 آراء

الكتله التاريخيه والمشروع العراقي

اياد الزهيرييسود عراقنا اليوم جوآ ضبابيا ملبد بسحب من دخان الفساد المالي والسياسي، شارع مضطرب وحكومه فاقده للأهليه، وأقتصاد منهار، وأمن منفلت،وأحزاب سياسيه متصارعه، وأقليم متمرد على المركز .أوضاع كهذه عادتآ ما تبعث على السأم والأكتئاب، وتدعو الى اليأس والأحباط في نفوس الجماهير الغاضبه والمشمئزه من واقع  لا يبعث على الأمل والأرتياح.

هذا الواقع المحبط قاد الجماهير للخروج الى الشارع معبرين عن أستياءهم من هذا النظام الساسي الفاسد والفاشل، والباحث عن حلول تجنب البلد شر الخراب .خرج الجمهور بحراك سياسي، لا يخلو من العنف والفوضى بسبب ردت الفعل الغاضبه للبعض، وبدافع التخريب للبعض الآخر،الذي ينضوي تحت أجنده مشبوه. أندفاع مدمر في أحد جوانبه، أدى الى أنفلات أمني، يصاحبه ترقب، وتربص من قبل السياسين الكرد والكثير من السياسين التابعين للتكتل السني، تاركين جماهير الوسط والجنوب مشتبكين مع حكومه رئيس وزراءها من مناطقهم ومحسوب عليهم. وضع يتسم بالفوضى بكل ما تعني الكلمه من معنى .هذه الصوره لا تبتعد كثيرآ عن الواقع الأيطالي الذي عاشه المفكر الأيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937)، حيث كانت أيطاليا متمزقه بين شمال غني، ومتمدن، وبين جنوب فقير ومتخلف، في خضم ذلك كانت الأحزاب الأيطاليه متصارعه، وبلد يعج بالفوضى العارمه،حتى كادت الدوله على حافت الأنهيار، وهو عين ما تعيشه الدوله العراقيه اليوم، فالشمال متمرد، وناهب للثروه النفطيه  ويهدد بالأنفصال كل يوم، ومناطق غربيه يتكتل بها مجموعه من السياسين السنه، ذوي جذور بعثيه وطائفيه، يسعون لأقامة أقليم ذات طابع طائفي وبدعم خليجي،وهناك ما يشير الى تدخل عاملآ دوليآ على الخط يسعى لجعلهم حصان طرواده للعمل على ترتيب شرق أوسطي جديد يصب في صالح أسرائيل . غرامشي أصابه القلق من تعرض بلده ذو الحضاره والتاريخ العريق من أن ينشطر الى دويلات، وينسدل الستار على دوره التاريخي، فأنبرى الى فكرة الكتله التاريخيه، هذه الفكره التي تتلخص بالأتلاف العضوي بين طبقة البروليتاريا (العمال) والطبقه الفلاحيه، بأشتراك طبقه مثقفه تأخذ دور الرابط لوحدات هذه الكتله التاريخيه، هذه الكتله تنتمي لكل القوميات والطبقات والأحزاب والأديان، ولكنها تشترك بمشروع نهضوي واحد، هذه الكتله لها مهمه تاريخيه أهمها الحفاظ على وطن في طريقه للتشظي على يد الأحزاب المختلفه والمتصارعه، كما تسعى لمنع أندلاع الحرب الأهليه بين أبناء الشعب الواحد، وهي عين الظروف التي يمر بها العراق، كما أن لهذه الكتله مهمة غايه في الأهميه، الا وهي وضع نهاية لظاهرة الأقصاء والتهميش لكثير من الفئات الغير منتميه لأحزاب السلطه، كما تساهم هذه الكتله الى منع سيطرة الأنظمه المستبده، وسيادة الأفكار المتطرفه (الطائفيه، القوميه، الحزبيه، القبليه). فكرة الكتله التاريخيه تلقفها المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري أيمانآ بها في قدرتها في معالجة الواقع المتردي في العالم العربي قي ثمانينات القرن الماضي حيث الصراعات البينيه بين دول العالم العربي، والحروب الأقليميه كما في الحرب العراقيه الأيرانيه، بالأضافه