صادق السامرائيسيزيف في الأساطير اليونانية هو الذي حكمت عليه الآله بأن يعيش في محنة دحرجة الصخرة من أسفل التل أو الجبل إلى قمته، ومن ثم تنفلت من يديه وتسقط ويعيد الدحرجة، والبعض يرى أنها ترمز للشمس المرهونة بالشروق والغروب.

لكن الأساطير في جوهرها تمثل ما يعتمل في الأعماق البشرية، وكأنها مرايا النفوس، وسيزيف يمثل التكرارية الفاعلة في دنيا البشر، والتي يكون محكوما بها ودائرا في مداراتها المُفْرَغة.

يحضرني سيزيف كلما قرأت مقالة أو قصيدة مكتوبة قبل عقود أو قرون، ومرفوقة بتعليق رحم الله فلان كأنه يصف حالنا اليوم!!

فلو قرأتم شعر الجواهري لتبين لكم أن ما تناوله في بداية القرن العشرين قد تناولناه في بدايات القرن الحادي العشرين، ويمكن إستحضار العديد من الأبيات الشعرية من دواوينة التي تنطبق تماما على واقعنا المعاصر، وأوضحها قصيدة "  طرطرا " وغيرها  من قصائده.

وعندما نتوغل بعيدا في التأريخ ونعتمد على الشعر لأنه ديوان العرب، سنتمكن من إستحضار قصائد قيلت قبل قرون وتنطبق على واقعنا المعاش، وموضوعاتها لا تختلف عن الموضوعات المتداولة في قصائد اليوم. 

وهذا ينطبق على الكثير من الكتابات والدراسات والمقالات، وهو خاص بأمة العرب، ويقل مثيله في أمم الدنيا الأخرى، ويشير إلى التأسن والركود وعدم القدرة على التواكب والجريان في نهر الوجود العارم التيار، وفيه نوع من الإنحسارية والعزلة عن الواقع الإنساني، والإمعان في الإندساس بالغوابر الباليات، كما يشير إلى الإجترارية والإنصفاد بالعبثية والعدم، وهيمنة الفراغية على الوعي الجمعي.

فكيف يكون وصف حال قبل قرون ينطبق على حال معاصر؟

هل أن الأجيال كالأموات؟

هل أنها تعيش خارج زمانها ومكانها؟

هذه ظاهرة سلوكية عربية بحاجة إلى دراسة عميقة وتحليل موضوعي يحدد أسبابها ومعالجاتها، لأنها تمخر وعي الأمة وتزيدها يأسا على يأس، وبؤسا على بؤس، وتُراكم إنكساراتها ونكساتها، وتعلي قيمة الإنهزامية والتبعية والخنوع المشين، وتستدعي كل تطرف شنين.

كما أنها تؤكد هيمنة العوق الحضاري وفقدان قدرات المواجهة وإبتكار الحلول والأجوبة الصحيحة على التحديات، وغياب المنطلقات والرؤى المستقبلية التفاؤلية المساهمة في صناعة الهمة وإعلاء شأن الحياة وقيمة الإنسان فيها.

فهل سننتصر على سيزيف القابع في رؤوسنا والآسر لوجودنا؟!!

إنها محنة أمة تعيش في دوامات تكرار وجيعها!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

سليم الحسنييُصر السيد جواد الخوئي على التحدث باسم المرجعية، ويعرض مواقف المرجع الأعلى السيد السيستاني في قضايا بالغة الأهمية منها متبنياته الفكرية حول الدين والسياسة. ويصوّر جواد الخوئي في تصريحاته المتكررة أن المرجع الأعلى يميل الى الإسلام المدني والطرح العلماني.

إن ما يتحدث به السيد جواد الخوئي، يمس المرجعية الشيعية في الصميم، فهو يعرضها أمام وسائل الأعلام على انها منسجمة مع المشروع الأميركي في فكرة (الإسلام المدني الديمقراطي) والذي يعني تقديم اسلام جديد يختلف في العديد من ثوابته وعقائده عن الإسلام المحمدي، وهو النسخة التي تسميها الوثائق والكتابات الأميركية بـ (الإسلام الأميركي).

ومع خطورة ما يتحدث به السيد جواد الخوئي، فان أي توضيح لم يصدر من مكتب السيد السيستاني بهذا الخصوص.

ليس الأمر إهمالاً من قبل المكتب، فهذا موضوع لا ينبغي اهماله، وقد وقف المكتب عند قضايا أقل أهمية بكثير من هذا الذي يتحدث به جواد الخوئي، فأصدر البيانات التوضيحية بسرعة. فما الذي يجعل القائمين على المكتب يتخذون الصمت مع رئيس مؤسسة دار العلم التي حصلت على دعم مالي ضخم من بيت السيد السيستاني؟

يتضح الجواب من خلال بعض المعطيات الميدانية، منها أن السيد محمد رضا السيستاني تلقى عدة ملاحظات وشكاوى من شخصيات شيعية تبدي استغرابها من تصريحات جواد الخوئي. وكان جواب السيد محمد رضا السيستاني هو الصدود وقطع الطريق أمامهم ومنعهم من لقاء المرجع الأعلى، بل أنه يحذرّهم من التطرق لهذا الموضوع ثانية، وأن من غير المسموح به على الاطلاق إيصال ما يقوم به جواد الخوئي الى المرجع الأعلى.

(ملاحظة: الأشخاص الذين تحدثوا مع السيد محمد رضا، لديهم كامل الاستعداد للقاء المرجع الأعلى وعرض التفاصيل بين يديه فيما لو حصلوا على لقاء مباشر بدون حضوره نجله).

يضاف الى ذلك أن السيد منير الخباز قد صرح بشكل واضح بأن السيد السيستاني يتبنى الدولة المدنية، ولم يصدر عن المكتب إشارة الى كلام السيد الخباز، وقد اشرت الى ذلك في مقال سابق وأدرجت نص كلامه.

وحادثة أخرى، أن بعض فضلاء الحوزة توجهوا بالسؤال الى السيد محمد رضا السيستاني قبل ما يقرب من أسبوعين من كتابة هذا المقال، استفسروا فيه عن موقف المرجع الأعلى من هذه التصريحات التي تنسب اليه تبنيه لفكرة الدولة المدنية، فكان أن التزم السيد محمد رضا الصمت وامتنع عن أي توضيح.

تشترك هذه المعطيات بنقطة واحدة، أن هناك إصراراً من قبل السيد محمد رضا السيستاني على حجب الحقيقة عن السيد الكبير، وحجب موقف السيد الكبير بخصوص الدولة المدنية، في مقابل قبوله بتداول ما ينسب الى والده من أفكار تقف على اختلاف كبير مع توجهات مراجع الشيعة ومع الخط الشيعي العام.

ملاحظة سريعة لكنها جديرة بالاهتمام، وهي أن تصريحات جواد الخوئي وتحدثه باسم السيد السيستاني يجري تداولها والترويج لها من قبل بعض الهيئات الإصلاحية في إيران، وهي الجهات التي تدعو الى فصل الدين عن السياسة، والى الانسجام مع المشروع الأميركي.

وبشكل عام فأن أجواء مكتب السيد السيستاني، لم تعد تستنكر مقولات الدولة المدنية، بل أنها صارت رائجة ومعلنة، وهو ما جعل لها حضوراً فاعلاً في الأوساط الإصلاحية في إيران ـ المعارضة لخط المرشد الأعلى السيد الخامنئي ـ وأخذت هذه المواقف تنتشر وتتسع وتعكسها الوسائل الإعلامية المرتبطة بمرجعية السيد السيستاني مثل موقع (شفقنا). ومن ثم يجري تداولها في مواقع الجناح الإصلاحي الايراني مثل موقع (الإصلاحات نيوز الإيراني).

وهذا يشير الى ان تطبيقات الاستراتيجية التي طرحتها مؤسسة راند الأميركية، قد بدأت تأخذ مجالها بشكل سريع، وأنها صارت مقبولة من قبل مكتب المرجع الأعلى. بل أن الأمر أخذ مستوى أكثر خطورة عندما يتحدث السيد جواد الخوئي مع الجهات المخابراتية الأميركية عن لقاءاته مع السيد السيستاني كما ذكرت ذلك وثائق ويكليكس (وهذا ما سأتناوله في مقال قادم ان شاء الله).

إن محاولة استغلال اسم مرجع الشيعة الأعلى، ونسبة أقوال وأفكار اليه من دون علمه تبعث على القلق الكبير، فهناك تخطيط وعمل نشط يجري لتشويه مواقف المرجعية، وهذا ما يضع المثقف والعالم الشيعي أمام مسؤولية ضخمة.

 

سليم الحسني

 

لا تحتاج التراجيديا الفلسطينية إلى حكاة يروون تاريخها ليستدروا الدموع او يستثيروا الهمم فالدمع الذي يسفك على مأساة بطل أو بطلة في مسلسل تركي أغزر مما يسفك على فلسطين ولم يعد هناك من يستثار من أجلها فالناس في شرق أمة العرب مشغولون بتحسس رقابهم خوفا عليها من سكاكين الإرهاب وإن سلمت أجسادهم فترميم حياتهم الممزقة ودورهم المخربة والبحث عما يسكن بطون أطفالهم الجوعى... وفي غربها لا يزال الناس يقلبون وجوههم بحثا عن سبيل قويم يفضي بهم إلى حيث يرتضون ثمرة ما فعلت اياديهم التي قلبت الأمر من حال لم يرتضوه إلى حال لا زالوا لم يرتضوه..بعض يتأسى ما فات وآخر يحلم بالقادم عزاءه مذاق حرية جديدة  تمتزج فيها الحلاوة بالمرارة...

 لا تحتاج التراجيديا إلى حكاة ذلك أنها ماثلة أمام العيون تنضاف لها بشاعة جديدة  مع إطلالة كل يوم: في مخيمات سوريا أو في القدس أو في جنين أو الخليل أو على الحدود بين غزة وإسرائيل. ولا يتردد المحتل الإسرائيلي في أن يضيف فصولا جديدة تجعل منها أكثر تشويقا عزاءنا الوحيد في ذلك ان المحتل لم يعد، كما كان في السابق، يملك ورقة   VIP لدخول الوعي الإنساني ليجعل من الفلسطيني ملوما عندما يموت على يد محتله وملوما عندما يجوعه وملوما عندما يحاصره وملوما عندما يقول للإسرائيلي أو الأمريكي" عذرا لا استطيع أن أتفاوض على لا شئ"...

لم يعد ذلك ممكنا بعد أن مل الوعي الإنساني كثرة التزوير وفداحته....

عندما اختار الفلسطينيون في 1991  المفاوضات كوسيلة ضنوها - ولا يزالوا- ممكنة من أجل التوصل إلى تسوية مع "العدو التاريخي" تحفظ لهم 28 بالمائة من الأرض التي كانت كلها يوما ملكا لهم أحرار فيها أين يقيمون وأين يزرعون وأين يبنون منازلهم، كانوا قد وضعوا التاريخ كله وراءهم  ذلك التاريخ الذي كان يروي قصتهم من آلاف السنين غير آبهين من أن  يأتي يوم يعاقبهم ذلك التاريخ على "احتقارهم" إياه. لماذا فعلوا ما فعلوه؟ ربما لأنهم ضنوا، بعضهم قانع وآخر على مضض، أن القول الفصل هو للحاضر وحسب غاضين الطرف- بحكم الضرورة وليس الاختيار- عن حقيقة أن من أخرجهم من أرضهم هي الأسطورة التي حولت بفعل القوة إلى واقع أزاح واقعهم وهدده بالفناء.....

في مدريد وفي أوسلو قال الفلسطينيون للإسرائيليين: انتم موجودون وقد أكلتم حتى شبعتم واستطلتم واستعرضتم بما يكفيكم ونحن الآن موجودون قبالتكم تكلمونا ونكلمكم فتعالوا نرى سوية ما تبقى لنا على المائدة: تلك ال 28 بالمائة  نرضاها غطاء لنا نسميها دولة.

"حسنا، نتفاوض عليها" قال الإسرائيليون.

ومنذ تلك اللحظة بدأ فصل جديد من المأساة حول الأمل إلى ألم، ألم أضاف غربة النفس إلى غربة الجسد في رحلة في المجهول دامت أكثر من  خمسة وعشرين سنة ظل فيها الفلسطيني يطلق حمامة تلو الأخرى بحثا عن يابسة ترسو إليها فتعود كل الحمامات إلى سفينته المتهالكة. وعبر  الأثير ظل ربابنة السفينة الفلسطينية يتلقون رسائل تعدهم برسو آمن إن هم قبلوا "بتنازلات مؤلمة" يقدم عليها محتلهم الذي يريد إنقاذهم أو الأمريكي بصفقته "القرنية": القدس والمستوطنات وشرق الضفة جزء من إسرائيل والاعتراف بيهودية الدولة ولا شئ اسمه حق العودة لفلسطينيي الشتات..و..و.. كل ذلك مقابل وعود بالرخاء. ممن ولمن؟ من ذلك الذي اجتز صوف الخروف في يوم  مثلج عندما اجتز مساهمته في الأنروا إذ لم تنجو من عسفه حتى منظمة إنسانية عايشت المأساة الفلسطينية مذ ساعة ولادتها المشؤومة عقوبة لها على لعبها دور الشاهد النزيه الذي يكاد يكون وحيدا قبالة شهود الزور الذين غصت بهم قاعة محكمة التاريخ المزور هو أيضا.. والرخاء لمن إن صدقناه؟لمجموعات سكنية فلسطينية لا رابط بينها و لا لها كيان يشي بهويتها و لو همسا.

