امير الساعديصاح ديك الصباح يا أيها المنتظر انبلاج الفلاح بحكومة قد شكلت على طريقة بيع التجزئة (بالأقساط  الغير مريح) للشعب العراقي ولرئيس مجلس وزراءه السيد عادل عبد المهدي والتي ألبسها خرقة الاجازة البرلمان العراقي ابتداءً من تشرين الأول عام 2018، إذ صوّت المجلس المكبل بقادة التحالفات والكتل على 14 وزيرًا، ومن بعد أشهر على النزاع الاصغر على وزيرة للتربية استقالت لاحقًا بسبب ما قاله المخبر بأن لعائلتها علاقة بعناصر داعش، ليس حرصا منه على تربية أبناء الوطن بل طمعا بمنصب الوزارة التي لم يعطها صاحبها المهر، عندها سمعنا بانهم صوّتوا على وزير الهجرة والمهجرين ولكن لم يفض الى سمعنا متى سيكون إنهاء النزاع الاكبر حول ما تبقى من رؤية هلال عيد إكمال كابينة حكومتنا الموقرة.

وهكذا اعتدنا بأن لكل دار افتاء منهاج وعلم بحساب يوم رؤية الهلال الميمون لكل عيد وشهر، فنجد اختلافا يفضي الى رحمة في بعض وجهات النظر، ولكن فيما يبدو بأن ساستنا ولله الحمد يفرحون في بداية كل شهر وعيد وسمر، ولا يرون بأن اختلافهم به أمر قد أضر بمصلحة الشعب والوطن، فالى الان لم نر أين سيكون المفر إذ بقت أربع وزارات شاغرة، هي: الدفاع، والداخلية، والتربية، والعدل، فالخلافات بين التحالفات والكتل والأحزاب والأُسر ما زالت تحول دون إسنادها إلى من يحظى ليس بثقة جمهور المهنئين من الشعب المنتظر، بل بثقة من أوكل لهم الأمر قادة، وأولى أمر.

فلعمري بأن الناس تعلم وتراقب وتشتكي وتنتظر ممن سمي المشرع والمراقب بأن يحرك منظار أفقه بحساب الفلك، لا بحساب مصالحه بأن يعلن لتلك الجموع التي كانت مستبشرة بأن المرجعية قد أوصت بأن تكون الحكومة القادمة قوية ومقتدرة وان رؤساء التحالفات والكتل قد أنبرت صوب المستقل الذي سيعطى اسلحة البناء بتجهيزيه بالكفاءات من التكنوقراط، ومن يمثلنا وبخيبة أمل وضعف بالقبول قد انتخبناه قد أدوا القسم على ان يبروا ذمتهم ويصوتوا لمن يعدل ميزانا قد مال وبضربة محبٍ وراغبٍ قد ولوا الدبر وتركوا الامر من غير تقديرٍ لما يحدثه تأخيرهم، بأن يخبرون الشعب قد رأوا هلال عيد اكمال تشكيل حكومة ٍمازلنا ننتظر رؤية هلاله متى سيحين الأجل؟.

فنحن نعيش ذكرى جرحٍ لم يندمل، تناثرت فيها الناس وتقطعت بهم السبل، وناحت الحرائر لفقدها من ينتصر، فالحدباء قد فجرت والارحام قد قطعت، والعيون الباكيات قد انهمرت، والبنى قد دمرت، وعرى أمننا قد سرقت، أفلا تتعظون بأن عليكم حملا ثقيلا بالنهوض بأمرنا وتجاوز الصراع على كراسي خلقت لخدمتنا وليس للتباهي والسلطة والفساد الذي بالجسد قد استقر، فمن سيفتي لنا بثبوت رؤية هلالكم الذي تأخر شهورا وقد يصبح دهر؟، ونحن نسمع قرقعة سلاح لمجلس أعلى لحرب الفساد ولكن من غير شرر إلا النزر اليسير من إزاحة الضرر.. وهناك من يعلنها صراحة ألا أيها المتلكؤن، إن لم تسارعو بتشكيل ما تفتقدون فإنهم الى المعارضة متجهون، وأرجوكم فلا تنسون المادة 10، و 58، من الموازنة فإنها قانون، فلا نريد أن نسمع منكم حججا وتبريرات أنتم منها تتذمرون، فما لكم كيف تسترشدون مصلحة هؤلاء المتضررون، ألا ترون ربيع أسود قد تهب ريحه عليكم مثل ما في السودان تشهدون، فبروا القسم وأفوا الوعود، واجمعوا كلمتكم فان الشعب مازال يترقب اجماعكم على ارادة الوطن ومصلحة المواطن، اجتمعت تحالفي سائرون والفتح فعضدت باقي الكتل الخيار، وعليكم اليوم أن تلموا شعث المحاصصة والتوافقية وترك صراع الدرجات الخاصة ومناصب الوكالة، وتوجهون البوصلة صوب دعم الاستقرار والبناء، فمتى ما سُألتم جاءنا الرد نحن البناة ولجروح الوطن مدارون، وما نملك إلا ان نصدقكم وننتظر عسى قبل هلال عيد الاضحى نسمع ونرى من سيبلج النور بعد ظلمة السنون...

 

د. أمير الساعدي

باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية – بغداد

 

سنتناول موضوع زواج الاقارب باعتباره اكثر المواضيع حساسية في المجتمع، ولما لهذا الموضوع من تبعات تكون في اكثر الاحيان ماساوية..فاذا تناولنا الجانب الايجابي منه سنجد ان اهم مافي الموضوع هو المعرفة التامة بماهية الشريك ذكرا ام انثى، من حيث الاخلاق، العادات، السلوك، الطبائع المختلفة، اضف الى ذلك بعض الصفات الايجابية الاخرى، كان تكون العائلة الكبيرة متميزة بصفات معينة كالجمال او الذكاء او طول العمر اودماثة الخلق، فهذه العوائل التي تتميز بهذا الكم من الصفات الجيدة تجد من الصعوبة ان تترك مسار العائلة وتنطلق الى خارجها لتقترن بما هو دون مستوى تلك العائلة حسب مفهومها طبعا، وعملا بالمثل القائل"اللي تعرفه احسن من اللي متعرفه"

اما اذاتناولنا الموضوع من الناحية السلبية سنجد ان سلبيات الموضوع اكثر من ايجابياته خصوصا اذا كان "بالاكراه"..

ان الاقتران بعلاقة زوجية امدها الحياة من دون قناعة تامة بالشريك، تلك جريمة بحد ذاتها لان مايترتب على هذه العلاقة سيكون وخيما على الاسرة اولا والمجتمع ثانيا والمتضرر الاكبر الاطفال الذين طالما يدفعون اثمان اخطاء الاهل بلا قيد اوشرط..

ان غرس بذرة الاقتران بنفوس الاطفال الصغار اي الترديد على مسامع الطفل او الطفلة انك ستتزوج من ابنة عمك او خالك عندما تكبر، لهي الكارثة بعينها، فالذي يحصل ان احد الطرفين سيتشبث بالاخر بانيا احلاما وقصورا في الهواء ماتلبث ان تتلاشى وينهار كل شئ عندما يصطدم برفض الطرف الاخر الذي قد اقترن او اعجب بانسان اخر في مكان دراسة او عمل اوجيرة وما الى ذلك..

وتبدا المشاكل وتحتدم الصراعات بضرورة اقناع الطرف الاخر بالعدول عن رايه والقبول مرغما لان رفضه سيسئ للعائلة باكملها او بالاصح العشيرة التي رات في ذلك الزواج تتويجا لاواصر الالفة بينها، هذا الامر الذي يؤدي الى نفور الطرف الرافض واللجوء الى العديد من الطرق للخلاص من هذا القيد بالهروب او حتى بالانتحار  اذاكانت الفتاة هي المعنية،  اما اذا رضخ الطرفين فستكون حياتهم جحيما وعلاقة من طرف واحد وليست علاقة مودة ورحمة ويضطر الطرفين للرضوخ لارضاء الاهل والقبول بحياة بائسة قد تستمر بالكاد وقد تنتهي في اغلب الاحيان بالطلاق..

ومن الناحية العلمية فان علماء الوراثة لايشجعون زواج الاقارب لانه  كفيل بنقل الامراض ذاتها داخل العائلة الواحدة خصوصا اذا كان في هذه العائلة امراضا كالامراض النفسية وامراض الدم وغيرها من الامراض التي تنتقل جينيا وتلك كارثة بحد ذاتها وقع في براثنها العديد من الازواج الذين انجبوا اطفالا معوقين او مشوهين يحملون نفس الصفات الموجودة اصلا في العائلة الكبيرة....

ان رسولنا الكريم كان له راي بالزواج حيث قال"تخيروا لنطفكم" اي انه اعطى الخيار من اجل سلامة المنظومة الاسرية،  فالموضوع نسبي وليس مطلقا اي انه اذا بنيت العلاقة الزوجية على القناعة من قبل الطرفين مقرونة بالفحوصات السليمة فلا ضير من ذلك ابدا وذلك مدعاة لاقامة وشائج الالفة والمحبة داخل الاسرة الواحدة، لكن اذا تم الامر قسريا فذلك كفر بما جاءت به الانسانية والشرائع السماوية وتلك كارثة تعود بالضرر على الاسرة بصورة عامة والاطفال بصورة خاصة وعلى المجتمع الذي تنهار احدى لبناته تحت اي ظرف..

 

مريم لطفي

 

حسن حاتم المذكور1 ـ  نتساءل، لماذا كل هذه القسوة والأستهتار، التي تتعامل بها مكونات العملية السياسية مع الوطن والمواطن؟؟، بدون خجل وبكل غرابة، تجد الأحزاب الشيعية ما يبرر دونيها، الأحزاب السنية ما يبرر سفالتها، واحزاب السرطانات الكردية، ما يبرر استهتارها، هوية الأحزاب الشيعية ايرانية، والسنية ترفع ذيولها لكل عابر سرير، اذا ما خصب بيضة السلطة في رحمها، الأحزاب الكردية، ترتمي في احضان كل من يفتح لها منافذ التهريب (القجق)، اخلاقية ترسخت فيها، منذ استوطنت شمال العراق، ولا سكينة لها في وطن تتعايش فيه المكونات الحضارية، تلك الكيانات الرثة، التي تكونت منها العملية السياسية، تنشط مجتمعة في تفكيك الدولة العراقية، ولا علاج لها الا اسقاطها بأدوات وطنية.

2 ـ قالوا "موكل اصابعكم سوه" صدقنا وافترضنا ان هناك، واحد بالألف بين اراذل السلطة، من يتقي الله بالشعب والوطن، بعد ستة عشر عاماً، كانت النتيجة مفجعة، لم يصادفنا فيها هذا (الواحد)، وليس من المنطق، ان نبحث عنه في المليون، حالة احباط وخيبات امل، ومستنقع العملية السياسية، ينضح فضائح الفساد والأرهاب والعنف المليشياتي، حالة انحطاط اخلاقي واجتماعي، لا ندري كيف تخصصت بها الأحزاب الأسلامية، هل لكونها اسلامية اصلاً، ام ان هناك خلل مذاهبي، انتصر فيه الوسيط، وعفى الرب من وظيفته، اسيراً في السماء، واستوطنوا الأرض واستولوا على كل ما فيها، من اثارة لشهوات السلطة والمال والجاه واجساد النساء، ثم يعظمون انفسهم بالقاب سرقوها من اسم الله؟؟؟.

3 ـ امريكا الباغية، تختار بديلها من بين حثالات مرمية، على ارصفة الأقدار السيئة، ايران القومية التوسعية، تلعب جواكر المذهب، على حساب خسارة الأبرياء، الذين اصابهم شلل المراجع ورموز الأحزاب ورؤساء العشائر، ترى شروط التشيع، ان يكون العراقي، عميلاً لولاية فقيهها، انظمة الجوار الطامعة في حصة من جغرافية العراق وثرواته، ضمن من جُندوا، لتفتيت الدولة العراقية ثم التقسيم، كتل الفساد مجتمعة، لا تسمح بفتح ثغرة مراجعة او تحقيق في جدار هجينها، قد تفجر مستنقع فساد نظامها، فتلجأ لكافة الوسائل، بما فيها غير المشروعة، كالقمع والتشويه الأعلامي، والأرتما في احضان الأختراقات الخارجية، ثم الأندماخ ببعضها، في عمل لصوصي متواصل، لا يستثني حتى المكونات التي ادعت تمثيلها، واستحوذت على اصواتها، اطراف تعرت عن اسمال شرفها وضميرها، واستذوقت طعم الرذائل.

4 ـ لو لم يحب علي أهل العراق، لما اختار الكوفة عاصمة لخلافته، ولو لم يحب الحسين اهل العراق، لما اختار ان يكون شهيد الحق على ارضهم في كربلاء، ولو لم يكن حب العراقيين لهم كبيراً، لما اختاروا ان يكونوا معهم على طريق الحق والعدل والحكمة والشجاعة، ولولا هذا الحب والثقة، بين علي واهل العراق، لما طفح على مصيرهم، هذا الكم المخيف من مراجع السوء، واحزاب الفتنة، التي تسللت عبر تاريخ خذلان الحسين في كربلاء، والأتجار برأسه، ثم خيانة وتسفيه مذهبهم عبر اكثر من (1300) عام، دخلت مخالب ايران احشاء العراقيين، وعبر على ظهورهم بعثيي امريكا، واستوطنت ارضهم احزاب، تركها المد العثماني، وعبثت وتمددت احزاب العشائر الكردية، في جغرافية وثروات وتاريخ وحضارات وطن، فتح الأبواب لهم واستضافهم وكرمهم ووثق بهم، لولا الذي حصل لما وصل العراق، الى ما لا يحسد عليه، آن للعراقيين ان يتحرروا، من جهلهم وفقرهم وذلهم، ويحرروا معهم اضرحة علي والحسين، من مؤبد سجنهم في النجف وكربلاء.

 

حسن حاتم المذكور

 

شاكر فريد حسنأثارت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى دولة الاحتلال ديفيد فريدمان، حول حق اسرائيل ضم أجزاء من أراضي الضفة الغربية، غضب الشارع الفلسطيني والقيادات الفلسطينية، ولقيت ردود فعل مستنكرة ومنددة وإدانات واسعة .

وفي الواقع أن هذه التصريحات البائسة ما هي إلا تعبير وتجسيد لموقف الادارة الامريكية برئاسة ترامب، الداعم للمؤسسة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل، ولرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي أعلن عشية الانتخابية الأخيرة للكنيست، عن ضم أراضي فلسطينية لإسرائيل .

تصريحات فريدمان  خارجة عن الشرعية الدولية، وتعكس حقيقة السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، وحجم فضيحة هذه الدولة العظمى، التي ترهن سياستها الخارجية بأيدي غلاة العنصريين والفاشيين والمتطرفين، وتتماهى مع السياسات الاسرائيلية، وتعبّر عن حجم الارتهان الامريكي للغطرسة وشهوة التوسع الاستيطاني الكوليونالي في المناطق الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية .

وهي امتداد لسياسات الادارة الأمريكية المنحازة بشكل كامل للاحتلال وسياساته الاستعمارية التوسعية، ولمشاريعه الرامية لفرض الوقائع والحقائق على الأرض وكسب الوقت وتكريس الاحتلال . وتأتي عقب نقل سفارة أمريكا للقدس، واعتبار مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، واعترافه بالسيادة الاسرائيلية الكاملة على هضبة الجولان السورية المحتلة .

وفي الحقيقة أن امريكا بإدارتها السابقة والحالية لم تكن تتجرأ على مثل هذه الممارسات والتصريحات والمواقف ودعمها الجارف المتواصل لدولة الاحتلال، لولا تواطؤ وخنوع أنظمة الذل والعهر العربي، التي خيبت آمال شعوبها، وتسعى الآن من خلال " ورشة البحرين " على تنفيذ وتطبيق " صفقة القرن " الترامبية، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وحرمان شعبنا الفلسطيني من حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة، وتقرير المصير، واقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني في حدود العام 1967، وعاصمتها القدس الشريف .

لن يكون سلام ولا أمن ولا استقرار في المنطقة، إلا بزوال الاحتلال وآثاره، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة مطلقة، وضمان حق عودة اللاجئين بموجب قرارات الشرعية الدولية، وعودة مرتفعات الجولان إلى السيادة السورية .

إن شعبنا الفلسطيني وقيادته وفصائله الوطنية المحتلة، مطالبون جميعًا بالوقوف بوجه هذه التصريحات الخائبة، وضد كل السياسة الامريكية، ورفض " صفقة القرن "، وهذا يستدعي ردًا قويًا بإنهاء حالة الانقسام المدمرة على الساحة الفلسطينية، والنهوض كالحصان الجامح تصديًا لهذه الصفقة، التي ستلد ميتة إذا ما تحققت الوحدة الوطنية الفلسطينية .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

نايف عبوشإذا كانت (المرأة نصف المجتمع)، ي ثقافتنا العربية الإسلامية، تناغما مع قاعدة الهدي النبوي الكريم (النساء شقائق الرجال). فلا ريب أن أي نظرة للمرأة بحيود سلبية عن حس ثقافة هذه النظرة السامية للمرأة، بالدونية، او التعسف، او غمط الحقوق، او التهميش، او التسليع، هي ممارسات طارئة، تعكس تداعيات لاصلة لها بتاتاً، بحقيقة النظرة العربية الإسلامية إلى حقيقة مكانة المرأة .

