قد يبدو للوهلة الأولى أن الأربعة عشر عاماً من العمل السياسي أماطت اللثام عن القصد الغرضي في الاستعمال الايديولوجي للطائفة.. وأن ليس أمام القوى الاجتماعية والسياسية المتحررة من هذا الاستعمال إلا التعديل على برامجها السياسية وإعادة النظر في موضعة مواقعها الإيديولوجية من جديد داخل السلطة.. باحتساب ان الخلط الكائن بين الطائفي والسياسي، في ضمن هذه اللعبة، جعل من الطائفية مادة غرضية لتعبئة الجماعات، وطريقة لتمكين الطائفيين من حكمها.

هذا الأمر يُظهر لنا كما لو أن وعياً اجتماعياً حرَّض على ضرورة تقويض البنيان الطائفي القديم، وخطاباً جديداً دفع إلى تغيير المواقف الطائفية ببدائل سياسية ممكنة. ولكن إلقاء الضوء على طبيعة الواقع الاجتماعي بما هو عليه من انقسامات وتمحورات؛ يُبيّن لنا أن ظواهر التديّن الشعبوية وثقافة الخضوع والامتثال والطاعة لا تزال هي النمط التربوي والثقافي السائد بين الناس، وأن ليس للسرديات الإيديولوجية التقدمية القدرة على ترجيح المعادلة السياسية لِجهتها.

كما ليس بوسع العلاقات الانتاجية المحلية، والقوى المادية البشرية والمؤسسية تثوير الجدل المادي في التاريخ (الآن على الأقل).. ولأن البنى الاجتماعية بنى طبقية في جوهرها، وتمثيلاتها تمثيلات طائفية، فإنها تفتقد إلى ديناميات التغيير الداخلية، بل إنها تؤبد نمط علاقاتها.

ما يعني أن الأفراد طبقاً لأنماط حراكهم وتجمعهم وتشابه مشاعرهم وآمالهم ينتظمون في صورة طوائف، ويحصل ذلك من دون أن يتشكل وعي طبقي عندهم، ومن دون أن يتشاركوا في أفعال جماعوية تقوم بها طبقة.. إذن وجودهم الطبقي ما هو إلا كناية عن تموضعهم في طوائف.. والوعي المتشكل عندهم، في حقيقة الأمر، ايديولوجيا ليس لها وجود مادي في الواقع.. والحراك المتوقع حصوله هو تزييف لذلك الواقع، وقلب لمفهوم الحركة والتغيير فيه.

ومن ثم، فإن أي رهان داخل العملية السياسية على تغيير الواقع السياسي الطائفي ـ عبر الانتخابات ـ لم تَبِن ملامحه، ولم يكتسب أدواته الفعلية في المعركة الاجتماعية الراهنة. والسبب في ذلك؛ عدم وجود قوى ثورية مُمأسَسة تصارع النظام الطائفي، وتعمل على قلب النمط الانتاجي السائد، وتزعزع بنيان النظام الاجتماعي العام. بل على العكس من ذلك! يوجد ما يدعم ذلك النظام ويحض على استمراره ويحفظ مصالحه.. ومن ثم يصبح أي نقد نظري للقوى الطائفية تبسيطاً مُعتلاً لفكرة السوسيولوجيا، وتوصيفاً شكلياً للصراع بحاجة إلى تنسيب واقعي حي.

لم تكتفِ قوى الإسلام السياسي بتعطيل الجدل الثوري بين الجماعات الاجتماعية، كما لم تكتف بطرد وتقويض القوى التقدمية الرافضة للطائفية، بل استمالت، في مناسبات مصيرية، ما هو تقدمي لقبول فرضية العمل السياسي المشترك.. وقبول ذلك بحد ذاته خلط متعمد للايديولوجي بالمعرفي، وتبرير لفكرة التساند المتبادل الذي يُغلِّب القراءة السياسية على القراءة الفكرية، بزعم أن المشكلة الطائفية مشكلة سياسية في المقام الأول، ولم تكن مشكلة فكرية تقوم على مستوى من التقابل الايديولوجي الصارم وتفترض معاينته أناة وتأمل، ما يجعل المشكلة السياسية نفسها تُغيَّب في هذا الحصر..

في كتابه اسهام في نقد فلسفة الحقوق لهيغل، يقول ماركس: "إن من التجني وضيق الأفق أن تغيب الفلسفة عن ميدان الواقع" ص9. وهو أن ليس ثمة طرح معرفي يفصل العمل الفكري عن الواقعي، وإن حقيقة ما يجري ليست سوى محاولة لدمج الدجل في العلم والوفاقية في السياسة.

ونتيجة لذلك، وبسبب غياب الجدل المادي داخل المشهد السياسي العام، تنزلق القوى التقدمية إلى مواقع الفكر الايديولوجي المسيطر، وتستكين إلى مواضع تسهم في تأبيد خيارات الأفراد ضمن حاضنة من طبيعة طائفية.

 

د. محمد عطوان

 

 

abduljabar aljabawriنجحت الأستراتيجية الامريكية في كل من العراق وسوريا، في فرض أمر واقع، مع كل الأطراف المتصارعة، وإستطاعت أن تٌجلس (الأخوة الاعداء)، على طاولة المفاوضات في أكثر من مؤتمر عقد برعايتها أو بدعمها، إبتداء من جنيف 1 وما بعده وانتهاء بمؤتمر إستانة وسوتشي، وهذا يحسب لها، ففي العراق، إستطاعت الادارة الامريكية، أن تقضي على أخطر تنظيم يهدد أمن وإستقرار العالم كله، بالرغم من قناعتنا، أن داعش هو صناعة أمريكية وإسرائيلية وإيرانية بإمتياز، وكل حسب مصالحه الإستراتيجية العليا، تماما كما صنعت أسامة بن لادن في أفغانستان ذات يوم، وعندما إنتهت المصلحة قامت بقتله والتخلص منه وها هي الآن تبحث عن ابو بكر البغدادي لتتخلص منه بنفس الطريقة، ولكن هذا لايمنع من أن إدارة ترمب والغرب، تنظر الى جميع الفصائل المتطرفة في العراق وسوريا، وحتى حلفاؤهم أو من يسمونهم (بالمعارضة المعتدلة )، بأنها منظمات ارهابية، سواء كانت (سنية أم شيعية)، ونعلم أن امريكا ترفع شعار لاتوجد علاقات دائمة، بل مصالح دائمة، والعلاقة الملتبسة المفترضة والمتوترة ظاهريا مع إيران وميليشياتها في المنطقة مثال على ذلك، بمعنى أن الادارة الامريكية بإستراتيجيتها، وسياستها الخارجية المعلنة، قد أعطت للمصالح الامريكية من توسع ونفوذ وهيمنة هي الاولوية، وكانت علاقاتها متوترة، ومتصاعدة الصراع حتى مع أقرب حلفائها، ونقصد به حليفها التركي الازلي تركيا ورجب طيب أردوغان، فالملاحظ أن إدارة الرئيس ترمب، وترّت علاقتها وتصاعدت الخلافات، الى حد إعلان الحرب مع أكثر من طرف عربي وغربي، فكانت الخلافات واضحة مع السعودية بسبب قطر وأزمتها، ثم تصاعد الخلاف مع روسيا، ووصل حد إعلان الحرب وفرض الحصار الامريكي على روسيا، وطرد دبلوماسيين روس، وهكذا الامر مع كوريا الشمالية، وأخيرا مع اردوغان بسبب معركة غصن الزيتون في مدينة عفرين، والتي وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقفا صلبا، أفشل فيه المشروع الامريكي في إقامة أقليم كردي على حدود تركيا وسوريا، مشابه لاقليم كردستان العراق، وهكذا كان الموقف الروسي متناغما مع الموقف والرؤية التركية، في عفرين وادلب ومعاركها، وظهور تحالفات عسكرية بين الطرفين، وتهدئة العلاقات مع النظام السوري وصولا لأعادتها، وهذه التفاهمات أنتجت هدنة وخطة عسكرية، تفكك فيها تركيا معركة عفرين، دون إجتياحها بالقتال، وذلك بالسماح للجيش السوري، من دخول عفرين، وطرد قوات الوحدات الخاصة والبككا وداعش منها (حسب الزعم التركي)، وبذلك ضرب الرئيس أردوغان عصفورين بحجر واحد، محققا إنتصارا على عدة جبهات، وفي مقدمتها الصراع مع إدارة الرئيس ترمب، الذي وصل مديات خطيرة جدا من إعلان الحرب بينهما، حتى أسرع ترمب بإرسال وزير خارجيته، لتفكيك الازمة ونزع فتيل الحرب بينهما، وهذا الانتصار الاول لأردوغان وتركيا، أما الثاني فهو إفشال أخطر مشروع واجه تركيا، عبر تأريخها الطويل، وهو تقسيم سوريا والبدء بتركيا، من خلال إنشاء( دولة كردية) على حدود الطرفين، ينذر بالبدء بتنفيذ السيناريو الامريكي بتقسيم تركيا وسوريا، بعد ضمانه في العراق من خلال فرض نظام المحاصصة الطائفية في السلطة، أما الانتصار التركي الثالث، فهو إنهاء الحلم الكردي الى الابد في كل من العراق وسوريا، بإقامة الدولة الكردية حلم جميع الاكراد في العالم (وهو حق مشروع للشعوب)، وكان خطأ استفتاء كردستان، قد ساهم بشكل كبير جدا في إفشال خطة أمريكا في عفرين، على الرغم من أن إدارة الرئيس ترمب، قد خذلت الاكراد في موضوع الاستفتاء بالعراق، ولم تدعمه بل إنتقدته ودعمت موقف وقرارات حكومة العبادي والبرلمان العراقي ضده، كما صرح بذلك السيد مسعود البرازاني نفسه، أما الانتصار الرابع لأردوغان فهو تطبيع العلاقات مع بغداد، وإقامة شبه تحالف عسكري، لمحاربة ومواجهة وطرد حزب العمال الكردستاني من الاراضي العراقية والقضاء عليه، كما تم القضاء على تنظيم داعش الارهابي، هكذا كانت إستراتيجية ونتائج معركة غصن الزيتون في عفرين، واليوم ونحن نرى تسارع الاحداث هناك، مع ظهور بوادر تفاهمات –تركيا ايرانية وروسية، لصالح النظام السوري، من جهة، وبروز اتفاقيات تركية امريكية لتفكيك قوات الوحدات الخاصة السورية وسحب أسلحتها التي زودتها بها إدارة ترمب، لتنفيذ سيناريو أمريكا في الرقة وعفرين وتل أبيض وإعزاز وجرابلس لطرد تنظيم داعش هناك، وحققت الوحدات الخاصة السورية إنتصارات كبيرة على داعش، بفضل التسليح الامريكي وقصف التحالف الدولي، وخاصة معركة الرقة، معقل تنظيم داعش ومقر الخلافة المزعومة لداعش، ولكن كما تعودنا وحذرنا من السياسة الامريكية التخادمية مع إيران وروسيا في كل من العراق وسوريا، أنها تتخلى عن حلفائها بعد تحقيق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية العليا، لذا نقول أن الأبعاد الاستراتيجية الامريكية لمعركة عفرين، قد حققت أهدافها، عسكريا وسياسيا، وذلك بتحييد التدخل الروسي –الايراني في المعركة، والسماح للنظام السوري، بالدخول على الخط لانهاء الازمة وعدم السماح للجيش التركي، بإجتياح مدينة عفرين ومنبج وتطور المعركة، للحد الذي سيصعب على أمريكا ايقافه، وعندها ستخسر أمريكا كل ما حققته عسكريا في سوريا، وكان لأصرار الرئيس أردوغان على مواصلة الحرب على حزب العمال الكردستاني والوحدات الخاصة السورية وداعش في مدن تحاذي لتركيا، هو من أوقف وأفشل المخطط الامريكي، وجعل الاستراتيجية الامريكية محط نقد وورطة في عفرين أمام الأصرار التركي، للذهاب الى النهاية في مواجهة الادارة الامريكية في دعمها لاكراد سوريا، أن نتائج معركة عفرين اصبحت واقعا على الارض، وهو تفكيك وإفشال الحلم الكردي في إقامة الاقليم الكردي، بالنسبة للطرفين التركي- السوري، نعم نرى أن معركة عفرين وما أفرزته من نتائج عسكرية مهمة، لكل الاطراف، حتى المعارضة السورية التي أيدت مع ما تقوم به تركيا من عمل عسكري في مدن عفرين ومنبج وغيرها، في حين أفشلت المعارضة السورية مؤتمر سوتشي الذي يرسخ هيمنة ايران على القرار السوري ويرهنه، نحن أمام خيارات صعبة في مرحلة ما بعد الانتخابات العراقية، التي ستغير وجه المنطقة كلها، والتي يعول عليها الجانب الامريكي كثيرا من خلال دعمه وودعم استراتيجيته، في إبعاد العمائم الدينية عن السلطة بأية طريقة، ودعم دولة مدنية علمانية في العراق، تعمل عليها بكل قوتها، وكذلك تعمل على تحجيم وانهاء الهيمنة والسطوة والتدخل الايراني في العراق باية طريقة، من خلال تفكيك منظومة الحشد الشعبي ودمجه في الجيش والاجهزة الامنية، ودعم الاحزاب والقوى الايرانية داخل ايران، لتجديد التظاهرات وصولا الى التغيير من الداخل الايراني، وتفكيك إيران وتجزئتها ليسهل الأجهاز على نظام الملالي خلال هذا العام، وتحديدا بعد الانتخابات العراقية، فهل سنرى التغييرالامريكي الموعود ضمن إستراتيجيته المعلنة، أمرا واقعا يتم تنفيذه مباشرة بعد الانتخابات العراقية، حسب الخطة الاستراتيجية الامريكية للتغيير الجذري، ومن هنا يمكن التكهن أن الاستراتيجية الامريكية تخفق في سوريا لتنجح في العراق، ويكون نجاحها في العراق، مرتكزا أساسيا لتنفيذ مشروعها في المنطقة، بعد فشله على يد الرئيس السابق أوباما، حين هادن وتواطأ مع المشروع الايراني في العراق، والذي أصبح الآن عبئا على إدارة الرئيس ترمب فيما بعد ...

عبد الجبار الجبوري

 

 

abas alimorad2

مرت عطلة ألأعياد والصيف دون هزات سياسية تذكر، وكأن الحزبين الكبيرين ألأحرار والعمال كانا على توافق بأن لا يعكّروا صفو العطلة الصيفية للمواطنين خشية من رد فعل سلبي تجاه الطبقة السياسية التي تعاني في علاقاتها مع المواطنين.

لكن ما أن عاد البرلمان في دورته العادية وبداية العام السياسي للعام 2018 حتى بدأت ألأزمات السياسية منها القديم والجديد تتوإلى وتتإلى، مع أن الحكومة كانت تُمني النفس بأن وضعها السياسي أفضل، بعد أن إنتهى العام الماضي على نصرين في الإنتخابات الفرعية التي جرت في مقعدي نيوأنكلند وبينالونغ واللذين شغرا على خلفية أزمة إزدواجية الجنسية التي شغلت البلاد نهاية العام الماضي.      في نيوأنكلند عاد نائب رئيس الوزراء ورئيس الحزب الوطني بارنبي جويس بأكثرية مريحة، وكان جويس قد إستقال لِأنه يحمل الجنسية النيوزيلندية إلى جانب الجنسية الأسترالية، وفي بينالونغ عاد النائب جان الكسندر إلى مقعده مع بعض الخسارة بسبب التأرجح الذي حصل ضده لصالح حزب العمال، وكان الكسندر يحمل الجنسية البريطانية، مع ذلك مررت الحكومة مسألة تشريع زواج المثليين بعد أن صوّت أكثرية الأستراليين لصالح تعديل قانون الزواج بعد الإستفتاء غير الملزم الذي جرى عبر البريد.

بدأت الحكومة العام السياسي الجديد بتحسّن طفيف في شعبيتها حسب إستطلاعات الرأي رغم أن حزب العمال ما زال يتقدم عليها 52% و48% لصالح الحكومة. وقد حددت الحكومة أولوياتها السياسية للعام 2018 بالعمل على تخفيض الضريبة للشركات الكبرى والتي تدخل أكثر من 50 مليون دولار سنوياً من 30% إلى 25% خلال العشر سنوات القادمة، معتبرة إن هذه التخفيضات تشجع الشركات على المزيد من الاستثمار وزيادة الوظائف والأجور التي تراجعت خلال السنوات الماضية. ويجب الاشارة إلى أن  بعض الإقتصاديين يشكّكون بهذه النظرية.

إستغل حزب العمال العام الماضي قضية إزدواجية الجنسية لمواجهة الحكومة التي إفتتحت عامها السياسي بهجوم سياسي مركز على حزب العمال على خلفية مسالة إزدواجية الجنسية، وكأنها تريد أن ترد الصاع للعمال وهددت بإحالة بعض النواب الذين تحوم حولهم الشكوك لأنهم لم يقدموا الأوراق الثبوتية اللازمة التي تثبت تخليهم عن جنسياتهم الأخرى بموجب الإتفاق الذي وقع العام الماضي بين الحكومة والمعارضة، وكان أول ضحايا هذه الهجمة النائب العمالي ديفيد فيني الذي يشغل مقعد باتمان في ولاية فكتوريا والذي إستقال من منصبه، وما تزال النائبة العمالية سوزان لامب التي تشغل مقعد لونغمان في ولاية كوينزلند تواجه نفس التحدي وقد تحال  قضيتها إلى المحكمة العليا للنظر بوضعها.

كان هذا قبل ان تفجّر إذاعة أي بي سي الرسمية فضيحة الوثائق ذات الغاية في السرية، والتي وجدت داخل إحدى الخزائن القديمة التي بيعت لأحد محلات الأثاث المستعمل قبل أن تحصل عليها الأي بي سي وتنشر بعضها والتي لا تمس الأمن القومي للبلاد.

لكن الأزمة الكبيرة كانت الفضيحة التي فجّرتها صحيفة ذي ديلي تلغراف والتي عُرفت بفضيحة بارنبي جويس، حيث نشرت الصحيفة ألأسبوع الماضي وعلى صفحتها ألأولى صورة لفيكي كامبيان الموظفة السابقة في مكتب جويس والتي أقام معها جويس علاقات جنسية وتنتظر مولودها في نيسان القادم.  والجدير ذكره أن جويس يشغل حاليا منصب نائب رئيس الوزراء ووزير البنى التحتية الفيدرالي.

طغت هذه الفضيحة على ما عداها من القضايا السياسية ولم يبقى أحداً إلا وأدلى بدلوه في الموضوع الذي حصد تغطية إعلامية مكثفة في ألأعلام المكتوب والمرئي والمسموع وشبكات التواصل ألإجتماعي وتراجعت إلى خلف المشهد السياسي قضايا مالية وإقتصادية وقضايا السكان ألأصليين التي كانت يجب أن تكون محط إهتمام السياسيين ولإعلام في البلاد بعد أن أصدرت اللجنة المكلفة من الحكومة تقريرها حول ردم الهوة بين السكان الأصليين وباقي أبناء البلاد.

رئيس الوزراء مالكوم تيرنبول وعلى أرضية أخلاقية سارع إلى تفادي ربط الفضيحة بالحكومة ورئيسها، وإن كانت له أهدافه الخاصة اتخذ إجراء أعلنه على الهواء مباشرة في مؤتمر صحافي حيث أعطى نائبه جويس إجازة، وأوكل مهمة رئاسة الوزراء بالنيابة إلى ماثيوس كورمن وزير المالية ورئيس حزب ألأحرار في مجلس الشيوخ أثناء زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة  بسبب وجود نائبته ألأخرى وزيرة الخارجية جوليا بيشوب خارج البلاد. وكذلك أعلن تيرنبول عن تغيير قواعد السلوك الوزاري المتبعة في مجلس الوزراء بمنع الوزراء إقامة علاقات جنسية بينهم وبين مواظفيهم، وأعتبر تيرنبول تصرفات جويس خطأً فادحاً وغير مقبولة.

لم تلقَ إجراءات رئيس الوزراء إستحساناً من قبل نائبه الموصوف بعناده وثباته ووصف إجراءات تيرنبول بأنها "حماقة" مما أدى إلى إستعار الأزمة بين الرجلين حيث أصر كل منهما على موقفه، وبدأت ألإصطفافات السياسية المؤيدة والمعارضة، فإعتبرت بعض مصادر الحزب الوطني أن تصرفات تيرنبول ومؤتمره الصحفي الذي لم يطلع عليه نائبه عزّزت دعم الحزب الوطني لجويس، وإعتبرت تلك المصادر أن رئيس الوزراء لا يعرف مطلقاً ذهنية الحزب الوطني، واتهمت تيرنبول بالقاء الزيت على النار الإعلامية التي كانت قد خمدت، وإعتبر المصدر نفسه أن جويس أخطأ ولكن مبالغة تيرنبول في ردة فعله كانت كمن يعالج الخطأ بخطأ آخر.

رئيس الوزراء الأحراري السابق طوني أبوت الغريم السياسي لتيرنبول الذي أطاحه من رئاسة الوزراء أيلول عام 2015 الذي ما زال يوجّه سهامه السياسية إلى سياسية تيرنبول والتشويش عليها، إنتقد الطريقة التي تعامل بها تيرنبول مع جويس قائلاً: من المتعارف عليه أن الاحزب لا تنصح بعضها بشكل علنيّ، وبما خصّ تغيير قواعد السلوك الوزاري والعلاقات الجنسية بين الوزراء وموظفيهم رأى أبوت أن القوانين المعمول بها حالياً كانت كافية.( موقع أم أن أس ألاخباري تاريخ 17/2/2018).

زعيم حزب ألأحرار السابق جان هيوسن إعـتبر في مقالة نشرها في صحيفة ذي صن هيرالد الاحد 18/2/2018 ص 2 أن بارنبي جويس لا يستحق منصب نائب رئيس الوزراء.

وزير الخزينة سكوت موريسن رأى أن رئيس الوزراء ونائبه سياسيين محترفين وإن بإمكانهما أن يعملا سوياً لتجاوز المأزق، ولاحقاً أعلن موريس عن تأيييده للإجرآت التي اتخذها رئيس الوزراء.

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال المتشعّب، لماذا تصرف رئيس الوزراء بهذه الطريقة؟ وهل أخذ تيرنبول بعين الاعتبار التداعيات السياسية التي قد تنتج عن هكذا إجراء؟ وهل تكون هذه بداية النهاية السياسية لكل من تيرنبول وجويس وسقوط الحكومة التي تحتفظ بأكثرية هزيلة في مجلس النواب (مقعد واحد)؟

نعم، لقد ُضربت العلاقة بين الحزبين والخلل واضح بسبب تصرف جويس وردة فعل تيرنبول.

المعارضة الفيدرالية التي وبدون شكّ تنظر بعين الرّضى إلى حرب الزعامات والتراشق الإعلامي بين حزب الأحرار وشريكه الصغير الحزب الوطني إتهمت رئيس الوزراء بالضعف، وقال زعيمها بيل شورتن: أن الحكومة تواجه أزمة كبيرة ويجب على رئيس الوزراء طرد نائبه وأضاف أولاً أعلن تيرنبول الحرب على جويس، ثم عاد جويس وأعلن الحرب على تيرنبول، واعتبر أن من حق الأستراليين أن يغضبوا ويصابوا بالإحباط عندما يكون قياديّوهم لا يركّزون إلا على قضاياهم أكثر من أي شيء آخر(صحيفة سدني مورننغ هيرالد 17/2/2018ص 5). وانتقدت المعارضة قراررئيس الوزراء بمنع العلاقات الجنسية بين الوزراء وموظفيهم، واقترحت من باب السخرية على الحكومة وضع كاميرات في غرف نوم الناس، واعتبرت نائبة زعيم المعارضة تانيا بليبرسك أن التغييرات غير ضرورية.

وكانت صحيفة (س م ه) قد ذكرت أن رئيس الوزراء لا يستطيع طرد نائبه لأن ترتيبات تقاسم السلطة بين الحليفين (الأحرار والوطني) تقضي بذلك حيث بموجب هذه الاتفاقية نواب الحزبين ينتخبون زعمائهم كل على حدى.

لكن وزيرة الخارجية جوليا بيشوب قالت لإذاعة أي بي سي أن الحكومة لا دخل لها ولن تتدخل في الحياة الشخصية للناس.

الجدير ذكره أن حزب العمال لم يركّز على مسألة العلاقة بين جويس والمواظفة شريكته الحالية فيكي كامبيان، بل كان تركيزه على القضايا المالية المتعلقة بسوء إستخدام المال العام والصلاحيات من قبل بارنبي جويس الذي قَبِلَ الحصول على سكن بدون بدل إيجار من صديقه غريق ماغواير وقضية تأمين وظيفة لشريكته فيكي كامبيان في مكتب أحد وزراء الحزب الوطني بمعاش سنوي يقارب 190 ألف دولار، واعتبر العمال أن جويس ضلل البرلمان مؤكدين أن قضية طلاق وزاج جويس مسألة محض شخصية.

رئيس الوزراء العمالي الأسبق كيفن راد إنتقد قرارتيرنبول بخصوص العلاقات الجنسية مقترحاً على رئيس الوزراء التعاقد مع الشرطة الدينية السعودية (هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر(الكاتب) (س م ه قسم ما وراء الاخبارص 34 17/2/2018)

أخيراً، هل نحن أمام أزمة حكومة أم أزمة حكم؟ وهل ستكون هذه الأزمة بداية النهاية السياسية لكل من رئيس الوزراء ونائبه؟

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر، ما هو موقف الحاكم العام السير بيتر كوزكروف في حال تفاقمت الأزمة وعجزت الحكومة عن القيام بأعمالها، فهل سيبادر إلى طرد رئيس الوزراء والدعوة إلى إنتخابات مبكرة، أم سيبادر نواب الحزب الوطني إلى انتخاب زعيم جديد حيث جويس يكون ثاني زعيم للحزب يجبر على ترك منصبه في زعامة الحزب منذ 90 عاماً وهذا ما يلوح في الأفق؟

رئيس الوزراء العمالي الأسبق كيفن راد والذي خاض حرباً حزبية داخلية ضارية مع نائبته وغريمته السياسية جوليا غيلارد بين عامي 2010 و2013 إعتبر أن ما يحصل حالياً على الساحة السياسية الأسترالية لم يكن ليتصوره، وأن السياسات والإعلام أصبحت أكثر سوءاً (س م ه 17/2/2018 ص 34 قسم ما وراء الأخبار). هذا ما كانت قد حذّرت منه الصحيفة نفسها في افتتاحيتها في نفس العدد ص 30 معتبرة أن أستراليا في خطر بسبب اتّباع نهج وأسلوب الإعلام السيء والمنحدر في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الاميريكية .

إذن، ونحن أمام تحديات وطنية مستقبلية، فهل سنكون على مستوى هذه التحديات؟!

هذا ما يتوقف على إداء الإعلام والطبقة السياسية التي تواجه نقصاً في مصداقيتها وتراجع ثقة الناخبين بها بسبب إدائها خلال العقد الماضي وحرب الزعامات والتخلّي عن السياسات التي تهمّ المواطنين كبناء البنى التحتية وقضايا الإسكان والطاقة والإحتباس الحراري والتعليم والصحة والنقل.

وإذا كانت ألامور بخواتيمها، فيجب أن ننتظر ماذا سيحصل بعد الإتفاق الذي وقعه رئيس الوزراء ونائيه يوم السبت 17/2/2018 وتعهدا العمل معاً مجدداً، وكم سيصمد هذا الاتفاق الذي تحدثت عنه صحيفة ذي صن هيرالد في عددها 18/2/2018 على الصفحة الثانية.  

 

عباس علي مراد - سدني

 

 

sadiq alsamaraiلكل دوامة منطلق، ولكل إعصار مبتدأ، وللمشاكل مهما تعاظمت جوهر من رحمهِ توالدت وبواسطته تسامقت وتعددت.

هذا قانون سلوكي شامل كامل، ولا يمكن لأية ظاهرة سلوكية في الكون أن تحيد عنه.

فالخطوة جوهر الوصول إلى الهدف، والفكرة طاقة الصيرورة والكينونة وبها يتحقق الطلب.

وعندما نتساءل عن جوهر المشاكل العربية، ونستخدم هذ القانون للجواب، يبدو أن جوهر المشاكل بأسرها سياسي وحسب.

فالمشاكل العربية ليست إقتصادية أو إجتماعية أو دينية أو مذهبية وأمّية والكثير مما يمكن وضعه على قائمة التبريرات والتحليلات الخائبة، فما نتحدث عنه وفقا لهذه النمطية الإقترابية موجود في جميع المجتمعات بمختلف درجاتها التقدمية المعاصرة.

فما موجود في المجتمع العربي موجود في الصين والهند واليابان والكوريتين ودول أوربا وأمريكا، والقاسم المشترك الوحيد الذي يوجد في جميع الدول المتقدمة وينتفي في المجتمع العربي هو النظام السياسي الراسخ، فالعرب فشلوا وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان في إنشاء نظام سياسي معاصر يحترم حقوق المواطن والوطن، ويكون ثابتا ومؤهلا لإضافات الأجيال ويسعى للتراكمات المتوافقة مع عصرها.

فشل العرب فشلا ذريعا مما أدى بهم إلى الدخول في دوّامات الدوائر المفرغة من الخسران والإنتكاسات والإحباطات المتواترة، فالدول العربية لا تعرف الإستقرار السياسي، وما تمكنت من حل موضوع تداول السلطة بآليات دستورية وقانونية.

والأمثلة واضحة في الدول العربية كافة، فلو أخذنا العراق مثلا لرأينا أنه كان صاحب نظام دستوري ديمقراطي واضح منذ تأسيس دولته، حتى عام 1958 عندما هيمن العسكر على السلطة ودمروا ما هو قائم وما تمكنوا من إقامة ما هو دائم، ودخلت البلاد في مسيرة الأعاصير الإنقلابية التي تسمى ثورات، وما فعلته هو هدم ما هو قائم، ومحق كل ما أنتجه وأسسه النظام الذي قبلها، وعلى جميع الأصعدة العمرانية والثقافية والتعليمية والفنية وغيرها، والشروع بتأسيس ما لا ينفع ليأتي بعدها مَن يمحق ويجتث، كما جرى في 1963 و 1968 وأخيرا في عام 2003 حيث تم إبادة ما تم تشييده في 35 عام، ولا تزال دوامة الخراب والدمار تعصف في أرجاء البلاد بما فيها من نوازع إنتقامية، منورة بالأضاليل وآيات الدجل والبهتان وتصفية الحسابات والتعبير عن الأحقاد.

ومثل هذا جرى في سوريا واليمن وليبيا ومصر، وفي دول عربية أخرى في شرق وغرب الوطن العربي، ولو تأملنا الواقع العربي الحالي لتبين بوضوح غياب النظام السياسي العربي الواضح المعاصر الذي ينفع الوطن والمواطن، بينما في المجتمعات القوية المتقدمة هناك نظام سياسي راسخ ثري بالتراكمات، والمعايير والضوابط السلوكية الكفيلة بالحفاظ على حقوق المواطنين وحريتهم الإبداعية وقيمتهم الإنسانية، مهما كان مستوى وعيهم وثقافتهم، ولهذا فأن هذه الأنظمة السياسية الراسخة تستوعب أبناء الدنيا قاطبة، فيأتيها الجاهل والمتعلم والذي لا يعرف عن ثقافة البلد شيئا، لكنه ينخرط في النظام القائم ويتحول إلى قوة إيجابية ذات قيمة إقتصادية نافعة.

بينما المجتمع العربي يعجز عن إقامة النظام السياسي المستوعب لمواطنية والمتعامل بعدل وإنصاف مع ثروات البلاد، كما يحصل في قطاع النفط، والعراق مرة أخرى كمثل واضح على عدم قدرة المجتمع على إقامة نظام وطني إقتصادي يتعامل مع ثروة النفط، فصارت من حصص المستحوذين على السلطة، فيتصرفون بها بأنانية وفساد ويتحقق السلب والنهب والثراء الفاحش، ويتنامى الفقر والإملاق والقهر والجوع والبؤس والحرمان بين الناس، والفاسدون منهمكون بأخذ ثروات النفط، ووضع الشعب في خانة المساكين المغضوب عليهم المحرومين من حق الحياة.

ولو كانت هذه الثروات في أي مجتمع آخر في الدنيا لما سمح بذلك، وإنما لنظمها بقانون ووضع المعايير والضوابط وأجهزة المراقبة التي تحاسب على الفلس الواحد كيف أتى وأين ذهب.

ويبدو أن للنفط دور في عدم إقامة أنظمة راسخة في الدول العربية النفطية خصوصا، لكن الواقع العربي برمته لا يميل إلى هذا الإتجاه، ويعزز سلوك الأعاصير الإنقلابية أو التغييرات المعبأة بالشحنات العاطفية والنزعات الدموية.

وتلك بإختصار الحقيقة الجوهرية للويلات العربية، فهل سينجح العرب في إقامة أنظمة سياسية راسخة ذات قيمة وطنية وحضارية؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

noor almosawiأرض الرافدين؛ مصطلح تاريخي يشير الى بعد حضاري يشار  له بالبنان، أذ يستحضر.. القانون.. الحرف.. العجلة.. بناءً على ذلك التراكم التراثي، الذي غذّى الأنسانية، بأدوات ومعطيات، والتي يقّر بها الباحث الموضوعي.

القرن الواحد والعشرون يشهد تطورات جيوسياسية، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط، وما خُطط لها من سيناريو، في أروقة الغرف المظلمة، ومن تلكم التقليعات!! المعدة سلفاً منذ ثمانينات القرن الماضي، مخطط <برنارد لويس> الذي تبناه الكونگرس الأمريكي، الذي يقضي في تفتيت دول الشرق  الأوسط، بأعتبارهم كما يُزعم بأنهم  شعوب متخلفة !!!! تؤثر على الحضارة الغربية وثقافتها، وكذلك السيطرة الكاملة على ثرواتهم ! ومحو ذاكرتهم الحضارية،  لغرض صيانة وبقاء دولة ما يسمى أسرائيل بعيدةً عن مكامن الخطر المحدق بها.

تجليات ذلك؛ تتضح من خلال شريان حياة العراق (دجلة والفرات)

هنا نتطرق الي الحيثيات التاريخية المتعلقة بالمنازعات المائية بين الدول، يرجع تاريخ المعاهدات الدولية، بشأن المياة إلى عام 2500 قبل الميلاد حينما قامت الدولتان المدنيتان السومريتان ... لاكش .... وأوما ... بصياغة أتفاق، أنهى نزاعاً بشأن المياه على طول نهر دجلة .... وتعتبر أول معاهدة لفض نزاع حول المياه. حيث نسلط الضوء الخاص بالموضوع، من خلال النقاط  التالية :

- [ ] أولاً :  البعد القانوني ... تلعب المياة دوراً  أساسياً في حياة الأنسان، أذ نجد التجمعات البشرية، أُنشأت على ضفاف الأنهار ... كحضارة وادي الرافدين (دجلة والفرات) وحضارة وادي النيل (نهر النيل)، لذا أضحى اليوم مجاري المياة، مورد خلاف بين الدول المتشاطئة، وما يطلق عليها الأنهر الدولية التي تشترك في منافعها عدة دول .

- [ ] يعرف القانون الدولي بأنه مجموعة من القواعد القانونية لتنظيم العلاقة بين ألاشخاص القانونية (الدول، المنظمات الدولية، الفاتيكان)، ومصادر القانون الدولي والتي يمكن الرجوع أليها في فض المنازعات الدولية الخاصة بالمياه وما تحتله من أهمية، هي المعاهدات الدولية ... والعُرف ....ومباديء القانون العامة، وأحكام المحاكم .. واراء المفكرين (الفقه). أما فيما يتعلق بموضوع،  الأزمة التي يعاني منها العراق المتعلقة، بحجب حصته المائية المتعلقة بدجلة والفرات، والتي تعد حقاً  قانونياً وشرعياً في نظر القانون الدولي ... أذ المعاهدات الدولية والأعراف التاريخية التي أقرتها لوائح القانون الدولي المعاصر، اذ نستعرض بعضاً منها : 

 • تقرير معهد القانون الدولي في (سالبزيورغ) عام 1961، الذي يتضمن حق كل دولة حوضية (العراق) أستغلال المياه التي تجتاز أو تحد إقليمها بشرط أن تتقيد بالقانون الدولي وبحق أنتفاع الدول الأخرى ذات المصلحة في نفس المجرى << m. M whiteman, digest of international law, vol 3 , department of state publication , 1974, pp , 939>>

* تنفيذاً لتوصية الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها المرقم (3071) الدورة 28 سنة 1973 حيث جاء في التقرير ... إن الدول المتشاطئة على النهر الدولي تستطيع أن تستخدم مياة النهر الدولي، طبقاً لأحتياجاتها،  حريتها في ذلك للدول المشتركة معها في نفس النهر . 

* أتفاقية هلنسكي 1966 التي تعرف النهر الدولي، أذا كان حوضه يمر في إقليم دول مختلفة، كل دولة تُمارس سيادتها على الجزء الذي يمر فيه النهر بشرط مراعات مصالح الدول الأخرى (الزراعية والصناعية والسكانية) .

*  أتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية عام 1997، والتي تنص على الأنهار الدولية وتعريفها الذي يتعلق بالحقوق والواجبات المترتبة على الدول المتشاطئة، من خلال عدم أستخدام مياة الأنهار، بطريقة تلحق الضرر بمصالح الدول التي تمر بها الأنهار .

* أكدت محكمة التحكيم  الدولية عام  1957 من خلال الحكم الصادر منها لفض النزاع الحاصل بين فرنسا وأسبانيا(بحيرة لانو) والذي جاء فيه ((تمشياً مع مبدأ حسن النية يحب ان تأخذ الدولة صاحبة المجرى الأعلى في الأعتبار وعلى قدم المساواة جميع مصالح الدول النهرية الأخرى أسوة بمصالحها)) . (د العطية عصام، القانون الدولي العام ص 172.

* معهد القانون الدولي أصدر قراراً في دورة أنعقاده في سالزبورغ عام 1961 يتضمن المباديء الأساسية، التي تنظم الحقوق والواجبات التي يجب أن تحترمها الدول التي يمر في أقاليمها نهر دولي ومن أهم هذه المباديء :

 ١- التعاون في الأنتفاع بمياه النهر .

 ٢- العدالة في توزيع المياه .

 ٣- التشاور عند أقامة مشروع على النهر .

 ٤- التعويض عن الأضرار .

 ٥- تسوية النزاعات . (المصدر السابق)

* معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا في 29 آذار 1947 ويقتضي البروتوكول؛ أن تقوم تركيا بتزويد العراق بالمعلومات الخاصة بالمشروعات والأعمال، التي تنوي تركيا تنفيذها في المستقبل على نهري دجلة والفرات، أو على روافد النهرين، لتكون هذه المشروعات والأعمال على نحو يوفق بقدر الإمكان بين مصالح تركيا والعراق وذلك باتفاقهما المشترك . (د. حامد سلطان، القانون الدولي العام، ص558) .

* بروتوكول التعاون الأقتصادي والفني بين العراق وتركيا رقم 52 لسنة 1971 الذي يتعلق بأجراء مشاورات تتعلق بتأمين حاجات العراق وتركيا من المياه (جريدة الوقائع العراقية، العدد 1975 في 10/ 4 / 1971) .

* معهد القانون الدولي تبنى إعلان مدريد عام 1911 في البند رقم 2/ 3أنه ((حينما يعبر مجرى مائي دولتين أو أكثر بالتتابع، فأنه لا يجوز أن تقام مشروعات للتحكم في التدفق، أوتسحب كميات كبيرة من المياة تؤثر على الكمية التي تصل إلى أسفل المجرى)) .<< د . حمودة منتصر، القانون الدولي المعاصر، ص 507 >> .

 ثانياً :الأجراء القانوني: لفض النزاعات بين الدول، هنالك وسائل عديدة منها ما يطلق عليها بالدبلوماسية الناعمة !!!! والتي تتضمن عدة مراحل لأدارة أزمة تنشب بين دولتين أو أكثر ... المرحلة الأولى هي المفاوضات التي أقرتها المعاهدات الدولية، كما جاء في المادة الثانية / 2 ... (يفض جميع الأعضاء منازعاتهم بالوسائل السلمية) كما أشارت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة (يمكن في ظلها تحقيق العدالة وأحترام الألتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي) . لذا نحن في معرض الدخول في مفاوضات جدية، تقوم بها الحكومة العراقية، وتسند في ذلك الى تلك الوثائق القانونية المشار لها سلفاً، وبالأخص الثقل العرفي، في موقعي دجلة والفرات ودورهم في أنشاء المدنيات والحضارات، التي يدان لها المجتمع الدولي المعاصر .

المرحلة التي تلي المفاوضات، الوساطة ... والتحكيم .... من قبل طرف ثالث محايد، ونهاية الأمر، الدخول في ممارسة ضغوطات، اقتصادية، وسياسية .... .

المرحلة الأخيرة أستخدام وسائل

الأجراءات القانونية ورفع دعوى قضائية الى محكمة العدل الدولية .... والتي تعتمد بدورها على المادة 38 والتي تشير الى الرجوع الى اللوائح القانونية للمحاكم وغيرها من المصادر المشار اليها سلفاً، كمصادر أحتياطية للقانون الدولي ... ومحكمة العدل الدولية.

أذ يقتضي الأمر، أن تبادر الجهات ذات العلاقة لأتخاذ التدابير القانونية من أجل أنقاذ الموقف المحرج والذي تسبب بأضرار مادية ومعنوية للمجتمع العراقي .

الحق يؤخذ ... ولا يعطى ...

 

د. نور الموسوي

 

 

bakir sabatinمن هو العدو الحقيقي لأمتنا ! وهل تغيرت قواعد الاشتباك في المنطقة! كيف نغض الطرف عن الخطايا لمجرد أن مقترفيها من الطائفة التي ينتمي إليها المراقب الناقد الحصيف سنية كانت أو شيعية! وهل وحدة العالم الإسلامي مهمة مستحيلة أم أن للشيطان المعربد في العقل العربي رؤية أخرى! وهل هذا يعني بأن خيارنا الوحيد يقوم على طي ملف القضية الفلسطينية والدخول مع إيران في حرب طائفية ضروس لا تبقي ولا تذر! كيف نفسر قلب الحقائق على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، وتغيير المحددات الحقيقة بأخرى وهمية تحت عنوان التفرغ للتنمية العربية، بينما تقودنا خرائط الطريق نحو مواجهة طائفية لا رابح فيها إلا الكيان الصهيوني المحتل لكل فلسطين التاريخية! مواجهات بدأت بالوكالة في كل من سوريا واليمن وليبيا! كيف نفرق بين العدو الحقيقي والصديق بغض النظر عن وحدة الطائفة أو القومية! ألا يكون هذا معقولاً فقط بالعودة إلى محددات القضية الفلسطينية الحقيقية وقياس المواقف الفكرية والسياسية والدينية عليها، واعتبار أن القضية الفلسطينية تندرج في قائمة الحقوق القانونية والسياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني الذي طرد من أرضه المحتلة عام 1948، والتجذر في البعد الأممي للقضية الفلسطينية لأن جذورها العربية باتت عرضة للاجتثاث كونها مغروسة في رمال متحركة، ناهيك عن التمسك بالحقوق المشروعة التي ضمنتها منظمة الأمم المتحدة في قراراتها المتوالية، بعيداً عن شبح الصفقات المشبوهة التي تحيكها الخفافيش في الظلام، ليناط بها مهمة التصغير من الدور الفلسطيني والتعامل مع الملفات الفلسطينية كحدث عابر، وهذه كبوة لا يستسيغها المنطق حينما تستهين بأثرها المدمر تلك الجهات الراعية لمشروع صفقة القرن.. وفي جعبتي أيضاً أسئلة أخرى.

ففي سياق البداية تجدر الإشارة أولاً إلى أن سبب كتابتي لهذه المادة التحليلية والتركيز على عنوانها الطائفي، يجيء رداً على السموم التي يبثها الذباب الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة تويتر والتابع إلى الجيش الإلكتروني الصهيو عربي أو من أصابتهم عدوى الطائفية ليمارس دوره التحريضي من منطلق طغيان ظاهرة التعصب على عقله الباطن، وليفرغ طاقة الكره لديه من خلال اعتماد خطاب تحريضي يناط بكل طائفة ضد الأخرى، في عالم لا مستقبل فيه لمن يصنع الأعداء والمتربصين به مجاناً..

وفي الحقيقة كلما افتح صفحتي على تويتر، باحثاً عن عناوين تتعلق بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، أو ما يتعلق بصفقة القرن، والأزمات التي تعربد في الخاصرة العربية، أفاجأ بسطوة الذباب الإلكتروني الموجه على منصات مواقع التواصل الاجتماعي والمدعوم من قبل السعودية والإمارات، والذي يركز في خطابه المأجور على تخفيف الضغط الجماهيري عن الحليف الإسرائيلي بالتوجه في لغة التحريض نحو إيران واعتبارها العدو البديل للمحتل الإسرائيلي الذي غدا في سياق الأجندة العربية حليفاُ استراتيجياً مهما.

السعودية التي تدعي تمثيلها للسنة كانت قد أعطت الضوء الأخضر لترامب من أجل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وها هي صانعة النصرة وداعش وقاتلة الشعب اليمني تتاجر بالأقصى لأجل صفقة القرن التي ستصفى بموجبها القضية الفلسطينية وفق رؤية المفكر الصهيوني برناند لويس والتي اعتمدت خرائطه التقسيمية للوطن العربي في الكونغرس الأمريكي عام 1983، هذه الصفقة التي قال عنها نتنياهو مدعياً بأنها جاءت في إطار تحالف إسرائيلي مع الطائفة السنية (حاشا لله) وأنه سيحمي حلفاءه من الدول العربية ذات الهوية الدينية السنية من خلال التكاتف وراء هذه الصفقة والانبراء للعدو البديل وفق الرؤية الصهيونية المتمثل بإيران، تلك التي اعتبرها نتنياهو في أكثر من تصريح له العدو رقم واحد ل"إسرائيل" على اعتبار أن هذا البلد الذي أوشك على حيازة السلاح النووي وفق قناعات أصحاب القرار في تل أبيب، هو نفسه الداعم لكل من حزب الله المقاوم في جنوب لبنان وحماس في غزة. إنها إيران التي لا تعترف بالكيان الصهيوني خلافاً لحلفائه العرب الذين أساءوا للطائفة السنية لمجرد انتسابهم إليها والتي تربأ بنفسها عن أفعالهم المشينة ومواقفهم المتآمرة على الحقوق الفلسطينية.

أما الإمارات التي تعتبر نفسها (حاشا لله) حامية الإسلام السني المعتدل كما يصرح دائماً الشيخ وسيم يوسف، فهي قد دأبت على شراء الأراضي في القدس بحجة حمايتها ليكتشف المرابطون من أهل القدس إبان هبة الأقصى بأن هذه الأراضي بيعت لجمعيات يهودية وإنها جاءت كخطة تطبيعية بين الإمارات والكيان المحتل بتنسيق رتب له دحلان، لا بل أن البعثة الطبية إبان حرب غزة بما يسمى بالجرف الصامد، كانت تمارس دوراً استخبارياً لصالح الكيان الصهيوني، الإمارات ذاتها التي تحتضن العميل محمد دحلان الذي يرتب مع مصر السيسي لإنشاء وطن بديل لفلسطينيي قطاع غزة في سيناء في إطار صفقة القرن المشئومة، ناهيك عن ضرب الكيان الأردني من خلال تنفيذ خيار الوطن البديل من أجل تفريغ الضفة الغربية والمخيمات الفلسطينية المنتشرة في الأقطار العربية وترحيلهم إلى الأردن بالتنسيق كما صرح الصهيوني بيتر ولتر مع المعارضة الأردنية التي يرأسها العميل الصهيوني مضر زهران والمقيم في لندن، وفي ذات السياق فقد وصل الحد بدولة الإمارات العربية إلى اعتماد شركة إسرائيلية لتنظيم جهاز الاتصالات والمراقبة عبر شبكة متطورة من كامرات التصوير الرقمية وبرامج المراقبة لمواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الهواتف النقالة في الإمارات، وإدارة هذه المنظومة الرقابية من قبل الشركة الإسرائيلية نفسها لصالح بن زايد ولي عهد الإمارات، الذي يعتمد في حكمه على القوات المأجورة (بلاك ووتر).

وفي ذات السياق ينبغي علينا الانتباه إلى البحرين التي تعتبر نفسها من ثغور الطائفة السنية المتقدمة بالتحالف مع الكيان الصهيوني ضد إيران، مع العلم بأن السياسات التطبيعية مع الكيان الصهيوني من قبل بعض الزعماء العرب المرتبطين بصفقة القرن تحت عنوان المواجهة السنية الشيعية تسيء لوحدة العالم الإسلامي الذي يتعرض لفتنة طائفية، بات فيه ذلك الحلم الوحدوي الجميل رهين في يد تلك الأدوات المأجورة من الذباب الإلكتروني الموجه، ومن يقف وراءه أو يسانده سواء تمثل بالكيان الصهيوني أو عملائه من العربان، والمنوط به من خلال الخطاب التحريضي نفض الذاكرة الإسلامية من القيم التي تدعو للمحبة والكرامة والتمسك بالحقوق؛ من أجل بناء عقل مسلم لا يهادن أخاه ولا يسامح، ويكون مستعداً للتنازل عن حقوقه بسهولة وعقلة الباطني يكون مبرمجاً عصبياً على قاعدة أن عدوي هو من يختلف معي في العقيدة فإما أن يتبعني أو يحسم الموت أمره بيننا، وهي دعوة لمعركة أبدية لا فكاك من تبعاتها المرعبة، وبوسع المتعصب دينياً في هذه المعركة الاستجارة بالعدو الحقيقي مثل "إسرائيل" لضرب معاقل العدو العقائدي المفترض مثل إيران المسلمة.

وللتذكير وكما نشر قبل أعوام، تجدر الإشارة إلى ما اقترحه ملك البحرين(!!!) بضرورة قبول الكيان الصهيوني كعضو مراقب في جامعة الدول العربية، والأنكى هو ما قام به وفد بحريني أميري إبان اشتعال انتفاضة الأقصى الأخيرة التي جاءت احتجاجاً على تركيب البوابات الإلكترونية عند مداخل المسجد الأسير، حيث أخذ يتجول هذا الوفد المستفز في شوارع القدس العتيقة، تأييداً للكيان الصهيوني الذي استضافه بصدر مفتوح، هذا الكيان المحظوظ بعملائه العرب والذي يعتبره ملك البحرين الضامن الوحيد للأمن القومي العربي، وكأنه يتناسى بأن هذا الكيان الهش لا يستطيع حماية نفسه من المقاومة الشيعية المتمثلة بحزب الله في جنوب لبنان، والمقاومة السنية وشركائها من كافة الفصائل في غزة التي تتمتع بحماية كتائب عز الدين القسام، وتتلقى الدعم من إيران وحزب الله كما صرح أحد قادة حماس محمود الزهار في أكثر من مناسبة، بينما تحاصر مصر قطاع غزة بالتنسيق مع الصهاينة والسعودية والإمارات والبحرين، رغم ما أبداه السيسي مؤخراً من مرونة تجاه حماس ربما في إطار صفقة أبرمت تحت الطاولة لضرب الوجود الداعشي في سيناء. ولعل أبلغ رسالة قد توقظ أمراء وملوك الخليج من غيبوبة التماهي مع المشروع الصهيوني (صفقة القرن) الذي يرعاه الرئيس الأمريكي دوناند ترامب، هي إسقاط طائرة أف 16 بواسطة صاروخ سام أطلقته الدفاعات الجوية للجيش العربي السوري‘ وباعتراف إسرائيلي، فقد أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفخاي أذرعي عبر قناة الجزيرة، بأن حادثة إسقاط الطائرة الإسرائيلية، واختراق طائرة إيرانية بدون طيار الأجواء الإسرائيلية والتي أسقطت على الأراضي المحتلة، طبعاً بالإضافة إلى تلويح حزب الله المقاوم جهاراً نهاراً بأن الحرب القادمة تتضمن استراتيجية لاحتلال الجولان وشمال فلسطين والسماح لعشرات الألوف من رجال المقاومة بكل طوائفهم لنقل المعركة إلى داخل فلسطين المحتلة، والتجربة السورية خير دليل على نجاح هذه الاستراتيجية المخيفة، كل ذلك قد غير من قواعد الاشتباك بين المقاومة مدعومة من إيران والكيان الصهيوني مع حلفائه في صفقة القرن وإلى الأبد، ما حذا بنتنياهو ليستجير بروسيا كي تلجم بموجب صلاحياتها الميدانية في سوريا، طموحات حزب الله التي أربكت حسابات قادة الكيان الإسرائيلي وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وكذبت ما يروج له نتنياهو بأنه حليف للدول العربية السنية ضد الخطر الشيعي الفارسي وهذا بحد ذاته هراء.. ويمثل دعاية رخيصة ستفرغ محتوى القضية الفلسطينية وسوف تسمح بتمدد الكيان الإسرائيلي خلال صفقة القرن في ارجاء الوطن العربي، متجاوزاً بذلك حدود أحلام هرتزل بإسرائيل الكبرى..

