 آراء

كيف نقلت كورونا عدوى البريكست إلى إيطاليا؟!

محمود محمد عليعندما غزت كورونا القارة الأوروبية لم يكن أحد من الأوربيين يتصور أو يعتقد أن تلك الجائجة يمكن أن تحدث في أراضيهم.. ربما أقنعهم بذلك أن معظم الأوبئة مثل «زيكا» و«إيبولا» وُلدا وماتا على الأراضي الفقيرة ولم يخرجا منها.. لكن يبدو أن «كورونا» قد تعلّم درس العولمة جيدًا، وقرر أن ينظر إلي العالم علي أنه يمثل قريةً صغيرة لا معنى لوضع الحدود بين بيوته.. لذا دخل الفيروس أوروبا بلا سابق إنذار، وبات مصدر تهديد للمواطن الأبيض وغير الأبيض.. لقد قتل الآلاف من الناس، وعطل سلاسل التوريد، وأوقف الاقتصاد الأوروبي، وتسبب في إغلاق مدن بأكملها. في جميع أنحاء أوروبا.. أصبحت المطارات فارغة .. والمكاتب مغلقة.. والشوارع خاوية كأنها مدينة أشباح... أحدث الفيروس أزمة غير مسبوقة اجتاحت دول أوروبية كبرى ؛ مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا ؛ فقد راح آلاف الأوروبيين ضحايا لتفشي كورونا.. وإزاء هذا الوضع الكارثي المتدحرج من شمال إيطاليا إلى إسبانيا وفرنسا وغيرها، وتحول القارة القديمة إلى بؤرة انتشار للفيروس القاتل، والاستنتاج أنه لن تخرج أي دولة من الأعضاء سالمة من هذا التسونامي الصحي والاجتماعي والاقتصادي.

بيد أن الأمر لم يتوقف عند حد الخسائر البشرية أو الاقتصادية، إذ إنه أضحي يهدد أيضاً استمرارية كيان بحجم الاتحاد الأوروبي، ذلك أن عدداً من الممارسات والقرارات التي اتخذتها عدة دول ألقت بظلالٍ من الشك على مدى جدوى استمرار هذا التكتل ؛ خاصة عندما رفعت شعار " لا تضامن أوروبي"؛ وهنا بات المحللون يتساءلون: هل يخرج الاتحاد من نفق «كورونا» المُظلم كيانًا واحدًا محتفلًا بانتصاره الجماعي على الوباء؟ أم يخرج من النفق ممزقًا إلى دوله المختلفة، كل دولة تحتفل بفوزها منفردةً على الفيروس وتشتكي «خذلان الأحبة» من باقي دول الاتحاد؟!

ناشدت إيطاليا الاتحاد الأوروبي بإعطائها إمدادات طبية لمواجهة الجائحة التي تهدد وجودها، لكن الرد الأوروبي تعامل مع إيطاليا كأنها دولة أفريقية.. الاستجابة الأوروبية جعلت "ماتيو سالفيني"- أبرز يميني متطرف في إيطاليا مقبولًا؛ فقد عقّب سالفيني قائلًا: "عندما يكون الآخرون في شدة.. فعلى إيطاليا أن تدفع.. أما إذا وقعت إيطاليا في شدة فإنهم يغلقون حدودهم ومحافظ أموالهم".. وفي هذا السياق، شنت الصحف الإيطالية هجوماً عنيفاً على الاتحاد الأوروبي غداة قرار بإرجاء اعتماد تدابير قوية في مواجهة التداعيات الاقتصادية لتفشي وباء كورونا المستجد.. وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي قد أكد أن الاتحاد الأوروبي قد ينهار بسبب تلك الجائحة، منتقداً غياب خطة موحدة لمواجهة وباء كورونا، مضيفا: ".. على أوروبا أن تظهر قدرتها على مواجهة فيروس كورونا، لأن إيطاليا تؤدي دورها"... كما هدد سيادته خلال قمة الاتحاد الأوروبي التي نظمت عبر الفيديو الأسبوعين الماضيين بعدم التوقيع على الإعلان المشترك في حال لم يعتمد الاتحاد تدابير قوية، وذلك بعدما رفضت ألمانيا ودول شمال أوروبية أخرى مناشدة تسع دول، من بينها إيطاليا الأكثر تضرراً، من أجل الاقتراض الجماعي من خلال سندات كورونا للمساعدة في تخفيف الضربة الاقتصادية للوباء.

