عبد السلام فاروقتتفاوت توقعات العلماء والباحثين حول مصير فيروس كورونا "كوفيد19"ومآلاته ؛ فمنذ اكتشاف الفيروس فى ديسمبر 2019 بالصين، وحتى اليوم، أكثر من مائة يوم الآن مرت على بداية ظهور الوباء الذى استشرى فى الصين، وفتك بثلاثة آلاف مواطن صينى، قبل أن يخترق الحدود ويتفشى فى الجهات الأربعة .

وفيما يؤكد كثير من الخبراء والمراقبين أن منحنى الوباء سيشهد تراجعاً خلال شهور أو أسابيع، يتحفظ البعض الآخر أمام تفاؤل تكذِّبه الأرقام التصاعدية المخيفة فى أوروبا وأمريكا بعد الانحسار الجزئى فى آسيا، والتصاعد البطئ فى باقى القارات.

يستند الفريق المتفائل إلى شواهد أهمها: 1- انحسار موجة المد الأولى للوباء فى بؤرته الأم فى ووهان الصينية ..2- ارتفاع درجات الحرارة، وأن الأبحاث التى أجريت أكدت قدرة شمس الصيف القائظ على قتل الفيروس وشل قدراته الوبائية. 3- ما يتوالَى من تصريحات شبه يومية عن لقاحات تجريبية أو علاجات مبدئية فى طور التجريب قبل تصنيعه وتدويله.

 أما الفريق المتشائم فيستند لشواهد عكسية: 1- أن سرعة انتشار المرض فى بؤرته الجديدة الأوروبية تدعو للقلق، وبخاصة أعداد الوفيات التى فاقت ما حدث فى البؤرة الأولى. 2- أن بعض البلدان ذات الانتشار السريع للمرض تتمتع بالفعل بدرجات حرارة مرتفعة نوعاً، ولم تؤثر حرارة الشمس على حجم العدوى. 3- رغم التصريحات الإعلامية حول العلاجات والأمصال من كبريات الدول وشركات تصنيع الدواء العالمية، لم تعلن منظمة الصحة العالمية حتى اليوم عن علاج أو لقاح مؤكد ضد فيروس كورونا، ولحين ظهور مثل هذا اللقاح يظل انتشار الوباء رهناً بسلوكيات البشر .

دعنا نكن متفائلين، وننحاز للفريق الأول . هنا سيظل السؤال : هل سيبقى العالم بعد انحسار كورونا المُفترَض كما كان قبله، أم أن العالم سيتغير تغيراً جذرياً، وللأبد؟

أفاعيل كورونا

استطاعت جرثومة ضئيلة فى حجم الذرّة أو أقل .. أن تفعل ما لا تستطيعه أعتى الجيوش .. بل إنها أخضعت تلك الجيوش نفسها لقوانين الوباء!

ففى نحو أربعة أشهر أعلنت حكومات الدول العظمى الطوارئ، وأغلقت الحدود، وحظرت الطيران والتجوال، ومنعت الاستيراد . وهو ما لم يمنع تفشى الوباء إلا بنسبة .. فاستمر الفيروس فى أفاعيله : فأجبر الناس على الاختباء، وأجبر المتاجر والنوادى والمسارح على إغلاق أبوابها، هكذا استشرى الهلع، وانهارت البورصات، وأفلست الشركات، وتلقت أسواق المال ضربة قاصمة لم تتلق مثلها منذ عقود.

أكثر من هذا أن يتجاوز التأثير المدى .. فلا الاقتصاد وحده، ولا الصحة العامة، ولا السياحة والتنقل . بل بات للفيروس، بلا أدنى مبالغة، تأثير عميق ودائم على السياسة العالمية، وعلى خارطة المصالح والتحالفات الدولية . تلك الصورة العجيبة التى رسمها الفيروس الفتاك بريشته الغارقة فى دماء ضحاياه، ليست صورة تخيلية سريالية، بل هى حقائق أفرزتها أزمة عالمية لم يتوقع مدى تبعاتها أحد . لكن الأرقام والحقائق تتحدث ..

نزيف البشر والموارد والأموال

حتى يومين مضيا تجاوز عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا المليون مصاب،وقفز عدد الوفيات إلى ما يزيد عن 85 ألف حالة . والأرقام القادمة من الدول التى تشهد تزايداً مضطرداً فى عدد الإصابات تقول أن هناك طفرة جديدة خلال الموجة الثانية لكورونا تعدت موجته الأولى، وأن التضاعف العددى أمسي بمتوالية هندسية لا بمتوالية حسابية كما كان بالأمس القريب! وهو ما ينذر بتجاوز نقطة اللاعودة، إلا أن يتوصل العلم لعلاج فعال.

منذ نحو عشر سنوات أو يزيد، حدث انتشار واسع وسريع لفيروس أنفلونزا الطيور ثم أنفلونزا الخنازير فى أعقابه. إلا أن تأثيرهما فى الاقتصاد العالمى لم يقترب من معشار ما حدث اليوم فى حالة فيروس كورونا!

فى الصين، ومع بدء الأزمة، انهارت البورصة انهياراً سريعاً أدى لانسحاب كبريات الشركات الدولية من أسواق المال، وهو ما استطاعت الصين استثماره جيداً كما اتضح مؤخراً .. وفى أوروبا وأمريكا أدّى التوتر والاضطراب الشعبي والحكومى إلى حدوث سلسلة من الأزمات الاقتصادية غير المتوقعة : اختفت البضائع من المتاجر، وتضاعفت أثمان السلع فى الأسواق الموازية، وفنيت الموارد خلال أيام وأسابيع، واتضح أن المخزون الاستراتيجى لدى تلك الدول الكبري أقل كثيراً من المطلوب، وأن البلد الوحيد المستعد لتوفير متطلبات تلك الدول من السلع والموارد هو الصين! كل هذا بخلاف التأثيرات الأكثر عمقاً وفداحة على أسواق المال، والشركات متعددة الجنسيات، وقطاعات النقل والسياحة والصناعات الثقيلة والتجارة الدولية . وهو ما اضطر تلك الدول للتدخل بدعم مباشر لتلك القطاعات كى لا تنهار فجأة فتنهار معها الدولة . وهو ما يفسر ما أعلنه ترامب من إقرار تريليوني دولار دعماً للأزمة، منها 50 مليار لدعم صناعة الطائرات!

تلك السياسة الاضطرارية للدول الكبري أفرزت فجوة اجتماعية هائلة، بين أثرياء تدعمهم الحكومة الرأسمالية للمرور من الأزمة، وفقراء ينسحقون من مرورها الثقيل.

سياسة الفوضى أو فوضى السياسة

بطبيعة الحال هناك من استند لنظرية المؤامرة لتفسير كل شئ، معتمداً على مقولة كونداليزا رايس حول فكرة الفوضى الخلاقة .. تلك التى يخلق منها كل مُدَّعٍ رأياً يفسر به كل كارثةٍ وأزمة.

 ومنذ أن جاء على لسان ترامب لفظ "الفيروس الصينى" فى إشارة لكونه "صناعة صينية"، والاتهامات المتبادلة بين الصين وأمريكا لم تنتهى.

آخرها يؤكد أن الفيروس ليس فيروساً، وأنه غاز سام بثته أمريكا فى تجربة سرية بأفغانستان سابقاً ! وهو الادعاء الذى يضع كل معامل ومختبرات العالم فى دائرة الاتهام بالمشاركة فى مؤامرة كونية ما!!

فهل حقاً تنطبق نظرية الفوضى الخلاقة على وباء كورونا ؟ أم أن حكومات الدول الكبري مرتبكة فعلاً وقد وقعت فى الفخ الذى أسقطت فيه أعداءها سابقاً؟

ولو أن نظرية المؤامرة تسري على هذا الوباء. فمن هو المنتفع الأكبر من حدوث مثل تلك الكارثة العالمية ؟ الشركات الكبري أفلست، وأمريكا تعرَّت وانكشفت، والاتحاد الأوروبى تفسَّخ إلى دويلات حيرَى لا تدرى ما تفعل، فمن هو المستفيد؟

بعد سقوط اتحاد اليورو..متى ينهض من جديد؟

بعد خضوع أنجيلا ميركل للعزل الصحى، وتسارع وتيرة الوباء فى إيطاليا وأسبانيا.. أقرَّ المصرف المركزى الأوروبي خطة بقيمة 750 مليار يورو لا لدعم فقراء أوروبا، وإنما لدعم بعض شركات صناعة السيارات والطائرات مثل فولكس فاجن وإيرباص وأليطاليا!

الفكرة هنا أن أوروبا تحارب من أجل البقاء . فبعد عدة ضربات منهكة : الأزمة الاقتصادية 2008، ثم خروج بريطانيا وتداعيات "بريكست"، ثم تدفق اللاجئين وتفكك الناتو، وانقلاب ترامب على حلفائه الأوروبيين .. جاءت الضربة القاضية بهذا الوباء الذى ضرب اقتصاد أوروبا فى مقتل.

إيطاليا استغاثت بحلفائها الأوروبيين، فجاءها المدد من الصين ! فيما أصم حلفاؤها آذانهم . حيث كل دولة مشغولة برعاياها! وقد أعلنها رئيس صربيا فى وجوه قادة أوروبا صريحة مدوية : " أن التضامن العالمى وهم، وأن التحالف الأوروبى أضحى شبيهاً بقصة خرافية من قصص العجائز!" .

انجراف تيارات الفن والثقافة والفكر

على الصعيد الفلسفى وضع كورونا لنفسه بصمة غائرة، سوف تدوم لسنوات تالية..

بدا هذا واضحاً جلياً منذ اللحظة الأولى التى اندفع فيها كل شخص نحو معتقداته يفندها أو يتمسك بـأهدابها .

وعقب كل كارثة عالمية كانت تحدث مثل تلك الموجات الفكرية العاتية التى تجرف معها كل فكرة قديمة وتضع مكانها فكرة أخرى جديدة .

ربما لا تظهر بوادر تلك الفلسفات أثناء المعمعة .. وإنما بعد انقشاع الغبار، وصفاء السماء، ووضوح الصورة بجلاء وبكل تفاصيلها ومفارقاتها الدرامية.

بعد كورونا سوف يكون هناك تيار فنى وثقافى وأدبي مختلف ومغاير لما مضى . ودور السينما والمسرح التى توقفت سوف تجد لها موضوعاً دسماً تعمل عليه لسنوات أخرى قادمة .

لعبة النفط والدم

فى خضم تلك الأزمات المتتالية، أتى قرار السعودية بزيادة إنتاجها من النفط للحدود القصوى، مع تخفيض السعر إلى مستويات دنيا . والحجة هى الحاجة العاجلة للسيولة . بينما على الشاطئ الآخر تلقفت أمريكا القرار لسد فجوة تمويلية لديها، عن طريق تخزين النفط بكميات كبيرة، ثم بيعه بعد ارتفاع أسعاره والاستفادة بالأرباح الهائلة الناتجة من فارق السعر.

إلا أن هناك لاعب آخر استطاع الاستفادة من تلك اللعبة، وهو الصين كونها دولة مستوردة للنفط، وهى لا تستورده لتخزينه، بل لإدارة مصانعها وماكيناتها الجبارة التى تعمل ليل نهار بلا انقطاع لتوفير منتجات تكفى العالم، لا الصين وحدها!

لقد تأكد لدى خبراء الاقتصاد من خلال مراقبتهم للوضع العالمى، أن التوقف الجزئي للماكينة الصينية أضر بالاقتصاد العالمى ضرراً جسيماً . وأن الجزء الأعظم من متطلبات السوق العالمى يأتى من الصين، ولا توجد دولة تستطيع أن تحل محلها اليوم للقيام بتلك المهمة .

وفى مقال بمجلة "فورين أفيرز" أشار المحرران الأمريكيان (هنري فاريل وأبراهام نيومان) لدور الصين فى تمويل المساعدات الإنسانية لدعم العالم أجمع، وأن استغاثة إيطاليا لم تلق استجابة إلا من الصين، التى كانت مستعدة بآلاف الأجهزة والمعدات والآلات والملابس والفرق الطبية المجهزة، بخلاف ما أرسلته الصين لإيران وصربيا . بينما سحب الاتحاد الأوروبى يده، وانزوت أمريكا تبحث شأنها الداخلى.

عزلة أمريكية .. انفتاح صينى

فى نفس المقال المشار إليه .. تحدث الكاتبان الأمريكيان عن الآثار الجيوسياسية للوباء. متخذين من أمريكا والصين محوراً لرؤيتهما التحليلية ..

ففى مقارنة بين كفاءة إدارة الأزمة لدى الصين، وتباطؤ المؤسسات الأمريكية أكد الكاتبان أن ثقة الجمهور بكفاءة القيادة الأمريكية تزعزعت، وأن أساليب ترامب الفردية ونزوعه الدائم للعمل بمعزل عن المجتمع الدولى أربك العمل المؤسسى الأمريكى القائم على جمع التحالفات، والإجماع أو الالتفاف الجماهيري، ثم قدرة أمريكا اقتصادياً وتكنولوجياً على تجاوز الأزمات والكوارث . وهو ما لم يحدث فى حالة كورونا . بل على العكس، بدت استجابة أمريكا بطيئة فاترة، وأن الصين تحركت بسرعة للاستفادة من الثغرات التى نشأت من أخطاء الإدارة الأمريكية لتملأ الفراغ وتضع نفسها فى قيادة العالم لمواجهة الكوارث وفى مقدمتها وباء كورونا!

تلك رؤية المراقبين الأمريكيين التحليلية حول ما أفرزته الأزمة حتى الآن .. فماذا عن المستقبل ؟

خريطة جيوسياسية جديدة

الجميع تضرر من مغبات الوباء .. لكن العالم ينتظر ليشهد من يقف على قدميه أولاً..

كان غريباً أن الحكومات التى اتخذت إجراءات صارمة مبكرة سريعة، لم تكن من بينها حكومات دول الغرب الكبري! ففى حين أغلقت روسيا حدودها البرية مع حليفتها الصين، وألغت تأشيرات دخول الأجانب، ووضعت قطاع الخدمات الصحية فى حالة تأهب قصوى، وأغلقت مؤسسات التعليم حتى منتصف أبريل، ووضعت قوانين صارمة لاحترام شروط الحجر الصحى .. أدى التراخى فى أداء الحكومات الغربية إلى تحول أوروبا إلى بؤرة ثانية للوباء، هى أكبر وأخطر من البؤرة الأولى.

معنى هذا أن النموذج الأمثل لإدارة الأزمات لم يكن الغرب ولا أمريكا . بل الصين وروسيا وكوريا الجنوبية . وأن التجربة العملية أثبتت جاهزية تلك الدول على التعامل مع الأزمات، بل وتقديم نفسها كداعم قوى للدول الأخرى الأقل قدرة على إدارة الأزمة والتعامل مع تبعات الوباء.

الأهم من هذا وذاك أن الصين باتت فى صدارة الدول التى خرجت من محنتها أقوى وأكثر حنكة واستعداداً، كما أنها عوضت خسائرها المادية، وهى على وشك تحويل تلك الخسائر إلى مكاسب هائلة، خاصةً فى ظل تعطش الأسواق العالمية للبضائع الصينية التى تمتاز بالوفرة وقلة التكلفة.

الحكومات قبل الشعوب شهدت عملياً كيف أن تشبثها بالحلفاء الأوروبيين ومن ورائهم أمريكا القائد الأوحد للعالم، هو تشبث بأوهام أثبتت التجارب مدى زيفها.

كل الطرق تؤدى إلى الصين

الصين لعبت دور البطولة باقتدار ..

عندها بدأ الوباء، وعندها انتهى أو أوشك.

خرجت الصين من التجربة تلملم خسائرها وتستجمع شتاتها، فيما غاصت أقدام أوروبا وأمريكا أكثر فى عمق الأزمة التى يبدو أن تأثيرها على الغرب أشد وأدوم.

استطاعت الصين من الاستفادة من أخطاء الدول الأخرى خاصةً أمريكا .

فإذا كان الوباء مؤامرة أمريكية كما يدعى أصجاب نظرية الفوضى الخلاقة، فلاشك أن السحر انقلب على الساحر، وباتت أمريكا هى الخاسر الأكبر..

بينما بدا أن كل طرق النجاح تؤدى إلى الصين!

 

عبد السلام فاروق

 

إني أعتبر أن الاستعداد لانتقاد روسيا وستالين هو الاختبار (الحقيقي) لأمانة المثقفين (اليوم)، إنه الشيء الوحيد من وجهة نظر المثقف الأدبي الخطر فعلا – جورج أورويل، 5 أغسطس آب 1944

أقبل أن تنتقد أي نظام، أن تشتم أي حاكم، أن تدعو رعايا أي نظام للثورة عليه، لأنك دائما على حق في كل كلمة تقولها ضدهم، لا يستحق الحراس وسجونهم إلا ذلك .. يمكن أن تكون الكورونا علامة على أزمة النظام الرأسمالي، أو أنظمة ما، أو كل الأنظمة القائمة والتي قامت وستقوم كما يعتقد أمثالي، لن تجد عندي سوى التصفيق والهتاف لكل دعوات إسقاط أي نظام، النظام الذي يعني ممارسة القمع والقهر والإجبار، تقسيم البشر إلى حكام ومحكومين، وتلقين وفرض السمع والطاعة ….. لكن أجدني مضطرا لأهمس كلمتين للشباب الذين يتداولون اليوم ببعض الحماس ما يقوله أبطال تلك الدعوات لإسقاط الأنظمة القائمة، أولئك الذين يتصدرون نقد ما هو قائم ويطرحون أنفسهم بدائلا أفضل عنه، من يقدمون أنفسهم أبطالا للحرية والعدالة والمساواة الخ: سادة جدد .. اسألوهم: هل يجرؤ أحدهم على أن يحدثوكم كيف تصرف معلميهم وأساتذتهم في أزمات مشابهة للكورونا اليوم، كيف واجه لينين وتروتسكي وستالين وماو وخوجة وإيل سونغ كوارث عامة كالمجاعات التي لم تتوقف في الاتحاد السوفييتي منذ عشرينيات القرن الماضي حتى أربعينياته أو في الصين ومؤخرا في كوريا الشمالية، كيف واجه هؤلاء انتفاضات الخبز والجوعى، كيف واجه خلفاء محمد، أسلاف إسلاميينا الذين ما زالوا يتحدثون ك"ثوريين" في سوريا ومصر، جوع رعاياهم، إخوتهم في الدين، حتى الموت وانتفاضات هؤلاء بحثا عن كسرة خبز والتي كان آخرها سفربرلك المجزرة العالمية الأولى التي اعتبرها رجال الدين في الدولة العلية جهادا مقدسا .. لنبدأ بلينين الذي كتب في مارس آذار 1912 معلقا على المجاعة التي ضربت روسيا القيصرية وقتها: "قد تفشل مواسم الحصاد في أي مكان لكن فقط في روسيا يؤدي ذلك إلى مصائب فاجعة، إلى جوع ملايين الفلاحين" .. "ثلاثون مليون إنسان مجبرون على العيش على الكفاف . يبيع الفلاحون ممتلكاتهم، قطعانهم، كل شيء يمكن بيعه، مقابل لا شيء تقريبا . إنهم يبيعون بناتهم – وهذه ردة إلى أسوأ حالات العبودية . تكشف الكارثة الوطنية على الفور الجوهر الحقيقي لنظامنا الاجتماعي "المتحضر" المزعوم" … "هذه عبودية ملايين الكادحين لحساب غنى ورفاهية وطفيلية العشرة آلاف الذين في الأعلى" .. يمكنكم التنبؤ ببقية كلام لينين في عام 1912، تكاد كلماته تتطابق مع كلمات ثوريينا اليوم عن ضحايا الكورونا والرأسمالية العالمية والعنصرية والأنظمة الاستبدادية وما بعد الحداثة الخ الخ .. لكن بعد ست سنوات فقط على مقاله الأول سيتحدث لينين بلغة أخرى عن نفس الملايين الجائعة .. في رسالته إلى عمال بتروغراد الجائعين في 22 مايو أيار 1918 لم يعد الفلاحين الذين يموتون جوعا يستحقون الشفقة أو الرثاء أو التضامن، لقد أصبحوا اليوم "برجوازيين، غولاغ أو فلاحين أغنياء أو متوسطي الحال، من يعترضون تطبيق احتكار الدولة للحبوب ويعطلون توزيع الدولة لها"، "تعارض البرجوازية (أي الفلاحون أو الغولاغ الكلمة المفضلة عند اللينينين لوصف هؤلاء الفلاحين) أسعار الحبوب الثابتة لأنهم يتكسبون من بيع الحبوب، بأن يحصلوا على مائة ماثتي روبل أكثر عن كل بود قمح"، "إنهم يعطلون احتكار الدولة وتوزيعها للحبوب باللجوء إلى الرشوة والفساد" .. هل تتوقعون مثلي أن هذا بالضبط كان رد القيصر وزبانيته ومرتزقته على مجاعة 1912 بل رد اي نظام على الكوارث التي تلحق برعاياه .. هل تتوقعون أن يختلف تفسير القيصر لفساد جهازه الإداري ولا حتى بكلمة أو حرف عن هذا التفسير اللينيني لفساد نظامه ورفاقه .. ماذا كان في جعبة لينين يومها للملايين التي تتضور جوعا ؟: "أولا احتكار الدولة للحبوب أي الحظر المطلق لأي متاجرة خاصة بالحبوب (خارج الدولة)، التسليم الإجباري لكل الحبوب الفائضة للدولة بسعر ثابت"، "التوزيع العادل والملائم للخبز تحت سيطرة دولة العمال" .. "كروسيد (تعني هذه الكلمة في الأصل حملة صليبية لكنها تستخدم اليوم كمرادفة للحرب الشاملة أو لحملة صارمة الخ) عامة يقوم بها العمال الأكثر تقدما إلى كل مراكز إنتاج الحبوب والنفط … كروسيد عامة لزيادة إنتاجية العمل عشرة مرات، لمساعدة الأجهزة المحلية للسلطة السوفيتية في مجال الحسابات والسيطرة، للتخلص من المتربحين والمخادعين بالقوة المسلحة" … بكلمة: عسكرة كاملة للمجتمع وللعمل، تحويل المصانع والمجتمع إلى جيش عرعرم يسير وفق "انضباط حديدي"، الكلمة المفضلة عند لينين بعد 1917، تدابير تتخذ دون أية رحمة، ترى ألم يكن هذا هو رد القياصرة قبل لينين على المصائب التي كانت تلحق بروسيا، أليس هذا بكل بساطة هو سلوك وموقف أية سلطة من أية كارثة تصيب رعاياها .. كم اختلف كلام لينين فقط في عدة سنوات وكيف أصبح يتحدث تماما مثل القياصرة الذين سبقوه، ليس فقط أنه كان قد أصبح واحدا من العشرة آلاف الذين انتقلوا إلى الأعلى والذين لا يتضورون جوعا أبدا، كان لينين قد أصبح رئيس هؤلاء العشرة آلاف، قيصر روسيا الجديد، لهذا بدأ بالحديث تماما كما فعل كل القياصرة الذين سبقوه .. لا يشبه لينين 1918 قياصرة روسيا السابقين بل لقد أصبح أيضا يردد كلام رجال الدين الذين سبقوه عبر التاريخ .. "من لا يعمل يجب ألا يأكل"، هكذا قال الحواري بولس في رسالته الثانية إلى أهل سالونيك قبل أن يرددها معه لينين في رسالته لعمال بتروغراد الجائعين في عام 1918 والتي ضمنت بعد ذلك في الدستور السوفيتي في عام 1918 و1936 .. بالنسبة لمن هم في الأعلى، الذين يأكلون دون أن يعملوا، يجب على الآخرين أن يعملوا كي يأكلوا .. في وقت لاحق سيسخر تروتسكي من النظام الذي ساهم في تشييده: "المبدأ القديم، من لا يعمل يجب ألا يأكل، استبدل بمبدأ جديد، من لا يطيع يجب ألا يأكل" .. لكن كلا المبدئين ليسا جديدان أبدا، لقد قامت عليهما كل سلطة منذ فجر التاريخ، مهما ادعت من شعارات أو إيديولوجيات أو اديان .. لوح لينين بقبضته كثيرا في رسالته إلى عمال بتروغراد الجائعين، مرددا كل سطر تقريبا عبارة "بلا أية رحمة"، كانت ماكينة القتل البلشفية قد انطلقت منفلتة من عقالها وهي التي ستلتهم في نهاية المطاف جزءا من العشرة آلاف الذين في الأعلى أنفسهم في إطار الصراع على السلطة وقمع كل صوت مخالف .. كان البلاشفة كاشتراكيين ديمقراطيين قد واقفوا على قرار مؤتمر الأممية الثانية في كوبنهاغن عام 1910 الداعي لإلغاء عقوبة الإعدام، رفع يومها لينين وزينوفييف وتروتسكي وكامينيف وراديك ولوناتشارسكي أيديهم بالموافقة على هذا القرار، وفي عام 1917 عندما حاولت حكومة كيرينسكي تطبيق عقوبة الإعدام بحق الخونة والمجرمين والفارين من المعركة رفض هؤلاء ذلك بقوة ولا حتى بحق أعتى المجرمين، وعندما انعقد المؤتمر الثاني للسوفييتات بعد أكتوبر تشرين الأول 1917 والذي يفترض أنه أصبح السلطة الحاكمة في البلاد كان من أول قراراته إلغاء عقوبة الإعدام حتى في الجبهة، لكن هذا لم يكن سوى حبر على ورق بالنسبة للسلطة الجديدة .. يصف مارتوف المنشفي اليساري في منتصف عام 1918 كيف قام البلاشفة بقتل وإعدام الأسرى وكل من يستسلم لقواتهم، وهم عزل من السلاح وحتى بعد "منحهم الأمان" على حياتهم، كيف قتلوا خصومهم والأسرى أو المستسلمين ضربا أو رميا بالرصاص أو مزقوهم إربا دون أن يلقى القتلة أي عقاب، وكيف قامت عصاباتهم بقتل "أعداء الثورة" دون محاكمة ودون تمييز بين رجل ومرأة وطفل، لقد أصبح حتى من الصعب معرفة من يعطي أوامر القتل الذي أصبح أمرا سهلا ما أن يوصم شخص ما بأوصاف مثل معادي للثورة وما شابه .. ليست كلمات الثورة المضادة وأعداء الثورة بريئة كما تبدو، الفارق هو أن هؤلاء لم يصبحوا سادة بعد .. شعر مارتوف يومها بالفزع لأن كل هذا كان يجري باسم الاشتراكية وباسم العمال الروس وفي مخالفة صريحة لقرار مؤتمر السوفييتات بإلغاء عقوبة الإعدام .. بعد الإعدام دون محاكمة قرر البلاشفة، العشرة آلاف الجدد الذين أصبحوا في الأعلى، الذين يأكلون دون أن يعملوا، أن يستخدموا المحاكم لتبرير همجيتهم تماما كما فعل أي حاكم عبر العصور، فاستحدثوا محاكم الثورة الاستثنائية، التي يقدم لنا مارتوف مثلا عن أحد ضحاياها: ألكسي شاتسني الضابط في أسطول البلطيق والذي عين آمرا له بأمر من تروتسكي والذي تمكن من إخلاء سفن الأسطول من هلسنكي إلى كرونشتادت كيلا تقع بيد البيض الفنلنديين قبل أن تتوتر علاقته بتروتسكي فيأمر بالقبض عليه ومحاكمته بتهمة التآمر على السلطة السوفيتية ويعدم بعد ذلك .. لم يكن ستوبيلين جلاد القيصر نيكولا ولا كرينسكي من ألقى القبض على شاتسني وأعدمه بل تروتسكي .. ليست هذه مفارقة بل نكتة تمارسها كل الأنظمة .. منع شاتسني من الدفاع عن نفسه ومن استدعاء شهود الدفاع، بينما اكتفت "محكمة الثورة" بالاستماع فقط لشاهد الإثبات الوحيد: ليون تروتسكي، نفس الشخص الذي اتهم شاتسني وأصدر الأمر باعتقاله .. نكتة أخرى تخص كل الأنظمة في كل العصور: سيلقى تروتسكي نفس مصير شاتسني وكثيرين من أمثاله دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، سيموت بنفس الأداة التي أنشأها وبرر همجيتها عندما كان من العشرة آلاف الذين في الأعلى .. بعد عامين على هذه المحكمة المسرحية كتب تروتسكي الذي كان ما يزال أحد أبرز العشرة آلاف الذين يأكلون دون أن يعملوا كتابا رد فيه على معلمه ومعلم لينين السابق "المرتد" كاوتسكي (سلمان رشدي البلاشفة) دافع فيه بشراسة عن الإرهاب الذي مارسه هو ورفاقه من العشرة آلاف الجدد الذين أصبحوا في الأعلى، كان اسم الكتاب الشيوعية والإرهاب .. برر تروتسكي إرهاب السادة العشرة آلاف الجدد، لكن ما هي الجريمة التي استحق عليها الضحايا الجدد كل ذلك التنكيل والعقاب وأخذ آهاليهم رهائن الخ الخ: كانت جريمتهم هي معارضة البلاشفة .. تماما كما يردد الإسلاميون اليوم وكما فعل السادة دائما، ولهذا قد لا يبدو غريبا ألا يجد كثير من الماركسيين مشكلة في إرهاب الإسلاميين، أنك إذا عارضتهم وانتقدتهم علنا فأنت مجرم مستحق لأشد عقاب .. الفضاء السياسي ليس إلا ساحة معركة لا تنطبق عليها قوانين الحرب التي استحدثتها البشرية مؤخرا، بل تنطبق عليها قوانين الحروب الهمجية منذ أقدم العصور التاريخية، يجب سحق العدو دون رحمة، دون أي اعتبار لأي قيم أو أي شيء، كل شيء مباح في الحرب، هذا هو القانون المقدس للدولة ومن هم على رأسها على مر العصور .. أما الإعلام فهو مجرد سلاح آخر في هذه الحرب لذلك فإن حرية الخصم في التعبير والإعلام غير ممكنة أبدا، يجب حرمان العدو من هذا السلاح، يجب إخراس كل من ينتقد، أولا خارج العشرة آلاف الذين في الأعلى ثم بينهم بهدف بقاء العشرة آلاف الذين في الأعلى هناك إلى الأبد أو لأطول فترة ممكنة .. عندما تساءل كاوتسكي عن الفرق بين الأساليب الإرهابية للبلاشفة عن أساليب القياصرة السابقين عنهم أجاب تروتسكي: "الفرق هو أن إرهاب القيصر كان موجها ضد البروليتاريا … أما قواتنا الخاصة فإنها تقتل أصحاب الأرض والرأسماليين والجنرالات الذين يريدون إعادة النظام الرأسمالي" .. لا يحق لك أن يكون لك رأي مختلف عن العشرة آلاف الذين في الأعلى، ألا يبدو هذا مألوفا .. في 1918 كان الفلاحون الذين يتضورون جوعا قد أصبحوا "برجوازيين وغولاغ" بنظر لينين وتروتسكي، وكان لينين وتروتسكي يعتقدان جازمين أن كل المشاكل يمكن حلها بالمسدسات، بالكرابيج، بالسجون، بالأوامر، بفرق الإعدام والتعذيب، بالمدافع والدبابات .. قتل تروتسكي بنفس السلاح الذي صممه وأطلق له العنان في قتل كل مخالف .. ما الذي كان يمكن أن يكون بحوزة لينين أو تروتسكي أو ستالين أو ماو اليوم للمنهكين من الكورونا وانعدام الأمل ومصائب الرأسمالية: عسكرة العمل، إرهاب الجميع، قتل كل مخالف، إخراس كل الأصوات، تماما كما يحدث اليوم في المناطق المحررة والحرة من سوريا وليبيا، وتماما كما كان يحدث تحت حكم القذافي والأسد .. والآن ماذا عن إخوتي الإسلاميين الذين يتصدرون المعارضة الثورية في مصر وسوريا وربما في أماكن أخرى أيضا: يرى هؤلاء الإخوة نقلا عن نبيهم وأساتذتهم أن لله جنود لا تروها منها الجوع والمرض وهي تكون إما عذابا للكفار والمرتدين والمشركين أو ابتلاء وامتحانا للمؤمنين وكما قال محمدهم أن أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه الخ الخ .. إنهم مسؤولون فقط عن ارتداء النساء للحجاب أو النقاب، عن رجم الزناة، عن التزامك بالصلاة وقتل كل من يشتم الرسول وجباية الجزية من أتباع الصليب وسبي نسائهم أما طعامك وشرابك ومرضك فمن الله وعلى الله .. تذكروا فقط كيف أخذ الإخوان المصريون يرددون نفس ترهات نظام مبارك ومن سبقه بحق معارضيهم وبحق كل من كان يحتج على فشل سياساتهم وفسادهم .. لم يمكن أبدا التفريق بين خطابهم في السلطة وبين خطاب النظم المتتالية التي حكمت القاهرة، كانوا قد أصبحوا من العشرة آلاف الذين تسلقوا إلى الأعلى وكانوا يتحدثون تماما ككل السادة والطغاة الذين سبقوهم إلى هناك .. قيل سابقا احذر عدوك مرة واحذر "صديقك" ألف مرة، أيها الشباب: احذروا كل جماعة من البشر تفترض أنها وحدها تملك الحقيقة المطلقة وبناءا على ذلك تمنح نفسها صلاحيات فوق العادة، صلاحيات لم يحصل عليها حتى أسوأ الطغاة في التاريخ: تقرر من يمكنه أن يعيش ومن يجب أن يموت، من يتكلم ومن يصمت إلى الأبد، تجبر الجميع على العمل وتسمح لهم بتناول الطعام فقط إن سمعوا وأطاعوا، ولا تقبل بأي نقد أو بادرة احتجاج أو معارضة .. ينتقد معظم "المثقفين" اليوم ستالين، لكن الأمانة، الجرأة والبصيرة كانت تعني أن يفعلوا ذلك في اليوم الذي انتقد فيه أورويل ستالين ورفاقه واعتبر ذلك معيار الإخلاص والأمانة الحقيقية عند المثقف .. فعل أورويل ذلك قبل سنوات من موت الزعيم وعشرات السنين على موت ديكتاتورية البلاشفة، عندما كان الجميع أو الأكثرية تمتدح القاتل والطاغية وتغض البصر عن كل جرائمه .. مرة أخرى وأخيرة، ايها الشباب: احذروا "أصدقاءكم" المهووسين بالسلطة الذين يعتقدون جازمين أن كل شيء يمكن حله بالسوط والمسدسات والقنابل والسجون وأقبية التعذيب ومعسكرات العمل العبودي، كي توفروا على أنفسكم والآخرين المزيد من الموت والجوع والمرض والألم والأكاذيب.

 

مازن كم الماز

.......................

