عبد الجبار العبيديسَئلنا التاريخ فقلنا له: ان القصص القرآنية حدثتنا عن الخلل الكبير الذي حدث في موازين الحياة عند الشعوب في غابر الازمان؟ فهل ما يحدث اليوم هي الاحداث تأتي متشابهة في زمن مختلف ؟ فيرد علينا قائلاً ان القصص القرآنية هي من الجزء المتغير من تراكم الاحداث الانسانية، وهي تجارب الشعوب التي سبقت الاديان السماوية واحداثها حصلت فعلا من جراء تجاوز الانسان على الحقوق في ذاك الزمان، وهي عضات وعِبرلمن يأتي بعده من بني الانسان.. لا يمكن تركها فهي تاريخهم المكتوب، لذا اعتبرها القرآن حقيقة لا مناص من الاعتراف بها، فقال عنها : "نحن نقص عليكم نبأهم بالحق،الكهف 13.. " أي كيف ما كانت وحدثت.. ويقول:" ان الحُكم الا لله يقصُ الحق وهو خير الفاصلين الانعام 57".أي ان الله هو الذي أوردها عنهم وليس هو منشئها حين وصفها بطابع العدل والحق كما يريدها.. لتكون عبرة لمن يأتي بعدهم.

اذن فقد كان التعمد في الخطأ في مسار الفكر الانساني هو من صنع الانسان الأول حين تخلى عن القيم والمبادىء.. ولم يستجب لعدم ادراكه ما ارادته الطبيعة ان يعمل به وفق الصراط المستقيم التي أمرته ان لا يأكل حقوق الناس بالباطل، ولا يظلم احد، ولا يقتل احد دون فساد في الارض لانها تتنافي وموازين الحياة .. هذه ثوابت طبيعية جاءت بأقوال حدية يحرم على الانسان تجاوزها. أي هي .. "دائرة محرمة مغلقة "لذا.. فلفظة الحقوق الآلهية تعبرعن فكرة وتؤدي غرضا ابلاغيا لا يُرد .. سماها القرآن لاحقاً بالقصص القرآنية وهي واقع حال وليس خيالاً.

رؤية جديدة تطرحها كتب السماء للبشرية ليتبصروا فيها ولأداء الحقوق بين الحاكم والمحكوم وبين الناس بعد ان مرت البشرية بعهود الظلام .. .نظرية آلهية جاءت لاحقة لخط تطور التاريخ.. فكيف لوتم الاعتداء عليها.. ؟ .. أكيد يكون الانتقام ممن َظلم .. أشد وأمَر.. على الانسان .

ثم جاءنا القرآن ليعرض علينا هذه القصص والتحذير مما حدث بأسلوب النُذر،وأسلوب الوحي للبشر :يقول الحق:" ان أنا الا نذيرُ مُبين،الشعراء 115.. فأنذرَهم بما جاء به الله فكذبوه فأغرقهم في البحر،يونس 73. وحين لم يتعضوا جاءهم بأسلوب الأيحاء بالنبوات ليقنعهم بترك الخطأ، يقول الحق : "انا أرسلنا نوحا الى قومه ان أنذر قومك.. فكذبوه فجاءت كلمة الغرق حقا وحقيقة لتكريس معنى العدالة المطلقة في التحقيق، التي رفض القرآن ان ينقذ حتى ابن نوح مع ابيه في السفينة لانه من غير الصالحين .. فيرد الحق على نوح ان يدعه يغرق " لانه عمل غير صالح، هود 46".. وتكررت في عهد فرعون فأغرقه في البحر وجعله من المثبورين.. الانعام .. .102.. هنا تحققت نظرية العدل المطلق وانتهاء ظلم الانسان للأخرين.. فدخلت البشرية في منعطف جديد .. للعدالة والحق كنظرية تطبيق .

اذن .. كيف يجب ان نقرأ النص القرآني؟ نقرأ النص معتمدين على المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا من الحفريات الاثارية المتشابهة مع النص المنسوب للمعرفة الانسانية بخط تطور التاريخ.. وحين نقرأ التاريخ القديم نشعر بشيء جديد لم نتعلمه من مناهجنا المدرسية، وهوان الفترة الزمنية السابقة للديانات النصية هيأت لنا موردا علميا قابلا لاستقبال الايحاء الديني بعد ان تشكلت اللغة المجردة في ابسط صورها حتى بدأت انسانية الانسان تأخذ شكل الانسان الحديث.. حيث بدأ خط تطور التاريخ.. التي بدأت بقصة نوح ومن بعده هود.فنوح هو اول الانباء المرسلين " يقول الحق :" انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده،النساء 163". ويقصد هنا الأيحاء الى رسوله محمد(ص).

 ان خط سير التاريخ انصب كله على تحقيق العدالة بين الناس .. لذا جاءت نظرية العدل الانساني بصفتها المطلقية التي لا يجوز تجاوزها بالمطلق لأن بها تستقرامور الناس.. أي هي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل بتدل الانسان والتاريخ سرمدية الأصل والبقاء معاً.. فالخارجون عليها ليس لديهم قابلية دخول الامتحان ثانية واجتيازه .. بل أصبحت مركونة لاصحاب نظرية الحق .. فهو ثابت لا يتغير ولا يتبدل.. لأن "الله قوله الحق، الانعام 73" وهي القوانين الناظمة للوجود كقوانين التطور نحو التغيير،وهو اللوح المحفوظ اي القانون الصارم للوجود، والذي هو ليس مناط الدعاء مهما دعا اهل الارض والانبياء لتغييره لا يتغير وهو الذي تنطبق عليه كلمة القرآن حين يقول :" لا مبدل لكلماته الكهف 27" .. وهو صالح لكل زمان ومكان .. فحذاري من الاعتداء عليه لانه مطلق في التطبيق .. وهذا ينفي نظرية فقهاء الدين التي تنسب لنفسها التغيير.. با لدعاء والتبريك..

اما قولهم : "لا يردالقضاء الا الدعاء" فهو أمر لا علاقة له بالنصوص الحدية.. وما هي الا احداث جزئية في ظواهر الطبيعة ولا غير.. كما في قوله تعالى:"اذا قضى الله أمرا فانما يقول له كن فيكون البقرة 117".. وهذ اليس له علاقة باللوح المحفوظ الحدي في التنفيذ.. وانما بالمتغير من احداث التاريخ .. ويبقى قولهم بالغيب والعصمة للانبياء والصالحين.. فهذا مردود عليهم بقوله تعالى:" تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها لا انت ولا قومك من قبل.. .هود49".لذا ما تدعي به مرجعيات الدين من العلم ببصائر الامور والدعاء المُستجاب لهو فرية على الناس لا غير. .كما هي دعايتهم في ولاية الفقيه والمهدي المنتظر الوهميتين وغيرهما كثير. واخيرا كما يقولون ان تبرئة المصاب بكورونا يكون بالدعاء والتقرب من الأولياء.. فهو وَهمُ كبيرودجل على المغفلين.. بل بالعلم والاحاطة والتدبير..

من يملك هذه الصفات الوهمية لا توضع فيه امانة الوطن ولا يستحقها الا المخلص لله والوطن وهاهم كما تراهم لا يطبقون الا باطلهم وما فيه يوقنون .. وخاصة في هذا الزمن الرديء الذي اصبحت المنافع المادية تعلو على القيم والاخلاق والدين . فهل يستطيع من يملك زمام السلطة الظالمة ان يتصف بهذه الصفات وان يجابه كل عواصف التحديات والزمن.. ؟ لا اعتقد فقد ذهب عصرالأحرار.. وجاء عصر العبيد.. فعلينا الابتعاد عن آكلة المال الحرام، وقتل الأنسان البريء،وخيانة الاوطان والتزوير.. فالطبيعة ترفض احلال الخلل فيها ثانية بعد ان حل الاصلاح.. بالأيمان ومعتقد القادر القدير .. من هنا فالمؤرخون قصروا في نقل حقائق التاريخ بعد مجي الدعوة الاسلامية وكيف سارت وطبقت نظرية الحكم التي اعتراها التقصير، لذا وقعوا في خطأ التقدير.

هنا نرى ان الحكماء من اصحاب الحق، ادركوا كيفية نشوء المجتمعات وكيفية معرفتهم بأدارتها لأنهم كانوا كباراً في نظرتهم للعدل، وكيفية نقله للاجيال لتعيش فيها بأمن وامان وكيفية معرفة الحقوق.. اي بناء المجتمع ألانساني ألاكثر أمنا وأستقرارا وألاقدر على توفير اسباب الرخاء او ما يسمى اليوم بالسعادة للبشر فكانت الدساتير والقوانين لا اراء الفقهاء والمدلسين.. من هنا بدأت المجتمعات المتقدمة برجالها الأفذاذ تدرك اسباب ربط الظواهر الحياتية - علماء العلم لا فقهاء الدين- حتى انتجت لنا نظريات متعددة ومتنوعة طالبتنا بمعرفة الاصح لاتباعها في التطبيق العملي لواقع الحياة الانسانية .. من لم يستطع ان يكون بهذه الصفات عليه ان يتخلى عن مسئولية الانسان والوطن وينزوي في زاوية الذل والمهانة كماهم اصحاب نظرية التغليس عن الحق ظالمي شعوبهم من اتباع سلطة المظلومين في العراق وغيره.. .اليوم.

من هذه النظريات المتعددة هي النظرية الاجتماعية المبنية على نظرية الافكار الحديثة التي بواسطتها يستطيع المواطن ان يوقف الظلم ويرد السلطة عن هواها وهي ما نسميها بأرادة الامة.. "ثورة تشرين الوطنية في العراق مثالاً"البعيدة عن نظريات القوة والقداسة الوهمية والمتمسكة بنظرية القانون والعدالة الاجتماعية والحقوق.. هي نظرية ان يكون العدل فيها مكفولا ً بنص القانون والعرف الاخلاقي للجماعة الانسانية لا بقانون القوة، ولا الذين كسبوا المعركة من اصحاب نظريات الحسب والنسب والمذهبية والطائفية .. اما التقدم الذي كسبته الدول - الدولة الاسكندنافية مثلاً- لم يحدث الا بزيادة القبول للقيم المشجعة لهم على قبول مواصلة السير به.. من هنا نشأت نظرية فلسفة التقدم وتقريرها في الأذهان على اساس جديد للنظر الى التاريخ وأحوال البشر.

ومن هنا ايضاً قسم العلماء المجتمعات الى متحضرة لها قيمها الروحية الرفيعة في اساليبها المتطورة في مواجهة الحياة والطبيعة مثل المجتمع الياباني .. ومجتمعات غير متحضرة فهي التي لم تتجاوز الطور البدائي في قيمها الروحية واساليب حياتها العلمية والعملية والطبيعية والتي لم تفهم نظريات الحق والعدل المجتمعي.. وان ظهرت متحضرة في مظهرها الانساني كما عند غالبية دول المسلمين.. فالمظهر ليس كالجوهر.. وهي التي وقفت وتقف اليوم عاجزة عن مواجهة الصعاب والتحديات التي تواجهها .. لعدم قدرة انسانها على تجاوز هذا التحديات فقابلتها بنظرية التغليس والتبرير.. ولأن الباطل صار يتعايش معها،كما في المجتمعات العربية ويقف العراق الذي تنازل حكامه عن نظرية الحق وتطبيقاتها .. وتمسكوا بنظرية المظاهر الفارغة في المقدمة فقد ضاعت عندهم السيطرة على القانون وحقوق المواطنين.. وبقوا يعيشون في غرفهم المظلمة كالسجناء في زنزاتهم منفردين.

ان الذين استأثروا في الفيء،وأختيار الولاة على الهوى،وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة والشرائع الحقة المعروفة والعفو عن المجرمين والسارقين والقتلة بقانون العفو العام والخاص ونسوا المعتقلين والمغيبين بدون وجه حق.. باختراق الدستور،والسنن المنصوبة،خرجوا عن مفهوم العدالة واجماع الامة فلا يستحقون حكمها حين تحولوا من نظرية الصدق الى الكذب والأفتراء،وما علموا ان ليس هناك أحسن وأفضل من الصدق.. ولو كانوا كذلك لصدقوا ما كانوا به يدعون،ولوضعوا دستور يضمن حقوق كل الناس دون تفضيل نظريا وتطبيقاً،ليحدود سلطة الدولة عن حقوق الناس ولعاشوا محترمين في ظل القانون ولما زوروا اراء الناس بالرشوة والتهديد.. هذا التوجه فقده بعض الحكام العرب والمسلمين من زمن رغم اننا ورثناه من التراث العالمي.. والذي نادى "بالحرية والاخاء والمساواة قبل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بعهود" .

ولربما الاحساس بالعدل بدأ يظهر اليوم في بعض من ابتعدوا عنه، عندما بدأوا يحسون بالندم القاتل كما في مصطفى الكاظمي مثلاً.. .وتحضرني كلمة قالها حيدر العبادي الفاشل سياسياً نكتبها بتصرف : "ان من يحكمون اليوم تعودوا على حياة مترفة لا يستطيعون التنازل عنها بعد.. " كارثة اخلاقية هذا الذي تفوه به العبادي أبن الأصول الذي مسخ تاريخه بقصد.. وهذا لا يحقق دولة مواطن بل دولة لصوص- وان كانوا هم دولة لصوص - ان الذي يجب ان يتحقق هو بأختيار الامة لحاكمها وتحديد مسئوليته في الرقابة المالية ومدة خلافته وسلطته الأخلاقية كي لا يتجاوز نظرية الحق والقانون.. هنا كان مقتل تاريخ قادة حزب الدعوة وعلى رأسهم المالكي للقيم والقانون عندما اسـتأثر بالسلطة تجاوزا على الوطن والمواطن وخان نظرية الحقوق تساعده نظرية القوة التي سخرتها له المحكمة الاتحادية تجاوزا على الحق والقانون في سنة 2010 عندما أغتصب السلطة من مستحقيها مستندا الى قوة الطائفة والحزب لا بنظرية حكم القانون.. "أخذناها وبعد ما ننطيها" وكأنها كانت ملكا له وللوارثين.. فهل قالها قبله محمد(ص) صاحب الدعوة والحق الكبير؟ والقرآن يخاطب محمد(ص) : "لو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك،آل عمران 159" .. فكيف يتجاسر على قولها ظالم عنيد.. ؟ هذا هو تفكير الظلم .. الذي صرفته الدنيا عن التفكير بالحق.. وليس في الدنيا أخطر من العيش بدون تفكير.. فالعبرة بالحقائق الواقعة الى جانب المبادىء المعلنة .

هذا التوجه الفلسفي الصائب هو الذي احدث انقلابا في الفكر الجديد المعتمد على تقدم التعليم المقونن بالقانون.. من هنا بدأت نظريات ارسطو تنكمش وتضمحل تجاه العلم الجديد بعد ان كان المنطق الارسطوطاليسي هو المعتمد في التغيير.. من هنا اقول وبقوة ان البحث والتجربة والمنهج التعليمي الجديد الخالي من التوجهات المثيولوجية العقيمة هي التي اوصلت الانسان الى العلم الصحيح.. فبدأ العلم يحمي العقل البشري من الشكوك التي زرعها الفكر الديني الذي لا يؤمن بالصيرورة الزمنية في رأس الانسان فأوقف بنصه الجامد اللا متحرك عقل الانسان وتفكيره بعد ان ابعده عن الفكر الروحي الذي ظن به ان الانصراف عنه الى دراسة العلم العقلي انما هو مضيعة للوقت وصرف الانسان عن عبادة الله.. وكانهم هم وكلاء الله في الارض والقرآن يقول : "لكم دينكم ولي دين"، هنا كان ولا زال مقتلنا في امة العرب والمسلمين.. وهذا ينطبق على حال الوطن العراقي اليوم حين اصبحت سلطة الدين توجه العلم والتعليم والقانون.. والعكس صحيح.

ومالم يعمل علماء المناهج العربية التعليمية على الربط بين العقل والتفكير بطريقة منطقية عقلية واحترام القانون .. سنبقى مستسلمين للافكار غير العملية التي تقودنا الى التوقف دون حراك.. اي ان الصيرورة الزمنية ستتوقف عندنا كما احدثها اصحاب المذاهب الدينية التي تركتنا عظاما نخرة لا نقوى على الحراك وطرحت علينا مقولات لايقبلها العقل .. "73 سبعين فرقة في النار الا واحدة"من يقبل هذا المنطق وله عقل ودين.. ؟ وعن اية جنةٍ ونارٍ يتحدثون وهم لا يؤمنون.. .نعم علينا وخاصة الطبقة المثقفة التي تدعو للاصلاح الى نقل مركز الثقل في العلم من الخيال الى الواقع ومن النظري الى العملي وخاصة في بناء المنهج الدراسي العلمي الصحيح .. لنحدث التفكير الانساني في روح الامة ومضونها الحضاري منذ الصغر.

فاذا ما توصلنا الى قناعة المنطق بموجب هذه النظرية.. سيكون الجزاء على قدرالمواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد في الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة في العمل،وان تكون للانسان العراقي حرية التصرف والتعاقد ليكون له الحق في الامان على النفس والمال،وان يكون هذا الحق مكفولاً بنص القانون والعرف الاخلاقي للأمة.. بعدها سنكسب المعركة في النهاية بالقيادة المخلصة للوطن والتي تراعي شروط ما يفرضه الوطن على الانسان وليس الأعتماد على الأخرين "ما حك جلدك مثل ظفرك".. بسلطان الضمير بعد ان تحترم الحقيقة او بعضها وليس بالذين خانوا الامانة وقتلوا الشباب الغض من المطالبين بالحقوق .. حتى اصبحوا اليوم في مذمة الانسان والتاريخ .. ..

لنعمل على ايقاف نظرية الخطأ والتخلف التي ينفذها الحاكم في الوطن بمساعدة رجال الدين السفسطائيين اليوم الذين سرقوا المال والحال وذلك.. بتطبيق نظرية الضد النوعي لنهزمه دون متاعب وعراقيل.. فالوطن ملك الشعب وليس ملكا للصوص التاريخ.

هذه المهمة الوطنية الصعبة موكولة دائماً الى الكتاب الحقيقيين الذين تخلقهم العواصف والتحديات.. لمواقفهم الشجاعة من حقوق الاوطان والانسان .. وان يكن صوتهم خافتاً في البداية .. لكنه .. يمكن ان يوقظ أمة كما في ثوار تشرين.. بكاملها في النهاية.. نأمل ان يكون الرهان على المخلصين ناجحاً..

فهل كنا نعتقد ان المعارضة العراقية التي وقفنا معها من اجل الوطن تكون بهذا المستوى الخياني الرخيص.. ؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

محمود محمد عليعقب أحداث ثورة 25 يناير المصرية  في عام 2011م ازداد التقارب الفعلي بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران، من خلال توجيه آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران تحية إلى ثوار التحرير، واصفا إياهم بأنهم أبناء حسن البنا، وهي إشارة صريحة وقوية إلى طبيعة العلاقة بين أبناء البنا وأبناء الخميني.

كما كانت إيران أول المهنئين بفوز الدكتور محمد مرسي برئاسة جمهورية مصر، وقد كانت هناك خطب عديدة في صلاة الجمعة بإيران، وأغلبها تعبر عن موقف رسمي دعا المصريين إلى التقارب الإيراني المصري بانتخاب الدكتور مرسي باعتبار ذلك واجباً دينياً، لا يُعفى منه أحد.

وعقب وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، رأى نائب وزير الخارجية الإيراني للشئون العربية حسين أمير عبد اللهيان، بأن طهران تشعر بالارتياح لوصول الإخوان إلى أماكن متقدمة في قيادة بعض الدول العربية، بعد اكتساحهم نتائج الانتخابات البرلمانية، كما حدث في تونس، ومصر، والمغرب.

في هذا المقال نحاول أن نبرز المحددات الحاكمة للموقف الإيراني من الإخوان المسلمين ، حيث يمكن أن نبرز مجموعة من العوامل شديدة الأهمية والتي قد تساعد على فهم مستقبل علاقات جماعة الإخوان المسلمين ونظام الخميني الحاكم في إيران في ظل عدد من التحديات الإقليمية التي تواجه الطرفين بضراوة أكثر من أي وقت مضى ، وهذه العوامل ناقشها بوضوح محمد الرصارصي في كتابه سالف الذكر وكذلك محمد محسن أبو  النور في دراسة له بعنوان "هل يمكن أن تكون إيران ملاذاً آمناً للإخوان المسلمين"، وهذه العوامل تتجسد علي النحو التالي:

أولاً: توجد هناك بعض من المفاهيم الفكرية والفقهية التي تجمع بين الطرفين الشيعي الصفوي والسُّنّي الإخواني، وهي بمجملها ذات أهداف سياسية بصبغة إسلامية، تقوم على فكرة الإسلام الأممي، إذ بالنسبة إلى إيران، كما تدّعي، هدفها هو "حضارة الإسلام الجديدة"، أمّا الإخوان، فهدفهم الأسمى في تحقيق "الإسلام العالمي"، إضافةً إلى أن كليهما ينبذان القومية العربية والهوية الوطنية والحدود بين البلدان الإسلامية والمدنية الغربية؛ وفي هذا الصدد، يشير حسن البنا في كتابه "مذكرات الدعوة والداعية"، قائلًا: "أما العالمية أو الإنسانية، فهي هدفنا الأسمى وغايتنا العظمى وختام الحلقات في سلسلة الإيضاح، والدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة، وهي خطوات إن أبطأ بها الزمن فلا بدّ من أن تكون، وحسبنا أن نتّخذ منها هدفاً، وأن نضعها نصب أعيننا مثلاً، وأن نقيم هذا البناء الإنساني، وليس علينا أن يتم البناء، فلكل أجل كتاب؛ وهنا وجدنا النظام الإيراني يعي أن علاقته بجماعة الإخوان المسلمين تاريخية وتتصف بالاستراتيجية على مر عقود التلاقي الفكري والأيديولوجي والسياسي بين الجانين، كما يحمد النظام الإيراني لقادة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان كونهم أول من أيد قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني في مقر إقامته بضاحية "نوفل لو شاتو" بالعاصمة الفرنسية باريس قبيل نجاح الثورة، كما كان قادة التنظيم الدولي للجماعة أول من هنأ الخميني  بنجاح الثورة في طهران.

ثانياً: إنّ الإسلام في منهجية الفكرَيْن الإيراني والإخواني ليس أكثر من قالب تصدير أو جسر عبور للوصول إلى دفّة الحُكم وتنفيذ غايات وأهداف تعمل على تفكيك الأمن القومي العربي وتقليص المفاهيم والمبادئ والأفكار المتعلّقة بالعروبة حاضراً وماضياً، بغية تسطيحه مستقبلاً من العقل والواقع، فضلاً عن البناء العالمي للإسلام لقيادة البشرية، سواء عن طريق "التنظيم الدولي للإخوان"، أو عبر التحالفات الإسلامية مع النظام الجمهوري الإسلامي الحاكم في إيران؛   ومن هنا أدركت إيران منذ البداية أهمية جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم دولي قوي ظل يعمل في مصر بطاقته القصوى، وهو ممتد ومتشعب في عشرات الدول حول العالم، كما أن المرشد الإيراني الأعلى "علي خامنئي" نفسه يعد واحداً من المتخصصين الإيرانيين القلائل في شؤون جماعة الإخوان المسلمين ولأنه طليق في اللغة العربية، تحدثاً وكتابة؛ فقد ترجم للقيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب ثالثة كتب قبل  الثورة الخمينية ويحرص في كل رمضان على جمع عدد من القراء المصريين في منزله.

ثالثاً: أما من ناحية المفاهيم الدينية، فإنّ جمهورية إيران ترى أنّ عصر الإمام المهدي المنتظر الذي غاب في سرداب بمدينة سامراء شمال بغداد، منذ عام 255 هجري/ 686 ميلادي، فقد حان زمن ظهوره. وبذلك، تنظر إيران إلى علاقتها الخاصة مع جماعة الإخوان المسلمين، على أن تكون الأداة المساعدة في تغلغل المدّ الإيراني داخل البلدان العربية؛  وهنا ركزت إيران الإسلامية في تعاطيها مع جماعة الإخوان على مفاهيمهما المشتركة في بناء الدولة ونظام الحكم الإسلامي، وعزز ذلك المواقف المتطابقة لدى الجماعة وإيران في عدة مسائل منها مناهضة الإستكبار العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة" واتفاقهما على أن "إسرائيل هي الشيطان الأصغر في المنطقة.

رابعاً: إنّ تقارب التطابق التنظيمي بين نظام "جمهورية إيران الإسلامية" من جهة، و"حركة الإخوان المسلمين" من جهة أخرى، واضح التشابه والمعالم، إذ إنّ درجة "المرشد" على رأس الهرم وفوق منصب رئيس الجمهورية، وإنّ "مجلس تشخيص مصلحة النظام" في إيران يقابله "مكتب الإرشاد" عند الإخوان. وهكذا تشابه بنيوي وتقارب مبدئي، لم يأتيا كنتيجة ظرفية مرحلية، أو علاقة مصلحية عابرة، وإنّما هو انعكاس فكري في الآراء والتصوّرات، ويكشف عن مدى التجانس العملي والصلة التاريخية لعلاقة ترتبط بين جانب "سُنّي إخواني" يزعم أنّه يمثِّل الثقل الأكبر بين الحركات الإسلامية السُّنّية، وآخر "شيعي صفوي" يدّعي أنّه الحامي الوحيد لعموم الشيعة في العالم، ويستخدم كلاهما الإسلام لمآرب سياسية تخدمهم على حساب العروبة كقومية والإسلام كدين؛   وهنا رأت إيران أن مصر التي يوجد فيها مقر وثقل جماعة الإخوان، هي مركز القوة في العالم الإسلامي السني، لما تشكله من ثقل سكاني، وإرث حضاري وموقع جغرافي متميز.

