 آراء

إلى السيّد ماكرون (5):

حسين سرمك حسنفي عام 2005 فرنسا "المتحضّرة" تُصدر قانون تمجيد الاستعمار!!- إبادة الشعوب ليست شرّاً بل "تبادل ثقافات"!!- ويجب إدخال مدح الاستعمار في المناهج الدراسية

إعداد: حسين سرمك حسن


صدر عن الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) قانون تمجيد الاستعمار أو قانون العار رقم (158/2005) بتاريخ 23 شباط 2005 ، الذي ينص "في مادته الأولى على ما يلي: "تعبّر الأمة عن عرفانها للنساء والرجال الذين شاركوا في المهمة التي أنجزتها فرنسا في مقاطعاتها السابقة بالجزائر، المغرب وتونس والهند الصينية وفي كل البلدان التي كانت تحت السيادة الفرنسية.

وتعترف الأمة الفرنسية بالآلام التي كابدها والتضحيات التي بذلها المرحلون الأعضاء السابقون في التشكيلات الإضافية والمدمجون، المفقودون والضحايا المدنيون والعسكريون خلال الأحداث المتعلقة بمسار استقلال هذه المقاطعات والأقاليم السابقة وتعرب لهم ولعائلاتهم بصورة علنية عن عرفانها".

1949 فرنسا 1

(من ضحايا الاستعمار الفرنسي الحضاري في الجزائر)

كما تنصّ فقرة في المادة الرابعة على أن (تتضمن البرامج المدرسية -وبالأخص في جانبها التاريخي- الإشادة بالدور الإيجابي الذي لعبه الحضور الفرنسي في ما وراء البحار وبخاصة في شمال أفريقيا).

ويستخدم هذا القانون مصطلح "وجود" بدل "استعمار"، معتبرا أن هذا الوجود "نقل الحضارة إلى تلك البلدان وأخرجها من التخلّف".

ومن الضروري أن نذكّر بأن السلطات الفرنسية بادرت بتاريخ 18 أكتوبر 2010 الى إنشاء مؤسسة "الذاكرة وحرب الجزائر والمغرب وتونس" والتي تعمل على تمجيد الاستعمار الفرنسي وتبرير الممارسات القمعية وجرائم الاستعمار الفرنسي. وليس من قبيل الصدف أيضا أن تقرّر السلطات الفرنسية إقامة نصب تذكاري بمقبرة «مارينيان» بجنوب فرنسا تخليدا وتمجيدا لأعضاء سابقين في منظمة الجيش الفرنسي السري التي اغتالت وقتلت عشرات الآلاف من الجزائريين.

 وما يزيد المسألة خطورة ويعطيها منحى دراماتيكيا هي مجموعات كبيرة من السياسيين والمثقفين الفرنسيين يعلنون بلا تردّد عن إيمانهم برسالة الاستعمار التمدينية.

* مرشّح اليمين: الاستعمار الفرنسي ليس شرّاً بل "تبادل ثقافات"

فهذا مرشح اليمين الفرنسي للانتخابات الرئاسية، فرانسوا فيون، لا يتردّد في وصف فيون الاستعمار الفرنسي بأنه "تبادل للثقافات"، مندّدا باعتبار البعض أن "الاستعمار شرّ سقط على البلدان التي غزتها فرنسا". وأضاف أنه سيعمل على تغيير كتابة تاريخ فرنسا في مستعمراتها السابقة، ضمانا لـ "نظرة مغايرة للأجيال عن الاستعمار"، على حد تعبيره.

فيون، وهو أكثر المرشحين قربا من نظريات اليمين المتطرّف، بدا في أحد خطاباته، حينذاك، داعما لروح قانون "تمجيد الاستعمار"، الصادر في شباط/ فبراير 2005، حين قال إن فرنسا "غير مذنبة، وكل ما أرادته هو تقاسم ثقافتها مع شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية".

1949 فرنسا 2

(من ضحايا الاستعمار الفرنسي الحضاري في الجزائر)

* ساركوزي.. استغلال وليس جرائم حرب

الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي (2007- 2012)، لم يشذّ عن ازدواجية التصريحات بشأن ملف الاستعمار.

ففي كانون الأول/ ديسمبر 2007، وصف ساركوزي، خلال زيارة صداقة للجزائر، النظام الاستعماري الفرنسي في البلد العربي بأنه "ظالم ويتناقض مع شعار الجمهورية: حرية- مساواة- أخوة".

ومضى قائلا إن "هذا النظام لا يمكن أن يكون سوى مؤسسة استغلال، وأخطاء وجرائم الماضي لا تغتفر"، رافضا في الوقت نفسه استخدام مصطلح "جرائم حرب" أو "جرائم ضد الإنسانية".

غير أنه بعد أربع سنوات، وتحديدا خلال حملته للانتخابات الرئاسية في 2012، تغير موقف ساركوزي تماما، إذ قال إنه لا يمكن لفرنسا "إعلان التوبة (الاعتذار) عن قيادتها لحرب الجزائر، وإنه يتحتّم عليها "تحمّل مسؤولية تاريخها".