وعقب حديث رئيس الوزراء الإيطالي أخذت الصحف الإيطالية تهاجم الاتحاد الأوروبي بشراسة ؛ حيث اختارت صحيفة "فاتو كوتيديانو" الإيطالية عنوان "كونتي يقول لأوروبا ميتة أن تذهب إلى الجحيم". كما عنونت "لا ريبوبليكا" ذات الخط السياسي المؤيد للاتحاد الأوروبي تقليدياً، "أوروبا قبيحة ، وبدورها، اعتبرت  صحيفة "كورييري ديلا سيرا" أنّه "في حال افتقد الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق، فإنّ هذا يعني أنّ المشروع الأوروبي نفسه قد انتهى.

وعلى خلفية "تباطؤ" دول الاتحاد في دعم إيطاليا ظهرت أربعة سيناريوهات ذات دلالات عميقة؛ الأول كان مشهد المدرعات والعربات الروسية التي تجوب شوارع إيطاليا حاملة على متنها مساعدات وأطقم طبية؛ والثاني هو مشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا أيضاً والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أمريكا عليها حظراً منذ عقود، والثالث هو مشهد تقبيل الرئيس الصربي لعلم الصين اعترافاً منه بدعمها ومساندتها لبلاده، والرابع هو مشهد هل ينهار الاتحاد الأوروبي؟.. ونتيجة هذه الأزمة بدأ الايطاليون باستبدال أعلام الاتحاد الأوروبي بأعلام روسيا والصين؛ حيث نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمواطن إيطالي يقوم بنزع العلم الأوروبي، ثم يدخل إلى أحد الأبنية ويخرج حاملاً علم روسيا، ثم في نهاية الفيديو يحمل ورقة كُتب عليها، شكراً بوتين، شكراً روسيا.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أزمة كورونا تعجل بإنهيار الاتحاد الأوروبي كما تنبأ بذلك رئيس وزراء إيطاليا؟

اعتقد أن الأزمة التي يمر بها الاتحاد الأوروبى خلال الفترة الراهنة، بسبب أزمة فيروس كورونا والخلاف الكبير بين دول إيطاليا وفرنسا وألمانيا حول تقديم مساعدات للدول الأوروبية التي تعرضت لأزمة كورونا وأثرت على اقتصادها لن تؤدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد، ولكن قد تؤدى إلى خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي علي غرار إنجلترا أو تؤدي إلي وجود تعديل في اتفاقية بروكسيل التي بمقتضاها تم إنشاء الاتحاد.. إن الانهيار غير وارد للاتحاد الأوروبي ، وذلك لأن سلطات الاتحاد الأوروبى محددة وفقا لاتفاقية بروكسيل، حيث إن دور المفوضية الأوروبية هو التنسيق بين الدول الأوروبية لتقديم مساعدات لبعضها حال تعرضت لزلازل أو أعمال إرهابية أو لكارثة، علاوة علي أن البند رقم 222 من اتفاقية بروكسيل ينص على أن الدول الأوروبية عليها تقديم المساعدات للدول الأعضاء المنكوبة بسبب كوارث، وفيروس كورونا يعد من تلك الكوارث.

