 آراء

كورونا.. بين المخاض المزلزل والرهان الأخلاقي

محمود عبدالمجيد عسافكشف فيروس كورونا عجزاً عالمياً منقطع النظير، وتجاوز تأثيره حواجز عالم الطب بكل أحواله، وحصر كل تيارات التفاؤل البشرية التي تفاخرت حتى اليقين بانتصار الإنسان على الطبيعة والبيئة بالعلم والتكنولوجيا، فتعطلت المجتمعات وأغلقت الدول، وانهارت البورصة الدولية ليصبح هذا الذي لا يرى بالعين المجردة هو الصانع الجديد لنظام عالمي مختلف عما توقعه المنظرون ومهندسو السياسة الدولية قبل تفشي وباء كورونا.

ويبدو جلياً دون التركيز في تحليل النسق الجيوسياسي العالمي أنه مرحلة (ما بعد كورونا) هي بداية لعصر جديد، فكل الأوبئة التي اجتاحت العالم عبر التاريخ  كانت نهاية لشيء قديم هرم، وبداية لشيء جديد كان لا يستطيع الولادة إلا بمخاض مزلزل ليولد بعده.

إن ظهور فيروس كورونا المستجد، وهو بالمناسبة ليس الجيل الأول بل الجيل السادس من فيروسات كورونا التاجية، ما هو إلا حرباً منخفضة الحدة، لأنه يهاجم بشراسة المتقدمين في السن (الذين استنفذت قدراتهم الإنتاجية)، وبتتبع ما حصل في حقب التاريخ الماضية، فإن نسبة الموت في هذه الحرب قليلة مقارنة بالأوبئة الكبرى التي اجتاحت البشرية، لأن قدرة الإنسان على العلاج والتعافي والغذاء والوقاية حالياً أفضل مما كانت عليه في السابق، فعلى سبيل المثال لا الحصر قدر عدد ضحايا الطاعون في سنة 1348م حوالي 100 مليون شخص أي حوالي ثلث سكان العالم في حينه.

وبغض النظر عن التركيب الجيني لهذا الفيروس، ومبررات انتشاره في مدينة (ووهان) الصينية في نوفمبر 2019م حيث يتواجد مختبر للأبحاث البكتيريولوجية المتخصص في الكورونا فيروس، سارس، إيبولا، إلا أن اتجاه التدمير لهذا الفيروس بات معروفاً، بدءاً من الصين بهدف زعزعة الاقتصاد الصيني، مروراً بإيران بهدف تأزيم المجتمع وإرباك القدرة العسكرية الإيرانية، وتفشياً في إيطاليا كانتقام بارد، لتكون العصب الذي سيفكك الاتحاد الأوروبي كمرحلة أولى، وفي المرحلة الثانية سيتم السيطرة التامة على هذه الحرب بخروج اللقاح الكامل لــcovid -19 من المختبرات الأمريكية ليكون لها السبق في احتكار الصناعة الكيميائية وتكون الدول أمام خيار وحيد وهو التنازل مقابل الحياة من جديد بعدما وصلت إلى الرمق الأخير.

وقبل هذه المرحلة ستشهد الدول الأوروبية غضب شعوبها على حكوماتها، وسيتولد حقد البعض نتيجة للتخلي عنهم وقت الأزمة، وستصبح مؤسسات الاتحاد الأوروبي أقل تشدداً وصرامة مع بريطانيا في المفاوضات الجارية حالياً معها لتنظيم العلاقة عقب الخروج البريطاني من الاتحاد.

كل ما يجري الآن من أحداث لم تمر عبر التاريخ من انغلاق كامل للكرة الأرضية، وتعليق للحرية الفردية والشعائر الدينية إلى إشعار غير معلوم، قد يستمر طويلاً في ضوء ما أشارت إليه أكثر الدراسات تفاؤلاً، فلربما تمتد إلى حزيران 2020 أو ما بعد ذلك بقليل أو بكثير، إنما تدفع في اتجاه ولادة عالم جديد يكون فيه الاقتصاد الضحية الثانية بعد الإنسان.

ولأن العالم قد تغير في أيام، لا أستبعد أي سيناريو قادم يغير معالم التوجه العالمي، فقد تتعافى الصين – بغض النظر عن دقة إحصاءاتها- وتحاول كسب دول العالم عبر تزويدها بالخبرات التي استطاعت بها محاصرة الفيروس، وقد تدخل أوروبا وأمريكا في ذروة المرض، ويصاب نظامها  الاقتصادي والسياسي في مقتل بعد فشل نظامها الصحي، وفي ظل هذا السيناريو، يكون الشرق الأوسط خاصة الدول العربية أقل المجتمعات تضرراً من الناحية الاقتصادية والسياسية، لأنه لم يتغير على علاقة الحكومات بشعوبها شيء، فالشعوب العربية معتادة على تراجع جودة الخدمات الصحية، وإغفال تعويض الشعوب خسائرها من المطاعم والمقاهي وقطاع السياحة والطيران والموظفين.

 كل ما علينا فعله، هو الالتزام بالإرشادات الصحية لتخفيف حدة الموت، والاتجاه نحو الوحدة من أجل الخروج من هذا الواقع الذي سيعيد تشكيل العالم بأقل الخسائر وليس المنافسة ليكون البقاء للأقوى، فلا قوى أمام هذا الفيروس، ويجب أن يعترف الجميع بالضعف أمام سكين الذبح القادم، وأن العلاج الوحيد للخلاص هو التضامن الإنساني، والميثاق الأخلاقي فقط.

ورغم كل ما تقدم ، ومحاولات التفكير البسيطة فيما يجري أو ما سيحدث مستقبلاً - وللأسف لا أتوقع أن هذا الوباء سينتهي عما قريب- لا أجد ما يبشر باهتمام إنساني أو صحي أو أخلاقي سواء على مستوى الشعوب أو الحكومات العربية، فما تقوم بها الحكومات لا يتعدى التزاماتها أمام المجتمع الدولي، والمسؤولية الدولية، فلا تبذل أي جهد نحو تعزيز المواطنة، أو حماية الفئات الهشة، أو التواصل الشفاف مع الرأي العام، أو اتباع قوانين الرعاية الصحية والإنسانية عند تنفيذ الإجراءات الاحترازية، وما تقوم به الشعوب لا يتعدى الانخراط في السلوك العالمي من حيث الممارسات، دون وعي وكأنهم لا يستشعرون الخطر الذي يتربص بهم، ولا يعلمون أنه لم تعد هناك أهمية لا المال ولا السلطة ولا السياسة ولا الجاه،  فالأمر تخطى كل العالم وإن تعافينا ستكون رحمة الله بأطفالنا هي التي جعلت الموت يجتازنا.

أيها الناس.. إن الأمر جد خطير، ولم يعد هناك متسع من الوقت للتباكي على إغلاق المساجد، فالدين لا يهزه التخلي عن الشعائر مؤقتاً للحفاظ على النفس، ولكن ما يهزه أن يخالف قولنا عملنا، نحن الآن بحاجة لتجديد النية والخطاب بأشكاله، وإصلاح الخاطر، والتوبة عما كان.

 

بقلم د. محمود عبد المجيد عساف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 11:21:45