خامساً: هناك تأثرات واضحة بفكر سيد قطب عند حزب الدعوة الإسلامية الذي أسسه آية الله محمد باقر الصدر في العراق في أوائل الخمسينيات مع عدد من العلماء العراقيين واللبنانيين، وكذلك لدى الحركة الإسلامية الإيرانية بزعامة الإمام الخميني منذ ستينيات القرن الماضي، وخصوصاً نظرية حاكمية الله. وإذا صح هذا التأثر، يمكن تلمسه في كتاب “الحكومة الإسلامية” للإمام الخميني الذي نشره كمجموعة محاضرات ألقيت في الستينيات خلال منفاه في مدينة النجف العراقية. ويشير البعض إلى تحالف “حزب الدعوة” مع “الحزب الإسلامي العراقي”، وهو الفرع الإخواني المحلي، ضد حكم عبدالكريم قاسم الذي كان يهيمن عليه الشيوعيون، وأن الحزبين كانا حتى سقوط قاسم بانقلاب 8 فبراير 1963 م في حالة شبه وحدة تنظيمية؛ ومن هنا وجدنا أن هناك علاقة أيديولوجية قوية تربط بين الإسلاميين في كل من إيران ومصر، فهم يتشاركون في المشاعر المعادية لإسرائيل، ويدعمون حركة المقاومة الفلسطينية (حماس (، ويعتبرون أن الثقافة الغربية تشكل  تهديداً عليهم في ظل التزامهم بحكم الشريعة؛ وهذا ما يفسر قول المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة الإيرانية التي جرت في صيف 2013م، علي "أكبر ولايتي" في واحدة من جولاته الانتخابية إن الإخوان المسلمين هم الأقرب فكرياً وعقائدياً إلى إيران.

سادساَ: تواصلت علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع نظام الخميني في إيران في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، حيث اتفق الطرفان في معاداتهما لنظام مبارك ووصفه بأنه حليف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وكذلك رفضهما إتفاقية السلام مع إسرائيل، ودعم إيران لحركة حماس التي تعتبر فرع الإخوان الفلسطيني في قطاع غزة؛ وهنا يتعامل الطرفان على اعتبار أن النظام الإيراني أقرب إلى النظام الحركي، وقد تولى زمام السلطة في طهران بعد الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، وبالتالي فإن العلاقات بين الإخوان كحركة وصلت إلى السلطة في مصر بعد ثورة، والخمينية كحركة وصلت هي الأخرى إلى السلطة بعد ثورة، يغلب عليها طابع التكافؤ من حيث أن الجانبين يقومان على أساس فكر التنظيم المستند على مبادئ دينية إسلامية تتعدى في جوهرها الحقيقي فكرة الدولة المحددة بسياج سياسية، وإن كان هناك اختلاف في المنطلقات الفكرية لكيفية بناء هذه الدولة.

سابعاً: إيران والإخوان في حاجة آنية ماسة إلى كل منهما الآخر، فبينما خرجت جماعة الإخوان من السلطة في مصر بشكل درامي بعد أن عزل قادة القوات المسلحة المصرية ومعهم الشعب المصري الحر، الرئيس مرسي من السلطة في 3 يوليو 2013م، وشنت أجهزة الدولة كافة أعنف حرب دعائية تلقتها الجماعة في تاريخها وفقدت طليعة رموزها ونخبة شبانها بين معتقل وصريع في تلك الأثناء، تسبب لها ذلك في خسائر أساسية فادحة اضطرت معها إلى الاحتماء بالنظامين القطري والتركي لكنها كذلك في حاجة إلى توسيع دائرة الاحتماء الإقليمي، وهنا يمكن أن تبرز إيران كأحد حوائط الصد للجماعة، وإن كان برز عكس ذلك على الساحة اليمنية، مع توسع الحوثيين والاعتداءات التي قاموا بها وطالت الإخوان المسلمين.

ثامناً: أكد عز الدين إبراهيم - أحد قيادات الإخوان المسلمين ومؤسس تنظيمها في ليبيا بعد هروبه من مصر - على حقيقة التقارب التاريخي الحميم بين جماعة الإخوان والشيعة الإيرانيين عموماً: "قام الإمام الشهيد حسن البنا بجهد ضخم على هذا الطريق، يؤكد ذلك ما يرويه الدكتور إسحاق موسى الحسيني في كتابه ”الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة ” من أن بعض الطلاب الشيعة الذين كانوا يدرسون في مصر قد انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومن المعروف أن صفوف الإخوان المسلمين في العراق كانت تضم الكثير من الشيعة الإمامية الإثنى عشرية، وعندما زار نواب صفوي سوريا وقابل الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين اشتكى إليه الأخير أن بعض شباب الشيعة ينضمون إلى الحركات العلمانية والقومية، فصعد نواب إلى أحد المنابر وقال أمام حشد من الشبان الشيعة والسنة: من أراد أن يكون جعفرياً حقيقياً فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين، ولكن من هو نواب صفوي زعيم منظمة فدائيان إسلام الإسلامية الشيعية؟؛ وهنا يعد العقل الجمعي لدى قادة الإخوان المسلمين، النظام الإيراني مدين إلى جماعة الإخوان المسلمين بحلحلة معضلة العلاقات مع مصر، لا سيما وأن أول رئيس إيراني تطأ قدماه أرض مصر بعد 39 عاما من المقاطعة كان في فترة حكم رئيس من الجماعة، كما أن أول زيارة لرئيس مصري إلى طهران بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979م، كانت في ظل الرئيس نفسه.

تاسعاً: يدرك اللاعب الإيراني أن سياسات طهران الإقليمية لا تحظى بالقبول اللازم لدى قطاعات شعبية ورسمية واسعة في البلدان العربية بسبب موقفها من الأزمة السورية والوضع الميداني في العراق وغير ذلك من الملفات الشائكة، لذلك هي في حاجة إلى تعزيز روابطها بجماعة لها حلفاء كثر على الأرض، داخل مصر وخارجها، رامية في ذلك إلى الحد من خسائرها الاستراتيجية من عزل الدكتور مرسي وموقفها المتردد وغير الواضح من بيان 3 يوليو 2013م، وما أعقبه من مواجهات بين السلطات المصرية والمواطنين المصريين الرافضين لإقصاء أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر، إلا أن الممارسات على الأرض التي تقوم بها إيران في سوريا واليمن والعراق والبحرين قد تباعد بين الطرفين بدرجة كبيرة.

عاشراً: منيت إيران بخسائر لا يمكن تداركها بسهولة، بعد حملة العلاقات العامة الهائلة التي شنها السلفيون والأصوليون في مصر في الفترات الأخيرة وتصدير صورة نمطية عن الدولة الإيرانية باعتبارها تسعى للمد الشيعي في بلدان العالم العربي السنية، وهذا من شأنها كذلك أن يباعد بينها وبين الإخوان المسلمين، في ظل حرص الجماعة على الانفتاح على كل التيارات السياسية في المنطقة العربية، وخاصة تلك ذات المرجعية الإسلامية المعتدلة.

الحادي عشر: لدى جماعة الإخوان عدد كبير من القادة الميدانيين الشبان الذين فروا من مصر إلى الدول العربية الحليفة لنظام 3 يوليو 2013م، فور فض اعتصام رابعة مساء يوم 14 أغسطس/آب 2013م، ومنهم عدد كبير متواجد الآن في أبو ظبي والرياض والكويت والمنامة وعَمّان، مما يشكل عليهم خطورة بالغة في حالة معرفة السلطات في تلك العواصم بالأمر، لذلك فإن التحالف مع إيران، يمكن أن يدفع البعض للتفكير في اللجوء إلى  إيران، إذا كان من الممكن أن توفر لهم مقرا آمنا بعيدا عن الملاحقات الأمنية.

الثاني عشر: تنسجم العقيدة التاريخية لدى كل من إيران والإخوان حول عدد من القضايا الثابتة في التكوين الأيديولوجي لدى كل منهما، وعلى رأس ذلك الموقف من الغرب، ومن إسرائيل، ومن دعم حركات المقاومة في فلسطين، وهو ما يسمح ببناء قاعدة صلبة يمكن البناء عليها في حالة تفكير إيران في إيواء قادة جماعة الإخوان في داخل أراضيها، إذا تمت تسوية قضايا خلافية برزت وترسخت مؤخراً بين الطرفين في اليمن والعراق وسوريا والبحرين.

الثالث عشر: وجود مؤشرات عن حدوث لقاءات أجراها دبلوماسيون إيرانيون في مصر مع قادة الإخوان الموجودين في مصر للوقوف على إمكانية وآلية التعاون في تلك الفترة.

الرابع عشر: إن فكرة البديل الإيراني أمام رموز قادة جماعة الإخوان المسلمين اللاجئين لدى كل من قطر وتركيا، تنطوي على عدة مخاطر لا تخص الإخوان وحدهم، بل تتعلق أيضاً باللاعب الإيراني الذي يسعي آنيا إلى استخلاص موقف مصري مؤيد لتحركاته الإقليمية الاستراتيجية؛ خاصة إزاء الملف السوري بالرغم من أن طهران كانت الطرف الأكثر خسارة من عزل الرئيس "محمد مرسي" في أعقاب التغيير الذي وقع في القاهرة بين يومي 31  يونيو و3 يوليو 2013م.

الخامس عشر: إن وجهتي نظر القاهرة وطهران حول العمليات العسكرية الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تكاد تكون متطابقة، إذ رفضت العاصمتان الانضمام إلى التحالف الدولي الذي يشن عمليات عسكرية على مناطق تمركز عناصر التنظيم المسلح في محافظات سوريا، وهي نقطة التقاء يمكن للاعب الإيراني - الذي يسعى عن كثب لإعادة العلاقات مع مصر - البناء عليها لتكوين تحالف ضمني غير معلن حول قضايا الأمن الإقليمي.

السادس عشر: لدى إيران خبرة - قريبة زمنيا - في مسألة لجوء المعارضين المصريين إلى أراضيها، لاسيما بعد إيوائها عدد من معارضي النظام المصري إبان مقتل الرئيس المصري محمد أنور السادات في السادس من  أكتوبر أول 1981م بأسلحة عناصر من أفراد القوات المسلحة المتماهين مع الجماعة الإسلامية، ووصل الأمر إلى أن وفرت طهران ملاذا آمنا لأسر الفارين من ملاحقات نظام مبارك وما يزالون متواجدين حتى الآن بإيران بالرغم من امتعاض أجهزة الدولة المصرية من تلك السياسات.

السابع عشر: يعد ملف إيواء إيران للإسلاميين المعارضين واحدة من أكثر القضايا الخلافية على مائدة العلاقات المصرية - الإيرانية الراهنة، مع إصرار النظام المصري على استعادة المطلوبين أمنيا والمتواجدين في إيران، فضلاً عن بقايا الجهاديين اللاجئين إلى إيران بعد الحرب الروسية - الأفغانية في ثمانينيات القرن العشرين؛ ولذلك فإن تفكير إيران في إيواء قادة جماعة الإخوان المسلمين سينطوي على مخاطرة جادة وحقيقية في ملف محاولة استعادة العلاقات المقطوعة مع مصر منذ توقيع الرئيس السادات اتفاقية السلام مع إسرائيل ( في كامب ديفيد عام 01979م. تكرر الأمر نفسه بعد اجتياح التحالف الدولي بقيادة أمريكية، أفغانستان) أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وفرار الجهاديين المصريين المنضوين إلى تنظيم القاعدة مع القيادي الجهادي البارز أسامة بن لادن من أفغانستان عبر الحدود المشتركة إلى إيران واستقرارهم هناك أو تمكنهم بمساعدة السلطات من التسلل إلى العراق وباكستان وعدد من الدول ذات الحدود المشتركة... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليصدق من قال بأنه على مائدة المصالح السياسية، كل الأوراق مطروحة للعب، وكل الأطراف مرشحة للفوز بقدر اقترابها من الخسارة، إنه قانون اللعبة الواضح للجميع، إلا أن هناك من اللاعبين من لا يستطيع تقبل فكرة الخسارة من الأساس، فيقوده طمعه السياسي إلى التحالف مع الشيطان من أجل تحقيق مصلحة ما، وجماعة الإخوان المسلمين من الأمثلة الصارخة لهذا النوع الطامع من اللاعبين، بتحالفاتها المريبة وعلاقاتها المشبوهة ومواءماتها النفعية مع كل من يخدم مصالحها، وبتحالف الجماعة الإرهابية مع النظام الإيراني، يتضح إلى أي مدى يمكن أن تذهب جماعة الإخوان ، ولو زحفًا على البطون، فقط من أجل مصلحتها.

وقد ذكرنا في المقال السابق كيف ارتبطت جماعة الإخوان المسلمين بعلاقات تاريخية مع النظام الإيرانية الذي سيطر تماماً على السلطة، بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة آية الله الخميني عام 1979م في إسقاط الشاه "محمد رضا بهلوي" الذي حكم إيران بين عامي (1979-1941م) ومن ذلك لقاءات أجراها قادة التنظيم الدولي للجماعة بالمعارضة الإيرانية في عدد من العواصم الأوروبية في أوج سلطة الشاه.

لقد كشف لنا التاريخ كيف أنه عقب وصول آية الله الخُميني إلى عرش إيران، عقب نجاح الثورة الإسلامية- بادرت أمانة سر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى الاتصال بالمسئولين الإيرانيين؛ بغية تشكيل وفد من الإخوان لزيارة إيران، للتهنئة بالثورة وتدارس سبل التعاون المشترك.

وبالفعل، عينت إيران ضابطًاً، للاتصال بالتنظيم الدولي للإخوان في لوجانو/ سويسرا، بتاريخ 14 مايو 1989؛ لدراسة القرارات السريعة، ومنها تشكيل وفد من الإخوان لزيارة إيران وتقديم التهاني بمناسبة نجاح الثورة الإيرانية والإطاحة بالشاه، وفعلا تمت الزيارة عقب وصول الخميني إلى طهران بعدة أسابيع برئاسة يوسف ندا، القطب الإخواني الكبير والمشرف وقتها على أموال الجماعة وعلى قسم الاتصال بالعالم الخارجي.

وكانت دعوة "عمر التلمسانى" كما  بينا في المقال الأول يمثل أول خطوة حاول من خلالها جماعة الإخوان المسلمين إحداث هذا التقارب بينهم وبين الشيعة بدعوة أن هذا سيصب فى صالح المسلمين. وفى حرب تموز 2006، التى خاضها حزب الله، اعتلى الإخوان فى هذا التوقيت دعوات التقارب بين السنة والشيعة، عبر دعوات التفخيم من حسن نصر الله، الذى قاموا بتشبيه بصلاح الدين الأيوبى؛ كما أن محمد مهدى عاكف، المرشد السابق للإخوان يعد من أكثر المطبعين مع الشيعة والداعين للتقارب مع الشيعة.

وهناك نقاط كان التعاون فيها بين الإخوان وإيران أكثر وضوحا وانفتاحا، ففي عام 1988- على سبيل المثال- وافق الإيرانيون بناء على طلب من الشيخ محمد الغزالي على الإفراج من جانب واحد عن جميع السجناء المصريين الذين حاربوا مع الجيش العراقي ضد إيران.

هذا وأن النظام الذى يتبعه الشيعة خاصة إيران، متقارب مع الإخوان، فكلاهما يتبع نظام المرشد الأعلى سواء إيران أو الإخوان، وفي هذا الصدد نشأت جماعة «الدعوة والإصلاح» في إيران مستندة على أفكار ومبادئ جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر؛ إذ تُعدُّ هذه الجماعة ممثلة للإخوان في الحياة السياسية الإيرانية، وتأسست عقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ونجاحها في إسقاط الحكم الملكي وإزاحة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي عن سدة الحكم في يناير 1979، وتأسيس الجمهورية الإيرانية (ولاية الفقية).

وتمثلت هذه العُرى الوثقى بين الإخوان وإيران بما جمع بين حسن البنا، وتقي القمي، وآية الله كاشاني، ونواب صفوي، وآية الله الخميني؛ أبطال غزو الشيعة للعالم السني، وهي علاقات سرية، كما يصفها الخرباوي: "لا يعرف عنها الكثيرون شيئاً، إلا قيادات الإخوان أنفسهم وليس قاعدة الجماعة"، مشيراً إلى أن "حسن البنا اقترب من الشيعة بشكل كبير، وهو ما أثار غضبة علماء السنة، حتى إنّ أقرب المقربين منه اتهموه بخيانة عقيدته مقابل دراهم معدودة".

ويعكس هذا الاتهام تبايناً داخل جماعة الإخوان، فيما خصّ التقارب المفرط مع إيران، إذ ثمة جناحان داخل الجماعة للتعامل مع إيران، أولهما: جناح "يوسف ندا" الذي يقدم نفسه بأنه مفوّض العلاقات الخارجية للجماعة، وهو صاحب صلة مباشرة ووثيقة مع الإيرانيين والشيعة، حيث زار طهران عدة مرات، وله علاقة وثيقة بالطوائف الشيعية والإخوان في إيران .

وكان علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق والمستشار الأعلى للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، أكد في ندوة عن "الحوزة الدينية والصحوة الإسلامية" عقدت في مدينة مشهد الإيرانية "أنّ الإخوان المسلمين هم الأقرب إلى طهران بين كافة المجموعات الإسلامية".

ويؤكد حفاوة ولايتي بـ"الإخوان" ما صرّح به القيادي السابق في جماعة الإخوان في مصر الدكتور ثروت الخرباوي، الذي كشف عن علاقات سرية طويلة وممتدة بين مؤسس الجماعة حسن البنا وقائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني، "وذلك في إطار من الروابط التي جمعت الرجلين بالمخابرات الغربية".

وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد زار مصر بدعوة من المعزول محمد مرسي للمشاركة في مؤتمر إسلامي، وخطب في جامع الأزهر الشريف، وهو ما يعد، في نظر الخرباوي، دليلاً آخر على قوة العلاقة بين الجانبين، كما أن زيارة مرسي لطهران عام 2012 للمشاركة في مؤتمر "دول عدم الانحياز" كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً دليلٌ آخر على الصلة الوثيقة بين الطرفين.

وهناك دراسات مهمة أبرزت خصوصية العلاقة بين فكر جماعة الإخوان المسلمين وإيران، ويمكن أن نركز علي ست دراسات في هذا المقال وذلك علي النحو التالي :

1- الدراسة الأولي: للباحث محمد سيد رصاص، في كتابه الذى حمل عنوان «الإخوان المسلمون وإيران الخميني - الخامنئي»، حيث فسّر لنا الدوافع الإيرانية في الدفاع المستميت عن الإخوان في مصر، وحركة النهضة التونسية، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بأن «مرسي» كسر حظرًا فرضه سلفاه على نفسيهما بعدم زيارة طهران، وطرح مبادرة تشكيل مجموعة اتصال رباعية، تضم القاهرة والرياض وأنقرة وطهران؛ من أجل معالجة الوضع السوري، ورفضتها السعودية بوعي بخطورة إشراك إيران في شأن عربي، هي جزء من المشكلة فيه؛ قائلًا في كتابه: «تجاهلت الجماعة الشواهد المؤكدة بأن التقارب بين مصر بقيادة الإخوان، وإيران الخمينية، لن يكون في صالح العرب ولا المسلمين بأي حال من الأحوال، في ظل ما تقوم به إيران من أعمال تخريبية في أكثر من ساحة عربية، وسعيها إبراز هوية أطماعها الفارسية، التي تعتبر الإسلام عدوها اللدود لقضائه على الإمبراطورية الفارسية، وهذا العداء الذى ظل الفرس يتوارثونه جيلًا إثر جيل.

2- الدراسة الثانية : للباحث العُماني أحمد الإسماعيلي بعنوان " صناعة الإسلام الثوري.. الخطاب والتَّشكُّل لدى الإخوان المسلمين وولاية الفقيه "، حيث يتناول في دراسته تحليل سياقات التحول لدى الإخوان في مصر، ويقدم مقاربات معرفية بين الحركتين في صناعة الإسلام الثوري، تُعنى بطبيعة الخطاب وسياقات التشكل التي فرضتها الإيقاعات السياسية والاجتماعية على كلتيهما، ويناقش ثلاث أطروحات تتمحور حول طبيعة صناعة الإسلام الثوري وسياقاته؛ حيث تعنى أولاها بطبيعة الخطاب الثوري لكلا الحركتين، مركزا على شبكة المفاهيم التي وظفها الإسلام الثوري، في سبيل استقطاب الجماهير المتعطشة للخروج من وحل الفقر كظاهرة اجتماعية، والديكتاتورية كظاهرة سياسية، وهو إشكال يهتم بتفكيك البنى اللغوية لخطاب الإسلام الثوري. ثم يقوم الباحث برصد سياقات التحول السياسية والاجتماعية وتحليلها، التي مرت بها هاتان الحركتان، وعلاقتهما بالحركات الثورية الأخرى، وبالمركزية السياسية، وبالقضايا العالمية، وقدرة رموز هاتين الحركتين على استيعاب الأطراف الأخرى في دوائر الصراع السياسي. ويقدم الباحث تصورا حول مآلات صناعة الإسلام الثوري لدى هاتين الحركتين؛ لماذا نجحت في إيران وأخفقت في مصر؟ كما يرى أن الإسلام الراديكالي لا يمكن أن يظهر إلا في فضاءات اجتماعية مختنقة بالفقر والجهل والظلم ومليئة بالتناقضات الفوضوية، وفي ظل حكم أنظمة سياسية خانقة للحريات والعدالة والمساواة، وموغلة في البطش والظلم والفساد. هذا هو المناخ الذي يهيئ لصناعة الإسلامات الثورية في الوطن العربي والإسلامي بشكل عام، وبدون هذا المناخ لا يمكن لهذا النوع من الإسلامات الراديكالية أن يتأسس؛ لأنه لن يجد ما يقتات عليه في بناء فضائه الخاص.

3- الدراسة الثالثة: للباحث اللبناني هيثم مزاحم -المتخصص في الحركات الإسلامية المعاصرة بعنوان" نظرية الحاكمية بين سيد قطب وعلي خامنئي "، حيث درس بين لنا مدى تأثير نظرية الحاكمية، التي طوّرها سيّد قطب وشكّلت لاحقاً العمود الفقري للبناء النظري للحركات الإسلامية والجهادية في العالم الإسلامي، على الخميني وتلميذه وخليفته علي الخامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران. ويشير إلى أن رؤية الخامنئي لحاكمية الشعب جاءت في مقابل الديمقراطية في الغرب، والفرق الأساسي بينهما أن حاكمية الشعب هي أن يقرر الشعب ما يريد تحت سقف الإسلام. أما الديمقراطية فهي أن يقرر الشعب ما يريد دون ضوابط أو سقف يحكمه. ويقول: إن هذا البعد الشعبي لا نجده عند المودودي وسيد قطب، اللذين جعلا الحاكمية الإلهية متمثلة في الخلافة، بحيث جعلا خليفة الله أشبه بالطرح الكاثوليكي لسلطة الكنيسة على الأمة، من دون أن يكون للشعب أي دور اجتماعي أو سياسي يذكر. وبالرغم من الفوارق الشكلية بين أطروحة المودودي– قطب، وأطروحة الخميني– الخامنئي، فإن الجانبين يتفقان في أن الحاكم الحقيقي في الإسلام هو الله وحده، وأن الدولة الإسلامية سواء أكانت جمهورية أم إمارة أم خلافة، فهي كما يقول المودودي «دولة مهيمنة أو مطلقة، محيطة بجميع فروع الحياة ونواحيها، ولكن أساس هذه الهيمنة والإحاطة التامة، إنما هو القانون الإلهي الجامع الواسع، الذي وكل إلى الحاكم المسلم تنفيذه في الناس». كان جلّ تركيز الخميني هو على البرهنة على صحة نظرية ولاية الفقيه المطلقة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر، وامتداد ولاية الفقيه إلى الأمور السياسية، بمعنى قيادة المسلمين وتولّي السلطة وتفرعاتها. كما أن البنية الفقهية والعرفانية لدراسة الخميني، ومن بعده الخامنئي، تجعله –كفقيه- دقيقاً جداً في إطلاق أي حكم فقهي أو فتوى بتكفير مجتمع مسلم، بخلاف المودودي وسيد قطب اللذين لم يتخرجا في المدرسة الدينية التقليدية كالحوزة أو الأزهر.