عدونا الأول والأخير هو الكيان الصهيوني المتمدد خلسة من تحتنا حتى تميد الأرض العربية بنا، فتشتعل نيران الطائفية التي يذكي نارها الإعلام المأجور والذباب الإلكتروني باسم كل طائفة ضد أخرى، حتى أن بعضهم يحاول وضع مقاربات ساذجة بين إيران والكيان الإسرائيلي بغية تحييد الأخير ورصف أرضية القبول به من باب التفرغ لعدو الأمة الشرقي! وهذه قمة العمالة في زمن الرياء الذي يتصدر مشهده الخصيان. عجبي.

 

بقلم بكر السباتين

 

alaa allami2كنت قد كتبت في صيف 2012 الأسطر التالية في الفصل الثامن من مخطوطة كتابي "القيامة العراقية الآن.. كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين"، وكأنني كتبتها قبل ساعات (إنَّ من العاجل والضروري أنْ يبادر الحكم العراقي، رغم تحفظاتنا الكثيرة والشديدة على طبيعته السياسية، وتحالفه مع الاحتلال الأجنبي، إلى تدويل هذا الملف من خلال رفعه إلى هيئة الأمم المتحدة وإلى محكمة العدل الدولية وإلى المحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة الهيئة الأممية بالإشراف المباشر والعملي عليه، من خلال إرسال بعثة رسمية دائمة منها إلى العراق لمتابعة التطورات الخطيرة على الأرض والتي تنبئ عن بلوغ حالة الكارثة الوطنية الشاملة). كان ذلك قبل أكثر من خمسة اعوام على الأزمة الخطيرة التي يشهدها العراق اليوم والتي بلغت درجة جفاف وانقطاع مجاري أنهار فرعية" رواضع" في الجنوب وبحيرات في الوسط كانت تتغذى من النهرين دجلة والفرات. للإضاءة على هذا الموضوع والإجابة على السؤال: هل يمكن للعراق مقاضاة تركيا في "العدل الدولية" لاستيلائها على مياه الرافدين؟ هذه فقرات أخرى من هذا الفصل من كتابي المشار إليه وقد حدثتُ وطورتُ واختصرتُ بعض المعطيات فيها بما أوجبه مرور الزمن:

*أما بخصوص محكمة العدل الدولية، فالمعلوم أنَّ تركيا سترفض الموافقة على المثول أمامها، لأنها رفضت التوقيع على الاتفاقية التي أشرفت عليها الأمم لمتحدة في التسعينات من القرن الماضي، والتي تدعى "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية" والتي تعتمدها هذه المحكمة ضمن ما تعتمد من اتفاقيات وقوانين. كان مضمون هذه الملاحظة صحيحا سنة 2012 أي  قبل المصادقة النهائية على تلك الاتفاقية سنة 2014 ، أما الآن وقد أصبحت تلك الاتفاقية جزءا من القانون الدولي فهذه الاتفاقية القانونية  تطبق على تركيا وعلى غيرها وبغض النظر عن تحفظاتها أو عدم مصادقتها عليها. فليس من حق أية دولة الخروج على القانون الدولي كما يقول القانون الدولي نفسه، فليس هناك دولة فوق القانون الدولي سوى دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية بقوة البلطجة النووية، والواقع فإنَّ النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية يشترط لتحقيق ما يسمى "اختصاص الإلزام الأساسي" اعتماد أحد الأساليب الآتية التي نصت عليها المادتين 36-37 للتعبير عن إرادة الدولة باللجوء إلى المحكمة من أجل منازعاتها القانونية بأحد الأساليب الآتية:

أ‌- أسلوب الاتفاقات الخاصة.(special agreement ) بمقتضى هذا الأسلوب، يمكن لدولتين أو أكثر، أنْ تتفقا على إحالة نزاع قائم بينهما إلى محكمة العدل الدولية عن طريق توقيع اتفاقية تعقد فيما بينهما لهذا الغرض. وهذا الأسلوب سترفضه تركيا وإيران كما هو متوقع لأنهما تعرفان أنهما مدانتان حكما بموجب القانون الدولي.

ب‌- أسلوب التعهد المسبق pre-earlier commitment: وبموجب هذا الأسلوب تقبل أية دولة باختصاص محكمة العدل الدولية للنظر في المنازعات التي قد تنشب في المستقبل بينها وبين الدول الأخرى، وهذا الأسلوب خارج الصدد، لأن القضية التي نحن بصددها ليست مستقبلية بل واقعة فعلاً ولها امتدادها المتحقق في الماضي ولكن العراق يمكن أن يلجأ إلى هذا الأسلوب فيقيم دعوى ضد تركيا على ضوء ما سيحدث من تطورات كارثية مستقبلا وخصوصا بعد تشغيل سد أليسو العملاق على دجلة.

ت‌- أسلوب التصريح الاختياري: Voluntary declaration: يمكن للدول، الأطراف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، أنْ تعطي تعهداً واسعاً في أي وقت تشاء بإعلانها قبول الاختصاص الإلزامي للمحكمة، تجاه أي دولة تقبل بنفس التعهد في المسائل المتعلقة بتفسير معاهدة. وهذا الأسلوب مستبعد أيضا، بسبب مواقف تركيا وإيران الرافضة المتوقعة لخيار محكمة العدل الدولية ولأنهما ليست من الدول المتحضرة التي تحترم شعوبها وتقيم وزنا للقانون الدولي وحسن الجوار ولا يمكن مقارنة قيادتي تركيا وإيران بقيادات دول أخرى وافقت على المثول أمام محكمة العدل الدولية كما في الأمثلة التي سنذكرها بعد قليل.

*رغم ذلك يبقى من واجب الحكومة العراقية تدويل هذا الملف والتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وحتى إلى محكمة العدل الدولية من طرف واحد وبقوة تتناسب وطبيعة الخطر المحدق به وطنا وشعبا. والهدف من ذلك هو تعرية مواقف السلطات الحكومية في تركيا وإيران تماما، وكشف حقيقتهما المعادية للعراق وشعبه أمام شعبيهما وشعوب العالم أجمع إذا ما رفضتا هذا الخيار، وهذا بحد ذاته إنجاز ليس بالضئيل وخطوة على طريق إنقاذ العراق والعراقيين.

إن رفض تركيا أو إيران المتوقع للموافقة على التحكيم الدولي أو التقاضي مع العراق أمام محكمة العدل الدولي ليس نهاية المطاف، بل هناك أمل كبير آخر، فحتى إذا رفضت تركيا وإيران الموافقة على التقاضي مع العراق أمام محكمة العدل الدولية بموجب اختصاص المحكمة الإلزامي، فإنَّ الأمر لا يعتبر منتهيا، إذْ أن هناك ما يسمى الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولي. وبموجبه تختص محكمة العدل الدولية - إضافة إلى اختصاصها القضائي - باختصاص استشاري عبر إصدار آراء استشارية حول المسائل القانونية التي تحيلها إليها الهيئات المفوضة بمثل هذه الإحالة بموجب المادة "96" من ميثاق الأمم المتحدة، ومن تلك الهيئات المفوضة الجمعية العامة و مجلس الأمن و الوكالات المتخصصة المرتبطة بها وصولا إلى عقد جلسة سرية للمحكمة حتى في حال رفض تركيا الحضور وتحويل الدعوى إلى الأمم المتحدة مع طلب عراقي للمجلس باتخاذ قرار دولي يسمى " قرار إزالة الضرر" على العراق. فما هي تفاصيل هذا الخيار وإيجابياته وماذا يجب على الدولة العراقية أن تفعل لتستخدمه أفضل استخدام؟ وما هي الدول التي لجأت الى التقاضي أمام محكمة العدل الدولية حول مشاكلها المائية في أنهارها وحلتها فعلا؟

*إذا رفضت تركيا التحكيم أو التقاضي أمام العراق في "العدل الدولية"، يمكن للعراق مقاضاتها بموجب اختصاص المحكمة الاستشاري وبجلسة سرية عبر الأمم المتحدة، فلماذا تمتنع الحكومة العراقية عن التدويل واعتماد هذا الطريق حتى الآن؟ بموجب هذا الخيار، خيار المقاضاة من خلال اختصاص محكمة العدل الدولية الاستشاري، في حال رفضت حكومتا تركيا أو إيران عملية التحكيم والمقاضاة، وبعد أنْ يرفع العراق دعوى ضد تركيا أو إيران، أو كليهما، تتذاكر المحكمة في جلسة سريّة، ثم تصدر رأيها في جلسة علنية بعد إخطار الأمين العام وممثلي الأمم المتحدة وسائر الدول والمؤسسات الدولية ذات العلاقة المباشرة بالمسألة المطروحة على بساط البحث. ولها أنْ تطلب من هذه المراجع المعلومات التي تلزمها في إبداء رأيها. والحقيقة، فلن يكون رأيها أو حكمها ملزماً إذا لم يرد نص صريح على ذلك، كما يشاهد فعلاً في بعض الاتفاقات الدولية التي تعقدها المراجع المخولة إبداء الرأي إلى المحكمة. هذا من الوجهة القانونية الصرفة، أما من الناحية الأدبية والمعنوية فإنَّ لهذا الرأي دائماً وأبداً وزنه الدولي الكبير الذي يفرض، على الطرف المدعى عليه والطرف الذي استفتى المحكمة، وعلى كل الدول المعنية بالأمر، ضرورة مراعاته.

إضافة إلى ذلك، يسمح النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، في حال رفضت الدول المدعى عليها الإذعان للحكم أو الرأي الاستشاري، تسمح للطرف المدعي وهو العراق بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي واستصدار قرار منه يزيل الضرر الذي ألحقه به الطرف الرافض لحكم أو رأي محكمة العدل الدولية، وسيكون العراق عندها مزودا بحكم أو رأي استشاري دولي ناجز، يُسَهِّل له مهمته كثيرا، ويضيق الخناق على الطرف المعتدي. ومن الأمثلة المهمة على حالات التدخل الناجح لمحكمة العدل الدولية في النزاعات المائية بين الدول:

*حكمت محكمة العدل الدولية في النزاع على نهر "موسيه" بين بلجيكا وهولندا، حين اعترضت الأخيرة على مشروع بلجيكا لحفر قناتها التي تأخذ من النهر المذكور. وردت بلجيكا بأن هولندا سبقتها في إنشاء مشروع مماثل. وأصدرت محكمة العدل الدولية حكمها سنة 1937، بعد أنْ تأكد لها أنَّ إنشاء القناتين الهولندية والبلجيكية لا تؤثر فعليا على النظام الطبيعي للنهر، وجاء في حيثيات الحكم (تتمتع كلُّ دولة بمطلق الحرية داخل حدودها الإقليمية باستخدام المجرى المائي، إذا لم يؤثر ذلك على إنقاص حصة الدول الأخرى).

*أما مثال قضية نهر الدانوب التي حكمت فيها المحكمة ذاتها بين هنغاريا وسلوفاكيا فهو قريب جدا من الحالة العراقية والعدوان التركي المستمر فيها. فقد حكمت محكمة العدل الدولية، بتاريخ 25/9/1997، في النزاع بين البلدين المذكورين لصالح هنغاريا، بعد أن ألحق مشروع سلوفاكيا المائي على نهر الدانوب الدولي الضرر بمصالح هنغاريا المائية. وقررت المحكمة أنَّ (سلوفاكيا قد فشلت في احترام متطلبات القانون الدولي عندما شرعت من جانب واحد بتنفيذ أعمال على مصدر طبيعي مشترك مما أدى في النتيجة إلى الإضرار بممارسة هنغاريا لحقها في الاستخدام المنصف والمعقول لمياه نهر الدانوب). هذا بخصوص خيار محكمة العدل الدولية بين دول وحكومات تحترم نفسها وشعوبها والقانون الدولي وأسلوب التقاضي المتحضر وهو أمر لا نعتقد أن حكومتي تركيا وإيران ستقدمان عليه بل ستستمران باستعمال منطق القوة والعنجهية والهيمنة! وماذا بخصوص المحكمة الجنائية الدولية وعن صلاحياتها وشروطها ونظامها الداخلي؟

*المحكمة الجنائية الدولية: تأسست المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002، كأول محكمة شكلت على أساس ميثاق روما العالمي، وبلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاء المحكمة 105 دول حتى تشرين الثاني نوفمبر 2007، وقد وقعت 41 دولة أخرى على قانون روما. وقد تم وضع اتفاق بين المنظمتين - المحكمة والأمم المتحدة -يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

إنها محكمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، وهي تختلف عن محكمة العدل الدولية لأنها لا تشترط وجود موافقة مسبقة من قبل الطرف المدعى عليه، بل يكفي أنْ ترفع جهة في الدولة المدعية أو محكمة فيها الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومن الطبيعي أن تدخل جريمة تجفيف نهري دجلة والفرات، وحجز مياههما خلف السدود العملاقة واحتمال انهيار تلك السدود المقامة في منطقة ناشطة زلزاليا وحدوث فيضانات طوفانية مرعبة، ستحول سوريا والعراق ودول الخليج العربي الإيراني إلى مستنقع شاسع، وما سيترتب على الجفاف بفعل حبس المياه خلف السدود العملاقة أو قطع روافد الأنهار العراقية من أضرار فادحة وإبادة عامة وغير مسبوقة للبشر والحيوان والنبات يمكن أن تدخل ضمن باب جرائم الاعتداء التي يتحمل مسؤوليتها الأفراد الحاكمين وأصحاب القرار في الحكومتين التركية والإيرانية.

وبمراجعة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نتعرف على مفهوم ومصطلح جريمة الإبادة الجماعية، فهي تعني أياً من الأفعال الآتية، إذا ارتكبت بقصد إهلاك جماعة قومية أو ثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً ويهمنا منها الفعلين الثاني والثالث في الحالة العراقية: 

2.إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة البشرية.

3.إخضاع الجماعة البشرية عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً. 

ويمكن بكل تأكيد اعتبار جريمة تجفيف دجلة والفرات وتصحير العراق وتدمير الزراعة وإحداث مجاعة أو فيضانات طوفانية فيه بسبب انهيار محتمل للسدود التي شيدت في مناطق ناشطة زلزاليا ضمن مشمولات البند الثالث والقائل (إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً). كما يمكن اعتبارها ضمن مشمولات البند العاشر من الأفعال التي يشملها مفهوم ومصطلح "الجرائم ضد الإنسانية" أيضا، ويقول النص الحرفي لهذا البند (10-الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أي آذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية).

وفي شهر آب /أغسطس 2009، كانت قناة "BBC" التلفزيونية، قد بثت برنامجا حول مطلب العراق بمحاكمة دولية لمرتكبي جريمة تفجيرات الأربعاء الدامي في ذلك التاريخ، وشارك في البرنامج خبير قضائي مصري هو رئيس معهد القانون الدولي في جامعة السوربون، فاتنا للأسف تسجيل اسمه. ويُفْهَم من كلام الخبير المصري والذي كان عضوا في المحكمة الدولية الخاصة بأحداث يوغسلافيا السابقة، أن العراق ليس عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وقد تأكدنا من صحة هذه المعلومة من خلال الاطلاع على رسالة للويس مورينو أوكامبو، المدعي العام الرئيسي للمحكمة الجنائية الدولية، رد فيها سلباً على مجموعة من رسائل من ناشطين مدنيين دعته إلى التحقيق فيما يحدث في العراق، معللا رده السلبي بأنَّ (العراق ليس عضواً في منظومة دول ميثاق روما الخاص بتشكيل تلك المحكمة). وعموما فهذه ليست مشكلة كبيرة، ويمكن للحكومة العراقية الحالية أنْ تبادر فورا إلى التوقيع على الميثاق المذكور، إنْ لم تكن قد وقعت عليه بعد، وتطرحه على البرلمان لتشريعه وبشكل عاجل، إذْ أنَّ عملية التوقيع أو سحب التوقيع على الميثاق أمران مفتوحان، وكانت دولة السودان قد سحبت توقيعها على هذا الميثاق بعد أنْ وجهت المحكمة الاتهام إلى الرئيس السوداني عمر البشير في قضايا دارفور. إضافة إلى ذلك، فالعراق يمكنه رفع دعوى عن طريق دولة أخرى عضو آخر في ميثاق روما.

 وهناك معلومة مهمة أخرى، قالها الخبير المصري، وأرى من المفيد سوقها هنا لفائدة القارئ ومفادها: إنَّ الأمر المهم ليس موافقة الأمم المتحدة على إرسال لجنة تحقيق، بل تشكيل محكمة خاصة بهذه الجريمة.

في هذا الصدد، نسجل أنَّ العراق كان قد وقع فعلا على ميثاق روما وسحب التوقيع بعد أيام قليلة في عهد حكومة الاحتلال الأولى برئاسة إياد علاوي. وقد وردت هذه المعلومة في مقالة للباحث العراقي في الشؤون القانونية د. أكرم عبد الرزاق المشهداني، و ورد فيها على الخصوص ما يلي ( لم يكد يمض على صدور قرار حكومة السيد إياد علاوي بضعة أيام، حتى أعلنت تراجعها عن قرار الانضمام إلى اتفاقية روما بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث كان مجلس الوزراء برئاسة د. علاوي أصدر قراراً جاء فيه "استنادا لأحكام القسم الثاني من ملحق قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وبناء على موافقة مجلس الرئاسة، قرر مجلس الوزراء أنْ تنضم جمهورية العراق إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الموقع في روما في 17 يوليو من عام 1998". وسارعت فرنسا لإعلان ترحيبها بانضمام العراق للاتفاقية"..." ولكن بعد مضي أيام قليلة، ونتيجة ضغوط لم يعلن رسميا عن مصدرها، لكنها معلومة من قبل من يعرفون موقف الولايات المتحدة من اتفاقية إنشاء المحكمة المذكورة).

*من المرجح جدا أنَّ سحب التوقيع بالموافقة العراقية على ميثاق روما، لا يعدو أنْ يكون وراءه واحد من سببين، وقد يكون السببين كليهما: الأول، هو نتيجة للضغط الأمريكي والإسرائيلي على حكومة علاوي سيّما وأنَّ الدولتين أمريكا وإسرائيل كانتا قد سحبتا توقيعيهما وموافقتيهما على ذلك الميثاق، وليس من المنطقي أن تتمرد حكومة تابعة لأمريكا، شكلت من قبلها كحكومة أياد علاوي، على إرادتها السياسية. والسبب الثاني يتعلق بتورط علاوي وأركان حكومته آنذاك في أعمال القمع والبطش الدموي الذي بلغ درجة ارتكاب جرائم حرب خلال السنوات الأولى للاحتلال، ويبدو أنَّ مخاوف علاوي وأركان حكومته من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب هي واحدة من الأسباب التي حدت به إلى سحب توقيع حكومته على ميثاق روما.

وأخيرا: فإن من واجب الحكومة العراقية ان تسارع اليوم قبل الغد إلى الانضمام بشكل رسمي إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوقع عليها وإلا فستكون هذه الحكومة مسؤولة أمام الشعب والتاريخ عن حرمان العراق من هذا السلاح القانوني الدولي الرادع لأردوغان ولكل من يخطط او بدأ فعلا بإلحاق الضرر بالعراق عبر تجفيف أنهاره. ولكن لنكن واضحين فعملية الدفاع عن العراق بسلاح القانون الدولي ليست سهلة وتحتاج الى جهود داخلية وخارجية كثيرة على صعيد العناية بالنهرين وصيانة مجاريهما من التلويث الداخلي والخارجي، وتحديث أساليب ووسائل الري القديمة واستبدالها بالحديثة كالري بالتنقيط، وتحريم الهدر والتبذير المائي داخليا وغير ذلك من خطوات لا بد نها لكي نقنع العالم ونقنع هذه المحاكم والهيئات الدولية بشرعية دعوانا ومطالينا وحقوقنا المشروعة في مياه انهارها، ونجعل هذه الأطراف تحترم مجتمعنا وتحترم تعامله مع المياه والطبيعة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................

*رابط يحيل إلى النص الكامل الفصل الثامن من كتاب "القيامة العراقية الآن -علاء اللامي" في أول تعليق.

http://www.albadeeliraq.com/node/993

 

ان المفهوم الليبرالي  للدولة هو: (مجموعة من الناس منظمة سياسياً تحت حكومة واحدة ذات سيادة). ان السيادة هي السلطة النهائية القصوى التي لا يمكن تجاوزها وبدونها تفقد الدولة معناها. ان الدولة التي لها السيادة الكاملة لها الصلاحيات التالية: – على الاقل

فرض الدستور والقوانين، انتاج العملة ووضع قيمة مفرداتها، فرض الضرائب وجمعها، تنظيم التجارة الداخلية والخارجية، السيطرة على علاقة الدولة الخارجية، اعلان الحرب وشنها و لها الحق القضائي في فصل الخلافات بين الناس ومع الدول الاخرى.

الا ان السيادة ، مثل اي شئ آخر، قابلة للولادة وللتطور والتغير وفي الحقيقة لم تكن للسيادة وجود قبل صلح ويستفاليا سنة 1648. اذ لثلاثين سنة كانت البلدان الاوروبية في حرب مستمرة بحجة انها نشبت نتيجة الخلافات الدينية بين البروتستانت والكاثوليك ولكن الحقيقة انها كانت واستمرت بين الدول الرأسمالية التجارية، وخاصة بين هولندة البروتستانتية واسبانيا الكاثوليكية في زحفهما للسيطرة على المستعمرات في انحاء العالم عامة وامريكا بصورة خاصة.

كانت اسبانيا الاولى لخلق مستعمرة لها في كارولاينا في امريكا الشمالية سنة 1523. تبعتها بريطانيا في 1526 ثم هولندة سنة 1624. فتعقدت الخلافات وانتقلت الى اوروبا ، بل الى الاراضي الالمانية وذلك حتى قبل تأسيس دولة موحدة فيها.

في صلح ويستفاليا تم منع الدول في التدخل في شؤون الدول الاخرى بما في ذلك شؤون مستعمرات كل دولة. لم تكن هناك سيادة مشتركة بين الدول. لقد شملت فكرة السيادة الدول الاوروبية القوية، دون الضعيفة منها في اوروبا الشرقية، ودون مشاركة الولايات المتحدة الامريكية لأنها كانت حينذاك مستعمرة بريطانية – هولندية – اسبانية ودون مشاركة الامبراطورية العثمانية التي كانت تسيطر على معظم البلدان الواقعة شمال بحر المتوسط وكل شرق الاوسط وشمال افريقيا.

يقول جان أرت شولته: ليست السيادة ظاهرة ازلية بل لم يكن لها وجود قبل صلح ويستفاليا وليس هناك سبب لبقائها الى الابد، راجع

Globalization of world P0litics, Oxford University Press,2001, pp 19 to 26

ويضيف: ((مع انتشار العولمة (اقرأ ” الاستعمار”) اخذت السيادة الوطنية تتقهقر وتنكمش على حساب ازدياد قوة الحكومة وهيمنتها على الشعب.. فالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية اخذت تخترق حدود الدول بسرعة متفوقة نتيجة اختراع الاتصالات اللاسلكية الالكترونية عبر الاقمار الصناعية التي استخدمتها الشركات العابرة للاوطان للسيطرة على اقتصاد العالم لكسب الارباح المطلوبة.))

اما بخصوص المستعمرات والبلدان التابعة التي تأسست قبل وبعد الحرب العالمية الاولى، ككافة البلدان في الشرق الاوسط وافريقيا وأسيا وامريكا اللاتينية، فانها تكونت من قبل الدول الاستعمارية التي قسمت العالم فيما بينها وان السيادة التي نالتها هذه البلدان كانت صورية وغير كاملة وكان القصد منها منع الدول الاستعمارية المتنافسة من الاستحواذ على ما كان ملكاً لغيرها. فسوريا، مثلاً، كانت من حصة فرنسا بينما العراق لبريطانيا. لم يتغير اي شئ بعد ان نالت هذه البلدان استقلالها الشكلي ، بعد الحرب العالمية الثانية، ودخلت كأعضاء في هيئة الامم المتحدة. فالقرارات هناك تؤخذ بموافقة الدول الخمس الكبرى التي لها العضوية الدائمة وحق النقض في مجلس الامن.

لقد تدهورت حالة بلداننا الضعيفة، والمقسمة، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بفضل خروشوف وثم وخاصةً غورباجوف . لقد سيطرت قوى السوق الاستعمارية على كل شئ. يستنتج هارت و مساعده نيغري في كتابهما  (( الامبراطورية))، راجع:

Michael Hardt and Antonio Negri, Empire, Harvarde University press and London 2001

((ان الامبراطورية القديمة قد تدهورت لتفسح المجال لانتعاش امبراطرية السوق (يقصدان  سوق المال) التي ترفض السيادة الوطنية وترفض الحدود الدولية … ان السوق تهاجم الحدود الثابتة بعنف منقطع النظير، انها تطغي على كل تقسيم أخر مستخدمة تعدديتها غير المحدودة… في يومنا هذا تسير السوق العالمية (يقصدان الامبريالية العالمية) نحو تحقيق الطغيان التام وهي في هذه العملية تهدم حدود الدول القطرية … ولهذا يجد روبرت ريج، وزير العمل للولايات المتحدة، نفسه في مركز ممتاز ويحتفل بانهيار الحدود الوطنية ويلح : ” لما كانت كافة عوامل الانتاج- النقود، التكنولوجيا، المعامل، والآلات تخترق الحدود دون جهد يذكر، فان فكرة الاقتصاد الوطني قد فقدت معناها أصلاً" .))

لقد صدق البروفسور عبدالله راقدي ، استاذ العلاقات الدولية في جامعة باتنة، حين كتب في 7/8/2017 في رأي اليوم:-

((فقد استمر الغرب المنتصر في صراع الحرب الباردة في توسيع نظامه إلى أن أسبغه بالعالمية عبر تسويق العولمة ثم الحوكمة العالمية، عبر آليات اختراق حدود الدول وإثارة مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية والمواطنة العالمية والولاية القضائية العالمية. وعلى نحو متصل، سعى مهندسو هذا النظام الموسع إلى إضعاف وتسفيه سيادة الدولة وتعويضها بقواعد عالمية مشتركة يتعين على الحكومات الوطنية الالتزام بها. ))

مع طغيان امبراطورية السوق الرأسمالي فقدت الدول الصغيرة والتابعة سيادتها التي لم تنلها كاملةً منذ البداية اصلاً. ولهذا احتل جوج بوش الابن العراق، مستخدماً بين 1000 و2000 طن من الاسلحة المغطاة باليورانيوم المخصب، وذلك حسب الغارديان اللندنية في 25/4/2003، الصفحة 14، حتى دون اخذ موافقة مجلس الامن. وكذا الحال مع دخول القوات الامريكية بصورة غير شرعية الى سوريا بالرغم من عضويتها في هيئة الامم المتحدة . هكذا يشعر الرئيس ترامب بان له الحق، دون حياء، ان يقول للدول المجتمعة في الرياض مقدماً انه يرفض زيارتهم بدون استلام النقود. ولهذا تمكن في ايام قليلة ان يجمع من السعودية وحدها 460 مليار دولار كقيمة السلاح والاتفاقيات التجارية الاخرى.ولهذا لم يستطع أن ينطق حيدر العبادي بكلمة حين اعلن ماتيس، وزير الدفاع الامريكي، بأن الجيش الامريكي سوف لا يترك العراق، قال هذا وهو ضيف في بغداد.

يدرك الكثيرون مصائب الشعوب الضعيفة التي لا سيادة حقيقية لها ويدركون ما تناله من الاستعمار الراسمالي الغربي ولهذا يتجهون نحو كتلة بريكس الفتية، من روسيا والصين وبرازيل والهند وافريقيا الجنوبية، في امل انها ستقف ضد جبروت الغرب، كما فعلت روسيا والصين وايران في دفاعهم، بنجاح متواضع، عن سوريا المهدمة. وكلما يتم القضاء على حكومة تأتي اخرى اتعس منها. فالتخلص من الاستعمار يتم عن طريق توحيد جهود كل الشعوب المنكوبة.

 

بروفيسور كمال مجيد

 

 

أغرب تعليق على إسقاط الطائرة الإسرائيلية f16  هو تعليق إعلامي معارض بكون الله قد سلط الظالم على الظالم، واضح من هذا التعليق أن الجيش السوري المدافع عن أرضه ظالم، والعدو الإسرائيلي المعتدي ظالم، والله العادل سلط  الظالم على الظالم، ولما كان الظالم يساوي الظالم، فالجيش السوري والإسرائيلي سواء، وهذا لعمري قمة اللاموضوعية والهبل .

في كل حروبنا مع إسرائيل كانت ألغالبية العظمى من حكامنا ظلمه، لا بل عملاء، لكن أحداً لم يجرؤ على مساواتهم بإسرائيل المعتدية، لم يقترف أحد جريمة المساواة بين المدافع عن أرضه والمعتدي، وحتى لو كان المُعتدى عليه عدوك موضوعياً فالوقوف بوجه المعتدي المتجبر واجب إنساني وأخلاقي في أقل تقدير، فكيف إذا كنت عربياً وسوريا وتدعي الإسلام ؟!

المتابع للإعلام العربي،  بالأخص الخليجي، يُصاب بالدهشة، هم لايريدون القول بأن الجيش السوري أسقط المقاتلة الإسرائيلية التي حسبوها لا تقهر، وهم لايذكرون الأرض التي تم الإعتداء عليها من قبل إسرائيل، ولا مواقع الجيش السوري، فيقولون مُحرفين الوقائع أن إسرائيل قصفت الإيرانيين وحزب الله، وهم يزعمون أن المواجهة بين إيران وإسرائيل، وأن إسرائيل حطمت القوات الإيرانية في سوريا، وفي أحسن الأحوال يقولون أن إسرائيل أحدثت مجزرة للمعدات والمنشآت الأيرانية وفقدت طائرة مقاتلة واحدة، وبحساب الأرباح والخسائر تكون إسرائيل رابحة، وإيران وحزب الله هما الخاسران !

وعندما نذهب إلى الإعلام العبري، نرى الصورة مختلفة، هم في قلق وخوف عظيمين، وهم لا يمتنعون عن القول ان إسقاط المقاتلة الإسرائلية كارثة، وأن ما بعد إسقاط الطائرة ليس كما قبله، وأن قواعد الإشتباك قد تغيرت، وأن يد إسرائيل لم تعد هي اليد الطولى .

من أسقط المقاتلة الإسرائلية ؟

يجمع المحللون على أن صاروخ من طراز سام 5، وهو صاروخ قديم نسبياً، هو من أسقط الطائرة، وأن ثمة طائرة أخرى رصدها الرادار، ثم أفلتت في آخر لحظة . وسام 5 كما هو معلوم صاروخ روسي، أي لا إيراني، ولا من إنتاج الصناعات الحربية لحزب الله .

بطاريات سام 5، كما يقول الباحث والمؤرخ د. كمال خلف الطويل تزود بها الجيش السوري عهد أندروبوف وحافظ الأسد، ويؤكد أنها نفس البطاريات التي أسقطت قاذفتين أمريكتين فوق لبنان .

نستنتج من هذا أن سوريا والجيش السوري هما من أسقط المقاتلة الإسرائلية، وهما من إعترض ويعترض صواريخ إسرائيل الذكية، من دون إغفال دعم الأصدقاء والحلفاء، وأن – وهذ هو الأهم – سوريا لم تستخدم بعد ترسانتها من الإسلحة الحديثة التي زودتها بها موسكو مؤخراً، وأن فخر الصناعة الأمريكية في مجال المقاتلات قد أسقطه صاروخ قديم نسبياً، فماذا سيكون وسيحدث لاحقاً فيما لو سمح الروس، وهم سيسمحون حتماً، في إستخدام الأسلحة المتطورة الحديثة، التي تعرف أمريكا قبل إسرائيل فاعليتها، ودقتها.

خوف إسرائيل له ما يبرره، وموقف الأعراب أمر يصعب هضمه، لكن التهويل والمبالغة في حدث إسقاط الطائرة يجب التقليل منه .

صحيح أن هذا الحدث مفصلي في الصراع، وهو مؤشر على شرخ واسع في جدار التخويف الذي إعتاشت عليه إسرائيل طيلة عقود، بحيث بات في يقين العرب أن قوة إسرائيل الجوية لا تقهر، مثلما كانوا يعتقدون أن الميركافا لا تقهر قبل أن يقهرها أبطال لبنان ويجعونها هشيماً، لكن هذا الإنجاز - نقصد إسقاط الطائرة المقاتلة - يحتاج إلى أن يخرج من نطاق الحادث الفردي، الذي قد يقول قائل أنه عرضي، نحتاج إلى تأكيد الإنتصار بانتصار مشابه، ولكن هذا يعتمد على موقف إسرائيل  التي تحسب لكل شيء حسابه، فهل ستغامر بهجمة أخرى، ومن نوع أوسع وأشمل، أم أنها ستفهم الرسالة، مثلما فهمت رسائل صواريخ حزب الله، وإحراق الميركافا ؟

كل شيء سيتوقف على الموقف الإسرائيلي القادم، فإسرائيل باتت تشعر أنها لم تعد تلعب في السماء العربية وقتما تشاء، وبالشكل الذي تشاء، وهذا ربما يجعل الذين كانوا يخشون قوة إسرائيل، ويحاولون الإحتماء بها يتراجعون عن الرهان عليها، وربما يتغير موقفهم منها، إذن إسرائيل أمام خيارين، لا ثالث لهما، ومعضلة إسرائيل أن أي من الخيارين سيشكلان نهاية لأحلامها، وفي الحالتين يكون إسقاط الطائرة قد حقق المراد منه، فإن نكصت إسرائيل – وهو أمر غير متوقع- تكون قد دخلت مرحلة العد التنازلي، وأن أقدمت على مغامرة جديدة – وهو أمر متوقع بناءا على طبيعتها العدوانية -، فعندها  من المفترض أن تستعمل سوريا ما لديها من أسلحة، وكذا حلفاؤها، رضي من رضى أورفض من رفض، ويكون الحدث الذي عده البعض فردي أو عرضي، قد تكرّس وإلى الأبد، وعندها سيكون وجود إسرئيل على المحك.  

 

صباح علي الشاهر

 

 

khadom almosawi2يكشف تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من تحوّل العملية العسكرية التركية في سوريا إلى غزو قد يتسبب بمشكلة حقيقية من خلال عدم احترام السيادة السورية، يكشف مواقفا متناقضة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الاطلسي، في طبيعتها ومشاركتها او في صمتها والتفرج على ما يحصل الآن وبعده. ولم يتمكن الرئيس الفرنسي من توصيفه لما حصل كعدوان وعمل غير قانوني ولا انساني. التحذير ورد في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، ونشرتها وكالات الانباء يوم 2018/01/31  حيث أكّد ماكرون أنه سيتحدث مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، موضحا أنه إذا اتضح أن هذه العملية اتخذت منعطفا آخر غير مكافحة تهديد إرهابي محتمل للحدود التركية وتحوّلت إلى غزو فإن هذه العملية تشكل بالنسبة لنا مشكلة حقيقية". وبحسب ماكرون، فإن "العملية العسكرية التركية ضدّ عفرين في شمال سوريا تستدعي حصول نقاشات واتخاذ قرارات بين الأوروبيين وعلى نطاق أوسع بين الحلفاء لأن طبيعة التوغل التركي تتغير وهذا ما سأتحدث عنه في الأيام المقبلة مع إردوغان" مضيفا "أنه لا يمكننا الحصول على أمن على الأرض من دون احترام السيادة السورية ضدّ عدو ليس بداعش، خصوصاً وأن الكرد كانوا حلفاء الغرب في قتال الجهاديين"(!). هذا التحذير الفرنسي حول التدخل العسكري في عفرين وحسب، فكيف والخطط التركية تسعى للتمدد الى مناطق  اخرى، الى منبج وصولا إلى الحدود العراقية؟!.

هذا التحذير في هذا الجانب الواضح مقرون باسبابه الأخرى يوصل إلى أنه موجه ومعبر عن تغير في المواقف الداخلية والخارجية، شرحها ماكرون ورد عليها لاحقا رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بنفيه سعي تركيا لاحتلال مناطق داخل الأراضي السورية، بقوله "يجب أن يعلم العالم بأسره أن تركيا لا تتحرك إطلاقًا وفق منطق احتلال، ويمكننا التيقّن من ذلك من خلال عملية درع الفرات". ولكنه يمكن أن يتفق مع نوايا ماكرون ورغباته لما يريده ماكرون - وفق "لوفيغارو"- ومن خلال تشديد الخطاب مع اردوغان هو تجنب لجوء الكرد إلى الحكومة السورية وحليفها الروسي لإنقاذهم كما سبق أن فعل بعض القادة الكرد في عفرين. وهذا التخوف يفضح جانبا من التحذير ويرد على السياسات الفرنسية في المنطقة وعلاقاتها مع الحكومة التركية والاكراد وحلف الناتو. كما يقول بغياب المسؤولية والادعاءات بالقيم واحترام القانون الدولي وغيرها. وهو ما أشار له وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أمام نواب في البرلمان الفرنسي، قبل رئيسه، من تحول العملية التركية إلى احتلال لشمال سوريا(!). وكل هذه الإشارات تفسر التناقضات التي تسود. ورغم أن هذه التصريحات الفرنسية تأخرت ولكنها وضحت الخطر المتحرك من الغزو التركي المتمدد والمتوشح بأسماء مختلفة من درع الفرات إلى ما يسمى باسماء مختارة لا تعكس وقائع الصورة التي تحركها الحملات العسكرية المتنوعة، الجوية والبرية، والزحف العسكري المتدرج داخل الحدود السورية. فهل ما تقوم به تركيا في عفرين هو غصن زيتون؟!. لمن ولماذا؟!.

الحجج التركية في التدخل العسكري تتلخص في الاعلان الرسمي عن محاربة الارهاب، المتمثل في وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، وتسميتها بفرع حزب العمال الكردستاني في تركيا، المحضور، والذي تعتبره الحكومة التركية منظمة إرهابية الان. في الوقت الذي تحالفت الولايات المتحدة مع هذه الوحدات وقامت بتدريبها وتزويدها بمختلف أنواع الاسلحة، وشكلت قوة من 30.000  مسلح لوضعها على الحدود السورية التركية، والتي أثارت هذه الاعلانات ما تزعمه تركيا اخطارا عليها، وتهديدا تخطط لمواجهته وتنفذه عمليا في التدخل السافر، رغم عضويتها في حلف الناتو والعلاقات الثناءية.  الامر الذي فسر به تذبذب مواقف الولايات المتحدة على ما يظهر من النزاع مع الشريك في حلف الناتو، وما يجمعهما من أهداف سياسية مشتركة في المنطقة.

فما يهم الولايات المتحدة في المنطقة اوسع من العلاقات المنفردة مع قوة سياسية، ومؤشرات التخلي عنها أو التوقف عند هذا الحد معها ممكنة ودروس التاريخ برهان عليها. في ضوء ذلك يمكن قراءة تحذير ماكرون مؤخرا، وما سبقته من انتقادات المانية، طالبت بوقف فوري للعملية العسكرية في عفرين، تزامنا مع تجميدها صفقات تصدير أسلحة المانية لتركيا. والتأكيد على أن الحرب ينبغي أن تكون في إطار الحرب على الارهاب. ولكن موقف حلف شمال الأطلسي جاء مغايرا، إذ اعتبر الهجوم التركي ضد المسلحين الأكراد "دفاعا عن النفس"!، وهو موقف صدر قبل اجتماع مزمع للحلف ويقترب من الموقف الامريكي وخطط الإدارة الأمريكية المرسومة للمنطقة.

تباين المواقف بين "حق الدفاع عن النفس" و"انتهاك السيادة السورية" ليس وقفا على التصريحات الفرنسية او الامريكية، فاذا اختارت واشنطن مسك العصا من المنتصف، بين تأييد حق أنقرة في الدفاع عن أمن حدودها وبين انتقاد الهجوم والدعوة لأن تكون العمليات محدودة في الحجم والمدة، فان الموقف الضبابي من موسكو، التي انتقدت مقتل مدنيين في عفرين جراء العمليات التركية، رغم سحبها قواتها من المدينة قبل بدء الحملة العسكرية، في إشارة إلى ضوء أخضر صريح منحته لانقرة، يدخل وفق كثيرين في سياق مصالح مشتركة  مع حكومة تركيا.

كما تأتي المواقف الدولية المعتدلة، في ظل عدم رغبة اصحابها بخسارة أي من حلفائها الأتراك والأكراد. يضاف إلى ذلك مزاعمها الداعية لتركيز الحرب على "داعش"، وترجمة ذلك على الأرض بممارسة ضغوط على أكراد سوريا لقتال داعش في دير الزور، رغم عملية عفرين. مما يعني ضمنا أن تركيا ستستمر في مشروعها وان مخاوف ماكرون وغيره المعلنة لها ما يبررها عمليا، وهنا يكمن الوضع الذي تسعى إليه تركيا اساسا واغتنامه بما يخدمها في المنطقة ومحيطها.

غصن الزيتون الذي لوحت به تركيا والوقائع التي تحصل على الارض يقود إلى أن يغمس بالدم الكردي والسوري عموما في شمال سوريا وربما ابعد منه كما تفعله القنابل والصواريخ وخطط الامتدادات العسكرية المباشرة، وما تحمله من اسماء لا يغير من نهاياتها الدرامية والمحسوبة في اوهام امبراطورية وخرافات باتت وَلّادة للدم والإرهاب اكثر مما هي في خدمة مصالح الشعوب والدول والعلاقات بينها، محليا واقليميا وعالميا.

 

كاظم الموسوي

 

 

abduljabar noriأبثُ لوعتي وشوقيّ المشبوب وعشقيّ الممنوع ألى توأمَ روحي وملعب صباي "دجلةَ الخير" من  خلال رائعةِ الجواهري لعلها تُطفِيءْ لظى حنيني وطوفان وجدي، هيهات من أخماد هذا العشق الصوفي الذي يحكي تأريخ أعرق حضارة في العالم حين وضعتْ بصما تها على شواطىء هذا النهر المقدس:

يا دجلةَ الخيرِ

حَييّيتُ سفحَكِ عنْ بُعدٍ فحييّني----- يا دجلةَ الخير يا أِمّ البساتينِ

يا دجلةَ الخير يا نبعاً أفارقهُ-------- على الكراهةِ بينَ الحينِ والحينِ

إني وردتُ عيون الماءِ صافيةً----- نبعاً فنبعاً فما كانت  لتروينِ

يا دجلة َ الخير يا أطياف ساحرةٍ----- يا خمْرَ خابيةٍ في ظلِ عرجونِ

أدري من ألفٍ مضتْ هدراً------- للآنَ تهّزين من حكم السلاطينِ

وعاد زمن الطاعون العثماني ليغتالَ دجلتي بعنجهيّة تركيا الجارةِ والمسلمةِ ملوّحةً بمعادلتها الظالمةِ {برميل ماء = برميل نفط} وقد روّجَ  لهذهِ المعادلةِ الغير مسؤولةِ كلٌ من الولايات المتحدة الأمريكية وأسرائيل، وكان للمال السعودي والقطري أثراً كبيراً في تسريع أنشاء السدود التركية وقدما  القروض والهبات والتأييد لجميع مشاريع تركيا العدوانية فقط لألحاق الأذى بالعراق  وغمط  حقهِ الطبيعي بالمياه حسب نظرية (الحق الطبيعي) والتي تعتبر مبدءاً تشريعياً دولياً تعتمد عليها معظّم الأتفاقات الدوليةِ. والذي جلب أنتباهي أن أكتب عن هذا الموضوع ثانية هو وقوع نظري على بوستر كبير وملوّن ورائع {حماية دجلة واجبك وواجبي، بمناسبة اليوم العالمي للعمل من أجل الأنهار، حملة الدفاع عن الأنهار ضد السدود} في  القشله في بغداد الحبيبة ، شكلت وزارة حقوق  الأنسان وبمشاركة وزارة البيئة  لجنة متخصصة للنظر في تأثير سد اليسوعلى شروط السلامة الدولية وحقوق الأنسان وجعلت يوم 14 آذار يوم عالمي للمياه، وذلك لأنّ الحصول على المياه حق أساسي من حقوق الأنسان، وتعميم أفكار حقوق الأنسان خاصةً الحق في المياه، والحق في البيئة النظيفة، والحق في التراث الثقافي، والحق في الغذاء، والحق في العمل، والحق في التنمية .

وأن تركيا بدأت التخطيط لسد اليسو منذ عام  1930، وفي أواخر عام 2006 وضعت الحكومة التركية الحجر الأساس وعلى بعد 50 كم عند الحدود العراقية وتبلغ تكلفة المشروع مليار و200 مليون دولار، ويتمركز سد اليسو في منطقة (دراغيجبيتين) الواقعة على بعد 45 كم من الحدود السورية، بمقدور السد خزن كمية من المياه تقدر ب(40-11) مليار متر مكعب، وتبلغ مساحة بحيرة السد 300 كم مربع وتبلغ طاقة المحطات الهيدرو كهربائية الملحقة بالسد 1200 ميكا واط وبطاقة سنوية (3830) كيلو واط، وعند الأكتمال للسد سوف ينخفض المورد المائي عندنا الى (7-9) مليار متر مكعب سنويا .

 بتأسيس (أدارة الدراسات الكهربائيةِ) التى قدمت  دراسةٍ في أحتياجات تركيا للمياه  والكهرباء وكانت الدراسة ِ غير منصفةٍ وأعطتْ الحق لتركيا لأستغلال مياه الغير بشكلٍ مفرط أكثر من حاجتها والدراسة تخصُ سد *كيبان *الذي نُفّذ عام 1974 على الفرات ثمّ تلتهُ دراسات أوسع وأشمل بعد تأسيس مشروع جنوب شرق الأناضول (الكاب) وهو مشروع عدائي للعراق بالذات بُنيّ على أساس رفع المياه الى مناطق حوضي دجلة والفرات بالرغم من ارتفاعها ووعورتها وغير صالحةٍ للزراعةِ ورصدت لها مبالغ طائلة لبناء مقترباتها وملحقاتها من سدود وأنفاق ونصب المحطات الضخمة  لرفع المياه، وخلاصة القول إنّ تركيا تمتلك 91 سد على نهري دجلة والفرات، والغريب في حالة أكمال السد حتى الشعب التركي يتضرر: لأنهُ سيعرض أكثر من 200 موقع اثري وتراثي ومدن تركية يسكنها الأكراد ولها قيمة تراثية عظيمة سيعرّضُها للغرق والتدمير على سبيل المثال مدينة (حسن كيف) التراثية والتي يعود زمنُها الى أكثر من عشرة آلاف سنة-----

ويُعدْ سد "أليسو" أحد مشاريع جنوب شرق الأناضول المسمّاة --- ب(الكاب)،  وألحقت به (سد اتاتورك)على نهر الفرات الذي يعتبر خامس أكبر سد في العالم وأنتهى العمل بهِ عام 1990 ويروي  872 ألف هكتار ويولد 2400 ميكا واط من الطاقه، وأنّ مشروع سد (جزره) التركي هو الأسم الآخرلسد (اليسو) بل المرحلة التكميلية لهُ والذي تمّ أنشاء 22 سد و19 محطة توليد كهرباء لتوليد7500 ميكا واط  ويهدف المشروع لري 7-1 مليون هكتار كلفة المشروع 31 مليار دولار---- وستحتاج الى21 مليارم3 من مياه نهر الفرات و7-9 مليار م3 من مياه نهر دجله- وبعض التقارير تشير الى حوالي 15 مليار م3 من مياه دجله فقط- أي أستغلال ما يفوق حاجة تركيا المنطقية بكثير، والمواثيق الدوليّةِ التي اتفقتْ عليها دول العالم وبشهادةٍ اُمميةٍ حسب نظرية (الحق الطبيعي) التي تعتبر مبدءاً تشريعياً دولياً نصّت عليهِ معظم الأتفاقات الدولية ونصُها: " إنّ مجرى النهر ملك مشترك لايجوز لدولةٍ حصرها لنفسها ومنع الشعوب المقيمة عليها في الأستفادة منهُ)، ومبدأ حرية الملاحة حسب معاهدة لاهاي 1796، ومعاهدة باريس1804، ومعاهدة فينا 1815، ومعاهدة برشلونه1912، ومؤتمر القانون الدولي في مدريد 1911 : الدي نصّ على ( عدم أمكانية إحداث أي تغيير في مجرى نهر دولي عند عبورهِ دولةٍ اُخرى معيّنه)، وأتفاقية جنيف 1923 تضمّنتْ :(ضرورة التشاور لدى إقامة المنشئات التي تؤثّر على مجرى النهروإجراء التفاوض في حالة إحداث ضرر على دولةٍ اُخرى).

وإنّ تركيا لاتعترف بجميع المواثيق والأتفاقات الدولية والمؤرشفة في المحافل الدولية، ولا تعترف بحقوق العراق التاريخية والطبيعية في نهر دجلة ولا تحترم مبادىء حسن الجوار ولا تكترث للنتائج التي سيتعرض لها العراق بالرغم من إتفاقيات الصداقة وحسن الجوارسنة 1946 والبروتوكول رقم (1) الملحق بهذهِ الأتفاقية حول تنظيم مياه دجله والفرات، وإنْ إقتضى الأمرالى إقامة الدعاوى أمام محكمة العدل الدولية والأيعاز الى وزارة الخارجية لرفع  الأمرالى مجلس الأمن الدولي لأصدار القرارات المناسبة والمنصفة --- لأنّ المادة الثامنة من الدستورالعراقي تؤكد على العلاقات المتوازنة المبنية على المصالح المشتركة للعراق مع دول الجوار، وأستخدام الورقة *الأ قتصادية* لأجبار تركيا على إعادة النظر بملء سد أليسو، وبقيّت خطوةٍ اُخرى إستثمار التقارب التركي – العراقي لترطيب ألأجواء وتثبيت حقوق العراق المائية.

أضرار {سد أليسو} التركي

لا يوجد أي اعتراض لدى العراق عندما تطوّرْ دول الجوار نظامها ألأروائي ولكن يجب أنْ لا يكون على حساب مياههِ الأقليمية : وسنستعرض أضرار هذا السد على مستقبل ومصير العراق :

1- سيكون لتركيا السيطرة الفعلية وبنسبة كاملة على موارد العراق المائية .

2- في حالة تشغيل السد بطاقةٍ كاملةٍ ستتناقص حصة العراق الى 50 % .

3- التلوّث البيئي لأحتواء المياه الواردة نسبةً كبيرةً من ألأملاح والترسبات والمخلفات .

4- سيتعرض العراق الى خسارة 40 % من الأراضي الزراعية وتقدرها منظمة اليونسكو ب696 ألف هكتار.

5- طبقاً لتقاريرمنظمة اليونسكوبأنّ أهوار العراق ستكون في خطر حقيقي ونفوق أحيائهِ نتيجةً نقص المياه الواردةِ أليه.

6- الهجرة المعاكسة من الأرياف الى المدن وسيكون لهُ عواقب وخيمةعلى مستقبل التركيب السكاني والزراعة.

7- وأثبتَ خبراء القانون والمتخصصون :أنّ مشروع سد اليسو التركي يعد من أخطر المشاريع المائية التي تقيمها تركيا على نهر دجلة والذي سيكون على أكمالهِ في منتصف السنة القادمة 2014 وقوع كارثة مأساوية على الأقتصاد العراقي حيث سيمتص نصف مياه دجله.

