عبد الحسين شعبان«عليك دائماً أن تعمل كرجل فكر، وأن تفكّر كرجل عمل»؛ ذلك ما قاله المفكر الفرنسي هنري برجسون. وأجِدُ ترابطاً عملياً لهذه العبارة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون في علاقات دول الإقليم وأممه بين بعضها، خصوصاً حين تصل الأمور إلى مفترق طرق، فإمّا استمرار التناحر وتبديد الطاقات البشرية والمادية وتعطيل التنمية، وإما التفاهم والتعاون وصولاً للتكامل والمشترك الإنساني.

وإذا كان حصاد الحروب والنزاعات والصراعات في الإقليم الذي نعيش فيه، والذي يضمّ الأتراك والفرس والكرد والعرب، عدّة ملايين من الضحايا وما يزيد على 12 تريليون دولار في التقديرات غير المبالغة خلال العشرين عاماً الماضية، فهذا يعني تعويم التنمية أو تعطيلها على أقل تقدير، وعرقلة خطط الإصلاح، التي لا يمكن الحديث عنها إلّا في ظل أجواء الاستقرار والسلام. ف«الحروب تولد في العقول»؛ ولذلك ينبغي «بناء حصون السلام في العقول أيضاً»، حسب دستور «اليونيسكو»؛ ولأن وظيفة النخب الفكرية والثقافية بشكل عام، التوجّه إلى الإنسان ومخاطبة عقله، فلا بدّ لها إذاً أن تتحرّك؛ لتقديم رؤية نقيضة للحرب على الرغم من الخراب والدمار وثقافة العنف.

خطر ذلك ببالي، وأنا أساهم في جلسة لإعلان منبر جديد للحوار باسم «منتدى التكامل الإقليمي»، أطلق من الجامعة اللبنانية. والفكرة وإنْ انطوت على تقدير إيجابي لمستقبل علاقة أمم الإقليم المشرقي، الذي اعتبره مجالاً حيوياً لاهتمامه، فهي في الوقت نفسه تمثّل جامعاً يسعى إلى تعظيمه، وأمّا ما هو مفرّق فقد نظر إليه بكونه طارئاً وعابراً وظرفياً ينبغي العمل على تقليصه.

ولعلّ هذه النظرة المستقبلية، شغلت مثقفين من بلدان عدّة تلمّسوا بتجاربهم وكلٌ من موقعه أهمية الحوار خارج دائرة الاشتباكات الإيديولوجية والاستقطابات الطائفية والاحترابات الإثنية والمصالح الأنانية الضيقة؛ لأنها تقوم باختصار على أن الأمم والشعوب، التي تعيش في المنطقة، والتي تعاني توتّرات وصراعات داخلية وإقليمية وخارجية، تحتاج إلى إعادة بناء علاقاتها مع بعضها؛ لتنميتها بروح القيم الإنسانية، التي تمثّل المشتركات بين البشر، وكان ذلك مدار بحث وحوار في تونس وما ينتظر أن ينطلق بصورة واسعة في منتدى الفكر العربي بعمّان.

وإذا توقّفنا عند الحروب والصراعات، التي تعيشها دول الإقليم، فسنراها حروباً مركّبة سياسية واقتصادية وإيديولوجية حتى وإنْ حملت في حقيقتها مصالح قوميّة جيوسياسية ونزعات للهيمنة وفرض الإرادة، سواء حدثت بصورة مباشرة أم بالواسطة، وبالتداخل والتناظر مع مصالح دولية أحياناً، ليس بعيداً عنها الدور «الإسرائيلي» العدواني المستمر.

فهل ثمة فرصة لأمم الإقليم؛ لتعزيز الروابط فيما بينها، والنهوض بمستلزمات التحدّي الذي يواجهها، خصوصاً وأن هناك استهدافاً شاملاً لها جميعاً دون استثناء؟ ثم كيف يمكنها استثمار اللحظة التاريخية والتقاط ما هو جوهري ومستقبلي؛ لبناء العلاقات وفقاً لقيم ومبادئ كونية جامعة قوامها: الحرية والسلام والتسامح والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة واحترام الخصوصيات والهوّيات الفرعية، وتلك جوامع إنسانية لبني البشر، فما بالك بالنسبة لشعوب المنطقة. وإذا كانت أوروبا قد سبقتنا بوضع حدٍّ لحروبها الطائفية، ولاسيّما بين البروتستانت والكاثوليك، وخصوصاً «حرب الثلاثين عاماً»؛ بإبرام معاهدة وستفاليا 1648، فسيكون جديراً بالإقليم المشرقي إعادة بناء علاقاته وفقاً لهذه الأسس الجيوسياسية الثقافية، وعلى قواعد القانون الدولي المعاصر، وميثاق الأمم المتحدة ووفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، التي يمكن أن تضع حداً لحروب عبثية باسم السنّة والشيعة، وباسم «الإسلام» ضد الأديان الأخرى، وهذا ما كان قد طغى على خطاب «داعش»؛ بعد هيمنته على ثلث مساحة كل من العراق وسوريا، لاسيّما باستهداف المسيحيين والإيزيديين، وأتباع الأديان الأخرى، وجميع المسلمين وفقاً لاجتهاداته الجهنمية بتكفير الجميع.

وبتقديري، إن النخب الفكرية والثقافية والحقوقية ومن موقعها التنويري يمكن أن تكون «قوة اقتراح» وخصوصاً، حين تستطيع بناء جسور الثقة مع أصحاب القرار؛ بحيث تصبح شريكاً فاعلاً ومشاركاً لا غنى عنه في عملية التنمية المنشودة، سواء في صنع القرار أم في تنفيذه.

يمكننا تصوّر كم كان وجه الإقليم سيكون مختلفاً ومكانته كبيرة؛ لو اعتمد «تعاهداً» أو «ميثاقاً» عاماً للسلام؛ أساسه احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحق تقرير المصير وإنماء التعاون والشراكة ؟ وكم سيكون انعكاسه فاعلاً على كل بلد، وعلى مستوى الإقليم؛ بل على المستوى الكوني؛ بالاستثمار لمصلحة الإنسان وحقوقه وحرّياته وتعليمه وصحته وبيئته وتنميته؟ وبالطبع بالتكامل وليس بالتناحر!!

 

عبد الحسين شعبان

 

 

كاظم الموسويلم تكن الاحتجاجات العراقية في المحافظات الجنوبية خصوصا جديدة، بل تتكرر كل عام منذ سنوات، وتحت الأسباب ذاتها والشعارات نفسها، وتتلون حسب ظروفها أو المتظاهرين فيها، من أبنائها أو من خارجها. وكما حصل في السنوات السابقة حدث هذا الصيف في العراق، اندلعت التظاهرات في مدينة البصرة، اولا وتتالت للأسباب ذاتها في المحافظات المجاورة، الجنوبية، الناصرية والعمارة والسماوة، ولتمتد الى الفرات الاوسط، محافظات الحلة والنجف وكربلاء، وصعودا الى محافظة الكوت، والعاصمة. والصيف في العراق يتميز كما حال دول الخليج بمواسم حارة جدا، ترتفع فيها درجات الحرارة في الظل الى اكثر من خمسين درجة مئوية، وترتفع نسبة الرطوبة بالتتابع، وتصبح الأجواء خانقة وصعبة مما لا يسمح بالتعامي أو التغاضي عن الحلول المطلوبة لمثل هذه الاوضاع. وفي كل الحالات الشعارات التي ترفع في هذه التظاهرات هي نفسها ايضا، المطالبات بتوفير الخدمات، الكهرباء والماء، وللاسف لم تسهر لا الحكومة المحلية ولا المركزية على تنفيذ واجباتها أو وظيفتها الأساسية فيها، بحيث لا يمكن تصديق ما يجري وما يحدث. ففي الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة تقطع الكهرباء، إلى درجة قاسية واحيانا نهائيا، وفي هذه الأجواء لا يتوفر بشكل طبيعي ماء الشرب، فأما يقطع أو ينزل بنسبة عالية من الملوحة، بحيث لا يصلح لا للشرب ولا حتى الاستعمالات اليومية، فضلا عن تأثيره الصحي والزراعي والبيئي. فإذا اضيف لهذا القصور الصارخ للسلطات المتحكمة في هذين الأمرين المهمين، البطالة المتزايدة، البحث عن عمل يسد معيشة العوائل التي لا مورد لها غير انتظار التوظيف أو الحصول على أي عمل يعوض عن غيره، يمكن الشباب خصوصا تدبير أمور حياتهم الطبيعية، وإذا اضيف لهذا ايضا تفشي الفساد الإداري والمالي والسياسي فتصبح المشكلة كبيرة ولا تجد جماهير هذه المدن فرصة لها أو املا باصلاح أو إجراء ملموس يحل لهم هذه المشاكل المتفاقمة، وهم يرون أمامهم كيف يتصرف المسؤولون وماذا يملكون وينهبون من المال العام ومن الوظائف والخدمات والتفنن في الخداع في كل ما يتعلق بحياة الناس اليومية.

تتسع التظاهرات في محافظة البصرة، فتشمل مناطق جديدة، بعدما بدأت في كرمة علي التي شهدت مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين في إطلاق قوات الامن النار على المتظاهرين. وينصب محتجون خيماً على الطريق العام، معلنين اعتصاما مفتوحا لم يحددوا مدته حتى الاستجابة لمطالبهم. ولم تنته عند هذه الحدود، إذ فقدت الثقة والمصداقية بين الوعود والمواعيد، بين المطالب والتنفيذ، بين التطبيق والانجاز. فتطورت وسائل الاحتجاج وقيل عن تدخلات سياسية فيها، حيث تم حرق الإطارات لقطع الطرق بين المحافظات والمدن الاخرى، وصولا إلى اقتحامات لشركات النفط ومؤسسات حكومية وحزبية وصدامات مع الأجهزة الأمنية واستخدام السلاح الناري فيها.

الحال نفسه، في باقي المحافظات، فامتدت الاحتجاجات إلى محافظة العمارة، حيث تجمع مئات من المواطنين، في تظاهرات ليلية، مطالبين بتحسين الخدمات الأساسية. كما وصلت حماستها الى محافظات النجف والسماوة وبابل والديوانية، حيث ردّد عشرات ومئات المحتجين الغاضبين شعارات تندد بالفساد الإداري والمالي وضياع الأموال على ملف الكهرباء وهدرها من دون تطوير الخدمات، وطالبوا بإيجاد حلول سريعة مع حلول فصل الصيف وتصاعد درجات الحرارة إلى مستويات عالية..

توازت معها التظاهرات الاحتجاجية في محافظة الكوت، إذ بدأت بتجمع مئات المحتجين في ساحة تموز، احتجاجاً على ضعف الطاقة الكهربائية، ورفعوا شعارات ايضا تطالب الحكومة بتوفير الخدمات. ومعها شاركت مئات المواطنين في الناصرية احتجاجا ايضا على نقص الخدمات أو انعدامها، وانطلقوا لقطع الطريق المؤدي إلى وسطها، واشعال اطارات وسط الشوارع. وتضامنا مع هذه الاحتجاجات انطلقت تظاهرات في مدن متعددة من محافظة بغداد. وهكذا نرى أن شرارات الاحتجاجات تجددت في هذه المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط والوسطى والعاصمة، لما عانته من قصور واضح في الخدمات وانتشار الفساد وفشل الحكومات المحلية في إدارة أعمالها واتهامها أو حكم على بعضها بالفساد والرشوة والسرقة وضعف قدراتها في التخطيط والعمران.

من أبرز ما عاناه العراق بعد الغزو والاحتلال خطط المحاصصة الطائفية واستشرائها في السلطات المركزية اساسا، وتباين المشاعر الوطنية إزاء هذا القصور والنقص الصارخ في وظيفتها ومهماتها واعمالها، حيث تعاقب على إدارة حقيبة الكهرباء، مثلا، وزراء من طوائف وأحزاب مختلفة، فشلوا جميعا في إيصال البلاد إلى نقطة سد الحاجة من منتجها المحلي، بل أنهى معظمهم مدته متهما بالفساد المالي والفشل في إيجاد حلول لهذه الأزمة المزمنة. بل وأخرجت بعضهم أجهزة إدارة الاحتلال من السجن وهربتهم خارج العراق، ومارست دورها التدميري حتى في عمليات التحديث والإنتاج والشراء والإدارة العملية المطلوبة. ولا توفر المؤسسات العراقية المختصة أي بيانات ثابتة عن حجم الإنفاق في قطاع الطاقة، لكن القول المعلن إنه بلغ نحو 40 مليار دولار منذ 2004. وهذه المليارات ضاعت في طريق تحقيق خدمة ناجحة وقادرة على الوفاء للوعود الكاذبة التي لو سجلت اليوم لكانت وحدها سببا لمحاكمة كل من تحمل مسؤولية في هذا القطاع المهم في العراق، كغيره من البلدان، وفي فصل الصيف العراقي خصوصا. وسجلت خلال الأعوام المتتالية "خروقات كبيرة في عقود الكهرباء تمثلت في التعاقد على محطات توليد لا تتناسب والأجواء العراقية، أو شراء قطع غيار بمبالغ طائلة ظهر أنها غير مطابقة للمواصفات، أو التعاقد مع شركات غير متخصصة أو وهمية لصيانة محطات الطاقة وأبراج النقل."!

ما حصل في قضية الكهرباء جرى مع النفط والغاز والمياه، وغيرها من المجالات والفرص. وكشفت الاحتجاجات صورة من الخراب العام في هذه القطاعات، أو سلطت الأضواء عليها مذكرة بما كان وما يجب أن يكون، ولم تتمكن الحكومات من تغييرها، خلال كل هذه الأعوام المتعاقبة، ولعل هذه الاحتجاجات الان تفتح الأعين وتغير المسار وتعيد العراق الى مكانته الحقيقية في كل الأصعدة والقطاعات. الكل يعرف أن الثروات موجودة والطاقات كبيرة ولكن للأسف الإدارة مفقودة والشعور بمسؤولية بناء الدولة لم تترسخ بعد. ولهذا لابد من أن تكون هذه الاحتجاجات اخر جرس انذار!.

 

كاظم الموسوي

 

 

جمال الخرسانإقامة الرئيس الفنلندي مساء امس الاثنين مؤتمرا صحفيا بحضور مختلف وسائل الاعلام يكون قد اسدل الستار على برنامج عمل "قمة هلسنكي" التي جمعت بين رئيسي الولايات المتحدة الامريكية وروسيا بهدف تقريب وجهات النظر. نهاية القمة لا تعني باي شكل من الاشكال نهاية تداعيات القمة والحديث عما حملته من تفاهمات، اسرار ونتائج.

ومع ان قمما من هذا النوع لا تبوح بكامل اسرارها بعيد ساعات او أيام من اقامتها الا ان ما بدى من ارتياح واضح جدا على محيا ترامب وبوتين في المؤتمر الصحفي الذي اعقب نهاية اربع ساعات من المفاوضات يؤشر على نجاح المباحثات وتقريب وجهات النظر حول العديد من الملفات العالقة وان ما تحقق في القمة جعل القمة تفي بوعودها خصوصا بالقياس لما اعلن قبيل انعقادها من مواقف أمريكية وروسية كانت تخفض من سقف التطلعات المنتظرة للقمة.

وفي هذا السياق يأتي تصريح الرئيس الأمريكي ترامب في المؤتمر الصحفي حينما قال: ان علاقاتنا مع روسيا تغيرت منذ اربع ساعات. في إشارة الى الى نجاحات المباحثات.

وكما أشار بوتين في ذات المؤتمر الصحفي بان المباحثات كانت صريحة وبنّاءة، بوتين ذكر العديد من الملفات التي عرضت على طاولة الحوار، منها ما يخص الدولتين بشكل مباشر كما هو الحال مع ملف التسليح، وتحركات الناتو والعلاقات الاقتصادية إضافة الى الاتهامات التي تتحدث عن تدخل روسيا في الانتخابات الامريكية ومنها أيضا ما يخص الحلفاء ومناطق النفوذ في العالم كما هو الحال بالنسبة للملف السوري، الملف النووي الإيراني وحتى الاوكراني.

بالنسبة للملف السوري يبدو ان التفاهمات حتى الان تشير الى صفقة ما، تخص الجنوب السوري لازالت غير واضحة المعالم ورد بعض ملامحها في إشارات بوتين حينما تحدث عن ضرورة إعادة الانتشار للجيش السوري وفق اتفاقية وقف اطلاق النار الموقعة بين سوريا وإسرائيل عام 1974.

في السياق الحديث عن القمة أيضا لا ينبغي اهمال الانضباط الكبير الذي ابداه ترامب في قمة هلسنكي، على غير العادة، اذ لم يصدر منه تصرف من قبيل المشاكسات المعهودة عنه، والتي سبق وان ظهرت امام وسائل الاعلام في قمم كبرى مثل قمة مجموعة السبع او في اجتماع حلف الناتو الذي عقدت قبل أيام في بروكسل. لكن هذا الانضباط لم يشفع لترامب ويجنبه هجوما عنيفا في الداخل الأمريكي بسبب غزله الدبلوماسي المتبادل مع بوتين.

ان وسائل الاعلام لازالت تتابع بشغف تفاصيل ما جرى في وسائل الاعلام او حتى ما حصل خلف الكواليس، الكل يعيد قراءة التفاصيل من جديد في امل الوصول الى استنتاج او ملاحظة ملفتة، حول القمة نفسها او حول اسرار التنظيم الملفت لحدث من هذا النوع. لكن الرهان الأهم سوف يكون على معرفة ما جرى خلال ساعتين من المفاوضات جرت فقط بين بوتين وترامب بحضور المترجمين، ثم تلتها ساعتان اخريتان من المباحثات على غداء عمل بحضور بقية أعضاء الوفدين.

وفي هذا السياق أيضا يتم استرجاع شريط الذاكرة والعودة للقمم الروسية الامريكية السابقة، فهلسنكي استضافت سابقا ثلاث قمم من هذا النوع. القمة الأولى كانت عام 1975، في تلك القمة إلتقى الرئيس السوفيتي برجنيف مع الرئيس الامريكي فورد، شارك في القمة أيضا عدد كبير من قيادات العالم، اللقاءات اثمرت عن توقيع اتفاقية هلسنكي التي تحولت لاحقا الى منظمة التعاون والامن الاوروبي.

على خلفية غزور العراق للكويت وحينما احتدم الصراع السوفيتي الأمريكي في مجلس الامن استضافت هلسنكي قمة خريف العام 1990 بين الرئيس السوفيتي غوربتاشوف وبين جورج بوش الاب، وتوصل الطرفان الى تفاهمات فيما يتعلق بأزمة الكويت. أيضا عام 1997 احتضنت هلسنكي قمة يلتسين الرئيس الروسي والرئيس الامريكي بيل كلينتون.

كما ان بعض المحللين يعتقدون بان لقاء يلتسين مع بوش الاب عام 1992 في أمريكا وهو اول لقاء بين روسيا وامريكا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي كان ذلك اللقاء نتيجة تفاهمات تمت بين الجانبين في قمة منظمة الامن والتعاون الأوروبي التي انعقدت في هلسنكي عام 1992. في لقاء الزعيمين اعلن حينها رسميا عن نهاية الحرب الباردة.

خلال 43 عاما تكون هلسنكي استضافت اربع قمم أمريكية روسية عالية المستوى، وبذلك عززت مكانتها باعتبارها الموقع االمفضل لانعقاد هذا النوع من القمم التي تساهم بخفض منسوب التوتر بين القوى الكبرى في العالم.

في اطار الحديث عن القمة ونجاح تنظيمها لا اجد ختاما افضل مما جاء على لسان الرئيس الفنلندي نينستو حولها: "ان فنلندا دفعت ضريبة باهضة في الحرب العالمية الاولى والثانية وتحاول منع الحرب العالمية الثالثة من خلال صناعة السلام".

 

جمال الخرسان

 

جوتيار تمريختلف مفهوم الدولة عن الحكومة في جزئيات بسيطة، فعلى الرغم من كونهما مترادفان في احيان كثيرة الا ان مفهوم الدولة يعد اكثر اتساعاً من الحكومة، فالدولة وبحسب اراء المختصين كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل اعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، وذلك ما يفرض واقعاً حتمياً بكون الحكومة هي ليست الا جزء من الدولة، فالحكومة بتركيبتها ليست الا وسيلة او الالية التي تؤدي الدولة من خلالها سلطاتها، ومما لاشك فيه من المفترض ان تكون الدولة اكثر ديمومة مقارنة بالحكومات التي هي بطبيعة عملها مؤقتة، وبالتالي فان الحكومات هي في الاصل الوسيلة التي تحقق الدول غاياتها من خلالها، الا في حالات شاذة ونادرة حيث تحقق الحكومات غاياتها من خلال استغلال اسم الدولة لاسيما تلك الحكومات التي تعتمد النهج الطائفي والمذهبي والقومي القبلي المتعصب في سيرورة امور الدولة، وهذا ما يحدث بالضبط في اغلب الدول التي لاتتبنى النهج الديمقراطي لاسيما دول الشرق الاوسط وبعض الدول الاخرى في اوربا الشرقية وافريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، وذلك ما يفرض واقعاً غير مستقراً وفوضوياً تتحكم فيه الايديولوجيات المتعفنة الدموية الساعية لتحقيق كل غاياتها دون ان يوقفها وحشية الوسائل التي تتبعها.

ووفقاً لمفهوم اللااستقرار يستمر الحراك الشعبي اللامنظم ظاهرياً والموجه باطنياً في اغلب المناطق الشرق اوسطية،ولم يعد خافياً على متتبع للوضع السياسي في هذه المناطق ان الاجندات التي تتحكم بالموارد الاقتصادية لهذه الدول هي نفسها التي تتحكم بالرؤية السياسية والتوجه السياسي لها ايضاً، ناهيك عن كونها هي التي تدير الدفة وتحدد اتجاها فمصالحها هي البوصلة وهي فوق كل اعتبارات سواء أكانت سيادية، او طائفية، او حتى حدودية وقومية.