4- الدراسة الرابعة: للباحث البحريني عباس المرشد بعنوان " التيارات العابرة للوطنية بين الثورة والدولة: الإخوان المسلمون وإيران"، حيث بين في دراسته هذه: إنه على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على علاقات الإخوان المسلمين بالحركات الإسلامية الشيعية في إيران؛ فإن هذه العلاقة التاريخية لم تكن على وتيرة واحدة، لا من حيث طبيعة الأطراف، ولا من حيث المنحى الذي سارت عليه، الأمر الذي أحاطها بالغموض تارة، والخصومة تارة أخرى، والازدواجية تارة ثالثة. وشهدت هذه العلاقة حالات مد وجزر، ولكن بدا واضحاً، من سياق تطورها، أن الطرفين قد تجنّبا القطيعة التامة، على الرغم من أن التطورات السياسية المتعاقبة قد أثّرت في طبيعة هذه العلاقة، وأن الانتقال من وضعية الثورة إلى وضعية الدولة أو (استلام الحكم أو المشاركة فيه بدرجة ما) من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز العلاقة العابرة «المتجاوزة» للوطنية، بل وتسخير ثروات الدولة ومقدراتها لخدمة هوية العبور المتجاوز للوطنية. وهذا يعني أن الحدود بين الثورة والدولة في التيارات العابرة للوطنية، هي حدود تخضع لحسابات ذات وجهين، الأول: هو العقلانية النفعية، كبروز حالات لم تكن موجودة من قبل، كما في حالتي حركة حماس الفلسطينية، مقابل حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، مقابل العلاقة الوثيقة بين نظام الحكم في الجزائر وإيران. والثاني: ما يطلق عليه «أخلاق التكييف» وما تفرضه من ممارسات لا تتفق تماماً والرؤية العقائدية للجماعة أو الدولة، فتلجأ إلى إجراء تغيير في درجة القيمة المعطاة لبعض الرؤى العقدية، بما يتلاءم ومتطلبات الواقع العملي والفعلي، كما في حالة وجود اختلاف مذهبي قابل للتوتر الطائفي. ويشير الباحث إلى أن المتغير المستقل في دراسته هو الاختلاف المذهبي، خلافاً لحالات أخرى يكون التجانس المذهبي فيها هو المتغير المستقل. ويتتبع الباحث في دراسته البدايات الأولى لعلاقة الإخوان المسلمين بالحركة الإسلامية الشيعية في إيران في مرحلتين، الأولى: مرحلة التنظيم، والثانية: مرحلة الدولة. وذلك من خلال استعراض التراكمي التاريخي للمواقف بين كلا الطرفين، لدراسة حالات التيارات العابرة للوطنية، وكيف تتشكل داخل إطار الدولة الوطنية.

5- الدراسة الخامسة : للإعلامية والكاتبة السعودية سكينة المشيخص بعنوان الإخوان المسلمون وإيران: القاسم المشترك في الخليج ؛ حيث  ترى أن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالدولة الإيرانية، تكتيكية أكثر منها استراتيجية، فثمّة قواسم مشتركة تجعل طرفي العلاقة في حاجة حيوية لتنفيذ مشروعات وأجندة توسعية، تلتقي عند فكرة عامة حول الخلافة التي تتطلب انتشاراً دينامياً في الأوساط الشعبية للدول الإسلامية، وذلك ينطوي على استغلال منهجي للمشاعر الدينية للناس، وتوظيف أشواقهم الدينية للوحدة والذهاب بها في مسارات مضللة، تصنع زيفاً كثيفاً حول الأجندة الخفية لخطط التوسع واختراق الحكومات والمجتمعات. ويأتي هذا البحث في إطار دراسة جدوى مشروعات الطرفين. فالعلاقة بين جماعة الإخوان والدولة الإيرانية عقب الثورة الإسلامية قائمة على مصالح مشتركة قوية، فالجماعة ترى أن الثورة الإسلامية في إيران انتصار لرؤيتهم ومشروعهم العالمي، فهي أول حكومة إسلامية في الزمن المعاصر، مما يعزز البرامج والخطط المشتركة بينهما، ولذلك فإنهما في حال انسجام لم تتعرض لأي ضغط أو تصدّع، حيث نجحا في كثير من المواقف والأحداث في تأكيد اتفاقهما، وخلق مزيد من عناصر العداء المشترك لدول المحيط العربي والإسلامي. وتجيب الباحثة على عدد من التساؤلات: كيف استطاع الطرفان توحيد أهدافهما على الرغم من التمايز المذهبي؟ ما المحفزات التي تجعل الجماعة وإيران يبقيان على تماسك علاقتهما؟ كيف أفادا من تعزيز الطائفية في تمرير الأجندة المتطرفة في المجتمعات الإسلامية؟ ما فرص استقرار العلاقة بين الجماعة والدولة الإيرانية وتحقيق أهدافهما؟ ما دور الطرفين في تأزيم العلاقات المجتمعية الداخلية في الدول المحيطة؟

6- الدراسة السادسة:  للباحث المصري المتخصص في الحركات الإسلامية علي عبدالعال بعنوان "موقف القاعدة وداعش من إيران.. دراسة مقارنة "، يقول في دراسته: إن العلاقة المفترضة بين إيران وتنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية» شغلت الكثيرين من الساسة وصناع القرار، والمنظرين الإسلاميين، كما شغلت مساحات ليست قليلة من اهتمامات وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة. ويرى أن التوظيف السياسي، وزاوية التناول الخاصة، واتهامات العمالة، قواسم مشتركة بين كل هذه الأطراف، ضاعت معها الحقيقة التي يمكن أن يطمئن لها الباحث تجاه قضية سياسية وفكرية مهمة كهذه؛ إذ لم تخل معظم الكتابات التي تناولتها من التحيز والميل (مع أو ضد). ومع خلو الساحة من دراسة موضوعية جادة تشفي غليل البحث، يحاول الباحث في هذه الإطلالة سبر أغوار هذه العلاقة من مصادرها وشهود العيان عليها، من خلال رصد الخطابات والتصريحات والبيانات الرسمية، والمساجلات التي خرجت تعلق على الأحداث وقت وقوعها من قبل أطرافها والمشاركين فيها.. وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

  

عامر صالحأعلنت خلية الإعلام الأمني، الاثنين الماضي في 21 أيلول 2020، تكليف قوة من جهاز مكافحة الإرهاب للتوجه إلى محافظة ذي قار والبحث عن الناشط المختطف "سجاد العراقي" والذي تم أختطافه يوم السبت مساء بتاريخ 19 أيلول 2020. وقالت الخلية في بيانها إن "رئيس مجلس الوزراء  القائد العام للقوات المسلحة، وجه قيادة العمليات المشتركة بإجراء فوري للبحث عن الناشط المدني  سجاد العراقي الذي اختطف في مدينة الناصرية". وتابع، "تم تكليف قوة مِن جهاز مكافحة الأرهاب للتوجه الى محافظة ذي قار مسنودة بطيران الجيش للبحث عن المخطوف وتحريره، وانفاذ القانون بالخاطفين وتقديمهم للعدالة، وسنوافيكم التفاصيل لاحقا". وقد تم لاحقا فرض حصار على بعض المناطق والعشائر المشتبهة بأختطاف الناشط المذكور استنادا الى الشهود والمعلومات التي وردت من متابعة الحدث وكذلك من اصدقاء سجاد العراقي الذين كانوا معه في السيارة الخاصة التي كانت تنقلهم، وقد أصيبوا بجراح من عملية الأختطاف التي رافقها اطلاق نار من كواتم.

ويوم الثلاثاء المصادف 22 أيلول 2020، أعلنت خلية الإعلام الأمني، انطلاق عمليية تحرير المختطف سجاد العراقي في ذي قار، مشيرة إلى أن العملية تشمل 6 مناطق. وقالت الخلية في بيانها: “انطلقت وحدات (افواج من جهاز مكافحة الارهاب و فوج من شرطة ذي قار وفوج من لواء مغاوير قيادة عمليات سومر، بتنفيذ واجب مشترك للتفتيش والبحث عن المخطوف (سجاد العراقي) والقاء القبض على الخاطفين". وأضافت أن " الواجب يشمل مناطق (أم الغزلان وناحية الدواية الشديد والعبيد والعكيكة الهصاصرة وسيد دخيل) بالتزامن مع خروج اللواء الرابع بالرد السريع على الحدود الفاصلة مع محافظة ميسان، ويأتي هذا الواجب بإسناد الأبطال في طيران الجيش".

 وبعد مضي ما يقارب الأسبوع على أختطافه وتجنيد أفضل القوات المسلحة العراقية والمتمثلة بجهاز مكافحة الأرهاب الى جانب قطعات اخرى واسناد جوي، لم تتم عملية تحريره من الخطف وألقاء القبض على الخاطفين المجرمين، حيث كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار، الخميس 24 أيلول 2020 عن آخر التطورات بشأن عملية البحث عن الناشط المختطف سجاد العراقي، وقال المتحدث الرسمي بأسم القيادة العامة العميد فؤاد كريم للأعلام ان " عملية البحث والتفتيش التي تقوم قوة مشتركة من جهاز مكافحة الارهاب والجيش العراقي توقفت منذ يومين" وأوضح  أن " سبب التوقف جاء بعد حدوث اشكالية مع شخصيات ذات ثقل اجتماعي مهم وستستأنف العملية في الساعات المقبلة بعد ان حلت الاشكالية التي حصلت، ولحرص الحكومة والقوات الأمنية على النسيج الاجتماعي ولأثبات نيتها الحسنة توقفت العملية حينها وانسحبت القوة الأمنية للقاعدة الجوية في الناصرية".

بالتأكيد ان خبرة جهاز مكافحة الارهاب وقدراته الاستثنائية يعكس الصورة الحسنة والمتقدمة للقوات العراقية التي تعتبر نموذجا في بناء الاجهزة الحيادية والبعيدة نسبيا عن تأثير السياسات الطائفية الأقصائية وقد مثل الجهاز في بنائه وقيادته مختلف شرائح الكفاءات العلمية والمهنية الميدانية وكذلك مثل مختلف ألوان الطيف العراقي وأنتماءاته المتنوعة، وقد قدم الجهاز في المعارك ضد داعش بحدود اكثر من 40% من قدراته لتحرير الأرض من داعش، وهو قادر بالتأكيد على حسم سريع لموقف ميداني ولوجستي كقضية اختطاف " سجاد العراقي "، ولكن بالتأكيد وعلى ما يبدوا أن سطوة العشائر وخاصة المتحالفة مع الأسلامويين السياسين يريد ان يخرج من العملية بالحفاظ على ماء الوجه وحماية "شرف" العشيرة من ألحاق العار بها بسبب عملية الأختطاف والتي قد تكون انجزت بتواطئ قيادات سياسية عشائرية، وبالتالي تحويل القضية الى قضية جنائية عادية فيها مجرم وضحية، وبعيدا عن التسميات السياسية لمن يقف وراء الأختطاف. وقد قامت بعض العشائر في الناصرية في تحدي بائس امام جهاز مكافحة الارهاب بأستعراض قواتها، ولكن الجهاز المتمرس في المناورات الميدانية اكثر حكمة من عقل متحجر.

بالتأكيد هناك من يتربص للأيقاع وألحاق الأذى بجهاز مكافحة الأرهاب، وخاصة من الأحزاب والمليشيات الأسلأموية وحتى من قوى سياسية طائفية متمرسة في التخريب والأختطاف، وفي واقعة اختطاف سجاد العراقي من مدينة الناصرية والتدخل السريع لجهاز مكافحة الأرهاب للأفراج عنه بدأت بعض القوى المليشياوية والمعروفة بجرائم الأختطاف في تحريض العشائر على جهاز مكافحة الأرهاب، ذلك الجهاز المهني والمحترف في الأداء والذي قاتل داعش وقدم خيرة منتسبيه شهداء لتحرير الأرض المغتصبة من داعش، نعتقد ان عملية تحرير سجاد العراقي لا تحتاج الى تدخل جهاز مكافحة الأرهاب بل الى قوى صغيرة حيادية، لأن الأختطاف هنا سياسي مليشياوي ويحتاج الى المناورة الذكية مع الجهة المختطفة، ما دام لحد الآن لايتجرأ الكاظمي على تسمية الأشياء بمسمياتها ولا يقدر على المواجهة المباشرة، وهناك سوابق لذلك حيث الضحايا بقوا دون تشخيص للمجرم القاتل والجهة التي تقف ورائه ومجرد وعود في ألقاء القبض على القتلة، ويعرفهم الكاظمي بعناوينهم الرئيسية ولكن تلك هي إشكاليات موازين القوى في مختلف المعالجات.

وبالتالي قد يتمكن جهاز مكافحة الأرهاب في ألقاء القبض على مختطفي سجاد العراقي والأفراج عنه، وهو احتمال وارد جدا، ولكن هل يشار الى جهة المختطف بوضوح كما يتمناها الضحايا، الى جانب أن تداعيات تدخل الجهاز في بيئة عشائرية ملغومة بالتحالفات السياسية المليشياوية والفساد قد يترك آثارا ومزاج سيكواخلاقي للنيل من مكانة جهاز مكافحة الأرهاب والتي بدأها عادل عبد المهدي في محاولته لتصفية قيادة الجهاز. أن التحريض المقصود على جهاز مكافحة الأرهاب سيعبد الطريق امام عودة داعش الأجرامي بكل ثقلها وعندها لم تستطيع المليشيات الكارتونية المسلحة " خفافيش الظلام " الدفاع عن نفسها، أما مهمة الدفاع عن العراق كوطن للجميع فهي حصريا تناط بتلك الأجهزة المهنية الحيادية التي تجد في الشعب حليفا ثابتا لها.

ما يجري لقضية الشاب العشريني "سجاد العراقي" الباحث عن لقمة العيش وهو خريج الكلية ـ قسم التاريخ يسري على غيره من ضحايا سلطة الدولة العميقة حيث الشهداء اكثر من 700 والجرحى تجاوزا 30 ألف جريح وفيهم من الاعاقات الدائمة وغير القابلة للعلاج الى جانب المغيبين والذين انظم أليهم الناشط المدني سجاد العراقي وقد تجاوزعددهم 150 مغيب، تلك هي مخرجات نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الى جانب الفساد الاداري والمالي والاجتماعي الذي انهارت على  خلفيته الدولة العراقية ووصلت الى حد العجز والشلل التام..

 

د. عامر صالح

 

مصطفى محمد غريبالماء عصب الحياة الذي لولاه لكانت الحياة على الأرض (وأية ارض) جدب وخواء وبلا ريب دون ادعاء لا تصلح للحياة البشرية والحيوانية والنباتية، أرض بدون ماء دليل على القحط والاطلال والخراب، والانسان منذ ان ظهر على وجه الأرض كان الماء بالنسبة له البقاء والديمومة والبناء فسعى دائماً من اجل الحفاظ عليه، الاهتمام بطرق وسبل  الاستفادة منه ، ولم تذكر فواصل التاريخ ان قامت أمم بحرب او وسيلة سياسية او حربية  لقطع المياه بشكل جماعي عن اقوام أخرى ، وحرب المياه هذا المصطلح الذي طرق مسمعي اول مرة على ما أتذكر أواسط القرن العشرين وكنت لا أفقه ما كان يقصد به  كتاب الدراسات والمقالات والتحذيرات، من ضرورة التوجه للحفاظ على مصادر المياه والعمل على خزنها لتامين المستقبل الحياتي، وبالإشارة الى المخاطر من استعمال الحرب المائية في المستقبل،  وفي ذلك الوقت كنت بصراحة لا أفقه بشكل استراتيجي معنى الجملة سيكون " برميل الماء في المستقبل اغلى من برميل البترول وحتى اغلى من الذهب!" وكنت اضحك في سري لأنني كنت أؤمن بدجلة والفرات والانهر والجداول والروافد الأخرى أبدية انها مُلك بدون استثناء بعد ما كان يطلق عليه " بين النهرين " ولطالما سألت حينها عن هذا المعنى " حرب المياه!"  فما وجدت في حينها جواباً شافياً وحتى عندما قرأت سورة الأنبياء " وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ " ربطتها فقط بالشرب دون الاستفادة من فوائد أخرى، وكنت مرات اضحك في سري ايضاً وبسبب سذاجتي وهي ضمن سذاجة الوعي عند الطبقات الكادحة والفقيرة عندما يمر علي خبرا سريعاً بأن الحرب في المستقبل ستقوم من اجل الماء وانا أرى مناطقاً في بلدي تغرق بفيضانات مائية والكميات الهائلة في دجلة والفرات وفي نهر ديالى وغيرهما وما تفعله مياه الامطار التي تهطل في  الشتاء وحتى الربيع، وفي سن ال 13 وبالذات في 1954واجهت  فيضاناً هائلاً وعرفت خطورة المياه التي تهدد بغداد لولا حماية سدة ناظم باشا وتضحيات العراقيين في الحفاظ على السدة  بالعمل المثابر على ردم الثغرات او حمل أكياس التراب ووضعها في مناطق معينة في السدة، وبمرور الأعوام بدأ وعي يتطور ومفهومي لأهمية حرب المياه يتغير ومعرفتي تزداد بمعنى جوهر الحرب وأهمية المياه وتأثيراتها على عصب الحياة في بلادي ولطالما تابعت بتواضع أهمية الحفاظ على دجلة والفرات بعدما عرفت حق المعرفة انهما ينبعان من بلد جار هيمن على العراق حوالي أكثر من 600 عام إلى أن انتهى عام 1922م وكان حكمه باسم الدين الإسلامي وسلبه حقه في التطور العلمي والبناء الجاد، وعندما سقط هذا الجار المريض قامت على اثره تركيا الحديثة بازدياد النزوع القومي بدلاً من الإسلامي تحت طائلة الحضارة الغربية الاوربية وبدلت حروف لغته التركية من الحروف العربية الى الحروف اللاتينية ، اما الجار الاخر ايران ظهر لا يقل طمعاً واستغلالاً عن الأول وبخاصة في مسالة نهج الطائفية واعتقاده ان العراق ملكاً صرفاً  ضمن الامبراطورية الفارسية التي نوهه عنها العديد من قادته الحاليين رجال دين او غيرهم من المؤمنين بولاية الفقيه ولا انسى  احد رجال الدين وخطبته في صلاة الجمعة وهو يضحك بهدوء " ايران أصبحت غير السابق ويعني قبل الثورة " ايران الآن  الحشد الشعبي في العراق وسوريا واليمن ولبنان" تعتبر المعنى من امتداد تأثيرها على هذه الدول.

الجاران تركيا وإيران يشنان منذ سنين حرباً تارة مخفية ـ سياسية ذات أطماع توسعية ولهما اجندة خاصة بهما تعمل داخل العراق وتتدخل في شؤونه الداخلية، وأخرى - علنية تهدد وتتدخل عسكرياً كلما حانت الفرصة، وهنا آمنت بجانب ايماني بنذالة الحروب ومدى خطورتها على العالم والخسائر التي نجمت عن نتائجها ومن بينها العراق بأن أشرس الحروب العدوانية ايضاً هي حرب المياه ولها اتجاهات عديدة منها

- تدمير آلاف الهكتارات الزراعية والبساتين والغابات والتأثير على حياة المواطنين بطرق عديدة ومنها

- الضغط من اجل نقص المنسوب المائي والتجاوز على حقه الطبيعي المنصوص عليه في القوانين الدولية مما يؤدي الى الرضوخ والتنازل عن الحقوق

- تحويل مجاري الأنهار ومنابع المياه وبناء السدود هدف تصحري للبلدان وتوسيع مساحة الجفاف فيها وجعلها تابعة سياسياً واقتصادياً وتجارياً وغير ذلك.

وبجانب ما قامت به الجارة المسلمة تركيا!! فعلته الجارة المسلمة إيران!! بتحويل وبناء السدود وغلق اكثر من نهر وجدول ومنبع مائي يقدر بحوالي 45 نهر ومجري مياه وإغراق مساحات من الأراضي العراقية بمياه المزابل المالحة ونفايات المعامل والمصانع وصبها في شط العرب ، بينما قامت تركيا ببناء السدود بما فيها سد " اليسو " الذي انتهت من بنائه في كانون الثاني 2018 وبمجرد تشغيله بدأ انخفاض منسوب المياه مما خلق مشكلة " لها  اول وليس لها من آخر" مثلما يضرب المثل، وبهذا تكاد مسبحة الكارثة قد اكتملت بعدما حولت وأغلقت ايران مجرى ومنابع الأنهار في أراضيها حيث قال خالد  الاسدي لـ(سكاي نيوز عربية") "بلا شك العراق لايزال لا يمتلك اتفاقية تشاطئ مع تركيا بشكل أساسي، باعتبار منبعين ( دجلة والفرات)  للمياه الأساسية للعراق، المياه التي تردنا من إيران قليلة جدا، باعتبار أنها روافد قصيرة. إيران أيضا لديها سدود وموانع جبلية كثيرة ممكن أن تَحول دون وصول هذه المياه إلى العراق " هذه الحقائق التي تشير الى مدى الاضرار التي لحقت بالعراق واوضاعه وثرواته الزراعية والحيوانية والاضرار البشرية والمخزون المائي وغيرها من الثروات التي تدعم اقتصاد البلاد بسبب النهج العدواني والتجاوزي من قبل الجارتين تركيا وايران وحبسهما للمياه وتحويلها لأراضيهما متجاوزين على الحقوق الطبيعية والقانونية للعراق بهدف الاستغلال والتهديد وتجويع الشعب العراقي،  وأشار في هذا الصدد منصور البعيجي رئيس لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي  محذراً " من ازمة مائية تواجه العراق " ثم بعد انخفاض مناسيب نهري سيروان والزاب* من قبل الجانب الإيراني طالب تحرك الحكومة العراقية لحماية البلاد وحماية الشعب العراقي من سياسة شن حرب المياه بالضغط لاستخدام " الملف الاقتصادي للضغط عليهم لضمان حصة العراق المائية" وفي صدد حماية البلاد فذلك أمر جلل لأن الوضع العراقي في ظروفه الحالية يدل على امر واحد وهو ضعف الدولة ودفاعاتها بسبب المحاصصة والتدخل الخارجي وحكومات جاءت بالفساد والسرقة والتجاوز على المال العام والتطاحن في سباق الهيمنة والسيطرة على مقاليد الدولة وتزوير الانتخابات وتأثيرات الميليشيات والتنظيمات الطائفية المسلحة وبخاصة التابعة لإيران ..الخ فكيف يمكن الحفاظ على مصالح البلاد ومصالح الشعب اذا كانت الدولة لا تستطيع التحكم في أوضاعها الداخلية وهي طيعة للتنظيمات والميليشيات الطائفية المسلحة ومافيات الفساد، وتأكيد الباحث في الشأن العراقي زياد العرار بالقول انه " "عندما تكون الدولة ضعيفة يختطفها جارها الذي لا يسعى أن تكون هذه الدولة بخير، هذا واقعنا مع جيراننا تركيا وإيران. يقطعون المياه ويتلاعبون بكل الأوراق التي يمتلكوها من أجل أن يتم تنفيذ مصالحهم في الداخل العراقي"

هذان هما الجاران اللذان يقطعان المياه عصب الحياة وفي الوقت نفسه يعلنان صداقتهما وتضامنهما ويصدران بالمليارات من الدولارات البضائع والسلع وما يستطيعان اليه من النهب والسرقة والاستيلاء والبضائع الفاسدة ونهج الضغط السياسي بالحصول على التسهيلات التجارية وغير التجارية.

ان حرب المياه التي تنبأ بها الباحثون والمختصون منذ القرن العشرين أصبحت واقع ملموس في الوقت الحاضر، واصبح العراق مهدد ليس بالجفاف فحسب بل الحاجة التي تدفعه بالرضوخ السياسي والاقتصادي وغيرهما للجارين  خلال وقت ليس بالبعيد ، لقد دقت ساعة الخطر للحكومة العراقية والقوى الوطنية المخلصة ولأكثرية الشعب العراقي بأن البلاد إضافة الى ما تمر به من نكوص وتراجع وفقر وادنى من الفقر وتدمير مقبلة على ما هو اكثر كارثية ومأساوية، فجميع القطاعات الحياتية مهددة بالخراب والتدمير والجوع والعطش وبالتالي سيكون عراق النهرين بلا نهرين ولا روافد حقيقية وفي تلك الحالة المزرية سوف يقوم بشراء حتى مياه الشرب وليس الزراعة والصناعة والثروات الطبيعية فحسب، " وأن غداً لناظره قريب **" اذا لم يقم العراق بالدفاع عن نفسه بشتى الوسائل المتبعة في هذا المضمار عن موارده وحقوقه المائية المنصوص عليها في القوانين الدولية والحقوق الإنسانية.

 

مصطفى محمد غريب

....................

* قطع إيران لمياه "نهر الزاب" الأسفل، جعل مخزونات المياه في "سد دوكان" تسجل انخفاضا غير مسبوق

** غدًا لناظره قريب، هي مقولة للنعمان بن المنذر أحد ملوك الحيرة وقالها لأحد وزرائه وكان يدعى قرد بن أجدع وقد كان يعني بها أن انتظار الغد ليس ببعيد على من ينتظره..

 

 

قادة جليدإن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط وتسارع الأحداث في المنطقة وهرولة بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني لا يمكن فهمه أو تحليله إلا في إطار الخطط السياسية والإستراتيجية للإدارة الأمريكية بدأ الترويج لها سياسيا وإعلاميا من خلال مفهوم الشرق الأوسط الجديد بغية تحقيق الهدف الإستراتيجي وهو تصفية القضية الفلسطينية وتحييد كل الدول العربية التي كانت تشكل محور المقاومة والتصدي في الصراع العربي الإسرائيلي .

