hatam hamidmohsin2بعد ان عادت فلسفة العلوم والاخلاق والسياسة في الغرب لتتخذ مرة اخرى المسار الما بعد حداثوي للنسبية واللاعقلانية، فلا شيء افضل من الالتفات الى كارل بوبر (1902-1994) وفلسفته في العقلانية النقدية. (1)

الفلسفة كمشكلة

في اكتوبر عام 1946 قرأ كارل بوبر ورقة مثيرة للجدل في نادي صغير للعلوم الاخلاقية بجامعة كامبردج في انجلترا. انه نادي خاص للنقاش. كان من بين الشخصيات المميزة في النادي لودفيغ فيتغينشتاين (1889-1951)، وهو احد الدعامات الاساسية لـ"الفلسفة اللغوية". هذه الطريقة في ممارسة الفلسفة بدأها Moritz Schlick في حلقة فيينا في الفترة ما بين الحربين العالميتين. بوبر تلقى الدعوة للحديث في نادي كامبردج كفرصة ثمينة لمواجهة فيتغينشتاين، بطل التفلسف اللغوي وهي الممارسة التي اعتبرها بوبر منذ شبابه في فيينا ليست اكثر من لامعنى. برتراند رسل احد الذين اعجب بهم بوبر كان من بين الحاضرين بانتظام وكان بوبر اعتبره حليفا له في خلافه ضد الفلسفة اللغوية والوضعية واراد اظهار فهما عميقا معه اثناء الجلسة. حديث بوبر كان بعنوان "هل هناك وجود للمشاكل الفلسفية؟"، اعتقد بوبر ان الفلسفة تعاملت ويجب ان تتعامل مع المشاكل الحقيقية. لذا هو اراد مهاجمة فيتغينشتاين الذي كان على عكس بوبر يؤمن بعدم وجود مشاكل في الفلسفة وان ما موجود هو فقط الغاز لفظية. يرى فيغينشتاين ان مهمة الفيلسوف كانت توضيح المفاهيم وتصحيح استخدام الكلمات، وحل الالتباسات اللفظية . هذه كانت المهمة التي سخر فيتغينشتاين لها نفسه في اول كتاب له (رسالة منطقية فلسفية) عام 1922. لاحقا، وفي اوراق جُمعت بعد وفاته بعنوان تحقيقات فلسفية(1953)، هو لم يكتف بالدعوة الى حل الاشكالات الفلسفية باستخدام اللغة دون غموض وانما قام بهذا عمليا . وعلى اية حال، هو اعتقد بمذهب حلقة فيينا في ان الفرضيات ذات المعنى تكون فقط على شكل نوعين: افتراضات تحليلية وتعني تيلولوجيا منطقية ورياضية، وافتراضات تجريبية يتم التأكد منها بالملاحظة. كل شيء آخر هو ميتافيزيقا لامعنى له.

وعلى عكس ذلك، كان بوبر دائما يعتقد بان على الفلاسفة ان يواجهوا المشاكل الواقعية حتى لو لم يستطيعوا حلها بشكل كامل: مشاكل مثل فشل الاستقراء ، طبيعة الاحتمالية، العلاقات بين السبب والنتيجة، امكانية الرغبة الحرة، معنى الافتراضات الاخلاقية. (كان دائما يلوم من يضع في بحثه فقرة ماهي المشكلة؟بقوله ان المشكلة لا يمكن فهمها كليا الا بعد ان تُحل). في الحقيقة ان كل اكتشافات منطق العلوم الذي صرف فيه بوبر جزء كبير من وقته، هو "ميتافيزيقي"لكنه لايزال مليء بالمضمون والمعنى.

الطريقة العلمية

في رسالته للدكتوراه عام 1928، عرض بوبر حلا جزئيا لعدد من المشاكل الاساسية في نظرية المعرفة. الاولى كانت حول الخط الفاصل demarcation line الذي وضعه وضعيو حلقة فيينا بين الفرضيات ذات المعنى وتلك التي بلا معنى . خطهم الفاصل بين الاثنين كان حول ما اذا كانت الفرضيات قابلة للاثبات تجريبيا ، فاذا لم تكن كذلك فهي بلا معنى . يرى بوبر ان لا وجود لفرضيات ذات معنى يمكن اثباتها، خاصة الفرضيات الاخلاقية والجمالية. الخط الفاصل لديه لم يكن بين الفرضيات ذات المعنى وتلك التي بلا معنى وانما بين الفرضيات العلمية(يمكن دحضها) وتلك الغيرعلمية(اي التي لا يعرف المرء كيفية دحضها)(2).