ما يجري الان في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن وحتى في ليبيا ليس الا نتاج طبيعي للرؤية التي رسمتها المنظومة المصلحوية على المستويين الاقليمي والدولي تلك المنظومة التي دائما ما تتحفنا بالجديد المثير في خططها وتوجهاتها بحيث تأتي في الغالب عكس المتوقع، وعكس التيار السائد، فحتى التحالفات لديها ليست الا ممراً لتحقيق ما تريد، وهي بلاشك ليست مقدسة يمكنها التخلي عن من تشاء وقت ماتشاء وحسب مصلحتها الاسمى، ففي كوردستان العراق مثلاً تم التخلي عن اكبر حليف لها البيشمركة حين اصبحوا بقادتهم خارج المسار المصلحوي، وفي سوريا تكررت عمليات التخلي عنهم وعن مدنهم حين لم تتوافق توجهاتهم مع توجهات حلفاء اكثر تأثيراً من الناحية الاقتصادية والسلطوية، وكذا الحال في اغلب المناطق والدول ليس على مستوى الشرق الاوسط فحسب بل على المستوى الدولي.

لايختلف اثنان " واعيان" على ان هذه السياسة المصلحوية ادت الى شيوع الفوضى في اغلب الدول الشرق اوسطية، تلك الفوضى التي تتحكم بها اجندات خارجية من جهة، واخرى داخلية حزبية تابعة لتلك الاجندات، بحيث اصبحت البلاد مجرد ساحة للعب تلك الاجندات واحزابها الموالية لها، دون الاخد باية اعتبارات وطنية وسيادية، فلاشيء يمكنه ان يقف امام الغاية الاسمى لها، ولايهم الوسائل والضحايا طالما ان النتيجة هي التحكم وادارة الامور وفق نهجها، اما الفوضى وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وفقدان السيادة الوطنية فكلها امور لاتدخل ضمن جغرافية الاهتمام لتلك الاجندات المصلحوية.

ان ما يحدث الان في العراق خير انموذج على تلك الحالة، فالسيادة التي من المفروض ان تكون بيد الحكومة هي الان بيد الاحزاب، والحكومة التي من المفترض انها مستقلة وذات سيادة وطنية، هي ليست الا لعبة بيد الاجندات الخارجية لاسيما امريكا التي تحاول فرض رؤيتها السياسية للمرحلة القادمة في الشرق الاوسط في حين ان ايران وتركيا من جهتهما تحاولان بشتى الوسائل فرض واقعهما على العراق، وان كانت تركيا تحاول ان تتحكم باقليم كوردستان اقتصادياً، فان ايران تتحكم اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً بالعراق من وسطه لجنوبه، وهذا التحكم لم يأتي عبر وجود قاداتها وقواتها العسكرية في العراق فحسب بل تعدت ذلك الى خلق ميلشيات تنتمي بولائها التام لها وعلى الرغم من محاولة هذه الميلشيات الظهور بصبغة وطنية عراقية الا انها لايمكنها ان تخفي ولائها الاعمى لاصحاب العمامات في ايران وذلك ما نتج عنه انفلات السيادة الوطنية وانفلات الامن والسلام في اغلب المدن العراقية التابعة للحكومة المركزية، ناهيك ان تلك الميلشيات في صراع وتنافس مستمر مع الحكومة لتحقيق مكساب اكبر ولو على حساب الشعب وامنه، فلايستبعد ان تتنافس الميلشيات والحكومة في السيطرة على المدن الجنوبية وسحب قواتها من الاماكن التي مازالت مهددة من قبل تنظيم الدولة داعش.

لااريد الخوض في المعيات بصورة اعمق لاني اعلم بان هناك من سيرى في كلامي عنصرياً وسياتي على ذكر الاقليم والازمة الاقتصادية التي يعيشها الاقليم، وبدون اية مقارنات اريد ان اوضح ان الفوضى التي تعم العراق الان والتي ادت قيام الشعب بقطع الطرق الرئيسية بين البصرة وغيرها من المدن وحتى المعابر الدولية، وكذلك التي ادت الى سيطرة الشعب على احدى المطارات الفعالة كمطار النجف وما يحدث في ميسان والديوانية وغيرها من المدن العراقية الواقعة تحت سلطة الحكومة المركزية لايمكنها ان تكون من باب الصدفة والعبث، انما هي ضمن رؤية ممنهجة وواقعية تديرها منظومة متكونة من احزاب داخلية تابعة لاجندات خارجية وتلك الاجندات نفسها هي قائمة باعمال المنظومة المصلحوية العليا التي لايمكنها السكوت على الانتهاكات التي تحصل للمواطنين اثناء تفريق وصد المظاهرات الا اذا كانت ترى بان ما يجري ليس الا ممر لتحقيق مصالحها الفوقية.

ومن هنا يأتي التساؤل السامي الذي بدأ يتسرب الى عقول الواعين في الدولة التي تسمى العراق، لا اقول ذلك من باب الاستهزاء انما من باب الواقع، لانها في صورتها الحالية ليست بدولة انما هي مجرد ساحة لعب محلية للاحزاب المتصارعة للوصول الى سدة الحكم" اشبه بالانقلاب العسكري"، وللاجندات الخارجية المتمثلة اولا بالمذهبية والطائفية، ومن ثم بالصراع الاقليمي الاقتصادي، ومن ثم بالمصلحة العامة للمنظومة العليا الكبري، واخيراً بدولة ميليشيات يتحكم بها اشخاص اصحاب نفوذ ديني لا اكثر، لا خبرة لهم سياسياً ولا علاقات دولية لهم، يمكنهم الاستناد عليها في رسم ملامح السلطة والدولة، انما فقط لديهم الخبرة في قتل الشعب واثارة الفوضى والانفلات السياسي والعسكري والتحكم بالموارد الاقتصادية، وتحقيق رغبات المذهب الذي ينتمون اليه، واعتقد بانه سيوافقني الكثيرين بان هكذا وضع داخل رقعة حغرافية لايمكن ان يطلق على تلك الجغرافية بدولة، وبعيداً عن النعرات التي تأتي لتحفر في التاريخ والشعارات القائلة بان الوطن سينتصر والى غير ذلك من الشعارات التي لم تعد تؤتي ثمارها على ارض الواقع فالوطن اصبح مجرد هيكل عظمي، حيث اقتطع كل حزب جزء منه، وباعه للذي يدفع اكثر، والسيادة اصبحت بدون قيمة وبدون وصاية وبدون وجود فتركيا تدخل متى ما تشاء، حيث سابقاً كان الجميع يتهم الاقليم بانه متحالف مع تركيا، ولكن الان وبحسب توجهات سياسة بغداد وباتفاقيات معلنة تركيا تدخل، وايران لاتدخل فحسب بل تقود الجبهات، وتعطي الاوامر، ناهيك عن امريكا وغيرها من الدول التي تتحكم بكل موارد العراق.. فياترى هل توجد دولة تسمى العراق، ام ان الخيال وحده هو الذي يرسم جغرافية دولة تسمى العراق، والاماني والشعارات هي وحدها من تجعل ابناء هذه الارض تتوهم وجود دولة وحضارة.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

 

ابراهيم أبراشالأطراف المعادية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها إسرائيل توظف أخبث ما في استراتيجية الإلهاء لحرف بوصلة الشعب عن أهدافه الحقيقية وكي وعيه وإيصاله لدرجة احباط ويأس ليس فقط من إمكانية تحرير فلسطين حتى في حدود 1967 بل أيضا من إمكانية إنجاز مصالحة وطنية .

هذه الاستراتيجية الخبيثة نجحت نسبيا في التأثير على وعي وإدراك نسبة كبيرة من المواطنين لدرجة أصبح من العادي أن تسمع مَن يردد مقولة (مفيش فايدة) وخليهم يحلوها بأية طريقة سواء بدولة في غزة وتقاسم وظيفي مع الأردن بالضفة أو بأي حل !!!، وهو قول كنا نسمعه قبل سنوات من بعض عامة الشعب واليوم نسمعه من مثقفين وأكاديميين ليس سمعا فقط بل سلوكا يتجسد من خلال تزايد حالات هجرة النخب للخارج وخصوصا من قطاع غزة .

هذه الصيرورة للحالة الفلسطينية ما كانت لتكون لو لم يحدث الانقسام بداية ولو نجحت الأطراف الفلسطينية في إنهاء الانقسام مبكرا، فآنذاك كانت حركتا فتح وحماس قويتان داخليا ولهما نسبيا مصداقية شعبية، لو نجحت حوارات المصالحة مبكرا لتم انجاز مصالحة وطنية مشرفة ولكان في الإمكان وقف حالة التدهور وعدم وصول الأمور إلى ما هي عليه من ضعف، سواء في مواجهة إسرائيل وصفقة القرن التي تنفذ على أرض الواقع، أو بالنسبة لإدارة الوضع الداخلي وإنهاء الانقسام، أو من خلال هرولة الأحزاب للقاهرة وهي في موقف ضعف غير مسبوق .

صناعة المصالحة أو الوحدة الوطنية كصناعة السلام ففي الحالتين يصنعهما الأقوياء، والقوة في صناعة السلام تعني عدم الخضوع لشروط الطرف الثاني وإحساس الطرفين بأن استمرار الصراع فيه خسارة للطرفين بينما السلام يحقق مصالح مشتركة، أما مفهوم القوة في المصالحة الوطنية وحيث إن الطرف الثاني ليس عدوا أو طرفا خارجيا فإن القوة تكمن في تقديم التنازلات من أجل المصلحة الوطنية، والتنازلات من أجل المصلحة الوطنية موقف قوة وليس موقف ضعف حيث التنازل من أجل الوطن لا يعتبر تنازلا بل عطاء المقتدر .

تجديد مصر دعوتها للفصائل الفلسطينية وإن كان ينطلق من حرص مصر على مصالحها ذات الصلة بأمنها القومي ودورها القومي العربي التاريخي كما ينطلق من دورها في معادلات دولية جديدة للتسوية السياسية، إلا أن هذه الدعوة المصرية تؤكد على سلوك وتصرف دولة عريقة وكبيرة تنطلق من منطلق أن السياسة لا تعرف الفراغ وأن هناك دائما ما يمكن عمله ولا يوجد في السياسة شيء يسمى (مفيش فايدة) أو الطريق المسدود .

المشكلة لا تكمن في الوسيط في حوارات المصالحة بل في أطرافها الفلسطينيين ولو توفرت الإرادة الوطنية الحقيقية في إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية ما كنا بحاجة لمصر أو غيرها لتحتضن حوارات المصالحة ولتفرض رؤيتها، ولكن ما دام النظام السياسي الفلسطيني عاجز عن حل مشاكله الداخلية بل يزداد مع مرور الأيام عجزا وفشلا فليس أمام الفلسطينيين إلا الخضوع والاستسلام إما للاحتلال وشروطه المذلة وواشنطن وصفقتها المشبوهة، أو المراهنة على الأشقاء المصريين لإنقاذ ما يمكن انقاذه من المشروع الوطني الفلسطيني ووقف حالة الدمار والمعاناة في قطاع غزة، وخصوصا بعد انكشاف محدودية قدرة الأطراف الأخرى التي دخلت على ملف المصالحة وخطورة ما تسعى إليه بعض هذه الأطراف حيث تلتقي أهدافها مع الاهداف الأمريكية والإسرائيلية .

في لقاءات المصالحة الأخيرة تغيرت كثيرا المعادلة حيث موقف مصر الطرف الوسيط أكثر قوة ومتانة بينما مواقف ومواقع الأطراف الفلسطينية أكثر ضعفا وهذا ما يخلق فرصة لتحريك ملف المصالحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولأن الأطراف الفلسطينية أكثر ضعفا من السابق فالمصالحة القادمة والتي نأمل أن تنجح لن تكون مصالحة الوحدة الوطنية التي يأمل الشعب وكان يمكن التوصل لها قبل سنوات من موقع الاقتدار والقوة، بل مصالحة فوقية حزبية لمحاولة التخفيف من أضرار تسوية سياسية قادمة أو التكيف معها، وهي تسوية قد تُطيح بمجمل المشروع الوطني الفلسطيني وقد تؤسَس على حساب حركتي فتح وحماس لصالح طرف ثالث كامن وينتظر الفرصة .

أخطأت الأحزاب الفلسطينية بحق شعبها بل وبحق نفسها عندما راهنت على أطراف خارجية وقللت من قيمة انجازات حققها الشعب بصبره وصموده ومقاومته بكل أشكالها في الضفة والقطاع، ولو أدارت الصراع مع الاحتلال بطريقة عقلانية وفي إطار استراتيجية وطنية لكانت أمورنا أفضل بكثير مما نحن عليه، كما أخطأت الأحزاب في إدارتها لملف الانقسام عندما راهنت وخصوصا حركة حماس على إمكانية تحقيق المصالحة بعيدا عن مصر وذهبت لليمن والسينغال وتركيا وروسيا وقطر الخ، فهل تصورت أطراف حوارات المصالحة أنه يمكن التوصل لاتفاق مصالحة ترعاه قطر أو تركيا ثم يتم فرضه على مصر؟! .

وأخيرا ولأنه ما زال بيد الفلسطينيين كثير من أوراق القوة وأهمها عدالة القضية وتزايد التأييد العالمي لهم وصمود الشعب الفلسطيني في مقابل انكشاف الوجه الاستعماري العنصري الإرهابي لإسرائيل، ولأنه هناك دائما ما يمكن عمله لأن السياسة لا تعرف الفراغ فإن لم يملأ الفلسطينيون الفراغ فهناك من سيملؤه، نتمنى التعامل بجدية مع الفرصة المتاحة للمصالحة من خلال المبادرة المصرية ومبادرة الرئيس أبو مازن، وما تسرب عن المبادرة المصرية يبشر خيرا وخصوصا تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع تستلم قطاع غزة وتنفذ ما تستطيع من التفاهمات السابقة حول المصالحة ويُترك الباقي إلى ما بعد الانتخابات العامة للمجلس الوطني وللمجلس التشريعي والرئاسة .

 

د. إبراهيم أبراش

 

محمد ابو النواعيرعلى مر التأريخ، كان قيام الثورات والانتفاضات يواجه نوعين من ردات الفعل العقلانية:

ردة الفعل الأولى تذهب إلى ضرورة عدم السكوت على الأوضاع الظالمة والمزرية والمنحرفة، وأن الوسائل العقلانية غير مجدية في استحصال الحقوق، وأن العدالة لا تنتشر إلا بقيام ثورة وانقلاب عنيف عاصف، يحطم كل الوضعيات الساكنة في النظام السياسي وأدواته البشرية والاقتصادية والأيديولوجية، وغالبا ما يتساوق هذا النوع من الممارسات السياسية الشعبوية الثورية العنيفة، ببعد عاطفي وجداني جارف يحرك الجماهير بشكل عفوي في ظاهره، ومدروس من قبل المنظمين لهذه الممارسات في باطنه.

ردة الفعل الثانية هي التي تمثل وجهة النظر المحافظة، والتي يذهب أصحابها إلى أن الوضع القائم على الرغم مما فيه من مساوئ وإرهاصات ومشاكل، إلا أن إتباع طريق الثورة والانقلاب وضرب كل مؤسسات الوضع القائم وتخريبها بحجة تغييرها، سيقود إلى فوضى كبيرة جدا، وستخرج السيطرة من أيدي القائمين على الثورة والمنظمين لها، وينحدر الوضع إلى انعدام الأمن وتخريب الاقتصاد وانتشار القتل العشوائي والقتل المنظم وتصفية الحسابات، وظهور الثارات والنعرات الاجتماعية، وخراب النظام والاستقرار، بشكل لا يمكن إعادة السيطرة عليه بشكل كامل إلا بعد مرور سنين طويلة، لذا يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى ضرورة المحافظة على وضع الاستقرار النسبي القائم، ومحاولة معالجة الانحرافات والمظالم بطريقة أخرى غير طريقة الثورة والانقلاب .

كلا الطرفين لديه من المبررات ما يمكن فعلا اعتباره مبرر أخلاقي، ولا يجوز كيل الاتهامات والتخوينات لأحد الطرفين بالضد من الآخر، فلا يجوز أن نقول أن الداعين إلى الثورة هم أناس مرتبطين بأجندات خارجية عميلة، وأنهم ينفذون مخططا لحرق البلد وإسقاط النظام، أو أنهم أناس مأجورون يستغلون ضعف الوعي العام، وعاطفية الجمهور من أجل تمرير مخطط تخريبي (مع إمكانية حصول مثل هذا الأمر وبسهولة، وشواهد التأريخ وسننه – وبالأخص في العراق- أثبتت أن أغلب الثورات كانت بهذا النمط)؛ ولا يحق لأي طرف أو جهة أن تتهم الفريق الثاني بأنه مستفاد من النظام القائم أو منتفع منه أو أنه يمثل جزءا من تركيبته، فهذا الكلام أيضا غير صحيح (مع وجود الكثير من الشواهد التاريخية التي تذهب إلى وجود المنتفعين من النظام الفاسد ولكنهم تلبسوا بلباس المحافظين)، ولكن هذا لا يمنع أن المحافظين ينطلقون من منطلقات أخلاقية عالية لا تقل في عمقها وأصالتها عن دعاة الثورة ونصرة المظلوم، فكل طرف منهم ينظر للحق من زاوية معينة، وكل منهم ينظر للحقوق العامة من عدسة توضح له الأهداف.

في بلد كالعراق، وفي ظرفنا الحالي، يُعتبر الخروج بثورة أمر مهم، ولكن الأهم منه هو إمكانية إحلال وضع جديد يسمح مرة أخرى بالخروج بثورة أو مظاهرة بسيطة، وهنا مربط الفرس.

التربية الأيديولوجية السياسية في العراق، والتي غالبا ما كانت تربية أيديولوجية اجتماعية مخلوطة بمزيج ديني (وذلك لانعدام مثل هذا النوع من التربية في شكلها الصحي السياسي بسب توارد مستمر للدكتاتوريات في هذا البلد)، كانت دائما تعلي من نموذج القائد الفرد، القوي، النزيه، الشريف، وقد عملت العوامل الدينية على زرع هذه الصورة في المخيال العراقي، وبالأخص الشيعي منه، وذلك لتعلق هذا المخيال بفكرة الإمام المعصوم الذي لا يصدر في حكمه أي خطأ مقصود أو غير مقصود، لذا يجري تقيم الحكام في العراق بهذه الطريقة المثالية المتعالية عن الواقع وإرهاصاته ومشاكله، دون الاحتكام إلى قوانين العمل السياسي بأطرها ومحدداتها والتزاماتها الداخلية والخارجية الدولية.

يضاف لكل ما ذكرناه أعلاه، أن تعويد الوعي الجمعي لأهل هذا البلد خلال قرون طويلة، كان تعويدا قائما على ترسيخ نموذج أو قالب الدكتاتور، بحيث أصبحت معرفة الشعب بالسلطة وأنماطها، مستقاة من ممارسة الدكتاتور وانفعالاته وردات فعله وظلمه ولا عقلانيته ولا عدله، لذا كان هذا النوع من التثقيف القسري للوعي الجمعي الجماهيري، عاملا آخر إضافة للعامل الديني السابق الذكر، لتقريب الوعي الجماهيري من نموذج الدكتاتور المتسلط والقبول به، مع عدم اهتمام أغلب هذا الجمهور بوجود أو عدم وجود الديمقراطية، كنسق يحتكم إليه الناس في تعاطيهم مع السلطة السياسية، لذا فان اغلب الداعين إلى الثورة، يقبلون في لا وعيهم، تسلط حكم دكتاتوري يعيد انضباط تقييمهم للأمور السياسية، بحسب ما تعودوه من النظم الدكتاتورية السابقة !

العقلانية السياسية (على الرغم من صعوبة تحققها لصعوبة الحياة وتعقيد المشاكل وتعددها وكثرتها في العراق)، هي مدعاة لنا للخروج من الأنماط التقليدية السلبية للثورة التي مرت ببلدنا خلال تاريخه القديم والمعاصر، والتي لم تسبب له إلا الخراب والويلات وتسلط الظالمين، ويجب أن يكون ذلك مدعاة لنا للبحث عن مخرجات سليمة للفعل الثوري في العراق، أي أن من يدعون إلى الثورة وقلب نظام الحكم، يجب عليهم أن يحوزوا على تصور مستقبلي واضح ومخطط له، عما ستؤول إليه الأمور، ويجب على من يدعو إلى المظاهرات وقلب نظام الحكم، أن يعي جيدا ضرورة امتلاكه لمصادر قوة، تمكنه من ضبط المظاهرات ومخرجاتها، وإيقاف أي عملية تحوير أو تغيير أو استغلال او توظيف لها من قبل قوى خارجية أو داخلية ، سياسية أو ارهابية، لأن الفعل الثوري في العراق صراحة (وبحسب مراجعتي لهذا الفعل تاريخيا) يعتمد دائما على مدخلات الثورة ومشروعية هذه المدخلات، ولا يملك أي صورة واضحة لمخرجاتها وصحة وشرعية ومقبولية وعدالة هذه المخرجات، مما يجعلنا نقع في فوضى كبيرة، تقود دوما الى ان يستلم زمام الحكم شرار القوم وأراذلهم، وتعاد اسطوانة الظلم والقتل والعذاب في هذا البلد .

إن التفكير الانفعالي العاطفي لأبناء هذا البلد، جعل أهم ما يهتمون به ويروجون له ويحرضون عليه هو مدخلات الفعل، ولا يهمهم ولا يفكرون بل يرفضون التفكير في مخرجات الفعل الثوري وماهيته وكيف سيكون او يتكون، أو إلى ماذا سيؤدي ، وهنا مكمن الخطورة؛ فأي جهة مجرمة ستتمكن بسهولة أن تقود هذا الشعب لما تريد، حينما تضخ له كم كبير من المدخلات تحفز على الفعل الثوري (التي هي في ظاهرها سليمة ومشروعة)، لتتحكم هذه الجهة بعد ذلك بمخرجات الفعل الثوري، وتحكم عليه أدوات السيطرة والهيمنة، لان اغلب الجمهور المتفاعل الآن مع مفهوم الثورة، قد تم إقناعه بان الثورة هي الغاية النهائية لهذا الفعل! وسلبوا منهم قدرة التفكير او التخطيط لما بعد الثورة.