و في ضوء هذه الرؤية التي أكدتها الأحداث المتتالية والمترابطة لا يمكن فهم ثورات الربيع العربي المزعومة إلا في هذا السياق التاريخي من خلال تفكيك الدول الوطنية العربية ذات البعد القومي من أجل إضعافها وتقسيمها على غرار ما جرى لدولة العراق وليبيا وسوريا وبعث الفتنة والشقاق وإنتاج الأزمات في لبنان لمحاصرة وإضعاف موقف حزب الله المقاوم باعتباره يشكل كابوسا مرعبا ودائما لإسرائيل، وأخيرا وليس آخرا إعلان الحرب على دولة اليمن العربي الشقيق من طرف تحالف عربي مشوه بأهداف عدمية في المنطقة الرابح فيه خاسر تخدم أجندات دولية وعالمية ومن أبرزها إسرائيل المستفيد الأول  في ظل الوضع القاتم والمزري الذي تعيشه الأنظمة العربية التي بدأت تخطط فعلا للبقاء في عروشها خوفا من شعوبها التي قد تثور عليها في أي وقت لأن ساعة الثورات ليس لها عقارب بالنسبة للشعوب المستضعة والمقهورة .

إن هرولة البحرين والإمارات لتوقيع إتفاقية سلام دونكيشوتية مع الكيان الصهيوني لأنها لم تكن معها في حرب حتى توقع إتفاقية سلام مزعومة وتشجيع بعض الأنظمة العربية الأخرى للدخول في هذا المسار المظلم إما بالوعد أو الوعيد، هو من المضحكات المبكيات وهذا عندما تقرأ أو تسمع الحجج والتبريرات التي يبررون بها خيانتهم للقضية الفلسطينية والمتاجرة بها على حساب الدم الفلسطيني ومشاعر العرب والمسلمين وشعوب العالم التي تقر بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة  دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

إن إسرائيل لا تريد السلام مع العرب ولكنها تريد منهم الإستسلام والإنبطاح والتحلل من القضية الفلسطينية وكل القضايا الجوهرية ذات الصلة، لأن إسرائيل عبر التاريخ ليست دولة سلام ولا تؤمن به ولكنها كيان مصطنع مارق لا يمكن أن تعيش أو تستمر إلا من خلال شن الحروب على الدول العربية وقمع الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، فالسلام لا يخدم إسرائيل ولكنه سيؤدي إلى زوالها وفنائها والدليل على ذلك أن إسرائيل رفضت مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية سنة 2002 من أجل تحقيق سلام شامل وعادل بإقامة دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967 وعودة اللاجئين وإنسحاب إسرائيل من هضبة الجولان العربية السورية المحتلة في المقابل إعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل .

إن بعض العرب يتوهمون عندما يعتقدون أن إسرائيل دولة سلام أو يمكن أن تكون كذلك وهم في الحقيقة يعرفون ذلك جيدا ولكن تنقصهم الشجاعة للجهر بموقفهم المخزي والتصريح علنا وجهرا بأنهم ليسوا عربا أو لم يعودوا كذلك وأن القضية الفلسطينية لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد .

إن كل المطبعين الجدد مع الكيان الصهيوني هم عرب ولكنهم يهود جدد بالوظيفة والهدف الإستراتيجي من هذا التطبيع في ظل الضعف العربي والإنقسام والإستسلام هو تصفية القضية الفلسطينية وإستبدال العدو الإساسي والحقيقي والمركزي للعرب والمسلمين بعدو وهمي هو إيران التي تعتبر تاريخيا الخلفية الإستراتيجية للعالم العربي  في إطار العالم الإسلامي الكبير والشامل وهذا ما تخشاه أمريكا وإسرائيل،  لذلك عمدت من خلال شيوخها المعتمدين في المنطقة إلى إذكاء الفتنة المذهبية والطائفية وتقسيم العالم العربي والإسلامي إلى عالم شيعي وعالم سني، من أجل فصل إيران عن محيطها الحضاري والثقافي وبالتالي محاصرة أية دولة عربية أو إسلامية تحاول أن تشيد نهضتها الخاصة لأن ذلك يعمل على يقظة العالم الإسلامي وهذا ما لا تريده أمريكا ولا إسرائيل وخير دليل على ذلك المضايقات والإستفزازات ضد تركيا محاولة لمحاصرة نهضتها رغم أنها عضو في حلف الناتو.

أما جامعة الدول العربية فلم تعد كذلك، بل يصدق تسميتها بجامعة دول الخليج العربي صاحبة القرار الأول في هذه المؤسسة التي أصبحت تخضع لإبتزاز مالي واضح بإعتبار أن المالك للمال هو المالك للسلطة وهو الذي يفرض قراراته على الجميع، أما مصر التي كانت قلعة العروبة والقومية العربية ورقم أساسي وفاعل في المنطقة فلم تعد كذلك، من خلال ظروفها الحالية وفقدت وزنها القومي والتاريخي والإستراتيجي في المنطقة وأعطيت لها مهمة لتنفيذها بإتقان  من طرف الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني وهو مباركة التطييع العربي الصهيوني والتشجيع عليه وشيطنة كل القوى المعادية لإسرائيل.

إننا في المستقبل نراهن على الوعي العربي الإسلامي وعلى قرار الشعوب في إطار وحدة المسلمين جميعا، لأن فلسطين قضية مقدسة تهم كل عربي وكل مسلم بغض النظر عن المذهب أو البلد أو الطائفة وإن غدا لناظره لقريب .

 

الدكتور قادة جليد الجزائر

 

محمود محمد عليلقد شكل سقوط الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية 1299 هـ - 1924مـ) صدمة كبرى في أذهان العديد من مفكري وشخصيات العالم الإسلامي؛ حيث كان يُنظر إلى الخلافة باعتبارها حافظة الدين والداعية له؛ لذا بعد سقوطها انبرى عدد من الشخصيات الإسلامية في محاولة إحياء الخلافة الإسلامية؛ من أجل الحفاظ على الدين والتمسك به، وفي تلك الأجواء السياسية الملبدة بغيوم التعقيدات العالمية وتغيير موازين القوى، أُسست جماعة الإخوان في عام 1928؛ من أجل إحياء تلك الفكرة.

ففي مصر وبالذات في عام 1928م وجدنا الشيخ حسن البنا ينشئ حركة الإخوان المسلمين كأول إسلامي تحزبي يظهر للساحة بعد سقوط الدولة "العثمانية"، وقد استطاعت هذه الحركة الانتشار سريعا بسبب خلو الساحة من الحركات الاسلامية؛ وأما في طهران 1979م فقد وجدنا الخميني يعود من المنفي وينشئ الجمهورية الإسلامية في إيران ، ورغم تباعد الحدثين التقي احسن البنا وورثتهما مع الخميني وأتباعه حول نوع من الأخوية ، جوهره الخروج عن الفكر السياسي الإسلامي التقليدي عبر جعل الشريعة مصدر السلطة بدلاً من المجتمع، حتي وجدنا المستشرق الايرلندي فريديريك هاليداي قبل رحيله أصلا بحثاً يكتب بحثاً رائعاً بعنوان "  إيران والإخوان علاقات ملتبسة ؛ وفي رأيه قللت عقيدة الإخوان بشأن الفوارق بين السنة والشيعة علي اعتبار أن الأمة الإسلامية واحدة بطوائفها ، وساعد ذلك في تقرب الحركة الشيعية وجماعة الإخوان من بعضهما بعضا .

والشواهد علي ذلك أنه في عام 1945، توجه أحد متشددي التيار الديني الشيعي في إيران ومؤسس حركة "فدائيان إسلام" ويدعى نواب صفوي ليجتمع بسيد قطب أحد قادة الفكر الإخواني. وقد مثّلت تلك الزيارة التي قام بها صفوي دليلاً على مدى التقارب بين الجماعتين الراديكاليتين. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أي في عام 1948، قام حسن البنا -مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين عام 1928- بتأسيس جمعية التقارب بين المذاهب الإسلامية، وكانت تلك دعوة صريحة للتقارب بين الجماعات الإسلامية بغض النظر عن توجهاتها المذهبية، حيث كان تنظيم الإخوان المسلمين يرى أن التقارب بين المذاهب الإسلامية عام 1948 ؛ علاوة علي إفتاء رئيس الجمعية وهو شيخ الأزهر آنذاك  وهو محمود شلتوت بجواز التعود بالمذهب الشيعي الاثنا عشري والسماح بتدريسه في الأزهر.

كما وجدنا السيد عمر التلمساني (مرشد الجماعة الثالث) كتب، قائلا عام 1985 بعنوان "شيعة وسنّة" قال فيه: إنّ" التقريب بين الشيعة والسنة واجب الفقهاء الآن، وبعيداً عن كل الخلافات السياسية بين الشيعة وغيرهم، فما يزال الإخوان المسلمون حريصين كل الحرص على أن يقوم شىء من التقارب المحسوس بين المذاهب المختلفة فى صفوف المسلمين".

وكانت دعوة التلمسانى أول خطوة حاول من خلالها الإخوان إحداث هذا التقارب بينهم وبين الشيعة بدعوة أن هذا سيصب فى صالح المسلمين. وفى حرب تموز 2006، التى خاضها حزب الله، اعتلى الإخوان فى هذا التوقيت دعوات التقارب بين السنة والشيعة، عبر دعوات التفخيم من حسن نصر الله، الذى قاموا بتشبيه بصلاح الدين الأيوبى.

وقبل ذلك كان وصول سيد قطب إلى نظرية الحاكمية متابعة لإرهاصات فكرية عند الندوي وعند المودودي بكتاب الأخير “المصطلحات الأربعة في القرآن”1941. هناك تأثرات واضحة بسيد قطب في كتاب فلسفتنا 1959 للسيد محمد باقر الصدر، الذي أسس في ذلك العام حزب الدعوة . وقد تأثر خميني و حزب الدعوة الشيعي كثيرا بافكار وتنظيم الاخوان المسلمين حتى قام خميني بترجمة العديد من كتب سيد قطب ومنهم اشتق اسمه “المرشد الاعلى” الذي ما زال ساريا في ايران.

وأوصى الخميني أتباعه في كافة الدول الإسلامية ـ وبالتحديد المناطق الشيعية التي تحاذي المناطق السنية في إيران ـ بعدم إثارة النعرات الطائفية وتجنب التحريض وسبّ رموز السنة، وإقامة صلاة جماعة مشتركة بين السنة والشيعة، وتأسس حينها مركز سمي”التقريب بين المذاهب الإسلامية” يكاد يكون كتاب “إيران والإخوان المسلمون” للباحث الإيراني عباس خامه يار، من الكتب النادرة التي تناولت بالتفصيل العلاقات بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين، قبل انتصار ثورة الخميني سنة 1979، وبعدها ويكتسب الكتاب أهميته من كون الإخوان المسلمين، أكبر الجماعات السنيّة ذات الصلة الطيبة بالشيعة ومراجعهم ورموزهم.

وهنا وجدنا نظام ولاية الفقيه يشترك مع جماعة الإخوان في العديد من القواسم الفكرية نتيجة للتأثير الكبير الذي مارسته الجماعة على الحركة الإسلاموية الإيرانية منذ «نواب صفوي» وحتى الخميني، ومن دلائل تأثر الحركة الإسلاموية الإيرانية بفكر الإخوان هو قيام المرشد الحالي للثورة الإسلامية «على خامنئي» بترجمة كتابي «في ظلال القرآن» و«المستقبل لهذا الدين» واللذين يعدان من أحد أهم مؤلفات المفكر الإخواني «سيد قطب» إلى اللغة الفارسية.

وتمر الأيام يتغير النظام في مصر ويتغير في إيران، ويتحول إخوان مصر طيارا عن استخدام العنف لقلب الحكم ويسطو الخميني علي ثورة شعبية أطاحت الشاه .. حضر الإخوان إلي العمل في السر وظهر الخميني وصحبه في العلن .. في الظاهر تغيرت الهوية .. وفي العمق حافظ الطرفان علي أخويتهما .. وما حصل حسب عقيدة الإخوان لم يكن تقارباً بين مذهبين ، وإنما بين مشروعين ، غاية كل منهما الإستئثار بالسلطة .. كان التقارب أوجه في تعاطف الخميني مع خالد الأسلمبولي (قاتل الرئيس المصري أنور السادات) عام 1981 ، وإطلاق اسمه علي شوارع طهران .. ولا يخفي أنه كان لفكر الإخوان وأدبياتهم وقع مؤثر فيما مر به إيران ؛ من أماراته ترجمة المرشد الأعلي الحالي " علي خامنئي لسيد قطب " إلي الفارسية ..

غير أن ثمانينيات القرن الفائت كشفت علي أن لإيران أهدافاً توسعية ، تتجاوز مصالحها المشتركة مع الإخوان ، ونتج منها فتوراً لم يؤدي إلي قطع الأواصر بينهما .

ومرت الأيام ووضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها وفارق الخميني الحياة في الثالث من يونيو عام 1989م ، واغتيل رئيس وزراء لبنان " فيق الحريري" عام 2005م ، وجر حزب الله لبنان إلي حرب مع إسرائيل عام 2006م .. وجاءت ثورة الربيع العربي عام 2011 وزادت إيران من تدخلاتها تحت ظل ولاية الفقيه وأطلقت يد حرسها الثوري عمداً علي زعزعة استقرار البحرين والكويت في عام 2912م ، وحركت الحوثيين في اليمن عام 2015م، وألهبت الحدود مع السعودية وألقت بحزب الله ومليشيات شيعية في القتال ( منذ 2013- 2017) إلي جانب بشار الأسد وتهجير مئات آلاف السوريين من بيوتهم وبلداتهم .

والجديد تخبط الإخوان في مواقف متناقضة تعبر عن استياء من الدور الإيراني ، ولكن من دون الوصول إلي حد القطيعة ، بل إن تجديد البيعة لإيران علي نحو مناصرة الحوثيين في مواجهة السعودية  عام 2009م  والانحياز إلي قطر في أزمتها مع السعودية ، والإمارات ، والبحرين ، ومصر .. يدافع الإخوان عن علاقاتهم لإيران بذريعة دعمها مقاومة حزب الله وحماس لإسرائيل .. ويذهب بهم ذلك مذهب التزلف علي حد الرمز الإخواني الراهن لفتحي يكن في قوله :" الصحوة الإسلامية تستمد عقيدتها من ثلاث مدارس: حسن البنا ، وسيد قطب ، والخميني.

إن ارتباطات تنظيم الإخوان المسلمين بإيران لا تقتصر على أفرع التنظيم في مصر أو ما حولها من دول عربية، بل يمتد ذلك إلى منطقة الخليج العربي، حيث لا يخفي عناصر التنظيم والمحسوبون عليه تعاطفهم مع النظام الإيراني أو أحياناً الحديث عنه على استحياء حينما يكون هذا الحديث متعلقاً بجرائم النظام. بتاريخ 28 يوليو 2017، بث تلفزيون أبوظبي برنامجاً وثائقياً تضمن اعترافات عضو تنظيم الإخوان المسلمين القطري محمود الجيدة، وورد فيه أن جماعات الإخوان المسلمين الخليجية قامت بتأسيس ما يسمى مكتب التنسيق الخليجي ليكون مظلة لجماعات الإخوان في المنطقة. وورد في الوثائقي الإماراتي أن المكتب التنسيقي الخليجي يرتبط بعنصر يمثل حلقة الوصل بين المكتب والنظام الإيراني، في دلالة على حجم الارتباط والتنسيق بين الإخوان وإيران حتى على مستوى دول الخليج العربي.

علاوة علي علاقة تنظيم "حماس" بالنظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني هي أفضل مثال على مدى قرب العلاقات بين إيران والإخوان المسلمين. تنظيم "حماس" يمثل ذراعاً عسكرية لتنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين. وقد رفع التنظيم منذ تأسيسه عام 1987 شعار تحرير فلسطين والقدس وغير ذلك، إلا أنه سرعان ما تبين أنه يسخّر جميع عناصره البشرية وقدراته خدمة لأجندة النظام الإيراني، وسرعان ما انكشفت الخيوط والحبال التي تربط أعلى كوادر التنظيم بالمرشد الأعلى الإيراني وحرسه الثوري. ولذلك، فقد عملت هذه الحركة على التحكم بالأوضاع في غزة وما دونها، وأسهمت في إلحاق الضرر الكبير بأمن الدول العربية، ومن ذلك دور "حماس" في عمليات اقتحام السجون المصرية عام 2011 وإطلاق المحكومين من تنظيم الإخوان المسلمين منها، والهجوم على أقسام الشرطة والمراكز الأمنية.

وفي دراسة لأستاذ الإعلام بجامعة بيرزيت في فلسطين محمد أبو الرب بعنوان :" إيران وحماس: ما بعد انتخابات المكتب السياسي "، تناول خطاب حركة حماس، والتحولات المحتملة على منظومة علاقات الحركة بإيران وحلفائها في المنطقة، كحزب الله وسوريا بعيد انتخاب هيئة قيادية جديدة لها في فبراير (شباط) 2017، والتي أفرزت أسماء جديدة لقيادة المكتب السياسي لحماس لم تكن ضمن عضوية المجلس السابق. وتستعرض هذه الورقة المحطات الكبرى في علاقة إيران بحماس، في محاولة لاستشراف طبيعة العلاقة التي ستحكم الطرفين، خصوصاً بعد انتخاب يحيى السنوار لقيادة الحركة في قطاع غزة، فإلى أي حد ستقترب حماس من إيران أكثر في ظل قيادته؟ وإلى أي حد ستتفاوت رؤى قيادتي حماس السياسية والعسكرية من العلاقة مع إيران وملفات المنطقة الساخنة كالأزمة السورية؟ يرى الباحث أن انتخاب السنوار كان مفاجأة للمتابعين للشأن الحمساوي، خصوصاً أن الأخير خرج من سجون الاحتلال عام 2011 في صفقة تبادل الأسرى، كما أنه لأول مرة تنتخب حماس قائداً لها بخلفية عسكرية، فإسماعيل هنية وعبدالعزيز الرنتيسي والمؤسس أحمد ياسين، جميعهم من التيار المدني الدعوي لحركة حماس. كما أن انتخاب قيادة جديدة لحركة حماس وفوز يحيى السنوار فيها ينبئ -دون شك- بتقارب جديد بين الحركة وإيران، وخصوصاً أن السنوار محسوب على التيار العسكري لحماس، الذي لم يبارح مواقفه من إيران وسوريا وحزب الله، خلافا للمواقف السياسية الدبلوماسية لحماس.

وقبل أن ننهي هذا المقال الأول من حديثنا عن خصوصية العلاقة الملتبسة بين جماعة الإخوان والمسلمين والشيعة الاثنا عشرية نؤيد القول بأن تفسير سر العلاقة بين الشيعة الاثنا عشرية والإخوان المسلمين هو ان كلاهما يؤمنا بمبدأ اسلامي : ” التعاون في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً في ما نختلف عليه.” والقاسم المشترك بين كلا الاتجاهين هو” الفكر” الوحدوى المتجسد فى هدف كلاهما تثبيت الإسلام كنظام للحكم أما دوافع الدعم الاميركي للاخوان فهو ياتي من مبدا ” دعم حركة الاخوان المسلمين في كل دولة يختلفون معها "؛ حيث تقوم فلسفة الاخوان وحزب الدعوة كلاهما على الاختباء تحت غطاء المناداة بالحريات وتحقيق العدالة وقمع الظلم ومحاربة الفساد والمظلومية. ويشتركا بسرية العمل واستخدام الاسماء الحركية التنظيمية. إن اغلب القيادات الرئيسية اي المؤسسة والامانة يرتبطون بعلاقة جيدة مع ايران.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عامر صالحجرى الحديث ما بعد 2003 مقترنا بتساؤلات مشروعة هل هناك دولة في العراق، واذا كانت هناك دولة رسمية بكامل مقوماتها فأين هو دورها في تعزيز الأنتماء للعراق كوطن يحتضن الجميع، وهل تقوم الدولة العراقية بكامل وظائفها في الأمن والاقتصاد والسياسة والقضاء وبسط سلطة القانون، وبنفس الوقت يجري التساؤل هل هناك دولة عميقة في العراق تقف خلف الدولة الرسمية وترسم سياستها وتصادر وظائفها  الأساسية، وتفرض منطق القوة على الدولة الرسمية من خلال المليشيات المسلحة  والاحزاب ذات الأجنحة المسلحة والتي تشكل جزء من العملية السياسية الى جانب العصابات الأجرامية المسلحة وسلاح العشائر المنفلت الذي يوازي سلاح الدولة ويقارعها ويهدد الأمن المجتمعي، والأكثر خطورة وتهديد هو التحالف غير المقدس المعلن والخفي للعديد من العشائر مع الأحزاب المليشياوية التي تشكل جزء من العملية السياسية عبر تمثيلها في البرلمان والتي تفرض اجندة مختلفة متعارضة مع السيادة الوطنية للعراق وتقف بالضد من أمنه واستقراره. 

وهناك من الآراء ما ينفي وجود دولة بعد انهيارها في 2003 وكذلك لا وجود للدولة العميقة كمفهوم يقف خلف الدولة الرسمية، وانما ما موجود هو شتات لقوى سياسية لايجمعها جامع ومختلفة بكل شاردة وواردة وذات ارتباطات بقوى اقليمية مختلفة، ولا تؤمن بسلطة الدولة والقانون والقضاء، وغير مؤمنة بالديمقراطية ولا بالتدوال السلمي للسلطة، وان ما يجري على ارض العراق هو صراع شرس لتنفيذ اجندة خارجية عبر عملية سياسية مشوهة أو بقوة السلاح من خلال التهديد المستمر للسلم الأجتماعي، او عبر صفقات من التشويه والتزوير للأنتخابات البرلمانية كما جرى ذلك للأنتخابات التشريعية في عام 2018 حيث حرق صناديق الأقتراع والتزوير وتمثيل شعبي لا يتجاوز 20% من مجموع من يحق لهم التصويت.

في تلك الأجواء والتركيبة المشوهة للبرلمان وضعف شرعيته الشعبية جرى ويجري الصراع مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الذي جيئ به في وقت فقدت القوى السياسية الطائفية والاثنية بوصلتها تحت ضغوطات انتفاضة اكتوبر الجماهيرية ووضعتها على المحك، بل وضعت الاحزاب الطائفية الأسلاموية والأثنية امام مواجهة عسيرة وضغوطات لأيجاد مخرج لأزمة البلاد المستعصية منذ سبعة عشر عاما، والتي اهدرت المال وعم الخراب والفساد وانعدام الخدمات الانسانية الاساسية، من صحة وتعليم وكهرباء وانعدام فرص العمل وخاصة للخريجين، وقد قدر اهدار المال العام ما يقارب 1400 مليار دولار، واليوم حيث تجد الحكومة صعوبة في تسديد رواتب المتقاعدين والموظفين الشهرية، أي انه الأعلان عن افلاس الدولة والحكومة للقيام بواجبات الحد الأدنى من العيش الكريم، وهو تأمين حدود لقمة العيش.

رئيس الوزراء الذي أتي به من توافق شيعي شيعي أولا، ومن ثم توافق شيعي سني وكردي ثانيا، وقد جيئ به على مضض من القوى التي رشحته لأنه مثل خيار الفرصة الأخيرة، وخاصة للقوى الأسلاموية الشيعية، وبالتالي كان خياره هو فرصة تلك القوى للتنصل من مسؤلياتها عن ما جرى من فساد وازهاق للأرواح ومن عبث في الأمن والسلم الاجتماعي، وحين الأتفاق عليه تمت ايضا المصادقة على برنامجه الحكومي في محاربة الفساد وسرقة المال العام والكشف عن قتلة المتظاهرين، وعندما بدأ الكاظمي بخطوات صوب محاربة الفساد او محاولاته لوضع حد للسلاح المنفلت، وهي محاولات الحد الأدنى بل بعضها خجول او محاولات جس النبض، حتى بدأت القوى الأسلاموية التي رشحته لرئاسة الوزراء في حملة مسعورة للتشكيك بجهودة في محاربة الفساد والسلاح المنفلت السائب لدى العشائر وغيرها، وقد أتهم من قبل القوى التي أتت به ووافقت على برنامجه الحكومي بأنه يسعى الى تصفية الحساب والانتقام من بعض القوى الأسلاموية، وان محاربته للفساد تخرج عن السياقات القانونية والقضائية، وأنه ينفذ الأجندة الأمريكية في العراق وغيرها من التهم الجاهزة التي يسوقها من لا يرغب الاستقرار والامن في العراق.

وبعيدا عن قدرات السيد الكاظمي وحدود جرئته ووضوحه في معالجة مختلف الملفات، فأنه لا يمكن لرئيس وزراء ان يعمل دون كتلة برلمانية تسنده وتقف الى جانبه، وخاصة تلك القوى التي جاءت به، ولكن بالتأكيد أثبتت الفترة المنصرمة والقصيرة من حكومة الكاظمي أن من أتى به اراد لنفسه الخلاص من ضغط الشارع العراقي المنتفض، ووضع الكاظمي في فم المدفع وأفشاله بمختلف الوسائل بل وتحميله مسؤولية الفوضى والخراب وغياب هيبة الدولة منذ 17 عاما في آتون الصراعات الطائفية والاثنية وتحميله فشل اكثر من عقد ونصف من الخراب والدمار والفساد.