وأننا أمام مرحلة تاريخية مفصلية لتغيير مسارات الحياة  العامّة ِ، وندعو النخب المثقفة والواعية ومنظمات المجتمع المدني والتيار الديمقراطي والأحزاب الوطنية واللبرالية التقدمية اليسارية  - التي تحرص على أنْ يبقى العراق حياً – أن ترفع صوت الأستنكار والشجب لممارسات تركيا الجارة الغير مسؤولة  والضغط على الحكومة المركزية لأتخاذ

الأجراءات اللازمة لمعالجة هذا التهديد المصيري، لأنّ وطننا يواجه حرباً جديدة يعرف ب(حرب المياه) والعراق اليوم يواجه منذ عشرين سنة أزمة تناقص مياه دجلة والفرات وجفاف الاراضي الزراعية بسبب بناء تركيا {سد اليسو}، والتخمينات البيئية تشير إلى نهر دجلة سيواجه موتاً سريريا وربما وفاته في حزيران المقبل من هذا العام والمتهم المدان بأغتيال دجلتنا دولياً هو أردوغان  .

 

عبد الجبار نوري/ السويد

 

refat alkinaniالسؤال الملح الذي يطرح نفسه  بعد اسقاط الطائرة الأسرائيلية من قبل الدفاعات السورية، هل ان المعادلات القديمة تنهار على الواقع؟  ام ان هيبة السلاح الجوي الأسرائيلي تعرضت لهزة كبيرة لم يكن يتوقعها القادة الاسرائيليون؟ بحيث ان اوساط أسرائيلية اتهمت بنيامين نتنياهو باستعمال الرد العسكري  لتصدير أزماته الداخلية! ام ان القادة في سوريا خططوا ورسموا سيناريو اسقاط  الطائرة بعناية فائقة واوقعوا اسرائيل وقادتها في مأزق كبير ستكون عواقبه كبيرة على واقع الصراع العربي الاسرائيلي؟

ماذا يعني  أسقاط  هذه الطائرة المطُورة والتي يتباهى الأسرائيليون بمواصفاتها واعتبروها قوة الردع الأسرائيلية  المطلقة بعد سلاحها النووي، اذن  سقوط  f 16 يؤشر ان هذا الحدث لم يكن عابرا او حدث بالصدفة،  بل انه لخلق واقع جديد ولفرض معادلات وتفاهمات جديدة على الارض السورية . بل ذهب آخرون الى ان روسيا منحت الضوء الاخضر للسوريون لاسقاط الطائرة ردا على اسقاط طائرة السوخوي 25 الروسية من قبل الارهابين فوق  أدلب والتي يعتقد ان الامريكان او الأسرائيليون  زودوهم بالسلاح الذي اسقطها . 

ان اقرار اسرائيل رسميا بسقوط الطائرة من قبل الدفاعات السورية التي عادت توا بعد ان قصفت مواقع سورية وايرانية حسب ادعاء الناطق الأسرائيلي يدخل الازمة السورية في منعطف جديد بعد ان أكد الجانب الأسرائيلي بان الغارة كانت ردا على اطلاق طائرة دون طيار ايرانية في مجالها الجوي من منطقة تدمر في سوريا ... هذه هي المرة الاولى التي تعلن فيها اسرائيل ضرب اهداف ايرانية في سوريا وانها المرة الاولى التي تسقط طائرة اسرائيلية من قبل السوريين منذ فترة طويلة تقدر 30 عام .

الحدث ليس سهلا او عابرا بل انه شكل نقله نوعية في قواعد اللعبة وقلب بعض المعادلات التي كانت تسود في المنطقة وبالاخص على الواقع السوري بعد هذه الحرب المدمرة التي احدثها العدوان الارهابي بكل مسمياته وما انفقته بعض الدول العربية والاقليمية لاطالة امد هذه الحرب المجنونة التي اكتوى بنارها السوريون بمختلف انتمائاتهم . ان هذا التغيير المفاجئ اربك الاسرائيليين ودفعهم لاستجداء المواقف من الروس بوقف التصعيد والعمل على التهدئة لانها تدرك جيدا ان من يمتلك القرارات الاستراتيجية في سوريا هو الرئيس بوتين !

 

رفعت نافع الكناني

 

 

إذا ما اعتبرنا أن ما ينشر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من قبل طيف متنوع من الناس من حيث مستوى ثقافتهم  ودرجة تحصيلهم الدراسي (لا  أقول  العلمي بسبب الانفصام الذي أصاب العلاقة بين المستوى العلمي والشهادة الدراسية) هو، إلى درجة ما،  انعكاس صحيح لما يسود من رؤى وأفكار متداولة في الشارع العراقي فإننا نستطيع أن نرصد ثلاثة اتجاهات أساسية في التفكير والتمني كلها تتطلع إلى الوراء: الأول يحاول، معتمدا على واقع عراقي فات، الترويج للحقبة الملكية إلى درجة يعتبرها عصرا ذهبيا ويظهر ذلك بشكل خاص من غزوة الصور التي تعود لذلك العهد لمواقع التواصل  الاجتماعي. الثاني يروج لما يسميه الدولة المدنية، أما الثالث فيروج لما يسميه العلمانية. ولا شك أن الاتجاهين الأخيرين هي من بناة الفكر الغربي وقد تجازوهما الغرب نفسه منذ زمن بعيد واصبحت سمة العصر هي الفتوحات التكنولوجية.

ويمكن القول أن جميع هذه الاتجاهات في التفكير والتمني ناجمة عن حالة الاغتراب التي يعيشها  جزء كبير من الشعب العراقي عن واقعه السياسي أو بدرجة أدق عن المنظومة السياسية بسبب ما يراه من صراعات وعدم استقرار لم يألفها في حياته  في العقود التي سبقت 2003 حيث كان قد تعود على أن يرى الحزب- الدولة تقرر كل شئ نيابة عنه وما عليه سوى التنفيذ (إذا نطق القائد نطق العراق) ولا فرق هنا بين من كان جزءا من الحزب أم لم يكن ففي نهاية الأمر هناك (نخبة) حزبية تملك رأسا واحدا  يفكر نيابة عنها يقرر باسمها وباسم العراق كل شئ. ويفصل هذه النخبة عن بقية الحزبيين والشعب عامة مسافة كبيرة لا يجرؤ أحد على أن يحاول بل ان يفكر باختصارها.

وبالمثل، ليس من باب المقارنة بين الإثنين بل من باب توصيف الواقع، أن مسافة شاسعة ايضا كانت موجودة بين (النخبة) الحاكمة في العهد الملكي وبقية الشعب الذي كان يسوده الفقر والأمية. أي لم يكن للشعب قول أو رأي ويتكون المنتظم السياسي الحاكم من تحالف يضم القصر وكبار ضباط الجيش وبعض الإقطاعيين وكبار التجار وهي تركيبة للتاج البريطاني فيها اليد الطولى. وهنا أيضا (كما يدلل على ذلك التاريخ السياسي المضطرب لتلك الفترة )  كان هناك حالة من الاغتراب تعيشها القوى والشخصيات الوطنية (بمعنى الرافضة للهيمنة البريطانية وليس بالضرورة الرافضة للعائلة الملكية) عن الوقع السياسي المهيمن. أما بالنسبة لبقية القطاعات الواسعة من الشعب فقد كانت فقيرة ووعيها السياسي متدن ولم تكن تنظر إلى العائلة المالكة بل لبريطانيا كعدو لها من منطلق انتماء العائلة للبيت النبوي (البيت الهاشمي) وأنها تمثل بطريقة ما  امتدادا للخلافة الإسلامية في وقت لم تكن فيه الأفكار القومية ولا اليسارية قد وجدت لها مكانا مؤثرا في نفوس الجماهير واقتصر تاثيرها على النخب المثقفة.

 إن تمنيا كهذا، أي أن يكون النظام السياسي في العراق مشابها لما كان عليه في ذلك العهد، لا يزيد أن يكون ضربا من حلم بورجوازي صغير منقطع عن التطور التاريخي وعن الواقع وهو بذلك لا يختلف عن حلم الإسلامي بحكم يشبه حكم فترة الخلفاء الراشدين. وقد عبرعن هذه الحالة أحد السياسيين التونسيين الذين توفاهم الله بالقول: "كما أن هناك سلفية إسلامية هناك سلفية علمانية"  وأستطيع أن اضيف من جانبي أن هناك "سلفية يسارية" ايضا.  وفي الحالة التي نحن بصددها فإننا نتحدث عن سلفية ليبرالية إذا ما وفقت في وصف العهد الملكي بأنه عهد الليبرالية.

وليس غائبا عن ذهني أن من يذكرون الناس بذلك العهد إنما يفعلون ذلك نبذا أو امتعاضا من واقع الفساد المالي الذي استشرى في صفوف الطبقة السياسية التي اعتلت سدة الحكم بعد 2003 ومن أجل ذلك لا ينفكون يتحدثون عن نزاهة العائلة المالكة مقارنة ب "لصوص" اليوم. ولكن ما يغيب عن ذهنهم إن  النزاهة ( بعبارة عامة أن تمتنع عن أخذ ما ليس لك به حق مشروع) لم تكن حكرا على العائلة المالكة بل كانت الغالبية الساحقة من عامة الشعب العراقي تتصف بهذه الخصلة والدليل على ذلك أن هذه "النزاهة"  قد تواصلت مع  حكم عبد الكريم قاسم الذي مثل نقيضا سياسيا واجتماعيا كاملا للحقبة الملكية لذلك فإن محبي عبد الكريم قاسم سواء كانوا مؤرخي حقبته أم من عايشه يؤكدون على نظافة يده وأنه لم يترك مالا أو ملكا عندما أغتيل. وإذا كانت النخبة الحاكمة في العهد الملكي قد تركت اثرا من مال أو ملك فإن النخبة التي حكمت في عهد قاسم لم تترك أثرا لشئ وكثير منهم كانوا من ضباط الجيش العراقي كما الحال مع العهد الملكي.

وحتى عندما نتحدث عن فترة حكم عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن، وهي فترة اتسمت بضعف الدولة وتحلل مؤسساتها، ليس لدينا ما يدلل على امتلاكهما هم والنخبة الحاكمة معهم على ثروة أو مال يتمتع بها وارثوهم. وهذا بحد ذاته لا يمنع من القول أن فترة حكم الأخوين عارف كانت أيضا حالكة فقد كانا رجلين عسكريين لم يمتلكا الحد الأدنى من المعرفة السياسية أو الاقتصادية التي تؤهلهما للحكم وكان الوضع الاجتماعي والاقتصادي في حالة من الركود والتردي عدا محاولة الاستنهاض الوحيدة التي ظهرت مع تسنم الدكتور عبد الرحمن البزاز رئاسة الوزراء والذي كان على وشك الشروع بحل المشكلة الكردية على اساس ديموقراطي والسماح للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها العلني قبل أن تجهض محاولته في ظروف أجهلها رغم أن الشك بمكائد بريطانيا لا يضع المشكك في موضع غير سليم.

وبناء على ذلك يمكن القول إنه بقدر ما يتعلق الأمر بطريقة التصرف بالثروة كان هناك حالة من "العفة" تنطبق على المجتمع وعلى النخبة الحاكمة. ولا يعني ذلك أن النخب في العهود التي ذكرت كانت تتصرف بالثروة بطريقة عقلانية ولم تهدرها  فلو حدث ذلك لكان العراق قد دخل عصر التحديث منذ زمن بعيد.

وإذا اعتبرنا أن عقلانية التصرف بالثروة بما يتناسب وحاجات التطور المتعدد الجوانب هي معيار ليس النزاهة وحسب بل والكفاءة فإننا وكذلك الذين عاشوا في تلك المرحلة لم يكن لديهم علم أو تصور عن حجم الثروة العراقية وكيفية تصرف العائلة المالكة والنخب الساسية بها إذ لم تكن الميزانية السنوية شأنا عاما تتداولها وسائل الإعلام والصحف كما هو الحال الآن: كم  نصدر نفطا وبكم نبيع وكم نحصل مقابل البيع وهي أرقام درجت وزارة النفط على نشرها شهريا منذ 2005 وتوردها محطات التلفزيون العراقية. ولا يوجد شئ مشابه في جميع بلدان النفط الخليجية منها وغير الخليجية.

قال لي أحد المحاججين دفاعا عن ذلك العهد أنه لو استمرت صيغة الحكم كما كانت في العهد الملكي لكنا بلدا متطورا. ومن جانبي أقول أن الفرضيات عمياء إذ نستطيع وضع  التاريخ كله تحت عبئ  سلسلة ثقيلة من الفرضيات دون أن نحصل على اعتراف منه بصحة ما نقول إذ يستطيع مروجو الفترة القاسمية أن يفترضوا أنه لولا انقلاب 8 تشرين 1963 لكنا بحال أفضل ويستطيعوا أن يستندوا إلى أرقام عن تطور الوضع الاقتصادي مقارنة بما كان عليه الحال  في العهد الملكي بل ويمكن لبعض "العقلانيين" الذين يتحدثون بإيجابية عن جزء من فترة حكم البعث أن يتحثدواعن النمو الاقتصادي المضطرد قبل دخول العراق في مرحلة من  الحروب الخارجية والداخلية إذ اعتبرت بعض المصادر الغربية أن ان العراق (قبل 1980 تاريخ بدء الحرب مع إيران) كان من أسرع البلدان نموا في العالم. وهكذا يمكن أن تتواصل الفرضيات دون نهاية فهناك من يعتبر أن بقاء الاحتلال الأمريكي كان أفضل لنا.

ويورد المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي في هامش إحدى صفحات كتابه "وجهة الإسلام" نقلا عن مجلة التجارة الدولية وإسهما Boom

 في عددها الصادر في تشرين الثاني1949 (فترة العهد الملكي) ما يلي:

دولة إسرائيل (لاحظ لم يمض على تأسيسها سوى سنة)

عرض (في السوق الدولية): إسمنت- رخام- أمينات – حقائب

طلب:  حديد للصناعات والبناء – منتجات كيميائية وعلاجية – فلين

الدول العربية (العراق، الأردن، الكويت...إلخ)

عرض: لا شئ

طلب: مجوهرات – ملابس – مساحيق – عطور – حلوى – فواكه محفوظة – حرير طبيعي – اقطان – حرير صناعي ...إلخ.

وكما يلاحظ المرء من الجدول الخاص بالدول العربية أن العراق في تلك الفترة لم يكن يصدر أي سلعة صناعية كما وأن وارداته هي جميعها تقريبا من الكماليات التي تهم الطبقة المترفة.

وفي نهاية القول أود أن أذكر أن فرع العائلة الهاشمية (أبناء عمومة الفرع العراقي) يحكمون الأردن منذ الأربعينات (إذا اعتبرنا تاريخ تأسيس المملكة واستقلالها الشكلي عن بريطانيا وقبل ذلك بكثير إذا تحدثنا عن تاسيس إمارة شرق الأردن) فهل اصبح الأردن تحت حكمهم من الدول التي يمكن مقارنتها بماليزيا أو سنغافورة أو تركيا من حيث التطور الاقتصادي والاجتماعي؟ لا يزال المجتمع الإردني إلى درجة كبيرة قبليا وينتشر فيه السلاح في كل مكان وذات مرة وأنا هناك اشتعلت سماء الأردن باطلاقات الرصاص بسبب فوز فريق القدم الأردني على السوري... إن من يقول "ولكن الأردن لا يمتلك الثروة التي يمتلكها العراق" اقول له أن الثروات السهلة كالنفط هي أكبرمجلبة للفساد ومن يصنع الثروة بعمله لا يفرط بها ونظرة إلى سنغافورة الصغيرة والفقيرة والتي اصبحت عالية التطور في ظرف زمني وجيز يكفي للدلالة إذ كما قال رئيس وزراءها أن تطورها كان نتيجة للاستثمار في العقول.

وبالنسبة لمروجي فكرة ما يسمى ب الدولة المدنية فهم يروجونها ليضعوها في مواجهة ما يعتبروه نقيضا للدولة الدينية معتبرين أن وجود رجال دين أو أحزاب دينية في الحياة السياسية يجعل من العراق دولة دينية وهذا غير صحيح لأن الدولة المدنية تعني شيئا واحدا هو أن العلاقة بين الدولة والمجتمع وكذلك العلاقة بين أفراد المجتمع ينظمه دستور وقوانين وضعية أي من وضع البشر وليس مستقى من عقيدة دينية أو مذهبية أو غيرها. والدستور العراقي هو دستور مدني في روحه ومعظم نصوصه ولا يوجد فيه ما ينص على أن القوانين المرعية هي ما  تنص عليه الشريعة الإسلامية حصرا كما هو معمول فيه بالنظم الدينية. نعم ورد في المادة الأولى، أولا: آ. ما نصه:

 أ ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.

 ولكن فيما يليها مباشرة أي ب نقرأ ما نصه:

ب. لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.

 ولا أعتقد أن واضعي الدستور- والعديد منهم ينتمون لأحزاب دينية - قصدوا وضع (ب) كناسخة ل (أ) بل الأرجح أنهم قصدوا أن قيم الديمقراطية لا تتناقض وقيم الإسلام وأنه بالإمكان التوليف بينهما.

وفي موضوعة القيم الإسلامية فإننا جميعا نعيش وفق هذه القيم لأنها تمثل مكونا أساسيا من الثقافة والشخصية العربية الإسلامية كما أن قيم البوذية والهندوسية والكونفوشيوسية تمثل جزءا من قيم دول كالصين واليابان والهند وغيرها من دول الشرق ولم تقف هذه القيم المحلية حائلا أمام تطورها وتحديثها ودخولها عصر التكنولوجيا. وليس وجود حزب أوأحزاب تصف نفسها بأنها دينية يعني أن أهدافها تتمثل حصرا في تطبيق الشريعة الإسلامية فقد حكمت بعض دول أوربا ولعقود أحزابا كانت تسمي نفسها مسيحية كالأحزاب الديمقراطية المسيحية في فرنسا وبلجيكا واستراليا وألمانيا حاليا حيث أن حزب أنجيلا ميركل هو "الاتحاد المسيحي الديموقراطي" وكذلك الحال بالنسبة لكثير من بلدان أوربا وأمريكا اللاتينية. وكما هو واضح من إسم الحزب فأن هناك دمجا أو لنقل توليفا بين ما هو ديني (مسيحي) وما هو دنيوى  (ديموقراطي) وهذا يعني أن ليس هناك تناقضا بين الدين والديموقراطية أو أنه يمكن الحديث عن مسيحية بنسخة ديموقراطية او ديموقراطية بنسخة مسيحية. وإذا كانت مفاهيم المدنية والعلمانية الغربية تصلح من وجهة نظر البعض للتطبيق على واقعنا فلماذا لا يصلح التوليف الغربي بين الدين (اي المسيحية) والديموقراطية على الواقع نفسه؟

وأجد من السخرية القول أن الأحزاب الدينية في العراق، من أجل أن تثبت أنها تؤمن بقيم الديموقراطية، عليها أن تضيف كلمة "ديموقراطية" إلى إسمها فيصبح، على سبيل المثال، إسم "الحزب الإسلامي" الذي يتزعمه سليم الجبوري "الحزب الإسلامي الديموقراطي" ويصبح "حزب الدعوة الإسلامية" "حزب الدعوة الإسلامية الديموقراطي" و"المجلس الأعلى الإسلامي الديموقراطي".

ولا أجد ما يضيرأو يخيف أن تحاول بعض الأحزاب الإسلامية أن تطور نظريات أو رؤى في عالم السياسة والاقتصاد تعتبرها مبنية على رؤية إسلامية فهذا حق لها كما هو حق لليساري وللقومي ولغيرهم من اصحاب الإيديولوجيات أو النظريات طالما كان المحك هو قبول الجماهير بها أو رفضها في نظام سياسي يقوم على الاختيار الحر للناخب بل استطيع القول أن الإسلامي يتقدم على اليساري عندما يحاول أن يطور نظرية إسلامية في حقل من حقول الحياة بينما نجد اليساري وتلاوينه الجديدة على سبيل المثال يعمد إلى استيراد مفاهيم غربية جاهزة يحاول فرضها على الواقع المحلي. ألم يكن الشيوعيون العراقيون يتبنون إطروحات نظرية طورها مفكرو الأحزاب اليسارية الأوربية دون أن يكون لها سند في الواقع العراقي؟ وفي حقيقة الأمر أن جميع الأحزاب السياسية إسلامية كانت أم غير إسلامية تعيش أزمة ومخاضا فكريا يتعلق بالسبل الواجب اتباعها لجعل بلدانها قادرة على، لا أقول اللحاق بركب الحضارة بل،  ردم الهوة المتسعة بين ما هي عليه بلدانها من تطور دان وبين ما وصلت إليه أمم أخرى في ركب الحضارة  كالتجربة الصينية المثيرة للإعجاب في قدرتها على اختصار زمن التطور ودخولها عصر التكنولوجيا وكذلك الهند المتسارعة النمو والتي هي أيضا دخلت عصر التكنولوجيا.

أما إذا كان دعاة مفهوم المدنية يريدون القول أن الفساد سببه عدم وجود دولة مدنية فيكفي أن نشير إليهم بوضع إحصائية بالفاسدين وسوف يجدون أن من كبار المتهمين بالفسادهم من المدنيين وليس من المتدينين. وماذا بشأن الفساد الهائل الذي ظهر في التصرف بثروات كردستان والأموال التي أخذتها حكومة الإقليم من المركز ألم يكن الذين يتصرفون بها هم من المدنيين والعلمانيين وفق التوصيفات السائدة لدى من يروجون لها؟ وإذا ذهبنا خارج العراق فإن الثورات العربية قد اندلعت ضد أنظمة كانت جميعها مدنية وعلمانية فهي لم تكن أنظمة غير دينية وحسب بل كانت تحارب التيارات الدينية دون هوادة وتبين أن ثروات وطنية كبيرة كانت مودعة باسم زعمائها في البنوك الأوربية.

وبالانتقال أخيرا إلى فكرة العلمانية ومروجيها لنسأل أولا: ماذا تعني العلمانية؟ رغم أن هذا السؤال أجيب عليه منذ زمن بعيد ولكن لا باس من أن ندع مفكرين عرب كبار يجيبون على هذا السؤال. يقول محمد عابد الجابري ويؤيده بذلك حسن حنفي أن العلمانية كمفهوم أوربي تعني (فصل الكنيسة عن الدولة) بينما يثلب المفكر جورج طرابيشي عليهم (في كتابه هرطقات في ...) هذا التعريف ويقول أن الصحيح هو القول أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة. لست في مستوى هؤلاء المفكرين بشئ ولكني لا أجد فرقا بين الإثنين طالما كنا نتحدث عن مفهوم أوربي حصرا مبني على تجربة أوربية بحتة فالدين في أوربا عشية تطوير هذا المفهوم هو المسيحية كمؤسسة ممثلة بالكنيسة في مواجهة الدولة فقد كانت الكنيسة لا تهيمن على عقول الناس وحسب بل وتفرض نفسها على النظام السياسي القائم. بكلمة أخرى فإن الدين في أوربا = المسحية=الكنيسة. وإذا كان هناك من يقول أن المسيحية لم تكن حكرا على الكنيسة بل هي دين لعامة الناس فإنها في هذه الحالة تصبح شأنا عاما لا حاجة فيه للفصل والفصل في حقيقة الأمر يتعلق بسلطة الكنيسة في مواجهة سلطة الدولة.

والدين في العراق وفي العالم العربي والإسلامي بشكل عام،عدا ربما الأزهر في مصر، هو شأن عام  لا يخص طبقة معينة من رجال الدين تفرض نفسها على الواقع الاجتماعي خارج الأطر التي تضعها الدولة وبذلك كما يقول الجابري وحنفي (حوار المشرق والمغرب): بما أنه ليس في الإسلام كنيسة (أي مؤسسة دينية مستقلة ونافذة) فلا حاجة لنا بهذا المفهوم. وهذا يعني في نظري أن الفصل في عالمنا العربي هو في حقيقة الأمر قائم إذ طالما خضع رجال الدين، ومنذ قيام الدولة الأموية، للسلطة السياسية أي لما يطلبه منهم الخلفاء والسلاطين ولم يكونوا سلطة مستقلة خارج سلطة الدولة. وبالطبع تعتبر الخلافة الراشدية استثناء إذ كانت السلطة الدينية والسياسية مندمجة ببعضها البعض فالخليفة هو القائد السياسي وهو الأب الروحي للأمة.

وقد يفسر البعض أن ما قلته يستبطن دفاعا عن سلطة فاسدة وهذا خطأ في الفهم فأنا أفصل بين النظام السياسي القائم ووجود فساد فيه، فالفساد صفة بشرية وليست صفة للنظام لأنه نظام برلماني قائم على الفصل بين السلطات كما لدى الغرب الذي يتخذه مروجو الأفكار التي ذكرتها نبراسا لهم. فهو، أي النظام، أداة حضارية بأيدي أناس لم يبلغوا سن الرشد الحضاري لأنهم ينتمون لمجتمع لا تزال تسود فيه العلاقات الأبوية العشائرية  ولا يزال أمامه شوط بعيد ليدخل عصر العلوم والتصنيع. هل يعني ذلك أن نرمي النظام البرلماني في سلة المهملات ونبحث في ماضينا المأساوي عن نظام أكثر ملائمة لتخلفنا؟

ما أريد قوله هو أن لدينا شكلا متطورا للنظام السياسي (مشابه لما لدى الغرب) بمحتوى متخلف (الفاعلون في هذا النظام) فهل الحل هو بالتخلي عن الشكل المتطور والبحث عن شكل آخر يتناسب وتخلف المحتوى؟

بالتأكيد "لا" والحل يكمن في العمل على إكساب هذا الشكل محتوى أكثر تقدما وهذه عملية تدريجية متصاعدة تتطلب زمنا غير قليل تتطور خلالها بشكل مضطرد تجربة الجماهير السياسية ووعيها والذي سوف ينعكس بدوره على تحسن قدرتها على اختيار من هو افضل. وبالطبع فإن هذا القول غير مرض بالنسبة للجماهير التي تتطلع إلى حل سريع يخلصها من ظاهرة الفساد وضعف الكفاءة لدى الكثير من النواب. هنا يتعين علينا التذكير أن القادة السياسيين في جميع النظم الانتخابية هم من اختيار الناس ولكن هذا الاختيار محدود أو محصور بمن يتم اصطفاءه من قبل الأحزاب المهيمنة وهذا لا مناص منه. وبالنسبة للدول المتقدمة فإن قيام حزب ما باختيار مرشحين غير كفوءين أو غير نزيهين أمر بعيد وعندما يحصل على قلته فإن الرقابة الجماهيرية (ناخبي منطقته) والرقابة الإعلامية زائدا قوة القضاء سريعة في حسم الأمر وإسقاط المرشح. وقد حدث أن أسقط مرشحون لمناصب عليا بعد أن قام الإعلام بفضح عيوب في تاريخهم. ماذا لدينا نحن من ذلك؟ الرقابة الجماهيرية غير منظمة والرقابة الإعلامية يعتريها الخلل وفي كثير من الأحيان الانحراف (اللجوء إلى التشهير) بسبب ارتباط الكثير منها بجهات حزبية أو أجنبية والنظام القضائي لا يزال لا يعمل بكفاءة كاملة. في الغرب يوجد شئ إسمه "صحافة الاستقصاء" اي البحث ومتابعة تاريخ وسلوك السياسيين وفضح عيوبهم وهذا أمر بعيد المنال لدينا لأنه سوف يتسبب بإراقة الدماء إذ لا الصحافي ولا المؤسسة الصحفية تمتلك الأهلية والمهنية اللازمة للقيام بأمر كهذا ولا السياسي الذي يوضع موضع الاتهام سوف يذعن للأمر فيعتذر ويستقيل من منصبه بل الأرجح إننا سوف ندخل في قاموس  "التشهير" و"التسقيط" و"رد الاعتبار" و"التهديد" و"اللجوء إلى العشيرة" وغيرها من "الحلول" الملائمة لحالنا.

 لذلك وبكلمة بسيطة لا يملك العراقيون حلولا جاهزة أو سهلة والذي يملكونه فقط هو الاعتماد على الآليات المتوفرة والتي هي أجهزة الرقابة والمحاسبة مثل هيئة النزاهة (لا اثق بلجنة النزاهه البرلمانية) والمفتشين العموميين والقضاء والعمل على تقويتها وتحصينها من التدخل في شؤونها والتأثير الحزبي عليها.

 هذا فيما يتعلق بالفساد وسوء التصرف بالأموال العامة  أما فيما يتعلق بكفاءة ونزاهة من يرشح من قبل الأحزاب لعضوية مجلس النواب فأرى وجوب ابتداع آليات جديدة وأقترح، على سبيل المثال،  تشكيل "لجنة الرقابة على المرشحين" يتم اختيار أعضاءها  من أوساط النخبة الثقافية والفكرية والمهنية ( من صفوف الأطباء والمحاميين والاقتصاديين المعروفين) تمنح صلاحيات التدقيق في تاريخ وسجل من تشاء من مرشحي الأحزاب واستنطاقه إن ارتأت ذلك لمعرفة إمكاناته الثقافية والفكرية وسلامته العقلية وتملك صلاحية إقصاء من لا تقتنع به من المترشحين. والأمر المهم في ذلك هو أن لا يكون للأحزاب أو لمجلس النواب دور في اختيار أعضاء لجنة الرقابة المذكورة بل يقوم المثقفون واصحاب الفكر والكفاءات المهنية كل حسب تصنيفه باختيار من يرشحوه لهذه اللجنة وفق آلية يبتدعونها هم تحت إشراف قضائي حصرا لإكساب عملهم شرعية قانونية تحميهم من التشكيك من اي طرف.

وهنا تبقى مسألة مصيرية واحدة عالقة وهي: من الذي يقرر تشكيل مثل هذه اللجنة، هل مجلس النواب أم مجلس الوزراء أم رئيس الجمهورية أم..؟ أم هل سوف ندخل في جدل حول دستورية مثل هذا الإجراء؟ وجوابي هو إن ما يتطلبه الأمر هو شجاعة وجرأة تأتي إما من طرف تنفيذي سام أو قضائي سام  وإلا من طرف النخب الثقافية والفكرية والمهنية نفسها وبطريقة تلف الجماهير حولها وتجعل من المشروع امرا واقعا على "رؤوس" الجميع.

 

 ثامر حميد

 

 

saieb khalil2إن كنت من المعتقدين بأن نظام حساب المقاعد "سانت ليغو" المستخدم في العراق، هو جزء مؤثر من المشكلة الديمقراطية لأنه يأخذ المقاعد من الصغار ويعطيها للكتل الكبيرة، فأنت سعيد الحظ. ما رأيك بحزورة حسابية – سياسية بسيطة لا تخرج منها إلا رابحاً جائزة ما؟

إن استطعت ان تبرهن رأيك بالأرقام، فيمكنك ان تربح ألف دولار! وإن لم تستطع فلك "جائزة ترضية" هي اكتشافك أنك كنت مخدوعاً لفترة طويلة من الزمن، واكتشافك أن الكثير ممن اعتمدت عليهم في تقديرك ذاك هم أما المخادعون المدفوعي الثمن من جهة لغرس تلك الكذبة، وهم القلة التي اطلقت تلك الفقاعة، أو من الذين ساروا بلا تمحيص وراء الإعلام ولم يبذلوا الجهد اللازم للمراجعة، ويقومون بنشر الخطأ دون إدراك، وهم الغالبية الساحقة! فهكذا يشتغل الإعلام وينشر فيروساته بين الناس بجعل أكبر عدد ممكن منه حاملا له.

فكرة هذه المسابقة جاءتني بعد شعور باليأس من اقناع قرائي بحقيقة هذه الفقاعة الإعلامية وبأن نظام "سانت ليغو" ليس بالسوء الذي يصور وأن الفرق بين اصنافه 1.6 و1.7 أو حتى 1.9 ليس بالحجم المهول الذي صور لهم. ورغم ان الموضوع يمكن اثباته بالأرقام التي لا تدحض، بدا لي وكأن من أحاول إقناعه يتشبث بالخطأ تشبثه بشيء عزيز، شيء يبرر به اليأس الذي يغرق فيه، ويصوره بأنه مؤسس قانونيا لا يمكن زحزته، وهو غير مستعد للتنازل عن الشيء لأن ذلك يضعه امام مسؤوليته. لذلك فكرت ان اضع حداً للنقاش وأعلن جائزة لمن يثبت أن سانت ليغو بالفعل "جزء من المشكلة" ويستطيع أن يبين أنه سلاح الكتل الكبيرة للهيمنة على المقاعد وأنه جزء من السبب في اليأس من الانتخابات لأنها "ستأتي بنفس الوجوه"... الخ.

لندخل في الموضوع مباشرة. لقد لخصت ادعاءاتي حول سانت ليغو 1.7 المستعمل في العراق (وكذلك 1.9 الذي اعتبره البعض كارثة إلى درجة أنهم سيروا التظاهرات ضده)، بثلاثة ادعاءات، وأنا اتعهد بان أدفع ألف دولار لمن يثبت خطأها، موزعة بالشكل التالي:

1- سانت ليغو 1.7 (أو 1.9 أو غيره) لا يسحب مقعدا كاملا من أية كتلة مهما كانت صغيرة! والمقعد الكامل هو المقعد الذي حصلت الكتلة عليه بالحصول على حصة مقعد من الأصوات، أي العدد الناتج عن قسمة عدد الأصوات على عدد المقاعد. (333 دولار)

2- الكتل التي تحصل أما على مقعدين أو أكثر (سواء كانت كاملة أو ناقصة) من سانت ليغو 1، لا يمكن ان تخسر أي من مقاعدها باستعمال سانت ليغو 1.7 (أو 1.9 أو غيره). (333 دولار)

3- ليست الكتل الكبيرة وحدها من تستفيد من سانت ليغو 1.7، بل كل الكتل التي تحصل على مقعد كامل أو أكثر من مقعد (أي كل الكتل التي تتجاوز عتبة المقعد الناقص) بحساب سانت ليغو 1، تستفيد من سانت ليغو 1.7 لأنها لن تخسر، وإنما يحتمل ان تكسب مقاعداً. (334 دولار، لإكمال العدد).

ما هو تأثير ارتفاع الرقم في سانت ليغو إذن؟ إنه نوع من "العتبة" التي يجب ان تجتازها الكتلة المتقدمة للمنافسة قبل ان تمنح مقعدها الأول وبالتالي حق دخول البرلمان، وتلك العتبة هي أن تحصل على (ما يقارب) قيمة المقعد الكامل من الأصوات (في سانت ليغو 1.7 تبلغ القيمة حوالي 85% من أصوات مقعد كامل، ليضمن حصولها على مقعد). والهدف من هذا الإجراء هو تقليل التشظي الكبير الذي تعاني منه معظم البرلمانات، ومنها مجلس النواب العراقي بالتأكيد، ويدرك المواطنون تلك الحقيقة ويشكون من كثرة الأحزاب فيه. لكنه من ناحية أخرى يزيد بعض الشيء من صعوبة دخول أحزاب وليدة لا تستطيع أن تحصل على أكثر من أصوات نصف مقعد مثلا، وهو ما يكفي لضمان صعودها في أنظمة أخرى مثل سانت ليغو 1. ورغم ذلك هذا لا يعني ان كل من لا يحصل على 85% من أصوات المقعد يفقد مقعده في سانت ليغو 1.7، إنما هو احتمال يزداد مع انخفاض عدد الأصوات، وهو أمر طبيعي. (إن لم تحب ان تدخل في التفاصيل التقنية للجداول، يرجى القفز إلى ما بعد الفاصل النجمي في الأسفل).

دعونا ننظر إلى امثلة لنتائج التوزيع حسب سانت ليغو 1 و 1,6 و 1,7، و أخيرا 1,9، في الجداول التوضيحية المرفقة، ونبدأ بتعلم حساب توزيع المقاعد وفق سانت ليغو. في الجداول افترضت للسهولة وجود عشرين كتلة متنافسة على 30 مقعداً وكان مجموع الأصوات 300 ألف صوت.

لحساب المقاعد، نكتب أولا عموداً بأسماء الكتل المشاركة (العمود الرمادي في اليسار) ونكتب على يمين كل كتلة عدد الأصوات التي حصلت عليها، فيكون لدينا عمود عدد الأصوات (الأصفر) إلى يسار الأول. على رأس العمود التالي على اليسار نكتب "ليغو" (بالأحمر في الجدول، وسنغير رقمه حسب الحاجة)، ثم سطرا الأرقام الفردية إبتداءاً من 3 ثم 5، 7 الخ، وبعدد يكفي لتغطية المقاعد المتوقعة للكتلة الأكبر.

الآن نبدأ الحساب وإملاء الجدول، فنملأ كل خلية في كل عمود من أعمدة الأرقام الفردية، بناتج قسمة عدد أصوات الكتلة، على الرقم في أعلى ذلك العمود، وبضمن ذلك عمود "ليغو"، ولأننا سنملأ جدول "ليغو 1" في البداية، نكتب الأرقام في عمود ليغو 1 نفس اعداد الأصوات التي حصلت عليها الكتل، لأننا نقسمها على ،1، وتحت عمود الرقم 3 نقسم أصوات كل كتلة على 3، وتحت عمود الرقم 5 نقسم الأصوات على 5 وهكذا نملأ الجدول الذي نحتاجه.

الخطوة التالية هي أن نبحث في الجدول عن أعلى الأرقام التي حصلنا عليها، لتغطي عدد المقاعد. وفي المثال هذا سنبحث عن اعلى 30 رقماً. وإن رتبنا الكتل حسب حجمها، فسنجد تلك الأرقام الأكبر في الزاوية العليا اليسرى من الجدول. لقد جعلت الأرقام الثلاثين الأكبر في الشكل، اسمك وأكبر من الأخرى للتوضيح.

والآن يمكننا ان نحسب عدد المقاعد التي حصلت عليها كل كتلة بحساب عدد ما يقع من الأرقام الكبيرة (السميكة الخط) في نفس الصف الخاص بكل كتلة. فنرى مثلا أن في صفة "الكتلة 1" هناك 7 أرقام كبيرة، فنعرف ان الكتلة حصلت على 7 مقاعد، والكتلتين 4 و 5 حصلت كل منهما على مقعدين وهكذا.

نضع عدد المقاعد هذا في عمود "عدد المقاعد" البرتقالي في اليسار. العمود الأخير على اليسار، إضافي (غير ضروري) حسبت فيه ما كلفه المقعد الواحد من الأصوات لكل كتلة.

ولا جل توضيح تأثير رفع الرقم من ليغو 1 إلى ليغو 1,6، ثم إلى ليغو 1,7 وأخيرا ليغو 1,9، دعونا نقسم الكتل الى "كبيرة" ولنقل انها تمثل الكتلتان اللتان حصلت كل منهما على أكثر من 50 ألف صوت. وثلاث كتل "متوسطة" حصلت على ما بين 50 إلى 15 ألف صوت، وصغيرة بين 15 و8 ألاف، وصغيرة جداً، لما دون الـ 8 ألاف صوت.

1562 saieb

لننظر الآن ما يحدث حين ننتقل الى استعمال ليغو 1.6 بدلا من ليغو 1. لملأ العمود "ليغو" الآن نحتاج أن نقسم عدد الأصوات على 1.6 بدلا من 1، أما بقية الأرقام في الجدول فتبقى نفسها. نتيجة ذلك فأن ارقام العمود الأول ستصغر. وسنرى أن أصغر تلك الأرقام، والخاصة بالكتل الصغيرة جدا، (في أسفل العمود "ليغو") لم تعد ضمن أعلى الأرقام الثلاثين المستحقة للمقاعد. ونتيجة لذلك، خسرت الكتل الصغيرة جداً، 15 و14، و13 مقاعدها، وكسبها كل من: الكتلة الأولى، فصار لديها 8 والثانية، فصار لديها 7 والكتلة الصغيرة 6 كسبت أيضا مقعداً كما نرى، فصار لديها مقعدان.

ولو طبقنا نفس الشيء مرة ثانية على ليغو 1.7 وقسمنا عمود "ليغو" على 1,7 هذه المرة بدلا من 1,6، لحصل تغير في الأرقام في العمود الأول طبعا، لكننا نلاحظ أن هذا التغيير لم يكن بالحجم الكافي لكي ينقل أي مقعد بين الكتل، فبقيت النتائج نفسها كما كانت لليغو 1.6. أي ان توزيع المقاعد كان نفسه في حالة استخدام ليغو 1,7 أو 1,6. أما تطبيق ليغو 1.9 فيرينا تغيرا في مقعد واحد فقط، خسرته الكتلة الصغيرة جدا 12 وكسبته الكتلة المتوسطة "الكتلة 3" فصار لديها 4 مقاعد بدلاً من ثلاثة.

*****

إذن الحديث الإعلامي عن استفادة الكتل الكبيرة من سانت ليغو 1.7 ليس خطأً في الحقيقة، لكنه مبالغ به إلى حد كبير. والحقيقة ان من يستفيد هو كل الكتل التي ليست صغيرة جداً، والصغيرة جدا هي التي لم تتمكن من الحصول على أصوات مقعد واحد كامل في الأصل. أما الباقية، فكما رأينا في الأمثلة هناك كتل لها مقعد واحد (في سانت ليغو 1) (الكتلة 6) حصلت على مقعد إضافي عند تطبيق سانت ليغو 1.6 و1.7، و1.9. فتصوير الأمر على أنه "تغول" للكتل الكبيرة ومانع قانوني اخترعته لإدامة سيطرتها على البرلمان، كلام مبالغ به جدا. فما يحدث بالضبط هو أن أصوات تلك الكتل التي لم تتأهل، يتم توزيع مقاعدها على أكثر الكتل استحقاقاً، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وكلما حصلت كتلة على مقعد منها، قلت فرصتها في الحصول على مقعد ثاني.

نعود الآن إلى رهاننا أو "حزورتنا". أرجو أولاً ان لا تخيفك كثرة الأرقام والحسابات في الجداول. فعمليات الضرب (باستعمال حاسبة) تجري لمرة واحدة، عدا عمود "ليغو"، والباقي سهل. ولتسهيل الأمر عليك أكثر فقد أنشأت ملفاً من نوع "اكسل" لحساب تلك الحسابات ذاتياً، (يمكنك تنزيله من الرابط في أسفل المقال) فما عليك من اجل إجراء تجاربك إلا ان تملأ عمود "عدد الأصوات" بجانب "الكتل المشاركة، وتختار رقم الـ "ليغو"، وستقوم الحاسبة بحساب كل شيء لك، لتجمع بعدها الأرقام الأعلى في الزاوية العليا اليسرى من الجدول وتحدد ما فازت به كل كتلة من مقاعد. ويمكنك أن تجرب مختلف أنواع سانت ليغو بتغيير الرقم الأحمر أيضا، وستعيد الحاسبة الحسابات من جديد، ويمكنك ان تشاهد التغيرات في مقاعد الكتل نتيجة ذلك مباشرة.

يمكنك أن تحاول مختلف المحاولات وتجرب مختلف الأرقام، سواء بالحساب اليدوي او باستخدام ملف اكسل، لترى إن كان بالإمكان إيجاد حالة واحدة تفند ما جاء في أي من عباراتي الثلاثة التي تبين صغر تأثير سانت ليغو على النتائج وعلى الديمقراطية، فإن تمكنت من ذلك، حصلت على الالف دولار، او بعضها، وإن لم تتمكن، حصلت على "جائزة الترضية" واكتشفت انه تم خداعك في هذا الامر وأن الهدف كان إلهاءك عن الحقائق المؤثرة بالفعل!

فإذا كان ما تقوله هذه الجداول والادعاءات الثلاثة صحيحاً، فأن تأثير سانت ليغو على الديمقراطية في العراق، قد لا يكون سلبياً، ولا إيجابيا بمعنى ما، لكنه في كل الأحوال تأثير تافه، لا يكاد يمكن ملاحظته. فلماذا تثار كل هذه الضجة عليه وكل هذا الإعلام والتظاهرات الشعبية، ويتم تجاهل حقائق هائلة الحجم تمزق الديمقراطية تمزيقاً، ولعل أهمها حقيقة أن كل رئيس حكومة في العراق حتى اليوم تم تنصيبه تنصيبا من قبل الأمريكان ولم يأت عن طريق الاقتراع لا من مجلس النواب ولا من الناس؟ فأياد علاوي وضع عنوة ضد إرادة مجلس الحكم، ثم تمت إزاحة اول رئيس حكومة منتخب (الجعفري) من قبل تآمر أمريكي كردستاني وأعيد التصويت ليأتي المالكي. ثم أزيح المالكي بتجاهل تام لنتائج الأصوات وبتآمر أمريكي كردستاني أيضا وجيء بالعبادي الذي لا يعرفه أحد من وراء الكواليس، مع تهديد أمريكي صريح ومباشر بضرورة قبوله وإلا تركناكم لداعش! هذه هي الكوارث في الديمقراطية العراقية وليس سانت ليغو أو قانون الانتخابات أو بقية الملهيات التي يبثها الإعلام وبعض القادة.

يمكننا ان نعدد تدخلات أمريكية مدمرة أخرى في كل شؤون البلاد، مما يجعل الحديث عن الديمقراطية وحكم الشعب، مسخرة كبرى، لكن دعونا نكتفي بهذه الحقيقة التي ليس فيها مجال للمناقشة. والسؤال هنا: كيف قرر ساستنا وقادتنا السياسيون والدينيون والاخلاقيون، أن يركزوا الضوء ويسيروا التظاهرات والغضب على احتمال(!) لخسارة كتل لا ترى بالمجهر، لم تستطع الحصول على أصوات كاملة لمقعد واحد! وصوروا لنا الأمر وكأن حياتنا وديمقراطيتنا والفساد مرهون بهذه الكتل المجهرية القادمة لإنقاذ العراق دون غيرها! والأغرب من ذلك ان كل هؤلاء ليسوا من تلك الكتل، وأنهم يستفيدون من سانت ليغو، ولا يمكن أن يخسروا بسببه، سواء كانوا كتلا كبيرة أم صغيرة، فلماذا لا يستفيدون من المقاعد الإضافية لإنقاذ البلاد وتحطيم الفساد كما يدعون؟

هل هناك من تفسير غير أن من أطلق تلك الحملة يهدف إلى إلهائنا عن الحقائق الكبيرة المتمثلة بالدور الأمريكي في تنصيب الحكومات وتوجيهها، والذي لا يثيره أحد إطلاقاً؟ ما الذي يخبرنا ذلك عن هؤلاء الساسة، وعن الإعلام الذي شارك بكليته في عملية خداع الشعب تلك؟

 

صائب خليل

.................

رابط الى إكسل لحساب سانت ليغو لمختلف الدرجات

http://www.mediafire.com/file/dge1utsj7f430ws/%u0633%u0627%u0646%u062A%20%u0644%u064A%u063A%u0648.xlsx

 

 

ali mohamadalyousifان المحاصصة السياسية وتقاسم السلطة والنفوذ والثروة التي زرع شجرتها الخبيثة في العراق (يول برايمر) سيء الصيت بعد الاحتلال الامريكي 2003،  ألحقت بالعراق دمارا وفسادا وفوضى سياسية وتخلّف لم يسبق مشابهاته ومثيله في تاريخ العراق منذ تأسيس الدولة العراقية بدايات القرن العشرين الماضي،  ولا حاجة التذكير ان العراق عاد الى الوراء بما لايقل عن قرن واكثر من التخلف والرجعية والفقروالفساد والانحطاط السياسي،  وانه أصبح اليوم من أضعف دول المنطقة والعالم،  حيث ترسم مصيره اليوم ماتسمّي نفسها (دولا) وهي في كل معايير تاريخ العراق، كان العراق سيدّها بكل شيء،  حضارة وابداع وفكر وفنون وتاريخ وحكومات سياسية قوّية مرهوبة الجانب يعمل حسابها الاعداء قبل الاصدقاء واغلبهم كان يقدّم للعراق فروض الطاعة والولاء أو ينال من هباته وكرم حكوماته وشعبه.

وبعد تجربة الديمقراطية المسخ بالعراق بعد احتلال 2003بدأت مع اجراء كل انتخابات نيابية مزّيفة ومجالس محافظات مشبوهة،  تتكرروتدوّر نفس الوجوه السياسية العميلة والطائفية والفاسدة،   المتربّعة على سدّة الحكم،  غير مكترثة ولا آبهة لمشاعر الناس ومعاناتهم ومطالباتهم برحيلها ووجوب محاسبة الذين اهدروا دماء ابنائهم وسرقوا ثروات بلادهم. فقد تمّت كتابة الدستور على مزاج محاصصاتي بين الكرد والشيعة، شاركهم عملاء من السنّة (معروفة اسماؤهم (10) مشبوهين فاسدين بينهم زعماء كتل سياسية لا زالت بالحكم لحد الآن،  هم الموقعّون على كتابة الدستور الحالي)،  ووضعت قوانين انتخابات لتكريس بقاء نفس الوجوه المشبوهة دورة انتخابية تليها أخرى لا يطالهم تبديل او تغيير، ولا تنفع معهم التظاهرات ولا الشجب والادانات،  واصبح الكل يغرق في وحول الفساد والعمالة ولا يلوح بالأفق منقذ للعباد من شرورهم المخزية، ولافي حلم العراقيين مجيء عبد الكريم قاسم ثان يبعث بمعجزة في عصرعلم لم يعد فيه مجيء انبياء ومعجزات واردا.

وكانت امام العراق فرصة تصحيح العملية السياسية في تشكيل حكومة أغلبية سياسية في عام 2010، ولكن لعبت المساومات والترضيات المشبوهة، وتقاسم السلطة محاصصاتيّا،  دورها بتشكيل حكومة ورئاسة برلمان ورئيس جمهورية،  من اضعف ما يكون في تاريخ الحكومات العراقية،  رئاسات ثلاث تتوزعها زعامات (كردي وشيعي وسني، كل واحد يجّر من جانبه له ولجماعته وطزّ بالعراق وأهل العراق) مهدّت أن يحصد العراقيين مزيدا من المآسي والدماء والتضحيات، واستشراء الفساد والتلويح بأقامة اقاليم انفصالية تروم تمزيق وحدة العراق،  وتنامي بروز المنظمات الارهابية(داعش وحواضنها) المدعومة بعملاء الداخل من السنّة وامريكا ودول الخليج والجوار، واصبح سقوط بغداد واردا ومحتملا لولا فتوى المرجعية التي غيّرت المعادلة فيما بعد وقلبت الموازين.

وهدر وسرقة المال العام بالمليارات من قبل مزدوجي الجنسية وغير المزدوجي واذنابهم من الذين اوصلوا الشعب العراقي الى الحضيض في كل مناحي الحياة،  وهم يتنقلون في دول العالم وفنادق خمس نجوم بما لم يمارسه أويحلم به اي دكتاتور لقيط في العالم،  وتركوا الشعب العراقي تحت همجية وهيمنة داعش،  وما ادراك ما داعش،  وهم في (الكوادة) مع عوائلهم في جنّة المتعة والسكر والمجون باموال العراقيين الفقراء وذوي الشهداء،  وبيع الوطن لمن يدفع اكثر اوأقل.ولا قضاء يحاسب ولا مجرم او عميل او سارق يوضع وراء قضبان السجون. قرارات لا تنفذ واوامر لا تطاع وعلى أعلى المستويات رئاسية وبرلمانية ووزارية وقضائية،  فأليس من الاعجوبة ان يبقى لحد الآن دولة كان اسمها العراق احترمها العالم ويزدريها بحق اليوم أيما ازدراء وأهانة؟ لأن الحكومة التي لا تحترم ارادة شعوبها، من الصعوبة ان تحظى باحترام دول العالم المتحضّرة التي تريد الخير للبشرية،  وليس مرضاة امريكا واسرائيل وعملاؤهما بالمنطقة فهي من حصتهم في خزيهم امام الله وشعبهم والتاريخ.