أقوال لينين، تروتسكي ومارتوف منقولة عن الأصل الانكليزي

 

محمود محمد عليعندما غزت كورونا القارة الأوروبية لم يكن أحد من الأوربيين يتصور أو يعتقد أن تلك الجائجة يمكن أن تحدث في أراضيهم.. ربما أقنعهم بذلك أن معظم الأوبئة مثل «زيكا» و«إيبولا» وُلدا وماتا على الأراضي الفقيرة ولم يخرجا منها.. لكن يبدو أن «كورونا» قد تعلّم درس العولمة جيدًا، وقرر أن ينظر إلي العالم علي أنه يمثل قريةً صغيرة لا معنى لوضع الحدود بين بيوته.. لذا دخل الفيروس أوروبا بلا سابق إنذار، وبات مصدر تهديد للمواطن الأبيض وغير الأبيض.. لقد قتل الآلاف من الناس، وعطل سلاسل التوريد، وأوقف الاقتصاد الأوروبي، وتسبب في إغلاق مدن بأكملها. في جميع أنحاء أوروبا.. أصبحت المطارات فارغة .. والمكاتب مغلقة.. والشوارع خاوية كأنها مدينة أشباح... أحدث الفيروس أزمة غير مسبوقة اجتاحت دول أوروبية كبرى ؛ مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا ؛ فقد راح آلاف الأوروبيين ضحايا لتفشي كورونا.. وإزاء هذا الوضع الكارثي المتدحرج من شمال إيطاليا إلى إسبانيا وفرنسا وغيرها، وتحول القارة القديمة إلى بؤرة انتشار للفيروس القاتل، والاستنتاج أنه لن تخرج أي دولة من الأعضاء سالمة من هذا التسونامي الصحي والاجتماعي والاقتصادي.

بيد أن الأمر لم يتوقف عند حد الخسائر البشرية أو الاقتصادية، إذ إنه أضحي يهدد أيضاً استمرارية كيان بحجم الاتحاد الأوروبي، ذلك أن عدداً من الممارسات والقرارات التي اتخذتها عدة دول ألقت بظلالٍ من الشك على مدى جدوى استمرار هذا التكتل ؛ خاصة عندما رفعت شعار " لا تضامن أوروبي"؛ وهنا بات المحللون يتساءلون: هل يخرج الاتحاد من نفق «كورونا» المُظلم كيانًا واحدًا محتفلًا بانتصاره الجماعي على الوباء؟ أم يخرج من النفق ممزقًا إلى دوله المختلفة، كل دولة تحتفل بفوزها منفردةً على الفيروس وتشتكي «خذلان الأحبة» من باقي دول الاتحاد؟!

ناشدت إيطاليا الاتحاد الأوروبي بإعطائها إمدادات طبية لمواجهة الجائحة التي تهدد وجودها، لكن الرد الأوروبي تعامل مع إيطاليا كأنها دولة أفريقية.. الاستجابة الأوروبية جعلت "ماتيو سالفيني"- أبرز يميني متطرف في إيطاليا مقبولًا؛ فقد عقّب سالفيني قائلًا: "عندما يكون الآخرون في شدة.. فعلى إيطاليا أن تدفع.. أما إذا وقعت إيطاليا في شدة فإنهم يغلقون حدودهم ومحافظ أموالهم".. وفي هذا السياق، شنت الصحف الإيطالية هجوماً عنيفاً على الاتحاد الأوروبي غداة قرار بإرجاء اعتماد تدابير قوية في مواجهة التداعيات الاقتصادية لتفشي وباء كورونا المستجد.. وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي قد أكد أن الاتحاد الأوروبي قد ينهار بسبب تلك الجائحة، منتقداً غياب خطة موحدة لمواجهة وباء كورونا، مضيفا: ".. على أوروبا أن تظهر قدرتها على مواجهة فيروس كورونا، لأن إيطاليا تؤدي دورها"... كما هدد سيادته خلال قمة الاتحاد الأوروبي التي نظمت عبر الفيديو الأسبوعين الماضيين بعدم التوقيع على الإعلان المشترك في حال لم يعتمد الاتحاد تدابير قوية، وذلك بعدما رفضت ألمانيا ودول شمال أوروبية أخرى مناشدة تسع دول، من بينها إيطاليا الأكثر تضرراً، من أجل الاقتراض الجماعي من خلال سندات كورونا للمساعدة في تخفيف الضربة الاقتصادية للوباء.

وعقب حديث رئيس الوزراء الإيطالي أخذت الصحف الإيطالية تهاجم الاتحاد الأوروبي بشراسة ؛ حيث اختارت صحيفة "فاتو كوتيديانو" الإيطالية عنوان "كونتي يقول لأوروبا ميتة أن تذهب إلى الجحيم". كما عنونت "لا ريبوبليكا" ذات الخط السياسي المؤيد للاتحاد الأوروبي تقليدياً، "أوروبا قبيحة ، وبدورها، اعتبرت  صحيفة "كورييري ديلا سيرا" أنّه "في حال افتقد الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق، فإنّ هذا يعني أنّ المشروع الأوروبي نفسه قد انتهى.

وعلى خلفية "تباطؤ" دول الاتحاد في دعم إيطاليا ظهرت أربعة سيناريوهات ذات دلالات عميقة؛ الأول كان مشهد المدرعات والعربات الروسية التي تجوب شوارع إيطاليا حاملة على متنها مساعدات وأطقم طبية؛ والثاني هو مشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا أيضاً والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أمريكا عليها حظراً منذ عقود، والثالث هو مشهد تقبيل الرئيس الصربي لعلم الصين اعترافاً منه بدعمها ومساندتها لبلاده، والرابع هو مشهد هل ينهار الاتحاد الأوروبي؟.. ونتيجة هذه الأزمة بدأ الايطاليون باستبدال أعلام الاتحاد الأوروبي بأعلام روسيا والصين؛ حيث نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمواطن إيطالي يقوم بنزع العلم الأوروبي، ثم يدخل إلى أحد الأبنية ويخرج حاملاً علم روسيا، ثم في نهاية الفيديو يحمل ورقة كُتب عليها، شكراً بوتين، شكراً روسيا.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أزمة كورونا تعجل بإنهيار الاتحاد الأوروبي كما تنبأ بذلك رئيس وزراء إيطاليا؟

اعتقد أن الأزمة التي يمر بها الاتحاد الأوروبى خلال الفترة الراهنة، بسبب أزمة فيروس كورونا والخلاف الكبير بين دول إيطاليا وفرنسا وألمانيا حول تقديم مساعدات للدول الأوروبية التي تعرضت لأزمة كورونا وأثرت على اقتصادها لن تؤدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد، ولكن قد تؤدى إلى خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي علي غرار إنجلترا أو تؤدي إلي وجود تعديل في اتفاقية بروكسيل التي بمقتضاها تم إنشاء الاتحاد.. إن الانهيار غير وارد للاتحاد الأوروبي ، وذلك لأن سلطات الاتحاد الأوروبى محددة وفقا لاتفاقية بروكسيل، حيث إن دور المفوضية الأوروبية هو التنسيق بين الدول الأوروبية لتقديم مساعدات لبعضها حال تعرضت لزلازل أو أعمال إرهابية أو لكارثة، علاوة علي أن البند رقم 222 من اتفاقية بروكسيل ينص على أن الدول الأوروبية عليها تقديم المساعدات للدول الأعضاء المنكوبة بسبب كوارث، وفيروس كورونا يعد من تلك الكوارث.

إن الخلافات الدائرة حالياً حول عدم تقديم مساعدات كافية لإيطاليا بسبب فيروس كورونا لن يؤدى إلى تفكك الاتحاد، لأن الأمر يحتاج إلى تعديل بعض البنود بما يسمح بإلزامية تقديم المساعدات، وأن فرنسا وألمانية المختلفان الآن حول تقديم مساعدات لإيطاليا حريصين للغاية على بقاء الاتحاد الأوروبي.. وكان الاتحاد الأوروبى رفض أن يتحمل تبعات الأزمات الاقتصادية التي تنطوي على تفاقم فيروس كورونا، فقد كان هذا هو رد الاتحاد على طلب إيطاليا الذى تزعمه ألمانيا، على عكس فرنسا التي أكدت ضرورة إرسال مساعدات مالية لإيطاليا لمواجهة الأزمة التي تتعرض لها والتي تدمر اقتصادها.

ورغم ما يروج من حديث عن احتمال خروج دول أخرى من "الاتحاد الأوروبي" مثل إيطاليا عقب أزمة جائحة "كورونا"، ترى ورقة بحثية نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة "، أن هذه التحليلات "غير دقيقة في تناولها، لأنه من المبكر جدًّا الحكم على هذا الأمر وتداعياته على الكيان الأوروبي".. وتقول الورقة التي أعدّها الباحث باسم راشد إنّ "حالة الغضب الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي مثلًا لم تنعكس سوى في تصرفات فردية، ولم تعبر عن توجه عام داخل المجتمع الإيطالي حاليًّا، خاصة مع قيام ألمانيا بعلاج المواطنين الفرنسيين والإيطاليين الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي التي يسببها فيروس كورونا في المستشفيات الألمانية".. وتضيف ورقة مركز المستقبل أنّ حالة الاستياء على المستوى الرسمي في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال بسبب رفض الاتحاد سندات كورونا "لا تعبر عن رغبة تلك الدول في مغادرة الاتحاد بشكل فعلي، لكنها تستخدم تلك النبرة في خطابها للضغط على الاتحاد الأوروبي للاستجابة لمطالبها".. وتذكر الورقة أنّ أزمة فيروس "كورونا" كشفت محدودية دور الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأزمة، وفقًا لحدود صلاحياته المنصوص عليها في معاهدات تأسيس الاتحاد، ووفقًا لمدى التزام الدول الأعضاء بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في بروكسل لإدارة الأزمة بشكل مشترك.

ويزيد الباحث باسم راشد مدقّقا: "يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي، على عكس ما يُشاع، يقوم بالدور المنوط به في التعامل مع أزمة كورونا، وهو الدور الذي فرضته عليه معاهدات الاتحاد الأوروبي، والصلاحيات الممنوحة له في بعض الملفات كالصحة وغيرها؛ بيد أن ما قد يُؤخذ عليه في التفاعل مع الأزمة هو بطء الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها، والتي كان من الممكن لو تم اتخاذها مبكرًا إنقاذ القارة العجوز من إحدى أخطر الأزمات التي تواجهها مؤخرًا".

وترى الورقة أنّ من أهمّ ما تنبع عنه "الانتقادات" عدم فهم "الخط الفاصل بين دور الاتحاد وأدوار الدول الأعضاء طبقًا لمعاهدات تأسيس الاتحاد، خاصة في بعض الملفات؛ وذلك لأن الاتحاد ككيان فوق- وطني له سلطة التنسيق بين الدول الأعضاء، وصلاحية إبداء النصيحة والرأي وليس فرض قراراته عليها"، كما حمّل جزءا من مسؤولية الانتقادات المعبّر عنها لـ "التّلاعب بسياسة مدح الحكومات الوطنية في حالة الإنجاز، وانتقادِ الاتحاد في حالة الفشل والأزمة"، وهو التوجه الذي يقول إنّ بعض الساسة اعتادوه "للحصول على دعم مواطنيهم بالاعتماد على عدم الفهم الجمعي الكافي لحدود دور الاتحاد ومحدوديته".

وتذكّر الورقة بامتلاك الاتحاد الأوروبي سلطات محدودة للتصدي لمثل هذه النوع من الأوبئة بشكل عام، لأن الدول الأعضاء هي التي تشرف على القطاع الصحي، ويمكن للمفوضية الأوروبية فقط تنسيق ودعم الدول الأعضاء في مجال الصحة، وتقديم توصيات وإعطاء المشورة، من خلال الدور عبر – الحكومي؛ فيما تظلّ الحكومات الوطنية حرة في اعتماد هذه التوصيات.

كما توضّح الورقة أنّ الدور الثالث للاتحاد، بعد الدورين الحصري والمشترك، هو "الدور الداعم للدول الأعضاء فقط؛ إذ تقع السلطة النهائية في اتخاذ القرار على عاتق الدول الأعضاء، والذي تندرج تحته أزمة كورونا، لأن دور الاتحاد فقط هو دعم الإجراءات الوطنية في المجالات الاجتماعية كالصحة"، علما أنّ دول الاتحاد الأوروبي "مازالت مترددة في تسليم السلطات الصحية إلى المستوى فوق الوطني، خاصة أن السياسة الاجتماعية مجال يتضمن عادة ميزانيات وطنية كبيرة، تظل عرضة للتغييرات في الحكومة والائتلافات السياسية".

وتخلص الورقة في ختامها إلى أنّ بعض الحكومات الوطنية تريد تحميل الاتحاد الأوروبي مشاكل إخفاقها الداخلي في مواجهة أزمة كورونا، وتنتقده لعدم القيام بدور غير منصوص عليه في المعاهدات الأوروبية ولا تسمح به حتى الدول الأعضاء، ثم تضيف: "صار التوجه العام داخل بعض المؤسسات الأوروبية في الوقت الحالي هو المطالبة بتمكين الاتحاد الأوروبي ككيان فوق وطني في ملفات مثل الصحة وغيرها، خاصة أن أزمة كورونا قد أظهرت ضعف سلطات الاتحاد على الدول الأعضاء، بعدما قامت بعض الدول الأوروبية بوضع نفسها أولًا؛ فاشترت وخزّنت الأدوية على المستوى الوطني، ما زاد من صعوبة وصول هذه المنتجات إلى دول في أمسّ الحاجة إليها، وأدى إلى انتشار المرض في سائر أوروبا".. وبالتالي، ترى الورقة أنّه قد أضحى من الضروري لمكافحة مثل هذا النوع من التهديدات: "إعادة النظر في المعاهدات الأوروبية بما يُعطي مزيدًا من السلطات للاتحاد الأوروبي لممارسة دوره بفعالية أكبر، ومزيدًا من الصلاحيات لتعزيز المواجهة "المشتركة" لأي أزمة".

واعتقد أن ما ذهبت إليه ورقة "باسم راشد" تحمل الكثير من الصدق ، وأكبر دليل علي إعادة النظر ما اتخذه الاتحاد الأوربي كما خلص إليه الورقة السابقة ما حدث خلال الخميس الماضي، حين قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اعتذارات لإيطاليا على تأخر رد فعل الاتحاد بشأن تفشي وباء كوفيد-19 ، وذلك في رسالة نشرتها الصحف الإيطالية .. ووجهت المسؤولة الأوروبية رسالة مباشرة إلى الإيطاليين، جاء فيها: "أقدم لكم اعتذاراتي.. نحن معكم"، وكتبت في صحيفة "لا ريبوبليكا" "اليوم أوروبا تتحرك وتقف إلى جانب إيطاليا.. لكن الأمر لم يكن دائما كذلك.. وتابعت فون دير لاين "علينا أن نقر أنه في بداية الأزمة حيال الحاجة لرد أوروبي مشترك لم يفكر كثيرون إلا بمشاكلهم الوطنية.. وأعلنت أن الاتحاد الأوروبي سيخصص حتى 100 مليار يورو للدول الأكثر تضرراً بدءً بإيطاليا للتعويض عن تراجع مداخيل من سيعملون ساعات أقل.. وأضافت أن أوروبا اتفقت أيضاً على "منح قروض مضمونة من كل الدول الأعضاء ما يثبت التضامن الأوروبي.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة من تداعيات فيروس كورونا علي الاتحاد الأوروبي .. وللحديث بقية إن شاء الله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

سامان سورانيبالرغم من أن الأزمات العالمية هي بمثابة محرکات ضاغطة تحمل في طیاتها فرصاً للتغيير ، تساعدنا علی الإنتقال الی عالم جديد، نشعر اليوم بأن فیروس کورونا المستجد تغير ثقافتنا السیاسية، بعد أن تخطت حصیلة الإصابات المعلنة من قبل الجهات الرسمية في العالم عتبة المليون.

فمن يری هذا العالم داخل الکل الأنطولوجي الكوني يعمل بفکرة التضامن المجتمعي العابر للحدود وینتصر في مواجهة الخطر الداهم. فالمؤمن بفلسفة تضامن الشعوب بإعتبارها درس جوهري لازم للحياة، یهتم بالحوكمة الجيدة ويتعامل بحرفية و مهارة عالية مع أسوأ التهديدات.

إن تعامل حکومة إقلیم كوردستان وإستجابتها الجدية مع فیروس کورونا المستجد، بعد تفشي هذه الجائحة بدایةً في کل من الصين و إیران، وذلك بأستخدامها إستراتیجية فاعلة وتدابير إستباقية لمواجهتها عن طريق قیامها بحملات توعية صحیة وتطبيق تدابير المتابعة والسيطرة المرنة، أثبت هذه الحکومة للمنطقة والعالم ، رغم قلة خبرتها في التعامل مع أزمة تفشي هذا الوباء، أنها قادرة علی قيادة شعب الإقلیم بشکل عصري و یمکنها إنقاذه من هذا التهديد الراهن لإیصاله الی بر الأمان،  حیث أستطاعت خلال فترة زمنیة محددة تهیئة شعب كوردستان، بعد عقد مؤتمرات صحفية يومية والتواصل المستمر وبعد نشرها لمعلومات جاهزة من غرف إعلامية و مراکز لتحلیل بیانات مستمدة من مدن وأقضية و نواحي الإقلیم، للتجاوب بشکل إیجابي مع أسلوب أحتواء تلك الأزمة. لایمکن التقليل من شأن الإنجازات الإيجابية لرئیس حکومة إقلیم کوردستان و طاقمه الوزاري في هذه الفترة الحرجة، رغم إمکانيتهم المالية والتكنولوجية والصحية المحدودة،  لأنهم بجدیتهم وشفافيتهم تمکنوا من تعزيز الأمن الصحي وتمهيد الطريق لتقوية العلاقة بین کافة مکونات المجتمع الكوردستاني و رفع معنوياتهم تجاه مفهوم المواطنة وحب الوطن، وهکذا التزم الأکثرية الساحقة بالعزل الذاتي والحجر الصحي، وهذا مادعی منظمة الصحة العالمية للإشادة بمساعي الإقلیم نموذجه الناجح في التصدي لهذه الأزمة، رغم وجود قيود كثيرة ومعروفة تعيق عمل هذه الحکومة، إذا ما تم مقارنتها بدول إقلیمة أو متقدمة في العالم.

بالتأكيد سوف تشرق شمس عالم مابعد كورونا علی الأفق، و سوف تتبلور ملامح جديدة تعيد النظر في طبيعة العلاقات بين الدول والشعوب وتخلق أشکال جديدة من المنظمات والمؤسسات الدولية یمکن أن تقوي قبضة الحکم الرشيد و سيادة ظروف مستقرة والقدرة على التأقلم والاستجابة للمتغيّرات المختلفة وتعزز مفاهيم الإنسانية والعدالة الإجتماعية وحب الوطن والإنسان والطبيعة.

نتمنی أن تستمر حکومة إقلیم كوردستان القوية بعد خلو الإقلیم من كورونا في ترسيخ ثقافة الابتكار في بيئة العمل المؤسسي وتقوم بإعادة تحريك الاقتصاد الداخلي وتنويع الأنشطة الاقتصادية وتعميم التطبيقات الذكية المميزة بقيادة كفاءات وطنية وفقاً لمعايير الإبداع والابتكار والتميز العالمية واقتصاديات المعرفة وخفض النفقات وزیادة السيولة بيد الناس وخلق الثقافة التي تمكن الحفاظ على صحة وسلامة العاملين والمتعاملين وتأمين رواتب منتسبي الحکومة والحد من غلاء السلع، لتخرج من هذا الإختبار بنجاح وأمتیاز.

وختاماً: "العقل يملي عدم المبالغة في الحديث عن الخطر؛ فلا يزال الفيروس مقلقاً، والشيء العقلاني الواجب القيام به هو الاستجابة بطريقة محسوسة للتهديد. أي نشر فلسفة الاعتدال، مما يعني القيام بالأشياء بالطريقة الصحيحة، لا المبالغة فيها أو التقصير في القيام بها."

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

محمود محمد عليشهد التاريخ الإسلامي، العديد من الأوبئة التى ضربت الممالك الإسلامية وحصدت الكثير من الأرواح، وكان لكل وباء قصة وأثر كبير فى الأمة الإسلامية، سواء على المستوى الاجتماعى أو السياسى، ومع تفشى فيروس كورونا "كوفيد 19"، أصبحت النظرة للماضى وكيف عانى العالم من انتشار الوباء، وكيف حاربوه، وعدد الضحايا الذين ماتوا بسببه، وسيلة البعض لمحاولة فهم كورونا ذلك الفيروس الغامض القاتل، ومن بين الأوبئة التي ضربت الأمة كان وباء الفناء الكبير والطاعون الأعظم.

وتعرضت بلاد الشام في عصر دولة المماليك الأولى عام 748هـ/1347م لطاعون اجتاح معظم مناطق بلاد الشام ومصر وأوروبا ولشدة فتكه وسعة انتشاره أطلق عليه اسم " الفناء الكبير" أو " الطاعون الأعظم"، وأفنى سكان مدن دمشق وحلب وصفد والقدس والكرك وعجلون وبيت المقدس ونابلس والسواحل وجنين والرملة وعربان البوادي، استمرت الطواعين تفتك في منطقة بلاد الشام  ومصر خلال فترة المماليك الجراكسة منذ قيامها عام 784هـ /1382 م وحتى قبل بثلاثة سنوات، وذلك بحسب دراسة بعنوان "الأوبئة (الطواعين) وأثارها فى بلاد الشام فى عصر المماليك الجراكسة"  لمبارك محمد الطراونة.

وبحسب الدراسة كما يقول مبارك محمد الطراونة ؛ أنه منذ اعتلى السلطان "برقوق" عرش السلطنة المملوكية عام 784هـ/1382 م وبدأ حكم دولة المماليك الجراكسة أصيبت مدينة دمشق بالطاعون الذي حصد العديد من سكانها. وأعقبه عام 787هـ/1385م وباء عم مدينة حلب وضواحيها أهلك الكثير من البنات والنساء حتى ربت أعداد الموتى على ما يزيد على الألف . وبعد مرور ثلاثة أعوام على خلو بلاد الشام من الأوبئة أصيبت المنطقة عام 490هـ / 1388 م بأوبئة وأمراض كثيرة تفشت في غزة والقدس وحلب، . وقدرت أعداد الوفيات في مدينة دمشق وحدها باستثناء الضواحي بخمسـة آلاف شخص.

وانتشر في حلب عام 795هـ/1392 م ما أطلق عليه لعظم تأثيره اسم الفناء العظيم كما يقول مبارك محمد الطراونة ؛ حيث كان يحصد يوميا من الرجال والنساء والأطفال ما يقدر بخمسمائة إنسان، وبحصيلة نهائية من أول انتشار الوباء وحتى نهايته بـ 150 ألف شخص داخل مدينة حلب، ومائتين وعشرة آلاف شخص من نواحي حلب وقراها، واستمر الوباء يفتك ببلاد الشام حتى عام 796 هـ /1394م فأصاب بيروت وشمال الأردن والأغوار وغزة وأدى إلى هلاك أعداد كبيرة من الأطفال والصبيان وكبار السن.

وبعد انقطاع مدة تسع سنوات عاد " الفناء العظيم " ليفتك بالمنطقة في عام 805 هـ/1402م وافني أعدادا كبيرة من السكان في معظم بلاد الشام. وبعد انحسار الوباء مدة سبع سنوات " 812 هـ/1409  م تفشى الطاعون في كل من حمص وحماة وطرابلس، وأمات أعدادا كبيرة من، وقد أحصى المقريزي في كتابه "درر العقود" من توفي في مدينة حماة من الصبيان مدة  الناس ثلاثة أشهر بسبعة آلاف صبي. واستمر الوباء يفتك ببلاد الشام؛ حيث عم طرابلس وحوران، ودمشق وضواحيها، كما انتشر في بداية عام 813 هـ / 1410م ببلاد فلسطين وعجلون ونابلس، ولم ينقض العام حتى مات "خلق كثير جدا، وانتهى تأثيره في مدينة دمشق عام 814هـ /  1411م بعد أن قضى على ما يقرب من خمسين ألفا "غير مما لم يعرف ويحصى ".

وفي عام 816 هـ /1413 م تفشت الأمراض الكثيرة في دمشق، وانتشر الوباء الذي وصف بالعظيم في كل من حلب وحماة وما كاد يتعافى السكان من آثاره وويلاته مدة ثلاثة أعوام حتى وصلت جراثيمه إلى مدينة دمشق عام 819هـ / 1416م، وكانت الوفيات كثيرة قدرت  بحوالي مائتين شخص يوميا، وانتقلت عدوى الوباء إلى كل من مدن القدس وصفد وطرابلس  وقدر ابن الصيرفي أعداد المتوفين في بلاد الشام بستة وثلاثين ألفا وبلغ من توفي في مدينة  طرابلس وحدها في عدة أيام حوالي عشرة الآف فرد.

أٌطلق على الطاعون الذي أهلك أعدادا كبيرة من الشباب عام 825 هـ / 1422م اسم طاعون الشباب، وقد كان ابتداؤه من مدينة حلب على شكل وباء انتشر في كل من حمص وحماة، ومن كثرة عدد الوفيات كادت بلاد الشام أن تخلو من أهلها،وازدادت أعداد الوفيات في العام التالي 826هـ/1423م، وبخاصة في مدينة حلب؛ إذ بلغت أكثر من خمسمائة شخص في اليوم الواحد معظمهم من الأطفال، وبمرور عدة أشهر على ابتدائه انتشرت عدوى المرض في مدينة حماة ومات فيها خلائق لا تعد، وانتقلت العدوى بعدها إلى دمشق وأماتت من أفراد عائلاتها إعدادا كبيرة جدا؛ فقد ذكر المقريزي أن أعداد من توفي بصالحية دمشق وحدها يزيد على خمسة عشر ألف إنسان، وأحصى من كان يسجل في ديوان دمشق من الموتى فكانوا ثمانين ألفا منهم ست الآف بنت عذراء، وبمعدل مائة شخص يوميا طيلة انتشار الوباء . كما استمر الوباء في الانتشار في معظم مدن بلاد الشام، فوصل غزة التي كان يموت فيها يوميا أكثر من مائة إنسان معظمهم من الأطفال والخدم والنساء حتى خلت الدور منهم، وأما الرملة فكان يموت منها يوميا خمسون فردا، وبلغ عدد الموتى في مدينة القدس ثلاثين شخصا، ووصل بلاد الخليل والكرك كما يقول المقريزي حتى "تلاشى أمر مدينة الكرك وخربت قراها.

وفي الأعوام 831هـ /1428م، و823هـ /1429م، و833هـ /1430م تفشت الأمراض والأوبئة بين أهل بلاد الشام وبخاصة مدن دمشق وحمص وحماة .وكانت شديدة التأثير والفتك في كل من غزة والرملة والقدس وصفد، ومات بسببها خلائق شتى أغلبهم من الأطفال والشباب، ووصف المقريزي وباء عام 833هـ /1430م بأنه يشبه النزلات التي تنحدر من الدماغ إلى الصدر، وتكون أكثر فتكا بالأطفال والشباب ويموت المصاب في أقل من ساعة من غير ظهور أعراض المرض علية.

عاد الوباء ليعم معظم منطقة بلاد الشام في عام ٨٣٨هـ/١٤٣٤م واستمر السكان يعانون من نتائجه السيئة عليهم حتى عام 841 هـ /1437 م؛ إذ اشتد تأثيره وعظم فتكه مبتدئا من مدينة حلب؛ حيث حصد ما يقارب ثمانمائة إنسان، ثم انتقل إلى حماة وكان يميت يوميا مائتي شخص، وأما في حمص فكان عدد الجنائز الخارجة منها يوميا ما بين عشرين إلى ثلاثين جنازة، وخاصة من الوافدين إليها من العراق، وانتشر في مدينة دمشق وطرابلس الرطبة وصفد والغور والرملة وغزة، ولكثرة الأموات في غزة التي بلغت اثني عشر الفا، فر نائبها إلى ظاهر البلد وبنا له مخيما إلا أنه توفي فيه، ويذكر المقريزي أن الوباء فتك بسكان بلاد الشام وبخاصة من الأطفال والبنات والرقيق الإماء حتى كادت البيوت تخلو منهم في جميع بلاد الشام بأسره.

ثم عاد الطاعون من جديد عام841 هـ /1437م ليفتك بمدينة حلب، ووصف بأنه طاعون عظيم لم تعلم وفياته اليومية , ففي عام 852 هـ /1447م اشتد تأثير الطاعون في مدينة حلب وتوابعها وانتشرت جراثيم الوباء البكتيرية في مياه خندق القلعة بحلب، مما أسرع في انتشار المرض في كل من  الكلاسة وبانقوسا، وفي أغلب قرى مدينة حلب، وبلغت الوفيات في القرى القريبة من حاضرة المدينة وضواحيها نحو الخمسمائة نسمة وبقي تأثيره في منطقة حلب وقراها وتوابعها حتى عام 853 هـ/ 1448م، وقدرت المصادر التاريخية أعداد الوفيات اليومية بما ينوف على الألف فرد.

وما أن استهل عام 863 هـ /1459م حتى فشا الطاعون في بلاد الشام مبتدئا بمدينة حلب وضواحيها وأهلك فيهما ما يزيد على مائتي ألف إنسان، وأخذت العدوى تنتقل إلى المدن والقرى المجاورة حتى شمل البلاء معظم مناطق بلاد الشام مدنها وقراها وبواديها، وكان تأثيره كبيرا في مدينة غزة حتى وصف بأنه أباد معظم أهلها، وتجاوزت أعداد الموتى فيها في اليوم الواحد سبعمائة إنسان .. وواصل انتشاره في بقية المدن الشامية وتركز تأثيره عام 864 هـ/1459 م  في القدس، وتوفي بمدينة دمشق "ما لا يحصي.

ولم يمض عقد من رفع البلاء الذي حل بسكان بلاد الشام من الطاعون السابق حتى عاد من جديد ليهلك معظم البلدان الشامية وبخاصة مدينة دمشق التي زادت جنازاتها على ألف جنازة، وأما القدس وما حولها فلكثرة الوفيات تركت الجثث في العراء مدة ثلاثة أيام ولم يتمكن حفارو القبور القيام بواجب الدفن، وتطوع الناس لحمل الجثث على السلالم والأبواب لتوارى التراب. وما كاد الناس يأمنون الوباء حتى يعود على فترات متقطعة في الأعوام 881هـ /1476م، و882هـ/ 1477م حتى بلغت الوفيات اليومية في مدينة دمشق دون ضواحيها ما بين ألف إلى ألف وخمسمائة.

وبعد أن خلت حلب من الأوبئة والطواعين منذ عام 863هـ / 1459م فتك بسكانها طاعون 897هـ / 1491م أباد العديد من أهلها، ثم عم بقية بلاد الشام بخاصة دمشق التي قدرت عدد الجنائز التي خرجت منها ألف جنازة ومنها تفشى بضواحيها وقراها، ولشدة فتكه بالضواحي، والقرى كان يخرج من القرية التي تعداد سكانها العشرون رجلا تسع جنائز في اليوم الواحد واستمر الطاعون إلى عام 898هـ/ 1492 م بعد أن أصاب غزة والقدس والرملة والخليل، وكانت الوفيات في مدينة غزة أربعمائة فرد يوميا.

وفي بداية القرن العاشر الهجري / أواخر القرن الخامس عشر الميلادي هلع أهل الشام لكثرة المتوفين من طاعون 902 - 903هـ /1496 - 1497 م حتى هرب أهل دمشق من المدينة إلى الضواحي، وتوفي ببيروت خلق كثير، ولم ينقطع إلا بعد أن أفنى العديد من الأطفال والعبيد والجواري.

وبعد انتهاء آثار الطاعون تفشت العديد من الأمراض المعدية بين السكان، وهي نوع من أنواع الحميات أو الجدري أو الجرب في عامي 904 هـ/1498م، و 909 هـ /1503م وخاصة في بيروت، وفي عام 917هـ / 1511م أصاب الناس مرض الجدري ومن ثم الجرب ومن أعراضه شدة الحكة التي كانت تمنع الناس من النوم والجلوس، واستمرت الأوبئة منتشرة بمنطقة بلاد الشام حتى رفعها الله عن الناس عام 919هـ/1513م.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

........................

المراجع

1-  محمد عبد الرحمن " الفناء العظيم" وباء فتاك ضرب دولة المماليك الجراكسة.. هل سمعت عنه؟ (مقال منشور باليوم السابع المصرية).

2- مبارك محمد الطراونة : الأوبئة (الطواعين) وآثارها الاجتماعية في بلاد الشام في عصر المماليك الجراكسة  (784-922هـ) /1382-1516م)، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 4، العدد 3، 2010م.

 

أمريكَا يكفي! لقد وحّدتنا الكورونا!

مقدمـة:

هل يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تكون هي ناشرة الكورونا؟؟ هاهي الصين تتهم أمريكا رسميّا باختراع الفيروس بواسطة عسكريين أمريكيين نشروه بسوق للحيوانات البحرية في يوهان أثناء الألعاب العسكرية العالمية في أكتوبر 2019. ألم تسمح لنفسها باستعمال سلاح دَمارٍ شامل هو القنبلة النوّوية على اليابان اثناء الحرب الإمبرياليّة الثانية؟ ألم تستعمل النّاپالِم في فيتنام ضدّ الثورة عليها هناك؟ ألم تزوّد «إسرائيل» بأسلحة دمار شامل ضدّ المقاومة العربية؟! هل ستكون الكورونا أكثر فتكًا ممّا فعلته الولايات المتحدة طيلة العصر الحديث ضدّ الإنسان والبيئة داخل حدودها (حجم الفقر والتشرد والاختلال الصحي) وخارجها؟! أليست الرأسمالية نفسها، وصلت إلى طور رأسمالِية الاستثمار في الكوارث (إنتاجًا لها ثم إنقاذًا، إذ في الإنقاذ كما في الإنتاج ربح اقتصادي وصيدلاني ودَوائي) [آنظر: أنتوني لوينشتاين، رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحًا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية؟، عالم المعرفة، الكويت، نوفمبر 2019].

لن أناقش مدى قوّة القرائن الصينية والإيرانية التي قد تصل إلى قوّة الدليل، ولكنني أريدُ أن أجُوس خلال الشخصية القاعدية للدّولة العميقة الأمريكية، أي أن أفكّك إبِسْتِميّتها: هل داخل هذه الإبِسْتميّة فيروسات يُمكن أن تنتج فيروس الكورونا فما دونه وما أخطر منه؟؟ هل إنّ ما قاله شاعرنا محمود درويش «أمريكا هي الطاعون. والطاعون هو أمريكا» يمكن أن يَجد مِصدَاقية في البحث الإبِسْتمي؟!

ربّما نجد إجابة عن هذا السؤال إذا فككناه: ماهو «العقل» الذي أنتج الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل فيه فيروس كورونا؟ هل دَاخِلهُ أسلحةُ دمارٍ شامل مخياليةٌ قابلةٌ للتحوّل و اقعيّا؟!

