امجد الدهاماتكالعادة ينقسم العراقيون، كما في أي موضوع آخر، حول الفدرالية ما بين مؤيد أو معارض لها، وقد نسوا ان اغلبيتهم قد وافقوا على دستور (2005) الذي نصَّ على الفدرالية وحرية تكوين الأقاليم في العراق، وكانت الحجة الرئيسية لدى الرافضين للفدرالية انها يمكن أن تؤدي الى تقسيم البلد!

حسناً، لنطلع على تجارب العالم ولنرى هل الفدرالية قسمت البلدان أم وحدتها؟

بنظرة سريعة على خريطة العالم سنرى ان تطبيق الفدرالية والحكم الذاتي الموسع كان السبب الرئيسي لعدم تقسيم الدول التي تتكون من قوميات، أعراق، لغات، أديان ومذاهب متعددة، وان عدم تطبيق الفدرالية أو إلغاء تطبيقها كان السبب المباشر لتفكك تلك الدول أو محاولة أجزاء منها الانفصال عنها.

هل تريدون، أيها السيدات والسادة المعترضون، دليلاً على هذا الكلام؟

اذن هاكم هذه الأدلة:

كانت بلجيكا تعاني من مشاكل كثيرة بين مكوناتها العرقية واللغوية الثلاثة (الفلامينك، الوالون، الجرمان)، فكان الحل الفدرالي هو أفضل الممكن للحفاظ على وحدة البلد وعدم تقسيمه فتحولت عام (1993) من دولة مركزية إلى دولة فدرالية وتم انشاء ثلاثة أقاليم (Flemish، Wallonia، Brussels).

وكذلك حفظت الفدرالية وحدة بلدان كثيرة، مثل: الولايات المتحدة، المانيا، سويسرا، الهند، ماليزيا، جنوب افريقيا، البرازيل، الارجنتين، وغيرها. 

بينما كان السبب المباشر لبداية نضال ارتيريا للانفصال عن اثيوبيا هو إلغاء النظام الفدرالي الذي كانت تتمتع به من قبل الامبراطور (Haile Selassie) عام (1961) الامر الذي أدى الى استقلالها (1993).

وكذلك سبب بداية الحرب الأهلية السودانية هو إلغاء فدرالية الجنوب من قبل الرئيس (جعفر النميري) عام (1983) وكانت النتيجة استقلال دولة جنوب السودان (2011).

وتكرر نفس الامر عندما ألغى الرئيس الصربي (Slobodan Milosevic) الحكم الذاتي لإقليم كوسوفو (Kosovo) عام (1989) فكانت النتيجة الحتمية انفصال الإقليم (2008).

اما محاولة إقليم بيافرا (Biafra) الانفصال عن نيجيريا واندلاع الحرب الاهلية (1967) فكانت بسبب عدم منحه صلاحيات كافية لإدارة شؤونه الداخلية، وهو سبب تمرد ومحاولة انفصال إقليم الباسك (Basque) عام (1968) عن اسبانيا، ومحاولة انفصال مقاطعة ايرلندا الشمالية (Northern Ireland) عن بريطانيا والتي انتهت باتفاق الجمعة العظيمة (1998) الذي مُنحت بموجبه حكماً ذاتياً موسعاً، وكذلك سبب محاولة جزيرة أنجوان (Anjouan) وجزيرة موهيلي (Moheli) الانفصال عن دولة جزر القُمر ولم تنتهي هذه المحاولات إلا عام (2001) بعد تعديل الدستور وإنشاء نظام فدرالي وتداول رئاسة الدولة بين الجزر.

بينما لم يحصل مثل هذا التمرد في زنجبار (Zanzibar) لأنها عندما اتحدت مع تنجانيقا لتشكيل دولة تنزانيا (1964) تم منحها حكماً ذاتياً بصلاحيات محلية كبيرة.

وأيضاً ساهم منح هونغ كونغ (Hong Kong) عام (1997) وماكاو (Macao) عام (1999) استقلالية كبيرة في إدارة شؤونهما الخاصة في تسهيل رجوعهما إلى الصين وتخلصهما من الاستعمارين البريطاني والبرتغالي.  

إذن، على عكس رأي المعترضين، ان السبب الرئيسي لتفكك وانقسام الدول المتعددة المكونات هو الحكم المركزي الدكتاتوري وعدم تطبيق الفدرالية بالإضافة الى تصاعد الروح القومية بتأثير من السياسيين القوميين المتعصبين، كما حصل في الاتحاد السوفيتي (السابق) الذي تفكك إلى (16) دولة عام (1991)، ويوغسلافيا (السابقة) التي انقسمت الى (7) دول (1991)، إذ رغم انهما دولتان فدراليتان بالأسم، إلا ان نظام الحكم فيهما شديد المركزية وكل الصلاحيات بيد الحكومة الاتحادية الدكتاتورية ولا توجد صلاحيات مهمة لدى الحكومات المحلية للجمهوريات المكونة للبلدين، فكانت النتيجة الحتمية هي الانقسام، وهو السبب الرئيسي لانفصال سوريا عن مصر (1961)، وانفصال بنغلادش عن باكستان (1971)، وانقسام تشيكوسلوفاكيا الى دولتين (تشيك وسلوفاكيا) عام (1993).

ولو تم تطبيق الفدرالية عند اتحاد دولتي اليمن الشمالي واليمن الجنوبي (1990) لما حدثت الحرب الأهلية الانفصالية بينهما عام (1994)، ولكن عندما حصل الحوار الوطني اليمني عام (2014) كانت الفدرالية أحد مخرجاته حيث تم الاتفاق على إنشاء (6) أقاليم اتحادية.

وكذلك عدم تطبيق الفدرالية في قبرص وقيام الرئيس (Makarios) عام (1963) بتعديل الدستور لتقليص الحقوق السياسية للقبارصة الأتراك أدى الى انفصالهم واعلان (جمهورية شمال قبرص التركية).

وأيضاً لو تم تطبيق الفدرالية في تيمور الشرقية (East Timor) لما انفصلت عن اندونيسيا (1999)، ولكن بعد الانفصال تعلمت الحكومة الاندونيسية الدرس فمنحت الحكم الذاتي الموسع لإقليم بابوا (Papua) عام (2001) وإقليم آتشيه (Aceh) عام (2005) بعد تمرد طويل ومطالب بالانفصال، وكذلك الحال في إقليم بانجسامورو (Bangsamoro) الذي منحته الحكومة الفلبينية الحكم الذاتي (2014) بعد تمرد عسكري للحصول على الاستقلال بسبب قيام الرئيس (Ferdinand Marcos) بإلغاء الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به شعب مورو (Moro) منذ عام (1976)، وحتى الحل المقترح لمشكلة الصحراء الغربية القائمة منذ عام (1975) هو منحها الحكم الذاتي ضمن المغرب الذي طرحه الملك محمد السادس عام (2007).

ثم يذكر المعترضون، لتأييد رأيهم، استفتاءات الانفصال التي جرت في إقليم كيبك (Quebec) الكندي عامي (1980، 1995)، ومقاطعة اسكتلندا (Scotland) البريطانية (2014)، وإقليم كتالونيا (Catalonia) الاسباني عام (2017).

ولكن هذه الحجة غير ناهضة أيضاً، وبدون الدخول في التفاصيل خشية الاطالة، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وجرت هذه الاستفتاءات تحت مبدأ حق تقرير المصير (Self-determination) الذي كفلته الأمم المتحدة، وليأس هذه الاقاليم من استجابة حكوماتها الاتحادية لمطالبها المستمرة في منحها المزيد من الصلاحيات لحكم نفسها.

علماً ان أحد أسباب إستفتاء كتالونيا هو إلغاء الحكم الذاتي للإقليم من قبل الدكتاتور (Francisco Franco) ثم ارجاعه مرة أخرى عام (1979) وبعدها ألغاء المحكمة الدستورية جزءاً منه (2010)، ولكن بعد الاستفتاء اقترح رئيس الوزراء (Pedro Sanchez) تقديم المزيد من الصلاحيات للإقليم مقابل التخلي عن فكرة الانفصال.

ونظراً لكون الحكومة المحلية في اسكتلندا لا تتمتع بصلاحيات كبيرة لحكم المقاطعة وعدم موافقة الحكومة الاتحادية على تفويضها المزيد من الصلاحيات، فقد قررت إستفتاء الشعب للإنفصال عن المملكة المتحدة، علماً ان رئيس وزراء بريطانيا (David Cameron) قد وافق على اجراء هذا الاستفتاء، بمعنى انه قانوني.

وحالة إقليم كيبك مشابهه للحالتين السابقتين تقريباً، بالإضافة الى النزعة القومية والأسباب الاقتصادية.

إذن، الاحداث في مختلف دول العالم لا تؤيد الرأي القائل ان الفدرالية تؤدي الى التقسيم، بل بالعكس ان الفدرالية هي الحل الأفضل للدول المتعددة المكونات.

وبالتأكيد هي أفضل حل للعراق.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

بكر السباتينفي ميدان تويتر تشتم رائحة الحريق من خلال التغريدات الدبلوماسية المتبادلة بين أطراف النزاع في الخليج العربي، والتي أصبحت تقليداً عالمياً لقياس ردود الأفعال على القرارات المزمع اتخاذها في كل الدول.. وفد عودنا ترامب على هذا النهج حتى بات المترجم الحقيقي لمفهوم التغريد خارج السرب كونه لا ينسق في ذلك مع الكونغرس الأمريكي.

أما خليجياً وفي ظل التداعيات الأخيرة المتسارعة في الخليج العربي وتحديداً حرب ناقلات النفط في ميناء الفجيرة الإماراتي وبحر عمان، حيث تأخذ المنطقة الخليجية إلى هاوية حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، ميدانية كانت أو على شكل ضغوطات تمارسها إمريكا على إيران، ترجمة لصراع إقليمي بين إيران وخصومها وفق ما رمزتهم بالحرف "ب" (بولتين، بن سلمان، بن زايد، نتنياهو). من هنا فإن أي تغريدة تطلق من طرفي النزاع سيكون لها وزن الجمل فلا تقاس بوزن الذبابة ما دمنا نصول ونجول في سياق الحرب التي يشهدها ميدان تويتر من خلال تغريدات المسؤولين والذباب الإلكتروني. من ذلك على سبيل المثال ما غرد به وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حيث قال:

“توجيه الولايات المتحدة الاتهامات ومن دون تأنٍ ضد ايران، ومن دون ان تقدم واشنطن اي برهان على ذلك وادلة واقعية، وهذا يكشف بكل وضوح بأن فريق “ب” (بولتون، ابن زايد، ابن سلمان، وبنيامين نتنياهو) ماض في مخطط “ب” في الديبلوماسية الهدامة والتي ترمي الى تخريب مساعي خطوات رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي؛ وذلك بغية التغطية على الارهاب الاقتصادي المعادي لايران”. مكملاً:“إن حكام الامارات يسعون لأن تكون دولتهم إسرائيل ثانية في المنطقة”. وهي تلميحات ليست جديدة ألبست للإمارات من قبل الإعلام العالمي إزاء دورها المشبوه في اليمن وقطر وليبيا وغزة ومصر والسودان ومحاولاتها اليائسة في الأردن حتى جزر الواق واق الأسطورية.

وفي إطار عاصفة إعلامية شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي، ليخرج الرد الإماراتي المنتظر "الكاسح"!! في تغريدة مختصرة لأنور قراقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، والذي عودنا على لغة الردح الإعلامي في كافة القضايا، وخاصة أنه من المتهمين بإدارته للجيش الإلكتروني الإماراتي، الذي وظف جيداً في التمهيد عربياً لصفقة القرن وإظهار "إسرائيل" كحليف ضد محور المقاومة الذي تمده إيران بالمال والسلاح لمواجهة العدو الإسرائيلي الحقيقي، حيث يقال أيضاً في سياق ذلك بأن قراقاش هو المسؤول عن الصندوق المالي الأسود الذي تحفظ فيه أموال الرشاوي الإماراتية، حيث توزع على نطاق واسع لشراء الذمم في كل دول العالم؛ بغية إشعال الفتن الطائفية والتأثير على مؤشرات الرأي العام العالمي لصالح أجندة "ب" التي ذكرت في السياق أعلاه.. فاختصر قرقاش الرد قائلاً في تغريدة على تويتر قبل أسبوع:

"إن مصداقية وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف تتضاءل”.. وهو رد فيه استخفاف واضح للطرف الإيراني الذي لم يسكت عليها حيث جاء الرد الإيراني على هذه التغريدة بإسم الخارجية الإيرانية سيد عباس موسوي في تغريدة أوضح من خلالها كل مساعي الإمارات التخريبية في الشرق والغرب من خلال دفع الرشاوي وتوزيعها كهبات على ضعاف النفوس، فقال:

“من ليس لديهم منذ البداية لا مصداقية ولا شرعية ولا استقلال، وهمهم الأول شراء الامن الورقي من الغرب، ونظرة الغرب لهم على أنهم بقرة حلوب، من الافضل الصمت وعدم التحدث عن المصداقية الكبيرة لمسؤولي الجمهورية الاسلامية الايرانية الذين يمكنهم سكب المياه في وكر النمل بتغريدة”. ملمحاً في ذلك إلى فشل الدورالأمريكي والمدفوع الأجر من الأموال الخليجية بالمليارات، في حفظ أمن الخليج بالإضافة لنتنياهو الذي كان يتباهى في كل مناسبة بأنه ضامن أمن السنة والخليخ في إطار سكب الزيت على النار لحرق ثروات العرب في الخليج مجاناً لصالح تثبيت هويته ووجوده.

في المحصلة فقد تحول تويتر إلى ساحة حرب إعلامية يتراشق عبرها المتخاصمون التغريدات "بعيدة المدى" كأنها صواريخ تصيب العمق المعنوي للطرفين وتؤثر فيه.. ومواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر غدت الميدان الأساسي لهجمات الذباب الإلكتروني (الجيش الإلكتروني) الذي يملأ طنينه الفضاء الافتراضي بالإشاعات.. وما يدور بين الإمارات وإيران خير مثال على ذلك.

 

بقلم بكر السباتين

 

تداولت وسائل الإعلام خبر تلويح رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالاستقالة في حال عدم الانتهاء من التصويت على ما تبقى من كابينته الوزارية، ودائماً ما يلجأ الأخير إلى التلويح بها عندما يشعر بأنه وسط مأزق، ولا مجال للخروج إلا بهذه الوسيلة، ما عده البعض أسلوب ضعف وليس قوة في مواجهة المشاكل والتحديات التي تواجه العملية السياسية، ومع تسلم رئيس الحكومة مهامه يتبادر إلى الأذهان ما يرد طوال الفترة الماضية من التلويح بالاستقالة وقت شاء، خصوصاً وأن ما يجري على الساحة السياسية والحراك السياسي الذي يمر بحالة تخندق نتيجة التدافع والتسابق والتسقيط المتبادل في ظل الصراعات الداخلية والتجاذبات والتداعيات الإقليمية للمنطقة، والتي تؤثر بشكل مباشر على المشهد العراقي، خصوصاً مع التشظي الواضح في الكتل السياسية والاختلاف في الرؤى، وهو المأزق الذي يحاصر عبد المهدي ويجعله مقيداً في اختيار قراراته .

عبد المهدي قدم وعوداً للكتل السياسية وللجمهور أن تكون كابينته الوزارية بعيدة عن المحاصصة، وتعتمد التكنوقراط في الاختيار الأمر الذي كان حافزاً في استخدام الوسائل الالكترونية في الاختيار، والذي تجاوز فيه عدد المتقدمين أكثر من 30 ألف متقدم، والذي لم يرشح أي من هولاء لأي منصب حكومي، ولكن يبقى هذا الأمر على الورق دون أي خطوات في الاختيار، وتم تشكيل الحكومة على أساس المحاصصة الطائفية والقومية، ولحد الآن لم يصادق على أربع وزارات نتيجة لهذه الخلافات والصراعات، وما شهدناه من صراع على حقيبتي الداخلية والدفاع، إلا دليلاً على ذلك، وهذا يؤكد أن سيناريو الضغط على فرض الإرادات والتهديدات، كما هو الحال في السابق ما يجعل عجلة الفساد تدور بوتيرة أسرع، وتجعل الفاسدين أكثر سطوة ونفوذاً، وهذا ما جعل الأمور تسير نحو التعقيد والإرباك، وهذا ما يؤثر على الواقع السياسي والأمني في البلاد .