بعد انتخابات 2014 حصل التفاف او انقلاب ابيض،  بأسم الديمقراطية التصحيحية الكاذبة على الديمقراطية الانتخابية المزّيفة،  وكانت أدوات تنفيذ هذا الانقلاب خلف الكواليس زعماء كتل سياسية من المكونات الرئيسة الثلاث(كرد وشيعة وسنة)،  العميلة لأمريكا ودول الجوار،  ومن الطائفيين والمدانيين بالفساد وبدعم امريكي وتمويل مالي مشبوه الدوافع والغايات معلومة مصادره التي لم تتوقف لحد الآن عن التدخّل في شؤون العراق.وتوازع المتآمرون بينهم رئاسة الوزارة ومجلس الوزراء ورئاسة البرلمان وغالبية اعضائه،  ورئاسة الجمهورية وحاشيته النزيهة الوطنية!!،  وكل مفاصل الدولة بنفس طائفي وعرقي حقود،  وفساد وعمالة للأجنبي ودول جوار العراق،  بأكثر مما أراد لاحقا دعاة الاصلاح المخنوق المجاهرة به أو أرادوا تحقيقه بالتظاهرات المليونية،  وأعتصامات الاشراف الوطنيين الاعضاء في مجلس النواب من غير المتخاذلين الذين ركبوا الموجة وخانوا رفاق دربهم بالمزايدة الكاذبة غير المبدئية.وفق مبدأ المتاجرة بمآسي الشعب العراقي واللعبة السياسية(عايزة كدة) على حد تعبير اخواننا بمصر.في مقدمتهم كانوا نواب الكتل الشيعية من الانتهازيين الذين يلعبون على اكثر من وجه وتصرّف يمنحهم قيمة لا اعتقد يحصلون عليها.

اصبح اليوم ونحن على أعتاب دورة انتخابية جديدة، البحث عن مخرج يطيح بهذه الكيانات والاحزاب السياسية العفنة، أمرا شبه مستحيل،  الا في تجربة بداية ديمقراطية جديدة، لا يمكنها القضاء على هذه الزمرة الفاسدة كلّيا ومرّة واحدة، لكنها ستكون بداية جيدة في المضي قدما بها في المستقبل القريب وفي انتخابات قادمة،  ما لم يطرأ غير المتوقع في تاريخ العراق الذي اعتاد الاحداث الدرماتيكية،  تلك هي تجربة حكومة الأغلبية السياسية التي تضم جميع مكوّنات الشعب العراقي على اساس المواطنة والكفاءة والتخصص العلمي والوظيفي بأدارة شؤون البلاد،  وتوّلي المسؤولية اناس وطنيين مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة.(هذا الطرح كنت ادعو له منذ انتخابات عام 2010.ولكن يبدو ان الكلمة الوطنية في سوق الكساد الوطني الاخلاقي والنفاق السياسي العراقي لا رصيد حقيقي لها.لكني والعوض بالله ادعو بالكلمة لوطن الحضارة العريق العراق بلدي الذي اذلوّه  حفنة متاجرين خونة لا ذمّة ولا ضمير ولا حياء،  ولا أملك غيرالكلمة وأعرف انها أضعف الايمان).

لا بأس ان نقول ان مكونات حكومة الأغلبية المطلوبة التي نأملها من الانتخابات القادمة،  هم من الشيعة والسنة والكرد،  والاقليات من مسيحيين،  وكلدانيين، ايزيديين،  شبك،  تركمان، صابئة، وكرد فيليين.باشتراط ان لا يكون للاحزاب والكتل السياسية الحالية عليها اي سلطان لتسييرها في دروب الفساد والمحاصصة والعمالة للاجنبي.والاغلبية السياسية المطلوبة في المرحلة القادمة بعد انتخابات 2018 هي فرصة تصحيح مسار العملية الديمقراطية المتاحة والوحيدة للخلاص من شلّة المحاصصة والفاسدين.أو على الاقل هي المشروع البديل للدخول في مرحلة متقدمة من الممارسة الديمقراطية في العراق التي تكسر المحاصصة والفساد مرحليا وجزئيا،  وتمنع تنفيذ اجندات اقليمية امريكية مشبوهة تحاول تقسيم العراق وانهاء وجوده كبلد مشهود له تاريخيا بأنه قوة حضارية وكيان سياسي دولي بارز من دونه قوّيا،  يجري اللعب بالمنطقة بما يجعل النفوذ الامريكي الاسرائيلي وعملاؤه الصغارأسياد المنطقة العربية بلا منازع.

وفي الاغلبية السياسية لا أفضلية لعراقي على الآخر سوى بالكفاءة والنزاهة والاخلاص للعراق الواحد الموحد،  بعيدا عن أية وصاية لأحزاب طائفية ومحاصصاتية وفاسدة كانت سببا في ابتلاء العراق بالمآسي والكوارث والتخلف.وحكومة الأغلبية لا يشترط ان يتولى مسؤوليتها من يدعو لها انتخابيا،  بل يحققها من تفرزه صناديق الانتخابات(كتلة مكونات عراقية ذات  اغلبية شاملة) بغض النظر عن الطائفة او القومية او العرق،  تسترشد ببرنامج سياسي وطني اصلاحي، ويكون الانسجام والتوافق الوطني بين الرئاسات الثلاث هو الفيصل الهادي في تسيير امور البلد وتنفيذ الاصلاحات الجريئة،  بانسجام رائده مصلحة البلد والمواطن والعدالة والمساواة للعراقيين.

اما دعوة يجب ان يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة المكوّن العربي السنّي ورئاسة الوزراء من المكّون الشيعي ورئاسة البرلمان للكرد،  فهو شرّ مؤقت لا بد منه في حال حصوله، لكن تبقى حكومة الاغلبية تشكيلة انتخابية وليس تشكيلة محاصصاتية،  وصحيح ان الاغلبية لما بعد الانتخابات القادمة لن يتمخّض عنها رئاسات ثلاث تمثّل اغلبية سياسية حقيقية خالصة دفعة واحدة كما في ديمقراطيات العالم،  لكن تجربة الاغلبية تمثّل انعطافة كبيرة في اصلاح المسيرة الديمقراطية وتخليصها من امراضها المزمنة،  بعد انتخابات 2018،  وهي البداية ان هذه المناصب في الرئاسات الثلاث في مكوناتها وملاحقها الوظيفية،  ستكون من حصة المواطنة العراقية اولا واخيرا،  بمعنى ان شعب العراق لايعدم من وجود كردي عراقي وطني كفوء ونزيه لرئاسة البرلمان العراقي يخدم العراق وليس الكرد وحدهم مثلا،  بنفس معيارأن العراق لايخلو من  مواطن شيعي غير المتداولة اسماؤهم لتولي رئاسة الحكومة بما يخدم العراق وليس الطائفة،  او سنّي وطني كفوء لتولي منصب رئيس الجمهورية يمثّل العراق كل العراق بمكوناته التاريخية،  اويزيدي او شبكي او تركماني من التكنوقراط في تولي الوزارات وهكذا.

اخيرا في ملاحظة هل من المعقول ان يتقبّل الشعب العراقي نتائج حكومة اغلبية سياسية تتحقق انتخابيا،  ينفرد بها المكّون الشيعي بشغل زعامة الرئاسات الثلاث؟ وكذا الحال في الاحتمال مع المكّون السني او الكردي،؟ ديمقراطية الاغلبية بالعالم تقول نعم يمكن ذلك، لكن عندنا بالعراق في ظل ممارسة ديمقراطية ناشئة ومراهقة،  ووقائع الحياة والتاريخ المشترك والاخوة الوطنية والاجتماعية والتآخي والتعايش الديني ترفض ذلك وتعتبره من المحرّمات التي تقوّض النسيج المجتمعي التاريخي والحضاري للعراق.فاذن قدر العراقيين التاريخي والحضاري ان يكون وطن الجميع وخدمته مسؤولية الجميع، ولا امريكا ولا دول جواره ولا عرب الخيانة ولا غيرهم يرسمون للعراق مستقبلهم ومستقبل اجيالهم هكذا هو تاريخ العراق عبر الاجيال ويبقى.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

....................

ملاحظة: من موقع مثقف عراقي علماني مستقل لا انتمي لحزب سياسي ولا مرشّح لانتخابات قادمة ولا في انتخابات لاحقة ربما لايسمح عمري اشهدها ادعو كل عراقي لانتخاب المرشح الذي يلتزم بتشكيل حكومة اغلبية سياسية بعد الانتخابات وفق منهاج انتخابي معلن وتتوفر به المؤهلات في حال قناعة الناخب جدواها.

 

 

jameel oda2 تتجه العديد من الأحزاب السياسية في فترة الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية إلى التحالفات السياسية فيما بينها، للفوز برئاسة الدولة أو المقاعد البرلمانية، أو مناصب وظيفية قيادية في السلطة التنفيذية، كرئاسة الحكومة أو وزراء أو وكلاء للوزارات أو مسؤولين تنفيذين قياديين.

 فماذا تعني التحالفات السياسية الانتخابية؟ ولماذا تندفع الأحزاب والفعاليات السياسية إلى التحالف فيما بينها؟ وكيف يمكن أن تنجح بعض هذه التحالفات بينما تفشل أخرى؟ وماهي مقومات فعالية واستمرار هذه التحالفات؟ وماهي التأثيرات الإيجابية والسلبية التي يمكن أن تعكسها تلك التحالفات السياسية على حقوق الناخبين؟

 إن التحالف من الحلف، والحلف قد يعني العهد بين القوم على التناصر والتعاضد، فيقال: حالف فلان فلاناً إذا عاهده وناصره وعاقده. وقد يعني الصداقة والأخوة. فالصديق يحلف لصديقه أن يفي له ولا يغدر. وعلى هذا، فالتحالف يمكن أن يكون بين قبائل وعشائر أو جهات رسمية كدول أو أحزاب أو حكومات، ويمكن أن يكون بين الأفراد بصفتهم الشخصية، وفيه معنى المودة والولاء والأخوة.

 ويُعرف التحالف بأنه "اتحاد مؤقت بين مجموعتين أو أكثر" وقد يُعرف التحالف السياسي أو التحالف الحزبي بأنه "اتحاد بين حزبين أو أكثر" من أجل الحصول على تأثير أعظم أو نفوذ أكبر من الجماعات والأحزاب المنفردة، عندما تريد تحقيق أهدافها. وقد يُسمى التحالف السياسي بالائتلاف السياسي "وهي عملية التعاون السياسي بين جهتين والتضامن بينهما لتحقق أغراض مشتركة" ويظهر الائتلاف بصورة أوضح في الأحزاب السياسية عندما لا يحرز حزب واحد الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فيضطر للائتلاف مع غيره من الأحزاب المتقاربة معه في الفكر.

 وهذه التحالفات السياسية الانتخابية قد تكون قبل إجراء العملية الانتخابية، بين عدد من الأحزاب والفعاليات السياسية والشخصيات الداخلية في الانتخابات. وهذا النوع من التحالفات الحزبية تفرضه طبيعة القوانين التنظيمية الناظمة للانتخابات، خصوصا على مستوى العتبات التي تتضمنها تلك القوانين والتي تهم عتبة الدوائر الانتخابية المحلية أو تلك المتعلقة بالدعم المادي. وقد يفهم –أحيانا-من التحالفات القبلية أنها ستكون نواة الحكومة المقبلة. وقد تكون بعد إجراء العملية الانتخابية بين الأحزاب والفعاليات السياسية والشخصيات التي فازت في الانتخابات. وهذا النوع من التحالفات يحضر بكثرة أثناء تشكيل الأغلبية البرلمانية، وأيضا الأغلبية الحكومية، وهي تحالفات قد تكون أحيانا صعبة وشاقة للأحزاب المتحالفة؛ لأنها تتطلب تنازلات من كل الأحزاب المتحالفة على حساب المرجعيات الإيديولوجية والبرامج الانتخابية.

 قد تتكون التحالفات السياسية الانتخابية من حزبين سياسيين أو من أكثر من حزبين سياسيين، أو من حزب سياسي وشخصية سياسية مستقلة لها حضور جماهيري، أو من حزب سياسي ومنظمة مجتمع مدني أو أكثر من منظمة مدنية، وذلك في البلدان التي تُعد المنظمات المدنية جزء من المجتمع السياسي والانتخابي فيها.

 وتختلف مدة التحالفات السياسية من تحالف إلى آخر، بحسب أهمية التحالف وموضوعه، فقد يكون التحالف بعيد المدى، إذا كانت الغاية منه هو تحقيق الاتحاد أو الاندماج بين الأحزاب، وقد يكون التحالف متوسط المدى، إذا كانت الغاية منه هو الشعور بخطر يهدد التوافقات السياسية أو يمس بعض المكتسبات، وقد يكون التحالف قريب المدى، إذا كانت الغاية منه التصدي المباشر لبعض السلوكيات أو القرارات التي تمس بعض أو كل مصالح البلاد العليا.

 وعلى هذا الأساس، تختلف الأسباب التي تدفع الأحزاب والقوى السياسية للتحالف فيما بينها، فالسبب الرئيس للتحالفات قبل الشروع في العملية الانتخابية هو رغبة تلك الأحزاب في الحصول على أكبر قدر من أصوات الناخبين مما يؤهلها مجتمعة للحصول على رئاسة الجمهورية أو يؤهلها للدخول إلى قبة البرلمان، أو يؤهلها لتشكيل الحكومة؛ فالأحزاب والقوى السياسية الصغيرة تشعر دائما بأنها غير مؤهلة للوصول إلى أهدافها في السلطة، فتلجأ للتحالف مع الأحزاب الأخرى التي تشترك معها في هاجس الخوف نفسه، بينما الأحزاب الكبيرة لا تتحالف قبل الانتخابات - في العادة- لشعورها أنها تمتلك رصيدا من أصوات الناخبين يؤهلها لتحقيق غاياتها الانتخابية.

 أما السبب الرئيس للتحالفات السياسية بعد الانتخابات فان جميع الأحزاب سواء الصغيرة منها والكبيرة قد لا تستطيع -بحسب القوانين والأنظمة واللوائح الانتخابية- من الوصول إلى غاياتها الانتخابية وتشكيل حكومة تمثيلية، لنقص النصاب القانوني، فتلجأ إلى التحالف السياسي على وفق آليات تسرع في تشكيل الحكومة، وتخدم إلى حد ما أهداف المتحالفين. وهكذا فان التحالف الذي يتم تشكيله خلال الحملة الانتخابية من أجل الفوز بالانتخابات له غايات تختلف عن تلك التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة، ولكن في بعض الحالات يبقى التحالف نفسه مع تغير الأهداف.

 وليس ثمة شك أن التحالف السياسي الانتخابي لا يحدث بين أحزاب وقوى سياسية أو شخصيات متوافقة في الأفكار والأدوات والأهداف والغايات، بل قد يحدث بين متحالفين مختلفين في الأفكار والأهداف أيضا، مثل: التحالف بين أحزاب قومية وإسلامية، أو التحالف بين أحزاب إسلامية ومسيحية، أو التحالف بين حزبين ينتميان إلى مذهبين دينيين مختلفتين؛ لأن التحالفات الانتخابية لا تعنى بالضرورة التوافق الكامل على كل القضايا، ولا تعنى ذوبان أحد الأطراف في الآخر، إنها تعنى التوافق على عدة قضايا أساسية، تخص المرحلة التي يبنى فيها هذا التحالف، وتستفيد كل هذه الأطراف من تجميع قوتها ومواردها لحصد مقاعد ونتائج انتخابية تقربها من سدة الحكم وتنفيذ مشاريعها. لذلك، فالتحالف ليس وحدة اندماجية، تنصهر فيه الأحزاب المتحالفة، ولكنه اتفاق برنامجي مع احتفاظ كل تنظيم بهويته وباستقلاليته وسيادة أجهزته المقررة.

 وإذا ما كان الأمر كذلك، فانه يتعين على الأحزاب السياسية والمجموعات المدنية أن تحدد حجم التعاون الذي سيتفقون عليه في تشكيل التحالف. مثل: الاتفاق على عدم التنافس على مقاعد منطقة ما، أو أن الأحزاب المتحالفة لن تصوت ضد تشريعات بعضهم البعض. أو أن تعلن الأحزاب والمنظمات السياسية للملأ بأنها تدعم برنامج بعضها البعض، أو تعلن دعمها لبعضها البعض في توفير المال أو الإعلام والدعاية والتأييد، أو تعلن نزولها في قائمة واحدة مشتركة في وجه قوائم أخرى منافسة، وغيرها من أوجه التعاون والتعاضد بين المتحالفين لتحقق الأهداف الانتخابية المشتركة.

 ومع ما يمكن أن يحقق التحالف بين الشركاء السياسيين من فوائد جمة قد تنعكس على جميع الشركاء أو على بعضهم، إلا أن من الإنصاف القول إن ثمة مساوئ محتملة تنجم عن الانضمام الى تحالف والتي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فقد تخسر المجموعة المتحالفة أو الحزب بعض السيطرة على الرسالة والقرارات التكتيكية، وربما تخسر أيضا هوياتها الشخصية أو أسمائها في فترة الانتخابات، ومن الممكن أن يفضي هذا إلى اختلاف أو شجار بين أعضاء التحالف وضمن الحزب الواحد بين مؤيد لهذا التحالف وبين رافض له، وقد تؤثر السمعة السيئة لأعضاء بعض الأحزاب الحليفة على سمعة الحزب الحليف؛ فيفقد بعض من أنصاره، وقد لا يلتزم بعض الشركاء بالخطط والبرامج المتفق عليها، وقد يعمل بعض الشركاء في الخفاء لذاته على حساب التحالف، وقد ينشب صراع بين المتحالفين فينفض التحالف في لحظة حرجة وغيرها.

 ليس هذا وحسب، بل قد تستمر الخلافات بين المتحالفين سياسيا إلى ما بعد الانتخابات وربما تزداد كلما اقتربت الأحزاب من تشكيل الكابينة الحكومية، فقد يعرف التحالف بعض الأزمات أثناء تشكيل الأغلبية الحكومية في حالة ما فازت أحزاب التحالف بالانتخابات، حيث يمكن أن تخضع الأحزاب الكبرى لابتزاز سياسي من طرف الأحزاب الصغرى، رغم فوزها بأصوات ومقاعد قليلة في الانتخابات، لكنها تبقى ضرورية بالنسبة للأحزاب الكبرى لتشكيل الحكومة، ولذلك تضطر الأحزاب الكبرى في التحالفات الاستجابة لضغوطات الأحزاب الصغيرة.

 ومع أهمية ما تقدم، إلا أنه لا ينبغي النظر إلى التحالفات السياسية من منظور مصالح تلك الأحزاب والكتل السياسية المتحالفة فقط، بل ينبغي النظر إلى تلك التحالفات على أساس الفائدة التي يمكن أن تحققها للمواطنين الناخبين؛ لأن الأحزاب السياسية، سواء دخلت الانتخابات منفردة أو دخلت الانتخابات متحالفة، هي مطالبة بتحقيق توجهات ورغبات ومصالح مؤيديها التي تعبر عنها في العادة البرامج الانتخابية للحزب أو التحالف.

 في أثناء الانتخابات، قد تؤدي التحالفات السياسية إلى تضيق خيارات الناخبين، كما لو تحالف جميع المرشحين الأقوياء ودخلوا في قائمة واحدة، وقد تؤدي إلى تعطيل حرية الناخبين بالاختيار من خلال الترويج لقائمة المتحالفين الأقوياء، ومهاجمة قوائم المرشحين الصغار، وعليه تلغى إمكانية الاختلاف والتنافس بتبريرات شتى، وينتفي دور البرامج السياسية، فلا تنظم المناظرات بين المرشحين والأحزاب، ولا تكون الفرص والحظوظ متكافئة بينهم، مما يتنافى مع المعايير الحقوقية الدنيا لقانون الانتخابات، وحقوق المواطنين الناخبين الباحثين عن مرشحين أقوياء لهم قدرة تمثيل مصالح الناس وتنفيذها..

 وبعد الانتخابات، قد تؤدي التحالفات السياسية إلى الالتفاف على أصوات الناخبين، ففي البداية يختار الناخب الحزب السياسي الذي سيصوت له، وذلك بناء على البرنامج الذي عرضه هذا الأخير، لكن عندما يصل إلى السلطة ويجد نفسه أمام حتمية الإتلاف مع أحزاب أخرى، فيتنازل ويحاول أن يقارب مبادئه مع مبادئ الأحزاب الأخرى للاتفاق على سياسة عامة وبرنامج معين للحكومة الائتلافية يختلف عن برنامجه السياسي الذي تقدم به في المرة الأولى قبل الانتخابات.

 ومما تقدم يمكن أن نخلص إلى النتائج الآتية:

1. إن التعددية الحزبية تعد ركنا أساسيا للديمقراطية، فلا يمكن تصور ديمقراطية بدون أحزاب سياسية تتناوب على السلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة.

2. إن الانتخابات تمكين الأحزاب السياسية من التداول على السلطة، وتفسح المجال للناخبين ليعبروا عن آرائهم واختيار ممثليهم الذين سينوبونهم في مختلف الهيئات السياسية.

3. لا بد أن يكون كل ناخب حرا في التـصويت للمرشح الذي يفضله أو لقائمة المرشحين التي يفضلها في أي انتخابـات لمنـصب عام، ولا يرغم على التصويت لمرشح معين أو لقائمة معينة، وأن تـشرف علـى الانتخابات سلطات تكفل استقلالها وتكفل نزاهتها، وتكون قراراتها قابلة للطعن أمام السلطات القضائية أو غير ذلك من الهيئات المستقلة النزيهة

4. إن من الصعب على أي من هذه الأحزاب السياسية الحصول بمفرده على الأغلبية المطلقة للأصوات المعبرة، التي تمكنه من الوصول إلى المقاعد النيابية أو تأليف الحكومة، وبالتالي لا يستطيع الحكم بمفرده؛ لذا يلجأ للتحالف مع أحزاب أخرى.

5. قد يكون التحالف بين حزبين أو أكثر مختلفين في المبادئ والأهداف يحقق نوعا من الاستقرار والهدوء المجتمعي في الساحة الانتخابية، خلاف ما إذا دخل كل حزب الانتخابات لوحده، فمن المتوقع أن تساعد الانتخابات على العنف بين الناخبين.

6. إن تحقيق أهداف أي تحالف لاسيما التحالف أثناء العملية الانتخابية يعتمد على قدرة المتحالفين على تنظيم ثلاثة أمور أساسية هي الوقت والمال والناس. ومن الجوهري تقرير كم من هذه المصادر يمكن لأعضاء التحالف توفيرها والسيطرة عليها بالطريقة المثلى بحيث تضمن التأثير والفائدة القصوى لجميع الأطراف في التحالف، وكذلك من المهم تطوير الطرق لتأكيد ما إذا كان الشركاء جادين في استغلال هذه المصادر لفائدة الجميع.

7. تسعى الأحزاب المشتركة في الحكومة الائتلافية، وذلك من خلال عرض المطالب وتبيين وجهات النظر في المسائل الجديرة بالاهتمام إلى الدخول في مفاوضات (مساومات تمهيدية) من اجل الحصول على تعهد من رئيس الائتلاف بتنفيذ عمل ما في حالة ما تم الائتلاف مع حزبه.

8. تتميز الحكومة الائتلافية بالضعف بشكل عام، وعدم الاستقرار الوزاري؛ نتيجة لاختلاف مصالح كل حزب من الأحزاب السياسية وسعيها إلى تحقيقها، حتى لو كلفها الأمر المصلحة العامة، أما رئيس الوزراء يوجه اهتمامه إلى البحث عن كيفية الحفاظ على استقرار وترابط وزارته ويهمل هو أيضا المصلحة العامة.

 

جميل عودة/مركز آدم للدفاع عن

 

 

mahdi alsafi2يقال ان انتصار الجيوش والجماعات المسلحة في الحروب والمعارك تحسب لقادتها، وعليهم كذلك تحمل تبعات ومسؤولية واسباب الهزيمة الانكسار.

 كانت المجتمعات القبلية او البدوية في شبه الجزيرة العربية (واي مجتمع قبلي قروي) تعتمد اعتمادا كليا قبل وبعد الاسلام في غزواتها وصراعتها المحدودة على رجالهم الاقوياء،

ولهذه القيادة صفات عربية عدة منها مايتعلق بالنسب، واخرى تتعلق بأخلاقه البدوية، وحكمته، ودهاءه وقوته نسبة لاقرانه، وقد حفظ الشعر العربي العديد من الالقاب والصفات القيادية لشجعان العرب....

الموروث والتاريخ (ونحن امة غارقة وذائبة في التراث والتاريخ) يعيد صياغة تلك الصور المحفورة في الوجدان الاجتماعي العربي (تراث القائد او البطل الشجاع)، الذي لايهتم كثيرا لمستوى ذكاءه وكفاءته، بقدر الاهتمام بشكله او مظهره الخارجي، وبنيته الجسمانية وطوله (يطلق عليه شعبيا رجل هيبة او بالمصري مالي اهدومه او بالشامي الفتوة الابظاي او العقيد الخ.)، وكذلك طريقة كلامه وقوة نظراته الثاقبة، وحدة العنف وقساوة القلب التي يتمتع بها ويحتاجها لاقناع الشارع بأنه القائد الشجاع الوحيد في البلاد (جمال عبد الناصر-صدام-حافظ الاسد-القذافي-الخ.)،

الا ان تأثير شخصية الرئيس السابق صدام عبرت المحيط العربي، ووصلت تقريبا حدود آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية واوربا الشرقية، فقد تصورهؤلاء جميعا بسذاجة ان هذا الرجل الدموي قادر ان يصمد بوجه الامريكان ويتحداهم، بل وقد ينتصر عليهم،

كانت شخصية هذا الرجل تجمع ثلاث صفات او بيئات، الريف والمدينة والبيئة العشوائية (التي تنشأ بينهما)، وهي المثلث الاخطر في ولادة البيئات المريضة في المجتمعات الفوضوية،

والملاحظ في عراق مابعد ٢٠٠٣، غياب ثقافة او بيئة المدينة، وبقاء البيئة الريفية، وكذلك العشوائية هي الطاغية والحاضرة بقوة داخل المحافظات والمدن العريقة (والتي نطلق عليها تسمية المدن الريفية اوالبدوية)،

ولهذا كان هذا الارعن المتهور يتلاعب بالألفاظ وطرق الخطاب والعبارات الموجهة لكافة طبقات المجتمع (تارة يتكلم بطريقة ريفية بدوية، واخرى بلسان المفكر وقائد ضرورة قومي عربي، واحيانا ينزل الى مستوى ثقافة الشارع في كلامه السيء)،

هذه الحالة ليست محصورة بثقافة المجتمع العراقي فقط، وانما العربي ايضا،

ثقافة القوة والتسلط وفرض الشخصية الغليظة بين المحيط القبلي او حتى السياسي او الاجتماعي، من هنا كانت الاحزاب العربية (القومية) الحديثة تبحث دائما عن تلك الصفات القيادية (القبلية او التراثية) لدفعها للمناصب والمسؤوليات التنظيمية السياسية العليا، مما جعلها الاقرب من بقية الاحزاب والحركات لاستلام السلطة بعد رحيل الاستعمار او برعايته،

عدا الحركات الاسلامية (السنية او الشيعية) وكذلك قسم من الاحزاب اليسارية (صديقة الفقراء والطبقات العاملة المحاربة للطبقات الاقطاعية والارستقراطية والرأسمالية)، فهي لاتعتمد تلك الاطر الضرورية لاختيار القائد السياسي المؤثر (صاحب الكاريزما القيادية العربية المطلوبة)،

لان الادبيات الاسلامية (وحتى اليسارية) تعتمد على عدة مسلمات تراثية دينية او ثقافية، منها واهمها التدين الظاهري المصاحب للشخصية المصطنعة او الطبيعية المتواضعة المهزوزة المنهزمة والمنكسرة امام ثوابت العقاىد الدينية (امام الاله الذي يتصورونه وفقا لرؤيتهم الدينية) والمسلمين (او بقية الاخوة في الحزب او الحركة كما يدعون طبعا، مع ان المذهب الشيعي يؤمن بشخصية القائد الثوري لرجل الدين تيمنا واعتمادا على التراث الشيعي الثوري المستند الى تراث وتاريخ الصراعات الاسلامية في حروب الامام علي، وثورة الامام الحسين في كربلاء ع، وبقية ثورات العلويين والشيعة لكنها ليست قيادة حكم انما ثورة كما قلنا)،

ومن هنا نجد عندهم انتشار ظاهرة التنافس والصراع في اختيار واتباع القيادة والمرجعيات المشتركة والمتداخلة واحيانا بالمتعارضة، وهناك ايضا كثرة المشاكل والتعقيدات والازمات في اختيار القائد (الذي يمكن ان يقنع الشارع بقوة شخصيته)،

فذهب بعضهم لسد هذه الثغرة بجعلها شورى او قيادة فوق قيادة (قائد سياسي رسمي، وقائد اعلى كمرشد او مرجع او قيادة مجلس الشورى، كما في نموذج ايران والاخوان في مصر، وبقية الدول الاسلامية، وكذلك الحركات الاسلامية في العراق، حيث كان العديد من قيادات الحركة الاسلامية تعول كثيرا على شخصية رئيس الوزراء السابق المالكي في الاستمرار بالحكم لولا دخول داعش وسقوط الموصل ووقوع مجزرة سبايكر في تكريت، وتهديد امن العاصمة بغداد الخ.)،

بينما قدمت اغلبها قادة يطلق عليهم شعبيا في الشارع مصطلح"الاخبن"، وشخصيا سمعت الكثير من السياسيين الاسلاميين الشيعة يقولون لو ان صدام كان عادلا مع الشيعة بنسبة خمسين بالمائة، وترك الحوزات ومراجع الدين والشعائر الحسينية لما خرجنا لمعارضته،

ذلك راجع لقناعتهم بصعوبة ايجاد شخصية البديل القوية لادارة الحكم، والقادرة ايضا على ايقاف تهديد دول الجوار لوحدة العراق وامنه (ولهذا اعادوا العديد من البعثيين للوظائف، وتم تخصيص رواتب تقاعدية لبقايا اجهزة صدام المنحلة، وسمحوا لعدد منهم بالمشاركة في العملية السياسية بحجة ان ايديهم لم تتلطخ بدماء العراقيين، بينما تركوا اغلب المعارضة السابقة دون حقوق من اجل السيطر على دفة الحكم)،

 بتلك الادبيات السياسية الاسلامية البدائية واجهوا صعوب ادارة الحكم بعد الاطاحة بالنظام الدكتاتوري الدموي البائد٢٠٠٣، حتى صار بعضهم رأسماليا وديمقراطيا وليبراليا

 (بالمعنى الامبريالي للمصطلح) اكثر حتى من العلمانيين والملحدين، من اجل التشبث والبقاء في الحكم فترة اطول، ومع ان الشعب العراقي والمرجعيات الدينية دفعت بأتجاه تقوية البناء السياسي الديمقراطية الحديث في البلاد، الا ان الوضع لازال بائسا متراجعا، تسيطر عليه حيتان الفساد والتدخلات والاملاءات الخارجية، لاتقدم في اي من المجالات، وتراجع شعبي كبير في مجال تأييد العملية السياسية، مع تصاعد وتيرة العزوف عن التفاعل مع الانتخابات القادمة، فملفات الخدمات، والتعليم، والصحة، ومفردات البطاقة التموينية، وغلاء المعيشة والفقر، والبطالة، والفساد وتعثر برامج اعادة الاعمار لازالت عالقة دون حل،

اضافة الى زيادة نسبة الامية، والتسرب من المدارس للاطفال والمراهقين، وانتشار ظاهرة المخدرات، وتصاعد نسبة العنف والجريمة والاغتيال، فضلا عن ملاحظة صعود ثقافة البعث البائد في دوائر الدولة، وارتفاع اصواتهم واندماجهم بالاحزاب والحركات السياسية القديمة والجديدة المهيمنة على مجمل العملية السياسية، واتضاح اساليبهم الرخيصة في ملاحقة الموظفين الشرفاء وابعادهم قدر الامكان عن مواقع المسؤولية، وتحالفهم مع الشركات والمقاولين والمسؤولين الفاسدين، لبناء قوة سياسية وادارية ومالية فعالة في المؤسسات الحكومية العامة وكذلك في مجالات القطاع الخاص،

كل هذه الازمات والاخفاقات تجعل من مهمة اعادة وفرض هيبة الدولة وشخصية قياداتها السياسية داخل دوائر ومؤسسات الدولة واجهزتها الحكومية، وكذلك في الشارع بالشاقة، بل والمستحيلة،

فالفساد مدعوم سياسيا وقبليا وعشائريا، وان دور السلطة القضائية في السيطرة على الاوضاع العامة في البلاد، ومراقبة السلطات الدستورية الاخرى ضعيف جدا، وشبه مشلول نسبيا ( يمكن ان يتعرض اي قاض الى التهديد بالاغتيال، ويمكن التنفيذ بسهولة جدا) ...

الامر هنا ليس من باب الترويج لاشاعة ثقافة اختيار القائد الرمز، ذو الشخصية القوية، انما نحن نؤكد على ان ثقافة المجتمعات العربية لازالت تفضل هذه الصفات القيادية االموروثة على حساب الخبرة والذكاء والكفاءة (كما ذكرنا سابقا، وهي صفات قيادة الدولة البدائية مع ان بعض الشعوب المحسوبة على المدنية الحضارية الالكترونية الحديثة كالشعب الامريكي والروسي والصيني والتركي وغيرهم، بات مؤيدا لفكرة القائد الشجاع او قائد المعركة المستبد الاوحد)،

البعض يقول انها دورة الحياة، اذ تعيد البشرية الى مسألة وطبيعة تدوير التاريخ والموروثات كل عدة عقود (كل ثلاثة او اربعة عقود او اكثر قليلا)، على كل حال، هذه الحالة هي المعيار الذي تعتمد عليه المجتمعات العربية في التأييد او الخضوع او احترام الدولة وقياداتها،

وليس عبر تسخير مئات الفقراء لحماية الشخصيات الضعيفة من اجل اعطاءها قوة مكتسبة ظاهرة في الشارع، بحيث يسمح لهم بالتجاوز على الاخرين بغية اضافة هيبة مزيفة للقائد الصغير....

الاحزاب الاسلامية في العراق بعد ٢٠٠٣تركت ثوابتها وثقافتها وحتى بمايسمى ايديولوجياتها وادبياتها الحزبية، واتجهت الى صناعة قوة الشخصية القيادية السياسية، الا ان المحاصصة والتوافق والفساد (التي تجعل صورة القائد امام الشعب صورة الاخبن الذي لايحسن احيانا حتى ربط حزام بنطاله )،

لن تدعم تلك الطموحات والمحاولات الفاشلة، وما ان تسأل اي مواطن عن اوضاع البلاد والحكومة حاليا، ستجد جوابه الجاهز دائما"لاتوجد دولة..العراق انتهى"،

لانه يرى بأن القيادة السياسية غير مقنعة تماما له، انما تفوقت عليها القيادة العسكرية التي دحرت وطردت داعش من البلاد (اضافة الى بعض قيادات الحشد الشعبي ) ..

 عوامل النجاح في التحولات السياسية الكبيرة في المجتمعات العربية، التي لاتحبذ فكرة عودة الانقلابات العسكرية الى المشهد السياسي مرة اخرى، لاتكاد تخرج عن اطار دولة شمولية اشتراكية تسيطر على التجارة والاقتصاد بدعمها للقطاع العام بكل قوتها، وتعمل على المحافظة على المستوى المعاشي للطبقة المتوسطة وتقليل نسبة الفقر في البلاد،

او ديمقراطية دستورية حقيقية ناجحة لاتستنسخ التجربة اللبنانية الفاشلة (ديمقراطية التوافق الطائفي والاثني)، غير تلك النماذج السياسية ستبقى تلك الدول العاجزة عن بناء دولة المؤسسات الدستورية، تعاني من ازدواجية المعايير والقناعات والاصطفافات والثقافات والازمات والهويات السياسية، تنتظر شعوبها صورة وهيئة القائد المنقذ العادل، الذي سيفرض قوة شخصيته السياسية والاجتماعية على الدولة والمجتمع، فالنموذج الديمقراطي الرأسمالي الغربي لم ولن ينجح في المجتمعات العربية مطلقا،

فثقافة فرض نظام الضريبة العالي، والخصخصة والرسوم والجباية والتخلي الحكومي عن القطاع العام تعني اتها ستكون بمثابة شرارة الثورة المتقدة دائما لاسقاط النظام السياسي...

 

مهدي الصافي

 

 

abduljabar aljabawriماهي الخيارات الاستراتيجية للرئيس الامريكي دونالد ترمب في العراق..؟، بعد القضاء على أخطر تنظيم ارهابي في العالم، وإستعداداً للانتخابات البرلمانية العراقية، التي ستكون حدا فاصلاً بين عصرين، فعلى صعيد الانتهاء من محاربة داعش، وتجفيف منابعها وخلاياها النائمة، فتحت إدارة ترمب على نفسها أبواب جهنم في معارك الحدود التركية- السورية، وقد أخذت على عاتقها تسليح ألد أعداء الحكومة التركية، وهي القوات الخاصةالتركية، وحزب العمال الكردستاني، وهذا ما نراه مجسداً في معركة غصن الزيتون في مدينة عفرين السورية، التي شنتها القوات التركية وإجتاحت الاراضي السورية، دعما لحليفها الجيش الحر السوري وفصائله، لمواجهة خطر قيام دولة كردية، تدعمها امريكا على حدودها مع سوريا، وهو مشروع قيد التنفيذ أمريكيا، حيث أنشأت الادارة الامريكية قوات تابعة لها تقدر ب(30 الف)، من القوات الخاصة السورية الكردية وتم تسليحها بأحدث الاسلحة التي تسقط الطائرات المهاجمة لها، وهكذا أجبرت الادارة الامريكية تركيا والرئيس أردوغان ألدخول في المستنقع السوري، بدعمها للقوات الخاصة، وحزب العمال الكردستاني، وتهديد الرئيس أردوغان بإجتياح مدن سورية أخرى مثل منبج، وماتزال المعارك متواصلة هناك وتنذر بحرب أمريكية - تركية في المدى المنظور، إذا استمرت إدارة الرئيس ترمب، بدعمها للقوات الخاصة وحزب العمال الكردستاني، وإصرارها على إقامة كيان للأكراد يهدد الامن القومي التركي، ويهدد الاراضي السورية ويعرضها للتقسيم، في حين، تخلت ادارة الرئيس ترمب عن الاكراد في العراق، وسمحت للقوات العراقية والحشد الشعبي بإستعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها، وخذلت الاحزاب الكردية في شمال العراق، بإعتراف السيد مسعود البرازاني، إذن الاستراتيجية الامريكية في العراق، تشهد تراجعا وفشلا ذريعا، ببسب النفوذ الهائل لايران المتمثل بقوة الميليشيات، التابعة لولي الفقيه والتي يقودها قاسم سليماني، والتي تهدّد التواجد الامريكي، وتطالبه في الرحيل من العراق أو الحرب، حتى أن مكتب رئيس الوزراء حيدر العادي أعلن أن هناك خطة لتخفيض القوات الامريكية في العراق، لتخفيف حدة التهجم، من قبل قادة الميليشيات والاحزاب الموالية لايران، فردّ البنتاغون على هكذا تصريحات استفزازية، بتأكيده على بقاء الجيش الامريكي في العراق لمدة طويلة، طالما هناك تهديدات وخطر لداعش في العراق وسورية، وأخرس هذا التصريح من كان يهدد ويتوعد القوات الامريكية بالويل والثبور، في حين تشهد العلاقات التركية – الامريكية مزيدا من التوتر والتصعيد الذي ينذر بحرب تركية امريكية كما قلنا، إذن ماهي خيارات الرئيس ترمب في كل من العراق وسوريا، في مرحلة حرجة جدا، تواجه فيها إدارة ترمب معارضة شديدة من قبل روسيا وفرنسا في ألازمة السورية وتداعيات معركة عفرين، والدعم الامريكي اللامحدود للقوات الخاصة السورية وحزب العمال الكردستاني والفصائل المتحالفة معه، نحن نرى ان معركة الانتخابات البرلمانية العراقية، هي التي ستحدّد مصير الاستراتيجية الامريكية في العراق وسوريا، وعلى إدارة ترمب أن تختاربين أن يكون الفائز برئاسة الحكومة، أحد قادة الميليشيات التابعة لأيران ويصبح العراق خارج السيطرة الامريكية، وتخسر إدارته والنفوذ والموارد والموقع الاستراتيجي للعراق، وجميع المنجزات التي حققتها امريكا في غزوها للعراق، وقدمت له خمسة الآف قتيل ثمنا له، أو أن تنجح في إبعاد اللوبي الايراني عن المواقع والمراكز الحساسة السيادية والامنية والاستخبارية، عن اللوبي الايراني بأية صورة كانت، حتى لو أجلّت الانتخابات، لضمان عدم صعود اللوبي للحكم بأية طريقة، وهذا ما تعمل عليه الآن إدارة ترمب، وتسعى لتغيير بوصلة اللعبة الانتخابية لصالحها، وتحجيم الدور الايراني في العراق، والفرصة الأيرانية المستحيلة في العراق، والخيار الأوحد لها، هو دعمها للتيار المدني والقوائم العلمانية، والأحزاب الخارجة عن عباءة طهران، والشخصيات الدينية المؤثرة التي تتزعم قوائم مهمة، منها السيد مقتدى الصدر وعمار الحكيم، وتوحيد الجهود حتى بعد الانتخابات، لتحالفات تضمن إنهاء النفوذ الايراني، ومن الخيارات الاستراتيجية الاخرى، هو الحرب على إيران بدعم تظاهرات القوى المناهضة لحكام طهران وإضعافهم وفتح جبهات عسكرية وشعبية، كمجاهدي خلق والامير رضا بهلوي وجبهة الاحواز والاحزاب الايرانية الاخرى، وتعيد سيناريو التظاهرات في شوارع طهران لأشغال حكامها عن العراق، هذه الخيارات، تدعم الأستراتيجية الامريكية، بقوة وتجعلها تصل الى أهدافها بسهولة، الخيارات هذه، فرصة ليست لأمريكا فقط، وإنما للدول الغربية، التي تعاني من التدخل الايراني في الشرق الاوسط، وهذه التدخلات تهدد الامن والسلم العالمي، وتهدد المصالح الغربية في المنطقة، وما طلب ودعوة الرئيس الفرنسي ماكرون لايران وحزب الله بسحب ميليشياتها من العراق وسوريا، إلا دليل على نفاد صبر أوروبا الاستراتيجي، من العبث الايراني هي وميليشياتها في المنطقة، التي أدخلتها في أتون الحرب القومية والطائفية، في لبنان والعراق وسوريا واليمن والبحرين، وهكذا نرى أن الخيارات الامريكية تضيق نحو مواجهة إيران باية صورة، وتحجيم تواجدها ووجودها العسكري في منطقة الشرق الاوسط الذي يشهد تصعيدا نحو حرب عالمية ثالثة، يكون ساحتها العراق وسوريا، وأن ظهور تحالف روسي- إيراني – تركي هو أحد هذه ملامح هذه الحرب، حقيقة الامر المنطقة ألآن على فوهة بركان لحرب طويلة الامد، هو ما حذرنا منه في مرحلة مابعد القضاء على داعش، وما ظهور تنظيمات، أبشع وحشية من داعش، هو ما يلوح في الافق ونقصد بهم –أصحاب الرايات البيض- وتهديدات داعش الاخرى التي يستعيد تحشيده ويستجمع قواه في أكثر من مكان في العراق، بعد هزيمته في معارك الموصل والرقة والحويجة وراوه والقائم، وتبقى الخيارات الأستراتيجية الامريكية للرئيس ترمب، هي موضع تقدير المراقيبن على أنها ستكون جاهزة للتنفيذ، بعد الانتخابات العراقية المقبلة، الاحتمالات كلها واردة، أزاء عملية سياسية فاشلة في العراق، تتقاذفها أيادي الفساد المالي والاداري والنفوذ الايراني البلاحدود، ويستشري في جميع مفاصلها الفساد، وتستوطن فيها الصراعات والانشقاقات والخلافات الطائفية بفضل المحاصصة، وتغيب عنها رؤية التسامح والمصالحة الوطنية الحقيقية، التي تتبجح بها حكومة العبادي، ومن قبلها حكومة المالكي، وتعلن أنها ماضية في تطبيقها، إذن نحن أزاء عملية سياسية يتصارع فيها طرفان لاثالث لهما، هما الادارة الامريكية وحكام طهران، وهذا الصراع هو صراع على الهيمنة والنفوذ لااكثر، ولو على حساب الدم العراقي المراق منذ 15 سنة، وملايين المهجرين والنازحين وظهور ظاهرة داعش بسببها لان العنف لايولد غير العنف، فداعش كما تثبت كل التحليلات هو ثمرة مرّة وإفراز هجين لأحتلال العراق، وأحد مخرجاته الكارثية، فبدون مصالحة ترعاها امريكا ومجلس الامن، فلا يستقر وضع العراق، ولا تنجح أي عملية سياسية خرجت من رحم وضلع الاحتلالين الامريكي والايراني، وهكذا تبقى خيارات الرئيس ترمب محل شك وفشل، ما لم تستند الى فعل على الارض لمواجهة إيران، وينقذ العراق من الانزلاق أكثر في وحل الفشل السياسي والحرب الطائفية، وتغول ميليشيات إيران وأذرعها في العراق، وتسّيدها في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهذا أكثر ما تخشاه إدارة الرئيس ترمب ألآن ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

 

alaa allami2إنْ أي مقارنة بين وضع مجتمعنا العراقي ومجتمع آخر لابد ان تأخذ هذا الفرق في الحسبان، وعليه يمكن مقارنته بمجتمعات تعددية متنوعية طائفيا كالمجتمع اللبناني الذي يُحكم اليوم بصيغة مؤتمر الطائف والمكرس للمحاصصة الطائفية والذي يعيش على قنبلة الحرب الأهلية الموقوتة والتي يمكن أن تنفجر في أي يوم، أو مقارنته بالمجتمع السويسري المنشطر نصفيا تقريبا بين الكاثوليك والبروتستانت، لا أن نقارنه بروسيا الأرثوذوكسية أو الجزائر السنية أو سلطنة عمان الإباضية أو إيطاليا أو فرنسا او إسبانيا الكاثوليكية من حيث الهويات الفرعية.

تقول المادة الخامسة من قانون الأحزاب العراقي أيضا (أولاً: يؤسس الحزب على أساس المواطنة، وبما لا يتعارض مع أحكام الدستور. ثانياً: لا يجوز تأسيس الحزب على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي". وإجرائياً، يشترط القانون العراقي في صيغته قبل التعديل الأخير، تقديم "طلب التأسيس تحريرياً إلى رئيس محكمة القضاء الإداري في بغداد مرفق به قائمة بأسماء عدد لا يقل عن ألفي عضو مؤسس مقيمين في ست محافظات عراقية، على أن لا يقل عدد المؤسسين عن مئة عضو في كل محافظة من هذه المحافظات". وتستثنى الفقرة «ب» من هذا الشرط الأحزاب التي تمثل الأقليات). يمكن اعتبار الاستثناء الخاص بالأقليات القومية في القانون العراقي ترخيصاً مباشرا للسماح بتشكيل وتأسيس أحزاب قومية وطائفية للأقليات في حين يرفض المشرع الجزائري ذلك رفضاً قاطعاً بدليل القراءة الأولى للمادة 42 التي تحظر قيام الأحزاب الدينية والقومية واللغوية والجهوية. ويمكن القول أن هذا الاستثناء لن يكون له أي مبرر أو معنى إذا وجدت وسادت أحزاب سياسية لها وجود على المستوى الوطني ولها تمثيل في جميع المحافظات العراقية وليست خاصة بطائفة واحدة دون سواها.

ونسجل أن منطوق هذه المادة يقول (ثانياً: لا يجوز تأسيس الحزب على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي) فيمكن أن يُفهم منه أنه يحظر الأحزاب التي تقوم على أساس العنصرية أو الإرهاب أو التعصب الطائفي أو العرقي أو القومي. وبما أن وجود حزب يعلن أنه عنصري أو طائفي أو تكفيري مستحيل عمليا، فتكون هذه المادة فارغة من أي محتوى. هذا أولا، وثانيا فإن حظر التعصب الطائفي يعني منطقا السماح بوجود ونشاط الحزب الطائفي غير المتعصب، وهذا اعتراف صريح حتى إنْ كان غير مباشر بشرعية وجود الأحزاب الطائفية "غير المتعصبة" وبما أن الأحزاب الطائفية لا يمكن أن تعلن انها متعصبة ولا طائفية بل إسلامية مسالمة وديموقراطية فهذه المادة فارغة المحتوى أيضا بل هي تصريح قانوني بشرعية قيام وجود الأحزاب الطائفية ولتوضيح هذه الجزئية يمكن أن نضرب مثالا بمادة قانونية مجنونة تقول (يمنع قتل الناس بمسدس أميركي من طراز سين) فهذه المادة ستعني منطقيا أن قتل الناس جائز إذا كان بمسدس أمريكي أو غير أميركي من طراز آخر!

وبالعودة الى المادة الجزائرية فهي أكثر حسما وحدَّةً في التعامل مع الأحزاب الاسلامية حيث حظرت تشكيل أي حزب يحتكر أحد ثوابت الأمة ومنها الدين الإسلامي ، وإذا ما اخذنا بنظر الاعتبار حالة انسجام النسيج المجمعي الجزائري طائفيا لأنه مؤلف في غالبيته الساحقة من دين واحد وطائفة واحدة على مذهب واحد غالب هو المذهب السني المالكي ولا تتجاوز الاستثناءات أكثر من 1 إلى 2%، يكون من العادل القول أن المجتمع العراقي المنقسم عموديا وأفقيا طائفيا ودينيا وقوميا أحقُّ وأكثرُ حاجةً الى هذه المادة من المجتمع الجزائري ومع ذلك، فاعتقادي الشخصي هو أن حظر وتحريم نشاط ووجود الأحزاب الإسلامية دون تمييز ودقيق نوعي بينها أمر لا ديموقراطي تماما.

وللمحتجين على قولي هذا من غلاة العلمانيين القشريين أقول: تذكروا أن الأحزاب الديموقراطية المسيحية (وهي من اسمها ذات خلفيات واستلهامات دينية) حكمت وتحكم حتى اليوم أعرق البلدان الديموقراطية ومنها إيطاليا وألمانيا وغيرهما، وقد يقال إنها ليست دينية متعصبة كالأحزاب الإسلامية عندنا فأقول وهل وضعتم لها دستورا وقانون احزاب كتلك التي ألمانيا وإيطاليا ورفضت أو تمردت على تلك القوانين؟

أعتقد أن المجتمعات التعددية والمتنوعة كمجتمعنا العراقي بحاجة ماسة تجعل هذه القضية قضية حياة أو موت إلى مادة دستورية تحظر حظرا تاما الأحزاب الطائفية أيا كانت ولكنها تسمح في الوقت نفسه بوجود الأحزاب الديموقراطية الاسلامية أو التي تستلهم التراث الإسلامي كخلفيات ثقافية لها، ويمكن تنظيم ذلك بقانون أحزاب يضع عينيه على خصوصيات المجتمع العراق فلا يسمح بنشاط حزب سياسي يسمي نفسه إسلامي وهو مكون تنظيميا وبنسبة تفوق التسعين بالمائة من طائفة واحدة بل يشترط أن تكون النسب التقريبية للطوائف في العراق موجودة فيه فيمكن أن ينص قانون الأحزاب الجديد على شرط يضمن عدم طغيان نسبة الأعضاء من طائفة واحدة و تجاوزها نسبة النصف 50% من السكان أو أنه ينبغي للحزب أن يعكس تركيبة المجتمع العراقي "الطائفية وبشكل تقريبي في قوامه التنظيمي وقيادته. ومن ناحية برنامج هذه الأحزاب الإسلامية أو غير الإسلامية ينبغي أن ينص على احترامه والتزامه بالدفاع عن النظام الديموقراطي والدستور وحياد الدولة وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية التنظيمية واللاهوتية في المؤسسات الدينية ووجوب خضوع المؤسسات الدينية لمؤسسات الدولة فيما يتعلق بالضرائب وقانون الدولة العام. وفي الجزائر أيضا وغيرها من الدول كالمغرب وتونس لا تسمي الأحزاب بأسماء إسلامية رغم عدم وجود نص دستوري يوجب هذا الحظر ولكنه كما يبدو مفهوما وبشكل غير مباشر من المادة "42".

وعلى أية حال فأنا لا أرى ضيرا في أن يسمي حزب عراقي نفسه حزبا إسلاميا إذا لم يكن مؤلفا في أغلبيته الساحقة من أعضاء وقادة من طائفة واحدة ومن جهة جغرافية واحدة وليس له برنامج ذو سمات وأهداف دينية سياسية كإقامة دولة دينية اسمها الخلافة الراشدة أو ولاية الفقيه. بهذا فقط يمكن أن نقدم نواةَ حلٍّ لهذه القضية شديدة الأهمية والخطورة في مجتمعنا.