إن الخلافات الدائرة حالياً حول عدم تقديم مساعدات كافية لإيطاليا بسبب فيروس كورونا لن يؤدى إلى تفكك الاتحاد، لأن الأمر يحتاج إلى تعديل بعض البنود بما يسمح بإلزامية تقديم المساعدات، وأن فرنسا وألمانية المختلفان الآن حول تقديم مساعدات لإيطاليا حريصين للغاية على بقاء الاتحاد الأوروبي.. وكان الاتحاد الأوروبى رفض أن يتحمل تبعات الأزمات الاقتصادية التي تنطوي على تفاقم فيروس كورونا، فقد كان هذا هو رد الاتحاد على طلب إيطاليا الذى تزعمه ألمانيا، على عكس فرنسا التي أكدت ضرورة إرسال مساعدات مالية لإيطاليا لمواجهة الأزمة التي تتعرض لها والتي تدمر اقتصادها.

ورغم ما يروج من حديث عن احتمال خروج دول أخرى من "الاتحاد الأوروبي" مثل إيطاليا عقب أزمة جائحة "كورونا"، ترى ورقة بحثية نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة "، أن هذه التحليلات "غير دقيقة في تناولها، لأنه من المبكر جدًّا الحكم على هذا الأمر وتداعياته على الكيان الأوروبي".. وتقول الورقة التي أعدّها الباحث باسم راشد إنّ "حالة الغضب الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي مثلًا لم تنعكس سوى في تصرفات فردية، ولم تعبر عن توجه عام داخل المجتمع الإيطالي حاليًّا، خاصة مع قيام ألمانيا بعلاج المواطنين الفرنسيين والإيطاليين الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي التي يسببها فيروس كورونا في المستشفيات الألمانية".. وتضيف ورقة مركز المستقبل أنّ حالة الاستياء على المستوى الرسمي في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال بسبب رفض الاتحاد سندات كورونا "لا تعبر عن رغبة تلك الدول في مغادرة الاتحاد بشكل فعلي، لكنها تستخدم تلك النبرة في خطابها للضغط على الاتحاد الأوروبي للاستجابة لمطالبها".. وتذكر الورقة أنّ أزمة فيروس "كورونا" كشفت محدودية دور الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأزمة، وفقًا لحدود صلاحياته المنصوص عليها في معاهدات تأسيس الاتحاد، ووفقًا لمدى التزام الدول الأعضاء بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في بروكسل لإدارة الأزمة بشكل مشترك.

ويزيد الباحث باسم راشد مدقّقا: "يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي، على عكس ما يُشاع، يقوم بالدور المنوط به في التعامل مع أزمة كورونا، وهو الدور الذي فرضته عليه معاهدات الاتحاد الأوروبي، والصلاحيات الممنوحة له في بعض الملفات كالصحة وغيرها؛ بيد أن ما قد يُؤخذ عليه في التفاعل مع الأزمة هو بطء الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها، والتي كان من الممكن لو تم اتخاذها مبكرًا إنقاذ القارة العجوز من إحدى أخطر الأزمات التي تواجهها مؤخرًا".

وترى الورقة أنّ من أهمّ ما تنبع عنه "الانتقادات" عدم فهم "الخط الفاصل بين دور الاتحاد وأدوار الدول الأعضاء طبقًا لمعاهدات تأسيس الاتحاد، خاصة في بعض الملفات؛ وذلك لأن الاتحاد ككيان فوق- وطني له سلطة التنسيق بين الدول الأعضاء، وصلاحية إبداء النصيحة والرأي وليس فرض قراراته عليها"، كما حمّل جزءا من مسؤولية الانتقادات المعبّر عنها لـ "التّلاعب بسياسة مدح الحكومات الوطنية في حالة الإنجاز، وانتقادِ الاتحاد في حالة الفشل والأزمة"، وهو التوجه الذي يقول إنّ بعض الساسة اعتادوه "للحصول على دعم مواطنيهم بالاعتماد على عدم الفهم الجمعي الكافي لحدود دور الاتحاد ومحدوديته".

وتذكّر الورقة بامتلاك الاتحاد الأوروبي سلطات محدودة للتصدي لمثل هذه النوع من الأوبئة بشكل عام، لأن الدول الأعضاء هي التي تشرف على القطاع الصحي، ويمكن للمفوضية الأوروبية فقط تنسيق ودعم الدول الأعضاء في مجال الصحة، وتقديم توصيات وإعطاء المشورة، من خلال الدور عبر – الحكومي؛ فيما تظلّ الحكومات الوطنية حرة في اعتماد هذه التوصيات.