 

محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيمنذُ أن أقدم مجلس الحكم الانتقالي بعد سقوط النظام السابق عام 2003م، لمناقشة كيفية إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وعادلة في العراق ولغاية هذه اللحظة، لم نجد أن القانون الذي وضعته اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة لوضع الخطوط العامة، وصادقت عليه أغلب الكتل الكبيرة لم يلبي الطموح للفرد العراقي.

القانون الحالي للإنتخابات وطريقة اجرائها في العراق لا يعد عادلاً، من خلال متابعة نتائج الانتخابات لزهاء (13) عاماً، إنما يتبع هذا القانون آلية ديمقراطية فقط تعتمد على أكثرية الأصوات دون الأخذ بنظر الأعتبار جوانب العدالة والديمقراطية. لمطالبة قادة القوائم والكتل الكبيرة المتنفذة التي أيدت وطالبت بالإبقاء عليه.

قانون الانتخابات الحالي يعتبر المحافظة دائرة انتخابية واحدة، ومن خلال هذا القانون يتم صعود اشخاص ليست لهم أية دراية سياسية أو مكانة اجتماعية، وقد حصلوا على أصوات ضئيلة لكنهم فازوا بفضل المتنفذين في القائمة من الذين حصلوا على اصوات كبيرة ساهمت بصعود من لم يحصل على اصوات قد لم تتجاوز 150 صوت.

المواطن العراقي يتطلع لقانون انتخابي عادل يقسم المحافظة لعدة دوائر حسب أعدد من يحق لهم التصويت في الانتخابات، ومن خلاله ينتخب عضو البرلمان الذي يمثل منطقته ومن ثم محاسبته على الاهمال والتقصير في واجباته تجاه برنامجه الانتخابي الذي اعلنه لخوض الانتخابات، وهذا ما لمسناه في اغلبية الدول الديمقراطية، ولو كان القانون الانتخابي الحالي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية صغيرة مما يقلل الاحتقان والنفوذ العشائري والطائفي، ويجعل احقية التنافس أقرب للعدالة.

لكن قانون الانتخابات الحالي لاعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة ولعموم المحافظة جعل من المتعذر فوز شخص بمفرده مهما كانت مكانته الاجتماعية والسياسة، حتى وأن حظي بتأييد كبير من قبل المؤيدين لبرنامجه الانتخابي، ومثال ذلك ما حصل للناشط المدني جاسم الحلفي في انتخابات عام 2014م، إذ حصل على 17000 صوت ولم يفوز، بينما مرشح آخر ضمن قائمة كبيرة حصل على 150 صوت وبفضل قائمته وصل إلى البرلمان.

لذلك ندعو من خلال هذا الاجحاف بحق الناخب إلى الدعوة لقانون انتخابي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية وليست دائرة انتخابية واحدة، ليتمكن الناخب من تحديد المرشح الذي يجد في برنامجه الانتخابي ما يلبي طموح أبناء محافظته لتقديم الخدمات، وتمكنه من محاسبة المرشح في حال تقصيره أو اهماله لواجباته عند عدم تطبيق البرنامج من خلال متابعة الناخبين لممثليهم بمكاتبهم المتواجدة في مناطقهم، لأن الناخب يعتبر صاحب الفضل على المرشح الفائز لأنه هو الذي أوصله إلى قبة البرلمان.

بينما النظام الانتخابي لدائرة واحدة لعموم المحافظة نجد من خلاله أن النائب الفائز لا يجد من يحاسبه لتقصيره ولا يشعر بأية مسؤولية تجاه عدم تطبيق برنامجه الانتخابي، فضلاً عن عدم تمتعه باستقلالية اتخاذ القرار حول المشاريع المرشحة للتصويت عليها تحت قبة البرلمان بسبب سيطرة رؤساء الكتل على قراراتهم واختياراتهم وهم من يتحكمون بمصيرهم، وهذا لا يمثل تبني العدالة والديمقراطية وفق هذا القانون.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

حسام الدجنيحسب بيان سابق لغرفة العمليات المشتركة اعتمدت المقاومة الفلسطينية استراتيجية الدفاع وليس الهجوم من خلال تبني نظرية القصف بالقصف، وهذا يدعم من فرضية أن المقاومة غير راغبة بالذهاب لمواجهة عسكرية في هذا التوقيت، وأن الكرة في ملعب الاحتلال الصهيوني.

وفقاً لتحليل البيئة الاستراتيجية لكل من الاحتلال والمقاومة الفلسطينية فإن فرص الحرب تكاد تكون منعدمة، ولكنها ليست مستحيلة، وعلى الجميع تحمل مسؤولياته والعمل لمنع نشوبها، وأهم الخطوات لتحقيق ذلك، الذهاب لتهدئة طويلة مقابل رفع كامل وشامل للحصار المفروض على قطاع غزة.

أولاً: تحليل البيئة الاستراتيجية لدولة الاحتلال الصهيوني.

هناك عوامل داعمة لاندلاع الحرب ووزنها النسبي أقل بكثير من العوامل التي تبعد شبح الحرب في قطاع غزة.

1. تحليل البيئة الإسرائيلية الداعمة للحرب.

أ‌. تطرف المجتمع الصهيوني واتجاهه نحو أقصى اليمين، وحالة الاستقطاب الحزبي داخل إسرائيل، يشكلان حالة رأي عام ضاغط على الحكومة الصهيونية للذهاب باتجاه المواجهة العسكرية في غزة.

ب‌. فشل سياسة الجزرة مع المقاومة الفلسطينية قد يدفع إسرائيل وبغطاء إقليمي ودولي للتوجه نحو العصا عبر استثمار وتوظيف حدث أمني تستخدمه إسرائيل لشن عدوان واسع لتقليم أظافر المقاومة في قطاع غزة.

ت‌. تدحرج كرة الثلج من خلال القصف بالقصف وانزلاقها باتجاه مواجهة مفتوحة.

2. تحليل البيئة الإسرائيلية الرافضة للحرب.

أ‌. إسرائيل تريد لمشروع التطبيع أن يسير للأمام وأي عدوان على غزة قد يحرج فريق المطبعين من الدول العربية والإسلامية.

ب‌. استراتيجية الجيش الإسرائيلي تقدّم تهديد الجبهة الشمالية على الجبهة الجنوبية وبذلك تبريد جبهة غزة مصلحة استراتيجية إسرائيلية في هذا التوقيت، لا سيما حاجة إسرائيل في استكمال بناء الجدار على حدود غزة للقضاء على الأنفاق الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية.

ت‌. الخشية من انفجار الضفة الغربية، وذهاب الضفة الغربية باتجاه خيار الفراغ السياسي والأمني، وهو ما لا تريده إسرائيل.

ث‌. الخوف من الغرق في الوحل الغزاوي وبذلك تهتز صورة إسرائيل أمام العالم.

ج‌. مازال هناك متسع للتلويح بالجزرة لتمرير صفقة القرن.

على صعيد المقاومة الفلسطينية، فهي الأخرى لا تريد الحرب للأسباب التالية:

1. إدراك المقاومة الفلسطينية لخطورة غياب الظهير العربي والإسلامي الداعم لها لو اندلعت حرب (البيئة المعادية للمقاومة).

2. الواقع الإنساني الصعب في قطاع غزة يدفع المقاومة للتفكير بالحلول الأخرى البعيدة عن الحل العسكري، لكن بقاء هذا الواقع الكارثي دون أدنى أفق لتجاوزه قد يدفع المقاومة نحو الانفجار.

3. إدراك المقاومة بأن مسيرات العودة وأدواتها تؤثر على الاحتلال بشكل أكبر لاسيما أن المقاومة تمتلك سلاح يستطيع أن يردع الاحتلال عند ارتكابه أي حماقة ضد المدنيين.

ما سبق يدعم من فرضية احتواء الموقف وعدم ذهاب الاحتلال الإسرائيلي باتجاه سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة، وأن تتدخل القاهرة وأطراف دولية لدى المقاومة والاحتلال للعودة للهدوء مجدداً، وهو ما بدء بالفعل من خلال جهود مصرية للعودة للتهدئة، بحيث بات هذا السيناريو هو المعمول به بشكل مستمر دون البحث في جذور المشكلة والمتمثلة في الاحتلال والحصار، وسوء الأوضاع المعيشية في قطاع غزة، ما قد ينذر بأن تنفلت الأمور ذات مرة وتتدحرج كرة الثلج باتجاه المواجهة حتى وإن رفضها الجميع. ويبقى السؤال الأهم: ماذا ستستفيد الأطراف من سيناريو المواجهة العسكرية...؟

1. المكاسب الصهيونية: توجيه ضربة عسكرية من وجهة نظر إسرائيلية قد تعيد حركة حماس وفصائل المقاومة بل قطاع غزة برمته لعشرات السنين للوراء، وهو مكسب استراتيجي إسرائيلي، ولكنه مكسب يضلل المجتمع الصهيوني والرأي العام الغربي، فحرب العصف المأكول نجحت المقاومة في مضاعفة قوتها العسكرية أضعافاً مضاعفة خلال فترة زمنية قصيرة، وبذلك لا يمكن من تحقيق مكاسب صهيونية حقيقة تتمثل في إسقاط حكم حماس وتفكيك بنيتها العسكرية والسياسية في القطاع دون احتلال كامل لغزة، ويبقى السؤال هنا: نجحت إسرائيل في احتلال غزة، هل ستنجح من الخروج منها..؟ أعتقد لا، وربما تجد إسرائيل نفسها تغرق في وحل غزة وتصبح القنبلة الديموغرافية أكثر خطراً وفتكاً بالمشروع الصهيوني من بقاء حكم حماس في قطاع غزة، يضاف إلى ذلك مدى قدرة الرأي العام الإسرائيلي على تحمل فاتورة الخسائر البشرية والاقتصادية والاعلامية والسياسية والقانونية نتيجة تلك الحماقة.

2. المكاسب الفلسطينية: قد يرى البعض بأن سيناريو المواجهة العسكرية يشكل عامل ضغط على الاحتلال والمجتمع الدولي لإيجاد حل للواقع الإنساني في قطاع غزة، وتبدأ عجلة المساعدات ورفع العقوبات تعود من جديد، وبذلك تشكل الحرب بارقة أمل للفلسطينيين للخروج من عنق الزجاجة في ظل تعثر كافة محاولات المصالحة الفلسطينية.

الخلاصة: من يرغب بتجاوز شبح الحرب على غزة ، عليه التفكير بسحب صاعق التفجير وهو الحصار الظالم وانعدام فرص الحياة الكريمة من غذاء وعلاج وحرية في التنقل والسفر، وهي مطالب مشروعة بالقانون الدولي، ولا ينبغي أن ينتظر المجتمع الدولي أكثر من ذلك، فغزة تناشد كافة الضمائر الحية وتقول: نريد الحياة ما استطعنا إليها سبيلا، ابعدوا عنا شبح الحرب، ولكننا لسنا بجبناء وسنقاتل لو استمر العدوان والحصار الصهيوني الظالم.

 

بقلم: د. حسام الدجني

 

 

محمد توفيق علاويلقد وصلتني رسالة مع فلم فيديو تظهر إعطاء وسام للسيد علي العلاق محافظ البنك المركزي العراقي على اعتباره افضل محافظ بنك مركزي في العالم العربي مع الكثير من التهاني للكثير من الشخصيات التي اخذت الامر على ظاهره كما اخذته انا ابتداءً؛ لقد انتابتني مشاعر الفرح لتميز العراق في بادئ الامر ولكني صدمت حينما فكرت ملياً، حل حقاً علي العلاق افضل من رياض سلامة محافظ البنك المركزي اللبناني؛ هذه من المستحيلات!!!! ثم اطلعت على رسالة من الدكتور زهير الحسني كما نشرتها في موقعي كشف فيها المستور؛ لقد كانت هناك مراسلات بيني وبين السيد علي العلاق على عدة حلقات نشرت في الاعلام قبل اكثر من سنتين اقارن فيها بكل موضوعية بين انجازاته لإدارة البنك المركزي وبين انجازات السيد سنان الشبيبي؛ وجدت من المهم ان انشر احدى الحلقات لهذه المراسلات لكي يعرف المواطن الكريم كيف تجري الامور في العراق؛ لو حدث هذا الامر في اي دولة من دول العالم التي تحترم نفسها لقامت الدنيا ولم تقعد؛ أأمل من الدكتور حيدر العبادي ان يظهر نوعاً من التقدير والاحترام لبلد اسمه العراق ارتضاه ان يكون رئيساً لمجلس وزراءه؛ واقول له ان المنصب الذي انت فيه يحتم عليك ايقاف هذه المهازل وهذا الاستخفاف بعقول المواطنين الشرفاء من ابناء بلدنا الكرام؛ مع وافر تقديري واحترامي لشخصك الكريم.

أدناه مقتطفات من رسالتي الجوابية الى السيد علي العلاق:

(السياسة النقدية للسيد علي العلاق المحافظ الحالي للبنك المركزي) (الحلقة الثالثة)

ذكرنا في الحلقة السابقة المحاور الستة التي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي مع ذكر نجاحاته وإخفاقاته، أخي السيد علي العلاق، لقد قرأت رسالتك أكثر من مرة والتي تحوي على الكثير من التفاصيل، لا أخفيك سراً إنني حاولت أن أوجد لك معالم لسياسة نقدية ما بين سطور رسالتك، ولكني للأسف الشديد أقولها وبألم أنك لا تمتلك إلا النزر اليسير مما يتعارف عليه كسياسة نقدية، بل إن الكثير من المحاور التي ذكرتها أنا في الحلقة السابقة والتي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي انقلبت إلى سياسات سلبية نقيض ما حققه الدكتور سنان الشبيبي، فالحفاظ على سعر ثابت للعملة انتهى، نعم قد لا يكون السبب أنك لست متخصصاً في المجال المصرفي فحسب ولكن تدهور أسعار النفط العالمية، أما احتياطي البنك المركزي فقد تم هدر ما يقارب نصف الاحتياطي خلال سنتين من توليك المنصب، ومن دون وجود سياسة نقدية حكيمة فسينتهي كامل الاحتياطي خلال فترة بسيطة وسينهار الدينار العراقي وسينهار الاقتصاد العراقي وسيعاني المواطن العراقي معاناةً قد تشابه معاناته خلال فترة التسعينات في فترة الحصار على العراق، وإنك تفتقر لسياسة توحيد السعر بين البنك المركزي وسعر السوق، بل إن الفرق قد بلغ أرقاماً قياسية لم يشهد لها العراق مثيلاً منذ عام ٢٠٠٣، حيث كان الفارق خلال ثمان سنوات منذ عام ٢٠٠٣ حتى أواسط عام ٢٠١١ لا يتجاوز النقطتين بعد احتساب عمولة البنك، أما الفرق الآن فقد تجاوز التسعين نقطة وهو بازدياد بشكل يومي، ومعناه إن السرقات قائمة على قدم وساق مع هذه المعاناة العظيمة للمواطن الشريف في يومنا الحالي، كما إن الثقة التي تولدت في عهد دكتور سنان بالمصارف الأهلية فقدت في يومنا الحالي، وبدأ الناس يفزعون من إيداع أموالهم في المصارف الأهلية العراقية، بل أخذوا يستلمون ودائعهم بالقطارة من المصارف الأهلية، والبنك المركزي لم يتخذ أي خطوة في الدفاع عن حقوق المواطنين للأسف الشديد، وكأنه ليس المسؤول الأول عما يحصل في الكثير من المصارف الأهلية حيث الطوابير بالعشرات من المواطنين وكأنهم لا يطالبون بأموالهم وحقوقهم وإنما أصبحوا هم المعتدين والبنك الأهلي هو صاحب الفضل عليهم في إعطائهم أموالهم !!!!!!!، والحقيقة فإن هذه مفارقة عجيبة وغريبة انفرد بها العراق الجديد، فأي مصرف في العالم إذا عجز يوماً واحداً عن دفع أموال المودعين يعلن البنك المركزي إفلاسه، وهذا ما حدث لبنك أنترا في لبنان عام ١٩٦٦ حيث زادت استثماراته العينية على حساب السيولة التي يجب أن يوفرها، وعندما عجز يوماً عن الاستجابة لمتطلبات المودعين أعلن البنك المركزي اللبناني إفلاسه، مع العلم إن موجودات البنك من السيولة المالية ومن الموجودات العينية تفوق إيداعات المودعين لأنه من غير المسموح عالمياً أن يتوانى البنك أو يتأخر ولو لمقدار بسيط من الوقت في دفع ودائع المودعين، لأنه بخلافه يفقد البنك مبرر وجوده بتخليه عن وظيفته الأساسية. أما بالنسبة لزيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية فقد انعكس ذلك سلباً بشكل كبير على المواطن بسبب الفرق الكبير بين سعر الدولار المعروض من قبل البنك المركزي وسعر الصرف الموازي في السوق وما يعني ذلك من زيادة الأعباء وبالذات على كاهل المواطن الشريف الذي لا يقبل على نفسه أخذ الرشوة والفساد والإفساد والتمتع بأموال الحرام التي غدت وللأسف الشديد الثقافة السائدة للكثير من السياسيين والعاملين في دوائر الدولة اليوم، لقد قلت أن التضخم هبط في وقتك إلى ٢٪ وهي نسبة متميزة، ولكني أقول لك، إن انخفاض التضخم لا يكون بالضرورة مؤشراً إيجابياً، نعم بالتأكيد إن انخفاض التضخم نتيجة لسياسة نقدية مدروسة من قبل ألبنك المركزي بهدف تقليل حجم السيولة وتقليص الكتلة النقدية مؤشر إيجابي ودليل على نجاح السياسة النقدية للبنك المركزي، أما إذا كان انخفاض التضخم بسبب ظرف خارجي وقاهر، كما هو الحال الآن في العراق، حيث تقلصت موارد البلد وفرضت سياسات تقشفية من قبل الدولة، وتقلصت المعاشات وفرضت تكاليف ورسوم أخرى على المواطن، وهاجر المواطنون خارج البلد، وعرضوا مساكنهم للبيع أو الإيجار بأبخس الأثمان، فانخفضت أسعار العقارات، وانخفضت الإيجارات، وكم تعلم فإن وزن الإيجارات يأتي بالدرجة الثانية بعد وزن المواد الغذائية عند احتساب التضخم، فكان انحسار التضخم بسبب انكماش الاقتصاد، وهذه الحالة مؤشر سيء، ويمكنك أن تسأل الكثير من الاقتصاديين ممن هم حولك في البنك المركزي إن كان هذا الهبوط نتيجة لسياسات غير موجودة أصلاً لدى البنك المركزي أو بسبب انكماش الاقتصاد، فسيخبروك الحقيقة، للأسف لا يمكنك في هذه الحالة التباهي بانخفاض التضخم، بل على العكس ذلك دليل التدهور وافتقار المواطن وزيادة معاناته.

أخي العزيز قلت لي أن أسأل، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وجهات اخرى بشأن كفاءتك، والحقيقة أنا لم أطلب من الدكتور العبادي غير أن يطلع على مقابلتك مؤخراً مع (Osgood) التي تدل على جهلك الواسع بمفهوم الاقتصاد والسياسة النقدية، فضلاً عن ذلك فإني ذكرت في الإعلام أن بريطانيا بعظمتها وعظمة جامعاتها اختارت رجلاً غير بريطاني (Mark Carney) وهو رجل كندي لتعيينه كمحافظ لبنكها المركزي (Governor of Bank of England) لأهمية هذا الموقع وأهمية الشخص ألذي يتسنم هذا المكان، ولا أريد هنا في هذا المجال أن أشكك بكفاءتك، ولكن أقول بأنك تعلم حق اليقين أن هناك من العراقيين من هم أكفأ منك بكثير في هذا المجال وأحق منك بهذا الموقع، كما أقول بشأن مقابلتك مع (Osgood) إن الذي استنتجته من مقابلتك ليس انتقاصا لك ولكنك قد لا تمتلك الرغبة لمتابعة التطورات الاقتصادية والتحليلات الاقتصادية، ونصيحتي لك أن تشكل لجنة لتزويدك بشكل يومي بتقرير لأهم التطورات الاقتصادية والتحاليل الاقتصادية المهمة في العالم والتي لها انعكاسات على الوضع الاقتصادي العراقي، وتعتمد على هذا التقرير قبل إجرائك أي مقابلة صحفية عالمية، بل تعتمد على هذا التقرير لرسم الأسس التي يجب اعتمادها لوضع سياسة نقدية سليمة وواضحة للبلد.

لقد زرت البنك المركزي العراقي عام ١٩٧٧ عندما كنت طالباً ضمن أطروحتي الجامعية المرتبطة بهذا لأمر لأطلع على مصادر ألمعلومات الاقتصادية التي يعتمدها البنك المركزي في ذلك الوقت، فوجدت قاعة كبيرة يتوسطها جهازي (تلكس) وكان أحد هذين الجهازين شغال بشكل مستمر وأطلعت على مضمون المعلومات فكانت رسائل إخبارية قصيرة أغلبها من وكالة (رويترز)، فطلبت من المسؤول إمكانية أخذ صورة لهذه الرسائل، فقام هذا المسؤول باقتطاع عدة أمتار من آخر الأخبار وأعطاني أياها، فسألته إن كان يريد النص الأصلي حيث المعلومات تطبع بأكثر من (Copy)، فقال لي إننا نرمي هذه المعلومات ولا نحتاج منها لغير جزء صغير وهو أسعار العملات العالمية المختلفة بالنسبة للدولار فضلاً عن أسعار المعادن الثمينة ونصدر من هذه الأسعار نشرة دورية باللغة العربية، هذا الوضع كان قبل أربعين عاماً، وأخشى إن البلد لم يتغير وضعه كثيراً الآن، ولكن اليوم تتوفر كافة المعلومات والتحاليل الاقتصادية لكل من يملك جهاز حاسوب، وهناك العشرات من الخريجين المتميزين بقدراتهم وإمكانياتهم، وبإمكانك بكل سهولة تشكيل فريق من هؤلاء لتقديم خلاصة الأخبار والتحليلات الاقتصادية وإصدار نشرة دورية توزع على جميع المؤسسات الاقتصادية ومجلسي النواب ورئاسة الوزراء وتتبنى هذه التقارير لرسم سياسة نقدية ومالية واقتصادية سليمة تنقذ البلد من الوضع المتردي الذي نحن فيه.