غير أن المشكلة التي ستواجه هذا المقترح بفرض نسبة طائفية تنظيمية على الأحزاب السياسية هي أنه اقتراح ذو مضمون طائفي يحاول التصدي لمشكلة الطائفية كما أشار الصديق الكاتب صائب خليل في تعليق له على ذلك، وهو على صواب الى حد بعيد ولكن ترك الأمور كماهي الآن في هذا الصدد لن يوصلنا إلى حل حقيقي وأعتقد أن استلهام المادة الجزائرية يمكن ان يكون بطريقة أخرى غير النسبية الطائفية وذلك بأن يشترط على كل حزب عراقي أن يكون له تمثيل تنظيمي وقيادي في جميع المحافظات العراقية باستثناء المحافظات ذات الغالبية السكانية الكردية في الإقليم.

ومما يبعث على التفاؤل، هو أن بعض الأحزاب الإسلامية الطائفية المشاركة في العملية السياسية الحالية، بادرت من تلقاء نفسها الى تغييرات برنامجية داخلية تسير بهذا الاتجاه والأفق وأعلنت انها أصبحت أحزابا "مدنية". وبغض النظر عن صدقية وعمق ومبدئية هذه المحاولات وهي محاولات تنطوي على قدر كبير من الشكوك قطعا ولكن هذا الواقع هو بحد ذاته يثير شيئا من الأمل في هذا الاتجاه.

وإذا توخينا الصراحة فأحزاب النظام مستعدة لفعل أي شيء إذا طلبت دولة قوية ومؤسسة تشريعية نافذة يحترمها الشعب أي شيء حتى لا تخسر وجودها وامتيازاتها! ولكن هل يمكن أن توجد الدولة القوية والمؤسسة التشريعية المحترمة بوجود أحزاب طائفية سائدة؟

 

علاء اللامي

 

 

abdulhusan shaaban2شهدت العلاقات العراقية - الأمريكية تصدّعاً كبيراً بعد الإٌطاحة بالنظام الملكي إثر ثورة 14 يوليو (تموز) العام 1958، وظلّت في حالة فتور وعدم ارتياح وريبة وعداء، تعمّق مع مرور الأيام، حتى وقوع العراق تحت الاحتلال العام 2003 . ويمكن رصد ثلاث محطات أساسية تعرّضت فيها المصالح الأمريكية إلى ضربة موجعة في العهد الجمهوري.

المحطة الأولى - بعد الثورة مباشرة، ولاسيّما في إعلان الخروج من حلف بغداد "حلف السنتو". وعلى الرغم من أن واشنطن لم تكن عضواً رسمياً في الحلف، إلّا أنه كان مدعوماً منها باعتباره حلقة مهمة من حلقات مشروعها في المنطقة القاضي بتطويق الشيوعية وتقليص نفوذ حركة التحرّر الوطني، حيث كان الحلف يضم تركيا وإيران وباكستان والعراق وجميعهم حلفائها آنذاك، إضافة إلى بريطانيا. وكان إقدام العراق على إلغاء المعاهدة الأمريكية - العراقية المبرمة بين البلدين العام 1954، والتوجّه صوب الكتلة الإشتراكية، وخصوصاً الاتحاد السوفييتي، أحد الأسباب الأساسية في الافتراق والعداء اللاحق بين البلدين.

المحطة الثانية- قطع العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، بعد عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، بسبب انحياز واشنطن إلى تل أبيب ودعمها عسكرياً وسياسياً، وهو الأمر الذي أضعف من دورها في المنطقة العربية والعالم الإسلامي ككل، بل وأساء إلى سمعتها.

المحطة الثالثة - تأميم النفط العام 1972 وخسارة الشركات الأمريكية لمليارات الدولارات. وكان النفط أحد أسباب واشنطن في مناصبة العداء للعهد الجمهوري الأول، وخصوصاً بعد صدور القانون رقم 80 لعام 1961 الذي تم بموجبه استعادة 99.5% من الأراضي العراقية من أيدي الشركات الاحتكارية للتنقيب عن النفط.

وكانت الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 فرصة جديدة لواشنطن لاستعادة شيء من نفوذها المفقود، مستغلة اندلاع الثورة الإيرانية العام 1979  وتوتّر العلاقات الخليجية- الإيرانية ، حيث عملت على إدامة أمد الحرب حماية لمصالحها الاستراتيجية.

وكشفت فضيحة إيران غيت وكذلك المعلومات الاستخبارية والعسكرية المسرّبة إلى بغداد، السياسة الازدواجية التي مارستها طيلة تلك الفترة والتي انقلبت بعدها ضد بغداد إثر الغزو العراقي للكويت العام 1990، وقادت حملة لتحريره العام 1991، ثم فرضت حصاراً دولياً على العراق دام ما يزيد عن 12 عاماً (من العام 1991 ولغاية العام 2003)، وصولاً إلى احتلال العراق تحت حجة "وجود أسلحة دمار شامل" و"ضلوعه بالإرهاب الدولي"، وهي نفسها التي أخرجته من قائمة الدول الراعية للإرهاب خلال الحرب مع إيران.

وفي الوقت نفسه أزيلت بعض العوائق عن الصادرات الأمريكية المتوجّهة إلى العراق، ووصل حجم التجارة البينية إلى ما يقارب مليار دولار سنوياً عدا التجهيزات العسكرية الأمريكية، وهو ما أشار إليه الكاتب الصحافي الفرنسي آلان غراش رئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك في كتابه " الخليج : مفاهيم لفهم حرب معلنة" الذي صدر في العام 1991.

وكان الرئيس جورج دبليو بوش قد وضع ثلاثة أهداف له للحرب على العراق أولها- نزع سلاح صدام حسين ، وثانيها - جعل العالم أكثر أمناً، وثالثها - تحرير الشعب العراقي (والمقصود نشر الديمقراطية على الطريقة الأمريكية). وبغض النظر عن عدم شرعية الأساس القانوني وبطلان الادعاءات وزيف الاتهامات، فإن النتائج العملية تقول: إن العالم لم يصبح أكثر أمناً، بل ازدادت التهديدات الإرهابية، وإن واشنطن أول من قام بانتهاك حقوق الإنسان في العراق، وقد كشفت حوادث التعذيب ومحاولات إذلال العراقيين ذلك، لاسيّما ما حصل في سجن أبو غريب ومجازر الحديثة والإسحاقي ومذابح الفلوجة وغيرها.

وحتى العملية السياسية التي صنّعتها واشنطن لم تكن قادرة على "نقل العراق من الدكتاتورية إلى الديمقراطية"، لأنها قامت على نظام المحاصصة الطائفي الإثني وتقاسم السلطة على نحو أدى إلى شيوع ظواهر الإرهاب والعنف والفساد المالي والإداري والرشا، ناهيك عن استشراء الميليشيات خارج نطاق الدولة وانتشار السلاح على نحو لم يسبق له مثيل، خصوصاً في ظل ضعف هيبة الدولة، وصعود مرجعيات لموازاتها مثل المرجعيات الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية وغيرها .

أما حقيقة أهداف واشنطن فقد كانت ثلاثة أيضاً - الأول- اقتصادي وهو متمثلٌ بالنفط وتوابعه والثاني - أمني استراتيجي وهو متمثلٌ بالموقع الذي يحتله العراق في علاقاته مع واشنطن، ولاسيّما في مواجهة إيران والإرهاب و"أنظمة الشر"، والثالث ديني حسب معتقدات بوش، التي هي خليط من أفكار دينية وأوهام تاريخية.

وفي المرحلة الجديدة ما بعد الاحتلال مرّت العلاقات العراقية- الأمريكية بخمس فترات يمكن تصنيفها كالآتي - الأولى بدأت بالحكم المباشر للجنرال جي غارنر واستمرت من 9 نيسان (ابريل) ولغاية 13 أيار (مايو) 2003، حيث تسلّم القيادة منه بول بريمر. والثانية بحكم مدني مطلق للحاكم الأمريكي السفير بول بريمر، واستمرت حتى 30 يونيو(حزيران) العام  2004، وكان قد أصدر "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" في 8 آذار (مارس) 2004 وشكّل مجلساً للحكم الانتقالي تابعاً له في 13 تموز (يوليو) 2003.

الثالثة- بدأت بعد إجراء انتخابات على أساس دستور دائم في العام 2005، حيث تم الاستفتاء على الدستور في 15 اكتوبر/تشرين الأول وأجريت على أساسه الانتخابات في 15 ديسمبر /كانون الأول من العام ذاته. وهي فترة انتقالية استمرت بإدارة عراقية وإشراف أمريكي مع وجود القوات الأمريكية التي وصل عددها إلى 170 ألف عسكري، وفيها تم توقيع اتفاقية أمنية عراقية- أمريكية العام 2008، وكان من المفترض إجراء استفتاء شعبي عليها حسبما نصّت، لكن الحكومة العراقية سوّفت هذا الأمر حتى تم انقضاء مدّتها نهاية العام 2011.

ولم تتمكّن القوى المؤيدة " راقياً" لإبرام معاهدة جديدة أو الولايات المتحدة والرئيس بوش تحديداً من الوصول إلى صيغة تعاقد جديد، بحيث ينتقل "الاحتلال العسكري إلى احتلال تعاقدي"، وهكذا شهدت الفترة الجديدة نوعاً من الفتور وبرود العلاقة السياسية، ولاسيّما مع مجيء الرئيس باراك أوباما وبالأخص مع مطلع العام 2012 واستمرّ مثل هذا الضعف أو عدم الاكتراث حتى العام 2014.

أما الفترة الرابعة فهي بعد احتلال داعش للموصل في 10 يونيو (حزيران) العام 2014، وابتدأت مع ترشيح حيدر العبادي لرئاسة الوزراء، حيث استعاد الطرفان الرغبة في تعزيز العلاقة، ولاسيّما العسكرية والأمنية لما يجمعهما من أهداف في  محاربة داعش والقضاء على الإرهاب.  أما الفترة التي تلتها الخامسة فقد شهدت صعود الرئيس دونالد ترامب لرئاسة  للبيت الأبيض (يناير/كانون الثاني /2017) وتميّزت بتطوّر مستوى التعاون في الجانب الأمني والعسكري والسياسي.

والسؤال الذي يواجه الباحث هو إلى أين تسير علاقات بغداد - واشنطن في ظل استمرار التخبّط العراقي في تحديد الأولويات؟ ويحتار المرء أحياناً من أين يبدأ؟ وعلى أي الطرق يسير؟ وإذا كان زيادة الإنتاج النفطي هو الأولوية لبغداد والحفاظ على الوضع القائم كي لا ينهار بسبب الأزمة المالية التي سبّبها انخفاض أسعار النفط والمجهود الحربي ضد داعش، دون أن ننسى الفساد المستشري في أجهزة الدولة ومفاصلها وهو الوجه الآخر الثاني لداعش. فماذا هي فاعلة بشأنه ونظام المحاصصة الطائفي - الإثني الذي يلهج الجميع بذمّه: هل لإعادة بناء وترميم البنى التحتية أو لزيادة التسليح أو لمحاربة الفساد أو لتحسين قطاع الخدمات، ولاسيّما الصحة والتعليم أو للقضاء على البطالة أو لحلّ الخلافات مع إقليم كردستان؟

وإذا كانت تلك جميعها تمثل أولويات وأهداف آنية ومتوسطة المدى، فمن أين ستبدأ  بغداد ؟ وكيف ستتصرف كدولة؟ في إطار خضمٍّ من الصراعات الداخلية والإقليمية، خصوصاً بعد الأزمة الحادة مع إقليم كردستان بسبب الاستفتاء الكردي (25 سبتمبر/ أيلول/2017)، تلك التي لا تزال لم تجد لها حلولاً مقبولة بشأن المناطق المتنازع عليها وبالدرجة الأساسية "محافظة كركوك" وفقا للمادة 140 من الدستور، وقد يتطلب الأمر تعديلات دستورية ضرورية وأساسية وهي لا تزال مجمّدة منذ العام 2006 ولحدّ الآن.

ولكي تضع واشنطن لبغداد حساباً في اعتبارها ، فلا بدّ أن تكون بغداد موحدة في حركتها  ومصدر قرارها ، إذْ لا يزال الكثير من الأطراف العراقية يتعامل مع الولايات المتحدة منفرداً، وأحياناً  بما يتعارض مع قرار الحكومة وسياساتها ، وهي ظاهرة لا تضعف وحدة القرار العراقي فحسب، بل تربك أداءه في تحقيق أهداف السياسة الخارجية وفي التعامل مع المحيط العربي والإقليمي أيضاً وليس مع واشنطن فحسب.  وإذا كانت بغداد وحواشيها لا تزال متخبّطة إزاء العلاقة مع واشنطن، فإن هذه الأخيرة لها استراتيجيتها النابعة من مصالحها وأهدافها.

والمتتبع يلحظ سعي واشنطن لإجراء الانتخابات في موعدها المعلن (15 أيار/مايو/2018) وتشجيع  إقامة كتلة كبيرة، بعيدة عن تأثير النفوذ الإيراني، والأمر يحتاج إلى تحالفات جديدة شيعية - كردية - سنّية قريبة من واشنطن يُرجح أن يكون على رأسها رئيس الوزراء الحالي، ويمكن لها أن تحظى بدعم مادي ومعنوي لإعادة إعمار المناطق المتضرّرة وعودة النازحين إليها. وحسب قراءتنا الأولية فإن الخطوط العريضة لمثل هذا الاستنتاج هي :

1- القضاء على داعش واستكمال ملاحقته عسكرياً بالتعاون مع القوات العراقية وإبراز دور التحالف الدولي، والإبقاء على عدد القوات الأمريكية القتالية والخاصة في العراق، بحجة حماية الأراضي التي تم طرده منها وإفشال مخططاته بالعودة إليها والعمل على تعزيز سبل مكافحة الإرهاب الدولي من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

2- تقليص النفوذ الإيراني بتطويقه ومنعه من التمدّد في العراق والسعي لإبعاد الحكومة العراقية من أن تكون تابعاً له أو تدور في فلكه، سواء ما  له علاقة بامتداداته العربية في سوريا ولبنان واليمن والبحرين والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج، إضافة إلى العلاقة مع حماس وقطاع غزة ، وذلك انسجاماً مع أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ككل.

3- تشجيع إقليم كردستان على البقاء ضمن "العراق الديمقراطي الفيدرالي"، وتعزيز أواصر الصداقة معه، خصوصاً بعد أن كانت واشنطن قد تحفظت إزاء خطوة الاستفتاء. وعلى الرغم من علاقة واشنطن مع بغداد والدولة العراقية ككل لما تشكّله من ثقل، فإنها في الوقت نفسه تريد تأكيد العلاقة الخصوصية مع الإقليم والتحالف المستمر مع الحركة الكردية.

4- إبقاء نقاط المراقبة الميدانية والجوية واستمرار الاستطلاعات الأمنية والاستخبارية، لإفشال المشروع الإيراني ومنعه من إيجاد ممرات بديلة وطرق برية أخرى لإدامة الاتصال بين طهران ودمشق عبر بغداد وصولاً إلى البحر المتوسط مروراً ب

الأراضي اللبنانية، ضمن محور "الهلال الشيعي".

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

ibrahim abrashكل القيادات الفلسطينية تتفق على وجود مخاطر غير مسبوقة تهدد القضية الفلسطينية،وأن صفقة القرن لم تعد مجرد تكهنات وأفكار عامة بل اتضحت معالمها، وقرارات ترامب حول القدس واللاجئين بمثابة إعلان تنفيذ هذه الصفقة، كما أن مبعوثي الإدارة الأمريكية كانوا واضحين خلال جولتهم الأخيرة في مواقفهم المعادية للفلسطينيين وإصرارهم على بدء العمل بالصفقة سواء قبلت بها القيادة الفلسطينية الممثلة بالرئيس أبو مازن أو لم تقبل، بل إن الرئيس الفرنسي ماكرون الذي راهنت عليه القيادة الفلسطينية لإيجاد آلية دولية بديلا عن التفرد الأمريكي رفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية وقال بوضوح للقيادة الفلسطينية بأنه لا يوجد طرف دولي يمكنه الحلول محل واشنطن في رعاية عملية تسوية سياسية جديدة كما نصح القيادة الفلسطينية بعدم رفض صفقة القرن الآن، هذا بالإضافة إلى أن مصر والأردن وعلى خلاف موقف القيادة الفلسطينية أكدتا استمرار التزامهما بالرعاية الأمريكية لعملية التسوية السياسية .

بالإضافة إلى كل ما سبق فإن المراهنة الفلسطينية على الشرعية الدولية كبديل عن التسوية الأمريكية أو كإمكانية وفرصة للحصول على الدولة الفلسطينية من خلالها حتى وإن كانت دولة تحت الاحتلال، هذه المراهنة قد تحافظ على حضور القضية الفلسطينية في مجال الاهتمام العالمي وقد يتم انتزاع قرارات جديدة مؤيدة للحق الفلسطيني ولكنها ستبقى قرارات غير مُلزِمة ولن تتمكن من مواجهة صفقة القرن أو تغيير شيء على أرض الواقع، أيضا فإن الحصول على قرار يعترف بفلسطين دولة تحت الاحتلال لن يحل المشكلة وسيبقى السؤال كيف سيتم إنهاء الاحتلال؟.

كما أن محاولة التقليل من خطورة التحديات بالقول بأن صفقة القرن خاصة بالرئيس الجمهوري ترامب وأن هناك خلافات أمريكية داخلية حول شخص ترامب قد تؤدي إلى إخراج ترامب من السلطة قبل نهاية فترته الانتخابية هي مراهنة فاشلة، فصفقة القرن ليست خاصة بترامب بل تعبر عن سياسة الدولة الأمريكية، وحتى مع افتراض أنها خاصة بترامب فهذا الأخير سيستمر في الحكم لسبع سنوات قادمة أو على أقل تقدير حتى نهاية الفترة الأولى أي ثلاث سنوات قادمة، فهل ستبقى الحالة الفلسطينية معلقة إلى حين مجيء رئيس أمريكي جديد ؟ .  

يرد البعض على كل ما سبق بالقول بأن الشعب الفلسطيني صامد على أرضه ولن يتخلى عن حقوقه وإنه صاحب القرار النهائي وليس واشنطن وتل أبيب أو أية دولة عربية وإن القيادة متمسكة بالثوابت وترفض التساوق مع السياسة الأمريكية الجديدة الخ وهذا كلام صحيح، ولكن السياسة اليوم لا تؤسَس على قوة الحق أو قوة القانون الدولي والشرعية الدولية أو على الشعارات والمواقف النظرية مهما ارتفعت حدة نبرتها، هذه مطلوبة ولا شك ولكنها ليست وحدها التي تحكم النظام الدولي وتؤثر في مواقف الدول وخصوصا كدولة الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة الأمريكية  .

 إن المحك العملي للحكم على السياسة اليوم هو القدرة على التأثير في الواقع والنضال المباشر والعملي لصاحب الحق في الدفاع عن حقه، وفي الاحالة الفلسطينية فإن الصبر والصمود والتمسك بالثوابت والحراك الدبلوماسي يجب أن يأخذوا المعنى الإيجابي وليس المعنى السلبي .  حراك دبلوماسي في إطار استراتيجية شمولية وليس رهن قضيتنا والانتظار لِما قد تجود به علينا الشرعية الدولية من قرارات، وصمود وبقاء الشعب الفلسطيني يجب أن يكون صمودا مقاوما وموحدا تحت قيادة وطنية لتحقيق هدف محدد، وليس مجرد العيش اعتمادا على رواتب ومساعدات مشروطة ومُذلة وانتظارا لما ستتمخض عنه جهود الآخرين بشأن قضيتنا الوطنية .

لعبة أو سياسة الانتظار مدَمِرة وتخفي في ثناياها حالة عجز وفشل،فالمصالحة معلقة تنتظر صفقة القرن ومع حالة الانتظار تموت غزة تدريجيا، المقاومة بكل أشكالها معلقة وفي حالة انتظار التوصل لقيادة وطنية وإستراتيجية وطنية، وتفعيل منظمة التحرير معلقة وفي حالة انتظار، والانتخابات معلقة وفي حالة انتظار، وحكومة وحدة وطنية معلقة وفي حالة انتظار، والدولة الفلسطينية معلقة وفي حالة انتظار، والتسوية السياسية معلقة وفي حالة انتظار مَن يضع آلية جديدة لتفعيلها،وحتى قرارات المجلس المركزي الأخير كسابقاتها معلقة وفي حالة انتظار،وما تمخض عن اجتماع اللجنة التنفيذية يوم الرابع من فبراير الجاري بتشكيل لجنة والإحالة للحكومة لبحث كيفية تنفيذ قرارات المركزي،هذه القرارات أيضا هروب ومحاولة لكسب الوقت .

إن سياسة الانتظار والترقب التي تعتمدها القيادة الفلسطينية عسى ولعل أن تنصاع إسرائيل وأمريكا لصوت العقل والحق أو تتغير مواقف الدول أو يتغير النظام الدولي،هذه السياسة لن تجدي نفعا بل وتضر بالقضية الوطنية لأنها تقطع الطريق على التفكير بمراجعات نقدية استراتيجية تعترف بوجود خلل ذاتي في الأداء الفلسطيني كما تقطع الطريق على اشتقاق وسائل نضالية جديدة للتعامل مع تحديات المرحلة .

وأخيرا مطلوب من القيادة الفلسطينية والكل الفلسطيني مغادرة مربع الانتظار والاكتفاء بالتنديد وحديث التمسك بالثوابت لأن الزمن في ظل استمرار أوضاعنا على حالها لن يخدمنا، قد يُطيل من العمر الوظيفي للنخبة السياسية ولكنه لن يجلب إلا مزيد من الدمار للإنسان الفلسطيني ومزيد من ضياع الأرض .

 

د. إبراهيم ابراش

   

 

saieb khalil2تعالوا نتخيل أن فشلنا في الحصول على حكومة وطنية مناسبة، هو مثل رسوب الطلاب في الامتحان في نهاية العام، وأن مقاطعة الانتخابات هي رفضنا إعادة السنة الدراسية والامتحان من جديد. ونتيجة هذا الإضراب، يستدعي مدير المدرسة واحد من المعترضين ليناقش الأمر معه، وليكن أنت، فماذا ستقول له وماذا كان سيقول؟ ستقول: أنا لا أستحق النتيجة.. قانون الامتحانات لا يعطي فرصة للنجاح ابدا... اللجنة الامتحانية ليست امينة... هناك تلاعب في النتائج... "دستور" المدرسة طائفي .. ونظام حساب الدرجات ظالم..

سيقول لك المدير، انا أعترف لك ان مدرستنا فاسدة لكنك في الحقيقة لا تدري حقيقة ومكان فسادها، وصرت "تخوط بصف الاستكان" كما يقولون. دعني اسألك بعض الأسئلة: أولا ما هي المادة في قانون الامتحانات التي منعت نجاحك؟

لن تجد جوابا....

ثم يسألك مدير المدرسة الفاسدة: في أي درس كنت تأمل أن تنجح (ترجمة: في أي الأحزاب وضعت املك أنها ستفوز) لو أن اللجنة كانت امينة؟ .. لن تجد جوابا..

ثم يسألك أي تلاعب في النتائج بالضبط أدى إلى رسوبك، وفي أية مادة؟ (ترجمة: على كم مقعد حصل الحزب الذي تأمل فوزه وكم كان سيحصل برأيك لولا التزوير؟ وهل الفرق كاف لإحداث تغيير مهم؟).. لا جواب ... (أنت لا تأمل بأي حزب او كتلة او جهة من التي ترشحت وشاركت في الانتخابات.. فمن اين تأتي اللجنة لك بحزب يرضيك؟)

وبهدوء سيسألك عن تهمة طائفية دستور المدرسة فيقول: من اية طائفة أنت، وكيف تم التمييز ضدك من قبل القانون فرسبت؟ طلاب أية طائفة نجحوا وطلاب أية طائفة رسبوا؟.. لا جواب (الطائفية تفضيل لطائفة على أخرى ومنحها الميزات، لكن لا توجد طائفة في العراق لا تشعر بالخيبة والهزيمة، ولا تشعر أية طائفة انها نجحت في انتخاب من يمثلها، فلمن كانت طائفية الدستور أو اللجنة إن كانا طائفيين؟)

وأخيرا سيسألك: كم درجة أعلى كنت تتوقع لو كان نظام حساب الدرجات (ترجمة: سانت ليغو) كما تريد؟ وهل خسرت بسببه ما تسبب في رسوبك؟

وبعد ان ينتظر المدير صمتك الطويل، يضيف: هل تعلم كم درجة (ترجمة: مقعد) يمكن ان يفرق هذا القانون عن غيره؟ .. (وطبعا أنت لا تعرف، فتسكت.... فيضيف هو) درجة واحدة فقط! درجة من مئة درجة، وعلى الأكثر ولا درجة! (مقعد واحد فقط زائد او ناقص، ولعدد قليل من الأحزاب). فهل كنت ستنجح لو حصلت على درجة واحدة إضافية في درس ما؟ (هل ستعتبر النظام الذي يمنح حزبا ما، مقعدا إضافيا واحدا، هو ما كان سيغير الحال والنتيجة؟).. وعلى أي درس تخشى من هذا النظام في السنة القادمة لتشترط تغييره؟ (على أي حزب تحرص وتغضب لاحتمال خسارته مقعدا في الانتخابات القادمة؟)..

الصمت يسيطر مرة اخرى.. فيكمل المدير: - إذن.... حتى لو كان قانون المدرسة مثل ما تريده، ولو تركنا لك اختيار نظام الامتحانات، ولو كانت اللجنة الامتحانية من الأنبياء.... لم تكن ستنجح (لم يكن هناك حزب تثق به، وإن كان فلم يكن له أي أمل بالفوز حتى في انتخابات مثالية بما يكفي ليشكل الحكومة أو يكون أساسيا فيها.. الخ).. أين الخطأ إذن؟

- المدرسين... نريد مدرسين عندهم شهادات عالية (ترجمة: نريد حكومة "تكنوقراط").

- وهل نجحت في الدروس اللي مدرسيها عدهم شهادات عالية؟ مدرسي درس "الكهرباء" تقريبا كلهم كانوا شهادات عالية، هل نجحت فيه؟

- طيب نريد مدرسين غير مرتبطين بالإدارة حتى يعطوا مادة صحيحة وليس مواد محددة مسبقاً خوفاً من عقوبة الإدارة (ترجمة: نريد ساسة ونواب مستقلين لكيلا يكون لديهم كتل يخافون منها ويصوتون حسبما تفرضه عليهم من قرارات فاسدة).

- أولاً، من حق المدرس وواجبه ان يطلع على أسلوب عمل المدرسة ومنهجها قبل ان يطلب التعيين، فيمكنه ان يرفض او يقبل بذلك المنهج ومن الطبيعي ان يكون للإدارة حق توجيه المدرسين ليلتزموا المنهج الذي وافقوا عليه. ثانياً الطلاب الذين اختاروا المدرسة إنما اختاروها لمنهجها أيضا، وليس من العدل ان لا نلزم أنفسنا به. فهل تقبل أن تختار انت مدرستنا مثلا، استنادا إلى منهجها، ثم تجد أن مدرسيها كل واحد يعطي ما يراه مناسباً من مادة؟ في أية مدرسة في العالم يوجد هذا؟

- ثانياً، من أدخل في رأسك أن المدرسين أفضل من الإدارة وأكثر اخلاصا للطلاب (النواب أكثر وطنية من رؤساء كتلهم)؟ إن كانوا هكذا لماذا قدموا طلب التعيين في مدارس لا يقبلون سياسة ادارتها أو لا يثقون بها؟ (لماذا يسجل النواب “الوطنيون” في كتل يقودها فاسدون؟)  ثم هل تتصور ان الإدارة الفاسدة غبية أم أنها لا تجد سوى مدرسين شرفاء يختلفون عن توجهها فتضطر الى مراقبتهم والضغط عليهم؟ لماذا لا تختار فاسدين مثلها؟

وجهك يحمر... ومازلت غاضباً رغم أنك لم تعد تدري لماذا ومن أي شيء، فقد فند المدير كل أسباب "زعلك" التي جئت محملاً بها، من المدرسة وقوانينها ولجنتها..

- "طيب انا اخوط بصف الاستكان... انت المدير قل لي كيف رسبت إذن؟؟؟" 

- العوامل عديدة وحتى أنت مشارك في رسوبك، بل انت اللاعب الأساسي فيه!

- كيف أنا مشارك؟

- إسمع... إذا لم يكن قانون المدرسة أو لجنتها رغم فسادها ونواقصها الكثيرة التي نعترف بها، هم السبب في رسوبك، ولا المشكلة في نوع المدرسين أو علمهم، ولا ضغط الإدارة ولا غيرها من الأشياء التي كنت تتصورها، فمن هو المسؤول عنه برأيك؟ أين التقصير الأساسي وإلى من يجب أن توجه "زعلك"؟ 

- وماذا كان بإمكاني ان افعل؟

يتبع ..

 

صائب خليل

................

مقالة سابقة: مقاطعة الانتخابات – مقاومة أم “زعل”؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1714235778633484

 

ibrahim abrashلكلمة الحرية، وخصوصا حرية الرأي والتعبير، وقعّ جميل على النفس ووقر في العقل وباتت أقنوم لا يمكن المساس أو التشكيك به، حتى محاولة تقنينها رسميا ووضع ضوابط لها من أجل المصلحة العامة سيُعتبر انتهاكا يستَوجب مقاومته، وفي المقابل فإن كثيرا من الجرائم والانتهاكات لحقوق المواطنيين والوطن يتم ارتكابها بسبب التوظيف غير العقلاني وغير المنضبط أخلاقيا ووطنيا للحرية، كل ذلك يجعل مقاربة الحرية مفهوميا وممارسة يدخل في باب النسبية، زمانا ومكانا وثقافة، لذا تعددت مستوياتها والمدارس والنظريات حولها .

من ناحية ابستمولوجية سياسية، فإن الفلسفة الكامنة وراء قيام وتأسيس الدولة - المجتمع المنظَم -هو تقييد الحرية المطلقة أو الفطرية التي صاحبت حياة المجتمعات البدائية – مجتمعات ما قبل الدولة -، وهذا ما قال به علماء السياسة والاجتماع وخصوصا منظرو نظرية العقد الاجتماعي كتوماس هوبس وجون لوك وغيرهم، فالحرية المطلقة حيث كان من حق كل إنسان أن يعمل ما يريد دون ضوابط كانت عبئا على المجتمع لما يصاحبها من فوضى واقتتال، فكان تأسيس الدولة بهدف تنظيم هذه الحرية وردعها وتوجيهها بما لا يتعارض مع حرية الأخرين أو المصلحة العامة من منطلق أن الصالح العام يعلو على مصلحة الأفراد .

ومن ناحية منطقية وواقعية فعندما يطالب المدافعون عن حقوق اللإنسان بمنح الشعب الحرية بكل مشتملاتها يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الشعب المُخاطب والمستَهدف ليس مجتمع ملائكة بل بشر داخل كل منهم نوازع خير ونوازع شر، وفي أي مجتمع هناك العقلاء الذين يفقهون معنى الحرية المتاحة لهم فيوظفونها بما يخدم مصالحهم دون الإضرار بالمجتمع والدولة، ولكن في المجتمع أيضا السفهاء والمجرمون والجهلة الذين لا يميزون بين الصالح والطالح وينساقون وراء غرائزهم البهيمية ولا يدركون معنى الصالح العام أو الأمن القومي .

حتى تؤدي الحرية وظيفتها في حفظ كرامة المواطن وإنسانيته وتمتعه بالحقوق التي تضمنها له كل الشرائع والدساتير الدينية والوضعية فإنها تحتاج لحاضنة، والحاضنة ليست فقط العقل المجرد للمواطن ورغباته الذاتية، لأن المجتمع مكون من مواطنيين بعقلانيات مختلفة ومصالح ذاتية متضاربة، كما أن الأنظمة السياسية لوحدها لا يمكن المراهنة عليها كحاضنة للحرية وضامنة لها وتحديدا في الدول غير الديمقراطية .

حاضنة وضمانة الحرية بيئة سياسية اجتماعية ثقافية تقوم على توازن دقيق بين حق المواطنيين بأن يكونوا احرارا وحق الدولة في الحفاظ على الاستقرار والصالح العام وهذا التوازن لا يتاتى بين ليلة وضحاها أو بقرار لحظي بل هو حصيلة سيرورة تاريخية من النضالات الشعبية والتحولات السياسية والثقافية والقانونية .

نظرا لمركزية الحريات وخصوصا حرية الرأي والتعبير في حياة الشعوب فقد أولت المنظمات الدولية وخصوصا هيئة الأمم المتحدة أهمية قصوى لمسألة الحريات بكل أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية كمكون رئيس في منظومة حقوق الإنسان، وفي نفس الوقت تم وضع ضوابط لممارسة هذا الحق . مثلا ما ورد في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، حيث نصت على : "

1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

(أ‌) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،

(ب‌) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة."

بالإضافة إلى البعد القانوني الدولي، لا يمكن فصل حرية الرأي والتعبير باعتبارها مكون من مكونات حقوق الإنسان عن الثقافة السائدة في المجتمع وعن طبيعة النظام السياسي القائم وفلسفته . ثقافة الحرية هي ما يضمن تحقيق الحرية لأهدافها بما فيه صالح الوطن والمواطنيين، وثقافة الحرية نتاج مشترك لمجتمع متعلم متحضر ديمقراطي ولدولة القانون، فوعي الحرية كحقوق يقابلها واجبات أمر سابق على ممارستها، ووعي الحرية يعني أن المواطن يعرف ما له من حقوق وما عليه من التزامات وأن حدود حريته تتوقف عندما تمس حقوق الآخرين والمصلحة الوطنية كما يحددها الدستور أو الأعراف .

ففي مجتمعات متقدمة وديمقراطية كأوروبا واليابان يكون مجال الحرية أوسع لأن الثقافة السائدة ثقافة عقلانية حضارية ولأن الناس تعودوا على العيش مع الحرية لعقود، وبالتالي يتم ممارسة المُتاح من الحرية للمواطنيين بما لا يسيء لحرية الآخرين أو يمس بالمصلحة العامة . ومع ذلك ففي الغرب ذاته هناك حدود للحرية السياسية والاجتماعية وحتى الحرية في مجال البحث العلمي .

عندما صوت الكاتالونيون لصالح الانفصال عن إسبانيا تدخلت الحكومة بأجهزتها الأمنية لتمنع الانفصال، كما تتدخل حكومات الغرب الديمقراطية للحد من النزعات المتطرفة والفاشية وعندما يتم ممارسة الحرية، فرادا أو جماعة، بما يتعارض مع القانون والمصلحة العامة، أيضا تدخلت الحكومات في مجال البحث العلمي عندما وصل لدرجة القدرة على التلاعب بالجينات البشرية والحيوانية وشفرة خلق البشر الخ، هذا ناهيك أن الغرب الديمقراطي هو نفسه الذي مارس الاستعمار وما زال ينتهك حقوق وحريات دول العالم الثالث ويدعم أنظمة استبدادية .

أما في غالبية دول الجنوب ومنها العالم العربي حيث لم يتعود الناس على الخصوع للقانون والتمتع بالحرية السياسية، وترتفع نسبة الأمية والجهل وينقسم الشعب انقسامات حادة عرقيا وطائفيا ومذهبيا ...فإن منح الحرية على إطلاقها أو بدون ضوابط تراعي الثقافة السائدة سيفيد قلة من الشعب و الاقوياء ذوي المصالح الكبرى، ولكنه قد يضر بمصالح البسطاء من الشعب وقد يؤول الأمر لحالة من الفوضى .في نفس الوقت فإن الأنظمة القائمة ولأنها غير ديمقراطية فإنها تخشى ثورة الشعب عليها إن منحته مزيدا من الحريات، وفد رأينا إلى ما آلت إليه الأمور عندما منحت الحكومات العربية والإسلامية الحرية للجماعات الإسلاموية للعمل السياسي دون ضوابط خوفا من اتهام الحكومات بأنها دكتاتورية أو مناهضة للإسلام، أيضا عندما تم منح الحرية بدون ضوابط لمؤسسات تعمل تحت عنوان المجتمع المدني حتى لا يتم اتهام الحكومات بانها غير ديمقراطية الخ .

الحرية في المجال الإعلامي كالحرية في المجال السياسي ليست حقا مطلقا بدون ضوابط وطنية وأخلاقية وقانونية مهنية، خصوصا مع توسيع فضاء الإعلام مع الثورة المعلوماتية من فضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي .

اتاح الفضاء السيبراني فرصة كبيرة لرجال السياسة والأحزاب والجماعات الدينية وللمحللين السياسيين وأصحاب الرأي للتواصل مع الجمهور، وهذا أمر إيجابي، ولكن في نفس الوقت وفي ظل بيئة ثقافية وأجتماعية كالبيئة العربية فإن اشتغال هذه التقنيات الإعلامية وخصوصا في المجال السياسي أربك المواطنين وشتت فكرهم وشككهم بثوابتهم ومرجعياتهم ومنظوماتهم القيمية والوطنية التي كانت تشكل غراء التماسك الاجتماعي والوطني، وبات كل شيء مشكوكا فيه ومحل إعادة نظر وخصوصا عندما يتم اللجوء إلى مفردات التخوين والتكفير وإدعاء الحقيقة من هذا الطرف أو ذاك، وتجنيد القوى السياسية المتصارعة لجحافل من المحللين والخبراء والمتخصصين السياسيين وكل منهم يدعي أنه ينطق بالحقيقة ويعبر عنها .

التداخل بين السياسة والإعلام نلاحظه من خلال ما يجري في زمن فوضى الربيع العربي، حيث لم تقتصر الفوضى على السياسة وتدمير الدول وتفتيت المجتمعات بل صاحبها فوضى الإعلام حيث لم يكن الإعلام، خصوصا التابع منه لأطراف الفوضى من دول وجماعات، مجرد ناقل للخبر بل كان وما زال صانعا للحديث ومثيرا للفتن .

لا غرو أن الحرية السياسية والاجتماعية جوهر الديمقراطية وأهم حقوق المواطن ومستلزمات المواطنة، إلا أنها ليست حقا مطلقا ومفتوحا دون حدود وضوابط، لأنها في هذه الحالة تؤدي للفوضى، والخلل ليس في مبدأ الحرية ولكن في منحها لشعب متشكِل من شرائح ومستويات ثقافية وسياسية واجتماعية متباينة في تصوراتها ومصالحها ومذاهبها .

إن الحد من الفوضى السياسية والإعلامية وإعادة تنظيم المشهد الإعلامي ولجم فضائيات ومواقع الكترونية وفقهاء دين بمنعهم من تمرير سياساتهم المشبوهة تحت عنوان الحريات الإعلامية وحرية الرأي والتعبير .. كل ذلك قد يصبح في بعض المنعطفات والظروف شرط ضرورة لتمكين الدول من القيام بوظائفها والحفاظ على وجودها، كما هو الحال اليوم مع الدول التي تتعرض لفوضى ما يسمى الربيع العربي والمُهدَدة بوحدتها الوطنية والترابية .

الحريات السياسية والإعلامية إن لم تكن في خدمة الوطن والمصلحة العامة وعندما تصبح أداة في خدمة جهات أجنبية معادية أو جماعات إسلاموية مشبوهة هدفها تفتيت وحدة المجتمع وتدمير الدولة الوطنية، فالحد منها يصبح مسؤولية وطنية وقومية وأخلاقية .

لكن في نفس الوقت يجب الحذر من توظيف الأنظمة السياسية العربية خطر الإرهاب والحاجة لتقنين وتنظيم الحريات حتى تقوم بتصفية معارضيها السياسيين الديمقراطيين والمثقفين التنويريين ولتثبيت تظامها غير الديمقراطي أو للتغطية على فسادها وعجزها .

المطلوب اليوم حماية استقلال وحرية الوطن والحفاظ على ما تبقى من كرامة للمواطن وثوابت للأمة وعقلنة مطلب الحرية وخصوصا حرية الرأي والتعبير ما دامت غالبية القوى المثيرة لفوضى ما يسمى الربيع العربي أكثر سوءا من الأنظمة السابقة من حيث التزامها بالديمقراطية وبالمصلحة الوطنية، وفي نفس الوقت على الأنظمة القائمة الالتزام بمتطلبات التحول الديمقراطي وبدولة القانون .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

- النظام الذي انتج بعد 2003 لم يكن سوى استبدال استبداد نظام الفرد والعائلة باستبداد الطوائف ، الذي يجري العمل للحفاظ عليه لأقصى فترة ممكنة ولمصالح دولية- إقليمية – داخلية. هذا النظام عاجز عن انتاج أو بناء ديمقراطية حتى في حدودها الدنيا بما يحقق جزء من مصالح العراقيين، بسبب المسافة المتسعة بين الفئات التي انتجها، وابرزها البيوتات المالية وبين الافقار المتواصل للعراقيين، اضافة للصراع المتنامي بين اطراف هذا النظام على مواصلة سياسة النهب والتهور بكل مصالح العراقيين. يوم بعد اخر يجف عود العراقيين ليصبح اكثر قابلية للاشتعال ولن ينقذ هذا النظام شيء ما. أحد الاسباب التي تعيق ذلك هو الافتقاد الى قوى جامعة ومحركة لتوجه سهام الغضب الشعبي الذي يتصاعد، باتجاه النظام القائم. لا اعتقد انه يوجد امل جاد في اصلاح هذا النظام الفاسد والمتعفن من راسه الى اخمص قدميه.

- ربما يدرك الكثير منا، انه من الصعب أحداث انعطافة في مسار الوضع القائم، الا بتصدع في جبهة القوى المتنفذة، التي ابدت درجة غير قليلة في قابليتها على امتصاص بعض الصدمات وقدرتها – بسبب توافر ظروف معينة - للوصول لمساومات جديدة، أو بانحياز قطاعات منها الى مطاليب الجماهير واجراء اصلاحات جادة في مجمل الوضع.

- كان الشيوعيون هم القوى المشاكسة في مواجهة هذا النظام، واستطاعوا لحد ما، كسر العزلة المفروضة عليهم ولأسباب عديدة، باتجاه وتوسع خطواتهم وباتجاه بناء تيار مدني - ديمقراطى، ترافق ذلك كلة بأشياء عدة، ابرزها تحديهم في خوض الاحتجاجات الفعلية. اذا نجحت الخطة الامريكية والاقليمية وكما كان مخطط له، في هتك أعراض المعارضة العراقية السابقة من خلال استيعابها واغراقها بالفساد، بل بتحويلها الى مفرخة جديدة للفساد والارهاب واللاوطنية وغيرها من الانحطاط على كل المستويات. يبقى رأس الحزب الشيوعي العراقي وكل القوى الوطنية و الديقراطية مطلوبا . كل شيء ممكن في هذا البلد الا المشروع الوطني والذي لا يمكن أن يكون الا ديقراطيا وعلمانيا.

- ارتفع هرم البرنامج الشيوعي على زوايا الوطنية – الديمقرطية – المدنية . حاول الشيوعيون الاقتراب من الاخرين عبر هذه الزوايا وقد احتلت فيه الزاوية الأولى المكانة الابرز في هذه المقاربات. تحالف العراقية. المشاركة في حكومة المالكي الاولى،. الموقف الايجابي من العبادي. فشلت هذه المقاربات ويتحمل الطرف المقابل مسؤولية ذلك، ورغم كل الملاحظات والانتقادات، الا ان الشيوعيين حصدوا نتائج سياسية هامة وكبيرة . ابرزها كفاءتهم ونزاهتهم ووطنيتهم..

- يشكل مشروع (سائرون) كما سبق ان كتبت، أول شرخ حقيقي في بنية القوى المتحكمة في السلطة هو يحمل أمكانية وأوكد أمكانية فتح الطريق امام توجهات جديدة فيما لو جرى التعامل بوعي وحنكة وبدون أوهام. هذا الامر يعتمد على أمور عدة وأبرزها، مصداقية اطرافه وحرصها. هو ممكن أن يكون سيرورة لتفاعلات جديدة، لا يمكن رسم ملامحها الان. مثلا خطاب سائرون الذي ألقاه رئيسه وهو خطاب لا يعاب عليه شيء. بالتأكيد لن يكون هذا الخطاب في عزلة عن جماهير الصدريين وعموم العراقيين. تحالف سائرون هو تحالف انتخابي ومن الضرورة ان نفهمه كذلك، لكن ارى فيه امكانية لتعريق السياسة واكسابها طابعا وطنيا، بعد ان اصبحت السياسة في العراق واجهات لسياسات أقليمية من قبل القوى المتنفذة. قد يفشل سائرون في تحقيق كتلة كبيرة أو ذات وزن، وقد لا يصل الشيوعيون أو اصدقائهم الى البرلمان، وحتى حضورهم ربما يكون هامشيا، أو يتم شراء قسم من اعضاءه. هذه وغيرها كلها أمور واردة. في بلد اصبحت السياسة فيه للكثير وبالذات القوى المتحكمة فيه، نوعاً من العهر. يظهر ان القوى المتنفذة لن تتخلى عن مسلكها السابق والثابت في التزوير وتقاسم الاصوات وترميم جبهتها. مقدمة ذلك كان اقرار قانون الانتخاب والتصويت الالكتروني وغيرها. تحالف سائرون، لن يقوده ويحركه سليماني او السفير السعودي أو التركي وغيرهم، رغم ضرورة عدم تجاهل هذه المساعي التي ستبقى قائمة.

- في تحالف سائرون هناك قوى غير الصدريين لم تكن رايتهم بيضاء، وكذلك في (تقدم) وبمساعدة جوجل واليوتيوب، ستكون صورة المعلومات أوضح، وربما هو هذا المسكوت عنه، في التحالفات. أس المشكلة يمكن بالتحالف مع الصدريين، فهم قوى جماهيرية ومالية وعسكرية وذات منهج ديني وغيرها، لكن للصدريين ازمتهم التي لا تخفى، وهي أزمة قواعدهم الشعبية وتمثليهم البرلماني والحكومي الواسع، والذي اظهرت الايام فساد اغلبيتهم وكونهم لا يختلفون عن السائدين. لا اتطرق هنا لجوانب اخرى لصراعات الصدريين مع القوى الاخرى لأسباب سياسية أو عقائدية وغيرها. بمعني العمل مع قوى كبيرة وفعالة دون أن نُبتلع ونستطيع ان نحصد نتائج طيبة في ضوء الحفاظ على استقلاليتنا في كافة الجوانب.

- تحالف سائرون هو الان واقع حي، بعيدا عن كل الملابسات التي تحيط في الاقدام عليه. السؤال الحي الذي يتطلب ضخه بالمزيد من الاوكسجين هو كيفة تطوير القابليات والكفاءات على كل المستويات لخوض هذا العمل. بتقديري افرز هذا الامر للشيوعيين عدة جوانب:

- اضيف لما كتبته في مقالي السابق (الشيوعيون والصدريون. الى اين). أن هذا الامر هو الخطوة الاولى والجادة في تقديري في تحول الحزب الشيوعي الى حزب انتخابي. ما سبق ذلك اعتقده مجرد شعار سياسي. اضاف ضبابية للوضع وترتبت عليه نتائج غير سليمة وعلى عدة مستويات ومنها التنظيمية.

 - هناك انعطافه حادة وسريعة في حركة الشيوعيين، لم نعهدها سابقاً في اغلب تاريخهم في انتقالهم الى موقع اخر. اربك العديد من مناصريهم ورفاقهم وحلفائهم. هل يشكل هذا الامر منطلق لدور براغماتي اكبر في السياسة ؟؟؟

- من جانب اخر فضح هذا الامر الكثير من النواقص والخلل والذي استمر تغطيته وتغافله. اظهر اهمية أعادة الحياة لشعار ديمقراطية الحزب والذي اثرته منذ 2008 في احد المقالات والمناسبات، والتي ازعجت البعض. فقد اظهرت آليات اتخاذ القرار وهو قرار استثنائي، الديمقراطية العرجاء. أظهرت الخلل في رقابة الهيئات الدنيا على العليا، وخلل ايصال المعلومات التي غالبا ما تكون معلبة في نشرة اصح ما يطلق عليها محدودة التفكير بدلاً من محدودة التوزيع. اظهر مخاطر القبضة الحديدية على اعلامهم وعدم قدرته للتحول للتعبئة والتحريض واختناقه في المواقف المؤيدة للسياسات المعلنة وعدم قدرة هذا الاعلام على استيعاب وجهات النظر الاخرى وحتى ضمن زاوية حرة.. وللاسف ان تنشر صفحة الطريق أول المقالات في الدفاع عن هذا التحالف لتجمع كل المعارضين بسلة واحدة وتوجه لهم مجموعة من الاساءات والكلمات البائسة، لقد كان ومازال عدد كبير من هؤلاء المنتقدين هم خيرة ابناء الحزب وخيرة مقاتليه ومناضليه. صرفوا شبابهم واعمارهم وهم يحملون دماءهم على اكفهم. ومن المؤسف أن تنشر صفحة الطريق مقالة يتضمن هذا الامر. أن هذا الصوت المعارض والمنطلق من الحرص والذي يجب ان يأخذ مكانه، هو الصدى الداخلي، القادر على خلق التوزان ويحد من الاندفاعات غير المبررة في عملية تبدوا للكثيرين انها اشبه باللعب بالنار. الاعقد من ذلك كله، هو العودة الى الواجهة، ذلك الخلل المتأصل ولتاريخ طويل في القدرة على ادارة الحوار والخلاف الداخلي وخاصة في المنعطفات، بما يغني عملهم.. لقد انشغل الكثير منا، واستهلكت طاقة كبيرة قبل الدخول ساحة العمل، وكان من الممكن ان تستثمر بشكل اخر لو امتلك الشيوعيون زمام المبادرة، بدل الترقب، وحولوا هذا الامر الى رافعة جديدة في عملهم الفكري والسياسي وانفتاحهم على من يحيطون بهم.

- أن المعيار الحقيقي لنجاح سياسة الحزب هو قدراتها تعبئة الجماهير حولها والدفاع عنها وانعكاس ذلك في تطور مجمل عمله،وليس التصويت المربك والذي اعتبر حاسماً، وليست الاغلبية مؤشر على هذه الصحة، فلقد صادق المؤتمر الثالث في 1975 بالاجماع تقريباً على سياسة كانت نتائجها كارثة.

- قدرة الشيوعيون والحكمة على تقديم مرشحين يتمتعون بالنزاهة والكفاءة والصلابة باتخاذ المواقف المستقلة وخاصة في تقديم مرشحي مجالس المحافظات، والتي من الضروري ان تخضع لرقابة المركز، لها اهميتها الخاصة. أتمنى أن تكون (دار السيد مأمونة) في هذا الجانب. الى جانب ذلك يبقى العمل مع قوى (تقدم) جانبا هاما وملحا ويمتلك أوليات كبيرة.

 ان تحالف سائرون اصبح الان واقعاً حياً. لكن السؤال الاهم، هو ما العمل الان؟ فهل يستطيع الشيوعيون، اخذ زمام المبادرة؟ وهل يستطعون استنهاض قواهم في تحدي جديد، لتجميع أكبر الطاقات بما فيهم المختلفين مع هذه السياسية وعدم الاستهانة باي كان. هل سيكون هذا منطلقاً جاداً لترميم واصلاح ما ظهرمن خلل ونواقص وهل سيكون حافزاً جديداً لتطوير اساليب عملهم؟

 

د. أحمد ألشيخ أحمد ربيعة

 

 

ان ما يعانيه العرب اليوم من ذل ومهانة جاء بسبب تخلفهم وغبائهم وطمع الغير فيهم ونهب خيراتهم التي لم يحسنوا التصرف بها فأراد الغرب ان يسترقهم بخيراتهم . وإذا كانت الحروب لم تعد مصدرا للرق، فإن القوى الاستعمارية قد استبدلت الرق بالتبعية الاقتصادية والسياسية، فالتبعية الاقتصادية تمارس الاستعمار بالتجويع، وبالتبعية السياسية تمارس الاستعمار بالتخويف، كلاهما الوجه الاخر لاسترقاق الشعوب. اصبح التعبير الذي يقدم عادة هو انتساب ذوو السحنة السمراء (ومنهم العرب) المزعوم لحام الابن الملعون من ابناء نوح وهذا ما جعل اللون الاسود مكروها لا من الناحية الجمالية فقط بل لأنه صار رمزا لوصمة اخلاقية.