تركة ثقيلة جداً على حكومة عبد المهدي ولكن كيف سيتعامل معها؟ اعتقد أن سوف يحاول إصلاح جزء معين من المشاكل التي يعاني منها العراق، بينما سوف يتجاهل المشاكل الأخرى لخشيتهِ ترك السلطة أو التصادم مع الأحزاب، وبالتالي فأن الحلول القادمة ستكون نصفية وليست كلية والمعالجات جزئية . أن عبد المهدي يمتلك الفرصة من خلال خلفيته السياسية المتعددة والتي قد تكون له نوعاً من الانفتاح السياسي؛ ولكن في الحقيقة أن الحاكم الحقيقي في العراق هي الأحزاب السياسية التي خلقت هذه التركات، وهناك سلطة تحكم العراق حالياً وهي من أوصلت البلاد إلى ماهو عليه الآن وهي من كلفت السيد عادل عبد المهدي بمهام رئيس الوزراء، لهذا فان فرصة الاستقالة مغلقة تماماً، ولكن في المقابل فان فرص الإقالة مفتوحة وبأساليب متعددة .

 

محمد حسن الساعدي

 

شاكر فريد حسنفي التاسع من ديسمبر الماضي اندلعت الاحتجاجات السلمية في السودان، وذلك تحت وطأة التردي الاقتصادي، حيث طالب المحتجون بتحسين الاوضاع الاقتصادية والمعيشية، ثم ارتفع سقف المطالب إلى الاطاحة بعمر البشير، ومع تشبث البشير المجرم بالسلطة، وعجز النظام السوداني الحاكم عن الوفاء وتحقيق المطالب الجماهيرية، تم تطوير أسلوب الاحتجاجات، والانتقال من التظاهرات إلى الاعتصام المفتوح أمام مقر قيادة القوات المسلحة، لينتهي الامر بانتصار الارادة الشعبية بسقوط نظام البشير والإطاحة به وفراره في الحادي عشر من نيسان المنصرم .

لكن الذي حدث أن الطغمة العسكرية سرقت السلطة بعد الاطاحة بعمر البشير وزبانيته، ما يعني أن السودان الغارق في صراعات مريرة متواصلة منذ سنوات طويلة، يعيش الآن مرحلة سوداء أخرى في تاريخه، وفي طريقه إلى المجهول من جديد بفعل اللعبة القذرة التي تديرها قيادة العسكر السودانية .

لن يكون السودان بخير، ولن يعيش شعبه حياة هانئة وسعيدة، ما دامت النظم السياسية المستبدة تحكمه، وتسرق خيراته، وتغتال أصوات الحرية والعدالة والديمقراطية فيه .

ولكن مهما طال الليل والسحب الحالكة، ورغم الممارسات الاستبدادية  العسكرية، فإن الشعب السوداني مصمم على مواصلة درب الكفاح والاحتجاج والثورة الشعبية، حتى تتحقق مطالبه وآماله وأحلامه بمعانقة ضوء الشمس والحرية، وسيخرج  في نهاية المطاف منتصرًا عزيزًا شامخًا كالرواسي والجبال، وسيحرر أجهزة الدولة من الذين اغتصبوا السلطة بالقهر والاستبداد، وبالحديد والنار . والنصر دائمًا وأبدًا حليف الشعوب المستضعفة المناضلة والمكافحة، المؤمنة بالغد السعيد والمستقبل الجميل .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

قال تعالى: "مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين " .

ﻻ أجد حرجا بالإنتقاص من أسطوانة المارد والقمقم المشروخة والإستهزاء بها ذاك أنها من وجهة نظري أحط عبارة تناقلها المثقفون والكتاب وبعض الساسة والمصلحين طوال عقود وترديدهم كالببغاوات عبارة "متى ما خرج المارد من القمقم فويل للغرب " إذ ليس بالمارد الخارج من إناء معدني أو خزفي ضيق الرأس تحبس مردة الجن داخله بزعمهم تتقدم وتنتصر اﻷمم، وإنما بتحرير العقل الجمعي من اﻷساطير والخرافات، وﻻ غرو أن يخرج المارد من القمقم ضاحكا " هاهاها " على العقول الساذجة التي تصدقه وتؤمن بقدراته الخارقة لتغيير واقع أسهم أبناؤه على مستوى الشعوب والقادة بإنهياره كليا !

سخف العبارة يكمن في إن فكرة " القمقم والمارد " فكرة شعوبية إقتبسها الإستشراق وهللت لها هوليوود وآخر تهليلة تمخضت عن فيلم " علاء الدين " الذي يتصدر شباك التذاكر حاليا بإيرادات فلكية وصلت حتى كتابة السطور الى 650 مليون دولار، حيث يؤدي الممثل ويل سميث، دور - الجني - في الفيلم، والفكرة كلها قائمة على أساس رجال ﻻ إرادة وﻻعزيمة وﻻذكاء لهم و ليس بوسعهم فعل أي شيء غير الخرافات والاستعانة برجال من الجن، أو برجال من المارينز، السي اي ايه، الموساد، بلاك ووتر، MI6، S V R لتحقيق مآربهم والمحافظة على ملكهم ..فزادوهم رهقا".

وهذا ما يحدث واقعا فترى - الروزخون - حين يريد الثناء على شخصية تأريخية ما فأنه يلف ويدور ويلجأ الى قصص ﻻيصدقها العقل بهدف إبهار الجموع فتخلص من طرحه البائس الى نتيجة مفادها،أن " ليس للرجل الممدوح ميزة تستحق الذكر بهدف الإبهار والدليل لجوء المادح الى اﻷساطير للثناء عليه من دون التطرق الى قصة واقعية واحدة قابلة للتصديق والإعجاب فضلا عن التقليد خلال العرض " وهنا مكمن الخطر الداهم، فهذا المادح اللعين يطعن بالممدوح بزعم مدحه والثناء عليه فيما هو يذمه واقعا وهذه واحدة من أحابيل الشعوبية الحاقدة !

انت وعندما تقول،توماس اديسون، مخترع المصباح الكهربائي الذي ينير حياتنا فهذا يكفي لمدحه ..الكسندر فيلمنك، مكتشف البنسلين الذي يعالج أمراضنا فهذا كفيل بالثناء عليه ..هوارد ايكن، مخترع الحاسوب الذي غير حياتنا يكفي للفخر ..اﻻ أنك عندما تلجأ الى المارد والقمقم والبساط السحري وافتح ياسمسم لمدح أعلامنا اﻷعلام، فهذا خطاب العاجزين للثناء على الغابرين ليس إلا، وبناء عليه فأنا أفهم جليا لماذا لم تكن معجزات النبي اﻷكرم صلى الله عليه وسلم معجزات حسية مع وقوع الحسيات منها وإنما منهجية، فكرية، عقدية،تربوية، أخلاقية ذاك أن المعجزات الحسية تذهب مع من عايشها ورآها عين اليقين فحسب وهي غير قابلة للابهار بمرور الزمن بخلاف المنهجية المتجددة والمبهرة في كل زمان ومكان تتلمس ذلك مع كل إحصائية جديدة صادرة عن منظمة الصحة العالمية عن ما تسببه الخمور والمسكرات والمخدرات التي حرمها الاسلام من مآس ﻻتحصى بالبشرية ..مع كل دراسة علمية رصينة لمركز بحثي عالمي بشأن اﻷمراض واﻷوبئة القاتلة التي يسببها الإنحلال الجنسي الذي حرمه الشارع الحكيم ..مع كل إنهيار إقتصادي بسبب القروض الربوية التي حرمها الدين الحنيف يكبل بها البنك الدولي ضحاياه من الحكومات والشعوب والدول على سواء ...وقس على ذلك كل متجدد وجماع الفكرة قوله تعالى: (وما منعنا ان نرسل بالايات الا ان كذب بها الاولون) وبالتالي فلا نريد ماردا يخرج من القمقم ضاحكا ليغير حياتنا نحو اﻷفضل بقدر حاجتنا الى عقل جمعي واع يغادر - الميثولوجيات - ليصنع أمجاده بنفسه بغير الإستعانة بمردة وﻻ مصابيح وﻻبسط ولا عصي سحرية كثيرا ما تذرع بفقدانها ساسة - الكراث والفجل - لتبرير فشلهم فتسمع الى بعضهم حين تدلهم الخطوب من حولهم يرددون خلال المؤتمرات الصحفية " ليس معنا عصا سحرية لتغيير الواقع " ومن قال لكم أن العصي السحرية غيرت واقعا عبر التأريخ ؟ من أخبركم أن الناس المتعبة بحاجة الى تلكم العصي التي ﻻتملكونها ؟ إنهم بحاجة الى برامجكم الفاعلة، نزاهتكم، كفاءتكم، خبراتكم، إخلاصكم، وطنيتكم، ﻻ الى سحركم وطلاسمكم وعصيكم ياكهنة فرعون وشخصيات أفلام الكارتون !

اليوم يواجه العراق ظاهرة تتنامى بقوة يقودها ما يسمى بـ" الروحانيين " وهي تسمية يراد منها تحسين صورة - المشعوذين والدجالين - تشبه اطلاق - المشروبات الروحية - على الخمور بأنواعها، ومن أشهر الدجالين ﻻعب كرة القدم المعروف باللغة العربية - ابو علي الشيباني - ومعلمه الذي لم يفصح عن اسمه، وكذلك حجي ثقب " الروحاني احمد الوائلي " الذي يناصب الشيباني العداء ويبيع عبوات العسل الصغيرة بـ 100الف $ كونها الشافية المعافية التي تشبه - جكليتة أحدهم التي تشفي الواحدة منها قبيلة بأكملها على حد غثائه -، اضافة الى المدعو سنما الذي يقدم نفسه على أنه خبير أبراج وباراسيكولوجي ومتخصص في العلاج بالطاقة والفنغ شوي - وهي فلسفة صينية قديمة تعنمد على الطاقة والتناغم معها - والأحجار الكريمة والتنويم الأيحائي - المغناطيسي - علاوة على عشرات المنجمين وقراء اﻷبراج والحظ والطالع، وخطورة هؤﻻء تكمن في انهم يقدمون برامج متلفزة وتستضيفهم القنوات ولهم صفحات فاعلة يضحكون بها على عقول السذج للحصول أموالهم .اما الطامة اﻷدهى واﻷمر فهي تعامل المشرع العراقي كونه لايعترف بالسحر واقعا مع هؤلاء وفق المادة 456 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 كنوع من الاحتيال وعقوبته الحبس، والحبس لهؤلاء إزاء ثرائهم الفاحش من السحت الحرام وعلاقاتهم الواسعة وأذرعهم الاخطبوطية تعني اطلاق السراح الفوري أو تقليص المدة لحسن السيرة والسلوك !!

الدجالون والمشعوذون في العراق مازالوا على خطى أسلافهم يلجأون الى ما يسمى بـ" طقطقة الحرمل " بعد خلطه بالملح وحرقه قبيل الغروب بزعم طرد الحسد والعين وهي عادة اغريقية وثنية، إذ إن الحرمل يحتوي على مواد كيمائية تساعد عند حرقها على زيادة إفراز مادة الدوبامين في الدماغ ما يؤدي الى الشعور بالراحة ولهذا فهو يستخدم في علاج مرضى الباركنسون وتسكين الالام وعلاج الصرع والصداع، اضافة الى أن الحرمل يطرد الهوام والحشرات المؤذية ولعل هذا من أسباب إرتباطه بالروحانيات وطرد اﻷرواح الشريرة على وفق تصورهم القاصر !

أما عن حدوة الحصان التي ينصح الدجالون بتعليقها أعلى أبواب المنازل فهذه عادة وثنية إغريقية ورومانية تزعم قدرتها على طرد الشياطين، وأول من نقلها الى المسيحية حداد اصبح فيما بعد اسقف كانتبري عام 959 بعد إدعائه بأن شيطانا أتاه متلبسا بصورة آدمي فعاقبه بالحدوة، كما إن للحدوة ارتباط بالمجازر التي إرتكبها الاسبان بحق المسلمين في الاندلس حين وجهوا غير المسلمين بتعليق حدوة الحصان التي تشبه الهلال لتمييز غير المسلمين عنهم بهدف قتلهم فأصبح لدى الناس إعتقاد جازم بأن من يعلق الحدوة يدفع عن نفسه واهله الموت المحقق والشر المحدق !

ويوصي المشعوذون ايضا بإستخدام خرزة العين الزرقاء لدفع الحسد وهذه بدورها عادة وثنية فرعونية تمثل عين ما يسمى بالاله " حورس" عندهم لطرد الارواح الشريرة، وهي عادة وثنية عند الفينيقيين أيضا وتمثل ما يسمى بإله القمر،اما سبب زرقتها فيعود الى لون السماء، أو الى لون عيون الرومان الذين استعمروا شعوبا شرقية واذلوها فكانت تلك الشعوب ترى في لون اعينهم الزرقاء رمزا للشر، كما ان للون الازرق عند القدماء رمزية قادرة على كبح جماح الشر على وفق أباطيلهم !

وينصح المشعوذون بتعليق ما يعرف بـ" أم سبع عيون " لطرد الشرور وهذه أسطورة أخرى تتحدث عن عجوز شمطاء من الجن تدعى " أم الصبيان " حبسها نبي الله سليمان - حاشاه - وأخذ منها 7 عهود نيابة عن الجن تقضي بعدم التعرض للبشر في حال تم تعليقها في منازلهم، الطريف في اﻷمر أنك لو وصلت بين الثقوب السبعة في هذه التميمة التي حرمها الاسلام بخطوط مستقيمة لظهرت لك - نجمة داوود - التي تطرز العلم الاسرائيلي !!

أكاذيب السحرة لم تقف عند ما ذكرنا سالفا بل تعدته الى أكذوبتين هما اﻷكثر رواجا بين المغفلين، اﻷولى " عظم الهدهد " والثانية " عرج السواحل " أو مايعرف محليا بـ" عرج سويحلي " ولطالما سمعت مثقفين وحين يصدمون بمدير عام شجاع وﻻيخشى رؤساءه وﻻ مرؤوسيه، أو أنه محط إعجاب النساء لقوة شخصيته وربما لوسامته بأنه يحمل - خرزة أو عرج السواحل أو عظم هدهد - وما يحيط هاتين التعويذتين من اكاذيب يفوق الوصف ويخالف الشرع ويناقض العقل، ويستخف بالمنطق، فبين مدع يبث هراءه على يوتيوب يزعم أن ذيل الهدهد نافع لفك عقدة النساء، الى زاعم بأن جناح الهدهد عاقد للسان الرجال، الى ممخرق بأن عظم الهدهد جالب للمحبة، الى متوهم بأن عرج السواحل يستخرج من القنفذ الشوكي البري أو القنفذ الشوكي البحري في حين انه يستخرج من "خلفية انثى القنفذ المدرع التي تعيش في الصحراء بعد حملها اﻷول داخل الحفرة التي تضع فيها " ويزعم الممخرقون ان له قوة لجلب الحبيب لما يمتلكه من قوة كهرو مغناطيسية قادرة على تحطيم الزجاج ليصل سعر الاصلي منه الى مليون دولار والمزيف الى بضع مئات والحديث يصدق على ما يعرف بـ "دم الغزال" المصنع من شقائق النعمان ذات التأثير المخدر والتي تورط بعضهم بزراعتها في الجزرات الوسطية وسط بغداد !!