وما دام الأمر كذلك، فيبدو أنه ليس هناك ثمة مجال، أو ذريعة لإنكار دور المرأة الكبير في كافة مجالات الحياة. فهي مربية الأجيال، وهي من بين الفاعلين في مجالات السياسة، والاقتصاد، والأدب، وفي المجالات التنمويّة، والتعليميّة، والطبية، والهندسية، وغيرها من المجالات، التي غالباً ما تحتكر النشاط فيها ثقافة الجندر الذكوري .

فلا عجب إذن أن نجد الساحة الجامعية اليوم، سواء في مجال التعليم العالي، أو الأولي، تزخر بحضور متميز، وفاعل للمرأة، كاستاذة جامعية، وباحثة علمية، في دليل عملي واضح على الندية. وفي المجال الصناعي، نجدها تحتل مكانة متميزة أيضاً، بين الكادر المهني الإنتاجي، والتشغيلي، وفي كل مفاصل الصناعة، وبطريقة تثير الإعجاب، ونفس الشئ يقال عنها في مجال الطب، والخدمات، والعمل، وغيرها.

 ومن هنا تظل المرأة مصدرا للعطاء، وملهمة الجيل كل أساسيات التعامل مع الحياة، حتى أنه يصح فيها القول (ان وراء كل رجل عظيم امرأة)، لتشكل في جدلية ثنائيتها مع شقيقها الرجل، أساس الوجود الاجتماعي.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن حركة الحياة إذن، ليست هي بمفاعيل الرجل فقط، فلا يمكن للحياة أن تستقيم بالمجتمع الذكوري لوحده، وحسب، وبالتالي فإنه لا يمكن ان يعيش المجتمع في حركته الدائبة، بغياب المرأة، وإقصائها المتعمد عن الدور .

 ومن هنا فإن احترام المرأة، صنوا للرجل، وتبجيلها، وإعطاءها مكانتها الصحيحة اللائقه بها، وبجانب ما يمنحها ذلك من فرصة عطاء أفضل للمجتمع، فإنه يتجاوز في نفس الوقت، منطق النظرة الأحادية، التي تعتبر جندر الذكورة فقط، هو حقيقة الحياة.

 

نايف عبوش

 

تيسير عبدالجبار الالوسيمقتبس: “لا حرية لمجتمع يكرس التمييز ضد المرأة ويتستر على جرائم فلسفته الذكورية بغربال التدين المزيف.. فلننعتق من اللعبة ونبدأ طريق الأنسنة لحياة حرة كريمة”.

كشف تقرير دولي عن تدني مستويات تحتلها أوضاع المرأة العراقية بين أوضاع نساء العالم في ظروف المعاناة والمآسي التي تصادر حقوقها وحرياتها في العراق. إن ظاهرة العنف وسطوة البلطجة والخطاب المرضي الذكوري ومنطق التجهيل وإشاعة التخلف وظلاميات الفكر ومنظومة قيمية مجترة من عشائريات عفى عليها الزمن هو أحد أركان الكارثة الإنسانية بحق المرأة العراقية.. نضع بين الأيدي قراءة أولى لوجه من أوجه التقرير العالمي  المذكور.

إنّ قراءة الأوضاع الإنسانية ببلد تساهم فيها جملة أدوات فاحصة منها تلك الدراسات الأممية.. إذ تتنامى أدوار المؤشرات العالمية لقياس أوضاع حقوق الإنسان وأوضاع شعوب العالم؛ الأمر الذي يساهم في تعزيز الدراسات والبحوث لتعديل المسارات وسد المثالب والثغرات..

وفي أحدث المؤشرات العالمية قالت منظمة تدابير متساوية 2030 (Equal Measures 2030) المعنية بدعم المساواة بين الجنسين عالمياً في تقرير لهذا العام 2019: إنها درست أوضاع المساواة في 129 دولة بوساطة 51 مؤشراً تتضمن 17 هدفاً إنمائيا مستداماً مما تبنته الأمم المتحدة. وجاءت النتائج بغالبها في منطقة الشرق الأوسط أقل من المتوسط المعتمد الذي يساوي 65.7%..

لقد كانت الجزائر الوحيدة التي حققت المعدل المتوسط فيما شاركتها تونس الترتيب الـ65 عالمياً فيما حلَّ العراق إلى جانب ذيل القائمة الذي قبعت فيه كل من اليمن وموريتانيا. ومع أنّ التقرير يتحدث وجود ثغرات تتطلب المعالجة حتى في مناطق الترتيب الأعلى بالإشارة إلى النموذج الأوروبي إلا أنَّ الإشارة تتغير نوعيا عندما يتعلق بنسبة تقارب نصف نساء العالم وما يتعرضن له بدول التخلف..

الأنكى أن نساء كما في العراق تراجعت أوضاعهن مأساوياً منذ عقد ونصف العقد بخلفية التراجع القيمي ومنظومة تلك القيم المجتمعية بظلال ثقافة النظام العام والانهيار الهيكلي البنيوي فيه..

إنّ أموراً تخص المناخ والبيئة والخدمات العامة من صحة وتعليم وطابع التوظيف وتسلم المناصب والمسؤوليات وما يخص تساوي الأجور فضلا عن مشكلة الأمن والأمان ومستويات العنف بأشكاله ومنه العنف الأسري باتت كوارث تراجيدية في أوضاع المرأة العراقية..

وإذا كانت الخطط والسياسات العامة تتعكز على انخفاض إيرادات (النفط)! فإن دولا هي الأقل دخلا عالميا مثل رواندا وكينيا، حققت بمجال الأمن الجسدي وأمور أخرى مستويات متقدمة على وفق التقرير.

وأن تحتل المرأة العراقية مثل ذاك الموقع المتأخر عالميا وما قبل الأخير تقريباً عربيا شرق أوسطياً فذلك من مهازل المخرجات… والنتائج التي تتحدث [فيها السلطات الطائفية] عن صور مبهرجة وعن ستر المرأة وحشمتها وكفايتها وصونها خلف براقع الأقمشة السوداء والجدران المسلحة لا تستطيع تلك الادعاءات أن تُخفي الحقيقة في أن المرأة العراقية بذاك المجتمع الذكوري  مأسورة لأغراض استغلال هو الأكثر فحشاً وتردياً ومصادرةً لشخصيتها وحقوقها وحرياتها الإنسانية..

ولعل مجتمعاً تُهان فيه المرأة وتستلب وتُصادَر لا يمكن أن يكون حراً بل هو مجتمع مكبل بقيود التخلف والتجهيل وبسلطة بلطجة الهمجية ووحشية عنفها وإجرامها..

لقد كانت المرأة العراقية منذ مطلع عشرينات القرن المنصرم صاحبة الإرادة والنضالات البهية وشاركت في انتفاضات الشعب وثوراته الوطنية والطبقية وساهمت في مسيرة بناء الدولة ومحاولة تبني الطريق الأكثر صوابا وسلامة حيث التنمية والتقدم حتى انتصرت لتشريعات مميزة كما في قانون 188 لسنة 59 وتسلمت عديدا من المهام والمسؤوليات في قيادة الأحزاب السياسية التقدمية وكانت الوزيرة منذ خمسينات القرن الماضي وتبوأت في الستينات والسبعينات مراكز مهمة في إدارة الأنشطة المجتمعية والرسمية، وكان ظهور رابطة المرأة أروع مؤشرات وعيها واشتغالاتها..

إلا أنه منذ العام 2003، تمّ تكريس النظام البطرياركي (الطائفي الكليبتوقراطي) المفسد واستغلاله أيضا منظومة قيمية (عشائرية) وأخرى من أوبئة الأزمنة الغابرة وكهوف الظلام عاد بالمجتمع وبالمرأة إلى مناطق اللفائف المجسِّدة للتخلف وتحجيب العقل وتجهيل الشخصية الإنسانية ومحو إنسانيتها بالقدر الذي يؤشر علامات الوحشية والهمجية للعنف السائد…

إننا نربأ بالمرأة العراقية عن هذا المستوى المتدني والمواقع المتأخرة وهي التي ساهمت بقيادة المنظمات النسوية العالمية وقدمت المنجزات الإبداعية والعلمية بمختلف الميادين وهي التي رافقت النضالات المهنية النقابية والسياسية المجتمعية بعموم محاورها وهي حاملة رايات السلام والتنوير ومن ثم هي الإنسان بكامل الحقوق والحريات وهكذا فإن قوى التنوير مطالبة بإدانة أعلى صوتا وأكثر فعلا في برامجها وأدائها، لتلك السياسات التي ازدرت المرأة العراقية ووضعتها بمناطق معتمة مظلمة بقصد تعطيل مساهمة نصف المجتمع في مسيرة التحرر الوطني الديموقراطي في العراق. بخلفية التمييز على أساس الجندر..

ونرى أن مزيد التضامن المجتمعي وتقديم موضوع المساواة والعدل بأولوية مناسبة ومن ذلك إنهاء تفريغ محتوى الكوتا النسائية وتجييرها لقوى الأسلمة الظلامية وإطلاق مبدأ المساهمة الحرة العادلة وتعزيز التعليم محتوى ومستوى وتقديم ثقافة تنويرية تحررية سيكون قوة ليس للمرأة وحدها بل للمجتمع المنتمي لعصرنا..

ويهمنا هنا أن نؤشر قضايا من قبيل:

1-حرية تشكيل المنظمات النسوية وحرية ممارسة الأنشطة النسوية بفضاء ديموقراطي كامل الحرية.

2- إيجاد التشريعات المغلّظة بمرحلة انتقالية، ضد ظواهر العنف ضد المرأة ومنه العنف الأسري..

3- معالجة ظواهر التزويج القهري بسلطة ذكورية بخاصة منه للقاصرات مما يتم خارج سلطة الدولة بمسميات تتبارك بالشيخ والسيد أو ما يسمونه زوراً رجل الدين بوقفها قانوناً وتطبيقاً..

4- منع أشكال التمييز بخاصة من ظواهر أولوية التعليم من جهة وأسبقية من يخضعونه للتسرب الدراسي فضلا عن محتوى المناهج ومنظومتها القيمية التي تعنى بالمساواة والعدل والإنصاف.

5- إطلاق حرية الأنشطة الإبداعية الأدبية الفنية وحمايتها ودعم فرصها في مجالاتها كافة..

6- منح فرص التعيين والتوظيف بنسب متساوية للجنسين في مختلف منصات العمل وميادينه..

7- إبعاد شبح السلطة الذكورية بمجال سطوة القيم العشائرية وأشكال السلوك المجتمعي المشوهة الخارجة على القانون ومنع أي دور للكهنوت الديني مما يوضع اليوم فوق سلطة القانون المدني العلماني.

8- كبح جماح السلوك الاجتماعي الماضوي كما في بيع النساء وتحويلهن إلى مسميات الفصلية والنهوة وما شابه في مسمى التزويج وهي شكل من اشكال الرقيق الأبيض وسلوك طريقه..

9- منح فرص التوعية والتثقيف وحملات التنوير المجتمعي بمستويات الإعلام وأنشطة المنظمات والمنتديات كافة..

10- الأجور المتساوية للعمل المتساوي.. والانتباه القانوني الفعلي للضمان الاجتماعي والصحي وإلزامية التعليم المجاني لمرحلة التعليم الأساس..

11- الالتفات ببرامج متخصصة للأرامل والمطلقات وبعموم وحيدات العيش ومنهن من يرعى الأيتام فضلا عن نزيلات بيوت الرعاية وحمايتهن من ظاهرة باتت سلوكا شائنا ثابتا بالاعتداءات عليهن وانتهاك القيم والثوابت الإنسانية.

12- معالجة ظواهر العمل المنزلي وثقافته والعلاقات الأسرية القائمة على التمييز والمصادرة..

13- كبح ظواهر الفصل والتمييز بمختلف ميادين الدراسة والعمل والأنشطة المجتمعية ما يعني تبني ثقافة ذكورية مقصودة المخرجات…

14- تبادل التجاريب والانفتاح على العالم المتقدم ونقل المناسب المؤاتي للاستفادة منه بمختلف ميادين الحياة.

15- يُفترض في المثقف العضوي التنويري أن يعالج ما ينتشر من ظواهر ويخترقها سلبيا بقدر تعلق القضية بالوجود الإنساني المشترك، ما يفرض ضرورة إفراد مساحات كافية للحوار بالخصوص..

16- إن ضم النساء للتشكيلات الميليشياوية وفرض ثقافة العنف والبندقية لا يفتح بوابة مساواة ولكنه يفتح منافذ تكريس ثقافة العنف وبلطجته بوقت يتعارض ذلك وسمة الحركة النسوية في حمل رايات السلام..

17- تكريس ثقافة البكاء والنواح والسلبية والعزيات وفرضها على مدار السنة يمثل ركنا جوهريا في فرض سلوكيات السلبية للمرأة ولمسخ شخصيتها من صانعة الحياة إلى متقوقعة في سجن مصطنع لها لا ينتج إلا الحزن، وهو إضرار بشخصيتها الإنسانية ومصادرة نوعية لها.

18- يحاول بعض (رجال) بخاصة ممن يرتدي الجلباب والعمامة ومن يمثل السلطة الطائفية اختلاق غيتوات ومحابس حتى في مجتمعات الجاليات العراقية المهاجرة وهو أمر يبيح ارتكاب جرائم مركبة ومعقدة ما يتطلب موقفا من منظمات المجتمع المدني ومنها النسوية في مطاردة ما يشاع بحجة التدين ولباس العفة وعلامات ما يسمونها سن التكليف (الشرعي) وما شابه من منظومات قيمية لا تنتمي لدين وخطاب يحترم إنسانية الإنسان ومنه إنسانية المرأة وتتطلب الأمور دراسة الغث من السمين والإيجابي من السلبي في ضوء القوانين المرعية وقيم الأنسنة وإبعادا لاحتمالات الاستغلال وإيقاع الإجحاف بحق المرأة

إن إحصاءات ظواهر الانتحار يسجل لنا مدى الاحباط والانكسار الذي تعاني منه المرأة العراقية والأكثر إجراما أن تُنسب عمليات القتل الصريحة لفعل الانتحار وسجل القتل نفسه في تفاقم مفضوح.. والنسوة يتعرضن لجرائم الاغتصاب ومنه الاغتصاب الجنسي والاعتداءات البدنية وأفعال تحقير والازدراء بمستويات عائلية قرابية وغيرها.. فكيف يمكن قراءة أوضاع المرأة في مجتمع باتت الظواهر المزيفة في ادعاء التدين تتحكم بالمشهد العام!

إنه مما يلزمنا اليوم هو مراجعة برامج رابطة المرأة العراقية والمنظمات النسوية المعنية وتبني ما فيها من استراتيجيات وتفاصيل تتطلب أولوية في حركة المجتمع بأطره الحقوقية بكل معنى الأنسنة والاستجابة للعدل والمساواة في مسارات الحياة.

ولعل قراءة الموقع المتخلف المتدني في التسلسل الذي احتلته المرأة العراقية عالميا لا يعني أنها قاصرة وغير منتجة وعاجزة مشلولة ولكن يعني أنها مصادرة مستلبة محظور عليها العمل والإنجاز وما يطفو من واجهة (تمثيلية) هي محاولة ستر فلسفة النظام لكنها غربال لن يحجب روعة المرأة العراقية ونضالاتها ووعيها وقريبا سيجري التغيير المجتمعي وبناء مجتمع يحتضن الطاقات الإنسانية بلا تمييز من أي شكل ومنه التمييز البائس ضد المرأة…

ولنمضي معا وسويا من أجل خلق وسائل التحرر والانعتاق ….

 

تيسيرعبد الجبار الآلوسي

 

صادق السامرائيالتأويل: إعمال العقل في النص.

التقويل: إعمال النفس في النص، أي تحميله ما ليس فيه أو التوهم بأنه يقول بغير ما يبدو عليه ويحويه.

التعويل: الإعتماد

هذه حالات مأزقية تطغى على سلوك الأجيال وتتسبب بتداعيات مزمنة ومتعاظمة، ولا تزال مجتمعاتنا في دوّاماتها المتعضلة، تدور بعنفوان وتنزف ما فيها من روح الحياة والإنسان، ولا بد من تناولها بجرأة وروحية علمية وعقلية ذات تطلعات حقيقية، بدلا من ركنها على رفوف العواطف والإنفعالات، ورميها في أوعية الأحكام المسبقة القاضية بما لا يَصح في السلوك والأفهام.

أولا: التأويل والتعويل!!

لكل نص تأويل، وللتأويل تعليل، وللتعليل تعويل، والعيب ليس في التأويل، ولكن في الذين يعوّلون على التأويل ويتخذونه شرعة ومذهبا وطريقا منقطعا، ومَفازة متفردة في أصقاع المتاهات البعيدة.

النصوص وخصوصا الفكرية والدينية لا بد لها من التأويل المتوافق مع زمانها ومكانها ودرجات المواعي والمدارك والتجددات، فليس ما كان في زمن الآباء يصلح لزمن الأبناء، وليس ما يصلح في قارة ما يكون صالحا في قارة أخرى، فلكل مكان شروطة ولكل زمان ضوابطه، ولا يمكن الخلط والتوهم بثبات المعارف ومطلق التأويلات والتصورات والرؤى والتفاعلات.

وكل مؤوّل إنما يرى بمنظار ما فيه ولا يمكنه أن يكون متفقا مع آخر، لأن ما يحتوية يتباين مع غيره كتباين بصمات الأصابع، فالمؤول يستعمل عقله ويجتهد في سعيه وتنمية وعيه، وما يقوله قبل ربع قرن قد لا يتوافق معه  اليوم، ولو عاش أي مؤول وتعرض لمعارف غير زمانه لأوّل بأسلوب آخر، لكنه إجتهد وفقا لما يمتلكه من أدووات التمحيص والفهم والتحليل والمعرفة.

