهَا الآنَ، في هذا المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ بالذاتِ، ذلك الفارقِ الجَوْهَرِيِّ الذي يتبدَّى لِنَاظِرِ البَدَاهةِ حَسْبَمَا كانَ يُسْتَنْبَطُ استنباطًا منْ خلالِ مبادئِ التنظيرِ الماركسيِّ عَيْنِهِ، وحَسْبَمَا كانَ يُسْتَقْرَأُ استقراءً كذاك منْ جَرَّاءِ مَنَاهِي التنظيرِ التروتسكِيِّ عَيْنِ عَيْنِهِ. ولٰكِنْ، ولٰكِنْ، وبالرَّغْمِ منْ كلِّ مَا بَانَ، هُنَا وهُنَاكَ، منْ إرْهَاصَاتِ المُتَوَارَثِ مِنْ ذلك العامِ المشؤومِ، عامِ الانْحِسَارِ الأيديولوجيِّ المَزْؤُومِ، وعلى الرَّغمِ منْ كلِّ تلك الأحَابيلِ والأبَاطيلِ التي باتَ عناصِرُ قادةٌ أو حتَّى غيرُ قادةٍ من «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ» (أوْ، وِفَاقًا لتَسْمِيَتِهِ بالعُرْفِ والاصْطِلاحِ المُعَارِضَيْنِ، بـ«المجلسِ العسكريِّ الانقلابيِّ»)، بَاتُوا ومَا بَرِحُوا، يَخْتَلِقُونَها اخْتِلاقَ أسْلافِهِمْ من  الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ الذينَ «سَادُوا» وَ/أوْ بَادُوا، ويَجْتَرِحُونَهَا منْ ثَمَّ اجْتِرَاحَ مُعاصِرِيهِمْ منهُمْ، منْ أجْلِ إخْمَادِ لَهَبَانِ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ ومنْ أجْلِ القَضَاءِ عَليهِ كُلاًّ وكُلِّيَّةً بأسْرَعِ مَا يُمْكُنُ لّهُمْ زَمَانًا (وبالإيعازِ «المَحَلِّيِّ» المَرْئِيِّ وبالإشرافِ الدُّوَلِيِّ اللامَرْئِيِّ، كمَا أُشِيرَ إليهِمَا قبلَ قليلٍ)، إلاَّ أنَّهُ لا بُدَّ من القَوْلِ بالإشَادَةِ والاسْتِحْسَانِ، دُونَمَا الإغْرَاقِ في أيٍّ منهُمَا، ودُونَمَا الوُقُوعِ بالتَّالي في شَرَكِ «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» المُتَحَدَّثِ عنهُ، هَا هُنَا، فيمَا لهُ مِسَاسٌ بالدَّوْرِ الذي كانَ، ولَمْ يَزَلْ، يقومُ بِهِ أعضاءٌ قياديُّونَ، أو غيرُ قياديِّينَ، من «الحزبِ الشيوعيِّ السُّودانيِّ» بالذاتِ في سَيْرُورَةِ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السِّلْمِيِّ في البلادِ، وفي اسْتِمْرَارِيَّةِ هذا الحَرَاكِ عَلى أكثرَ منْ صَعِيدٍ، ذلك الدَّوْرِ اللَّافتِ للانتبَاهِ الذي يَكادُ أنْ يتفرَّدَ بِهِ هكذا حزبٌ يَسَارِيٌّ ماركسيٌّ منْ بينِ كافَّةِ الأحزابِ اليَسَارِيَّةِ الماركسيَّةِ في العَالَمِ العربيِّ كافَّتِهَا، والذي يكادُ أنْ يَتَرَجَّحَ بالكِفَافِ تَرَجُّحًا حتَّى عَلى النَّظِيرِ اليَسَارِيِّ الماركسيِّ في تونسَ المَعْرُوفِ بـ«الاتحادِ العامِّ التونسيِّ للشغلِ»، Union Générale Tunisienne du Travail (UGTT)، والضَّامِّ كذاك بمعيَّةِ النَّظِيرِ اليَسَارِيِّ الماركسيِّ الآخَرِ المَدْعُوِّ بـ«حزب العُمَّالِ (الشيوعيِّ التونسيِّ)» وُجُودًا طُلاَّبِيًّا من الأهميَّةِ بمكَانٍ منْ صُلْبِ الاتحادِ المَعْنيِّ بـ«الاتحادِ العامِّ لطلبةِ تونسَ»، في حَدِّ ذاتِهِ. وبالأخْذِ بِلُبِّ الحُسْبَانِ هكذا دَوْرًا لافتًا للانتبَاهِ لهكذا حزبٍ يَسَارِيٍّ ماركسيٍّ منْ كلِّ جَانبٍ مُمْكِنٍ، وبالأخْذِ بِعَيْنِ الاِعْتِبَارِ، إضافةً إليهِ، مَا قدْ ترتَّبَ عَلى تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ التي ارتكبتهَا المؤسَّسةُ العسكريَّةُ السُّودانيَّةُ (بالإيعازِ «المَحَلِّيِّ» المَرْئِيِّ وبالإشرافِ الدُّوَلِيِّ اللامَرْئِيِّ ذاتَيْهِمَا)، وبغَايَاتِها الجَلِيَّةِ قبلَ كلِّ شيءٍ في فَضِّ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السِّلْمِيِّ في غِرَارِهِ الاِعتصَامِيِّ ذاك باستخدامِ قوَّةِ الحَديدِ والنارِ، صَارَ واضِحًا للعِيَانِ أكثرَ منْ أيِّ وَقْتٍ مَضَى أنَّ كلَّ الأحزابِ اليَسَارِيَّةِ الماركسيَّةِ واللاماركسيَّةِ والـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، وعَلى الأخصِّ تلك الأحزابَ التي كانتْ، ومَا فَتِئَتْ، تبتغي برغبتِهَا المَاسَّةِ ابتغاءً نوعَيِ التباحُثِ والتفاوُضِ الجَادَّيْنِ بُغْيَةَ التَّوَصُّلِ إلى أنواعِ التَّسْوِيَاتِ مَعَ هذهِ المؤسَّسةِ العسكريَّةِ عَيْنِهَا، إنَّمَا هي الآنَ في موقفٍ قراريٍّ ليسَ لَهَا فيهِ سِوَى أنْ تَنْخَرِطَ بالحَشْدِ انخراطًا في حُشُودِ المُعْتَصِمَاتِ السُّودانيَّاتِ والمُعْتَصِمِينَ السُّودانيِّينَ طُرًّا، وليسَ لَهَا فيهِ كذاك، في آخِرِ المَطافِ، سِوَى أنْ تَتَمَاهَى، عنْ سَبِيلِ «المَنَابِ الإنسَانيِّ الفَرْدِيِّ» الكَنِينِ في سَرِيرَةِ كُلٍّ منْ أعضائِهَا، تَتَمَاهَى بمَا سُمِّيَ في موضعٍ آخَرَ بـ«المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ» Collective Human Agency، وخُصُوصًا حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ – وللتذكيرِ، هَا هُنا، بمَا قِيلَ وَقْتَئِذٍ في هذا الصَّدَدِ: حتىَّ أفراخُ الطَّيرِ تستطيعُ أنْ تُحَلِّقَ في السَّمَاءِ أعْلى مِمَّا تستطيعُ (أنْ «تُحَلِّقَ» عَلى الأرضِ، ولا رَيْبَ) بقُوَّةِ الإرادَةِ في حَدِّ ذاتِهَا، لا بقُوَّةِ الجَنَاحَيْنِ، كَمَا كَانَ الحُكَمَاءُ القُدَامَى يقولونَ وقدْ كانوا عَلى يَقِينٍ مُطْلَقٍ منْ هذا القَوْلِ، وأوَّلُهُمْ كُونْفُوشْيُوسْ.  

