 آراء

الحيدري والسيستاني والصدر وقضية تكفير المخالف في المذهب والدين

علاء اللاميقضية تكفير المخالف في المذهب والدين بنسخة تثير التفاؤل العقلاني: بدءاً، أعبر عن تضامني مع الإعلامي الشاب سعدون محسن ضمد ضد ما يتعرض له من ضغوطات وتهديدات وسوء فهم لدوره كإعلامي نقل حوارا فكريا مع مرجع ديني معروف هو السيد كمال الحيدري/رابط 1، للحلقة الخامسة. وأعتقد أنَّ من حقنا أن نتفق أو نختلف ونناقش مؤيدين أو رافضين أو متحفظين ما ورد في البرنامج، ولكن ليس من حق أحد احتكار الحقيقة والتعامل مع أصحاب الفكر بعقلية لا علاقة لها بالفكر وأهل الفكر سواء كان دينيا أم دنيويا، وأعبر عن الأسف لأن الإعلامي الشاب بادر إلى إلغاء حلقات برنامجه "المراجعة" القادمة. وبهذا الصدد سأحاول الإجابة على التساؤل التالي:

*إذا كان الحيدري والصدر والسيستاني متفقين ثلاثتهم من حيث الجوهر على رفض تكفير المخالف في المذهب وأحيانا حتى في الدين، فلماذا هذا الجدال المتشنج في الشارع بين مؤيديهم وأنصارهم على التفاصيل؟ بوضوح وملموسية أكثر أقول:  إذا كان السيد كمال الحيدري يرفض تكفير المخالف له في المذهب اعتقادا منه بالجذر المعرفي الفلسفي الذي يتبناه والقائل - ما معناه - إنَّ (لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، وإنَّ الخلل المفضي إلى التكفير حول الإمامة إنما يقع في المنظومة الروائية وفي قراءة هذه المنظومة بتسليم كامل، وهي على ما هي عليه من الجَعْلِ والكذب والوضع ما أدى إلى وحدة القراءة المكفِّرة للآخر من معتنقي الدين ذاته على اختلاف مذاهبهم)، إضافة إلى اجتهاده الجريء القائل (بعدم الملازمة بين الكفر بمعنى "عدم الإسلام" ومهدورية الدم لأن حكم قتل المرتد لم يثبت عندي)،

*وإذا كان السيد مقتدى الصدر /الرابط 2 يرفض تكفير المخالف في المذهب في ضوء تفريقه بين كفر الجحود (بالربوبية) وكفر الطاعة (غير الموجب للردة)، بل ورفض الصدر الجريء حتى لتكفير المخالف له في الدين أي بعدم تكفير أهل الكتاب في ضوء فهمه لمضمون الآية القرآنية القائلة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)،

*وإذا كان السيد علي السيستاني في رسالته الفتوائية منهاج الصالحين في المجلد الأول ص ١٣٩ من الطبعة الأولى/ الرابط 3، يرفض تكفير المخالف له في المذهب الإسلامي ويقول (إن عموم إخواننا من أهل السنة والجماعة الذين ينكرون إمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام يعتقدون بان الإمامة ليست مما جاء به النبي صلى الله عليه واله وسلم فلا يكون إنكارهم مضرا بإسلامهم ... وإن عامة أهل السنة والجماعة هم من المسلمين الذين تُحقن دماؤهم وتحترم أموالهم ويثبت لهم سائر الأحكام المختصة بالمسلمين)،

*أقول إذا كان هؤلاء الذوات الثلاثة يعتقدون بالمضمون أعلاه، وهم على هذا المبدأ، أفلا يُعتَبَرون من حيث الجوهر والمضمون متقاربين بل ومتماثلين داخل تيار تجديدي مضاد للتكفير في الفقه الإسلامي الشيعي؟ وإذا كانوا هكذا فعلا، فلماذا هذا التعادي والاستعداء بين بعضهم البعض، هل هو جزء من فوضى ومعافسات السياسية والإعلام في عراق اليوم؟ إن هذا القول لا ينفي وجود الفروق الجزئية والجوهرية والخلافات التفصيلية بينهم، ولكنها مدعاة لأن تكون عامل تعميق وتطوير وإغناء في خط تجديدي صاعد تمناه وعمل من أجل الكثيرون وليس العكس.