والمشكلة تكمن في المعوّلين على التأويل، أي الذين عطّلوا عقولهم وبحثوا عن أسهل السبل فاتبعوا المؤوّلين بإنقطاعية تامة، فتحولوا إلى ورقة بيضاء يكتب المؤول عليها ما يشاء في أي زمان ومكان.

والمجتمعات التي تنتشر فيها الأمية الشاملة تكون مؤهلة للوقوع ضحية في شِراك المؤوّلين، لأنها لا تعرف كيف توظف عقولها ولا تمتلك مهارات معرفية وثقافية ذات قدرات إدراكية حضارية المنطلقات والمحتوى، وإنما تميل للتبعية والإنغلاق والتدحرجية، وعدم الجد والإجتهاد، وتتهيب صعود الجبال، وتحاصرها الأوهام والتصورات المنحرفة التي تأخذها إلى حيث تكون طُعاما لكل أكّالٍ سبيغ.

فالتأويل من ضرورات حياة أي فكرة أو عقيدة ومن الطاقات اللازمة لتعصير دورها، والحفاظ على قيمتها التواكبية وقدراتها التفاعلية المتفقة وآليات عصرها ومرتكزات النماء والحضور الحيّ الوضاء، فكل عقيدة تريد البقاء والإستمرار لابد لها أن تمتلك المؤوّلين القادرين على تحرير نصوصها وتأهيل أفكارها لتتوافق مع زمانها ومكانها.

فالتأويل أوكسجين العقائد والأفكار والنظريات، وبفقدانه تفتقد مقومات الحياة، ويتمكن منها الإندثار ويتحقق فيها الغياب.

ومن عجائب ما يدور في الواقع المجتمعي أن العديد من ذوي المعارف، يهاجمون المؤوّلين ويتجاهلون المعّولين، الذين لا يعرفون إلا إتبع وتتبع، وينهمكون بالجهل اللغوي والمعرفي، ويؤهلون أنفسهم ليكونوا بضاعة رخيصة في مزادات الفئوية والتحزبية والطائفية والمذهبية وغيرها من شرائع الضياع والبهتان، التي تكلفهم خسائر جسيمة وخطيرة.

بينما من واجبهم أن يتوجهوا للمعولين ويتقدموا بتأويلات معاصرة ذات قيمة حضارية وإقتدارية، نافعة للحياة وآليات البناء وصناعة الجديد المتوجب للعزة والصلاح، ذلك أن التركيز على المؤوّل يزيد المعولين عليه تبعية وإصرارا على التمسك والإنغلاق والعزلة في كينونة رؤاه وما سطره في زمانه ومكانه، وبمداد ما إحتواه.

ثانيا: تأويلات وتحليلات!!

مشكلة الإسلام تأويلية تحليلية تفسيرية ذات نوازع وتطلعات ونوايا غير صالحة، بمعنى أن الدين يتم تحريفه وتطويعه لكي يحقق إرادات الكراسي والمنافع الشخصية اللازمة لتثمير المكاسب.

فالمفسرون والمؤولون والمحللون والذين يسمون أنفسهم "رجال دين "، وما يصرحون به " فتاوى"، إنما شأنهم شان الشعراء الذين أمضوا القرون يمدحون ويتكسبون بالمديح ؟

فالذين يفتون وفقا لآليات دينهم هواهم إنما يتكسبون بالفتاوى والرؤى والتحليلات والتصورات، والحيل التي تخادع وتبرر وتمرر الآثام والخطايا وتحلل الحرام، ومعظمهم في دياجير نفوسهم نداء " إعطني ما أريد وسأفتي لك بما تريد"!!

وهذه محنة المسلمين عامة والعرب خاصة، وفي التأريخ أدلة متراكمة تعزز مناهج وأساليب ما نسميه "فتوى".

فكم من حاكم وسلطان وجد معاشر من المتدينين يؤازرونه ويبررون مظالمه، ويتجاهلون جوره وإمتهانه للقيم الصحيحة، فيحرّفون كما يشتهون فيجعلون ما يقوم به هو الدين القويم.

ولازلنا نعيش ذات المحنة في زمن الأحزاب المؤدينة التي ترفع رايات الدين كل حسب ما يراه ويعتقده هو الدين، ورؤية وإعتقاد كل منهم ينبع من أفياض السوء المؤدلج المكبوس في دنيا النفس الدونية الظلماء  السوداء، التي تجعل الأبيض أسودا والأسود أبيضا.

وتزين لهم الباطل ليبدو حقا، وتمرغ الحق في أوحال البهتان والضلال ليرونه باطلا، وهكذا تختلط الصور وتتشابك المعايير ويحترق الأخضر بسعر اليابس، وتتحول بلاد المسلمين إلى خرائب تنعب فيها الغربان، وتجوبها الآفات والوحوش ذات النوازع الإفتراسية الشرسة.

بينما الإسلام واضح ساطع بسيط يسير يخاطب عامة الناس، فهو رسالة لكافة العالمين بفكرة جلية ولغة طرية، خالية من الغلو والتطرف والإسفاف في التعقيد وأهوال التآويل، التي جعلت الدين علة وعالة، وأسست لدور العمامة القعودية، أي التي تستلطف القعود في كهوف وخرائب وأجداث الغابرات، لتكون الحياة موتا والموت حياة.

ويفقد الزمن أبعاده وينحصر في نقطة ماضوية عفنة ذات آليات إستنقاعية مدمرة.

وهكذا تبدو الصورة في عالم كان الإسلام فيه نورا، فأضحى بأعمال الجهلة المرائين السييئين نارا ذات أجيج وفحيح!!

فهل تحوّل الدين إلى حَيْن؟!!

ثالثا: التأويلات الإرهابية للآيات القرآنية!!

"القرآن حمّال الأوجه"

تنتشر في وسائل التواصل الإحتماعي وخصوصا الفيس بوك تأويلات عجيبة غريبة، ومرتبة بأسلوب جميل وجذاب وبمفردات تستهوي الناظر إليها وتوقعه في شباكها، وهي مكتوبة بطريقة مدروسة ومحكمة ومقنعة جدا، ويبدو أن القائمين عليها من ذوي الخبرات السلوكية القاهرة.

ويتم تداولها ونشرها من قبل الكثيرين على أنها تعبيرات من آيات الذكر الحكيم!!

وقد حذر من هذه التأويلات المرحوم الوائلي حتى بحَّ صوته، ولا مَن سمع أو وعى وإقتدى، وإنما أكثرهم يسمعون القول ويحرّفونه أو لا يعونه، وينظرون إليه بنكران وخسران.

ويصلني العديد من هذه التحريفات والتأويلات الزائفة المغرضة الباهية، بطلعتها الجميلة وكلماتها المنمقة وحلّتها الجذابة المغرية، فألغيها وأنكرها، لأنها عسل فيه سموم وسموم لا يعلمها البشر إلا بعد أن تسري في أبدانهم وتساهم في قتلهم وترويعهم، وعندها لا ينفع التحذير من الخطر.

وما يحصل في أصقاع المسلمين منطلق من هذه التأويلات التدميرية التخريبية، التي تحلل القتل والسبي وإغتصاب الحقوق والممتلكات والمحق المروع لما يمت للحياة ويتفاعل معها بمعاصرة وإجتهاد.

ومما وصلني أن ناقة صالح قد عقرها واحد وتواطأ معه تسعة، لكن الصيحة شملت الجميع، ويدخل البوستر الجميل بألوانه ودقة كلماته وبتقديراته لتأثيراتها الفكرية والنفسية والسلوكية، ليستنتج أن قتل الأبرياء والآخرين الذين يمتون بصلة أيا كان نوعها للذي عقر الناقة أمر مقبول وصحيح، وإلا لماذا فعله الله!!

وجوهر الرسالة الكامنة في هذا التأويل الإرهابي، أنك يمكنك أن تجرّم مَن تشاء وكيفما تشاء، يمجرد أن تعلن أن هناك علاقة ما بين أي فاعل وما حوله من الناس الآخرين، وفي هذا القول تبرير لأفظع الجرائم التي حصلت في التأريخ، حتى جرائم هولاكو يمكن تبريرها، وفي الحقيقة هكذا كان يفكر هولاكو عندما قرر قتل مئات الآلاف من البغداديين، دون ذنب إلا لأن خليفتهم حسب منطوقه كان فاسدا وكنّازا للأموال ومبذرا ولم يثوروا عليه أو يوقفونه عند حده، وأن ربه أرسله عليهم لينزل عقابه فيهم.

وهذا يحلل إبادة القرى والمدن، لأن أحدهم هاجم الجيش المعتدي أو المحتل، كما حصل في الحروب العالمية والحرب الكورية والفيتنامية، حيث كانت تباد القرى بسبب أن أحدهم قد هاجم الجيش، أو رمى قنبلة عليه.

وفي واقعنا العربي يبدو أن هذه التأويلات الإرهابية أخذت تبرر وتسوغ وتعزز سلوكيات الكراهية والبغضاء والتطهير العرقي والطائفي، وفقا لما تنتجه الرؤوس المريضة وذوي العاهات النفسية والفكرية التي تأمر بالسوء وسفك الدماء.

وأمام هذه الهجمات التأويلية الإرهابية ذات التدمير القيمي والأخلاقي والديني الشامل، يقف العارفون بالدين وكأن الأمر لا يعنيهم، وأنهم يتركونها لله فهو الذي يتدبر بأحوال عباده ويحمي دينه، وفي هذا عجز ومساهمة سلبية في تعزيز الإنحرافات التأويلية والسلوكيات الناجمة عنها، وما تتسبب فيه من متواليات تفاعلية خطيرة ذات عواقب وخيمة وأليمة، وما تحمله من جرائم ضد الإنسانية!!

رابعا: الكفر والتكفير!!

مبعث هذه الكلمات توارد عدد من المقالات المكتوبة بأقلام مأجورة أو معادية للتأريخ العربي، وهي تسعى للتقليل من قيمة وأهمية الإسهامات العلمية والثقافية للعلماء الذين حملوا مشعل الحضارة العربية، وذلك بتكفيرهم وتحريم النظر إلى علومهم وكتبهم، وهي تستند على قال فلان وذكر علان، وكأن فلان وعلان هما الآوصياء على البشرية والدين، وما هم إلا كغيرهم من الذين حاولوا أن يتعلموا الدين وعلوم الفقه، لكن بعضهم ذاع صيته وصار ما يقوله فصل المقال، وهذا خطأ درجت عليه المجتمعات العربية والمسلمة، مما أضعف قدراتها المعرفية وعطل عقولها وإرادة البحث فيها.

فمن أنت لتكفر غيرك؟

وما هو علمك ومعارفك لكي تقضي ضد غيرك؟

ما هي مسوغاتك وحججك وأدلتك التي تعتمد عليها في هذا السلوك المخاصم لذاتك وموضوعك؟

لو نظرنا للذين يكفّرون غيرهم لتبين لنا أنهم يؤمنون بأن العقل البشري قاصر ونسبي ولا يمكنه أن يحيط بما هو مطلق حسب تصورهم، لكنهم في ذات الوقت يمنحون عقولهم صفة الإطلاقية ويجيزون لأنفسهم تكفير الآخرين، وتنزيه أنفسهم من الكفر، وما يقومون به هو الكفر بعينه.

وهم حَرْفيون أي يتمسكون بحرفية النص الديني وفقا لقولهم بنسبية العقل وعجزه عن إدراك ما هو مطلق، أو ما هو كلام الله وعليه أن يتقبله كما هو ولا يضعه تحت منظار العقل ولا يجوز له التأويل، بمعنى أن النص بما ظهر فيه وليس بما بطن فيه، وبهذا يحرمون أي قول عقلي تجاه النص الديني.

والعجيب في أمرهم أنهم يغفلون أو يتجاهلون سورة واضحة في القرآن هي سورة الكافرون والتي بنصها الحرفي تقول " يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما تعبدون، لكم دينكم ولي دين"

هذه سورة صريحة بنصها الدامغ، ولا تحتاج إلى تأويل أو تفسير، وهي قائلة بوجود الكفر والموقف منه، وخلاصته " لكم دينكم ولي دين".

فلماذا لم يقل ديني هو الدين وعلي أن أمحقكم لأنكم كفرة؟

سيؤولون ويقولون أنها سورة مكية في وقت ضعف الدين وكانت كذلك، فهذا تأويل، وإن قبلتم تأويل هذه السورة فعليكم أن تقبلوا أي تأويل للسور والآيات الأخرى، أما القول بالتمسك بالنص القرآني بحرفيته، فهذه سورة بحرفية ساطعة ودامغة، فلماذا يتحقق الإلتفاف عليها وإغفالها وكأنها غير موجودة في القرآن؟

لنفترض أنت صاحب الحق بتكفير غيرك أو ترى أنه كافرا لأنه لا يتبع دينك، ماذا تفعل تجاهه، إنه موقف واضح مسطور في القرآن ينص على سلوك " لكم دينكم ولي دين"، ولا نريد أن نأتي بآيات أخرى تنص على ما لا يجوز للبشر أن يكفر أخاه البشر، وأن الله يحكم بين الناس فيما كانوا به يؤمنون.

فلماذا لا تدعون البشر ودينه؟

ولماذا لا تعملون بجوهر دينكم وتعبرون عن إنسانية الدين ورحمته بدلا من إلصاق العدوانية وسفك الدماء به؟!!

فهل أنتم تدينون بدين أم تتاجرون بالدين؟!!

وعليه فأن من الواجب الإنساني والمعرفي، أن نصل إلى مرحلة إحترام العقل والرأي والتفاعل الفاضل الرحيم فيما بيننا، أيا كانت عقائدنا وتصوراتنا وتأويلاتنا، ولا بد أن يكون العقل حاضرا وفاعلا فيما نتصدى له من التحديات بأنواعها.

ووفقا لمقتضيات العصر وبديهيات ونواميس الأكوان علينا أن نلتزم بما تفرضه الحالة الزمانية والمكانية، وأن نقرأ الأحوال في كينونتها التي تحققت فيها، لا في حالة أخرى بعيدة عنها، فلا يمكن حشر الذي فات فيما هو قائم وقادم، فلكل كينونة بيئتها التي أوجدتها، والتغيير سنة الحياة، ولن تجد لهذه السًنة الأزلية تبديلا!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد الدعميلا يراودني الشك قط (بعد أكثر من ربع قرن من العمل تدريسيا وقياديا جامعيا في جامعات عربية) بأن “التسييس” هو واحد من أهم المخاطر والمعضلات التي تواجه القيادات الجامعية العربية، ومرد ذلك هو الطبيعة الشبابية الأساس لشريحة الطلبة الجامعيين، حيث تكون بيئتهم (بفضل فئاتهم العمرية الشابة) حسنة الاستقبال للأفكار وللنظريات السياسية على تنوع أصولها ومشاربها وأغراضها.

بيد أن هذه المعضلة تبدو أدنى تهديدا، ولكن أكبر خطورة في حالات الدول ذات الحكومات الشمولية (بمعنى دول الحزب الواحد، أو الحزب القائد)، ذلك أن الحزب أو الجماعة المعتمدة من قبل الدولة هي فقط التي يتم إطلاق أيديها للتحرك العلني بين صفوف الطلاب دون وجل ولا خوف من رقيب أو من جاسوس مدسوس بين الطلبة.

أما الخطورة في هذه الحال فتبقى ملازمةً للجماعات أو الأحزاب التي ترنو لمنافسة “الحزب الواحد” في ميادين الدعاية السياسية والكسب الحزبي: فإذا ما اكتشفت السلطات أمر الجماعة المنافسة، فإنها لا تبخل على هذه الجماعة باصطناع شتى التهم الكافية للإهانات والعنف الفردي والاستدعاء والتخويف والترهيب، من بين سواها من أدوات الكبح واللجم، بل وحتى البتر!

أما في الدول الأدنى شمولية والأكثر تسامحا بالحريات الجامعية والسياسية (مقارنة بدول الحزب الواحد)، فإنها تحافظ على نظرة حيادية للأجواء الجامعية وتقلل من شأن أساليب وأدوات العبث الأيديولوجي أو السياسي مع الشباب الجامعيين والتلاعب بشؤونهم التي قد تعصى على فهم وإدراك حتى القيادات الجامعية. وفي هذه الحال، يجد الطلاب، سوية مع أساتذتهم، هامشا أوسع لأنشطة إبداء الرأي وتبادل الأفكار والتفاعل الفكري. لذا، لا تجد أستاذا يغيّب على حين غرّة بين ليلة وضحاها، كما لا يجد المرء سراديب وغرفا سرية لاستدعاء من يشك في ولائهم للسلطة المركزية. ومع ذلك كله، تبقى البيئة الطلابية الجامعية قوية الامتصاص للحركات السياسية وللأفكار الجديدة على مختلف مشاربها، درجة تحول ميدان الحياة الجامعية الى ميدان للمنافسات الحزبية والفكرية، بدلا من أن يكون ميدانا لكسب المعارف وتبادل الأفكار وللتدريب الأكاديمي الرفيع، خصوصا في مجالات آليات التفكير من التحليل إلى الاستبطان والاستنتاج. لذا، يكون خريج الدراسات الجامعية الأولية على مستوى رفيع من الثقافة بطرائق تفكيره العلمية، وبأساليب تعامله المتحضر مع المشاكل الحياتية والوظيفية في المستقبل. وهذا بكل دقة، ما يقودنا إلى الاستفهام الأهم، وهو: هل وظيفة الجامعة هي خلق الــ”الجنتلمان”، الرجل المحترم والإنسانة المحترمة فقط، أم أن هناك أهدافا أخرى تستحق أن توضع في حساب القيادات التربوية الجامعية، أهدافا أكثر فاعلية وخدمة للمجتمع.