غَيْرَ أنَّ الفارقَ «الموضُوعيَّ» الوحيدَ الذي يَبْدُو أنَّهُ قدْ غَابَ غِيَابًا كُلِّيًّا عنْ أذْهَانِ الكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ (بمنْ فيهِمْ كذاك أولئك «الماركسيِّونَ» المَعْنِيُّونَ، عَلى الأقلِّ حتَّى لحظةِ نَقْرِ مِفْتاحِ هذهِ «النُّونِ» الأخيرةِ)، إنَّمَا يَتَكَمَّنُ في الفارقِ الجَوْهَرِيِّ بينَ التَّسْيِيبِ «النَّاسِخِ» للسِّلاحِ الآلِيِّ والعَتَادِيِّ وبينَ التَّسْيِيبِ «المَنْسُوخِ» للإسْلامِ المَالِيِّ والجِهَادِيِّ. إنَّ غَبَاءَ الطَّاغِيَتَيْنِ العسكريَّيْنِ المُصْطَنَعَيْنَ المَعْنِيَّيْنِ في زَمَنٍ مِثْلَ هذا الزَّمَانِ، عبد الفتاحِ البرهانِ وسَاعِدهِ اليَمِينِيِّ محمد الـ«حمدانِ» الـ«دقليِّ» ذي اللقبِ العَامِّيِّ الغَنِيِّ عنِ الذِّكْرِ «حميدتي» (أيْ دَاجِرِ أرْدَأِ التُّمُورِ وتاجِرِ البُعْرَانِ المَأْجُورِ، تحديدًا)، إنَّهُ لَغَبَاءٌ لا يَطْفِرُ هكذا، دُونَمَا سَابِقِ إيمَاءَةٍ، طَفْرًا فُجَائِيًّا، أو بالحَرِيِّ «طُفْرَانًا اِفْتِجَائِيًّا» Abrupt Mutation، عنْ ذلك الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ الذي يتحلَّى بِهِ الآخَرُونَ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، بُغَاةِ التَّهَدُّمِ لا التَّقَدُّمِ، حتَّى يَلْجَآ طَافِرَيْنِ إلى تلك الأحَابيلِ والأبَاطِيلِ الدَّنِيَّةِ والدَّنِيئَةِ كَيْمَا يُوقِعَا إيقاعًا مُتَعَمَّدًا أشتاتَ الأُبَاةِ العُصَاةِ المَدَنِيِّينَ في شَرَكِ الاجترارِ إلى أوْكارِ العِصْيَانِ المُسَلَّحِ، في المُقَابِلِ: فالتَّسْيِيبُ «النَّاسِخُ» للسِّلاحِ الآلِيِّ والعَتَادِيِّ في البُيُوتِ والمَيَادِينِ، كَمَا يكونُ المَآلُ هذا اليومَ في المَشْهَدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودانِيِّ، شَيْءٌ، والتَّسْيِيبُ «المَنْسُوخُ» للإسْلامِ المَالِيِّ والجِهَادِيِّ من السُّجُونِ والزَّنَازِينِ، كَمَا كانَ الآلُ بالأمسِ في المَشْهَدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّورِيِّ، شَيْءٌ آخَرُ!