ويدرك الفلسطينيون أن تلك "التنازلات المؤلمة" من طرف المحتل والتي يستحسن للفلسطيني أن يتلقفها مسرعا قبل فوات الأوان و"صفقة القرن" التي تعد بالرخاء لا تزيدان عن وصفة "لموت رحيم" تعيد طرح السؤال في عقل  الفلسطيني: هل راجع المحتل وحاميه نفسهما فقررا-عود على بدء- أن الفلسطيني غير موجود؟ ومع هذا السؤال تأتي كل الأسئلة الأخرى الحيرى لدى الفلسطيني العادي وبعض قادة المنفى: هل ما كنا نفعله طوال اكثر من عقدين  صحيح؟ وأكثر من ذلك عادت لدى البعض خيالات الماضي المترع بالشعارات...فعند هؤلاء، وللسخرية، أن يتوقف الزمن، يوقفه المحتل، تعني ضرورة العودة بالزمن إلى الوراء !...قيادة فلسطينية عينها على المستقبل تنضح عرقا ممزوجا بالدم وهي تجاهد لتدفع إلى الأمام في وجه من يوقف الزمن فيأتيها من عقر دارها من يريد أن يسحبها إلى الخلف، إلى زمن الشعارات...

 إن أسئلة "الشك" هذه هي ليست أسئلة الشك المفضي إلى اليقين بل أسئلة الشك الذي يفضي إلى الموت..هكذا تفعل كل الأسئلة التي تنتقص من النفس والتي تقول "أن ما نفعله غير صحيح". عندما يكون ما يفعله خصمك غير صحيح فذلك لن يجعل مما تفعله غير صحيح إذ لا يجوز أن تكون أنت وخصمك على باطل والحق بينكما ضائع...كما نرجو أن لا يحاول أن يوهمنا أحد بأن الصراع إنما يدور بين حقين لأنه عندئذ يصبح الأقوى هو صاحب الحق الأقوى وبالطبع تكون حصة الضعيف ما يتركه له القوي...

والفلسطيني، ومذ يوم أدرك ان وجوده مهدد بالفناء، لم يفكر أن الحفاظ على وجوده يمر عبر فناء الآخر ولم يقل يوما: "من هو اليهودي، أنا لم أسمع به" ولو قدر له البقاء في أرضه لم يكن لينازع اليهودي "من أهل الكتاب" حقه في العيش إلى جانبه وقد عاش في كنفه دهورا. ولم تكن الثورة يوم انطلقت من موطن الشتات هي أيضا مسعى فلسطينيا لنفي الآخر كشرط لاستمراره في الوجود بل كانت صرخة في وجه "اللاوجود" لا وجوده هو لتؤكد للنفس الفلسطينية أولا ثم  العالم أن الفلسطيني لا يمكن أن يكون رقما منسيا في قائمة الوجود الإنساني...ولم تكن البندقية كيانا جامدا غير ذي صلة فقد أشارت بالإصبع إلى حاملها الفلسطيني الذي كان منسيا وأسمعت صوته بل حتى الفوضى التي كان يخلقها أحيانا في مكان وجوده كانت ذات صله أشرت وجوده الإنساني فالفوضى فعل "إنساني" لا يخلقه إلا البشر...وهكذا يكون الفلسطيني أول من ابتدع فكرة "الفوضى الخلاقة"...

ولم تكن البندقية قادرة على إعماء بصيرة الزعامة الفلسطينية عن حقيقة التوازنات الدولية في فترة المواجهة بين معسكرين ولم تكن توظف تلك التوازنات إلا لجهة الانتصار لقضيته عبر الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني وبقيادته الشرعية وبحق هذا الشعب أن يكون له كيان مستقل..

ورغم كل ما حصل لا تزال القيادة الفلسطينية لا تملك سوى خيار البعد الإنساني الشامل الذي يستجيب له كل ضمير مقرونا بالبعد الحقوقي الذي وضع أصوله الكبار ذلك البعد الذي جعل من الفلسطيني استثناء من التطبيق فأصبح لدينا استثناءان تاريخيان معكوسان واحد فلسطيني سالب لا ينطبق عليه ما ينطبق على غيره وآخر إسرائيلي موجب تتجاوز حقوقه ما هو موجود في كل القوانين..

والمجموعات البشرية كلها لها شكل محدد من الوجود سواء كان وجودا مستقلا ضمن واقع سياسي وحقوقي معين أو كجزء من كل أكبر يملك هذا الوجود الحقوقي والسياسي وما يناسب ذلك من أسلوب حياة خاص بها يعبر عن تاريخها وثقافتها ضمن إطار علاقة مع الآخر من المحيط القريب أو البعيد. وكان الفلسطيني يملك هذا الشكل من الوجود، بدائي في معيار الحاضر ولكن أصيل، قبل أن يتعرض شكل وجوده وأسلوب حياته للتدمير تمهيدا للإلغاء. لم يقدر لمن أراد إلغاءه بلوغ مراده وتشبث الفلسطيني بتلابيب التاريخ ويقف اليوم مثخنا بالجراح لكنه شامخ لا يقبل ان يكون أقل من ند بين الأنداد يقول لمحتله وخصمه ومحاورة الإسرائيلي إن وجد:

"أنت هناك وانا أعترف بوجودك وقد حددت شكل وجودك بحريتك وإن كان على حساب وجودي وها أنا اليوم قبالتك واقبل أن يتحدد شكل وجودي بالتوافق معك بل أمنحك حرية تحديد شكل وجودي خارج دائرة الإلغاء واللاوجود الذي أصبح مستحيلا.  فدعنا ننظر للواقع وما يوفره من خيارات والتي أراها كلها خيارات التعايش. أن نعيش سوية على هذه الأرض كلنا أسياد خيار نقبله، أن نعيش متجاورين كل منا حر سيد في جغرافيته هو الآخرخيار نقبله. وليس التأجيل أو التأخير والمماطلة وزيادة آلام الفلسطيني بخيار، ولن يقدم المستقبل خيارات  لا إنسانية وإلا لما ارتقى الفلسطيني من حالة إنكار الوجود إلى الوجود ولو المؤجل ولكنه مؤكد لا حيد عنه منا و لا مهرب لكم منه ".

 قال لي الأخ هشام مصطفى المستشار الأول في سفارة فلسطين في تونس أن إسرائيليا سأله ذات يوم: "ماذا تنون أن تفعلوا عندما تحصلون على دولة؟" لا أظن أن ذاك الإسرائيلي كان يطرح سؤالا ساذجا و لا أدري أي جواب كان يريد رغم ذلك  فأن السؤال يشبه من يسأل رضيعا ولد للتو: "ماذا تريد ا تفعل بعد ان ولدت"؟ 

ماذا يريد الفلسطيني عندما يولد من جديد أكثر من أن يحيا ويعيش كبقية البشر ندا بين الأنداد؟

ويوم يولد من جديد فإنه لن يعيش على حساب أحد رغم أن الجميع عاش  على حسابه، عدوا محلفا كان أم أخا  في العروبة.

 

ثامر حميد

 

 

حميد طولستفرحة عارمة في مصر: بعد أربع ساعات ونصف الساعة تقريبا من إقلاع الطائرة التي أقلتنا من مطار شارل ديجول الدولي بباريس، وصلنا بعون الله إلى مطار القاهر العالمي، حيث كان في استقبالنا صهري أمير -الشاب الكريم الخلق الخفيف الظل المحدث اللبق - الذي قطع بنا المسافة الفاصلة بين المطار والشيخ زايد حيث يسكن، في سلاسة واطمئنان، مكنتنا - رغم كتافة الحركة المرورية المهولة - من تتبع ما ترويه العمارات الشامخة المبثوثة على جنبات الشوارع الواسعة والعريضة للقاهرة، عن تفاصيل ما عرفته هذه المدينة العظيمة، ومن خلالها مصر قاطبة، من تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي وبيئي شامل، نتيجة الصمود الجبار والتضحيات الكبيرة التي بذلها المخلصون من أبناء هذا الشعب الصبور، والتي سأنقل، في سرد زماني محكم، ما لا صادفت من آثاره لقرائي أثناء رحلتي الممتعة هذه أولا بأول، كما فعلت مع ما صادفني من قصص ومواقف غريبة وطريفة خلال زيارتي لباريس، وأول ما سأبدأ به من القاهرة، هو ما لاحظته من حالة البهجة التلقائية العارمة التي ارتسمت على محيا موظفي المطار، وملأت وجوه عماله كبيرهم وصغيرهم، شابهم وعجوزهم، إشراقا وهم يمارسون طقوس أعمالهم الموروثة في قبول ورضا وإطمئنان، والتي أضاءت إبتساماتها ملامح كل من صادفت مند وطأت قدماي أرضية المطار وخارجه وأينما توجهت في أزقة وشوارع وأسواق القاهرة، حالة الفرحة الغامرة، والسرور الشديد، الجدير بالتوثيق وعدم المرور عليها مرور عابري السبيل، والتي وجدتني أمامها، محاصرا بين علامات الاستفهام وإمارات التعجب، وكل ما خلقته في نفسي من اندهاش واستغراب، فتح علي الكثير من الأسئلة القلقة المتناسلة حول أسباب التغيير المفاجئ لما عهدت عليه المصريين خلال زياراتي المتكررة السابقة، من ارهاق نفسي، وكدر مزاجي، والتي عجزت عن معرفة دواعيه إلا بسماعي لما روته وسائل الإعلام المصرية المقروءة والمسموعة والمرئية عن القرارات  التي ستتّخذ للتخفيف من إجراءات برنامج الإصلاح الاقتصادي على المواطنين، والتي كانت وراء إشاعت هذه الفرحة العارمة، وذاك السرور الشديد بين الفئات المحرومة التي تعتبر أن تلك الزيادة، هي طوق نجاة لإستمرارية الحياة ولو في حدها الأدنى، والمتثل في رفع الحد الأدنى للأجور لكل العاملين في الدولة، ومنحهم جميعهم علاوة دورية سنوية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي، وعلاوة إضافية استثنائية بقيمة 150 جنيها مواجهة الآثار التضخمية، وإطلاق أكبر حملة ترقيات للعاملين بالدولة، وزيادة المعاشات بنسبة 15 % وبحد أدنى 150 جنيها لقيمة الزيادة مع رفع الحد الأدنى منه إلى 900 جنيه،والبدء في رد الأموال التي تمثل مديونية الخزانة العامة وبنك الاستثمار القومى لصناديق المعاشات .

الأمر الذي ذكرني  بقضية صناديق التقاعد والحوار الإجتماعي الذي زج به البيجديون منذ توليهم سدة الحكم وتدبير الشأن العام في نفق الجمود والتعثر لما يقرب من ثماني سنوات بدعوى الإكراهات المالية، رغم حت ملك البلاد محمد السادس على ضرورة إنجاحه استحضارا للمصلحة العليا، والذي كان آخر حوار اجتماعي حول الزيادة في الأجور، حصل في عهد حكومة عباس الفاسي (اتفاق 26 أبريل 2011)، وأتى في سياق احتجاجات حركة 20 فبراير وموجة الربيع العربي التي اجتاحت العديد من الدول العربية.

والحق الذي لا جدال فيه هو أن الشعب المغربي الذي صبر صبراً كبيراً، وضرب أروع الأمثال في التضحية والفداء، ليستحق عماله وموظفوه في القطاع الخاص، زيادة محترمة في أجورهم تتماشى مع كلفة المعيشة المتزايدة في الإرتفاعات المهولة، كما يستاهل مستخدموه في القطاع الصناعي والتجاري والفلاحي الرفع من الحد الأدنى للاجرهم وملائمتها مع القطاع العام، بدل العروض الهزيلة التي تتشبت بها الحكومة جون أن تشمل المطالب العادلة والمشروعة، كالعرض الأخير الذي أبلغه وزير الداخلية للنقابات، يوم 10 أبريل 2019، بالدار البيضاء، والذي جاء على الشكل التالي: زيادة 200 درهم ابتداء من فاتح يناير2019، و 100 درهم من فاتح يناير 2020، و100 درهم أخرى ابتداء من فاتح يناير 2021، وبخصوص الحد الأدنى للأجر، قد فتضمن العرض زيادة 10 في المائة في السميك والسماك SMIG – SMAG..هنيئا لأخوننا في مصر، وحنا إخي فينا..

 

حميد طولست

 

تشكلت قوات بدر العسكرية (منظمة بدر حاليا) من آلاف العراقيين المعارضين للنظام السابق ممن قارعوا الدكتاتورية الصدامية متطلعين نحو إرساء قواعد نظام جديد يستمد شرعيته من الشعب وليس من قوة السلاح والبطش. وقد شكّل الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003  فرصة تاريخية لقوى المعارضة السابقة لتحقيق هذا الهدف الذي ناضلت من اجله طيلة عدة عقود من الزمن.