 

د. محمد الدعمي

 

عبد الرضا حمد جاسمكُنتُ انوي ترك تعليق على مقالة الأستاذ الفاضل الدكتور صادق السامرائي: (مؤامرة ولا مؤامرة/المثقف /10/06/2019) لكن عدلت عن ذلك حيث وجدته تعليق طويل... فقررت ان اُعيد ترتيبه ليكون بهذا الشكل.

أسجل الشكر والتقدير والاحترام للأستاذ الفاضل دكتور صادق السامرائي على تطرقه لموضوع نظرية المؤامرة تلك التي تحيط بنا وتربك الكثير من أمور حياتنا على كافة الصُعد الشخصية و"المناطقيه" والعامة عراقياً والعامة عربياً والعامة اسلامياً والعامة عالمياً.

معروف تاريخ استخدام مفهوم (نظرية المؤامرة) او من أطلقها حيث يمكن ان يجد من يبحث عن ذلك ما يريد في أرشيف الانترنيت. ولكن ما اريد ان اضيفه هو انه انتشر اعلامياً بشكل هائل في محيطنا الجغرافي على الاقل عندما اشتدت الحالة لتمرير المؤامرات فبدأ استخدامه في وسائل الاعلام الغربية بشكل كبير موجهاً نحو المنطقة بعد عام1990 أي بعد دخول الجيش العراقي للكويت وتم التركيز عليه ليتلقفه المقصود بتمريره اليهم وهم المثقفين او الكتاب والقراء والناشطين السياسيين ومعهم المجموعات المتملكة للمال والسلطة بأشكالها في الشرق و الغرب العربي والاسلامي وذلك عن طريق العاملين في مراكز الدراسات في الغرب و الشرق من العرب وغير العرب حيث بدأوا بأطلاق عدم ايمانهم بها في مقدمة كل ما يكتبون او في بداية كل مقابله اذاعيه او تلفزيونيه لترسيخ ذلك واشاعة استخدامه و نجحوا في ذلك ليظهر المثقفين العرب وحتى السياسيين منهم سواء من الحكومات او من خارجها وغيرهم يقدمون كل موضوع بإعلان براءتهم من "عار" نظرية المؤامرة  حيث صارت "بسملة" كل فرد منهم ""أنا لا أؤمن بنظرية المؤامرة"" حتى لو كان الحديث عن خطأ حكم مباراة بكرة القدم، خوفا من ان يوصم بانه يؤمن بها، وهذا عار لا يريد ان يوصم به و يرافقه في حله و ترحاله ورزقه و نشاطه  حيث سيكون في منزلة ادنى من زملاءه الغربيين و الشرقيين الذين اطلقوها و نشروها كما يتصور... يقابل قوله هذا مُقابِلُه المعني بابتسامه و انشراح تدخل الطمأنينة الى قلبه، حيث سيعرف انه صار من علية القوم، و هنا تحقق لمن اطلق عدم الايمان بنظرية المؤامرة ما يريد حيث صار الأجير المقابل له سهل الانقياد  وبذلك تخلص "المُطْلِقْ" من حالات الشك التي تراود كل من يتعامل معه ليسهل الطريق له مع تفوق اعلامي كبير ادى الى ترسخ هذا "المفهوم". حيث إذا نطق به "الكبار" "النُخَبْ" وتداولوه لصق على شفاه "الصغار" العامة الذي تربوا على قال فُلان ورد/ عَّلَقَ علانْ وساروا ينشرونه في مكانه وخارج مكانه، في محله في كل محل، في وقته وخارج وقته...

 وكان اول اختبار لها " نظرية المؤامرة" ما تسرب عن لقاء السفيرة الامريكية في بغداد "كَلاسبي" بعد ان شرحت للصحافة ما تيسر لها من لقائها مع صدام حسين قبل ايام من اوامره بدخول الكويت وما تبع ذلك من اكاذيب سرقة حاضنات الخدج (الولادة قبل الوقت المحدد) من مستشفيات الكويت ورسائل التطمين التي حملتها الشخصيات التي التقت صدام حسين والتي وصلت بغداد من سياسيين عرب وأجانب ورجال دين ومسؤولين وغيرهم. اللذين توسطوا لإطلاق سراح الأجانب الذين احتجزهم صدام كدروع بشريه.

 وما سميت بنظرية المؤامرة هي ليست نظرية بالمعنى الدارج العام للكلمة حيث تقبل الدحض والتشكيك حالها حال الرأي والفرضية بل هي أقرب الى النظرية العلمية كما اعتقد حيث تدعمها الحقائق وهي تقدم تنبؤات وتتوقع نتائج او تحدد مسار يوصل الى نتيجة واحتمال تحققها عالي وبُنيت عليها آمال واضعيها والمخططين لها والمنفذين المطبقين لبرنامجها

هي حقيقية في الحياة حققت نتائج هائلة تقترب من اي نظرية علمية وربما تفوق النظرية النسبية فيما حققته... وفي محاولتهم التشكيك بتلك الحقيقة والعمل على الغائها وتحويلها الى وهم قالوا انها نظريه عامة. اي انها مجرد رأي او فرضية اي يمكن ان تكون صح او خطأ أي انها قابله للدحض والتشكيك والمناقشة التي لا تنتهي بين ادلة اثبات وادلة النفي وهذا يعني ان مجال الشك بوجودها وتأثيرها وارد ويمكن انتقادها وتفنيدها ومن ثم نفيها وربطها بالضعف والتخلف عن الركب و عدم القدرة على الانتصار او النجاح لخلل عميق في التكوين الشخصي و الوطني و القومي و الديني بالتالي يشاع عدم الايمان بها او يعمل على نشر ثقافة عدم الايمان بها ليسهل تمرير كل المؤامرات وتمرير نتائجها واثارها وتقبل الاخر لما تسفر عن تلك المؤامرات من اضرار وخسائر. وهذا الذي حصل وأنتج ما نحن فيه/عليه اليوم...فلا تقول احتلال العراق مؤامرة ولا تقول ان صفقة القرن مؤامرة ولا تقول ان سيطرة داعش على أكثر من ثلث مساحة العراق وسوريا مؤامرة ولا تقول ان "الربيع العربي" مؤامرة ولا تدمير سوريا مؤامرة ولا تدمير ليبيا مؤامرة ولا تقطيع الخاشقجي مؤامرة...

فلا تشك ولا تسأل ولا تفكر ولا تحلل فكل شيء جاهز وخلاف الجاهز هناك وصمة العار أي ايمانك بنظرية المؤامرة. "خلي راسك بارد ولا تدوخ نفسك وهاي قسمة ونصيب وما قدر الله فعل والداء فيكم وهذا من ضعف الايمان...الخ من مثل هذه الاقوال"

وقد استطاع الاعلام ودوائر المخابرات أطلاق الكثير من المفاهيم التي ارادوا ترسيخها في عقل السياسيين والكتاب والمواطنين العاديين ليتسنى لتلك الدوائر تنفيذ ما تريد ويريدون من إطلاق تلك المفاهيم ومن الامثلة على ذلك ما اُطلق عليه مناطق حظر الطيران في العراق جنوب وشمال العراق لحماية الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب بعد احداث 1991 وخروج الجيش العراقي مهزوما من الكويت وتم التركيز ليتلقفها المثقفين والسياسيين في كل العالم ومن كل المدارس الفكرية من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ورددوها وبنوا عليها لتعتبر بعد ذلك واقع مررت من خلاله كل مخططات تفتيت وتدمير العراق (شمال كردي ووسط سني وجنوب شيعي) ونسوا ان اكثر الشيعة هم في وسط العراق(كنا هنا نعاني وحتى يتم التشكيك بما نقول عندما نخبر البعض من الاوربيين و حتى العرب ان مراقد الشيعة هي خارج خطي العرض 32 و36 وعندما نقول لهم ان اكثر من نصف سكان بغداد العاصمة هم من الشيعة وفيها احد مراقدهم المهمة/الكاظمية...وعدد الاكراد في بغداد ربما اكثر من 10%من الشعب الكردي).

وبعد عام2003 اطلق الاعلام الذي تواجد في العراق مفهوم(دولة الرئيس) على رئيس الوزراء ورئيس البرلمان وهذ المفهوم غير متداول قبل ذلك في العراق أطلاقاً ليتلقفه الصحفيين العراقيين ويتمنطقون به معتبرين ذلك جزء من تطور قدراتهم لينتقل الى السياسيين واصبح هو السائد حتى ان احد الصحفيين العراقيين خاطب رئيس العراق الراحل جلال طالباني بقوله سيادة دولة الرئيس فأجابه انه رئيس جمهوريه وليس دولة الرئيس التي تطلق على رئيس الوزراء.(هذا مثال على تلقف الضعفاء ما يطلق امامهم من فقاعات او مفاهيم وكيف يتحول ذلك الى الاستعمال اليومي حتى عند عامة الناس).

وعندما تسأل عن محاولات اثارة المشاحنات الطائفية في المنطقة تسمع الكثير من المعلومات عن الجهات والاتجاهات والفاعلين والممولين والمتطوعين والفقه الذي يثير تلك الأمور ولا تسمع عن مؤامرة. وعندما تسأل عن استهداف الكنائس ومحلات الصابئة في العراق يقولون انها خطه لتهجير السكان الاصليين وسرقة املاكهم كما حصل عند منتصف القرن العشرين مع اليهود في العراق وغيره. هنا فقط يقولون انها خطه ولم تسمع منهم في كل ما قالوا ان في ذلك الذي جرى ويجري ولو 1%منه مؤامرة. لأن المؤامرة في خزينهم العميق هي من الغرب على العرب فقط لذلك يعللون البراءة من الايمان بها.

لا اقصد بان المؤامرة غربيه فقط كما رَسَخَ في أعماق الأغلبية و لو أن اكثر المؤامرات منهم ،انما اقصد انها موجوده ومستخدمه بدقه وبكثره لذلك تراها على كل الألسن وبكل اللغات وبكل العصور والازمان ولكن توقف التفكير او توجيه التفكير بها باتجاه محدد هو الغرب وهو ما يثير الشكوك.

ان الإشارة الى وجود المؤامرة أو الايمان بوجود المؤامرة لا يُقصد به  ضرب مصالح الغير أو منعهم من تحقيقها وانما يقصد به التحسب لخططهم في تحقيق مصالحهم تلك ومواجهتها بالعمل والتفكير وحتى التواصل مع "المتآمرين" ومناقشتهم لتفهم اسباب حياكتها وليس اللطم والتباكي كما يتصور البعض، لأن "المتآمرون" عندما لا يجدون من يعرف كيف يدير تلك النقاشات او من يتحسب او إذا لم تكن هناك خطط تواجه خططهم...سيفرضون ما يريدون وبذلك تتحقق المؤامرة في تفسير العامة من ان الأخر غدر أو استخدم الحيلة او استغل عدم الفهم او استغل الضعف والتشتت.

أي شخص عندما يشعر بوجود شيء يحاك ضده سيدفعه ذلك الى التحسب وتحسين اداءه والانتباه والتفكير به وفرز العناصر ليحدد مصدر تلك الاخطار ومن ثم يتهيأ لها  و يجهز ما يلزم وربما مما يلزم هو مراجعة الذات لمعرفة ماذا دفع الغير لمحاولة الايذاء او التآمر فربما تصرفات او افعال مشينه قام بها الشخص نفسه ادت الى ان يحفز الاخرين عليه ليتم له اصلاح ما يمكن وربما طرق باب الغير للاستفسار والتوضيح والتصالح وازالة الغموض والشكوك والعيش بأمان

وهذا ينسحب على الدول والمجتمعات وهكذا ترى ان المبعوثين يتنقلون في كل مكان والوسطاء ولقاءات الحوارات والمفاوضات التجارية والسياسية تجري في كل مكان في العالم لجس النبض و معرفة ردود الأفعال و تحديد نقاط الضعف و القوة عند المقابل.

لكن عندما تقول لشعب ان لا عدو امامك يحيك لك ما يحقق به مصالحه وان تخلفك هو فيك ومن جذورك العميقة دينيا واجتماعياً تثير الشكوك فيه والحيرة وهو مؤمن مما كنز من معلومات انه مسالم ومشارك ومساهم في الحضارة...هنا انت تدفعه للجنون والاعتكاف والانطواء والتخلف والشك بالجميع و الانكسار وربما سلوك طريق العنف في محاولته للدفاع عن نفسه وهنا الخطورة من التثقيف بعدم الايمان بنظرية المؤامرة او محاولات تحديد اتجاهاتها بشكل ضيق.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

زينب فخريأشرنا في مقالة سابقة إلى مخاطر الهواتف الذكية وأنها وسيلة فتاكة للحرب الناعمة، واستكمالاً لما ذكرنا نعرج إلى الفضائيات ودورها في هذه الحرب غير المعلنة..

وقبل البدء أوجز مفهوم الحرب الناعمة؛ فكما هو معروف عند المحللين والخبراء السياسيين أن المُنظّر الأمريكي جوزيف ناي هو أوَّل من استعمل مصطلح "القوة الناعمة" عام 1990. واستعمله مكرراً في كتبه، منها "القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية" الصادر عام 2004، والمؤلف ليس مجرد مفكرٍ أو محلل سياسي، فهو عميد كلية كيندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، وكان رئيس مجلس المخابرات الوطني ومساعد وزير الدفاع في أميركا.

وعلى وفق رأي الكاتب "جوزيف ناي"، فإن "القوة الناعمة" وسيلة النجاح في السياسة الدولية، وهي سلاح مؤثر يحقق الأهداف عن طريق الجاذبية والإقناع بدل الإرغام أو دفع الأموال، وموارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته إذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية، وقيمه السياسية عندما يطبقها بإخلاص داخلياً وخارجياً.. كما يوضح الكاتب "جوزيف ناي" في كتاب "القوة الناعمة" أن حسم الصراعات بالقوة العسكرية وحدها أصبح أمراً من الماضي خاصة أن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكل عائقاً كلما حاولت الولايات المتحدة شن حرب جديدة، ويدعو إلى اعتماد استراتيجية القوة الناعمة لضمان حلفاء ليس من الحكام فقط بل من شعوب المناطق التي تريد أمريكا فرض سيطرتها عليها بشكل ما.

وهذا ما دفع البعض إلى أن يطلق على هذه الاستراتيجية (حرب ناعمة)، أو هي بمثابة (إعلان حرب)، ومنهم الكاتب والباحث اللبناني فريدريك معتوق.

والحرب الناعمة بالتأكيد لها أدواتها ووسائلها، ويمكن القول بإيقان تام أن الإعلام والهواتف الذكية يعدّان الوسيلة الأخطر والأشد فتكاً بالجهات المستهدفة.

وسأفرد هذه المقالة للفضائيات فقط.

المتابع لمختلف الفضائيات يلحظ أنها تعرض وبشكل متكرر، وفي أوقات تكون ثابتة ما يلي:

أولاً: أفلام ومسلسلات أجنبية أو مدبلجة، وتتمحور حول المواضيع الآتية:

الجنس: إذ لا يخلو فيلم أو مسلسل من مقطع جنسي، إن لم نقل مقاطع التي تعرض المرأة كمادة للجنس والابتذال!

وهذا أوضح دليل على الازدواجية الغربية، فهي تطبل لحقوق المرأة، وفي الوقت نفسه تنتج وتنشر أفلاماً تظهر فيها المرأة كحيوان جنسي!

الخيانة: تمحورت مؤخراً المسلسلات حول ثيمة واحدة هو الخيانة، ليس خيانة الزوج؛ فذلك موضوع بات قديماً مستهلكاً، بل خيانة الزوجة.. وتكراره يفضي بالتأكيد لجعله أمراً اعتيادياً، مقبولاً!

العنف: الكثير من الأفلام الهوليودية والمسلسلات تحوي مشاهد عنف وقتل بدمٍ بارد، وبعد سلسلة أفلام أظهرت القاتل بمواصفات خاصة للتعاطف معه؛ فهو الوسيم والمفتول العضلات ومعشوق البطلة الجميلة، بدأت موجة أفلام عن الإتجار بالبشر، لتعرض طرق تقطيعهم في مختبرات أو أماكن خاصة، وكيفية الحفظ والتهريب بل ليس بمستغربٍ أكل بعض قطع الجسم؛ فبذلك انتقلت الأفلام الهوليودية من الخراب المادي إلى الخراب القيمي!

أفلام الديستوبيا: هي أفلام مستمدة من الأدب الديستوبي Dystopia (أي أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير، أدب خيالي يصور المستقبل بصورة سوداوية ونظرة تشاؤمية، يعمّه الفساد أينما كان وتنتشر به الفوضى والاستبدادية، يحكمه نظام شمولي يسيطر عليه الشر بجميع أشكاله وأنواعه)، وأغلبها ذات رسالة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تنتهي بإيحاء أن منقذ البشرية الوحيد هي أمريكا!

إدمان الخمر وتعاطي المخدرات: التي غدت من المقاطع الشائعة جداً في الأفلام الأجنبية إن لم نقل العربية أيضاً، للقبول بها وترسيخها كأمر اعتيادي يمكن تقليده.