[انتهى القسم الحادي عشر من هذا المقال ويليه القسم الثاني عشر]

 

غياث المرزوق – لندن

 

علاء اللاميأشاد المرجع السيستاني في خطابه الذي نشره مكتبه اليوم الجمعة، وقرأه السيد أحمد الصافي في الخطبة الثانية ليوم الجمعة، أشاد بتضحيات وبطولات (رجال العراق الابطال شيباً وشباناً ومن مختلف الشرائح الاجتماعية واندفعوا الى ساحات القتال بحماس منقطع النظير وهمّة لا توصف وخاضوا عشرات المعارك الضارية بكفاءة عالية، تجلّت فيها البطولة بأروع صورها وأسمى معانيها، وقد قدّموا في هذا الطريق عشرات الآلاف من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمصابين)، ولم يذكر المرجع اسم أي فصيل أو قوة مسلحة معينة بل وجه التحية لـ (مختلف صنوف القوات المسلحة والاجهزة الأمنية). وقد حذر المرجع من (عدم الاسراع في معالجة مشاكل المناطق المتضررة بالحرب على الإرهاب)، لأن ذلك (يمنح فلول داعش فرصة مناسبة للقيام ببعض الاعتداءات المخلة بالأمن والاستقرار، وربما يجدون حواضن لهم لدى بعض الناقمين والمتذمرين فيزداد الامر تعقيداً)، وقد كرر المرجع في خطبة اليوم نقده الحاد "للمحاصصة المقيتة"، وانتقد أيضا عددا من ممارسات وخروقات النظام ورموزه وقواه النافذة ومنها وحرفيا:

* التكالب على المناصب والمواقع.

* الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والذي لم يقابل بخطوات عملية واضحة للحد منه.

* القوانين التي منحت امتيازات مجحفة لفئات معينة على حساب سائر الشعب لا تزال سارية المفعول ولم يتم تعديلها.

* استمرار الصراع على المغانم والمكاسب وإثارة المشاكل الامنية والعشائرية والطائفية هنا أو هناك لأغراض معينة.

* عدم الاسراع في معالجة مشاكل المناطق المتضررة بالحرب على الارهاب تمنح فلول داعش فرصة مناسبة للقيام ببعض الاعتداءات المخلة بالأمن والاستقرار، وربما يجدون حواضن لهم لدى بعض الناقمين والمتذمرين فيزداد الامر تعقيداً.