لكن هذه القوى التي تربّعت على كرسي الحكم في بلاد ما بين النهرين، فشلت في إغتنام هذه الفرضة التاريخية لتقديم نموذج جديد في الحكم يصلح ان يكون مثالا تحتذي به البشرية مستلهما من قيم الإسلام التي طالما  اعتبرت معظم  تلك القوى في ادبياتها  ان فيها حل لكافة مشاكل وأزمات البشريه. لكنها و طوال الاعوام الخمسة عشر  الماضية فشلت في تقديم نموذج في الحكم فيه قليل من النجاح وبما يتناسب مع آمال الشعب التي عقدها على هذه القوى التي خيبت ظنه.

ولا ينكر أحد أن الطريق لم تكن معبدة بالورود وان التحديات التي واجهت ولاتزال تواجه العراق كبيره ومنها مخلفات النظام السابق والتدخلات الخارجية وخطر الإرهاب  وغيرها من التحديات، ولكن مما لاشك فيه ان هذه القوى الحاكمه لم تكن بمستوى المسؤولية وإن صدقت قاعدة  ماكان في الإمكان أفضل مما كان، فإن ذلك يعود الى قصور هذه القوى وعدم امتلاكها لمؤهلات قيادة البلاد بل كانت اهم مؤهلاتها هي تعزيز قبضتها على السلطه وفسادها الذي ليس له حدود ولا نظير له في المنطقة بل وفي العالم.

وقد وصلت الدناءة بها الى حد المتاجرة بنضال المعارضين عبر بيع ملفاتهم التي يمكن من خلالها الحصول على رتب عسكرية وفقا لقانون الدمج الذي شرعه بريمر، او اعطاء الحقوق التقاعدية لهؤلاء المعارضين وهو ماحصل في منظمة بدر. فعند مراجعة المئات من هؤلاء لمقر منظمة بدر في الجادرية فوجؤوا بان ملفاتهم قد اختفت وقد علّل المسؤولون في المنظمة ذلك الى ضياعها!!! وقد أخبرني أحد الأطباء الإختصاصيين هنا في لندن ممن كان عضوا في بدر بأنه راجع المنظمة وأخبروه بان ملفه قد ضاع وكذلك الحال مع احد الإعلاميين وكلاهما معروف  لقادة بدر بنضاله في صفوف بدر أيام المعارضه.

ثم تبيّن بعد فترة أن قضية الضياع ليست حدثا منفردا اقتصر على شخص او شخصين بل  إنها ظاهرة طالت المئات من البدريّين، مما عزّز الشكوك بان تلك الملفات  تم بيعها لأشخاص آخرين مقابل مبالغ طائلة خاصة وان الأسماء كانت تكتب حينها بالكنى وليس بالأسماء الصريحة لأسباب أمنية. وقد جنى هؤلاء السراق داخل منظمة بدر مبالغ كبيرة نتيجة لهذه العملية التي أقل ماتوصف بالقذرة والدنيئة، لأنها تجاوزت كل القيم والأخلاق عبر المتاجرة بنضال المعارضين.

وكان لهذا التصرف وحاله كحال أي عملية فساد تداعيات وأضرار لحقت بمئات الأشخاص الذي فقدوا حقوقهم التقاعدية ويعيش بعضهم اليوم في ضنك من العيش بعد ان قضوا شبابهم يعملون في صفوف المعارضة، لكن حقوقهم ضاعت. ومما يثير الأسى أنها  بيعت لأفراد كانوا اعوانا للنظام السابق لكنهم يرتبطون بقرابة مع أعضاء في المنظمة بحسب بعض المتضررين. ولقد بلغ السيل الزبى بعد ان ضاعت تلك الحقوق فقرر هؤلاء القيام باحتجاجات امام مقر المنظمة في الجادرية وكما حصل اليوم السبت لكنها قمعت للأسف بالقوة.

 إن هذه القضية التي اخذت أبعادا إنسانية تعتبر حلقة واحدة في مسلسل الفساد اللامتناهي في العراق وأبطاله هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي اعترف بعض رموزها بفشله فيما أقر آخر بتقصيره. ولكون الإعتراف بالخطأ فضيله فإن قيادة منظمة بدر مدعوّة للتحقيق في هذا الأمر وكشف نتائج التحقيق ومحاسبة المقصّرين والفاسدين وتعويض الضحايا وإنهاء هذا الملف  الشائك وبغير ذلك فلايلومن أحد كل من يتهم قيادة بدر بالضلوع في هذه الفضيحة . كما وان الحكومة العراقية وخاصة دولة رئيس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي مدعو لمعالجة هذا الملف أسوة بملف السجناء السياسيين أو منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية الصدامية وأعضاء حزب البعث المنحل! مستهديا بقول أمير المؤمنين( ولا تجعلن المحسن والمسيء عندك في منزلة واحدة ففي ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان وتشجيع لإهل الإساءة على الإساءة).

 

ساهر عريبي

 

رشيد مصباحبعدما صدّوا في وجوههم كل الأبواب وغلّقوها وأخذوا المفاتيح معهم .. دفعوا بهم إلى الصفوف الأماميّة ليرتدوا بذلة، ظاهرها الرّحمة وباطنها العذاب، وقبّعة تصنع قليلا من الظل وكثيرا من الذل، وليصوّبوا بنادق الخزي والعار في وجوه الأحرار من بني جلدتهم، وهم ينادونهم بكل سلميّة: "يا عبيد" "انزع القبّعة وتعال معي".

حرام على أبناء العصابة أداء الخدمة الوطنية وحمل البندقيّة للدّفاع عن الجزائر، فالحياة الوردية والأماكن الرّاقية التي يعيشون فيها، كتلك التي نراها في الأفلام، لا تسمح لهم بمخالطة " العبيد " من أبناء الشّعب الغلبان . الجنّة مضمونة لبنيهم قبل وحتى بعد الولادة . تلك الجنّة التي ورّثوها لهم قبل حتّى خروجهم إلى هذه الحياة الدنيا،وكذلك لذويهم وأحبابهم، لن تصل إلى أبناء الشّعب "المحقور"، الذين عملوا بكد وجد وسهروا اللّيالي الطّوال ليضمنوا مستقبلهم في بلد منهوب ولم يقدروا على ذلك . حتى مع نيل بعضهم للشّهادات والخبرات ، لأن قدرهم المحتوم كان دائما في الصّفوف الأماميّة، لحماية العصابة ومواجهة الشّعب المقهور.

العصابة المحصّنة بالدّستور، محميّة أيضًا بأصحاب القبّعات والبذلة الرّسميّة، هؤلاء الذين يقفون عائقًا أمام وصول الأحرار إلى الرّؤوس التي سرقت ونهبت وعبثت بالجزائر. الدّفوع التي خرجت لتحرّرهم من العبودية، ومن دين "المحنّط " الذي كفر بالحقوق وعبث بالدّستور لإطالة عهدته "الخامجة"، السّامريّ الذي فتن شعبه، فرعون الجزائر الذي استخفّ قومه ببعض دنانير وقطع من " الكاشير " فأطاعوه وهو مشلول في كرسيّه و ركعوا وسجدوا له وهو صورة في "كادر" معلّق، وهلّلوا وكبّروا تعظيما له و لفخامته .

شخصيا لم أكن أعرف عن "الكاشير" سوى أنه منتج غذائي يتكوّن من بعض المواد رخيصة الثّمن والتي هي في متناول كل الجزائريين في نهاية الأمر، حتى قرأت عنه، وعن تاريخه الحافل بالنّضال ؛

تشاء الأقدار أم الظّروف أن يعود "الكاشير" في الواجهة من جديد، في ظل هذا الحراك السلمي والحضاري، النّقيّ، التّقي، والذي نقّي البلاد من الفساد مثلما يرمز إليه عند مساء كل جمعة حينما يقوم بتنظيف الشّوراع للتخلّص من القمامة .

ظلّ هذا "الكاشير" ذاته رمزا للمقاومة، إبّان فترة الإحتلال، بمفهومه الحقيقي ومعناه الأصلي بالعِبْرية " صالح للاستهلاك " . حين قاطع الجزائريون، مسلمون ويهود، شرائح لحم الخنزير المستوردة من فرنسا واسبانيا. وهاهم يقاطعونه اليوم من جديد، ليس لأنّه حرام أو مشبوه، ولكن لأن العصابة التي تحكم الجزائر ومصيرنا بيدها، أرادت تشويه تاريخه ومعناه الحقيقي لتجعل منه هذه المرّة مادّة دسمة للخيّانة والنّذالة ، مثلما أرادت فعله (رمعون بن غبريط) وزيرة التربية بالهويّة و لذّاكرة حين كرّست للرّداءة في برامج التّربيّة . قامت باستدراج بعض السذّج ممّن عيّرهم الشّعب في مسيرته بأنّهم باعوا دينهم ووطنهم بثمن بخس دراهم معدودة وقطعة من "الكاشير". وقالوا عنهم إنّهم ليسوا من أبناء هذه الأمّة التي أنجبت من الأبطال من أمثال (العربي بن مهيدي)، و(أحمد زبانة )، و(لي لابوانت)، و(سي الحوّاس)، و(عميروش)، و(مصطفى بن بولعيد).. وغيرهم من شهداء الواجب الذين ضحّوا بحياتهم لأجل أن تعيش الجزائر حرّة أبيّة .

لكن النّظام الفاجر الذي ماانفكّ يعمل على إثارة النّعرات وزرع الخلافات، تعوّد على الخيانة منذ عقود؛

لم ينس هذا الشّعب الأبيّ ما جرى له في التسعينيات عندما تسلّل خفافيش الضلال و الظّلام وجاؤوا إلى قراه ومداشره ومدنه ليزرعوا الرّعب و الخوف في شوارعها وأحيائها الآمنة المطمئنّة . فذبحوا الأبرياء وهم نيّام، وشرّدوا العوائل من بيوتهم . ثم رموا باللّحي المستعارة في الأماكن والطّرقات حتى يلصقوا التّهمة بالشّرعيّين الأحرار .

لن ينسى هذا الشّعب ذلك ما حيا.

الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، جرائم الإبادة الجماعية والقتل والإخفاء، لا تسقط بالتقادم أبدًا .

 

مصباح (فوزي) رشيد      

 

علجية عيشالخطاب المسيحي لا يمانع من تسييس الكنيسة..

المهم أن يَحُلَّ السّلام.. البَابَا  فرنسيس يُغَازِلُ قادة جنوب السّودان

(الظاهرة التكفيرية نفّرت المسلمين من دينهم وعلى الأئمة في المساجد أن يحاربوها)

لا يرى الخطاب المسيحي مانعا من ممارسة السياسة داخل الكنيسة بالرغم من أنها  تعتبر مكان للعبادة والتقرب من الله بل الهروب إليه، ومن أجل هذا الغرض يجد خدّام الكنيسة توافد المتدينين على الكنيسة من أجل العبادة فرصة لزرع بذور السلام في قلوبهم، ويصف البابا فرنسيس السّلام بالهبّة الكبيرة التي يمنحها الله لعبادة المؤمنين، وهي في الوقت نفسه التزام قويّ من قِبل القادة المسؤولين تجاه شعبهم

 هي الرسالة التي وجهها البابا فرنسيس أمام القادة المدنيين والدينيين في جنوب السودان في ختام رياضتهم الروحية،  وخاطبهم بالقول أن الله هو من كلفنا (لكوننا قادة سياسيين ودينيين)، بمهمّة قيادة شعبه وأوكلنا الكثير،  وهذا يتطلب منا فهم خدمتنا وقيادتنا والتزامنا بعمل السلام والخير اللّذين يتمّ تحقيقهما من أجل أعضاء الجماعة، وخص في ذلك الفقراء والمهمَّشين، داعيا إياهم إلى مراجعة ضميرهم وأن يغيروا من سلوكاتهم تجاه الشعب، إلى هنا يبدوا الأمر عاديٌّ جدا، لكن لماذا هذا الخطاب موجه لقادة السودان؟، الجواب يكمن في أن السودان يعيش ظرفا سياسيا حرجا  بسبب الحرب الأهلية، ويعاني شعبه من شدة التوتر في ظل الإحتجاجات العارمة التي  تعم الشوارع والساحات العمومية  في السودان، التي اندلعت منذ أربعة اشهر ضد نظام البشير وحكمه، والإستجابة لإرادة الجماهير، كما في باقي المناطق لاسيما الجزائر، وليبيا، ولا شك أن رجال الكنيسة على استعداد لفعل أي شيئ لنشر رسالتهم التبشيرية، باسم السّلام  ودعوة غير المسلمين للدخول في دينهم  والإيمان بأن عيسى هو الله، حتى لو تطلب الأمر تقبيل الأرجل، مثلما فعل البابا فرنسيس،  عندما جثى على ركبتيه وقبّل أقدام قادة السودان، عقب زيارتهم للفاتيكان  في العاشر والحادي عشر افريل (نيسان) 2019،  أراد البابا فرنسس من ورائه السير على خطى  المسيح وكذا تفعيل اتفاقية السلام التي تم التوقيع عليها في 12 سبتمبر (أيلول) 2018 .