وإذا كان ذلك كذلك، ما أثره إذا اكتشفته كل شعوب العالم؟ أيْ ما آثاره على مستقبل الإنسانية؟؟

1- تأسيس الولايات المتحدة هو تأسيس بروتستنتي- صهيوني:

عام 1831، كان المسلمون خارج الحياة العالمية، ولم يكونوا يمثلون أيّ خطر إيجابي أو سلبي. ولكنْ في ذلك العام، يكتب جورج بوش (الجدّ الأكبر للأبواش المعاصرين): «حياة محمد» ليصف فيه النبي والمسلمين بأسوإ النعوت: «أعراق مُنْحّطة» «حشرات»، «جرذان»، «أفاع». ودعا فيه اليهود إلى «ضرورة العمل من أجل تجميع يهود العالم في فلسطين»، وإلى ضرورة «استعمال وسائل الدمار الشامل لإفناء السارَزِن» (أي «العرب» و«المسلمين» في التعبير الصليبي أثناء حروب الفرنجة)، قائلا: «ما لَمْ يتمّ تدمير إمبراطورية السَّارَزِن، فلن يتمجَّد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم». ولذلك لم يكن غريبًا أن يعلن حفيده جورج بوش الابن «حملة صليبية». كان بوش الجدّ الأعلى مبشرّا بالصهيونية وأسطوريّتها في وقت لم يكن فيه يهوديّ واحد صهيونيًّا.

فلقد كان تأسيس أمريكا نفسه تأسيسا للصهيونيّة. فهي ليست إلا الفهم البروتستنتي- البِيُوريتاني التطبيقي «لفكرة إسرائيل التاريخية في أدبيّات تلك الإسرائيل [الولايات المتحدة]»، بتقمّصٍ لإسرائيل الأسطورية الأولى، وبتقمّص لأبطالها ووقائعها وأبعادها الدينية والسياسية. وبذلك أنتجت الميثولوجيا القديمة ميثولوجيا حَداثية.

ولذلك سمَّى المستوطنون الأوائل أنفسهم «إسرائيليين» و«عبرانيين» و«يهودًا»، وأطلقوا على ما يُسمّى اليوم «نيو إنكلند»: «أرض كنعان»، و«صهيون»، و«إسرائيل الجديدة». فكتب جورج فوكس (1624-1691): «أن تكون يهوديًّا باللحم والدم لا يعني شيئا. أما أن تكون يهوديّا بالروح، فهذا يعني كل شيء. وكتب السّناتور بِيفَرْدج عام 1900: «إن الله اصطفى الأمة الأمريكية بين كل الأمم، وجعلها شعب الله المختار» وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من شروره». وكانت لغة التدريس في جامعة هارْفارد هي «اللغة» «العبرانية» عند تأسيسها عام 1936، رغم عدم وجود هذه اللغة، فليس هناك إلا السريانيّة، وما العبرانية إلا إحدى لهجاتها.

هاهو كلنتون يصرّح أمام «الملائكة» (قادة الكيان الصهيوني) أن كاهنه الذي ربّاه أوصاهُ: «إذا تخليت عن إسرائيل فإن الرب سيغضب عليك»، وقد علَّمه أن «إرادة الله تقضي بأن تكون إسرائيل- كما هي في العهد القديم- لشعب إسرائيل إلى الأبد». وهذا الرئيس بوش الإبن كان يقرأ كل صباح عِظات مبشرّ عسكري شارك في الحملة على فلسطين عام 1917. وهاهو ترامب بعد زيارته للسعودية يزور حائط المَبكى، ويبكي أمامه مع ابنته، مؤديا طقوسًا يهودية بصحة حاخام، مرتديا القلنسوة اليهودية، وهو أوّل رئيس أمريكي يفعل ذلك، وأول مَنْ يعترف عمليًّا بالقدس عاصمة للكيان وبالمستوطنات، وسيادته على الجولان السوري (الذي كاد حافظ الأسد يحرّره كله عام 1973 لولا خذلان السادات، كما جاء في وثائق هيكل)... وفي ذلك تسبب في إراقة دماء جديدة للشعب الفلسطيني، وتكريس للتدمير الأمريكي الشامل للوطن الفلسطيني والوطن العربي والإسلامي منذ عام 1948... وهاهو تْرامْب ينظر إلى السماء في 22/8/2019 قائلا: «أنا الشخص المختَار من الرب ليواجه الصّين» (بِي بِي سِي نيوز).

إنّ البروتستنتية الصهيونية تتبنى العهد القديم برمّته، وخاصة أسفاره التاريخية (إذ أنّ أسفاره الشعرية- العرفانية ليست عنصرية، بل تُدِينُ اليهودَ أحيانا كثيرة). فلقد بدأت الصهيونية بروتستنتية، قبل أن تنتشر  لدى كثير من اليهود، ولدى بعض المسلمين. ولكنْ للصهيونية «المسيحية» و(حاشا مسيح الرحمة، ذلك الحكيم السوري العظيم أن يكون ذا عصبيّة عنصرية) كانت سبَّاقة بكثير من القرون على الصهيونية اليهودية. ولتلك الصهيونية «المسيحية» تغليب للعهد القديم على العهد الجديد، بل للأسفار التاريخية (التكوين، الخروج، يشوع، الملوك...) على الأسفار العرفانية (أيوب، المزامير، الأمثال، إرميا...).

وتلك الأسفار التاريخية أسفار تحمل عصبية عنصرية- تدميرية خطيرة، نستغرب إلى حدّ الآن من عدم تنصّل الكنيسة العربية منها، وخاصة الكنيسة الفلسطينية (أول كنيسة في التاريخ العالمي) وتبرّئِها منها. فكل فلسطين، حسب سفر يشوع «مَوْهوبة لبني إسرائيل» ، «من صحراء النقب في الجنوب إلى جبال لبنان في الشمال، ومن البحر المتوسط في الغرب إلى نهر الفرات في الشرق، بما في ذلك بلاد الحِثّيّين» .

وإنها لفضيحة أن لا يمزق المسيحي العربي تلك الصفحات إلى حدّ اليوم، فلماذا نلوم الدّولة العميقة الأمريكية على إيمانها بها؟!!

ودون ذنب جَنَتْهُ أرِيحَا (أقدم مدينة في العالَم) مع «بني إسرائيل»، قادَهم يَشوع في أبشع أسطورة بالعالم، «ودَمَّروا المدينة، وقضوا بحدّ السيف على من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير»، ونهبوا «كل غنائم الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد» . وكذلك كان الأمر بكل المدن الفلسطينية، مثل مدينة عاي التي «أحرقوها بالنار» و«قتلوا كل مَنْ فيها» ...وهذا كله لم يحدث في التاريخ السوري، فلمْ يدوِّنه أحد من المؤرخين السوريين في هذا العصر وما بَعْدَه، ولكنه يتحقق إذا آمن به اليهودي أو «المسيحي» الصهيوني. وها إنه تحقق أوّلاً مع دولة «الإسرائيل» الإنكليزية- السَكصونية (التي اصبح إسمها: الولايات المتحدة الأمريكية) ثم مع ابنتها «دولة إسرائيل» منذ عام 1948.

لقد شرب الپيوريتاني الأمريكي من دِماء البشر (ومنهم الفلسطينيون) في مخياله قرونًا عديدًا، ثم مَارَس ذلك قرونًا عديدة مع الهندي- الأحمر ومع الإفريقي الأسود، ثم مع الفلسطيني والعربي منذ عام 1948، وقبله الفيلپيني. فلماذا لا يشرب اليوم من دم الصيني ودم الإيراني (الذي هدّد الرئيس المؤمن ترامپ قبل بضعة أشهر بشرب دم مقاماته الدينية، فكان شُرْبُ كورونا من دم الوافدين إلى قُمْ بعد زمن وجيز) «حتى تدرك جميع الشعوب أنّ يد الرّبّ [ربّ أمريكا] قوية» ، الذي يقول لـ«يشوع» الأمريكي: «ولن يقدر أحدٌ أن يُقاوِمك كل أيام حياتك، لأني سأكون معك» .

فلتُعْلن الولايات المتحدة الأمريكية براءتها من سفر «يشوع» ومن الصهيونية حتى لا نشك في أنها أرادت قتل الشعبين الصيني والإيراني بالكورونا، فأفلت منها الفيروس وانتشر في جميع أنحاء العالَم!!

2- الولايات المتحدة تدمِّر الشعب «الهندي الأحمر» بالحرب الوبائية لكي تتحقق:

يجب أن نعترف بأننا لم نتواصَل بَعْدُ مع هذا الشعب النبيل. ومن أبرز الأدّلة على ذلك أننا لا نعرف إلى حدّ الآن ماذا سمَّى هذا الشعب نفسه، بل نُسمّيه ونَصفُه بما سمَّاه و وَصَفه المحتل المدمِّر الأوروبي.

باعتبار أنّ أمريكا هي «أورشليم» الجديدة، فلقد أباحها إله إسرائيل المتعطش للدم «الكنعاني» (أي للدم غير «الإسرائيلي»)، للإسرائليين الجُدُد، أي للبيض المستوطنين للقارّة. وهذا «رسول الحرية» الرئيس جِفَّرْسون يقول عن هؤلاء الحمر: «سنفنيهم ونمحوا آثارهم من هذه الأرض» في ترديد لصوت إله «إسرائيل» وهو يحرّض «يسّوع» الأمريكي.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية وريثة «إسرائيل» أعظم ممارس للدمار الشامل في التاريخ البشري. «فلقد أبادت 400 شعب أحمر، أي قرابة 112 مليون إنسان، بواسطة التقتيل المَّادي، والترحيل بالقوّة تحت الثلوج وعلى الصخور وعلى امتداد أميال سحبًا، وبواسطة التجويع والمحاصرة، والغدر، والقَنْص، والتدمير الاقتصادي (إتلاف المحاصيل...)، وخاصة سلاح الدمار الشامل الخطير: السلاح الجرثومي» . وذلك بنشر الأوبئة بين «الهنود الحُمْر» نشر الجدري، ببطّانيّات وملابس و«هدايا» من مستشفيات البيض التي تؤوي مرضى الجدري...وهكذا دفعت أمة الحُمْر الثمن غاليا لوداعتها وجنوحها للسلام باستمرار، فحتى حربهم كانت شريفة إذ كانت الحرب في دينهم الفطري- التوحيدي – الأرواحيّ حربًا استعراضية، أي كانت من أجل إثبات التفوّق؛ كما دفعت الثمن غاليا لتحالف بعضها مع البيضِ ضد بعْضها الآخر.

لقد تفطّن الحُمر إلى هذا السلاح الجرثومي عديد المرات، ولكن ثقافتهم المفرطة في التسامُحية كانت دائما «توقِعهم» في «خطئهم» السابق. وفي السبعينيات من القرن العشرين اكتشفت الطبيبة «الهندية- الحمراء» كُوني أُوري في سجلات المستشفى الذي تعمل فيه نسبة مرتفعة جدّا من نساء جنسها الذين أُخْضَعن للتعقيم بعد يوم أو يومَيْن من وَضْعِهن . يقول جيمس بولدين، النائب بالكنغرس بين 1934 و1939: «إنّ قدر الهندي الذي يواجه الإنكلو- سَكْصُونيّ هو نفسه قدر الكنعاني الذي يواجه الإسرائيليَّ».

هاهي الولايات المتحدة تسمّي أسلحتها : «هوك» و«أپاتْشي» باسم الزعماء الهنود الذين قهرتهم وقتلتهم. وهاهخي تُسمِّي «سياتل» باسم الزعيم الذي أطردَتْ قبيلتِهِ مِن ذلك الفضاء. وهاهو المناضل الهندي- الأحمر إيغل يقول عام 1996 عن الإبادة الصهيونية في فلسطين: «هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون (....). إنّ جلادنا المقدّس واحد» .

ولم يكن توطين السود بالولايات المتحدة إلاّ تعويضًا عن هنودٍ حمرٍ رفضوا أن يكونوا عبيدًا لدولة «إسرائيل» الجديدة. ولم يكن وصول إفريقي واحد إلى الشاطئ الأمريكي إلا مقابل مقتبل مائات من السود أو غرقهم أو موتهم من الوباء على الطريق، من ساحة القتال على الأرض الإفريقية إلى جزيرة غورو السّينغالية فأمواج الأطلسي المظلمة.

3- الولايات المتحدة تنتصر على الثورة الفيلپينية بالحرب الوبائية:

مِن مُفَارقات الدهر الإمبريالي أنّ المستعمِر يقتل المستعمَر ثم يمشي في جنازته، سواءًا كان إسمه فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا أو هولندة...

هذه الولايات المتحدة الأمريكية تُواجَهُ بمقاوَمة «فيلپّنية» بين عَامي 1899 و1902، كادت تنتصر، وفي لحظة إمكانية انسحاب القوّة الأمريكية المحتلة، كان قرار الإدارة الأمريكية عام 1900 بـ«هجوم مدمِّر للهَيْضة [الكوليرا] والجدري والدُّوزنطارِيا والمَلاريا والسل، وغيرها من الأمراض المميتة (..)» . لم يكُنْ المنكوب المستعمَرُ ليعْلَم ذلك «إلاّ مِن تحت اللْحُود» (كما يقول الأديب محمود الدُّوعاجيّ)، أي لما أفرج الأرشيف الأمريكي عن هذا السّرّ في الخمسينيات من القرن العشرين.

والأدْهَى، أنّ المستعمِرَ الأمريكي بَعْد أن كان محلّ حقد الشعب «الفيلِپّيني»، أصبح محل عشق (وليس محلّ حب عادي)، إلى درجة تناسِي لغة المستعمر السابق (الإسبانية) والإقبال على لغة المستعمِر/«الصديق العظيم» الجديد، بل تَخَلِّي منطقة أمان الله (مَانيلاَّ) وغيرها عن دينها السابق، والإقبال على دين المستعمِر/«الصديق العظيم»: الپروتستنتيّة التي أصبحت دين الأكثرية، بعد أن كان دين «أمان الله» السابق هو دين محمد. وذلك أن القاتل، بَادَر في نفس الوقت إلى مدّ السكان بالدّواء واللّقاح المناسِبَيْن الناجعيْن مستدخلاً لأوّل مرّة الطبابة الأوروبية الحديثة ليتخلى المقتول طوعًا عن طبابته التقليديّة، الموروثة، إذْ أصبحت «كلها» في تمثله «غير صالحة». وبذلك أصبح القاتل، محييًا للموتى، إلاهًا قديرًا، أخرج الفيلِپّينيين من «الخرافة» و«التخلف»، مُدخلاً إيّاهم في عصر «العقل والعلم»، كما يرى المؤرخِون والمثقفون الفيلپّنيّون الحَداثيّون ، في تمثّل مطلق لمذكّرات القائد الأمريكي «وُرْشِسْتر»، الذي بَعْد أن وصف الثورة عام 1899 بـ«البسالة» و«الجرأة» و«الدهاء العسكري» و«الروح الانتصارية»، أصبح يصفها عام 1900 بـ«الأدوات المسرحية» يُحركها «مُخرج» أمريكي «يتقهقرون في فوضى هائلة» ، ثم انبرى ليصف قيادته المظفرة لحربه ضدّ الهيضة «المسرحية»- «القَرَهْ- قُوزِيَّة». عندها «أصبح» المقاوِمُ «عدوًّا» لشعبه الفيلپّيني، بينما «أصبح» المحتل الأمريكي «صديقًا عظيمًا» شافيا ومنقذا، في عيون الفيلِپينيين.

فمالم يستطيع المحتل الأمريكي أن ينجح فيه، حققته الهيضة، فرَّ سكان «أمان الله» (مانيلاَّ) إلى الغابات، هربًا من الوباء، ودخلت القوّات المحتلة إلى المدينة دخول المنتصرين، ولكن إلى مدينة دون سكان. وكانت قبضة الوباء أكثر كثافة وفتكا بالأراضي التي يهيمن عليها رجال المقاومة . وهنا أعلن زعيم المقاومة (ميكائيل مَلْوار)، الاستسلام دون شروط، فالمجاعة فتكتب بشعبه ورجاله، وكذلك الموت المتسارع، بل إن أصابع اتّهام الكثيرين من شعبه أصبحت متجهةً إليه، إذ قَبِلوا في ذلك الإشاعات الأمريكية.

مدَّ العسكريُّ الأمريكيُّ الفيلپّينيَّ، الجائع الموبوء، بالدّواء والطعام معًا، وكانت دهشة الفيلپّني عظيمة أمام نجاعة الأمريكيّ و«كرمه» و«ذكائه الإلهي». لم يكن الجيشُ الأمريكيُّ وحده متجاهلاً قامعًا لطبّ الشعب الفيلپّيني الموروث ، وقد كانت بعض الأدوية العلاجية الموروثة ناجعة نسبيّا، كالمستخلصة من شجرة «لَلْما تُونِج» ، بل إنّ الشعب نفسه قد انصاع لهذا التجاهل، مع ما يعني ذلك من انطماس الكثير من الخِبرات التاريخيّة التي ليسها لها آثار جانبيّة كالطّب الأوروبي الحديث. ولم يكن الحجر الصحي الأمريكي المفروض، مجرد إجراء استشفائي، بل كان أيضا في الوقت نفسه، حظر تجوال على شعب مقاوِم، ذكيّ جدّا في مقاومته. وكان أيضا عمليّة إعادة تهيئة نفسية وثقافية وجسدية لشعب «آخر»، حتى يصبح شعبا «ذليلا»، «مِطواعًا»، قاطعًا مع أصوله الثقافية؛ وخاصة نخبته، وطال التدمير حتى أسلوب العِمارة والسّكن، بتعلّة القضاء على الوباء. وقد قَمع القائد العسكري «وُرْشُسْتِر» الأطبّاء التقليديين بعنف، والذين أصابوا الكثيرَ من النجاحات عام 1905، وخاصة المَلِكة الطبِيبَة في منطقة «تَيْتَاي» .

4- العالَم ما بعد الكورونا ليس كما قبله: نريد بشرية متسامحة متضامنة اليوم:

- أيها السادّة! لِتَكن إيطاليا بعد تعافيها من الكورونا ليست إيطاليا قبلها، وإلا فستكون غبيّة. ها قد وجدت الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة لا يلتفتون إليها، وهاهي تجد روسيا والصين وكوبا صديقات لها. سيكون الإيطاليون أغبياء إذا تركوا القواعد الأمريكية على أراضيهم وإذا بقوا منخرطين في حلف شمال الأطلسي وإذا بقوا مُعادين أغبياء لروسيا والصين وأمريكا الجنوبية المقاوِمة ولإيران ولفلسطين المصْلوبة منذ الاحتلال البريطاني.

- أيها السادّة!.. ليَكن المسلمون بعد تعافيهم مِنْ هذه الأزمة غير المسلمين قبلها. ليتخلوا عن أفكارهم المتعصبة ضدّ الأديان والمذاهب الأخرى. ليتخلوا عن عصبياتهم التي مزقتهم أشلاءًا. لِيَتخلَّ الإخوان المسلمون عن تحالفهم مع السلفيّة الجهادية التي بَنَتْ كِيانات أپارْثايدْ في سوريا والعراق، متسبِّبين بذلك التحالف في دمارٍ شامل لَنْ تندمل جراحه بين يوم وليلة. ليعُدْ المسلمون (متديّنين وعلمانيين) فهمَهم للإسلام دين «الرحمة للعالمين» و«الجنوح للسلم» و«الأمْر بالعَدْل والإحسان» و«الدخول في السلم كافّة» (حتى في سورة الغضب: سورة التوبة)! ليتخل المسلمون عن تبعيتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية وليقتدوا بالأمم العظيمة (كوريا، الصين، إيران، روسيا، كوبا...) التي رغم جراحاتها لم تكن عدوانية وانتقامية دون إسقاطات عنصرية ومذهبية و«دينية، بل بادَرتْ إلى نجدة الملهوفين في إسبانيا وإيطاليا!

- أيها السادّة! لِيتحلَّ المسيحيون في العالَم، وخاصة العرب منهم (لأنهم هُم الذين كانوا أتباع المسيح الأوائل) بالشجاعة، ولينظفوا كتابهم المقدَّس من كل دَنَسِ العصبية العنصرية التدميرية، وإلا لا حق لهم في الانخراط في حرب المقاومة الشعبية في «أريحا» والوطن الفلسطيني! أخرجوا كيان «إسرائيل» من الكتاب المقدّس قبل إخراجه من الأرض! فوجودُهُ «المقدّس» في ذلك الكتاب هو الذي صنع فيروسات التدمير الشامل الأمريكي لشعوب العالم...

لنقرأ معًا، بخشوع المتدينين كلمات الزعيم الهندي الأحمر (سياتل) عام 1845:

«يقول السيد الأبيض [الأمريكي] إن الزعيم الكبير في واشنطن يُهدي إلينا تحيّات الصداقة والنوايا الطيبة، (..) ليست به حاجة إلى صداقتنا، فأبناء شعبه كثيرون (..) أمّا أبناء شعبي [فقد أصبحوا] قليلين مثل شجرات متناثرة في سهل كنسته العاصفة.

وقد بعث الزعيم الأبيض العظيم (..)  إلى شعبي رغبته في شراء أرضنا مقابل أن يوفر لنا عيشا مريحًا، وهذا يبدو عادلا في الحقيقة، لأن الإنسان الأحمر لم يعد له حق يستحق الصون (..) ولأننا لم نعد في حاجة إلى أراضٍ فسيحة (..)، ونحن أيضًا قَمِيئون باللوم (..). عندئذ سيكون [الزعيم الأمريكي أبًا حقا، ونحن سنكون أبناءه. ولكنْ أيمكن لمثل هذا أن يحدث؟! [لا]... فربّكم ليس ربنا. إنّ ربكم يحب شعبكم ويكره شعبي. إنّ ربكم يجعل شعبكم أقوى يومًا بعد يوم، وقريبًا ستملؤون المدى. أمّا أبناء شعبي فيضمحلّون مثل مَدٍّ ممعن في الانحسار(..) فكيف لنا أن تكون إخوةً إذن؟! (..) ربما يكون زمان أُفُولكم لما يزل بعيدًا، لكنه قادم دون ريب (..) فحتى الإنسان الأبيض لن يَقْوَ على القدر المشترك. وربما سنصبح إخوّة [آنئذ] بعد كل شيء (...) ».

ولنرتل معًا ما قاله سياتل لشعبه: «بعث الرئيس من واشنطن رسالة يعلمنا فيها عن رغبته في شراء أرضنا، ولكنْ كيف يمكن شراء السّماء أو الأرض أو بيعهما؟! هذه الفكرة غريبة علينا. كل جزء من هذه الأرض مقدّس عند شعبي (..) نحْن جزء من هذه الأرض، وهي جزء منا. الأزهار العَطرة إخوتنا. والدببة والغزلان والنسور إخواننا. كل خيال في مياه البحيرات الصافية تخبر عن ذكريات في تاريخ شعبي. ورقرقة المياه صوت أجدادي».

لنرتل معًا ما ختم به سياتل : «حافظوا في أذهانكم على ذاكرة الأرض، كما كانت عندما استلمتموها. حافظوا على الأرض لجميع الأطفال وأحبّوها كما يحبّنا الله جميعا. نحن واثقون من أمْرٍ واحد، أنّ الله واحد (..) لذلك نحن إخوّة في نهاية المطاف».

أيها الموسيقون، ألا تستحق كلماتُه أنْ تُلَحَّنَ في سنفونية عظيمة! رحِمهُ الله تعالى!!

خاتمــــة:

1- هذه الأرض ذاهبة في تاريخ الانقراض، وهذه البشرية التي عليها كذلك، بسبب تعاظم غطرسة الإمبريالية التي طال أمدها كثيرًا جدّا، وبسبب قصور الشعوب النائمة التي طال نومها وتبعيّتها كثيرًا جدّا.

2- لتكن الكورونا موقظةً لنا. فنتحد جميعًا، من أجل عالَم تضامني، عَدَالي، إنساني، ومن أجل أديان ومذاهب تسامحية، تحب الله إلاهها الواحد وإنسانه المكرَّم.

3- اتضحت الصورة. كما قال الشاعر الأمريكي الأسود: إمامُو بَرَكة، «أمريكا- هذه- يجب أن تسقط». وذلك بثقافة جديدة، متجددة، ثقافة الوحدة الإنسانية، ثقافة التبرّئ من الإمبريالية والصهيونية والتفاوت الاجتماعي ورأسمالية النهب والقتل والابتزاز وأخلاقية القهروالكوارث. لنقُلْها جميعًا، كل شعوب الأب آدَمَ التي وحّدتها الكورونا: «أمريكا يَكفي! نحن آتّحدنا!!».

 

د. عادل بن خليفة بِالكَحْلة

(باحث أنثروبولوجي، الجامعة التونسية)

 

حسين سرمك حسنكيف تدرّبوا على الوباء في تشرين الأول عام 2019 ؟؟ !!

وكيف اتفقوا على اللقاح بعد أسبوعين من اكتشاف أول الحالات في الصين وقبل أسبوعين من إعلان منظمة الصحة العالمية للوباء كحالة طوارىء عالمية بلا مبررات علمية؟؟!!

كيف أعلنت منظمة الصحة العالمية كورونا كحالة طوارىء عالمية على 150 حالة فقط مناقضة لقواعدها العلمية؟؟!!!

البروفيسور ميشيل شوسودوفسكي

ترجمة: الدكتور حسين سرمك حسن


1439 كوفيد 1

(الصورة رقم 1)

# خلفية

في 30 يناير 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) حالة الطوارئ الصحية العامة ذات الاهتمام الدولي Public Health Emergency of International Concern  (PHEIC) فيما يتعلق بالفيروس التاجي الجديد في الصين (2019-nCoV) المصنفة على أنها التهاب رئوي فيروسي. تمحور تفشي الفيروس في ووهان، وهي مدينة في شرق الصين يزيد عدد سكانها عن 11 مليون نسمة.

في الأسبوع السابق لقرار 30 يناير، "أعربت لجنة الطوارئ التابعة لمنظمة الصحة العالمية" عن وجهات نظر متباينة. كانت هناك انقسامات واضحة داخل اللجنة. في 30 يناير، تم اتخاذ قرار بعيد المدى دون دعم رأي الخبراء في وقت كان تفشي الفيروس التاجي فيه يقتصر على البر الرئيسي للصين.

كانت هناك 150 حالة مؤكدة خارج الصين، عندما تم اتخاذ القرار. 6 في الولايات المتحدة، 3 في كندا، 2 في المملكة المتحدة، إلخ.

150  حالة مؤكدة بين سكان الأرض الذين يزيدون عن 6.4 مليار نسمة (سكان العالم 7.8 مليار ناقص 1.4 مليار في الصين).

ما هو خطر الإصابة بالعدوى؟ عمليا صفر.

لم تعمل منظمة الصحة العالمية على طمأنة الرأي العام العالمي وتنويره. بل على العكس تمامًا: تم إطلاق "جائحة الخوف Fear Pandemic" بدلاً من طوارئ الصحة العامة الحقيقية ذات الاهتمام الدولي (PHEIC).

وقد استمر الذعر وعدم اليقين من خلال حملة التضليل الإعلامي المُصمّمة بعناية.

أدّى هذا على الفور إلى الاضطرابات الاقتصادية، وأزمة في التجارة والنقل مع الصين أثّرت على شركات الطيران الكبرى وشركات الشحن. تم إطلاق حملة كراهية ضد الصينيين العرقيين في الدول الغربية، أعقبها انهيار أسواق الأسهم في أواخر فبراير، ناهيك عن الأزمة في صناعة السياحة مما أدى إلى إفلاس عدد لا يحصى من الشركات.

تعقيد هذه الأزمة وآثارها يجب معالجتها وتحليلها بعناية.

ما نتعامل معه هو "الحرب الاقتصادية" المدعومة بتضليل وسائل الإعلام، إلى جانب النية المتعمدة من إدارة ترامب لتقويض الاقتصاد الصيني. لا تقتصر الاضطرابات الاقتصادية المستمرة على الصين.

هناك مخاوف صحية عامة مهمة يجب معالجتها. ولكن ما الذي دفع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إلى التصرف بهذه الطريقة؟ الذي كان وراء هذا القرار التاريخي في 30 يناير للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس.

 1439 كوفيد 2

(الصورة رقم 2: المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس)

يكشف تحليلنا اللاحق (في الجدول الزمني أدناه) أن المصالح القوية للشركات المرتبطة بشركات الأدوية الكبرى Big Pharma ووول ستريت Wall Street ووكالات الحكومة الأمريكية كانت مستفيدة من قرار منظمة الصحة العالمية بعيد المدى.

ما هو على المحك هو تحالف "Big Pharma" و "Big Money"، بموافقة إدارة ترامب. تم اتخاذ قرار إطلاق جائحة مزيف تحت إدارة منظمة الصحة العالمية في 30 يناير، قبل أسبوع في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي (WEF). كانت العملية الإعلامية هناك لنشر الذعر الصريح.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي قرّرت فيها منظمة الصحة العالمية التصرّف بهذه الطريقة.

تذكروا الظروف غير العادية المحيطة بوباء إنفلونزا الخنازير H1N1 في أبريل / نيسان 2009.

ساد جو من الخوف والترهيب. تم التلاعب بالبيانات.

واستناداً إلى بيانات غير كاملة وقليلة، توقع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، مع ذلك، أن: "يمكن أن يصاب ما يصل إلى ملياري شخص بالعدوى خلال العامين المقبلين - ما يقرب من ثلث سكان العالم." (منظمة الصحة العالمية كما ذكرت وسائل الإعلام الغربية، يوليو 2009).

لقد كان منجمًا كبيرًا بالعديد من المليارات لشركات الأدوية Big Pharma بدعم من المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية مارجريت تشان 

Margaret Chan.

في يونيو/حزبران 2009، أصدرت مارجريت تشان البيان التالي:

"على أساس ... تقييمات الخبراء للأدلة، تم استيفاء المعايير العلمية لوباء الإنفلونزا. لذلك قررت رفع مستوى الإنذار بجائحة الإنفلونزا من المرحلة 5 إلى المرحلة 6. العالم الآن في بداية جائحة الأنفلونزا عام 2009. ... مارجريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، جلسة إعلامية، 11 يونيو 2009)

ماهي "تقييمات الخبراء"؟

وأكدت في بيان لاحق ما يلي:

"نقلت رويترز، 21 يوليو / تموز 2009، عن مارغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، قولها: "يمكن لصانعي اللقاحات إنتاج 4.9 مليار جرعة إنفلونزا وبائية سنوياً في أفضل سيناريو".

1439 كوفيد 3

(الصورة رقم 3:

الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون (اليمين) يستمع إلى مدية منظمة الصحة العالمية آنذاك مارغريت شان خلال زيارة لمركز عمليات الصحة الستراتيجية SHOC في مقر منظمة الصحة العالمية في 19 أيار/مايس 2009 في وقت مؤامرة انفلونزا الخنازير)

مفاجأة مالية ضخمة لمنتجي لقاحات الأدوية الكبرى بما في ذلك GlaxoSmithKline و Novartis و Merck & Co. و Sanofi و Pfizer. وآخرون.

# الجدول الزمني لكورونافيروس

سبتمبر/أيلول 2019: الموقف الرسمي للولايات المتحدة ومنظمة الصحة العالمية هو أن الفيروس التاجي نشأ في ووهان بمقاطعة هوبي وتم اكتشافه لأول مرة في أواخر ديسمبر. تم استجواب هذا البيان من قبل علماء الفيروسات الصينيين واليابانيين الذين يزعمون أن الفيروس نشأ في الولايات المتحدة.

أشار عالم فيروسات تايواني شهير إلى الدليل على أن الفيروس يمكن أن يكون قد نشأ في مرحلة مبكرة، قائلاً: "يجب أن ننظر إلى سبتمبر 2019".

18-27 أكتوبر/تشرين الأول 2019: ووهان 2019: دورة ألعاب العالم العسكرية  Wuhan 2019: CISM Sport Military World Games

(الصورة رقم 4: شعار دورة الألعاب العسكرية العالمية في ووهان)

وسائل الإعلام الصينية تشير (دون أدلة داعمة) إلى أنه كان بالإمكان إحضار الفيروس التاجي إلى الصين "من مصدر أجنبي" خلال دورة الألعاب العسكرية العالمية CISM.

وسيشارك 10000 جندي من 109 دول.

شارك 200 عسكري أمريكي في هذا الحدث لمدة 10 أيام.

1439 كوفيد 4

(الصورة رقم 5)

18 أكتوبر 2019: حدث 201  Event 201)). بالتيمور. Coronavirus nCoV-2019 فرقة عمل المحاكاة والتأهب للطوارئ لوباء كورونافايروس كوفيد-19، مدرسة جون هوبكنز بلومبرج للأمن الصحي.

تمرين محاكاة من قبل شركات الأدوية والمرسسات المالية برعاية مؤسسة بيل غيتس ومنتدى دافوس الاقتصادي العالمي.

تمرين محاكاة لوباء فيروس تاجي يسفر عن 65 مليون قتيل. بدعم من المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) يمثل مصالح المؤسسات المالية، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس تمثل مصالح الشركات الدوائية الكبرى (بيغ فارما):

في تشرين الأول / أكتوبر 2019، استضاف مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي تمرينًا منضدياً للجائحة يُسمى (الحدث 201) مع الشركاء والمنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة بيل وميليندا غيتس. ... بالنسبة لهذا السيناريو، قمنا بتصميم نموذج لوباء فيروس تاجي خيالي، لكننا ذكرنا صراحة أنه لم يكن تنبؤاً.

وبدلاً من ذلك، ساهم التمرين في إبراز تحديات التأهب والاستجابة التي من المحتمل أن تنشأ في جائحة شديدة للغاية. لا نتوقع الآن أن تفشي nCoV-2019 سيقتل 65 مليون شخص.

على الرغم من أن تمريننا على الطاولة تضمن فيروسًا تاجيًا جديدًا وهميًا، إلا أن المدخلات التي استخدمناها لنمذجة التأثير المحتمل لهذا الفيروس الخيالي ليست مشابهة لـ nCoV-2019. "نحن لا نتوقع الآن أن nCoV-2019 [الذي تم استخدامه أيضًا كاسم في محاكاة] تفشي المرض سيقتل 65 مليون شخص.

على الرغم من أن تمريننا على الطاولة يشمل فيروسًا تاجيًا جديدًا وهميًا، إلا أن المدخلات التي استخدمناها لنمذجة التأثير المحتمل لهذا الفيروس الخيالي ليست مشابهة لـ nCoV-2019"

تزامنت العديد من أحداث nCoV-2019 مع ما حدث حقًا.

في حدث 201 محاكاة لوباء فيروس كورونا، تم "محاكاة" انهيار الأسواق المالية بنسبة 15٪.

لم يكن "متوقعا" حسب منظمي ورعاة الحدث.

مبادرة القطاع الخاص. مشاركة المسؤولين التنفيذيين في الشركات والمؤسسات والمؤسسات المالية والبنوك وشركات الأدوية و وكالة المخابرات الأمريكية CIA ومركز الأمراض الأمريكي CDC ولكن لا يوجد مسؤولو صحة نيابة عن الحكومات الوطنية أو منظمة الصحة العالمية. تم إجراء تمرين المحاكاة في نفس اليوم الذي تم فيه افتتاح دورة الألعاب الرياضية العسكرية CISM في ووهان.

