 آراء

عالم ما بعد كورونا.. كل الطرق تؤدي إلي الصين

عبد السلام فاروقتتفاوت توقعات العلماء والباحثين حول مصير فيروس كورونا "كوفيد19"ومآلاته ؛ فمنذ اكتشاف الفيروس فى ديسمبر 2019 بالصين، وحتى اليوم، أكثر من مائة يوم الآن مرت على بداية ظهور الوباء الذى استشرى فى الصين، وفتك بثلاثة آلاف مواطن صينى، قبل أن يخترق الحدود ويتفشى فى الجهات الأربعة .

وفيما يؤكد كثير من الخبراء والمراقبين أن منحنى الوباء سيشهد تراجعاً خلال شهور أو أسابيع، يتحفظ البعض الآخر أمام تفاؤل تكذِّبه الأرقام التصاعدية المخيفة فى أوروبا وأمريكا بعد الانحسار الجزئى فى آسيا، والتصاعد البطئ فى باقى القارات.

يستند الفريق المتفائل إلى شواهد أهمها: 1- انحسار موجة المد الأولى للوباء فى بؤرته الأم فى ووهان الصينية ..2- ارتفاع درجات الحرارة، وأن الأبحاث التى أجريت أكدت قدرة شمس الصيف القائظ على قتل الفيروس وشل قدراته الوبائية. 3- ما يتوالَى من تصريحات شبه يومية عن لقاحات تجريبية أو علاجات مبدئية فى طور التجريب قبل تصنيعه وتدويله.

 أما الفريق المتشائم فيستند لشواهد عكسية: 1- أن سرعة انتشار المرض فى بؤرته الجديدة الأوروبية تدعو للقلق، وبخاصة أعداد الوفيات التى فاقت ما حدث فى البؤرة الأولى. 2- أن بعض البلدان ذات الانتشار السريع للمرض تتمتع بالفعل بدرجات حرارة مرتفعة نوعاً، ولم تؤثر حرارة الشمس على حجم العدوى. 3- رغم التصريحات الإعلامية حول العلاجات والأمصال من كبريات الدول وشركات تصنيع الدواء العالمية، لم تعلن منظمة الصحة العالمية حتى اليوم عن علاج أو لقاح مؤكد ضد فيروس كورونا، ولحين ظهور مثل هذا اللقاح يظل انتشار الوباء رهناً بسلوكيات البشر .

دعنا نكن متفائلين، وننحاز للفريق الأول . هنا سيظل السؤال : هل سيبقى العالم بعد انحسار كورونا المُفترَض كما كان قبله، أم أن العالم سيتغير تغيراً جذرياً، وللأبد؟

أفاعيل كورونا

استطاعت جرثومة ضئيلة فى حجم الذرّة أو أقل .. أن تفعل ما لا تستطيعه أعتى الجيوش .. بل إنها أخضعت تلك الجيوش نفسها لقوانين الوباء!

ففى نحو أربعة أشهر أعلنت حكومات الدول العظمى الطوارئ، وأغلقت الحدود، وحظرت الطيران والتجوال، ومنعت الاستيراد . وهو ما لم يمنع تفشى الوباء إلا بنسبة .. فاستمر الفيروس فى أفاعيله : فأجبر الناس على الاختباء، وأجبر المتاجر والنوادى والمسارح على إغلاق أبوابها، هكذا استشرى الهلع، وانهارت البورصات، وأفلست الشركات، وتلقت أسواق المال ضربة قاصمة لم تتلق مثلها منذ عقود.

أكثر من هذا أن يتجاوز التأثير المدى .. فلا الاقتصاد وحده، ولا الصحة العامة، ولا السياحة والتنقل . بل بات للفيروس، بلا أدنى مبالغة، تأثير عميق ودائم على السياسة العالمية، وعلى خارطة المصالح والتحالفات الدولية . تلك الصورة العجيبة التى رسمها الفيروس الفتاك بريشته الغارقة فى دماء ضحاياه، ليست صورة تخيلية سريالية، بل هى حقائق أفرزتها أزمة عالمية لم يتوقع مدى تبعاتها أحد . لكن الأرقام والحقائق تتحدث ..