 *ولكي لا تكون القراءة التي قدمناها في أعلاه محاولة توفيقية سطحية لا ينبغي أن ننكر حقيقة أن ما أورده الحيدري من شواهد على وجود التفكير في الفقهين الشيعي والسني هي شواهد ومقتبسات صحيحة وثابتة إنما ينبغي تناولها داخل شرطها التاريخي وليس خارجه، ولكنها اقتباسات تفتقد الاتجاه النفعي والهدف التنويري ذا الصلة، ورغم ذلك فقد كان ينبغي على مُنكر وجود هذه المقتبسات أن يرد عليه بحجج مقنعة، أما اتهام الحيدري بأنه أساء فهم ما أورده من مقتبسات فهو خلاف تفصيلي لا جوهري يمكن الوقوف عنده بطريقة أكثر رصانة واعتدالا.

* ثم أن النصوص الفقهية التي تقول بحكم التكفير والردة موجودة فعلا في الفقهين الشيعي والسني ولا سبيل إلى إنكار وجودها بل هي موجودة في آيات القرآن ولكنها هذه النصوص لم تكن هي السبب في نشوء ظاهرة التكفير في التاريخ كما يعتقد المستشرقون الأورومركزيون الغربيون وتلامذتهم من حملة "جرثومة" الدونية الحضارية و"عقدة الخواجة"، فهذه الآيات القرآنية والنصوص الفقهية التي يربط البعض بينها وبين ظاهرة العنف التكفيري الديني المعاصر موجودة كنصوص منذ أكثر من ألف عام ولكنها - كما تحاجج مثلا الباحثة والمستشرقة البريطانية المنصفة كارين آرمسترونغ / رابط 4 - لم تؤدِ إلى وجود ظاهرة "الإرهاب السلفي والتكفيري" إلا حين نشأت ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية معينة ومحددة ساعدت على نشوئها وتحولها الى ظاهرة فاشية ولعل في مقدمة هذه الظروف المساعدة - من وجهة نظري - وقوع التدخل المخابراتي الأميركي في أفغانستان وتشكيل تنظيم القاعدة سنة 1978، والغزو الأميركي للعراق واحتلاله سنة 2003 وفرض نظام المحاصصة الطائفية والعرقية ودستور المكونات على شعبه ومن ثم تطبيق تكتيك الرئيس الأميركي بوش "فتح أبواب العراق للتكفيريين بدلا من أن نضطر لقتالهم في شوارع واشنطن ونيويورك"! 

نعم، لقد كان منطق السيد الحيدري الاقتباسي انتقائيا، لأنه جاء بأشياء لخدمة فكرته المسبقة وأهمل أخرى تفندها أو تضعف فحواها، وهذا واضح كفاية، وقد أهمل في ما أهمل أنواع الكفر وأشهرها خمسة في الفقه السني وأربعة في الفقه الشيعي الاثني عشري. ولم يتوقف بالشرح عند الفروق بينها من حيث الأحكام والشدة والمعنى والظرف التاريخي، وقد كان ينبغي تركيز النقد الموجه للمرجع الحيدري في هذه النقطة لا بجعله شاملا إقصائيا يكاد يتداخل مع إخراج الرجل من المِلة واعتباره مال إلى العلمانية فسيطرت عليه في حين الطرف الآخر المتهِم له يتجاوزه في دفع التكفير عن المخالف في المذهب إلى دائرة أوسع وأكثر جرأة هي دفع التكفير عن المخالف في الدين، فكيف نعلل هذا الاتفاق الجوهري على دفع التكفير عن المخالف وهذا التفارق والتشنج الشكلي بغير العامل السياسي والإعلامي وغير ذلك من عوامل ذاتية خارج نطاق البحث الفقهي تماما.