إن كلام المرجع السيستاني ليس جديدا، وهو يشكر على هذا الوضوح في كلامه، ولكن الكلام المكرر في هذا الاتجاه لن يكون له أي تأثير إيجابي بعد الآن، بدليل ما حدث في السنوات الماضية ويحدث الآن مع حكومة عبد المهدي. لقد تجاوزت هذه الحكومة كل الحدود المعقولة وخرقت كل الخطوط الحمراء التي لم تجرؤ حكومة قبلها على خرقها وهدرت الثروات والمال العام في مشاريع عبثية ومشبوهة كخط "البصرة العقبة" النفطي، ومشاريع التجارة والحقول المشتركة والأنهار والحدود مع الكويت وإيران والسعودية، وعقود النفط الضخمة مع شركة أكسون موبل الأميركية وعقود الكهرباء الطائلة والتي لم ينتج عنها أي تحسن.

إن الحال مستمر كما كان عليه منذ أول انتخابات أسست لنظام المحاصصة الطائفية والعرقية وشجعت المرجعية على المشاركة فيها ومنذ الاستفتاء على الدستور الاحتلالي " دستور دولة المكونات" الذي دعا المرجع الناس إلى التصويت عليه بنعم!

إن المرحلة الحالية التي يمر بها العراق وطنا وشعبا أكثر خطورة من كل المراحل الماضية، وإنه يوجب على جميع الأطراف التي ساهمت في إيجاد نظام المحاصصة الطائفية ودستوره أن تصحح أخطاءها الفادحة والتاريخية في إنجاب هذا النظام، وإن العقل والواجب الشرعي والأخلاقي يوجب  أن يسحب المرجع الديني  تأييده لهذا النظام ورموزه ويكتفي بأداء دوره الديني الذي وجد من أجله ليحرم بذلك الفاسدين في النظام الطائفي من استعمال المرجعية الدينية وموقعها بين الناس كستار وسند ومتكأ لها ولأطماعها، إذا كان المرجع لا يريد أو لا يقوى على دعوة العراقيين إلى إسقاط هذا النظام بالحراك الشعبي السلمي واسع النطاق... إن البقاء الحال على ما هو عليه من فساد وهيمنة سوداء للجهلة الفاسدين والفاشلين سيوصلنا جمعيا إلى نقطة خطرة قادمة لا رجعة عنها ولن يفلت من لهيبها أي طرف من الأطراف المتسببة في هذه المأساة التي طالت أكثر مما يجب! 

وخلاصة القول في ذكرى الاجتياح التكفيري الداعشي أن هناك حقائق بطعم العلقم لابد من التذكير بها ومنها:

* إنَّ اجتياح داعش وانتصاره السهل على المؤسسة العسكرية العراقية التي شكلها الاحتلال الأميركي سببه الأول والأهم وجود نظام المحاصصة الطائفية العرقية ودولة المكونات ودستورها!

* إنَّ نظام المحاصصة ودولة المكونات ودستورها لم تسقط على العراق من سماء صافية بل جاء بها الاحتلال الأميركي وأقامتها وشجعتها وخدعت الناس ودفعتهم لتأييدها جهاتٌ مدنيةٌ ودينيةٌ، داخليةٌ وخارجيةٌ معروفةٌ، وهذه الجهات ماتزال تدعم هذا النظام الفاسد الخَطِر وتحاول أن تنقذه كلما وقع في أزمة!

* إنَّ استمرار وجود هذا النظام الطائفي وركائزه وداعميه يعني استمرار وجود التهديد باجتياح داعشي أو شبه داعشي قادم طال الزمن أو قَصُر.

* إنَّ أولاد الفقراء والكادحين العراقيين هم الذين أنقذوا العراق من اجتياح داعش وبذلوا الأرواح والدماء والفضل الأول لهم، لهم هم فقط، ومن يمنح الفضل لغيرهم من أصنام السياسة والدين يهين ذكراهم النبيلة وتضحياتهم العظيمة!

* إنَّ العراق ليس بحاجة إلى المزيد من الأصنام السياسية والطائفية، والعراقي الوطني الحقيقي هو الذي يحتفل بذكرى الانتصار على داعش ويعمل على كنس النظام الذي سمح وسهَّل وتآمر لتنتصر داعش.

 

علاء اللامي

................