   ويفهم من هذا كله أن المسلمين أهل عنف،  ويمكن القول أن التقبيل هنا، ليس من باب التبعية، وإنما هو فعل سياسي لكسب الآخر وجذبه إليهun acte politique pour attirer l’autre  وليس كما يعتقد المسيحيون أن هذا السلوك رياضة روحية،  هذا التصرف يدعو إلى إعادة النظر في الخطاب الديني، وتعميق الحوار بين رجال الدين، خاصة وأن  ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم ناتج عن تذبذب في العقيدة، فكان السقوط الحضاري والتمزق في أعمق معانيه، وهذا يدعو إلى تعميق روح الإيخاء والتسامح بين الشعوب والأمم، وترسيخ مبدأ التعايش، بحكم أن التسامح من شأنه أن يقدم مقاربة تاريخية للحضارة الإنسانية وتحقيق التعايش والمواطنة الدائمة، فالوضع في السودان لا يختلف عن الوضع في الجزائر وتونس وبالخصوص ليبيا  التي اشتد فيها الصراع بين عسكرة الدولة أو مدنيتها، وانتشار داعش في سرت، وهو وضع لا يحسد عليه الليبيون، مما يستدعي توقيف لغة العنف  وما ينجم عنها من انعكاسات سياسية واجتماعية.

فالخطاب الديني  كما يقول البعض لا يزال قاصراً على أفراده، سواءٌ أكان وعظاً أم إرشاداً أم إجابة عن أسئلة النّاس واستفساراتهم، مستخدما مفردات تراثية محضة تؤدّي في أحيان كثيرة إلى اللّبس والتّشويش، وتخلق صعوبات في الفهم وخلط في التّصورات لدى المستقبلين، كما أنه غالبا ما يركز الخطاب التقليدي على قضايا الصراع الديني والمذهبي، ويجنح في كثير من الأحيان إلى ممارسة الدّور الدعائي لجهات وجماعات وشخصيّات دينية أو مذهبية، متجاهلا ما يحتاج إليه الجمهور من حقائق وأفكار ومعلومات وقيم معرفية وحضارية، ومتناسيا الطبيعة العالمية التي يتمتع بها الإسلام ممّا يحصر هذا الخطاب الديني الإسلامي في أطر ضيقة ومحدودة تعزله عن السّاحة الفكرية عكس الخطاب المسيحي الذي يرى أن الحب والسلام وحده الهادي والمرشد للإنسانية.

 وبالعودة إلى وضع السودان وتدخل الطرف المسيحي، نقول أنه بالنظر إلى موقف علماء السودان من الحراك الشعبي، نقف على أوجه المقارنة بين الخطاب الإسلامي والخطاب المسيحي، هذا الأخير يستعمل لغة التبشير لا التنفير، والترغيب لا الترهيب، والسلام لا العنف، والإخاء لا العداوة، والمحبة لا الكراهية، ويغلب في خطابه الديني فكرة المواطنة باعتبارها قيمة إنسانية ودينية ثابتة، وهذا الخطاب يختلف عن خطاب علماء السودان الذين وصفوا المحتجين بالمخربين وأنهم عملاء الموصاد، وبغض النظر عن كون التخريب والتكسير عمال مهدم، ويؤثر على مؤسسات الدولة، إلا أن  هذا الخطاب يزرع بذور العدائية والكراهية  في قلوب السودانيين، ويدفعهم إلى سلك طريق العنف، ويصعدون من احتجاجاتهم،  لاسيما وأن خطاب الدعاة يخدم السلطة في السودان بعدما وصف البشير المحتجين بالخونة والعملاء، يأتي ذلك في وقت تشهد فيه السودان احتجاجات سلمية يقودها شباب ينددون بالأوضاع الاقتصادية المزرية، ويطالبون برحيل النظام الحالي برئاسة عمر البشير، وخلاصة القول أن الكنيسة تسير بخطوات  كبيرة لنشر خطابها الديني رغم وجود لاهوتيين يطالبون بتجديد الخطاب الكنسي، وهذا ليس انتقاصا من الخطاب الإسلامي، وإنما  لتحفيز العلماء المسلمين وبخاصة الأئمة في المساجد بتحسين خطابهم أمام المصلين، فلا يركزون على بعض المفاهيم التي تنفر المسلمين من دينهم، مثل "التكفير" في ظل التطورات التي يشهدها العالم.

 

علجية عيش

 

حسن حاتم المذكور1 - واقعنا السياسي الأقتصادي والثقافي، وكذلك الأمني والخدمي والتربوي والصحي، ينزف بقاياه، في وطن مخترق وشعب تراجعت ادميته، ودولة مسحتها التدخلات، وحكومة لا تمثل نفسها، تتوسل عواصم النفوذ، ان تستبقي ولو توقيعها، على الأتفاقات والمعاهدات والتعهدات المهينة، لأنها منتخبة وتمثل مكوناتها!!!، امريكا تمسك عنق سمائنا وشمال ارضنا وغربها، ولها نصف (الهتلية) في حكومتنا، تركيا واسرائيل لها اوكارها وقواعدها واجهزة نافذة، على سرير شمالنا، ايران لها سلطتها الروحية والمعنوية والعقائدية على احزاب شيعتها، ولها مليشيات تمشي في دمائنا، تدخل عقولنا وبيوتنا، ولها (ايران) قيلولة على مقدس محافظاتنا، تتوضى في دموعنا، ولها مراجع ومجالس عشائر، تحك ظهرها في مرافقنا الصحية.

2 - تنموا فينا ولاية للفقيه، وعلى ارضنا يتكاثر حرس ثوري، كل يوم يموت فينا العراق وتترمل بغداد، ويُقتل في ارواحنا الفرح، وتسقط اغنية شهيدة، شربت عقولنا الشعوذات، واصاب وعينا الشلل، كأسراب طيور هاربة، تركت صغارها في غابة تحترق، فقدنا رشدنا وبعضنا في مهرجانات المآتم، نبكي انفسنا وسوء حظنا، عند ابواب الأضرحة المقدسة، وهناك من ينتظرنا ليطعمنا علف التخريف، ليخترق ما تبقى من عقولنا، ويعلق وعينا وضمائرنا على مشاجب سراديب الموتى، حتى الموتى يحتالون علينا ويسخرون، كل شيء يخترقنا، من امريكا مروراً بتركيا وايران والخليج السعودي، حتى اسرائيل قابعة في نسيج احزاب العشائر الكردية.

3 - كتّاب (القطعة) يخترقهم الأحباط الذاتي، يطلقون علينا كلام المقالات العشوائية، ويتركون اصاباتهم دليل عليهم، في مهرجان عرض الأزياء، لزواحف السلطة التشريعية، حصل ذكر السلحفات، على الذهبية كرئيس لمجلس الوزراء،  يتبول على كرامته في زوايا الوطن، ويمكنه اختراق العراق، والأشراف على تقطيع احشاءه، وعرضها في مزادات الجوار، بيضتا التزوير المخجل، سائرون والفتح، توافقتا عليه، فحصل على تأييد احزاب الطوائف والأعراق، ومباركة المراجع، يصرخ البكاء فينا، يدعونا لقراءة  الفاتحة على نعش خجلنا ونفترق، فليس هناك ما يجمعنا، حتى ولو قطرة حياء، واذا كان السكوت من (تنك)، فكلمة الحق من ذهب، هكذا يحتال الصمت على الحقائق، والصامتون يدفعون العراق الى الهاوية، جميعهم يكذبون ويشمتون.

4 - في الجمهورية الأولى لتموز العظيم، استعاد العراق التاريخي مكانته وجماليته، وكبستان في فصل ربيعه، دخلته بهائم الردة البعثية، سحقت مشروعه الوطني، قبل اوان قطف ثماره، نظام بهائم يسلم العراق، الى نظام بهائم اخر، حتى استقر بنا سوء

 الحظ، تحت رحمة نظام بهائم احزاب الأسلام السياسي، جمرة الأنتفاضة لم تغفو في موقدها ــ ولن ـــ، منذ أنتفاضة حسن سريع ، مروراً بالشعبانية، ولن تنتهي بانتفاضة الجنوب والوسط، امريكا تترصد العراق، والعراق يترصدها، بحركة وطنية باسلة، وضباط احرار قادمون، ورأي عام متوثب، هكذا حتى يولد جيل المشروع الوطني، ويستعيد العراق مكانته ودوره، للدولة فيه سيادتها، والمجتمع هويتة الوطنية، حينها سيقف العراقيون على ابواب عاصمتهم، يرحبون بضيوفهم، ويطلبون منهم، الصداقة والتعايش وحسن الجوار وتبادل المنافع، غداً يا سليلي الأستسلام، ستتعافى الأرادة العراقية، من العوق الأيراني، وستفتح في مستحيلكم، انتفاضة المعجزة العراقية، تغرة الى الذات والمستقبل، انه العراق يولد من العراق، والأحباط ليس طريقنا.

 

حسن حاتم المذكور

 

رائد عبيسعرفت أنظمة الحكم في بلداننا العربية بما يمكن أن نسميه "حكم الحقب" وهو ما ألفته أجيال العرب منذ الخمسين سنة الماضية والى يومنا هذا, فنشأت أجيال وكبرت وعرفت ان هذا النظام أشبه بما يكون حكم متوراث وهو الذي كان يحمل صفة الجمهورية ولاسيما بعد ثورات الاستقلال لأغلب هذه البلدان والذي استمدت الأنظمة الحاكمة وجودها فيها من عدة أبواب يمكن أن نحصرها بــــ :

1- بواسطة الانقلاب العسكري أو السياسي.

2- بواسطة تأييد المؤسسات الدينية واستمداد الشرعية منها اذا لا نجد نظام قد تمت معارضته من قبل مؤسسة دينية وحققت نتائج في ذلك.

3- تأييد الشعب ونصرته وحمايته والحفاظ عليه نتيجة الانخداع بالشعارات القومية أو المذهبية أو السياسية وغيرها أو عن قناعتهم بذلك.

هذه العوامل هي التي جعلت من الحكومات العربية حكومات حقب وحكومات أجيال كاملة تم بها مسخ كل مقوماتها الهوياتيه واختزالها بالزعيم.

فكل الأنظمة العربية قد شهدت حكم حقب تامة ،صنع منها زعامات دكتاتورية نتيجة الإبقاء عليهم وتجديد الولاية لها، وكأن الشعوب لم تحمل وعي كاف, طيلة هذه المراحل التاريخية التي سمحت للحكومات لهم بسحقهم , وتجاوز حقوقهم نتيجة وجود عوامل تؤكد ضعفهم: منها الجهل والطاعة العمياء تحت تأثير أصحاب وعاظ السلاطين ، والفقر والحرمان المتوارث في الشعوب العربية التي شهد هكذا أنظمة, وعوامل سياسية وعسكرية أخرى تساعدت على التحكم بنظام سطحي لا يحلم بعمق التجربة ولا بطعم المعارضة، فقد خيم على المناخ العربي منذ أول دولة تحقق فيها التأمين السلطوي تحت العوامل التي ذكرنا والتي نجد في بعض البلدان اجتماعها جميعا في نظام واحد وإلى حد نظام عمر البشير في السودان, وهذا ما يفسر سكوت الشعوب العربية على حكامها لحقب تاريخية كاملة ,تراوحت من العشرين سنة إلى الخمسين سنة.

وهذا يستدعي منها أن نصنف الجماهير أيضاً على وفق تفسير سيادة الأنظمة ومبررات وجودها.

النصف الأول : فهناك شعب مساهم وصانع للسلطة وهو شريك بها وبوجودها.

الصنف الثاني: هو المعارض والذي يذهب بمعارضته الى مقاومة داخلية أو خارجية أو غيرها من المحاولات كمحاولات الانقلابات, أو الاغتيالات, أو تأسيس أحزاب موازية, أو العمل على تقويض السلطة بوسائل ثقافية, أو اجتماعات وفعاليات مخالفة.

الصنف الثالث: هو المنكفي على نفسه الغير مكترث الى مآلات السلطة والحكم, لا يشارك بكل فعالية سياسية في المجتمع, و لا يحيد عن طريق العزلة, والذهاب والاياب بنفس طريق العمل والبيت.

يبقى حلم النخب اين هو من كل أسس تشبث السلطة بالسلطة والحكم؟ واي تصنيف يدخل حيزه مما تقدم؟

للنخب احلام تسمى يوتوبيات لا يمكن مقاربتها بالواقع, تذهب بهم إلى تصور دولة فاضلة, وحكومات عادلة بعدالة السماء, كما تصورها افلاطون و أوغسطين والفارابي وغيرهم من الفلاسفة الحالمين بالتغيير المثالي ، وهناك فلاسفة واقعيّن الى حد النفعية المفرطة بكونهم نخب استدعى بهم إلى اتباع وسائل انتهازية ووصولية وتبريرات سلطوية نفعية حالمة بالحكم ومنافعه. وهناك ايضا طبقة كبيرة من النخب تتبع سياسة الحياد والانكفاء واللامبالاة والانشغال بمكاسبها كطبقة نخبوية تحمل نفس متعالي عن المجتمع وهمومه.