الى الحروب الداخليه كما في جنوب السودان، وصراع البوليساريو مع المغرب، بالأضافه الى الأستبداد السياسي الذي تمارسه الأنظمه العربيه على شعوبها، مضاف أليها ظهور حركات أنفصاليه بتشجيع خارجي، كما في شمال العراق وجنوب السودان واليمن. أن ما دعى الدكتور العابدي الى تبني هذه الفكره هو الواقع الموضوعي للوطن العربي بما يحمله من تنوع شديد في أفكار أحزابه . والأختلاف الكبير في أنظمته السياسيه، والتردي الأقتصادي في أغلب أقطاره، بالأضافه الى الأحتلال الأسرائيلي الذي يلعب دورآ مخربآ في العالم العربي . لم يسعف الدكتور العابدي ببلورة هذا المشروع بسبب أمور كثيره أهمها وجود القوه الأستبداديه الكبيره والعنيفه لبعض الأنظمه العربيه. بالأضافه الى حالة الوعي الغير كافي جماهيريآ،كما يتطلب الأمر أمكانيات كبيره لهذا الأنتظام الفكري والترويج له بين بلاد مترامية الأطراف،تقطعها الحدود الوطنيه وتباين الأنظمه السياسيه الحاكمه، ولكن الظروف التي منعت أو أجلت توظيف هذا المشروع في الأطار العربي لا يمنع حصوله على مستوى العراق اليوم لأسباب تتعلق بمسرح العمل الصغير مساحه والأقل جمهورآ والأدنى تنوعآ مقارنه مع الوطن العربي، وبنظام سياسي يتيح بتكوين هذا التكتل بفعل الحريه السياسيه المتاحه،بالأضافه الى ظهور طبقه ثائره ذات طابع جماهيري وتنتمي لطيف كبير من الشعب العراقي، زائد التنوع الكبير للمشاركين في التظاهرات والأحتجاجات العراقيه، حيث شارك فيها القطاع العام والخاص، الأكاديمي والعامل والفلاح والطالب، كما تميزت هذه الأحتجاجات بشعاراتها ذات الطابع الوطني والتوجه العام، مثل (الحرص على الثابت الوطني، الكيان الواحد، الجيش الواحد، العلم الواحد، العداله الأجتماعيه، التجديد الحضاري، الأستقلال الوطني، رفض التدخل الأقليمي والدولي، رفض الظلم، تكافئ الفرص للجميع، رفض الأستبداد، القضاء على الفساد) هذه المشتركات هي من تساهم بتشكيل التوافق الوطني، وتحقق الأتلاف بين كل أفراد هذه الكتله وخاصه بوجود طبقه مثقفه تمثل الماده الأسمنتيه لترابط كل هذه القوى وصهرها في قالب شديد البناء، وتحصنه من كل حاله هلاميه تفقدها صلابة المواقف وتماسك الصف والتراخي أمام أخذ المطالب وأنتزاعها من القوى المضاده.

أن التنوع الجماهيري الغاضب في ساحة التحرير، والذي يمثل عينه نموذجيه، وباكوره مثاليه للكتله التاريخيه، والمتوثب للأنتفاض على الواقع الفاسد، والطامح للتجديد،تتمثل فيه العينه التي حلم بها أنطونيو غرامشي، بالأضافه لتوفر عامل أستثنائي في أهميته يزيد هذه الكتله التاريخيه منعه وصلابه، وهي المرجعيه الدينيه في النجف الأشرف،هذه الأضافه التي لم تكن متوفره في نموذج غرامشي، والتي لو أتيحت في عصره لجعلها العامل الأول والعنصر الأهم في كتلته التاريخيه رغم لونه اليساري الغامق، فالمرجعيه مع الطبقه المثقفه (الأنتلجستا) يمكنهما أن يكونا السور ومادة الملاط لهذه الكتله التاريخيه لتشكل كتله واضحة الملامح،قوية البنيان، مع التأكيد  على حالة الأتفاق والتضامن على مفهوم المواطنه، وتشكيل حكومة الخدمه الخاليه من نفس الأيديولوجيا .

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4827 المصادف: 2019-11-23 00:15:31