* رابط يحيل إلى نص كلمة المرجع السيستاني على موقعه الرسمي:

https://www.sistani.org/arabic/archive/26306

/

راضي المترفيكل عام والصحافة العراقية وحملة الاقلام فيها بخير

يصف شاعر دخول زينب بنت علي بن ابي طالب واخت الحسين عليهم السلام مسبية بعد مقتل اخيها في كربلاء على مجلس الخليفة الاموي حيث يقول :

(واشد مايشجي الغيور دخلها

الى مجلس مافرق اللهو ساعة)

هذا البيت استحضرته ذاكرتي بعد ان عرفت ان نقابة الصحفيين دعت من يحملون شهادة (الدكتوراه) دون غيرهم من الصحفيين العراقيين للاحتفال معهم والاحتفاء بهم بمناسبة يوم الصحافة العراقية واستبعد ان يكون النقيب خلف الدعوة لسببين الاول انشغال النقيب بترتيب وضعه الخارجي والثاني لم يكن النقيب من حملة شهادة الدكتوره لا بل لم تطأ قدماه كلية الاعلام طالبا الا بعد وصوله لموقع النقيب واكاد اجزم ان من يقف خلف الدعوة لم يكن صحفيا حقيقيا وانما وصوليا متمرس ولو كان فعلا صحفيا لعرف ان الاقلام التي حفرت لها اسماء في سجل صاحبة الجلالة لم يكن بينها من هو (دكتور) الا نادرا وللتذكير فقط ان اغلب حملة الدكتوراه الذين مارسوا العمل بعد عام 2003 فشلوا في الميدان والدليل العميد الحالي للكلية له تجربتان في اصدار الصحف فاشلة وكذلك زميل دكتور اخر في حين تعج جمهورية مرجان بنساء عملن قريبا من الصحفيين في الصحف وتعلمن الشيء اليسير لكن طموحهن الكبير وحلمهن بأن يكن صحفيات دفعهن الى اصدار صحف وللامانة نجحن على عكس (دكتورات) الاعلام واستمرت صحفهن بالصدور ولازالت تصدر رغم ان اغلبهن لم يتجاوزن الابتدائية ولكم ان تقارنوا بين نجاحهن وفشل الـ (دكتوراه) وعلى مساحة الصحافة والاعلام في العراق تنتشر اقلام وطاقات لاحصر لها لاتحمل الدكتوراه لكنها تحمل هموم ذاتية وهموم الوطن والمهنة وتحفظ ابجدياتها عن ظهر قلب يدوسون على الخطر ويسيرون فوق الالغام وفوق راسمه سيف مسلط اسمه (محكمة النشر) ويحيط بهم الخوف ممثلا بحمايات المسؤولين وبطاناتهم من غير ان يتسلحوا بالدكتوراه ولم يحلموا بتكريم النقابة التي اشترطت لتكريمها ان يكون المكرم يحمل (الدكتوراه). اعود الى محل الشاهد (بيت الشعر) اقول ان كل صحفي فكر ان يدخل بناية النقابة ولايحمل شهادة الدكتوراه سيكون دخوله للنقابة التي خصت (الدكتور) الذي فشل في الميدان بالتكريم عليه ان يعي ان النقابة اصبحت نقابة نخبة ودخوله لها بمناسبة عيد الصحافة العراقية هو اشبه بدخول زينب الى مجلس يزيد .

 

راضي المترفي

 

بكر السباتينبدأت شبكة نيتفليكس بث مسلسلها "جن" الأردني على قنواتها، ويسلط مسلسل "جِن" الضوء على جمال البيئة فى الأردن وحياة المراهقين، ليقدم للعالم المعاصر لمحة عن الفلكلور الشرق أوسطى الفريد، ويطرح مواضيع معاصرة حول أساطير الجِنّ من خلال قصة غابرة خارقة للطبيعة عن الصداقة والحب والمغامرة كتبها مخرج المسلسل مير جان بو شعيا عبر فيها عن واقع الشباب الأردني في منطقة متوارية عن العيون.. وكأنه يحاول تسليط الضوء عليها فهل وفق في ذلك!.

إذ تخلل القصة رحلة ترفيهية لبعض الشباب الأردني ما بين أعمار 16- 17 للبحث عن الجن بمرافقة المرشدة الاجتماعية..فيما توضع صداقات هؤلاء الشباب وعلاقاتهم الرومانسية الناشئة على المحكّ حين يستحضرون وبغير قصد قوى خارقة من الجنّ فهل سيتمكن الأصدقاء من الاتحاد معًا وإيجاد الإجابات اللازمة لإنقاذ كل شيء حين يبدأ صراع الخير والشّر؟ إلى هنا وقصة المسلسل مشوقة وواقعية؛ ولكن التركيز في المسلسل على المنطقة المظلمة في المجتمع وتسليط الكشافات عليها من حيث مشاهد التقبيل والكلام البذيء والإيحاءات الجنسية من باب الإقحام وليس التوظيف.. فهذا يعني بأن الأهداف حرفت المسلسل عن سياق رؤيته التربوية رغم أنه يعكس الواقع بين الشباب بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإباحية بشكل مخيف.. وبات الهدف الحقيقي من المسلسل ترفيهياً.