1439 كوفيد 6

(الصورة رقم 6:

 صورة من تمرين مركز جونز هوبكنز لمواجهة وباء كورونا أجري برعاية بيل غيتس ومنتدى دافوس في تشرين الأول/أكتوبر 2019 !!!)

31 كانون الأول/ديسمبر 2019: اكتشاف الحالات الأولى من الالتهاب الرئوي والإبلاغ عنها في ووهان بمقاطعة هوبي في الصين.

1 كانون الثاني/يناير 2020: أغلقت السلطات الصحية الصينية سوق هوانان للمأكولات البحرية بالجملة بعد أن ذكرت وسائل إعلام غربية أن الحيوانات البرية التي بيعت هناك ربما تكون مصدر الفيروس. ثم دحض العلماء الصينيون هذا التقييم الأوّلي.

7 كانون الثاني/يناير 2020: السلطات الصينية "تحدّد نوعًا جديدًا من الفيروسات" تم عزله في 7 يناير. تم تسمية الفيروس التاجي 2019-nCoV من قبل منظمة الصحة العالمية بنفس الاسم تمامًا الذي تمّ تبنّيه في تدريب مركز جونز هوبكنز-بيل غيتس- المنتدى الاقتصادي (دافوس) في 18 أكتوبر 2019.

11 كانون الثاني/يناير 2020 - أعلنت لجنة الصحة لبلدية ووهان عن الوفاة الأولى الناجمة عن الفيروس التاجي.

22 كانون الثاني/يناير 2020: منظمة الصحة العالمية. أعضاء لجنة الطوارئ في منظمة الصحة العالمية "أعربوا عن وجهات نظر متباينة حول ما إذا كان هذا الحدث يشكل حالة طوارىء عالمية  PHEIC أم لا".

21-24 كانون الثاني/يناير 2020: مشاورات في المنتدى الاقتصادي العالمي، دافوس، سويسرا تحت رعاية التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة Coalition for Epidemic Preparedness Innovations (CEPI) لتطوير برنامج لقاح. هذا التحالف CEPI هو شراكة بين بيل غيتس والمنتدى الاقتصادي العالمي. بدعم من تحالف CIPI، ستقوم شركة Moderna التي مقرها في سياتل بتصنيع لقاح حمض نووي رايبوزي مُرسل (مختصره mRNA) ضد فايروسس 2019-nCoV، "مركز أبحاث اللقاحات Vaccine Research Center (VRC) التابع للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)، وهو جزء من NIH، يتعاون مع شركة Moderna لتصنيع اللقاح"

1439 كوفيد 7

(الصورة رقم 7:

 كلمة رئيس موظفي التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة الذي أعلن عن مشروع تطوير لقاح ضد كورونا وهو منظمة مشتركة بين بيل غيتس ومنتدى دافوس وجاء بعد أسبوعين من إعلان الصين عن بدء المرض التنفسي وقبل أسبوعين من إعلان منظمة الصحة العالمية للحالة كحالة طوارىء بلا مبررات علمية)

ملاحظة:

تم الإعلان عن تطوير لقاح nCoV لعام 2019 في دافوس، بعد أسبوعين من إعلان 7 يناير 2020، وقبل أسبوع تقريبًا من الإطلاق الرسمي لحالة الطوارئ الصحية العالمية في منظمة الصحة العالمية في 30 يناير. إعلان بيل  غيتس-منتدى دافوس- تحالف التأهب للأوبئة عن اللقاح سبق إعلان الطوارئ الصحية العمومية لمنظمة الصحة العالمية (PHEIC).

30 كانون الثاني/يناير 2020: جنيف: قرّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أن تفشي المرض يشكل حالة طوارئ للصحة العامة ذات أهمية دولية (PHEIC). تمّ اتخاذ هذا القرار على أساس 150 حالة مؤكدة خارج الصين، تم الإبلاغ عن أول حالة انتقال من شخص لآخر في الولايات المتحدة، 6 حالات في الولايات المتحدة، 3 حالات في كندا، 2 في المملكة المتحدة.

حصل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية على دعم مؤسسة بيل وميليندا غيتس، وشركات الأدوية الكبرى، والمنتدى الاقتصادي العالمي. هناك دلائل تشير إلى أن قرار منظمة الصحة العالمية بإعلان حالة طوارئ عالمية قد اتخذ على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (21-24 يناير) متداخلاً مع اجتماع لجنة الطوارئ في جنيف في 22 يناير.

حضر كل من مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس وكذلك بيل غيتس في مؤتمر دافوس 2020. وأعلن بيل غيتس عن التزام مؤسسة غيتس بتقديم 10 مليارات دولار للقاحات خلال السنوات العشر القادمة.

30 كانون الثاني/يناير 2020 صار تمرين المحاكاة يجري بصورة حيّة. أصبحت نفس المصالح والمؤسسات التي شاركت في تمرين محاكاة جونز هوبكنز في 18 أكتوبر أصبحت الجهات الفاعلة الحقيقية المشاركة في تقديم دعمها لتنفيذ الطوارئ الصحية العمومية لمنظمة الصحة العالمية (PHEIC).

31 كانون الثاني/يناير 2020 - بعد يوم واحد من إطلاق الطوارئ العالمية لمنظمة الصحة العالمية، أعلنت إدارة ترامب أنها ستمنع دخول الرعايا الأجانب "الذين سافروا إلى الصين في آخر 14 يومًا". يؤدي هذا على الفور إلى أزمة في النقل الجوي والتجارة بين الصين والولايات المتحدة وكذلك صناعة السياحة، مما أدى إلى إفلاس كبير، ناهيك عن البطالة.

وفوراً أطلقت على الفور حملة ضد الصينيين العرقيين في جميع أنحاء العالم الغربي.

أوائل شباط/فبراير: تم تغيير اختصار الفيروس التاجي من nCoV- 2019 (وهو اسمها تحت تمرين محاكاة جونز هوبكنز 201 في أكتوبر قبل تشخيصها في أوائل يناير 2020) إلى COVID-19.

28 شباط/فبراير 2020: أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس عن حملة تطعيم ضخمة لمنظمة الصحة العالمية.

من كان وراء هذه الحملة: شركة الأدوية الشهيرة GlaxoSmithKline بالشراكة مع تحالف ابتكارات التأهب للوباء (CEPI). إنها شراكة بين بيل غيتس ومنتدى دافوس، وكلاهما كانا من رعاة "تمرين المحاكاة 201" في 18 تشرين الأول/أكتوبر. بدأت حملة تطوير اللقاحات قبل قرار منظمة الصحة العالمية بإطلاق حالة طوارئ عالمية للصحة العامة. تم الإعلان عنه لأول مرة في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (21-24 كانون الثاني/يناير).

أواخر شباط/فبراير 2020. انهيار أسواق الأسهم، ارتفاع في قيمة أسهم شركات الأدوية الكبرى Big Pharma.

أوائل آذار/مارس نتائج مدمرة لصناعة السياحة في جميع أنحاء العالم.

24 شباط/فبراير: أعلنت شركة Moderna Inc بدعم من تحالف CIPI أن لقاحها mRNA COVID-19 التجريبي، المعروف باسم mRNA-1273، صار جاهزًا للاختبار البشري.

أواخر شباط/فبراير - أوائل آذار/مارس: الصين: يتعافى أكثر من 50٪ من المرضى المصابين ويخرجون من المستشفيات. 3 مارس، تعافى ما مجموعه 49856 مريضًا من COVID-19 وخرجوا من المستشفيات في الصين. ما يعنيه هذا أن إجمالي عدد "الحالات المصابة المؤكدة" في الصين يبلغ 30448 حالة. (أي 80304 ناقص 49856 = 30448 (80304 هو العدد الإجمالي للحالات المؤكدة في الصين (بيانات منظمة الصحة العالمية، 3 مارس 2020).

5 آذار/مارس، أكّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية أنه خارج الصين تم الإبلاغ عن 2055 حالة في 33 دولة. ولا يزال حوالي 80٪ من تلك الحالات يأتي من ثلاث دول فقط (كوريا الجنوبية وإيران وإيطاليا).

تؤكد هذه الأرقام أننا لا نواجه حالة طوارئ صحية عالمية، وأن احتمالية الإصابة منخفضة. وبناءً على تجربة الصين، فإن علاج العدوى بالفيروس فعال.

7 آذار/مارس: الولايات المتحدة الأمريكية: عدد "الحالات المؤكدة" (المصابة والمستعادة) في الولايات المتحدة في أوائل مارس من 430، يرتفع إلى حوالي 600 (8 آذار/مارس).

قارن ذلك بالأرقام المتعلقة بفيروس إنفلونزا B العادي الذي يحصل كل شتاء: تقديرات مركز السيطرة على الأمراض للفترة 2019-2020 "ما لا يقل عن 15 مليون مريض بالإنفلونزا ... 140000 حالة دخول إلى المستشفى و 8200 حالة وفاة. (وكالة The Hill الأمريكية للأخبار)

أوائل آذار/مارس: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يسارعان إلى "الإنقاذ"

ينصح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدول الأعضاء بأن "البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أتاحا الأموال لاستقرار النظم الصحية والتخفيف من العواقب الاقتصادية للوباء". هذا هو "الحل" النيوليبرالي المُقترح لـ COVID-19. خصّص البنك الدولي 12 مليار دولار في ما يسمى بـ "المساعدة" التي ستساهم في تراكم الديون الخارجية للدول النامية.

7 آذار/مارس: الصين: انتهى الوباء تقريبا

الحالات الجديدة المُبلّغ عنها في الصين تنخفض إلى ضعف الرقم. تم تسجيل 99 حالة في 7 مارس. تم تصنيف جميع الحالات الجديدة خارج مقاطعة هوبي على أنها "إصابات مستوردة" (من دول أجنبية). موثوقية البيانات لا يزال يتعين إثباتها:

99 حالة مؤكدة حديثًا، بما في ذلك 74 حالة في مقاطعة هوبي، ... شملت الحالات الجديدة 24 إصابة مستوردة - 17 حالة في مقاطعة قانسو، وثلاث في بكين، وثلاث في شنغهاي وواحدة في مقاطعة قوانغدونغ.

10-11 آذار/مارس: أعلنت إيطاليا إغلاق البلاد التام، تليها عدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. نشر 30 ألف جندي أمريكي في الاتحاد الأوروبي كجزء من المناورات الحربية "الدفاع عن أوروبا 2020" الموجّهة ضد روسيا.

11 آذار/مارس: أمَرَ ترامب بتعليق جميع الرحلات عبر المحيط الأطلسي لمدة 30 يومًا من دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء بريطانيا. يتزامن مع انهيار أسهم شركات الطيران وموجة جديدة من عدم الاستقرار المالي.

16 آذار/مارس: تم اختبار لقاح Moderna mRNA-1273 على عدة مراحل مع 45 متطوعًا في سياتل بولاية واشنطن. بدأ برنامج اللقاح في أوائل شباط/فبراير:

"نحن لا نعرف ما إذا كان هذا اللقاح سيثير استجابة مناعية، أو ما إذا كان سيكون آمنا. هكذا قالت الدكتورة ليزا جاكسون رئيسة الفريق البحثي في سياتل، وشدّدت على أن هذا هو السبب لقيامنا بالمحاولة". "ولسنا في مرحلة حيث سيكون من الممكن أو من الحكمة فيها منح هذا اللقاح لعامة السكان." (ا ف ب، 16 مارس 2020)

ملاحظات ختامية

نحن نتعامل مع أزمة عالمية معقدة لها آثار اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية بعيدة المدى.

لقد قدّمنا معلومات وقائعية بالإضافة إلى تحليل في شكل موجز يتفق مع "الحس السليم".

من المهم أن يكون COVID-19 موضوع نقاش واسع الانتشار وأن "التفسيرات الرسمية" يتم تحديها بقوة.

نطلب من قرائنا توزيع هذه المقالة بالإضافة إلى مقالات بحثية أخرى في موقع بحث عالمي Global Research تتعلق بـ COVID-19 coronavirus على أوسع نطاق.

ملحق:

بيان من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي حول تمريننا الوبائي (الحدث 201) حول كورونافايروس (nCoV)

في تشرين الأول / أكتوبر 2019، استضاف مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي تمرينًا منضدياً للجائحة يُسمى الحدث 201 مع الشركاء والمنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة بيل وميليندا غيتس. في الآونة الأخيرة، تلقى مركز الأمن الصحي أسئلة حول ما إذا كانت تلك العملية الوبائية تنبأت بتفشي الفيروس التاجي الجديد في الصين. للتوضيح، لم يقم مركز الأمن الصحي وشركاؤه بالتنبؤ خلال تمريننا على الطاولة. بالنسبة للسيناريو، قمنا بتصميم نموذج لوباء فيروس تاجي خيالي، لكننا ذكرنا صراحة أنه لم يكن تنبؤًا. وبدلاً من ذلك، ساهم التمرين في إبراز تحديات التأهب والاستجابة التي من المحتمل أن تنشأ في جائحة شديد للغاية. لا نتوقع الآن أن تفشي nCoV-2019 سيقتل 65 مليون شخص. على الرغم من أن تمريننا على الطاولة تضمن فيروسًا تاجيًا جديدًا وهميًا، إلا أن المدخلات التي استخدمناها لنمذجة التأثير المحتمل لهذا الفيروس الخيالي ليست مشابهة لـ nCoV-2019.

النص الإنجليزي للبيان:

Statement about nCoV and our pandemic exercise

In October 2019, the Johns Hopkins Center for Health Security hosted a pandemic tabletop exercise called Event 201 with partners, the World Economic Forum and the Bill & Melinda Gates Foundation. Recently, the Center for Health Security has received questions about whether that pandemic exercise predicted the current novel coronavirus outbreak in China. To be clear, the Center for Health Security and partners did not make a prediction during our tabletop exercise. For the scenario, we modeled a fictional coronavirus pandemic, but we explicitly stated that it was not a prediction. Instead, the exercise served to highlight preparedness and response challenges that would likely arise in a very severe pandemic. We are not now predicting that the nCoV-2019 outbreak will kill 65 million people. Although our tabletop exercise included a mock novel coronavirus, the inputs we used for modeling the potential impact of that fictional virus are not similar to nCoV-2019.

ماورد أعلاه (عدا بيان مركز جونز هوبكنز) هو ترجمة لمقالة :

COVID-19 Coronavirus “Fake” Pandemic: Timeline and Analysis

By Prof Michel Chossudovsky

Global Research, March 08, 2020

 

محمود محمد عليبعد بضعة أسابيع من تفشي فيروس كورونا المخيف حول العالم، يكاد الناظر للمشهد العالمي أن يشعر أننا لم نعد نعيش في "قرية صغيرة" أفرزتها العولمة؛ إذ ثبت أنّ العولمة لا تزال غير مكتملة الأسس، لحين انضواء كل الدول والمجتمعات تحت لواء القيم المشتركة للإنسان الحافظة لكرامته وحقوقه الإنسانية بالعيش بصحة جيدة خالية من السموم ومخاطر الأوبئة.. وبالتالي تبقي العولمة وسهولة التنقل والانفتاح بين الدول التي تتباين أنظمتها السياسية والصحية وتعاملها مع "الإنسان" ومواطنيها نقمة دولية تحتاج إعادة النظر بها، وليكن كما قال بديع يونس) في مقاله بعنوان كورونا والعولمة و"المؤامرة") " كورونا درساً مهما في العلاقات الدولية" .

إن ما رأيناه في الأيام والأسابيع الأخيرة في واقع الأمر من ضحايا كورونا ترك انطباعاً سياسياً أولياً حول مدى هشاشة النظام الدولي العالمي، من حيث علاقة دول العالم بعضها ببعض، إذ تبدو الشكوك أول الأمر وآخره هي المتحكمة في المشهد وليس الثقة بين الأمم والشعوب.. وهنا ظهرت مجموعة من المقالات التي تنعي العولمة، مثل "تفش عالمي يغذي رد الفعل العكسي ضد العولمة"، و"انتشار الفيروس قد يعجل بالانهيار الكبير للعولمة"، و"هل ينهي فيروس كورونا العولمة كما نعرفها؟.

ذكرت وكالة أنباء "بلومبرج" الأمريكية في تحليل، أن الإجابة باختصار هي: لا.. لن يقضي فيروس كورونا على العولمة- على الأقل لن يحدث ذلك إذا ما تحدثنا عن العولمة على أنها أمر أكبر من مجرد سلاسل التوريد عبر القارات وسفن الحاويات الضخمة.. بيد أن تقويض إشعارات الوفاة المبكرة، الناجمة عن الفيروس، هو التحدي الذي تشكله إدارة العولمة في ظل تحول موازين القوى العالمية.. إن العولمة في حاجة لإدارتها؛ خاصة بعد تراجع نفوذ الولايات المتحدة، غير العسكري، والذي ظهر واضحاً في مواجهة تفشي وباء كورونا والذي رفضه الرئيس ترامب في طور الاندلاع عندما نظر إليه علي أنه كذبة حزبية، علاوة علي أنه كان قد رفض تماماً في وقت سابق الأهمية الملحة لقضية التغير المناخي، كما اعتبر المنظمات متعددة الأطراف التي جرى تأسيسها من أجل التأقلم مع العولمة، سواء كانت الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، انتهاكات لسيادة أمريكا، وليست سبيلاً لتعزيز النفوذ الأمريكي، وزيادة تقاسم الأعباء، وبالتالي أسقط ترامب كل الشعارات الأمريكية التي جسدها كسينجر في كتاباته ؛ ففي المنظور الأمريكي للعالم يومها لم تكن السياسة الخارجية مهمة بقدر ما كان غرس مبادئ مشتركة.. ألم يقل هنري كيسينجر في كتابه "النظام العالمي" إنّ الولايات المتحدة "ستصبح غير مستغنى عنها لدفاعها عن نظام القيم الذي أسسته أوروبا"، ويقصد كيسينجر أنّ "سلام ويستفاليا" أرسى أولى الشروط من النظام العالمي المعاصر بحسب خبراء في العلاقات الدولية. وبحسب كيسنجر، فإنّ "الرؤية الأمريكية تسعى لبلوغ السلام عبر نشر مبادئ الديمقراطية".

إنها إذاً حالة انعدام الثقة بين دول العالم لا سيما الأقطاب الكبرى، وقد تجلت في الشهرين الماضيين، وبدا أيضاً أن هناك تبعات تتعلق بحال ومآل الدولة العصرية بشكلها  الويستفالي .. ماذا نعني بذلك؟

لقد أكدت أزمة كورونا فشل ما ذهب إليه عالم الاجتماع السياسي مارشال ماكلوهان من أن العالم بات قرية صغيرة، فإذ بنا نجد أنفسنا بمواجهةِ "حارة كونية"، سواء عبر الانتقال من قارة إلى قارة، ومن موضع إلى آخر حول الكرة الأرضية جسمانياً، أو على  صعيد التواصل المعلوماتي والمعرفي عبر نقرات خفيفة على  الفارة، أو بلمسات على الهواتف الذكية.. كما أكدت فشل ما ذهب إليه أيضا "كوفي عنان" عن العولمة بأنها تعني انسياب الأفكار والمهارات والأموال، بحيث تصبح عابرة للحدود مخترقة للقارات؛ أي أنها تعنى سقوط الحواجز بين الشعوب وتشير إلى درجة من الانفتاح بين الأمم.

إن كورونا أظهرت بأي مقدار هو العالم قرية كونية بالفعل، ولكن هذه «الكونية» ليست بمنجاة من المخاطر الآتية إليها من أحد مراكزها أو أطرافها، ما كانت ستعرفها لو ظلت مجرد قرية.. ليس هذا فقط بل أعادت كورونا العالم إلي سيرته الأولي .. دول مغلقة حدودها في وجه بعضها بعضاً.. دول أقرب إلى الجزر الصغيرة المترامية بعيداً.. إن كرورنا أكدت أن البشرية قد عرفت طوال قرون خلت أنواعاً مختلفة من الأوبئة الفتاكة كالطاعون والجدري والكوليرا والسل، ولم يكن العلم قد تقدم إلى هذه الدرجة التي هي عليه الآن، كما لم تكن الأمصال الحديثة قد وجدت طريقها إلى البشرية، وفي ذلك الإطار كانت الأوبئة محلية أو في أسوأ الأحوال إقليمية، فما كان يضرب أوروبا، حكما لم يكن يؤثر في آسيا أو إفريقيا، ناهيك عن أمريكا الجنوبية أو الشمالية، فقد كان العالم وقتها جزراً منعزلة بعيدة عن بعضها بعضاً وذلك كما قال إميل أمين في مقاله كورونا.. علامة فارقة في طريق العولمة.

صحيح أن عدد من ماتوا ويموتون كل يوم منذ أن أُعلن عن اكتشاف «كورونا» لا يعدّ شيئاً مهولاً قياساً لما كان يحدث قبله من حالات وفاة في مختلف البلدان؛ خاصة منها كثيرة السكان، أو التي تعاني الفقر وتدني الخدمات الطبية، فضلاً عن ضحايا الحروب المدمرة، أهلية كانت أو بين الدول، وضحايا المجاعات والقحط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها.. لا نرمي البتة إلى التقليل من خطر «كورونا» الذي يجتاح البلدان، بلداً وراء آخر، ويستنفر العالم كله لمواجهته، وتعمل المختبرات ليل نهار للوصول إلى لقاح يمنعه وعلاجات تشفي منه، ولكننا لا يمكن أن نغفل عن أن الماكينة الإعلامية العالمية، غير الملامة على كل حال، تساهم بحصة كبيرة في بث الهلع غير المسبوق جراء الفيروس.

إن فيروس كورونا، وصل إلى كل مكان وقطع التواصل في العالم. وهو عملياً فعل أمرين متعاكسين: من جهة طبّق العولمة بالكامل، وإن كانت عولمة الخوف. ومن جهة أخرى، جعل العزل أمراً واقعاً بين القارات، ثم بين البلدان، ثم داخل كل بلد، من دون أن تنتج تجربة العزل ما انتجته تجربة إديسون، إذ يروي إدموند موريس في كتابه "إديسون"، أن المخترع العظيم قال "لم أسمع صوت عصفور منذ كنت في الحادية عشرة، لكن الصمم أبعدني عن ضجيج العالم للتركيز على ما أريد اختراعه.

إن وباء كورونا أجبر العالم على التخلي موقتاً عن "فن الحياة"، لا مسارح، لا مباريات رياضية، لا ندوات ثقافية، لا مطاعم، لا مقاهٍي، لا صلوات، ولا حتى تبادل السلام بالأيدي أو التقبيل. فالعالم اليوم يواجه عدواً لا يعرفه، ولا يراه، ولا يعرف من أين يأتيه. وكل التطورات في العلم والتكنولوجيا والأجهزة الكاشفة عجزت عن التغلب على جرثومة من حشرة صغيرة. فالطبيعة ليست فقط أقوى منا حين تضربنا بالزلازل وسواها بل أيضاً أذكى منا.

وهذا ما يختصره العالم الفيزيائي فريمان دايسون في جامعة برنستون بالقول، إن "الطبيعة لديها دائماً مخيّلة أكثر مما لدينا، وجمال العلم هو أن كل الأشياء المهمة لا يمكن التنبؤ بها". وقبل قرون في العالم العربي، قال النّفري إن "العلم المستقر هو الجهل المستقر" وذلك كما قال رفيق خوري في مقاله كورونا.. عولمة الخوف والخسائر والتخلي عن "فن الحياة".

لذلك لم نكن نعلم أنه سوف يأتى يوم يجرى فيه تطبيق العولمة على النحو الذى نراه الآن بعد ظهور فيروس كورونا، الذى قلب العالم رأسًا على عقب وحبس الأسر فى منازلهم، وأوقف الطيران الدولى والداخلى وأدى إلى تجميد السياحة وإلغاء الحجوزات، وإغلاق المدارس والجامعات والنوادى والفنادق، بل الكنائس والمساجد، لقد أصبحنا أمام مشهد غير مسبوق فى تاريخنا الذى عشناه، ولا أظن أن لما نراه اليوم سابقة مثيلة.. نعم إنها حرب عالمية ثالثة ولكن دون جيوش أو طائرات أو بوارج، ولكن بفيروس صغير تدخل فى الخطط الشخصية لكل البشر بغير استثناء، ولم يفرق بين دول غنية وأخرى فقيرة، ولا بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، فالفيروس الذى بدأ ظهوره من الصين دار حول العالم بأسره وضرب إيطاليا على نحو مؤلم كما نالت إيران وكوريا الجنوبية ودول أخرى نصيبًا من ذلك الوباء اللعين.. فيروس كورونا أثبت سرعة انتشاره مستفيداً من نظام العولمة الذي حوّل الكرة الأرضية إلى "قرية كونية" ؛ بحيث سهّل انتقال الأشخاص، وهي الحرية التي سهّلت بدورها انتشار الوباء من دون حاجة إلى الحصول على إذن أو تأشيرة، بدليل أن الوباء بدأ في منطقة محددة من الصين، ثم انتقل خلال أيام إلى باقي أنحاء العالم عابرا للقارات.. المفارقة هنا هي أن العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية كانت تخدم أنظمة رأسمالية دولية، ويتم توظيفها لخدمة مآرب ومشاريع تصب بشكل خاص في مصلحتها على حساب الفقراء من دول وشعوب، ولكن مع فيروس كورونا انتفت أي فروقات طبقية وساد ما يمكن تسميته "اشتراكية المرض" بحيث أصبح الفقير والغني ليسا بمنأى عن هذا الوباء، ولم تكن الأنظمة ومن يمثلها في هرمية السلطة بعيدة عن مخاطره. وبذلك أصبح الوباء عابراً للطبقات الاجتماعية بكل متدرجاتها وتصنيفاتها وذلك كما قال محمد الجبور في مقاله كورونا واشتراكية المرض.

إن فيروس «كورونا» كشف لنا أنه لم يعد قضية محاصرة فيروس ما زال مستعصياً على التشخيص والعلاج، وإنما ما واكبه من انهيار في البورصات العالمية بما فيها البورصة الأمريكية، ومن بعدها أسعار النفط، ونشب خلاف بين روسيا والسعودية بعد انسجام، أصبح الأمر كما لو كانت هناك «سلسلة» من الأحداث الخطرة التي يعقبها أحداث أكثر خطورة، أصبحت الولايات المتحدة المزدهرة على حافة انكماش اقتصادي، وبدا العالم على شفا " الكساد " .. الفيروس عرض قلب العالم الصناعي في الصين إلى اختبار كبير فقد تراجعت معدلات النمو الصينية، وأصبحت صناعات العالم التي تعتمد على الصناعة الصينية في حالة شلل.. انهيار الصناعة العالمية قلل الطلب على النفط، وعلى التجارة العالمية .. فيروس «كورونا» أصبح نوعاً من «نوبة الصحيان» الضرورية للعالم أنه مهما نجحت الدول في بناء الأسوار فإنه لم يعد ممكناً للدول وحدها التعامل مع سلسلة الأحداث الخطرة الممثلة في «الاحتباس الحراري»، والتي أدت إلى كوارث زراعية في العديد من الدول نتج عنها وفق تقارير دولية إلى وفاة 815 مليون مواطن نتيجة ضعف أو قلة الغذاء، وذلك كما قال د. عبد المنعم سعيد في مقاله فيروس كورونا والعولمة وأشياء أخرى.

اليوم، ووسط الرعب المتزايد عن مصير العالم في ظل انتشار كورونا المستجد، لا يخلو الحديث عن التغيرات التي سيشهدها العالم في مرحلة ما بعد كورونا، لأنه ما من شك، أن "الجندي كورونا"، مثله مثل أي أزمة وبائية أو حرب عالمية تقليدية ستهز العالم بأسره، من شأنه أن يغير مفاهيم ونماذج العمل (في البنى التحتية والفوقية)، التي ما كانت لتتغير من مرحلة لأخرى، لولا ضرورة الأزمة واستحقاقاتها العملية بإنتاج مفاهيمها الخاصة في طبيعة علاقات التبادل والأولويات، لذلك ومن باب الاعتقاد، أن دول العالم وخصوصاً الغنية منها، واتحاداتها العالمية الاحتكارية العابرة للقارات، ما كانت لتخرج من عنق الزجاجة ونظام عملها القديم – الاحتكاري والاستغلالي- لتبحث جدياً في كيفية اعتماد أنظمة وأنماط عمل جديدة في كافة ميادين الحياة بأولوياتها المستحقة، لولا الأمر الواقع الذي أحدثه فيروس كورونا و"مفاعيله" على الصعيد المجتمعي الدولي، والذي عجزت عن تبنيه واستبصار نتائجه، كبرى الاجتماعات الدولية للدول الصناعية والغنية، في ما يتعلق بحقائق: (الانبعاث الحراري وتلوث البيئة، الاستغلال الجائر لموارد الطبيعة، التعاون الدولي للحفاظ على البحار والمحيطات وثرواتها، احترام الإنسان لقيمته الإنسانية في الحرية والعدالة الاجتماعية، استباحة سيادة الدول الفقيرة وجعلها سوقاً استهلاكية لمنتوجاتهم. الخ) في نظام عالمي تبادلي استغلالي يقوم على "عولمة الغني والفقير، القوي والضعيف.. لذلك، فيروس كورونا يضع النظام العالمي السائد أمام صحوة الصدمة، وفرض عليه مناقشة كل إجراءاته وأنظمة عمله وأولويات اهتماماته، وانه- أي كورونا - صاحب القرار في التغيير الحتمي لمجموع النظم الاقتصادية العالمية، ومنظومتها السياسية والاجتماعية والثقافية وذلك كما قال د. باسم عثمان في مقاله حسابات " كورونا"... بين العولمة والأصالة.

لكن الدرس الذي نتعلمه من فيروس كورونا الجديد ليس أن العولمة قد فشلت، بل الدرس هو أن العولمة هشة، على الرغم من فوائدها أو حتى بسببها، وعلى مدى عقود، أدت جهود الشركات الفردية الدؤوبة للقضاء على الإسراف إلى توليد ثروة غير مسبوقة. لكن هذه الجهود قللت أيضاً من حجم الموارد غير المستخدمة - ما يشير إليه الاقتصاديون بـ"الركود" - في الاقتصاد العالمي ككل. في الأوقات العادية، غالباً ما ترى الشركات الركود كمقياس للقدرة الإنتاجية الراكدة أو حتى المهدرة. لكن الركود القليل جداً يجعل النظام الأوسع هشاً في أوقات الأزمات، ويستبعد نظام منع حدوث الفشل..  ونتيجة لكل ذلك، دقّت أزمة "كورونا" مسماراً في نعش العولمة، وبمجرد أن تهدأ حالة الذعر والقلق، فإنّ من يعتقدون أن سياسات الانفتاح والعولمة أمام انتقال البشر والسلع أمر جيد، سيحتاجون إلى الدفاع عن آرائهم بطريقة مقنعة... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

حسن العاصييبدو أن المقاييس على وشك الانقلاب، بعد أن تم سجن البشرية في المنازل بعملية تدجين حديثة، بذريعة اتقاء بطش السيد كورونا المنتشر في كافة المدن والقرى والميادين. الخطوة القادمة هي تحرير الحيوانات المعتقلة منذ عقود في أقفاصها الباردة بسجون تسمى "حدائق الحيوانات"، المنتشرة في مختلف أماكن المعمورة، لتفسح المجال والمكان أمام الإنسان، ليدخل تلك الزنازين/الأقفاص فور خروج "الحيوانات" منها، لتحل الحدائق الخاصة بالبشر وأجناسهم وما يشبههم، ثم تأتي الحيوانات التي استعادت حريتها و"حيوانيتها" الفطرية، لتزور القاطنين الجدد، وترمي لهم حبات الفستق، وقشر الموز، والأرغفة اليابسة. ثم تبتسم وهي تلتقط الصور التذكارية مع الإنسان القابع خلف القضبان.

هذه الصورة كانت عبارة عن رؤية سريالية طريفة، لمعت في ذهني حين اصطحبت صديقاً حلّ ضيفاً علي ذات يوم إلى حديقة الحيوانات الضخمة في المدينة التي أقيم فيها. أصوات الحيوانات في الأقفاص التي تحاصرنا جعلتني في مقاربة صامتة حول صوت الإنسان، والأدوات التي طورها عبر ملايين السنين بهدف الاتصال الاجتماعي، والتعبير بالكلام عن مخاوفه وحاجاته الأساسية. في تطور كان يفترض به أن يحقق التحولات التي تجعل حياة الإنسان أكثر رفاهية وأمنا. فيما كان صديقي في تلك اللحظات منشغلاً بتمثيل دور السائح، الذي يوزع الابتسامات يميناً وشمالاً، ويلتقط عشرات الصور.

لكن تلك الأفكار التي كانت مجرد هذيان فيما مضى، هي اليوم أقرب ما تكون إلى أن تصبح واقعاً حقيقيا، بعد أن خلت الشوارع والساحات والمتنزهات من البشر، وخلت مراكز التسوق من روادها المستهلكين، بعد أن كانت تشكو الاكتظاظ، نتيجة هوس الإنسان في التملك والشراء. وبعد أن تحولت كبرى العواصم إلى مدن أشباح لا وجود لمظاهر الحياة فيها، نتيجة العزل الطبي، والحجر الصحي التي فرضته الأنظمة السياسية على المواطنين، في محاولة لاستيعاب تقدم انتشار وباء "كورونا" والسيطرة عليه.

قرود بشرية

بالعودة إلى أصوات الحيوانات، نعم تمتلك تلك الحيوانات التي وضعها البشر في الأقفاص لغة، ورغم شيوع فكرة أن الإنسان حيواناً ناطقاً، إلا أنني أرى أن الإنسان حيواناً مثل باقي الحيوانات. فقط هو مختلف عن الأرنب، تماماً مثلما تختلف البطة عن الفيل، والجمل عن الذئب. لكن الإنسان قطعاً لا يتميز عن سائر الحيوانات بالنطق. ذلك أن جميع تلك الحيوانات هي مخلوقات ناطقة. وعجزنا عن فهم وإدراك ما تقوله لا يعني أنها غير ناطقة. فالذئب حين يعوي يقول شيئاً بفهمه باقي القطيع، مثل نقنقة الدجاج، وكذلك سائر الحيوانات.

مع مرور الوقت بعد تلك الزيارة أصبحت مقتنعاً أن النطق الذي كان يظن البعض، أنه شيئاً يتميز به ابن آدم على سواه من المخلوقات، مجرد ذريعة ابتدعها البشر لإظهار قبحهم في علاقتهم مع بقية المخلوقات من حيوانات وما شابه. بل أكثر من ذلك، فقد تحول "البشر" في العصر الحديث إلى نموذج هجين عن القردة، وبتنا لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم. وابتكرنا قرداً رابعاً لا يشعر، وخامساً لا يرحم، وسادساً متوحشاً، وفي كل يوم نبتكر قرداً جديداً.