ما تقدم من تشخيص ينتهي بتجربة تغيير اي نظام في عالمنا العربي الى الفوضى وعدم النظام والالتفاف على مطالب المجتمع المشروعة وسبب ذلك هو انعدام التدبير المنظم للتغير الذي تفتقر إليه اغلب جماهير البلدان العربية, بسبب عوامل كثيرة منها السقوط المفاجئ للأنظمة كما في نظام صدام وسرعة زواله وهروب زين العابدين بن علي في تونس و بوتفليقه, ومؤخرا البشير الذي كان الانقلاب عليه مريحا نوعا ما، هذه المفاجأة بالتغيير وسرعة حدوثة يجعل المجتمع غير مصدق بالتغيير مربكاً نوعا ما في خيارات الأنظمة المناسبة لمزاجه, مثلما حدث في مصر بين الاخوان وازمتهم مع الشعب المصري, وتغير حكم مرسي بحكم السيسي لأنه قريب من مزاج الجمهور، أما في العراق الذي سبق هذه البلدان بالتجربة فهو يعيش في فوضى التغيير الى اليوم بسبب تسلط جماعة نفعية لا تنتمي للعراق كدولة وشعب,  بل تنتمي لأجندات خارجية تمثل لها دور الحاكم في العراق، فالشعوب العربية إن لم تحسن تدبير أفكارها التغييرية سوف تبقى تراوح في أزمات لا تنتهي كما في اليمن وليبيا. وإشكاليتنا الكبيرة هي مع النخب العلمية والأكاديمية التي يراد لها أن تترك اثر إيجابيا على طموح التغيير في مجتمعاتنا, ولكن مع الأسف لا نجد هذا حاضرا عندهم واحد همومهم!! اذ نجد أن أغلب المتصدرين للحراك الجماهيري التغييري هم من جمهور الشعب الفقير البسيط والذي لا يحمل في الغالب رؤى عميقه لإشكاليات التغيير وتدبير, وهذا ما ينعكس سلبا على واقع بلداننا التي ماتزال وستبقى تعيش الفوضى إن لم تشارك النخب المثقفة بوعي وتبتعد عن أحلامها الوردية في التغيير.

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيما جرى للطائرة الأثيوبية بوينغ 737 يرمز إلى أن مصير الوجود الأرضي تتحكم به الكوبيوتر، بأنظمتها الإليكترونية التي تفوقت على العقل البشري الفردي، لأنها من إنتاج عقول عديدة متفاعلة.

الكومبيوتر يتحكم بالطائرة وإذا أخطأ قضى عليها وعلى مَن فيها، فإرادة البشر مشلولة وقاصرة أمام إرادة الكومبيوتر التي إرتضى أن تكون هي السيدة وهو العبد المطيع.

ليس غريبا ما تقدم، وإنما هو واقع قائم وفاعل في الحياة الأرضية، وبما أن الأرض كرة سابحة في فضاء كوني مجهول، وأن أخطر ما فيها تسيره الكومبيوترات، المتصلة بأزرار ما أن تُضغط ستقوم بعملها بلا رادع ولا قدرة على التوقف حتى تصطدم الأرض بذاتها وينتهي ما عليها بالتمام والكمال.

قد يبدو ذلك تشاؤما شديدا، لكن مصير الأرض مرتبط بأزرار لتحفيز الكوبيوتر على العمل الرهيب، فأسلحة الفناء الأرضي جاهزة للعمل، وتتحكم بها الكومبيوترات بأنواعها، وإذا أخطأت أو تجمدت كما حصل لكارثة الطائرة الأثيوبية، فاقرأ على الدنيا السلام.

فالعقول البشرية قد أوجدت ما لا طاقة للعقل الفردي عليه من الإبتكارات والمخترعات والإكتشافات، التي وضعت الحياة على حافات المخاطر والويلات العظام.

فهل أن أجهزة الكومبيوتر ستخطأ ذات يوم رهيب؟

الإحتمال وارد، وضغطة الزر تحتاج إلى لحظات قليلة، ولا يمكن للفاعل أن يتردد لدقائق لأن في ذلك هلاكه، فالهدف أن تُهلك قبل أن تهلك، والخطأ حتما لواقع، والواقعة قارعة وما أدراك ما هي.

ترى هل أن البشرية إتخذت الإحتياطات الكافية لمنع أخطار الأخطاء الكوبيوترية المتحكمة بالحياة الأرضية؟

الجواب صعب، وماهية الإحتياطات مبهمة وغير ممكنة، لأن الخطأ سيحفز مشاعر الرعب الشديد الذي يستدعي السقوط في متوالية أخطاء فظيعة التداعيات.

فالمصير البشري مرهون بأجهزة إليكترونية، وما عاد للعقل المجرد دور وقدرة على الإستيعاب والتدبير، وفي هذا يكمن سوء المصير.

فهل سيعود البشر إلى العقل أم أن العقل في جهاز؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

حميد طولستذكرني موضوع الأبواب الذي نظمت حوله قبل أيام "جمعية أبواب المشور فاس الجديد" يوما دراسيا، تتبعت أطواره عن بعد  لتواجدي أنذاك خارج الوطن، ذكرني بأول علاقة ربطتني، كما باقي الأطفال، بالأبواب - طقوس الأبواب وظائفها التقليدية المقتصرة، مند وجدت، على حفظ الإنسان من الأخطار الخارجية -التي كانت تطالع أعيننا هنا وهناك، بمختلف أحجامها ومتنوع أشكالها وألوانها، العلاقة المتمثلة في "طرق الأبواب"  النابع من الرغب العارمة في اجتياز، والتي كان يغديها شغف التطلع لمعرفة المجهول الكامن وراء عالمي الداخل والخارج ...ويؤجج قوة التمرّد على أوامر الأهل، و التورة على أسلوب والتعامل السلبي في المنع المستمر والغير المبربر، الذي يعتمل بدواخل الأطفال، ويصيب نفسيّتهم باضطرابات وضغوطات عميقة، تحسسهم بالحرمان من الحُرية والتحرر، الذي ينعكس سلبا على علاقتهم بتلك الأبواب، ويقوي إصرارهم على تكرار محاولة فتحها، الذي يعرضهم، و بشكل يومي، للعديد من المخاطر، التي قد تصيبهم بإصابات خطيرة وعديدة، أبرزها، إنغلاق الأبواب على أصابع أيديهم الطرية، المؤدي إلى مشاكل صحية تصل في بعض الأحيان إلى بتر الأصابع.

ومن العلاقات الطفولية الطريفة التي ربطتني، وجيلي، بالأبواب، اللعبة الشعبية المسلية المرتكزة أساسا على "طرق أبواب منازل الجيران" والذي كنا نقوم بها، في الغالب، ونحن في طريقنا إلى المدرسة وأثناء عودتنا منها، اللعبة التي رسمت الفرح على محيا الأطفال تلك الفرحة البريئة التي أتسمت  بالبساطة وزهت بالراءة وفاحت بعبق الماضي الجميل، الذي لا يتذكره غير كبار السن الذين عاشوا الزمن الذهبي، الذي لا يعرفه "أطفال الأيباد" الذين أسهمت أجهزة الحواسب الإلكترونية، بصورة تراكمية فى عزلهم عن واقعهم الحى مقابل حياة أخرى افتراضية بديلة،  فحينما أرى صور ما يتميز به حي فاس الجديد، عن غيره من أحياء مدينة فاس من أبواب تاريخية عتيقة، يرجع بي الحنين الى أيام الطفولة، حيث كنا نهوى لعبة "طرق الأبواب "  كتسلية وتنفيس غير مرتبطة بموسم أو مناسبة، نملأ بها فراغات أوقاتنا في زمن عزت في حينا الشعبي "فاس الجديد" مصادر إشاعة المرح والمتعة والبهجة والأمن والأمان في نفوس الأطفال، بعد أن غابت عنه كل مجالات لعب الأطفال، وإنعدمت به وسائل ترفيههم،  ولم يبقى في مواجهتهم، إلا الأبواب الموصدة، التي يتحدونها بهذه اللعبة اللطيفة، رغم ما فيها من إزعاج  لساكنة المنازل المطروقة أبوابها .. 

 

حميد طولست

 

بكر السباتينالأنتلجنسيا الحديثة (النخبة الثقافية وعلاقاتها مع السلطة والمجتمع) تعزز الانفتاح الثقافي على الأخر بموضوعية، والتحرر من الأنا الطاغية؛ لكي يكون المثقف العضوي المتمكن وحامل الرسالة قادراً على التواصل الفعلي مع مجتمعه، لذلك عليه أن يطور في لغته المفهومة بحيث لا يتعامل مع هذه اللغة انطلاقاً من المنافسة المعرفية القائمة على تغريب الصور الفنية، مع أقرانه، والتي تؤدي إلى ضبابية المعنى وغموض الأهداف، بل لكي يقدم المعرفة إلى المواطن العادي بعيداً عن لغة التعليم ذات الاتجاه الواحد، بل تحفيزه على التعلم من تجربة الكاتب نفسه خلال الحوار عبر اللغة الراجعة، المحملة بأسئلة المتلقي ومعطيات النقد المتاحة، كل حسب قدرته وما يملك من أدوات فنية، حتى لو سادت لغته الراجعة سذاجة الحكم على نص الرسالة.. فتطوير النص يقوم على ذلك. أي أننا نحتاج من المثقف الكاتب المبدع الحقيقي أن يتحول من شخص يتحدث إلى المجتمع من على برجه العاجي، إلى شخص آخر يخاطب المجتمع بعيداً عن النرجسية والتعالي، أو المهاترات النظرية والاختلافات التأويلية للنصوص النظرية. إن التواصل بين المثقف والمتلقي ليس مظهراً اجتماعياً بل هو لغة تأخذ مفرداتها من طبيعة الموضوع وسياقه العام.. إي أنها قناة باتجاهين (موجّهة وراجعة) ذات تقنيات تؤمن إيصال الرسالة بموضوعية وتتقبل النقد الإيجابي عبر الحوار وتقبل الآخر بما لدى صاحب الرسالة من ثقة بالنفس وإيمان بالفكرة ومقدرة على التواصل وفهم الآخر من خلال معرفته بالبرمجة اللغوية والعصبية التي تساعده على سبر أغوار المتلقي والتأثير فيه..

وينبغي التذكير أيضاً إلى أن المثقف الذي يعيش كالحلزونة في قوقعته لا يستطعم جوهر البحر وتداعيات الحياة في الأعماق، ولا يستطيع إدراك العلاقة بين سمك القرش والسلمون! وهو إن جذف بخياله في مياه النوافير المنتشرة في الفنادق والمتنزهات العامة حيث يرغب أن يتواجد؛ فهو لن يقدر على تحليل لغة الشلال الذي ينتهي إليه نهر الواقع بحلوه ومرّه.. وقس على ذلك حال المثقف الذي يتماهى مع الواقع وفق رغباته الحسية ومصالحة حيث أنه سيكون عاجزاً عن مواجهة القضايا الكبيرة حتى لو كان من أعمدة الثقافة.. من هنا يمكن فهم لماذا تنجح باكورة أعمال بعض الكتاب فيما تنطوي بقية أعمالهم في جوف الغياب.. الثقافة جوهر وسلطة محفزة على التغيير والكتابة الإبداعية تمثل موقف الكاتب كأحد المؤثرين في المشهد الثقافي وهي جزء من كيانه الإنساني ولعلها تمثل شخصيته بكل أبعادها في عالم يتغير ولا يمكن حبسه في قارورة..

هذا ينطبق على المثقف بكل توجهاته الفكرية والدينية والسياسية حتى لا يتحول الواحد فيهم إلى مُنًظرٍ مُتَفَذْلِكٍ أو رئيس عصابة..

من هنا يكون المثقف قادراً على استلهام الواقع والتاريخ وإعادة إنتاجهما ليحفزا ألطاقة الإيجابية في جيل الشباب من أجل التغيير نحو الأفضل..

 

بقلم بكر السباتين

 

 

محمد سعد عبداللطيفكانت بداياته من عام 2010، حين قام الشاب "محمد البوعزيزي" بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية "سيدي بوزيد" احتجاجاً على محاولاته دون جدوي تقديم شكوى ضد شرطية قامت بمصادرة عربة كان يبيع عليها الخضر والفواكه لكسب رزقه وصفعته على الملأ وقالت له ارحل، فأصبحت هذه الكلمة شعار الثورة التي أطاحت بنظام بن علي وكذلك شعار الثورات العربية المتلاحقة، لتندلع على إثر ذلك احتجاجات واسعة عمت أرجاء تونس وأسقطت نظام بن علي، ثم انتقلت الشرارة بعدها إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا واخيرا احتجاجات وصلت الي اوروبا اصحاب السترات الصفراء وكذلك يعيد  التاريخ نفس السيناريو البديل قبل انتخابات الجزائر والسودان كما حدث قبل انتهاء مدة مبارك في الحكم  لتخرج جموع الشعوب الغاضبة والباحثة عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. لترفع شعار أرحل ثم حدث من تآمر دول عربية وغربية  ضد الثورات العربية وبذلت الجهود وأنفقت عشرات بل مئات المليارات من الدولارات وأريقت الدماء وغابت الحقيقة من يحارب من وأصبحت ثورة بلا عنوان في محاولة يائسة لإعادة الشعوب إلى مربع الطاعة، وتثبيت وتبديل وجوه الحكام للإبقاء على التبعية للغرب وتهميش دور الشعوب في ما بات يعرف بالثورة المضادة، كما حدث في اوروبا عام 1848م ولكن كانت الثورة المضادة من الكنيسة والاقطاع وهي وإن كانت قد حققت فقد انكسر حاجز الخوف وذهب إلى غير رجعة وارتفع الوعي وظهرت الحقائق والتحالفات ضد رغبات الشعوب بلا أقنعة أو رتوش، وكلما زاد العنف والقمع والقهر فتلك أهم أسباب تقصير المدة الزمنية لعودة الثورات الشعبية إلى مسارها السابق ومن ثَمَ نجاحها بطريقتها السلمية في الجزائر والسودان والان تحاول قوي الشر من داخل مؤسسات الدولة العميقة الي سرقة الثورة في الجزائر  بالمادة 102 من الدستور والالتفاف والرجوع إلي معسكر الجنرالات فالشعوب تعلمت من أخطائها السابقة لا ريب في هذا، فالمزيد من الكبت يقرب موعد الانفجار ولا يبعده.الجزائر لها تاريخ اخر مع التغيير هل سوف تتعلم الدرس السابق .