وفي سياق متصل أثار عرض المسلسل جدلاً واسعاً، وانتقاداً شديداً، تعرضت له شبكة "نتفليكس"، من الشعب الأردني، بعد طرحها الحلقات الخمس التي يتكون منها الموسم الأول من مسلسل "جن" الأردني، أول إنتاجات "نتفليكس" العربية، والذي تم تصويره في مدينة البتراء السياحية.

لقد أثار المسلسل استياء الجمهور الأردني الذي عبر عن غضبه عبر "تويتر" مطالبين المسؤولين للتدخل، ووقف عرضه، وقد نشرت الصحف الأردنية مساء الخميس الماضي، أنباء عاجلة عن تدخل مدعي عام عمان، والذي أوعز إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، في مديرية الأمن العام، باتخاذ الاجراءات الفورية لوقف بث المسلسل.

بقي أن نعرف بأن العمل من إخراج مير جان بو شعيا.. ويشارك في بطولة المسلسل مجموعة من النجوم الصاعدين في المنطقة، حيث تلعب سلمى ملحس دور ميرا، المراهقة المتمردة التي دمرها فقدان والدتها، وتحاول أن تتعلم كيف عليها أن تحب من جديد حين تقابل كيراس، الذي يؤدي دوره حمزة أبو عقاب، الجنّي المكلف بحراسة الجنّ المذنبين.. ويلعب سلطان الخليل دور ياسين، الذي يكافح في عالم يبدو متآمرًا ضده، ونتابع قصته القديمة التي أثارتها صداقته غير الطبيعية مع فيرا.. عائشة، التي تبحث عن الانتقام بأي ثمنٍ كان. وينضم إلى ميرا صديقاها فهد (ياسر الهادي)، وليلى (بان حلاوة ) في معركة لإنقاذ ياسين من براثن فيرا قبل فوات الأوان.

 ومنتجة المسلسل نتفليكس هي شركة ترفيهية أمريكية أسسها ريد هاستنغز ومارك راندولف في 29 أغسطس، 1997، في كاليفورنيا. تتخصص نتفليكس بإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، وتوزيع الفيديو عبر الإنترنت.

ولا أدري في المحصلة كيف فكرت الشركة في الاستثمار داخل الأردن من خلال مسلسل جن! ما هي الجدوى الاقتصادية من ذلك! أم أن الأهداف الكامنة وراء ذلك تذهب بنا إلى موضوع فضح خفايا المجتمع الأردني كواقع اعتيادي من أجل الترويج السلبي لهذه الطباع المستهجنة! الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة وخاصة أن بعض الأهالي سمحوا لأبنائهم التعاطي مع هذه المشاهد تحت اسم الفن والحرية الشخصية وكأن ما يشاهده الجمهور من احتساء للخمر والحشيش وتبادل القبل والألفاظ الجنسية بين المراهقين  مجرد واقع اعتيادي لا يمكن تجاهله وليس أزمة أخلاقية تسيطر على سلوك الشباب وتبحث عن ترويض وحل.

 

بقلم بكر السباتين

 

عدنان ابوزيدالحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، فيما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.

وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإنْ امتلك أسباب البأس، فيما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.

وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن

حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.

يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".

وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.

والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.

النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.

والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب.

والخلاف على مصادر المياه بين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.

العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، مشروع قتال..

النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..

الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..

تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيويبا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..

الخلافات حول الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا وامريكا، مشروع إبادة شاملة.

الاتفاق النووي وتداعياته بين أمريكا وإيران، مشروع انهيار أمم.

لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة.

وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على أنْ لا يصغر حجم رغيف الخبر، وأنْ تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب،

والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.

 

الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص.

سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لابد من الحوار.

الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..

الحرب العالمية الأولى، ( 1914- 1918 ) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لابد من

الحوار عبر معاهدة فرساي.

الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار.

الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 1988-)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان.

ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق.

ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.

العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي

وإنْ طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت

نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.

 

عدنان ابو زيد