إني لا أبتغي الانتقاص منك أو ذكر سلبياتك، ولكني كما ذكرت في رسالتي الأولى لك هدفي إنقاذ البلد وتخفيف معاناة مواطنينا الأعزاء والشرفاء وتوعيتهم، فإنهم يستحقون منا كل تضحية وكل أيثار بالغالي والرخيص لتخليصهم مما ينتظرهم من كربات ومصاعب وابتلاءات وأيام مدلهمات فيما هو قادم منها؛ وإني أعلم إن نجاحك معناه نجاح البلد وإنقاذه وإنقاذ أهله مما يمكن أن ينتظرهم من مصير مجهول ، لذلك فإني أقترح عليك بعض المقترحات إن عملت بها كانت لك نجاح وتطور، وللبلد نهوض وازدهار، وللمواطنين خير وخلاص وتخفيف كبير لمعاناتهم؛ إن هذه المقترحات هي غيض من فيض إن أخذت بها وفيت بجزء كبير من حق بلدك عليك وحق شعبنا الكريم علينا، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة إن شاء ألله .

الحلقات السابقة ورسالة السيد علي العلاق على الموقع: mohammedallawi.com تحت باب (انقاذ الاقتصاد العراقي من انهيار حتمي).

 

محمد توفيق علاوي

جاسم الحلوائيلقد كتب عن ثورة 14 تموز 1958 مئات الكتب وآلاف المقالات والبحوث، ولا زال الجدل حولها مستمراً بين مؤيديها وخصومها. وهذا الأمر طبيعي في الثورات التي تجري تغييراً جوهرياً في طبيعة العلاقات الطبقية في المجتمع. فالثورة الفرنسية العظمى مثلاً، والتي اندلعت في عام 1789، لم يُحتفل بها رسمياً، لوجود خلافات حولها، إلا بعد مرور مئة عام على قيامها!

إن ثورة 14 تموز أجرت تغييراً جذرياً في النظام وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلكً تغيير طبيعة علاقات الطبقات الاجتماعية. فقد قرر هذا الحدث مصائر بعض الطبقات ومستقبلها، بحيث صار بعضها جزءاً من تراث الماضي، كالإقطاعية والكومبرادورية وكان ذلك لصالح نمو وتطور طبقات وفئات أخرى، وحررت الثورة العراق من الأحلاف العسكرية ومن التبعية للاستعمار، ولذلك فإن لهذا الحدث أنصاره وخصومه.

وسأتوقف هنا عند رأي مهم جداً يتعلق بالمشروعية التاريخية للحدث، فهناك من يعتقد بأنه كان من الممكن للعراق أن ينمو ويتطور سلمياً ولو ببطء بدون ثورة 14 تموز. ويعتقد حملة هذا الرأي بأن ذلك كان أفضل للعراق، لأن هذا الحدث أدخل العراق في دوامة الانقلابات العسكرية والعنف. وهذا الاعتقاد لا يقتصر على الخصوم وحدهم، بل أن هناك وسطاً غيرهم وبعضهم من أبنائها، الذين ساندوها وضحوا من أجل تحقيق أهدافها، يتعاطف مع هذا الرأي. والسبب في ذلك يعود إلى شكل الثورة التي بادر في تفجيرها الجيش العراقي وإلى مسيرة الثورة المتذبذبة ومآلها المخيب للآمال بنهايتها الكارثية، وإلى الحروب والمحن والكوارث التي لحقت بالعراق بعد إسقاط حكومتها غدراً، وحتى يومنا هذا. وهذا الرأي، إن صح، فمن شأنه أن ينفي المشروعية التاريخية للثورة، فمن الأهمية بمكان مناقشته.

إن مجرى تطور الأحداث والظروف التي أحاطت بالبلاد، داخلياً وإقليميا وعالمياً، لاسيما خلال العقد الأخير الذي سبق ثورة 14 تموز ليس لصالح الرأي المذكور. فالأقلية الحاكمة في العراق آنذاك، باتت تشكل حجر عثرة أمام التطورات المطلوبة موضوعيا للعراقً من النواحي السياسيةً والاقتصاديةً والاجتماعية.

وسدت تلك الأقلية السبل السلمية بوجه القوى الوطنية، التي كانت تنشد التغيير وتحمل مشروعا تقدمياً سلمياً، من أن تلعب دورها في تطوير البلد. واستخدمت تلك الأقلية العنف ضد أي تحرك جماهيري بما في ذلك التحركات المطلبية كإضرابات العمال وتمردات الفلاحين السلمية. وسأحاول هنا الإشارة باختصار إلى بعض ملامح تلك الفترة.

فعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فإن أبرز ما يمكن ملاحظته هو تعمّق التمايز الطبقي في المجتمع خلال السنوات التي سبقت ثورة 14 تموز في كل من الريف والمدينة على حد سواء. ولكن هذا التمايز اتخذ في الريف أبعاداً أوسع، وأفرز نتائج أخطر امتدت آثارها إلى المدينة، لأن تعاظم الفقر الذي حاق بالفلاحين، دفع بمئات الألوف منهم إلى ترك ديارهم والهجرة إلى المدينة حاملين معهم إليها كل أوضار المجتمع الريفي الفقير المتخلف. وكان العامل الأول في إفقار الفلاحين هذا قد نتج عن اتساع عملية استيلاء الملاكين الكبار على الأراضي الزراعية.

وجرت العملية المذكورة نتيجة لسياسة الحكومة التي كان يهمها تطمين مصالح الإقطاعيين الذين باتوا أحد أعمدة النظام الأساسية. فشرّعت الحكومة الكثير من التشريعات لتحقيق تلك السياسة، حتى بلغ التفاوت ما بين ملكية الملاكين للأرض الزراعية وملكية الفلاحين، حداً لا مثيل له في أي بلد في العالم. إن 3% فقط من مجموع مالكي الأراضي الزراعية في العراق كانوا يملكون ثلثي الأراضي الزراعية في عام 1958. . وكان هناك ثمانية ملاكين عراقيين فقط بحوزة كل واحد منهم أكثر من مائة ألف (100000) دونماً.

أما القطاع الصناعي فقد حُرم من أموال مجلس الاعمار بحجج مختلفة. وظلت الشركات الاحتكارية الأجنبية تحتكر معظم تجارة التصدير والاستيراد حتى ثورة 14 تموز بالتعاون مع بعض التجار المحليين الكبار.

لقد شهدت البلاد في خمسينات القرن الماضي نهوضاً وطنياً عاماً عكس نفسه في الاستعداد الجماهيري لخوض النضالات المطلبية والسياسية، والنزوع القوي نحو الاستقلال الناجز للعراق ورفض جميع الاتفاقيات المكبًّلة لحريته مع الدول الاستعمارية. وكانت الظروف الدولية مشجعة لذلك، وتمثل ذلك في انتصار الثورة الصينية وحصول الهند واندونيسيا والعديد من الدول الآسيوية الأخرى على استقلالها، والبدء عملياً بتصفية الإرث الاستعماري وتحرير المستعمرات نتيجة لنضال شعوبها. وعلى الصعيد الإقليمي، نالت سوريا ولبنان استقلالهما، وأممت إيران نفطها، وسقط النظام الملكي الموالي للاستعمار في مصر، وتصاعدت حركة السلام العالمية، وظهرت كتلة عدم الانحياز. في مثل هذه الظروف كانت الأقلية الحاكمة في العراق تسبح ضد التيار، وتسعى بكل قواها إلى ربط العراق بالأحلاف العسكرية الاستعمارية. وقد حققت الفئة الحاكمة ذلك بانضمامها إلى حلف بغداد، بعد بطشها بالشعب وقواه الوطنية. وبذلك فضحت نفسها أكثر فأكثر باعتبارها فئة موالية للاستعمار.

في صيف عام 1954 أصبح نوري السعيد رئيساً للوزراء من جديد. وقد أصدر من 22 آب إلى 12 تشرين الأول جملة من المراسيم التعسفية التي اشتهرت باسم (المراسيم السعيدية). كانت هذه المراسيم معادية لأبسط الحقوق الديمقراطية ومخالفة لدستور البلاد. وكان باكورة هذه المراسيم مرسوم حل المجلس النيابي، الذي كان يضم 11 نائباً معارضاً لم يتحملهم نوري السعيد وكان شرطه الأول لتشكيل الحكومة هو حل المجلس المذكور! ولم يحظر نوري السعيد نشاط الأحزاب المجازة فحسب، بل حلّ جميع الجمعيات المجازة بمختلف أنواعها وأغراضها أيضاً، وألغى امتيازات جميع الصحف. وأجاز فقط ثلاث صحف موالية للحكومة. وألزم نوري السعيد السجناء الشيوعيين الذين ينهون مدة محكومياتهم بإعطاء براءة من الشيوعية والتعهد بخدمة الملك وإلا ستسقط عنهم الجنسية العراقية! وأقدمت حكومته فعلا على إسقاط الجنسية عن عدد من الشيوعيين والديمقراطيين.

وبادرت حكومة نوري السعيد إلى شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف القوى الوطنية. وفصلت عدداً كبيراً من أساتذة الجامعات والمدرسين والمعلمين والموظفين والطلبة ذوي الميول الوطنية والديمقراطية وحجزتهم في معسكرات تحت عنوان أداء الخدمة العسكرية. وباتت (البراءة) من الشيوعية مطلوبة للقبول في الكليات حتى ولو كان المرء قومياً! وأضحى جلياً بأن كل هذه الإجراءات هي مقدمة وتمهيد لربط العراق بالأحلاف العسكرية الامبريالية.

إن سياسة نوري السعيد قد عزلت العراق عن شقيقاته العربيات، وراح يتآمر ضدها على المكشوف، مما وسع السخط وعمّقه ضد الحكم الرجعي. فعندما حصل العدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في 29 تشرين الثاني 1956، تأججت المشاعر الوطنية والقومية لدى الشعب العراقي. ولكن الحكم الرجعي واصل مواقفه المنافية لأبسط مستلزمات التضامن القومي. فاندلعت انتفاضة تشرين الثاني 1956 لنصرة مصر وكانت حركة التحرر الوطني العربية في أوج نهوضها. وخرجت الجماهير الشعبية العراقية في مظاهرات احتجاجية عارمة على العدوان ولنصرة مصر الشقيقة، وهتفت بسقوط حكومة نوري السعيد وحلف بغداد. وجوبهت المظاهرات من قبل حكومة نوري السعيد بالقمع العنيف وذلك بإعلان الأحكام العرفية وتعطيل الدراسة في الكليات والمدارس. وسقط الكثير من الضحايا، وتعرض حوالي عشرة آلاف طالب إلى الفصل والإبعاد والسجن، وأرسلت المحاكم العسكرية المئات من المناضلين إلى السجون. وكان كاتب هذه السطور واثنان من أخوته من ضحايا تلك المحاكم.

كانت الأحزاب السياسية حتى انتفاضة تشرين 1956 عازمة على إجراء التغيير في الحكم سلميا. وقد نصت وثيقة الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العراقي، الذي يمثل الجناح اليساري في الحركة الوطنية، الصادرة في أيلول 1956 على اعتبار المعركة "ذات طابع سلمي غالب". وكانت هذه الانتفاضة ثالث انتفاضة خلال ثمانية أعوام، ولم تتمكن من تحقيق تغيير في طبيعة الحكم.

فقد قمعت الحكومة بقسوة شديدة وبالحديد والنار جميع المبادرات النضالية. وتهجم نوري السعيد في خطابه رداً على انتفاضة تشرين بعنف وصلافة. وقد ختم خطابه مردداً باستهتار الأهزوجة لمعروفة (دار السيد مأمونة)، ليستفز المشاعر الوطنية والقومية ويدفع جميع القوى الوطنية إلى اليأس من إمكانية إجراء التغيير سلمياً. وهكذا لجأت الأحزاب السياسية إلى الجيش فوجدته جاهزاً للعمل.

وهكذا نرى أن نظام الحكم الملكي بزعامة نوري السعيد لم يقف عائقاً أمام تطور البلد فحسب، بل وقد سد كل السبل أمام الشعب وقواه الوطنية والتقدمية من أن تلعب دورها في تقدمه بالطرق السلمية. ومن هنا اكتسب سقوط النظام الرجعي، الموالي للاستعمار والإقطاع، وبالعنف، مشروعيته التاريخية.

ولم يكن ما حدث في 14 تموز انقلاباً عسكرياً كما يسميه خصومه بهدف انتزاع مشروعية الثورة التاريخية، فالانقلاب العسكري يقتصر على تغيير النخبة الحاكمة بالعنف عسكرياً، أو التهديد به، وتبديلها بأخرى. ولا تهدف إجراءات الانقلاب العسكري إلى تغيير طبيعة العلاقات الطبقية في المجتمع، أما دور الجماهير فيه فيكون صامتاً ومتفرجاً عموماً. بعكس الثورة التي تستهدف تغيير جذري في العلاقات الطبقية في المجتمع وتلعب أوساط واسعة من الجماهير في صنعها وتقرير نجاحها، وهذا ما حصل في ثورة 14 تموز.

ويعلق المؤرخ المشهور حنا بطاطو على دور الجماهير في كتابه الثالث (العراق:الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية ص 115) بالقول " كان لخروج مئة ألف شخص إلى الشوارع، والوحشية التي عبر فيها بعضهم ـ على الأقل ـ عن مشاعره، وزن كبير في تحديد النتيجة التاريخية لذلك اليوم المصيري... فقد عرقلت هذه الحركة أية أعمال مضادة معادية ممكنة لسدها الشوارع والجسور، لا في بغداد فحسب بل في مدن أخرى أيضاً. والأهم من هذا هو أنه كان للجماهير، بفضل عنفها، تأثير نفسي هائل، إذ إنها زرعت الرعب في قلوب مؤيدي الملكية وأسهمت في شل إرادتهم، وأعطت الانقلاب طابع العمل الذي لا سبيل إلى مقاومته، وهو ما شكل الحصن الحصين له".

وهكذا أسدل الستار على نظام الحكم الملكي الموالي للاستعمار والإقطاع، والذي عانى الشعب منه كثيراً واستلمت السلطة المعارضة متمثلة باللجنة العليا للضباط الأحرار وقادة من جبهة الاتحاد الوطني. وكان ذلك، فضلاً عن مساهمة الجماهير الفعالة في مساندة الثورة، بمثابة دلائل مهمة على أن الحدث ثورة، وهذه أولى حلقاتها. وتوالت الحلقات الأخرى سريعاً في السنة الأولى من الثورة. فقد ألغيت أغلب المراسيم التي أصدرها نوري السعيد. وأطلق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين. كما صدر قانون لتطهير الجهاز الحكومي وآخر لتطهير الجهاز القضائي. وشُرّع قانون الإصلاح الزراعي الذي حرر ملايين الفلاحين من سطوة الإقطاعيين وكبار الملاكين. وشاهد الفلاح بأم عينه واقتنع بأن سطوة الإقطاعيين والأثرياء التي ورثها أباً عن جد لم تكن قدراً من الله ينبغي الاستسلام له. فغدا مرفوع الرأس وأخذ يميّز بين أعدائه وأصدقائه.

وأطلقت الثورة إلى حدود معينة الحريات العامة والنشاطات الحزبية، فأمكن خلال فترة قصيرة جذب أعداد غفيرة، من شغيلة المدن والأرياف، نساء ورجالا، إلى النشاط السياسي. وتم تنظيمها في النقابات العمالية والجمعيات الفلاحية والاتحادات الطلابية، وكذلك في مختلف المنظمات الديمقراطية والمهنية. وامتد هذا النشاط السياسي إلى كل زاوية من زوايا البلاد. وفي هذه الفترة تواصلت المظاهرات والاجتماعات للمطالبة بتحقيق المطالب الشعبية المهمة التي لم تكن قد تحققت حتى ذلك الحين. وتولت كوادر ديمقراطية ويسارية مهمة الإشراف على الإذاعة والصحافة.

واستجابة لمطالب الجماهير، ورداً على حملات ناصر الدعائية، أقدمت حكومة عبد الكريم قاسم على فك ارتباط العراق بحلف بغداد في 24 آذار 1959، وإلغاء الاتفاقية الخاصة مع بريطانيا، واتفاقية الأمن المتبادل مع أمريكا مع ملحقاتها الاقتصادية والعسكرية. وأعلنت الثورة الخروج من منطقة الإسترليني. وعقدت الحكومة مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والفنية والتجارية تساعد على نهوض البلاد الصناعي والزراعي. وبتحقيق الاستقلال الناجز، وقضت الثورة على فئة الكومبرادور، وهي الفئة الاجتماعية التي ارتبطت مصالحها بمصالح الاستعمار.

وأصدرت حكومة الثورة قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، وهو أول قانون مدني ينظم العلاقات العائلية في العراق بعد أن كانت تخضع لشرائع وأعراف مختلف الطوائف والأديان المتواجدة في العراق. كما صدر القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي حرر 5, 99% من منطقة الامتياز الذي كان يشمل كل الأراضي العراقية من سيطرة شركات النفط الاحتكارية.

ولكن بعد السنة الأولى من الثورة تراجعت قيادتها أمام ضغط القوى الرجعية وبما يشبه الاستسلام لها، ومن ثم تحولت إلى حكم عسكري فردي. لقد وفر هذا الحكم، بسياسته المنافية لحقوق الشعب الديمقراطية وانعزاله عن جميع الأحزاب والقوى السياسية الحريصة على الاستقلال الوطني والنهج الديمقراطي، الأجواء الملائمة للنشاط التآمري والرجعي. فتزايدت صلافة القوى الرجعية وتجاوزاتها على حقوق الجماهير التي حُرمت من وسائلها لتنظيم نفسها للدفاع عن حقوقها، وبالتالي الدفاع عن الحكم. وجاءت الحرب التي شنتها الحكومة ضد الشعب الكردي، لتُضعف كثيراً من قدراتها العسكرية، وتُزيد من أعبائها المالية، في وقت كان الحكم يُعاني من ضغط شركات النفط وسياساتها في خفض الإنتاج، مُستهدفة من ذلك إشغال الحكم عما كان يُدبّر له. وزادت مشكلة الكويت ومُطالبة عبد الكريم قاسم بها، من التعقيدات السياسية التي كان يواجهها. وهكذا وفر الحكم الظروف الملائمة لإسقاطه.

فهل سقطت ثورة 14 بسقوط حكم قاسم العسكري الفردي؟ أعتقد بأنها لم تسقط،، بمعنى معين، لأنها لم تكن، في التحليل الأخير، انقلاباً عسكرياً. فبقيت روحها حية في قلوب وعقول وضمائر العراقيين الذين واصلوا ويواصلون كفاحهم ببسالة من أجل تحقيق هدفها الأساسي، ألا وهو إقامة نظام وطني ديمقراطي مؤسساتي يسعى لتحقق العدالة الاجتماعية ويلبي، مطامح الشعب الكردي القومية، وكذلك حقوق القوميات وكافة مكونات الشعب العراقي.

 

جاسم الحلوائي

 

رائد عبدالحسين السودانيلم تكن التظاهرات في البصرة جنوبي العراق وباقي مناطق الجنوب مستغربة وغير متوقعة نتيجة لعدة اعتبارات أولها ان هذه المدينة ذات المكانة الاقتصادية الكبيرة جدا يعيش أبنائها تحت ظل الفقر المدقع الناتجة عن السياسات الاقتصادية للحكومتين المركزية والمحلية كما انها تعيش في ظل أزمات صحية لابنائها نتيجة تلوث البيئة جراء حقول النفط التي تزود العراق بالخيرات ولم تعد على أهل البصرة إلا بالامراض، تستقدم أيد عاملة لشركات النفط الاجنبية من بنغلاديش والهند وباكستان وابناء البصرة يعيشون في حالة ضياع جراء السياسات الخاطئة والبرامج التقشفية التي شرعتها حكومة العبادي وقبلها هدر الاموال اثناء حكومتي المالكي لثمان سنوات.البصرة ميناء العراق الوحيد لكنه لم ينفع أبناء البصرة .البصرة تحادد عدة دول وامتدادها البحري الى بلدان الخليج العربية واحدى هذه البلدان، قطر بالتحديد تنظر للبصرة بعين الريبة لأنها تحوي على غاز ما يفوق غاز قطر بكثير فإن استخرج وتم تداوله بالاسواق ستتاثر هذه الامارة كثيرا .البصرة كباقي المناطق الحدودية تاثرت من السياسة الامريكية التي أبقت الحدود مفتوحة ومستباحة مما أثر على الزراعة والتجارة فيها .الجانب الأمني في البصرة يشهد ومنذ وقت طويل انحدارا نحو الهاوية مقابل صفر خطوة باتجاه التصحيح من قبل الحكومة .النزاعات العشائرية أثرت على الجانب الاجتماعي فيها، سيطرة الاحزاب على مقاليد الامور الاقتصادية جعلت ابن المدينة معزولا لا ناصر له، وجود دول تنطلق مخططاتها نحو العراق من البصرة ولذلك نرى بعض الحركات المنحرفة قد انطلقت منها أي من البصرة.الكهرباء التي هي عصب الحياة وفي مدينة حارة وجافة مثل البصرة يؤدي انقطاعها الى تضرر الانسان لاسيما الاطفال وكبار السن صحيا ناهيك عن تضرر أصحاب المهن والمحلات التجارية بالانقطاعات المستمرة لمدد طويلة .ملوحة المياة وأزمة مياه الشرب دخلت على خط الازمة في المدينة يقابله عجز حكومي عن معالجة الموضوع .تشترك البصرة مع المدن الاخرى في مشاكل من نوع آخر مثل عدم وجود مدارس كافية لتعليم الاطفال، استشراء الفساد الاداري، عدم وجود طرق ذات معايير صحيحة، الزيادة في أعداد الارامل والايتام جراء العمليات الارهابية وحرب داعش وهؤلاء يعيشون في أدنى مقومات الحياة إن لم تكن معدومة أصلا هذه المقومات حتى بدرجاتها الدنيا، وفوق كل هذا وذاك تشكيل طبقة سياسية لا شاغل لها سوى مصالحها ولا تفكر إلا في كيفية تعزيز مواقعها تحت أي ظرف والدليل على ذلك الانتخابات وما رافقها من تداعيات، كل هذه عوامل تفرض على المجتمع وعلى الافراد في أن يحتج على عدم وجودها ويطالب بالتصحيح، والثورة تبدأ بحلم ولا نستغرب عندما نشاهد أطفالا يبدأون الاحتجاجات، فالحرب السورية بدأها أطفال عام 2011من منطقة درعا وامتدت لباقي انحاء سوريا .العراق يحتاج الى حلول جذرية لا ترقيعية .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

تظاهرات الجنوب العراقي.. لماذا

حسن العاصيمع انتهاء الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الرئيسيين في العالم، المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وقوتهم الضاربة "حلف الناتو" من جهة، وبين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق وجناحهم العسكري "حلف وارسو" من جهة ثانية، في بداية التسعينات من القرن الماضي، بانهيار الاتحاد السوفييتي وحصول دوله على استقلالها، إذ أصبحت دولاً بذاتها بعد أن كانت جزء من امبراطورية استمرت عقوداً. نهاية الحرب هذه أفضت إلى وضع بدأت تتشكل معه معالم الشكل الجديد للعالم ذو القطب الواحد المتمثل بالرأس الكبير وهو الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى الأكبر اقتصادياً وعسكرياً .