يقول وزير الزراعة الامريكي الاسبق بوتز Butz أن الغذاء هو سلاح وأداة قوية في سياستنا. وفي نفس الوقت تقول مصادر استخباراتية امريكية بأن تزايد نقص القمح في العالم يعطي واشنطن القدرة على احياء وإماتة ملايين البشر؟ ألا يدل ذلك وبكل وقاحة ان الغذاء اصبح مصدرا للاستغلال والابتزاز في المجالين الاقتصادي والسياسي ووسيلة للتحكم بأولئك المعذبون في الارض. من تتحكم في خبزه قادر على التحكم في فكره، وتعطيل عقله وإلغاء قدرته على كل ما هو رفيع من ملكاته وقدراته.اما ان نعتمد على انفسنا وننتفع بكل جزء من مواردنا او نتكل على غبرنا ونترك له استغلال خيراتنا ونظل متخلفين الى الابد.

لا شك ان هذه المنطقة ليست كغيرها من المناطق، فهي قلب العالم ومعبر طرقه وملتقى قاراته وهي سوق استهلاكية لمنتجات الغرب وبالتالي فليس بوسع الغرب تركها وشأنها فعلى مر العصور شهدت هذه المنطقة عديد الحروب ادت بالنتيجة الى احتلالها من قبل الاخرين، فلم تهنأ الامور بالمنطقة وتوالت الكوارث والمحن، ومع ظهور البترول شهدت بلدان المنطقة نوعا من الاستقرار وشيئا من التمدن، ذهبت معظم خيراته الى جيوب الغرب وأعوانهم. فكل الحروب التي شنت علينا باطنها الغذاء واقتناص اللقمة من افواهنا لكن اهدافها العلنية اما دفاع عن الدين (الحروب الصليبية) او الكرامة الوطنية (الحرب على الارهاب) او نشر الديمقراطية. وإما انهم يحبوننا لدرجة الاستحواذ علينا وأكلنا كما تأكل انثى العنكبوت رفيقها. مشاهد كثيرة جرت احداثها على خشبة مسرح يمتد من المحيط الى الخليج. وأصبحت اليوم ساحة تتنافس عليها مختلف اشكال الاستعمار الجديد، وارض صراع وتحد حقيقي بين الشرق والغرب.

قامت الدول الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبسبب الموقع الاستراتيجي للوطن العربي على تقسيمه وتفكيكه، وأقاموا ممالك ومشايخ على مواقع الثروات وخلقوا هذه الدول دون امتلاك مقومات الدولة.

استطاع الغرب وبجناحه العسكري (الناتو) وبعد سنوات ان يهزم المنظومة الاشتراكية وحلفها العسكري وارسو بل يفكك روسيا نفسها وبالتالي فقد الناتو مبرر وجوده إلا اذا كانت له أهدافا أخرى فتمدد شرقا وأصبح على اعتاب موسكو، تخلّص من الشيوعية ولم يبقى امامه سوى العرب والمسلمين ولا بد من سيكس ــ بيكو جديد.

سعى الغرب الى تقسيم المسلمين بين سنه وشيعة وإحداث الفتنه بينهم وإيهام العرب ذوو الغالبية السنية بأن الخطر قادم من بلاد فارس عبدة النار والذين يسبون الخلفاء الراشدين وأم المؤمنين عائشة! ولهم مزارات خاصة بهم قد تلههم عن زيارة الكعبة المقدسة فلتبدأ الحرب بين دولتين متجاورتين احداهما سنية والأخرى شيعية فأوعزوا الى صدام حسين بمقاتلة الثورة الفتية فلم تمض سنة حتى كانت حرب الخليج بحجة استرداد عربستان الى العراق فاستمرت الحرب لأكثر من ثمان سنوات انهكت الجانبين وقد دفع امراء الخليج ثمنها من عائدات النفط التي كان من المفروض ان تستخدم في تنمية شعوبهم وفقد العراقيون ابناءهم ، لم يهنأ الغرب ولتحقيق الفتنه عاود الكرّة مرّة اخرى ولتصبح ايران العدو الاوحد للعرب وتترك (اسرائيل) التي تحتل القدس بل تزداد توسعا يوما بعد يوم بقضم ما تبقّى من الاراضي .ولقد لاحظنا عبر التاريخ ان الامم تنهض برجالها وإذا غاب الرجال فإن الامة (ان وجدت) لن تستطيع حماية اي فرد من أفرادها، ويقول المثل (الرجل يحيي قبيلة والقبيلة لا تحيي فرد!!).وهذا هو حال العرب.

***

على مدى 7 سنوات يعيش العرب حالة من الخوف وعدم الاطمئنان، بعض الدول تشهد صراعا مسلحا على السلطة وان بدرجات متفاوتة، كل شيء معطل، بليارات الدولارات تهدر، آلاف الشباب العاطل عن العمل ينضم الى تنظيمات ارهابية انشاها الغرب لتدمير ما تم انجازه خلال عقود "وان كان البعض يرى انه لم يتحقق شيئا خلال تلك الحقبة التي غلب عليها حكم العسكر، تفكك البنية الاجتماعية، صراعات مذهبية وطائفية وقبلية تغذيها الاطراف الخارجية وللأسف بعض بني عمومتنا يسعون بكل ما اوتوا من قوة لزعزعة الاستقرار، ربما لتحقيق مكاسب شخصية وهؤلاء من خلال ذلك يقومون بتنفيذ اجندة خارجية تهدف الى ايجاد شرق اوسط جديد.

اخوتنا في جزيرة العرب الذين يرثون الحكم كابر عن كابر، وقد حباهم الله ثروات هائلة، لم يعملوا على بناء قوة تجعلهم امنين فوق ارضهم، لا يزالون يعتمدون اعتمادا كليا على الغرب في الدفاع عنهم، في حين ان هؤلاء تحكمهم مصالحهم وعلى استعداد للتضحية بـ(اصدقاء الامس) ان وجدوا مصلحتهم في غيرهم والادلة على ذلك كثيرة شاه ايران، وماركوس حاكم الفلبين.

الانظمة التي كنا نعدها عروبية، استطاع الغرب ان ينفذ اليها حيث استطاع "اعوانه" ان يتقلدوا مناصب هامة ببعض الدول ومنها آخر وزير خارجية في عهد القذافي ، الرئيس الاسبق لاحد الاجهزة الامنية، كما لا يفوتنا الحديث عن الجنرال المصري عمر سليمان وكيف انتهت به الحياة بعد عمر مديد من الخدمة لنظام حسني مبارك والأمريكان في زعزعة الوضع العربي والفلسطيني، فكان خبر وفاته أثناء تلقيه العلاج في احد المشافي الأمريكية مفاجئاً أيضاً طرح علامات الاستفهام والتعجب والدهشة، خاصة وأنه جاء بعد حوالي شهرين من تسريب وثائق سرية للتعاون الاستخباراتي بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن فيما يخص القضايا العربية والإقليمية وفي مقدمتها فلسطين وحركات مقاومتها.

الدول العربية التي تعاني ازمات اقتصادية، اخذت نصيبها من الخنوع واستدرار عطف الغرب، ظاهره جلب استثمارات لخلق فرص عمل جديدة لشباب يعيش وقت فراغ قاتل سبب في احداث اوضاع امنية مميتة، بوقوعهم في ايدي جماعات ارهابية، عمل على تأسيسها الغرب، ساسة فرنسا الاستعمارية يعود بهم الحنين الى شمال افريقيا التي جثموا على صدور اهلها لعقود حيث كانت الحديقة الخلفية لها ومصدر التموين الرئيس لغالبية السلع الغذائية، وطأت اقدامهم النجسة ترابنا المغاربي الطاهر، عده ساستنا خير وبركة عليهم، بل وصل الامر بالسيد محسن مرزوق المستشار السياسي للرئيس التونسي القول بشان زيارة ساركوزي الى بلاده بالقول: " الاهم بالنسبة الينا هو رؤية ساركوزي يتجول في اسواق تونس ومتاحفها وبين مواطنيها وفي ذلك دعاية جديدة للسياحة والاقتصاد التونسيين وللنموذج التونسي في الاعتدال ، ونحن نرحب بساركوزي وديف كامرون واوباما وميركل وكل من ينوي زيارة تونس ودعمها لإنقاذ موارد رزق حوالي مليون تونسي"، متناسيا وللأسف ما سببه الصديق ساركوزي للشعب الليبي من دمار وانتشار جماعات ارهابية على التراب الليبي ما يؤثر سلبا على امن تونس، كنا نتمنى رفع القيود على حرية التنقل بين رعايا الدولتين، فإذا بنا نفاجأ بقيام جدران عازلة واسلاك شائكة تذكرنا بتلك المعتقلات التي احدثتها ايطاليا في الشرق الليبي بحق ابنائه بحجة مناوأتهم لها، ولابد ان الفرنسيين قد اقاموا معتقلات مشابهة في البلاد المغاربية.

اما عن اولئك الذين كانوا يعدون انفسهم معارضة وطنية لأنظمة شمولية، فقد تبين انهم موحلون في العمالة (غاطسون)حتى اخمس اقدامهم ، المعارضة السورية تطالب الغرب بالتدخل العسكري لقلب النظام بها ولا يأبهون بما يحدث للشعب السوري، رغم الماسي التي يعيشها الشعب الليبي جراء تدخل الغرب بتفويض عربي. كذلك نجد اليوم المساندة الغربية للمسيطرين (الذين آواهم الغرب ونصرهم وقدم لهم كافة انواع المساعدة لإسقاط النظام )على الاوضاع في ليبيا بقوة السلاح لأنهم يرون فيهم الامل الوحيد لإيجاد موطئ قدم لهم في المنطقة بعد ان اقتلع الشعب المصري الاخوان من جذورهم. الذين يحكمون العراق اليوم والذين كانوا يعدون انفسهم مضطهدين اوغلوا في اضطهاد بني جلدتهم، استشرى الفساد الذي لم يعهده العراق من قبل، اصبح العراق شيعا وأحزابا، فالشعب لم يذق طعم الحياة على مدى عقد ونيف، أعمال القتل والتشريد طاولت كافة ارجاء البلد.

وبعد هذه حال العرب اليوم، خطر التقسيم يلوح في الأفق، قد تستحدث كانتونات لتلبية رغبات من يسعون الى السلطة. وفي ذلك يتنافس المتنافسون، كل يقدم عربون عمالته للغرب وانسلاخه عن عروبته التي لم تعد قائمة، وأصبحت مسبة وعار للمنتسبين اليها، وظهرت الى السطح اصوات نشاز تنادي بدسترة لهجات لا تسمن ولا تغني من جوع وكأنما اللغة العربية كانت مفروضة عليهم،

أ ليست هي لغة القران الذين ينعمون به؟، اما عن الاسلام فقد كثر التطاحن بين المذاهب “كنا نعد الاختلاف بينها في بعض الامور رحمة للمسلمين".

   

بقلم: ميلاد عمر المزوغي

 

 

ali theuany2قالت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبى أول أمس إن باريس "ستتدخل عسكريا" حال إصدار أحكام بالإعدام بحق فرنسيين داعشيين يحاكمون فى العراق .وقالت الوزيرة "إذا تعلق الأمر بعقوبة الإعدام فإن الدولة الفرنسية ستتدخل عسكريا". وهو أمر متواتر في المؤامرة الفرنسية على العراق بعد عشرات المؤامرات، ومنها صناعة داعش نفسها .

مازال البعض يعتقد أن فرنسا بعيدة عما يحدث في العراق، وأنها تركت أمريكا تتورط فيه لوحدها، بالرغم من أنهم وقفوا صفا واحدا مع الأمريكان لطرد قوات صدام من الكويت قبل 27 عام، وأعانوا صدام في قمعه للإنتفاضة العراقية1991. ومازال الشارع الفرنسي يبكي على العراق نافثا حسرته على أيام البعث، ومازال برنار ليفي مبعوثهم اليهودي الصهيوني يصول عند الأكراد ويؤجج الصراعات في الدول العربية. ومن المعلوم أن جل من يأتي لداعش من فرنسا، محمي وسنده سلطة ودولة ومخابرات، وهاهو الدليل في تصريحات وزيرة العدل، فهم من يدعم داعش في تونس وليبيا وسيناء.

لقد كان لفرنسا دور فاعل في عملية غسيل الأدمغة (lavage de cervau ) وشحذ الهمم، من إعلامهم المهيمن على المغاربة، وأتذكر هنا أن محطة إذاعة البحر المتوسط الفرنسية (MDA ) التي تبث من طنجة، كانت تذيع بيانات حرب صدام مع خميني مثلما يعلنها الراديو العراقي بالتمام والكمال. وغرر بالقوم وسمعت من أحد الأخوة الجزائريين بأن استقبال أهل وهران المليوني لجاك شيراك في بداية الألفية كان على خلفية موقفه من العراق، مبعدين عيب تملقهم له ليرفع التأشيرة عن دخولهم لفرنسا.

وعودة للتأريخ ففي القرون المتأخرة أشتدت المنافسة الإنكليزية الفرنسية على العراق، ولعبا سفيرا البلدين دور القط والفار. وكتب الرحالة عن أخبارهم.وذكر البعض أن نابليون قد بعث عام 1800بعض عيونه لتقصي الأحوال في العراق، وربما أمل بالتوسع في أراضيه بعد عكا وفلسطين قبل سايكس بيكو بقرن ونيف، من خلال خطة إبليسية أختفى اليهود وراء كواليسها. وقد تناقل العراقيون حينها أخبار نابليون ورددوا اسم القائد بارتيلمون الفرنسي محرفا الى (فرط الرمان). وحينما حلت " الحفرياتarchaeology"، تصدر بوتا قنصل فرنسا في الموصل تلك العملية منذ عام 1840، وقام القنصل الفرنسي في البصرة بإماطة اللثام عن أسرار لكش عاصمة المعمار-الملك كودياونقلوها لمتحف اللوفر .

وبعد الحرب الأولى تاخم الفرنسيون العراق في الشام، وبقي طمعهم بلفلفته من الإنكليز حتى حلت الساعة التي وجدوا طريقهم من خلال التيار القومي العروبي الذي أراد الغرب أن يستعمله قنطرة لمقارعة الشيوعية الصاعدة على سلم أخبار إنتصار السوفييت في الحرب الثانية، إبان الحرب الباردة إبتداءا من العام 1947، ومن المعلوم أن الشيوعية نفسها هي الأخرى مصنوعة في نفس مصنع القومية على مبدأ خلق الشئ ونقيضه والهيمنة على خيوط اللعبة بمتناقضاتها.

وقد لعب رعيلهم الأول (زكي الارسوزي وأكرم الحوراني) من الفرانكوفونين، دورا العراب ولكن (ميشيل عفلق) كان أكثرهم إبليسية، مما جعل الفرنسيون لا يخفوا حنقهم على نبش قبره في بغداد بعد سقوط البعث، والإطاحة بصرح ضريحه الذي حاكى أضرحة أولياء الله في بغداد .وهنا نشير الى أن ميشيل عفلق يهودي الأصل من جنوب رومانيا الحالية (أقليم الأفلاق Valachia)، و هاجر أهله الى اليونان ثم الشام بعد العام 1895، إبان اشتداد الكراهية لليهود في أوربا(لاسيما الأرثدوكسية)، على أثر محاولة إغتيال قيصر روسيا من طرف يهود روس(راجع كتاب مطيع النونو-إسلام عفلق).

ولعب الفرنسيون دورا فعالا في إسقاط سلطة الزعيم الوطني المرحوم عبدالكريم قاسم في 8 شباط(فيفري) \1963، ومن الغرائب أن القنصل الفرنسي ومدير البنك الفرنسي شاركو في تمويل ودعم عملية إغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم في خريف عام 1959، حيث وردت أسمائهم في لائحة المتهمين المذكورة في كتاب مجيد خدوري (العراق الجمهوري) .وقد لعب بعض الجزائرين المبعوثين من جبهة التحرير الجزائرية للدراسة في بغداد دور الوسيط بين البعثيين والفرنسيين في بغداد، وفي تلك الشجون قصة لشخص التقيته في الجزائر كان يعمل حتى الثمانينات في الخارجية الجزائرية ويصنف من (حزب فرنسا)، وكان على صلة بعبدالوهاب الغريري، الذي بات الليل عنده قبيل محاولة الإغتيال.وتبين منذ حينها أن هذا الرجل عميل مزدوج بين جبهة التحرير الجزائرية والفرنسيين، ثم أقحمه البعثيين في طريقهم.

1554 ali

وسار الأمر بخطى متصاعدة عندما حلت سلطة البعث بمباركة غربية وشرقية لإنقلاب البعث في تموز(يوليو) 1968، حيث نتذكر جميعا ظهور السلع الفرنسية في السوق العراقية لأول مرة ومنها سيارات (رونو 16 و12) وبيجو، وتواترت أخبار شركة (إيراب) وإستغلالها للنفط العراقي، حتى عمم تعليم اللغة الفرنسية في بعض المدارس العراقية، وتواترت الأمور حتى أصبحت باريس محج الساسة العراقيين . ومن منا ينسى مأدبة" السمك المسكوف" التي أقامها صدام على شرف جاك شيراك (الوزير الأول في حينها) في بواكير السبعينات.وتصاعد النشاط التجاري بين البلدين وبنى خلالها الرعيل الأول من اللوبي البعثي في فرنسا الذي بدأه اللبنانيون مثل فرزلي والرافعي و ابو ظهر وجيش من العرابين وحتى أولاد العروبيين مثل الحصري وعفلق الذين تمكنوا أن يلمعوا صورة البعث في الإعلام العربي الموجه لأهل المغرب. و تصاعد الأمر حتى توج بالاتفاق على بناء مفاعل ذري (تموز) في المدائن -السلمان باك(25 كلم جنوب بغداد)، الذي بيعت مخططاته لإسرائيل لاحقا، وتسنى لها تدميرة بغارة جوية شنت يوم 7 حزيران(يونيه)-1981.

وهنا يجدر التنويه الى أن المخابرات الفرنسية قامت بدعم نشوء وإرتقاء أحزاب بعثية في المغرب الإسلامي ومنها تونس والجزائر وموريتانيا والمغرب . ومن أكثر الأمور دلاله على عمق الروابط بين البعث والمخابرات الفرنسية، هي حادثة إغتيال الرئيس الجزائري الهواري بومدين(محمد بوخروبه)، بعد أن وضع له سم "الثاليوم" خلال زيارة سرية قام بها الى بغداد في بواكير عام 1978 قادما من دمشق من خلال نشاطه في "جبهة الصمود والتصدي" التي كان العراق والجزائر عضوان فاعلان بها. وقد كان فعل المخابرات البعثية هذه إلتزاما بصفقة مع المخابرات الفرنسية التي دأبت أن تتخلص من الهواري بومدين بعدما شكل عائق في الهيمنة الكاملة على شؤون الجزائر. وكانت مصلحة البعث في ذلك أنها تمحوا عار إتفاقية الجزائر التي وقعها صدام مع شاه إيران عام 1975، بما كان يمثله أبو مدين من شاهد عيان وحيد على التنازلات غير المكتوبة والمعلنة. وقد فتح ذلك الحادث الباب على مصراعيه لشن الحرب على إيران عام 1980.

ومن الطرائف أن فرانسوا ميتران صرح في خطاب له عند نشوب الحرب بأن إيران لديها أطماع تاريخية في العراق، ولديها عملاء كثيرون على أرضه (الشيعة)، والعراق يتصدى نيابة عن العرب(السنة) لهذا الهجوم ويحتاج الى الوقوف معه من(الشرفاء)، وهو بداية الحرب الطافية التي أوصلت صدام وخميني للسلطة عام 1979، ولاسيما خميني الذي جاء بطائرة (أير فرانس) من باريس ليستلم السلطة ويصادر ثورة الشعب الإيراني المغدور. ونرصد هنا التطابق في الأحجية التي ساقها البعث مع الخطاب الفرنسي حينما وسمو العراق (حامي البوابة الشرقية)، وكيف أن اللعبة الطائفية أنبثقت بؤرتها من الإليزيه، واليوم تلعب بشكل تفخيخي وتصفوي دموي بإتفاق غير معلن بينهم وبين الأمريكان .

وساندت فرنسا صدام عسكريا من خلال "السوبر اتندار" و"الأكزوسيت" وطائرات "الميراج" وتجريبها لكل أسلحتها المتطورة في ميدان تلك الحرب الضروس، ومنها الأسلحة الكيمياوية بالوقت الذي أتخذت زوجة ميتران الرؤوم، و صاحبة القلب الحنون، موقفا عاطفيا ورومانسيا من الأكراد، وعزتهم في كل المحافل وتبنت دعم ضحايا حلبجه، ولم تتطرق مرة الى أن السلاح الذي قتل الناس في حلبجة وقمع الإنتفاضة، وضيع العراق وشرد أهله، وردت من مصانع فرنسية.

وفي التسعينات إبان أزمة الكويت تبنت فرنسا "ظاهريا" الموقف العالمي بحصار نظام البعث، ولكنها أمدته سرا بأسباب الديمومة والمكوث من خلال صفقات ملتوية كان يقوم بها سماسرة عراقيون وعرب مقيمون في فرنسا، وكشف الكثير من كوبونات النفط التي تورط بها الفرنسيون. وقد تتوج الأمر بإكتشاف أحد ضباط الجيش البولندي المعاضد للأمريكان، صواريخ أرض جو فرنسية الصنع مخبأة بعناية، صنعت عام 2001 واستلمها العراق حتما 2002، أي أن عمرها عام فقط.وسرعان ما كذب الخبر شيراك حانقا، لكن الدلائل أنجلت لللبيب، بعدما نقلت الأخبار بعيدها عن طرد الضابط البولوني عاثر الحظ من وظيفته. وقد كن البعثيون عرفانا لفرنسا، حيث عبرت فضيحة أمصال الدم الملوثة (الايدر)، التي صدرتها فرنسا للعراق، وكشفها أطباء عراقيون، والأمر جدير بالإثارة والمحاكمة والتعويض اليوم.

وبكت فرنسا العراق و"ظلم الأمريكان" و فقدت فرنسا اكبر مكمن للنفط و المال و أوسع سوق تجاري لها في الشرق ولاسيما بعد أن أنحسر سوقها في أفريقيا.كل ذلك دعى وزير خارجيتها "دومينيك فليبان" يصف المشهد العراقي، وكيف ضاعت الديمقراطية فيه، وكيف أنتهك الأمريكان حقوق الإنسان، و لم نسمع هكذا خطاب حينما كان البعث يقتل العراقيين . وحاولت فرنسا أن تتبنى رهط من العراقيين ممن يدعي "معارضة"، على يد عبدالجبار الكبيسي وفاضل الربيعي وعبدالأمير الركابي وعوني القلمجي قبل دخول الأمريكان الذي فشل فشلا ذريعا. وتذكروا قصة المخطوفين الفرنسيين والرهائن الواهية عام 2006 التي كانت عملية مخابراتية محضة فشلت وكشفت لعبة الأمريكان والفرنسيين.

يقول اللبنانيون ولاسيما المارونيين على فرنسا بأنها"الأم الحنون" التي لا تخذل أبنائها. و يوحي الأمر بأن فرنسا تحنوا على العراق، لكن الأمر أبعد من ذلك، فالفرنسيون معروفين بالخبث السياسي أكثر من كل الأوربيين بفعل التسيير اليهودي. فهم يعلنون حيادهم بالشأن العراقي لكنهم يتصلون بالسر مع القاعدة ثم داعش وفلول البعثيين، موسطين في ذلك السوريين وبعض العرب، وكانوا ينسقون العمل مع حارث الضاري الذي مات بالأردن بعدما كان يمرر من هناك الأسلحة إلى داعش المنطقة الغربية .وهنا نشير إلى أن الأسلحة تأتي من مصادر شتى رومانية وبلغارية وجيكية وحتى إيرانية، حتى أن مثنى حارث الضاري، قام بزيارة (سرية) لرومانيا، وأشترى من مصانع السلاح بدفع فرنسي.ومن المعروف أن معسكر داعش الذي أقيم في الأردن على تخوم الحدود العراقية السوريه كان يشرف عليه مدربون فرنسيون وإسرائيليون، وهذا ما أسرني أحد به عام 2010، أحد من كان يمونهم..وهذا أربعة اعوام قبل سقوط الموصل.

تذكروا أن فرنسا أختصت بترحيل المسيحيين العراقيين حصرا وقصرا، وقبولهم كلاجئين لديها وهذا بالتمام ماسعت له إسرائيل وصنيعتها الكنيسة الإنجيلية، التي حثت مسيحيي شمال العراق على الهجرة بالتآمر مع الأكراد كي يحل محلهم يهود، وهذا ما حدث في بعض مناطق شمال العراق.

يمكن أن يكون إنتخاب سركوزي اليهودي الهنغاري اليميني المعادي للعرب ثم هولاند وماكرون، ، قد ميل الكفة الأمريكية في فرنسا التي يسيرها اليهود مبطنا، ولإسرائيل سلطة فوق سلطتها المنتخبة والمسيرة بعناية وخبث، وهذا منذ الثورة الفرنسية 1789 وليس منذ تأسيس إسرائيل، لذا فالتعامل معها لابد أن يمر من خلال إرضاء تل أبيب، . و جاء الدعم الفرنسي المكشوف للأكراد وداعش في سوريا والعراق على حد سواء، بما يؤكد أن اللعبة واحدة، وأن فرنسا تبقى عدوة العراق ولايمكن إئتمانها كصديق أو حليف يوما.

 

د. علي ثويني

 

 

alaa allami2دستور دولة المكونات أساس البلاء، فلماذا "التغليس" عليه! لماذا يهرب أهل النظام ومعارضوهم وجميع كتلهم وقوائمهم الانتخابية من قضية تعديل الدستور الاحتلالي كما يهربون من الطاعون؟ لماذا لم يجرؤ أحد منهم أو ممن يسمونهم المدنيين أو اللبراليين أو "الإصلاحيين" كالصدريين والعباديين ...الخ على رفع مطلب وشعار إعادة كتابة الدستور العراقي أو تعديله جذريا ليكون على أساس المواطنة لا على أساس المكونات الطائفية والعرقية؟

من الأمثلة الكثيرة التي تؤكد الجوهر المنافق الذي يقوم عليه نظام الحكم "الطائفي الانتخابي" في العراق، هو أن أغلب أحزاب وقادة وساسة النظام صرحوا علنا بأن الدستور النافذ والذي كتب وشرع عبر استفتاء شعبي مشبوه تحت ظلال الاحتلال الأميركي ، وفي فترة الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، وبشجيع من المؤسسة الدينية، أن الدستور ليس كتابا مقدسا وهو يشكو من العديد من العيوب والتناقضات والالتباسات المبثوثة بين مواده، وفي الوقت نفسه، وما أن يختلف طرفان أو أكثر من أطراف وساسة الحكم حتى يصرخوا جميعا (يجب الاحتكام الى الدستور العراقي... الخلافات يجب أن تحل تحت سقف الدستور...هذا الدستور يجب أن يطبق كما هو وليس بطريقة انتقائية يختار كل طرف ما يحتاج إليه ويؤيد أفكاره ومطالبه!). فأي نفاق هذا!؟

لقد مرت الفترة الانتقالية التي كان يجب تعديل الدستور فيها وحسم المواد المختلف عليها والتي اعتبرت مثار تحفظ ولم يعدل شيء منها وفشلت محاولة طويلة عريضة لتعديل مواد الدستور خلال عهد مجلس النواب السابق بعد أن شكلت اللجان وتم إنجاز العديد من اقتراحات التعديل ولكن كل ذلك الورق ذهب الى حاوية النفايات! السبب في ذلك أن من يهيمنون على الحكم من الأحزاب الإسلامية الشيعية الفاسدة اعتبروا هذا الدستور دستور الدولة الدائم الذي لا يجوز المساس به طالما هو يضمن لهم استمرار هيمنتهم وسرقاتهم. ومثلهم فعلت قيادات الأحزاب الكردستانية وخاصة حزب البارزاني الذي وجد فيه مستندا قانونيا يستند إليه في صراعاته مع بغداد ولضمان احتكار الحكم بالمناصفة مع حزب الطالبانيين، أما زاعمو تمثيل العرب السنة في النظام فقد تحولت مهمتهم من تعديل الدستور باتجاه لاطائفي إلى الحفاظ على مكاسبهم الطائفية وتوسع وتكبير حصتهم من الغنائم ومن كعكة الحكم.

إن السؤال الذي يهرب من طرحه، أو الإجابة عليه إن طُرِحَ هو: لماذا لا أحد من أهل النظام المتصارعين يتحرش بهذا الدستور الاحتلالي الطائفي الذي يرسخ دولة المكونات وحكم المحاصصة ويطالبون بإعادة كتابته أو تعديله بشكل جذري من قبل خبراء في الدستور والقانون وبشكل شفاف وعلمي قبل أن يعرض مجددا على الاستفتاء الشعبي؟ وهل يمكن فعل ذلك مع وجود الفيتو الكردستاني على أي استفتاء على تعديلات الدستور وفق المادة الدستورية التي تعتبر الاستفتاء فاشلا إذا رفضته غالبية الناخبين في ثلاث محافظات.

والآن وقد تم القضاء على الخطر الرئيس للعصابات التكفيرية الداعشية أو كاد، بتضحيات جسام من أبناء العراق في الجيش والقوات الرديفة له، وانتهت ظروف الاقتتال الطائفي والتصفيات على الهوية، فهل أدرك أهل الحكم جسامة ما ارتكبوه بحق العراق والعراقيين؟ ولماذا لا يأخذون العبرة من هذه التجربة العراقية المرة أو من تجارب الشعوب التي ابتليت بالحروب الأهلية والاقتتال الداخلي وخرجت منه، فكان أول ما فعلته قيادات تلك الشعوب هو إعادة كتابة دساتيرها أو إضافة مواد دستورية تنظم عمل ونشاط الأحزاب السياسية وتحدد شكل العلاقة بين الهويات الفرعية في المجتمع والهوية الرئيسية والأولى وبين الدولة والدين.

 إن أغلب شعوب العالم التي ابتليت بتجربة الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي وخرجت منها بادرت الى إعادة قراءة وكتابة دساتيرها في ضوء تجاربها الدامية. تحضرني في هذا الصدد تجربتان مهمتان للشعبين السويسري والجزائري، فما تفاصيل هاتين التجربتين في هذا الصدد؟

فبعد تجربة الحرب الأهلية الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت سنة 1841 بادرت المؤسسة الدستورية السويسرية "البرلمان الاتحادي" الى إعادة كتابة الدستور سادةً بذلك كل الثغرات والاحتمالات التي يمكن أن تندلع منها حرب أهلية طائفية جديدة وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح حتى الآن. لقد كتبت عن التجربة السويسرية ونظام حكم الديموقراطية المباشرة والدستور السويسري أكثر من نص، منها دراسة في أحد عشر جزءا نشرتها سنة 2005 بعنوان " قراءة في الدستور السويسري/ تجدون رابطها في التعليقات" ومقالة أخرى قبلها سنة 2004 بعنوان " تأملات في التجربة السويسرية أقتبس لكم منها الآتي.

(تنطوي التجربة السويسرية على الكثير من الخبرة الثمينة في حل ومعالجة قضية التنوع الطائفي الديني فالمجتمع السويسري يتألف وفق إحصائيات الثمانينات من القرن الماضي من أغلبية كاثوليكية تصل إلى 47% وأقلية بروتستاندية مهمة تفوق 44% وما تبقى هم من أديان ومذاهب أخرى، وهذه النسب ليست بعيدة كثيرا عن نسب التركيبة الطائفية العراقية. لقد ذاق السويسريون كأس الحرب الأهلية الطائفية المر، ولكنهم استخلصوا العبرة والدروس الإيجابية منها: فبعد نجاح الحركة الإصلاحية البروتستناندية التي قادها الداعية الشهير وابن مدينة جنيف جون كلفان  (Jean Calvin) سنة 1536 اكتمل انقسام المجتمع السويسري طائفيا، وحدث انشقاق عميق وسيروة فصل دامت قرابة الثلاثة قرون وتوجت باندلاع الحرب الأهلية بين سنتي 1841و 1848 . لقد اندلعت تلك الحرب بعد أن عقد المحافظون الكاثوليك ميثاقا رفضوا بموجبه الامتثال لأوامر السلطة التشريعية الاتحادية العليا، فأصدرت هذه السلطة أوامرها إلى القوات الاتحادية المسلحة بالقضاء على التمرد وتمكنت القوات الاتحادية فعلا وبقيادة الجنرال القدير "دوفور" من القضاء على التمرد بأقل قدر من الخسائر البشرية. وبمجرد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها حتى فُتِحَ الباب من قبل أهل التجربة ذاتها لمراجعة تجربتهم برمتها، فولد دستور سنة 1848 ذو المضامين الديموقراطية التقدمية النافذ المفعول حتى الآن، والذي استوعب وفهم واضعوه جميع دروس وعِبَر الحرب الأهلية (إضافة: وقد ترك المشرعُ البابَ مفتوحا أمام الشعب السويسري لإجراء أي تعديلات جديدة مستقبلا بموجب قواعد الديموقراطية المباشرة والتي لا تطبق في أي بلد آخر غير سويسرا والتي تعتمد على إجراء استفتاءات اتحادية أو كانتونية تخص كل كانتون "محافظة" على حدة، على جميع القضايا المثارة والتي تهم الشعب، صغيرة كانت أو كبيرة، على مدار السنة). يمكننا القول إذن أن الشعب السويسري ككل خرج منتصرا من الحرب الأهلية وعلى الحرب الأهلية واستفاد منها استفادة عظيمة حين حدد عددا من المبادئ والشروط التي تحكم عملية الاختلاف والتنوع الطائفي ومن ذلك :

*الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث .

*منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر أو للغة ما ضد لغة أخرى وتحريم الترويج للكراهية وازدراء المذاهب والأديان الأخرى وأصحابها .

*حرية الأفراد والجماعات في اعتناق المذهب الديني الذي يختارونه .

*التسامح الديني والمساواة الواقعية بين الأفراد والجماعات .

*ليس من المستساغ أن يعلن أي كانتون عن هويته الطائفية أو اللغوية فيقول أنه كانتون كاثوليكي أو بروتستاندتي، ألماني أو فرنسي أو إيطالي ( ترتيب النقاط اعلاه من وضعي حسب أهميتها) .

لقد تمخضت الحرب الأهلية سنة 1841 عن دستور جديد، وضع الأساس المكين لتلافي الوقوع في حروب مدمرة أخرى، ولكننا حين نقارن تحليليا وتاريخيا بين المآل السويسري والآخر الذي آلت إليه مثلا الحرب الأهلية اللبنانية نرى لشديد الأسف أن هذه الأخيرة انتهت إلى ترسيخ النظام الطائفي الذي كان موجودا قبل اندلاع الحرب. الأمر الذي لا يعني أن مسببات الحرب الأهلية اللبنانية قد قُبِرت وانتهت، بل هي تخبو كالجمرة تحت الرماد، وفي ذلك درس وعبرة لمن يريد الاستفادة من تجارب الشعوب).

تذكروا هاتين الفقريتين السويسريتين (الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث) و (منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر) وحاولوا أن تتذكروا الأمثلة العراقية اليومية على توزيع المناصب والتعيينات الرسمية في دوائر الدولة جميعاً ومن منصب مدير عام فما فوق، ولنتذكر أيضا حالات الترويج لمذهب ما ضد مذهب آخر وطائفة ما ضد اخرى مباشرة أو بشكل مباشر وتخيلوا كم سياسيا ورجل دين عراقيا يجب أن يقدموا الى المحاكم بتهمة خرق الدستور لو قدر لدستورنا أن ينص على مادة كهذه؟ وهل سيبقى نظام المحاصصة الطائفية الذي يلعنه الجميع ولكنهم متشبثون به تشبث اللص بحضور القسم، على طريقة (قالوا للحرامي احلف قال: جاء الفرج)؟

*بالمناسبة، سمعت قبل قليل أحد مهرجي الفضائيات الحزبية الطائفية وهو يتساءل (لماذا يقال عن الحكم في العراق طائفي لأن الشيعة يحكمون، ولا يقال عن اليونانيين الأرثوذوكس طائفيين والذين يحكمونهم أرثوذوكس، وفي روسيا يحكم السلاف (هو لا يفرق بين السلاف القومية والطائفة المسيحية الأرثوذوكسية في روسيا وحتى لينين بالمناسبة من أسرة أرثوذوكسية! وعدد أسماء دول أخرى في ذات السياق، هذا المهرج المعروف بشتائمه الطائفية لا يفرق بين مجتمع منسجم طائفيا وتحكمه أغلبية سياسية من طائفة واحدة هي الوحيدة أو الوحيدة تقريباً في المجتمع المعني، وبين مجتمع متعدد ومتنوع طائفي ومنقسم عموديا وأفقيا قوميا وطائفيا كالمجتمع العراقي ومن هنا، من هذا الغباء وضيق الأفق يأتي الخلط والخراب والكوارث الطائفية.

يا حضرة المذيع الذكي، إنْ أردت أن تقارن وضع مجتمعنا العراقي فقارنه بمجتمعات تعددية كالمجتمع اللبناني الذي يُحكم اليوم بصيغة مؤتمر الطائف والمكرس للمحاصصة الطائفية والذي يعيش على قنبلة الحرب الأهلية الموقوتة والتي يمكن أن تنفجر في أي يوم، أو قارن مجتمعنا بالمجتمع السويسري المنشطر نصفيا تقريبا بين الكاثوليك والبروتستانت ولا تقارنه بروسيا الأرثوذوكسية أو الجزائر السنية أو سلطنة عمان الإباضية أو إيطاليا أو فرنسا او إسبانيا الكاثوليكية من حيث الهويات الفرعية.

هذا عن التجربة السويسرية فماذا عن تجربة الجزائر الشقيقة؟ هذا ما سوف نتقوف عنده قارئين نقديا في مقالة أخرى

 

علاء اللامي

...............

رابط الدراسة  " قراءة في الدستور السويسري

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=41576&r=0

رابط مقالة "تأملات في النموذج السويسري للديموقراطية المباشرة والدولة الاتحادية المحايدة"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=28234

رابط المقالة وفيها فقرة عن الدستور الجزائري

http://mail.almothaqaf.com/a/b5/213-qadaya2009/60248

رابط مقالة عن قانون الأحزاب العراقي

http://al-akhbar.com/node/35129

 

 

husam aldujaniزاوية الرؤية تختلف من جهة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى، فاتفاق أوسلو الذي يراه بعض أنه اتفاق مشروع تصفوي للقضية الفلسطينية يراه آخرون أنه يساهم في الحفاظ على الهوية، ويساهم في بناء الدولة الفلسطينية.

فما اتفاق أوسلو؟ وكيف من الممكن أن نحكم على الاتفاق بأنه مشروع تصفوي أو اتفاق يخدم المشروع الوطني الفلسطيني؟

اتفاق أوسلو وقع عام 1993م في العاصمة النرويجية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان العبري، وبموجبه وقع إسحاق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك مع ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وثائق الاعتراف المتبادل، وبموجبها اعترفت المنظمة بما يسمى دولة (إسرائيل) مقابل اعتراف الكيان العبري بالمنظمة ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وانسحب الكيان من بعض المناطق الآهلة بالسكان في قطاع غزة وأريحا ثم مناطق من الضفة الغربية، وتحملت السلطة الفلسطينية بدعم إقليمي ودولي أعباء إدارة الحكم من تعليم وصحة وأمن ... إلخ، ما يرسخ مفهوم الاحتلال الناعم، إذ أصبح الاحتلال الإسرائيلي أرخص احتلال عرفه التاريخ المعاصر.

نعود إلى التساؤل الثاني في هذا المقال، وهو: كيف من الممكن أن نحكم على الاتفاق بأنه مشروع تصفوي أو اتفاق يخدم المشروع الوطني الفلسطيني؟

الثابت للشعب الفلسطيني ولشعوب الأمة أن ما يسمى دولة (إسرائيل) هي "دولة" احتلال وعدو للشعب الفلسطيني، مارست ضده أبشع الجرائم، وعليه إن وحدة القياس لأي اتفاق سياسي مع تلك "الدولة" ينبغي أن توضع على ميزان أهم مرتكزات ديمومة وصيرورة الكيان العبري، وهي الأمن والشرعية، ولإسقاط اتفاق أوسلو على مرتكزي الأمن والشرعية ينبغي تحديد أثر اتفاق أوسلو على أربعة ثوابت: تأثير أوسلو على العلاقات الخارجية للكيان العبري، وتأثيره على الأرض والموارد، وتأثيره على السلطة الفلسطينية دورًا ووظيفة، وتأثيره على العامل الداخلي الفلسطيني.

أولًا: تأثير اتفاق أوسلو على العلاقات الخارجية للكيان العبري (الأمن والشرعية)

ساهم اتفاق أوسلو بتعزيز علاقات الكيان الخارجية، لا سيما في القارة الإفريقية، فعندما عقد مؤتمر مدريد (للسلام) عام 1991م بلغ عدد الدول الإفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الكيان 30 دولة، وبعد توقيع اتفاق أوسلو وصل عدد الدول إلى 48 دولة إفريقية تقيم علاقات دبلوماسية، وتجسدت تلك العلاقات الثنائية بين الدول الإفريقية والكيان بما يعزز من شرعيته كتلة تصويتية في المحافل الدولية، ويعزز أمنه بمراقبة البحر الأحمر والمساس بالأمن المائي لمصر والسودان من طريق سد النهضة في أثيوبيا، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية وغيرها من المكاسب التي تعزز من أمن وشرعية كيان الاحتلال.

ثانيًا: تأثير اتفاق أوسلو على الأرض والموارد

قيادة منظمة التحرير باتفاق أوسلو تنازلت عن 78% من فلسطين التاريخية وما بها من موارد، وقبلت 22% فقط، حتى إن اتفاق أوسلو لم يحافظ على القليل الذي قبلته قيادة منظمة التحرير التي تمثل جزءًا من الشعب الفلسطيني، لا سيما بعد توقيع هذا الاتفاق، فعلى صعيد الأرض والموارد سأكتفي ببعض المؤشرات الرقمية المنشورة عن واقع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967م:

عدد المستوطنين في الضفة المحتلة عام 1993م (تاريخ توقيع أوسلو) 116 ألف مستوطن، فيما عددهم في القدس عام 1993 144 ألف مستوطن.

بينما وصل عدد المستوطنين في الضفة المحتلة عام 2016م (بعد 23 عامًا من توقيع أوسلو) 420 ألف مستوطن، وفي عام 2016م بلغ عدد المستوطنين بالقدس 240 ألف مستوطن.

نسبة الزيادة في عدد المستوطنين والاستيطان بلغت 300% في أراضي السلطة الفلسطينية التي مساحتها أصلًا 22% من مساحة فلسطين التاريخية، وبخصوص مواقع المستوطنات فإنها أقيمت على أعالي الجبال وفوق آبار المياه العذبة والأراضي الخصبة، ما يعني استيلاء الاحتلال على الموارد الفلسطينية.

ثالثًا: تأثير اتفاق أوسلو على دور ووظيفة السلطة الفلسطينية

اتفاق أوسلو وملحقاته ألزما السلطة الفلسطينية بأن تكون سلطة خاضعة للابتزاز، بموجب العديد من الاتفاقيات التي تسمح للكيان بابتزازها وتغيير دورها ووظيفتها من سلطة وطنية إلى سلطة تحفظ أمن الاحتلال بموجب بعض الاتفاقيات الأمنية، والاقتصادية كاتفاقية باريس، وبذلك جعلت السلطة الفلسطينية نفسها بهذا الاتفاق ملزمة بأن تجعل الاحتلال الإسرائيلي احتلالًا ناعمًا نظيفًا غير مكلف.

رابعًا: تأثير اتفاق أوسلو على الواقع الداخلي الفلسطيني

بدأ الانقسام السياسي في الساحة الفلسطينية مع توقيع اتفاق أوسلو، فلم توافق أغلب فصائل العمل الوطني والإسلامي على هذا الاتفاق، ولكن حركة فتح وبعض الفصائل وافقت على ذلك إلى أن أصبح هذا الاتفاق واقعًا على الأرض، وساهم أوسلو في إحداث اختلال في البنية الطبقية للمجتمع الفلسطيني، فبعد أن كان مجتمعنا في أغلبه ينتمي إلى الطبقة الوسطى بعد أوسلو أصبح ينتمي إلى طبقتين فقيرة وغنية، وساهم هذا الاتفاق في إيجاد سلطة تحت الاحتلال أوجدت جماعات مصالح للحفاظ على بقائها، والصراع عليها إلى أن حدث الانقسام السياسي والجغرافي بين فتح وحماس وغزة والضفة الغربية، واستغل الاحتلال ذلك لينفرد بالجميع، وتبدأ مرحلة تصفوية جديدة للقضية الفلسطينية عرفت بصفقة القرن، تحدثنا في مقال سابق عن أبرز ملامحها.

الخلاصة: بات من الواضح أن اتفاق أوسلو عزز من أمن وشرعية كيان الاحتلال الإسرائيلي، وأضعف الحالة الفلسطينية، وساهم في تشويه صورتها أمام العالم أجمع، وبذلك إن اتفاق أوسلو الذي أقر المجلس المركزي لمنظمة التحرير أخيرًا توصيةً بوقف العمل به هو مشروع تصفوي بما تعنيه الكلمة، ومن هنا إن أولى خطوات إنهاء الانقسام هي العمل على إنهاء العمل بأوسلو، أو _على أقل تقدير_ دراسة تقويمية جديدة لهذا المسار، والانقلاب على كل سلبياته، والمراكمة على أي إيجابيات صنعت وأصبحت واقعًا في هذا الاتفاق، فنكبتنا الأولى هي بقيادة كيان الاحتلال عام 1948م، ونكستنا الثانية في هزيمة 1967م، ونكبتنا الثالثة باتفاق أوسلو عام 1993م، ونكستنا الرابعة بانقسام حزيران (يونيو) 2007م، والمصالحة السليمة هي التي تبدأ بالمعالجة من الجذور.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

 

musa faraj2مثلما لا يمكن للمرء أن يركب حصانين في آن واحد فإن العبادي لا يمكنه الاحتفاظ   بود البطانة وتحقيق البطولة في محاربة الفساد ...

بالرغم من استشراء الفساد طولاً وعرضاً وعمودياً وأفقياً في العراق إلا أنه وبعد حقبة المالكي التي أصرّت على إنكار وجود الفساد تارة واتهام القائلين باستشرائه بالانتماء للبعث ومهاجمة وتسفيه تقارير منظمة الشفافية العالمية تارة اخرى لم تجد ادارة العبادي بد من الإقرار باستشراء الفساد في اجهزة الدولة واستنزافه لمئات المليارات من الدولارات من موازنات الحكومة في حقبة سلفه ، ولكن لأن البطانة المحيطة بالمالكي في حينه هي ذاتها استمرت تحيط بالعبادي لاحقاً ودون تغيير يذكر فإن اللهجة تغيرت من إنكارٍ للفساد ومهاجمة القائلين باستشرائه الى التعمية والتمييع وإشاعة اليأس من إمكانية مواجهته وقد اعتمدت لذلك أساليب متعددة فهي تارة تقول بأن الفساد حالة عالمية لا تخلو دولة من وجوده وتارة تقول أنه بات ثقافة مجتمعية يتطلب الخلاص منها عقوداً وثالثة تقول باستحالة مواجهة الفساد في العراق ورابعة بتصنع البراءة من خلال التساؤل عن ماهية نقطة الشروع في مواجهة الفساد: هل هي معاقبة الفاسدين..؟ أم كشف ملفات الفساد..؟ ام تفعيل القضاء..؟ أم إعادة النظر بقوانين مكافحة الفساد ..؟ أم ..؟ أم ....؟.

في الحقيقة كل تلك الممارسات والإجراءات الى جانب الشفافية في العمل الحكومي  وتنشيط المشاركة المجتمعية واعتماد منهج المساءلة للقادة الحكوميين وتطبيق أسس الحوكمة مطلوبة للقيام بمحاربه حقيقية للفساد ولكن في ظروف العراق بالذات واتساقا وما نسمعه من حملة " اعلامية " يشنها رئيس الوزراء العبادي لما يعتقده بأنه حرب على الفساد فإن نقطة الشروع في حملته لمحاربة الفساد كان ينبغي أن تبدأ بالآتي:

1. تطهير المجموعة المحيطة به " مكتب رئيس الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء " فليس من المنطق – اذا كان صادقاً في حملته – أن يتهم حقبة سلفه بكل هذا الفساد وفي نفس الوقت يتخذ من البطانة التي كانت أذرع السلف ولها الباع الطولى في استشراء الفساد بطانة له ..الى جانب ذلك فإن أضخم ملفات الفساد المعلنة :

 - المشاريع الوهمية (228 مليار دولار)..

 - عقارات الدولة (أقيامها تفوق الرقم الأول)..

- تعيين الفاسدين والفاشلين في الدرجات الخاصة في أجهزة الدولة..

 هي نتاج حصري للدائرتين المذكورتين أعني مكتب رئيس الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء .

 2. ومن باب أولى تطهير المجموعة التي يعتمد عليها في القيام بـ " حملته " ضد الفساد من الفاسدين والفاشلين والمتواطئين والطابور الخامس ..

3. استبعاد العناصر الفاسدة والفاشلة من المراكز الحكومية الحساسة ذات الصلة بالمال العام وأشير تحديداً الى البنك المركزي لأنه ليس من المنطق أن يكرر رئيس الوزراء القول بأن ما فقده العراق من جراء الفساد في مزادات العملة في البنك المركزي يفوق 100 مليار دولار ولا يحرك في إدارته ساكناً..

إن استبعاد العناصر الفاسدة والفاشلة من المراكز الحكومية الحساسة وتطهير عناصر حملته من العناصر الفاسدة والفاشلة يحقق فائدة مزدوجة تتمثل في فرملة قطار الفساد الجامح وإقامة سد بوجه طوفانه من جهة وتحقيق فاعلية عناصر "حملته" وتخليصها من الخونة والطابور الخامس من جهة ثانية وهو ما يتيح له المرونة في التحرك لتطبيق الصفحات الأخرى من صفحات محاربة الفساد أعني تفعيل القضاء واجهزة مكافحة الفساد ومعالجة الثغرات القانونية والإدارية التي تعيق مواجهة الفساد ،والمباشرة بوضع اسس الشفافية والمساءلة والحوكمة واشراك الشعب في الحكم ..الخ وإنجازها تدريجياً.

لكن كل ذلك يتوقف على أمر واحد لا غير: هل أن النية والإرادة لمحاربة الفساد متوفرة حقاً في شخص رئيس الوزراء العبادي ...؟.

في حملة تحرير الموصل الذي حصل هو البدء باستبعاد القادة العسكريين الفاسدين والفاشلين واستبدالهم بنزيهين أكفاء مهنيين.. فتحققت النتائج المشرفة ولو بقي الاعتماد على الغراوي وكَنبر لما تحقق شيء من ذلك ... 

لا توجد صيغة أكثر صدقاً للبرهنة على صدقية حملة العبادي من البداية الصحيحة والحقيقية للمواجهة وهي التخلص من البطانة الفاسدة لكن العبادي يريد ركوب الحصانين في آن واحد: ود البطانة وبطولة محاربة الفساد في العراق وقطعاً لا يمكن ذلك وأيضاً لا تتحقق محاربة الفساد  من خلال الخطب الرنانة فقط .

 على هامش الحرب ضد الفساد في العراق:

أحدهم أطلق تصريحاً من الحلة قبل يومين قال فيه : "ان العراق يحتاج إلى رجال دولة وليس إلى مقاولي سياسة من الذين همهم بناء مشاريعهم الخاصة".. ولم ينتبه المصلح الأغر الى أنه شخصياً يرأس الائتلاف الذي يحكم منذ 14 سنه والذي يصفه بـ "مقاولي السياسة"، وحزبه شريك أساسي في الحكم ...