ساركوزى تابع بقوله: "لكن أين تكمن مسؤولية فرنسا.. في أنها كانت قوة استعمارية أو أنها قبلت مسار إنهاء الاستعمار في الجزائر كما أجبرت على فعل ذلك جميع القوى الاستعمارية الأخرى؟"

وهكذا تراجع ساركوزى عن عباراته المنددة بالاستعمار، ليوظف ملف الاستعمار، وهو من المواضيع فائقة الحساسية لدى الرأي العام الفرنسي، في حملته الانتخابية سعيا إلى عودة لم تحدث إلى قصر الإليزيه.

* الأحزاب الجزائرية: قانون تمجيد الاستعمار إهانة وجريمة والردّ عليه يكون بإقرار قانون تجريم الاستعمار المُعطّل منذ سنوات

عقدت مجموعة الاحزاب السياسية الجزائرية والمنظمات الوطنية المنظوية تحت حماية الذاكرة الوطنية والسيادة اجتماعا والذي تزامن مع الذكرى السنوية لسنّ قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي حيث اصدرت بيانا جاء فيه: في لقاء جمع قادة مجموعة  الأحزاب و المنظمات للدفاع عن الذاكرة والسيادة  يوم الجمعة 22 فبراير 2013  بمقر حزب العدل والبيان ، بمناسبة الذكرى الثامنة المشؤومة لمصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على قانون 23 فبراير 2005 الممجد للاستعمار ؛ وفي ظل السكوت المحير للسلطة عن الرد المناسب عليه ، وعرقلة البرلمان لمشروع قانون تجريم الاستعمار الذي بادر به النواب في العهدتين البرلمانيتين السابقتين للرد على هذه الإهانة الفرنسية فإننا نذكر الرأي العام الوطني ونسجل:

(1) أن هذا القانون الصادر قبل ثماني سنوات يعطي طابعا إيجابيا للاستعمار ويُعد في حد ذاته جريمة تكرس استمرارية جرائم 132 سنة في حق الشعب الجزائري .

(2) أن اعتراف الرئيس الفرنسي بأن الجمهورية الفرنسية تعترف بكل وعي بالمجازر التي تعرّض لها الجزائريون يوم 17 أكتوبر 1961 ، لا تعدو أن تكون مناورة معزولة ولا بديل عن الاعتراف والاعتذار والتعويض .

(3) أن الاحتفالات في باريس  لمناهضة الاستعمار والعنصرية في الذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية يبقى بلا جدوى إذا لم تتخل فرنسا عن سياسة الاستعلاء الاستعماري التي مازالت تتعامل بها مع جميع مستعمراتها القديمة.

(4) تعتبر المجموعة النضال المستمر لتمرير مشروع قانون تجريم الاستعمار للمصادقة في البرلمان أفضل رد على قانون تمجيد الاستعمار، وعليه فإن المجموعة تدعو جميع النواب لتفعيل هذه المبادرة واتخاذ جميع الإجراءات القانونية لإنجاحها كما تدعو الحكومة إلى التعاطي الإيجابي مع هذه القضية الوطنية .

1949 فرنسا 3

(من ضحايا الاستعمار الفرنسي الحضاري في الجزائر)

* كيف تمجّد أمّة "متحضّرة" جرائم يخجل منها أيّ انسان في العالم؟

ويتساءل أحد الكتّأب الجزائريين: "كيف تصادق فرنسا على قانون يمجد الاستعمار والأعمال الوحشية في عصر العولمة ومجتمع المعرفة والمجتمع الرقمي، في عصر الحوار بين الثقافات والشعوب، في عصر التسامح والتفاهم؟ في عصر حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والحوار بين الشعوب والأمم والحضارات والديانات.

قانون العار يتناقض جملة وتفصيلا مع التطور التاريخي المتميز بظهور وعي جديد يعمل من أجل القيم والعدالة وحقوق الإنسان ويحارب الهمجية والإرهاب والتطرف والاستعمار والاستغلال والعبودية والعنصرية.

يبدو أن بلد «الحرية ـ العدالة ـ المساواة» حنّ إلى القرنين الثامن والتاسع عشر ليعود من النافذة ويعود ويذكّر الإنسانية جمعاء بأعمال يخجل منها أي إنسان في العالم ينعم بعقل سليم وبقيم إنسانية.

قانون 23 فبراير 2005 يُعتبر بكل المقاييس قانون عنصري، يزّيف ويحرّف التاريخ والذاكرة الإنسانية كما يُعتبر تدخلاً سافراً في شؤون المستعمرات السابقة لفرنسا.

فمجرد الحديث عن فضائل الاستعمار يعني إضفاء الطابع الإيجابي على الاستعمار وأن هذا الأخير أمر إيجابي وحضاري ومفيد للشعوب التي ااستُبعدت وشُردت وعُذبت وتم تجهيلها وتجريدها من كل مقومات الحياة الكريمة والشريفة.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5170 المصادف: 2020-10-31 03:20:10