لقد فعل الإنسان كل ما يجعله يستحق هذا المصير العبثي. عبر توحشه وتغوله وأطماعه، وقسوته غير المبررة على مر العصور. نلتفت حولنا، فنجد أطفالاً يأكل الذباب عيونهم، يذهبون إلى المدارس نصف عراة ونصف جائعين. تتنافس على طفولتهم أسواق العمالة الرخيصة، وتتلقفهم ورشات وحقول الكبار، وهم في سن اللعب والتشكل. أطفال في دول فقيرة ونامية تراهم يشيخون في فترة المراهقة، تائهون ومهمشون في الأطراف، يبتلعهم ازدحام المدن في عصر العولمة و"الحداثة". ولا أحد يدرك معاناتهم، ولا نسمع صوتاً "بشرياً ينطق نصرة لطفولتهم التي لم يتعرفوا إليها.

التهميش أصبح ظاهرة عميقة ولافتة، بالغة التأثير في الحالة الدولية وقبيحة. هي ظاهرة لا تقتصر على المجتمعات التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل تشمل أيضاً جميع المجتمعات والدول، سواء تلك الغنية أو الفقيرة، الدول التي تشهد صراعات أو الأخرى المستقرة نسبياً، الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية أو تلك الأقل استبداداً. وهي ظاهرة تطال تداعياتها غالبية الدول، الإقليمية منها أو الدول الأوروبية، التي يفر إليها الناس من بلادهم نتيجة تعرضهم للتمييز والقهر والجوع.

ثم مكابدة مئات الملايين من البشر في مختلف بقاع الأرض، خاصة في الدول الفقيرة ودول الجنوب والدول النامية، لتبعات الجوع والفقر والفاقة وضنك الحياة، ونسب الأمية والبطالة المرتفعة، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية، وازدياد التفاوت الطبقي والحضري بين أبناء القطر الواحد، واتساع الفجوة باضطراد بين الأغنياء والفقراء. يزداد الأمر قبحاً حين تغيب في هذه الدول، الحريات العامة، ويجري إعدام الديمقراطية السياسية والاجتماعية. ويتحول القضاء والمؤسسات اللاهوتية إلى دور إفتاء للزعماء السياسيين، ويصبح الإعلام أداة كذب وتلفيق وتشويه وسلاحاً ناعماً فتاكاً وعصرياً. وتسود قوانين الطوارئ بذريعة الدفاع عن الإنسان والأوطان. ويبدو الوضع كارثياً بممارسة القمع والإرهاب واعتماد سياسة تكميم الأفواه. ويتم اغتيال الكلمة الحرة الجريئة، ويتحول المثقفون إلى بوق لتمجيد الأنظمة. ومع هذا الخراب لا نسمع نطقاً.

في الحالة العربية

أجيالاً كاملة في العالم العربي تعاني فراغاً مريراً. فراغاً في الأيديولوجيات، في القيم، في الفكر، في المعتقد، في الثقافة، في العلم، في تقاليد الحرية، وفي مختلف القطاعات. فراغاً نمى واتسع حتى احتل ضمائر العباد من الخواص والعوام. ولا أحد ينطق.

أمة تعيش حالة الهزيمة الشاملة. أوطان تُسرق وتُصادر من القوى العظمى في مرحلة الاستعمار وما بعده، وفي عصر العولمة وما بعدها. عجز عربي رسمي لم تعد تغطيه لا ورقة توت ولا إبرة صنوبر. غيبوبة غير مبررة من الأحزاب والقوى الشعبية العربية، التي تُكثر من إقامة المؤتمرات وإصدار البيانات، دون أية أفعال حقيقية لها ولا لمنظمات المجتمع المدني، ولا لعموم المثقفين، لتعرية الأنظمة ووضع الحقائق أمام أعينها، فيما المرجعيات السياسية العربية مصابة بتورم في المفاصل، وبعضها يعاني الموت السريري. والمؤسسة الدينية طوعتها المنظومة السياسية وأخضعتها لمصالحها، فتحول بعض رجال الدين من دعاة إلى متآمرين. ولا أحد ينطق.

في فلسطين، إذا لا زلتم تذكرونها، والتي كنتم تقولون عنها فيما مضى أنها قضيتكم المركزية، فيها شعب كامل يُذبح منذ قرن كامل، وتحاصرهم قبائل ابناء العمومة، وصمتكم سيد المشهد.

الخراب الذي اتسع في المشهد العربي، والحطام الذي يكبر في كل يوم، والأعمدة التي تتداعى، وتهوي معها جميع معاني الإنسانية، لا نجد معها من يجرؤ على مواجهة هذا السيل الجارف، ولا حتى على الأنين. فقد سلمنا جميعاً بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فهانت علينا أنفسنا، وهانت علينا انهياراتنا وهزائمنا، وبتنا لا نسأله رد القضاء، بل اللطف به.

البشرية لا تتعلم

منذ أن وجد الإنسان، وجد التوحش والجشع والشره، وجد الاضطهاد والاستبداد، وجد التسلط والتعسف. مع الإنسان نشأت الصراعات والحروب وعرف الكون العدوانية والجور والطغيان، وما زالوا خلّاناً أصدقاء أوفياء للإنسان المعاصر. ورغم أن الظلم والقهر وغياب العدالة كانوا ولا يزالوا سبباً لحدوث الثورات الاجتماعية عبر العصور، إلا أن البشرية لا تتعلم بسهولة.

ولما كان ذاك غير ذلك، فمن الجلي أن الإنسان لا يتميز عن الحيوان بالنطق.  لكن يا ترى هل يتميز عنه بالكتابة؟ سؤال وجيه. وهل نستطيع القول إن الإنسان حيوان يكتب؟ أنا شخصيا أعرف حيوانات كثيرة امتهنت الكتابة لاستبدال الفكر بشبيهه، واستبدال المنفعة بالمفسدة، والزلال بالآسن، والفصيح بالقبيح، وتحويل جميع القيم السامية إلى سلوكيات ساقطة.

في الأمس اثناء انتظاري لشراء الطعام من المكان الوحيد بالمدينة لبيع الدجاج المشوي، التقيت مصادفة بصديق لي ينتظر مثلي للحصول على بعض الدجاج لعائلته، وجدته شاحباً يطيل النظر في الدجاجات التي تدو داخل القفص الزجاجي بلونها الذهبي.

 حين سألته السبب، أجاب دون مقدمات وبدأ يفسر لي أسباب الاضطرابات الخيالية التي بدأ يعاني منها مؤخراً، وجعلته يتصور غضب ونقمة الفراريج على البشر، وهم يشاهدون الناس تُقبل على التهام كميات كبيرة من الطيور المسكينة دون شفقة أو رحمة.

بعد قليل لاحظت أن الهواجس قد استبدت بصديقي إلى درجة أنه أصبح يتخيل أن تلك الدجاجات التي ننتظر أخذها والعودة بها للمنزل لالتهامها، قد استعادت حياتها، وشقت عصا الطاعة، وغادرت القفص، وانهالت علينا جميعاً نقراً بمناقيرها الحادة، انتقاماً لما يفعله البشر بأبناء جلدتها منذ الأزل.

وعبثاً حاولت مع الصديق لإقناعه بهشاشة وسخافة هواجسه، وذكرته بصديق قديم لنا يعشق أكل الدجاج المشوي في كل مساء. ولو أن الدجاج كان حقاً قادراً على الانتقام، لكن هو خصمها الأول لا غيره. ورغم إنه لا يزال يفتك بدجاج الكون، فما زال حياً يرزق، ويأكل الدجاج كل ليلة.

غير أن صديقي المسكين كان مقتنعاً بفداحة الجرم الذي ارتكبته أسنانه بحق الدجاج الضعيف. لذلك أخبرني أنه قرر طلب المغفرة والتوبة عن أكل تلك الطيور، لعله يكّفر عن جرائمه السابقة بحق الدجاج.

 تركني وغادر مسرعاً دون دجاج مشوي. حصلت أنا على دجاجتي، وعدت لبيتي دون شعور بالندم.

نحتاج كثيراً من الخجل

قد تكون الفلسفة التي توصل لها صديقي مفادها أن الحيوانات مخلوقات أرقى من البشر. وبظني لن يجد صعوبة في تدعيم رأيه وموقفه بالحجج والبراهين. فالحيوانات عادة تدير ظهرها للطعام حين تشبع، بعكس الإنسان الذي يسعى نحو الاستحواذ على كل شيء.

ثم هل سمعتم يوماً عن حيوان يشترط فيك أن تكون ثرياً وتمتلك منزلاً فخماً ووظيفة مجزية ليكون زوجاً لك أو صديقاً؟ لا بالطبع، فهذه سمات البشر وأخلاقهم، فالحيوانات لا تبتغي سوى المحبة من قلب يبادلها الحب.

ودون أن يدري، أعادني صديقي إلى حيث كنت قد بدأت. فيبدو أن الانقلاب في المقاييس قادم لا محالة. ذلك أن "الحيوانات" بظني غير قادرة على تحمل كل هذا الإجحاف الذي يلحق بها نتيجة وحشية البشر. لذلك فإنها سوف تتمرد عاجلاً أم آجلاً، كي تنتقم لنفسها وتحقق العدالة، وتضع الإنسان في أقفاص باردة موحشة وتحشره فيها. ثم تأتي في أوقات فراغها كي تتفرج عليه وهي ترتدي النظارات الشمسية وتحمل الكاميرات، وتطلق ضحكات فرحة.

في هذه الفترة العصيبة من عمر البشرية، وهي تواجه عدواً مجهولاً أسموه "فيروس كورونا" يبدو أنه ليس مهماً الآن ـ من وجهة نظري ـ نقاش العديد من الأفكار والرؤى والتحليلات والتخمينات والنظريات التي اجتهد أصحابها في تقديم تفسير لما يحصل. بدءًا من نظريات المؤامرة، إلى نظريات صراع القوى العظمى، ونظرية الانتقام الإلهي، وسواهم.

 لكن باعتبار أن البشر ليسوا الوحيدون الذين يعيشون مع الحيوانات في هذا الكوكب الأزرق. حيث يضم كوكب الأرض نحو 8,7 مليون كائن حي، حيواني أو نباتي. منها 6,5 مليون كائن يعيشون على اليابسة، فيما يعيش في المياه 2,2 مليون كائن، بحسب دراسة أمريكية تم نشرها في صحيفة "بلوس بيولوجي" العلمية PLOS Biology Journa وهذه الكائنات تحتاج إلى الغذاء والهواء والماء، فإن ما جرى قد يكون سلاح الطبيعة، سلاح الأرض الأم في علاقتها المتأزمة مع الإنسان المتغول، في حربها مع البشرية التي عاثت في الأرض جنوناً وفجوراً.

الدرس المهم هنا أن كثيرون من الناس في هذا العالم هم أسوأ وأقبح من المخلوقات التي نتفرج عليها داخل أقفاصها. إذ أنهم حولوا باختلالهم وقسوتهم وجشعهم، أماكن كثيرة في هذا العالم إلى حدائق حيوان. فلازال الإنسان رغم مجتمعه المدني، أكثر توحشاً من أي حيوان.

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقي في الدنمارك

 

 

 

لكي لايلتبس الامر على القارئ،  ويضن ان العنوان يشير الى أحجية جديدة، فأسارع الآن لأوضح بان المقصود بالشمال أوربا وأمريكا،  وبالجنوب دول العالم الثالث والتي تنتمي اليها منطقتنا العربية. والبحث المقصود فُرِض على الجميع حين حلٌ وباء " كورونا" وبدأ تداعي الانهيارات المتتالية ليس فقط على صعيد الخدمات الصحية ومايرافقها من أزمات حادة، بل الانهيارات المفجعة في القيم الانسانية التي منحت الحضارة الأوربية الحديثة شرعيتها مقابل عالم ثالث متخلف في إحترام هذه القيم.  أو هكذا طبعت سمعته.

من بين الانهيارات المتعددة والمختلفة إزدياد نسب البطالة في أمريكا الى عشرة ملايين شخص بين رجل وإمرأة الى نهاية آذار/مارس 2020 .  في حين بلغ عدد المشردين، أي اللذين لايحصلون على مأوى ليلي على الإطلاق، حوالي ستمائة الف شخص، بين رجل وإمرأة، حسب ارقام المكتب الرئاسي التنفيذي للبيت الأبيض.  غير ان هذا العدد، لسوء الحظ، قابل للازدياد كلما زاد عدد العاطلين عن العمل وكلما طالت فترة إغلاق المصانع والشركات والمؤسسات التجارية بإختلاف أنواعها. أما في أوربا، فيقدر المكتب الإحصائي للإتحاد الأوروبي بأن حوالي أربعة عشر مليون شخص،  بين رجل وامرأة،  في دول الاتحاد الأوروبي، كانوا عاطلين عن العمل في نهاية فبراير/شباط 2020. والنسبة قابلة للازدياد كلما ازداد أمد إغلاق النشاط الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي والترفيهي. ووفقًا لـلاتحاد أو الفيدرالية الأوربية للمنظمات الوطنية العاملة مع المشردين في تقريرها الفصلي الصادر هذا الربيع فإن التقديرات لعدد المشردين في عموم أوروبا هي 700.000 شخص، بين رجل وإمرأة،  بلا مأوى على الإطلاق . وهي زيادة بنسبة 70٪ مقارنة بعشر سنوات مضت.

يثبت لنا التاريخ على إمتداده بإن حالات الكوارث العظمى تُخرج دائماً أحسن مافي الانسان، ولكنها، أيضاً، تخرج أسوأ مافيه. فقد تم رصد حالات سطو على المتاجر المختصة بالأغذية، وكذلك المحلات التجارية المتخصصة ببيع بضائع لاتمت بصلة الى الأغذية ومشتقاتها أبداً، من قبل عصابات منظمة، في ثلاث ولايات أمريكية وهي نيويورك، وفيرجينيا وكاليفورنيا وعدد آخر من المدن.  وفي أيطاليا حيث تتزايد المرارة وخيبة الأمل من أخوانهم الأوربيين يحرق عدد من المواطنين، بينهم برلمانيين، علم الاتحاد الأوربي أو يستبدلونه بالعلم الإيطالي. وفي أمريكا اللاتينية، الكاثوليكية المؤمنة، وبسبب تزايد الغضب وقلة أو إنعدام الأفعال الحكومية أو الكنسية القادرة على كبح قوة وتنامي هذا الغضب، تسارع عدد من المواطنين الى تكسير تماثيل السيدة العذراء والسيد المسيح كما قاموا بتكسير عدد من الصلبان. فيما دعا طبيبان فرنسييان من على قناة "إل سي إي LCI " الإخبارية التلفزيونية إلى تجربة لقاح جديد لكورونا على الافارقة في بعض البلدان الأفريقية. معتبرين ان من الممكن للأفارقة ان يخدموا علوم الطب والإنسانية جمعاء، أو مأيتبقى منها، في ان يقوموا مقام  فئران لمختبراتهم.  الطبيب الأول هو رئيس وحدة العناية المركزة في مستشفى كوشان في قلب  باريس والثاني هو مديرالأبحاث في المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي. هذه الظواهر لم تقتصر على غير العرب، فقد هاجمت فنانة كويتية، في مجال التمثيل المسرحي والتلفزيوني، المقيمين الأجانب في الكويت، وحمّلتهم مسؤلية نقل الفيروس والازدحامات في المستشفيات الكويتية، كما سارعت نائبة في البرلمان الكويتي الى مطالبة الحكومة بترحيل جميع الأجانب.  

لعله من المفيد التنويه الى العداء المتزايد في عموم أوربا للمهجّرين والمهاجرين وللهجرات عامة. هذا العداء الذي، بدون ادنى شك، سيأخذ مناحي أخرى قد يكون العنف أحد وسائلها مع أزدياد الإقفال الاقتصادي والاجتماعي وتضاعف إعداد العاطلين عن العمل وبالتالي تزايد عدد الفقراء والمحرومين في المجتمع الأوروبي. غير أن تصاعد هذا العداء يستند أولاً الى الحس المتزايد في التعالي التاريخي بين الشمال (أوربا) وبين الجنوب (العالم الثالث). وهنا علينا ان نعترف بان العرب يقفون في مرحلة متدنية حتى من تصنيف العالم الثالث. وهذا سيستوجب عليّ أن أعرّج قليلاً خارج الموضوع المباشر بهدف توضيح، مختصر للغاية، لسبب هذا التدني اللاأخلاقي في التصنيف.

 إن أي بحث جاد عن سبب لتوضيح هذا الامر المعقد، وأعني به الانحطاط المفجع للمنطقة العربية في عيون العالم، بعيداً عن المشكلة الرئيسية الحقيقية التي تشغل الحيز العربي منذ أكثر من سبعة عقود ، كما تشغل دوائر السياسة في العالم كله، وأعني بذلك القضية الفلسطينية.   سيكون بحثاً عبثياً. لأنه سيكون بمثابة محاولة عوم رجل عجوز ومشلول من أجل عبور المحيط الأطلسي في يوم عاصف. وبتسليط بعض الضوء على مراحل تاريخية مختصرة للغاية قد تتوضح الأمور قليلا:

أبدأ بعام 1965 حين تأسست حركة المقاومة المسلحة الفلسطينية، وبدأت عملياتها الكبرى تعرف في العالم كله خاصة بعد عام 1967 ، مما أعاد للعرب بعض الكرامة التي سُحقت فيما سمي بنكسة حزيران. ثم انتقل الى الانتصار المذهل للجيش المصري على إسرائيل في أكتوبر 1973 والذي أعطى بريقاً خاصاً لحركة المقاومة الفلسطينية وقوات الفدائيين كما منح العرب عموماً زهواً أفتقدوه لقرون من الخضوع العثماني. تلا ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1974  خطاب الرئيس ياسرعرفات الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي رفع بيده غصن الزيتون ملوحاً بان الفلسطينيين شعب يروم السلام والعيش المشترك. ثم عقب ذلك، بعد عام، اعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها التاريخي بان "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية". هنا بدأت الدوائر الصهيونية لتحشيد كل طاقاتها لتغيير هذه المعادلة لصالح إسرائيل وكان الاعلام الإخباري والإعلام المتسرب من خلال نوافذ الثقافة والفن من أهم أسلحة إسرائيل، وإذرعتها القوية في أمريكا وفي أوربا الغربية آنذاك، ضد المنطقة العربية التي كانت لاتزال مزهوة بالانتصار وبارتفاع أسعار البترول وبالميزانيات التنموية الانفجارية. وكانت المنطقة العربية لاتعير أي أهمية للإعلام المعادي والمتنفذ عالمياً، ولم تتخذ أي إجراء إحترازي للدفاع عن كرامتها التي بدأت تتآكل بشكل متسارع وصارخ بفعل وقوة الاعلام المناهض.

 في هذه الأجواء وفجأة، يدخل العراق في حرب طويلة الأمد مع إيران تستنزف كل قواه الاقتصادية والعسكرية وتخلخل الهيكلية الاجتماعية الساكنة منذ قرون. في هذه الحرب التي أبتدأت في سبتمبر/أيلول 1980 سقطت بغداد، برأيي الشخصي، ولم تسقط في 2003 كما يُشاع. السبب هو ان العراق منذ ذلك اليوم الأول لإعلانه الحرب، خرج تدريجيا من التاريخ.

 وبهذا الخروج تأثرت المنطقة العربية، بشكل كبير، وهي التي كانت تعاني ضعفاً شديداً أصلا بعد خروج مصر من الجامعة العربية إثر زيارة السادات للقدس وما تلى ذلك من اتفاقيات. تتوالى بعد ذلك، كثير من الأحداث التي هوت بسمعة العرب كمسلمين متزمتين، وكإرهابيين وقتلة.  مما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة الى إعادة النظر بقرارها السابق في أعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والغاءه تماما. ولم يتحرك العرب حتى ولو إعلامياً ضد هذا التوجه.  ثم إنبرى عدد من الدول الأوربية الى إعتماد  قوانين تجرّم العداء للسامية بل ان بلدا مثل فرنسا ذهب الى ابعد من ذلك الى إقتراح قانون يجرم الكلام ضد الصهيونية. لاأعتقد، بعد كل هذا، بإن هناك حاجة لمزيد من التوضيح ضد من هذه القوانين قد وجهت  ولا من أي أمة تسخر هذه القرارات. وأكتفي بما ذكرت.

نعود الى موضوعنا الذي يدعو الى البحث عن الشمال في الجنوب.  فقد ابتدأ هذا البحث حين أعلنت أمريكا والدول الأوربية عن عجزها من محاربة فايروس كورونا ومن عدم قدرتها على حماية مواطنيها وعجز القطاعات الصحية عن تقديم الخدمات المرتجاة الى المرضى. في هذا الوقت بالذات بعثت دولة صغيرة، والى حدّ ما منسيّة، وأعني كوبا، بعدد من الأطباء (أي المساعدة بالعنصر البشري الخبير وليس مواد طبية) الى إيطاليا للمساعدة في القضاء على الوباء،( كما بعثت روسيا والصين بموارد بشرية طبية وبمساعدات تتضمن أجهزة وادوية طبية مختلفة الى إيطاليا).  وهكذا، بعد البحث عن الشمال، بدأ البحث عن الغرب في الشرق، حين تداعت كل من روسيا والصين الى مساعدة أمريكا بأجهزة ومواد طبية. وفجأة تلاشت الحدود بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب لانك ببساطة تجد شيئاً من الشمال في الجنوب، كما تجد شيئاً من الجنوب في الشمال وكذا الشرق والغرب ولم يعد لأي من هذه الاتجاهات وهذه المواقع خواصها الأولية المعروفة. بل وسقطت هذه الاتجاهات الجغرافية من جميع الخرائط وبات العالم يبحث عن هوية جديدة. هوية تولد من الخاصرة الضعيفة لأوروبا وأمريكا وتربك التوافق على التوازن الحالي. لإنها هوية تحتضن، او تسعى لإحتضان، قيم إنسانية ضاعت بين مفاهيم القوة، وبهتان مفاهيم وتطبيقات حقوق الانسان، والديمقراطية الانتقائية، وبرلمانات تمثل السلطة لاالشعب.

وتأكيداً على ذلك كتب الدكتور هنري كيسنجر، الوزير الأسبق للخارجية الامريكية، مقالاً في بداية أبريل/نيسان الحالي في صحيفة "وول ستريت جورنال" إن فيروس كورونا “سيغير النظام العالمي الى الأبد، وسيستمر تأثيره على مدى أجيال، مطالبا الولايات المتحدة بالقيام بدورها في “حماية النظام العالمي الليبرالي”.  وذّكر كيسنجر بأنه "عندما ينتهي هذا الوباء ويفرغ العالم منه، ستكون النظرة الى العديد من البلدان بعين الريبة والفشل، ولن يكون مهماً حينها إذا كان هذا الحكم عادلاً أو موضوعياً، فالحقيقة هي أن العالم لن يكون بعد كورونا كما كان قبلها". يبدو لي إن الدكتور كيسنجر قد أخطأ القرن الذي نعيشه فيما قاله. فهل من المنطق السليم الاستمرار في البحث عن صيغٍ لمستقبل الإنسانية في أكوام الخديعة والفشل الغربي، الأوروبي الأمريكي. يجب ان لاننسى ان المجموع المتراكم للديون في مجمل العالم الثالث قفز الى سبعة ترليون وثمانمائة مليار دولار (7.8) وفق إحصائيات البنك الدولي (إحصاءات القروض العالمية 2020 )، وهذا مبلغ فلكي لايمكن للعالم الثالث الوفاء به دون التضحية بكرامة مواطنيه وببنية المجتمعات فيه. فلماذا يستوجب إذن الحفاظ على النظام العالمي الحالي وهو المسبب الأساسي لكل هذه الديون؟ ومن النتائج الأخرى لهذه الديون في المنطقة العربية هي إضافة ثمانية ملايين إنسان إلى دكة الفقراء هذا العام حسب تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا). وبطبيعة الحال هذه الأرقام لاتأخذ بالحسبان التداعيات الاقتصادية على العمالة وعلى شرائح واسعة من المجتمعات العربية التي ستتحول الى مادون خط الفقر كلما طال أمد إغلاق النشاط الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي والترفيهي في البلدان العربية. إن مقال الدكتور كيسنجر، وهو عرّاب السياسة الخارجية الامريكية، يحيلنا الى قيم تتناقض مع مايعلنه "الغرب المتحضر" لإنه ببساطة يشير الى التعالي والإحساس بالتفوق على بقية الأمم. هذا السلوك وهذه الاحاسيس يشكلان الوصفة السحرية الأفضل التي ستحوّل العالم بأسره الى عالم أكثر تعصباً لقومياته، أكثر دكتاتورية ومركزية، عالم اكثر أنانية وإنغلاق ويزداد فيه التعصب الديني وربما تظهر تيارات فاشية جديدة تمثل الأديان التوحيدية الثلاث، وربما سيصيب ذلك حتى الأديان المسالمة كالبوذية والكونفوشية، وتأخذ مفاهيم كالديموقراطية او العولمة أبعاداً أخرى اكثر تقييداً وبالتالي اكثر إفراغاً لمعانيها.

هنا، إشارة سريعة الى الصين التي ولد فيها الوباء، وكانت موضع تندر وسخرية في الغرب لإغلاقها مدن بأكملها، كما كانت موضع إعجاب من قبل بقية العالم. الغرب كان يتطلع بتندر الى تقييد الحريات وتكميم الأفواه في الصين (في إشارة الى إقفال النشاط التجاري والاجتماعي)  وبقية العالم كان مندهشاً بقدرة الشعب الصيني على احترام النظام وعلى التكاتف الاجتماعي. الصين بلغت اليوم مراحل شبه نهائية في القضاء او الحد من انتشار الفيروس. في حين ان أوربا الان تكافح، بذات الآليات، أي بتكميم الأفواه وتقييد الحريات. غير ان ما يحسب للصين هو الفعل الإنساني الكبير من تضامن  مع الشعوب المنكوبة بهذا الوباء والذي ترجم الى مساعدات مباشرة بأطباء وأجهزة طبية الى دول عديدة وخاصة لأمريكا وأوروبا.

ولعل إستخدام التعبير العسكري الأمريكي "نيران صديقة" هو الأفضل لما أصاب العولمة. حيث ان من أشهر ضحايا هذه الأزمة هي "العولمة"، فهي تحولت من عربة تجر الاقتصاد والثقافة وطرق العيش والرفاهية من شمال الأرض الى جنوبها، تحولت الى الأزمة العميقة ذاتها ولم تستطع الى الان تخطيها، بل ربما أستبدلت اليوم مهماتها بل وحتى إسمها من عولمة "Globalization " الى كوْرَنة العالم "Coronization". وفي هذه العولمة الوليدة سيبحث العالم عن قيم إنسانية تستند الى قيم الجنوب، في التضامن الإنساني وفي مفاهيم المساواة والعدالة المبنية على إحترام التنوع الاثني والثقافي والديني وفي مفهوم الكرامة الذي يرتكز على إحترام الوجود الإنساني المحض كما يرتكز على إحترام التعايش الإنساني المشترك. ووللعرب هنا فرصة تاريخية للمساهمة من جديد في بناء حضارة العالم، حضارة تحتضن الشمال كما تحتضن الجنوب، والمساهمة في صياغة قيم إنسانية شاملة تستبدل خطاب التعالي والتفوق كما تستبدل خطاب النوايا الحسنة المخادع والكيل بمكيالين.

تستوجب التغييرات الجذرية التي ماتزال في طور التكوين، والتي نشهدها جميعاً، التأمل الطويل والهادئ لفهم ما يمكن ان يحصل. ولأجل مساعدتنا على الفهم الصحيح علينا التخلي عن الأيديولوجيات، السياسية والدينية، مسبقة الحكم على الظواهر. كما سيستوجب إعادة النظر بمعظم النظريات والآليات الفكرية، والاجتماعية لانها الحضن الذي قاد العالم الى هذا المأزق الإنساني الحاد الذي نحن فيه أسرى جميعاً.

إن الأزمة الكونية الحالية تفتح أبواباً جديدة لبناء حضارة مشتركة بين الشمال والجنوب، حضارة لا إقصاء فيها لانها قائمة على مبدئين، لايمكن الفصل بينهما، الأول هو مبدأ التعايش المشترك المستند الى الاحترام المتبادل وصيانة الكرامة الفردية والمبدأ الثاني هو مجموع القيم الإنسانية القائمة على التنوع الاثني والثقافي والاجتماعي والمستندة الى المساواة والعدالة الاجتماعية والرافضة لكل أشكال الإقصاء الاجتماعي. ولهذا، فإن هذه الأزمة الكونية التي خلفها فايروس كرونا جعلت من الكرة الارضيّة وطن واحد. وطن يتساوى فيه، ولأول مرة في التاريخ، القوي والضعيف، الغني والفقير، الشريف والسافل. وطن أُسقطت من يديه البوصلة الرئيسية التي تحدد حزمة القيم التي حكمت التاريخ على مدى قرون عديدة. وطن أستفاق على حجم الخديعة التي كان ملتحف بها. هذا الوطن الكوني الكبير إستفاق على وعيٌ بحجم خيباته، وعيٌ يحمل شموساّ كونية تنير أزقة المستقبل للأجيال القادمة.

 

علي ماجد شبو

 

جواد بشارةإرهاصات السياسة العراقية تثير العجب لدى المراقبين من خارج العراق رغم وضوح المشهد السياسي واستقطاباته الخارجية الجلية، دولياً وإقليمياً. الكل يعرف أن أمريكا لنن تتخلى عن العراق هكذا وببساطة بعد كل ما استثمرته فيه مادياً واستراتيجياً والتنازل عنه لإيران، وهذه الأخيرة لن تفرط بفريسة سهلة ومليئة بالخيرات وقعت بين فكيها مثل العراق، إذ أصبح هذا البلد بمثابة الرئة التي تتنفس بها إيران على الصعيد الاقتصادي والعسكري والأمني والسياسي، إلى جانب وجود أطماع ومصالح حيوية لروسيا والصين وتركيا والخليج في العراق، وكل طرف يعمل على تأمين مصالحه بكل ما أوتي من قوة وإمكانيات من خلال الأذرع والامتدادات والأذناب الداخلية العراقية. ومنذ اندلاع تظاهرات الغضب والثورة الجماهيرية في الأول من أكتوبر في العام الماضي، تخلخلت وتزعزعت أسس البنيان السياسي العراقي المحاصصاتي الذي تهيمن عليه الأحزاب الدينية الشيعية التابعة لإيران أو الموالية لها، ومعها القوى السنية المشتتة والمتصارعة والمتنافسة فيما بينها على المغانم والامتيازات، وبالطبع المكون الكوردي ومطالبه ودوره وتأثيره في ترتيب الأوضاع السياسية في العراق. تفجرت التفاهمات القائمة بين مختلف الأطراف في العملية السياسية وانهارت تحت تأثير الحراك الجماهيري ومطالب المنتفضين بتغيير المنظومة السياسية برمتها، وتفاقمت مؤخراً بعد استقالة عادل عبد المهدي، وحصول الفراغ السياسي والدستوري المعروف اليوم وبعد باليه المرشحين ورفضهم في الشارع العراقي أو من قبل القوى السياسية التي لا تثق بهم، جاء تكليف برهم صالح لعدنان الزرفي، محافظ النجف السابق، وعضو تحالف النصر الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ليصب الزيت على النار ويفجر الصراعات بين الكتل السياسية الماسكة بتلابيب السلطة . هناك ثلاث كتل كبرى وحولها كتل صغيرة ومتوسطة تتجاذب لعبة التحالفات، كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر، وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري، وكتلة دولة القانون بزعامة نوري المالكي، ولاعب متوسط الحجم يتمثل بتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم يتحين الفرص لإعلان انحيازه لهذا الطرف أو ذاك حسب مصالحه، وبالطبع الكتل السنية المختلفة والتحالف الكوردستاني . الكورد وبعض السنة يميلون لكفة الحضور الأمريكي الفاعل في العراق بينما يميل البيت الشيعي إلى الدور الإيراني المؤثر والحاسم في المصير العراقي إلى حد التبعية التامة بلا قيد أو شرط. فالذي تريده إيران يكون مقبول شيعياً في العراق والعكس صحيح، لكن هذه المعادلة تفككت اليوم. لقد نشرت ثمان فصائل مسلحة ميليشياوية عراقية موالية لإيران ومرتبطة على نحو مباشر بالحرس الثوري الإيراني فكراً وتمويلاً وتسليحاً وتدريباً، وكان يوجهها الجنرال  قاسم سليماني قبل اغتياله من قبل الأمريكان، وهي حركة عصائب أهل الحق وحركة الأوفياء وحركة جند الإمام وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي وسرايا عاشوراء وسرايا الخراساني، بياناً هددت فيه بحرق العراق إذا تم تمرير حكومة عدنان الزرفي التي يتهمونها بالتبعية لأمريكا وسياساتها في المنطقة والمعادية لإيران، وبعثت  تلك الميليشيات ثلاث رسائل شديدة اللهجة للقوات الأمريكية وللكتل السياسية العراقية وللشعب العراقي، وهددت النواب  إذا صوتوا لصالح حكومة الزرفي التي سيقدمها لكسب الثقة في البرلمان خلال يومين أو أكثر، وهي مناورة من قبل هذا الأخير لرمي الكرة في ملعب البرلمان ليضعه أم مسؤولياته الدستورية، كما أرسل منهاجه الحكومي للبرلمان وللكتل السياسية ولوسائل الإعلام وطلب من البرلمان عقد جلسة لمنح الثقة لحكومته القادمة خلال 48 ساعة. فيما يتعبأ المناوئون له لطرح بديل تسوية يتفاهمون ويتفقون عليه بشروطهم لكي تتوافق عليه القوى الشيعية الحاكمة الفعلية للعراق. لكن تمرد الصدر وإعلانه أنه سيؤيد الزرفي في البرلمان  إلى جانب تأييد ودعم تحالف النصر الذي ينتمي إليه الزرفي، مع تصريح ألأكراد بأنهم مستعدون لتأييده، وكذلك بعض القوى السنية، سيضمن للزرفي النصاب الدستوري اللازم لنيل الثقة بالرغم من رفض الميليشيات المسلحة المعارضة لتسميته لاستشعارها بخطورته عليها وعلى مصالحها، وربما على مصالح إيران الحيوية في العراق، لذلك سارعت  الفصائل المسلحة وواجهاتها السياسية في البرلمان، إلى الاتفاق على شخص رئيس جهاز المخابرات العراقي  الصحافي السابق مصطفى الكاظمي بعد تذليل عقبة  رفض المالكي الشكلي له .