 

 

khadom almosawi2سجل الشعب السوداني في انتفاضته المتصاعدة هذه الايام للتصدي للدكتاتورية والظلم والظلام، مواصلة لارثه التاريخي المجيد في الكفاح الشعبي من أجل مصالحه وتقدم بلاده، ومشاطرته القضايا الوطنية والقومية. اذ خاض الوطنيون والديمقراطيون ملاحم بطولية، وفي طليعتهم الشيوعيون. وككل مرة يتعرض المناضلون الى حملات القمع والسجن والحصار. وككل مرة ايضا يقف الشيوعيون وحزبهم في طليعة المناضلين في التظاهر والاحتجاج والاعتقال. حيث قامت السلطات الدكتاتورية بمحاصرة دار قيادة الحزب بالعاصمة الخرطوم اثناء إنعقاد إجتماع لجنة المنطقة مساء 13 كانون الثاني/ يناير 2018. وفرضت حصارا مستمرا على  دور الحزب بالعاصمة القومية إعتبارا من يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2018 واستمر دون انقطاع، كما فرضت رقابة دائمة على مركز الحزب بالخرطوم بعد ملحمة الثلاثاء المجيدة وتمكنت من خلالها من إعتقال كل من يخرج من مبانيه، كما فرضت رقابة على منازل بعض القياديين في الحزب بالعاصمة الخرطوم. وقامت بإحتجاز عدد كبير من المعلمين الشيوعيين وبعض اعضاء لجنة المعلمين في الاسبوع السابق ليوم 16  كانون الثاني/ يناير 2018 ولا يزال بعضهم رهن الإعتقال او الإستدعاءات اليومية لمباني الاجهزة الامنية. وكما أكد بيان للحزب (2018/1/19) بانه لا تزال حملة الإعتقالات مستمرة، ولا تزال قائمة المطلوبين طويلة ويتم بشكل يومي نقل العشرات من المطلوبين من الشيوعيين والديمقراطيين إلى جهات غير معلومة لذويهم مما يثير القلق على حياتهم وسلامتهم.

وقف الشعب السوداني في انتفاضته المتجددة الان، التي قادها الحزب الشيوعي وقفة مجيدة يسجلها التاريخ له. كما يسجل لموقف الحزب الشيوعي منها كتعبير واضح لحركة اليسار في السودان عموما. وهي القوة التي عليها تقع مسؤولية التشابك مع تطلعات الجماهير وحركة الشارع وهموم الناس والتوازي معها في الكفاح والقدرة على التضحية وايثار مصالحها واهدافها اساسا. اذ اندلعت الاحتجاجات من شوارع الفقراء وبيوت المحرومين وأحياء المستضعفين رفضا لميزانية التجويع والنهب والفساد واحتجاجا على القمع وانعدام العدالة والعسف المتمادي ضد الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية. وبادر الحزب الشيوعي الى تصعيد الحراك وتنظيم أطره وشعاراته.

الإجراءات القمعية التي ردت بها السلطات الدكتاتورية لايقاف الحراك الشعبي تعكس طبيعتها وتصوّر منهجها وتكشف نظامها الاستبدادي وممارساتها القمعية الوحشية. وازاء كل ذلك يكون الموقف والدور والموقع للحركة اليسارية في تحشيد جماهير الشعب باستمرار الانتفاضة والضغط السياسي وديمومة المواكب والوقفات العامة والتضامن الإنساني مع المعتقلين وعوائلهم والمطالبات بالعدالة وحكم القانون والحريات والديمقراطية وإطلاق سراح المعتقلين ووقف الهجوم الشرس والعمل من أجل الخلاص الوطني والتنمية الوطنية والحكم الرشيد.

هذا الحراك الشعبي في السودان في مضمونه وشعاراته وقيادته يثبت او يؤشر إلى انطلاق جديد لليسار الحقيقي في البلاد وخارجها، ويرد على بعض محاولات التضليل والتشويه وحرف توجهات النضال الوطني الديمقراطي في السودان وخارج السودان. وهذا مؤشر إيجابي يعيد الاهمية للدور الذي لعبه الشيوعيون في تاريخ النضال الوطني وتراكم تضحياتهم البطولية وتداعياتها في استمرار صمود الحركة الوطنية وضمان طليعة اليسار  لها، كما هو حاصل في الحراك الشعبي في خارج السودان، ايضا، مثلا في شوارع تونس واحتجاجات الجماهير التي تقودها الجبهة الشعبية، التحالف اليساري، وغيرها. مما يعني في ظروفه اختبارا عمليا لحركة اليسار الجديد وبرامجها في إدارة الصراع الوطني والاجتماعي والدفاع عن الطبقات الاجتماعية وفئاتها ذات المصلحة الواقعية في الانجاز والتحالف الديمقراطي وبناء المستقبل. ولعل في نموذجي السودان وتونس، مثالين صريحين لنهوض وطني يساري، ينزل الى الشارع ويقود الصراع السياسي والطبقي والاجتماعي، مُجددا ومقدما أطروحات كفاحية تعبر عن الحراك والتظاهر والاحتجاج على سياسات الاستبداد السياسي والتدمير الاقتصادي والتفتيت المجتمعي وتعميق التفاوت الطبقي والاجتماعي واحتكار السلطة.

أمام كل ما يجري في الساحات في العاصمة والمدن السودانية لابد من التضامن مع الشعب السوداني في انتفاضته ورفضه للظلم والتجويع والاستبداد.. والتضامن مع الحزب الشيوعي، والحرية لكل المعتقلين السياسيين ولتتحقق مطالبهم المشروعة وحقوقهم الإنسانية دون إبطاء او معوقات وممارسات ارهابية. من حق الشعب السوداني التعبير عن حراكه السلمي بما يراه ويقرره وضمن القانون وعملية الإصلاح وضرورة التغيير. فان ما قامت به السلطات السودانية من أعمال وانتهاكات لا تخدم مصالح جماهير الشعب ولا تصب في تطورها والحفاظ على منافعها وكرامتها الوطنية والقومية، هي في محصلتها عوامل محفزة للانتفاضة والاحتجاج ورفع الصوت أمامها وعليها. اي انها وفرت الظرف الموضوعي لحراك الشعب واندلاع الشرارة. وكما أثبتت التجارب التاريخية انتصار قوة الشعب وخياراته وإرادته، مهما كانت اساليب القمع والظلم والإستبداد، فكلها لن تُسكت الشعب ولن ترهب خياراته الوطنية، لاسيما إذا بادرت طليعة وطنية يسارية مخلصة له، واذا اتسع الاستبداد في ممارساته ضدها او في الاستهانة بها.

درس التاريخ السياسي يكتب النصر لكفاح الشعوب بوحدتها الوطنية وقيادتها الواعية دائما. وهذا درس وعبرة لمن يعتبر، ومن لا يرعوي فمكانه في النهاية معروف.  وما قد يحصل من تموجات في الحراكات والانتفاضات وتماهل او انحسار لا يعني ابدا زوال الاسباب والاعتراض، بل ما يحصل اليوم يفسر النهوض المؤجل وصحوة لقوى التقدم والتغيير، وضرورة الانطلاق والعمل البناء في كل الساحات واركان الوطن العربي، والتضامن مع كل تحرك وانتفاضة وطنية ديمقراطية، والتفاعل مع الأهداف المشروعة وصولا إلى الغد المشرق.

 

كاظم الموسوي

 

 

ibrahim abrashالقيادة الفلسطينية على حق في موقفها الرافض للسياسة الأمريكية سواء تعلق الأمر باعتراف هذه الأخيرة بالقدس عاصمة لإسرائيل أو أهليتها للعب دور الوسيط في عملية التسوية أو رفض القيادة الفلسطينية لصفقة القرن، وعلى حق أيضا مواقف الأحزاب الفلسطينية التي تطالب بموقف أكثر حزما في التعامل مع واشنطن وتل أبيب .

ولكن في ظل الحرب المعممة على فلسطين والفلسطينيين وفي ظل استمرار الانقسام فإن سياسة الرفض والتنديد والتنافس بين السلطة ومعارضيها أيهما أكثر شدة وتطرفا في رفضه وتنديده لن تُغير من سياسة واشنطن أو تكبح التغول الإسرائيلي .

علينا التذكير بداية أن مخرجات ربع قرن من المراهنة على تسوية برعاية أمريكية ثم برعاية الرباعية الدولية كانت كارثية على القضية الوطنية، كما أن التوقف عن المفاوضات والتوجه للأمم المتحدة في الفترة الأخيرة لم تؤثرا أيضا على السياسة الامريكية وتدفعها لإعادة نظر في مواقفها كما لم تؤثرا على السياسة الإسرائيلية وممارساتها، وفي المقابل فإن أكثر من ربع قرن على سياسة فصائلية موازية تقول بالمقاومة كبديل عن التسوية لم تغير من واقع الأمر شيئا .

اليوم فإن تحديات غير مسبوقة تواجه القضية الوطنية تحديات ترقى لحالة حرب على الشعب والأرض والدولة الفلسطينية الموعودة، حرب غير تقليدية وغير معلنة تشارك فيها بالإضافة إلى إسرائيل والولايات المتحدة دول عربية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حرب أكثر خطورة من الحروب الثلاثة على قطاع غزة ومن كل الحروب التي خاضتها الثورة الفلسطينية، وما يزيد الأمر خطورة تزامن هذه الحرب غير المعلنة مع وضع داخلي مأزوم .

يمكن رصد مؤشرات الحرب المعممة والتحديات غير المسبوقة من خلال ما يلي : -

1-  حرب عسكرية فعلية يقوم بها جيش الاحتلال والمستوطنون، وتظهر من خلال عمليات القتل والاعتقالات اليومية في الضفة والقدس وغزة، كما أن المشاريع الاستيطانية والتهويدية شكل من اشكال الحرب .

2- حرب اقتصادية تتبدى من خلال قطع أو تخفيض الأموال التي تقدمها واشنطن للسلطة الفلسطينية وتلاعب إسرائيل بأموال المقاصة، واستمرار حصار قطاع غزة .

3- الحرب على التاريخ والرواية الفلسطينية، وليس قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والمزاعم الصهيونية المُشككة بالتاريخ والوجود الفلسطيني وحدهما أطراف هذه الحرب بل تشارك فيها بعض المنابر الإعلامية العربية التي تحرض على الشعب الفلسطيني وتاريخه وتشوه عدالة قضيته .

4- حرب على الدولة الفلسطينية المنشودة، ميدانها هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وما يتم اتخاذه من قوانين حكومية إسرائيلية وفي الكنيست .

5- الحرب على الأونروا وبالتالي على حق العودة من خلال تخفيض واشنطن لدعمها للأونروا والتحريض الإسرائيلي عليها .

6- حرب على وحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني، حيث تشتغل واشنطن وتل ابيب وأطراف عربية على صناعة قيادة فلسطينية مستعدة للتساوق مع السياسة الأمريكية والتعامل مع صفقة القرن .

7- قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث لا توجد مؤشرات على تراجع ترامب لأن القرار أصبح قرار دولة وخصوصا أنه كان مصادقة على قرار سابق من الكونجرس .

8- الوضع الدولي لا يبشر بإمكانية ظهور دولة أو مجموعة دول يمكنها الحلول محل واشنطن في عملية التسوية، وحتى لو تقدمت دولة أو مجموعة دول بمشروع تسوية فلن يُكتب له النجاح بسبب الرفض الإسرائيلي والأمريكي .

9- استمرار الأمور على حالها بانتظار مبادرة دولية للسلام أو تغييرا في موازين القوى الدولية والإقليمية لا يخدم الفلسطينيين ما دامت إسرائيل مستمرة في مشاريعها الاستيطانية وما دامت واشنطن تؤمن لها الحماية والدعم .

10- بالرغم من الرفض الدولي للسياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين وتأييد قطاع متزايد من الرأي العام العالمي لعدالة القضية إلا أنه في الحسابات الاستراتيجية يبدو أن الفلسطينيين وحدهم تقريبا في المواجهة الميدانية مع واشنطن وتل أبيب .فالدول الأجنبية تؤيدهم عن بعد وفي حدود لا تصل لدرجة التصادم مع واشنطن وتل ابيب، والدول العربية إما متساوقة مع السياسة الأمريكية أو عاجزة عن الفعل والتأثير في مجريات الأمور .

11- صفقة القرن وزيارة نائب الرئيس الأمريكي للمنطقة واستقباله رسميا من طرف الرئيس المصري والعاهل الأردني تندرج في سياق التهيئة لإطلاق صفقة القرن .

12- حتى في حالة عدم طرح تسوية جديدة سواء كانت صفقة القرن أو غيرها فإن استمرار الأمور على حالها يعتبر بحد ذاته تسوية غير مُعلَنة، إنها تسوية الأمر الواقع، حيث استمرار الانقسام سيؤدي لكيان في غزة هزيل ومُحاصر يؤمن استمرار استبعاد القطاع من دائرة التأثير والفعل، واستمرار السلطة في الضفة كشاهد زور على سياسة الاستيطان والتهويد الإسرائيلية، مع عودة متدرجة لعلاقة ما بين سكان الضفة والأردن .

13- إعلان الرئيس المصري السيسي تمسكه بالرعاية الأمريكية للتسوية السياسية والتباس الموقف الأردني حيث الأردن يقف موقفا وسطا ما بين الموقف الفلسطيني والموقف المصري .

14- تراجع الحراك الشعبي أو الانتفاضة وعدم وجود مؤشرات حتى الآن على إمكانية التوصل لإستراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال .

15- التحول في النخبة السياسية حيث انزياح متدرج للنخبة الوطنية التاريخية لصالح نخبة جديدة مستعدة للتساوق مع أية تسوية أو إدارة حالة ألا تسوية وألا تصعيد .

نحن أمام حرب شاملة لا يلمسها إلا كل جاهل، أو متجاهل لا يريد أن يعترف بخطورة الحالة ويستمر في الحديث عن الانتصارات والانجازات، حرب عسكرية واقتصادية ونفسية وثقافية وإعلامية وقانونية . هذه الحرب المُعمَمة تتطلب من القيادة الفلسطينية ومن كل الأحزاب عدم الاكتفاء بسياسة الرفض والتنديد والقول بالتمسك بالثوابت والصمود على الأرض .

حديث التمسك بالثوابت يفقد معناه ما دامت كل الأحزاب المتعارضة مع بعضها البعض تقول به، وما دامت إسرائيل تحتل كل فلسطين وتخترق هذه الثوابت على سمع وبصر الجميع، كما يفترض أن مبرر وجود الأحزاب ومصدر شرعيتها ليس لأنها تقول بالتمسك بالثوابت بل لتحرير الوطن واستعادة هذه الثوابت.

أيضا فإن القول بالصمود والثبات على الأرض لا يكفي لأن الشعب الفلسطيني ثابت على أرضه منذ أكثر من أربع آلاف سنة والهجرة التي حدثت عام 1948 لم تكن باختياره بل فرضتها ظروف الحرب والمنطقة العربية برمتها تعيش اليوم في فوضى الربيع العربي حالة حروب مفتوحة وتهجير جماعي .

وفي نفس السياق فإن المراهنة على الأمم المتحدة وتدويل القضية لا يكفي حيث إنه في ظل الواقع الدولي فإن الأمم المتحدة لن تجود علينا إلا بقرارات غير ملزمة والرئيس أبو مازن اعترف في خطابه في المجلس المركزي بأن كل ما صدر عن الأمم المتحدة كانت قرارات غير ملزمة .

إن كان من قيمة لكل ما سبق فإنها تتأتى من تموقعها كجزء من استراتيجية وطنية شمولية عنوانها الصمود والمقاومة واستنهاض قدرات الشعب، لمواجهة الممارسات الإسرائيلية بما يجعل احتلاله مكلفا وبما يُشعر كل دول العالم بأن الشعب الفلسطيني لم يستسلم للأمر الواقع .

في هذا السياق نستحضر انطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965 حيث لم تقل حركة فتح أنها ستحرر فلسطين بالإمكانيات الذاتية للفلسطينيين بل استنهاض الحالة الوطنية والعربية وإرهاق الاحتلال واستنزاف مقدراته، والحالة التي تمر بها القضية في السنوات الأخيرة لا تقل خطورة عن حالها عند انطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة فتح، وهو ما يتطلب استراتيجية وطنية تستلهم منطلقات الثورة مع الأخذ بعين الاعتبار ما تم تحقيقه من انجازات وما استجد من تطورات، وهذه الاستراتيجية لن تكون فاعلة إلا إذا كانت في إطار وحدة وطنية .

 

ا. د. ابراهيم ابراش

 

 

salam khadomfarajابتداء لابد من بيان فهمي وتعريفي لمصطلح الكتلة التأريخية بعيدا عن غرامشي وسوريل وماركس وانجلز وبرودون..

الكتلة التاريخية هي كتلة بشرية تجمعها / أهواء/ مصالح / قيم / علاقات إجتماعية / وسائل إتصال/ قدرة على إنتاج قادة / شعراء / فنانين/ مفكرين/ خطباء / كتاب./.قضاة وتمتلك ما يمكن ان نسميه بالقوة الناعمة.. والكتلة التأريخية في بدايات تشكلها تكون حبلى بإمكانية التغيير الجذري لما هو سائد ومهيمن ..

يقول الأستاذ اللامي: وينسب سلام كاظم فرج مفهوم الكتلة التأريخية الى ابن خلدون وهذا خطأ إذ يخلط بينها وبين مفهوم العصبية عند ابن خلدون. وبينها وبين تكتل الطبقات لدى ماركس وانجلز..

في الوقت الذي أعبر فيه عن تقديري العالي للجهد القيم الذي بذله الأستاذ اللامي في دراسته لابد من الرد على ملاحظته هذه.. كنت في معرض تعريفي لمفهوم الكتلة التأريخية وفق غرامشي وهو تلميذ نجيب لماركس وانجلز ولينين وفيلسوف ماركسي مهم أحاول تبسيط المفهوم لتقريبه من جمهرة واسعة من القراء معتمدا على قراءة قديمة لكتابه الفذ الأمير الحديث وكراسات السجن وهي مجموعة رسائل لوالدته كتبها معلنا قطيعته مع الستالينية (واعتقد ان رؤية الأستاذ اللامي لغرامشي بإعتباره قد تأثر بالمفكر السنديكالي (جورج سوريل) واقتبس منه مفهوم الكتلة التأريخية) راجع إلى ادبيات اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي المنحازة لستالين والماكنة الإعلامية له... فكما هو معروف تاريخيا ان السنديكالية (النقابية) تطلق بما يشبه الشتيمة عند قدامى الشيوعيين وفقا للهجوم الشرس عليها من قبل لينين في مجمل كتاباته .. وقد اضمحلت بعد نجاح ثورة أكتوبر لكنها بقيت كنوع من الشتيمة الرادعة لكل من ينحرف قليلا او كثيرا عن الخط الستاليني السائد آنذاك.. وإلا فإن غرامشي أبعد ما يكون عن النقابية او البرودونية الفوضوية.. لكن قطيعته مع ستالين جعلته هدفا لانتقادات شتى حجمت تأثيره في وقتها لكن فكره بزغ مجددا في الستينات والسنين اللاحقة..

اما عن مفهوم العصبية او الشوكة (لدى ابن خلدون) فقد أوردته كمقدمة لفهم معاصر وراهن وعراقي او عربي لمفهوم الكتلة التاريخية.. فالعصبية تعني وجود كتلة بشرية تلتقي مصالحها وأهواءها على مجموعة من القيم فتؤسس حراكا (تقدميا او رجعيا لافرق) واطلق ابن خلدون مفردة العصبية على تلك الحراكات الممتدة من الجاهلية حتى تشكل الدولة العربية في عصر الخلفاء الراشدين ثم الامويين فالعباسيين... ودرس بدايات نشوء الدولة العربية في الاندلس وتشكلها وقوتها ونهضتها ثم تدهورها وإضمحلالها وأرجع كل ذلك الى قدرة العصبية (وشوكتها) على تحقيق التغيير سلبا او إيجابا ووضع نظرية اعتدها صالحة لدراسة كل المجتمعات السابقة واللاحقة.. وأعطى أهمية للدور الاقتصادي في تشكل الافكاروالقيم الجديدة من خلال مفهوم (العمران) والذي يناظر مفهوم الحضارة ويناظر المفهوم الماركسي لتأثير التغيير في البنى التحتية على البنى الفوقية.. وجادل في الصراع الذي اعتبره سرمديا بين قيم البداوة والمدنية استنادا الى توفر وسائل الإنتاج ونوعيتها ولا أشك بتأثر كل من اوغست كونت مؤسس علم الاجتماع المعاصر وماركس بأطروحة ابن خلدون الفذة في فهم تأريخ المجتمعات .. لكن الثورة الصناعية في اوربا اوجدت قيما وتحديات جديدة جعلت من تبلور الماركسية الى ما وصلت اليه امرا حتميا ..وبهذا بقي ابن خلدون ممثلا لعصره فقط دون ان تفقد اطروحاته قيمتها واهميتها في فهم جذور حراك الطبقات او تشكلها.. من اجل ذلك اعتبرنا ان الحديث عن مفهوم العصبية والشوكة ممر لفهم ما عرف فيما بعد بالكتلة التأريخية بغض النظر عن من استعملها أولا كمصطلح..

وإن كانت قد وردت كمفردة في كتابات سوريل فإن الفضل في تأسيسها وانتشارها وتأصيلها يكون لانطونيو غرامشي بلا جدال..

يكرر الأستاذ اللامي بشكل لافت جملة وكأنه يدفع تهمة عن فكرته ...الجملة تقول (اننا لا ندافع عن مفهوم إصولي غرامشي ما بقدر تعلق الأمر بمنهجية التحليل النقدي التي نتبناها..).. هذا التكرار والتوكيد (وهو مهم وصحيح ومفهوم) ينقلنا الى حقيقة ثبتها الأستاذ اللامي نفسه في مقالته .. لنقرأ ما كتبه علاء اللامي [يحاولون تطبيقَه على مجتمعٍ مائعٍ طبقيًّا ومشوّهٍ سوسيولوجيًّا كالمجتمع العراقيّ في أيّامنا؛ مجتمعٍ سحقتْه الدكتاتوريّةُ الصدّاميّةُ وحروبُها، ومعها الحصارُ الغربيُّ الضاري، سحقًا مخيفًا، فبات أقربَ إلى الهلام الغامض. فأيّةُ علاقةٍ تربط بين "الكتلة التاريخيّة" الغرامشيّة وواقعها الإيطاليّ من جهة، وبين الواقع العراقيّ الراهن من جهةٍ ثانية، حتى سَمح البعضُ لأنفسهم باستيراد ذلك المفهوم لتسويق التحالفِ مع أحد أطراف النظام العراقيّ؟ وهل كان مفهومُ "الكتلة التاريخيّة،" أصلًا، مفهومًا سياسيًّا يؤسِّس نظريًّا لنوع من التحالفات السياسيّة، أمْ هو مفهومٌ ثقافيٌّ ضمن سياق ابتكار غرامشي لمفهوم "المثقف العضويّ" عبر تنفيذ استراتيجيّته لبناء "الهيمنة الثقافيّة المضادّة" للهيمنة الثقافيّة الطبقيّة السائدة؟]..

نتفق مع الكاتب ان مجتمعنا العراقي مائع طبقيا ومشوه اجتماعيا. ونقر ان الدكتاتورية قد سحقته سحقا والحصار مسخه مسخا فبات أقرب الى الهلام الغامض..لكننا نجيب الأستاذ على سؤاله (أية علاقة تربط بين الغرامشية وواقعها الايطالي من جهة والواقع العراقي من جهة أخرى.؟.)

أقول له: ان ما تفضلت به صحيح..لكن السؤال الأزلي يبقى يلح: ما العمل؟؟ هل ننتظر توفر ظروف اجتماعية موضوعية وسياسية كما توفرت لتولياتي وغرامشي والتي جعلت من الحزب الشيوعي الإيطالي فيما بعد قوة جماهيرية هائلة ؟؟ ام نعمل بصيغ توفيقية (بشرط ان لا تكون تضليلية كما ظننت ظالما للمفكر محمد عابد الجابري..).. ان ما طرحه الجابري عن التجربة الإيرانية عين الصواب فالصراع المبكر بين قوى الثورة بدد الكثير من الجهود في تأسيس منظومة قيمية ديمقراطية فاعلة..

سنتفق مع الأستاذ اللامي حول مفهوم الكتلة التأريخية وفق غرامشي لم يكن سياسيا او مرحليا ولاعلاقة له بتأسيس تحالفات مرحلية بل هو مفهوم ثقافي أورده غرامشي في معرض شرحه لمفهوم المثقف العضوي ودوره في تحقيق الارتقاء الاجتماعي وتشكل كتلة اجتماعية وثقافية قادرة على التغيير الثوري نحو الأفضل.من خلال بناء هيمنة ثقافية مضادة للهيمنة الثقافية السائدة... واتفاقنا مع الأستاذ اللامي لا يطيح بفكرة الدكتور الجابري حول التحالفات التي اقترحها بين نخب عربية مختلفة فواقع غرامشي ونظريته يختلف تمام الاختلاف عن ما نحن فيه كعرب .. لكن نظريته صالحة لتبيان أهمية التأسيس لكتلة تأريخية تحطم اصنام الجهل والتبعية والاستغلال.. والعمل على تشكل وعي جديد فاعل ومؤثر يحمل بذور التغيير..وهيمنة تقدمية مدنية تكون بديلا لأسطرة الماضوية وهيمنتها على الحاضر من خلال جملة من الحراكات ومنها الحراكات الشعبية كالتظاهرات والانتخابات والكتابة في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والظهور في ندوات تلفازية وتقديم النظريات والدراسات المؤدية لمغادرة حالة الخذلان الثقافي والمعرفي..كل ذلك سيؤدي الى خلق الكتلة التأريخية التي وعد بها غرامشي ووضع أسس تطبيقها.. لكن اتباع فكرة غرامشي لا يعني بالضرورة التطبيق الحرفي لها.. فالشعب الإيطالي والشعوب الاوربية في زمنه كانت تعيش مرحلة نهوض حضاري جارف لكنه مهدد من قبل الفاشية وشتان بين ما نحن عليه الان وماكانت عليه اوربا زمن غرامشي..

اما بالنسبة لعراق ما بعد سقوط الدكتاتورية.. لم يكن تحالف اليساريين وخساراتهم المتكررة في كل تحالف إلا نتاجا لما ثبته علاء اللامي نفسه من حقائق (مجتمع مائع طبقيا وأقرب الى الهلام الغامض !!!) وليس نتاج أخطاء استراتيجية او تاكتيكية للحزب الشيوعي الذي اختلف معه ومع الكثير من سياساته.. لكني أفهم ان ليس بالإمكان له كحزب أبدع مما كان. ولو اكتفى بالتنظير المشابه لما تطرحه فصائل يسارية عراقية كثيرة كالحزب الشيوعي العمالي او اليسار الديمقراطي او ما يكتبه مفكرون مثل جناب الأستاذ اللامي لما سمعنا بوجود شيوعي واحد في عراق الحضارات .. ويحضرني هنا بيت شعر كتبه الشاعر الراحل كزار حنتوش في تهويمة من تهويماته الجميلة ( مثل شيوعي في جيبوتي غريبة ووحيدة وضائعة انت ايتها الروح..)..

وضياع الشاعر ووحدته وغربته وإغترابه في بلد الشعراء مأساة كبرى.. ودليل تفكك وإنمساخ (ان صح التعبير) لمجتمع كان فاعلا في الاربعينات والخمسينات.. ولكن ومثلما تفضل الأستاذ اللامي.. جرى ما جرى.. فما العمل؟؟

العمل على إيجاد صيغة توفيقية ليست تضليلية لمفهوم غرامشي ..ومن اجل ذلك سنكتب ان سمحت الظروف عن تعاون الأنصار الشيوعيين في اليونان أبان الحرب مع بعض فقراء القساوسة ورجال الدين الوطنيين .. وربما نتحدث عن رواية كازنتزاكي الاخوة الأعداء وموقف رجل الدين المتعاطف مع الشيوعيين الحمر لوجود ابنه الأكبر في صفوفهم.. والمتعاطف أيضا مع البيض بوجود ابنه الأصغر معهم.. وسنكتب ربما عن جدل التنظير والممارسة الميدانية، وأهمية المطلبية والنقابية وتقديم ثقافة الخدمات على ثقافة الأدلجة وأهمية الجريدة والمنشور القريب من حاجات الناس وأهمية تنسيق التظاهرات بين تيارات متناقضة الايدلوجية متفقة الحاجة الى الإصلاح والتغيير !!!بمعنى اننا إذا ابتعدنا مضطرين عن غرامشي فلم نبتعد ابدا عن اليسار وحراكه تأريخيا !!!

 

سلام كاظم فرج..

..........................

للاطلاع

الكتلة التاريخية: ماهيتها.. سياقها.. تعريبها السياسيوي (1-2) / علاء اللامي

 

 

يبدو للمراقب ان اعداء العراق عملوا على تخريب العملية الديمقراطية بأساليب منهجية متسقة مع الاعمال الاجرامية والدموية التي حدثت خلال اليومين  الماضيين حيث مثل هذان العملان الاجراميان نقلة نوعية في التخريب يراد منها ضرب الدولة على المستوى البنيوي والسياسي، وإذا كان استهداف ساحة لعمال البناء في ساحة الطيران أو ساحة عدن واضح الدلالة من جهة، على اعتبار ذلك تدمير للبنية التحية والاعتبارية للدولة  فأن الاستهداف السياسي، من جهة اخرى، هو الاخطر والأمضى، غير انه ينفذ بآليات تجلت صورتها واتضحت مراميها بعد اللغط الدائر حول أجراء الانتخابات في موعدها المحدد او تأجيلها، الامر الذي يجعلنا امام تساؤلات عدة حول الهدف من هذه التفجيرات، خصوصاً ونحن متيقنين ان الايادي داعشية، ولكن عملية التوجيه كيف تمم وعلى يد من ؟!! .

   اللغط الدائر حول الانتخابات يدور بين محورين، الاول من لايتحمل خسارته، ونهايته السياسية، وهولاء الاكثرية في مجلس النواب، وهم يسعون بأي صورة كانت الى تعطيلها او تأجيلها، والثاني المتحمسون لإجرائها، والذين يعتقدون ان الارض سانحة لهم لتعويض خسارتهم، أو تثبيت وجودهم السياسي، وهذا الامر يحتاج الى دعاية لهم على الارض،  كما ان الامر يتعلق بالكيانات الصغيرة والدعوة الى دعمها وتقويتها ببرقع لا سابق له في التمثيل الديمقراطي، والآخر على  المهاجرين مع تهميش المهجرين واللاجئين ولا بد من القاء الضوء على هذين المحورين.

التسريبات من الدوائر المعادية للعراق الجديد تجهد نفسها في صناعة العاهات والعراقيل المعوقة لسير التحولات الديمقراطية عبر العملية السياسية في البلاد عبر وسائل جديدة ترتكز على تأهيل الكيانات الصغيرة في محاولة لعرقلة خطوات التحول الديمقراطي في البلاد، عبر دعمها وتقديم الاموال لها، وعلى الرغم من ان بعض الكيانات الوطنية الصغيرة ابدت ممانعة ازاء ذلك الا ان اعداء العراق لم يستسلموا ولم يكف عن منهجهم معتمدين على الحلقات الرخوة في اوصال العملية السياسية والتي تتسق مع مطلبهم وأهدافهم، وكان الاعداء يهدفون من وراء ذلك الى استنساخ كيانات سياسية مهجنة تتماهى مع الكيانات السياسية الوطنية والفاعلة والراعية للتحولات الوطنية وتتلبس بلبوسها الوطني للتمويه على الجماهير المؤمنة بالعراق الجديد وخداعها ومن ثم تشتبت اصوات الناخبين منعا لتأثير الاكثرية النيابية الوطنية ومصادرة التصويت الوطني للكتل الفاعلة وسحب ثقة الجماهير بها ، وعلى ذلك فأن الدعوة الى دعم الكيانات الصغير والتصدق عليها بالمقاعد النيابية اضافة الى دعمها بالمال من الخارج مع تغذية الانقسامات بين الائتلافات الوطنية واشاعة عدم الثقة بينها  تمهيدا لتغيير حق الغالبية المتضررة من الدكتاتورية  ومصادرة  القرار الوطني الذي ينتظره الشعب العراقي عقودا  طويلة لم يكن ذلك خافيا على المراقب كما انه لم يكن بريء بأي حال من الاحوال، وعند البحث عن هذا المخطط نجده واضحاً في المشهد السياسي الراهن  .

الاتجاه الثاني ارتكز على حق المهجرين والمهاجرين العراقيين، ويكاد يكون هذا المحور اكثر رخاوة ذلك لوجود خلاف منطقي على عددهم وأسباب تهجريهم وتنوع استخدامهم وإمكانية توظيف المال في استغلالهم واستخدام معاناتهم بعيدا عن قضيتهم الانسانية، وقد اتضح ذلك من خلال تضخيم اعدادهم وتهميش اللاجئين منهم بسبب تهجيرهم من قبل عصابات داعش الارهابية، ومن جانب آخر افرز ملف اللاجئين حالة من التقاطع داخل مجلس النواب، الامر الذي يجعل الاصوات الداعية الى تأجيلها تجعل من ملف اللاجئين وسيلة من وسائل العرقلة لإقامة الانتخابات في موعدها المقرر، ما يستدعي ضرورة الوقوف بحرز أمام المحاولات الرامية لإعاقة او عرقلة ا جرائها، والمضي قدماً نحو اجراء الترتيبات اللازمة لانتخاب ممثلي الشعب وبشفافية عالية، كما ان على الشعب العراقي مسؤولية تاريخية في ضرورة اختيار ممثليهم بما يضمن تحقيق حقوقهم المشروعة، وضمان عيشهم الكريم، وتحقيق دولة العدالة والنهوض بواقع المواطن العراقي

 

محمد حسن الساعدي

 

saieb khalil2ككثير غيري، شاهدت الفيديو الذي أكد فيه الأستاذ الجامعي والأمين العام السابق لحزب الفضيلة، نديم الجابري، ان الانتخابات ليست سوى "توزيع للمقاعد" على الأحزاب، قد تم مسبقاً. وقد تسبب هذا الفيديو بـ "صدمة" كبيرة للمواطن العراقي الذي شاهده. صدمة اوصلته الى اليأس الذي كان قد اقترب منه كثيرا حتى بدون هذا الفيديو.

اليأس لم يكن بلا مبرر. والمواطن يبدو قد حوصر تماما من قبل "اعدائه" من فاسدين وعملاء امريكان ومتخلفين ومحسوبين على إيران. وأكثر من ذلك بدا وكأن هؤلاء جميعا، بضمنهم جماعة الحشد، (قبل ان يخرجوا) قد انضووا تحت قائمة كبيرة جدا لا يمكن إلا ان تربح، يرأسها العبادي نفسه!

من بين زملائي، كان البعض يدعو بقوة لمقاطعة الانتخاب لتحقيق نسبة مشاركة متدنية تفضح التزوير، بينما الآخر يجاهد من أجل اقناع الناس بضرورة الانتخاب رغم كل شيء، والبعض الآخر، لم يجد فرقا بين الانتخاب ورفضه، فكلها، بضمنها نسبة المشاركة، سوف تزور ويؤتى بمن يريده الأمريكان ان يأتي، وبالنسبة المحددة المطلوبة.

وبالطبع فأن مشكلة الداعين الى المقاطعة هي ان المقاطعة يجب ان تتم بإدارة جيدة تضمن افشال الانتخابات، وإلا فسيكون مردودها عكسيا تماما! ولا توجد مثل تلك الجهة ولا يوجد أي أمل في مقاطعة تسقط الانتخابات!

وفي هذه الحيرة المحاصرة، يأتي فيديو الجابري ليوجه الضربة القاضية ((الفيديو)).. ارجو مشاهدته الآن ثم العودة لإكمال المقالة لتكونوا على اطلاع على ما سنتحدث عنه.

انه فيديو صادم بالفعل، مع ذلك دعونا نفيق من الصدمة وننظر ماذا قال الجابري، وقبل ان نتحدث عن مصداقية الرجل نفسه.

أكد الجابري أن الانتخابات مزورة بالكامل، وقال: انطيك مقياس.. أتحدى أي واحد يتوقع أن حزب معين لديه ممثل في مفوضية الانتخابات ولا يفوز. وإذا تحققت هذه الحالة تعال وعاتبني. كل واحد عنده ممثل بالمفوضية لازم يفوز.

لننظر إلى هذا "المقياس"، الذي يربط بين امتلاك الحزب لممثل في المفوضية و "الفوز". أولاً ما معنى عبارة: "أن يفوز"؟ الشيء الوحيد المعرف هو ان "يفوز" حزب او جهة بالأغلبية لتشكيل حكومة، وهذا ما لا يقصده الجابري طبعا، لأنه يقول أن "كل الأحزاب التي تملك ممثل في المفوضية، "تفوز"... ". فمثلا، حزب يحصل على 30 أو 20 أو 5 مقاعد.. متى نعتبره "فائزا" لكي نستعمل هذا "المقياس"؟

كذلك هناك السؤال: هل أن أي حزب لم يفز بأي مقعد، ما لم يكن له ممثل في المفوضية؟

إذن قضية “المقياس” وعلاقة الفوز بوجود ممثل للحزب في المفوضية، قضية فارغة تماماً وتبدو وكأنها رتبت على عجل.

النقطة الأخرى هي ان نتساءل: هل ان الكتل التي فازت بمقاعد كثيرة فعلت ذلك لأن لديها ممثل في المفوضية، ام ان الكتل الكبيرة اصلاً هي التي أتيح لها ان تضع لنفسها ممثلا في المفوضية؟ لا يمكن ان تضع كل الأحزاب لها ممثلين في المفوضية، ولا مفر ان يقتصر ذلك على الكتل والأحزاب الكبيرة. إذن فالقضية هنا هي وضع العربة امام الحصان، وتقديم السبب على انه نتيجة.

ثم يتحدث الجابري أن مندوبهم (ائتلاف وحدة العراق) في المفوضية أخبرهم قبل الانتخابات بأشهر، بأنهم سيفوزون بخمسة مقاعد، رغم ان تقديره هو كان 16 مقعد! وحصل ما قدره المندوب... ولكن هل هذا دليل على شيء أكثر من تفاؤل مفرط من جانبه؟ وهل تفاوض مندوبهم مع فريق المفوضية قبل أشهر من الانتخابات وابلغوه ان لهم خمسة مقاعد؟ على أي أساس قدروا ذلك قبل أشهر من الانتخابات؟ ولنلاحظ هنا ان مندوب الحزب يتكلم مع الحزب، بفوقية وليس كعضو مكلف بشيء. فهو يقول لهم سنحصل على كذا، ولا يسألهم رأيهم، فكأنه رئيس الحزب، تفاوض وحده مع تلك الجهة واستلم منها العدد ووافق عليه بدون استشارة حزبه (كما في المثال التالي الأكثر معقولية في روايته).

المثال الآخر الذي أعطاه نديم الجابري كان عن "جبهة التوافق"، وأن "الشيخ فخري القيسي" كان يفاوض بينهم وبين الامريكان وأن الأخيرين وافقوا على إعطائه الـ 44 مقعداً بالضبط التي أرادها الهاشمي! وأن يتم ذلك بشكل 36 مقعدا تكمل من المقاعد التعويضية بثمانية، وهو ما تم بالفعل وبالضبط، حسب الجابري، وهو ما يزيد بـ 18 مقعداً عن العرض الأمريكي الأول لهم والبالغ 26 فقط!

لنلاحظ هنا أن الامريكان "غيروا رأيهم" بعدد المقاعد بشكل كبير جداً ليرضوا طارق الهاشمي! ويفترض انهم خرجوا عن توزيعهم المخطط وحرموا 16 نائبا من مقاعدهم من اجل ذلك. أي انهم ربما غيروا مخططهم العام للحكومة او البرلمان العراقي، فما الذي يضطرهم لذلك وهم مسيطرون تماما على المقاعد؟

وزيادة في التأكد، لنتخيل أنفسنا مكان الأمريكان، وأننا نملك بالفعل توزيع المقاعد بالضبط وكما نريد، فكيف سنتصرف؟

من المؤكد اننا سوف نخطط للاستفادة منها بأقصى ما نستطيع لتحقيق اهدافنا. وهذا يعني أن تكون خطتنا إعطاء عدد كاف من المقاعد إلى الجهات الأشد التزاماً ببرامجنا (الكتل التي يسيطر عليها عملاؤنا أكثر من غيرها قيادة وجماهيراً إن أمكن)، لتمكينها من تشكيل الحكومة التي نريد ولتحصل على الأصوات اللازمة في البرلمان من اجل تمرير القوانين المناسبة (من خصخصة، وإبقاء قوات، وربما إقامة علاقة مع إسرائيل مستقبلا.. الخ من الأهداف الامريكية المرفوضة عراقيا).

وفي هذه الحالة لا تستطيع القوى الأخرى المعارضة لمشاريعنا ان تقنعنا بإعطائها اية مقاعد (إلا اللهم عدد محدد من اجل إتمام رتوش المسرحية ربما). ولا يمكن ان نغير رأينا بأكثر من مقعد واحد مثلا. أما عملاؤنا فلا يحتاجون أصلا الى "مفاوضتنا" على عدد مقاعدهم، فنحن سنكون أكثر حرصا منهم على سيطرتهم على البرلمان. لذلك فمثل هذه "المفاوضات" لا معنى لها.

إضافة إلى ذلك، فإننا إن أردنا اعطاء جهة مقاعداً، فسوف نتجنب تماما الحديث عن المقاعد التعويضية لأنها عملية معقدة ومحددة بقوانين لا يمكن التلاعب بها بعد كشف النتائج. ويتطلب ترتيبها معرفة مسبقة بعدد اصوات كل الاعضاء الآخرين وحسابها بدقة، الخ..

هذا كله بالطبع مناقض تماما لقصة نديم الجابري، عضو الفضيلة. شيء لا يستقيم مع المنطق في شيء. فإذا اضفنا له السمعة المشبوهة للشخص المتحدث تصبح مصداقيته صفراً!

كيف أخطأ هذا الرجل في تركيبة السيناريو؟ يبدو انه (او من أعطاه السيناريو ليقوله) محكوم تماما بطريقة التفكير للفساد، أي مثل الطريقة التي يبيع من خلالها الفساد الوزارات والمناصب! فهناك تكون المفاوضات واضحة ومعقولة. جهة تريد مناصباً، وتعطي مالا مقابله للجهة الأخرى. وهنا تجري "العملة". لكن مصالح اميركا لا تعمل بهذه الطريقة.

من ناحية أخرى، لاحظوا أنه يبدأ بالادعاء بأن "وجود ممثل للحزب في المفوضية" هو العامل الحاسم للفوز، ثم يتحدث في كل الباقي عن أن اميركا هي التي كانت توزع المقاعد، فما علاقة توزيع اميركا للمقاعد بوجود ممثل للحزب في المفوضية؟ هل ترفض اميركا ان تفاوض من ليس له ممثل في المفوضية؟ ما السبب؟ لا يوجد أي سبب معقول. لكن الرجل يريد ان يخلط كل الأشياء معاً: أميركا المسيطرة على الأصوات، وفساد المفوضية وتقاسم أعضاءها للاصوات. لكن إذا اخذت احداهما الأصوات فماذا يبقى للثانية لتأخذه؟ أم انه يريد ان يقنعنا بأن المفوضية تقف على قدم المساواة مع السلطة الامريكية وانهما يتقاسمان الأصوات ويوزعونها بالاتفاق؟ كلام لا يعقل وخلط غير منسق وتركيب فاشل لسيناريو يبدو أنه صمم للأذن العراقية التي اعتادت على قصص الفساد المعروفة بين الأحزاب والمفوضية من جهة وعلى سلطة أميركا وتزويرها من جهة أخرى، لكي يسهل تصديقه بسرعة وبدون مراجعة منطقية.

من الذي قدم السيناريو؟ هناك أما إيران أو أميركا وملحقاتها. فإن كان السيناريو قد قدم للجابري من قبل الامريكان، فلماذا يريد الامريكان الإساءة الى ديمقراطيتهم في العراق وتاريخها بتسريب مثل هذا السيناريو المختلق؟ هناك نقطتان لتفسير ذلك:

اولاً، انهم يعلمون ان العراقيين يعتبرونهم المسير المسيطر على الانتخابات، لذلك فأن المبالغة في هذا الامر لن تغير كثيرا في سوء صورتهم.

وثانيا، لاحظوا في نهاية الفيديو أن الجابري يؤكد ان هذا كان في الماضي في عبارة منسقة مع المحاور الذي يسأله بدون مناسبة:

-        التفاوض في السابق كان مع الامريكان الآن مع من؟

فيجيبه الجابري: - لو باقي مع الأمريكان، لكان أسهل، يمكن تأخذ جزء من حقك ...

وحين يلح المحاور على تحديد تلك الجهة الحالية (إمعانا في المسرحية ربما) يعتذر الجابري مع ابتسامة عريضة، ويقول:

- هذا ما نقدر نعطيه لك، لأن نحن نريد نتفاوض معهم!

وبالطبع هذا "التلميح" إلى إيران، أكثر وقعاً على المشاهد من "التصريح" بها، وأكثر "مصداقية" كما يعرف الكثير من مخرجي المسرحيات. والآن لنسأل سؤالين ختاميين قبل ان نودع هذه السالوفة:

- إذا كانت السلطة تامة للأمريكان على تحديد المقاعد كما بدأ حديثه، فمتى وكيف انتقلت تلك السلطة من الأمريكان إلى الإيرانيين؟ ولماذا انتقلت؟ فحتى لو صدقنا اشد القصص تطرفاً في أن كل ما يحدث هو مسرحية تدار بين أميركا وإيران وان الأخيرة تابعة تماما للأولى، فلا شيء ابدا يمكن ان يدعو او يجبر السيد على تقديم "العراق" لذيله!

- والسؤال الثاني: إن كنت تفاوض جهة لشراء مقاعدكم، ولا تريد ان تكشفها لكيلا تسيء إلى تلك المفاوضات، فكيف ستقبل تلك الجهة أن تكشف العملية أصلا، وكيف تقبل أن تلمح تلميحا إليها، حتى لو لم تذكرها بالاسم؟ ثم ما الذي يضطرك إلى هذا؟ ليس الضمير بالطبع، فمن يفعل مثل هذا، شخص باع ضميره وحزب عديم الضمير! ولماذا تسيء إلى حزبك مجاناً قبل الانتخابات، بالتصريح بأنه يفاوض أجنبي لشراء مقاعده؟ ولماذا تسيء إلى ناخبيك مجانا وتخبرهم أنه لا معنى لأصواتهم؟ وهل ستدعوهم للبقاء في بيوتهم أم سينشر الحزب اعلاناته ووعوده ويبذل جهوده لخداع هؤلاء الناخبين الذين لا معنى لأصواتهم؟

بالطبع سينشر اعلاناته ويصرف الأموال والجهود عليها، وسيقدم بذلك دليلا إضافيا بأن كل ما قيل في هذا الفيديو ليس سوى سيناريو تمت كتابته لغرض ما.

ما الذي نستنتجه من كل هذا؟

أولا أن القصة كاذبة وثانيا ان حزب الفضيلة يستحق لقبه المعروف "حزب الرذيلة" وأن جابري الفضيلة أنسان كذاب وسخ كما كان طيلة تاريخه، لكن هذا كله معروف ولا أهمية له.

ثانياً أن هناك من يجهد لإخراج مسرحيات يوحي بها، بأن الانتخابات مسيطر عليها مسبقا وبشكل تام وان المقاعد يتم توزيعها، وهذا يعني أن هذا ليس حقيقة. فلا أحد في السياسة يخرج مسرحيات لتثبيت حقيقة، وبشكل خاص من يعترف بأنه عديم الاخلاق يبيع ويشتري المقاعد. وهذا يعني ان الأصوات ليس مسيطر عليها بشكل كاف لتأمين النتائج المرجوة من قبل تلك الجهة.

وبالطبع فأن تلك الجهة هي اميركا، ولا يصدق إلا الضائعون في الرعب الطائفي أن إيران هي من يسيطر على انتخابات اسستها اميركا واشترت لها حاسباتها ووضعت برامجها وعينت موظفيها الخ.. والإشارة الخفية الى إيران لا تؤكد إلا ان الجهة الحقيقية هي اميركا، وليس العكس.

وهذا التحليل لا يعني أبداً ان أميركا لا تستطيع ان تزور الانتخابات فلجأت الى المسرحية، بل رأيي هو العكس تماما. هي تزور كثيرا، وما اتوقعه ان يكون التزوير هذا العام هو الأشد، لأسباب سنتحدث عنها في مقالات أخرى. إنما من الواضح أنها لا تأمل ان يصل التزوير الى ما ترجوه، وإنها تستعين بهذه الطرق لتسهيل مهمة ذلك التزوير ولإكماله.

فالأدلة التي لدينا عن تاريخ الانتخابات في العراق، تدحض قصة الجابري وتفضحه. وهي تؤكد أن أميركا فشلت في انجاز تزوير كاف في جميع الانتخابات السابقة لتحصل على ما تريد، دع عنك سالوفة توزيع المقاعد بالضبط.

فأميركا كانت تريد أياد علاوي رئيسا للحكومة بلا شك. لأنها حين كان لها ان تعين شخصا بشكل مباشر، اختارته باعتباره العميل الأكثر ثقة بالنسبة لها، او كما وصفوه "رجلنا" في العراق، فكان رئيس الحكومة الأول بعد الاحتلال. وكان الإصرار الأمريكي عليه شديداً بحيث سمحوا لمجلس الحكم التدخل في اختيار الرئيس بين اثنين، ورفضوا أي تدخل في موضوع علاوي.

وحين فشل "رجلهم" في اول انتخابات، وحصل الجعفري على رئاسة الحكومة، قامت اميركا بإزاحته بعد بضعة أسابيع بمبادرة كونداليزا رايس ومشاركة فعالة من الأحزاب الكردية، واعيد الانتخاب داخل مجلس النواب، بأمل ان يحصل رجلهم الثاني عادل عبد المهدي على الرئاسة. وهنا أيضا فشلوا في تسليط الضغط الكافي او التزوير، ففاز المالكي. وفي الانتخابات التالية فاز المالكي، ولم يكن انسب رجل لهم رغم خدماته الجليلة لهم. وفي الانتخابات الأخيرة قاموا بعملية اغتيال صريحة لأصوات الناخبين وعينوا (بمساعدة الأحزاب الكردية أيضا والمجلس الأعلى والجعفري، مع تهديد بترك العراق لداعش) شخصا لم يستطع ان يحصل إلا على عدد تافه من الأصوات، هو تلك الشخصية الهزيلة الفاشلة - العبادي!

إن من يمتلك أن يوزع المقاعد، لا يحتاج لمثل هذه المسرحيات العنيفة! ولا لمسرحية الجابري الكوميدية.

إذن فالهدف من كل هذه السالوفة هو مساعدة التزوير، الذي لا يستطيع لوحده كما يبدو، الآتيان برجل تريده اميركا، الى السلطة من جديد، عن طريق دفع الناس بعيدا عن المشاركة في الانتخابات من جهة، وعدم اهتمامهم بنتائجها ودلائل تزويرها، من الجهة الأخرى. فعندما لا يشارك الناس في الانتخابات، تكون مهمة إيصال العملاء أسهل بكثير، وتكون عملية التزوير أيضا أسهل بكثير. لذلك فاستنتاجنا الآخر هو: أنهم لم يتمكنوا بعد من السيطرة تماما على الأصوات والمقاعد، وأنهم يأملون أن نساعدهم بالامتناع عن التصويت... ولذلك يجب ان نصوت لنجعل الأمر أكثر صعوبة عليهم!

لمن نصوت؟ ليس هذا سهلا، فهنا يجب تحديد الأولويات.. أنا أولويتي هي الوقوف بوجه هذا الغول، والباقي يهون! .. يتبع

 

صائب خليل

 

 

alaa allami2مع اقتراب موعد قطع نصف مياه نهر دجلة تقريبا من قبل السلطات التركية في شهر آذار / مارس القادم لملء سدها الجديد العملاق "أليسو"، يتصاعد القلق العميق في العراق الرسمي والشعبي. بل أن بوادر الشحة المائية بدأت تظهر بوضوح منذ الآن.

لقد انتظرتُ باهتمام وصبر وتفاؤل موقفاً معلناً لوزير الموارد المائية العراقي السيد حسن الجنابي من أزمة سد أليسو التركي القادمة والسدود التركية عموما ومعها المشاريع المائية الإيرانية، وعن الأزمة المائية التي يعاني منها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي، والتي دخلت منعطفا خطيرا جديدا مؤخرا مع الإعلان التركي الجديد. وأخيراً، وقبل أيام قليلة، أجرت صحيفة ( Foreign Policy Concepts) "مفاهيم السياسة الخارجية" باللغة الإنكليزية لقاء مع السيد الوزير.