عن باقي الجرائم الاخلاقية والمفاسد الاجتماعية والمخالفات الدينية التي يرتكبها السحرة من كتابة الايات القرآنية بالنجاسة، واستخدام الاقفال ورفات الحيوانات وعظام الموتى، واستعمال ملابس الضحايا الداخلية وخصلات من شعرهم لكتابة الطلاسم ودفنها في المقابر، كتابتها على النجاسة بمعنى ممارسة الرذيلة مع طالبي السحر واغلبهن من النساء، الضحك على عقول السذج ببيعهم الاحجار الكريمة - ومعظمها مزيفة - وادعاء قدرات خارقة لكل حجر ولون وزعم الكشف عن المفقودين والغائبين وجلب الاحبة أو تفريقهم لن اتحدث خشية الاطالة، اﻻ انني سأسوق حكم الشرع في السحرة والمنجمين والدجاجلة :

قال تعالى في حرمة السحر وبشاعته "وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد "، وقوله صلى الله عليه وسلم " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له؛ ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ"، وقوله صلى الله عليه وسلم " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"

اما عن المنجمين وزيفهم فحسبي ان أسوق ما قاله نائب رئيس الجمعية الكونية السورية، موسى ديب الخوري” لا تزال النجامة ترتكز على المبدأ البطليموسي القديم الذي يجعل من الأرض مركزا للكون وهذا واحد من أفدح مشاكلها، ولا يزال المنجمون يعتمدون على هذه الاسس الخاطئة علميا في فهم العالم وقراءة الطالع″ فضلا عن تغير مواقع الابراج باستمرار كل 2148 سنة لتعود الى مواقعها كل 25778 وبناء عليه فلابد لوسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة الكف عن نشر هذه الزاوية الاحتيالية وان كان لابد فلينشروا تحذيرا اقترحته جامعة ستانفورد الأمريكية اشبه ما يكون بالتحذير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية على علب السجائر،ينص على، ان ” الأبراج هي للتسلية فقط وللمتعة وأنها محض كلام لا يستند الى اية حقائق علمية” وأخطر ما في انتشار السحر والنتنجيم هو أن الحركات الهدامة كلها تتخذ من التنجيم وقراءة الطالع والسيمياء - علم العلامات والرموز - منطلقا لها لتضليل الشباب وخداعهم بدأ بالويكا، والرائيلية، وطائفة اوم، وما يسمى بعبدة الشيطان، وبوابة السماء، وهاركريشنا، والبابية والبهائية والقاديانية وغيرهم وقد حكم فقهاؤنا على السحرة بالزندقة، وبناء عليه فلابد من منع ظهور السحرة والمنجمين على الفضائيات منعا باتا، منع طباعة وتسويق الكتب المعنية بالسحر والشعوذة ومصادرتها، ملاحقة السحرة والمشعوذين واغلاق مكاتبهم ومقارهم ومصادرة ادواتهم وموادهم، اصدار قوانين جديدة صارمة تغلظ فيها العقوبات على السحرة والمنجمين للحد من انتشارهم وجرائمهم، اطلاق حملات توعية على مختلف الصعد للتحذير من الدجل والشعوذة ومن الجرائم والاثام التي ترتكب على يد من يدعون ممارستها واﻻ فأن راسبوتين الدجال او احد تلامذته صاعد لامحالة الى سدة الحكم كما حدث في روسيا القبصرية من ذي قبل حيث كان أحد اسباب اندلاع الثورة الروسية الكبرى عام 1917 بعيد اغتياله على ايدي النبلاء قبلها بعام واحد 1916بما وصف حينها بـ " انهاء قوى الظلام حول العرش" وﻻعجب في ذلك فلطالما سمعنا بمرشحين وسياسيين يرتادون مكاتب الدجاجلة لمساعدتهم بالفوز أو اطلاعهم على حظوظهم في الترشح والظفر بالمناصب التي يحلمون بها ليل نهار، و كل ما ذكرته متعلق بالسحر الاسود، أما عن ألعاب خفة اليد التي تستخدم للترفيه في المسارح بما يحلو لبعضهم تسميتها بالسحر البارد فهذا شأن آخر .

 

احمد الحاج

 

جوتيار تمرتشهد المناطق الكوردية في كل من جنوب وغرب وشرق كوردستان موجة حرائق تلتهم الاخضر واليابس من المحاصيل الزراعية، والقرى المتاخمة لها، وتحت الانظار الدولية والاقليمية دون اي حراك وسعي منها ومن المنظمات الدولية لوضع حد لتلك الحرائق التي التهمت لحد الان الاف الهكتارات من الاراضي الزارعية، وتتباين الاراء حول مسببي تلك الحرائق، بين من يرى انها من اعمال داعش الارهابي، واخرون يرونها انها ممنهجة ومنظمة وموجهة من قبل السلطات والحكومات المعادية للكورد في اجزاء كوردستان المقسمة، وهناك من يرى بانها مفتعلة من قبل بعض الاشخاص الخاضعين لاجندات فكرية وحزبية معادية للتوجهات الكوردية الساعية لنيل الاستقلال ونيل الحقوق القومية، وفي كل الاحوال يبقى هناك عامل مشترك وهو ان المتضرر الوحيد من تلك العمليات " الحرائق" هو الكوردي او لنقل الفلاح الكوردي الذي كد واجتهد وصارع الوقت من اجل الزرع ليحصد فيما بعد ثمن ذلك الكد.

تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي فديوهات وصور، تمنطق ما يحصل بشكل شبه قطعي، وليس هناك الا صوت واحد يعلو من خلال تلك الفديوهات وهو صوت الحقد الموجه للكورد سواء من الجنود الاتراك الذين يحاولون حرق المحاصيل المتاخمة للحدود، او من الدواعش الذين تبنوا اكثر من حريق كاحدى عملياتهم الجهادية المؤدية الى الجنة والمزيد من حور العين اللاتي ينتظرونهم هناك، او حتى من القرى العربية المتاخمة للقرى الكوردية لاسيما في جنوب كوردستان حيث كانت تلك القرى باهلها جزء من عمليات الدعشنة التي اجتاحت الكثير من المناطق الكوردية اثناء الحرب الضارية التي خاضها الكورد ضد امتداد جبروت وطغيان داعش، فضلاً عن الممارسات الايرانية في شرق كوردستان والتي هي الاخرى ليست الا جزء من عمليات الابادة الجماعية التي تمارسها هذه الجهات ضد الكورد.

حين انتشرت حرائق اسرائيل قبل سنوات لامست من الاعلام العربي بالذات توهجاً وبريقاً وكأن لسان حالهم وقتها كان يقول طالما لانستطيع ان نواجههم وجهاً لوجه، فلندعوا من الله – الرب ان ينتقم لنا منهم بالحرائق ولااخفيكم سراً اني حين كتبت مقالي (حرائق اسرائيل هل هو الانتصار العربي المنشود..؟..) كانت امام عيني تلك التغريدات وتلك المقالات وتلك المقابلات التي تنوعت في الوسائل الاعلامية سواء مواقع التواصل الاجتماعي ام المرئية والفضائية والسمعية، حيث كان غالب اعتقادهم بأن تلك الحرائق هي غضب السماء على اسرائيل والتي تبين فيما بعد بانها كانت غير ذلك اكيد، انما كانت غضب وحقد الانسان على الطبيعة وعلى الانسان المقابل لكونه لاينتمي لدينه وعرقه قوميته، وعلى ذلك المسار اشاهد واعي ما يحدث لنا الكورد، حيث تتضاعف الاحقاد يوماً بعد يوم تجاهنا لكوننا لاننتمي - للعرق والقومية -  ولكوننا نريد العيش بحرية واستقلال بعيداً عن الثورات التي حولت الربيع الى حلقة دم مثل قلوبهم الممتلئة بكل ما هو لاانساني تجاه كل من لاينتمي اليهم، بل ضد كل من لا يخضع لشهواتهم السلطوية ولشهواتهم الاقتصادية ولشهواتهم المذهبية الدينية.

ان ما يحدث للكورد وللمناطق الكوردية ليس الا خليط حقد متوارث من (الفرس – الاتراك – الاعراب "العرب") الذين تاريخهم يشهد لهم افعالهم البشعة تجاه القوميات الاخرى ممن لاينتمون اليهم سواء باسم الحضارة او باسم القومية او باسم الدين، (نحن هنا لانعمم القول بلاشك)، لكننا فقط نحاول اظهار عمقه التاريخي الذي بدأ بما كان يسمونه توسع الامبراطوريات الكبرى (الفارسية) صاحبة التاثير على اغلب المكونات الشرقية لاسيما اثناء صراعها المستميت مع الامبراطورية البيزنطية، ومن ثم صراع الامبراطوريات الفتية والتي تمثلت بالعرب المسلمين حيث هي الاخرى تبنت نفس النهج التوسعي ولكن ليس باسم نشر الحضارة لانها في الاصل اقتبست فيما بعد جل معالمها الحضارية سواء الادارية او المراسيم من الفرس والبيزنطينيين، انما باسم نشر الدين ولطاما استشهدت بمقولة اوردها احد الكتاب المجتهدين " عبدالزراق الجبران " حول العجوز التي قالت لقائد جيش الاسلام لم أكن اعلم بان لله لصوص، هذا العمق التاريخي لمحاولة وأد الاخر لم تتوقف ليومنا هذا، وهو يلبس في كل مرة لباساً كريهاً ملطخاً بالمزيد والكثير من دماء الابرياء والفقراء "وقود الثورات "، ولم تنتج الا البلاء والوباء للناس وللامم الاخرى التي لاتنتمي الى امتهم وعرقهم وقوميتهم ومذهبهم.

تتمثل عمليات " حرائق كوردستان " احدى المراحل التاريخية الهامة لعمليات الوأد القومي العرقي المذهبي الذي تتبناه تلك القوى وتلك الاعراق ضد الكورد، وهي لم تزل تحمل نفس العمق التوسعي، حيث تركيا لم تزل تريد استرجاع ما فقدته جراء هزيمة العثمانيين الطغاة على يد الحلفاء، في حين الامة العربية المقسمة على نفسها تريد استرجاع بهرجة الخلافة الاسلامية وقت ما كانت محصورة في بني قريش وبني امية، اما الفرس هم الاقدم وهم من رفدوا الاخرين بمعطيات الثقافة والحضارة واسس النظم والادارة فكيف يسمحوا بمن ينادي بغير اسمهم، على هذه الشاكلة تبدع هذه الامم في خلق الافات للاخرين ممن لاينتمون اليها من الامم، سواء بالقتل المبرمج والمنظم وفق اجندات خاصة تتمثل بالحروب او زرع الفتنة او الاعتقالات وزج القادة والمناضلين الثوار  في السجون او الضرب بالاسلحة الكيماوية او اطلاق علميات الابادة الجماعية " الانفال " او من خلال الاضطهاد الاقتصادي وضرب الحصار حولهم، او التدخل السافر والمباشر في شؤونهم، بل وصل الامر بهم لتقديم التنازلات لاعدائهم وتقبل المذلة فقط لضرب الحركة التحررية الكوردية، واخيراً وليس اخراً حرق قوت الفقراء، وبالطبع  لا تهمهم القيم الانسانية حين يختلقون هذه الافات، فكل الوسائل مباحة لوأد المخالفين المارقين الملحدين الانفصاليين، حتى ان اعراضهم واموالهم وارضهم غنائم للفاتحين الجدد، وكأنهم بذلك يريدون طمس معالم السعي الكوردي لنيل الحرية، متجاهلين بأن الكورد مروا بظروف اصعب من هذه وتجاوزوا الامر بصمودهم وعزة نفسهم، وان لاشيء سيثني الكوردي عن سعيه لنيل حريته، فكلما كان الطغاة اكثر دموية كان في اعتقاد الكوردي ان طغيانهم دليل ضعفهم ودليل استنزافهم الداخلي.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

جيهان السنباطىحرص الغرب على مر العصور على امتلاك سلاح العلم والمعرفة على ان تبقى مفاتيحها فى يده هو فقط دون ان تصل الى شعوب المنطقة العربية او دول الشرق الاوسط بشكل خاص ليتفوق هو عن باقى دول المنطقة وتكون له الكلمة العليا فى تحديد مصائر تلك الشعوب .

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف استخدم الغرب كل مايمتلكه من امكانيات عسكرية واقتصادية وسياسية واستخباراتية ليحتفظ بتفوقه العلمى والمعرفى والتقنى والتصدى لمنافسيه بكل قوة حتى لايفقد عناصر قوته .

وتركزت خططه فى القرون الوسطى على استخدام السياسة الاستعمارية لابقاء شعوب المنطقة فى حالة تخلف وتدهور مستمر عبر استراتيجيات مدروسة واليات مختلفة بدءا من نهب ثروات المنطقة من بترول وغاز ومعادن وغيرها والحيلولة دون تحويل هذه الثروات إلى طاقة علمية ومعرفية وتقانية عبر الاستثمار في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية وإقامة الصناعات الاستراتيجية والتنمية البشرية بأشكالها المختلفة وحرص على إنفاق ما تدره هذه الثروات من أموال باتجاه النفقات الاستهلاكية والخدمات الترفيهية ومظاهر التبذير والإنفاق غير الضروري

ولم تقف المسألة عند حدود تكريس نمط سلوكي وثقافة استهلاك أو توجيه قسري للموارد عند تلك الشعوب أو الأفراد المستهدفين بتلك السياسات وإنما أخذ طابعاً آخر في التعامل مع دول أخرى اتبعت قياداتها نهجاً مغايراً في استراتيجياتها التنموية وطريقة استثمار مواردها وطاقاتها المادية والبشرية بهدف تحقيق تنمية حقيقية وذاتية تستند إلى قاعدة علمية ومعرفية وبنيان في الإنسان والبشر لا الحجر وهنا نذكر العديد من الدول التي نهجت ذلك النهج ومنها مصر وسورية والجزائر والعراق وإيران وكوبا وكورية الديمقراطية وبعض دول أميركا اللاتينية ما جعل هذه الدول وقادتها في دائرة الاستهداف الغربي عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وتحت عناوين كاذبة ومضللة من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمكين المرأة والحكم الرشيد والإصلاح أو اتهامها بدعم الإرهاب والديكتاتورية والتسلط وغير ذلك من مفردات وادعاءات بات الجميع يدركها ويحفظها عن ظهر قلب.

كان الهدف من تلك السياسيات الاستعمارية هو حرمان دول تلك المنطقة من تحقيق قدر من الاستقلال العلمى والمعرفى يكرس ويعزز استقلالها السياسى وذلك بالتدخل المباشر فى شئون تلك الدول واستغلال مواردها.

ومع مرور الوقت تغيرت تلك السياسات والتى اعتمدت لسنوات طويلة على القوة العسكرية الخشنة واتجهت لتطبيق سياسات اخرى تستخدم فيها القوة الناعمة او قوة العلم والمعرفة والاعلام والاتصال والثقافة واصبح الصراع العالمى الان ليس صراع حروب وجيوش وسلاح فحسب،بل هو صراع عقول في مباراة مفتوحة،ساحتها فكرية ثقافية، وأداؤها هو البحث العلمي بكل امكاناته المتفوقة وانجازاته التي تحققت في عالم اليوم واصبح من يعلم اكثر هو الاقوى ومن يعرف قبل غيره هو الافضل وهو المسيطر والناجح بدون اى تدخل عسكرى.

واصبح العصر الحديث او مايطلق عليه بعصر الثورة المعلوماتية المتجسدة فى وسائل الاعلام والتواصل اكثر تاثيرا على المجتمعات فى العالم باسره حيث انه الغى الزمان والمكان بالمقاييس المعهودة وحول العالم الى قرية صغيرة قضت على الحواجز والحدود التى تقف عثرة فى وجه انتشار المعرفة وشموليتها فدخلت المعلومات الى كل مكان وباتت فى عهدة اى باحث عنها .

وتغيرت موازين القوة فلم يعد العنف هو مصدر القوة ولا الثروة وحدها هى التى تصنع التطور والازدهار والتحكم فى الاقتصاد والشئون العسكرية وانما اصبحت المعلومة هى مصدر القوة من يمتلكها امتلك العالم باسره.

وقد اسهمت ثورة المعلومات فى توسيع الهوة بين الذى يملك ويتحكم فى تكنولوجيا الاتصال وبين الذى مازال لم يتخط بعد مرحلة المجتمع الزراعى واصبح مفتاح النمو الاقتصادى وتطوره فى القرن الواحد والعشرين هو مفتاح المعرفة.

ورغم ان القرآن الكريم اكد فى آياته على اهمية العلم والمعرفة كما فى قوله تعالى"وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً"الا ان امتنا تراخت بل وتراجعت فى فهم وترجمة هذا وكلَّما أَمعنتُ النظَرَ في أَمر هذه الأُمَّة، لاحظتُ، بكلِّ أَلَمٍ، أَنَّها تنحدرُ نحو الانقراض التدريجيِّ منذ فترةٍ طويلة .

ولا سيَّما إذا قارنَّا جمودَها المحزِن أَو تراجُعَها المؤسِف بالحركة المتفجِّرة التي يَجري بها العالَمُ المتقدِّم نحو الأَمام بسرعةٍ هائلة، الأَمر الذي يؤدِّي إلى زيادة الفجوة الحضاريَّة بين الطرفَين، وبالتالي إلى ما يُلاحَظُ اليومَ بكلِّ وضوح، من التبعيَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والعِلميَّة والثقافيَّة التي تَزيدُ من التخلُّف، وهكذا تعود هذه الدورةُ القاتلة إلى تكرار نفسه

قضية الابتكار والإبداع وصلتها بالعلم والمعرفة باتت مسألة بالغة التعقيد في وطننا العربي، تطال المجتمعات ودور العلم من أدناها إلى أعلاها ومنظومة التعليم فيها وطرق التعلم وإمداد الأجيال بالمعرفة..