 لقد سعت أحزاب الإسلام السياسي بعد سقوط الدكتاتورية، إلى تشكيل "دولة عميقة" في الظل ومنظومة متكاملة من شبكات المصالح، تمثلها قوى خفية متسلحة بالنفوذ السياسي والمالي ولديها ميليشياتها وإعلامها، شعارها: السلطة والثروة والنفوذ، قامت بتوظيف الفئات الرثة في المجتمع لديها علاقات ومصالح مشتركة مع دول الجوار، واعتمدت البيروقراطية الإدارية والفساد المنظم للاستحواذ على الموارد المالية وتعزيز مشاركتها في رسم سياسة الدولة، وفق مبتغاها.

تجذرت هذه الأحزاب في مفاصل الدولة المختلفة وأجهزتها، وسيطرت على وسائل الإعلام، كقوة إضافية لتعزيز مواقعها ومواقفها على السواء، وفرضت أجنداتها وفق مرامها ونهجها وأهدافها. وهي التي تتحكم اليوم بالموارد المالية والبشرية، وتعتمد على شبكات الفساد المعشعشة في قلب الدولة ومؤسساتها، التشريعية والقضائية، التي تم إنشاؤها أو السيطرة عليها والتغلغل فيها من خلال استخدام الموارد الطفيلية وغير القانونية، وهي تمتلك سلطة مدججة بالمال والسلاح، تستخدمها من أجل بسط نفوذها لقمع المعارضين والحفاظ على النظام العام.

وفي ظل هذا التعقيد والتشابك في الأجندة والمصالح وانهيار الدولة فقد شكلت قوى الدولة العميقة، وخاصة الأحزاب الطائفية المليشياوية والقوى الأثنية جزء اساسي من واجهة الدولة الرسمية في ابرز مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، مما عقد المشهد الميداني في معالجة الفساد الاداري والمالي والحد من الجرائم وحصر السلاح بيد الدولة وتدهور الأمن حيث تشابك اجندة الدولة الرسمية مع اجندة الدولة العميقة، ومن هنا نفهم صعوبات الكاظمي في الأطاحة بالرؤوس الكبار للفساد والبدأ بالرؤوس الأصغر رغم الصعوبات التي ترافق ذلك والتي ابرزها ضعف الدعم والتشكيك من قبل القوى السياسية الطائفية والمليشياوية ومحاولة افشال جهود الكاظمي وتصويره بالفاشل غير المتمكن او عديم الخبرة.  

قد يدفعنا هذا التشابك بين الدولة العميقة والدولة الشرعية أنه ليس هناك دولة عميقة في العراق إنما دولة سطحية وحكومة ضعيفة تتلاعب بها الأحزاب الشخصيات والميليشيات المتنفذة وهناك حركة انسيابية بين الدولة العميقة والرسمية وسهولة انتقال وخلط اجندة، هذه القوى لا تعمل مثل جماعات الضغط المشروعة في الأنظمة الديمقراطية كما موجود في أمريكا وأوربا إنما تعمل بوسائل مشروعة وغير مشروعة وهي معروفة الصلات والروابط وليست خفية كما في الديمقراطيات العريقة، فمعظم المطلعين يعلمون من هي الجهات التي تقوم بالأعمال الغير مشروعة والتي تصل إلى تنفيذ اغتيالات ضد خصومها وتخريب العملية السياسية وحرفها عن مسارها الديمقراطي والعبث بأصول أللعبة الديمقراطية.

فمصطلح “الدولة العميقة” عراقيا ، يقصد به “صناعة النفوذ” لشخصيات وأحزاب وميليشيات أغلبها مرتبط بإجندة خارجية ويعمل معها لمصلحته الشخصية او لأرضاء الطرف الخارجي وهما ضد مصلحة العراق بالضرورة ، ولا يقتصر ذلك على الفاعل السياسي الشيعي فقط إنما الفاعل السياسي السني والأثني القومي وبعض الأقليات ومن جميع التوجهات التي تبدو متناقضة ، لكن توحدها المصالح الضيقة والتي لها أذرع واسعة وتدخل في جميع المجالات.

وفي وسط تلك التعقيدات في العملية السياسية وبناءات الدولة المشوهة فأن الكاظمي يدخل في لعبة خطرة يفتقد فيها الى حلفاء سياسين من داخل قبة البرلمان، بل أنه يدخل في صراع مع الدولة بملامحها الحالية كما أن الدولة بتشوهاتها تقاتل الكاظمي وتعرقل اقدامه على أية خطوة صغيرة كانت أم كبيرة، بل أنها تخطط لأفشاله، ومن هنا نرى ان تحالفه المرحلي مع المتظاهرين، وتحالف المتظاهرين معه لتقوية عوده هو ضرورة ميدانية وتكتكية لابد منها، وبكل الأحوال تبقى الخطوات القادمة والمتمثلة بالمهام الأتية هي من يعزز فرص النجاح لمصلحة بناء الدولة والتأسيس لظروف اكثر أمنا واستقرار للعملية السياسية، وابرز تلك المهام هي:

أقرارالقانون الانتخابي: وهو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصويت على أغلبية مواده، وان المتبقي تحديد عدد الدوائر وعدد المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي هي محل شد وجذب بين الكتل السياسية حتى هذه اللحظة. وحسب تقديرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشهر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفير المواد اللوجستية.

تعديل قانون المحكمة الاتحادية: لقد أصبح تعديل قانون المحكمة الاتحادية حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامها، لغرض إعادة النصاب لاجتماعاتها، لأنها هي المعنية بالمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة 93 من الدستور العراقي).

حل مجلس النواب: لا يمكن الحديث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بين الكتل السياسية على حل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بطلب من ثلث أعضائه أو من قبل رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وان يكون ذلك قبل شهرين من السادس من حزيران إذا اتفقت الكتل السياسية على هذا الموعد، ليتسنى لرئيس الجمهورية الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق (الفقرة ثانيا، المادة64 من الدستور).

تطبيق قانون الاحزاب السياسية: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ 2015 دون إجراءات حقيقية لتفعيله، وقد جاء ضمن المنهاج الوزاري: التطبيق الكامل لقانون الأحزاب وهو من اختصاص الوزارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك ديوان الرقابة المالية وأيضا يقع من مهام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء هذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بين الكيانات السياسية عند خوض الانتخابات.

نزع سلاح المليشيات السائبة والسيطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولية لمراقبة الانتخابات وتوفير بيئة آمنة للناخبين الى جانب الجرئة الحكومية في الاعلان عن قتلة المتظاهرين وبما يسهم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنين ان الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تبعث الامل وتؤسس لنظام سياسي جديد يعبر عن ارادة المواطن بعيدا عن التزوير والتهديد وسلب ارادة الناخب.

 

د.عامر صالح

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما تقرر طواعية أن تجلس أمام شاشة التلفاز لتتابع الفضائيات المصرية والعربية أي الناطقة باللغة العربية فإنك أمام تنبؤ محتمل وهو أن يتصدر المشهد المصري الراهن مساحة كبيرة من اللحظات الإخبارية والتقارير السياسية المصورة، حتى تظن أن المنطقة العربية لا تضمن دولا أخرى سوى مصر، وتلك المشاهد والتقارير واللحظات الإخبارية السريعة والطويلة تفي بأن تخرج بثمة ملحوظات محددة يمكن توصيفها وتقنينها في عبارات تقريرية إخبارية أيضا لا تحتمل صدقا بالقدر الذي لا يمكن نفيها أيضا سواء إن كان المواطن مؤيدا لنظامه السياسي الرسمي، أو معارضا ومخالفا لكافة سياسات الدولة .

من مثل هذه العبارات التقريرية،  أأنت مع النظام، أنت ضد النظام، هناك ثورة شعبية ضد الرئيس، لا توجد ثورة بل حفنة من الصبية خرجوا في وجه النظام، الشعب يمارس كراهيته المستدامة ضد الشرطة البوليسية إن صح التعبير، الشرطة في خدمة الشعب وتحمل عبء حفظ الأمن والاستقرار، كل القنوات التي تعادي مصر الأيام الراهنة هي بتمويل تركي قطري وتسعى لإسقاط نظام الرئيس السيسي وإضعاف الروح المعنوية للجيش المصري، كل القنوات المصرية الاستثمارية الخاصة تتقمص دور المحامي والدرع والرمح والسيف للدفاع عن النظام المصري القائم ضد هؤلاء المرتزقة . ومنصة تويتر تشتعل بين هاشتاج ارحل يا سيسي، وبين هاشتاج كلنا معك يا سيسي. قناة الجزيرة القطرية المعادية للوطن والمواطن والدولة تثير الفتنة وتبث الرعب والخوف وتحرض الناس على الخروج في وجه النظام، قنوات فضائية مصرية تؤكد أن الوضع أكثر استقرارا وثباتا والمشهد تحت السيطرة.

وهذا المقاول الفنان الفاشل محمد علي في الخارج يمثل دورا هزليا ضعيفا لتحريض الشعب ومطالبته الخروج في ثورة، في نفس الوقت الذي نرى فيه الوجوه الإعلامية التي أقبل بعضها وأرفض الكثير منها يهللون للدولة .

تخيل معي أن كل ما سبق هو ما يشغل المصريون منذ فترة، وأصبح الجميع بين حالتين ؛ الأولى التربص بالآخر، والثانية الخوف من الفوضى التي قد تؤثر على الحياة الشخصية للمواطن، ولاشك أنني أقف في صف النظام المصري لأسباب كثيرة وطويلة من أبرزها أن النظام السياسي القائم هو الذي حمى مصر من الجماعات الراديكالية التي حاولت احتكار مصر وإقصاء الجميع سوى من حالف وناصر وأيد تنظيم حسن البنا .

فضلا عن أنه لا يمكن إنكار حجم الإنجازات التي تمت ولا تزال على أرض مصر ومساحة الحراك المجتمعي والسياسي الذي قاده شباب مصر سواء في الجامعات المصرية أو المنتديات المحلية والعالمية التي احتضنتها مصر، إلا أن ثمة ممارسات وزارية اصطدمت بمطامح الأسر المصرية التي لم تخرج بعد من تبعيات جائحة كورونا الاقتصادية، هذه الممارسات الوزارية لا أعرف سببا مقعنا لي أنها تتم بمنأى عن رؤية الدولة المصرية، وأحيانا كثيرة أظن أن بعضا من إجراءات الوزارات والمؤسسات الحكومية تتم بعيدا عن متابعة ورقابة الدولة لاسيما وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني وأنا وغيري يرون أن هناك تخبطا في السياسات التعليمية وإدارة غير جيدة لملف التعليم في مصر بل أذهب مع الكثيرين في الراي القائل بأن وزير التربية والتعليم وعشرات القيادات التعليمية في مصر لا يفطنون من أمر التعليم والتمدرس ومعالجة الأنظمة التعليمية شيئا وأن الوزارة تبتكر وتخترع سياسات وإجراءات من وجهة نظري كمتخصص في التعليم هي عبثية لا ترتبط بواقع التعليم ودراسات الحالة ولا تفي بمتطلبات التطوير الذي ننشده ولا هي فعلا كفيلة بخلق جيل واع مرتبط بقضايا بلاده، وكذلك بعض الرسوم التي فرضت مؤخرا وربما تمت بدون دراسة أو تخطيط أو مراعاة للبعد الاقتصادي الناجم عن الجائحة الكونية المعروفة بكوفيد ـ 19، وكان المشهد إزاء بعض السياسات الحكومية هو تذمر البعض وتعجب البعض الآخر، وغضب الكثيرين .

ومنها جاءت الدعوات الخبيثة داخل وخارج مصر التي من شأنها كانت تعمل على تعبئة الشارع المصري القابل للغضب في الخروج لتظاهرات لا يعرف مداها ولا يمكن التنبؤ بنتائجها اللهم سوى الفوضى المرتقبة . ومصر عانت تلك الفوضى وقت انتفاضة يناير التي قادتها مجموعات من الشباب غير المؤهل سياسيا أو المدرب على إدارة الأزمات والكوارث وتنظيم جماعة الإخوان الذي وجد في الانتفاضة الشعبية فرصة سانحة قوية لم تتكرر من أجل استقطاب الملايين من المصريين من أجل الوصول إلى سدة الحكم وهو ما تم بالفعل.

وتلك الأصوات التي تدفع الغضب دفعا صوب الشوارع والميادين تركز فقط على أبسط الإحداثيات المجتمعية مثل الغلاء ومشكلات الطعام والشراب، وأيضا تلعب على غضب البعض من التصالحات العقارية المخالفة، رغم أننا لو فكرنا بمنأى عن حالة الغضب الشعبي فإن كل من شيد عقارا بصورة مخالفة فهو أحق بالمساءلة والمحاكمة لمخالفته لقوانين البناء .

لكن الشأن الذي يهمني كمواطن خرج وأيد وناصر الرئيس السيسي في كل خطواته أن يقدم النصيحة حبا للوطن أولا ولمصر العظيمة الذي علمت الإنسانية الحضارة في أبهى صورها، وللرئيس من جهة أخرى تأييدا وقناعة بوطنيته التي لا يمكن التشكيك فيها رغم تلك المحاولات الرخيصة التي يقوم بها المعادون لوطن العظيم.

هذه النصيحة تتلخص في قاعدة سياسية محضة مفادها المواجهة من مسافة النقطة صفر أي المواجهة القريبة المباشرة للأزمات الطارئة والتي تتسبب في إزعاج إحداثيات البناء والنهضة في مصر، هذه القاعدة السياسية تفرض على الأجهزة الرقابية والمؤسسات المجتمعية الرسمية التابعة للدولة أن ترصد وبحث وتؤول حالات امتعاض المواطن من المشهد الانتخابي المنصرم لمجلس الشيوخ ولماذا لم يخرج المواطن للتصويت لهؤلاء الوجوه غير المعروفة، في الوقت الذي أقسم لي فيه كثيرون أنهم لا ولن يتأخرون في أي تصويت لاستحقاق ديموقراطي بحق الرئيس أو الدستور أو مصلحة الوطن، الأمر الذي يدعو للدهشة والإعجاب أيضا في نفس الوقت.

فهم يفضلون الخروج للتصويت فيما يخص الوطن ويرفضون الخروج للتصويت لصالح أشخاص ربما تبدو مجهولة أو مشبوهة التوجه أو محفوفة بالأزمات الشخصية السابقة، والإعجاب أنهم يحبون أن يقفون بجوار رئيسهم في كل استحقاق ديموقراطي يضمن استقرار رأس النظام السياسي، هذه المواجهة القريبة المسافة والمساحة ليست بالضرورة أمنية بل مواجهة سياسية تتطلب الوعي بمطالب ومطامح المواطن المشروعة مع التأكيد على كلمة المشروعة أي التي تخضع للقانون .

وهذه المواجهة من مسافة النقطة صفر تقتضي بالضرورة أيضا تحييد الصورة الإعلامية القائمة لأنها بالفعل تضر بالنظام السياسي أكثر من نفعه وأن تركز على حجم الإنجازات السياسية التي تتم على أرض الواقع وأن ترصد بدقة حجم المشكلات والأزمات والتحديات التي تواجهها مصر وكيف تتحرك الدولة لحلها وإدارة الأزمة كل هذه الأمور من شأنها أن تخفض حدة الغضب للنقطة صفر أيضا وتبعد تفكير المواطن عن تلك الدعوات الخبيثة من أجل التظاهر وشيوع الفوضى في الشارع المصري.

وتقتضي الوطنية أيضا أن تدفعنا لتقديم النصيحة بإعادة النظر في المشهد الانتخابي المرتقب لانتخابات مجلس النواب وتحليل الطرح الإلكتروني على شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر والذي يشير إلى احتقان الكثير من الوجوه المرشحة ومن القوائم الانتخابية الموحدة وهذا التحليل من أجل تصويب بعض الخطوات التي ستتم في المستقبل والتي تعيد تمام الثقة بين المواطن ونظامه السياسي.

إن مصر من قدرها أن تكون محط أنظار الجميع القاصي والداني، المحب والمكره والكاره، الوطني المخلص لبلاده والخائن لأرضنا الطيبة، هذا القدر هو الذي يجعلنا أكثر حرصا على استقراره وثبات نظامه السياسي لاسيما وأنني من الجيل الذي شهد إحداثيات فوضى يناير ويرفض أن تعود بنا الأيام إلى تلك الفترة غير الطبيعية في تاريخ مصر، وإذ أننا ننشد الاستقرار والطمأنينة بين طوائف المجتمع المصري فإنه على النظام المصري أن يواجه تحدياته الداخلية بقدر كبير من الحكمة والرؤية الثاقبة، وخصوصا أن مصر بالفعل تواجه تحديات اكبر وأخطر منها على سبيل المثال لا الحصر أزمة سد النهضة وتعثر المفاوضات المصرية الإثيوبية، والتحرش التركي على الحدود الليبية، وهذا التوتر الإقليمي في المنطقة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق التدريس.

كلية التربية، جامعة المنيا، مصر.

 

 

ابراهيم أبراشالوضع في فلسطين ينزلق نحو مزيد من التدهور، بحيث لم يعد الأمر مقتصراً على مواجهة تحديات الاحتلال والانقسام بل أُضِيف إلى ما سبق تدهور العلاقات مع بعض الدول العربية وجامعة الدول العربية ومحاولة واشنطن وحلفاؤها في المنطقة فرض قيادة جديدة على الشعب الفلسطيني، وقلق من انزلاق القيادة الفلسطينية نحو سياسة المحاور وتحديدا المحور التركي القطري.

الشعب الفلسطيني قد يختلف مع قيادته ويوجه لها الانتقادات على سلوكيات وممارسات يعتقد أنها خاطئة، سواء في زمن أبو عمار أو في زمن أبو مازن، بل يمكن القول إن الشعب الفلسطيني من أكثر شعوب الأرض انتقاداً لقياداته وعدم رضاه عنها ما دامت لم تنجز تحقيق الحرية والاستقلال وإقامة الدولة، إلا أن قيادة مفروضة من الخارج لن تكون قيادة وطنية بل تابعة لمن صنعها وصيَّرها حاكمة.

 ولكن وفي المقابل الشعب الفلسطيني حساس تجاه أية قيادة ذات أجندة خارجية، كما أن الواقع وتجارب الشعب الفلسطيني الطويلة والمريرة مع الأنظمة والحركات العربية والإسلامية أثبتت أن القيادات الفلسطينية منذ الحاج أمين الحسيني إلى الرئيس أبو مازن مروراً بأحمد الشقيري وياسر عرفات وبالرغم من أخطائها هي الأكثر حرصاً على المصلحة الوطنية من أي نظام عربي أو غير عربي.

احترام الشعب الفلسطيني لقيادته الشرعية احترام للكرامة الوطنية ولا يقبل أن يتم اهانتها من أية جهة كانت، وأي قيادة تأتي عن طريق واشنطن والأنظمة العربية المتحالفة معها لن تكون وطنية وستكون مجرد أداة أمريكية وإسرائيلية لتصفية القضية الوطنيةـ وقد رأينا نوع القيادات التي نصَّبتها واشنطن على أفغانستان وعلى العراق بعد الاحتلال مباشرة، وعلى دول أمريكا الجنوبية، ونرى حال جامعة الدول العربية وأنظمتها التي تريد أن تصنع لشعبنا قيادة جديدة.

ولكن، وفي المقابل أيضا هناك مسؤولية تقع على الشعب وعلى القيادة معاً وهي مسؤولية معالجة الخلل في مؤسسة القيادة بما يتطلب من إجراء انتخابات شاملة لأن المؤسسات والقيادات القائمة ينتابها عوار الشرعية ووصلت لطريق مسدود واستمرارها لن يؤدي إلا لمزيد من التدهور، ولأن قيادة جديدة مُنتَخبة ستقطع الطريق على المحاولات الخبيثة لفرض قيادة غير وطنية بزعم أزمة شرعية القيادة الراهنة.

الشعب الفلسطيني بكامله يريد إجراء انتخابات عامة وشاملة لتجديد النخب والمؤسسات ووضع حد للانقسام المدمر، والرئيس أبو مازن استشعر هذا الإحساس الشعبي عندما طالب من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019 بإجراء انتخابات شاملة في فلسطين حيث قال: (قررت بعد عودتي من هذا الاجتماع أن أعلن عن موعد لإجراء انتخابات عامة، وأدعو الأمم المتحدة والجهات الدولية ذات العلاقة للإشراف على إجراء هذه الانتخابات، وسوف أحمل أية جهة تسعى لتعطيل إجرائها في موعدها المحدد المسؤولية الكاملة).

فما الذي جرى حتى اختفت المسألة الانتخابية عن سلم اهتمامات القيادة والأحزاب وكان حضورها هامشيا في اجتماع الأمناء العامين للفصائل؟ ولماذا تجدد الحديث عن الانتخابات في الأيام الأخيرة بتردد بعد شبه القطيعة مع جامعة الدول العربية ومحور الإمارات مصر والسعودية، وما يروج عن محاولة هذا المحور صناعة قيادة فلسطينية بديلة للحالية؟ ولماذا الذهاب لتركيا وقطر لطلب المساعدة في إجراء انتخابات عامة، وتركيا وقطر محور من المحاور المتصارعة في وعلى المنطقة وليست مرجعية لا عربية ولا إسلامية؟

بالعودة إلى خطاب الرئيس في الأمم المتحدة، لا نعتقد أن مشاركة فلسطينيي القدس كان السبب الحقيقي لعدم إجراء الانتخابات، كما أن التذرع بغياب التوافق قبل إجراء الانتخابات ليس عذرا، صحيح أننا كنا نطالب ونقول بأن التوافق أهم من الانتخابات ويجب أن يكون سابقاً لها، ولكن بعد أكثر من عشرة أعوام من الحوارات للتوصل لمصالحة وتوافق وطني بدون فائدة لم يعد مجالاً للانتظار وسيصبح الحديث عن التوافق قبل الانتخابات مجرد حجة للتهرب من الاستحقاق الانتخابي.

نعتقد أن ضغوطاً من بطانة الرئيس تم ممارستها آنذاك على الرئيس حتى يؤجل مسألة الانتخابات، ضغوط من النخب المستفيدة من بقاء الأمور على حالها ومن الذين يخشون فقدان مواقعهم وسلطتهم في أية انتخابات نزيهة لأن الشعب ضجر منهم وفقد ثقته بهم وهم يُدركون ذلك، والتقت رغبة هؤلاء مع ما تريده النخب السياسية في الفصائل الأخرى وخصوصا حركة حماس بالرغم من كل ما أثارته من ضجيج حول رغبتها بإجراء الانتخابات وتحميل القيادة الفلسطينية مسؤولية التهرب من هذا الاستحقاق.

وحتى نكون أكثر وضوحاً وصراحة فبالإضافة إلى الكيان الصهيوني الذي لا يريد انتخابات فلسطينية نزيهة يختار من خلالها الشعب قيادته وتنهي حالة الانقسام فإن قيادات نافذة في حركتي فتح وحماس اللتان تمسكان بزمام أمور السلطتين في غزة والضفة لا تريد الانتخابات وفي هذه الحالة يتقاطع موقفهم مع الموقف الإسرائيلي.

حركة حماس تعلم بأنها لن تحصل على الأغلبية التي حصلت عليها في انتخابات يناير 2006 والتي أهلتها لتشكيل حكومة، وأن تفقد حماس الأغلبية البرلمانية وتتحول لحزب معارضه فهذا معناه فقدان سلطتها في قطاع غزة والأخطر من ذلك بالنسبة لها قطع الطريق على مشروع الإخوان المسلمين الذي تشكل غزة إقليم –قاعدة له، كما أن سيطرة حماس على القطاع لم يعد شأناً حمساوياً أو فلسطينياً خالصا بل أصبح مندرجاً في سياق مشروع أكبر من حماس.

 أما بالنسبة لمنظمة التحرير وحركة فتح على وجه الخصوص، فلا نبرئ البعض من المسؤولين الذين يتنطعون للقيادة والرئاسة بدون انتخابات لأنهم يعلمون أن لا شعبية لهم ولا حظوظ لهم بالفوز بالانتخابات وخصوصا الرئاسية، لذا يسعون لاستمرار الأمور على حالها إلى حين غياب الرئيس أبو مازن ليحلوا محله بدون انتخابات من خلال قرار للمجلس المركزي أو الوطني أو المحكمة الدستورية لتعيين رئيس أو قيادة مؤقتة إلى حين إجراء الانتخابات والتي قد لا تجري لسنوات، وقد يكون قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي خطوة استباقية في هذا السياق.

التحول الجديد في المسألة الانتخابية وما ظهر من خلال زيارة وفد قيادي لتركيا يومه الخميس 24 سبتمبر وبعدها لقطر ومطالبتهما بالإشراف على الانتخابات ورعاية حوارات المصالحة لا يرجع لوعي متأخر بأهمية الممارسة الديمقراطية أو رغبة بتجديد الشرعيات كما يطالب الشعب بل له علاقة بالخوف من تشكيل قيادة بديلة وهو المسكوت عنه أو (الخافي اعظم) في مسألة التطبيع الإماراتي البحريني مع الكيان الصهيوني وموقف جامعة الدول العربية الداعم له وفي توتر العلاقة بين القيادة الفلسطينية وجامعة الدول العربية، حتى الهروب نحو تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) ليس الهدف منه تفعيل المقاومة جدياً وتصعيدها لانتفاضة شاملة، بل له علاقة أيضاً بحسابات مواجهة مؤامرة تشكيل قيادة بديلة، في مراهنة أن تشكيل حركتي حماس وفتح هذه الهيئة القيادية سيلمِع من صورة الوجوه القيادية في الجانبين بما يستعيد بعض مصداقيتها.