نزيف البشر والموارد والأموال

حتى يومين مضيا تجاوز عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا المليون مصاب،وقفز عدد الوفيات إلى ما يزيد عن 85 ألف حالة . والأرقام القادمة من الدول التى تشهد تزايداً مضطرداً فى عدد الإصابات تقول أن هناك طفرة جديدة خلال الموجة الثانية لكورونا تعدت موجته الأولى، وأن التضاعف العددى أمسي بمتوالية هندسية لا بمتوالية حسابية كما كان بالأمس القريب! وهو ما ينذر بتجاوز نقطة اللاعودة، إلا أن يتوصل العلم لعلاج فعال.

منذ نحو عشر سنوات أو يزيد، حدث انتشار واسع وسريع لفيروس أنفلونزا الطيور ثم أنفلونزا الخنازير فى أعقابه. إلا أن تأثيرهما فى الاقتصاد العالمى لم يقترب من معشار ما حدث اليوم فى حالة فيروس كورونا!

فى الصين، ومع بدء الأزمة، انهارت البورصة انهياراً سريعاً أدى لانسحاب كبريات الشركات الدولية من أسواق المال، وهو ما استطاعت الصين استثماره جيداً كما اتضح مؤخراً .. وفى أوروبا وأمريكا أدّى التوتر والاضطراب الشعبي والحكومى إلى حدوث سلسلة من الأزمات الاقتصادية غير المتوقعة : اختفت البضائع من المتاجر، وتضاعفت أثمان السلع فى الأسواق الموازية، وفنيت الموارد خلال أيام وأسابيع، واتضح أن المخزون الاستراتيجى لدى تلك الدول الكبري أقل كثيراً من المطلوب، وأن البلد الوحيد المستعد لتوفير متطلبات تلك الدول من السلع والموارد هو الصين! كل هذا بخلاف التأثيرات الأكثر عمقاً وفداحة على أسواق المال، والشركات متعددة الجنسيات، وقطاعات النقل والسياحة والصناعات الثقيلة والتجارة الدولية . وهو ما اضطر تلك الدول للتدخل بدعم مباشر لتلك القطاعات كى لا تنهار فجأة فتنهار معها الدولة . وهو ما يفسر ما أعلنه ترامب من إقرار تريليوني دولار دعماً للأزمة، منها 50 مليار لدعم صناعة الطائرات!

تلك السياسة الاضطرارية للدول الكبري أفرزت فجوة اجتماعية هائلة، بين أثرياء تدعمهم الحكومة الرأسمالية للمرور من الأزمة، وفقراء ينسحقون من مرورها الثقيل.

سياسة الفوضى أو فوضى السياسة

بطبيعة الحال هناك من استند لنظرية المؤامرة لتفسير كل شئ، معتمداً على مقولة كونداليزا رايس حول فكرة الفوضى الخلاقة .. تلك التى يخلق منها كل مُدَّعٍ رأياً يفسر به كل كارثةٍ وأزمة.

 ومنذ أن جاء على لسان ترامب لفظ "الفيروس الصينى" فى إشارة لكونه "صناعة صينية"، والاتهامات المتبادلة بين الصين وأمريكا لم تنتهى.

آخرها يؤكد أن الفيروس ليس فيروساً، وأنه غاز سام بثته أمريكا فى تجربة سرية بأفغانستان سابقاً ! وهو الادعاء الذى يضع كل معامل ومختبرات العالم فى دائرة الاتهام بالمشاركة فى مؤامرة كونية ما!!

فهل حقاً تنطبق نظرية الفوضى الخلاقة على وباء كورونا ؟ أم أن حكومات الدول الكبري مرتبكة فعلاً وقد وقعت فى الفخ الذى أسقطت فيه أعداءها سابقاً؟

ولو أن نظرية المؤامرة تسري على هذا الوباء. فمن هو المنتفع الأكبر من حدوث مثل تلك الكارثة العالمية ؟ الشركات الكبري أفلست، وأمريكا تعرَّت وانكشفت، والاتحاد الأوروبى تفسَّخ إلى دويلات حيرَى لا تدرى ما تفعل، فمن هو المستفيد؟

بعد سقوط اتحاد اليورو..متى ينهض من جديد؟

بعد خضوع أنجيلا ميركل للعزل الصحى، وتسارع وتيرة الوباء فى إيطاليا وأسبانيا.. أقرَّ المصرف المركزى الأوروبي خطة بقيمة 750 مليار يورو لا لدعم فقراء أوروبا، وإنما لدعم بعض شركات صناعة السيارات والطائرات مثل فولكس فاجن وإيرباص وأليطاليا!