المشكلة الثانية التي حلها بوبر جوهريا كانت مشكلة الاستقراء. ديفد هيوم اشار الى اننا لا نستطيع التأكد من ان الشمس ستشرق غدا فقط لأنها اشرقت مرارا وتكرارا في الماضي. بوبر عمم هذا بالقول انه يستحيل الاعلان عن صحة النظرية عبر المشاهدات المتكررة لظروفها، ما هو ممكن فقط هو دحضها عندما نكتشف ان تنبؤاتها كاذبة. المرء يستطيع فقط الزعم متاكدا ان فرضية جميع البط هو ابيض بالاستقراء بعد ملاحظة جميع البط في الماضي والحاضر والمستقبل، هذه المنهجية ليست مثمرة جدا. من هنا يطرح بوبر استنتاجين اساسيين: انه من الخطأ السعي الى اليقين، وان المعرفة لم تتقدم عبر اثبات او تأكيد الفرضيات وانما عبر محاولات دحضها.

وكما اشار بوبر ان حل اي مشكلة سيثير مشكلة اخرى جديدة. الطريقة العلمية هي اكثر من مجرد تطبيق ميكانيكي للطريقة الاستنتاجية الافتراضية. التفنيد هو نادرا ما يكون نهائي واحيانا يتمسك المرء بالنظرية المفندة ليعطيها صلاحية لما يترتب عليها من نقود- لكن هذا يستمر فقط ليوم آخر. نشير هنا الى صورة ادبية على الغلاف الخارجي لكتاب (منطق الاكتشافات العلمية، 1959) تذكر ان "النظريات هي كشباك الصيد، فقط من يقوم برميها هو الذي سيصيد".

المجتمع القبلي (المغلق) والمجتمع المنفتح

 في كتاب "المجتمع المنفتح واعداؤه لكارل بوبر 1945، 1957"نجد على غلاف الطبعة الاسبانية صورة لاولئك الأعداء الثلاثة وهم افلاطون وهيجل وكارل ماركس. كان للكتاب تاثيرا عميقا في الولايات المتحدة وبريطانيا. ذكر بوبر لأحد اصدقائه انه وبعد ان اعلن هتلر عن ضم النمسا لالمانيا النازية بدأ يفكر ان كان يتوجب عليه قتل هتلر. هو قرر تحطيم الفلسفة التي جسدت فكر القيادة الالمانية. ذلك خلق فضيحة في الحلقات الاكاديمية بسبب ذلك الحماس الكبير في تدمير اولئك المفكرين الكبار الثلاثة. رفض بوبر فكرة التاريخية التي ترى ان التاريخ يتطور بشكل مستمر وضروري طبقا لقوانين عامة ممكن معرفتها نحو غايات حتمية ودقيقة، واعتبر هذه الرؤية هي الافتراض المسبق الذي يؤطر كل اشكال التوتاليرية والسلطوية ، فالتاريخية يراها تأسست على افتراضات خاطئة بشأن طبيعة القانون العلمي والتنبؤ. فاذا كان النمو في المعرفة الانسانية عامل سببي في تطور التاريخ الانساني، وبما ان "لا مجتمع يستطيع التنبؤ بوضعه المستقبلي من المعرفة"، يتبع ذلك ان لا وجود لعلم تنبؤي للتاريخ الانساني.

 بوبر تحدى افلاطون كعدو رجعي لاثينا وكصديق لسبارتا. برنامجه السياسي لا يسمو اخلاقيا على التوتاليرية ، وهو في الاساس مشابه لها. هو يقول ان افلاطون يعترف فقط بمعيار نهائي واحد هو مصلحة الدولة. كل شيء في هذا المجال هو جيد واخلاقي وعادل ، وكل شيء يهدد الدولة هو سيء وشرير وغير عادل. الافعال التي تخدم الدولة هي اخلاقية، وتلك التي ضدها هي غير اخلاقية، بكلمة اخرى، برنامج افلاطون هو برنامج نفعي صارم يضع الدولة قبل الفرد.