وتحفيزها نحو التميز بشكل إبداعي لاستشراف المستقبل مواكبة للعصر باعتبار العلم والمعرفة سلاح المنافسة العالمي الذي تمتلك فيه الأمم مفاتيح المستقبل. وبالطبع فأمام حكوماتنا مسؤوليات جسام لأداء دورها بإيجابية لنصبح أمة مؤثرة لا متأثرة فقط، ومنتجة لا مستهلكة فحسب.

 

بقلم: جيهان السنباطى

 

صادق السامرائينشرت العديد من المقالات حول "المؤامرة"، وتجاوب معها عدد من الأخوة، وأكثرهم كان ينكرها ويدينها على أنها إسطوانة قديمة، وقد حفزني مؤخرا على إعادة نشر بعض تلك المقالات الأستاذ عبد الرضا حمد جاسم، وقد فرحت كثيرا بأن التفاعل مع مفهوم المؤامرة قد تطور وبلغ ذروته الإدراكية والمعرفية، ويسرني أن أقرأ ما تفضل به الدكتور حسين سرمك حسن والدكتور أحمد مغير.

وهذا إقتراب من وجهة نظر سلوكية بحتة، أن المخلوقات كافة تتآمر على بعضها البعض، أي أنها تريد النيل من غيرها في دائرة البقاء المفرغة، والدافع الأساسي هو الحصول على الطاقة اللازمة للقوة والحياة، إبتداءً من الطعام إلى مصادر الطاقة الأخرى بأنواعها ومسمياتها.

ولكي تنال ما تريده من الآخر فلابد من التآمر عليه، أي أن تجد الأساليب والوسائل اللازمة للقبض على مصيره أو تسخيره لما تريد وتهدف.

وفي المجتمعات البشرية خصوصا لا يمكن للمؤامرة أن تنجح وتتواصل إلا بتضافر جهود مفردات وعناصر الهدف معها، أي أن المجتمع المُستهدَف من قوة خارجية لا يمكنه أن يكون صيدا لها من غير تفاعل عدد من أبنائه مع القوة الساعية لإمتلاكه.

فلكي تغنم ما تريد عليك أن تجد مَن يستفيد مما تريد لتملكه بما تريد.

ولو نظرنا في الأهداف التي تم القبض عليها في الواقع العربي، لتبين أن القوى داخل الهدف وما حوله قد تعاونت وتفاعلت مع القوة الساعية لأخذه.

فعلى سبيل المثال، ما حصل للعراق لم يكن ليُنجَز بهذه السهولة والطريقة لولا تعاون قوى داخلية وإقليمية، وتفاعلها بآليات تآمرية مع القوة المندفعة نحوه لتدميره والهيمنة على مصيره.

ووفقا لذلك فالقوى التي تريد هدفا ما تقوم بشق صفوفه وكما تعودنا سماع " فرّق تسد"، والتفرقة يمكن أن تتحقق بما لا يحصى من الأساليب والإقترابات التفريقية، كما هو حاصل في الواقع العربي، حيث يتأكد إستعمال الدين لتمزيق المجتمع وإصعاف الهدف، وتحويله إلى طاقة فاعلة لتحقيق إرادة القوة الطامعة به.

فالمشكلة ليست بالمؤامرة، وإنما بالمغامرة التي تنزلق إليها الشعوب والمجتمعات وتندحر فيها، فلا يمكن نفي القول بأن ما حصل للعراق يوم نكبة الملكية، وما نجم عنها من سلوكيات فتاكة هو مؤامرة بكل ما تعني الكلمة، فبها وبعدها إنخرط الشعب في متوالية هندسية من الأحداث الدامية، التي وفرت في الهدف ما يساهم من التمكن منه والقبض الدائم عليه.

ولا تزال ذات الآلية فاعلة في الواقع، مما تسببت بإرهاقه وتدميره ودفعه بعيدا إلى الوراء وعلى جميع المستويات، حتى صار الفساد فيه هو الدستور والعصابة هي القانون.

إذن هي مؤامرة أوصلت المجتمع إلى دوامة المغامرات التآمرية الدامية الحامية، التي لا تعرف السكون والخروج إلى موانئ الأمان والحياة المعاصرة.

إنها دائرة مفرغة من الويلات، وهذا أقصى ما تطمح إليه المؤامرة، أن تبدأ وتدفع الهدف بتعجيل متزايد إلى حيث تتحقق أهدافها وتطلعاتها وتتأكد مشاريعها.

فالعيب الحقيقي يكمن في الهدف المتآمَر عليه وليس في المؤامرة، فكم من المؤامرات حيكت ضد فيتنام والصين والكوريتين واليابان وألمانيا وغيرها من الدول، لكن الهدف أدرك مفردات المؤامرة وعناصرها، وابتكر مهارات المواجهة والرد بالتآمر المقابل الرادع لأية مؤامرة عليه.

وتلك حقيقة وطبيعة التفاعلات القائمة ما بين المجتمعات والشعوب منذ الأزل.

فهل نجيد مهارات مواجهة المؤامرة، أم أننا مهرة في التآمر على بعضنا وعلى بلداننا وننادي بنكران المؤامرة، ونتهم القائلين بالمؤامرة على أنهم يفسرون الماء بعد الجهد بالماء؟!!

* هذه قراءة سلوكية مركزة، قد يغضب منها مَن يغضب، لكنها لا علاقة لها بموقف أو رأي، إنها قراءة مجردة وخالية من الميل والإنحياز.

 

د. صادق السامرائي

 

 

احمد الشيخاويإن المتتبّع لمسيرة ريم الإبداعية، لا يسعه سوى تسجيل الفارق، والانجذاب إلى عوالم الشعرية المنكتبة لروح تحاول قهر واقع اغترابها، مثلما توقّع صيحات للأنثوي، في ساحة النضال التعبيري، هي بألف صوت ذكوري، واشد منه قوة وحضورا بكثير.

عبر الإفصاح العاري عن ذات مهجرية تكابد محنة التشويش على هويتها، وتشاكس نوبات إرباك حالاتها الوجودية، على نحو يخترق آفاق القضية والرهانات الثورية التي قد تترع سياقات القول الشعري المنشد في مجمله إلى أصول العروضية ومقامراتها، ضخّا إستطيقيا، تفيض له كؤوس الممارسة المحتفية ببعدين جوهريين لا ثالث لهما: رومانسي تتأنق معه الذات في ترتيب مشاهد وجوديتها، وآخر ثوري يفكك المنظومة المفاهيمية اللصيقة بتقليدانية الانتماء وأحاسيسه المغلوطة والمغشوشة.

بذلك تكون الشاعرة السورية ريم سليمان الخش، تؤكد صيانتها لقناعاتها وثوابتها ومبادئها، لكن ضمن حدود تتناسل فيها التيمات والدوال وتزدهر، تبعا لصياغة وجودية موسوعية تراعي النيوكلاسيكية وتنتصر لصيرورة خطابها، بما يتيح تحديثات وقفزات نوعية تجبّ ما قبلها، كي تعد بالأجمل والأشهى والأنضر في دورة للمعنى السرمدي الذي قد تغازل بأسراره القصيدة المتمردة في إخلاصها لروح الجدة والمغايرة، وعقّها للساكن والخامل، وإن التزمت بالكتابة العروضية وتباهت بسبر أغوارها، في كثير من الأحيان.

وأنا أقلّب جديد شاعرتنا، هالتني غزارة وتصاعدية خطها الإبداعي، علما أنه فيض منشّط للمخيال الثوري، في ضرب من الحرص على بلورة الجيد والنوعي وغير المسبوق، فارتأيت أن أسوق النماذج التالية للتدليل على بعض ما قصدت إليه:

[يا ربّة القمح جوعٌ في الطواحين

لم ترحم النار أفواه المساكين

سنابل الحزن لون الليل بيدرها

محرّق القلب يشكو لي ..فيُبكيني

لم يترك الموت للأصحاب نافلة!

الشفعُ فالوتر جوعٌ قبلُ تأبينِ!!

ضاع العزيز وخلّى العقدَ منفرطا

دمعٌ يفيضُ وشكوى من ملاعينِ].

.................

[مصلّبةٌ جذوعك في بلادٍ

أردتَ لها الخلاصَ من البُغاةِ

ومنهمرٌ سحابك في عيوني

وفي بردى وفي جرح الفراتِ

ستبقى في عيون الشمس نورا

لتخبرنا بأنّ الوعد آتِ].

...................

[تُعاقرُ أسراب الطيور خمائلي

بأفنانها شهد الثمار مشبّعُ

أنا المنّة العظمى لأوروك رحمة

نماءٌ وقمحٌ بالمحبّة مشْبَعُ

هياكل عشاقي حدائقُ لذّة

وأنهارها طفلٌ وثديٌ ومرضعُ

حليبٌ بها يجري كنبع مقدسٍ

لتروى عروق الأرض بالحب تشبع

طوافٌ وأركاني غرامٌ ومتعةٌ

بترتيل لذّات الحياة ملعلعُ].

....................

[ لم يتركوا الطفلَ للأعياد في وطن

كلّ الأماكن طغيانٌ بطغيانِ

كلّ تراشقَ بالبارود يقتلني

رعبٌ أصمَّ كما (الفتيشُ) آذاني

كلّ تناهبَ ألعابي وذاكرتي

أرجوحة العيد قد طارت بخلّاني

كلّ يُريدك حكرا في طوائفه

قلبي الحزين له يا عيدُ أكفاني ].

.................

[ قرّبوا موعد الخلاص وإلا

حرق الظلم كوننا لا يُبالي

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

ضرب العار وجهكم بالنعالِ

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

فالبسوا ذلّكم كداء عضالِ

قربوا موعد الخلاص وإلاّ

سو ف أرثي لفقدكم في الرجالِ].

...................

[ نبض الشعوب براكينٌ مدمرة

فيها تُحرّقُ إنْ خانت أصابيعُ

لن يوقف الضوءَ آثامٌ بهم علقت

لمنبع النور آفاقٌ وتوسيعُ

لا تبكِ يا قدسُ لم تُطفأْ منارتنا

كلا ..وليس لنا عارٌ وتطبيعُ ].

بالتالي، نحن إزاء صوت مناهض لإيديولوجية الاستبداد والاستعباد، تلكم رواية القطيعة مع عقلية القطيع، ورفض سياسة الكيل بمكيالين في عالم السياسة، بحيث يعتّم ذلك على مسرح متوالية المتلازمات بين الراعي وشعبه، ويخلط الأوراق أو الأدوار ما بين الضحايا والجلادين.

هكذا، نجد طواحين وطواسين ريم، بلا جعجعة، ولو أنها تفرز لنا في دومين الشعرية المنرسمة لانخطافات الخطاب النيوكلاسيكي الرصين، متاهات من ثقافة مبارزة النرجسية المقنّعة، حدّا يجعل مثل هذا الغضب الطاعن بصوت الأنثوي، يحقق إلى حدا ما المعادلة الوجودية، أقله لذات، تكابد اغترابها وتتنفّس القصائد عن طريق تجويد إبداع الحس الهوياتي، بدل الاستسلام الكلي والتسليم بالبكائيات والانهزامية الميؤوس منها، والترنّم بمعطيات الطللية المكشوفة بنصوص الفجاجة المرتكنة إلى برودة الحنين في المعانقات الذاكراتية للأوطان.

ريم شاعرة تعانق وطنها المطعون بتوحش، يم لها ذلك في دائرة مخيال تتآكله سيمفونية الاغتراب، ما يؤهلها للارتقاء إبداعيا فوق كثيرات ممن تجايلنها أردن المزاوجة أو خلق توليفة مخملية مابين نوطتين متباعدتين دلاليا متجاورتين إبداعيا، ، وعلى مستوى كاف من الاجتراحات الميتالغوية، الرومانسي الذي هو صلب توازنات الذاتية والغيرية والكونية، لدى النوعين وبلا مفاضلات، ثم الثوري كلعنة تميط الأقنعة عن خلل الإيديولوجيات وتكشف زيفها ومواطن كمونها السرطاني الوبائي.

في كل كتابة جديدة للشاعرة ريم سليمان الخش، تتكشّف ذات أعمق لحمة بالتجربة الشعرية المدغدغة بفلسفة تجميل راهن المهجر، كما تخصيب مخيال الأنثوي بحضور وتجليات الوطن المطعون بالتكالبات الإيديولوجية.

تلكم ريم المتعثّرة بأعياد الكتابة العروضية في تجاوزها الإبداعي المتشبّع بإيقاعات ثورة الأنثوي، أفقا يجبّ آخر، واندلاقا كينونيا يتضوّع بسيرة شآمية عصية على عوامل الإبادة وسائر إيديولوجيات الخراب.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

غياث المرزوقإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.

قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].

قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟

قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!

الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

قلتُ مُؤَكِّدًا تأكيدًا كذاك قَبْلَئِذٍ، في القسمَيْنِ الآنِفَيْنِ منْ هذا المقالِ (في القسمَيْنِ التاسعِ والعاشرِ منهُ)، وعَلى الأخصِّ في قرينةِ الكلامِ بشيءٍ من التَّفْصِيلِ والتَّمْثِيلِ عَمَّا سَمَّيْتُهُ حِينَذَاك تَسْمِيَةً نَفْسَانِيَّةً بـ«الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» Hyper-Revolutionary Fervour، قلتُ إنَّهُ لَمِنَ الخَطَأِ الفادِحِ بالفِعْلِ أنْ يلجأَ جٍنْسُ «التَّحْلِيلِ السِّيَاسِيِّ»، أيًّا كانَ، مُحَفَّزًا بِزَخْمِ هذا «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» أيَّمَا تحفيزٍ إلى استعمالِ فَيْضٍ (أو حتَّى فُيُوضٍ) منْ بلاغيَّاتِ ذلك اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ، ومَا تَنْطَوِي عليهِ هذهِ البلاغيَّاتُ بدورِهَا منْ دلالاتٍ تمييزيةٍ، أوْ منْ دلالاتٍ تفضيليَّةٍ – لا بَلْ جِدِّ تفضيليَّةٍ، في مَعْرِضِ «التَّحْلِيلِ» مَاسًّا مِسَاسَ التَّحْلِيلِ الجَادِّ بـ«إنجازاتِ» ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ دُونَ سِوَاهَا (كالشقيقةِ السُّودَانيَّةِ، مثلاً)، ودُونَمَا الأخْذِ بعَيْنِ الاعتبارِ بَتَّةً مَا يُنَاظِرُ هذهِ الـ«إنجازاتِ»، في الأصْلِ، منْ أسَاسٍ مَادِّيٍّ (تاريخيٍّ) وَ/أوْ لامَادِّيٍّ (لاتاريخيٍّ) تأسَّسَتْ عليهِ بنحوٍ أوْ بآخَرَ أيَّةُ ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ أُخرى، سَوَاءً كانتْ هذهِ الثورةُ قدْ وَاكَبَتْهَا في الهَيَجَانِ والغَلَيَانِ (كالشقيقةِ الجزائريَّةِ، بسَيْرِهَا) أمْ كانتْ قدْ سَبَقَتْهَا بمرحلةٍ أوْ أكثرَ في الزَّمَانِ والمَكَانِ (كالشقيقةِ السُّوريَّةِ، وغَيْرِهَا)، كما رأيتُما في مَظِنَّتِهِ إذْ ذاكَ – نَاهِيكُمَا، بالطَّبْعِ، عنْ أنَّ هذا الخَطَأَ المُتَكَلَّمَ عنهُ منْ هكذا خُصُوصٍ إنَّمَا يزدادُ فَدَاحَةً أكثرَ فأكثرَ حينمَا يَصْدُرُ هكذا «تحليلٌ سياسيٌّ» اِنتقائيٌّ اِصطفائيٌّ (حَائِدٌ) عنْ مَصْدَرٍ مَرْبُوصٍ عَلى «اليسارِ العربيِّ» الماركسيِّ أوِ اللاماركسيِّ أوْ حتَّى الـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ». ومعَ ذلك، وعلاوةً عَلى مَا أشرتُ إليهِ منْ تمثيلٍ مَلْمُوسٍ ومَحْسُوسٍ يُبَيِّنُ قُدَّامَ كِلْتَا العَيْنَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ مَا يكْفِي منْ بلاغيَّاتِ اللِّسَانِ التَّخْيِيريِّ التي تَنْجُمُ عن ذلك الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ عَلى كِلا المُسْتَوَيَيْنِ الجَمْعِيِّ والفَرْدِيِّ، لَمْ نَزَلْ نَرَى مِنْ بينِ أولئك المُحَلِّلِينَ السياسيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ رَأْيًا ورُؤْيَةً بهٰتَيْنِ العَيْنَيْنِ البَصَرِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ذَاتَيْهِمَا، لَمْ نَزَلْ نَرَى مِنْ بينِهِمْ مَنْ يتحدَّثُونَ جَادِّينَ عنْ «أسْرَارِ التَّفَوُّقِ والتَّمَيُّزِ» في المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ، أو حتَّى عنْ «أسْبَابِ الإخْفَاقِ والإحْبَاطِ» في سَائِرِ مَا خَلاهُ منْ مشاهِدَ ثوريَّةٍ عربيَّةٍ قدْ تأجَّجتْ منْ قبلُ في المقابلِ، يتحدَّثُونَ جَادِّينَ بذاتِ الزَّخْمِ الرِّوَائِيِّ، أو «الشِّعْرِيِّ»، الدِّعَائيِّ والدِّعَاوِيِّ الذي تختصُّ بهِ وسَائلُ الإعلامِ الغَنِيَّةُ عن التعريفِ في الشَّرْقِ قبلَ الغَرْبِ – منْ حيثُ قُدْرَتُهَا الوَلائِيَّةُ كُلاًّ عَلى الإشْهَارِ، إشْهَارِ فَرْدٍ أو جَمَاعَةٍ في حِينٍ، ومنْ حيثُ قُدْرَتُهَا العَدَائِيَّةُ كُلاًّ كذاك عَلى الإغْمَارِ، إغْمَارِ هذا الفردِ أو هذهِ الجَمَاعَةِ، أو حتَّى عَلى الإفْنَاءِ، إفْنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا إفْنَاءً كُلِّيًّا، في حِينٍ آخَرَ. فإذا كانتِ الحُجَّةُ المُثْلَى عندَ هؤلاءِ المتحدِّثِينَ الجَادِّينَ، في أغلبِ الظَّنِّ تارةً، أنَّ الحَرَاكَ الشَّعْبِيَّ السِّلْمِيَّ في السُّودانِ يمتازُ امتيازًا بوُجُودِ قيادةٍ ثوريَّةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ يقودُهَا قادةُ ذلك الائتلافِ المدنيِّ المُسَمَّى بـ«قوى (إعلان) الحرية والتغيير»، مدعومينَ تحتَ لوائِهِمْ، إنِ اقتضى الحَالُ (التَّنْظِيمِيُّ)، منْ لَدُنْ قادَاتِ تَحَالُفَاتٍ مدنيَّةٍ أُخرى، كذلك التَّحَالُفِ المدنيِّ المَدْعُوِّ بـ«تجمُّع المِهَنِيِّينَ السُّودانِيِّينَ» أو غيرِهِ، فإنَّ قرارَ مَا يَحْدُثُ الآنَ منْ عِصْيَانٍ مدنيٍّ على نطاقٍ واسعٍ يكادُ أنْ يكونَ شاملاً في طُولِ البلادِ وعَرْضِهَا إنَّمَا هو، أوَّلاً وآخِرًا، قرارٌ مُتَّخَذٌ منْ طَرَفِ الشعبِ السُّودانيِّ الصَّعْتَرِيِّ الخِنْذِيذِ بوَعْيٍ جَمْعيٍّ بوُجُودِهِ السَّليبِ، سَواءً تمسَّكَ بهذا القرارِ لأجَلٍ مُسَمًّى (أو حتَّى بأيِّمَا قرارٍ سِوَاهُ، لذاتِ الأجَلِ المُسمَّى) قادةُ هذا الائتلافِ المدنيِّ أو أيٌّ منْ قادَاتِ تلك التَّحَالُفَاتِ المدنيَّةِ أمْ لمْ يتمسَّكُوا بِهِ لأيِّمَا أجَلٍ مُسَمًّى آخَرَ بَتَّةً، وسَواءً كانَ القادةُ المَعْنِيُّونَ أو أيٌّ من القادَاتِ المَعْنِيِّينَ مجتمعينَ عَلى التفاوضِ (الجَادِّ والحَادِّ) منْ أمَامِ قادةِ «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ» أمْ كانوا حتَّى متفرِّقينَ فيما بَيْنَهُمْ، وقدْ كانوا كذلك، في واقعِ الأمرِ. ذلك لأنَّ جَذْوَةَ، أو جِذَاءَ، العِصْيَانِ المدنيِّ المُتَكَلَّمِ عنهُ، هَا هُنَا، كانتْ تشتدُّ اتِّقَادًا وتوهُّجًا في ألْبَابِ السُّودانِيَّاتِ والسُّودانِيِّينَ، ومَا زَالتْ تشتدُّ في قلوبِهِنَّ وفي قلوبِهِمْ، حتَّى قبلَ أنْ لجأتْ في مطلعِ هذا الشهرِ عناصرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ منْ «قواتِ الدعمِ السريعِ» (أو منْ «ميليشياتِ الجَنْجَويدِ» الشَّبِيهَةِ بـ«الشَّبِّيحَةِ»، سَابقًا)، بإيعازٍ مَرْئِيٍّ منْ فَلِّ الطُّغَاةِ الفُسَلاءِ طُغَاةِ الثوَرَانِ المُضَادِّ من المملكاتِ والإماراتِ (بما فيها مصرُ، والحَبْلُ البحرينِيُّ والعثمَانيُّ عَلى الجَرَّارِ)، وبإشرافٍ لامَرْئِيٍّ كذاك منْ أسيادِ هؤلاءِ الطُّغَاةِ الفُسَلاءِ الفِسَالِ منْ ذاك الغربِ الإمبرياليِّ الرُّوسِيِّ والأمريكيِّ والفرنسيِّ والإنكليزيِّ الأشَدِّ فُسُولَةً والأشَدِّ فَسَالَةً (بما فيهِ إسرائيلُ، والحَبْلُ الصِّينِيُّ والإيرانيُّ عَلى الجَرَّارِ، كذلك)، حتى قبلَ أنْ لجأتْ عناصرُ لاإنْسِيَّةٌ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٌ كهذهِ إلى ارتكابِ تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ بحَقِّ مَنْ كانوا يعْتَصِمُونَ، ومَنْ كُنَّ يعْتَصِمْنَ، اعْتِصَامًا سِلْمِيًّا في الخَارجِ من مَقَرِّ الدِّفَاعِ بالذاتِ، مِمَّا أسْفَرَ عنْ عَشَراتٍ من القَتْلى قابلةٍ للزِّيَادَةِ حَتْمًا وعنْ مِئَاتٍ من الجَرْحَى كذاك قابلةٍ للنُّقْصَانِ لكيمَا تزدادَ العَشَرَاتُ الأولى أكثرَ فأكثرَ – وهذهِ الجَرَائِرُ النَّكْرَاءُ والمَجَازِرُ الشَّنْعَاءُ بغَايَاتِها الجَلِيَّةِ في فَضِّ الاِعتصَامِ السِّلْمِيِّ ذاك باستخدامِ قوَّةِ الحَديدِ والنارِ، في حَدِّ ذاتِهَا وذَوَاتِهَا، ليسَ لهَا إلاَّ أنْ تُذَكِّرَ تذكيرًا بَدْئِيًّا دُونَ لَبْسٍ ودُونَ التِبَاسٍ بنظيراتِهَا الدَّمَوِيَّاتِ أيَّامَ ميدانِ اللؤلؤةِ في البحرين في أوَائِلِ شهرِ آذارَ عامَ 2011 (وبارْتِكَابِهَا بالعَمْدِ، فضلاً عنهُ، عَلى أيدي عناصرَ لاإنْسِيَّةٍ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٍ نظيرةٍ منْ أرْجَاسِ السُّعوديِّينَ والنَّهْيَانِيِّينَ)، منْ جهةٍ أولى، وأنْ تُذَكِّرَ تذكيرًا بَدْئِيًّا أيضًا بمثيلاتِهَا الأكثرِ دَمَويَّةً أيَّامَ ساحةِ رابعةَ العدويةِ في مصرَ في أوَاسِطِ شهرِ تمُّوزَ عامَ 2013 (وباقْتِرَافِهَا بالقَصْدِ، عِلاوَةً عليهِ، على أيدي عناصرَ لاإنْسِيَّةٍ مَا دُونَ-بَهيمِيَّةٍ مثيلةٍ من أنْجَاسِ السِّيسِيِّينَ)، من جهةٍ أخرى. 

وإذا كانتِ الحُجَّةُ المُثْلَى عندَ أولئك المتحدِّثِينَ الجَادِّينَ كذاك، في أغلبِ الظَّنِّ طَوْرًا، أنَّ الحَرَاكَ الشَّعْبِيَّ السِّلْمِيَّ في السُّودانِ ينفردُ انفرادًا بحُضُورِ دَوْرٍ طليعيٍّ ملحوظٍ تلعبُهُ قيادةُ، أو قياداتُ، ذلك الحزبِ السِّيَاسِيِّ اليَسَارِيِّ (الفِعْلِيِّ) المَوْسُومِ منذُ نشأتِهِ عامَ 1946 بـ«الحزبِ الشيوعيِّ السُّودانيِّ»، عَلى اعتبارِهِ إذْ ذاكَ بمَعِيَّةِ «الحزبِ الشيوعيِّ العراقيِّ» حتَّى ذلك العامِ المشؤومِ، عامِ الانْحِسَارِ الأيديولوجيِّ المَزْؤُومِ، عامَ 1971، عَلى اعتبارِهِ إذْ ذاكَ أكبرَ حزبٍ ماركسيٍّ في العَالَمِ العربيِّ بأسْرِهِ – رَغْمَ كافَّةِ المَحْدُودِيَّاتِ المَادِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ لَدَى نُشُوءِ «طبقةٍ عاملةٍ» سُودانيَّةٍ كانتْ قدِ اقترنتْ بِهذا الحزبِ الماركسيِّ في أعقابِ تَمَرْكُزِ الاستعمارِ الإنكليزيِّ واتِّكَائِهِ بالبَسَاطِيرِ على الرِّقَابِ منْ أنْذالِ الجيشِ المصريِّ بالذاتِ، فإنَّ ذلك الاِنقلابَ المدرُوسَ الشَّهِيرَ الذي قامَ بِهِ (في ذلك العامِ) بعضٌ من الأعضاءِ القادةِ والأعضاءِ غَيْرِ القادةِ منْ تلك القيادةِ، أو منْ تلك القياداتِ، عَلى العسكريِّ «اليَسَارِيِّ» اللاماركسيِّ جعفر النميري بعدَ استعانتِهِمْ بعسكريَّتِهِ «المَتِينَةِ»، حَسْبَ ظَنِّهِمْ إبَّانَئِذٍ (وهو، عَلى فكرةٍ، اِنقلابٌ مدرُوسٌ لمْ يتكلَّلْ بأكاليلِ النَّجَاحِ خَلا أيَّامٍ معدُوداتٍ (ثلاثةٍ أوْ يزيدُ) قبلَ قيامِ هذا العسكريِّ «اليَسَارِيِّ» اللاماركسيِّ، منْ طَرَفِهِ هو الآخَرُ، بانقلابِهِ المدرُوسِ «المُضَادِّ» الأكثرِ شُهْرَةً)، فإنَّهُ لا يختلفُ منْ حيثُ المبدأُ، ولا حتَّى منْ حيثُ المَنْهَى، عن أيٍّ منْ تلك الانقلابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ، أو منْ حتَّى تلك الانقلابَاتِ العسكريَّةِ، التي قِيمَ بِهَا في أجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ ومُخْتَلِفَةٍ منْ هذا العَالَمِ العربيِّ الحَزِينِ منذُ ذلك الحينِ: فَثَمَّةَ فارقٌ جَوْهَرِيٌّ جِدُّ كبيرٍ، والحَالُ هذهِ، بينَ عَيْنِ «الثورةِ السِّيَاسِيَّةِ»، دَعْكُمَا منْ ذِكْرِ «الثورةِ العسكريَّةِ» إنْ جَازَ استعمَالُ المُفْرَدَةِ الأولى في هذهِ القرينةِ، وبينَ عَيْنِ «الثورةِ الاِجْتمَاعِيَّةِ» التي نحنُ بصَدَدِ الكلامِ المُحَاوَلِ عَنْهَا الآنَ، في هذا المشهدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودَانيِّ بالذاتِ، ذلك الفارقِ الجَوْهَرِيِّ الذي يتبدَّى لِنَاظِرِ البَدَاهةِ حَسْبَمَا كانَ يُسْتَنْبَطُ استنباطًا منْ خلالِ مبادئِ التنظيرِ الماركسيِّ عَيْنِهِ، وحَسْبَمَا كانَ يُسْتَقْرَأُ استقراءً كذاك منْ جَرَّاءِ مَنَاهِي التنظيرِ التروتسكِيِّ عَيْنِ عَيْنِهِ. ولٰكِنْ، ولٰكِنْ، وبالرَّغْمِ منْ كلِّ مَا بَانَ، هُنَا وهُنَاكَ، منْ إرْهَاصَاتِ المُتَوَارَثِ مِنْ ذلك العامِ المشؤومِ، عامِ الانْحِسَارِ الأيديولوجيِّ المَزْؤُومِ، وعلى الرَّغمِ منْ كلِّ تلك الأحَابيلِ والأبَاطيلِ التي باتَ عناصِرُ قادةٌ أو حتَّى غيرُ قادةٍ من «المجلسِ العسكريِّ الانتقاليِّ» (أوْ، وِفَاقًا لتَسْمِيَتِهِ بالعُرْفِ والاصْطِلاحِ المُعَارِضَيْنِ، بـ«المجلسِ العسكريِّ الانقلابيِّ»)، بَاتُوا ومَا بَرِحُوا، يَخْتَلِقُونَها اخْتِلاقَ أسْلافِهِمْ من  الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ الذينَ «سَادُوا» وَ/أوْ بَادُوا، ويَجْتَرِحُونَهَا منْ ثَمَّ اجْتِرَاحَ مُعاصِرِيهِمْ منهُمْ، منْ أجْلِ إخْمَادِ لَهَبَانِ هذا الثَّوَرَانِ الشَّعْبِيِّ ومنْ أجْلِ القَضَاءِ عَليهِ كُلاًّ وكُلِّيَّةً بأسْرَعِ مَا يُمْكُنُ لّهُمْ زَمَانًا (وبالإيعازِ «المَحَلِّيِّ» المَرْئِيِّ وبالإشرافِ الدُّوَلِيِّ اللامَرْئِيِّ، كمَا أُشِيرَ إليهِمَا قبلَ قليلٍ)، إلاَّ أنَّهُ لا بُدَّ من القَوْلِ بالإشَادَةِ والاسْتِحْسَانِ، دُونَمَا الإغْرَاقِ في أيٍّ منهُمَا، ودُونَمَا الوُقُوعِ بالتَّالي في شَرَكِ «الحَمَاسِ فوقَ-الثوريِّ» المُتَحَدَّثِ عنهُ، هَا هُنَا، فيمَا لهُ مِسَاسٌ بالدَّوْرِ الذي كانَ، ولَمْ يَزَلْ، يقومُ بِهِ أعضاءٌ قياديُّونَ، أو غيرُ قياديِّينَ، من «الحزبِ الشيوعيِّ السُّودانيِّ» بالذاتِ في سَيْرُورَةِ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السِّلْمِيِّ في البلادِ، وفي اسْتِمْرَارِيَّةِ هذا الحَرَاكِ عَلى أكثرَ منْ صَعِيدٍ، ذلك الدَّوْرِ اللَّافتِ للانتبَاهِ الذي يَكادُ أنْ يتفرَّدَ بِهِ هكذا حزبٌ يَسَارِيٌّ ماركسيٌّ منْ بينِ كافَّةِ الأحزابِ اليَسَارِيَّةِ الماركسيَّةِ في العَالَمِ العربيِّ كافَّتِهَا، والذي يكادُ أنْ يَتَرَجَّحَ بالكِفَافِ تَرَجُّحًا حتَّى عَلى النَّظِيرِ اليَسَارِيِّ الماركسيِّ في تونسَ المَعْرُوفِ بـ«الاتحادِ العامِّ التونسيِّ للشغلِ»، Union Générale Tunisienne du Travail (UGTT)، والضَّامِّ كذاك بمعيَّةِ النَّظِيرِ اليَسَارِيِّ الماركسيِّ الآخَرِ المَدْعُوِّ بـ«حزب العُمَّالِ (الشيوعيِّ التونسيِّ)» وُجُودًا طُلاَّبِيًّا من الأهميَّةِ بمكَانٍ منْ صُلْبِ الاتحادِ المَعْنيِّ بـ«الاتحادِ العامِّ لطلبةِ تونسَ»، في حَدِّ ذاتِهِ. وبالأخْذِ بِلُبِّ الحُسْبَانِ هكذا دَوْرًا لافتًا للانتبَاهِ لهكذا حزبٍ يَسَارِيٍّ ماركسيٍّ منْ كلِّ جَانبٍ مُمْكِنٍ، وبالأخْذِ بِعَيْنِ الاِعْتِبَارِ، إضافةً إليهِ، مَا قدْ ترتَّبَ عَلى تلك الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ والمَجَازِرِ الشَّنْعَاءِ التي ارتكبتهَا المؤسَّسةُ العسكريَّةُ السُّودانيَّةُ (بالإيعازِ «المَحَلِّيِّ» المَرْئِيِّ وبالإشرافِ الدُّوَلِيِّ اللامَرْئِيِّ ذاتَيْهِمَا)، وبغَايَاتِها الجَلِيَّةِ قبلَ كلِّ شيءٍ في فَضِّ الحَرَاكِ الشَّعْبِيِّ السِّلْمِيِّ في غِرَارِهِ الاِعتصَامِيِّ ذاك باستخدامِ قوَّةِ الحَديدِ والنارِ، صَارَ واضِحًا للعِيَانِ أكثرَ منْ أيِّ وَقْتٍ مَضَى أنَّ كلَّ الأحزابِ اليَسَارِيَّةِ الماركسيَّةِ واللاماركسيَّةِ والـ«مَا بَيْنَ بَيْنَ»، وعَلى الأخصِّ تلك الأحزابَ التي كانتْ، ومَا فَتِئَتْ، تبتغي برغبتِهَا المَاسَّةِ ابتغاءً نوعَيِ التباحُثِ والتفاوُضِ الجَادَّيْنِ بُغْيَةَ التَّوَصُّلِ إلى أنواعِ التَّسْوِيَاتِ مَعَ هذهِ المؤسَّسةِ العسكريَّةِ عَيْنِهَا، إنَّمَا هي الآنَ في موقفٍ قراريٍّ ليسَ لَهَا فيهِ سِوَى أنْ تَنْخَرِطَ بالحَشْدِ انخراطًا في حُشُودِ المُعْتَصِمَاتِ السُّودانيَّاتِ والمُعْتَصِمِينَ السُّودانيِّينَ طُرًّا، وليسَ لَهَا فيهِ كذاك، في آخِرِ المَطافِ، سِوَى أنْ تَتَمَاهَى، عنْ سَبِيلِ «المَنَابِ الإنسَانيِّ الفَرْدِيِّ» الكَنِينِ في سَرِيرَةِ كُلٍّ منْ أعضائِهَا، تَتَمَاهَى بمَا سُمِّيَ في موضعٍ آخَرَ بـ«المَنَابِ الإنسَانيِّ الجَمْعِيِّ» Collective Human Agency، وخُصُوصًا حينمَا يكونُ هذا المَنَابُ مُدَجَّجًا بقُوَّةِ الإرادَةِ الإنسَانيَّةِ الجَامِعَةِ – وللتذكيرِ، هَا هُنا، بمَا قِيلَ وَقْتَئِذٍ في هذا الصَّدَدِ: حتىَّ أفراخُ الطَّيرِ تستطيعُ أنْ تُحَلِّقَ في السَّمَاءِ أعْلى مِمَّا تستطيعُ (أنْ «تُحَلِّقَ» عَلى الأرضِ، ولا رَيْبَ) بقُوَّةِ الإرادَةِ في حَدِّ ذاتِهَا، لا بقُوَّةِ الجَنَاحَيْنِ، كَمَا كَانَ الحُكَمَاءُ القُدَامَى يقولونَ وقدْ كانوا عَلى يَقِينٍ مُطْلَقٍ منْ هذا القَوْلِ، وأوَّلُهُمْ كُونْفُوشْيُوسْ.  