الفكرة هنا أن أوروبا تحارب من أجل البقاء . فبعد عدة ضربات منهكة : الأزمة الاقتصادية 2008، ثم خروج بريطانيا وتداعيات "بريكست"، ثم تدفق اللاجئين وتفكك الناتو، وانقلاب ترامب على حلفائه الأوروبيين .. جاءت الضربة القاضية بهذا الوباء الذى ضرب اقتصاد أوروبا فى مقتل.

إيطاليا استغاثت بحلفائها الأوروبيين، فجاءها المدد من الصين ! فيما أصم حلفاؤها آذانهم . حيث كل دولة مشغولة برعاياها! وقد أعلنها رئيس صربيا فى وجوه قادة أوروبا صريحة مدوية : " أن التضامن العالمى وهم، وأن التحالف الأوروبى أضحى شبيهاً بقصة خرافية من قصص العجائز!" .

انجراف تيارات الفن والثقافة والفكر

على الصعيد الفلسفى وضع كورونا لنفسه بصمة غائرة، سوف تدوم لسنوات تالية..

بدا هذا واضحاً جلياً منذ اللحظة الأولى التى اندفع فيها كل شخص نحو معتقداته يفندها أو يتمسك بـأهدابها .

وعقب كل كارثة عالمية كانت تحدث مثل تلك الموجات الفكرية العاتية التى تجرف معها كل فكرة قديمة وتضع مكانها فكرة أخرى جديدة .

ربما لا تظهر بوادر تلك الفلسفات أثناء المعمعة .. وإنما بعد انقشاع الغبار، وصفاء السماء، ووضوح الصورة بجلاء وبكل تفاصيلها ومفارقاتها الدرامية.

بعد كورونا سوف يكون هناك تيار فنى وثقافى وأدبي مختلف ومغاير لما مضى . ودور السينما والمسرح التى توقفت سوف تجد لها موضوعاً دسماً تعمل عليه لسنوات أخرى قادمة .

لعبة النفط والدم

فى خضم تلك الأزمات المتتالية، أتى قرار السعودية بزيادة إنتاجها من النفط للحدود القصوى، مع تخفيض السعر إلى مستويات دنيا . والحجة هى الحاجة العاجلة للسيولة . بينما على الشاطئ الآخر تلقفت أمريكا القرار لسد فجوة تمويلية لديها، عن طريق تخزين النفط بكميات كبيرة، ثم بيعه بعد ارتفاع أسعاره والاستفادة بالأرباح الهائلة الناتجة من فارق السعر.

إلا أن هناك لاعب آخر استطاع الاستفادة من تلك اللعبة، وهو الصين كونها دولة مستوردة للنفط، وهى لا تستورده لتخزينه، بل لإدارة مصانعها وماكيناتها الجبارة التى تعمل ليل نهار بلا انقطاع لتوفير منتجات تكفى العالم، لا الصين وحدها!

لقد تأكد لدى خبراء الاقتصاد من خلال مراقبتهم للوضع العالمى، أن التوقف الجزئي للماكينة الصينية أضر بالاقتصاد العالمى ضرراً جسيماً . وأن الجزء الأعظم من متطلبات السوق العالمى يأتى من الصين، ولا توجد دولة تستطيع أن تحل محلها اليوم للقيام بتلك المهمة .

وفى مقال بمجلة "فورين أفيرز" أشار المحرران الأمريكيان (هنري فاريل وأبراهام نيومان) لدور الصين فى تمويل المساعدات الإنسانية لدعم العالم أجمع، وأن استغاثة إيطاليا لم تلق استجابة إلا من الصين، التى كانت مستعدة بآلاف الأجهزة والمعدات والآلات والملابس والفرق الطبية المجهزة، بخلاف ما أرسلته الصين لإيران وصربيا . بينما سحب الاتحاد الأوروبى يده، وانزوت أمريكا تبحث شأنها الداخلى.