غواية الاستبداد

تميزت هذه الفترة وحتى نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، بالغطرسة الأمريكية والعربدة، كقوة انفلتت من عقالها، وظهرت الولايات المتحدة في صورة الدولة الزاهية التي انتصرت على الظلام، وبدا رئيسها كسيد لهذا العالم، يريد نشر وتعميم الثقافة والقيم الأمريكيتين، وتميزت الفترة أيضاً إضافة إلى كونها أضحت أحادية القطب، في غياب مبدأ الحوار بين الشعوب والدول، هذا بسبب أن سيدة العالم -الولايات المتحدة- تستطيع أن تفرض الإملاءات والشروط على الآخرين دون حوار لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مقاومة النموذج الأمريكي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لم تكن تلجأ إلى الحوار إلا عندما تواجه صعوبات في تشكيل العالم كما تبتغي.

استيقظ العالم على قدر بدا وكأنه لا مفر منه، وبدأت مرحلة أمركة العالم سواء عبر وسائل الإغراء او بواسطة العنف. إما عبر تصدير السلع والمنتجات الأمريكية إلى العالم، وبالتالي الاستحواذ على الأسواق العالمية وخاصة الناشئة منها، ونشر الثقافة الأمريكية وإظهار النموذج الأمريكي الأفضل للعيش الرغيد، وبالتالي بسط السيطرة الفكرية على مناطق متعددة، وشعوب متنوعة، أو عبر الاحتلال والقوة العسكرية، فما هو مهم لدى الإدارة الأمريكية هو تحقيق النتائج، حتى لو كان عبر التدخل الوقح في شؤون الآخرين، واللعب على التناقضات بين الأطراف في المناطق الساخنة في هذا العالم، وبالتالي بسط الهيمنة على العلاقات الدولية، وتسخير مقدرات الكون لمصلحة الإمبراطورية الأمريكية .¨

عربدة التسعينيات

لقد كانت القوة العسكرية الأمريكية في التسعينات غبر مسبوقة، فالإنفاق العسكري الأمريكي كان يزيد عن إنفاق عشرين دولة متطورة، وما أنفقته على البحث العلمي يعادل إنفاق العالم كله، وهي القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، رغم تراجع نصيبها في التجارة الدولية عمّا كان عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي .

وبالرغم من كل هذه القوة فشلت الولايات المتحدة في فرض إرادتها المطلقة على عالم التسعينات، ولم تنجح في تحويل عالم القطب الواحد ينصاع إلى إرادة القطب الواحد، بسبب رفض العالم تحكم قوة واحدة في شؤونه، أيضاً لأن مقياس التحكم والقيادة لم يعد ينحصر بالأساطيل، بل في مصداقية السياسة والالتزام بالقيم المشتركة بين شعوب العالم. فقد خرجت الولايات المتحدة من فترة الحرب الباردة متسلحة بأيديولوجية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في ذات الوقت استمرت في حصارها غير المبرر لكوبا، وتنكر واضح للحقوق الفلسطينية.

وما أن ختم كلينتون ولايته في نهاية التسعينات، حتى كانت سياسة العولمة الاقتصادية غير العادلة التي قادها، قد أدت إلى انهيار الاقتصاد الاندونيسي، وإلى تراجع خطير في اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا، وإلى إفلاس الأرجنتين، وتراجع متسارع في اقتصاد جميع دول أمريكا اللاتينية .

المناطق الوحيدة التي لم تتأثر نسبياً من دكتاتورية العولمة الأمريكية هي دول أوروبا الغربية، والصين التي لم تكن قد انضمت إلى منظمة التجارة العالمية، واليابان عملاق الثمانينات المرعب هوت إلى مرحلة من عدم التوازن الاقتصادي .

التسعينات حملت معها أيضاً فشل أمريكي تدلّل عليه على سبيل المثال، الانفجارات التي حصلت في منطقة البلقان، وصمود كوبا في وجه استمرار الحصار الأمريكي، وتحول الصين إلى قوة لا يستهان بها في الاقتصاد العالمي، استمرار كوريا الشمالية في برنامج التسلح وإطلاقها صاروخ تجريبي فوق اليابان، وانهيار اتفاق أوسلو ومعه انهار وهمُ تغيير وجه الشرق الأوسط الذي أطلقه الرئيس الأمريكي كلينتون .

تطرف المحافظين الجدد

ومع وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض في بداية عام 2001، لم يكن أحد من أفراد طاقم الرئاسة يختلف حول ضعف الموقف الأمريكي، لكنهم كانوا منقسمين في الموقف حول الآليات التي يجب اتخاذها في معالجة هذا الضعف .

فقد ظهر صوت قوي من داخل الإدارة الأمريكية يدعو إلى انسحاب أمريكي محدود من الشأن الدولي، وصرف النظر عن مشروع العولمة، والدفاع عن المصالح الأمريكية الاقتصادية في مواجهة الإجماع العالمي، وتعزيز القدرات العسكرية الاستراتيجية لمواجهة التحديات المحتملة .

لكن هجمات الحادي عشر من أيلول-سبتمبر- عززت نفوذ أنصار الخيار الثاني، خيار الانتشار الأمريكي الإمبريالي في العالم، وفرض الإرادة الأمريكية بالقوة المجردة إن اقتضى الأمر.

وما حصل أن سياسة بوش الخارجية كانت في الحقيقة انتهت إلى اجتماع الجوانب الأسوأ في الخيارين، فأعلنت الحرب على أفغانستان عام 2001 وعلى العراق عام 2003، بذريعة مكافحة الإرهاب، واستمرت الولايات المتحدة في الاستهتار بإرادة المجتمع الدولي في مواضيع كثيرة، منها قضايا البيئة، المحكمة الجنائية الدولية، اتفاقات الحد من الأسلحة الكيمائية، وحتى فيما يتعلق بالتجارة العالمية التي صاغت قواعدها الولايات المتحدة في الأصل لم تحترمها، وأبدت الإدارة الأمريكية استهتاراً ملحوظاً بالأمم المتحدة وشرعية القرار الدولي، ومضت في استفزاز القوى العالمية بتطوير حائط الصواريخ البالستية بعيدة المدى، ونشرت عشرات الآلاف من قواتها في أماكن متعددة من العالم، وقامت باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وتحكمت في مصادر العراق النفطية .

حاولت هذه السياسة في عهد الرئيس جورج بوش تحقيق ما عجزت إدارة الرئيس كلينتون عن تحقيقه خلال عقد التسعينات، وقد ظهرت مع وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض تحولات في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، بأن اعتمد في إدارته على مجموعة من المفكرين الذين لا ينتمون إلى أي حزب لكنهم يمثلون مراكز الدراسات الاستراتيجية، فكانت حقبة بوش الابن هي المرتع والمناخ الملائم الذي احتضن أفكار - المحافظين الجدد- الذين استطاعوا السيطرة على الرئيس الأمريكي طوال فترة رئاسته، واستغلوا أحداث الحادي عشر من أيلول للترويج لنظرية الأمن القومي التي تعتمد على الاستخدام المفرط للقوة العسكرية، وفرض توجهاتهم المتطرفة على مخططي السياسة الخارجية الأمريكية، وكانت أهم ملامح هذه السياسة المتشددة إعلان الحرب على الإرهاب كأولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، وظهر مبدأ ابتدعه المحافظين الجدد باسم "الحرب الاستباقية ضد عدو محتمل" فتم إعلان الحرب على أفغانستان عام 2001 للقضاء على حركة طالبان، وتم احتلال العراق عام 2003 بذريعة امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وتم تشجيع إسرائيل لشن عدوانها على لبنان عام 2006 للقضاء على حزب الله، ومن ثم أرسلت الولايات المتحدة قواتها العسكرية إلى الصومال عام 2005 لدعم أمراء الحرب ضد المحاكم الإسلامية، وفي عام 2008 سعت الإدارة الأمريكية إلى محاولة بناء درع دفاع صاروخي في بعض الدول الأوروبية المحاذية لروسيا، وأدت إلى اشتباكات دموية بين روسيا وجورجيا بشأن أبخازيا وأوستيا، واستخدمت الولايات المتحدة القوة المفرطة في أماكن متعددة، وحاولت تفعيل نظرية المؤامرة ضد أنظمة حكم في بلدان أخرى ادعت إدارة بوش أنها دول معادية لأمريكا مثل إيران وسورية والعراق وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها من الدول، ومن أجل تحقيق هذه السياسة تكبدت الولايات المتحدة أعباء مالية ضخمة، وأدت إلى آثار سلبية تم إلحاقها بالاقتصاد الأمريكي، وأدت إلى أزمة مالية بدأت في العام 2008 ألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي، ومازالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا .

بيت الطاعة الأمريكي

كل هذا ينطلق من النظرة الأمريكية إلى العالم على أنه عبارة عن أقاليم متمردة يجب إعادتها إلى بيت الطاعة، واتبعت الإدارة الأمريكية الفاوستية روحها الشيطانية لتغيير العالم كما تشاء، وكان لابد من وجود الآخر الذي على خطأ تماماً، ليوحي للقطب الأوحد بجدوى وجوده، وتصرفت الولايات المتحدة كعصابة في خضم الأحداث المتلاحقة في فترة الرئيس بوش، وليس كدولة، إذ أنها انفلتت من عقالها وأصبحت خارج اي قانون، فبدلاً من الجهد الجماعي العالمي والمنظم لمكافحة الإرهاب وأسبابه، انفردت أمريكا بإعلانها وخوضها لحروب على أعداء قد لا يكونون بالضرورة أعداء حقيقيين للعالم بأسره .

السؤال المهم هنا والذي يدعو إلى التأمل هو السؤال التالي: ما الذي جعل الولايات المتحدة تفقد عقلها على أثر انهيار برجي نيويورك ؟ هل بسبب سقوط ضحايا أم أنه خدش هيبة الاستبداد؟

مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لا تهتم بسقوط آلاف الضحايا، إذ أن القيم لا تتجزأ، فهو ذات النظام الذي قتل عشرات الآلاف في العراق وأفغانستان وغواتيمالا وتشيلي وفيتنام وبنما وجرينادا. إن دولة كهذه ليست معنية بالضحايا الذين سقطوا بسقوط برجي التجارة، إنما ما يعني هذه الدولة هو المس بهيبتها وغطرستها، وما يمثله هذا السقوط من اعتداء على الرمزية التي يعنيها هذان البرجان من جنون العظمة الأمريكية .

انتهت مرحلة جورج دبليو بوش الذي كان أكثر الرؤساء الأمريكيين تطرفاً وصلفاً على صعيد السياسة الخارجية، وأوصل العالم إلى أقصى درجات التوتر والاحتقان غير مسبوقة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بسبب السياسات العليائية والعدوانية المخالفة للقوانين الدولية، إذ لم تعرف أمريكا والعالم كذباً ونفاقاً سياسياً كما عرفته في عهد الرئيس بوش الذي ودع البيت الأبيض بفوز الرئيس أوباما في الانتخابات الأمريكية عام 2008 على وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تسببت بها إدارة بوش، وكانت إدارة أوباما بمثابة إدارة لخروج الاقتصاد الأمريكي من مغبات هذه الأزمة ووضع الخطط للحد من تداعياتها.

الادارة الهزيلة

خلال السنوات الأولى من فترة رئاسة أوباما كان يحاول أن يحقق أهداف سياسته الخارجية باعتماده بدرجة كبيرة على مبادراته الشخصية، وشعوره بأهمية عامل الوقت، إذ قام بإعداد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وحدد بعض السياسات لإنهاء حرب الاستنزاف في أفغانستان، وحاول أوباما أن يتشارك العالم مع أفكاره خلال فترتيه الرئاسيتين، لكنه يبدو أنه اكتشف أن كافة الدول لديها أفكارها وخططها الخاصة، وحاول أن يقدم نفسه كصانع سياسات جديدة ومختلفة في علاقة الولايات المتحدة مع العالم العربي الذي استبشر بقدوم رئيس أمريكي أسود ومن أصول مسلمة ومن بيئة مختلفة عن بيئة سلفه بوش، أوباما كان عاجز عن تقديم أية دلائل للبرهنة على نيته فتح صفحة جديدة مع العرب، وفيما يتعلق بالصراع العربي -الإسرائيلي مازالت الإدارة الأمريكية تتبنى الرواية الصهيونية وتقدم لها كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري بلا حدود .

العالم الذي واجهه الرئيس أوباما مختلف كثيراً عن ذلك الذي قبله كان حين داخل البيت الأبيض سيد آخر. فبعد كل هذا التردد والغموض والارتباك في سياسة أوباما الخارجية، بدا أن مجريات الأحداث قد خرجت عن سيطرته، فالرئيس أوباما الذي حاول خلال فترة رئاسته وضع رؤية خاصة به لسياسة داخلية وخارجية، وقارب ذلك بمهارات التواصل والخطابة، يواجه عالم فقد عقله وحروب في أكثر من مكان، ويواجه تهديدات للمصالح الأمريكية ولحلفائها في المنطقة، ويواجه أيضاً الشعب الأمريكي الذي ملَّ الحروب ونفذ صبره من التدخلات العسكرية الأمريكية في شؤون العالم، وربما أننا أمام حالة عنوانها أنه منذ الحرب العالمة الثانية يظهر شعار أن على الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها قيادة العالم غير حقيقي لا سيما في الوقت الراهن .

الولايات المتحدة في عهد أوباما لم تحقق أية اختراقات في الملفات الساخنة في السياسة الخارجية لا في منطقة الشرق الأوسط ولا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا في ملف إيران النووي، وفشلت في إعادة الأمن والاستقرار إلى العرق بعد انسحاب قواتها، وكذلك فشل ذريع في موقف عدم الموقف من المتغيرات المتسارعة التي تحصل في العالم العربي، كما أن خطة الخروج المنظم من أفغانستان تترنح مكانها، وشارفت روسيا على غزو أوكرانيا ولم يجرؤ أوباما على منعها، وفي الوقت الذي يظهر فيه العالم مشتعلاً في أكثر من مكان، يتابع الرئيس أوباما عطلاته لممارسة رياضة الغولف، وقيامه بالإدلاء بتصريحات صحفية والحديث عن الصراعات في العالم، فيما يظهر وهو هادئ ذو رؤية مشوشة، متردد، غير واثق، بدا وكأنه رئيس غير ملائم لهذه المرحلة.

غطرسة أمريكية ونفاق

جاء ذبح الصحفي الأمريكي على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في منتصف العام 2014، والذي جرى تصويره وتناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وشكل صدمة مروعة للشعب الأمريكي وللعالم، نقول جاء هذا الحدث ليشكل تحدياً لقوة الولايات المتحدة وصفعة قوية لهيبتها ونفوذها، حينها فقط تحركت الولايات المتحدة واستنفرت الإدارة الأمريكية طاقمها من أجل حشد تحالف واسع لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليها، أفضت في النهاية إلى تشكيل ما سمي بالتحالف الدولي الذي ضم أكثر من أربعين دولة من ضمنهم ثمانية دول عربية، هذا التحالف الذي باشر أعماله الحربية بشن طائراته غارات يومية على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في العراق وسورية .

وأصبح أوباما يطل علينا كل يوم بقامته الفارعة لينظِّر عن الإرهاب الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة والعالم الغربي والحلفاء الإقليميين، هذا الإرهاب الذي لابد من القضاء عليه لكن الولايات المتحدة لن ترسل قوات تقاتل عن أحد، إذ أن المطلوب قيام مشاركة الجميع في دفع تكاليف فاتورة الصلف والعهر الأمريكي .

لكن أوباما وإدارته لم تشاهد قيام الكيان الصهيوني بارتكاب مجاز يندى لها جبين الإنسانية في فلسطين المحتلة، وقتل آلاف الفلسطينيين ومن بينهم مئات الأطفال والنساء، وهدم عشرات آلاف المنازل والمنشآت، ولم نسمع إدانة واحدة من هذا المجتمع الدولي الذي يسارع الآن المشاركة بحماس في ضرب تنظيم الدولة .

سيد الصفقات

أخيراً وصل السيد الجديد للبيت الأبيض، الملياردير العقاري الذي يرغب في تسويق صفقة القرن على حساب الفلسطينيين ومصالح الأمن القومي العربي. إن إدارة الرئيس الأمريكي الجديد "رونالد ترامب" القادم من الأسواق المالية ما زالت تتخبط في معالجة كثير من الملفات الساخنة حول العالم، وترامب نفسه يتبع سياسة مربكة لكنها أيضاً تستمد خطابها من الغطرسة والصلف الأمريكيين، وبرغم أنه لا يفوت فرصة لانتقاد سياسة سلفه أوباما، إلا أنه يرتكب نفس الأخطاء.

في الأزمات الحالية

ينسى الجميع أن الإشكالية الحقيقية تعود جذورها إلى أن من يبيع روحه للشيطان يأكله الشيطان في النهاية، وأن من يربي وحشاً ويسمِّنه، سوف يرتد هذا الوحش يوماً ما نحو صاحبه ليأكله بعدما يأكل جميع الخراف ولا يعود هناك حملان صغيرة للطعام.

هذا ما حصل مع أمثلة كثيرة لعل أبرزها، تحول جنرال بنما نورييغا الطفل المدلل للمخابرات المركزية الأمريكية إلى مطلوب للعدالة، وهذا ما حصل حين تحول مقاتلو طالبان تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن من مقاتلين من أجل الحرية حين كان هذا القتال يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية، إلى مجرد إرهابيين وأشخاص مطاردين ومطلوبين للعدالة الدولية بعد أن انتهى زواج المصلحة معهم

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وسط حاملات الطائرات والبوارج الحربية الأمريكية المتجهة إلى الشرق، لم يكن أحد يريد أن يتوقف قليلاً من أجل معالجة أكثر حكمة وعدلاً، لقد فقد العالم السيطرة على توازنه لمصلحة الانصياع الكامل للإرادة الأمريكية.

في المشهد الحالي في فلسطين والعراق وسورية يتكرر الصلف الأمريكي، في قيادة العالم مرة أخرة نحو الهاوية، لأن أمريكا تعتقد أن هذه القيادة في تمثلها بالسلطة تمنحها أمناً داخلياً، لكنها تتحول إلى الاستبداد حين تشعر بتفوقها، وهذا النوع من الأنظمة نراه ينزع إلى حدود السلطة المطلقة، لأنه مقتنع أن القوة إلى جانبه وكذلك الحق، ولا يكتفي بالنصر في أي حرب، بل لابد من أن يكون الآخر الذي انتصر عليه مجرماً شريراً، هذا تماماً ما فعلته الولايات المتحدة مع جميع خصومها المفترضين، وهذا ما تفعله الآن في أماكن متعددة حول العالم في فلسطين وسورية والعراق وبقاع أخرى.

تحاول الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب أن يضع العالم أمام خياران، إما أن تكون مع قوى حلف الناس الطيبين المتحضرين الذين يريدون محاربة التخلف والهمجية، أو أنك ستكون في حلف آخر مع فريق يتبنى التشدد الديني وخطابه متعصب يعتمد على قطع أعناق الآخرين. هذا الأمر يشكل استبداد من قبل الولايات المتحدة، لا يقل عن استبداد القوى التي تعتبرها أمريكا أنها قوى ظلامية وتريد محاربتها، فأي الاستبدادين أخطر؟

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

كاظم الموسويلم يجرؤ مخططو صفقة القرن على نشرها علنا والتقدم بها كمشروع لهم. بل كل ما يجري هو تسريبات غير كاملة ومحاولات متعددة وعلى مختلف المستويات، السياسية والإعلامية لغسل الأدمغة وتشويه الوعي بها واشاعة الغموض والابهام عن مخاطرها التي لخصت في الكثير من وسائل الاعلام كخطة صهيو أمريكية تستهدف المنطقة العربية وخارجها أيضا وتعمل ضمنها بشكل رئيسي إلى توطين الفلسطينيين في وطن بديل، خارج فلسطين المحتلة، وإنهاء حق العودة لللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين. اي تصفية القضية الفلسطينية وانهاء الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة والحرية والاستقلال، وتمرير تغيير المنطقة جغراسياسيا. وتشير التقارير الاعلامية ان الادارة الاميركية تعكف حاليا على وضع اللمسات الاخيرة لهذه الخطة من خلال المشاورات التي يقودها صهر الرئيس الامريكي ترامب ومساعده الخاص، أو ولي العهد كما سماه الكاتب الصحفي المعروف روبرت فيسك، جاريد كوشنير، ومبعوثه الخاص جيسون غرينبلات مع بعض الحكام العرب. اي أن واضعها يعرف انها صفقة لتدمير ما تبقى للفلسطينيين من قضية وعدالة وآمال وطنية، وبالضد من مصالح شعوب المنطقة وبلدانها في النهاية. فلهذا يسرب ويهيا الأجواء لها ويحاول تمريرها بقوة الضغط والرشوة والإذلال.. ولعل ما يتسرب منها لحد الان هو الأخطر في الصفقة، أو الصفعة الصهيوأمريكية الجديدة.