ثانياً: البرامج السطحية: وما أكثرها! ومنها تلك التي تتناول الموضة والمكياج وآخر تقليعات قص الشعر والمطبخ، وانتهاءً ببرامج تستضيف "خبراء" لنقد فساتين النجوم في مهرجانات توزيع الجوائز!

ثالثاً: الرسوم المتحركة: التي ما زلت تستهوي الصغار، إذ تشير الدراسات إلى أن أكثر من 90% من الأطفال ما زالوا يتابعون التلفاز ويتأثرون بالصورة والحركة!

وكان الانطباع السائد أنّها مجرّد وسيلة للترفيه البريء الموجَّه للأطفال؛ لذا هي لا تحتاج إلى رقابة أُسريّة ومؤسساتية ولكن، يبدو أنّه صار لزاماً على الأهل إعادة النظر في قناعاتهم تلك، فالأفلام الكرتونيّة التي تبثّها محطّات فضائيّة خاصّة على مدار الساعة، (التي أغلبها من انتاج والت ديزني تلك المؤسسة التي أصبحت عالماً بحدّ ذاتها)، لم تعد بمجملها تحاكي البراءة المفترضة لدى الأطفال. ففي السابق، كانت الرسوم المتحرّكة تعرض قيم الخير، التفاؤل، والصبر، بينما يُشار اليوم إلى أنّ فيها الكثير من قِيَم إلغاء الآخر، الحريّة المطلقة، العنف، واعتماد الطرق الخاطئة في الوصول إلى الأهداف، من قبيل الغشّ، السخرية، الكذب، المكائد وغيرها فضلاً عن تقديم صورة مشوَّهة عن الله والدين، والإكثار من الترويج للسحر والشعوذة بوصفهما من أنجح الطرق لبلوغ الغايات. وهذا ما يستدعي التعامل معها كإحدى أهمّ الوسائل الحرب الناعمة التي ستدفع الأجيال المستقبليّة نحو المزيد من الاضطراب العقائديّ والمجتمعيّ والنفسيّ.

رابعاً: برامج هدفها التسقيط وإثارة الفتن الدينية والمذهبية والمجتمعية؛ التي هي بلا شكّ من أهدف الحرب الناعمة.

ويبقى دور الفضائيات الرصينة والجادة في المساهمة في ايجاد سبل لمواجهة هذه الحرب غير المعلنة على قيمنا وسلوكنا ونمط تفكيرنا بتخصيص مساحات أكبر للبرامج الثقافية وتلك التي تحتفي برموزها الوطنية وذات الأثر وتكريس أوقات أطول للبرامج الوثائقية والرياضية ودعم انتاج مسلسلات وأفلام تاريخية وذات مغزى ودلالة إنسانية.

ولا ننسى أثر الأسرة، الأهم، في متابعة ما يشاهد داخل فضاء البيت للمحافظة على أبنائها من الانحراف وترسيخ مفاهيم لا تمت للموروث الثقافي والقيمي بصلة وايجاد بدائل فعالة للترفيه والتسلية.

 أما واجب المؤسسات الحكومية فهو أكبر بكثير ممَّا ذكر، ولم نرَ له أثراً في هذا الشأن، باستثناء بحوث وإشارات خجولة هنا وهناك، ويجدر بها أن تقوم بدورها في الرقابة والمتابعة لما ينشر ويعرض للمحافظة على المنظومة القيمية والاخلاقية للمجتمع العراقي، وهذا يتطلب سنّ قوانين تعاقب وتجرم القنوات المحلية المسيئة الباذلة استوديوهاتها ووقتها وومالها لتلك المنتجات التخريبية، سواء على مستوى الانتاج أو العرض. أما الفضائيات الإقليمية والعالمية فتكلف وزارة الاتصالات للقيام بكل ما من شأنه توفير الحماية للمجتمع العرقي، وكذلك تقوم وزارات الثقافة والسياحة والآثار والتربية والتعليم العالي والرياضة والشباب ومديرية الشرطة المجتمعية بحملات توعية وتثقيف بمخاطر هذه الفضائيات اعتماداً على بحوث ميدانية وتطبيقية وأرقام مستلة من بيانات استقصائية.

 

زينب فخري

 

محمد صالح الجبوريالكتابة فن من الفنون، يجيدها من يعشق الحرف الجميل، وتسحره الكلمات، التي تثير مشاعره وإحساسه، الكلمات تُسكر العقول بلا خمر، حبها أبدي مادام إليراع ينبض، شاعر وصف محبته هي حالة سكر دائم (سكران بمحبتك مايوم أنا صاحي)، خمره (المداد)، سلم المداد الذي يسكر العقول بكلماته الراقية، الكاتب يسعى إلى نشر الافكار المفيدة في المجتمع التي ترقى به نحو السمو والرقي والرفعة،  تنهض به نحو المجد والزهو، نحو حاضر ومستقبل جديد يستمد عاداته وتقاليده من ماضي الأجداد وحضارتهم وبطولاتهم، الكاتب يختار الارقى والأجمل ويرتقي إلى الأبداع، (إدخال الأفكار السامة إلى العقول يفسدها كإدخال الطعام الفاسد إلى المعدة)، الكاتب يحتاج إلى إعداد الموضوع وصياغة عباراته، وضبط كتابته وقواعده، القراء يفضلون الكاتب الذين يجدون في كتاباته متعة واسلوبه متميز، ينقلهم في رحلة ممتعة وافكار جديدة، الكتابة مثلها (كمثل الطبخ) مواد الطبخ متوفرة في الأسواق، لكن الاعتماد على مهارة الطباخ تجعل الأكل طيباً لذيذاً شيهاً، وكذلك (أحرف اللغة العربية) متوفرة لدى الجميع،الكاتب هو الذي يصيغ الكلمات ويرتبها بقلمه وأفكاره، نحن بحاجة إلى أقلام واعية، لها قدرتها على الإبداع، والنهوض بالواقع الثقافي نحو الأفضل في عالم تتصارع فيه الافكار والنظريات، هناك مدارس في الكتابة، لكن يبقى الميدان اختبار لفرسان الكلمة واليراع، تحية للكتاب في كل مكان، وسلم إليراع ودام نبض المداد.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

 

هادي جلو مرعيعندما لا تشعر بالسعادة، وتجد إنك محاصر بالحرمان والبطالة والضياع وغياب الأمل، فذاك أمر صعب، ولكن عليك أن لا تنتحر، وإنتظر قليلا.

تحدث رجال دين عراقيون عن ظاهرة الإنتحار المقلقة في البلاد في الفترة الأخيرة، وكان آخرهم ممثل المرجعية الدينية في النجف التي تعود الناس أن يستمعوا الى تدخلاتها الدينية في اللحظة التي تشعر فيها إن الأمر بالفعل خطير للغاية، ولايمكن السكوت عليه، ولايبدو إن المتحدثين لديهم رؤية للحل، أو إنهم يستطيعون وضع أفكار مهمة تتلخص في التعريف بالظاهرة وسببها، وماهو الحل الذي يوقف الرغبة المتزايدة بالإنتحار بين الشبان والشابات والنساء بطرق مختلفة، ويدور الحديث حول التحذير، بينما يواصل المنتحرون محاولاتهم البائسة للتخلص من حياتهم التي لايستطيعون مواصلتها.

أسباب الإنتحار عند النساء ليست مشابهة تماما لتلك التي لدى الرجال الذين يبدون أكثر صمودا وقدرة على المناورة، ومواجهة تحديات الحياة، بينما لاتتمكن النساء من إحداث إختراق مهم في حواجز التقاليد والعادات والظروف القاهرة، والرغبة في تكبيلهن تماما، ومنعهن من تحقيق الذات، والبقاء في دائرة التبعية للرجل، والإستسلام له، وفي حالات عدة تم تشخيص أسباب إنتحار سيدات وشابات على إنها تافهة للغاية، ولايمكن القبول بأنها السبب الرئيس الدافع للإنتحار، ولكن ذلك لايبدو مقنعا أيضا. فالنساء في تعاطيهن مع الحوادث يختلفن عن الرجال كثيرا، عدا عن أن السبب الذي نجده تافها يراه غيرنا أساسيا.

المرأة المخنوقة ليست كتلك التي تمتلك بعض الحرية، والعاطل عن العمل ليس كمن يمتلك الملايين، ولديه وظيفة محترمة،  ودخل مالي شهري يحميه من عوادي الدهر، والوزير ليس كمثل عامل النظافة، والبرلماني ليس كالموظف الكحيان في أمانة بغداد، والفلاح الذي ينظر الى عصابات منظمة تحرق محصوله الذي ينتظره منذ عام ليس كالتاجر الذي يستورد الحنطة، ويحصل على ملايين الدولارات كأرباح صافية.

القهر والإذلال، والشعور باللاجدوى من الحياة، والبطالة وغياب الحلول للمشاكل كلها عوامل تهيء الأجواء ليأس مطبق، عدا عن الضجر من الحياة، فهناك من ينتحر بعد أن تحقق له كل شيء في هذه الحياة من مجد وشهرة وأموال، وقد كتبت الفنانة الإيطالية داليدا ورقة وجدت عند رأسها تقول فيها، عذرا أصدقائي فالحياة لم تعد تطاق، بينما كانت فنانة مشهورة يركض وراءها الفرنسيون من ساسة وفنانين ومصممين ومخرجين وصحفيين، وكانت تملك سكنا وعملا وزوجا، وربما عشيقا، وفي المقابل لم ينتحر فنان مغمور، ولاصحفي طردته إدارة القناة من العمل بحجة عدم توفر الأموال اللازمة، وهناك آلاف الشبان يخرجون للعمل صباحا ولايحصلون على شيء، ولكنهم لايقدمون على الإنتحار.

فراغ الروح من الإيمان، وعدم مخافة الرب، وإنعدام الأمل بالتغيير والغد، أسباب مهمة  في هزيمة الذات، والشعور بأن الخسارة أكبر من أن تحتمل، وعندما يكون الضجر سببا في الإنتحار فذلك طامة كبرى، ولكن يجب الإلتفات الى أسباب الظاهرة، ومحاولة معالجتها من خلال توفير فرص عمل للعاطلين، وتحسين ظروف المعيشة،  فالعراقيون لايشعرون بالسعادة، وهذا سبب كاف للرغبة في الخلاص من الحياة المرة، والإلتحاق بالموتى.

 

هادي جلو مرعي

 

فتح رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور حيدر العبادي النار على سلفه وأمين عام حزبه نوري المالكي في الذكرى السنوية الخامسة لسقوط أم الربيعين  بأيدي تنظيم داعش الإرهابي، الذي احال ربيعها خريفاً طويلا جثم على صدور أهلها أربع سنوات قبيل تحريرها، بفضل فتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني وتضحيات القوات العراقية الباسلة بمختلف صنوفها  وحسن إدارة العبادي لمعركة التحرير والبلاد.

فقد كتب العبادي على صفحته الشخصية في ”الفيسبوك“ واصفا يوم العاشر من حزيران ب“تاريخ دم واسترقاق وظلامية“ ومعتبرا إياه كذلك تاريخ إنهزام ”بفعل سوء الإدارة والفساد والفوضى“ على حد قوله، الذي طبع فترة حكم المالكي إذ جثم على كرسي رئاسة الوزراء لمدة ثمانية أعوام، ولم يغادره إلا بعد أن سلّم العراق للعبادي وثلثه محتل والآلاف من أبنائه منحورين بسيف الضلالة الداعشي، وعشرات الآلاف من نسائه سبايا، والخوف والرعب يسري في أرجائه كسريان النار في الهشيم، وبعد أن تبعثرت ألف مليار دولار في عهده كان منها 360 مليار دولار لا يعرف أحد أين سلكت طريقها بحسب تقرير اللجنة المالية في البرلمان.

سقطت الموصل الحدباء في العام الذي بلغت فيه موازنة العراق 147 مليار دولار حتى وصفت بالإنفجارية التي لم يكن لها نظير في تاريخ البلاد وحتى في زمن هارون الرشيد الذي كان يخاطب الغيمة قائلا: أين ماتمطرين سيأتيني خراجك. إذ وقف المالكي مطلا من قصره المحصن في المنطقة  الخضراء مخاطبا أرض العراق : أين ما تخرجين نفطك فسيأتيني خراجك لأشتري به الضمائر والأقلام ومجرمي البعث والحماية والدعم الخارجي من اي كان ليكونوا عونا لي لولاية ثالثة ورابعة حتى أسلم الراية لوريثي من بعدي.

عشعش الفساد في عهده في كل زاوية من ربوع العراق فكان حائلا دون إعمار البلاد وحل أزماتها المستعصية وامام بناء جيش قوي فكانت الفوضى الإدارية تضرب أطنابها في أرض الرافدين، حتى عجز جيشه المليوني عن صد بضع مئات من الدواعش الذين تدحرجوا ككرة الثلج التي وصلت الى مشارف بغداد وكادت أن تكتسحها، لولا تلك الشيبة المباركة التي استجابت لندائها الجماهير المحرومة والغيورة مضحية بالغالي والنفيس من أجل تحرير الوطن وإستئصال ورم داعش السرطاني من المنطقة.

لكن المالكي لم يحمل نفسه اي مسؤولية في سقوط الموصل بالرغم من انه كان الحاكم المطلق للعراق فهو رئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزيرا للدخلية وللدفاع! لم يسأله أحد أين الجيش والقوات الأمنية التي أنفقت عليها عشرات المليارات في عقود فاسدة لإستيراد الأسلحة، أو في قوات عسكرية فضائية لازال الآلاف منها فضائي حتى اليوم!  ولو حصل هذا في أي بلد لدى قادته شيء من الكرامة لبادرت كامل حكومته ورئيسا الى الإستقالة! لكن ما حصل بعد ذلك لا يخطر ببال إنسان بل ليس له مثيل في التاريخ المعاصر الا في زمن المقبور صدام!

إذ لم يكتف المالكي بعدم المبادرة لتقديم الإستقالة ولكنه بذل المستحيل للإحتفاظ بمنصبه لولاية ثالثة! في مسعى يكشف عن مدى استخفافه بالعراق وبشعبه وبدماء آلاف الشهداء وخاصة شهداء سبايكر ولا بآلاف النساء المغتصبات! وبمدى حبه لكرسي الحكم الزائل. وفي ذلك تكرار لما كان عليه صدام حسين الذي لم يبادر بعد هزيمته الكبيرة في الكويت الى التنحي حفظا لماء وجهه ولكنه ظل متشبثا بذلك الكرسي، وكذلك فعل المالكي الذي لم يتأسى حتى بجمال عبدالناصر الذي قدم استقالته بعد نكسة حزيران، حتى أقصته تلك الشيبة المباركة التي بادرت لإنقاذ العراق.

وأما حجته الواهية في كل ذلك فهو إداعئه أنه تعرض لمؤامرة كونية!  وكأنه ”لي كوان يو“ باني نهضة سنغافورة الحديثة! أو مهاتير محمد الذي نهض باقتصاد ماليزيا، حتى خشيت الدول الشريرة من تكرار هذه الظاهرة على يد المالكي فبادروا لإجهاضها في مهدها!  وخاصة بعد ان احاط المالكي نفسه بجيش من المستشارين من أصحاب الشهادات المزوّرة وبعد أن أبعد الكفاءات العراقية امثال سنان الشبيبي والمرحوم الجلبي ومظهر صالح والعشرات من امثالهم وأستعاض عنهم ببهائم لاتفرق بين الناقة والجمل بل تقرأ الديك حمار أو صخل! أو لأن العالم خشي القدرة العسكرية التي بناها بعقود السلاح الفاسدة من أن تنتج صواريخا  تحمل رؤوسا ”خرائية“ تزكم رائحة إنفجارها الأنوف لشدة فسادها.

لقد وضع العبادي بهذه الكلمات النقاط على الحروف وألقم كل من برّأ المالكي من هذه المأساة حجرا، من سياسيين وحزبيين وأقلام مأجورة لا تجيد سوى التطبيل ولا ضير إن كان لحزب البعث او للدعوة أو للكاولية او لخناجر الإرهاب الداعشي، فالمهم الدراهم التي يرميها لهم من ثروات العراق المنهوبة التي تكدّست في خزائن الدعاة الى الفساد والجهل والتخلف من المتسترين خلف قناع الدعوة الى الله والله والدعوة منهم براء. ولكن هل تكفي هذه الكلمات لإسدال الستار على واحدة من اكبر الكوارث التي شهدها تاريخ العراق الحديث؟ ام لابد من محاسبة جميع الفاشلين والمقصّرين والفاسدين الذي شاركوا في هذه الجريمة الكبرى؟ المنطق والأخلاق والقانون يقول نعم! ولكن مافائدة ذلك في بلاد تصدرت دول العالم في الفساد والفوضى وغياب القانون حتى اصبح المجرمون والفاشلون والفاسدون قادتها فمن سيحاسب من؟

 

ساهر عريبي

 

امجد الدهاماتذات مرة قال الرئيس (ابراهام لنكولن) عن الديمقراطية انها: "حكومة من الشعب ويديرها الشعب من أجل الشعب"، وبما أن المواطنين بمجموعهم لا يمكن أن يصبحوا حكومة، تم اختراع آلية الأنتخابات التي تقوم على فكرة قيام عموم الناس بتفويض بعض افرادهم للحكم نيابة عنهم، ولكي تتم هذه الأنتخابات لابد أن يُنظم الشعب نفسه على شكل كيانات سياسية تُسمى أحزاب يُشارك من خلالها بالأنتخابات، وعليه فأن وجود الأحزاب ضرورة في أي بلد ديمقراطي لأنها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة وتداولها.