غَيْرَ أنَّ الفارقَ «الموضُوعيَّ» الوحيدَ الذي يَبْدُو أنَّهُ قدْ غَابَ غِيَابًا كُلِّيًّا عنْ أذْهَانِ الكثيرِ من المُحَلِّلِينَ السِّيَاسِيِّينَ والكَتَبَةِ الصِّحَافِيِّينَ (بمنْ فيهِمْ كذاك أولئك «الماركسيِّونَ» المَعْنِيُّونَ، عَلى الأقلِّ حتَّى لحظةِ نَقْرِ مِفْتاحِ هذهِ «النُّونِ» الأخيرةِ)، إنَّمَا يَتَكَمَّنُ في الفارقِ الجَوْهَرِيِّ بينَ التَّسْيِيبِ «النَّاسِخِ» للسِّلاحِ الآلِيِّ والعَتَادِيِّ وبينَ التَّسْيِيبِ «المَنْسُوخِ» للإسْلامِ المَالِيِّ والجِهَادِيِّ. إنَّ غَبَاءَ الطَّاغِيَتَيْنِ العسكريَّيْنِ المُصْطَنَعَيْنَ المَعْنِيَّيْنِ في زَمَنٍ مِثْلَ هذا الزَّمَانِ، عبد الفتاحِ البرهانِ وسَاعِدهِ اليَمِينِيِّ محمد الـ«حمدانِ» الـ«دقليِّ» ذي اللقبِ العَامِّيِّ الغَنِيِّ عنِ الذِّكْرِ «حميدتي» (أيْ دَاجِرِ أرْدَأِ التُّمُورِ وتاجِرِ البُعْرَانِ المَأْجُورِ، تحديدًا)، إنَّهُ لَغَبَاءٌ لا يَطْفِرُ هكذا، دُونَمَا سَابِقِ إيمَاءَةٍ، طَفْرًا فُجَائِيًّا، أو بالحَرِيِّ «طُفْرَانًا اِفْتِجَائِيًّا» Abrupt Mutation، عنْ ذلك الغَبَاءِ القَهْرِيِّ التَّكْرَارِيِّ الذي يتحلَّى بِهِ الآخَرُونَ من الطُّغَاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، بُغَاةِ التَّهَدُّمِ لا التَّقَدُّمِ، حتَّى يَلْجَآ طَافِرَيْنِ إلى تلك الأحَابيلِ والأبَاطِيلِ الدَّنِيَّةِ والدَّنِيئَةِ كَيْمَا يُوقِعَا إيقاعًا مُتَعَمَّدًا أشتاتَ الأُبَاةِ العُصَاةِ المَدَنِيِّينَ في شَرَكِ الاجترارِ إلى أوْكارِ العِصْيَانِ المُسَلَّحِ، في المُقَابِلِ: فالتَّسْيِيبُ «النَّاسِخُ» للسِّلاحِ الآلِيِّ والعَتَادِيِّ في البُيُوتِ والمَيَادِينِ، كَمَا يكونُ المَآلُ هذا اليومَ في المَشْهَدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّودانِيِّ، شَيْءٌ، والتَّسْيِيبُ «المَنْسُوخُ» للإسْلامِ المَالِيِّ والجِهَادِيِّ من السُّجُونِ والزَّنَازِينِ، كَمَا كانَ الآلُ بالأمسِ في المَشْهَدِ الثوريِّ الشَّعْبِيِّ السُّورِيِّ، شَيْءٌ آخَرُ!

[انتهى القسم الحادي عشر من هذا المقال ويليه القسم الثاني عشر]

 

غياث المرزوق – لندن

 

علاء اللاميأشاد المرجع السيستاني في خطابه الذي نشره مكتبه اليوم الجمعة، وقرأه السيد أحمد الصافي في الخطبة الثانية ليوم الجمعة، أشاد بتضحيات وبطولات (رجال العراق الابطال شيباً وشباناً ومن مختلف الشرائح الاجتماعية واندفعوا الى ساحات القتال بحماس منقطع النظير وهمّة لا توصف وخاضوا عشرات المعارك الضارية بكفاءة عالية، تجلّت فيها البطولة بأروع صورها وأسمى معانيها، وقد قدّموا في هذا الطريق عشرات الآلاف من الشهداء وأضعاف ذلك من الجرحى والمصابين)، ولم يذكر المرجع اسم أي فصيل أو قوة مسلحة معينة بل وجه التحية لـ (مختلف صنوف القوات المسلحة والاجهزة الأمنية). وقد حذر المرجع من (عدم الاسراع في معالجة مشاكل المناطق المتضررة بالحرب على الإرهاب)، لأن ذلك (يمنح فلول داعش فرصة مناسبة للقيام ببعض الاعتداءات المخلة بالأمن والاستقرار، وربما يجدون حواضن لهم لدى بعض الناقمين والمتذمرين فيزداد الامر تعقيداً)، وقد كرر المرجع في خطبة اليوم نقده الحاد "للمحاصصة المقيتة"، وانتقد أيضا عددا من ممارسات وخروقات النظام ورموزه وقواه النافذة ومنها وحرفيا:

* التكالب على المناصب والمواقع.

* الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والذي لم يقابل بخطوات عملية واضحة للحد منه.

* القوانين التي منحت امتيازات مجحفة لفئات معينة على حساب سائر الشعب لا تزال سارية المفعول ولم يتم تعديلها.

* استمرار الصراع على المغانم والمكاسب وإثارة المشاكل الامنية والعشائرية والطائفية هنا أو هناك لأغراض معينة.

* عدم الاسراع في معالجة مشاكل المناطق المتضررة بالحرب على الارهاب تمنح فلول داعش فرصة مناسبة للقيام ببعض الاعتداءات المخلة بالأمن والاستقرار، وربما يجدون حواضن لهم لدى بعض الناقمين والمتذمرين فيزداد الامر تعقيداً.

إن كلام المرجع السيستاني ليس جديدا، وهو يشكر على هذا الوضوح في كلامه، ولكن الكلام المكرر في هذا الاتجاه لن يكون له أي تأثير إيجابي بعد الآن، بدليل ما حدث في السنوات الماضية ويحدث الآن مع حكومة عبد المهدي. لقد تجاوزت هذه الحكومة كل الحدود المعقولة وخرقت كل الخطوط الحمراء التي لم تجرؤ حكومة قبلها على خرقها وهدرت الثروات والمال العام في مشاريع عبثية ومشبوهة كخط "البصرة العقبة" النفطي، ومشاريع التجارة والحقول المشتركة والأنهار والحدود مع الكويت وإيران والسعودية، وعقود النفط الضخمة مع شركة أكسون موبل الأميركية وعقود الكهرباء الطائلة والتي لم ينتج عنها أي تحسن.

إن الحال مستمر كما كان عليه منذ أول انتخابات أسست لنظام المحاصصة الطائفية والعرقية وشجعت المرجعية على المشاركة فيها ومنذ الاستفتاء على الدستور الاحتلالي " دستور دولة المكونات" الذي دعا المرجع الناس إلى التصويت عليه بنعم!

إن المرحلة الحالية التي يمر بها العراق وطنا وشعبا أكثر خطورة من كل المراحل الماضية، وإنه يوجب على جميع الأطراف التي ساهمت في إيجاد نظام المحاصصة الطائفية ودستوره أن تصحح أخطاءها الفادحة والتاريخية في إنجاب هذا النظام، وإن العقل والواجب الشرعي والأخلاقي يوجب  أن يسحب المرجع الديني  تأييده لهذا النظام ورموزه ويكتفي بأداء دوره الديني الذي وجد من أجله ليحرم بذلك الفاسدين في النظام الطائفي من استعمال المرجعية الدينية وموقعها بين الناس كستار وسند ومتكأ لها ولأطماعها، إذا كان المرجع لا يريد أو لا يقوى على دعوة العراقيين إلى إسقاط هذا النظام بالحراك الشعبي السلمي واسع النطاق... إن البقاء الحال على ما هو عليه من فساد وهيمنة سوداء للجهلة الفاسدين والفاشلين سيوصلنا جمعيا إلى نقطة خطرة قادمة لا رجعة عنها ولن يفلت من لهيبها أي طرف من الأطراف المتسببة في هذه المأساة التي طالت أكثر مما يجب! 

وخلاصة القول في ذكرى الاجتياح التكفيري الداعشي أن هناك حقائق بطعم العلقم لابد من التذكير بها ومنها:

* إنَّ اجتياح داعش وانتصاره السهل على المؤسسة العسكرية العراقية التي شكلها الاحتلال الأميركي سببه الأول والأهم وجود نظام المحاصصة الطائفية العرقية ودولة المكونات ودستورها!

* إنَّ نظام المحاصصة ودولة المكونات ودستورها لم تسقط على العراق من سماء صافية بل جاء بها الاحتلال الأميركي وأقامتها وشجعتها وخدعت الناس ودفعتهم لتأييدها جهاتٌ مدنيةٌ ودينيةٌ، داخليةٌ وخارجيةٌ معروفةٌ، وهذه الجهات ماتزال تدعم هذا النظام الفاسد الخَطِر وتحاول أن تنقذه كلما وقع في أزمة!

* إنَّ استمرار وجود هذا النظام الطائفي وركائزه وداعميه يعني استمرار وجود التهديد باجتياح داعشي أو شبه داعشي قادم طال الزمن أو قَصُر.

* إنَّ أولاد الفقراء والكادحين العراقيين هم الذين أنقذوا العراق من اجتياح داعش وبذلوا الأرواح والدماء والفضل الأول لهم، لهم هم فقط، ومن يمنح الفضل لغيرهم من أصنام السياسة والدين يهين ذكراهم النبيلة وتضحياتهم العظيمة!

* إنَّ العراق ليس بحاجة إلى المزيد من الأصنام السياسية والطائفية، والعراقي الوطني الحقيقي هو الذي يحتفل بذكرى الانتصار على داعش ويعمل على كنس النظام الذي سمح وسهَّل وتآمر لتنتصر داعش.

 

علاء اللامي

................

* رابط يحيل إلى نص كلمة المرجع السيستاني على موقعه الرسمي:

https://www.sistani.org/arabic/archive/26306

/

راضي المترفيكل عام والصحافة العراقية وحملة الاقلام فيها بخير

يصف شاعر دخول زينب بنت علي بن ابي طالب واخت الحسين عليهم السلام مسبية بعد مقتل اخيها في كربلاء على مجلس الخليفة الاموي حيث يقول :

(واشد مايشجي الغيور دخلها

الى مجلس مافرق اللهو ساعة)

هذا البيت استحضرته ذاكرتي بعد ان عرفت ان نقابة الصحفيين دعت من يحملون شهادة (الدكتوراه) دون غيرهم من الصحفيين العراقيين للاحتفال معهم والاحتفاء بهم بمناسبة يوم الصحافة العراقية واستبعد ان يكون النقيب خلف الدعوة لسببين الاول انشغال النقيب بترتيب وضعه الخارجي والثاني لم يكن النقيب من حملة شهادة الدكتوره لا بل لم تطأ قدماه كلية الاعلام طالبا الا بعد وصوله لموقع النقيب واكاد اجزم ان من يقف خلف الدعوة لم يكن صحفيا حقيقيا وانما وصوليا متمرس ولو كان فعلا صحفيا لعرف ان الاقلام التي حفرت لها اسماء في سجل صاحبة الجلالة لم يكن بينها من هو (دكتور) الا نادرا وللتذكير فقط ان اغلب حملة الدكتوراه الذين مارسوا العمل بعد عام 2003 فشلوا في الميدان والدليل العميد الحالي للكلية له تجربتان في اصدار الصحف فاشلة وكذلك زميل دكتور اخر في حين تعج جمهورية مرجان بنساء عملن قريبا من الصحفيين في الصحف وتعلمن الشيء اليسير لكن طموحهن الكبير وحلمهن بأن يكن صحفيات دفعهن الى اصدار صحف وللامانة نجحن على عكس (دكتورات) الاعلام واستمرت صحفهن بالصدور ولازالت تصدر رغم ان اغلبهن لم يتجاوزن الابتدائية ولكم ان تقارنوا بين نجاحهن وفشل الـ (دكتوراه) وعلى مساحة الصحافة والاعلام في العراق تنتشر اقلام وطاقات لاحصر لها لاتحمل الدكتوراه لكنها تحمل هموم ذاتية وهموم الوطن والمهنة وتحفظ ابجدياتها عن ظهر قلب يدوسون على الخطر ويسيرون فوق الالغام وفوق راسمه سيف مسلط اسمه (محكمة النشر) ويحيط بهم الخوف ممثلا بحمايات المسؤولين وبطاناتهم من غير ان يتسلحوا بالدكتوراه ولم يحلموا بتكريم النقابة التي اشترطت لتكريمها ان يكون المكرم يحمل (الدكتوراه). اعود الى محل الشاهد (بيت الشعر) اقول ان كل صحفي فكر ان يدخل بناية النقابة ولايحمل شهادة الدكتوراه سيكون دخوله للنقابة التي خصت (الدكتور) الذي فشل في الميدان بالتكريم عليه ان يعي ان النقابة اصبحت نقابة نخبة ودخوله لها بمناسبة عيد الصحافة العراقية هو اشبه بدخول زينب الى مجلس يزيد .