لكن كما أخرج الربيع العربي أجمل ما في الشعوب العربية الثائرة من أفعال وصفات فقد أخرج أيضاً أسوء من فينا من نهازي الفرص والوصوليين وتجار الثورات وهذا الوصف تتقاسمه مناصفةً الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب والكثير من النخب والفصائل التي أفرزتها ثورات الربيع العربي في مختلف مراحلها وتصدرت المشهد الثوري وبالتزامن مع ازدياد شراسة وردة فعل أضلاع الثورات المضادة "أنظمة ونخب وأذرع وفصائل في شتى المجالات والتحركات".

لقد ابتلي الربيع العربي وطحنت شعوبه التي كانت وما زالت وقود ثوراته والدافع الأكبر وربما الوحيد لفاتورته من أموال ومقدرات ودماء ووجدت تلك الشعوب نفسها محشورة بين مطرقة الثورة المضادة وأنصاف الثائرين  وفصائل سياسية وإعلامية واقتصادية وحتى حقوقية متدثرة بثوب الثائر ومرتدية قناع المناضل وراح كلاً من الفريقين يستحوذ على ما تطوله يديه من مقدرات وثروات الشعوب مستغلين الوضع الراهن لأقصى درجة، متمنين استمراريته على ما هو عليه.

الأنظمة لا يعنيها أو يهمها استمرارية الوضع الكارثي الحالي من عدمه في سوريا واليمن وفلسطين وصفقة القرن ورسم حدود وتبادل الاراضي والقتل علي الهوية وظهور الطائفية وعدم الاستقرار فهذا كفيل وضامن ليجرف في طريقه أي متطلبات أو مسؤوليات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويبعث برسالة للشعوب ها هي النتيجة لو فكرتم في الثورة مرة أخرى، فالوضع غير مستقر ولا بد من إرجاء مطالب الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان حتى يستقر الأمر ونفرض سيطرتنا وعلي البيت الابيض وحكام النفط أن تمدنا بالأسلحة والأموال ومنحنا الغطاء السياسي اللازم حتى نتمكن من استمرارية وفرض النظام الحاكم الذي يخدم مصالحك وأجندتك واستراتيجيتك ويرسخ نفوذك ويحفظ حقوقك ونصيبك من الثروات والمقدرات التي ستضمن لنا أن نفي بما ساعدتنا وأمددتنا به من قروض وصفقات تسليح وخلافه، فلو رحلنا وتمت إزاحتنا فقد ضاع استثمارك وذهبت أموالك بلا رجعة، فالقاعدة التاريخية تقول الثورة تَجُبْ أي تقطع ما قبلها.

وهذا ما يلعب علي هذا السيناريو الرئيس ترامب حمايه الانظمه العربية كما صرح من قبل ..

أما المعارضة التي اختفت في بلدان الربيع العربي أو من تقوم بتمثيل أنها معارضة وتتحدث بأسماء الشعوب وتتصدر المشهد وتقدم نفسها على أنها الطرف الآخر للمعادلة المقابل للأنظمة، فمن مصلحتها استمرارية الوضع ومراوحته في مكانه، فلو أقصيت تلك الأنظمة وعادت الكلمة الفصل للشعوب الثائرة فسينتهي دورها حتماً فلقد انكشفت كل الأقنعة أو كادت وظهر بما لا يقبل الشك أن الكثيرين من متصدري صفوف المشهد السياسي من المعارضة ما هم إلا جامعي مكاسب وثروات عبر تجارة واستثمار المقاومة والمتاجرة بالثورات، يحدث هذا بينما الثوار الحقيقيين إما تحت الثرى أو منفيين أو مغيبين خلف قضبان المعتقلات أو تم استبعادهم وتهميشهم والدفع بهم لخلفية المشهد؛ فالثائر الحقيقي لا يعرف أو يتقن فنون المساومة على المباديء والحقوق ولا يستسيغ منطقية الحلول الوسط ويعلم علم اليقين أن الحل الوسط دائماً ما يكون الرابح فيه من يمتلك قوة المال والسلاح بشتى أنواعه "إعلامي واقتصادي وعسكري" والظهير السياسي "داخلياً وخارجياً" ومستنداً على حليف يمده بأسباب ووسائل الاستمرارية في النضال والوصول لنهاية الطريق.

لكن لا يمكننا إغفال حقيقة أن هناك البعض من النخب انحازت لأحلام الشعوب وتبذل قصارى جهدها لإيصال صوتها والتعبير عن أمنياتها وتطلعاتها، مقاومةً كل الإغراءات متحملة شظف الحياة ووحشة المنفى حتى لا تنحرف عن الطريق وتلحق بركب التجار وعاقدي الصفقات على أوراق الربيع العربي وموقعين بحبر مداده من دماء الثوار والشعوب وتلك هي أسباب استبعادهم وتهميشهم.

التاريخ يعيد ويكرر نفسه وتبقى الحقيقة الخالدة واليقينية والثابتة أن الشعوب باقية والأنظمة تتبدل وتتغير، ويبقى الشعب هو الحكم والطرف الأقوى في المعادلة مهما حاولت كل أو معظم الأطراف تحييده، الثورات تخلق قادتها وتفرز نخبها وتفرض سيطرتها في النهاية وستذهب إلى الصفحات السوداء من كتب التاريخ كل تلك الأنظمة الفاسدة والنخب المستأجرة، فالتاريخ كما الشعوب لا يرحم المتآمرين والخونة والمتخاذلين، قد يكتب المنتصرين التاريخ لكن الشعوب هي من تقرر صدقه من كذبه، فما لا تتضمنه ذاكرة التاريخ تختزنه عقول الشعوب ويتوارثه الأبناء والأحفاد، فكم من أنظمة ونخب مجدتها صفحات كتب التاريخ ولعنتها قلوب وضمائر الشعوب قبل ألسنتها.هل تنجح الجزائر والسودان في إعادة روح الشعوب العربية في ربيع عربي جديد او تقع في مستنقع الثورة المضادة وهل تنجح فرنسا مرة أخري في من يحكم الجزائر مع جلسة عاجلة اليوم في مقر الامم المتحدة بشأن التطورات في السودان هل أمريكا والغرب تريد ان تلعب دور آخر في السودان

لقد أنضم هذا الاسبوع حاكم مستبد الي قائمة الحكام التي اطاحت بهم نساءم التغيير ارحل.

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية

 

منير حدادتوزع حديث الرسول "الاختلاف في امتي رحمة" بين الارض والافكار، التي إنسجمت مع تعدد التفاسير وتباين القراءات، لآيات القرآن وأحاديث النبي وحكم الخلفاء الراشدين والائمة المعصومين وتنظيرات المجتهدين والإجتماعيين.

لغويا.. الاختلاف يشمل المكان والرأي، الامر الذي ساعد المفسرين على فهم الحديث النبوي الشريف "الاختلاف في امتي رحمة" على أنه يعني السعي في مناكب الارض، توزعا بين أقطارها، للرزق والتزود بالعلم وسبر اغوار المعرفة تطلعا في مكنونات اسرار المجتمع، التي يمكن إتخاذها مفاتيح في الحوار.

وهذا ما لخصه الامام علي.. عليه السلام، في حكمتين متكاملتين: "حدثوا الناس على قدر عقولهم" و"لا رأي لمن لا يطاع".

وكلا حديثي الامام.. عليه السلام، يكتملان بمعرفة تفكير البشر، ولا معرفة من دون توقير يحفزهم على مزيد من التدفق في الحوار، وعدم اللجوء الى القطيعة، بل غرس الكلام بذرة تزهر تفاهما ايجابيا، ينبع منه الاحترام الذي يعطي للمرء لذة التحدث والاصغاء.. اخذا وعطاءً تبادليا.

ما يعني ان حتى في حالة السعي لتغيير موقف إنسان من قضية، يجب إحترام قناعته بنقيضها، ريثما تنجح وسائل تهشيمها وحل ألغاز قدسيتها في نفسه، وتفنيدها، إنتهاءً بدفعه الى التنصل منها وتبني ما نريد ضخه إليه.

فثمة ثوابت في علم الاجتماع، تحكم خطوات الاستمالة، تبدأ بكسب ثقة المستمع ثم قطع صلته بقناعته الاولية، بعدها إملاء القناعات المستحدثة المراد تأسيسها في فكره لصالح ستراتيجية ما.. جديدة.

هل قلت شيئا؟

اعتنقت الفئات البشرية أديانا وعقائد.. سماوية ووضعية، شكلت روابط أقوى من الانماط العلائقية المعروفة إجتماعيا.. على الاطلاق.

وفي إجتماعيات الاسلام، يؤمن أن أصل البشر ينتهي الى آدم وحواء؛ لذلك: " اكركم عند الله أتقاكم" أما شكل الاداء، في إصال التقوى بمعناها الاجتماعي وليس الديني، تتباين المناهج فيه، وهو تباين يجب الا يتحول الى بغضاء وغيظ وتمرد وإحتقان إحترابي يسفر عن حرب أهلية، او دولية او... دمار.

والاسلام ينظر للبشر جميعا من مسافة واحدة، أمام شرع الرب؛ ما يساعدنا.. كبشر متحضرين.. على الإيمان بالحوار الهادئ، الذي يهيء الاسلام الى الإستمرار على مر الزمان، وسعة الارض،...

وتلك هي التي أسماها الرسول إختلافا، وإسميها أنا تباينا إيجابيا، يغني الحديث ويثري الرؤية ويعمق الفهم ويرسخ الثوابت، تحريكا لما كان يمكن ان يتصدأ بالتحرز دون الآخر.. تحفظا قد يتحول الى إصطدام.

تعددت تفاسير الفهم الاسلامي للآخر، وتباينت القراءات للنصوص من آيات وأحاديث وحكم، لكن الغاية واحدة تصب في نتيجة مفادها ان من حق كل حزب ان يفرح بما هو عليه، من دون مداهمة قناعات الآخر او مصادرة وعيه بأشيائه وتقديسه لرموزه، حتى لو لم تلامس قناعاتنا.. يجب ان نحترم له رؤياه مجادلين أوجه التباين بالتي هي أحسن.

فالرب يشرعن للمجتمعات التحزب الفرح: "كل حزب بما لديهم فرحون" فباي حق نتعاقد مع الشيطان ضد قناعة الاخر مفندين نظريته ومضيقين مساحة ميدان تحركه!؟ طالما لم يعتدِ علينا، او يبسط فكره على آفاقنا.

هل هذا كافٍ؟

إن لم نسهم بدعم معتقدات الناس، مشاركة او تهنئة وتعزية.. كل في مكانه وزمانه.. نفرح ونحزن معهم؛ فيجب ان نقف حياديين على الاقل، من تعاليم الديانات الاخرى، مترفعين عن التضاد معها او الإساءة إليها؛ وهذا شأن واجب.. شرعا وحضارة وثقافة ووعيا.. فليس هواي مقياسا ولا قناعتك "إستندر" الحياة؛ لان كل إنسان له ما يناسبه وينسجم مع تكوينه الاجتماعي ونشأته البيئية، وعلينا تبادل الإحترام؛ كي نعيش بسلام مع أنفسنا ومع الآخرين؛ فإذا دعت القدرة على التصرف بصلف؛ علينا ان نتذكر "فوق كل ذي علم عليم" والقوى متفاوتة والنتائج غير مطلقة.. بل نسبية!

إحترم الآخر لتعيش معه بسلام ذاتي؛ فهو لديه وسائله لإتقائك ووقاية نفسه منك إذا بغيت عليه.

التفاؤل بردة فعل الآخر كفيلة بالرفاه.. جد أسباباً تلزم نظيرك بـ... الانسانية، و... عيش متآزرا بالناس عونا.

 

القاضي منير حداد

 

ينقسم العراقيون والمعنيون بالشأن العراقي إنقساما حادّا عند الإجابة على هذا السؤال، ففيما يرى البعض ان الإرهاب ألد العراق يرى آخرون أنها السعودية او تركيا فيما يعتقد البعض بان أمريكا هي ألد اعداء العراق فيما يعتبر البعض ايران هي العدو ويؤمن آخرون بان اسرائيل هي العدو الأكبر بحكم الآيديولوجية التي تأسست وفقا لها والقائمة على إقامة الدولة الموعودة من الفرات الى النيل!

فهل حقا أن أي من هذه الإجابات تعطي الجواب الشافي للسؤال اعلاه؟ والجواب كلّا. لإن ألد وأخطر أعداء العراق ليس أيا من هؤلاء! فهؤلاء جميعا لهم مصالحهم لكنهم ماكان بإمكانهم التدخل في الشأن العراقي لولا أن العدو الأخطر للعراق سمح لهم بذلك، ألا وهي الطبقة السياسية الفاشلة والفاسدة فتلك هي العدو الحقيقي للعراق!