لكن هناك من يدعو لمنح السلطة إلى حكومات تكنوقراط غير سياسية بغض النظر عن نتائج الأنتخابات والأحزاب الفائزة فيها، فهل هذا ممكن؟ ومتى يتم تشكيل حكومة تكنوقراط في أي بلد؟

نعم، شهدت بعض الدول هذا النوع من الحكومات، وسأذكر ادناه بعض الأمثلة:

بنغلاديش: كان الدستور قبل (2011) ينص على تشكيل حكومة مؤقتة من التكنوقراط قبل إجراء أي انتخابات عامة، تحكم لمدة (3) أشهر تشرف خلالها على الأنتخابات ثم تسلم السلطة إلى الحزب الفائز، ففي (تموز 2001) شكّل الحكومة رئيس مجلس القضاء لطيف الرحمن وفي (كانون الثاني 2007) شكّلها محافظ البنك المركزي فخر الدين أحمد.

إيطاليا: بعد الأزمة المالية وإستقالة حكومة (سيلفيو برلسكوني)، تشكّلت حكومة تكنوقراط (تشرين الأول 2011) برئاسة الخبير الاقتصادي البروفيسور (ماريو مونتي) وتمتعت بدعم الأحزاب الممثلة بالبرلمان، لكن هذا الدعم لم يستمر طويلاً فقدمت استقالتها في (نيسان 2013).

لكن عندما كُلف الخبير المالي البروفيسور (كارلو كوتاريللي) في (آيار 2018) بتشكيل حكومة تكنوقراط فشل في كسب دعم الأحزاب وخاصة حزب الرابطة وحركة خمس نجوم فقدّم اعتذاره عن تأليفها.

اليونان: بعد أزمة اقتصادية وانتخابات غير حاسمة فشلت الأحزاب بتشكيل حكومة توافقية، فكلّف رئيس الجمهورية (آيار 2012) القاضي (بانايوتيس بيكرامينوس) برئاسة حكومة تكنوقراط، ضمّت (16) أستاذاً جامعياً، لحين اجراء انتخابات جديدة.

تونس: بعد الازمة السياسية الناتجة عن اغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد اقترح رئيس الوزراء حمادي الجبالي تشكيل حكومة تكنوقراط في (شباط 2013)، لكن الأحزاب رفضت الفكرة وخاصة حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية فقدّم استقالته.

لكن بعد الحوار الوطني تم الاتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة مهدي جمعة (كانون الثاني 2014) تقود البلد لغاية إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.

أذن يمكن الاستعانة بحكومة من هذا النوع عندما يمر البلد بظروف استثنائية، اما في الظروف الطبيعية فتكون الحكومة السياسية هي الأنسب والأصلح لقيادة الدول لأنها تمثل الشعب ومنبثقة عنه وتساهم في تراكم العملية الديمقراطية، ثم إذا كان الوزير هو: "الرئيس الأعلى للوزارة ويتولى رسم السياسة العامة لوزارته في ضوء ستراتيجيات عامة تضعها الحكومة في بيانها الوزاري المنبثق من البرنامج الأنتخابي، أي انه قائد فريق عمل الوزارة المسؤول عن وضع خطط عملها لتطوير اختصاصها بما يقدم أفضل خدمة للمواطنين"، فهذه مهمة سياسية بأمتياز ويؤديها السياسيون، وأن كان الأفضل ان يكونوا من المختصين في مجال عمل وزاراتهم.

لكن هل يحق للأحزاب أن تسحب دعمها أو لا تدعم من الأصل حكومة التكنوقراط؟

في اعتقادي أن الجواب هو (نعم)، والسبب هو: أن الأحزاب شاركت بالأنتخابات وفق برامج انتخابية تشمل الموضوعات التي تهم الشعب، وتم انتخابها من قبله لإقتناعه بهذه البرامج، وبذلك تكون هي الممثل الشرعي للمواطنين وتعبّر عن رغبتهم بتنفيذ هذه الخطط، وبذات الوقت تكون الأحزاب ملزمة بتنفيذ تلك البرامج كونها تمثل عهداً قطعته لناخبيها، والطريق الوحيد لتنفيذ وعودها هو الحكومة لأنها الجهة الوحيدة دستورياً القادرة على وضع الخطط على ارض الواقع، بينما لا يستطيع البرلمان فعل ذلك لكونه سلطة رقابة وتشريع.

إذن متى يتم الاستعانة بالتكنوقراط والاستفادة من خبراتهم؟

اعتقد من الممكن الاستفادة منهم في مواقع مهمة كثيرة في الدولة، مثل: وكيل وزارة، رئيس جامعة، رئيس هيأة، مدير عام، مستشار، معاون مدير عام، وغيرها، أن هذه المناصب تُعتبر عماد الدولة وعمودها الفقري، كما يمكن أحياناً تطعيم الحكومات السياسية بوزراء خبراء عند الحاجة، وهذه بعض الأمثلة:

تونس: حكومة علي العريض (آذار 2013) ضمّت وزراء تكنوقراط مثل وزير الخارجية عثمان الجرندي.

إيطاليا: حكومة (انريكو ليتا) في (نيسان 2013) ضمّت (4) وزراء تكنوقراط أهمهم وزير الاقتصاد (فابريتسيو ساكوماني).

اندونيسيا: حكومة الرئيس (جوكو ويدودو) في (تشرين الأول 2014) فيها العديد من الوزراء التكنوقراط أبرزهم الخبيرة الاقتصادية وزيرة المالية (سري مولياني إندراواتي).

اثيوبيا: حكومة (هايلي ديسالين) في (تشرين الثاني 2016) ضمّت أغلبية من التكنوقراط أبرزهم (ورقنا قبيو) وزير الخارجية.

المغرب: حكومة سعد الدين العثماني (نيسان 2017)، ضمّت (9) شخصيات مستقلة مثل عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية.

فرنسا: حكومة الرئيس (إيمانويل ماكرون) الأولى (آيار 2017) ضمّت (7) وزراء مستقلين أبرزهم عالمة الكيمياء ورئيسة جامعة نيس (فريدريك فيدال) بمنصب وزيرة التعليم العالي.

النمسا: حكومة (سيباستيان كورتز) في (كانون الأول 2017) فيها (3) من التكنوقراط أبرزهم الخبيرة الدكتورة (كارين كنايسل) وزيرة للخارجية.

بنغلادش: يجب أن يكون (%10) من الوزراء في كل حكومة هم من التكنوقراط.

ثم ان بعض السياسيين كانوا أصلاً تكنوقراط وخبراء في مجالات متعددة قبل احترافهم السياسية، فمثلاً رئيسة تشيلي (ميشال باشليت) خبيرة ستراتيجية عسكرية وعالمة وبائيات، رئيسة ليبريا (إلين سيرليف) خبيرة في البنك الدولي، رئيس وزراء بريطانيا (جوردون براون) دكتوراه تأريخ وأستاذ في جامعة إدنبرة، مستشارة المانيا (انجيلا ميركل) حاصلة على دكتوراه كيمياء وباحثة في اكاديمية العلوم، رئيس وزراء هولندا (مارك روتي) مؤرخ ومحاضر في كلية (يوهان دي فيت)، رئيس وزراء الهند (مانموهان سينغ) خبير اقتصادي ومسؤول كبير في صندوق النقد الدولي، ... ألخ.

كما ان هناك من يطالب بحكومة تكنوقراط على أساس (شيطنة) جميع السياسيين ويعتبرهم سبب الفساد، وهذا رأي غير مقبول أكيداً، فهناك سياسيون نزيهون كما يوجد تكنوقراط فاسدون، فعندما يتفشى الفساد في بلدٍ ما فكلا السياسي والتكنوقراط سواء، فالتكنوقراط ليسوا ملائكة على أية حال!

ثم أن التكنوقراط يُكلف من قبِل السلطة أو الأحزاب فمن الممكن أن يقع في فخ التبعية وفقدان الاستقلالية ولو من الناحية المعنوية ورد الجميل، وربما ينتمي إلى حزب ما ليستقوي به لإحساسه الدائم بالضعف لكونه مستقلاً، وعندها يصح المثل: "وكأنك يا أبو زيد ما غزيت"!

 

أمجد الدهامات - العراق

 

فراس الغضبان الحمدانيما قيمة الأحداث وتعاقب الأزمان ونحن نعيشها بألم وبذكريات تبعث فينا الحزن ولا تمنحنا فرصة الحياة السعيدة التي نتمناها ويتمناها كل أنسان يجد نفسه فجاة عضوا في هذه الدنيا الضاجة بالمعاناة والتحديات التي تستنزف أجسادنا ومشاعرنا وعقولنا وأحلامنا فلا نكاد نصل الى غاية من الغايات حتى ندرك أننا لم نحقق شيئا وأن المسافة ما تزال طويلة، ثم نكتشف أننا على خط النهاية ولكن ليس كعدائين فائزين بل كجثث هامدة فقدت طاقة الحياة لنوارى في حفرة أو أن نكون طعاما للأسماك أو أن نحرق وفقا لتقاليد قديمة أو في أي مصيبة وداهية رهيبة .

نفقد الأحبة الذين يشاركوننا همومنا وأحلامنا ومشاكلنا والذين نكافح معهم سوية العذابات والحرائق المستمرة في دواخلنا، وحين نفتقدهم نبكي دون جدوى فهم لن يعودوا ونحن لا نعرف متى سنلتحق بهم، وقد تأخذنا المشاغل الى مساحات نتيه فيها ولا نجد من يدلنا فالجميع يعيش ذات التيه والضياع ويبحث عن خلاصه بعد أن تذوق الآف المرارات والأحزان والمعاناة، فكيف بمن يتركه محبوه ليس للحزن والعذاب والذكريات الأليمة بل يورثونه مشاكل وتحديات وأبناء تائهين لا يجد طريقة لكي يقف معهم على طريق صحيح وكأنه وكأنهم في سجن واحد وضياع واحد وهموم مشتركة .

جاء العيد مثل العيد الذي سبق ومثل كل الأعياد التي سبقت مشحونا بالحزن والعذاب والألم وكأن تلك العذابات ورث من أجداده، فالعيد يلد عيدا ويكون له أحفاد من الأعياد يتوارثونه ويتشاركون في الأرث ويتناقلون صفاته وساعاته وأشكاله بينهم، فالعالم يتحول الى وحش يلتهم آماله وأحلامه وفرص الحياة فيه ويتركنا على قارعة الطريق تائهين متحيرين لا نجد الفرح ولا السعادة، فمن هم الى هم ومن حرب الى حرب ومن حصار الى آخر ومن إرهاب الى إرهاب، وناس تتحول الى آلات لا تفقه سوى أن تتحرك بلا هوادة ولا هدف حتى أذا وصلت لهدف وظنت أنه قد تحقق تكتشف أنها لم تحقق شيئا وأن الطريق ما زال  شائكا وطويلا .

الناس من حولنا يكرهوننا يريدون أن يحصلوا على مطامحهم ولم يعد مهما عندهم أن تكون الطريقة مشروعة أم لا، فالغاية هي الكسب والكسب وحده وليس سواه لأن هناك هموما وعذابات يتكفل بها القدر والجميع يخاف منها ويود الهرب منها بعيدا ولا يراها .

للأسف فنحن نعيش في زمن الغابة وزمن الحزن وزمن الموت المؤكد، موت الأرواح رغم وجود حياة في أجسادنا ورغم ما نعتقده من حضور لنا، أرواحنا التي كانت تمنحنا السعادة والطاقة ونتشارك فيها مع الآخرين الحب والسعادة والأمل هاهي تموت مسبقا وتذوي وتنتهي دون رجعة ودون أحساس بحاجتنا اليها .

كلما جاء العيد وكأنه نوع من البطالة المقنعة التي تجبرنا عليها الأحداث والأيام، فليس له من أهمية فالحقيقة حتى أنني أشك في أنه عيد للكبار وأرى أنه مناسبة يحبها الأطفال وينتظرونها لأنها تثير حماسهم كونها عطلة وحصولهم على العيدية وأرتداء الأزياء الجديدة واللعب في مدينة الألعاب، أما نحن الكبار فتثير حزننا وذكرياتنا الأليمة لأننا عاصرنا الحروب والحصار والفقر وحكم الدكتاتوريات والطغاة التي سلبت العباد ودمرت البلاد .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

على الرغم من أنّ ما تسمّى بالعملية السياسية بالعراق والتي هي أشبه بالسيرك، بحاجة الى تغيير شامل أي "شلع قلع" مثلما يقول راعي تحالف سائرون والذي هو قائده بالحقيقة. الا إننا نرى بعض الجهات السياسية ومنها تحالف سائرون نفسه إكتفت بشعار الإصلاح لتغيير واقع سياسي شاذ، على الرغم من أنّ قوى سياسية في هذا التحالف رفعت شعار التغيير. والتغيير في الحقيقة هو الشعار الأكثر نضجا لإنقاذ البلد من بهلوانيي السيرك العراقي، الذي تديره الأحزاب المتحاصصة والمؤسسات الدينية، والذين يستمدون قوتهم من خلال أسباب عدّة بينها غياب الوعي عند جمهور واسع جدا من العراقيين وهيمنة الأعراف العشائرية على الشارع العراقي، هذه الأعراف التي تجاوزت الشارع كتحصيل حاصل لحالة غياب القانون وضعف الدولة، لتصل الى السيرك الكبير أي البرلمان العراقي. ووصول الأعراف العشائرية الى أهم مؤسسة بالبلد والتي من صلاحيتها إقالة أو سحب الثقة من الحكومة، يعني أنّ حلم التغيير عن طريق هذا السيرك وبشعار الإصلاح، هو لعب على الحبال والذي يجيده بهلوانيو هذا السيرك إجادة تامّة.

لو إعتبرنا شعار التغيير غير ناضج وعلينا التريث في رفعه بفسح المجال أمام شعار الإصلاح، لنمهّد به الطريق لعملية الإصلاح الحقيقي. فإننا نكون هنا أمام مهمّة تعريف الإصلاح، وإن كان الإصلاح هو السبيل لعملية تغيير قادمة نتيجة لتراكمات ومواقف سياسيّة تتطور وإن ببطء، لتتحول الى تراكمات نوعية تأخذ على عاتقها عند نضوجها مهمة التغيير التي نحلم بها كما يظن حاملي هذا الشعار؟

لا يختلف إثنان على أنّ النظام السياسي بالعراق اليوم فاسد من رأسه حتى أخمص قدميه، فالفساد هو القاسم المشترك بين مؤسسات هذا النظام، والذي أدّى ويؤدي حتما الى إنتشاره (الفساد) الى أبعد مكان في جسد الدولة الوظيفي، ما جعل العراق دولة فاشلة على مختلف الصعد. ولو عدنا الى موسوعة السياسة والتي تعرّف الإصلاح من أنه "تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأسسها، وهو بخلاف الثورة ليس إلا تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم دون المساس بأسس هذا النظام، أنه أشبه ما يكون بإقامة الدعائم التي تساند المبنى لكيلا ينهار وعادة ما يستعمل الإصلاح لمنع الثورة من القيام أو من أجل تأخيرها" (*) فإننا سنكتشف وبسهولة أنّ الإصلاح خدعة يتبناها الفاسدون لإستمرار فسادهم ونهبهم للمال العام وإفقار شعبنا وتأخير رحيلهم عن السلطة. والإصلاح الجذري يعني التغيير الشامل للنظام السياسي الإجتماعي الإقتصادي، إمّا عن طريق الثورة، أو عن طريق رفع شعار التغيير الحقيقي في حالة النظم البرلمانية والذي بحاجة الى التفاف أغلبية برلمانية مريحه لتمرير القوانين وتشريعها، ومن ثم تطبيقها من قبل السلطة التنفيذية بقوة القانون. ومن هذا المنطلق فإنّ التغيير وليس الإصلاح هو الحل الوحيد للمشاكل التي نعاني منها ببلدنا، لأن الإصلاح لا قيمة له بإستمرار هيمنة رموز العملية السياسية الفاسدة على مقاليد الحكم. فهذا النظام الفاسد منتج للأزمات التي تتناسل بإستمرار والتي بها ديمومته وحياته، خصوصا في ظل غياب معارضة حقيقية بالبلد.