النتيجة النهائية لهذه المباراة هي وقوف الصدر وميليشياته سرايا السلام، وتحالف النصر، والكورد والسنة إلى جانب الزرفي في مقابل المعارضة الشرسة، والمسلحة ربما، التي ستخوضها تشكيلات الميليشيات المسلحة التابعة للحرس الثوري الإيراني وواجهتها السياسية البرلمانية المتمثلة بتحالف الفتح ودولة القانون. ولا أحد يعرف ما ستقوم به أمريكا في حالة نشوب مواجهات مسلحة بين المعسكرين وماهي مخططات إيران لمواجهة مثل هذا الظرف العصيب والحساس بالنسبة لها في العراق، وما هو موقف الشارع العراقي الغاضب والثائر الذي يواجه اليوم صعوبات وعراقيل وباء كورونا الذي يحد من نشاطه الرافض للعملية السياسية ومناوراتها الدنيئة، ويبقى الرقم الصعب والغائب تقريباً اليوم الذي تمثله القوات المسلحة في وزارتي الدفاع والداخلية، المخترقة  بفضل عمليات الدمج، من قبل الفصائل والميليشيات المسلحة تحت غطاء الحشد الشعبي، فهل سيتمكن الزرفي في حال نجاحه من كسب ولائها وطاعتها لمحاربة الميليشيات وسحب سلاحها  ومعاقبة المجرمين الذين قتلوا المتظاهرين بأوامر من قادتها؟ حركة عصائب أهل الحق وحركة الأوفياء وحركة جند الإمام وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب الإمام علي وسرايا عاشوراء وسرايا الخراساني وحزب الله العراقي وغيرها تقوم باستعراضات عنترية في شوارع العاصمة العراقي ومدن أخرى لاستعراض قوتها وأسلحتها متحدية السلطة والحكومة والقانون  لترهيب الجماهير  والنواب في آن واحد وإرسال رسائل تهديدية لأمريكا وأتباعها في العراق، إنه مشهد مرعب على أعتاب الكارثة.

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليفي البدء كانت مدينة ووهان وكانت مشكلة صينية بحتة.. شاهد العالم فصولها دون مبالاة تذكر.. استمرت الحياة بكل تفاصيلها في إيطاليا، وفي الولايات المتحدة، إيران، واسبانيا، وألمانيا، وروسيا، والجزائر، ومصر، لبنان، والسعودية، والكويت.. الخ.. وفي ووهان كما في مدن العالم أجمع استمرت الحياة بتفاصيلها المملة والتي يفتقدها العالم اليوم أكثر من أي شئ آخر.. استمرت الحياة إلي أن دق فيروس كورونا باب ووهان، وبات وباءً عالمياً عابراً للحدود لا يفرق بين آراضي محتلة ومن يحتل هذه الأراضي، بين قوة عظمي وعالم دون ذلك، فالجميع في الفيروس سواء .

من مدينة ووهان الصينية بدأت القصة، حيث بدأ الوباء بالظهور في أوائل ديسمبر 2019م.. لم يكترث الكثيرون له ولم يعيرونه أي اهتمام.. في العاشر من ديسمبر 2019 تعرض 7 أشخاص للعدوي بالفيروس في أحد مدارس ووهان.. لم يخطر ببال أي أحد أبداً أن يحدث هذا كله.. وبعد أسبوعين وبالأخص في 31 ديسمبر 2019 من إصابة الـ 7 أشخاص، انتقل المرض بالعدوي إلي 104 حالة مرضية.. حصرها المركز الصيني للسيطرة للأمراض والوقاية منها، لكنه لم يصنفها مصابة بفيروس كورونا.

وفي 11 يناير 2020 وصلت العدوي إلي 284 حالة مرضية، وقد صُنفت علي أنها مصابة بنوع غير معروف للالتهاب الرئوي، ومن بين المصابين 7 عاملين في مجال الرعاية الطبية، وذلك في دلالة أن هذا الفيروس ينتقل بالعدوي بين البشر.. لم توجه الصين أي تحذيرات للمواطنين ووصل الأمر ببعضهم إلي تنظيم مأدبة طعام حضرها عشرات الآلاف من الأشخاص، بينما كان الفيروس يتفشي بين الناس.. لم يتخذ سكان ووهان الاحتياطات اللازمة ضد الفيروس.. فلم يكونوا علي علم بوباء منتشر بين أرجاء المدينة .

إلا أنه وبوتيرة سريعة ارتفعت أعداد من يشعرون بأعراض مرضية في ووهان، إلا أن تلقي العلاج كان يزداد صعوبة.. منعت حكومة ووهان المواطنين للمغادرة من تجمعاتهم السكنية.. في 30 من ديسمبر 2019م فجر الطبيب الصيني "لي وينليانغ "-طبيب عيون في ووهان الحقيقة عبر تطبيق المراسلة الصيني "واي شات"- بأن الفيروس المنتشر مميت، وطلب من سكان ووهان توخي الحذر.. اعتبرت السلطات الصينية أن الطبيب مروج للشائعات، وأنه قد يواجه تهماً بالإرهاب.. إلا أن العدوي قد أصابت الطبيب ليفارق الحياة.. وقد دوت وفاة الطبيب وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل غاضبة بين أوساط الصينيين.. كانت حياته الثمن الذي أثبت أنه لم يكن مروج شائعات، فحظي بتعاطف واسع بين الناس، لأنهم قد أدركوا أنهم قد يواجهون المصير ذاته، وهذا ما يفسر ردة الفعل السريعة من عامة الشعب الصيني إزاء موته .

إن تحكم وسيطرة الحكومة الصينية علي وسائل الاجتماعي لمحاولة منع تلك المعلومات من الوصول إلي شق واسع من الشعب؛ أدي في حقيقة الأمر إلي تأخير التدخل الحكومي الفاعل طبقاً لتصريحات بعض خبراء الرعاية الصحية الذين قالوا بأن أسبوعين علي الأقل قد تم إهدارهما.. وبالفعل كانت العدوي سريعة الانتشار..

في 23 يناير 2020 وفي الساعة 10 صباحاً انتفضت السلطات الصينية؛ حيث قامت بإغلاق مدينة ووهان وعزلها عن باقي الولايات لمنع انتشار الفيروس المميت إلي باقي أرجاء البلاد، وعرف الفيروس باسم "كوفيد 19"، والمتداول اعلاميا باسم كورونا.. من هنا انتشر الفيروس ليجتاح ما يزيد عن 177 دولة حول العالم وصنفته منظمة الصحة العالمية وباءً عالمياً .

عندما بدأ انتشار الفيروس في الصين ظن الكثيرون أنها ستكون أكبر المتضررين.. في 27 من فبراير 2020 سجلت بقية دول العالم نسبة إصابات أعلي من الصين لأول مرة.. وفي 23 مارس 2020 أعلن الرئيس الصيني أن بلاده سيطرت علي كورونا في مقاطعة "هوبي" - مركز تفشي المرض، وبدأ أن الصين تنجو، وأن العالم يغرق بالفيروس القادم منها.. ما يجب أن تعرفه عن الصين عزيزي القارئ أنها متطورة تكنولوجيا، وأن كل شئ فيها مراقب ! وأن نظامها السياسي الحاكم مسيطر علي مجريات الأمور.. أول امتياز : سعة الاستجابة التي وصفها مسؤول فريق خبراء التحقيق بمنظمة الصحة العالمية بروس ايلوارد ابتكار نهج لم تر مثيلا له في التاريخ.. قامت بكين بعد انتشار الوباء بفرض أكبر حجر صحي في العالم علي 60 مليون شخص.. وفي غضون أيام قلائل قام الصينيون ببناء مستشفيين في "ستة أيام".. المستشفى الأولى هو "هوشنشان" الذي يبنى على مساحة 269 ألف قدم مربع ويسع ألف سرير، والثاني مستشفى "ليشينشان" على مساحة 323 ألف قدم مربع، ويسع 1300 سرير .

ليس هذا فقط، بل لقد لعبت التكنولوجيا دوراً بارزاً في مواجهة كورونا؛ حيث استغلت الصين الروبوتات لتقليل الاحتكاك بين البشر.. فظهر الروبوت الممرض الذي يفحص 10 أشخاص في وقت واحد.. روبرت توصيل الطلبات ومعهم جيش من طائرات الدرونز للمراقبة.. الروبوت المعقم والروبوت الجوال الذي يكشف المصابين في الشارع ويعطي نصائح صوتية للمارة.. وهناك الخوذ الخاصة بالشرطة التي تستطيع كشف المصابين بالفيروس عبر قياس درجة حرارة الجسم عن بعد وغيرها.. وهناك البيغ داتا التي ساعدت في الحرب علي كورونا؛ حيث يُعرف عن الصين أنها تمتلك تكنولوجيا مراقبة متطورة جدا علي مواطنيها، وهناك يوجد أكثر من 300 مليون كاميرا علي الأقل تراقب الجميع ؛ حيث تتعرف علي الوجوه، وبعضها قادر إلي حد ما علي التنبؤ بالمشاعر، وهي تستطيع كشف المصابين بكورونا، وتحديد أسمائهم، وأرقامهم الوطنية، ومواقعهم..

والسؤال الآن : كيف تعتمد الصين علي البيغ داتا كيف ؟

والإجابة من خلال خوارزمية ذكية تجمع بين السجل الصحي، والملف الجنائي، وخارطة السفر عبر وسائط النقل العامة.. ستتمكن الحكومة من معرفة جميع الأشخاص الذين خالطهم أي مصاب بالمرض ومن ثم تقوم بحجرهم حجراً صحياً.. ولم يتوقف الأمر فقط ها هنا، فقد طور المبرمجون هذا التطبيق بمجرد ادخال الاسم والرقم الوطني.. ستعرف خارطة الأشخاص المشكوك فيهم بإصابتهم في محيطك.. وقامت العديد من الشركات مثل ALI BABA بتطوير QR CODES مرتبط ببيانات الحكومة.. ليصبح في جيب المواطن ما يشبه إشارة المرور بثلاثون ألوان تعبر عن وضعه الصحي.. هذا الكود مطلوب إظهاره في غالبية وسائل النقل العامة ومتاجر التسوق..

من أروع ما نجده في الصين هذا الشعار :" بلغوا عنه ولو برسالة"-.. الحكومة دعت المواطنين للإبلاغ عن أصدقائهم وأقاربهم وجيرانهم في حال شعروا بأنهم يخفون المرض.. عبر فيديوهات ورسائل نصية.. وإعلانات طرقية.. كل هذا قد تعتبره أنت -وأنا -إجراءات قاسية وانتهاكاً للخصوصية، وشكلاً من أشكال الاستبداد.. لكن الصين تراه وسيلة ناجحة ليس للحد من الأصوات المناهضة للحكم فحسب؛ بل كمنهج مثالي للحد من انتشار الأوبئة.. وقطعت سلسلة انتشاره البشري خارج نطاق المنزل الواحد.. فرضت مزيجاً من الحجر الصحي، والتباعد الاجتماعي تحت رقابة تكنولوجيا متطورة جداً.. وبعد شهور قليلة أغُلقت المستشفيات المؤقتة في ووهان.. جيوش التكنولوجيا والبيغ داتا تمكنت من محاصرة الفيروس القاتل.. وستكون ربما نموذجا يحتذي به لدول العالم الأخري.. قد تزدهر الصين مجدداً ببيع خلطتها السرية للآخرين وينجو الكوكب من فيروس الصين العظيم بأسلحة الصين المتطورة.

لم تكتف الصين بذلك، فقد قامت حكومتها بإنتهاج العالم من خلال ضبط سلوكهم؛ حيث نجحت الصين في ضبط سلوك مليار ونصف المليار بشكل يسير من خلال الحكم الرشيد، والإيمان بالعلم والتكنولوجيا، والشعب الصيني بطبيعته شعب صامت وهادئ ويواجه المشاكل بالحلول والأبحاث العلمية، وليس بالصراع بالمقالات والبرامج الفضائية التي تملآ الدنيا صخباً وجنوناً.. تم حظر التجوال في العديد من المدن.. أقل مدينة عددها 12 مليون نسمة.. وعلي الفور أغلقت المطارات، وتوقفت السيارات، والتزم الصينيون بالأوامر في شققهم وبناياتهم، وقد أعدوا طعاما يكفيهم أسبوعين.. لم نسمع عن معارضة صينية تستغل الوباء وتخرج بالصراخ، وتحرض السكان علي خرق حظر التجوال .

ثم لجأت القرى والمدن في الصين إلى استخدام طائرات دون طيار، مزودة بمكبرات صوت، للقيام بدوريات في الشوارع وتوبيخ الأشخاص الذين لا يرتدون أقنعة في الأماكن العامة، وسط تفشي فيروس كورونا، حسب وسائل الإعلام الصينية الحكومية.. نشرت كل من "شينخوا" وصحيفة "جلوبال تايمز" مقاطع فيديو لطائرات بدون طيار تنبه الناس في المناطق الريفية لضرورة ارتداء الأقنعة في "هذه الأوقات". وانتشرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية بشكل واسع وتمت الإشادة بها كوسيلة جديدة لزيادة الوعي بالمرض، وذلك حسب قول أمجد المنيف في مقاله تايم لاين.. مواجهة كورونا".

لاشك في أن التجربة الصينية كانت فريدة في تجاوز أزمة تفشي وباء كورونا بعدما اعتقد البعض أنه لا نجاة ولا مفر من الكورونا إلا إليها، خاصة مع ظهور المرض في العديد من دول أوروبا وأمريكا وأخيرا وصل إلى الشرق الأوسط، فالتزام الشعب الصيني بتعليمات الحكومة وإرشاداتها واتباع الإجراءات الاحترازية كان الخطورة الحقيقة نحو اختفاء الوباء منها وإعلانها عدم تسجيل أي حالات مصابة بالفيروس إلى الآن، ثم يأتي فيما بعد توافر العلاج وخطط الرعاية الصحية.

والسؤال الآن كيف استفحل وباء كورونا وانتشر في العالم كله بعد هذه التجربة الصينية الفريدة ؟!

وللإجابة عن ذلك نقول : لم تكن القيود علي السفر كافية لوقف تفشي جائحة كورونا.. صحيفة " نيويورك تايمز "، قامت بتحليل لتحركات مئات الملايين من المسافرين حول العالم، لتوضيح الأسباب وراء تحول مرض كوفيد 19 من وباء لجائحة عالمية.. كان يمكن ببساطة السيطرة علي الأمر في البدايات.. فمن خلال حظر السفر كان سيتوقف تفشي العدوي بفيروس كورونا حول العالم..

لا شك في أن وباء كورونا يمثل لغز مرعبا نعيشه منذ بداية 2020.. كائنات ميكروسكوبية أرعبت العالم.. شخصيات وأفلام تنبأت بما يحصل اليوم قبل عقود.. سر يقال أنه الرقم عشرين (كما شرحنا ذلك في مقالنا عن أكذوبة نهاية العالم لابن سالوقيه) .. التهاب رئوي.. فموت.. ونتيجة.. مدن وأشباح وجثث تتهاوي بالمئات في الشوارع والمستشفيات بشكل مرعب.. تجارب علمية هنا خلقت هذا الفيروس، وهنا بدأ الانتشار.. همس في الكواليس وقصص مريبة تؤكد نظريات عديدة.. هل هو حقاً مؤامرة؟.. وباء فيروس كورونا.. غموض .

كورونا كلمة مكونة من ستة حروف فقط.. أرعبت العالم بأسره مع انطلاق العام 2020.. كائنات أصغر بأت تُري بالعين المجردة.. تهدد أقوي وأعظم الدول.. وتهدد بفتك الأجسام البشرية بسهولة مطلقة، حتي بات هناك مخاوف من تحولها إلي وباء لا تقوي البشرية علي محاربته... مر أكثر من 3 شهور منذ رصد المرض بحالة مصابة بهذا الفيروس في ووهان الصينية.. وحتي كتابة هذا المقال لم يتم الإعلان رسميا عن العثور علي علاج ولقاح لهذا الفيروس والذي عزل العديد من المدن الصينية وحول المياه إلي مدن أشباح تحوم حولها العديد من القصص المريضة ونظريات المؤامرة... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

ابراهيم أبراشما أن تم اكتشاف إصابات بفيروس الكورونا في مدينة بيت لحم في بداية مارس حتى أعلنت الحكومة الفلسطينية في الخامس من نفس الشهر عن إعلان حالة الطوارئ في مجمل مناطق السلطة مع اتخاذ إجراءات وقائية مثل :إغلاق المطاعم والمقاهي، تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، إعفاء الموظفين من الالتزام بالالتحاق بمكان عملهم في المؤسسات العامة، الحد من الحركة عبر المنافذ الحدودية وما بين المدن، وقف النشاط السياحي، إغلاق الأسواق الشعبية، تخصيص أماكن لحجز المصابين أو المشتبه بإصابتهم بالكورونا، ومع انتشار الوباء في إسرائيل وخوفا من تفشي الوباء بين العمال الفلسطينيين هناك طلبت السلطة من العمال العودة لبيوتهم وعاد بالفعل عشرات الآلاف من العمال وفي الأيام القادمة سيعود الآلاف .

لو وضعنا هذه الإجراءات في سياق ما أقدمت عليه الدول الكبرى والمتقدمة من إجراءات لمواجهة نفس الحالة يمكننا القول بأن تصرف الحكومة الفلسطينية يعبر عن وعي صحي وحرص على سلامة المواطنين ويعبر عن ‘حساس كبير بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، ولكن، هذه الإجراءات سيترتب عليها تداعيات أو التزامات مادية كبيرة كتوقف عجلة الإنتاج وتراجع حاد في القوة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة التي في الأصل مرتفعة، وهو الأمر الذي يحتاج لخطوات عملية ذات طبيعة مالية واقتصادية لمواجهة الخطر وحماية المواطنين من الفقر والعوز والآفات الاجتماعية والنفسية التي ستترتب عن التزام الناس بيوتهم دون عمل .

إن كانت اقتصاديات دول العالم بما فيها الدول الكبرى اختلت بسبب الكورونا وتمر بأزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، فكيف سيتمكن الاقتصاد الفلسطيني الضعيف أساساً بسبب الاحتلال وحصاره من مواجهة الأمر والموائمة ما بين واجب الحفاظ على صحة المواطنين من جانب والحيلولة دون انهيار الاقتصاد وربما الإطاحة بالسلطة برمتها من جانب آخر ؟وخصوصاً أن السلطة تعتمد اعتماداً كبيراً على أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل وحجزت عليها في الفترة الأخيرة (وهي أموال تمثل إيرادات الضرائب والجمارك على السلع الواردة من الخارج وتمثل نسبة 65 في المئة من إجمالي الإيرادات وتبلغ شهرياً وفق بيانات ميزانية فلسطين 2019 نحو 195 مليون دولار)، الإضافة إلى تراجع الدعم الخارجي والذي سيتأثر كثيراً بسبب الازمات المالية التي تعاني منها كل الدول المانحة للسلطة الفلسطينية ؟ .

في دول العالم التي اتخذت إجراءات شبيهة بتلك التي اتخذتها السلطة الفلسطينية تم تعويض كل من تضرر نتيجة القرارات الحكومية بعدم الذهاب للعمل وتم دفع مبلغ مالي يكافئ تقريباً ما كان يتقاضاه بالإضافة إلى الرعاية الصحية وضخ مليارات الدولارات لحماية الاقتصاد الوطني، ودول أخرى وإن كانت غير قادرة على تعويض المتضررين مالياً إلا أنها أسست صناديق وطنية خاصة للتبرع لدعم المتضررين من الفئات الفقيرة كما جرى في المغرب، حيث أعلن الديوان الملكي المغربي عن تأسيس صندوق بقيمة مليار دولار تقريباً ستخصص لتغطية النفقات الطبية ودعم القطاعات الاقتصادية المتضررة من انتشار وباء كورونا المستجد . هذه الإجراءات وإن كانت تخفف بعض الشيء عن المواطنين إلا أنها لن تحول دون تضعضع الوضع الاقتصادي لهذه الدول بل يحذر خبراء دوليون من شبه انهيار للاقتصاد الدولي إن لم يكن للنظام العالمي برمته .

إن مجرد مقارنة بسيطة بين الوضع الاقتصادي والمالي للدول وما خصصته لمواجهة فيروس كورونا والوضع الفلسطيني سنلمس التحدي الكبير أمام السلطة الفلسطينية إن تفاقم الوضع وتفشى الفيروس وخرج عن السيطرة كما حذر الرئيس أبو مازن في خطابه الأخير .

فمثلاً خصصت سبع دول عربية 81.5 مليار دولار خلال شهر مارس/ آذار بهدف دعم الاقتصاد وحماية المستهلكين والشركات من تداعيات تفشي انتشار فيروس كورونا المستجد، أما على المستوى الدولي فبريطانيا مثلاً تعهدت بحزمة حوافز اقتصادية بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني لتجهيز الاقتصاد البريطاني لمواجهة تأثيرات انتشار فيروس كورونا، أما إيطاليا فخصصت 25 مليار، والنرويج أنشأت صندوقين بقيمة تسعة مليارات يورو لمساعدة شركات البلاد في تجاوز الأزمة التي تسبب بها الوباء، والنمسا تعهدت بتخصيص 4 مليارات يورو (4.4 مليارات دولار) كمساعدات حكومية، والسويد: طرح قروض بقيمة 500 مليار كرون (51 مليار دولار) للبنوك بغرض الحيلولة دون تعرض الشركات القوية لضربات بسبب تفشي الفيروس، وسويسرا رصدت 10 مليارات فرنك (10.5 مليارات دولار) لتخفيف الأثر الاقتصادي لفيروس كورونا الخ، وهذه الأرقام كانت في شهر مارس وهي قابلة للزيادة وقد زادت بالفعل في بعض الدول مع تفاقم الحالة، واقتصاديات هذه الدول ودخلها القومي يسمح لها بضخ هذه الأموال والمساعدات .

كان الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء محمد اشتيه واضحين في التحذير من مخاطر الفيروس وتبعاته الصحية والاقتصادية وضرورة أن يتحمل الجميع المسؤولية لأن الوضع المالي للسلطة لا يسمح لها بتَحَمُّل كل النفقات، وكان رئيس الوزراء واضحاً عندما قال بأن السلطة وإن كانت قادرة على صرف رواتب هذا الشهر فلا ضمانة بأنها قادرة على ذلك في الأشهر الموالية .

إذا كانت الحكومة غير قادرة على صرف الرواتب العادية فكيف ستعوض الناس الذين تعطلت أعمالهم وتوقف مصدر رزقهم بسبب الإجراءات الحكومية المترتبة عن إعلان حالة الطوارئ للشهر الثاني على التوالي ؟ فمن سيدفع للعمال العائدين من إسرائيل ولعمال المطاعم والمقاهي والسياحة والذين يسترزقون في الأسواق الشعبية وسائقو وأصحاب سيارات الأجرة والنقل العام، وكل عمال القطاع الخاص، والغالبية العظمى من هؤلاء عمال مياومون بلا نظام تأمين اجتماعي؟ .

لم تقصر الحكومة الفلسطينية في القيام بواجبها حسب ما يتوفر لها من إمكانيات، ولكن على وكالة الغوث (الأونروا) القيام بما عليها من التزامات بمقتضى النظام المؤسِس لها، فهي مسؤولة عن حياة اللاجئين الفلسطينيين وخصوصاً في مجالي الصحة والتعليم وهناك حوالي 41% من سكان الضفة وغزة من اللاجئين (نسبة 65% من ساكنة غزة ونسبة 26% من ساكنة الضفة ) وهؤلاء بالإضافة إلى لاجئي سوريا ولبنان والشتات من مسؤولية وكالة الغوث . أيضاً على دول العالم الضغط على إسرائيل لفك حصارها عن غزة وإطلاق سراح أموال المقاصة التي تقرصنها إسرائيل، كما يجب على أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال الفلسطينيين الذين اغتنوا في زمن رخاء السلطة أن يقوموا بواجبهم الوطني ليس لحماية السلطة بل لحماية الاقتصاد الوطني والشعب من وباء الكورونا .

وأخيرا فإن التحديات أمام الحكومة الفلسطينية لا تقتصر على التداعيات التي تعاني منها الدول الاخرى بل هناك تحديات نابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية المعقدة والمركبة .فبالإضافة إلى التحدي المالي والاقتصادي المُشار إليه أعلاه، هناك التحدي الأمني الذي قد ينتج في حالة عدم قدرة الحكومة على تأمين متطلبات الحياة الكريمة وتعويض المتضررين وخصوصا الذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات، وسيكون التحدي كبيرا في حالة عجز السلطة عن دفع الرواتب في الأشهر القادمة .

أيضا ستواجه الحكومة تحديات سياسية حيث من المعلوم في علم السياسة ومن واقع الحياة أن الخضوع والولاء للسلطة خصوصا في الدول النامية والفقيرة يرتبط بدرجة كبيرة ويتحرك صعودا وهبوطا بمدى قدرة السلطة على تقديم الغواية المالية من رواتب ومساعدات وليس على أساس الولاء الوطني أو الأيديولوجي، أيضا يبرز التحدي السياسي بالنسبة لتجاوب السلطة القائمة في غزة مع تعليمات الرئيس وحكومة اشتيه، وللأسف وبدلا من أن يحرك ويستنهض الوباء الإحساس بالمسؤولية عند الطبقة السياسية ويدفعها لتجاوز خلافاتها من أجل المصلحة الوطنية كما جرى في إسرائيل وفي كل دول العالم، بدلا من ذلك يتعمق الانقسام وتستمر المناكفات السياسية، حتى وإن كانت من طرف الصغار من الطرفين، ومحاولة توظيف انتشار الوباء لتحقيق مصالح حزبية تعزز حالة الانقسام .

 

 إبراهيم أبراش

 

 

سمير محمد ايوبلا تكاد منظومة ايمان سماوية، تخلو من التأكيد، على ان الغاية من استخلاف الانسان، هي العبادة وعمارة الارض بالعمل النافع . ولا تخلو هذه المنظومات، مما ينظم حياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم . فهي تركزعلى ضرورة تجسيد القيم، التي تعزز ثقافة المشاركة، ونبذ المُسقِطَةِ في مُستنقعات الإقصاء وإلغاء الآخر . واني ارى ان كل هذه الأصول، لن تتحقق الا بالتعارف المستمد من روح الاستخلاف .

التعارف إن كان لذاته او لتبعاته أصل من أصول العمران الاجتماعي، المبني على الإيمان بوحدة الإنسانية، المختلفة الأجناس، المتعددة الشعوب . فالله بميزان العدل والحكمة، خلق الناس سواسية، لا تفاضل بينهم، ولا تفاوت إلا بالتقوى .

حينما نتحدث عن الانسانية، نستحضر ما للوحدة من قوة، تستطيع مواجهة جميع التحديات التي قد تتعرض لها بلا تمييز . والتي لا يمكن للفرد مواجهتها لوحده دون الاستعانة بغيره . ولذلك فإن الناس على اختلافهم يضربون في الأرض سعيا لتبادل المصالح والمنافع . يسلك بعضهم سبل الرشاد، وبعضهم سبل الفساد والافساد .

من الطبيعي ان يتعرض مطلق إنسان خلال حياته، لمشاكل وكوارث يصعب عليه حلها لوحده. فيلجأ الى قوى مُفارِقَة، يثق بقدرتها على انقاذه، فيتوسلها بالدعاء . فالدعاء حاجة فطرية عابرة لكل انسان . اما في حياة المؤمن، فالدعاء من افضل العبادات . يمارسها وهو على يقين بأن الله يُحِبُّ أن يُسألَ، وحَضَّ خلقَه على أن يدعوهُ بحاجَتهم . ولذلك لم يجعل بينه وبينهم حِجابا . مُجيزا الدعاءَ لكلِّ الناس مِمَّنْ ليسوا مِنَّا أو مِثْلَنا . أما قبولُ الطلَبِ في أيِّ دعاءٍ مُستوفٍ لِشروطه أو عدم قبوله، فهو لله وحده . ولكن المؤمن السوي، موقن في العادة، بأن رحمة خالقه تسع كل شيء .   

في حمى البلاء، ابتدع بعض الناس، أدعية زائفة ظاهرها إيماني، وحقيقتها تجاهل للمقاصد الربانية ، تقف في مضمونها الأناني حجر عثرة أمام الأخوة الإنسانية . والسخيف في الأمر، أن تطور علوم الأوبئة، لم تكف الكثير من عتاة العنصريين والطائفيين والمذهبيين، إلى تغيير بِدَعِهم في الدعاء لأنفسهم ولجماعاتهم فقط . ظنا منهم أنهم محميون، دون شراكائهم في الانسانية، وان البلاء لن يصيب الا الأغيار . ولكن تطور الأوبئة وامتدادها، افقيا وعاموديا، كشف زيف تبريراتهم وسذاجتها . فعاد بعض غلاتهم للقول ولو على استحياء، بأن دوران الوباء واستفحاله في الأرض، لا علاقة له بجغرافيا أو بدين أو مذهب أو ثقافة أو منصب أو ثروة، بل له أسباب من تصرفات الناس، أي ناس .

سؤال العلاقة بين الدين والتدين في الفكر وفي الممارسة، وضبط المسافة القائمة بينهما، وتأثيراتها على القضايا المعاصرة لاي مجتمع ووحدته وتماسكه، من الإشكاليات المقلقة، التي ساءلت جهود رواد فكر التغيير والاصلاح . من هذا المنطلق اخترت لهذه المقالة، النظر في نماذج من الغلو والتطرف في الأدعية السائدة لدى البعض، وتأثيراتها على سلاسة العلاقات بين مكونات المجتمع على كل ضفاف الايمان .

في هذا ابتلاء الكورونا الذي تعيشه الانسانية جمعاء، تشنف قلوبنا وتطرب أرواحنا يوميا، اشكال وصيغ من الابتهال والدعاء لله تعالى، وترتطم أسماعنا وأبصارنا في الوقت نفسه، بالكثير من مضامين أدعية ليست مُحايدة، بل مُثقلةٌ بِتعمُّدٍ شديدٍ بعواطف تسوِّقُ لِخطابٍ عنصري أحول، قُطْرِيٍّ، أو طائفي أو مذهبي، مُخجِلٍ لأنه يدعو ربَّ كلِّ الناس، إلى أن يرفع البلاء عن طائفتها دون إشارة إلى شركائها في الحياة من الطوائف الأخرى معها او من حولها . ظانين بحسن نية أو عن جهل أو سوء مقصد، أنَّ الله لم يهد قوما سواهم . متناسين حق كل ملل الناس، في الحياة السليمة الكريمة .

وحين أقرأ لأصحاب الفُرقَةِ الإيمانية في أيِّ مجتمع تعددي، أو أستمع لمنطق أدعيتهم المثقلة بثقافة تحتكر الرب لها، المُصادِرَةِ لحسابِ المصالح ودرء المفاسد، تذهبُ نفسي إشفاقا وحسرة عليهم، وعلى ما فيه من غرابة ومن شذوذ . فالله لم يَصْطفِ خِلْقا لاستخلافهم في الأرض ثم يكرههم . فمن يحب الله حقا، يحب كلَّ ما خلق . ومن يحب جماعته، يحب الاخرين شركاءه في المحنة . فالاختلاف والتنوع على مدارج الايمان، هو الفطرة الأولية في خلق الناس . بعيدا عن الاسباب والخلفيات لما نحن فيه من اختلاف وتنوع، من الضروري التأكيد على انه تنوع لا يفرقنا، ولا يبعث الريبة فينا ولا الشك ولا الخوف من بعض .

حين ندعو إلى الاصلاح والتغيير، علينا أن نبدأ بثقافة الانغلاق التي تكرست في نفوس البعض . ففي المجتمع التعددي الديمقراطي الذي ننشد، لا مكان لثقافة الاتهام، ولا للتكفير أو للنبذ. فما هو موحد فطرة بين الناس، أعم وأهم مما هو متفاوت ظرفيا بينهم، وأن القيمة الانسانية في جميع الناس متساوية، وأن التفاوت بينهم يكون بتلك القيم المكتسبة بجهد شخصي، وأن كل تعامل بين الناس يجب ان يكون بميزان العدالة . فسنة الله قسطاس مستقيم، لا تُحابي أحدا ولا تجافي أحداً .

بما أن هدف الدعاء رفع البلاء وتحقيق النماء، دعونا ندعو بِنِيَّة شُمولية . فالوطن السويُّ يحتضن كلَّ أهله، ويؤمن لهم كلَّ أسباب الحياة الكريمة المستدامة، في حالة من التعاون المتجه نحو الانصهار . الابتلاء عدو يحاصرنا جميعا، علينا التعامل مع عواقبه متعاونين، تماما كما نتعامل مع مسبباته .

أعلم صعوبة العيش في واقع، بعض ناسه صمٌّ بُكمٌ عُميٌ . لا يَصدَعون لحقائقِ العلم ومكتشفاته، ولا لمقتضيات الإيمان وتبعاته . على قلوبهم وعلى عقولهم أقفال صدئة، لن ينفع معها زرعُ سبعُ سنينا من الحب .

أيها الناس، ألأدعية سلاحٌ، والسلاحُ بِضاربه لا بحده . فمتى كان الدعاء صالحا وبلا آفة به، يحصل التأثير وتتحقق المنفعة إن شاء الله . لا نعرف مالذي يختبئ لنا خلف المنعطف، لكن من يعرف الله منا، يتسع عليه كلُّ ضيق، ويعرف أنَّ ثمة شمس ستشرق كلَّ يوم . أنَّى تُولُّوا وجوهَكم، ثمة وجه الله . قِفوا بين يديه، أقبلوا عليه بكل جوارحكم . فسيعامِلُكُم بالاحسان لا بالميزان، وبفضله لا بعدله .

أما أنتم ايها العنصريون، فلكُم دينكم إدعوا بما شئتم، حتى تتقطع منكم الاحبال الصوتية . أما نحن فلنا ديننا، فلن ندع مثلكم . سنعمل على تكثير الأوعية الشرعية الوسطية الفعالة، لاستيعاب قِيمَةِ النِّديَّةِ السويَّةِ الكاملة بين الناس، وحماية تفريعاتها، وحسن تنزيلها على الواقع . فالعصر الذي نعيش، هو عصر ترسيخ التعارف والتفاهم، وليس عصر العزلة والعنصرة ونفي الاخر .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

 

 

قانون الأخلاق بين دستور العراق وظاهرة الإملاق

 

عقيل العبود

 

الشاعر احمد شوقي ذات يوم قال:

 

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ

فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

 

هذا البيت من الشعر يأخذني الى مبادئ وضعها كونفشيوس لتكون دستورا متكاملا للحياة، حيث على أساسها يتم تنظيم وإدارة العلاقات الاجتماعية والاقتصاد وفقا لقانون اخلاقي متكامل.

 

فهو المنهج والطريق لبلوغ الغايات والأهداف السامية،

حيث بموجبه، يتم تشريع العقوبات الصارمة لمن يتجاوز حدود الالتزام بتلك المبادئ.

 

وهذا يعني ان هنالك مسميات اخلاقية مقدسة وسامية يجب اتباعها بغية الوصول الى المراتب العليا للتطور الاجتماعي والاقتصادي، ليس في باب البناء المؤسساتي فحسب، بل في باب بناء العقل والضمير الإنساني.

ولذلك كونفشيوس كان مصلحا وقائدا لشعبه الذي بذل جهودا جبارة لتحقيق ما تم رسمه وهي (الطريقة) التي يحترمها الصينيون.

وذات المقدمة يمكن فهمها عندما نستقرئ تاريخ الإسلام يوم أعلن النبي الأكرم محمد ص (إنما بُعثت لأتمم مكارم الاخلاق).

حيث ان الاخلاق كانت المقدمة لبناء الإسلام.