أمام ما عرف من هذه الصفقة وما نشر أو تسرب الى النشر مع غموضه وعدم التأكيد عليه يتوجب التصدي لهذه الصفقة ومقاومتها بكل الاشكال والسبل القانونية والسياسية، رسميا وشعبيا، ويتحمل الشعب الفلسطيني مع ما تحمله من كل السياسات الصهيوغربية التي واجهته أن يبدأ هو بالتحدي ورفض قبولها ومنع الخضوع لاشتراطاتها وما ستولده من اخطار فعلية على مصير قضيته وعلى المنطقة بكاملها، ليكون الشرارة الأولى والمحفز الاول لتوسيع الممانعة والشعور بالمسؤولية الجماعية لما تتضمنه الصفقة وما تستهدفه اساسا. وبعده وقبل كل شيء وقف عمليات التطبيع الرسمية والأهلية التي تقوم بها بعض الحكومات العربية، ومنعها من الإستهانة بالحقوق والنضالات الوطنية، ورفض الانصياع لأوامر الإدارات الغربية التي لم تكن في يوم من الايام بعيدة أو غير ضالعة في مخططات العدوان والحروب والدمار والتخريب في منطقتنا العربية خصوصا.

إن حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية من بعدها في حالة كفاح تاريخي مستمرة حتى تحقيق أهدافها الوطنية في التحرر الكامل، وبناء الدولة الوطنية الحرة المستقلة، كاملة الحقوق والحريات الأساسية. ولعل في خطوات الانتفاضات الشعبية بكل وسائلها هي مؤشر على استعداد الشعب الفلسطيني وتقديم نموذجه النضالي الذي تقره القوانين الدولية والأعراف الإنسانية والتاريخ السياسي، ويستشهد به ويشهد له.

ما تم من مواقف فلسطينية ازاءها تصب في رفض الصفقة وتوابعها، وعدم الاستجابة للضغوط الشديدة التي توجه عليها، سواء من واضعي الصفقة أو مروجيها او داعميها وممولي جرائمها التصفوية، وهذا أمر يأخذ في الحساب، ويثمن في المشهد السياسي، واستمراره بعزيمة تصلب من أو تشد من ازر الكفاح الوطني الفلسطيني ونضاله المشروع وحقوقه العادلة.

ولعل ايضا مسيرة العودة الكبرى التي انطلقت من غزة تضع هي الأخرى في الواجهة موقف الشعب الفلسطيني، والذي عمده بدماء الشهداء من كل الأجيال ودون توقف أو انتظار. كما ان استمرار المسيرة وبطابعها السلمي وتزايد أعداد المشاركين فيها، وتوسعها ليس في غزة وحدها، بل في كل مدن فلسطين المحتلة، تأكيد اخر على إصرار الشعب الفلسطيني على استمرار نضاله التحرري وكفاحه الوطني وصموده المشهود له به وتضحياته الجسيمة التي يتوقف عندها كل من له ضمير انساني.

هذه المسيرات باستمرارها وبسلميتها وتضحياتها تحرض الضمير الإنساني لإعلان تضامنه مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، فانطلقت من جديد سفن التضامن العالمي من أغلب المدن أو عبرها معلنة وقوفها بصوت عال مع الشعب الفلسطيني وحركة تحرره الوطني ضد الاحتلال والحروب والعدوان والظلم والاضطهاد والعسف الإسرائيلي. كما تقدمت مواقف وتصريحات تعبر عن هذا التضامن الإنساني.

عربيا كانت صنعاء، عاصمة اليمن، المحاصر جوا وبحرا وبرا من تحالف يحمل اسم العربي، ويشن على شعبه حربا شعواء راح ومازال يروح آلاف الشهداء من كل اجياله فيها، من صنعاء هذه خرجت اولى تظاهرات يمكن القول عنها مليونية، ترفع شعار التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني وتقول من هناك أن الشعب اليمني وصنعاء بالذات لا تتضامن فقط وانما تتحرق الى المشاركة مع الشعب الفلسطيني في نضاله اليومي وتدافع عن القضية المركزية للامة العربية. وفي هذه المناسبة ادعو الأخوة في قيادة أو تنسيق مسيرات العودة الكبرى اعلان يوم تضامن مع الشعب العربي في اليمن والدعوة لوقف الحرب والعدوان عليه فورا والعمل على إعادة الإعمار وحماية السكان من جرائم الحرب والإبادة الوحشية. وتأتي أهمية مثل هذه الالتفاتة تعبيرا عن روح التضامن والتحالف والمشاركة في معارك التحرر الوطني والقومي .

لقد تعلم الشعب في اليمن كما الشعب في فلسطين من تجاربه في محاربة الاستعمار واذياله ومروجي الحروب وممولي الدمار والخراب، كما أن الشعب الفلسطيني يواصل فعالياته الجديدة وهو منطلق من تجاربه والعالم في التخلص من الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

اختار الشعب الفلسطيني بوعي وإرادة كاملة طريق التحرر الوطني ويعلم مهماته ومنجزاته. وخاض ومازال يواصل تجربته منذ هبات وانتفاضات وثورات اعوام 1919 و1929 و1936 وما تلاها والى اليوم، دفاعا عن حقوقه المشروعة وعدالة قضيته وصراعه الوجودي.

عبرت مسيرات العودة، أو قدمت الرسالة والدرس في التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، وأهميتها في مواجهة التحديات والانتصار فيها. وما تجسد منها في المسيرات وكسر الحصار يضمن قوة الإرادة الشعبية ويكون الحصن الحصين للوحدة الوطنية والمقاومة الموحدة. وبها يقوم الشعب الفلسطيني في صفع الصفقة وردها إلى أصحابها واركانها واعتبارها جريمة أخرى ضد حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة وخياراتها التحررية المشروعة. وما رفع من شعار في مسيرة يوم الجمعة (2018/7/6) " اسقاط الصفقة" الا دليل واضح.

 

كاظم الموسوي

 

 

عبد الخالق الفلاحلم يتوقع تدنى علاقة امريكا مع حلفائها التقليديين في امريكا الشمالية واوروبا واسيا، وحتى مع الدول الدائرة في فلكها، والصفعة المدوية التي انهالت على وجه الدبلوماسية الامريكية ودفعتها اكثر في اتون العزلة، ومنها كانت “الفيتو” الامريكي لمنع صدور قرار عن مجلس الامن يندد بالاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، حيث ظهرت واشنطن معزولة تماما دوليا بعد ان صوت باقي الأعضاء الأربعة عشر بينهم القوى الكبرى الاربع الدائمة العضوية لصالح مشروع القرار. الى هذا المستوى الذي وصلت اليه اليوم من التراجع في عهد الرئيس دونالد ترامب. من المؤسف أن السیاسة الخارجیة الأمریکیة إن کانت هناک سیاسة فی الوقت الحالی تعیش علی التصورات الواهیة وأوهام فارغة والاستغراق في الأحلام. ومبنیة علی التهم الکاذبة والکیدیة الموجهة باستمرار من قبل کل من الرئیس الأمریکي دونالد ترامب فی قراراته الفجائیة البعیدة عن المنطق الی کل الاتجاهات وبدات العزلة تضيق علیها والدبلوماسیة الفاشلة التی تعمل بها بعد انسحاب ترامب من اهم المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بذريعة انها لا تتفق مع مصالح امريكا،، مما یتعارض تعارضا سافرا مع الأعراف الدولیة المعترف بها، کما تتعارض تماما مع أحکام القانون الدولي والسلوک الحضاري. إن هذه التصرفات قبل أي شيء، تمثل رد فعل مرتبک من قبل الحکومة الأمریکیة تجاه الموقف الدولي الموحد والمعارض للجهود الأمریکیة الرامیة إلی تمزیق العالم وتحاول ان تحرف الرأي العام الدولي عن هذا الاعمال الغیرالقانونية وانتهاکات لقرارات مجلس الأمن الدولي ویدل نهجها المدمر من خلال رفضها لمبدأ “الوفاء بالعهد” الأساسي. ان الفقاعات الیومیة التی تطلقها الولایات المتحدة الامریکیة بین حین واخر بالتهدید للدول الاخر کما فعلت ضد بیونغ یانغ وتدل علی الضعف والوهن وعدم وجود نبة للولایات المتحدة لشن اي حرب جدیدة في الظروف الراھنة ویعني الخوض في حلقة قمار خطر للغایة اذا ما فعلت ولا تجنی منها سوی الندم وذلک بغض النظر عن الظروف الاقتصادیة التي تعیشھا لو تحدثنا عنها ولن ترید تحت اي ظرف ان تصرف الدولارات فی حروب عبثة جدیدة وایة مبالغ لرفاھیة مغامرات ترامب في شرق أسیا وخاصة کوریا الشمالیة التی اظھرت بتجاربھا النوویة المستمرة خلال العقد الاخیر انھا لن تمتنع عن القیام باي محاولة حتی استخدام القنبلة الذریة للدفاع عن نفسها ومن هنا کانت الاتصالات التی ادت الی لقاء الرئیس الکوری الشمالی كیم جونج أون

مع الرئیس دونالد ترامب فی سنغافورا والتی لم یجنی منها ای ثمر رغم التنازلات الکثرة التی قدمتها واشنطن واخذت تتحدث عنها ووضعتها من اجل حل المشکلة والتی جوبهت بالرفض من قبل القیادة الکوریة الشمالیة فی بیونغ یانغ . کما إن انسحاب أمیرکا من عدد من الاتفاقیات الدولیة وتعریضها لعدد آخر منها للخطر، سیما الإجراءات التي هي بصدد تنفیذها ضد المنظمات الدولیة . کل ذلک نماذج عن الإجراءات التدمیریة التي قامت بها هذه الإدارة حتی الآن، مما جعل ـ للأسف ـ آفاق النظام الدولي مظلمة. ومن البدیهي أن الاستمرار في مثل هذه السیاسات من شأنه أن یعرض استقرار المجتمع الدولي للخطر ویجعل الحکومة الأمریکیة في موقع “متمرد دولي خارج علی القانون ومحاولات حاشیته لإیجاد مبررات وأعذار لغرض إقناع المخاطبین في الداخل والخارج، واصبحت مع الأسف إلی سمة بارزة لمسار اتخاذ القرارات في واشنطن خلال السنة الماضیة.من عمر الرئاسیة لترامب فی اتخاذ قرارات وإطلاق التصریحات والقرارات الغیر المدروسة المرتبکة لتبریرها حتی فی العلاقات مع الدول الاوروبیة والصین وروسیا التی تزداد فجواواضطرابا یوما بعد یوم. وعلی سبیل المثال فقد اعربت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، عن `قلقها البالغ` حيال الإجراءات الحمائية التي أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه سيتخذها، لجهة فرض رسوم جمركية على واردات الفولاذ والألومينيوم. خلال اتصال هاتفی `أعربت عن قلقها البالغ حيال عزم الرئيس ترامب فرض رسوم جمركية على الفولاذ والألومينيوم، معتبرة أن تحركا متعدد الطرف هو السبيل الوحيد لحل مشكلة الفائض العالمي لما فيه مصلحة جميع الأطراف. هذه السیاسات السلبية التي تتبعها الولايات المتحدة، تؤدي إلى حدوث الكثير من الأخطاء وسوف تسمح لشركائهم الإقليميين بمتابعة جدول أعمالهم بدون الرجوع إليها.، کما ان ارتباط المصالح الأمريكية والسعودية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة ترامب وتواصل الدعم الأمريكي للعدوان السعودي على اليمن إضافة إلى استكمال سلسلة من صفقات الأسلحة الموردة للسعودية رغم الانتقادات والمطالبات الدولية بوقفها جعل حتی البيت الأبيض یقلق من سياسة ترامب المتهورة خصوصا عندما أمر ترامب بشن ضربات على مطار الشعيرات بريف حمص فی العام الماضی .ان هذه التصرفات خلقت حالة من الرعب لدى كل دول المنطقة إزاء هذا النهج وهذه السياسة التي يستخدمها “ترامب” في منطقة الشرق الأوسط، التحركـات الامیركیـة تجـاه دول المنطقـة تلعـب دورا مهمـا فـي رسـم وتـشكیل حـدود الـدور والمكانـة للقـوى الاقلیمیـة وفقا للرؤیة الإسرائیلیة سـیكون فـى إطـار الـدور المعرقـل لأیـة تـسویة أو ترتیبـات إقلیمیـة جدیـدة والتی لها مصالح معها وولدت الكثير من الخوف والقلق حتی لدى بعض أصدقاء أمريكا المقربين في المنطقة .وتسبب إلى تشوه مصداقية الولايات المتحدة كزعيم عالمي غیر موثوق به في العالم وخاصة بعد ان اخلت بالتفاق النووی وانسحبت منه مع ایران الاسلامیة

وقد ردت فیدیریکا موغرینی منسقة السیاسیة الخارجیة فی الاتحاد الاوروبی علي ما یسمي بالاستراتیجیة الامیركیة الجدیدة التی اعلنها وزیر الخارجیة الامیركی مایك بومبیو فی تصریحات ملیئة بالاكاذیب والاتهامات التی لا اساس لها ضد الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة، فی استراتیجیته الجدیدة لمواجهتها بعد خروج بلاده من الاتفاق النووی ضد ایران . حیث عقبت علی ذلک موغرینی بالقول من ان الاتفاق النووی مع ایران واستمرار دعمه یعد من بین الانجازات الرئیسیة علي صعید الدبلوماسیة الدولیة والذی یشكل ضمانة لابقاء النشاطات النوویة الایرانیة ضمن المجالات السلمی. والاتحاد الأوروبی بحاجة الی التعاون الایرانی کقوة فاعلة ومفتاحیة هامة لتسویة المعضلات والتحدیات الاقلیمیة وقالت:"الاتحاد الأوروبی ملتزم بتطبیق التعهدات بشکل کامل ومصمم علی توثیق الشراکة الاقتصادیة مع ایران لمصلحة الطرفین وان ما یتوقعه المجتمع الدولی من جمیع اطراف الاتفاق النووی هوالالتزام بتعهداتهم واکدت موغرینی بان الاتحاد الاوروبی ملتزم باستمرار التنفیذ الكامل والمؤثر للاتفاق النووی ومادامت الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة ملتزمة بذلک ویبقی الاتحاد الاوروبی ملتزما ایضا مثلما كان لغایة الان وهو ليس اتفاقا ثنائيا ليكون بامكان ترامب الانسحاب منه، وهو ذات الموقف الذي اتخذته برلين وباريس ولندن وبكين وموسكو.".

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامی

 

ابراهيم أبراشفي حالة كالحالة الفلسطينية حيث الاحتلال الاستيطاني الإجلائي يُطبِقُ على كل فلسطين فإن وظيفة الأحزاب وكل قوى الشعب يفترض أن تكون مواجهة الاحتلال، وحتى في ظل وجود سلطة فلسطينية تحت الاحتلال فإن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة الاحتلال وليس للصراع على السلطة، فكلما توسع هامش الصراع على السلطة يكون ذلك على حساب مواجهة الاحتلال، وهذا ما لمسناه منذ سيطرة حماس على قطاع غزة حيث أصبحت مواجهة الخصم الوطني أو (العدو الوطني) لها الأولوية على مواجهة العدو الرئيسي إسرائيل .

إن كانت نظرة الأحزاب الفلسطينية لبعضها البعض سلبية ومتأثرة بالصراع على السلطة وعلى المصالح واختلاف الأيديولوجيات فمن الضروري عدم نقل هذه النظرة والتقييم إلى الشعوب المؤيدة والمتعاطفة مع فلسطين . حدوث ذلك سيسيء للقضية الوطنية ويضعِف من القدرة على تحشيد وتوحيد الجهود في مواجهة الاحتلال، كما سيؤدي لتشويه صورة النضال الفلسطيني من خلال تشويه كل حزب لبقية الأحزاب، وهو تشويه محصلته تشويه كل التاريخ النضالي الفلسطيني .

كان لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير انجازات في المقاومة بكل أشكالها وبالعمل الدبلوماسي وتثبيت صمود الشعب وبناء مؤسسات للدولة المستقبلية، إلا أن حركة حماس لا ترى في حركة فتح إلا الاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني مع الاحتلال وفساد السلطة بل وتنقل هذه الصورة السلبية عن حركة فتح إلى العالم الخارجي، وفي هذا اهانة للتاريخ النضالي لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير وللجهود الوطنية الصادقة لمن يشتغلون بالعمل السياسي والدبلوماسي بما هو ممكن ومتاح .

أيضا البعض في حركة فتح لا يرى في حركة حماس إلا أنها مشروع إسلاموي دخيل ومشبوه وأنها تدفع الشباب للموت لتثبت سلطتها في غزة وأنها سبب الانقسام وديمومته الخ، وعندما يتم نقل هذه الصورة للخارج عبر الإعلام فإن ذلك يسيء لمبدأ وشرعية مقاومة الاحتلال وليس لحركة حماس كحزب كما يقلل من فرص توظيف صمود الناس ونضالهم . في الحالتين كانت إسرائيل توظف كل ذلك لإدانة الطرفين والتشهير بهما وتبرير تهربها مما عليها من التزامات دولية .

وعلى المستوى الخارجي انتقلت صورة وتقييم الأحزاب الفلسطينية لبعضها البعض في سياق مناكفاتها السياسية الداخلية إلى فلسطينيي الشتات كما أثرت على مواقف بعض المؤيدين والمتعاطفين الأجانب مع الشعب الفلسطيني، إلا من آمن بأن فلسطين أكبر من أحزابها وقياداتها .

ففي إحدى زياراتي للمغرب قبل سنوات التقيت بزميل عمل سابق في جامعة محمد الخامس في الرباط وهو قيادي في حزب التقدم والاشتراكية – الحزب الشيوعي سابقا -، وتجاذبنا أطراف الحديث عن الأوضاع في فلسطين والخلافات الداخلية بين فتح وحماس فوجدت منه تقديرا لحركة حماس ليس من منطلق عقائدي بل تأييدا لها كحركة تقاوم الاحتلال وترفض الاعتراف بإسرائيل .

كان لسان حال زميلي المغربي الشيوعي ويشاطره الشعب المغربي والشعوب العربية يقول : نحن تربينا على حب فلسطين وأهلها وحب وتقدير المقاومة الفلسطينية ورفضُنا للصهيونية وسياساتها، وبالتالي عندما نرى طرفا فلسطينيا يعترف بإسرائيل ويوقع معها اتفاقية تسوية ولم يحصل على شيء بالمقابل، يقابله طرف آخر يرفض الاعتراف بإسرائيل ويمارس المقاومة ضدها فنحن لا يمكننا إلا أن نقف إلى جانب الطرف الثاني دون أن ندخل في تفاصيل الخلافات الفلسطينية الداخلية فهذه معادلة خاصة بكم و شأن لا يعنينا، ونحن سنبارك كل مَن يقاوم الاحتلال أي كان، دون أن يعني هذا الموقف أننا ضد العمل السياسي والدبلوماسي أو معارضين لمنظمة التحرير والسلطة وحركة فتح .

هذا الموقف أو الرؤية تجاه فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي يمثل قاسما مشتركا لكثير من المفكرين والسياسيين والجماهير العربية الذين يساندون الشعب الفلسطيني بعيدا عن أي انحياز ايديولوجي أو مصلحة حزبية، وبالرغم مما يشعرون به من ألم وغضب على ما آل إليه الوضع الفلسطيني الداخلي إلا أن ايمانهم بعدالة القضية لم يتزعزع ويواجهون بشجاعة الحملات المغرضة ضد الفلسطينيين وكل إغراءات التطبيع مع إسرائيل .

الشعوب العربية وشعوب ودول العالم ما زالت في أغلبيتها مع الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته وليس مع حزب أو فصيل بعينه .

فعندما يصدر قرار دولي لصالح الفلسطينيين أو تخرج المظاهرات والمسيرات في مختلف دول العالم مؤيدة لفلسطين ومنددة بالممارسات الصهيونية أو تتوسع حملات مقاطعة إسرائيل الخ فليس هذا انجازا أو تأييدا لحركة فتح أو حركة حماس بل دفاع عن عدالة القضية بشكل عام، وعندما يصادر الاحتلال أرضا فإنه لا يميز إن كان صاحبها فتحاويا أو حمساويا أو جبهويا الخ، و عندما يستهدف جيش الاحتلال مناضلا بالقتل أو الاعتقال فإنه لا يقوم بذلك انطلاقا من الانتماء الحزبي للمناضل بل لأنه فلسطيني يقاوم الاحتلال، حيث لم يميز الاحتلال حزبيا بين أبو عمار وأبو علي مصطفى والشيخ ياسين وفتحي شقاقي أو بين نصر جرار وزياد أبو عين وإبراهيم أبو ثريا ورزان النجار عندما قام باغتيالهم، كما لم يميز في سياسة الاعتقال بين مروان البرغوثي ويحيى السنوار واحمد سعدات أو بين الشيخ رائد صلاح و النائبة في التشريعي خالدة جرار أو عهد التميمي الخ .

وخلاصة القول، نتمنى من الأحزاب الفلسطينية عدم نقل خلافاتها الداخلية للجماهير العربية والأجنبية، والتوصل إلى تفاهمات حول خطاب وطني موحَد يغزز من حضور القضية الفلسطينية عالميا، وهذه مهمة قد تكون الجاليات الفلسطينية في الخارج الأكثر قدرة على تحقيقها ما دامت المصالحة الداخلية متعثرة.