عرف قاموس "وبستر" للمصطلحات السياسية الإصلاح السياسي بأنه "تحسين النظام السياسي من أجل إزالة الفساد والاستبداد". والإصلاح السياسي وفق برنامج الأمم المتحدة لإدارة الحكم في الدول العربية ومنها العراق تُحدّد بسيادة القانون والشفافية والعدل وكفاءة الإدارة والمحاسبة والمساءلة والرؤية الإستراتيجية وتجديد الحياة السياسية وتصحيح مساراتها وغيرها. فهل رافعي شعار الإصلاح قادرين على تبني وتنفيذ هذا الإصلاح!؟ وهل أنجزت حكومات ما بعد الإحتلال ومنها حكومة اليوم تنفيذ ولو جزء بسيط من برنامج الأمم المتحدة للإصلاح السياسي؟

أنّ لجوء نائب بارز من قائمة سائرون الى عشيرته لمقاضاة ناشط مدني من تيّاره "التيّار الصدري" عن طريق ما يسمّى بالگوامة، بعد إنتقاد الناشط له في الفضاء الإفتراضي. تعني الإصرار على تغييب دور القانون لضعف الدولة الفاسدة والعمليّة السياسية برمتها، والتي يريد هذا النائب وتياره وتحالفه وراعي تحالفه إصلاحه من جهة، وتكميم للأفواه والبلطجة والأستقواء بالمركز الوظيفي وغياب الديموقراطيّة من جهة أخرى !!! ولأنّ القانون بالعراق مريض بنفس أمراض السلطة علاوة على كونه أداة لتنفيذ رغبات الحيتان ، فإننا نرى أنّ الناشط ولعدم ثقته كما جميع أبناء شعبنا بوجود قانون بالبلد يلتجئ هو الآخر الى مقتدى الصدر ليبثّه شكواه!! فهل تحالف سائرون قادر على إصلاح العملية السياسية، وأحد رموزه يعود الى عشيرته متجاوزا القانون على علاته؟ وهل مقتدى الصدر هو القانون ليعود اليه الناشط الصدري؟

السيد حسن الكعبي النائب الأوّل لرئيس البرلمان العراقي، إنّ أمثالك وهم في مراكز قيادة هذا البلد المبتلى بكم وأحزابكم وعشائركم لا تجيدون الا الفساد والسرقة ونهب المال العام، وأنتم من يقود بلدنا نحو الهاوية. ولا تقل لي (آني مگاومك جيب عمامك) كوني لا أرى برلمان أنت نائب رئيسه الا سيركا، ولأنّ (العمام) أي العشائر المتخلفة بعاداتها وتقاليدها وأعرافها بحاجة الى "شلع قلع" كما يقول زعيم تيّاركم.

 

زكي رضا – الدنمارك

.........................

الگوامة، حالة اعلان العداء والطلب بالقصاص.

(*) عبد الوهاب الكيالي موسوعة السياسة الجزء الاول ص 206 و207 *

 

 

علي عليما من أحد منا ينسى القنبلة الذرية التي سقطت على مدينة ناكازاكي والتي أودت بحياة أكثر من 80,000 مواطن كلهم أبرياء، والتي مازال أبناؤهم وأحفادهم يدفعون ثمنا باهظا من جراء ما خلفته من اشعاعات تقطع الضرع والحرث والنسل. هذا ماكان في اليابان، ولو اتخذنا من الرقم الرياضي مقياسا لهول الخسائر، ودليلا على فظاعة الجريمة، لتبين لنا ان هناك جرائم أكبر من جريمة ناكازاكي بكثير، لكن الله ساوى بين الفرد والجماعة إكراما للجميع، مايدل على ما للنفس البشرية من قدر كبير ان كانت واحدة او اكثر، كما جاء في القرآن الكريم: “من قتل نفسا بغير نفس او فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا”. وجل مانزل في كتاب الله يحث على الرفق بالنفس البشرية وعدم ايلامها والإبتعاد عن كل مايسبب لها الأذى العضوي والنفسي.

ولو تركنا اليابان وقنبلتها وهمَّها و(دردها) والتفتنا الى عراقنا الذي يحضننا بين نهريه، وتحدثنا عن يومنا الحالي، من دون العودة الى عهد الاحتلال العثماني، وبعيدا عن التنكيل بالعهد الملكي، او الإشادة والإطراء بزمن حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، او الذم والتشهير بسني حكم البعث. ولنقل العبارة المألوفة لدينا: (احنا ولد اليوم) ولنقلب اوراق السنين التي تجاوزت الخمسة عشر، والتي عاش فيها العراق تحت حكم سلطات انتخبها واختار شخوصها كما عهدهم، ولنرسم توضيحا بيانيا يتعامد فيه خطا العامل الزمني وعامل الانجاز الفعلي لأكثر من خمسة وثلاثين مليون نفس بشرية عراقية، وبعد استقراء بسيط للنتائج، نضع ماسببه المسؤولون عن سير هذين الخطين من ألم وموت ومرض وفاقة وتخلف في كفة ميزان الحكم، وقنبلة ناكازاكي الذرية في الكفة الثانية، ماذا يكون الحكم. وإنه لمن المفترض أن يكون بناء أول لبنة في العراق الجديد لحظة سقوط صنم صدام، حيث أطلق البعض عليه اسم هدام -وليت شعري أين البناة اليوم؟-.

 نعم.. لقد كان من المفترض أن يكون البناء بأعلى درجاته في تلك الحقبة، وكان متوقعا أن يوضع حجر الأساس لبناء البلد بالشكل الذي يليق بالعراقي، عندما تمكن لسان المواطن البسيط من النطق بوجه الظلم والاستبداد وسلب الحقوق وتكميم الافواه. وبات بمقدور الجميع الاعلان عن سخطهم عن قانون او قرار مجحف يصدر من مجلس من المجالس، او هيئة من الهيئات العليا، فحرية التعبير عن الرأي مفتوحة أبوابها على مصراعيها.

لكن الذي حصل أن ساعدا يبني وعشرة سواعد تهدم وتهد مايعلو من بناء، فيكون الأمر كما قيل:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه     

                             إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

  ومن المؤكد ان المصير سيكون سيئا لو استمر الحال هكذا، وهنا يعود الأمر وحزمه الى ولاة الأمر في البيت العراقي الكبير، فهم رعاة ومسؤولون عن رعيتهم، وعليه يجب أن تكون أيديهم رحومة كل الرحمة للعراقي المحب للخير والبناء والتقدم، وفي ذات الوقت قوية شديدة البطش ببتر العنصر الفاسد في جسد الدولة بلا رحمة وهوادة، وبذلك يكون لكلمة سقوط الصنم جدوى وفائدة للعراقيين، والا فالعراق يكون في طريق الهاوية التي يلوح بها المغرضون بين الحين والآخر، ويكون البلد حينها نسخة طبق الأصل من (ناكازاكي).

 

علي علي

 

لو كان الجاحظ حيا بين ظهرانينا ﻷلف في أنواع التزوير وحيل المزورين العراقيين بعد 3003 كتابا على نحو كتابه ذائع الصيت " البخلاء " فمن شأن تلكم الحيل أن تجعل أشهر مزور في التأريخ " فرانك ويليامز أباغنيل " خجلا من نفسه، وبإمكانها أن تدفع من حولوا سيرته الذاتية بين مرحلتي التزوير وانتحال الصفة التي مارسها طويلا وصولا لمنصبه مستشارا بمكافحة الغش لصالح " السي آي إيه" الى فيلم بعنوان " Catch Me if You can"المنتج عام 2002 والذي رشح لـ 22 جائزة بضمنها جائزتي أوسكار للضحك على أنفسهم خجلا مما صنعوا، ذاك أن موزورينا لم يتركوا مجالا اﻻ وحشروا أنوفهم فيه، بدءا بتزوير العملات، تزوير اﻷلقاب، شهادات الجنسية وبطاقات اﻷحوال الشخصية، تزوير الصكوك، إنتشار ظاهرة شهود الزور المستأجرين بالقرب من المحاكم، تزوير صناديق الإقتراع وأصوات الناخبين في بعض المراكز الانتخابية المحلية والبرلمانية بما أسميه بـ" التزوير قراطية " التي أطارت أقواما الى عليين وهوت بآخرين الى أسفل السافلين، تزوير النِسب السكانية بغية التغيير الديمغرافي في مناطق تشهد نزاعات عرقية وطائفية، ناهيك عن تزوير الباجات والهويات النقابية وما الى ذلك .

ومن اﻵفات الاجتماعية القاتلة في العراق " تزوير الإنتساب الى الشجرة النبوية المطهرة والعترة الطاهرة للحصول على النسب المتصل بالنبوة " وحيازة لقب "سيد" وما يترتب على ذلك من مكانة إجتماعية و- خمس - و" دخيل جدك " و"تفضل مولانا " و" الله بالخير سيد " و" دعواتك سيدنا "وخرق خضر وعمائم سود، ولا تكاد تمشي في شارع أو سوق في العراق اليوم إﻻ وتجد فيه مالايقل عن 50 سيدا، كثير منهم من سادة - الكارتون - وبعضهم يرتكب من الموبقات العلنية ويجاهر بالمعاصي ويتلفظ بفحش الكلام بما لايفعله حشاشو البتاويين وﻻ - سكارى - شارع ابي نؤاس مع شديد اﻷسى واﻷسف، وآن آوان إجراء فحص حمض الـDNA إضافة الى إعادة تقييم شجيرات اﻷنساب وتدقيق شهادات الجنسية لكل من يدعي النسبة الى العترة الطاهرة ليس على مستوى المواطنين فحسب بل وعلى مستوى المسؤولين ايضا، وعلى عاتق نقابات السادة الاشراف الموثوقة والمرموقة تقع المسؤولية الكبرى في تلك المهمة الاجتماعية والدينية الجسيمة لكشف الغث والسمين وعزل المدعين وتنحيتهم جانبا، وأذكرهم بأن فقهاءنا اﻷجلاء قالوا قديما " من إنتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بالباطل - يضرب ضربًا وجيعًا ويشهر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته" لما في ذلك من المفاسد العظيمة ما لاتحمد عقباه، ولله در احمد شوقي القائل في قصيدته العصماء " سلوا قلبي " :

أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري ..بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ انتِسابا

ومن صور التزوير العراقية بروز ظاهرة إختراع مقامات وأضرحة ﻻ دلائل آثارية، أو تأريخية أو دينية تؤيدها، فما تكاد شمس السماء تشرق على هذا الشعب المبتلى إﻻ وتسمع فيه بظهور مقام جديد يدر على أصحابه دخلا فلكيا وﻻ في اﻷحلام ومعظمها تتم عن طريق رؤى منامية مزعومة كخطوة أولي للشروع بـ" المقام التجاري " وﻻشك أن تزوير الرؤى المنامية الوهمية التي حذر الشارع الحكيم منها بقوله صلى الله عليه وسلم : (أفرى الفرى أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا)، تلعب دورا في صناعة هذا "الوهم " وما يترتب عليه ومنها تلك الرؤيا التي إدعى فيها أحدهم في لقاء متلفز أنه رأى سيدة نساء العالمين قرة عين الرسول فاطمة الزهراء البتول في المنام وهي تخبره بأن يذهب الى الروحاني احمد الوائلي الملقب بـ "حجي ثقب " ﻷنها اختارته - على حد زعمه - معالجا لنساء المسلمين !!

ومقام - الخضر - في الباب المعظم شاهد آخر على ذلك فلقد كان هذا المكان مهجوراً حتى عام 1982، يوم زعم أحدهم وكان يسكن على الهامش قريبا من المكان أنه رآى رؤيا منامية تخبره بضرورة تنظيفه وتحويله الى مزار ويقال أن الرائي هو أحد اشقياء بغداد المعروفين، فيما يؤكد اﻵثاريوين أن هذا الموقع في اﻷصل هو مصدات كانت موضوعة أمام قصر الملك نبوخذ نصر، لصد مياه الفيضان عنه، علما أن للخضر في العراق 168 مقاما، والمقام هو المكان الذي أقام فيه الرجل الصالح لفترة ما قد تطول وقد تقصر بخلاف المشهد وهو المكان الذي أستشهد فيه، فيما الضريح هو المكان الذي دفن فيه، وعلى دوائر الثقافة والتراث ومديريات اﻷوقاف فضلا عن الوقفين السني والشيعي ملاحقة المقامات واﻷضرحة الوهمية والحد من ظاهرة بروزها المطرد بين فينة وأخرى هنا وهناك عبثيا !!

ومن أشكال التزوير العراقية تزوير ملكية العقارات وباﻷخص العقارات المملوكة للدولة أو لمسؤولين في الانظمة السابقة أو لمهاجرين عراقيين في أرض الغربة لصالح متنفذين وآخرها وليس أخيرها إعادة عقاراتٍ مساحتها 61 دونماً بقيمة 7 مليارات دينارٍ في البصرة، اذ تمت عملية التزوير عبر إصدار هويات أحوال مدنية لمُتوفين يملكون حقَّ التصرف فيها لغرض نقل ملكيتها الى شخص قام بتجريفها وتقطيعها لبيعها بحسب ما اعلنته هيأة النزاهة في وقت سابق !

ومن صور " التزوير قراطية " ظاهرة تزوير الشهادات المدرسية والجامعية، الاولية والعليا وحسبي أن أسوق هنا ما كشفه النائب عن " كتلة صادقون " عبد الامير الدبي، في معرض مطالبته بإصدار عفو عام عن المنتسبين اﻷمنيين المفصولين بسبب الشهادات المزورة، قائلا وبالحرف " يجب أن ﻻ نجعل من الشهادة والتحصيل الدراسي حجر عثرة أمامهم، فمنذ عام 2003 وحالات تزوير الشهادات منتشرة في العراق. وكثير من الوزراء والنواب السابقين ومسؤولين كبار في الدولة أفادوا من الشهادات المزورة” على حد قوله، ما أثار لغطا شعبيا واسعا لم يهدأ بعد، ليعلن مجلس القضاء اﻷعلى وبعد أيام من ذلك صدور أحكام وفقا للمادة ‏‏331 من قانون العقوبات العراقي بحق "مدير مدرسة " في رصافة بغداد تلاعب بدرجات بعض الطلبة الراسبين وقام بتغيير درجاتهم مقابل مبالغ مالية"، وﻻشك أن الكشف عن هؤلاء المزورين وأمثالهم باتت مهمة وطنية منوطة بمديريات التربية ووزارتي التربية والتعليم .

تزوير الباجات والكتب والوثائق واﻷختام الرسمية ظاهرة أخرى تندرج تحت عباءة " التزوير قراطية " ومن هزاتها الارتدادية إعلان مديرية مكافحة الجريمة المنظمة ضبط مطبعة في شارع المتنبي تقوم بطباعة الباجات والهويات والكتب الرسمية المزورة تحمل أسماء لدوائر رسمية وجهات سياسية حكومية وغير حكومية !

ومن اشكالها إنتحال وتزوير الصفة وابرزها القبض على منتحل صفة ضابط يحمل ٤ باجات عسكرية نافذة الصلاحية صادرة من وزارة الدفاع في رصافة بغداد، والقبض على منتحل صفة ضابط برتبة رائد في وزارة الداخلية، والاطاحة بشبكة تمارس عمليات التزوير وإنتحال صفة مسؤولين في رئاسة الوزراء، وإنتحال صفة ضباط في جهاز المخابرات الوطني في جانب الكرخ من العاصمة، علاوة على اعتقال منتحل صفة ضابط في رئاسة الوزراء بمنطقة الشالجية والقائمة طويلة غصت بها وكالات الانباء والنشرات الاخبارية!

ومن صورها إدعاء المشيخة من قبل بعض ضعاف النفوس للضحك على ذقون البسطاء وابتزاز الاغنياء وهؤلاء في العادة يعتنون بمظهرهم " عقال وغترة وصاية وعباءة ودشداشة انيقة وخواتم بأحجار كريمة - فالصو - في اليمين والشمال وساعة تقليد - راسكوب - لايزيد سعرها عن 3 الاف دينار، ويحفظون بعض الحكم واﻷمثال والهوسات ومقاطع من الشعر الشعبي والابوذيات والدارميات والزهيريات وجانبا من انساب العشائر والافخاذ ليمارسوا - لصوصيتهم - بأعتبار أن القانون لايحمي المغفلين، وعلى مجالس العشائر الكريمة ملاحقة هؤلاء الذين يسيؤون الى سمعة العشائر فضلا عن المشيخة في كل انحاء البلاد !

هناك ظاهرة خطيرة أخرى لاتقل فداحة عن سابقاتها متمثلة بتزوير تواريخ نفاد الأدوية التالفة والاغذية منتهية الصلاحية وتزوير تواريخ الصنع وعناوين المناشئ وتقليد علب الشركات المصنعة وماركاتها وآخرها ضبط أكبر معمل حليب في العراق يعمل على تزوير الماركات العالمية في الديوانية !

من الظواهر "التزوير قراطية " المحلية بروز ما بات يعرف بالنقابات والمؤسسات الثقافية والاعلامية -السبرانية - الوهمية التي تتخذ من السوشيال ميديا مصائد مغفلين لضحاياها وتمنح الهويات والشهادات التقديرية والكنى والالقاب الفنية والصحفية بل والدكتوراه الفخرية المزورة أيضا بزعم أنها من جامعات مرموقة مقابل بدل نقدي بالعملة الصعبة لايتجاوز احيانا الـ 100 $ وهؤلاء لا وجود لمقارهم وﻻ مكاتبهم على نظام التموضع العالمي- جي بي اس - وﻻ خارطة غوغل !

وﻻيفوتنا الاشارة الى ظاهرة تزوير التقارير الطبية للحصول على التعويضات ضمن ضحايا العمليات الإرهابية وآخرها ضبط 3 مُتَّهمين بتزوير (29) تقريراً طبياً مقابل (500) دولار عن كل تقرير في الانبار، زيادة على تزوير اﻷسماء للتجاوزة على شبكة الحماية الاجتماعية وقد تم استرداد أكثر من 9 مليارات دينار ونصف خلال عام واحد بعد إكتشاف اﻵف اﻷسماء الوهمية ضمن قوائم مزورة !

أما عن ظاهرة تزوير العملات فهناك ما يقرب من 200 شبكة تنشط في العراق تتولى تزوير فئات الـ " 5 - 10 - 25 " الف دينار اضافة الى الدولار واليورو وقد القي القبض على مئات المتورطين بجرائم تزوير العملة وتفكيك عشرات العصابات بينها نساء في جميع أنحاء العراق، بما فاق ما قام به أشهر مزور عملات في الشرق الاوسط اللبناني عماد ناصر، والذي نجح في تزوير أصعب عملة " الريال السعودي " وبقية العملات بأستثناء الليرة اللبنانية التي رفض تزويرها ..لماذا ياعماد ؟ قال " ﻷنني احترم الأرزة المطبوعة على عملة بلادي !!".

