المثقف - آراء

خروج السياسي من عباءة الديني/خطاب 4/5/2018 انموذجا

ان غياب الايديولوجية الشمولية بعد عام 2003 اظهر بروز العامل الديني كمؤثر حاسم في رسم السياسي في ادارة الدولة. فبغياب الايديولوجيا الشمولية تم اعادة السياسي الى عباءة الديني، فاصبح الدين يمثل القاعدة الاساسية للتفكير والسلوك السياسي، فبرزت من جديد اشكالية علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العراقي، فهل يعيد خطاب المرجعية يوم 4/6/2018 اخراج السياسي من عباءة الديني في العراق، بنزع القداسة عن الحكم والتشريع، ودفع المشاركة السياسية من خانة الواجب الشرعي الى خانة المباح، لكي يستعيد المجتمع العراقي حيويته وفاعليته السياسية من خلال المشاركة الفاعلة في المجال السياسي بالتفكير السياسي الحر الفردي، في اطار من التسامح السياسي والفكري، والقبول بالاختلاف والتعددية. فالديموقراطية تفترض:

- استقلال المجال الديني عن السياسي.

- التعددية.

- تفتت المرجعيات الايديولوجية والاثنية والطائفية.

- اقتصاد السوق الحرة الملازم للديموقراطية.{الدين في الديموقراطية- بول تيليش، ص9}.

ان ما طرحته المرجعية من مبادئ يمكن لها ان تكون مشغل لأسس عامة تتمثل في ان المجال السياسي يجب ان يوجد بشكل مستقل وعليه ان يحدد هويته من وخلال مبادئ نجدها في الخطوط العام للمرجعية، عبر طرحها لفكرة الدولة المدنية والمجتمع المدني، المرتكز على ارادات الافراد الحرة، فالسلطة السياسية تاتي من وعي الافراد وتفاعلهم، وليس على ارادات الجماعات والاحزاب الممثلة لها، اي هي في ذاتها تجاوز لمبدأ الديموقراطية التوافقية للجماعات القطاعية، لذا يمكن الادعاء ان مبادئ اعلان يوم 4/6 يمثل جملة من المبادئ منها:

- مبدأ التمثيل الحقيقي للرأي الناخب (المواطن).

- مبدأ اعلاء القانون العادل، القانون الانتخابي البشري المتواضع عليه.

- مبدأ التداول السلمي للسلطة.

كل ذلك يشي بشيء مهم جدا وهو تراجع التبعية الدينية للمواطن في ما يخص المجال السياسي، عبر تعزير الفهم السياسي للفرد ودفعه باتجاه المشاركة السياسية الواعية، اي على الفرد ان يمتلك تفسيره الخاص، وتأويله الذاتي لما هو سياسي. على عكس التبعية الدينية التي تفترض ان التفسير ياتي للفرد من الخارج من الفقيه، ارادت المرجعية ان يمتلك الفرد معناه الخاص لما هو سياسي.

وهذا الامر ان يمتلك الفرد معناه السياسي الخاص وتاويله الذاتي يساعد على التحول الاحتناعي من الكلانية الى الفردية، ومن وحدة الهوية الى تعدد الهويات، من الثابت الى المتغير، مولدا فضاء سياسي جديد تمثل في تغيير شبه شامل للوجوه البرلمانية على امل التغيير في البنية السياسية ومن ثم الاجتماعية للواقع العراقي، ولكن الخشية، كل الخشية من قتل الرغبة الشعبية في التغيير التي ظهرت في نتائج الانتخابات واوضح صورها فوز قائمة يقودها لوزاء الشيعي في منطقة سنية مثل الموصل، هذا القتل لرغبة الجمهور بالتغيير قد يقود الى نتائج كارثية على المستوى الشعبي والاجتماعي والسياسي.

ان الصراع المحتدم بين السياسي المنقاد بشرعية الديني، الذي يريد اخضاع ضروريات الحياة الدنيا الى اعتبارات الحياة الاخرة، وبين السياسي المتطلع الى خروج السياسي من عباءة الديني، الذي يريد الخروج من هذا الاخضاع، صراع سيجبر التيار الديني ومن يمثلهم على اعادة النظر بادوارهم في تأسيس هوية سياسية بعيدا عن قداسة الحكم وشرعيتها الدينية، والنظر الى الحكم برؤية زمنية لا روحية، وان الدولة ليست الا اداة بخدمة المجتمع المدني وليس باستطاعتهم تحديد غاياتهم الخاصة طبقا لسلطة يعتقدون ان الله منحهم اياها. ان تفوق الديني على السياسي اثبت عدم قرته على الحياة خلال الخمسة عشر سنة الماضية ليبدأ الاعلان يوم 4/6/2018، بتفوق السياسي على الديني في اختيار شكل النظام الحاكم،{{ فقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحل مكانه نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطةعبر الرجوع الى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيهة}}•

ان الدعوة لخروج السياسي من الديني يحمل في طياته اشكالياته فهو:

- لا يعني اضمحلال الديني فجاءة، والتخلي عن السلطة التي يجد مبررها في الدين.

- وهو لا يعني ايضا التخلي عن الدين،

- بل يعني ان يخرج السياسي من عالم يكون فيه الدين بحد ذاته منظما بنيويا، يشكل ويحدد التوجه السياسي(الدين في الديموقراطية/تيليش، ص27)

ان لا يكون الدين مكونا بنيويا يعني بالضرورة اعادة توزيع السلطة وادوار المكانة، وهو تحول يسري على المجتمعي لاعادة تشكيل الهوية الوطنية العراقية، التي تعتمد اسس المواطنةبديلا عن الهوية القطاعية. ان هذا التحول لم يولد من فراغ بل هم امتداد لعدد من التحولات البنيىوية في العلاقية بين المرجعية والفرد، من علاقة فردية حسب توصيف الصدر الى علاقة مجتمعية، تاخذ بالحساب لا معذرية ومنجزية الفرد في ارتباطه الفقهي، بل دوره الانساني في البناء المجتمعي، في المحيط الوطني. فقد وصفت المرجعية هذه العلاقة بقولها (فقد اصرت المرجعية على سلطة الاحتلال والامم المتحدة بالاسراع في احراء الانتخابات العامة لاتاحة الفرصة امام العراقيين لتقرير مستقبلهم بانفسهم)، والمرجعية هي التي سعت لحفظ الوطن في فتوى الجهاد، والوقوف ضد التقسيم.

 

د. سليم جوهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4271 المصادف: 2018-05-16 13:44:39