وبيت القصيد يعود الى الشاعر احمد شوقي الذي يذكرنا في بيته عن علاقة الأمم بالأخلاق، وكيف ان تاريخ الأمم يتم نسفه عندما يتم نسف القانون الأخلاقي لتلك الأمة اوتلك، حيث قوله (فإن هُمُ ذهبت اخلاقهم ذهبوا).

ولذلك ومن باب المطابقة وكما هو ظاهر للعيان، حيث مع تفشي ظاهرة الفقر والفوضى والفساد وسرقات المال العام وتهافت القيم، سؤالي، أين نضع ساسة العراق ودستوره من قانون الاخلاق هذا، وكيف يتم تطبيق المبادئ الاخلاقية وفرضها والعمل عليها؟

 

الدكتور سمير محمد أيوب

 

 

علي ناصر الركابيمفاهيم وأسئلة كثيرة عمت عموم الأرض وحيَرت ملايين سكان هذا الكوكب الذي خلقه الله سبحانه وتعالى منذ بدأ الخليقة، حيث ترد هذا الأسئلة من أغلب الناس يومياً بعضهم البعض الاخرعن وباء كورونا العالمي بجميع وسائل الأتصال الشخصي أو الأجتماعي سواء بالهاتف الجوال، الفيس بوك والماسنجر، الواتساب، أو عند اللقاء بالصدفة في السوبرمارت أو الشارع وما الى ذلك.....

الله تعالى أنعم على الإنسان بأعظم نعمه وهي نعمة العقل، كونه أفضل خلقه، ولهذا تخطر في عقله تلك الاسئلة عن الفيروس وتراوده الشكوك في ذلك .. فتارةً يقول أنها فيروس، وتارةً أخرى يعتقد بأنها خطأ بيولوجي بغض النظرعن حسن أو سوء النيه، وأخرى يجزم بأنها مؤامرة ذات طابع تجاري وأقتصادي.

نجد أن صحيفة ديلي ميل البريطانية وجدت احتمالية مثيرة، وهي أن يكون فيروس كورونا الجديد الذي قتل عند ظهوره الأول 41  شخصا في الصين- قد تسلل من مختبر بيولوجي صيني في مدينة ووهان ليتسبب في هذا التفشي المخيف. وأن مختبر ووهان الوطني للسلامة الأحيائية يقع على بعد حوالي 32 كيلومترا من سوق هوانان للمأكولات البحرية، ويعتقد أن السوق هو بؤرة تفشي الفيروس، وتساءل البعض عما إذا كان وجوده قريبا من مختبر ووهان الوطني للسلامة الأحيائية مجرد مصادفة، لكن المجتمع العلمي يعتقد حاليا أن الفيروس تحورعبرالبشر وانتقل إليهم من خلال اتصال الحيوان بالإنسان في السوق.

يلعب الاعلام العالمي دوراً كبيراً في تحجيم وتضخيم أغلب الأمور وخاصة عندما تكون مدفوعة الثمن أو لمصلحة معينة. فتجده يوجه سهام الأتهام الى الصين، أوتجده يتهم أمريكا وأسرائيل أو دول غربية أخرى.. فترى الإعلام الروسي يركزعلى نقطة واحدة بشكل متكرر، وهي أن النخب السياسية الأمريكية، تقف وراء هذا الوباء المتمثل بالمؤامرة ، خاصة دورالمؤسسات الأمريكية وشركات الأدوية، في تخليق ونشرالفيروس، أوعلى الأقل نشر الذعر بشأنه. حيث أن هدف شركات الأدوية هو تحقيق أرباح هائلة من اللقاحات ضد الفيروس وبالتالي إضعاف الاقتصاد الصيني ومن ثم إضعاف المنافس الجيوسياسي. كما يقال بأن شركات الأدوية العالمية هي التي يمتلكها الشركاء السياسيين مما يعجز العقل عن تصوره من رؤساء دول ورؤساء وزارات ونواب ووزراء ومافيات المال والسياسة في كل أنحاء العالم ما زالت تنتظر ساعة الصفر للاعلان عن وجود علاج لهذا المرض الذي تتصارع الشعوب لأخذ لقاحه.

الصين أثبتت أنها قوة عالمية عظمى فعلًا، فقد استطاعت أن تتغلب على هذا الفيروس المؤامرة في غضون أسابيع قليلة، وقلصت خسائرها وأعلنت مدينة ووهان بأنها خالية كليا من المرض.

الاقتصاد الصيني سيحتل المرتبة الأولى عالميا ويطيح بالولايات المتحدة عن عرشها الذي تربعت عليه منذ الحرب العالمية الثانية، وتخطّط القيادة الصينية حاليا لخنق الولايات المتحدة أقتصادياً، وإقامة نظام مالي بديل ينهي هيمنة الدولار في غضون خمسة أعوام، هذه عوامل كلها قد تدفع رئيسا مثل ترامب للإقدام على جريمة حرب المؤامرة البيولوجية في آن معاً إذا صحت الاتهامات الصينية.

مهما تختلف وجهات النظر أو الاتهام فالنتيجة واحدة وهي ان شركات الادوية تمثل إحدى أدوات الإرهاب البيولوجي.

أستاذنا الكبيرعبد الباري عطوان كتب عن اتهام المتحدث باسم الخارجية الصينية للجيش الأمريكي باحتماله إدخال فيروس الكورونا إلى مدينة ووهان التي كانت الأكثر تضررًا بتفشّي المرض في تغريدةٍ له على حسابه على التويتر، وباللّغة الإنكَليزية، فهذا اتهام على درجة كبيرة من الخطورة، واتّهام مُبطّن لأمريكا، والرئيس ترامب شخصيًّا، بارتِكاب جرائم ضد الإنسانية، لأنّ الكارثة لحقت بمُعظم شُعوب العالم وبورصاته وأسواقه الماليّة وهنالك قتلى بنسب عالية.

زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، فلاديمير جيرينوفسكي، الذي إتهم صراحة الولايات المتحدة بنشر فيروس كورونا المطور بنوع جديد عبرالعالم. من جهة أخرى يعتقد عضو سابق في لجنة الأمم المتحدة للأسلحة البيولوجية، إيغور نيكولين، أن ظهورهذا الفيروس يمكن أن يكون نتيجة لإستخدام سلاح بيولوجي أمريكي. وأن واحدة من نظريات المؤامرة المنتشرة عبرالإنترنت تقول بأن السلالة الجديدة من فيروس كورونا تستهدف الأسيويين فقط، وأنها تعد "سلاحاً بيولوجياً عرقياً". بالنظر لعدم وجود أدلة تفند هذه الادعاءات لكن حتى الخبراء الحذرون في تقييماتهم يقولون إنه لا يمكن استبعاد أي احتمال.

كتبت الدكتورة ميساء المصري عن مصير الدول العربية بأن السيناريوهات عديدة والكارثة واحدة. هنالك اصابات بالفيروس في 16 دولة حتى الآن مع تحذيرات بسرعة العدوى والإنتشار فالمصدر لم يعد الصين وحدها، و مخاوف من تحوله لوباء عالمي، 6% نسبة الجهوزية العالمية.

أن ظهورفيروس كورونا بدون سبب وبدون فعل فاعل هي نكته يصدقها من يقع في دائرة السذاجة، كونه يمتد من نظريات مؤامرة هزلية إلى أخرى مروعة، وربما أغلب المجتمعات العربية هم أكثر المتهمون بهذا المعسكر. كما هو الحال عندما أجتاح العالم سابقاً أمراض وفيروسات غير مفهومه، تنتشر فجأة وتختفي فجأة بأسماء مختلفة متنوعة منها الجمرة الخبيثة وجنون البقر وإنفلونزا بأنواع الحيوانات جميعها من الخنازير فالطيور فالقرود ... ليظهر لنا الأن مرض الخفافيش والثعابين وربما العام المقبل قد ياتي لنا مرض سلاحف النينجا او عنكبوت القرّاد الذي سوف يهدد العالم قريبًا؟ والتي جميعها لديها قاسم مشترك وهو أنها من فيروسات مصَنعه بفعل فاعل. نعم انها نكتة "لايصدقها إلا السذج ولا ينتفع منها إلا صانعها".

ترد على نتائج هذه الأفلام ذات السيناريوهات الضحلة أسئلة كثيرة تطرح نفسها: ما حال العرب وقتها عند تفشي الفيروس بسرعة فائقة؟ وهل الحكومات العربية مستعدة للوباء القاتل؟ ونحن نتحدث عن قطاع صحي متواضع او متردي فيما يخص الأوبئة والفيروسات الخطيرة، هل دول مثل العراق أو سوريا أو فلسطين أو اليمن أو ليبيا أوالسودان أو مصر أو حتى الدول العربية الأخرى، هل لديها جهوزية لهكذا وباء ؟ فبعضها عاجز عن معالجة الكوليرا والملاريا والجدري والتي معظمها أمراض بيولوجية فما بالك بفيروس الكورونا؟ هل ستوفر الحكومات العربية لشعوبها الحماية اللازمة؟ هل ستجد الشعوب العربية ما تخزنه من الطعام والشراب وعزل أنفسهم داخل منازلهم كافياً؟ هل الحكومات العربية لديها خطط أخرى غير إعلان حالة الطوارئ؟ هل ستمنع الحكومات العربية إستيراد أي منتجات تثير الريبة، خاصة وان بضائع الصين العمود الفقري للدول العربية.؟؟

من باب التواضع أرى بأن المسألة هي تضخيم مريب وبث للرعب المتعمد، وهو ما سيتم استغلاله لتعظيم الأرباح وزيادة النفوذ.. بالإضافة إلى حالة الخوف وانتشار الجهل لدى فئات واسعة من المجتمع.. وأنه لايوجد شيء أسمه كورونا، وإنما هو غاز السارين، الغاز الذي يؤثر على الأعصاب كما يحدد مفهومه علماء الطب، وينتشر بسرعه مع الهواء، ولأنه غاز خفيف على الهواء، فسوف يختفي كله قريباً. مصدر الغازهو معمل أبحاث بيولوجي في أفغانستان وأن أمريكا فقدت السيطرة عليه، وأن يكون الجيش الأمريكي بعد الأصابة هو من جاء بالمؤامرة التي أسماها فيروس كورونا إلى منطقة ووهان في الصين، التي تعتبر المنطقة التي بدأ وأنتشر منها الفيروس. تكشفت مؤامرة أمريكا - ترامب بنشر فيروس كورونا في الصين وإيران والجنوب الأوروبي لغرض إيقاف تكنولوجيا التجارة التخصصية. نعم إنها مؤامرة أقتصادية- تجارية.

ها هي أمريكا تكشرعن أفعالها القبيحة في الاستحواذ لوحدها في الهيمنه على مقدرات العالم دون إشراك آخرين كالصين.

أمريكا هي الوحيدة في تاريخ البشرية التي استخدمت القنابل النووية في اليابان، ومن غير المستبعد أن تكون الأولى عالميّا بأستخدامها قنبلة غاز السارين والأسلحة البيولوجية الأخرى، فهي تقف خلف جميع الحروب الكارثية، ودليلنا الأبرز أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق.

 

الدكتور: علي ناصر الركابي

 

محمد سعد عبداللطيفهذه الأيام يشغل بال الجميع علی الکرة الأرضیة، ما يُشاع من أخبار عن الوباء العالمي الذي يزداد انتشاراً يوماً بعد يوم، والمسمى بفيروس “كورونا”، کوفید 19 المستجد، وقد تسبب هذا الوباء منذ شهور فی شلل شبة تام فی الحیاه، وتسبب فی نسبة كبيرة من الأصابات و الوفيات وحالات الخوف والذعر خصوصاً في البلدان التي استفحل فيها خطره. والأوبئة لها أخطار كبيرة تصيب الأمم والشعوب فتهلكها، وتهدد أمن الدول وتؤذن بزوالها وإدبارها، فهي من بلاء الله الذي يصيب به من يشاء، وسيف من سيوفه المسلط على عباده يضربهم به بقصد الرحمة أو النقمة.

ولما كان هذا النوع من الأوبئة من قضاء الله وقدره، وانطلاقاً من قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). فإننا مطالبون بالعمل على الوقاية من هذا البلاء ودرء أسبابه،

 وقد تعاقبت الأزمات والابتلاءات والمحن التي أصابت البشرية عبر تاريخها الطويل، ونزلت بالناس صنوف شتى من الابتلاء؛ مثل الأوبٸة والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وبالطبع، فقد نال المسلمين من ذلك البلاء والکوارث الكثير، وسجل تاريخهم أحداثها ووقائعها وآثارها. ولعل أكثرها فتكاً كان مرض “الطاعون” الذي انتشر أكثر من مرة في مصر والشام والمغرب والعراق والأندلس وقتل ألوفاً من سكانها.

حدثت عدة أوبئة وأمراض جماعية عبر التاريخ الإسلامي، وفي مختلف دوله وأمصاره وأصقاعه، إلا أن أبرزها وأكثرها شهرةً وتأثيراً هي:طاعون (عمواس) والطاعون الجارف طاعون ۔وطاعون الفتيات أو الأشراف ۔ وطاعون مسلم بن قتيبة۔ ومن أشهر الاوبٸة طاعون عمواس، ذُكر أن المسلمين تحركوا في إطار قول (رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن الطاعون: «إِذا سمعتم به بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه »، وهذا الحديث النبوي فيه إشارة واضحة إلى ما يطبق اليوم علمياً وعملياً من "الحجر الصحي " بهدف مواجهة الأوبئة المنتشرة، فرسول الله لم يكتف بأن يأمرهم بعدم القدوم إلى الأرض الموبوءة، بل أتبعها بأن أمر من كان في أرض أصابها الطاعون أن لا يخرج منها، وذلك لمنع انتشار العدوى فينتقل الوباء إلى مناطق أخرى، ۔فلقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من "عشرين ألفاً " ومن بينهم خيرة أمرائهم، وهو عددٌ يوازي نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل "الرُّوم،" وفي الحقيقة لو تنبَّه الرُّوم لهذا النَّقص الَّذي أصاب جيش المسلمين بالشَّام يومئذٍ، وهاجموا البلاد؛ لصعب على الجيوش المرابطة دفعهم، ولكن ربما كان اليأس تمكَّن من نفوس الرُّوم، فأقعدهم عن مهاجمة المسلمين

وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على هذا الحديث إلى المدينة ولم يدخل الشام بعد أن كان قد قصدها ولم يكن ذلك هرباً من الموت المقدر أن "عمر أجاب أبا عبيدة بن الجراح "عندما سأله عن سبب رجوعه إلى المدينة، قائلاً: أفراراً من قدر الله؟، فأجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو غيرك يقول هذا، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله… وعليه فقد أباح بعض العلماء الخروج على ألا يكون الخروج فراراً من قدر الله، والاعتقاد بأنَّ فراره هو الَّذي سلَّمه من الموت، أمَّا مَنْ خرج لحاجةٍ متمحِّضَةٍ، فهو جائزٌ، ومن خرج للتَّداوي فهو جائزٌ، فإِنَّ تَرْكَ الأرض الوبئة، والرَّحيل إِلى الأرض النَّزهة مندوبٌ إِليه، ومطلوبٌ.

وقد طلب الفاروق بعد ذلك من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة. وفي ذلك درس في الأخذ بأسباب الوقاية من المرض والوباء والابتعاد عن مصادره وأماكن استفحاله، وهذا ما اکتشفه العلم الحدیث من تکاثر الأوبٸة فی المناطق الرطبة

بينما بقي أبو عبيدة بن الجراح وغيره من الصحابة في الشام ولم يخرجوا منها بعد أن أصابها الوباء. وقد أصاب بعض العلماء عندما ذكروا في حكمة النَّهي عن الخروج فراراً من الطاعون: أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج، لصار مَنْ عجز عنه بالمرض المذكور أو غيره ـ ضائع المصلحة، لفقد من يتعهَّده حيّاً وميتاً، ولو أنَّه شُرع الخروج، فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء. وقد قالوا: إِنَّ حكمة الوعيد من الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلب مَنْ لم يفرَّ، وإدخال الرُّعب فيه بخذلانه.

وفي رواية أن الوباء لم يرتفع إِلا بعد أن ولي (عمرو بن العاص) رضي الله عنه الشام، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه.

وهنا نجد أنه نصح القوم المصابين بأن يتفرقوا عن بعضهم ولا يتجمعوا، حتى يقلل من نسبة انتقال العدوى، وحتى لا يهلكهم المرض كجماعات، بل يهلك من كان مصاباً به من الأفراد فيبقى الآخرون في معزل عن الإصابة به ۔ فتاريخ المسلمين في مختلف مراحله، وجغرافيا العالم الإسلامي في شتى بقاعها، شهدت مثل هذه النكبات والأوبئة الكثير،

وقد طور المسلمون طرق مواجهتهم للطاعون والأوبئة فيما بعد، ففي العصر " المملوكي " ولمواجهة الأوبئة المنتشرة، والكثيرة التي أصابت أهالي الشام ومصر، عمد بعض السلاطين والميسورين من الناس بقصد الثواب والتقرب إلى الله، إلى بناء “البيمارستانات” في مدن الشام جميعها، لمداواة ورعاية المطعونين والمصابين بالأوبئة كالحمى وغيرها. ولأن الناس كانت تموت بأعداد كبيرة في فترة الوباء فإن الجثث كانت تترك ثلاثة أيام أحياناً على الأرض ولا يوجد من يواريها خوفاً من العدوى، ولذلك فقد عمد بعض الحكام والأثرياء استجابة لتعاليم الدين الإسلامي والتي تحض على دفن الميت بأسرع وقت ممكن حفاظاً على حرمته وكرامته، إلى إنشاء ما سمي بحوانيت أو" مغاسل الموتى"، والتي تهتم بتغسيل وتكفين الفقراء من موتى المسلمين ثم يتم دفنهم وفق الشريعة الإسلامية،

ولم ينس الناس أهمية التقرب من الله والدعاء إليه والرجاء منه في تلك الأوقات العصيبة، فأخذ أهل الصلاح والعباد من الناس يتوبون إلى الله ويستغفرون ويزيدون من العبادات، ومن أجل التقرب إليه فقد شرع بعضهم في إغلاق حوانيت الخمر، وابتعد الناس عن ارتكاب الفواحش والمنكرات،

وللمسلمين تجارب في تطبيق الحجر الصحي، فقبيل انتشار طاعون عام 1798م في المغرب، استطاع المغاربة تطبيق (حجر صحي) واتخاذ إجراءات للوقاية من الوباء الذي قدم من الشرق، فهم وإن لم يستطيعوا أن يتفادوه ولكنهم استطاعوا تأخير قدومه عدة سنوات، فهذا الطاعون أول ما بدأ في مصر فی مدینة "الإسكندرية " في عام 1783م. والذي ساهم في تأخير قدوم الوباء مجموعة التدابير التي اتخذها الحاکم "محمد بن عبدالله "لوقاية مملكته من الوباء المتفشي في الجزائر وذلك بأن أقام نطاقاً عسكرياً على الحدود الشرقية للمغرب، وبدأت الهيئة القنصلية المقيمة في "طنجة "في عام 1792م باتخاذ اجراءات صحية وقائية على الواجهة البحرية، بعد أن استطاعت انتزاع موافقة (مولاي سليمان) على فرض حجر صحي ضد الجزائر التي كان الوباء فيها قد تفشى آنذاك وقد إنتشر وباء الطاعون مع الحملة الفرنسیة ۔علی الشام وقد منع نابلیون من الاستیلاء علی مدینة عکا وفی الشام ۔ وفی بدایة القرن المنصرم تعرضت مصر لوباء الکولیرا وحصد أرواح کثیرة ۔ هل وباء کورونا سوف یکون نقمة أو نعمة للعالم الإسلامي فی ظل حالة الحروب الأهلیة والجهل ۔والهیمنة الامبریالیه علی الأمه ۔وهل سوف یتشکل عالم جدید وتکتلات اقتصادیة جدیدة ۔لیخرج العالم الإسلامي من الهیمنة وحاله الخنوع ۔

 

محمد سعد عبد اللطیف *

کاتب مصري وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

عبد اللطيف الصافيإذا كان من المبكر فعلا القول باستخلاص الدروس من أزمة كورونا كوفيد 19 الذي يواصل اجتياحه  لكل القارات ويحصد المزيد من الأرواح، ولا يعرف لحد الساعة إلى أي مدى سيصل ومتى سيتوقف، فمن المؤكد أن عديد المؤشرات تعطي الانطباع بأن عالم ما بعد كورونا سيعرف تغييرات عميقة قد تمس بنية النظام العالمي ، ولن ينجو أي بلد مهما كانت قوته من هزات و تداعيات ثقيلة إن على المستوى الجيوسياسي او الاقتصادي. علما أن الحسم في شكل هذه التغييرات ومضمونها لا يمكن الحسم فيهما الآن.

وأمام هذا المخاض الذي يعيشه العالم اليوم، وبلادنا من ضمنه، تبدو دعوة الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية الرفيق محمد نبيل بنعبد الله لإعمال تفكيرنا الجماعي للإجابة عن سؤال مالذي ينبغي فعله اليوم وغدا  مسألة جوهرية وحاسمة في هذه الظرفية الاستثنائية و تقتضي من كل القوى  الحية من فاعلين سياسيين ومثقفين المشاركة الجادة في بلورة المقاربات والأفكار التي يمكن الانتقال بها من وضعها المادي إلى ممارسات متحققة على أرض الواقع.

من دون شك أن قوى اليسار بكل أطيافها، معنية بشكل أكبر بهذا السؤال لاعتبارات عديدة لعل أهمها عودة بعض المفاهيم إلى واجهة النقاش ومن بينها

1- التضامن بوصفه فضيلة مثلى

لقد تبين مع الانتشار السريع لهذا الوباء القاتل عجز أعتى الدول وأقواها عسكريا و اقتصاديا وتكنولوجيا عن مواجهة هذا الوباء بمفردها. كما تأكد أن غياب البعد التضامني في العلاقات الدولية منذ الوهلة الأولى لظهور الفيروس شهر دجنبر 2019  كان من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشاره مما دفع منظمة الصحة العالمية إلى اعتباره وباء عالميا. وهاهو اليوم يصل مراحل متقدمة بعدما أصاب أكثر من مليون شخص وفرض حجرا صحيا على حوالي ثلث سكان العالم.

وإذا تتبعنا تصريحات مسؤولين في الغرب الرأسمالي قبل أن يكتسح الفيروس أوروبا وأمريكا، من قبيل ما جاء على لسان وزير التجارة الأمريكي ويلبور روس نهاية شهر يناير الماضي ، حين اعتبر أن انتشار فيروس كورونا في ووهان الصينية سيكون فرصة مهمة ليتحسن الاقتصاد الأمريكي لأنه سيدفع الكثير من الشركات المتمركزة في الصين إلى الانتقال إلى الولايات المتحدة،سنلمس قمة الأنانية والخسة.

وفي السياق نفسه، لكن بوقاحة لا مثيل لها جاءت تصريحات بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الحالي في تعليقه على تفشي وباء كورونا “بمناعة القطيع” في إشارة إلى ترك الناس يواجهون مصيرهم بأنفسهم.

أفلا يعكس هذا أخلاق الرأسمالية التي لا ترى في الكوارث الإنسانية إلا فرصا جديدة لمراكمة فائض القيمة؟

الأمر نفسه يمكن لنا تبينه من خلال مواقف الدول الأوروبية تجاه بعضها البعض، حيث غاب عنها أي حس تضامني. وتأثرت علاقاتها بشكل سلبي بما يهدد تماسك "فكرة" الوحدة الاوروبية".

في المقابل، رأى العالم كيف تصرفت كوبا الاشتراكية، التي تعيش تحت حصار اقتصادي لا إنساني منذ عقود، حين أرسلت طواقمها الطبية إلى إيطاليا وإسبانيا لمساعدة شعوب هذين البلدين في تخطي أزمة كورونا، كما رأت كيف أن الصين سارعت إلى إيفاد مساعدات مهمة إلى مختلف البلدان المتضررة بما في ذلك دول  الغرب الرأسمالي التي كان قادتها ينتظرون انهيارها للإنقضاض عليها كفريسة تحتضر اقتصاديا وتتهاوى سياسيا.

لقد أصبح التضامن بين الدول والشعوب  يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، ويمكن لقوى اليسار، داخل كل بلد، ان تلعب دورا اساسيا في ترسيخ هذا المبدأ، بوصفه فضيلة مثلى، وممارسته بدءاً بشجب الحروب المستعرة هنا وهناك وحشد كل الامكانيات لوقفها، وإدانة كل أشكال التعسف التي قد تطال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوحيد الجهود لحماية البيئة ومناصرة المدافعين عنها. وفوق هذا وذاك تأهيل هذه القوى، تنظيميا ،لتكون قادرة على نحت خطاب يساعد في تحقيق وحدتها و يوطد علاقات التضامن بين أعضائها.

2-  الدولة الموجهة لا الدولة الحارسة

تساعدنا مساءلة الطرائق التي تم اعتمادها من طرف هذه الدولة أو تلك في حربها ضد وباء كورونا داخل بلدها أو خارجه على تحديد رؤيتنا لمفهوم الدولة والدور الذي ينبغي أن تلعبه في توجيه المجتمع وبلورة الاستراتيجيات التي تمكنه من الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة وتسخيرها في تحقيق الرفاهية للمواطنات والمواطنين، وكذا أهمية القطاع العام في تعبئة القوى المنتجة وقيادة عجلة التقدم في كل مجالات التنمية بأبعادها المختلفة.

فالصين التي تعافت في وقت مبكر من هذه الجائحة وتمكنت من احتوائها و حصر تداعياتها على نحو فعال ، ساعدها في ذلك نظام سياسي قوي فرض إجراءات صارمة، من بينها وقف عجلة الاقتصاد، استجاب لها السكان بكثير من التضحية لكن بثقة أكبر، ونظام صحي مؤهل استثمرت فيه الدولة باعتباره قطاعا استراتيجيا وأخيرا قدرة تيكنولوجية هائلة تم توظيفها في ضبط خريطة تفشي الفيروس ومحاصرته والتقليل من مخاطره الأمر الذي يعكس اهتمام الدولة بالبحث العلمي و مختلف مجالات الابتكار.ويحقق للصين الانتصار السياسي و التفوق التكنولوجي على الصعيد الدولي، ويكرس صورتها كدولة عظمى.

أما في الولايات المتحدة والدول الاوروبية حيث منحى الإصابات تجاوز بكثير أعداد المصابين بالصين، فيبدو أن الخوف من الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة الأرباح وهشاشة النظام الصحي وغياب القطاع العام المعبئ والدولة الموجهة كان له الأثر البالغ في تمدد الوباء وتنامي أعداد الوفيات بشكل مهول.

من خلال ما سبق يتضح دور الدولة في كبح جماح  الوباء وبالتالي ضرورة الانتقال من الدولة الحارسة حيث القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للاقتصاد إلى الدولة المتدخلة التي تلعب الدور الطلائعي في توجيه الاقتصاد وضمان الرعاية الصحية والاجتماعية لمواطناتها و مواطنيها. وفي بلادنا يبدو الأمر واضحا ولايقبل التأويل فلولا توجيه الدولة وقبضتها الحديدية لانتهينا إلى ما انتهت إليه دول كنا ننظر إليها نظرة العاشق الولهان ومن جهة أخرى فإن ما أقدمت عليه  كل من رابطة التعليم الخاص بالمغرب والهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء بتوجيههما رسائل إلى رئيس الحكومة تطالبانه من خلالها الإستفادة من صندوق تدبير وباء كورونا يشكل علامة بارزة على ضرورة وضع قطاعي التعليم والصحة تحت الإدارة المباشرة للدولة ورعاية القطاع العام وانتشالهما من براثن التغول والجشع.

إن السؤال حول ما العمل اليوم وغدا يدفعنا إلى التساؤل عن دور لجنة بنموسى في هذا السياق، وهل لا زالت بلادنا في حاجة إلى خدماتها بتركيبتها الحالية وبمنهجيتها التي لا نعتقد أنها ستؤتي أكلها ما لم تجنح نحو إعطاء جرعة قوية لمفهوم الدولة المتدخلة القوية بمؤسساتها الراعية لحقوق أبنائها، نساء ورجالا، على أسس المساواة والعدالة الاجتماعية.

3- اليسار.. الآن وغدا

في الاخير، لابد من التذكير بأنه في الوقت الذي نفتح هذا النقاش للبحث عن المقاربات الجادة الكفيلة بإحداث نقلة نوعية في مسار بناء الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع الحداثي هناك أيضا من يعملون في الخندق المناوئ بكل ما أوتو من قوة و جهد لتأبيد مواقعهم في هرم الانتاج و دوائر الثروة وينتظرون اللحظة المناسبة

ليحولوا هذه الكارثة الانسانية إلى فرص مثمرة تدر عليهم الأموال الطائلة. لا ينبغي إذن ان يغيب عن أذهاننا ان الصراع الطبقي سيحتدم مستقبلا. فهل ستكون قوى اليسار يقظة و مستعدة لربح التحديات الآن وغدا؟

 

عبد اللطيف الصافي

 

بليغ حمدي اسماعيلتتسارع الدول هذه الأيام في الإعلان عن عقوبات رادعة وسريعة وصارمة أيضا ضد كل من يهرول صوب وسائط التواصل الاجتماعي لنشر أية أخبار كاذبة، أو الترويج لأية شائعات من شأنها تكدير الصفو العام والسلم في المجتمع وبين فئاته وطوائفه، وعلى ضوء ذلك تبارت الدول في الاستباق لإعلان كل ما ينشر ضد الصالح العام للدولة هو بمثابة حرب مضادة وفتنة تسعى لتقويض الأمم . هذا بالفعل ما لا نستطيع إنكاره لا اليوم ولا الغد أيضا، بل إن علماء الاجتماع القابعين في منازلهم اليوم بحكم الحظر الوقائي خشية الإصابة بفيروس كورونا الجائج يؤكدون أن أبرز دوافع هذه الفتنة الإخبارية التي بدت اليوم محرمة هو الفراغ وعدم التفكير في مهارات مستقبلية يمكن امتهارها وتنميتها، فضلا عن أن أكبر وأهم مروجي الفتن الإخبارية اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي لم ينالوا قسطا وافرا وحظا وفيرا من كفايات القضاء على الملل إلا باحتراف الفتنة الإخبارية .

ولماذا نعوص في حدث راهن والتاريخ الثقافي والصحافي كفيل بإبراز أن الفتنة الإخبارية كانت ولا تزال غواية معرفية لا يمكن الفكاك منها حتى ولو تغيرت وسائل التواصل أو القنوات الاتصالية في المشاركة في تلك الغواية الممنوعة قديما وحديثا . ففي عام 1904 من القرن الماضي جرت حادثة زواج الشيخ علي يوسف رئيس تحرير جريدة المؤيد المصرية من الآنسة العفيفة الفاضلة الشريفة صفية بنت الشيخ عبد الخالق السادات، وقد أثار هذا الزواج لغطاً وجدلاً كبيراً بالأوساط الاجتماعية في مصر حتى انتقل هذا اللغط والحديث الثائر حوله من قاعات وصالونات المجتمع إلى أروقة المحاكم .

وقصة هذا الزواج ليست طريفة، فهو في بادئ الأمر وخاتمته كان زواجاً طبيعياً، ولكن هذا الزواج قد أسهم في تقسيم المجتمع المصري إلى تيارات متباينة، ورأى بعض الناس أن زواج الشيخ الصحافي أو الجورنالجي هذا صدمة عنيفة ولطمة قوية في وجه أكابر وأعيان المجتمع . فقد رجحت وقتها كفة الحسب والنسب والجاه والتقاليد والأعراف الراسخة على حساب كفة احتراف الصحافة والكتابة حتى ولو كان الكاتب شيخاً معمماً .

وخلاصة القصة أن الشيخ علي يوسف وهو رائد الصحافة المصرية الذي اشتغل بالصحافة وصار صاحب أكبر صحيفة يومية في مصر وهي صحيفة " المؤيد " والتي كانت تضم قامات مصر الفكرية أمثال قاسم أمين وسعد زغلول ومصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى كامل، قد تقدم لخطبة صفية صغرى بنات السيد عبد الخالق أحد أشراف مصر والمنتسبين إلى سلالة الإمام الحسين (رضي الله عنه) حفيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

وتروي الحكايات التاريخية أن الشيخ علي يوسف قد تعرف على صفية حينما رآها في بعض المناسبات التي كانت تضم علية القوم وسادات المجتمع، باعتبار أن الشيخ علي يوسف قد ارتقى أرقى المقامات في المجتمع المصري بقلمه، واستطاع به أن يتصل بالخديو عباس الثاني ثم الخليفة العثماني في القسطنطينية، ولما تقدم لخطبتها لم يرض والدها في بادئ الأمر، لولاً إلحاح العديد من الأمراء والأشراف وسادات مصر الأماجد وقلة من الوزراء، فرضي الأب وأذعن لطلبه .

ولكن ظل السيد عبد الخالق والد صفية يماطل في موعد الزفاف طيلة أربع سنوات، حتى قرر الشيخ علي يوسف أن يظفر بعروسه فقام بخطفها وعقد عليها في بيت أحد أقاربها ويقال أن القران قد عقد في بيت السيد البكري دون علم ومعرفة الوالد بذلك الأمر حتى علم بهذا الزواج السريع من خلال عناوين الصحافة لاسيما ما نشرته جريدة المقطم عن هذه الزيجة .

وهنا قرر السيد عبد الخالق أن يغير دفة الزواج من ظاهرة اجتماعية إلى قضية جنائية، فقام باتهام الشيخ علي يوسف بأنه غرر بابنته القاصر وتزوجها دون علم أبيها، وبعد أن بحثت المحكمة أو النيابة على وجه التحديد أمر هذا الاتهام تبين لها أن صفية ليست بقاصر بل بلغت سن الرشد ومن حقها أن تزوج نفسها، كما أن قرانها قد عقد في بين أقاربها وبحضورهم، لذا حفظت النيابة البلاغ .

ولكن لم يتريث السيد عبد الخالق في أمره بعد رفض النيابة بلاغه، فقام برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الشرعية بإبطال الزواج بحجة عدم الكفاءة بين الزوجين في الحسب والنسب والحرفة، وهنا بدأت المعركة الحامية بين التقاليد المصرية وأعرافها الضاربة في القدم وبين مهنة ظن البعض أنها محرمة شرعاً ألا وهي الصحافة .

وكان القاضي وقتها هو أبو خطوة، وعرف عنه التحجر في الرأي والتزمت في القرار،وهذا ما كان فلقد أمر أولاً أن تمكث صفية في بيت أبيها بعيداً عن زوجها الشيخ علي يوسف، حتى توالت الجلسات والمناقشات وسماع الشهود حتى اهتدى إلى رأيه التاريخي بالتفريق بين الزوجين وفسخ عقد الزواج، وكان حجة القاضي في رأيه أن صاحب المؤيد الشيخ علي يوسف لم يكن صاحب نسب أو حسب، بل إنه امتهن أيضاً حرفة وضيعة وهي الصحافة وهي مهنة تقوم على الشائعات والجاسوسية وكشف الأسرار وإذاعة الحياة الشخصية للعامة دون إذن أصحابها .ورغم ما حدث رجع السيد عبد الخالق عن رأيه ووافق على زواج ابنته من الشيخ علي يوسف بعد ذلك .