وبوبر اتُهم بسوء الفهم العتيق للثقافة اليونانية وبعدم القدرة على فهم الفلسفة الالمانية. وفي الدوائر المحافظة كانت هناك صدمة اخرى في رؤيته لماركس بتعاطف اكثر من شعوره نحو افلاطون وهيجل. قد لا يتفق البعض مع بوبر حول نقده لافلاطون، ولكن يجب تذكير المعجبين بجمهورية افلاطون انهم يجب عليهم تأمل خطر الفيلسوف-الملك ومقارنة ذلك الحوار بالخطاب الجنائزي لبريكلس في الذكرى السنوية الاولى لحرب البيليبونيسية بين اثينا وسبارطا.

وبالنسبة لهيجل فهو اصل التاريخية المعاصرة ، وهو باعتباره خادما للدولة البروسية كان اسوأ من افلاطون، لا نجد هناك اسوأ من الصورة التي خلقها بوبر عنه. لنتذكر معركة جينا عام 1806 التي سحق بها نابليون الجيش البروسي. كتب هيجل قائلا"انا رأيت الامبراطور ، روح العالم، يسير ممتطيا حصانه متأملا مملكته". للمعجبين بهيجل يمكن القول انهم في مثل هذا النمط من إعطاء الاشياء اقل مما تستحق لابد ان تكون لديهم صعوبة في فهم لغته الالمانية.

وفي نقده لماركس اعلن ان الماركسية هي مشابهة للنظريات النفسية. فهي تتألف اساسا من ادّعاءات لا يمكن تفنيدها، وهي كانت تاريخية، ولهذا لا يمكن وصفها بالعلمية. ماركس ادّعى ان نظامه السياسي تنبؤيا . لكن ماركس لم يتبع المعايير الصارمة للتفنيد ، فعندما فشلت تنبؤات النظرية (مثل فشل الطبقة العاملة بالثورة في اوربا) فان النظرية لم تُرفض.

مستقبل التاريخ لم يُكتب بعد

تحليل بوبر لفلسفة ماركس يركز بالاساس على اخطاء التاريخية "historicism "التي ورثها من هيجل. التاريخية ترى ان التاريخ يتبع مسارا ضروريا. البعض اعتقد ان هدف العلوم الاجتماعية هو التنبؤ بتطور التاريخ. محاضرات بوبر في التاريخية نبهت الناس الى فكرة ان التاريخ لم يُكتب بعد. هو طور هذه الفكرة في كتابه(فقر التاريخية، 1947)، فيه ميز بين نوعين من النظريات في التاريخ: "ضد الطبيعي"(رفض تطبيق العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية) و "المناصرة للطبيعي"(تطبيق العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية). الاولى اعتبرت المجتمعات الانسانية لا يمكن دراستها بطرق العلوم الطبيعية، اما الثانية ترى ان طرق الفيزياء يجب ان تطبق على السوسيولوجي. النظريات الهيجلية تنتمي الى النوع الاول لأن هيجل يرى التاريخ تطور للذهن او العقل. النوع الثاني من النظريات اقترحها اوكست كومت، فيه رأى ان ملاحظة البيانات الايجابية كشفت عن ان المجتمعات الانسانية تقدمت بالضرورة نحو التنظيمات الشمولية والمركزية.

بوبر كان مقتنعا بالقول "نحن لا نستطيع التنبؤ بمستقبل اكتشافاتنا العلمية بواسطة الطرق العلمية او العقلية ". لو استطعنا ذلك، فهي لا يمكن ان تكون المستقبل. هذه الاعتبارات تنطبق ايضا على التكنلوجيا كما كشفت عنه تجربة الخمسين سنة الاخيرة.

سبب تعامل بوبر مع ماركس بتعاطف كبير هو ان ماركس انتج بلا قصد نظرية قابلة للاختبار عن النزعة الضرورية للرأسمالية نحو الاحتكار والافقار الحتمي للطبقة العاملة وان هذه النظرية ثبت زيفها عبر المسار الذي اتبعه المجتمع الغربي . هناك ايضا شعور بوبر العاطفي نحو الديمقراطية الاجتماعية التي دعا اليها Malachy Hacohen (2002) والتي شجعت بوبر لتوجيه اللوم لقسوة الرأسمالية المبكرة وتفضيله دولة الرفاهية.