وبذلك تتفوق ظاهرة " التزوير قراطية" العراقية على "الفرانكية" اﻷميركية وتضحك عليها - وتحطها بجيب الخردة - ذاك ان المزور العراقي اذا ما أصبح مسؤولا بفعل تزوير الشهادات أو اﻷصوات الانتخابية والتأريخ النضالي المزيف فإن الجهة السياسية التي يمثلها والتي رشحته الى منصبه ستدافع عنه بكل قوة وتمنع مساءلته تحت أي ظرف كان ومهما كانت الذرائع واﻻ فأنها ستفتح النار ضد خصومها السياسيين مع التلويح بكشف ملفات تزوير مماثلة على ممثلي بقية الكتل والاحزاب والتيارات ما يجعل الكل ساكتا على الباطل وفضائح التزوير والمزورين التي آزكمت روائحها الانوف في حال مست - رؤوس البصل - والاكتفاء بملاحقة مزوري الطبقات الدنيا والدرجة العاشرة ممن لا جلد لهم وﻻ سند !

ومن اﻵفات في هذا المجال الخطير والتي ذهب ضحيتها الالاف، تزوير مقاطع الفيديو والصور عبر الفوتو شوب، وكذلك بث الشائعات وما يتمخض عنها من إثارة القلاق واﻷحقاد والضغائن والفتن في بلد يقف على شفا جرف هار كالعراق، والشائعة هي أبشع أنواع القول الزور ونشر الاكاذيب،اضافة الى شهادة الزور بالباطل لصالح جهات أو اشخاص ضد آخرين، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، قَالَ : " وَقَوْلُ الزُّورِ " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ . كما يروي الراوي وذلك لعظيم خطر قول الزور وشهادته وكل ما يتفرع عنهما من نشرات اخبارية كاذبة ومقاطع فيديو أو صور مفبركة وشائعات وأباطيل وادعاءات ونكات سمجة وأقاويل كثرت بشكل غير مسبوق في العراق ساعد على انتشارها مواقع التواصل ووسائل الاتصال الحديثة والاعلام الالكتروني .

 

احمد الحاج

 

حمزة الجواهريكلما أسمعهم يطالبون حكومة إقليم كردستان ب250 ألف برميل يوميا من النفط أستشيط غضبا وأتعجب للتغاضي المتعمد من قبل المسؤولين وأعضاء البرلمان والإعلام بكل أنواعه من أن الإقليم لم يسلم الحكومة الإتحادية عائدات 250 ألف برميل يوميا يصدرها عبر جيهان التركي، وأخيرا تجرأ رئيس مجلس الوزراء وقال لم يسلمنا الإقليم دولارا واحدا من عائدات ال250 ألف برميل يوميا متغاضيا، نعم متغاضيا، عن أن الكمية المصدرة هي في الواقع أكثر من600 ألف برميل يوميا، وتغاضى أيضا عن حقيقة أن معظمها يذهب إلى إسرائيل ويباع لهم بأسعار مخفضة جدا، الأغرب من ذلك أن الحكومة الإتحادية تريد التفاوض مع وفد قادم من الإقليم على عائدات النفط وتحديدا على 250 ألف برميل يوميا فقط وليس ال600 ألف برميل! إن لم تكن أكثر من600 ألف برميل يوميا بحسب بعض التقارير الإعلامية التي حسبتها ب700 ألف وأخرى ب900 ألف برميل، لكني حقيقة لا أمتلك أدلة كافية على أن الكمية تصل إلى900 ألف برميل يوميا رغم أن الرقم معقول جدا مقارنة بجشع الإقليم وتماديه بالسرقة المعلنة والتي يتبجحون بها على أنها عمل وطني كردي..

إن معظم وكالات الطاقة في العالم تشير إلى أن التصدير من كردستان بحدود560 ألف برميل يوميا فضلا عن الكميات المهربة من حقول كركوك بحدود35 ألف برميل يوميا وكميات أخرى من حقلي القيارة والنجمة تصل إلى 30 ألف برميل يوميا، كلها تهرب بعلم الجميع بدون إكتراث ولا خشية من أحد، نعم أعرف أن بعض التهريب أو السرقات من الحقول تم إيقافها، وذلك ما وصلني من مصادر موثوقة، لكن ماتزال هناك كميات لم تستطع شرطة النفط والطاقة الإتحادية لحد الآن من السيطرة عليها وإيقافها، إن بعض الشر أهون، ونشكر شرطة النفط والطاقة على متابعتها للموضوع، لكن مع ذلك وما هو موثق بقي الرقم يزيد عن600 ألف برميل يوميا من نفط الشعب العراقي تباع من خلال الإقليم.

على وفق الدستور أن كل إنتاج الإقليم يجب أن تذهب عائداته للحكومة الإتحادية، وهذه هي الحقيقة التي يحاول الجميع التغاضي عنها رغم أنها أوضح من الوضوح وأبلغ من البلاغة، أضف إلى ذلك أن أحكام المحكمة الإتحادية العليا تعتبر مثل الدستور فهي لا تنقض ولا تبدل، فهي باتة ونهائية، وأن الحكم الذي صدر بخصوص قضية عدم دستورية قانون شركة النفط الوطنية لسنة2018 في بعض بنوده يمكن الرجوع إليها في هذه القضية لتبت فيها أيضا، لأن الحيثيات متشابهة حد التطابق، حيث أن المحكمة الإتحادية قد اعتمدت على الدستور في مواده110 أولا وثالثا والمادة 111 والمادة112 أولا وثانيا، فمضمون هذه المواد الدستورية تشير بمنتهى الوضوح أن بيع النفط من قبل الإقليم والإستئثار بعائداته يعتبر غير دستوري بل انه سرقة بوضح النهار وجريمة كبرى، بل خيانة عظمى للوطن.

سيتزامن مع نشر هذه المقالة حضور وفد من الإقليم للتفاوض مع الحكومة الإتحادية حول هذه المسألة، وهنا يتسائل المرء هل بعد الدستور الواضح وحكم المحكمة الإتحادية العليا من تفاوض؟! ثم التفاوض على ماذا؟

هل التفاوض على إلغاء الدستور؟

أم التفاوض على قرار المحكمة الإتحادية العليا الذي يعتبر باتا مثل الدستور؟

أم لتقاسم عائدات ال600 ألف برميل فيما بينهم كأشخاص؟

الأمر لا ينتهي عند هذه المسألة، فالقضية التي رفعتها وزارة النفط ضد الإقليم كونها يبيع النفط المسروق معظمه من حقول كركوك بواقع460 ألف برميل يوميا لعدة سنوات  سبقت الحكومة الحالية بواقع تصدير بين400 ألف برميل و550 ألف برميل يوميا ولم تسلم عائداتها للحكومة الإتحادية. تم النظر بالقضية من قبل المحكمة واستكملت كل جوانبها القانونية والفنية والمالية لكن تم التريث بإصدار القرار بعد تدخل من الحكومة الإتحادية بوقف إصدار القرار النهائي الذي سيكون لا رجعة فيه ولا استئناف له.

تدخل الحكومة كان المبرر له هو أن الموضوع فيه جانب سياسي وتأمل الحكومة أن تحل الموضوع بالسبل الحضارية مع الإقليم دون اللجوء للمحاكم ومن خلال المفاوضات، لكن لا المفاوضات جرت ولم يتم تسليم مستحقات الحكومة الإتحادية ولم يصدر قرار المحكمة لحد الآن، ولا ندري متى سينتهي هذا المسلسل الذي لا نهاية له والذي يستخف بعقول وحقوق العراقيين؟

هناك قضية أخرى رفعتها حكومة العبادي للمحاكم الدولية ضد الحكومة التركية كونها تصرفت بطريقة مخالفة للقوانين الدولية وتركت إقليم كردستان يبيع النفط العراقي على هواه بدون مسوغ قانوني لسنوات طويلة، وصدر القرار للمحكمة الدولية بتغريم الحكومة التركية مبلغ26 مليار دولار لصالح العراق لكن الحكومة الإتحادية العراقية طلبت من المحكمة الدولية التريث بتنفيذ القرار من دون إبداء الأسباب على الأقل للشعب العراقي قبل المحكمة الدولية، وهل سمع أحد بما هو أغرب من ذلك؟!

هذا التفريط بحقوق الشعب العراقي بعشرات مليارات الدولارات لصالح الإقليم، بل لصالح شلة من السياسيين الكبار في الإقليم الذين تقاسموا هذه الأموال فيما بينهم ووضعوها في بنوك عالمية وربما بأسماء وهمية وحتى الشعب الكردي لم يستلم منها دولارا واحدا، فالفترة التي توقف بها الإقليم عن تسليم رواتب موظفيه قد امتدت لأربع سنوات تقريبا والحكومة العراقية الإتحادية توقفت عن منح رواتب الإقليم لفترة ثلاث سنوات على أمل الضغط على ساسة الإقليم ليصرفوا رواتب الموظفين من عائدات النفط، لكن حكومة الإقلم لم يرف لها جفن ولم تكترث لمعانات الشعب الكردي رغم أن الحالة وصلت بهم أن يبيعوا حتى أبواب بيوتهم ليأكلوا أو يلبسوا، وبذات الوقت كانت حكومة الإقليم تذرف دموع التماسيح على موظفي الإقليم وتدعي أن الحكومة الإتحادية قطعت عنهم الرواتب دون وجه حق وكأنهم لم يستلموا عائدات النفط المصدر من الإقليم.

اليوم سيتفاوضون مع حكومة صديقهم رئيس مجلس الوزراء الذي فتح لهم خزائن الدولة لمزيد من استنزاف الأموال التي تعود للشعب العراقي. فمن سيتفاوض معهم؟ وعلى ماذا سيتفاوض؟ وهل ستؤجل المفاوضات بتسويف متعمد كعادتهم حتى نهاية عمر الحكومة الحالية ويتركون التفاوض للحكومة القادمة؟ ومن سيحاسب من؟ وأين هي الأموال التي سلبت؟ وهل ستستمر هذه المهزلة المبكية إلى ما لانهاية؟ في حين أن عمليات سرقة النفط وتصديره للخارج من قبل الإقليم مستمرة دون أكتراث من أحد.

 

حمزة الجواهري

بغداد- 8 حزيران2019

 

ابراهيم أبراشليس صحيحا أن السبب الرئيسي في توجه إدارة ترامب لتأجيل طرح الصفقة يعود فقط لأزمة الانتخابات الإسرائيلية وعدم قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة، بل السبب الأهم هو الرفض الفلسطيني الرسمي والشعبي للصفقة وعدم تجاوب غالبية دول العالم معها .

ما تسمى صفقة القرن ليست محل إجماع كل أركان الإدارة الأمريكية وهي مرتبطة أكثر بشخص الرئيس ترامب المثيرة مواقفه للجدل، لذا فالعقلاء في الإدارة الأمريكية يعلمون جيدا صعوبة بل استحالة إنهاء الصراع في الشرق الاوسط وخصوصا الفلسطيني الإسرائيلي دون موافقة الفلسطينيين، والفلسطينيون حتى الآن ثابتون على موقفهم الرافض .

لا شك أن الانقسام الفلسطيني وحالة الضعف والانقسام العربي وكذا الممارسات الإسرائيلية على الأرض فيما يتعلق بالقدس والاستيطان كلها أمور قد توحي ظاهريا بإمكانية البناء عليها لتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع التاريخي السياسي والديني في الشرق الأوسط، إلا أن الأمور أكثر تعقيدا وعمقا .قد تستطيع إدارة ترامب أن تغيِّر بعض الشيء من طبيعة الصراع وتفكيك وإعادة تموضع بعض أطرافه، ولكنها لا تستطيع إنهاء القضية الفلسطينية أو تجاوز الأمم المتحدة وقراراتها أو إنهاء حالة العداء الديني بين المسلمين والعرب من جانب واليهود وإسرائيل كمشروع استعماري صهيوني من جانب آخر .

إن كانت فرصة نجاح صفقة القرن في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي شبه منعدمة، فما الذي يسعى له ترامب من الترويج لصفقة القرن وما تثيره من ضجيج ؟وما الذي يسعى له من وراء عقد ورشة البحرين، و من المعروف أنه لا يوجد مؤتمر أو لقاء سياسي وخصوصا إن كان بتوجيه ورعاية دولة كبرى إلا وله أهداف مُعلنة أو خفية، بغض النظر عن شرعية أو عدم شرعية هذه الأهداف ؟ .

في عالم السياسة وفي علم إدارة الصراعات والنزاعات الدولية نميز ما بين إنهاء الصراع وحل الصراع، وواشنطن من خلال مساعيها تًدرك أنها لن تخسر شيئا من طرح مشروعها المسمى صفقة القرن، فإن نجحت جهودها في حل الصراع أو تفكيكه وتغيير طبيعته فهذا إنجاز مهم لها، وإن لم تتمكن من حله، وهذا مؤكد، فعلى الأقل تأمل أن تًعيد سيطرتها على إدارة الصراع بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها وخصوصا إسرائيل، ومقياس النجاح والفشل في الحالتين ليس رهنا بالإدارة والإرادة الامريكية والإسرائيلية فقط، بل بردود فعل الفلسطينيين والعرب وكل من يناوئ السياسة الأمريكية، واستمرار تصديهم للسياسة الأمريكية.

 إذا، فإن كل ما يجري مجرد محاولات ومراهنات أمريكية لتحقيق كل أو بعض الأهداف التالية :

1- قطع الطريق على أي طرف آخر أن يطرح مشاريع تسوية أو ينافس واشنطن في تفردها بإدارة الصراع .

2- سحب البساط من تحت اقدام الأمم المتحدة وقراراتها ومنظماتها ومحكمة الجنايات الدولية، والأمم المتحدة اليوم هي محل رهان القيادة الفلسطينية، وبهذا تسعى واشنطن لإلغاء البُعد الدولي للقضية الفلسطينية .

3- كسب الوقت من خلال محاولة إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى جولة جديدة من المفاوضات العبثية، وذلك بهدف تمكين إسرائيل من استكمال مخططاتها للسيطرة وضم كامل الضفة الغربية والقدس .

4- تفريغ القضية الفلسطينية من كينونتها كقضية تحرر وطني من الاستعمار وتحويلها لقضية إنسانية واقتصادية، وهذا يُعيدنا إلى ما قبل انطلاق الثورة الفلسطينية والمشروع الوطني التحرري منتصف الستينيات .

5- ابتزاز منظمة التحرير وإحراجها، فإما أن تحضر مؤتمر البحرين مما يعني موافقتها على الصفقة ليس فقط في شقها الاقتصادي بل والسياسي، أو تستمر في موقفها الرافض مما قد يدفع أطرافا أخرى للحلول محلها، وقد يتم اتهامها بأنها غير معنية بتحسين الأوضاع الاقتصادية لشعبها .

6- ضرب وحدانية تمثيل منظمة التحرير للفلسطينيين، من خلال فتح قناتي اتصال ومفاوضات إحداها مع المنظمة والسلطة والأخرى مع حركة حماس، حتى الأموال التي يتم تقديمها من قطر وغيرها وتلك التي يُوعَد بها الفلسطينيون من خلال الصفقة لا تذهب لعنوان فلسطيني واحد بل تُقسم ما بين سلطة غزة وسلطة الضفة .

7-  تعزيز حالة الفصل بين ما يُفترض أنها أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة من خلال فصل غزة عن الضفة وخلق فتنة داخلية .

8- إنهاء المقاومة المسلحة من خلال الحفاظ على الهدنة الأخيرة بين فصائل المقاومة في قطاع غزة وإسرائيل والتي تمت برعاية شبه دولية وبإغراءات مالية، وواشنطن ليست بعيدة عن الموضوع مباشرة أو من خلال وكلائها، وليس عبثا أيضا أن الهدنة تمت قبيل ورشة المنامة .

9- فك الارتباط ما بين فلسطين والعالم العربي من خلال التطبيع وتجاوز المبادرة العربية للسلام، فالمشاركة في مؤتمر البحرين يعني التخلي عن هذه المبادرة .

10- تغيير طبيعة الصراع باصطناع أعداء للعرب غير إسرائيل، وليس عبثا أن يتم الإعلان عن مؤتمر المنامة في ظل توتير الأوضاع في الخليج وتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران .

هذا المشروع كسابقيه لن يحقق السلام أو ينهي الصراع حتى وإن تساوقت معه بعض الدول العربية، وما زال يحدونا الأمل بأن تتدارك القوى السياسية الفلسطينية الأمر وتتخذ موقفا موحدا في مواجهة ما هو قادم، وألا تضعف بعض الأطراف للتساوق مع الصفقة بصيغة أو أخرى تحت ضغط الحاجة أو الإغراء المالي أو التخوف من تداعيات الرفض على وجود السلطة سواء سلطة غزة أو السلطة الفلسطينية، وفي نفس الوقت نأمل ألا تشارك الأنظمة العربية في ورشة المنامة في مخطط تصفية القضية من خلال دورها المالي، لأنه في حالة رفض العرب دفع الأموال اللازمة لتمويل الشق الاقتصادي للصفقة فستفشل الصفقة أو على الأقل ستفقد غطاءها العربي كما هي فاقدة غطاءها الدولي والفلسطيني، وستبقى واشنطن وتل أبيب وحيدتين في مواجهة العالم .

 

د. إبراهيم أبراش