وحتى لا تنزلق الأمور إلى ما هو أخطر بما في ذلك أن تصبح القيادة والسلطة جزءاً من المحاور المتصارعة مما يؤدي لفقدان استقلالية القرار الوطني يجب على الشعب الخروج إلى الشارع للضغط على الطبقة السياسية الحاكمة حتى يتم إجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية وبرعاية دولية كاملة وليس طبخ انتخابات تُعيد تكريس نفس الطبقة السياسية الراهنة. ونعتقد جازمين أن إجراء انتخابات أكثر أهمية من تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) بتركيبتها الراهنة والتي يُراد من تشكيلها تحسين صورة الأحزاب ومد سلم النجاة لها للتغطية على مأزقها والنزول عن السلم، وتحويلها لملهاة جديدة تستعملها الفصائل لإلهاء الشعب وإيهامه بأنها تسير على نهج الثورة والمقاومة والانتفاضة وتكريس سلطتها في حالة عدم إجراء الانتخابات!!.

 

إبراهيم أبراش

 

 

 

ناجي احمد الصديقكانت ايران على أجندة الرئيس الامريكى دونالد ترامب منذ الوهلة الاولى، فقد وعد الرجل مؤيديه وهو فى مرحلة الدعاية الانتخابية بان اول ما يفعله حينما يدخل البيت الابيض هو اخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايرانى وقد صدق الرجل وعده واخرج الولايات المتحدة بالفعل من ذلك الاتفاق وكانت تلك هى البداية لضغوط شتى ظل يمارسها ترامب وهو يأمل – كما كان يقول- فى ان تأتى ايران اليه صاغرة لابرام اتفاق جديد يلبى رؤيته ويحقق طموحاته

مضت سنوات طويلة على انتظار دونالد ترامب عمل خلالها بكافة السبل على الضغط المتزايد على ايران بدءأ من فرض العقوبات الاقتصادية والتى ظلت وتيرتها تتصاعد يوما بعد يوم وانتهاءا بإعادة العقوبات الدولية بشكل احادى على ايران بعد ان انتهت فترتها دون ان يجد دعما من حلفاءه المقربين من الدول الاوربية .

لقد وضح ألان تماما اكثر من اى وقت مضى نية الولايات المتحدة الامركية الصادقة فى الضغط على النظام الايرانى مهما بلغت التكلفة حتى يقدم على المفوضات وهو صاغر دون تقيد بالقانون الدولى او اهتمام بمعارضة الدول، وان كل ما قامت به الولايات المتحدة منذ مجىء الرئيس ترامب الى السلطة ينم عن تلك النية الصادقة، ويرى الكثيرون بان الضغوط المتزايدة من الرئيس ترامب على جمهورية إيران هى وسائل تهدف الى إخضاع نظام الحكم الاسلامى فى إيران الى مواضعات الراهن الذى وضعها ترامب بنفسه فى منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي ومن اهمها صفقة القرن التى ستعيد صياغة الحغرافيا السياسية والاقتصادية فى تلك المناطق وانه بات مقتنعا اكثر من اى وقت آخر بان هذا النظام سيكون حجرة عثرة كبير فى طريق هذا الحلم الكبير

لم يكن الرئيس الامريكى فى حاجة على ان يقطع على نفسه وهو فى مرحلة التصويت على الرئاسة بأنه سوف يخرج بامريكا من الاتفاق النووى مع إيران لان الخروج من الاتفاقيات الدولية يحتاج الى دراسات معمقة لمعرفة مآلاته البعيدة والقريبة، كما انه لم يكن فى حاجة الى تهويل الخطر الايرانى فى اعين دول الخليج حتى نشأ فى بواطنها رهاب ايرانى هو اقرب الى رهاب المرضى الذين يتصورون الخطر تصورا هو ابعد ما يكون من الحقيقة، ولكن ها هى الايام تثبت ان كل ما فعله الرئيس الامريكى تجاه النظام الايرانى كان يهدف الى إخراج نظام الملالى من المشهد الاقليمى لان ذلك المشهد قد اخذ فى تصوره مجتمعا منسجما بين دول الخليج من جهة ودول الشرق الأوسط من جهة اخرى وواسطة عقده إيقونة الشرق أوسط دولة اسرائيل اليهودية. فنظام الملالى فى أجندة ترامب هو نظام بال لن يفيد الدول المعاصرة التى يتصورها ترامب ولن يفيد الانفتاح الذى يخطط له لتنداح العلاقة مع إسرائيل من المحيط الى الخليج وتضيع فلسطين لتى يقاتل من اجلها عباس وهنية، وتبرز الى الوجود فلسطين اخرى منزوية فى ركن قصى متكئة على زراعى اسرائيل وومعتمدة على المنح والمساعدات ويعيش اهلها فى رغد وسلام واستسلام .

كان وما يزال فى أعماق الرئيس ترامب شئ من حتى تجاه نظام الحكم الاسلامى فى إيران، فإيران هى الدولة الوحيدة فى العالم التى قامت بتهديد الدولة العبرية تهديدا يستهدف وجودها على هذه الأرض وان تناسى قادة إسرائيل كل الهزائم والانكسارات التى تعرضوا لها فى حرب أكتوبر 1973م فأنهم لن يتناسوا ما أطلقه النظام الايرانى من تصريحات علنية بأنهم سيمحون اسرائيل من الخريطة، وإسرائيل هى اكثر من يخشى مثل تلك التهديدات لأنها تعلم بأنها قامت على ارض مغتصبة وان صاحب هذه الأرض يتربص بها فى كل ساعة وجين. ولعل دخول الرئيس الامريكى الى البيت الأبيض محمولا على أكتاف اليهود هو ما يجعله يزداد إيمانا بانه لا امان لإسرائيل الا بزوال النظام الذى يحكم إيران اليوم

كان مؤملا من الرئيس الامريكى استعمال كافة الوسائل التى يتيحها له القانون الدولى فى الضغط على ايران ولكن لم يكن مرجوا منه – برغم ازدراءه المستمر للقانون- ان يختلق الأحابيل ليرغم بها المجتمع الدول للوقوف ضد إعفاء إيران من العقوبات الأممية التى فرضها عليها مجلس الأمن الدولي بقرار منه، فبموجب ذلك القانون فان العقوبات الدولية بحظر تصدير السلاح سترفع بحلول اليوم العشرين من سبتمبر 2020 ولكن الرئيس الامريكى يرى ما لا يراه الناس فأعلن منذ وقت مبكر انه لن يسمح برفع تلك العقوبات بل وقام من فوره بتكليف وزير خارجيته لاقتراح مشروع قرار فى مجلس الامن يمنع رفع العقوبات ولكنه منى بهزيمة تاريخية برفض جميع الدول الأعضاء ذلك القرار ما عدا دولة واحدة ومع ذلك فقد تواصل سعى الإدارة الامريكية لاستمرار الحظر واعلن بومبيو ان الولايات المتحدة ستلجأ الى آلية (سناب باك) المضمنة فى الاتفاقية النووية وهى إعادة فرض تلك العقوبات بالرغم من انه قام بالانسحاب بإرادة منفرة منها فى عام 2018 فور تسلمه سدة الحكم.

لم تكن إيران ببعيدة عن السعي المحموم للرئيس ترامب بتطبيع العلاقات بين اسرائيل وبعض الدول العربية .. بل يمكن القول بان من بين أسباب اختيار الإمارات العربية والبحرين كأول تلك الدول هو ايجاد موطئ قدم لإسرائيل داخل منطقة الخليج العربى لمراقبة الأنشطة الإيرانية عن قرب بل يمكن ان ان نمضى اكثر من ذلك ونقول ان الإمارات والبحرين ما كانت لتنصاع لرغبات الولايات المتحدة بالتطبيع مع اسرائيل لولا تضخيم امريكا للبعبع الايرانى من جهة وتهديدها برفع الحماية العسكرية منها من جهة اخرى .

إيران اذا فى عين العاصفة الاميركية دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا فقد ظل سيف العقوبات يزداد حدة يوما بعد يوم تماما كما ظل التصعيد العسكري ينحو نحو الارتفاع بعد ان توجهت حاملة الطائرات الامركية نحو الخليج العربى فى إشارة واضحة بان الخيار العسكري أصبح مطروحا هو الأخر وهوعين ما قاله الرئيس الامريكى بان اى تهديد او اعتداء ايرانى على امريكا سيقابل برد مزلزل

فهل يستطيع الرئيس الامريكى إخضاع نظام الحكم فى إيران ليوقع صاغرا على اتفاق نووى جديد برؤية ترامبية محضة ؟؟ ام ان تحمل ايران لقسوة تلك الضغوط ما زال حتى الان فى مراحله الاولى؟؟

 

ناجى احمد الصديق الهادي - السودان

 

رائد الهاشميكما عودتنا الطبقة السياسية في تفضيل مصالحها الشخصية دائماً على مصلحة البلد والمواطن تم مصادقة قانون موازنة عام 2020 من قبل الحكومة بعد مرور تسعة أشهر على موعدها المقرر ودفعت بها الى قبة البرلمان لتدخل في دهاليز الخلافات والمصالح والصفقات السياسية المريبة والخلافات الأزلية مع الاقليم لغرض المصادقة عليها رسمياً لتصبح نافذة المفعول والتنفيذ، وهذا ليس غريباً علينا ففي كل عام تتكرر مهزلة تأخير اقرار قانون الموازنة ونشهد المهاترات والخلافات السياسية وتتسرب أخبار الصفقات المريبة خلف الأبواب المغلقة بين الكتل السياسية لغرض الحصول على المكاسب الغير مشروعة والتي تكون دائماً على حساب الوطن والمواطن.

السيد الكاظمي رئيس مجلس الوزراء اضطر الى المصادقة على الموازنة والاسراع بدفعها الى البرلمان ولم يترك الأمر كما حدث في عام 2014 لعدة أسباب أولها لضمان ديمومة رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية للأشهر الثلاثة المتبقية وثانياً للحصول على غطاء قانوني للاقتراض بمبلغ سبعة وعشرون تريليون دينار لتغطية نفقات الموازنة الضرورية وثالثاً لضمان الايفاء بوعوده التي قطعها للشعب وأهمها الدرجات الوظيفية لبعض الشرائح التي وعدهم بالتعيين أمام وسائل الاعلام،وبدون المصادقة على الموازنة لن يستطيع أن يعين مواطن واحد في هذا العام، ورابعاً لكي تتمكن حكومته من العمل بحرية تحت غطاء قانوني ومالي لاجراء التغييرات المختلفة التي أعلن عنها في عدة مناسبات.

اقرار موازنة عام 2020 أثبتت حقيقة دامغة وهي فشل الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ عام 2003 ولحد الآن في ادارة البلد وخاصة الملف الاقتصادي وأثبتت عجزها وفشلها في اخراج الاقتصاد العراقي من عباءة الاعتماد الكلي على النفط في تمويل موازنة البلد وفشلها في النهوض بالقطاعات الاقتصادية الأخرى والتي بالامكان الاعتماد عليها في تعظيم موارد الموازنة وتقليل الاعتماد على النفط وخاصة القطاع الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي.

جاءت أرقام الموازنة مخيبة للآمال ومقلقة حيث بلغت حجم النفقات الكلية 148 تريليون دينار فيما بلغت حجم الواردات الكلية 67 تريليون دينار وبذلك أصبح العجز أكثر من 81 تريليون دينار وهو أعلى رقم بلغه العجز بتاريخ البلاد، ومن الطبيعي أن تكون الموازنة خالية من أية تخصيصات استثمارية بسبب الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد نتيجة انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا.

التحديات الاقتصادية القادمة على البلد خطيرة جداً وحجم المشاكل الرئيسية يتضاعف ومعدلات الفقر والبطالة والأمية تتضاعف بشكل مقلق والنقص في كل الخدمات الرئيسية لازال قائماً والقدرة الشرائية للمواطن العراقي في هبوط مستمر وعجلة الاستثمار والبناء متوقفة وحجم الديون الخارجية والداخلية وفوائدها في صعود مقلق.

الخروج من هذه المآزق الكبيرة يتطلب وقفة ونيّة جادة من الحكومة الحالية أو من الحكومات القادمة في وضع خارطة طريق جديدة ورسم خطط تنموية حقيقية تتضمن توقيتات زمنية دقيقة للاسراع بالنهوض بالقطاع العام والقطاع الخاص والمختلط واعادة الحياة للقطاع الصناعي والزراعي والسياحي ومن الممكن الاستعانة بالاستثمارالأجنبي والمحلي ووضع أسس حقيقية للاستثمار وتوفير الحماية الكاملة للمستثمرين من الفساد والتهديد وتقديم كافة التسهيلات في المعاملات الاستثمارية وكذلك التأكيد على مبدأ احتضان القطاع الخاص العراقي بشكل حقيقي وتذليل كافة العقبات والصعوبات أمامه وفسح المجال له لأخذ دوره الحقيقي في بناء البلد وتحريك الاقتصاد العراقي واستيعاب جيوش العاطلين من الشباب.

أخيراً أقول بأن البلد مقبل على هاوية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي،  والشعارات والتصريحات الاعلامية الرنانة لن تنقذ البلد من الخطر،بل نحتاج من حكوماتنا وبرلماناتنا الى نيّة حقيقية وولاء حقيقي للوطن وتخطيط علمي سليم وضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين لكي ننقذ بلدنا الحبيب وشعبنا المسكين الذي أثقلته الهموم والمعاناة وبدأ صبره بالنفاذ.

 

د. رائد الهاشمي

باحث وخبير اقتصادي  

 

 

عدنان ابوزيدصورة الكمامة أصبحت من مبدئيات المشهد اليومي في أغلب دول العالم، يتخذ منها الناس، حائط صدّ أمام فايروس كورونا، ومن المرجّح انها ستبقى لفترة طويلة تغطي الأنوف والافواه، متناغمة مع موجة تظاهرات عالمية تنتقد "تكميم" الأصوات المعارضة حتى في أكثر الدول عراقة في الديمقراطية، ولعلها مصادفة، لا ميعاد، حيث كوفيد 19 يتزامن مع احتجاجات عالمية، ليختلط مفهوم "التكميم" بين الصحة والسياسة، وحيث مفردة الكمامة، مقتبسة في الأصل من الفعل كَمَّمَ، الذي يعني في العربية، الستر، والسد، والمنع.

وقبْل الكمامة، التي يُؤرًّخ لظهورها في العام 1897 على يد الجراح الفرنسي بول بيرغر، كان هناك "تكميم" الافواه، لتحصين الأنظمة من عدوى تفشي الرأي المعارض الذي يفضح الملفات ويكشف الأسرار.

ومن دون مزاوجة قسرية، في المفهوم، فان من الواضح ان اللغة المشتركة بين الصحة والسياسة، هي الفايروسات التي تصيب الجسم، والخطاب الذي يستهدف العقول، وفي كلا الحالين، فانّ الفم هو المطلوب تحت شفرة المقصلة.

الذي اكتشف الكمامة الطبية، لم يكن يجهل تلك القطع القماشية التي يضعها المتظاهرون في انحاء العالم على أفواههم، احتجاجا على سياسات خنق الأصوات وحرية الرأي، وربما لاحت في مخيّلته مشاهد الأفارقة الذي يرتدون الكمامات وهم يجتاحون الغابات للصيد، وثورات العبيد في القارة السمراء، الذين خيّطوا أفواههم احتجاجا على القمع والعبودية.

 حصد وباء الإنفلونزا الإسبانية نحو 50 مليون شخص بعموم العالم قبل نحو قرن من الزمن، عاش فيه العالم رعبا حقيقيا، أدى الى فرض حرض التجول، وأغلِقت الأماكن العامة والأسواق، والطرقات، وانتشرت شرطة خاصة تفرض العزل القسري، وألزمت حكومة سان فرانسيسكو، السكان ارتداء الكمامة في أكتوبر 1918، وحين انتهت الأزمة، لم تنحسر هذه القطعة التي تغطي نصف الوجه، اذ ارتداها الآلاف من المتظاهرين من جديد في احتجاجات على السياسة المحلية، في قمع حرية الرأي، وتكميم الأفواه.

في ذلك الوقت، اعتبرها الناس انتهاكا للحريات العامة، وتأُسّست رابطة تحت اسم "ضد الكمامة" رافقتها احتجاجات وعصيان، وعدوها أداة فاعلة ضد الحرية، وكان ذلك نتاج عدم الثقة بين الشعب والسلطات، وما ينجم عنه من شك وريبة من أي اجراء حكومي، حتى لو كان غرضه، صحّيا بحتا.

بسبب الحساسية السياسية للكمامة، أمر مجلس الصحة في ولاية أيوا الأمريكية، بتصنيع أقنعة قياسية، تتيح الكلام الواضح، وتم رسم الهامش العلوي بإحكام فوق جسر الأنف، مباشرة تحت العينين، فيما اكد التعليمات على ان هذه الكمامات غرضها صحيّ بحت، في إشارة الى ضرورة تجنب اللغط والشك، وفيما اذا هناك دوافع سياسية للانتفاع من أزمات الوباء.

 في 17 سبتمبر 2019 وصف الصحافيان برنارد كين، وجنين خليك، الحكومية الكندية الفيدرالية، بانها "نظام كمامات"، ولم يكن القصد من ذلك، سوى التبرم من قيود الحريات.

 ينتهي المطاف بالكمامة الى تحوّلها الى شاكلة اجتماعية ترفية، اذ ظهر الكثير من المترفين والاثرياء والمطربين في

أقنعة باهظة الثمن، وتحولت لدى بعض الساسة الى رسائل عبر رسوم وتصاميم في رموز من الألوان والاعلام.

 ظهر يساريون في فنزيلا بكمامات حمراء، وارتدى مناصرو حزب الخضر، كمامات خضراء، وارتدت ماكرينا أولونا نائبة رئيس حزب فوكس الاسباني اليميني المتطرف، الكمامة الخضراء العسكرية.

الرئيس إيمانويل ماكرون، صبغ كمامته باللون الازرق، مفتخرا بانها فرنسية الصنع في حديثه لتلاميذ المدارس، وفعل وزير الخارجية الإيطالى لويجى دى مايو، الأمر ذاته، لكنه تعرّض للانتقاد للريبة في الأغراض السياسية لسلوكه.

في العراق، سبقت الكمامة، كورونا، وُتظهر الصور، متظاهرين، ارتدوها قبل هلع الفايروس العظيم، وحين استفحلت العدوى، تحدى المتظاهرون، السلطات بنزعها والتوجه من جديد الى معاقل الاحتجاج، بل ان البعض شكّك في أغراض سياسية وراء الإعلان عن توسع انتشار المرض.

 

عدنان أبوزيد

 

 

عبد الجبار نوريوهل ينسى العراقيون جريمة نفق الشرطة ببغداد في أبادة عائلتين بكاملهما عددهما 14 نفس عراقي عام 2005، وهي واحدة من تلك الشركات المشبوهة في التهريب والأغتيالات والتدخل في حرمة السيادة الخارجية والأمن الداخلي، والذي أثار قلق الشارع العراقي تعليمات السفارة الأمريكية في بغداد تعلن: عودة مؤسسة بلاك ووتر السيئة الصيت للعمل في العراق !؟ .

والكارثة أن العراق ألزم نفسه بقانون سنهُ بنفسه للأعتراف بتلك الشركات الأجنبية الأمنية في أقراره في البرلمان العراقي في 26 كانون الثاني 2017، وهو التخبط السياسي العشوائي بعينهِ، وبناءً على ما أقرّهُ مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية أستناداً إلى أحكام البند (أولا) من المادة (61)  والبند (ثالثا) من المادة (73) من الدستور العراقي النافذ في 2005 بسنْ " قانون الشركات الأمنية الخاصة " Private Military and Security Companies في 26 كانون الثاني2017 جرى التصويت في البرلمان العراقي على أقرار عمل هذه الشركات الأجنبية في مجالات عسكرية ومؤسساتية وخدمية أستناداً إلى القرار البرلماني . 

وهكذا قد أقرّ وشرعن من قبل العراقي نفسهً، وللأسف فتح باب الشركات الأمنية الخاصة ربما هو جرحٌ  جديدٌ غائر قد لا يندمل في جسم الوطن المثخن بالجروح من أسهم الغدر الأقليمي والدولي وحتى من (بروتس العراقي) الذي شارك في طعن وطنه العراق في زج أرضه وشعبه في الشبكات العنكبوتية لمتاهات المستعمرين بصيغة العولمة والحداثوية السياسية والعسكرية وممارساتها الوحشية التي يتستر عليها البيت الأسود الأمريكي، ومن أهم الشركات الأمنية الخاصة العاملة والتي جدد العراق عقود عملها في مطلع 2017 هي : بلاك ووتر الأمريكية، تيتان العسكرية، واين كرون، أنترنشنال تربيل كانوبي، وشركات بريطانية مثل : شركة آرمر كروب، ووايجيس ديفينس سيرفيس البريطانية، وقد دخلت هذه الشركانت الأمنية إلى العراق عقب الأحتلال الأمريكي للوطن عام 2003 وما رافقهُ من هشاشة أنهيار أمني، وخاصة حاجة الهيئات الدبلوماسية وشركات الأستثمار، لذا أن أكثر من 60 شركة أمنية أجنبية تعمل في العراق غالبيتها في بغداد والبصرة وأربيل والسليمانية . 

المعطيات التدميرية المرعبة للشركات الأمنية الخاصة !!!

-الكل يعلم التأريخ الأسود لشركة بلاك ووتر الأمريكية السيئة الصيت والتي قتلت 14 مدني عراقي وجرحت 18 آخرين في أطلاق نار في 16 أيلول 2007 في أحدى ساحات بغداد على أناسٍ لم يكونوا أهدافاً مشروعة، ولم يكونوا يمثلون أي تهديد حقيقي بل هو الحقد الأسود والكراهية للمخابرات الأمريكية تجاه الشعوب المقهورة بدليل أعترافات العسكري المتهم بالقضية (سلاتن) أمام محكمة المحلفين الأمريكية والذي حُكم عليه بالمؤبد قال: أني غير نادم على ما فعلت لأني أثأر أنتقاماً من العراقيين المشاركين في أحداث سبتمبر 2011، بعد فضيحة هذه الشركة في العراق سُلطتْ الأضواء على دور الشركات الفاحشة والذي يتضح أن هذه الشركات وراءها أجنداتٍ أجنبيةٍ تروّج لها أعلامياً في أسواق نشر السلام على الطريقة الأمريكية وعلى ما يظهر أن هناك العشرات من المعاهد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا تروّج لقوة هذه الشركات الأمنية الخاصة بأن لديها معدات ألكترونية في أستخدام الطائرات بدون طيار، وأن هذا الترويج الأعلامي هو ليس فقط لأغراض عسكرية بل لعقد صفقات تجارية مع تلك الدول التي تعاني من صراعات سياسية وأجتماعية وضعفٍ في البنية الأمنية والعسكرية، وان لها كيانات تجارية خاصة تقدم خدمات عسكرية وأمنية وهي أحدى تجليات العولمة الأقتصادية العسكرية والأمنية والسياسية . 

- أنفاق هائل وكبير في أستهلاك الدخل القومي على حساب الموازنة التشغيلية، وغياب الرقابة الحكومية على هذه الشركات حيث يتخلل الغش والتلاعب في حساباتها لصالحها النفعي والربحي، وقد وصل أجور المرتزقة في الشركات الأمنية إلى ألف دولار في الساعة، والقناص المحترف من هؤولاء الميليشيات يتقاضى 15 ألف دولار يومياً . والكارثة الكبرى أن من بين بنود الأتفاقية الأمنية مع تلك الشركات هي (حصانة) الجنود من الملاحقة القانونية لأي جرمٍ يرتكبوه، وأن القضاء الأمريكي هو المرجع الوحيد وليس القضاء العراقي علما أن الحكومات العراقية بعد 2003 مسلوبة الأرادة تجاه المحتل ولا تستطيع محاسبة المحتل على جرائمهِ، وثبت أن لهذه الشركات معسكرات تدريبية وسجوناً داخل العراق لا تخضع للقوانين المحلية وهو ما يشكل تهديداً وخرقاً للسيادة الوطنية والتي هي هيبة الدولة لأفتقاد تنظيم قانوني لنشاط هذه الشركات، وأن الأعتماد على هذه الشركات الأمنية تؤدي بالتالي إلى أهمال الأمن الوطني وتدهوره وضياعهِ . 