 

راضي المترفي

 

بكر السباتينبدأت شبكة نيتفليكس بث مسلسلها "جن" الأردني على قنواتها، ويسلط مسلسل "جِن" الضوء على جمال البيئة فى الأردن وحياة المراهقين، ليقدم للعالم المعاصر لمحة عن الفلكلور الشرق أوسطى الفريد، ويطرح مواضيع معاصرة حول أساطير الجِنّ من خلال قصة غابرة خارقة للطبيعة عن الصداقة والحب والمغامرة كتبها مخرج المسلسل مير جان بو شعيا عبر فيها عن واقع الشباب الأردني في منطقة متوارية عن العيون.. وكأنه يحاول تسليط الضوء عليها فهل وفق في ذلك!.

إذ تخلل القصة رحلة ترفيهية لبعض الشباب الأردني ما بين أعمار 16- 17 للبحث عن الجن بمرافقة المرشدة الاجتماعية..فيما توضع صداقات هؤلاء الشباب وعلاقاتهم الرومانسية الناشئة على المحكّ حين يستحضرون وبغير قصد قوى خارقة من الجنّ فهل سيتمكن الأصدقاء من الاتحاد معًا وإيجاد الإجابات اللازمة لإنقاذ كل شيء حين يبدأ صراع الخير والشّر؟ إلى هنا وقصة المسلسل مشوقة وواقعية؛ ولكن التركيز في المسلسل على المنطقة المظلمة في المجتمع وتسليط الكشافات عليها من حيث مشاهد التقبيل والكلام البذيء والإيحاءات الجنسية من باب الإقحام وليس التوظيف.. فهذا يعني بأن الأهداف حرفت المسلسل عن سياق رؤيته التربوية رغم أنه يعكس الواقع بين الشباب بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإباحية بشكل مخيف.. وبات الهدف الحقيقي من المسلسل ترفيهياً.

وفي سياق متصل أثار عرض المسلسل جدلاً واسعاً، وانتقاداً شديداً، تعرضت له شبكة "نتفليكس"، من الشعب الأردني، بعد طرحها الحلقات الخمس التي يتكون منها الموسم الأول من مسلسل "جن" الأردني، أول إنتاجات "نتفليكس" العربية، والذي تم تصويره في مدينة البتراء السياحية.

لقد أثار المسلسل استياء الجمهور الأردني الذي عبر عن غضبه عبر "تويتر" مطالبين المسؤولين للتدخل، ووقف عرضه، وقد نشرت الصحف الأردنية مساء الخميس الماضي، أنباء عاجلة عن تدخل مدعي عام عمان، والذي أوعز إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، في مديرية الأمن العام، باتخاذ الاجراءات الفورية لوقف بث المسلسل.

بقي أن نعرف بأن العمل من إخراج مير جان بو شعيا.. ويشارك في بطولة المسلسل مجموعة من النجوم الصاعدين في المنطقة، حيث تلعب سلمى ملحس دور ميرا، المراهقة المتمردة التي دمرها فقدان والدتها، وتحاول أن تتعلم كيف عليها أن تحب من جديد حين تقابل كيراس، الذي يؤدي دوره حمزة أبو عقاب، الجنّي المكلف بحراسة الجنّ المذنبين.. ويلعب سلطان الخليل دور ياسين، الذي يكافح في عالم يبدو متآمرًا ضده، ونتابع قصته القديمة التي أثارتها صداقته غير الطبيعية مع فيرا.. عائشة، التي تبحث عن الانتقام بأي ثمنٍ كان. وينضم إلى ميرا صديقاها فهد (ياسر الهادي)، وليلى (بان حلاوة ) في معركة لإنقاذ ياسين من براثن فيرا قبل فوات الأوان.

 ومنتجة المسلسل نتفليكس هي شركة ترفيهية أمريكية أسسها ريد هاستنغز ومارك راندولف في 29 أغسطس، 1997، في كاليفورنيا. تتخصص نتفليكس بإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، وتوزيع الفيديو عبر الإنترنت.

ولا أدري في المحصلة كيف فكرت الشركة في الاستثمار داخل الأردن من خلال مسلسل جن! ما هي الجدوى الاقتصادية من ذلك! أم أن الأهداف الكامنة وراء ذلك تذهب بنا إلى موضوع فضح خفايا المجتمع الأردني كواقع اعتيادي من أجل الترويج السلبي لهذه الطباع المستهجنة! الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة وخاصة أن بعض الأهالي سمحوا لأبنائهم التعاطي مع هذه المشاهد تحت اسم الفن والحرية الشخصية وكأن ما يشاهده الجمهور من احتساء للخمر والحشيش وتبادل القبل والألفاظ الجنسية بين المراهقين  مجرد واقع اعتيادي لا يمكن تجاهله وليس أزمة أخلاقية تسيطر على سلوك الشباب وتبحث عن ترويض وحل.

 

بقلم بكر السباتين

 

عدنان ابوزيدالحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، فيما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.

وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإنْ امتلك أسباب البأس، فيما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.

وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن

حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.

يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".

وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.

والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.

النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.

والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب.

والخلاف على مصادر المياه بين وفلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.

العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، مشروع قتال..

النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..

الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..

تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيويبا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..

الخلافات حول الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا وامريكا، مشروع إبادة شاملة.

الاتفاق النووي وتداعياته بين أمريكا وإيران، مشروع انهيار أمم.

لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة.

وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على أنْ لا يصغر حجم رغيف الخبر، وأنْ تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب،

والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.

 

الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص.

سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لابد من الحوار.

الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..

الحرب العالمية الأولى، ( 1914- 1918 ) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لابد من

الحوار عبر معاهدة فرساي.

الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار.

الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 1988-)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان.

ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق.

ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.

العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي

وإنْ طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت

نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.

 

عدنان ابو زيد

 

علي عليبين الفينة والأخرى يطل علينا بطل من أبطال مجالسنا الثلاث، او مسؤول من مسؤولينا الذين تسنموا زمام أمور الرعية تحت غطاء حرية الرأي وعن طريق صناديق الاقتراع، على شاشة إحدى الفضائيات خلال لقاء او برنامج يهدف الى وضع المواطن في موقع الرقيب على من خولهم في أمره وأمر بلده بما يحتويه من خيرات. وقطعا تكون الأسئلة المزمع طرحها عليه مهيأة قبل أوانٍ، يكفيه لتحضير الإجابات كما يشتهي ان تكون، ولايفته حتما ان يتأبط مستندات لها من صحة الصدور حقائق تتراوح نزاهتها بين 0 % و 100 % والنسبة الأخيرة وضعتها كي لاأظلم (حظي وبختي).

لكن الذي يحدث عادة ان يتشعب الحديث ويخرج من مبتغاه وهدفه المرسوم، ليتحول الى تهجمات لزملائه في المهنة، ورفاقه في الدرب، إذ يبدأ بكيل الاتهامات على (ربعه) دون (وجع گلب) ويأتي بالقديم والجديد من ماضي صحبه وحاضرهم، وكأنه موكل بفضحهم وشر غسيلهم على مرأى السامع والمشاهد على حد سواء. وقطعا سيلقي هذا بظلاله على ما يخص المواطن من الحديث او اللقاء ويهمشه أيما تهميش، فيصبح اللقاء إلقاء ضوء على ذاك النائب او المسؤول، ليلقي الضوء بدوره على شخص ثانٍ يعلق عليه سيئاته وإخفاقاته في واجباته.

في بلد الحضارات والنفط ومراقد الاولياء المقدسة، لاينكر ان مفردات الحيادية والإنصاف كانت مغيبة لعقود خلت، في وقت كانت تحل محلها أضدادها، الى ان اشرقت شمس الحرية التي كنا نظن انها غير قابلة للكسوف، وبها انطلقت الحريات بجميع اشكالها، أولها التعبير عن الراي، وحرية النقد وغيرها من نعم الديمقراطية، الأمر الذي أطلق العنان للسان الشعراء والكتاب والنقاد في البوح بما يختلج بخواطرهم من آمال وما يعتمل في نفوسهم من آلام. وكان بذلك متنفسا لهم. فمنهم من أعاد توثيق احداث كان فوه مكمما عن البوح بها، فأطلقت الحرية فاه فاستذكرها بتفاصيلها وحيثياتها، وأرخها كشاهد للتاريخ، ومنهم من وجد في الحرية ضالته بعد كبت خانق، وإحساس حانق، ففتحت قريحته في البوح بمسميات جماليات الحياة، ومايهوى وما يعشق.

ومنهم من اتخذ لنفسه موضع الرقيب وموقع الناقد، فأصبح رقيبا على أفعال معيته. لكن الأمر المنكر أن تأخذ الحرية اتجاها تتبلور فيه الأحقاد الشخصية والغايات النفعية الخاصة او الفئوية الدور الاول في اهتمامات هذا المسؤول او ذاك، وبذا تبعد الهوة والفجوة بينه وبين أداء واجبه إزاء المواطن. كما تفقد اللقاءات والاستجوابات والمساءلات فحواها، فتتشظى الغاية المرجوة منها والتي قد تكون تصويب خطأ او تقويم خطل او تعديل نهج، انحرف عن جادته بتأثيرات عديدة وإعادته الى الاتجاه الصحيح بما يصب في مصلحة المواطن.

هو اقتراح يشاركني فيه العراقيون نطرحه أمام المسؤولين عنا في مفاصل البلد، مفاده وفائدته تصب في مصلحة الجميع، خلاصته: لاتجعلوا اللقاءات المتلفزة معكم منصة لإطلاق صواريخكم الهجومية ضد بعضكم، ولا تطلقوا سهامكم من المحطات الاذاعية، لتصيبوا بها زملاءكم في المهنة, فهي اولا وآخرا لاتقع إلا على رأس المواطن، وقد قيل سابقا: "إذا رميت يصيبني سهمي"

 

علي علي

 

عبد الحسين شعبانهل وصلت تجارب «العدالة الانتقالية» إلى طريق مسدود؟ وهل أصبح الحديث عما بعد العدالة الانتقالية ضرورة لتجاوز الاستعصاء؟ وهل هناك خيار آخر أكثر ضماناً لتحقيق العدالة؟ أسئلة تواجهها العديد من تجارب العدالة الانتقالية، بما فيها التجارب العربية الجنينية التي لم تلج هذا الميدان إلّا منذ وقت قريب نسبياً.

وكان المغرب البلد الأول الذي باشر بذلك في عام 2004، حيث أسّس «هيئة الإنصاف والمصالحة»، في حين بدأت تونس مساراً رسمياً بهذا الخصوص في عام 2011، حيث خُصصت وزارة للعدالة الانتقالية، وأُسست «هيئة الحقيقة والكرامة». وحاولت كل من ليبيا واليمن التوجه لتطبيق بعض مبادئ العدالة الانتقالية، لكن تجربة ليبيا أخفقت بعد فترة حكم المجلس الوطني الانتقالي واندلاع الصراع، مثلما فشلت تجربة اليمن عقب فترة الحكومة المؤقتة، وتوقفت بسبب ظروف الحرب لاحقاً.

وظلّت النخب السياسية والفكرية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني العربية في حالة نقاش يشتدّ ويرتخي بخصوص العدالة الانتقالية، ففي العراق صدر «قانون اجتثاث البعث»، ثم تحوّل إلى «قانون المساءلة والعدالة»، لكنه أثار انقساماً مجتمعياً حاداً. أما في الجزائر، فبعد «العشرية السوداء» التي شهدت عنفاً لا مثيل له (1992-2002) بدأ البحث في قضايا العدالة الانتقالية، ولا سيّما للمختفين قسرياً، وعلى الرغم من المعاناة التي تحملها لبنان خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، لكنه لم يتمكن من سنّ قانون للمفقودين والمختفين قسرياً إلّا في ال 30 من نوفمبر / تشرين الثاني 2018. ولا تزال سوريا تعاني من تداخلات عديدة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في ظروف الإرهاب والنزاع المسلّح. ولأن العدالة الانتقالية تأتي في العادة بعد فترات الصراعات والحروب والنزاعات الأهلية التي تشهدها بعض المجتمعات، فإن اتجاهين يثوران بشأن المعالجة:

الأول يدعو إلى التشدّد إزاء الماضي لدرجة الغرق فيه، وإبقاء كل شيء أسيراً له بما فيه العملية السياسية التوافقية الهشّة.

والثاني يريد قلب صفحة الماضي كلياً، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الإفلات من العقاب وعدم الاستفادة من دروس التجربة التاريخية، وكلا الاتجاهين يثير حفيظة أوساط واسعة من المتضررين في السابق والحاضر، فما السبيل لتحقيق العدالة؟

وعلى الرغم من أن جميع تجارب العدالة الانتقالية تشمل الجرائم المتعلقة بالإبادة وضد الإنسانية وجرائم الحرب وعمليات القتل خارج القضاء والتعذيب والاختفاء القسري، وغيرها من الارتكابات التي تتناولها القوانين الوطنية والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن سبل معالجتها اختلفت وتنوّعت، لكن ما هو غير مؤكد حتى الآن أن هذه التجارب حققت مصالحة شاملة ومنيعة، وإن استطاعت منع حدوث النزاع المسلح باستثناءات محدودة.

إن وصول بعض تجارب العدالة الانتقالية إلى طريق مسدود أو حالة استعصاء أو ابتعاد عن هدف المصالحة الوطنية، يقتضي البحث عن طريق جديد يتجاوز آثار الماضي ويعيد البلاد إلى وضعها الطبيعي، وسيكون مثل هذا الأمر ضرورة لا غنى عنها، بعد أن ظلّت بعض تجارب العدالة الانتقالية تراوح في مكانها، ولم تحقّق أهدافها، ولا سيّما باستمرار الانقسام المجتمعي وانهيار النظام القانوني أو اندلاع نزاعات مسلحة جديدة.

ولأن العدالة الانتقالية خيار سياسي، فلا بدّ من البحث عن خيارات سياسية أخرى معدّلة أو مكمّلة ومتممة له، لكي تكون بديلاً لمنع الإفلات من العقاب ومنع تكرار الانتهاكات وتحقيق مصالحة وطنية لإرساء نظام ديمقراطي يقرّ ويعترف بكرامة الإنسان ويحفظ حقوقه ويعالج ذاكرة الماضي.

ومثلما تضافرت جهود سياسيين وناشطين حقوقيين ومؤسسات مدنية وبدعم من منظمات غير حكومية، إضافة إلى المجتمع الدولي لتحقيق العدالة الانتقالية، لا بدّ من التفكير في مسارات أخرى موازية أو رديفة للخيارات القائمة، لتجاوز حالة الركود التي مرّت بها بعض البلدان، لدرجة قادت بعض التجارب لخلق بؤر حرب دينية أو طائفية أو إثنية، ولا سيّما في ظل موجة الإرهاب الدولي وانتعاش التيارات الإرهابية - التكفيرية.

وإذا كانت العدالة الانتقالية في أمريكا اللاتينية من (الأرجنتين إلى شيلي والبيرو) وفي إفريقيا (من رواندا وسيراليون إلى جنوب إفريقيا)، وفي أوروبا الشرقية (الدول الاشتراكية السابقة) وفي آسيا (سريلانكا ونيبال وتيمور الشرقية) وغيرها، قد سلكت هذا السبيل، فإن عدم تحقيق الأهداف يتطلّب تغيير الوسائل، والوسيلة من الغاية مثل البذرة من الشجرة على حد تعبير غاندي.

وعلى الرغم من الأهمية العالمية لهذا المسار، خصوصاً لما أنجزه، غير أن الحاجة أكثر بكثير إلى ابتداع تطبيقات أكثر عمقاً وشمولاً في العالم العربي، على صعيد السياسة والحقوق والقانون، حيث تشتبك هذه المسائل مع البيئة التقليدية في المجتمع العربي والتأثيرات القبلية والدينية والطائفية والإثنية والمناطقية، وهو ما يدعو إلى التفكير لما بعد الخطوات الأولى للعدالة الانتقالية وانسداد أفق بعضها، فضلاً عن تأثيراتها الجانبية، لتغذية عوامل صراع جديدة.