 

د. إبراهيم ابراش

 

جوتيار تمرتعبتر القضية الكوردية احدى ابرز القضايا التي تم تدوالها منذ بداية انحلال الدولة العثمانية ومحاولة القوى العظمى تقسيم تركتها فيما بينهم، وفق الاجندات التي قدمت بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى من قبل فرنسا وبريطانيا كانت المسألة الكوردية تحتل مكانة بارزة ضمن الكثير من المسائل الاخرى، حيث افرز الواقع رؤية غربية متمثلة بتلك الدولتين حول امكانية انشاء كيان كوردي مستقل، لاسيما بعد مؤتمر السلام الذي انعقد في باريس والذي فيه رات الدول المشاركة بامكانية اقامة دولة كوردستان، ولكن تلك المسألة كبعض المسائل الاخرى لم تنجح في تحقيق مساعيها، وذلك لاسباب متعددة ولعل ابرزها ماهية المصالح الدولية لاسيما لكل من بريطانيا وفرنسا في المنطقة، ومن خلال هذا السرد الموجز سيتم الوقوف بشكل اكثر دقة وتفصيلية على اهم الاسباب التي وقفت وراء عدم اقامة دولة كوردية، على الرغم من وصول القضية الكوردية وقتها الى مستويات عالية في التداول الاقليمي والدولي، لاسيما فيما يتعلق بالحقوق القومية، ولقد لعبت الاوضاع العامة وقتها دوراً مهما في ايصال ذلك الصوت، ولكن في الوقت نفسه بقي دور القوى الاقليمية والدولية سلبياً تجاه القضية الكوردية، وبلاشك هناك اسباب عديدة وراء ذلك، فالاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية كل من جانبها اثرت بشكل واخر على سير القضية الكوردية، ولايمكن اخفاء ذلك حتى في وقتنا الحاضر لاسيما بعد دخول الكورد ضمن منظومة التحالف الدولي في حربها ضد احدى اشرس الجماعات الاسلامية " تنظيم الدولة داعش" في كل من سوريا والعراق، فقد اصبح الكورد في الحرب السورية الدائرة حالياً ورقة ضغط كبيرة على المسارات السياسية وذلك بتحالفهم مع الولايات المتحدة التي تقود بدورها التحالف الدولي ضد الارهاب، في حين نرى المساعي التركية والايرانية الجاهدة في ابقاء الكورد ضمن دائرة الارهاب في سوريا، هذا التضاد خلق نوعا من الامتعاض الكوردي ولكن في الوقت نفسه يتضح بان الولايات المتحدة لم تزل متمسكة بذلك التحالف، فضلا عن وجود تعاطف روسي حيال الكورد في هذا الشأن لاسيما بعد ان اتضحت معالم توجههم الحقيقي والذي يميل الى النظام السوري الحاكم المدعوم من روسيا، وفي الجانب الاخر حدثت تطورات كبيرة في مسالة الوعي القومي والمطالبة بالحقوق القومية للكورد في كوردستان العراق التي بدورها دخلت في تحالف مباشر مع القوى الدولية لمحاربة الارهاب، ذلك التحالف الذي اعطى للكورد مساحة واسعة للظهور الدولي بحيث اصبحت قضيتهم في العراق تتداول في العديد من المحافل الدولية، ذلك التداول الذي اسفر في النهاية الى قناعة لدى الاوساط السياسية الكوردية بضرورة اجبار بغداد على اتخاذ سياسة واضحة تجاههم، واعطاء حقوقهم الدستورية الامر الذي افضى الى اتخاذ الساسة في كوردستان العراق قراراً باجراء استفتاء للاستقلال، فعلى الرغم من هذا القرار التاريخي المهم للحركة التحررية الكوردية الا ان المواقف الدولية تغيرت تجاههم بحيث لم تقدم لهم الدعم اللازم مما جعلوا من تجميد نتائج الاستفتاء امراً وارداً.

مر الشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة بمراحل تاريخية عديدة، وتثبت الدراسات التاريخية والاثرية برسوخ قدم الكورد في المنطقة سواء من الناحية الاثنية او الجغرافية، ولقد ترك الكورد خلال العصور التاريخية معالم حضارية واضحة تشهد لهم بامتلاكهم القدرة على البقاء والثبات امام الصعاب، وتعد مرحلة عاصفة الصحراء 1990 الى ما بعد سقوط بغداد وانحلال نظام البعث العراقي 2003 احدى اهم المراحل التاريخية والسياسية للكورد في كوردستان العراق حيث تم تقييد نظام البعث وجيشه وذلك من خلال اقامة منطقة عازلة باشراف دولي، وفي الوقت نفسه دخل الكورد بشكل فعال للمنظومة السياسية الداخلية بتشكيل حكومة كوردية وبرلمان كوردي ومن ثم التوافقات السياسية بين الاحزاب الرئيسية في كوردستان العراق، ومن الناحية الاخرى دخولهم وبشكل قوي في تحديد معالم وملامح السياسة العراقية واستطاعوا من فرض ارادتهم في صياغة العديد من المواد الدستورية الاولية التي تضمن لحد ما حقوقهم داخل الدولة الجديدة بالطبع من خلال دخولهم ضمن اللجان المكلفة باعداد مواد الدستور والتي استمرت لفترة طويلة قبل ان يتم الاعلان عنه، ولكن كل ذلك مرة اخرى اصطدم بواقع المصالح الدولية التي سعت بدورها الى تفعيل الورقة الكوردية للضغط على بغداد وايران من جهة وللحد من التوغل التركي ايضا من جهة اخرى، فمصالح تركيا هددت الى حد ما المصالح الامريكية على الرغم من التحالف الامريكي التركي، كما اصبح التواجد التركي في العراق لاسيما في كوردستان معياراً سلبياً بوجهة نظر الاتحاد الاوربي لتعارضها مع مصالح الاتحاد وكذلك لكون الاتحاد يدرك تماما المساعي التركية لضرب حزب العمال الكوردستاني من خلال هذا التوغل.

من خلال رسم الملامح السياسية عقب فترة سقوط النظام العراقي وبداية التحولات السياسية العراقية والتي سبق وان نوهنا عنها بتشكيل اللجان الدستورية ودور الكورد فيها، اصبح المشهد العراقي شبه واضح المعالم للغرب الاوربي والامريكي من جهة وللدول الاقليمية المجاورة لاسيما ايران وتركيا من جهة اخرى، حيث ان التدخلات الاجنبية في الشؤون العراقية لم يعد مقتصرا على جهة معينة بل تحول العراق ساحة لعب للمصالح الدولية لاسيما لتركيا التي باتت احدى اكبر الدول استثماراً في العراق وبالاخص في كوردستان العراق وباتت تتحكم اقتصاديا في العديد من المواقف السياسية، لكونها تتحكم في الاصل بالممر المهم والرئيسي لانفتاح كوردستان العراق على العالم الخارجي، ولقد سعت تركيا من خلال ذلك لفرض وجودها، وسياستها في الكثير من الاحيان وذلك لاعتبارات خارجية، فتركيا التي تعاني منذ عقود طويلة في مسالة الدخول للاتحاد الاوربي واجهت الامر بطريقة مغايرة وذلك بفتح قنوات اقتصادية وسياسية تعطيها حضوراً مميزا في الشرق الاوسط، مما يعني بالتالي امكانية الضغط على الاتحاد الاوربي لقبولها، ولكن في الوقت نفسه واجهت ضغوطات عديدة من منافسيها في المنطقة سواء ايران، او الولايات المتحدة التي وجهت للعديد من المرات انتقادات واضحة للتوجهات التركية وسياستها في المنطقة، وبلاشك ان تلك السياسة لم تلقِ استحسانا اوربيا ايضاً بل اثر كثيرا على المساعي التركية، ونتيجة هذا الصراع بين الدول الاقليمية والاتحاد الاوربي وامريكا دخل العراق مرحلة من الضياع السياسي استطاع الكورد من الاستفادة من تلك الظروف لبناء انموذج للحكم ضمن حكومة شبه مستقلة.

اصبح التوغل الاقتصادي التركي في كوردستان العراق محل شك للعديد من الاوساط المحلية والاقليمية، ولكنه في الوقت نفسه استطاع من اخراج حكومة الاقليم من العديد من الازمات، وبذلك فان هذا التوغل الاقتصادي منح الكورد فرصة كبيرة للانفتاح على الاسواق العالمية، فتركيا وحدها كانت تحمل تلك السمة الانفتاحية للكورد، لكون جغرافيا سوريا التي تعيش واقعا مأساوياً لايمكنها ان تمنح كوردستان العراق الممر الامن، ولا ايران التي تتحكم بزمام الامور السياسية في العراق وبذلك لم يعد امام الكورد الا تركيا، فعلى الرغم من التنازلات التي قدمها الكورد لتركيا الا انهم استطاعوا من استغلال ذلك لفرض واقع اقتصادي مؤثر، بحيث لم تعد تركيا تستطيع الى حد ما الاستغناء عنه، وهذا بلاشك يعد مكسباً لحكومة اقليم كوردستان، ومفتاحاً مهما للتنمية الاقتصادية لاسيما اذا ادركنا بان تركيا تنعم بموقع استراتيجي على الساحة الدولية سواء في المجال السياسي ام الاقتصادي، ولكن مع ذلك لايمكن انكار الاثار السلبية التي قد تتركها تركيا فيما يخص الواقع السياسي الكوردي الساعي لتحقيق دولة وكيان كوردي مستقل، فتركيا كانت ولم تزل من اشد الدول معارضة لهذا المسعى لادراكها بان استقلال كوردستان العراق يعني بالتالي فتح الممر والمجال مع الجنوب التركي للتحرك ضمن مساعي دولية وسياسية وحتى عسكرية لنيل حقوقها، وبالتالي فان تركيا كانت ولم تزل توجه كامل طاقتها للحد من استقلال كوردستان العراق ولقد شهدت الاحداث الاخيرة بعد الاستفتاء هذا السعي التركي حيث لاول مرة منذ عقود تاريخية نجد تركيا تقدم تنازلات واضحة لغريمتها ايران على حساب وقوف الاخيرة معها ضد المصالح الكوردية.

تتضح معالم الرؤية الدولية للقضية الكوردية وفق معايير المصالح المشتركة فيما بينها من جهة وعلى الوحدة الكوردية من جهة اخرى، فالقضية الكوردية تعيش واقعاً صعباً من خلال جغرافيتها الصعبة، حيث تستفحل الدول القومية في المنطقة بشكل واضح وجلي، وتتحكم تلك الدول بزمام السلطة ضمن جغرافيتها وفي احيان كثيرة تتحكم بمسارات اخرى للاحزاب الكوردية داخل حدود الدول المجاورة لها، وهذا يعني امكانية استغلال التيارات الكوردية من قبل تلك الحكومات القومية وفق مصالحها ومعاييرها واستراتيجياتها الخاصة واجنداتها، فتركيا الدولة القومية التي كانت ولم تزل تتحكم بقوة بزمام الحكم ضمن جغرافيتها تتدخل بشكل واضح ومؤثر في كوردستان العراق، وفي الجانب الاخر العراق نفسه المدعوم من ايران نراه يتحكم بمناطق كثيرة وفق نهجها الخاص، وبالتالي فان القضية الكوردية تعيش واقعاً افتراضياً موحداً، وواقعاً عيانياً مفترقاً، وهنا تبرز اللعبة الاكثر تحكما بالمساعي التركية لبسط نفوذها في المنطقة وهو الصراع التركي الاتحاد الاوربي حيث تشكل الاخيرة معلماً بارزا في تحديد المسارات السياسية التركية، بحيث كان الترك ومازالوا يستغلون ورقة التحكم بالعديد من الممرات الاقتصادية المهمة لكوردستان العراق لتوجيه الرأي العام الاقليمي، في حين لم يزل الاتحاد الاوربي يرى في السياسة التركية منافية لجميع القوانين الدولية والتي تفضي الى عدم اهليتها للدخول في الاتحاد.

فالتوغل التركي في سوريا ومساهمتها الفعالة في ايواء المعارضة السورية ومن ثم اتباعها النهج العسكري لتوثيق مواقفها ورغبتها التوغلية تجعل من مهمة قبول الاتحاد الاوربي لتلك الافعال والاعمال شبه مستحيل، لاسيما بعد ثبوت العديد من الادلة بارتكابها مجاز حقيقية وايوائها لبعض الجماعات الارهابية، ومن ناحية اخرى رفضها القاطع للتعامل مع الاحزاب الكوردية الفعالة والتي تدخل ضمن التحالف الدولي ضد الارهاب، كل هذا جعل من القضية الكوردية تدور في حلقة فارغة ضمن اطارات لم تحدد ملامحها المستقبلية بعد، ومن جهة اخرى فان التعامل الدولي مع الكورد على الرغم من ولولوجهم الى التحالفات الدولية معهم، بات امراً يعقد من ادراك معالم القضية الكوردية المستقبلية، فالكورد رغم كل ما قدموه مازالت قضاياهم يتم التعامل معها وفق سياق محدد وهو الدولة القومية التي يشكل الكورد جزء منها، فالتعامل مع اقليم كوردستان العراق يتم عبر بغداد، ومع الكورد في سوريا وفق المنظومة السورية ناهيك ان ايران وتركيا لايعترفان اصلا بوجود كوردستان، فكل التعاملات تتم عبر انقرة التركية وطهران الايرانية.

لقد ساعد التشتت الكوردي نفسه هذه الدول على الاستقواء عليها، وحصر قضيتهم في الدوائر الداخلية للدول نفسها، وعدم اعتبار القضية الكوردية قضية دولية او قضية قومية تحتاج الى حلول دولية، هذا التشتت له اسباب عديدة، ولعل ابرزها هو التحزب والانقسام في الرؤية الكوردية حيال قضاياه، وعدم وجود قيادة تستطيع ان تتحكم بالكورد وتوجههم الى بر الامان، فكل الاحزاب الكوردية لاتملك مشروعاً قومياً منطقياً وواقعياً يمكنه ان يتماشا مع رؤية اغلب الاحزاب المتحكمة الاخرى، بل ان اختلاف وجهات النظر الكوردية الكوردية ادت في العديد من المرات الى الاقتتال الداخلي فيما بينهم، وهذا ما وسع الشرخ بين الرؤية الكوردية لقضيتهم وبين الرؤية الدولية التي وبحسب مصالحها تريد وتيرة موحدة للرؤية الكوردية كي تقدم الدعم لها، ان التنافس الحاصل بين القوى الحزبية الكوردية اضرت بالقضية الكوردية بدرجة انها لاتستوعب مدى حجم تلك الاضرار، ولم يعد يهمها الا الشعارات القومية التي بدورها لاتنفع ولاتقدم للقضية اية حلول مناسبة، هذا الانقسام الظاهر في الجسد الكوردي لم تجعل الهوية الكوردية في خطر فحسب بل انه بات يهدد مستقبل القضية ومستقبل الجنسية الكوردية في دولها وفي المنطقة باجمعها، بحيث لم يعد التغني بالاسطورة الكوردية التي استطاعت الوقوف بوجه الظلم والارهاب تنفع، لان اساس اية اسطورة حية التوافق والالتحام والتوحد وهذا ما لايوجد في دائرة الساسة الكورد، وبالتالي فان الاسطورة بكل قوتها لاتستطيع ان تخلق واقع سياسي يتمكن فيه الكورد من تشكيل دولة او اقامة كيان مستقل.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

عبد الجبار الجبوريتداولتْ الفضائيات والصحف الغربية والأمريكية، تهديداً إيرانياً بغلق مضيق هرمز، أمام تصدير النفط الخليجي الى العالم . في حال تنفيذ أمريكا تهديدها، بمنع الدول الغربية الاوربية إستيراد النفط الايراني، هذا التهدَيد جاء على لسان الرئيس الايراني حسن روحاني، في مؤتمره الصحفي في جنيف أثناء زيارته لسويسرا، معتبراً هذا الإجراء إعلان حرب على إيران. في حين هدّد قائد الحرس الثوري الايراني، رداً على تهديدات إدارة الرئيس ترمب بقوله ( إن الحرس مستعد لتطبيق استراتيجية تعرقل صادرات النفط الإقليمية حال حظرت أميركا مبيعات النفط الإيرانية)، وبهذه التهديدات الايرانية، تدخل المنطقة في حالة حرب حقيقية، فسرّها المراقبون، بأن إيران إتخذّت عدّة خطوات لمواجهة خطر الحرب عليها، ومنها إلحاق الضرّر بالمصالح الإستراتيجية الامريكية في المنطقة، وكذلك مصالح الدول الخليجية ومنها، غلق مضيق هرمز الذي تصدّر منه الدول الخليجية، أكثر من 18 مليون برميل نفط يومياً، أغلبها من السعودية والكويت وقطر والإمارات، هذا التحوّل الإستراتيجي في الخطاب الإعلامي الايراني من الدفاع الى الهجوم، يعدّ الأخطر، والذي يعني دخول المنطقة كلّها في حرب غير معلّنة، تنتظر الإشارة، لاسيمّا، والاتصال الهاتفي بين الرئيس ترمب والملك سلمان، وتعهّدْ المملكة على تعويض النفط الايراني، إذا نفذّت الدول الاوروبية الطلب الأمريكي، برفض النفط الايراني، في وقت كان تصرّيح مدير التخطيط الامريكي بوزارة الخاجية براين هوك (أن بلاده واثقة من وجود ما يكفي من الاحتياطات النفطية للاستغناء عن النفط الخام الإيراني، وأن هدف حكومته هو خفض عوائد إيران النفطية إلى صفر)، هذا يعني إن الخطوات الامريكية ماضية قدماً، في زعزعة الامن والاستقرار داخل إيران .من خلال الحصار الاقتصادي الخانق عليها خارجياً، والذي ادّى الى تظاهرات وإحتجاجات داخيً، كما جرى تفجيَّر الشارع الايراني بتظاهرات شعبية عارمة، وأعلن المرشد الايراني مباشرة إتهامه لأمريكا، أنها هي من وراء هذه التظاهرات الشعبية في جميع المدن الايرانية، وهذا السيناريو إعتمدته أمريكا في أكثر من مكان ونجحت فيه، كما حصل في سوريا وحكومة مصدق عام 1953 لتغيّير النظام من الداخل، ويقف خلف هذه التظاهرات الموساد الاسرائيلي والسي اي اي الامريكي. إن غلق مضيق هرمز من قبل ايران، يعني بكل تأكيد إعلان الحرب في المنطقة، وهو الشرارة التي تسعى امريكا وسرائيل إشعالها، والتي تعدهأ أمريكا ذريعةً ومبرّراً لغزو إيران .تماماً كما حصل مع غزو العراق، وأزاء هذه الخطوات الامريكية المستفزة لإيران، والتصريحات النارية لأركان إدارة ترمب، كما حصل في مؤتمر المعارضة الايرانية لمجاهدي خلق في باريس. حيث قال رودي جولياني احد العاملين في فريق ترمب القانوني مانصّه مبشراً الايرانيين والمعارضة (نراكم في طهران في العام المقبل)، في إشارة الى سعي أمريكا واصرارها على تغيير نظام الملالي في طهران وإسقاطه، ونعتقد أن قرار التغيير قد حسمته إدارة الرئيس ترمب، وتحشيد الجيش الامريكي وأساطيله وبوارجه الحربية، وتكدسّها في الخليج العربي والمنطقة، والقواعد الامريكية العسكرية فيها، ولكنْ هذا التغيير لن يَتم قبل أن تحسم أمريكا وحلفاؤها وروسيا الاوضاع في كل من العراق وسوريا واليمن. أمريكا والسيناريو الامريكي لمواجهة إيران وتغيير نظامها، ماضٍ بقوة الى الامام ولا رجعة عنه، خاصة بعد المصالحة التأريخية بين أمريكا وكوريا الشمالية، وتسليّم كوريا ملفّات البرنامج النووي الايراني للإدارة الامريكية، ولكنّه بطيئ جداً للاسباب التي ذكرناه، لذلك كات تهديدات روحاني مباشرة وصريحة (أن إجراء غلق مضيق هرمز سيكلّف أمريكا والدول العربية والخليجية ثمناً باهظاً جدا أكثر خطورة وربما وجودياً)، لأن قطع النفط الايراني بحسب (الرئيس روحاني)، يعني قطع عنق إيران وقطع رزق شعبها، وهذا ما لاتقبله إيران مهما كانت النتائج، وهي مستعدة لإسوأ الاحتمالات وهي الحرب، إذن نحن أمام سيناريو حربي جديد في المنطقة، تقوده الادارة الامريكية والدول الخليجية وإسرائيل ضد إيران، فماذا ستفعل إيران أزاء هذا السيناريو المرعب لها. والذي يهدّد نظامها وإقتلاعه، وهي غائصة الى أذنيها في مستنقع سوريا والعراق واليمن، هذا المشهد لابد ان نعود الى جذوره وتداعياته، فالوضع العسكري السوري يشارف على نهايته، بعد تفاهم المعارضة والفصائل العسكرية، وتوقيع اتفاق سلام وهدنة مع النظام وروسيا، وتسليّم سلاحها في درعا وغيرها، مما يفتح الطريق لأنهاء الحرب هناك، وهزيمة تنظيم داعش والنصرة نهائياً في سوريا، مصاحباً لإخراج إيران من سوريا وإنسحاب أذرعها الميليشاوية العراقية وحرسها الثوري وحزب الله، وكذلك الحال التفاهم بين تركيا وأمريكا والنظام السوري في شمال سوريا وإستقرار الاوضاع في منبج وعفرين. والشريط الحدودي التركي –السوري، وإستسلام الوحدات الخاصة الكردية وخروجها من المدن، أما اليمن فهزيمة الحوثيين في الحديدة ومطارها ومينائها، وتقهقرميليشياتها في اكثر من مدينة وإعلانها الإنسحاب من الميناء دليل هزيمتها، ونعتقد ان هزائم الحوثيين أمام الجيش اليمني الوطني. وأمام المجتمع الدولي، قد أصبح وجودها وهزيمتها العسكرية وإعلان استسلامها مسألة وقت لا اكثر، ولكن التحديات الكبرى التي تواجه الادارة الامريكية، كما وصفها وزير الخارجية الامريكي ماك بومبيو هي الميليشيات في العراق، وضرورة دمجّها في القوات الامنية والجيش وتحجيّم دورها في العراق، لذلك نرى ان الحراك الامريكي، وإرسال الرئيس ترمب مبعوثه الشخصي بريت ماكغورك، الى بغداد اليوم، هو لإجراء محادثات مع رموز العملية السياسية، ووضع اللمسّات الأخيرة. لتشكيّل حكومة عراقية، برئاسة شريكها حيدر العبادي، ومعلناً في الوقت ذاته، فشل جميع التحالفات السابقة التي أعلنها مقتدى الصدر زعيم قائمة سائرون، مع قائمة الفتح والنصر ودولة القانون، وإنها ليستْ تحالفات وإنمّا تفاهمات، لم ترقَ الى تحالف حقيقي لتكوّين الكتلة الأكبر، لأن إعلان الكتلة الاكبر، وحسب الدستور المسخ، سيكون داخل جلسة مجلس النواب وليس خارجها، وهكذا أفشل بريت ماكغورك بزيارته السابقة لبغداد، محاولات قاسم سليماني لإنشاء تحالف كبير يضمن حكومة تابعة لإيران، كانت أولى خطواته إعلان الصدر تحالفه مع هادي العامري زعيم قائمة الفتح، يعود اليوم بريت ماكغورك ليضع الأمور في نصابها الصحيح أمريكيا، وكما هو مخطط لها أمريكياً، وهو تشكيّل حكومة شاملة عابرة للطائفية، وبعيدة عن السطوة الايرانية تماماً، وتحجيّم وإنهاء دور الميليشيات في العراق، التي تُعدّ أكبر تحدِّ للإدارة الامريكية، ومعرقلاً أساسياً لمشروعها في العراق والمنطقة، خاصةً بعد تهديدات قادة الميليشيات بضرب القواعد الامريكية في العراق، والسفارة الامريكية والمستشارين الأمريكان وخطّفهم، وكذلك إنهاء وتحجيم الدوّر والتدخل الايراني العسكري في العراق، هذه هي أهم التحديّات التي تواجه أمريكا ومشروعها في العراق، فماذا أعدّت الادارة لمواجهة هذه التحديّات، أولى الخطوات هو إعادة التوازن، في تشكيل حكومة شاملة، لاتهميش فيها لإيِّ مكوِّن، وإخراج قوة الميليشيات خارج المعادلة السياسية، وحصر السلاح بيد الدولة، ونزعه من يدِّ الميليشيات، وما التفجيرات التي حصلت في مدينة الصدر والبصرة ودهوك وبابل والسليمانية وغيرها، إلا إشارة واضحة على تقليم أضافرها، وما يجري من حراك سياسي في الدول الاقليمية، قد فشل في توحيد الخطاب السياسي بين القوائم والكتل وبقي الخلاف قائما، والصراع على أشدّه بينها جميعاً، فلا يوجد تحالف يمكن من خلاله تشكيل حكومة ذي صبغة طائفية، خاصة وإن عملية العدّ والفرز ستطول ربما شهرين، وسيفّجّر صراعات خطيرة، بين الكتل المزوِّرة والكتل الخاسرة، وهذا يصبّ في صالح الإدارة الامريكية، لحسم الصراع لصالحها .في إعلان حكومة الانقاذ الوطني الحل الوحيد لإنقاذ العملية السياسية من حرب أهلية طائفية تتسعى وتبشر بها قائمة دولة القانون والمفوضية اللامستقلة، وهو ما تريده طهران لخلط الاوراق، وإشغال الادارة الامريكية في العراق، وإبعادها عن أزماتها الداخلية، التي أصبحت تهدّد كيانها ووجودها، من خلال التظاهرات الغاضبة في شوارع إيران، فهل تستطيع إيران غلق مضيق هرمز، أجزم أنها لن تسطيع لأنها ستخنق نفسها بيدها وتموت، إيران تعيش أيامها الاخيرة قبل الطوفان، وحانت ساعة الحساب فعلا، الأيام القادمة حُبلّى بكل أنواع المفاجآت...