عزلة أمريكية .. انفتاح صينى

فى نفس المقال المشار إليه .. تحدث الكاتبان الأمريكيان عن الآثار الجيوسياسية للوباء. متخذين من أمريكا والصين محوراً لرؤيتهما التحليلية ..

ففى مقارنة بين كفاءة إدارة الأزمة لدى الصين، وتباطؤ المؤسسات الأمريكية أكد الكاتبان أن ثقة الجمهور بكفاءة القيادة الأمريكية تزعزعت، وأن أساليب ترامب الفردية ونزوعه الدائم للعمل بمعزل عن المجتمع الدولى أربك العمل المؤسسى الأمريكى القائم على جمع التحالفات، والإجماع أو الالتفاف الجماهيري، ثم قدرة أمريكا اقتصادياً وتكنولوجياً على تجاوز الأزمات والكوارث . وهو ما لم يحدث فى حالة كورونا . بل على العكس، بدت استجابة أمريكا بطيئة فاترة، وأن الصين تحركت بسرعة للاستفادة من الثغرات التى نشأت من أخطاء الإدارة الأمريكية لتملأ الفراغ وتضع نفسها فى قيادة العالم لمواجهة الكوارث وفى مقدمتها وباء كورونا!

تلك رؤية المراقبين الأمريكيين التحليلية حول ما أفرزته الأزمة حتى الآن .. فماذا عن المستقبل ؟

خريطة جيوسياسية جديدة

الجميع تضرر من مغبات الوباء .. لكن العالم ينتظر ليشهد من يقف على قدميه أولاً..

كان غريباً أن الحكومات التى اتخذت إجراءات صارمة مبكرة سريعة، لم تكن من بينها حكومات دول الغرب الكبري! ففى حين أغلقت روسيا حدودها البرية مع حليفتها الصين، وألغت تأشيرات دخول الأجانب، ووضعت قطاع الخدمات الصحية فى حالة تأهب قصوى، وأغلقت مؤسسات التعليم حتى منتصف أبريل، ووضعت قوانين صارمة لاحترام شروط الحجر الصحى .. أدى التراخى فى أداء الحكومات الغربية إلى تحول أوروبا إلى بؤرة ثانية للوباء، هى أكبر وأخطر من البؤرة الأولى.

معنى هذا أن النموذج الأمثل لإدارة الأزمات لم يكن الغرب ولا أمريكا . بل الصين وروسيا وكوريا الجنوبية . وأن التجربة العملية أثبتت جاهزية تلك الدول على التعامل مع الأزمات، بل وتقديم نفسها كداعم قوى للدول الأخرى الأقل قدرة على إدارة الأزمة والتعامل مع تبعات الوباء.

الأهم من هذا وذاك أن الصين باتت فى صدارة الدول التى خرجت من محنتها أقوى وأكثر حنكة واستعداداً، كما أنها عوضت خسائرها المادية، وهى على وشك تحويل تلك الخسائر إلى مكاسب هائلة، خاصةً فى ظل تعطش الأسواق العالمية للبضائع الصينية التى تمتاز بالوفرة وقلة التكلفة.

الحكومات قبل الشعوب شهدت عملياً كيف أن تشبثها بالحلفاء الأوروبيين ومن ورائهم أمريكا القائد الأوحد للعالم، هو تشبث بأوهام أثبتت التجارب مدى زيفها.

كل الطرق تؤدى إلى الصين

الصين لعبت دور البطولة باقتدار ..

عندها بدأ الوباء، وعندها انتهى أو أوشك.

خرجت الصين من التجربة تلملم خسائرها وتستجمع شتاتها، فيما غاصت أقدام أوروبا وأمريكا أكثر فى عمق الأزمة التى يبدو أن تأثيرها على الغرب أشد وأدوم.

استطاعت الصين من الاستفادة من أخطاء الدول الأخرى خاصةً أمريكا .

فإذا كان الوباء مؤامرة أمريكية كما يدعى أصجاب نظرية الفوضى الخلاقة، فلاشك أن السحر انقلب على الساحر، وباتت أمريكا هى الخاسر الأكبر..

بينما بدا أن كل طرق النجاح تؤدى إلى الصين!

 

عبد السلام فاروق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4965 المصادف: 2020-04-09 13:44:10