 

عبد الحسين شعبان

 

صادق السامرائيسألني أحد الأخوة الإسبان قائلا: أنا في حيرة من أمركم، ما هي علتكم؟... فأنتم فخرنا ومجدنا وتاريخنا المشرق، كنتم في إسبانيا لثمانية قرون، قدمتم فيها أرقى العلوم والآداب والثقافات والإبداعات العمرانية والجمالية، وأخرجتم أوروبا من ظلمات عصورها إلى مسارح الأنوار الساطعة.

وأضاف: لا أعرف ماذا جرى لكم فأصبحتم بهذه الحالة السيئة؟

صدعني كلامه وأدهشني حماسه وإنفعاله وما عرفت الجواب إلا أن أقول بحزن: لا أدري!!

فما وددت الخوض في مأساة العرب، وما هم عليه من تفاعلات لا تتفق وأبسط بديهيات المصالح وعوامل البقاء والتواصل، وظننته يعرف الكثير لأنه من المهتمين بشؤون العرب، وكان يريد مني جوابا ربما ينفعه في توضيح الحال وفهم المآل.

لكنني لم أجد بعد إلحاح منه إلا كلمة واحدة فقلت له : الجهل!!

فتسمر بوجهي وقال: الجهل بماذا؟

فقلت: الجهل بكل شيئ!!

قال: هذا غير ممكن !!

فقلت: وما يحصل في بلاد العرب يقع في خانة "غير ممكن"!!

ومضى قائلا: إن ما يجري في بلادكم لا يمكن تصديقه، عندما نرى نحن الإسبان تأريخ العرب في بلادنا، يصعب علينا إستيعاب أحوالكم الحاضرة.

فالعرب عندنا تعني كل شيئ حضاري رائع، وما إستطعنا أن نمحو دورهم وتأثيرهم في حضارتنا وثقافتنا إلى اليوم، لأن ما قدموه لنا يدعو للإعتزاز والفخر والتباهي.

وبين محنتي العربية وحيرة الأخ الإسباني، وجدتني أجيل النظر والتأمل في غرناطة وقرطبة والجامع الكبير وقصر الحمراء وأشبيلية وملقة وتوليدو ولشبونة، والجوامع والمآذن والقصور والمعالم العربية الإسلامية المتدفقة بالأفكار الإبداعية الخلاقة.

ووجدتني أدخل بيتا صغيرا قد تحول إلى متحف فقرأت على جدرانه في باحته العربية:

"إذا كان أصلي من تراب فكلها  ***  بلادي وكل العالمين أقاربي"

ورحت أخطو متثاقلا في أزقة الأندلس وفي صدري عبق الحضارة والثقافة العربية المنيرة، رغم محاولات طمسها، لكنها لروعتها وقوتها وأصالتها بقيت عصية على الغياب والإندثار والضياع.

وأدركت محبة الإسبان وتقيمهم لتاريخهم العربي الإسلامي المشرق رغم الذي حصل وما يقال.

فالقوة الصادقة الغنية بمعاني الفضيلة والجمال لا يمكن إزالتها ومحقها أبدا،

ولهذا بقي التاريخ العربي الإسلامي منيرا في بلاد الأندلس وسيبقى إلى ما شاء الله.

وعندما عدت إلى سؤال الأخ الإسباني أراجعه، وأبحث عن جواب له، تذكرت أني سألت أحد المفكرين العراقيين المهتمين بشأن العرب، وقد كتب العديد من المقالات والكتب بهذا الخصوص. تذكرت أنني سألته أن يختصر أسباب الواقع العربي المتداعي بسبب أساسي واحد.

فقال فورا: "الجهل بالدين".

فهل سنعرف ديننا لكي نتحقق ونكون.

وكل حديث ذو شجون.

وأرجو من القارئ أن يدرك المخزون!!

سماءٌ من مساوئنا استضامت

فأشقتْ كوكبا فيهِ اسْتضاءت

*

وأغوت كل شيطانٍ رجيمٍ

يخادعها بآثمةٍ تسامت

*

شعوبٌ في جهالتها تهاوت

تفاقم شرها وبه اسْتجارت!!

***

د. صادق السامرائي

 

عدوية الهلاليفي لقاء معها، قالت نائبة مشهورة بتصريحاتها النارية بأن كتلة دولة القانون تتعاطى بوداعة مع الاحداث السياسية ولاتعمد الى صناعة الازمات التي يتقنها بعض المستفيدين من تاثيراتها على الشارع العراقي المحتقن دوما بواحدة من الازمات التي تتنوع مابين سياسية واقتصادية وداخلية وخارجية فالمهم ان يظل العراق مترنحا تحت تاثير ازمة ما، واضافت النائبة في حديثها عن زعيم كتلة القانون انه ينهى اعضاء كتلته عن الشخصنة والا يهاجموا اشخاصا بعينهم بل ظاهرة تستحق الانتقاد في معرض حديثها عن التوترمابين كتلة القانون والصدريين، لكن الواقع يقول ان ساسة العراق وزعماء الكتل لم يتوقفوا عن صناعة الازمات ومهاجمة بعضهم البعض سواء بشكل فردي أو جمعي في الوقت الذي تتفاقم فيه نتائج الازمات من كشف ملفات فساد وكوارث اقتصادية وصدامات سياسية وتزوير انتخابي ولايبدو ان هنالك اي ضوء في نهاية النفق لأن الازمات متواصلة وتصريحات الساسة ترسم عالما ورديا لاعلاقة له بالواقع اذ تبين ان بعضهم يتعامل بوداعة مع الآخرين والبعض الآخر يتبرأ ممن يدعو الى الطائفية في مدينة فقدت اغلب سكانها بسبب الضغط الطائفي من دون أن يتدخل قادة الاحزاب لحماية السكان من عناصرهم (المارقة) ومحاسبتهم على سلوكياتهم (الفردية) كما تشير اليه تصريحاتهم ..

ربما نكون قد اعتدنا على الازمات السياسية التي تعكس مدى التنافر بين اطراف لعبة الحكم في العراق لدرجة الا يتم استكمال التشكيلة الحكومية حتى هذه اللحظة ويظل حسم اختيار مرشحي الوزارات المتبقية حلما بعيد المنال اذ اتفق سياسيو العراق على الا يتفقوا والى اشعار آخر، لكننا نشعر بالصدمة ونحن نواجه ازمات من نوع جديد فمن شحة مياه كان يمكن ان تودي ببلاد النهرين العظيمين الى الجفاف الى سيول وفيضانات كان يمكن ان تطمس معالم مدنه، ومن اصابات سمكية نادرة الى حرائق غريبة في حقول الحنطة أدت الى خسائر فادحة وكوارث اقتصادية اصابت المواطنين قبل البلد لأن المواطن الذي يخسر محصوله او أسماكه لايحصل على تعويض لخسارته بينما يمكن للبلد الذي يعيش بين جيران يتحينون الفرص لتحويله الى سوق لبضائعهم أن يواصل ساسته الاستيراد – وهم ممنونين- متجاهلين حقيقة ان ثرواته الطبيعية كان يمكن ان ترفعه الى درجة الرخاء الاقتصادي فيما لو تم استغلالها، لكن مايحدث هو العكس تماما فكل الازمات والكوارث التي تتلاحق على بلدنا المغلوب على أمره مفتعلة في الغالب ومهما حاول المسؤولون ايجاد اسباب طبيعية لها فلايمكن لنا ان نصدق كل هذا الكم من الازمات وان نسلم بأنها عفوية وتحصل مصادفة وفوق كل ذلك ان نتعامل معها بوداعة اسوة برجال الدولة (الوديعين)...

 

عدوية الهلالي

 

ضياء محسن الاسديالعَلمانية (بفتح العين) هي ظاهرة سياسية كانت مرتبطة في جوهرها ونشأتها بالديانة المسيحية الأوربية كعلاقة بين الدين والسياسة أو الدولة ومؤسساتها الدنيوية ظاهرة قديمة موغلة في القدم من التاريخ الأوربي حيث كانت الكنيسة هي السلطة الحاكمة عليه وبيدها كل شيء وتختلف في تطبيقها من دولة الى أخرى ومن قرن لآخر وقد تعصب الكثير لها أو ضدها وعانت ما عانت من الصراعات فيما بينهما . ف (العَلمانية) هي مصطلح غربي فلسفي صاحبه الفيلسوف الانجليزي (جورج هوليوك) سماها ب(سيكيولارسم) عام 1851 ميلادية وكما جاء في القاموس العربي ترجمتها هي مقابل كلمة (عالمي) ما يعني كل ما هو هو منسوب إلى (العَالم) بفتح العين وليس بكسرها وكذلك ترجمت هذه الكلمة ب (الدهرية) من قبل المفكر الإسلامي (جمال الدين الأفغاني) وفسرها بأنها الارتباط بين المادة والوجود والإلحاد وفي بعض معاجم اللغة العربية ب (اللادينية) أو (اللائكية) في اللغة الفرنسية وكذلك (الزمنية) مقابل الأبدية أو (الدنيوية) مقابل العالم الآخر وما زال لحد الآن لم يتفق على أصلها من (العِلم) أو (العَالم) . وترجمت في بعض الأحيان أن (العَلمانية) هي مناقض للدين أي أن الشيء أما عَلماني أو ديني فإذا كان مرتبطا بالله سبحانه وتعالى فالثاني مرتبط بالإنسان وإذا كان الدين مرتبط بالأبدية فالعَلمانية مرتبط بالزمن وهكذا هي الجدلية القائمة على ذلك . فقد أسس هذا الفيلسوف الانجليزي المصطلح كي يتحرر من النظام الاجتماعي من السلطة الدينية المتحكمة آن ذاك في شؤون الدولة وسياستها في قيادة المجتمع على أساس نفيه وجود عالم آخر وحساب بعده وجنة ونار ليجعل البشر يعتمدون في حياتهم الدنيوية فقط لا حياة بعدها . إما في المجتمعات العربية والإسلامية تم طرح مفهوم أبعاد الدين عن السلطة والسياسة للدولة كونه معارضا لها في كثير من سياستها وندا قويا لها باتهامه انه بعيد عن التمدن والتحضر والتكنولوجيا طارحين مبدأ (العَلمانية) كبديل للسيطرة على الدين في قيادة الدولة وفصل الدين عن الحياة الاجتماعية والأسرة والفرد . أن طرح بعض المفكرين بالتحرر من الدين وسلطته وقيمه هي أحد حقوق الإنسان للعيش في مجتمعه بعيدا عن تسلط الدين في حياته وتحرير عقله في سلوكياته الأسرية والفردية أثر تأثيرا سلبيا على المجتمعات العربية والإسلامية وعلى عقول وأفكار المسلمين وبدأ التشكيك بعقيدة الدين الإسلامي بأنها عاجزة عن فهم متطلبات المرحلة الآنية والقادمة لأبعاد الدين الإسلامي عن معالجات مشاكل المجتمع والفرد في الدول الإسلامية والعربية)......

 

ضياء محسن الاسدي

 

 

بكر السباتيننشب حريق ضخم في ناقلتي نفط عملاقتين محملتين بمادة الميثانول سريعة الاشتعال كانتا في طريقهما إلى اليابان. وقال وزير التجارة الياباني: "تلقيت تقريراً عن تعرض ناقلتين تحملان شحنتين لهما صلة باليابان لهجوم قرب مضيق هرمز".

من جهتها قالت الشركة المالكة لـإحدى الناقلتين"فرونت ألتير" إن الناقلة تعرضت للاستهداف مرتين خلال ثلاث ساعات.

فيما أكدت شركة "كوكوكا سانجيو" اليابانية للشحن تعرض إحدى ناقلاتها لهجوم في خليج عمان، وأن الناقلة التي تعرضت للهجوم كانت تحمل مواد كيماوية. وقد تم إخلاء طاقمي الناقلتين بسلام سوى إصابة طفيفة لأحد العاملين في إحدى السفينتين، وتناقلت الأنباء خبر مشاركة البحرية الإيرانية في إنفاذ أربعين بحاراً ونقلهم إلى مناطق آمنة . ووفق ما نقل عن قيادة الأسطول الأمريكي الخامس المتواجد قريباً من الحادث فقد وصف أحد المشغلين الناجين من إحدى السفينتين المعطوبتين بأنهم تعرضوا لهجوم مباشر من قبل جهة مجهولة .

والمفارقة التي تثير الاستهجان أن عملية الاستهداف للسفينتين اليابانييتين (إحداهما تحمل علماً أجنبياً) تأتي خلال زيارة رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي إلى طهران للعب دور بناء في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.. وتحديداً وفق ما يصرح به الإيرانيون أن الهجوم تم قبل ساعة من موعد زيارة رئيس الوزراء الياباني لمكتب الرئيس الإيراني. الأمر الذي سيبدي إيران كضحية أمام العالم في حادثٍ فَتَحَ شهية أعداء إيران إلى صب الزيت على النار وتوجيه التهمة إلى طهران.

إذن فمن هو المسؤول عن حادث تم في منطقة تعتبر ممراً لأكثر من ثلث حاجة العالم من النفط.. فالسعودية تصدر 88 بالمئة من إنتاجها النفطي عبر هذا المضيق، والعراق 98 بالمئة، والامارات 99 المئة، وكل نفط إيران والكويت وقطر.بينما تعتبر اليابان أكبر مستورد للنفط عبر مضيق هرمز بالإضافة إلى الفجيرة وبحر عمان حيث تداعيات هجوم اليوم . فأين تأخذنا التداعيات يا ترى وبيانات الربح والخسارة تؤكد على خسارة الجميع مادياً ومعنوياً.. وهذا لا يخرس السؤال الذي سيأخذنا إلى طرف ثالث، فمن تراه يكون!

يقول خبراء أن هذا الطرف المحتمل يسعى لتوريط المنطقة في أزمة جديدة لتخريب المفاوضات الإيرانية الأمريكية كما (تقول إيران) من خلال إفشال مهمة رئيس الوزراء الإيراني قبل أن تبدأ بساعات.. وهذا بالطبع ممكن!!..

وفي سياق متصل فالمؤشرات تؤدي إلى الرابح المعنوي الأكبر من تأزيم الموقف باتجاه ضرب إيران بغية تغيير النظام؛ لذلك فمن المحتمل أن يكون الموساد قد نفذ العملية بالتنسيق مع مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، جون بولتين الذي يدفع بالتداعيات الأمريكية إزاء إيران نحو المواجهة المفتوحة بغية تغيير النظام.. وكانت جريدة نيوزويك الأمريكية قبل شهرين قد نشرت مقالاً للصحفي الأمريكي سينا توسي، وهو باحث بالمجلس الإيراني الأميركي الوطني حيث قال بأن أفضل طريقة لتجنب حرب مع إيران هي إقالة جون بولتون.. فهل صدق حدسه في هذه الحادثة رغم أن كوابح هذا المستشار إزاء هذا الهجوم تحاول وضعه في منطقة المراقب الموضوعي من خلال تلميحاته إلى إيران دون اتهام مباشر.

ومنذ الصباح والفضائيات تستضيف المحللين الذين ذهبوا إلى أن إيران من الصعب أن تقدم على خطوة حمقاء كهذه دون أن يبرئها أحد وكأنها إشارة غير مباشرة إلى المستفيد الأكبر من هذا الهجوم، التي لا تخرج من دائرة الاتهام (الجزيرة) كلاً من نتنياهو وبن زايد و(بن سلمان) وجون بلتون".

إن ما حصل مهما كانت الجهة التي تقف وراءه سيضع العالم أمام صورة سوداوية إزاء أي حرب قد تشتعل في هذه المنطقة الحساسة.. وأعني هنا الخسائر المادية والمعنوية والمخاطر البيئية.. فبعد ساعتين من انتشار خبر الهجوم على الناقلتين، فقد صدر تقرير عاجل عن وكالة بلومبيرغ للأنباء أشار إلى حصول ارتفاع في أسعار النفط بعد انتشار خبر الحريق بواقع دولارين وبنسبة ٤،٥ ٪؜ ليصل سعر البرميل إلى ٦١ دولار وربما يصل إلى أكثر من ذلك.. ولَم تذكر الأنباء شيئاً عن تسرب حمولة الناقلتين من النفط في مياه البحر مما قد يشكل كارثة بحرية بيئية.

التداعيات تتناما.. والأسئلة تتزاحم.. وأطراف الأزمة الخليجية تدور حول نفسها.. والأوراق تختلط.. والذي يقف وراء الحادث يترقب باهتمام ربما لتنفيذ عمل آخر يذهب بالمنطقة إلى الهاوية فمن يكون هذا الطرف في نظركم غير "إسرائيل"!! الرهانات مفتوحة على كل التكهنات إلا المواجهة العسكرية التي لو حدثت لكانت الكارثة العالمية غير المحتملة.

 

بقلم بكر السباتين..