هذه القصة الطريفة تجعلني استشرف بعض ملامح المستقبل في ظل المد الإخباري الذي يشعل شبكات التواصل الاجتماعي لاسيما المد الديني الذي يبدو أكثر تطرفا وراديكالية، وتلك بالفعل أعاني من مغبتها بصورة ملحة ومستدامة، هذا المد النوعي  الذي لا يرى في البلاد العربية سوى مايوه المرأة وصليب القبطي وزجاجات الخمر المتناثرة بالطرقات والأجانب العراة الضاربين انتشاراً بطول وعرض بعض البلدان لاسيما لبنان والأردن والإمارات،  وكذلك ومن وجهة نظرهم النوعية أيضا الأصنام المتمثلة في التماثيل والمعابد الفرعونية والعبث الفكري والانحلال الأخلاقي الموجود في روايات نجيب محفوظ، ولم يروا فيها الجامعة والأزهر والأوبرا التي تعرض فنوناً رشيقة لا ابتذال فيها ولا مفسدة،ولكن هؤلاء الذين تعنتوا في حكمهم ورأيهم على الشيخ علي يوسف وازدرائه ورفضه بسبب احترافه مهنة قائمة على الجاسوسية، والشيخ هذا بدوره من دعاة التنوير لامتهانه الصحافة وصناعة الخبر .

ولكن ما سيحدث في الدول العربية بعد مرور أزمة كورونا الجائحة والجامعة بغير رحمة استشراف لمستقبل آتٍ لهو استكمال لمنطقية هذا التفكير الذي لا يزال رهين العقلية الجامدة التي تقبع وراء التقاليد والأعراف البالية، وتصر على اتخاذ الدين ذريعة لتحقيق مآربها وأغراضها الخفية، فإن السيد عبد الخالق والد العروس لما استيأس النيل من مقصده راح يفتش بين أوراقه الدينية حتى عثر على شرط الكفاءة في الزواج، وهو نفس المدخل الذي ستعبر منه بعض التيارات الدينية الصاعدة لمحاربة أي فكر يتعارض مع فقههم وأيديولوجياتهم التنظيرية .

والخوف مكمنه من أن جملة هذه الشعوب وتفصيله مؤهلة تماماً لتقبل أي ثقافة فقهية مسموعة أو مرئية أو في صورة كتيبات صغيرة لا تتجاوز الوريقات العشرة،تتضمن إعلان الحرب على أي فكر مغاير، المهم أنهم ينأون عن مغبة الكتاب الكبير والآراء الفقهية المتباينة والمسائل التي تنتظر تأويلاً وتحليلاً مضطرماً لها، بل إن أغلبهم ولا أحصر أحداً يستقي من النصوص الفقهية ما يجعله يرتع ويلعب دونما لغط أو ارتياب.

وحينئذ فقط أدركت لماذا كان يصر أصحاب هذه الآراء والفتاوى والمفتشين بين ثنايا الصحائف القديمة ربما المجهولة النسب أيضاً على محاربة كلمات بعينها مثل التأويل وظاهر النص وتفكيك الخطاب والاجتهاد ودور إعمال العقل؛ لأن مثل هذه العبارات والمواضعات ستحيل نتاجهم المسموع والمرئي إلى مقصلة العقل وهو ما يرفضونه أيضاً جملة وتفصيلاً .

وقضية الشيخ علي يوسف ومهنته المحرمة في عيون البعض ستجعل الأمر سهلاً لبعض المتربصين حالياً بالتنوير و الرافضين لتطويق العقل هذه الأحايين المضطرمة، بل وجود ألوان متباينة من الصحافة من صفراء وحمراء ومتعددة الألوان تجد فرصة سانحة لممارسة هواية سكب الزيت على النار، فتزيد من الأمور اشتعالاً وسخونة، والمستفيد الوحيد في ذلك هم الذين يفضلون انكماش المدنية .ولعل موجة الهجوم مؤخراً على عميد الرواية العربية نجيب محفوظ رغم وفاته منذ سنين لهي بداية وافتتاحية لموجات متتابعة من الرفض والمنع والتحريم أيضاً.

ولأن مهنة الصحافة تمثل في نظر بعض المتشددين عشقاً ممنوعاً ومهنة محرمة لأنها تتناول بعض الموضوعات الخاصة بحياة السياسيين ورجال المجتمع وكذلك تتناقل الخبر الذي يتأرجح بين الحقيقة والرأي، بالإضافة إلى أنها تحتضن قامات فكرية تتناول الحدث بالرصد والتأويل ومن ثم الاجتهاد في إصدار حكم خاص بشأنه، فإنها ستكون صيداً ثميناً وسميناً لأؤلئك المتشددين، فسنجد من يغلو في رأيه ويرمي أحد الكتاب والصحفيين بالتكفير، وهو حكم جاهز وقديم،وعلى قدر ما يحمل سمتاً لتطويق العقل، بقدر ما يحمل معنى الورطة أيضاً .

ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : ( لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم وغداً سيصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.

والأخبار المتعلقة بتجريم الصحفيين والكتاب وتحريم كتاباتهم ضاربة في التاريخ العربي والإسلامي ولا تحتاج إلى سرد جديد لها، ومن منطلق هذا نرى هذه الآونة تزاحم الصحف الدينية أو بتوصيف أدق الصحافة السياسية ذات الصبغة الدينية، وهي بقدر ما تتضمن موضوعات دينية تتضمن أيضاً ما تتناوله هذه الصحف الملونة، لذا فالخطيئة ستنال الجميع دونما تفرقة .

والصحافة في ظل المد الديني ستنال بحق لقب الحرفة المحرمة لأن الصحفي بطبيعته يميل للاجتهاد ويمقت قبضة الرقابة على مهنته المحفوفة بالأخطار والتي تتعدى مجرد الجمع والبحث عن المعلومة بل تتجاوز ذلك إلى تخصص حكم معلن يعبر عن رأيه وهنا تكمن خطورة صيده واقتناصه بيسر وسهولة . وما بالكم إذن بالصحافة الأدبية المتخصصة التي تتناول الشعر والقصة والعمل المسرحي فكل هذا في ظل هذا المد فسيناله مقصلة التشدد وسندان المنع .

وأخوف ما يخاف من الصحافي في الوطن العربي أن يطل عليه صباح يعاقب فيه على ارتكابه هذا العشق الممنوع أعني الصحافة كالذي يعاقب على السرقة والقتل وقطع الطريق والزنا، وكفى بالمرء علماً أن يخشى ربه، فيفكر في مستقبل أمته، وكيف يرتقي بها، لا أن يجد نفسه خاوياً من أي تجديد فيهرع إلى شغل وقته وإزهاق جهده وقوته في مساجلات عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

محمود محمد عليفي القرن السادس الميلادي اجتاح الطاعون أوربا والشرق الأوسط ، حيث وصل إلي العرب منذ عهد الدولة الأموية حتى عهد الدولة العثمانية، وكان رعب الناس منه طوال هذه القرون يماثل رعب الناس اليوم من فيروس كورونا.. فالطاعون دأب على اجتثاث البشر من دون رحمة أو تمييز، وكان لجهل الناس بأسباب وطرائق الوقاية منه الدور الأكبر في انتشاره وامتداده إلى مساحات شاسعة. وكثيراً ما رصدت دراسة العدوي ظهوره في أقصى جنوب العراق وامتداده إلى بلاد الشام ومصر وشمال افريقيا، مخلفاً وراءه اختلالات ديموغرافية عظيمة، امتدت آثارها سنوات وسنوات بعد حدوثها.

وما ضاعف من آثار الطاعون أن عرب شبه الجزيرة العربية لم يعرفوه قبل الإسلام، لاسيما في بيئتهم الصحراوية الجافة ذات المناخ الجاف المتطرف، الذي لم يوفر بيئة ملائمة لتكاثر القوارض وهي العامل الرئيسي للحشرات الطفيلية الجالبة للطاعون. لكن الكارثة حلت بالعرب عندما دخلوا مناطق السهول الفيضية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر فاتحين، واستوطنوا واستطابوا العيش فيها. لكنهم دفعوا الثمن غالياً، إذ سرعان ما أكمل الطاعون ذلك المرض المستوطن في تلك البقاع- المحتاج للمستنقعات والمياه لينمو ويفتك بالبشر- إفناء عشائر وقبائل من الفاتحين عن آخرها. واستغرق الأمر نحو أربعة أجيال حتى توارثت أجسادهم الجينات المقاومة للبكتيريا المسببة للطاعون فتساووا مع أهالي تلك البقاع والمستوطنين فيها منذ القدم في مستوى المناعة، فقلت مع بدايات العصر العباسي على نحو ملحوظ تلك المعدلات المذهلة لفتك المرض بالناس.. أما الدولة الأموية، فكان قدرها أن تحكم العالم الإسلامي في ذروة فتك ذلك الوباء الخطر بالناس، وخصوصاً في القبائل العربية المهاجرة والمستوطنة حديثاً في الأمصار المفتوحة، وأن الطاعون كان النمل الأبيض في الدولة الأموية فصاحبها المرض المزمن تغالبه حيناً بتشجيع مزيد من القبائل على الهجرة من شبه الجزيرة العربية واليمن إلى المناطق الخصبة المنكوبة، أو بتشجيع الناس على الإنجاب أو التهجير القسري لشعوب وقبائل من الأمصار المفتوحة. لكن الطاعون غالبا ما كان يعاود الكرة فيغالب الدولة الأموية باختلالات ديموغرافية جديدة وذلك كما تقول انديرا مطر في مقالها للطاعون تاريخ .. لماذا وكيف فتك الوباء بالدولة الأموية .

في عام 2018 صدر كتاب بعنوان "الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية"، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (184 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) للباحث المصري أحمد العدوي صدر قبل أيام عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ؛ (والباحث حائز شهادة دكتوراه في الآداب من جامعة القاهرة – قسم التاريخ بمرتبة الشرف)، وهذا الكتاب يلقي الضوء على حدثٍ تاريخيٍّ لم يحظ كثيرًا باهتمامات الباحثين والمؤرّخين العرب، وهو وباء الطاعون الذي انتشرت موجاته في عهد الخلافة الأمويّة، وشملت مساحاتٍ واسعة من الدولة، ضمّت العراق والشام وأجزاء واسعة من شمال القارّة الأفريقيّة. ويذكر المؤلّف أنّ تلك الموجات كانت كارثيّة على كافة الأصعدة، سياسيّة واجتماعيّة، حيث كان لطاعون مُسلم بن قتيبة دورًا كبيرًا في إنهاء عهد الأمويين.

ويتّخذ أحمد العدوي من دراسة آثار الطاعون في الأوضاع الديموغرافيّة في ذلك العصر، وانعكاساتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة؛ سبيلًا لتبيان آثاره على الدولة الأمويّة. بالإضافة إلى استعراضه في الفصل الأوّل من الكتاب "الطاعون وعالم العصور الوسطى"، لمكانته وقدرته على التأثير في حياة الناس في العصر الوسيط. مقدّمًا في الوقت نفسه نبذةً عن هذا الوباء، وشارحًا أيضًا الأسباب التي وقفت خلف فتكه بالناس بتلك الطريقة المأساوية التي تناولتها المصادر القديمة.

وهذا الكتاب متميز في بابه، لأنه يعالج موضوعاً قلَّ التطرق إليه في التاريخ العربي الإسلامي. فكثرة من المؤرخين كتبوا عن اضمحلال الدولة الأموية وقيام الثوار العباسيين بإسقاطها، وتأسيس دولتهم على أنقاضها. وتناول الباحثون في دراساتهم النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اعتمدتها الدولة الاموية، كما تناولوا العرب والموالي والعصبية والصراعات القبلية، وعرضوا أيضاً الثورات والفتن التي اندلعت في العصر الأموي، واشتداد شوكة الخوارج وثورات آل البيت.. الخ. هذه العوامل كلها لا ينكر أحمد العدوي أثرها الأساسي في سقوط الدولة الأموية وانهيارها قبل أن تكمل قرناً واحداً من الزمان. بيد أن دراسته هذه تطمح إلى الوقوف على دور عامل خفي كثيراً ما ظهر كظلٍّ باهت في خلفية التاريخ، ومن ثم قلما انتبه إليه أحد: إنه الطاعون، ذلك الوباء الذي يشكل ايقاعاً منتظماً، ضاعت ملامحه في خضم الجلبة التي واكبت قيام الدولة الاموية وانهيارها ولم تروَ قصته بعد. لذا سلط العدوي في دراسته هذه الضوء على جوانب منه جامعاً مادة غزيرة لم يكن جمعها سهلاً على الاطلاق.

يتألف هذا الكتاب من ثلاثة فصول وخاتمة. يُناقش المؤلف في الفصل الأول «الطاعون وعالم العصور الوسطى»، مكانة الطاعون في عالم العصور الوسطى وأسباب فتكه بالناس. كما يشتمل على تعريف بماهية هذا المرض وطبيعته، وتأثيره في أوجه الحياة، ومنزلته في التراث العربي، حيث ترك فيضاً من التساؤلات الدينية والفلسفية والفقهية.. فينقل لنا وجهات نظر المتفقهين في الشأن، حيث بينهم من نهى عن الخروج من أرض ضربها الطاعون، وآخرون أجازوا الخروج منها نجاة بالنفس.

ويستعرض أحمد العَدوي في المحور الأول من هذا الفصل آراء وتوصيفات أهل الاختصاص في ذلك الزمان حول هذا الوباء، فينقل لنا تعريفات حول هذا المرض الفتاك لأبي بكر الرازي وابن حجر العسقلاني وابن النفيس وابن سينا... ولا يغفل نظرة العوام من الناس، الذين اعتبروا الطاعون عقاباً إلهياً يُصيب الناس من جراء انشغالهم بالدنيا وانهماكهم بالملذات وارتكابهم المعاصي وإهمال ما عليهم من فرائض وطاعات. وككل ظاهرة مؤثرة، تكثر الآراء والتكهنات، فشاع بينهم أنّ للحيوانات قدرة على استشعار قرب وقوع هذا الوباء، فإن عوت الكلاب وجاوبتها الذئاب ففي ذلك علامة هي بمثابة نذير شؤم بقرب حدوثه.. وفي المحور الثاني من الفصل نفسه، حديث عن الطاعون الذي احتل مكانة مرموقة في التراث العربي الإسلامي بصفة عامة؛ إذ استدعى بوصفه كارثة إنسانية كبرى، الكثير من التساؤلات الدينية والفلسفية العميقة التي تعدت النطاق الضيق للطب والمرض والوقاية، من قبيل هل كان الوباء الذي يصيب الناس بلا تمييز، عقابًا جماعيًا من الله للبشر على خطاياهم؟ وهل ثمة عدوى؟ فإذا كان هناك عدوى، فهل يُعدي المرض بذاته، أم لعلة خلقها الله فيه؟ وشكَّل الطاعون مبحثًا علميًّا تقاطعت فيه حقول الحديث والفقه والفلسفة والتاريخ، فضلًا عن الطب، وهو مجال الاختصاص الأصيل. وبحسبه، احتوت مسألة العدوى بذاتها على تعقيدات شرعية كبيرة، إذ سوّى الفقهاء والمحدثون بينها وبين عادات وثنية أخرى كان العرب يدينون بها في الجاهلية.

وفي الفصل الثاني «فورات الطواعين في العصر الأموي» حيث يحصي المؤلف الطواعين التي وقعت في عصر بني أمية، ويحدد تعاقبها الكرونولوجي، ويعرض لأخبار الطواعين في صدر الإسلام، كما أثبتها الرواة والمؤرخون، ويناقش الإشكالات المحيطة بها. ويحصي الباحث استناداً إلى المصادر الموثقة تاريخياً نحو 20 فورة من الطاعون في العصر الأموي، حيث دام الوباء في إحدى المرات أكثر من سبعة أعوام أزهقت خلالها أرواح الآلاف.. كما يحصي المؤلف الطواعين الواقعة في عصر بني أمية، ويضبط تعاقبها زمنيًا، تمهيدًا لدراسة آثارها. كما يعرض لأخبار الطواعين في صدر الإسلام عند الرواة والأخباريين والمؤرخين، ويناقش الإشكالات التي تُحيط بها، وأبرزها اضطراب الرواة والأخباريين في إحصاء الطواعين في العصر الأموي، والخلط بينها أحيانًا، وكذلك الاضطراب في التأريخ لها على نحو دقيق. كما أنه يتضمن تقويمًا إحصائيًا لفورات الطواعين في عصر بني أميَّة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان إلى عهد مروان بن محمد. يكتب: "شهدت تلك الحقبة من تاريخ العالم الإسلامي نحو 20 طاعونًا، بمعدل طاعون واحد لكل 4 أعوام ونصف تقريبًا، وهو معدل هائل، وتكفي المقارنة بين هذا المعدل ومعدل تجدد الوباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا في العصور الوسطى المتأخرة للتدليل على عمق الأثر الذي خلفه الطاعون في العصر الأموي".

ويقف الباحث في الفصل الثالث على الآثار الديموغرافية للطواعين وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي؛ فيُشير في سياق هذا الفصل إلى سرعة تفشي هذا المرض نتيجة لجهل الناس بالتعاطي معه في غياب إرشادات الوقاية والحيطة، فقد حصد هذا المرض على سبيل المثال في إحدى جولاته ما نسبته 93300 ضحية لكل 100000 نسمة، فكانت النعوش تتوالى دفعة واحدة ما بين مئة إلى 500 نعش وفي كل نعش ما بين ثلاث إلى أربع جثث.. ويشرح المؤلف أنه تسبب الطاعون أيضاً بخلو القرى والضياع من الناس، مما أثر بشكل مُباشر على موارد الدولة المتمثلة في الجزية والخراج وفقدها الأيدي العاملة، فارتفعت الأسعار من جراء نقص الأيدي العاملة، وبلغت مستويات غير مسبوقة؛ حيث وصل التضخم إلى حد فاق 50 بالمئة. ومما تسبب به الطاعون يذكر الباحث انتهاج الدولة لسياسة التهجير القسري لإعادة التوازن الديموغرافي إلى البقاع الأكثر تضرراً بسبب تفشي هذا المرض الذي أسهم في إحداث هجرات عشوائية، لجأ الناس إليها هرباً من الوباء القاتل.. وهذا ما حدا بالدولة إلى اتخاذ إجراءات صارمة وصلت إلى حد منع الفلاحين من مُغادرة قراهم، ثم لجأت إلى وشم الفلاحين والأكرة على أياديهم بأسماء القرى التي ينتمون إليها حتى يسهل أمر إعادتهم إليها.. ومن نتائج فورات هذه الطواعين المتتالية، تراجع في أعداد العرب، وهم عماد جيوش بني أمية في العراق والشام، تراجعاً حاداً، أصاب الدولة لأموية بالوهن والضعف وأفقدها مقدراتها، فعجزت عن مقاومة الثورة العباسية التي اختار روادها توقيتاً ملائماً لثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 743 و748 م هما طاعونا مُسلم بن قُتيبة وطاعون غراب.. وقد أسفرا عن خسائر مادية وبشرية هائلة أصابت قلب الدولة الأموية. وانتهت الدراسة إلى تأكيد تراجع دور دمشق وفقدانها الثقل الذي تميزت به في عصر الخلافة الأموية، وكذا الأمر بالنسبة لسلوك خلفائها الذين هجروها ونأوا عنها فراراً من الطاعون.. كما يناقش الفصل هذا أثر الوباء على صعيد الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العصر الأموي". وأهم ما تمخض على توالي فورات الطاعون في العصر الأموي، كان عزوف خلفاء بني أميَّة عن الإقامة في دمشق، فكان الخلفاء قبل هشام بن عبد الملك ينتبذون إلى البرية والصحراء، أو يقيمون في الأماكن المنعزلة كالأديار اتقاءً للوباء. يكتب العدوي: " ساهم الطاعون في تغيرات ديموغرافية مهمة، كان لها استحقاقاتها السياسية لاحقًا؛ إذ قامت الدولة بتهجير عدد كبير من الزنج إلى السَّواد بغرض ملء الفراغ الديموغرافي الذي كان الطاعون يتسبب به في تلك البقاع"..

في خاتمة الكتاب، يرى العَدوي أن من غير الممكن فهم تراجع ثقل دمشق، عاصمة الخلافة في العصر الأموي، وتفسير سلوك خلفاء بني أميَّة الرامي إلى هجرها والنأي عنها إلا في ضوء الطاعون، "إضافةً إلى أن الطاعون حسم معارك كبرى جرت في العصر الأموي، منها الاجتياح المظفر للإمبراطور جستنيان الثاني لأرمينيا في عقب طاعون ابن الزبير الجارف. كما حسم الطاعون معركة مصعب بن الزبير مع عبد الملك بن مروان في البصرة التي مثّلت بداية النهاية لخلافة عبد الله بن الزبير". يضيف أن الطاعون حسم أمر سقوط الأموييين، "إذ أحسن الثوار العباسيون اختيار الوقت الملائم لإعلان ثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 127 هـ/ 743 م و131 هـ/ 748 م، هما طاعون غراب وطاعون مسلم بن قتيبة. وقام هذان الطاعونان بدور كبير في نجاح العباسيين في إزالة دولة بني أمية، فكان طاعون مُسلم بن قتيبة في عام 131 هـ/ 748 م بمنزلة فصل الختام بالنسبة إلى الخلافة الاموية؛ إذ أسفر عن خسائر مادية وبشرية هائلة، أصابت قلب الدولة في عهد مروان بن محمد بصورة خاصة".

وقد صدق رسول الإسلام حين نصح بأنه إذا ظهر الطاعون فى بلد فلا تغادروه، وإذا ظهر فى بلد آخر فلا تذهبوا إليه، إنها فلسفة العزلة ومنع انتشار الوباء كما رآها النبى محمد «ص»، منذ قرابة خمسة عشر قرنًا، بشهادة الكتابات الغربية الحديثة، التى أشارت إليه مؤخرًا فى هذا السياق احترامًا لبُعد النظرة وعمق الفكرة وصدق الرؤية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

عامر صالحبين سيكولوجيا الأنتماء ومتغيرات العصر 

مما تحسب لقوة الحزب الشيوعي العراقي على مر عقود ومنذ تأسيسة هو انحيازة الكامل للهوية العراقية بعيدا عن الأنتماءات الضيقة الأثنية والطائفية والمناطقية، وبالتالي جسد الحزب في انتمائه وحدة النسيج العراقي بكل أطيافه ومكوناته، وقد تربى داخل الحزب خيرة ونخبة من المثقفين، من كتاب وشعراء وأدباء وصحفيين وأعلاميين الى جانب نخب مناضلة من الكادر التدريس والتربوي والتعليمي والهندسي والطبي والصيدلي، الى جانب الحضور المتميز للطبقة العاملة والكادحين والمحرومين من شعبنا، والتي عمل الحزب دوما للدفاع عن حقوقها في اصعب الظروف واكثرها قسوة على الحزب.

وقد لا نجافي الحقيقة أن الكثير من رفاق الحزب واصدقائه ومناصرية تعلموا في الحزب دروس غنية في الثقافة العامة والأطلاع على التراث العالمي في الآداب والثقافة والعلوم، الى جانب احترام مكانة العلم والبحث العلمي في حل المشكلات الأجتماعية بعيدا عن الخرافة والدجل والتخلف، كما تعلموا ان الحياة لا تبنى إلا بفهم القوانين الموضوعية التي تجسد سنن الصراع الطبقي الأجتماعي، وان العلم والمعارف وحدها كفيلة ببناء مستقبل أفضل. وقد ترك الحزب الشيوعي العراقي أثرا واضحا في شرائح اجتماعية واسعة لم تكن في صفوفه بل تعلمت عن بعد منه، مما اضاف للحزب قوة ونفوذ جماهيري واحترام في قلوب العراقيين لاتزال آثاره واضحة في الشارع العراقي رغم شدة القمع والتنكيل والأرهاب الذي تعرض له طوال العقود الماضية.

تؤكد الدراسات السيكواجتماعية أن هناك دوافع مختلفة للأنتماء السياسي لعل من بينها هي: المصلحة الذاتية، أي الرغبة في الحصول على مكاسب ذاتية للأفراد الذين ينتمون الى حزب ما، كالحصول على المناصب أو الوظائف أو الأموال أو المكافآت والامتيازات؛ أو الأنفعال أي اندفاع المواطنين لتأييد أفكار وبرامج وأهداف وسياسات الحزب دون تحفظ وذلك لأنها تثير عواطفهم ونزعاتهم النفسية وتجعلهم متحمسين لنصرة الحزب والوقوف بجانب قضاياه والدفاع عنها دون خوف وتردد؛ أو الادراك والتعقل والعقيدة أي أن الشخص ينتمي الى الحزب لا بسبب مصلحته أو عاطفته الجياشة وأنفعالاته المفرطة، بل بسبب الأيمان والعقيدة والادراك الثاقب لأفكار وأيديولوجية ومعتقدات الحزب وأهدافه بحيث تكون هذه جزء لا يتجزأ من شخصيته وآماله في الحياة وتطلعاته، والاشخاص الذين يدخلون الحزب لهذه الاسباب هم الحزبيون الحقيقيون الذين يبقون فيه ويدافعون عنه ويناظلون من أجل نصرته مهما كانت الظروف.

وقد أكدت العديد من الأبجاث النفسية أن هناك خمسة عوامل تتوزع عليها سمات الأفراد المنتمين للأحزاب السياسة وهي تتكامل مع بعضها البعض في ظروف صحية في حياة الحزب الداخلية، وهذه العوامل هي: التفكير الأبداعي؛ والتعبير عن وجهات النظر؛ والألتزام؛ والتفكير الناقد؛ والتنظيم الذاتي. وهناك أيضا سمات شخصية للأفراد الذين ينتمون للأحزاب السياسية في الحالات المثالية، وهي: قوة الأنا، واليقظة الذهنية، والثقة بالنفس، والحساسية الأجتماعية ، والفاعلية الذاتية، وتقدير الذات الى جانب الصلابة النفسية والصمود.

أن الأنتماء للحزب الشيوعي العراقي هو شبيه في الأنتماء الى التجارب العاطفية الأولى حيث استحضارها بقوة بين الحين والأخر إلى حيز الشعور، نتيجة لارتباطها ببداية تشكيل الخبرات العاطفية، وتعتبر من اللبنات الأولى في بناء الشخصية العاطفي على طريق اكتساب المزيد من الخبرات والتجارب.وهي اختبارات صعبة للتأكد من صلاحية الشخصية في التكيف والبقاء مع الجنس الآخر.

 

وتشكل تجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأول مرة في عمر الفرد لونا من ألوان هذا الانتماء المشحون بالعاطفة الجياشة والانفعال القوي للارتباط به الى جانب الأيمان بالفكر والعقيدة بعيدا عن المصلحة الذاتية. ومن اجبر على ترك الحزب في هذا العمر عانى كثيرا، كما يعاني من اجبر على ترك محبه الأول، حيث تجري الأشياء هنا بالضد من الشعور الذي ينتاب الفرد بأن يكون هذا الحب هو الأول والأخير وبطريقته الخاصة.

أن الخطاب الحزبي في بداية الانتماء وأن كان خطابا عقلانيا يستند إلى مادة فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تقدم"للمحبين" له، ألا أن الحزب له القابلية على إضفاء مشاعر وأحاسيس عنيفة معززة رغبة البقاء في صفوفه، وهي نتاج عمل دؤوب سايكوعقلي ـ معرفي، يترك أثرا عميقا أكثر بكثير من وقع الحب الأول في محبيه، يترك في الشخصية شحنة انفعالية موجبة كما تدرك. وبقدر ما يكون الحب الأول فرصة لتأكيد الذات واختبار الشخصية،يكون الانتماء الحزبي هو الآخر فرصة ذهبية لتميز الشخصية ضمن إبعاد جديدة وفي سياقات غير معتادة، تشكل فرصا للنمذجة المثالية للشخصية، تمنح صاحبها امتيازا في بيئة محدودة الإمكانيات، وخاصة في صورة الخروج الايجابي عن المألوف، وتشكل مع الوقت احد المصادر الأساسية في التوافق الذاتي ورسم الملامح العقلية وحتى أحيانا المزاجية للشخصية. أو يأخذ الانتماء شكل المخالفة لما هو سائد أو كما يقال"خالف تعرف" في بيئة غارقة في الممنوعات.

أن الانتماء للحزب والاستمرار فيه إن شاء الفرد يجب أن يرتبط بعقلانية رفيعة المستوى في الدفاع عنه، وهذا يأتي عبر التخلص من غرائز الانتماء الأول المفعمة في اللوازم العصبية والانفعالات المؤذية في أحيان كثيرة للحزب، والتي يعكسها الدفاع المفرط عنه، وبأي ثمن، وبآليات غير موفقة تلحق الضرر به. وفي حالات كثيرة تسبب شحنة الحرص الزائد(الانفعال المفرط) إلى ارتكاب أخطاء ينتظرها من لا يرغب بوجود الحزب كما ينبغي أن يكون.

أن الحزب وبعد مسيرة تجاوز فيها الثمانية عقود تعرض فيها إلى هجمات شرسة من أعدائه وحلفائه، وكذلك انتكاسات كبيرة نتيجة لأخطاء ذاتية وظروف موضوعية، وعلاوة على ذلك تعرض حلفائه "الثابتين" في الخارج إلى انهيارات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي، والتي أدت ضمن ما أدت إليه إلى أن يطال الشك إلى مصداقية الفكر الماركسي. يحتاج الحزب اليوم إلى انتماءات بذهنية جديدة، ترى في الحزب مشروعا عمليا للحياة ومرنا قدر مرونة الحياة...أن عهد" ملائكة" الحزب ودعاة الحرص"المؤذي"لم تزكيهما الحياة. ومن يرى في الحزب ملاذا لتأكيد الذات، لأنه لم يجد في دائرته القريبة الملاذ، فأنه يرتكب أخطاء بحق الحزب، ومن يرى في الحزب وظيفته الدائمة فأنه يخطأ أن يقدم شيئا مفيدا له.

اليوم وبعد هذا الزخم الهائل من التغيرات الدولية والإقليمية والقطرية، فأن الحزب لم يعد حزب"دكتاتورية البرولتارية"،ولكنه يستطيع أن يكون بامتياز حزب البرولتارية، ولا حزب التكتيكات من أجل" استلام السلطة"، ولكن من حقه أن يتطلع إلى المشاركة الواسعة في السلطة، ولا حزب بناء" الاشتراكية"على نسق مرجعياتها السابقة، ولا حزب الانضباط الحديدي وفقا "للقواعد اللينينية في حياة الحزب الداخلية" ولكن حزبا منضبطا،حيث تنعدم المقومات الموضوعية والذاتية لذلك. أذن لماذا كل هذه الحملات والهجمات عليه، وخاصة عندما تبدأ الرؤيا بهذا الوضوح. أني اعتقد أن المشكلة في التساؤلات الآتية: ماذا نختار، وكيف نختار، ولماذا؟.

علينا أن لا نعطي الظواهر قوة دفع أكثر بكثير من خصوصية الظرف الذاتي والموضوعي الذي تجري فيه.أليست تلك هي سنة الديالكتيك.فمن أراد للحزب خيرا فعليه أن يقلع عن عادات "الحب الأول"في الدفاع عنه، أو عادات أخذ الثأر منه والهجوم عليه عندما ينفض العقد معه. ومن أراد أن يكون الحزب "حبه الأخير"فعليه القبول بشروط الحياة، وعلى الحزب المزيد من الاستجابة والتفحص الذاتي، وخاصة بعد تجربة تجاوزت العقد والنصف من العمل العلني وفي ظروف نوعية جديدة.

أن من يريد أن يكون حزبه حزب الثلاثينيات أوالاربعينيات أو ما يسمى" حزب فهد" فأن ذلك مجافاة للحقائق والتغيرات العميقة على الأرض في الداخل والخارج. وتستحضرني في هذا السياق ليست مقولة لينين(النظرية مرشد للعمل)، ولكن من عمق التأريخ مقولة للأمام علي: " لا تقصروا أولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ". أذا كان هذا الحديث في التربية، فكيف يكون الأمر في السياسة وهي فن الممكنات. وهل يجوز العودة في السياسة إلى أكثر من ثمانين عاما إلى الوراء، وهل يجوز في السياسة أيضا أن تصاغ سياسات الحاضر واتجاهات المستقبل لحياة الحزب الداخلية والخارجية على ضوء معايير الثلاثينيات والاربعينيات ونحن في الألفية الثالثة. أن مآثر الحزب وتأريخه النضالي هي ملكا للجميع. ولكنني أتساءل: هل كان حزب" فهد" آنذاك بدون انحسارات أو صراعات، وهل كان في برجا عاجيا كي لا يكون كذلك، وهل كان مراقبا للمعارك الوطنية لكي يكون معصوما من الخطأ أم طرفا أساسيا فيها.. الإجابات في التأريخ المكتوب والغير منحاز نسبيا للحزب.

أن من يرى في الحزب " حبه" الأول والأخير عليه أن يكيف نفسه لميكانيزم الحياة المتغيرة أبدا وبدون انقطاع. فلا يمكن "السباحة في النهر مرتين"، لأن الماء غيره عن المرة الأولى.فالحزب اليوم يؤمن في الديمقراطية الليبرالية على مستوى السياسة والاقتصاد(مع مظلة حقوق اجتماعية واسعة). ويترتب على ذلك أن يكون الحزب واضحا في خطاباته وتحالفاته وحدود انتمائه للعقيدة الكلاسيكية. وعلينا أن نعي حقيقة أن" الحب الأخير" هو ليست صورة طبق الأصل لفلم غير ناطق عن "الحب الأول". وبين" الحبين"تأريخ مشترك يجب العودة أليه ودراسته وتقويمه بعناية وحرص شديدين. وأعتقد أن الحزب الشيوعي ليست حركة ماضوية فهو من الحركات التي تلتصق بالحاضر بشدة . وإذا كان الحب الأول يعبر عن الحاجات الأولى للانتماء، فأن الحب الأخير هو حب الأحاسيس والانفعالات الهادئة...أنه حب الحياة والاستقرار، وكما عرفنا فأن الأنتماء أليه طواعية، ومغادرته أيضا بعرفان وأحسان.

الذكرى ال 86 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي هي مناسبة لتشديد الخناق على الفاسدين وهي مناسبة لأعادة بناء العملية السياسية في العراق بعيدا عن المحاصصة الطائفية والأثنية، وهي مناسبة للملمة الصف الداخلي لحزب فهد، وأن نتعلم من الديمقراطية والتعددية الحزبية، أن تحالفات اليوم قد تصلح أو لا تصلح لغدا، ومصالح الناس الأساسية في الخدمات العامة والعيش الكريم هي جوهر ما يطمح له الشيوعيون بعيدا عن الوصفات المتحجرة، فأن ما كان صالحا بالأمس لم يكن صالحا اليوم أو لغد. وكل عام والحزب بأفضل منه.

 

د.عامر صالح