كما توضّح الورقة أنّ الدور الثالث للاتحاد، بعد الدورين الحصري والمشترك، هو "الدور الداعم للدول الأعضاء فقط؛ إذ تقع السلطة النهائية في اتخاذ القرار على عاتق الدول الأعضاء، والذي تندرج تحته أزمة كورونا، لأن دور الاتحاد فقط هو دعم الإجراءات الوطنية في المجالات الاجتماعية كالصحة"، علما أنّ دول الاتحاد الأوروبي "مازالت مترددة في تسليم السلطات الصحية إلى المستوى فوق الوطني، خاصة أن السياسة الاجتماعية مجال يتضمن عادة ميزانيات وطنية كبيرة، تظل عرضة للتغييرات في الحكومة والائتلافات السياسية".

وتخلص الورقة في ختامها إلى أنّ بعض الحكومات الوطنية تريد تحميل الاتحاد الأوروبي مشاكل إخفاقها الداخلي في مواجهة أزمة كورونا، وتنتقده لعدم القيام بدور غير منصوص عليه في المعاهدات الأوروبية ولا تسمح به حتى الدول الأعضاء، ثم تضيف: "صار التوجه العام داخل بعض المؤسسات الأوروبية في الوقت الحالي هو المطالبة بتمكين الاتحاد الأوروبي ككيان فوق وطني في ملفات مثل الصحة وغيرها، خاصة أن أزمة كورونا قد أظهرت ضعف سلطات الاتحاد على الدول الأعضاء، بعدما قامت بعض الدول الأوروبية بوضع نفسها أولًا؛ فاشترت وخزّنت الأدوية على المستوى الوطني، ما زاد من صعوبة وصول هذه المنتجات إلى دول في أمسّ الحاجة إليها، وأدى إلى انتشار المرض في سائر أوروبا".. وبالتالي، ترى الورقة أنّه قد أضحى من الضروري لمكافحة مثل هذا النوع من التهديدات: "إعادة النظر في المعاهدات الأوروبية بما يُعطي مزيدًا من السلطات للاتحاد الأوروبي لممارسة دوره بفعالية أكبر، ومزيدًا من الصلاحيات لتعزيز المواجهة "المشتركة" لأي أزمة".

واعتقد أن ما ذهبت إليه ورقة "باسم راشد" تحمل الكثير من الصدق ، وأكبر دليل علي إعادة النظر ما اتخذه الاتحاد الأوربي كما خلص إليه الورقة السابقة ما حدث خلال الخميس الماضي، حين قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اعتذارات لإيطاليا على تأخر رد فعل الاتحاد بشأن تفشي وباء كوفيد-19 ، وذلك في رسالة نشرتها الصحف الإيطالية .. ووجهت المسؤولة الأوروبية رسالة مباشرة إلى الإيطاليين، جاء فيها: "أقدم لكم اعتذاراتي.. نحن معكم"، وكتبت في صحيفة "لا ريبوبليكا" "اليوم أوروبا تتحرك وتقف إلى جانب إيطاليا.. لكن الأمر لم يكن دائما كذلك.. وتابعت فون دير لاين "علينا أن نقر أنه في بداية الأزمة حيال الحاجة لرد أوروبي مشترك لم يفكر كثيرون إلا بمشاكلهم الوطنية.. وأعلنت أن الاتحاد الأوروبي سيخصص حتى 100 مليار يورو للدول الأكثر تضرراً بدءً بإيطاليا للتعويض عن تراجع مداخيل من سيعملون ساعات أقل.. وأضافت أن أوروبا اتفقت أيضاً على "منح قروض مضمونة من كل الدول الأعضاء ما يثبت التضامن الأوروبي.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة من تداعيات فيروس كورونا علي الاتحاد الأوروبي .. وللحديث بقية إن شاء الله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4965 المصادف: 2020-04-09 04:34:50