- تدخلات عسكرية بحجة تقديم خدمات عسكرية لوجستية بمثابتة تأثيرات سيادية على هيبة الدولة السياسية والدبلوماسية، أضافة إلى فقدان لأحتكار الحكومي للسلطة العسكرية جراء تدخل الشركات الأمنية في مهامها العسكرية، بل ذهبت أبعد والأبعد في أقحام نفسها في بؤر النزاعات المسلحة والتي تعتبر شركة بلاك ووتر أبرز مثال لهذه الخطوة الخطيرة حيث شاركت في الأعمال العسكرية في العراق وأفغانستان لصالح الجيش الأمريكي، وتمتلك هذه الشركات قاعدة بيانات نحو 21 ألف جندي سابق من القوات الخاصة فهي طبعاً تعتبر تهديداً للأمن القومي للعراق، علما أن هذ الشركات الأمنية لها صلات غير مباشرة وقد تكون مباشرة بقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا وأفغانستان وغوانتنامو وهي حاملة فايروس الأنتقام من العراقيين الذين قتلوا أكثر من ستة آلاف من المارينز وجنود الأحتلال الأمريكي على يد رجال المقاومة الشريفة .

هذا ويمكن أن يذهب الحقد أبعد أنتقاماً من أحداث سبتمبر 2011 تحت شعار السي آي أي (التزوير السياسي) في تبرير أحتلال العراق وأفغانستان، وأن هذه الشركات الأمنية تنتشر ضمنها الميليشيات الصربية أصحاب الخبرة في الأبادة العرقية ضد الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك، وكذلك رجال من شرطة جنوب أفريقيا والتي لها خبرة في أبادة اللون الأسود، ومن شرطة ساوباولوا شركاء العصابات المنظمة في بيع البشر والمخدرات وترويج الدعارة عبر الموانيء الخطرة للعالم، وأن أغلب المشتغلين ضمن هذه الشركات الأمنية الخاصة هم من المرضى النفسيين أو المرتزقة ومن بقايا النظم العنصرية في أفريقيا فهم قتلة بالأيجار، وأن القوانين الدولية وأتفاقيات جنيف للحروب لا تنطبق عليهم أي ليس هناك ما يعرقل تصرفاتهم، وللعلم أن الشركات العسكرية الخاصة تحتل مرتبة متقدمة في أسهام العسكرة الأمريكية والبريطانية في العراق اليوم .

الخاتمة/ لا يليق بنا سوى صرخة بوجه الباطل فليكن شعارنا قول سيد البلغاء الأمام علي " لا أبقاني الله أن أبقيت عدوي خلفي " الكل يعلم أن هناك خاصية لأرض العراق التي ضمت بجنباتها عظماء الرجال كتبوا صفحات الظالمين والعتاة بوجوه متعددة، وأن وراء أحياء هذا القانون العدواني وفرضه هم شلّة من سياسيي الفرهدة ونهب المال العام بحجة أعمار العراق وهو بالحقيقة أفقار العراق وأهانتهِ وسلب ما تبقى من ملابسه الداخلية ليبرروا للمحتل بقاءهُ بعد تلميع صورته، يا لهُ من وطنٍ مضرج بأشعار محمود درويش ورؤى نجيب محفوظ وحزن كنفاني، أو كما كتب الكاتب المتألق " عزيز دفاعي "{أن حكوماتنا اليوم أما هم خارج الحدث أو ينامون في كهفٍ معزول أو أنهم غير مدركين ما يرسم للعراق} . 

 

وأضيف : السياسيون في العراق يفتقدون المشروع المستقبلي، وهم اليوم من يؤجج النعرات الهوياتية والشعبوية، ودخلوا إلى تبني هذه الشركات من باب المساومة والأبتزز وأستعمالها كورقة ضغط على الحكومة المركزية . 

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب

 

جواد غلوممن غرائب ما يجري في بعض أوساطنا الاجتماعية وبتأثير من الاوساط السياسية العربية وبالذات في العراق الان وفي لبنان وسوريا وبدرجة أقل في البلدان الاخرى انك ترى كثيرا ممن يشتم الطائفية ويلعنها ويبدي مساوئها، لكن قلبه يفيض بها وتحنو نفسه الى طائفته متمرغا في ترابها الملوث بالكراهية للآخرين كمن يأكل ورق الخسّ وينسى سماده الذي توغل في وريقاته يعلكها بأسنانه منتشيا زابدا ماءً يسيح حقدا وانتقاما وعداوة للأطراف الاخرى وكما يعلم العراقيون وقد يجهل أبناء بقية الدول العربية ان سماد ورق الخسّ هو من الفضلات البشرية " الخراء " ولا شيء غيره لينمو ويكبر وترتوي أوراقه من تلك الفضلات .

 فالطائفية سواء ان كانت عِرقية أو دينية أو مذهبية يمكن توصيفها انها رائحة كريهة تنبعث من فم حاملها دون ان يشعر ويعلم بنتانتها ويحسّ بعفنها لكن القريبين منه الذين يسمعون انبعاثات لسانه يشمّون ما فاحت من جيف الحقد والضغينة والبغضاء.

فالعقل حين يضيق ينحو منحىً طائفيا لأن الوطن أكبر بكثير من الطائفة التي لا تعدو ان تكون كيانا دينيا او عِرقيا أو تمذهبا لفئةٍ معينة؛ فمن يختار ان يكون طائفيا لا يمكن ان يكون وطنيا مخلصا لبلاده ابدا ، فالطائفي الضيق الصدر ابعد مايكون عن عقيدة حب الوطن المقدسة وكلما تفاقمت الطائفية واشتد اوارها برزت العنصرية قرينا لها وليس بعيدا عنّا تجربة جنوب افريقيا والتي عانت طويلا من نظام " الابارتيد " الموغل في العنصرية قبل ان يتوحّد سكانها البيض والسود بزعامة نلسون مانديلا.

 نقول لساستنا "الكرام جدا" ان الوطن اكثر اتساعا واكبر بكثير من الطائفية ولمن يريد ان يرهن نفسه للعمل من اجل الوطن فلينسَ الطائفية والتمحور لهذه الفئة او تلك.

اكتب عن هذه الظاهرة المقززة وانا أسمع في الوقت الحاضر دعوات لأحيائها والتعويل عليها والنفخ في رمادها لإشعالها مرة اخرى بشكل أشدّ سعيرا مما كانت في السنوات السابقة المريرة التي ذاق أهلنا طبختها العفنة السامة القاتلة قبلا .

ولمن يريد الرقيّ والنماء لعراقنا ديمقراطيا فليطمر الطائفية في أعمق غور لأن الديمقراطية عمادها المواطنة والسواسية بين السكان بلاد على اختلاف مللهم ونحلهم ومشاربهم وأعراقهم وعقائدهم فالتمحور الطائفي لا يؤسس دولة عدلٍ كما ان الدولة التي تنشأ وتتأسس على نظام طائفي تخلق أزمات طائفية حتى تستمرّ ويبقى الوطن عرضة لأزمة اثر أخرى الى أن يصل الأمر الى استحالة العيش المشترك بين مواطنيه .

من هنا يبدأ النزوع نحو التقسيم والتفتت والتشرذم والمحاصصات على طريقة هذا لرهطي وهذه لفئتي كما يحصل الان فذلك الموتور يدعو الى اقليم سني وذاك يهيئ نفسه للاستقلال بذريعة استحالة العيش المشترك مثلما حصل سابقا في السنوات التي تلت الاحتلال حين دعا بعض سياسيينا الغارقين في الطائفية الى تكوين كيان لطائفة معينة على شكل اقليم فيدرالي او كونفدرالي في وسط وجنوب العراق والأمر لا يعدو كونه حنكة سياسية امريكية المحتوى جاءت بمشروع التقسيم للسيطرة والتحكّم بالكيانات الصغيرة التي ستنشأ لاحقا وفق ما جاء به اليانكي الاميركي الديمقراطي (جو بايدن) في مشروعه الخبيث الطويّة قبل عدة سنوات ؛ تماما كما وصلتنا هدية الديمقراطية الملوثة بالطائفية واتضح بعد فتح غلاف سيلفونها الجميل ظاهريا فاتضح انها هدية مسمومة أطاحت بشعبنا العراقي وملأت أحشاءنا بالأوجاع والقيء الى يومنا هذا ؛ والخوف  كل الخوف ان يفوز هذا البايدن في الانتخابات الاميركية المقبلة ويعود الى برنامجه الاول التقسيمي ويعمل على ترسيخه ويبدو ان جمهوريي اميركا وديمقراطييها  الحزبين الرئيسيين فيها يعملان على توجيه سياسيينا بالرمونت كونترول لإثارة فكرة التقسيم الطائفي بين آونة وأخرى .

 فيا أيها الطائفيون ، انتم تشتمون انفسكم وتسيئون لأتباعكم ، لستم وطنيين مهما ادّعيتم كذبا وبهتانا ومَيْنا فمن يعمل خيرا لوطنه كلّه محال ان يكون طائفيا ومن يتحزّب لمجموعة معينة يضيق صدره بالوطن فلا تقولوا بألسنتكم مما ليس في قلوبكم ؛ فالعراق أشمل بكثير من الطائفة مهما كثرت أعدادها واكبر من الحزب مهما اتسع في صفوف الرعيّة.

لا نغالي اذا قلنا ان الميل الطائفي هو علّة ترافق غير الأسوياء ومنهم المرضى غريبو الأطوار المليئة قلوبهم كراهيةً للآخرين ظنّا منه انه سيرفع شأن طائفته اذا بثّ المقت والحقد والكره كي يهلل له الجهّال من بني جلدته لكنه سيخسر وطنه حتما ومن يختار اللعب بخزعبلات الطائفية لا يكون وطنيا أبدا وفاقدا للحرية أيضا لأنه مرتهن بطائفيته ومحبوس في أسارها ، فأينما تكون الحرية يكون وطني على حدّ تعبير الشاعر البريطاني البصير (جون ميلتون).

أكاد أوقن انه كلما رأيت طائفيا وسمعت منه شيئا أتحسس منه سمات الوحشية لأنها - ايّ الطائفية - لابدّ ان تخلق أعداءً لتكون فريسة لها، ولكي تستمر بمنطقها الاختزالي المبنيّ على اتهامات الغير لتستعدي وتخلق أهدافا حتى ترمي سهامها سواء كانت صائبة ام طائشة .

ويخطئ من يظنّ ان رعاة الطائفية يجنحون للسلم وكيف للسلم ان ينمو في نقيع ماءٍ راكدٍ لفئة واحدة وزمرة معينة على العكس من العدالة والمساواة التي لابدّ ان يجري شريانها لتعم الوطن كله وتشمل أهل هذا الوطن دون النظر الى طوائفهم وعقائدهم وألوانهم العرقية ومذاهبهم الدينية. فالطائفية لعنة مركّبة بكل لوثات ضيق الأفق، ابتليت بها بلادنا ، دخلت علينا خلسة من دروب التضاريس الدينية الوعرة المسالك والغريب انها تسمح وتأنس لمريديها بشتمها وإظهار شرورها مثل مجرم ينتشي لذكرِ أعماله الشريرة ودناءة إجرامه وعنتهِ وقوتهِ وتعسّفه وتنتفخ أوداجه طربا لمسلكه المشين الذي يظنّ انه بطوليا ، فالطائفي مجرم لا يثق بمواطني بلاده متعددي الأعراق والمذهب والعقيدة الدينية وان لم يلوّث يديه ظاهريا وإنما يلوّث لسانه حقدا وكراهية للغير ولذلك يستحقّ اللعنة والعقاب الصارم معاً.

 

جواد غلوم

 

 

احمد سليمان العمريالحديث عن التطبيع البحريني مع دولة الإحتلال لم يبدء حقيقي وعلى أرض الواقع مساء الثلاثاء 15 سيتمبر/أيلول 2020م

وقت احتضن البيت الأبيض التوقيع على معاهدة السّلام بين دولة الإمارات العربية والبحرين مع إسرائيل ولا 11  سيتمبر/أيلول 2020م، من خلال تصريح الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» على تويتر لتوصّل الصديقين الرائعين إلى إتفاق لتطبيع العلاقات بينهما، ويعتبره انفراج تاريخي آخر - حسب وصفه - إنما بدأ بإستضافة المنامة مؤتمر «السّلام من أجل الإزدهار» يوم الثلاثاء 25 يونيو/حزيران من العام الماضي ويعرف في الصحف الغربية بـ«Peace to Prosperity» الذي انعقد ضمن خطة للسّلام المزعوم في المنطقة بإدارة أمريكية، وتحديداً بجهود صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره «جاريد كوشنير».

مع أول أيام ورشة العمل تزامنت موجة غضب شعبي عارمة في بعض الدول العربية كالأردن ولبنان والمغرب وامتدت لتصل العاصمة الألمانية «برلين» رفضاً للمؤتمر.

افتتح الورشة في يومها الأول المستشار الأمريكي  كوشنير بكلمة استمرت عشرين دقيقة عن ضرورة تهيئة الأجواء الملائمة للإستثمار، مشيراً إلى رغبة كثير من رجال الأعمال الفلسطينيين بحضور المؤتمر، إلّا أنّ عدم مشاركتهم كان وراءه منع السلطة لهم، في نفس الوقت أرجأ كوشنير عدم إمكانية إبرام إي مشروع استثماري في الضفة الغربية وغزّة إلى كونهما معزولتان، بالإضافة إلى الخوف من الإرهاب في المنطقة، على حدّ تعبيره، مضيفاً أنّنا بالسّلام فقط نستطيع جلب المستثمرين إلى الضفة وقطاع غزّة لتشمل مصر والأردن ولبنان.

إذن، أصبحت دولة البحرين رابع دولة عربية مطبّعة مع إسرائيل بعد أن تزامنت هذه الخطوة تقريباً مع الإتفاق الإماراتي، ومن قبلهما مصر والأردن، حيث عزمت الدولتان في بيان مشترك صدر عن الولايات المتحدة والبحرين وإسرائيل يوم الجمعة، وهو ذات اليوم الذي صرّح به ترمب عن «إتفاقية السّلام»، التي أبرمت هذا المساء في واشنطن البيت الأبيض برعاية عرّاب السّلام ترامب وصهره كوشنير ومعهما رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، وكبار المسؤولين في الحكومة الأميركية ووفود دولة الإمارات والبحرين وإسرائيل.

وتزامن توقيع السّلام المزعوم بتجمعات أمام البيت الأبيض إحتجاجاً على توقيع اتفاقيتيّ التطبيع ملوّحين بالعلم الفلسطيني وهتفات «لا للتطبيع... التطبيع خداع».

سبق وأعلن ترمب يوم الخميس 10 سيتمبر/أيلول عن سلام محتمل في الشرق الأوسط لأنّ دول أخرى ستحذوا حذو الإمارات، وهي تنتظر الإنضمام للسّلام، حيث كشف الآخر عن محادثات ومباحثات مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، مؤكّدا إنضمامهما إلى السّلام، بالإضافة إلى سلطنة عُمان والمغرب والسودان.

وأكّد نتنياهو أيضاً خلال الأيام الماضية إبّان مؤتمر صحفي بثّته قناة «كان» العبرية أنّ دولاً عربية أخرى ستقيم عن قريب علاقات مع إسرائيل.

إذا صدقت إرهاصة ترمب ونتنياهو فستعترف جميع هذه الدول قريباً جداً بإسرائيل. 

 ومن الجانب الألماني فإنّ وزير خارجيتها «هايكو ماس» يعمل مع السعودية بجدّ لإتمام ما بدأه ترمب، حيث التقى وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود في الرياض 19 أغسطس/آب وأوضح ماس ضرورة العلاقات السعودية الإسرائيلية في المنطقة.

 كامب ديفيد

لو وضعنا الإتفاقيات التي سبقت دولة الإمارات والبحرين تحت المجهر لنبحث عن المفارقات بينها لننصف بعضها أو نُعيبها، لوجدنا الأولى بتوقيعها معاهدة سلام - ولا تزال سارية حتى الآن - في منتجع «كامب ديفيد» قبل أربعين عام في17 سبتمبر/أيلول 1978م، في الولايات المتحدة الأميركية، بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «مناحيم بيغن» برعاية الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر» تستعيد شبه جزيرة سيناء في 1982 وتفكّك المستوطنات الإسرائيلية المقامة عليها وتنهي 30 عاماً من الحرب، والتي بدأت بين مصر والدول العربية منذ تأسيس دولة الإحتلال في عام 1948م، هذا على الرغم من تقدّم القوات المصرية والسورية في تشرين الأول/أكتوبر 1973م في البداية على الأرض، إلّا أنّ القوات الإسرائيلية تمكّنت من حسم المعركة، فتجد الكثير يعتقد أنّ مصر لم تكن مجبرة آنذاك على توقيع إتفاقية سلام مع العدو.

مؤتمر مدريد

وهو المؤتمر الأول الذي التقى فيه ممثلون فلسطينيون وإسرائيليون وجها لوجه، بمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق «جورج بوش» الأب والاتحاد السوفييتي السابق في العاصمة الإسبانية مدريد في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1991م للعمل على أساس مبدأ «الأرض مقابل السّلام» وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242 المتمثّل في انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتُلت عام 1967م، وقرار رقم 338 الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر، غير أنّ المؤتمر تعثّرت محادثاته ولم يفضِ إلّا ببدء المفاوضات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية المشاركة فيه، وعلّ إتفاق أوسلو هو أهم ما تمخّض عن مؤتمر مدريد.

إتفاق أوسلو

أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية على توقيع «إتفاق أوسلو» في سبتمبر/أيلول 1993م، والذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «إسحق رابين» ورئيس اللجنة التنفيذية بالمنظمة الراحل ياسر عرفات برعاية النرويج وتوقيع كّل من الولايات المتحدة وروسيا من أجل تأسيس حكم ذاتي فلسطيني.

معاهدة وادي عربة

ربّما كانت المعاهدة الأردنيّة الإسرائيليّة الموقّعة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994م بين رئيس الوزراء الأردني الراحل عبد السّلام المجالي ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين ضرورة لتحقيق تسوية شاملة ودائمة لمشكلة مياه نهريّ الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة، وحريّة الملاحة والوصول إلى الموانئ بين الطرفين، بالإضافة إلى استعادة الباقورة في محافظة إربد والغمر من أراضي وادي عربة من خلال إبرام عقد كراء استمر 25 عاماً، بدل الإحتلال والذي انتهى العمل به يوم الأحد 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2019م، هذا بالإضافة إلى البند الذي يلزم إسرائيل بإحترام دور الأردن في الأماكن الإسلامية المقدّسة في القدس والعمل على توطين اللاجئين والنازحين الفلسطينيين.

وأُعتبرت الإتفاقية الأردنيّة الإسرائيليّة واحدة من مخرجات إتفاق أوسلو.

لو تمعّنا الإتفاقيات المصرية والفلسطينيّة والأردنيّة لوجدنا أنّ الحاجة - مع كثير التحفّظ - هي التي دفعت هذه الدول لإبرام معاهدات سلام مع الإحتلال، فجميعها ترتبط مع إسرائيل بحدود بريّة وبحريّة ومقرونة بإسترداد أرض محتلّة، بالمقابل مرتبطة أيضاً بإضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.

فما هي إذن الذرائع التي دعت الإمارات العربية والبحرين لتوقيع إتفاقيات إذلال ويسمّى حيناً سلام مع الإحتلال؟ وهل اتخذت الإمارات والبحرين وحدهما قرار التطبيع مع إسرائيل دون الرجوع إلى السعودية وموافقتها؟ سؤال ستجيبه نتائج المساعي الأمريكية والألمانية مع السعودية الأيام القادمة.

وجزئية أخرى لا بدّ من ذكرها في هذه المعادلة، وهي موقف جامعة الدول العربية يوم الأربعاء 9 سيتمبر/أيلول الذي أسقط إدانة الإتفاق التطبيعي بين الإمارات وإسرائيل من برنامجه، بل أضاف بنود تضفي الشرعية على اتفاق أبو ظبي وتل أبيب، ناهيك عن الإطراء الإمراتي الشعبي والحكومي المتبادل المبتذل والمهين في آن بين الدولتين، بينما المعاهدة المصرية نجم عنها ولغاية اليوم غضب مصري وعربي، ووصفت بتقويض الوحدة العربية والقضية الفلسطينيّة، بالإضافة إلى تعليق عضويّة مصر في الجامعة العربية، والتي نُقل مقرّها جرّاء المعاهدة من القاهرة إلى تونس، هذا واستدعت معظم الدول العربية سفراءها من القاهرة، مقرونة بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، عدا الإنتقادات اللاذعة التي واجهها السادات، والتي انتهت بعد ثلاث أعوام بإغتياله.

كذلك حراك الشارع الأردني المتواصل، الذي يواجه أي قرار حكومي من شأنه إقامة علاقات مع الإحتلال، ويقف أمام السياسات الإسرائيلية بشكل دائم ومستمر، يعيد توازن المعادلة من جديد. كما ويرى الفلسطينيون بالحراك الشعبي الأردني واسع النطاق ضد العلاقات مع الإحتلال عنصر قوة داعم للفلسطيني في صراعه ضد الإسرائيلي، ودعمهم للتحرّر وإقامة دولة ذات سيادة مستقلّة.

نهاية وقبل أن نسيئ الظنّ بدولة الإمارات والبحرين، التي بدا من ظاهر اتفاقيتهما مع الإحتلال تطبيع وإذلال، فهل من وراء هذا الإبرام الضغط على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينيّة؟ أمّ أنّ هاتين الدولتين ظنّتا التنفّذ في المنطقة فقط من خلال الإحتلال؟

والمخجل والمعيب في الأمر أنّ ترامب أثناء المهانة، أو كما أُطلق عليه إعلامياً «حفل توقيع السّلام» صرّح بقطع التمويل عن الفلسطينيين، ليرد بن زايد على نتنياهو بالشكر لوقف الضّمّ المؤقت للأراضي الفلسطينية.

إنهم بهذه المعاهدات يتبرؤن من رابط العروبة والدين من الفلسطيني والأرض، وإن كان الأمر هكذا وكما يبدو، فكيف لمثل هذه الهياكل من حُكم بلاد برمّتها، وتسليم أمّة رغم إرادتها إلى غاصب مُحتلّ؟

 

أحمد سليمان العمري

 

 

كاظم الموسويلم يكن خبر موافقة الاتحاد السوفيتي على قرار تقسيم فلسطين في وقته عاديا، ولا معبرا عن موقف مبدأي او قرار مدروس بابعاده الاستراتيجية، بل كان قاسيا وصعب الهضم عمليا، (كما يقال)، ليس لدى قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وحدها وقيادة الدولة وحسب، بل ولدى الاحزاب الشيوعية، و"المعسكر الاشتراكي "، والابرز فيها طبعا الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي. كان أغلبها في موقف رافض لاي قرار  معاد للشعب الفلسطيني ومن مبدأ احترام نضال الشعوب وتقرير المصير واعتبار الغزو الصهيوني استعمارا. وموقفها منطلق ايضا من كون القرار سن شرعة قيام كيان مصطنع وتحت حجج فيها كثير من عنصرية وعوامل معارضة لواقعها، من جهة، ولا تبرر التفسيرات التي برر بها، من جهة ثانية، وربما سقط الموقف السوفييتي تحت ضغوط المصالح الدولية او التنافس الدولي، من جهة اخرى، وهي الأبرز في الواقع والممكن في فن السياسة. فلا فلسطين ارض الميعاد السياسية التي ادعوا ولا الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن قتل اليهود في اوروبا وطردهم من مدنهم وصنع الهولوكست لهم، بل حدث بالعكس تماما، حيث اقترف الصهاينة واسيادهم هولوكست فعليا بالشعب الفلسطيني وعلى ارضه وتراثه وتأريخه، ولا يمكن التعويل على جاليات مهاجرة ان تبني وطنا للاشتراكية والديموقراطية في المنطقة. ولهذا ادت الموافقة الى كارثة ما يحصل الآن، وصنعت ارتباكا سياسيا واحراجا تاريخيا لا تعوضه التبريرات والاعذار الرسمية، فقد ارتكب اغتصاب ارض ماهولة وتشريد شعب آمن، وقيام كيان استيطاني عدواني وأداة للإستعمار وقاعدة عسكرية متقدمة للامبريالية العالمية، تقاسمته القوى الغربية ذات المصلحة والقوة، البريطانية والأمريكية وبالتنسيق والتخادم الغربي عموما والعربي خصوصاً. وارتكب الكيان مجازر وحروبا عدوانية وشكل منذ اعلانه خطرا على الأمن والسلم في المنطقة والعالم. وكل هذا حصل في ظروفه وصراعات المحاور والتحالفات الدولية ومشاريع تنظيمات عنصرية استثمرت في قدرات وتمكنت في فرض خيارات لها على حساب الحق والعدل والانسان.

وهذا الامر اصبح معروفا لكل ذي بصر وبصيرة، كان المركز الشيوعي قائما ومؤثرا في القرار  السياسي وبما انه لم يعد بعد الانهيارات التي حصلت والتي تارخت بسقوط جدار برلين فلابد من تصحيح الموقف والنظر اليه من منطلقات واقعية جديدة تعبر عن المصالح الوطنية والقومية والعمل بجدية لدور مؤثر وفعال في حركة التحرر الوطني. وكما انتهت الاحزاب الشيوعية في اجتماعاتها المشتركة من تاثير المركز وضغوطه فلابد لها الان من الوضوح مع نفسها ونظريتها وموقعها من الصراع الفكري والسياسي والتحرري.

جاءت خطوة التطبيع المعلن الان بين دول عربية والكيان بقرار صهيو امريكي فرصة للاحزاب السياسية عموما، واليسارية خصوصا، لاعلان موقف واضح منها، وتبني الموقف الصريح والصحيح والمعبر فعلا عن التغيير المنشود فيها كاحزاب يسارية وفي إطار تطورات الواقع وصيرورة العملية الثورية التحررية.