 

عبد الجبار الجبوري

 

 

ابراهيم أبراشإن كان انهيار المعسكر الاشتراكي رسميا بداية التسعينيات من القرن الماضي دشن لحقبة جديدة أو لنظام دولي جديد أنهى النظام الدولي أو العالمي الذي وضعت أسسه اتفاقية يالطا في فبراير 1945، فإن التطورات داخل المعسكر الغربي وعلاقة هذا الأخير بالإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب تؤسس لنظام دولي جديد يتجاوز ويتعارض مع جديد (النظام الدولي الجديد) السابق .

وقبل الحديث عن ملامح ومؤشرات النظام الدولي الجديد الذي يسعى الرئيس ترامب لفرضه، نستحضر أهم المتغيرات والتحولات التي كانت وراء الحديث عن النظام الدولي الجديد بعد حقبة الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، وهي كما يلي :

1- الانتقال من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، مع مؤشرات إلى تعددية قطبية مرنة .

2- انهيار المعسكر الاشتراكي وتحوَّل روسيا الاتحادية إلى مجرد دولة كبيرة كغيرها من عديد الدول .

3- استمرار بل وزيادة قوة المعسكر الغربي – اتحاد أوروبي وحلف أطلسي- بعد انضواء غالبية دول أوروبا الشرقية إليه .

4- وجود الولايات المتحدة الامريكية على رأس العالم الغربي / الحر.

5- الانسجام والتوافق ما بين دول أوروبا وواشنطن وإقرار الأولى بالزعامة الأمريكية بدون منازع، وانسجام وتوافق ما بين دول الاتحاد الأوروبي .

كانت المراهنة بأن العالم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وفي ظل النظام الدولي الجديد سيصبح أكثر أمنا واستقرارا وخصوصا أن انهيار المعسكر الاشتراكي أوجد حالة من نشوة الانتصار – انتصار بدون حرب - والطمأنينة بأن الخطر النووي والعقائدي الاستراتيجي الذي كان يهدد الغرب عسكريا وحضاريا قد زال، وما عزز حالة الطمأنينة تزامن ما سبق مع انتشار ظاهرة العولمة التي بشرت بإزالة الحدود والحواجز والانفتاح بين دول العالم، بل وصل الأمر ليبشر البعض بنهاية زمن الصراعات والتَسيّد الأبدي للغرب بزعامة واشنطن على العالم - نظرية نهاية التاريخ للمفكر الأمريكي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما - .

عدة أحداث عززت حالة الثقة بالنظام الدولي الجديد وثقة بقدرة واشنطن على قيادته، فخلال العقدين المواليين لانهيار المعسكر الاشتراكي : انضمت عدة دول من أوروبا الشرقية لحلف الأطلسي، حرب الخليج الثانية ونجاح التحالف الغربي في إجبار جيش صدام حسين على الانسحاب من الكويت ولاحقا احتلال العراق 2003، عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991 ثم اتفاقية أوسلو 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين تلتها اتفاقية وادي عربة مع الأردن 1994، التدخل الأطلسي لحسم الحرب في البوسنا والهرسك 1992، الخروج بأقل الخسائر من الأزمة الاقتصادية 2008 مع أسعار متوازنة للنفط، فوضى الربيع العربي ونتائجها الكارثية على العرب والإيجابية للغرب وخصوصا واشنطن، توقيع اتفاقية الملف النووي مع إيران 2015، هذا بالإضافة إلى نشوة الانتصار لدى حلفاء الغرب التقليديين وخصوصا إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي .

كل شيء أخذ بالتغير داخل الحلف أو المعسكر الغربي وعلى مستوى النظام العالمي بكامله مع فوز الرئيس الأمريكي ترامب في انتخابات 2016 . لم يكن فوز الرئيس الأمريكي ترامب مجرد تحول وانتقال ديمقراطي داخلي من الحزب الديمقراطي للحزب الجمهوري بل كان لسياساته الخارجية تأثيرا على النظام الدولي لا تقل أهمية عن انهيار المعسكر الاشتراكي، وهي تأثيرات مست كل المناحي التي كانت تشكل معالم أو مرتكزات للنظام الدولي الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والعسكرية والإستراتيجية، وقد تزامن هذا مع متغيرات داخل أوروبا نفسها كاتحاد وكدول تشبه حالة التفكك، مع عودة قوية لروسيا الاتحادية إلى المشهد العالمي .

في عهد الرئيس ترامب لم يعد الحديث يدور عن الصراعات التقليدية بين الغرب والشرق أو بين الحلف الأطلسي وروسيا الاتحادية، بل عن صراعات وخلافات داخل المعسكر الغربي أو العالم الحر ذاته، مما ينذر بتحولات جدية على المعسكر أو الحلف الغربي وعلى النظام الدولي ومن أهم هذه المتغيرات أو المؤشرات على التحول :

1- رفع الرئيس ترامب ومنذ حملته الانتخابية شعار (أمريكا أولا) .

2- الخلافات بين إدارة ترامب وأوروبا حول مسألة أو اتفاقية المناخ وانسحاب واشنطن من الاتفاقية .

3- خلافات أمريكية أوروبية حول اتفاقية التجارة الحرة وفرض الرسوم .

4- خلافات أمريكية أوروبية حول الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي وتشكيك ترامب بجدوى وجود هاتين المؤسستين .

5- الموقف الأمريكي المعادي للقانون الدولي والأمم المتحدة .

6- تباين المواقف حول عملية التسوية السياسية في الشرق الأوسط ومن صفقة القرن الأمريكية .

7- خلافات حول الهجرة واللاجئين .

8- التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي "Brexit" وتهديد دول أخرى بخطوات شبيهة .

9- أزمات اقتصادية تضرب أكثر من دولة أوروبية وآخرها اليونان .

10- خلافات حول ملف الهجرة وخصوصا ما بين ايطاليا من جهة وألمانيا وفرنسا من جهة أخرى .

11- تصاعد الشعوبية لدرجة مطالبة بعض الأقاليم بالانفصال عن الدولة الأم كما هو حال إقليم كاتالونيا في أسبانيا،واسكتلندا مع بريطانيا الخ

12- لم تعد أوروبا تنظر لواشنطن كزعيمة للمعسكر الغربي .

13- خلافات أمريكية أوروبية حول اتفاقية الملف النووي الإيراني .

14- عودة روسيا بقوة إلى المشهد الدولي عسكريا وسياسيا واقتصاديا .

ما يؤكد التحولات في النظام الدولي وفي العلاقات داخل ما يسمى المعسكر الغربي أن القمة القادمة بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب والروسي بوتين في السادس عشر من يونيو الجاري تثير تخوفات حتى عند الدول الأوروبية نفسها التي لم تعد تشعر في عهد ترامب بأن واشنطن زعيمة للعالم الحر ومدافعة عن مصالحه، فخلافات ترامب مع أوروبا تثير خشية أوروبا من أن يكون التفاهم الروسي مع ترامب على حساب مصالح أوروبا، كما أن اللقاء يثير قلق حلفاء آخرين كاليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء في الشرق الأوسط . فماذا تبقى من المعسكر أو الحلف الغربي؟ .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

سليم الحسنيلا تهتم الولايات المتحدة كثيراً لنفوذ إيران السياسي في العراق، فهي تتعامل معه على أنه حالة طبيعية في كل الدول القلقة، حيث تكون ساحة مفتوحة لتدخلات دول الجوار. كما أن النفوذ الإيراني في العراق يمكن السيطرة عليه، فالسفارة الأميركية في بغداد تتحكم بالمفاصل الأساسية في العملية السياسية، وعليه فالنفوذ الإيراني ليس كما يُتداول اعلامياً، لكن الذي يقلق واشنطن الشطر العسكري من هذا النفوذ.

لقد أفسد الدعم العسكري الإيراني لقوات الحشد الشعبي، مشروع أميركا الكبير في تفتيت المنطقة عن طريق الجماعات الإرهابية وأبرزها تنظيم داعش. وبنهاية دولة البغدادي، تهاوى بناء ضخم كان يوشك على الاكتمال. وبتحرير الموصل وصلاح الدين والأنبار، أصبح مؤكداً لدى البيت الأبيض أن مشاريع الفوضى لن يكتب لها النجاح طالما هناك دعم إيراني يواجه الجماعات الإرهابية بقوة عسكرية ضاربة وذات خبرة عالية.

كانت حرب التحرير ضد داعش، في حقيقتها حرب المحور الإيراني ضد المحور الأميركي. وكان العراق بحسب المخطط الأميركي هو المنطقة المركزية لهذه الحرب، أما سوريا فهي منطقة القتال الثانية بحسب الأهمية الاستراتيجية.

وعندما فشل مشروع الكيان الإرهابي في العراق، لجأت الولايات المتحدة الى استخدام استراتيجية جديدة، تمثلت في الضغط على إيران وفق معادلة (العراق مقابل التهدئة)، بمعنى ان تترك إيران العراق نهائياً سياسياً وعسكرياً، مقابل أن تحظى بهدوء مع المحور الأميركي. والمقصود بالتخلي الإيراني عن العراق، أن لا تعود الى نجدته حتى لو رأته يحترق بحرب أهلية أو اقتحام جديد لجماعات إرهابية يمكن ان تصل الى كربلاء والنجف، بما في ذلك عدم تدخلها في ما قد يشهده العراق من انفصال كردي او تشكيل إقليم سني.

وفي ضوء هذه المعادلة، فان أميركا لا تريد إبعاد إيران من العراق، لأنها صاحبة نفوذ فيه، إنما تريد إبعادها لكي تتصرف أميركا بالعراق ضمن الخطة الثابتة التي تعتمدها وهي الشرق الأوسط الكبير، والتي أخذت تسمية جديدة على عهد ترامب تحت عنوان (صفقة القرن) ـ سأتناول ذلك في مقال قادم ـ وهذا يعني أن فترة طويلة من الأزمات والفوضى يجب أن يعيشها العراق، ولأميركا وحدها قرار تحديد مدتها ومدياتها.

لقد بدأت أميركا العمل على تنفيذ هذا المخطط، بالاعتماد على السعودية لتكون أحد محطات التنفيذ الفاعلة، وذلك بتكليفها بمهمة محددة هي تمزيق الصف الشيعي العراقي، ومواصلة سيطرتها على القيادات السنية، مع محاولة تحويل بعض القيادات من الولاء القطري الى الولاء للرياض.

وبدأت السعودية المهمة بحماسها المعهود لكل مشروع يستهدف الشيعة، فاستطاعت استيعاب زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، ومدت يدها الى داخل منظمة بدر عن طريق قاسم الأعرجي الذي دان لها بالطاعة والامتثال، وتناغم رئيس المنظمة هادي العامري مع هذا التوجه من حيث يدري أو لا يدري مدفوعاً برغبة جياشة لتولي رئاسة الوزراء.

وأناطت السعودية بالكويت مهمة المساعد على تنفيذ هذا المخطط، عبر التحكم برئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، وفتح جسر اتصال إضافي مع مقتدى الصدر.

أما رئيس الوزراء حيدر العبادي فهو مضمون التوجه يلتزم بما تقرره السفارة الأميركية في بغداد.

بهذه التشكيلة الميدانية القائمة حالياً، فان أميركا تقول لإيران، بأن الكتلة الشيعية الأكبر، قد استطعنا تقسيمها. وأن نفوذكم السياسي قد انحسر أو في طريقه الى الانحسار بعد بضعة أشهر، وعليه فلا بد ان توافقون على صفقة (العراق مقابل التهدئة).

في إجراء تصعيدي، أعلنت إدارة ترامب إلغاء الاتفاق النووي، ثم تبعته بحرب اقتصادية مؤثرة ضد ايران، سخرت فيها عصب الاقتصاد الإيراني وهو النفط، وهي إشارة عاجلة مفادها (العراق مقابل النفط).

 

سليم الحسني

 

 

ابراهيم أبراشحالة غير مسبوقة من التكهنات والأخبار والإشاعات تغزو الساحة الفلسطينية، فما يمر يوم إلا ونسمع عن مبادرة أو مشروع لحل إشكالات الأوضاع المتردية في قطاع غزة، وهي جميعا وإن كان عنوانها الظاهر إنساني فإنها تُضمر حلولا غير وطنية للقضية الفلسطينية بشكل عام .

ميناء في غزة، ميناء في العريش المصرية، جزيرة اصطناعية في بحر غزة، سفينة تركية لإمداد القطاع بالكهرباء، محطة لتوليد الكهرباء بالغاز، إقامة منطقة حرة على الحدود المصرية الفلسطينية، إسرائيل ستسمح لعمال غزة بالعمل فيها، إسرائيل ستسمح لسكان غزة بزيارة المسجد الأقصى، مشروع قطري لحل مسألة موظفي غزة، مؤتمر في واشنطن لبحث الأوضاع الإنسانية في غزة، مبادرة إسرائيلية بالسماح بممر مائي إلى قبرص مقابل أسراها عند حماس، إحياء مخطط أيغورا أيلاند حول توسيع غزة باتجاه سيناء، عودة الإدارة المصرية للقطاع الخ .

هذا بالإضافة إلى السيناريوهات والأخبار الملتبسة حول صفقة القرن التي لا يعرف أحد كل تفاصيلها حتى الآن وأزمة الأونروا، وإشاعات حول صحة الرئيس وخلافته وحول رواتب موظفي غزة حيث حبل الكذب بهذا الشأن طويل الخ .

ليس هذا فحسب بل تطُل علينا بين الفينة والأخرى شخصية جديدة قضت غالبية عمرها في الغرب لتطرح مبادرة جديدة وتُوعِد الفلسطينيين وخصوصا أهالي قطاع غزة بالفرج القريب مما يكرس ما تريده واشنطن وإسرائيل بأن القضية الفلسطينية ليست قضية وطنية سياسية بل مسألة إنسانية يمكن حلها من خلال المال، وتتبارى أقلام ومثقفون ليبشروا بقائد جديد كل مؤهلاته أنه يملك الثروة والعلاقة الحسنة مع واشنطن !!! هذا لا يعني أن الحالة الفلسطينية لا تحتاج لتجديد في الأشخاص والبرامج حيث العمل السياسي والحق بالقيادة والزعامة ليسا حكرا على الطبقة المهيمنة والأحزاب التاريخية أو على قاطنة غزة والضفة فقط، ولكن المطلوب أن يكون الجديد والتجديد في الإطار الوطني وممن يختارهم الشعب وليس ممن تريدهم واشنطن .

يضاف إلى كل ما سبق من التباس مقصود التزامن ما بين وجود الوفد الأمني المصري في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي والوجود شبه الدائم للسفير القطري العمادي في القطاع في هذا الوقت الذي يشهد المرحلة الأخيرة من صناعة دولة غزة، وهو وجود يذكرنا بما جرى خلال المرحلة الأولى لصناعة دولة غزة ما بين 2004 حتى سيطرة حماس على القطاع في يونيو 2007، فآنذاك كان يتواجد وفد أمني مصري استمر حتى سيطرة حماس على القطاع كما كان تواجدٌ قطري قوى من خلال تحركات وزير الخارجية القطري آنذاك حمد بن جاسم، ولا نعتقد أن هذا التزامن جاء مصادفة أو له علاقة بانجاز المصالحة الفلسطينية أو تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع !!!.

يجري كل ذلك وكأن قطاع غزة والشعب الفلسطيني بشكل عام لا قيادة أو عنوان له، وأن الشعب الفلسطيني بتاريخه النضالي ومؤسساته وأحزابه فقد القدرة على الفعل وأصبح ينتظر المُنقذ الخارجي ليحل له مشاكله ويخطط له مستقبله، وكأن لا قيادات المقاومة والجهاد مؤهلة لقيادة الشعب ووضعه على طريق الخلاص، ولا القيادات الوطنية في منظمة التحرير بكل فصائلها قادرة على ذلك، وأن تصمت كل هذه القيادات عن ما يجري أو تكتفي بخطاب رفض خجول فهذا معناه الاعتراف بالعجز والفشل، فشل مشروع أو هجوم السلام الفلسطيني الذي دشنه الراحل أبو عمار عام 1988، وفشل مشروع المقاومة المسلحة أو الجهاد لتحرير فلسطين الذي نادت به حركة حماس واكتسبت شرعيتها من خلاله .

إن كنا لا نريد التساوق مع تسريبات من هنا وهناك عن اتصالات تجريها واشنطن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مع قيادات فلسطينية من السلطة ومن حركة حماس للتعامل مع الحلول غير الوطنية المطروحة، وإن كنا أيضا لا نريد تضخيم الحديث الذي يجري عن تساوق حركة حماس مع حلول لغزة بمعزل عن الضفة وعن القيادة الفلسطينية، إلا أنه يجب الحذر من الاكتفاء بخطاب الرفض والتنديد بصفقة القرن وبكل ما يتم طرحه من حلول وتسويات غير وطنية لمشاكل قطاع غزة، فالرفض ليس دائما موقفا وطنيا . حتى يكون الرفض موقفا وطنيا يجب أن يكون مصحوبا بخطة هجوم تُعيد للقيادة الفلسطينية وللشعب استعادة زمام الأمور ومواجهة كل الأطراف المشبوهة التي تلعب في ساحة غزة وفي الساحة الفلسطينية بشكل عام، وخطة الهجوم هذه تبدأ باختراق الجمود في ملف المصالحة الوطنية، وهذا ممكن من خلال تسليم حركة حماس المسؤولية عن قطاع غزة لحكومة وحدة وطنية تقودها شخصية وطنية مستقلة تهيئ لانتخابات شاملة في اقرب وقت.

أي حل وطني لمأزق الانقسام وللأوضاع في قطاع غزة سيكون أفضل بكثير من كل الحلول المطروحة لفصل قطاع غزة وتأسيس كيان فلسطيني جديد سيكون شكليا تحت سلطة فلسطينية – حماس أو غيرها – ولكنه عمليا سيكون تحت إشراف إسرائيل وواشنطن وجهات مانحة .

الحل الأول، وبالرغم من كل ما يكتنفه من صعوبات كرفض إسرائيل إعادة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة دون الخضوع للشروط الإسرائيلية، ومدى استعداد حماس لتسليم غزة، ومدى استعداد السلطة أيضا لاستلام غزة، بالرغم من كل ذلك سيحافظ على وحدة الأرض والشعب وعلى الحد الأدنى من استقلالية القرار الفلسطيني وروح المقاومة والممانعة . أما الحل / الحلول الأخرى فستجهض وتصفي المشروع الوطني بكامله وستقضى على أية إمكانية لبروز حالة وطنية مقاوِمة في القطاع، وسيستمر القطاع تحت رحمة إسرائيل وفي مرمى جيشها وتحت رحمة الجهات المانحة وفي مرمى تهديد وقف المساعدات وخاضعا لتقلبات الأوضاع السياسية في مصر .

 

د. إبراهيم أبراش