إنَّ هذه المقتبسات الثلاثة تؤكد لنا بجلاء تام أن هناك وحدة نوعية عميقة في ما طرحة السيد الحيدري والسيد الصدر وحتى بما طرحه السيد السيستاني سنة 2012 في بيانه الشهير المشار إليه حول تكفير المخالف في المذهب والرافض لولاية الإمام الشيعي، بما يجمع هذه الأصوات الثلاثة ضمن تيار تنويري في الفقه الشيعي المتحفظ عمليا إلى درجة الرفض الصريح لتكفير المخالف وأن ما يشوش على الرؤية المفضية الى ذلك هو العامل السياسي والإعلامي المقحم فيه وعليه! بل أذهب أبعد من ذلك وأقول: إن حادثة هذا الحوار يمكن احتسابها إشارة هامة إلى أن الفقه الإسلامي الشيعي، في ما يتعلق بموضوع تكفير المختلف داخل المذهب الواحد بلغ درجة عالية من النضج والجرأة لدى هؤلاء الذوات الثلاثة بما يبشر بفتح ثغرة مهمة في جدار التكفير التقليدي الفقهي. وكان المبتغى والمأمول تطوير هذه المحاولة ومتابعتها ولكنها للأسف أطفئت وقمعت وأوقفت بوقف وإلغاء هذا البرنامج المفيد، وبالحملة الإعلامية العنيفة التي شنت ضده وضد السيد الحيدري وهي حملة محكومة غالبا بسوء الفهم والتوهم والمزحوم بالهجاء والسجال السياسي والإعلامي الذي لا علاقة له بالموضوع الفقهي.

ومع ذلك، يحق لذوي العقلية البناءة أن يعتقدوا أن هذه المناسبة ستبقى حية، وقد يُبنى عليها مستقبلا لمصلحة الخطاب العقلاني المضاد للتكفير الديني في الفقه الشيعي الاثني عشري وفي الفكر الإسلامي المعاصر عموما. خطاب يؤسس له هذا الرفض لتكفير المخالف الديني والمذهبي، باتجاه تحريم وتجريم التكفير كممارسة مؤدية إلى القتل العمد أو التحريض عليه؛ رؤية عقلانية تنويرية ترسل فقه التكفير والارتداد ومتبنياته إلى المتحف الفقهي ليحتل مكانه إلى جانب فقه ملك اليمين والرقيق والذي لم يعد اليوم أحد من المسلمين خارج السلفية الانتحارية الداعشية، يتبناه أو يدافع عنه مع أنه شكل جزءا ضخما من السردية الفقهية القديمة ولعله الجزء الأكبر ضمن فقه البيوع والحيازة قديما؟

 

علاء اللامي

......................

* روابط ذات صلة اقتبسنا عنها عدة فقرات في أعلاه:

1- رابط الحلقة الخامسة من برنامج " المراجعة" الحوار مع المرجع الحيدري:

https://www.youtube.com/watch?reload=9&reload=9&v=V2bJJcrqUK8&ab_channel=%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%B2%D8%A9%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82%D8%A9

2-الرد المكتوب للسيد مقتدى الصدر على السيد الحيدري

https://baghdadtoday.news/news/135211/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%8A%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7-%D9%85%D8%B7%D9%88%D9%84%D8%A7-%D9%8A

3-بيان المرجع السيد علي السيستاني حول عدم تكفير المنكر للإمامة:

https://iqna.ir/ar/news/1986294

4- رابط حوار مع الباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ: سؤال: لكن ألا يجب العودة إلى بعض الآيات القرآنيَّة بغية تفسير ظاهرة العنف الإسلاموي؟

جواب كارين آرمسترونغ: كلا، لا ينبغي ذلك لسببٍ بسيطٍ هو أنَّ هذه المقاطع القرآنية لم تثِر الإرهاب على مدى التاريخ... كان الإسلام حتى بداية الحداثة أكثر تسامحًا بكثيرٍ من المسيحيَّة الغربيَّة. وعندما احتل الصليبيون القدس سنة 1099، أصيب الشرق الأوسط بصدمةٍ جرَّاء مجازرهم التي ارتكبوها بحق سكَّان المدينة المسلمين واليهود. ممارسة هذا العنف المنفلت من عقاله لم تكن معروفةً هناك. ومع ذلك، استغرق الأمر خمسين عامًا إلى أنْ قام المسلمون بردِّ العدوان بشكلٍ فعليٍ. وهنالك عنف في الكتاب المقدَّس العبري وفي العهد الجديد يفوق ما في القرآن من عنف.

http://www.albadeeliraq.com/index.php/ar/node/1391

5- تكفير الآخر في الفقه الشيعي ...علاء اللامي/ 30.01.2014:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=398346

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5167 المصادف: 2020-10-28 01:53:17