فهذه الطبقة الجاثمة على صدور العراقيين منذ العام 2003 تعج بالفاشلين والفاسدين ممن لايهمهم العراق ولا سيادته ولا رقيه وازدهاره بل كل ما يهمهم ماصلحهم الشخصية والعائلية وامتيازاتهم وسلطتهم التي جاءتهم على حين غفلة من الزمن حتى عاثوا فسادا في البلاد. ولست من المتجنين على هذه الطبقة التي وصفها أكثر شخصياتها جدلا ألا وهو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وصفها بالفاشلة داعيا إياها للتنحي جانبا.

وقد أصاب المالكي في تشخيصه للداء وقدم الدواء لكنه لم يتجرعه شخصيا لمرارته مقابل حلاوة السلطة فكان مصداقا للمثل القائل طبيب يداوي الناس وهو عليل. لقد فشلت هذه الطبقة بالرغم من موازنات العراق الخيالية في حل ازمة واحدة من ازماته لا يستدعي حلها سوى إنفاق عشر ما انفق عليها ومنها أزمة الكهرباء، وهكذا بالنسبة للأزمات الأخرى حتى أصبحت رهينة لدول الجوار فهي بحاجة لها في مختلف المجالات.

كما وان هذه الطبقة فشلت في بناء أجهرزة امنية وعسكرية طول أكثر من عشر سنوات من الحكم حتى بان عجزها وفشلها بسقوط ثلث العراق بيد تنظيم داعش الإرهابي الذي ارتكب جرائم في العراق لم يشهد تاريخه لها مثيلا الا ماندر فكانت النتيجة تدخلا عسكريا من جميع الدول في الشأن الداخلي العراقي . وقد وضع العديد من اعضاء هذه الطبقة أنفسهم في سوق النخاسة للتحول الى أداة لتحقيق مصالح تلك الدول المختلفة الا العراق حتى سمحوا لمن هبّ ودب بان تكون له كلمة في العراق .

وفشلوا بالرغم من تصرفهم باكثر من ألف مليار دولار في عملية إعادة إعمار العراق او رفع المستوى العلمي فيه او في استغلال موارده الطبيعة والبشرية وموقعه الإستراتيجي. وكانت سياساتهم الداخلية والخارجية بائسة جعلت العراق إضحوكة بين الأمم فإذا ما ذكر الفساد كان في الصدارة وإذا ما ذكر فقدان الأمن كان في المقدمه وإذا ماذكر الناتج القومي كان في القعر حتى تحول العراق بطاقاته العلمية وكوادره وكفاءاته الى بلاد تنعدم فيها الصناعة والزراعة ويتفشى فيها الجهل والخرافة ويصبح فيها المجتمع استهلاكيا وغير منتج بامتياز.

واما أسوأ ما فعلته هذه الطبقة وخاصة من رفع منهم شعارات إقامة الدولة الكريمة، فقد اساؤا الى الدين وادوا الى نفور منه بين قطاعات واسعة في المجتمع لأنهم حولوا الدين الى سلعة يتاجرون فيها لتحقيق مآربهم الدنيئه. ثم عززوا الإنقسامات في المجتمع من دينية وعرقية وطائفية وعشائرية وحزبية ومناطقية حتى غاب القانون وسادت شريعة الغاب حيث القوي يأكل الضعيف فيما يحاسب القضاء الضعيف .

وبعد كل ذلك أليست هذه الطبقة أخطر وألد أعداء العراق؟ أم سنظل ندس رؤوسنا في الرمال ونعلق الدمار والتخلف وانتقاص السيادة على شماعة دول ماكان لها أن تدس أنفها في الشان العراقي لولا خواء وفساد هذه الطبقة السياسية؟

 

ساهر عريبي

 

واثق الجابريطالب مجموعة من الفاسدين، بتطبيق العدالة والمساواة بينهم، وتنظيم السرقات حسب الأولويات وحاجة "المسؤول". حيث لاحظوا في الأونة الأخيرة، تراجع العدالة في تقسيم الأموال المنهوبة، وغياب الترتيب في الأولويات، فهم ينطلقون من عدة معايير لابد من توحيدها لتحقيق هدفهم المنشود، فرغم سعي بعضهم ليل نهار وإستخدامهم شتى الوسائل، إلاّ أنهم لم يصلوا لثراء فاسدين طالما لعنوا الفساد وتحدثوا عن الوطنية، رغم أنهمأكثر الناس فساداً.

يرى هؤلاء أن على الشعب إتاحة الفرصة الكافية لهم، ويجب عدم الحديث عن الفساد في مواقع التواصل الإجتماعي، لأنهم سيعتبروه تسقيطا وإستهدافا سياسيا، وهم بالكاد مازالو حيتانا صغيرة في بحر كبير، ولا يملكون سوى عشرات الدوانم، وعددا من العمارات والسيارات والأرصدة المصرفية، وبيوت سجلت بأسماء غيرهم، والأموال التي يحصلون عليها لا تذهب كلها لجيوبهم.. فبعض منها توزع لشراء مناصب ومقاولات،وشراء ذمم متملقين وإقامة ولائم جيوش حمايات، وهؤلاء جزء من الشعب ومن واجب المسؤول رفع مستواهم الإقتصادي.. أليس كذلك؟!

جملة الملاحظات التي وثقها الفاسدون، ناتجة من تجربة وجدوا فيها غيابا للعدالة، وسوءا للتنظيم، وهناك غيرهم من إكتنز لعشرات السنوات، ومئات الإستثمارات والمقاولات، فيما لم يحصل المعترضون على مساحات كافية وربما تستنزف وتجف وتفلس المؤسسة التي يتسلطون عليها، وأحلامهم أصبحت أكبر منها, ويحتاجون الى مضاعفة الأموال، تقديراً للخبرة والمهارة في الفساد.

الملاحظات أصبحت مطالب للمساواة بين الفاسدين، وتوحيد سلم المآخذ، ويعطى كل ذي جيب كبير حصته بتساوٍ، كالأواني المستطرقة، وبذلك لا يرى أحدهم من هو أكثر منه إنتفاعاً، ورؤوس بعضهم ترى كل الرؤوس، ويتجنبون حملة مزمعة شنها على الرؤوس الكبيرة، حتى لا يكونوا هم في مواجهة حملات مكافحة الفساد.

إقترح الفاسدون تحقيق هذه المطالب، من خلال تنظيم جداول وأولويات، وقد أتعبهم السباق واللهاث، وكأنهم تناخوا على نهب واردات العراق، وهذه العملية أحدثت فوضى عارمة وغياب تنسيق وتعميم الفساد وإطلاق الإتهامات من الفاسدين حتى على المواطنينين، كي يضيع دم ضحايا الفساد بين قبائل الفاسدين، وهؤلاء لم يحصلوا سوى على أعشار الرؤوس الكبيرة، وأن دعت الضرورة سينظمون تظاهرة للمساواة، كي يليق أسم الفاسد على المسمى. على المواطنينين النأي بالنفس، لأنها معركة بين فاسدين لتحقيق العدالة بينهم، والنتيجة ستتحق العدالة بين المواطنين في الفقر والحرمان، وبذلك يحققوا أهداف تسابقهم على السلطة، وبعضهم إشتراها بملايين الدولارات، وهؤلاء يستحقون أضعاف الأموال، لتسديد ثمن الكرسي والأرباح؟!

 

واثق الجابري

 

ميلاد عمر المزوغيعدم اعترافاهم بنتائج انتخابات 2014 التي خسروها، انقلبوا على الشرعية، دمروا البلد واستولوا على السلطة من خلال عمليات "فجر ليبيا" التي لا زلنا نعاني تبعاتها على كافة الاصعدة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.

خلال مدة حكمهم التي جاوزت السبع سنوات كان بإمكانهم اقامة دولة مدنية وديمقراطية، ولكنهم لا يريدون ذلك، لأنهم لا يؤمنون بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، لا وجود للجيش الوطني في قاموسهم، بل عصابات (ميليشيات) تحمي نظامهم العابر للقارات.

لقد منحوا الوقت الكافي للعودة الى رشدهم والانخراط في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، لكنهم كانوا يداهنون، يعوّلون على القوى الاقليمية التي ماانفكت تدعمهم وأوصلتهم ال سدة الحكم والتحكم في موارد الدولة.فسعوا جاهدين الى نهب المال العام وإحداث فتن بين مكونات الشعب، اخذتهم العزة بالنفس، دمروا ما طاولته اياديهم القذرة، هجروا المساكين من ديارهم.

المؤسف له حقا ان يتحدثوا عن (سكان المنطقة الشرقية-الشراقة) وكأنهم نزلوا من كوكب اخر وليسوا شركاء في الوطن، يعيبون عليهم قدومهم الى العاصمة لتخليص سكانها من براثنهم، او ليس الاسلاميون هم البادئون والبادئ اظلم؟. من المؤسف له ان يرتوي تراب الغرب الليبي بدماء اخوتنا من الشرق وقد قطعوا مئات الكيلومترات، بينما افراد من الجيش النظامي يوالون العصابات المسلحة التي يقودها شذاد افاق مجرمون ليس لهم علاقة بالمؤسسة العسكرية ويأتمرون بإمرتها، ما يعد اهانة لشرف المهنة.

كانوا يدركون جيدا ان مصيرهم المشئوم المحتوم سيكون على ايادي الجيش الوطني، أمدوا اخوانهم في بنغازي بمختلف انواع الاسلحة والمجرمين، فجرافات الموت لم تنقطع يوما وعلى مدى 3 سنوات، علّهم يقضون على المارد في مهده لكنهم فشلوا، تحررت بنغازي، وأصبح الجيش كابوسا يقض مضاجعهم، يحاصرهم في عقر دارهم، اخر معاقلهم العاصمة التي ساموا اهلها سوء العذاب والإذلال المبيت رجلا ونساء امام البنوك التجارية والانتظام في طوابير لأجل السيولة النقدية والطوابير على محطات وقود السيارات، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وأكوام القمامة بمختلف الميادين والساحات.

لعلها المرة الاولى التي يجد فيها الاسلاميون، حملة السلاح والأفكار الهدامة انفسهم عراة امام العالم اجمع، واتضح ان المجلس الرئاسي الذي نصّبه الغرب كان الواجهة السياسية لهم، كانوا يعولون على تدخل المجتمع الدولي، لكن عدم امتثالهم لمقررات الصخيرات بشان الترتيبات الامنية، وإعلان مليشيات مصنفة ارهابية الوقوف الى جانبهم في محاربة الجيش الوطني، جعل العالم ينفض يده ولو مؤقتا، سحب جنوده الذين كانوا يحرسون البعثات الدبلوماسية الغربية ومصالحها بليبيا بواسطة فرقاطتين، وتبين مدى عجز الرئاسي وعصاباته القيام بذلك، تركهم الغرب وشانهم يحسمون مصيرهم مع الجيش(شأن داخلي) الذي قضى على الارهاب في شرق الوطن وحرر الجنوب من المرتزقة ويسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الامن والاستقرار المفقود على مدى سنوات ووقف نزيف اهدار المال العام وتوحيد المؤسسات التي انقسمت بفعلهم ومن ثم اعادة اللحمة بين مكونات المجتمع الليبي، لتكوين الدولة التي فقدت مكانتها وأصبحت ساحة صراع ونفوذ لدول لم نكن نعيرها أي اهتمام، انه الزمن الرديء الذي يكون فيه المرء مطية للغير وتدمير (بلاده) لأجل مصالح شخصية.

قامت المليشيات الاخوانية الجمعة (12 ابريل 2019)بمسيرات جابت ميدان الشهداء بالعاصمة معلنين دفاعهم عن العاصمة (وما يدافعون إلا عن انفسهم انه اخر خط دفاعي لهم)، وهي اشبه بمسيراتهم بميدان رابعة بالقاهرة، ولكننا نقول لهم، ميدان الشهداء ليس رابعة.. تمهلوا، فالجماهير التي لم تخرج اليوم لنصرة الجيش على مشارف المدينة، ستخرج عندما يقوم الجيش الوطني باقتلاعكم من جذوركم لأنكم نبتة خبيثة، فلا مكان لكم في وطن محافظ وسطي لا يؤمن بالعنف، وستبنى الدولة وتعود لها هيبتها وتنعم بالازدهار والرخاء.

 

ميلاد عمر المزوغي

 

أبريقٌ من ذهبٍ مرصعٍ بكريم الجواهر، يسكنه ماءٌ علت وجهَه الصافي مكعباتٌ من ثلجٍ أفشى سرَّه الى الإبريق فكساه ثوبا من ندىً زاده جمالا، كخِمارٍ لبسته فاتنةٌ ما ستر اسرارها التي استكبرت استكبارا، تدعوك جهارا فلا تملك منها فرارا، سرعان ما تكثّـف الندى لؤلؤاً فسال جداول أتعبت مَـنْ يتتبعها ولا سبيل لفك شفرتها.

من أفشى سرّه ذاب كالثلج يبكي أصلَه قطرةً تبادلتها غيمةٌ ونهَر، وشهدتها الشمس والقمر، وشجرة لها الضفاف مُستقَر، " نعمةً من عندنا كذلك نجزي من شكر "، وقطرةً أخرى أرسلتها موجة الى الضفة، فأخذت الأرض منها رشفة، فصارت نخلةً بألف سعفة، هزّت جذعَها تلك العذراءُ البتول خائفةً لا تدري أنّ في حجرها كلمة الرب وقول الحق. 