وقد اصدرت الاحزاب الشيوعية وبعض القوى والمنظمات اليسارية والعمالية في البلدان العربية بيانات ادانة واستنكار منفردة وفي ادبياتها ووسائل إعلامها المحدودة، مما يعني انها متقاربة في موقفها العام مما جرى وحصل عمليا، وجاء لفائدتها سياسيا وطبقيا، فالحكومات التي اقدمت على التطبيع والغدر بالقضية الفلسطينية حكومات رجعية وراثية متخلفة ايديولوجيا ومرتهنة بمصيرها بالامبريالية العالمية ومتواطئة مع المشروع الصهيوني منذ البدايات ولكنها تتغطى دائما بالغطاء الديني الاسلامي والقدس الشريف، ومسرى الرسول و.، وتعمل في الوقت نفسه في تخريب العلاقات الاخوية الفلسطينية الداخلية والخارجية  والعربية عموما.

ما نشر وعرف من بيانات عن الاحزاب الشيوعية في مصر ولبنان والأردن والعراق وسورية والسودان ومنظمات واتحادات وقوى يسارية في تونس والمغرب والجزائر والبحرين والكويت، وربما في غيرها ايضا. واجمعت هذه البيانات التي صدرت ونشرت على إدانة التطبيع واعتباره مذلة واستسلاما ومجانيا وغدرا بالقضية الفلسطينية وانكارا لحقوق الشعب الفلسطيني واستهانة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وكل القوانين والاتفاقات الدولية التي يستند إليها نضال الشعب الفلسطيني وداعميه من العرب واحرار العالم. وهذا الموقف في هذه اللحظة سليم ومطلوب ولكن الرفض والاستنكار والشجب لا يعني التجريم والتحريم وقد يتحول الى مهادنة واتفاق وتبرير للاحوال والمتغيرات والضغوط كما حصل في عام النكبة..! وهنا السؤال والتأكيد على تصحيح الموقف واصدار توضيح يبين موقف اليسار التاريخي من القضية الفلسطينية والتحرر الوطني وتقرير المصير وعدالة قضايا الشعوب.

امام هذه القضية الحساسة والمهمة والراهنة الان أكثر من أي وقت اخر، يتطلب التفكير في أمور اخرى، تتعلق بطبيعة المرحلة والقضايا الراهنة والموقف الطبقي والعلمي منها. من بينها مصطلح اليسار، الذي يتطلب اعادة نظر معاصرة، اذ يتوجب تعريفه ليس كما كان لكل من يحمل اسمه او الشيوعية لفظيا، وانما ارتباطا بالمواقف والعمل الثوري الذي يقوم به ويقوده نظريا وعمليا. فليس صحيحا ان تكون يساريا وتتعانق مع القوى الراسمالية والامبريالية، مصيرا ومسيرة، او التقارب الى ادواتها وركائزها السياسية والاجتماعية في الكفاح الاستراتيجي وتبني برامجها ومناهجها في العملية الثورية وقبول قيادتها لها حتى في ظروف انحدارها وتذبذبها السياسي والفكري على مختلف الصعد. حيث يصح السؤال هنا: كيف تميز اليوم بين اليسار واليمين في السياسة والمواقف الفكرية والعملية؟.

كشف اعلان التطبيع السياسي بين عواصم وحكومات عربية والكيان الاسرائيلي بقرار امريكي وبتغريدة رئيس امريكي في الاسابيع الاخيرة من موعد الانتخابات الرئاسية، عن استسلام رسمي عربي مهين ومذل، لا يشفع او  يعطي اي تبرير  لما اعلن وقرر لهم ما لم يستطيعوا البوح به علنيا ورسميا... وهذا الوضع لابد من تحليله واقعيا وتقييمه عمليا ووصفه في إطار صيرورة العملية التحريرية لشعوبنا العربية ولقضية الشعب الفلسطيني خصوصا، وعاجلا.

المحك الآن لكل من يعتبر نفسه من اليسار، في توضيح صوته وصورته، لا تلاعب في الألفاظ والعبارات ولا دوران حولها. الكيان الاستيطاني في فلسطين المحتلة صنيعة استعمارية لمشاريع وخطط تفتيت الوطن العربي وتدمير وحدته وحرمانه من التحديث والتطور والتقدم، ولا يمكن في الحالة هذا التفرج على ما يقوم به وانتظار  نتائجه، وهذه مجرد إشارة وانتباه وعلى الاحزاب والقوى معرفة مكان اقدامها من الان وقبل فوات الاوان.

 

كاظم الموسوي

 

 

يقول الكاتب الروسي أنطون شيخوف: "كم اصبحنا ضعفاء في وطننا. وما أبشعنا. حين نستسلم لمن سرق حقوقنا وجعلنا نعيش على الفتات المترامي". وفي كتابه "جوهر الفلسفة" يشير الفيلسوف الألماني "فيلهلم دلتاي" إلى ضرورة "ردم الهوة بين الذات والموضوع ـ وأن لا يكون "المنهج" من حيث جوهر القضية قابلاً للتأويل والاحتمالات".  

مع هاجس التحديات الخطيرة وتفاقم الأوضاع الأمنية وإنتشار السلاح المنفلت وتسويف احزاب السلطة ومحاولاتها تجيير قانون الانتخابات لصالحها. واحدة من أهم الموضوعات التي تخيف الكتل السياسية الماسكة بسلطة الدولة العميقة مسألة تحقيق الانتخابات المبكرة بالشروط التي يطالب بها المجتمع العراقي وحراكه الشعبي في أغلب المدن العراقية. ورغم تأكيد المرجعية الدينية في بيانها الأخير لمطالب المتظاهرين، إلا أن الطبقة السياسية التي تتشدق بالتزامها بآراء المرجعية، لا تزال تتصرف بمنطق: "المصالح الشخصية والفئوية فوق رأي المرجعية، ولا يمكن التفريط بها بأي حال من الاحوال". وعلى قدر أهمية البيان ودلالاته فيما يتعلق والقضايا التي يتطلع لها الشعب العراقي، هناك مسألتان لا بد من الوقوف عندهما: (تركيبة الأحزاب في الدولة المدنية ومفهوم الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية)، للخروج من المسارات الفاشلة للدولة العميقة. الامران في العراق من الناحية الواقعية، لم يقتربا 5% مما هو قائم في الدولة المدنية للمجتمعات الديمقراطية.

وإذا ما استمرت التجاذبات السياسية بالاتجاه المعاكس لما هو منشود، فلم تعد الانتخابات المبكرة لاعتبارات محقة، مطلباً حكيماً، بالنسبة للمتظاهرين الذين يهمهم بالأساس، الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة، لتبيان مصداقية مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومدى تحقيق مطالبهم الأخرى ومنها إقرار قانون الانتخابات وتشريع قانون الاحزاب وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة. واذا لم تتحقق هذه المطالب، فليس أمام المتظاهرين والقوى المدنية التي تسعى الى التغيير، من الناحية المنطقية والموضوعية، إلا مقاطعة الانتخابات والذهاب الى المؤسسات الدولية لقطع الطريق امام الاحزاب الطائفية. ومطالبة رئيس الوزراء، ان كان جادا بتنفيذ شعاره بأنه "رجل أفعال وليس أقوال" أن يمارس صلاحياته الدستورية لحل مجلس النواب، وإعلان حالة الطوارئ ليستطيع معالجة الازمات المتراكمة.

ينظر القانون الدولي للدولة: أجهزتها، شعبها، مناطقها، اشكالها ـ يرتبط بموجبها الناس بعضهم ببعض لحماية مصالحهم المشتركة. في شأن ذلك، يعتمد على وجه التحديد، وفقا لعقيدة العناصر الثلاثة ـ الدولة والشعب والسلطة، على أهم الوقائع والمعايير، لضمان التوازنات المتبادلة بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع تحت رقابة أحزاب فاعلة داخل وخارج المنظومة البرلمانية. لكننا نتساءل ببساطة: ما هو دور الأحزاب لبناء دولة المواطنة؟ وكيف يمكن ان تكون فاعلة داخل المجتمع؟ لنحكم بينها وبين قراءة الحدث السياسي وما يحيط مؤسسة الدولة من إشكاليات كما هو حال العراق.

الأحزاب السياسية في البلدان الديمقراطية، لديها مهمة أساسية: تمثيل المصالح الاجتماعية والسياسية للشعب. لكي يتمكنوا مرشحيها من أداء هذه المهمة، يتمتعون بحقوق والتزامات خاصة. ووفقا لاحكام "قانون الأحزاب"، فإنها تعتبر من الجماعات المجتمعية التي تؤثر بشكل دائم أو لفترة طويلة على صنع القرار السياسي وتمثيل الشعب في "البرلمان"، تبعاً للقواعد الفعلية العامة. فيما يحظر "القانون" في الدولة المدنية "الاحزاب" التي لها أذرع مسلحة من المشاركة في الانتخابات، ويطالبها تقديم تعهداً يتضمن مادة واضحة بذلك. وعليها بيان مواردها المالية قانونياً، كيف ومن أين؟ كذلك طبيعة عملها وأماكنها المحددة وعدد أعضاءها. والاهم اعترافها بالقانون الاساسي للدولة "الدستور" والالتزام بمبادئه.

للمشاركة في تشكيل الإرادة السياسية للشعب، تتمحور أنشطة الأحزاب عادة حول، تأثيرها على تحريك الرأي العام، وتشجيع المواطنين على العمل في الحياة السياسية وحرية إشراك القادرين منهم على تحمل المسؤولية العامة في الحكومة "الاتحادية" أو المحلية بالشكل الذي يساعد على نجاح عمل البرلمان والحكومة. بيد ان مبدأ حرية تأسيس الأحزاب بالإضافة إلى حرية الحزب فيما يتعلق بأهدافه وبرنامجه ونشاط أعضائه في سياق العمل الحزبي ـ لا يمكن تبرير أعمال إجرامية بحرية النشاط الحزبي. ويلزم القانون الأساسي، الحكومة بمعاملة جميع الأطراف على قدم المساواة، وتطبيق مبدأ التعامل بين الدولة والاحزاب الفاعلة بحيادية تامة. ويلزم أيضاً جميع السلطات، بما في ذلك هيئات البث العامة، بمعاملة الأطراف من حيث المبدأ بنفس الطريقة عند تقديم التسهيلات والخدمات الانتخابية. وذلك لضمان المنافسة العادلة بأحدث الأساليب المعروفة باسم "تكافؤ الفرص المتدرج" للحصول على أصوات ودعم المواطنين الناخبين وفقا لأهمية الحزب ونزاهته.

وفيما يتعلق الأمر بالانتخابات وكيف؟ فالمفوضية "المستقلة؟" العليا للانتخابات، كما يطلق عليها في العراق، يختلف تشكيلها وإدارتها وعملها، بالمجمل، عما هو عليه في النظم الديمقراطية. حيث يقوم بتنظيم ومراقبة الانتخابات المركزية للبرلمان أو الأقاليم والاستعداد لها في أوقاتها المحددة، "المشرف الانتخابي الاتحادي"، ويتم تعيينه ونائبه من قبل وزير الداخلية الاتحادي دون الرجوع لأية مؤسسة لفترة غير محددة. تقليديا، يتولى رئيس المكتب الفدرالي للإحصاء منصب رئيس اللجنة الانتخابية الاتحادية بأكملها. ويعد مسؤول المنطقة الانتخابية، واحداً من عدة هيئات انتخابية مكلفة بإعداد وإجراء الانتخابات، جنبا إلى جنب مع اللجان الانتخابية. وأعضاء هيئات المراقبة الانتخابية هم من الأفراد ومنظمات المجتمع المدني، الذين ليس عليهم أية جنحة قانونية، ويخضعون لتعليمات المسؤول الاتحادي، الذي يلتزم بالأحكام القانونية. ومن مهام الموظف الاتحادي، مراقبة السلوك السليم للانتخابات بما يتوافق مع المواعيد والتواريخ القانونية، إبتداء من إعداد سجلات الناخبين ومراسلة الناخب خطياً لتذكيره بموعد وعنوان الدائرة الإنتخابية الخاصة به منعاً للتزوير، وحتى نشر نتائج الانتخابات النهائية.. أيضاً تلقي ومراجعة إشعارات الترشيحات من "الأحزاب السياسية" التي لم يتم تمثيلها منذ الانتخابات الأخيرة، ورفع نتيجة فحصه الأولي إلى اللجنة الانتخابية الاتحادية لإصدار قرار بها كحزب في الانتخابات القادمة. ويتمتع بصلاحية جمع الوثائق الخاصة بالأحزاب والجمعيات السياسية كبرنامج الحزب ونظامه الأساسي ومراكز تواجده وأسماء أعضاء مجلس الإدارة مع تفاصيل وظائفهم لتدقيق مصداقية الحزب القانونية.

يتولى المشرف الانتخابي الاتحادي "رئيس اللجنة الانتخابية الاتحادية" بإختصار، المهام التالية: تشكيل اللجان الانتخابية الاتحادية ورئاساتها، إعلان قرارات اللجنة الانتخابية الاتحادية، مراقبة قرارات اللجان الانتخابية في الدوائر بشأن قبول أو رفض مقترحات انتخابات الدوائر مع الحق في الطعن أمام لجنة انتخابات الإقليم، تلقي وفحص الشكاوى ضد قرارات لجان الانتخابات في الأقاليم "المحافظات"، التسجيل والمقارنة بين المسجلين المؤهلين للتصويت في الخارج، فحص المتقدمين للانتخابات للتأكد من عدم قبول ترشيحات مزدوجة، فحص الانتخابات للتأكد من صحتها وتحديد إعلان النتيجة الأولية للانتخابات في المنطقة الانتخابية، إقرار النتيجة النهائية للانتخابات الاتحادية التي تعدها اللجنة الانتخابية الاتحادية، إعلان النتائج النهائية في الدوائر الانتخابية.

الانتخابات هي عمليات مباشرة لمشاركة المواطنين في السياسة. يتم إجراؤها عن طريق التصويت السري لصالح حزب أو "مرشح أو مرشحة" تم ترشيحهم من قبل خمسة أعضاء على الأقل دون انقطاع عن البرلمان الاتحادي أو الاقليم.. تتبع الانتخابات، كما في معظم الدول الديمقراطية، خمسة مبادئ أساسية، مدرجة في القانون الأساسي ـ الدستور: عامة ومباشرة وحرة ومتساوية وسرية. وبالتالي، فإن القانون الانتخابي حق ديمقراطي، يحظر أي تأثير على الناخبين بالكلمة والصوت والوجه والصورة والمال والتهديد، ويحظر كذلك كل توقيع أو جمع التواقيع للبرامج السياسة للاحزاب. 

 

عصام الياسري 

 

علاء اللاميلماذا هذه الحرب الضارية على الربط السككي العراقي وقناته الجافة؟ لكي نفهم أسباب هذه الحرب الضارية التي تخوضها أطراف عديدة منها الكويت وإيران وأميركا ودول أخرى لإجهاض حلم القناة الجافة العراقية التي تربط بالسكك الحديدية بين الخليج العربية والبحر المتوسط، أو في الحد الأدنى لنفهم أسباب محاولة السيطرة عليها وعرقلة إكمال بناء ميناء الفاو الكبير العراقي واستبداله بموانئ أخرى كميناء مبارك الكويتي أو ميناء خميني الإيراني، لنقرأ هذه الفقرة من مقالة للكاتب ميزر كمال (العراق يمثل العمود الفقري لما يسميه الأمريكيون "الشرق الأوسط الجديد". فهو الطريق الواقع بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك أغلى 20 كيلومتراً في الخليج العربي، هذه العشرون كيلومتراً هي شبه جزيرة الفاو، التي بدأ العمل على تحويلها إلى ميناء الفاو الكبير. العراق طريق النقل العالمي الجديد. فمع ميناء الفاو الكبير، هنالك مشروع الربط السككي للقطار السريع، والذي في حال إتمامه ينقل البضائع بين المتوسط والخليج خلال 6 ساعات فقط، بينما يستغرق وصولها الآن من قناة السويس إلى الخليج العربي والعكس من 17 إلى 25 يوماً). وبحساب المسافة بين ميناء الفاو وميناء بانياس السوري مثلا تكون المسافة 1580 كم تقريبا، تقطعها قطارات الشحن السريعة في ست ساعات وربما أكثر قليلا بمتوسط سرعة بين 200 و250 كم /ساعة، وتزداد المسافة والوقت ساعة أخرى عبر مواني تركيا شمالا، وبتكلفة نقل قليلة جدا مقارنة بتكاليف النقل البحري / قارن الخط البحري الطويل على الخريطة بالخط البري العراقي القصير باللون الأحمر وعليه سهم احمر صغير/ الصورة.

ولكن ما هي الأطراف التي تتصارع وتتنافس على هذه القناة العراقية الجافة وربطها السككي. لنعد إلى المقالة السابقة ونقرأ فيها (الصراع على العراق الجديد (جغرافياً) أقطابه ليسوا إيران والولايات المتحدة الأمريكية فحسب. فهنالك روسيا التي تمهد لذلك منذ عام 2008، عندما ألغت موسكو ديوناً سابقة على العراق بقيمة 13 مليار دولار مقابل استثمارات نفطية... ودول الخليج العربي هي الأخرى دخلت على خط العراق الجديد... تركيا أيضاً لها نصيبها من العراق، فهي تُنشئُ "منتدى الأعمال العراقي -التركي" لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 20 مليار دولار في المستقبل القريب. وتركيا هي أكثر المعنيين في خط النقل العالمي الجديد الذي يُخطَّط لأن يكون العراق طريقه بين الخليج والمتوسط. ومصر والأردن تريان في العراق فرصة ذهبية لإنعاش اقتصادهما المتواضع، ولم تتأخرا بعقد قمة ثلاثية حرصتا من خلالها على أن يكون العراق أقل المستفيدين منها... تطالب مصر أيضاً بالانضمام إلى الاتفاقية لخصم 3 دولار لكل برميل نفط عراقي يأتيها من ميناء العقبة الأردني).

فهل فهمنا الآن سبب هذا الصراع الضاري بين دول الإقليم وشبه الفيتو الغربي الأميركي على الربط السككي العراقي وقناته الجافة؟ وهل استوعبنا خطورة اللعبة القاتلة والجريمة التي ترقى الى درجة الخيانة العظمي التي سيرتكبها نظام المحاصصة الطائفية العراقي وحكوماته في حال فرطت بالربط السككي العراقي ومنحته لأية دولة أخرى أو في حال واصلت الحكومات العراقية الفاسدة المرتشية عرقلة تنفيذ المراحل الأخيرة من ميناء الفاو؟

وأخيرا ماذا سيتبقى بأيدي العراقيين من أسلحة إذا فكر النظام الطائفي التابع للأجنبي بارتكاب هذه الخيانة العظمى وسلم القناة الجافة للكويتيين أو الإيرانيين أو غيرهم أو واصل عرقلة تنفيذ ميناء الفاو الكبير والقناة السككية الجافة العراقية سنوات أخرى؟

بكل تأكيد سيبقى بأيدهم أقوى سلاح لمنع أية قطارات أجنبية تمر بالأراضي العراقي بالأساليب السلمية على الطريقة الغاندية بالاعتصام وإغلاق السكك بالمتظاهرين السلميين وحتى بعرقلة مرورها بوسائل أخرى. وبإقامة دعوى قضائية والمطالبة بتقديم جميع المسؤولين عن التفريط بهذا الحلم والحق العراقي إلى المحاكم النزيهة حين يقوم نظام وطني استقلالي، بدءا من نوري المالكي ووزيره للمالية الأسبق رافع العيساوي وهوشيار الزيباري الذين وافقوا على التنازل عن خور عبد الله، وهادي العامري الذي رفع التحفظ العراقي على طلب الربط السككي الكويتي، وحيدر العبادي والجزار عادل عبد المهدي اللذين عرقلا وقطعا تمويل إكمال إنجاز ميناء الفاو، وبرهم صالح ومحمد الحلبوس وفؤاد حسين لجهودهم في تمرير الربط السككي و قاسم الأعرجي الذي يروج للربط السككي مع إيران!

التفاصيل واضحة والوقائع على الأرض صلبة والوسائل معروفة ولا عُذْرَ لمن أُنْذِر!

- خائن من يعرقل ميناء الفاو

- خائن من يفرط بالقناة الجافة – العراقية

 

علاء اللامي

...........................

رابط يحيل الى النص الكامل للمقالة المقتَبس عنها:

http://assafirarabi.com/ar/33294/2020/09/17/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%84%d9%85%d9%86%d8%9f/ 

 

ابراهيم أبراشما كان لخطوة التطبيع الإماراتي البحريني مع الكيان الصهيوني أن تأخذ هذا المنحى من الإثارة والضجيج لو جرت بهدوء كممارسة سيادية لدولة من حقها اقامة علاقات دبلوماسية مع من تشاء من الدول، ودون تحميلها كل ما رافقها من تهويل ومبالغات أظهرتها وكأنها خطوة ستغير وجه المنطقة بل وتاريخ البشرية وهي في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.

كان من الممكن للإمارات والبحرين أو أية دولة عربية أن تعلن عن إقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين الكيان الصهيوني من خلال بيان رسمي تصدره وزارة الخارجية أو أية جهة أخرى دون الإساءة للفلسطينيين وتاريخهم وحقوقهم ودون تمجيد دولة الاحتلال وتاريخها بل والاستعانة بآيات قرآنية لشرعنة وجودها في المنطقة وتبرير السلام معها. صحيح أنه في جميع الحالات سيجد التطبيع رفضاً وإدانة من الفلسطينيين وغيرهم ممن لهم موقف مبدأي ضد الكيان الصهيوني والتطبيع معه ولكنها لن تكون ردود فعل بنفس الدرجة والقوة، وفي اعتقادي أن جزءاً كبيراً من الغصب على ما جرى سببه التخريج السيئ لإعلان هذه العلاقة، دون التقليل من خطورتها بطبيعة الحال.

ما جرى من حيث الشكل وطريقة الإخراج والبيانات الصادرة من واشنطن وتل أبيب وطريقة تعامل الإعلام الصهيوني مع الموضوع كان استدراجاً من واشنطن وتل أبيب لهاتين الدولتين ليبدو الأمر وكأنه تحوُّل جوهري في المنطقة يتم على يد ترامب ونتنياهو، وليس قراراً سيادياً لهاتين الدولتين يحقق مصالح قومية لهما، بل بدأ الأمر وكأنه امتداد للحملة الانتخابية لترامب ونتنياهو بما يصاحب الحملات الانتخابية عادة من صخب وتهريج وشعارات مُبالغ فيها.

أكثر ما يثير الغضب انجرار الإعلام الإماراتي والبحريني ومن يؤيدهما إلى تبني الخطاب الأمريكي الإسرائيلي حول السلام. فأن يُعلن ترامب ونتياهو أن التطبيع مع العرب سيجلب السلام إلى المنطقة معناه أن العرب هم الذين يعيقون السلام وهم سبب استمرار الحرب والصراع في الشرق الأوسط، وهذه مغالطة خطيرة والتساوق معها يبرئ الكيان الصهيوني وامريكا من المسؤولية عن الصراع في المنطقة ويُحمِّل العرب والفلسطينيين المسؤولية، بينما الحقيقة أن العرب توقفوا عن الحرب منذ 1973 وهي الحرب التي كان عنوانها استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في عدوان حزيران 1967 ورفض الكيان الصهيوني تنفيذ القرار الأممي 242 الذي يطالبه بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، كما وقعوا أكثر من اتفاقية سلام – مع مصر والأردن ومنظمة التحرير-، وكل الحروب والتوترات العسكرية في العقود الثلاثة الأخيرة يقوم بها الكيان الصهيوني سواء ضد دول عربية كلبنان وسوريا وقبلها قصف مواقع في العراق والسودان واغتيال فلسطينيين ومناصرين للشعب الفلسطيني في الإمارات وسوريا وماليزيا وتونس وعيرها، أو في مواجهة الفلسطينيين من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان ومواصلة الحرب في غزة والضفة حيث التزمت السلطة والرئيس أبو مازن بالحل السلمي وندد بالعنف والإرهاب بل وعمل تنسيقاً أمنياً مع إسرائيل حول هذا الموضوع، كما أن حركة حماس وقَّعت أكثر من اتفاقية هدنة مع الكيان الصهيوني خرقه هذا الأخيرة.

والغريب في الأمر أن تتحدث الإمارات عن السلام في المنطقة وتتغنى به وتند بالحرب والعدوان بينما هي ودول خليجية أخرى من ممولي فوضى الربيع العربي وجماعاته المتصارعة وبعضها إرهابية كما أنهم طرف رئيس في اليمن حيث تحدث جرائم حرب، فهل حربهم في اليمن ودعمهم لجماعات مقاتلة في بلدان أخرى يصب في مصلحة السلام؟ وهل قتال جماعات المعارضة ضد بعضها البعض أو ضد الأنظمة العربية القائمة وما تتلقاه من دعم عسكري ومالي وسياسي من عديد دول العالم يخدم السلام العالمي؟ بينما إذا ما قاتل الفلسطينيون من أجل الحرية والاستقلال يصبح قتالهم منافي للسلام؟!!!!!

 

إبراهيم أبراش