 آراء

كوردستان بين العصرنة وآليات التحرر الإقتصادي

سامان سورانيبما أن النظام السياسي العالمي لايعترف ولا يتعامل إلا مع الدول (القومية) المستقلة ذات السيادة، بأعتبارها الفاعل الرئيسي في ذلك النظام، لذا نری إقليم كوردستان الفدرالي، كلاعب غير ممثل بدولة (Non-state actors)، يمارس سياسته الخارجية وتحرره الإقتصادي دون تطرف أو إثارة القوی الإقليمية والنظام الدولي وأقطابه.

فهو يعتمد علی سياسة خارجية نشطة وسابقة التأثير، سیاسة خارجية تنتهج دبلوماسية أكثر فعالية في المجال الاقتصادي والثقافي، وتمنح الأولوية للحوار في حل القضايا العالقة بینه وبين الحکومة الإتحادية والنزاعات الإقليمية.

تعتبر السياسة الخارجية مرآة لصحة الجسد، أي الذات السياسية أو السيادة، فهي تعبير جوهري عن فكرة الدور وترجمة النظرة للذات والآخر. نقصد هنا بالسيادة الشرط النظري لسيرورة تسلم شعب كوردستان مصائر حياته بنفسه وتصرفه بالكامل وكأنه يعيش في إطار شبه دولة ذات سيادة تخضع بالكامل للقوانين الدولية وميثاق الامم المتحدة، تعمل علی تكثيف جهود العصرنة في مجال الأمن والدفاع الكوردستاني للحفاظ علی مکتسبات شعبه الثمينة.

إقلیم كوردستان يسير علی طريق تبني “القوة الناعمة” في تعاملە مع القضايا المحلية والإقليمية والدولية، التي أصبحت من مسلمات القرن الـ21.

والقيادة السياسية الحکيمة في الإقليم تعلم بحکم تجاربه الغنیة بأن القوة العارية بعنفها وحروبها وأبطالها وكوارثها لم تعد تغري. فهم أفادوا من دروس الحروب، التي لم تنتج في السابق ولا في هذا الزمن المعولم سوی الدمار المتبادل.

هناك مشتركات عالمية لابد من أن تدخل في الثقافات البشرية رغم كل محاولات توحيد النظرة للعالم، مثل الحقوق الأولية للشعوب، والنواة الصلبة للحقوق الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية. أما الإقرار بتصنيف الآخر المختلف في موقع القاصر فينتج بالضرورة العدوانية والعنف تجاه الأقوى.

نحن نری بأن الشراكة الحقيقية، في ظل عصر المعلومات الذي نعيشه، تعتمد الی جانب السياسات المتزنة للإقليم علی القوة المدنية ومواقف شعب كوردستان، لكي تستطيع أن تصمد وتحافظ علی متانتها.

والدبلوماسية هي بمثابة العمود الفقري للسياسة الخارجية والعمل بالجهود الدبلوماسية الفعالة لمعالجة التحديات والأزمات هو من الأمور التي تمهد الطريق أمام الاستقرار.

فيما يخص التحرر الإقتصادي (economic liberalism)، الذي يلعب دوراً كبيراً في معالجة التخلف الاقتصادي وتحقيق التقدم الاقتصادي، فهناك العديد من التحديات، منها أحادية الإنتاج (النفط) وتذبذب النمو الاقتصادي والعجز الداخلي والخارجي ووجود البطالة في صفوف الشباب وضعف الظروف المواتية لدفع النمو الإقتصادي الی الأمام والإعتماد شبه الكامل علی تدخل حکومة الإقليم في النشاط الإقتصادي وبطء تخفيف اللوائح والقيود الحكومية على الاقتصاد لزيادة مشاركة الكيانات الخاصة وتلکؤ تقدم برامج الخصخصة ووجود مراکز قوی (على نطاق أحزاب كاملة أو أجنحة من أحزاب)، تتحدی السلطة تارة وتعوق ترمیم النسيج المجتمعي أو الترکيز علی الأولويات الوطنية وإصدار القرار الحر في تفعیل الإقتصاد والتعامل مع محیط الإستثمار الخارجي.

إن للموقع الجغرافي الحبيس للإقليم في الشرق الأوسط مخاطره ووأضراره، لذا يجب علینا أن نسعی بجدية الی خلق أفکارنا الإقتصادية وهويتنا الإقتصادية المستقلة، لكي نستطيع أن ننتج مايلزم لحياتنا ونعالج مشکلاتنا الإقتصادية المعاصرة. فالاقتصاد قائم على استثمار الموارد المحدودة لإشباع الحاجات المتزايدة.

علینا ربط استقلاليتنا الاقتصادية بالفكر الديمقراطي والإنساني المتسامح والمنفتح ، الذي يعترف بالآخر ويقبل الرأي المختلف ، لأن حرية ورفاهية الإنسان هي الهدف من الإستقلال والتقدم.

صحیح أن الإقلیم كنموذج فدرالي ناجح هو اليوم عامل إستقرار في المنطقة وسياسته تدعم وحدة العراق وتساهم في تثبیت الفدرالية، لکن علینا بناء عقود شراکة استراتیجیة مبنية علی أساس المنفعة المشتركة مع الولايات المتحدة بشکل خاص ودول الصناعية المتقدمة بشکل عام، لكي لا نبقی أسیراً في دائرة مصالح القوی العظمی، علینا كسر التعارضات الخانقة، لإتقان صناعة التنمية وهندسة العلاقات السياسية والإستدامة الإقتصادية بشكل يٶمن حق تقرير مصير الشعوب بعد فتح خطوط للشراكة الإستراتيجية المٶدية الی الحرية والإستنارة والعقلانية.

إن حماية الملکية الخاصة بحکم القانون وتحديد الأسعار وفقاً لقوى العرض والطلب وتوسيع خيارات الأفراد وعدم تقييد الإنتاج والاستهلاك والتجارة وحرية انتقال الأيدي العاملة ورؤوس الأموال والبضائع من وإلى السوق، تعزز الحرية الإقتصادية وتجعل بيئة كوردستان جذابة للمستمثر الداخلي والخارجي، لكي يستطيع أن يمارس نشاطه الاقتصادي بانسيابية عالية وضمانات كافية، فتنفيد برنامج الإصلاح لتحقيق التحرر الاقتصادي يؤدي بالنتيجة الی تحقيق التقدم والنمو الاقتصادي، ذلك العامل الأساسي الذي يحدد مستويات المعيشة.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5161 المصادف: 2020-10-22 11:45:40