هنا، هوامش سريعة على ما ورد على لسان الوزير. ولكني قبل ذلك أود أن أسجل بأنني أعرف أن السيد الوزير خبير وأكاديمي متخصص بشؤون الهايدرولوجيا. وقد كان لي ولرفيقي الراحل هادي العلوي، مراسلات معه في سنة 1996، التي بدأنا فيها العمل لتأسيس "لجنة الدفاع عن الرافدين". وكانت تلك اللجنة عبارة عن هيئة شعبية هدفها الدفاع عن الرافدين، دجلة والفرات، في مواجهة تفاقم عمليات بناء السدود حتى فاق عددها اليوم 740 سبعمائة وأربعين سداً تركيا. وكنت قد كتبت آنذاك رسالة إلى السيد الجنابي ضمن عدد من الخبراء المتخصصين في الهايدرولوجيا والاقتصاديات المائية أوضح لهم فيها مشروع وأهداف تلك اللجنة. وقد أطلعت خلال تلك المراسلات على رسالة جوابية من السيد الجنابي، وكانت رسالة مهمة من ثلاث صفحات مؤرخة في 16.03.1996، وما أزال أحتفظ بها في أرشيف اللجنة. وأسجل أن رسالته هذه كان لها تأثير إيجابي مهم على أرائي الشخصية في قضية "دولية الرافدين". أردت من هذا التفصيل، الإشارةَ إلى أنني على معرفة سابقة بآراء السيد الجنابي كخبير وباحث في هذا الميدان وهو يختلف عن سائر البيروقراطيين الجاهلين بموضوع مأساة الرافدين ممن مروا على الوزارات العراقية قبل وبعد الاحتلال الأميركي.

لا أخفي أنني استبشرت خيرا بتولي السيد الجنابي لمنصب وزير الموارد المائية لكونه دبلوماسيا مستقلا وخبيرا متخصصا في الهايدرولوجيا، رغم رفضي ومناهضتي لنظام الحكم الطائفي التابع للولايات المتحدة. وهنا يكمن جزء من سبب انتظاري لموقف ومعالجات وآراء جديدة وأكثر جدية وعمقا من السيد الجنابي بصفته الرسمية ومن موقعه كمسؤول عن هذا الملف في الحكومة العراقية. وقد تابعت العديد من تصريحات وكتابات السيد الجنابي. وقد أصبت بشيء من خيبة الأمل، ولا أقول باليأس التام من أدائه، رغم أن أداءه قياسا بغيره ممن تبوّأوا هذا المنصب كان أفضل بكثير من حيث الرؤية العلمية والواقع المائي العراقي والأهداف والسلوك الوظيفي النزيه بشهادة الجميع، ولكن المطلوب والمتوقع منه أكثر وأعمق بكثير.  المؤسف هو أن الوزير الجنابي لم يفعل أي شيء على أرض الواقع بخصوص المشاريع المائية المعطلة أو المعرقلة كاستئناف العمل بسد بخمة الضخم الذي تكلم عنه سلفه الوزير لطيف رشيد ولكنه لم يفعل شيئا هو الآخر. ولم تقم الوزارة بإعادة تفعيل مشروع تحلية مياه منخفض الثرثار الذي سينقذ العراق نهائيا من أي ابتزاز مائي تركي أو إيراني، أو حل مشكلة سد الموصل "المريض" حلا نهائيا أو إنجاز سد ضروري على شط العرب لحماية البصرة من اللسان الملحي الصاعد من الخليج العربي ومشاريع أخرى وردت في الدراسة السوفيتية المائية المهمة لسنة 1980 والتي توقف العمل بها منذ سنوات، بل هو يعلن أن العراق لا يحتاج إلى أية سدود جديدة! فكيف، إذن، سيحمي العراق نفسه ومياهه ويخرج من حالة الاستباحة والتهديد والابتزاز والشحة المائية القاتلة التي سببها سدود الدولتين الجارتين تركيا وإيران؟ وسوف نتوقف عند هذه النقطة بعد قليل.

 أسجل هنا هذه الملاحظات السريعة على ما ورد من إجابات السيد الوزير خدمة للصالح العراقي العام وممارسة لحقي في التعبير عن رأيي بتصريحات معلنة على لسان شخصية عامة تقود إحدى أخطر الوزارات في العراق في الوقت الحاضر:

1- استعمل الوزير في إجابته عن سؤال الصحيفة الأول عبارة (the Tigris-Euphrates river basin) والتي تعني "حوض نهري دجلة والفرات"، وهذه العبارة هي خلاصة المطلب التركي الذي كررته الحكومات التركية المتعاقبة طوال العقود الماضية ورفضه العراق مرارا حتى في زمن نظام صدام حسين. والقصد من هذا المطلب التركي اعتبار حوضي دجلة والفرات حوضا واحدا، بخلاف ما هما عليه في الواقع الجغرافي والجيولوجي والهايدروليكي، هو أن تعوض تركيا ما تأخذه من مياه أحد النهرين بمياه من النهر الثاني، وهذا أمر مجحف بحق العراق وسرقة لمياهه بموافقته. فهل تغيرت الاستراتيجية العراقية القديمة والتي ظلت قائمة منذ الخمسينات وحتى سقوط النظام السابق من هذا الموضوع مع مجيء حكم المحاصصة الطائفية بعد الاحتلال سنة 2003؟  أرجو مخلصاً، أن تكون هذه العبارة التي وردت على لسان الوزير الجنابي مجرد زلة لسان وليس موقفا جديدا يكرس الخضوع للرأي أو المطلب التركي وأرجو أن يصحح ذلك في أقرب فرصة خدمة للعراق وشعبه.

2- كرر الوزير استعمال تعبير "المياه العابرة للحدود" (transboundary water) وهي أيضا قريبة من وجهة نظر الدولة التركية التي تعتبر دجلة والفرات نهرين تركيين عابرين للحدود ومياههما مياه عابرة للحدود (transboundary water) بخلاف ما هما عليه بموجب اتفاقية قانون مجاري الأنهار الدولية المقرة والمصادق عليها والنافذة منذ 17 آب - أغسطس 2014 والتي تعتبرهما مجريان مائيان دوليان (International Watercourses). وكان حريا بالسيد الوزير استعمال وترسيخ المفاهيم والتعاريف القانونية الدولية كالقول "مياه المجاري المائية الدولية كدجلة والفرات" ورفض العبارات والتعريفات التركية غير القانونية والمضرة بمصالح العراق المائية.

3- قال الوزير الجنابي (كان الانخفاض في تدفقات المياه إلى بلدنا مأساويا. إحصائيا، كان متوسط التدفق السنوي في السنوات العشر الأخيرة يعادل 45٪ من المتوسط على المدى الطويل في حوض نهري دجلة والفرات، وهذا لا يشمل النهرين الرئيسيين في الجزء الجنوبي من العراق اللذين ينبعان من جمهورية إيران الإسلامية، وهما نهرا الكرخة وقارون. فمن الناحية التاريخية، كان هذان النهران يفرغان مياههما في شط العرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكنهما توقفا عن التدفق إلى العراق بسبب بناء السدود الكبيرة، وهياكل التحكم والتحويل في إيران المجاورة). والسؤال هو: ماذا فعلت الحكومة العراقية وبضمنها وزارة الموارد المائية طوال فترة العشرة أعوام الماضية، آخذين بنظر الاعتبار أن الوزير الجنابي حديث العهد بالوزارة منذ نيسان 2016.

4- قال السيد الوزير (لدى وزارتي، وزارة الموارد المائية العراقية، ووزارة الغابات وشؤون المياه في تركيا، مذكرة تفاهم مهمة في مجال المياه). وبما أن هذه المذكرة ليست عسكرية أو أمنية سرية، فقد كان مفيدا وضروريا لو أن الوزير طرح الخطوط العريضة لها وبعض تفاصيلها فربما كان لها تأثير إيجابي يخفف من قلق العراقيين حول مستقبلهم ومستقبل أنهارهم.

5- قال الوزير: (قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأكيداته لرئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر عبادي خلال زيارته إلى أنقرة في تشرين الأول/أكتوبر 2017 بأن أي ضرر لن يلحق بالعراق عندما تبدأ تركيا بملء السد في آذار/ مارس 2018. وهذا التزام كبير ونحن نعتقد أن أفضل طريقة لترجمتها إلى واقع هي إعادة جدولة ملء السد ليبدأ في يونيو 2018، مما يسمح للعراق بتخزين ما يكفي من المياه من خلال موسم الصيف القادم، والذي عادة ما يكون فترة من الحد الأقصى للطلب في بلادنا) .أعتقد أن التعويل على تأكيدات شفهية قدمها أردوغان لحيدر العبادي واعتبارها حلاً أو شبهَ حل لأزمة خطيرة وكارثية لا علاقة له بعالم الدبلوماسية والعلاقات بين الدول في عصرنا، حتى لو كانت دولا حليفة، فكيف بنا ونحن نعاني من سياسات تركيا العضو في حلف الأطلسي طوال عدة عقود، شيدت خلالها مئات السدود على نهري دجلة والفرات وروافدهما، دون تشاور أو تنسيق مع العراق. ثم ماذا سيفعل الوزير الجنابي ورئيس مجلس الوزراء العبادي وغيرهما حين تقع الواقعة ويتحول دجلة الى ساقية آسنة؟ بل وماذا سيفعل إذا رفضت تركيا "جدولة ملء السد" كما يريد الوزير الجنابي؟ هل لديه ولدى حكومته خيارات أخرى غير سياسة شدوا الحزام ولا تفرطوا بكل قطرة ماء؟ فيما يواصل أردوغان حبس المياه العراقية في بحيرات السدود المعلقة بين الجبال؟

وخارج هذه المقابلة الصحافية، وفي لقاء مع فضائية "السومرية" نشرت على اليوتيوب بتاريخ 21 آب 2016 قال السيد حسن الجنابي بنبرة حزينة (إن شحة المياه التي ستحدث في العراق مع بدء تخزين مياه نهر دجلة في بحيرة سد أليسو ستكون "قاتلة"). الوزير وضح سبب تشاؤمه بأن تركيا ستبدأ تخزين معظم مياه دجلة في الشتاء والربيع وهو موسم الريع المائي الأكبر التي يخزنها العراق في سد الموصل ويستعملها في الصيف، وهذا يعني أن سد الموصل لن تصله مياه جديدة وسيكون العراق دون خزين استراتيجي وعليه فهو يطالب بشد الأحزمة وعدم التفريط بكل قطرة مياه تدخل العراق!

وفي لقاء آخر مع فضائية "أن آر تي NRT" نشرت على اليوتيوب بتاريخ 1.08.2017 قال السيد الوزير (إن العراق لا يحتاج لبناء سدود جديدة لخزن المياه لأن فيه من السدود ما يكفي لتخزين كل إيراداتنا من المياه ويفيض). وعلل قلة المياه والأزمات بسبب قلة الأمطار والثلوج المتساقطة. ولكنه لم يطرح أي حلول لمواجهة تأثير السدود الإيرانية والتركية على مياه النهرين الداخلة الى خزانات سدود العراق. إذا كان العراق لا يحتاج الى سدود جديدة رغم تعاظم الحاجة الى المياه أضعافا فيجب على الأقل طرح استراتيجية مائية جديدة لضمان ملء هذه السدود بالمياه من النهرين والوصول الى اتفاقيات طويلة الأمد مع تركيا وإيران تتيح للعراق خزن المياه التي يحتاجها سنويا وعدم التأثير عليها بخزن الوارد في سدود الدولتين. وإذا كان العراق لا يحتاج إلى سدود كبيرة، كما يقول الوزير، فلماذا لا يعتمد العراق الاستراتيجية الإيرانية المفيدة والفعالة في بناء عشرات السدود الصغيرة أو على الأقل سد صغير شمال كل محافظة عراقية يمر بها نهر أو رافد لسد حاجتها الى المياه في حالات الطوارئ والمواسم الجافة؟

وفي اللقاء نفسه، أضاف السيد الجنابي (إن هناك العشرات من السدود الصغيرة أقامتها إيران على نهر الزاب الأسفل وإن كمية المياه الواردة الى هذا النهر والتي تغذي سد دوكان انخفضت بنسبة 40% مثلما انخفضت نسبة مياه نهر ديالي النابع من إيران بذات النسبة تقريبا / الدقيقة 13.10) فلماذا هذا الصمت على التجاوزات الإيرانية على الحصص العراقية إن كان للعراق حق في حصص مائية؟ وهل يخفف من حدة التجاوزات أن السدود صغيرة الحجم إذا كانت بالعشرات وتقطع عن العراق نصف مياه نهرين كبيرين هما الزب الأسفل وديالى؟ وهل يجوز أن نلقي باللائمة بعد كل هذا النقص بسبب السدود الإيرانية والتركية على الطبيعة والأسباب المناخية وظاهرة" الاحتباس الحراري"؟

ويضيف السيد الوزير في ذات اللقاء مع (RNT) (نحن في العراق، كل ثقافتنا المائية، ومنذ العصر السومري حيث كانت الحضارة السومرية حضارة مياه، والثقافة السائدة حتى اليوم هي "ثقافة وفرة المياه" ولكن منذ نهاية السبعينات بدأنا مرحلة انحدار من ثقافة الوفرة المائية الى "ثقافة الشحة المائية" دون أن تبرز وتتماسك ثقافة الشحة المائية).

وتعليقي هو: يبدو لي، وأرجو ان أكون مخطئا، أن كلام السيد الجنابي هنا يفوح برائحة تبريرية نفاذة، لأنه يقفز على واقع أن تركيا وإيران هما السبب وراء تلك الشحة المائية بكثرة السدود التي شيدتها الدولتان (نسبة الوارد من إيران الى العراق بحدود 12% فقط وكل مياه الفرات ونصف مياه دجلة تقريبا من تركيا)، وهذا السبب والواقع لا ينبغي القفز عليه، مثلما لا يمكن اعتبار موضوعة "الثقافة المائية" السائدة لعنة ميتافيزيقية مطلقة أصابت العراقيين ولا تفسير لها، ولا يمكن معالجتها إلا بالتقشف بدلا من معالجتها بضمان استمرار وصول حصة العراق المائية السنوية بكل الوسائل الدفاعية المشروعة، ومواجهة محاولات الاستيلاء عليها وخزنها في سدود دول المنبع. ولنا أن نسأل هنا: في مقابل مطالبة العراقيين بالتعود على "ثقافة الشحة المائية" والأزمات المستمرة لماذا لا تطالب شعوب المنابع باعتماد ثقافة الشحة أو على الأقل "ثقافة الاعتدال وحسن الجوار" والإقلال من تشييد السدود العملاقة لتوليد الطاقة الكهربائية والزراعات الكثيفة لأغراض تجارية على حساب شعبنا لأن الأقدار جعلته في دولة المصب؟ أم أن علينا أن نصوم ونعطش نحن، فيما تراكم تركيا كميات هائلة من المياه خلف سدودها، كميات كافية لإغراق الشرق الأوسط برمته بل و(تجرف نصف العراق وتقذفه في الخليج) إنْ حدث وانهار، بسبب زلزال أو عمل تخريبي، سدٌّ واحدٌ من السدود التركية هو سد "أتاتورك" الذي يحتوي على 48 مليار متر مكعب من المياه، كما كتب لنا الأستاذ الجنابي في رسالته سالفة الذكر سنة 1996؟

آخر مستجدات هذا الملف، هو ما نشره الوزير حسن الجنابي على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك يوم 17 كانون الثاني يناير 2018، ومفاده أن الحكومة التركية وافقت على تأجيل بدء عمليات ملء سد أليسو التركي إلى شهر حزيران بدلا من شهر آذار القادم. هذا يعني أن الخطر تأجل لمدة شهرين فقط، تترك خلالهما تركيا المياه تتدفق إلى دجلة ليتمكن العراق من خزن كميات منها في سد الموصل. واضح جدا، أن هذا القرار بالتأجيل لا يشكل حلا جذريا أو منصفا أبداً. وربما يكون وراءه محاولة تركية لتفادي الإحراج السياسي الذي ستولده خطوة قطع المياه في ذروة الريع السنوي أولا. وثانيا، تسجيل نقطة في هذا الملف تستعملها الحكومة التركية لتأكيد تساهلها وتعاونها بموافقتها على طلب التأجيل العراقي. وثالثا وأخيرا، تفادي وتعطيل أي محاولة من الحكومة العراقية لتقديم شكوى إلى الهيئات الدولية أو اتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية رغم أنها ليست في هذا الوارد كما توحي بذلك إجراءاتها المتراخية طوال الأزمة.

إن إجراء تأجيل ملء السد التركي وقطع نصف مياه نهر دجلة لمدة شهرين فقط ليس حلا أبدا، بل هو أشبه بتقديم قطرة أو جرعة ماء لشخص محاصر، منع عنه الماء لفترة طويلة. الحل الحقيقي يكمن في إجبار تركيا وكذلك إيران على عقد اتفاقيات دولية برعاية الأمم المتحدة استنادا الى الاتفاقية القانونية الخاصة بمجاري المياه الدولية لأغراض غير ملاحية لسنة 2014، تحدد وتضمن في هذه الاتفاقيات حصص العراق العادلة من مياه الرافدين بشكل علمي ودقيق، يأخذ بنظر الاعتبار حاجات العراق كدولة مصب نهائي، ومعدل الريع المائي السنوي للنهرين وروافدهما، وبدون التوقيع على اتفاقيات كهذه سيبقى سيف العطش والجفاف مسلطا على العراق والعراقيين.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................

رابط اللقاء مع السيد الوزير حسن الجنابي في المصدر باللغة الإنكليزية:

https://foreignpolicyconcepts.com/iraq-water-crisis-geopolitics-irrigation/

رابط ترجمة اللقاء الى اللغة العربية:

http://www.albadeeliraq.com/node/917

 

 

abduljabar aljabawriأخيرا قررت المحكمة الاتحادية عدم جواز تأجيل الانتخابات حسب المادة 56، الرغم من انها لاتملك صلاحية اصدار قرارات تلزم البرلمان، وإنما هي جهة تفسيرية للقرارات ملزمة للاطراف المختلفة، ومع هذا إستجابت الجهات الرافضة لتاجيل الانتخابات، وأعلنت موافقتها وإلتزامها بقرار المحكمة، على إجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 12/5/2018، بشرط تنفيذ الوعود التي قطعتها حكومة العبادي فيما يخص إعادة النازحين وتوفير أجواء أمنية تضمن تحقيق الانتخابات في المدن المحررة، فيما قرر البرلمان بالتصويت على إجراء الانتخابات ألكترونيا منعا للتزوير وسرعة اعلان النتائج، بهكذا أجواء وافقت الاطراف المعارضة على المضي في الذهاب الى الانتخابات، التي مارست الأدارتان الامريكية والايرانية، ضغوطا شديدة على حكومة العبادي، والأحزاب والحلفاء لإجرائها في موعدها، لخدمة إستراتيجيتهما في العراق، في مرحلة ما بعد داعش، وكان الصراع بينهما واضحا ومربكا، ولكن ما طبيعة التحالفات التي نراها الان، في تسابق محموم نحو تكوين أكبر كتلة في البرلمان بعد اعلان نتائج الفوز، ولنعد الى الانشقاقات التي شهدها التحالف الوطني، وخاصة كتلتي دولة القانون التي يرأسها نوري المالكين وكتلة حيدر العبادي (النصر)، وإنسحاب قائمة (الفتح المبين)، التي ضمت قادة الحشد الشعبي والميليشيات العراقية الموالية لايران، ومنها، فيلق بدر والعصائب وحركة حزب الله والنجباء وغيرها من الفصائل المسلحة العسكرية الاخرى، وسبب هذه الانشقاقات كلها، هو أمر واحد لم تعلنه الكتل المنشقة، هو (الظفر برئاسة الوزراء)، وانما موهت السبب وكذبت على الناخب، وقالت ان أمورا (فنية ) هي سبب الانسحاب، وان قوائم وشخصيات فاسدة دخلت الكتلة، فيما إنسحبت قوائم (سنية) من قائمة العبادي لاسباب نجهلها الان، ونأت كتلة التيار الصدري بنفسها عن التحالف مع كتلة العبادي واصفا السيد مقتدى الصدر التحالف (بالبغيض والطائفي)، وانتقد بشدة العبادي لانه سمح لقادة الميليشيات بالترشح وهو كان قد وعد بغير ذلك وحنث اليمين الذي قطعه على نفسه أمام الشعب، أما السيد عمار الحكيم فقد حشر تيار الحكمة في تحالف العبادي (النصر)، نائيا بنفسه عن تحالف المالكي الذي صار منبوذا أمام الجميع، ولم يلتحق به أي شخصية أو حزب لعدم ضمان فوزه سوى قائمة ليس لها شكل ولا لون هي قائمة المجلس الاسلامي الاعلى، المنشق منها تيار الحكمة، والمستحوذ على جمهوره الكبير، وإحتراق ورقته الانتخابية أمريكيا وإيرانيا وحتى عراقيا، وظل وحيدا إلا من تصريحات خجولة، يستنهض بها همم ناخيه ويذكرهم بماضيه الدموي، أما الكتل الاخرى مثل التحالف الكردستاني، فظل مشتّتا بلا هدف ولا كتلة يتحالف معها، ينتظر ظهور كتلة تضمن له تحقيق برنامجه بعد الانتخابات، وربما سيتحالف الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني مع نوري المالكي، الذي ظهر في قناة روداو الكردية، يغازل التحالف الكردستاني وينتقد العبادي بشدة على إجراءاته وقراراته ضد الاقليم بعد الاستفتاء، إذا لم يحقق له العبادي مطاليبه التي حملها له نيجرفان برازاني، في زيارته الاخيرة لبغداد، والتي نرى بأنه خرج من غرفة العبادي خالي الوفاض، متوّجها الى طهران، علّه يحصل على جزء يسير يحفظ به بعضا من حضوره في بغداد، وكان الأستفتاء سبباً في خسارة التحالف الكردستاني تحالفاته في بغداد، وهو الآن في موقع ضعيف، أمام جميع الكتل الاخرى، فيما توحّدت الكتل (السنية)، بقائمتين رئيسيتين هما (ائتلاف الوطنية لاياد علاوي وكتلة القرار العراقي لأسامة النجيفي)، وهناك تحالفات اخرى خرجت من قائمة العبادي والتحقت بقائمة علاوي والنجيفي، أو بقيت للتحالف معها بعد الانتخابات، المشهد الانتخابي والتحالفات الآن في اعلى درجات السباق للظفر بكتلة تضمن الفوز المؤكد، وهكذا بقية القوائم التي تدعي خروجها من الطائفية، وإنها عابرة للطائفية، وتعلن صفة المدنية في شعاراتها، منها كتلة (موطني) للسيد غسان العطية والقوائم المتحالفة معه والتيارات الاخرى، وهذا لها مساحة وجمهور جديد يختلف عن التحالفات الاخرى التي إنبت على اسس المحاصصة الطائفية مثل دولة القانون والفتح المبين والنصر، التي دمجت معها بعض القوائم والشخصيات الضعيفة (السنية ) لتقول للشعب إنها قائمة (جامعة لاطياف الشعب العراقي)، وتبعد عنها صفة الطائفية، وهي بجوهرها طائفية واضحة، لايحجبها غربال الانتخابات، وهناك كتل متشكلة أخرى غير معروفة، وشخصيات هامشية، يعول عليها الطرف الخارجي الاقليمي والدولي والعربي، وما يعنينا هنا، هو سؤال ملّح يقض مضجع الشعب العراقي، وسط صراعات نفوذ امريكية –ايرانية، وصراعات إقليمية إيرانية –عربية –تركية، وكل يعمل لتنفيذ مشروعه ومصالحه في العراق، في مرحلة دقيقة وحرجة، هي مرحلة ما بعد القضاء على داعش، والسؤال هو كيف سيكون أزاء كل هذه الصرعات مستقبل العراق، بكل تأكيد ننظر الى الانتخابات، على إنها الفرصة الاخيرة للشعب العراقي، كي يتخلص من النفوذ والهيمنة الايرانية وأحزابها ومريديها وميليشياتها، التي أحرقت العراق وحوّلته ولاية إيرانية تابعة لها وهي فرصة لاتتكرر لاحقا، وسط فوضى الحروب في الشرق الاوسط، ويذهب لاختيارمن يعول عليه، ويخلصه من جميع انواع الاحتلالات والنفوذ مهما كان شكله ولونه، ويتوحد مع ذاته ليكون شعبا يضرب به المثل، من الوعي واستشعار الخطر، وتفويت الفرصة على المتربصين بمستقبل العراق، رغم الخراب والدمار الذي حلّ به، جرّاء من يدّعي الحرص على شعب العراق، ونسيجه ووحدته وحضارته ومستقبله، إن الانتخابات وكما نقرأها ستفرز واقعا عراقيا جديدا، بمفاجآت سياسية قد لايتوقعها الاخرون، لاسيما إذا توفرت إنتخابات نزيهة وخالية من التزوير، كالذي حصل في الانتخابات السابقة، حيث سيكون الاقتراع الكترونيا، وستعلن النتائج بظرف 24 ساعة، ستقسط العمائم والاحزاب الفاسدة والطائفية حتما لانها إنفضحت وكشفها شعب العراق، وجربها عبر سني الاحتلالات والحكومات الفاسدة والفاشلة، وهذه هي الفرصة المرتجاة التي يعول عليها الشعب العراقي، ويخشى منها الاحزاب والشخصيات وعمائم السوء الفاسدة، البيض منها والسود، التي فشلت في قيادة شعب عظيم مثل شعب العراق، لأن مستقبل العراق سيقرره العراقيون أنفسهم، وستندحر كل المشاريع العدوانية الاخرى، وسيسقطها شعب العراق في الانتخابات القادمة حتما ....

 

عبد الجبار الجبوري

 

 

raed alhashimiالتعداد العام للسكان هو عملية إحصائية شاملة تهدف الى مسح عام وشامل لسكان بلد ما  تقوم به الحكومات الوطنية بفترات زمنية منتظمة والغرض منه جمع المعلومات الاحصائية الشاملة عن أفراد المجتمع بموجب استمارات إحصائية معدّة بطريقة علمية ويمكن تضمين معلومات كثيرة ومفصلة ضمن هذه الاستمارة لجمع أكبر كمّ من المعلومات عن الأفراد لغرض الاستفادة منها لاحقاً من قبل الحكومة لرسم السياسات التخطيطية والاقتصادية السليمة للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي والخدمي وفي جميع تفاصيل المجتمع الأخرى، لذا فهو قاعدة بيانات شاملة وكاملة يمكن لجميع الوزارات والمؤسسات والمنظمات والشركات والأفراد الرجوع اليها في تسيير أعمالهم بالشكل السليم، ويحتاج التعداد الى إمكانيات حكومية كبيرة سواء كانت مالية أو بشرية لغرض انجاز هذا العمل الحكومي الشامل.

تولي الحكومات في مختلف دول العالم للتعداد أهمية كبيرة وتلتزم بتوقيتاته بدقة لما له من أهمية قصوى وفوائد كثيرة للتعرف على الصفات المختلفة للسكان وتوزيعم جغرافياً وتبين المعدلات العمرية والحالة المدنية والدينية والمهنية والعلمية والسكنية، ويوفر التعداد معلومات هائلة للحكومة عن جميع التفاصيل الحياتية للسكان يمكنها الاستفادة منها باستخلاص نتائج عالية الدقة عن مؤشرات كثيرة منها عدد السكان في البلد وتوزيعهم جغرافياً ونسب البطالة في المجتمع وعدد القادرين على العمل والمستوى الصحي في البلاد واحصائيات دقيقة عن الأمراض المنتشرة وعن معدلات الفقر ومعدلات الهجرة الخارجية أو الداخلية من الريف الى المدينة ومعدلات العمل في جميع القطاعات الاقتصادية ومعلومات أخرى متعددة لايمكن حصرها في هذه الأسطر القليلة، لذا أصبح التعداد العام للسكان ضرورة قصوى لجميع الحكومات تمكنها من الإرتقاء بأدائها الحكومي وفق معطيات علمية دقيقة لاتخاذ القرارات ورسم السياسات العلمية للنهوض بالبلد وبمواطنيها بشكل عام وتساعدها على معالجة جميع المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والصحية والسكنية والخدمية في البلاد.

في العراق قامت الحكومات المتعاقبة بإجراء ثمانية تعدادات عامة للسكان من عام ١۹۲۷لغاية عام ١۹۹۷ الذي يعتبر آخر تعداد سكاني رسمي، وان فترة عشرون عاماً بدون إجراء تعداد عام للسكان يعتبر خطئاً جسيماً تتحمله الحكومات الحالية لما له من تأثيرات سلبية في فقدان الإحصائيات الرسمية الدقيقة عن جميع المؤشرات التي يوفرها التعداد، حيث نلاحظ التخبّط والتناقض في التصريحات عن معدلات معظم المؤشرات في المجتمع العراقي خاصة في عدد السكان الحقيقي ومعدلات البطالة والفقر وغيرها حيث أن التصريحات التي تصدر من وزارة التخطيط والوزارات الأخرى كلها تخمينية وغير صحيحة لأنها لاتعتمد على قاعدة بيانات حديثة يمكن الاعتماد عليها في الوصول الى الدقة في الأرقام، والمؤلم في الأمر بأن التعداد أصبح ورقة سياسية بيد الكتل السياسية المتخاصمة التي تعمل جهد إمكانها على عدم إجرائه لأسباب ومصالح حزبية وكتلوية وإقليمية.

دعوتي الى الحكومة العراقية والى البرلمان العراقي أن يأخذوا دورهم وواجبهم الوطني بحشد كل الهمم والإمكانات والدعم للإسراع باتخاذ قرار حاسم وسريع بإجراء التعداد العام للسكان لأن الوضع السياسي والإقتصادي والإجتماعي الحرج الذي يمر به البلد يتطلب الإسراع بذلك لإنقاذ البلد من الهاوية التي ينزلق اليها خاصة في ظل الخلافات السياسية الكبيرة والاتهامات المتبادلة بالتغيير الديموغرافي في المناطق المختلف عليها وفي ظل الإجراءات الحكومية الترقيعية التي لاتستند الى قاعدة بينات علمية سليمة وكما هو معروف فأنه كلما كانت المُدخلات صحيحة فإن المخرجات ستكون صحية والعكس صحيح. 

 

رائد الهاشمي

باحث وخبير إقتصادي

 

 

وضعنا في إطار معادلة نتيجتها واضحة للجميع، سواء ذهب الشعب برمته للإدلاء بصوته، أو إمتنع أغلبه عن هذا . الرافضون لمقاطعة الانتخابات يرون أن من لا يدلي بصوته فإنما يعطي صوته شاء أم أبى للفاسد الذي سيجعله اللاعب في الوحيد في الساحة، وهم يرون أن مقاطعة الانتخابات إنعزالية سلبية تصب في المحصلة النهائية في مصلحة السلطة، ويتساءلون : ما البديل عن الانتخابات الثورة أم الإنقلاب؟، ثم يثيرون أسئلة منطقية من قبيل، من بمقدوره الآن القيام بثورة أو إنقلاب، بأستثناء القوات المسلحة التي لا تخرج عن هيمنة الأمريكان، والمسلحين الذين لا يخرجون عن تأثير القوى الإقليمية المختلفة ؟ ثم يضيفون أن من يعرف أن الشعب ليس معه، وأن لا تأثير له عليه، لا يريد أن تنكشف عورته بالإحتكام إلى صوت الجماهير، لذا يريد أن يكون له نصيب من الكعكه رغم إرادة الناس، وأن ثمة تغيرات كبيرة حدثت على الساحة السياسية، إثر الحرب على الإرهاب، الذين قاوموا داعش هم الذين يحضون بثقة الناس، أما الذين لم يقاوموها، أو إستقوا بها، فقد أضحوا مُفلسين تماماً، لذا بات همهم تأجيل الانتخابات، والركون إلى مبدأ التقاسم، بحجج عديدة، وهم يزعمون أن التغيير عبر صناديق الانتخابات حاصل حاصل، إن لم يكن في هذه الدورة ففي الدورات اللاحقة، وحيث أنه لا طريق آخر، غير الديمقراطية والإنتخابات فإن عرقلة الإنتخابات بأية ذريعة ما هي في الجوهر سوى دفع المواطنين للعيش في ظل شريعة الغاب. 

الرأي الآخر يرى أن كل هذه الأسئلة مبررة، لكنها تحتوي على كم من المغالطات، وتتهرب من إثارة الأسئلة الأساسية، وإن من يزعمون الدفاع عن الديمقراطية وأبرز تجلياتها الانتخابات، إنما هم يغتالون الجوهر الحقيقي للديمقراطية، ويزيفون الانتخابات حتى قبل أن تبدأ، وأن ما يجري في الساحة العراقية لا يخرج عن وضع الناس أمام خيار " تريد أرنب خذ أرنب، نريد غزال خذ أرنب "، فجميع المتبارين هم ممن يوالون أو يدعمون ما يُسمى بالعملية السياسية، والدستور، والتقاسم الطائفي والعرقي، وكل ما خططه وهندسه المحتل، وجعل الآخرين يتحركون في إطاره، وهم محكومون بمنطقه وإن إعترفوا ببعض نواقص العملية السياسية والدستور، وإن رفعوا الصوت عالياً ضد الفساد والمحسوبية، والطائفية، والنهب الذي فاق كل الحدود، والفشل الذي يولد فشلاً، وإنعدام أي أفق لأي حل، هم ليسوا، وأن حسن منطقهم، أكثر من مستفيدين من الوضع الحالي، نشاطهم لايعدوا منافسة غيرهم على حجم المنافع والمكاسب، وإن إستثمروا لغة الشارع، ولغة طلاب العدالة ومناصري الحق ..

وأن دخول العملية السياسية بإشتراطاتها ليس سوى مصيدة، فكم من حركة وطنية كانت مقاومة للمحتل، تحولت إلى فصيل لا يختلف في شيء عن فصائل النهب والكسب غير المشروع، والأمثلة على هذا كثيرة، وأكثر من أن تعد، وبالمقابل فلم تتنج العملية السياسية إلا ما هو فاسد، أو متهم بالفساد، ولم تنتج حركة إلا كانت معنية بالنهب، وتنظيم هذا النهب عبر مكاتب النهب الاقتصادية التابعة لهذه الكتل والأحزاب، ولذا فليس من التجني القول بالفم المليان أن ما أعتبره المحتل "عملية سياسية " ما هو في الحقيقية سوى تخريب متعمد لأي عمل سياسي، وتشويه وإفساد للسياسين، عبر وسائل التوريط التي تفنن المحتل في نسج شباكها. 

الأمر محبوك تماماً، وإلا من بمقدوره أن يقدم حزباً من هذه الأحزاب التي تجاوزت المائتين، أو كتلة إنتخابية أو تحالفاً من هذه التحالفات المتسعة بإستمرار، قال شيئاً بخصوص الدستور، أو العملية السياسية، أو الاحتلال الأمريكي، أو نفوذ القوى الإقليمية المتحكمة بكل صغيرة وكبيرة، من منهم وضع برنامجا حقيقياً لتوطيد السيادة الفعلية، وتخليص البلاد والعباد من الجيوش التي تدنس الآن تربة الوطن، أو لتكريس الوحدة الوطنية الحقيقية ؟ من وضع برنامج حقيقياً لتغيير الدستور، أو حتى تعديله، ومن وضع برنامج لإعادة حقوق الوطن والمواطنين، وإسترداد ما نهبه المحتل وأذنابه ؟

كلهم، كل الأحزاب، والكتل والتحالفات من لون واحد، ممن يعتبرون ما حدث في عام 2003 تحريرا، وليس إحتلالاً، ومن يعتبر بوش محرراً، وبريمر مهندساً للديمقراطية في العراق، ومن يهتدي بهدي دستور الاحتلال، ومن يحسب العدل كل العدل في كون العراق بلد المكونات، لا بلد المواطنة، وكلهم عندما سيكونون أمام صناديق الإقتراع سينتخبون، وبلا تردد الطائفة، وولي التعمنة، والإنتماء القومي، ولذا فليس من العجيب أو المستغرب أنك لا تجد من بين كل هؤلاء الذين إندفعوا لخوض الإنتخابات من يجاهر بموقف سلبي مما يسمونه العملية السياسية .

أعداء الاحتلال، ومناهضو الطائفية والعنصرية الحقيقون، بعيدون أو مبعدون قسراً عن الانتخابات القادمة، ليس بمشيئة " المفوضية المستقلة للإنتخابات " وإنما بمشيئة من هو أكبر منها، ومن لا فلاح وتقدم للعراق إلا بالخروج من تأثيره كلياً .صباح علي الشاهر

لم يعد خافياً على أحد بأن لعبة الموت القذرة التي تتكرر بشكل شبه يومي في العراق بأن لها علاقة وإرتباط وشيج بمهنية الأجهزة الأمنية وكفاءتها ومقدرتها على التصدي والضرب بيد من حديد على أوكار الجريمة قبل أن تتحرك لتوجه ضرباتها القاتلة إلى أبناء الشعب.

وكما جاء في الأخبار، قالت مصادر أمنية وطبية عراقية أن 102على الأقل قتلوا وجرحوا نتيجة تفجير مزدوج إستهدف ساحة الطيران وسط العاصمة العراقية بغداد، صباح يوم الإثنين 2018 / 1 / 15 ونفذه إنتحاريان يرتديان حزامين ناسفين . ولم تعلن أية جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجوم . وبعدها حصلت إنفجارات أخرى في مناطق مختلفة من بغداد .

لنأتي أولاً على من له المصلحة في توجيه نيران حقده على المواطنين بشتى قومياتهم  وأديانهم ومذاهبهم، ومن له المصلحة بإستهداف الساحات العامة التي يؤمها فقراء الناس من العمال والفلاحين والفئات الفقيرة من أبناء الشعب الذين يصطفون في طوابير من أجل إيجاد فرصة للعمل اليومي ليعودوا لعوائلهم وأطفالهم حاملين لهم عرق جبينهم وليحصلوا على ما يسد رمقهم . وبدلاً من هذا يعودوا إليهم بنعوش تحمل أجزاء من أجسادهم الطاهرة .

ومن السهل إلقاء التهمة على (داعش) وأعوانها طالما لا نملك الدليل القاطع على حيثيات هذه الجرائم وفشلنا في التصدي لها .

ولنعود إلى الإنتحاريان اللذان يرتديان الأحزمة الناسفة (إن صحت الرواية) ماذا جنيا بهذه الفعلة الشنيعة غير غضب ودعاء الأمهات والزوجات والأخوات واليتامى عليهم وعلى من مولهم ودفعهم، وهل أن بفعلتهم أللا إنسانية وأللا أخلاقية هذه إستطاعوا أن يسقطوا الدولة!؟ .

لعبة الموت هذه تزداد حدة كلما إستمر الصراع على السلطة والمال والنفوذ بين القوى السياسية المتصارعة  وترك أبواب الوطن مفتوحة على مصراعيها أمام من هب ودب . وسوف لن تنتهي طالما ترعرعت الطائفية والأثنية والفئوية ونمت في مفاصل الدولة .

المنافذ كثيرة والحمد لله، وهي غير محمية، وأكثر من هذا وذاك هناك من يُسهل دخول وخروج شذاذ الآفاق ليعيثوا بالأرض فساداً، وإلا ماذا يعني تكرار هذه الهجمات الإنتحارية والسيارات المفخخة  ووجود شبكة واسعة من نقاط التفتيش وكامرات المراقبة !؟ . ألا يعني أن هناك إختراق وهناك  من له اليد في تسهيل تكرار هذه العمليات الإجرامية .

لماذا يجري القصاص من أبناء الشعب البسطاء الذين أتعبتهم حياة الذل والهوان والمجاعة والمرض والبطالة، ولماذا هذه الشريحة بالذات من يدفع الثمن !؟  .

 الجميع يتحدث عن الفساد في مفاصل الدولة المختلفة ولكن للأسف لم  نجد ما يشير إلى  محاربته ولم نشاهد أي رمز من رموزه الكبيرة وراء القضبان لينال جزاءه العادل، والأمثلة لا تُعد ولا تحصى، بل نرى تسهيل عملية هروبهم خارج الحدود محملين بما إستحوذوا عليه من أموال العراق وملياراته المنهوبة .

 أعداء العراق كثيرون، في الداخل والخارج، إبتداءاً من بقايا  فلول القاعدة والدولة الإسلامية (داعش) المندحرة والقوى الإرهابية المتعاونة معها وفلول النظام الصدامي القمعي، إلى جانب التدخلات من دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية، كلها تنهش في جسد العراق المُثخن بالجراح، وفوق هذا أبناءه الذين تربعوا على عرش المسؤولية وتخلوا عن مواعيدهم التي قطعوها على أنفسهم في الدورات الإنتخابية السابقة .

إن حصيلة السنوات الـ 14والتي عاشها العراقيون من بعد التغيير عام 2003 كانت أكثر من كافية لكشف زيف الشعارات التى كانت تُؤمل الناس بالخير والأمن والسلام . فأين هي الخدمات من ماء نقي وكهرباء مستمرة ومدارس نموذجية ومستشفيات عامرة ورعاية صحية وإجتماعية  وتأمين العمل للعاطلين ورعاية الأمومة والطفولة والشيخوخة!؟، وأين هي البنى التحتية والمصانع والمزارع والحياة الآمنة المستقرة!؟ . ومما زاد في الطين بله هو خراب المدن التي إحتلتها داعش وآلاف المهجرين عن بيوتهم المهدمة والتي بقيت دون حل .

خراب ما بعده خراب، وليس هناك في الأفق أية بارقة أمل في تصحيح الأحوال في ظل وجود نفس الطبقة السياسية التي بان معدنها وإنكشف زيف شعاراتها .

الإنتخابات على الأبواب، والكرة الآن في ملعب الجماهير التي بح صوتها وهي تهتف في ساحات الإحتجاج مطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد، عليها أن تعي مسؤوليتها وترتقي إلى الإحساس بالمواطنة وتبتعد عن التأثيرات العصبية من  قومية ودينية ومذهبية وعشائرية وأن تختار الممثلين الحقيقيين والأكفاء لتنفيذ أمانيهم المشروعة، وأن لا ينخدعوا مرة أخرى لأن (المُجَرَب لا يُجَرَب) .

 الحال سوف لا يستقيم ما لم يتم إصلاح النظام السياسي وتخليصه من المحاصصة وبناء دولة المواطنة القادرة على محاربة الفساد،  وبدون هذا  سيبقى العراق واقعاً في أسفل درجات الدول الفاشلة تتقاذفه الأهواء الشخصية والحزبية والفئوية .

الدولة المدنية الديمقراطية والعدالة الإجتماعية هي الضمان الأكيد للخروج من إنتكاساتنا ومآسينا (وبلاوينا) .

 

الدكتور خليل الجنابي

 

 

ali mohamadalyousifيزمع رئيس محلس النواب العراقي حسب تسريبات اعلامية مصدرها صحيفة الحياة اللندنية ، طرح قانون ادارة العراق بخطة طواريء،  تكمل وتتزامن مع  تمرير تأجيل انتخابات 2018  لسنة  واحدة مجهولة ومشبوهة النتائج لما بعدها.وان هناك دول داعمة(ومموّلة) لهذا المشروع المريب  في التدخل  بالمشهد السياسي العراقي المأزوم والمعقٌد بامتياز.

هذه السيناريو المشبوه هو عملية التفاف غير وطنية ولا نظيفة العواقب ولا صادقة  النوايا هدفها ابقاء العراق في دوامة الفساد والمحاصصة والعمالة الاجنبية وتدوير الابقاء على نفس الوجوه السياسية التي يرغب العراقيون الخلاص منها بأي شكل او طريقة وهم اعضاء مجلس النواب ومجلس الرئاسة ووزراء في الحكومة التي ستنتهي مشروعية بقائهم قريبا بحكم الدستور في نهاية الفصل الانتخابي الحالي.

واود الاشارة اني كنت قبل عام من الآن ، طرحت مسودة ورقة اصلاح سياسي نشرها موقع  صحيفة المثقف واخذتها عنه مواقع اخرى،  تقع في (45) مادة اصلاحية،  طالبت فيها اعلان حالة الطواريء بالعراق لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد او التقليص حسب ظروف البلد،  وكنت في حينها اتحسّب  عواقب المأزق الذي توقعته لمثل هذه الاجواء السياسية والفوضى السائدة حاليا قبل اجراء الانتخابات القادمة، وان ماطرحته حول حاجة العراق لمرحلة طواريء انتقالية هي غيرها التي يقصدها ويروّج لها رئيس مجلس النواب ومن يسانده ويرعاه من احزاب سياسية فاسدة ومحاصصة  بين السنة والشيعة والكرد بالداخل ومؤسسات ودول تمويل بالخارج.وهي دعوة حق يراد بها باطل الآن من قبل رئيس مجلس النواب،  وفي هذه الظروف العصيبة،  وان هذا المشروع يبدأ في  اول نتيجة مطلوبة منه  هوتمديد بقاء مجلس نواب تنتهي دستورية بقائه نهاية الفصل التشريعي الحالي الذي لم يتبق له اكثر من اشهر قليلة.

ان مارغبت  الدعوة له من اصلاحات تضمنتها الورقة قبل عام لا يمكن تنفيذها بغير دخول العراق في مرحلة طواريء انتقالية،  لكن ليس بالتوقيت والصيغة التي يحاول رئيس مجلس النواب تمريرها.  وكانت فقرات الورقة تهدف اصلاحا جذريا شاملا ومتكاملا لجميع اوضاع العراق بدءا من اصلاح ومراجعة الدستور وليس انتهاءا باصلاح العملية السياسية من المحاصصة والفساد والتقسيم وبقايا داعش وتوفير الحياة الكريمة للشعب العراقي واعادة الاعمار،  وتجنيب البلاد الدخول في فراغ دستوري وسياسي يكون مسرحا نموذجيا لمغامرات انقلابية عسكرية تدعمها امريكا ودول اقليمية يهمها تبديل الوضع العراقي الى اسوأ مما هوعليه وبأي وسيلة متاحة امامهم .

وكان مقترح حالة الطواريء في حينها كما اردته يمثل المخرج الوحيد للتخلص من زمرة فاسدة حكمت العراق منذ 2003 وتقوده اليوم الى مهاوي السقوط الذي لا نهوض بعده بعد تقسيم العراق. لكن ما طرحته في غير هذه الظروف وغير هذه الاهداف المعلنة ايضا وغير هذه الآلية المراد تطبيقها وغير هذه الوجوه الفاسدة الحاكمة التي لا تصلح ان تكون اداة تغيير واصلاح وهي سبب البلاء.

وان مايحاول رئيس مجلس النواب الترويج له في اعلان خطة ادارة العراق في ظل تعطيل الانتخابات واعلان حالة الطواريء هي ليست من صلاحياته الدستورية اصلا،  وان اول من يجب مغادرة المشهد السياسي في حال اعلان حالة طواريء هو مجلس النواب قبل غيره بحكم الدستور.بعكس ما يرغبه رئيس المجلس التمديد لعام او اكثر لمجلس نواب يفقد الشرعية الدستورية بعد شهرين او اقل من الآن.لذا يكون المنطلق المبدئي لتفويت الفرصة على هذه المشاريع المشبوهة هو في الاصرار على وجوب تنفيذ الانتخابات في وقتها المحدد مهما كانت الصعوبات والنتائج وتشكيل حكومة اغلبية سياسية.

ماهو الحل وكيف ومتى؟

انه من الامور التي باتت صعبة المعالجة ومفزعة في الوضع السياسي العراقي المعقّد جدا الذي يتهدده دخول البلاد في فوضى تنذر بكوارث جسيمة في بلد يتوزعه ثالوث مرعب وكابوس ليس سهلا الخلاص منه يتألف من اولا طغمة سياسية حاكمة فاسدة متسلطة لا يهمها سوى مصالحها وترفض التنازل عن كراسي الحكم وامتيازاتها وتحنيب البلد المزيد من الكوارث، وثانيا خطر عودة احتلال القوات الامريكية للعراق واحياء صفحات تقسيم العراق، وثالثا عدم امكانية ولا بمستطاع الشعب التغيير لا بالانتخابات ولا بوسائل التظاهرات.

ان الامور التي تطبع الواقع السياسي لا يجهلها ابسط مواطن ولا تحتاج التاكيد عليها،  منها مسالة الشد والجذب في لعبة اجراء الانتخابات ورغبة التأجيل المشبوهة النوايا،  وهو مايضع الشارع العراقي بين المطرقة والسندان انه في كلتا الحالتين اجراء او تأجيل الانتخابات فان النتيجة لا تصب في مصلحة الشعب العراقي الخاسر في نيل حقوقه في الامن وتامين الخدمات والعيش الكريم.وان الانتخابات القادمة لا تخرج نتائجها عن تدوير وجوه سياسية كالحة تتوزعها العمالة والفساد والمحاصصة،  وجوه استنفدت اي مبرر مشروع لبقائها في سدة المسؤولية والحكم. زمرة حرامية آخر اهتماماتها تحقيق مصالح الشعب العراقي،   وفي هذه مصيبة الشعب العراقي انه اذا ساهم بالانتخابات فهو يساهم في بقاء طغمة الفساد والمحاصصة واذا لم يشارك  بالانتخابات فان بقاء زمرة الفساد والمحاصصة لا تتزحزح ايضا وستبقى بالتزوير او وسائل التمديد.

من نتائج تاجيل الانتخابات

ان من اولويات نتائج تأجيل الانتخابات هو في حال تم ذلك تحت اي تخريج  غير دستوري طبعا من قبل الحكومة او المحكمة الاتحادية،  فالشعب العراقي  يطالب باسم الدستور اقالة وحل مؤسسات الدولة لانتهاء مدتها الانتخابية القانونية، وهي مجلس النواب ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء لان هذه المجالس جاءت ثمرة انتخابات 2014.ولا يحق لها تقاضي رواتب من الدولة  في حال تأجيل الانتخابات لمدة عام وتحاسب قانونا بخلاف ذلك.وربما يكون هناك تخريج لابقاء حكومة تصريف اعمال بزعامة العبادي لتلافي الوقوع في فراغ حكومي لاخلاص من قبولها.

ومن نتائج تأجيل الانتخابات هو تدوير ورقة السياسيين السنّة المحترقة في المناطق الغربية الذين افلسوا من اصوات الشارع السنّي لهم على ما اقترفوه بحق مدنهم التي استباحها داعش بتواطؤ وتعاون منهم معه، واليوم يطالبون بعودة النازحين والمهجرين واعادة الاعمار قبل اجراء الانتخابات. لعل بهذه الوسيلة  المتاحة حاليا تجري محاولة تزوير الانتخابات كما في السابق،  وليسوا بحاجة اليوم لأكثر من تأجيل الانتخابات والتمديد لبقائهم مع نوابهم لسنة او اقل يعقبها اعوام من التمديد غير الدستوري وهكذا تبقى الوجوه نفس الوجوه.

في حال تأجيل الانتخابات ستنحل الرئاسات الثلاث تلقائيا وسيكون من المتعذر حتى الابقاء على حكومة تصريف اعمال لا يوجد من يمدّد لها صلاحية بقائها وممارسة اعمالها وفق الدستور،   وفي ظل عدم اقرار الموازنة وقانون الانتخابات.

لتحنب العديد من المحاذير الخطيرة لا بد من اجراء الانتحابات في موعدها القادم المحدد دستوريا،  وهو أهون الشرّين واختيار المضطر، لكن المشكلة الكبيرة ان البيت الشيعي الذي اخذ على مسؤوليته انجاز تواجد داعش في العراق بنجاح كبير ، هل  بمقدوره اليوم المضي باجراء الانتخابات وتشكيل حكومة اغلبية سياسية حتى في حال مقاطعة السنة والكرد، وابقائهم كمعارضة؟لا اعتقد ذلك لان الكثيرين من النواب والمسؤولين الشيعة متورطين بفساد ينهي مستقبلهم السياسي في حال اتمام ونجاح اجراء الانتخابات وهم يروجون لتأجيل الانتخابات القادمة لخلط الاوراق مع غيرهم من الفاسدين الفوضويين.وان كل توافق مع الاطراف الثلاثة شيعة وسنة وكرد سيبقي المحاصصة على النموذج اللبناني وربما اسوأ.

 

علي محمد اليوسف/الموصل