السرُّ هو المستور الخفيّ، ما حدّث به الا شقيّ، وما كتمه الّا حفيّ وفيّ، والسرّ ُما بينَـك وبين نفـسِك، فما زاد عن ذلك ليس بسر، إنْ هو الّا فعل أو كلام بين اثنين أو أكثر إنْ شاءوا كتموه أو حدّثوا بيه غيرهم.

طوبى لمن كتم سرّه عن نفسه، والكرامة سرّ من الله استودعه عند مَنْ يعرفونه حق معرفته، فمَنْ قصَد الكرامة ـ أي السرّ ـ لذاتها صارت عليه حجابا وصار بها محجوبا عن الحق، لذلك كان كاتم السر وحافظه مدللا يقسم على ربه متى شاء فيبرّ ربُّه بـقَسـمه. نحن نشهد أنْ لا إله إلّا الله باللسان إيمانا، ويقول بولس الرسول في رسالته الى أهل كورنثوس: "لأنّـنـا بالأيمان نَسلُـك لا بالعِيان"، أمّـا كاتم السر فيشهدها عيانا، فمن حفظ السرَّ هُـتِـكت له الحجب. هنالك قال الفتى محدثا نفسه: عندما ظهر سرُّ الثلج تفجر جبلٌ من المعجزات فكيف يكون كتمان السر امرا محمودا؟ على مقربة من الفتى كان العارف بالله قائماً يصلي مرتلا بصوت مسموع كلام صاحب السر حتى وصل الى قوله: " إنّـا كلَّ شيء خلـقنـــاه بــقَدَر "، فهمّ الفتى أنْ يسأله بعد أن ينتهي من صلاته، ولكنّ العارف العابد اختفى، كما ظهر، فجأة، ومازال الفتى يبحث عن إجابه.

والسرّ، الأصل، وسرُّ الأرض أكرمُ موضعٍ فيها، وفلانٌ في سرّ قومه أي في أفضلهم، وفلانٌ سرّ هذا الأمر أي عالم عارف به، وبالقياس يكون العراق سرَّ العرب وسترَهم من الشرّ إذا اقترب، أرأيت قوما عزيزٌ جارهم، مهابٌ جانبهم، مرتعدٌ عدوهم ولا سرّ لهم؟ وهنا أقول:

أكرم به مِنْ فتىً في كل معتركٍ     ما أنزل السيفَ بل قـد جاد بالمُقلِ

أشجعُ أخوته، حادٌّ مزاجه، شحيحٌ صبره، أبيض قلبه، إذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، حاتمي الطبع فلا يجوع عنده ضيف ولو جاع أولاده، أسمعت يوما أنّ أهل بيت حاتم الطائي اشتكوا بخل أبيهم؟ ولو فرضنا أنّهم قالوا بذلك هل حفظ التاريخ سيرتهم أم سيرة أبيهم؟

أبو الأنبياء، شديد الإباء، كثير الأعداء، قليل الأخلّاء، جَسور جَهور لو صاح لأسمع الجوزاء، بلد الكبرياء والشعراء والأدباء والحكماء والعلماء والأولياء والأتقياء، بلد الأشقياء والبؤساء واللقطاء والأخطاء والضوضاء والإقصاء والفقراء والأغنياء والشهداء، هو كلّ الأرض ونصف السماء، هو كونٌ مصغرٌ بين نهرين شماله جبلٌ ذاب واديا فسال سهلا وانتهى هورا.

السلام على أرض الرافدين، السلام على بلد كُــشِـفَ سرّه وكُـسر درعه وفاض خيره إلّا على أهله.

في ذكرى الاحتلال أقول بأنّ المحتلَّ حريصٌ ذكي، اذ ابتدأ قتاله أمة العرب بتدمير بغداد سرّ العواصم وقبلة الأعراب والأعاجم، ولا طاقة للحرّ بمثل هذا، أتونا يجرّون الحديد كأنهم أتوا بجياد ما لهنّ قوائمُ، فأصبح لسان حال العرب: أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ.

ولمّا كان المحتل مطلعا على كل صغيرة وكبيرة داخل بلدنا، بل ويعلم عنه ما لم نعلم، مسخرا أتباعه من الطارئين الذين ابتلينا بهم، أصبحنا في مقام سرّه، ومن هتك سرّ المحتل بتحرير بلده أصبح في موقع السرّ من قومه أي في أفضلهم. والقارئ لكتب تاريخ الأمم شرقها وغربها، قديمها وجديدها، يجد أنّ بداية زوال ملك المحتل تكون عندما يفقد سيطرته على ما يحتلّه من دول. وهنا يصبح من أفشى السرّ أعزّ مقاما ممن كتمه.

ما لم يُقلْ أكثر مما قد قيل، وما قيل ليس بالجديد ولكننا ننسى ونسياننا ليس جديدا أيضا. احفظ السرّ يا صديقي ولا تفشيه الا بحقه، وادعُ صاحبَ السر بفم لم تذنب به علّك تقترب من أعتاب الحضرة، فتشرب الخمر من غير كأس. 

 

د. تميم أمجد توفيق

 

830 سرمك 1أخي المفكر العراقي الغيور صائب خليل

تحية عراقية..

قد تكون للأخ المجاهد الفارس الشجاع أبو مهدي المهندس مبرراته. لكن من المؤكد أننا أكثر حرّية ككتاب ومحللين في تناول الموضوعات والحقائق الصادمة.

وفي موسوعتي "موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية" والتي تتكوّن من 40 أربعين جزءا وصدر منها حتى الآن 22 إثنان وعشرون جزءا هناك أجزاء تكشف بالوثيقة والأدلة المؤكدة الكيفية التي خلقت بها الولايات المتحدة والمخابرات الغربية الإرهاب "الإسلامي" ومن بينها وثائق وتحليلات وصور وأشرطة فيديو تثبت هذه الصلة بين أمريكا والقاعدة وداعش – لاحقاً- في العراق وسوريا وغيرهما بصورة تحيّر العقل. ولأن طبع الأجزاء هذه سيتطلب وقتا سوف أكتفي بأن أرسل إليك روابط عناوين وصور ويوتويوبات تُظهر مقاتلي الحشد الشعبي الأبطال وهم يقفون أمام تلك الطائرة وإرهابيي داعش وهم يستلمون رزم تلك الأسلحة مع روابط أفلامها. واعذرني عن هذه العجالة بسبب ظروف صحية قاهرة.

830 سرمك 2

(مقاتلو الحشد الشعبي الأبطال يقفون أمام الطائرة التي أسقطوها وكانت تلقي المساعدات على إرهابيي داعش)

وأرجو أن تلاحظ أن الرئيس السوداني الذي تم إسقاطه اليوم قد قال في عام 2015 أن المخابرات المركزية الأمريكية والموساد هم وراء تشكيل داعش وبوكو حرام!!

830 سرمك 3

وهذه صورة للسناتور الإرهابي جون ماكين – من بين عشرات الصور التي نشرتها شبكة CNN - مع الإرهابي البغدادي وقائد الجيش اسوري الحر وقد اعترف هو بعظمة لسانه بدخوله سوريا سرّا ولقائه بهم ودعا إلى تفهّم "آمالهم" في الحرية والانعتاق.

830 سرمك 4

(السناتور جون ماكين مع الإرهابي البغدادي والعقيد إدريس قائد الجيش السوري الحر. وحين زار ماكين بغداد وصف على شاشة التلفاز العراقي هذا الإرهابي البغدادي بـ "السيّد - مستر" وليس الإرهابي أو حتى الجهادي)

وهذا عنوان مقالة – هي فصل من الموسوعة - ورابط فيلم خطير للكاتب التقدمي براد هوف يكشف تسلم إرهابيي داعش صتاديق المساعدات التي أسقطتها الطائرات

(؟) الدولة الإسلامية من خلق الولايات المتحدة: أوضح دليل فيديوي موثّق حتى الآن

براد هوف

ISIS as U.S. Creation: The Clearest Authenticated Video Evidence to Date

Brad Hoff

Levant Report

September 13, 2014

رابط الفيديو الخطير:

https://www.youtube.com/watch?v=yGaSghFK0nI

830 سرمك 5

د. حسين سرمك حسن

 

عدنان ابوزيدطغى خبر إرهاب المسجديْن في نيوزيلندا في الآفاق، - وهو بلا أدنى شك، كارثة في تأريخ التعايش بين الأديان والشعوب-، على التسامح العظيم في بلاد الغرب، الذي تفخر به البلدان، ويعتز به المهاجرون.

هذه المفارقة، جسّدها المفكر المعروف كارليل‏ بالقول، إنّ "سقوط الشجرة في الغابة له دوي عظيم، فيما الفراشات الهائمة طوال النهار والتي تنقل اللقاح من زهرة إلي زهرة، لا صوت لها‏..‏ ولا أحد يسأل عنها، إنْ عاشت أو ماتت"‏.

مؤكدٌ، أنّ هذا درس مهم يجب تعلّمه من الإرهاب، الذي يسعى الى الدعاية، عبر أشكال من التعبيرات التي تحرّض، أو تعزّز، أو تبرّر الكراهية، والعنف، والتمييز، وتأكيد الوجود، والتأثير عبر وسائل الاعلام، على طريقة "الأكشن" السينمائية، فيما اللين، والتسامح العظيم، يفتقد في الكثير من الأوقات، الى المنبر الذي يُظهر قوته وبأسه أمام الناس، لأسباب متنوعة.

والمؤكد أيضاً، انّ العنفَ حالة طارئة، في مجرى الأحداث، مهما طال زمناً، وتمدّد مكاناً، لأنّ الطبيعة جُبِلت على السلام والحياة، لا الدماء والموت.

 المسلم في الغرب، يتمتّع بحرية واسعة، ربما لا تجاريها مثيلتها في البلد الأصلي، والمساجد تُموَّل من البلديات، والاغلبية من أبناء الغرب، تُظهر الاحترام والتوقير للديانات والمعتقدات الأخرى، من اسلام، وبوذية، ويهودية، وغير ذلك.

المسلم العاطل عن العمل في الغرب، يتلقى راتب الرعاية الاجتماعية المجزي، ويتوفّر له التأمين الصحي، والسكن اللائق، والخدمات الصحية والمنافع الاجتماعية، أسوة بابن البلد الأصلي، بشكل تام.

الكنائس في بلاد الغرب تفتح أبوابها للمسلمين، وغير المسلمين، وتدعوهم الى الفعاليات الاجتماعية والثقافية، في احترام كبير لمعتقد الشخص، دون التدخل في تفاصيل معتقده.

وقف شاب مسلم على سبيل التجربة والاختبار في ساحة في ألمانيا، وهو يحمل لافتة، كُتب عليها، "انا مسلم، احتاج الى العناق".

لم تكن المفاجأة، في أنّ الفتيات والفتيان والرجال والنساء، اصطفوا بالعشرات لعناقه، بل الامر الغريب الذي كان سيحصل، هو فيما لو تجاهله الناس، وهو ما لم يتحقّق في مجتمع، يتّقن العيش بانسجام في سياقات متعددة الثقافات.

إنّ حوادث إرهابية، هنا وهناك، حصلت، وربما ستحصل في المستقبل، سوف تكون خارج السياق الذي يمضي بقوة في الغرب، نحو التراحم والتسامح والاعتراف بالحقوق وتفهّم الاخر، وهو الأمر الذي يجذب الكثير من الناس الى تلك البقعة من الأرض.

الهندوسي يأتي من الهند، فيجد في البلد المضيف، ما لم يلمسه في بلده. والبوذي يستثمر في الحرية، والمسلم يجد نفسه

في بلد تحترم خياراته، والمسيحي يفتخر بعقيدته التي لا يحوُل دونها، تعصّب أو انغلاق.

في هذه المجتمعات التي تغيب عنها المسدسات، وملابس العسكر، ويمارسها فيها الشرطي وظيفته بكل مهنية، وهدوء،

لا يُعتقد انها سوف تسقط في حبائل العنف والإرهاب بسبب تماسك المجتمع الديمقراطي الحامي لحقوق الإنسان، والمحترم للقانون، والنظام.

الحادث الإرهابي في هذه البلدان، يمكن تصويره كرغوة تنطفأ بسرعة، لانّ الأغلبية الساحقة لن تسمح لها بالترسّب في النفوس، بسبب الوعي والتربية على الاعتدال وفهم الآخر.

يكفي هذه الدول المتسامحة فخرا، انها تحرص حتى في أوقات الهجمات الإرهابية، على التوازن بين محاربة خطاب الكراهية من جهة، وحماية حرية التعبير من ناحية أخرى.

في الضفة الأخرى، حيث المجتمعات الضيقة التي لا تجيد لمسة التسامح في الكثير من المواقف، وتنتعش العدائية فيها عبر التعبيرات والأنساق، ثمة حاجة ملحة الى تنظيم المؤسسات ووسائل الإعلام وصناعة الإنترنت، والنظام القضائي و مدونات قواعد السلوك والتربية والتعليم، باتجاه محاربة المفاهيم الخاطئة التي تشكل أساس خطاب الكراهية، وتعلّم التعددية من دروس "التسامح الديني"، وأنْ تتجاوز الدعائية والتنظيرية وافتراضاتها المفاهيمية الى واقع ملموس في الوعي والسلوك.

 

عدنان أبوزيد