Library of Economics and Liberty,5 Feb 2018

 

حاتم حميد محسن

. . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الهوامش

(1) العقلانية النقدية critical rationalism هي فلسفة ابيستيمولوجية طورها كارل بوبر، وترى بوجوب اختبار جميع الاجوبة مع ابقاء العيون مفتوحة نحو الفشل. بوبر لا يعتقد بان النظرية هي نهاية البحث وانما هي البداية. جميع الادّعاءات المعرفية هي بالنهاية نظرية قابلة للدحض، انها مجرد تخمينات نستطيع اختبارها لكنها لا يمكن ابدا ان تصبح مؤكدةً عبر اجتياز تلك الاختبارات. لا يمكن ابداً تأسيس حقيقة بأي مقدار. ان تفنيد النظريات العالمية ممكن منطقيا، نحن نحتاج فقط الى حدث مضاد واحد. فرضية "كل البط ابيض" لا يمكن اثبات صحتها باي عدد محدد من الشواهد الايجابية للبط الابيض، ولكن ممكن دحضها فقط بحالة واحدة من البط غير الابيض، وبهذا فان هذه النظرية بالنهاية جرى دحضها بعد اكتشاف بط اسود في استراليا.

(2) منهجية بوبر الفلسفية تؤكد بان النظريات العلمية تتميز باحتوائها على تنبؤات ربما ينكشف زيفها في الملاحظات المستقبلية . وعندما تُدحض النظريات بمثل هذه الملاحظات يستجيب العلماء اما باعادة مراجعة النظرية او برفض النظرية لمصلحة المنافس لها، او عبر الإبقاء على النظرية كما هي مع تغيير الفرضيات المساعدة، وفي جميع الاحوال، هذه العملية يجب ان تهدف الى انتاج تنبؤات جديدة يمكن دحضها. يرى بوبر ان العلماء حين يحققون في النظرية فهم يقومون بمحاولات متكررة وصادقة لتفنيدها، بينما انصار النظريات الميتافيزيقية يتخذون وبشكل روتيني معايير لكي يجعلوا الواقع الملاحظ ينسجم مع تنبؤات النظرية. اذاً النظرية وفقا لبوبر تُعتبر علمية فقط عندما يمكن تفنيدها، هذا قاده لمهاجمة الماركسية ونظريات التحليل النفسي باعتبارها نظريات لا يمكن تفنيدها.

 

 

ali mohamadalyousifعديدة هي الانتقادات اللاذعة التي واجهتها تيّارات الفلسفة البنيوية، من فلاسفة ومدارس عديدة مناوئة لطروحاتها الفلسفية، كونها (البنيوية) أثارت اشكاليات في الفكر الفلسفي جديدة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، استلزمتها واحتاجت معها الى نقودات متباينة معها او ضدها، جاءت في مقدمتها من مفكرين وفلاسفة ماركسيين وغير ماركسيين، تلاهم بالتزامن معهم فلاسفة الوجودية الحديثة لعل أبرزهم كان سارتر، في مسألتين او منحيين اثنين نسلّط الضوء عليهما دون غيرهما من قضايا البنيوية الاشكالية المتعددة التي لا تزال وستبقى لفترة غير محدودة مثار نقاش وحوار فلسفي مستمر.

الاول: التاريخ البدائي

التركيز البنيوي تاريخيا على (الاثنولوجيا) دراسة تاريخ الجماعات البشرية البدائية، التي اعتمدها أبرز اعلام الفلسفة البنيوية بمختلف الاختصاصات (شتراوس) في دراسة تاريخ انثروبولوجيا الحضارة، (التوسير) في نقده الماركسية وكتاب رأس المال، (لاكان) في علم النفس، الالسنية وعلوم اللغات (دو سيسير و فنتنجشتين) و (هابرماس) على صعيد التواصل الانساني المفتوح الفضاءات، و (فوكو) في تاريخ الجنسانية وتاريخ الجنون و (جان بياجيه) في الفلسفة وهكذا.

أعتبرت البنيوية أن دراسة الاقوام البدائية تمتاز بأنها تعنى بأقوام، كانت تعد خارج التاريخ البشري، ولا تمتلك تاريخا مدّونا وليس لها تاريخ بالمعنى التاريخي المتغّير والمتطّور، والمتعذّر رصد تغييراته المتسارعة أسوة بغيره كما في تاريخ شعوب ما قبل التاريخ التي عرفت الحضارة الزراعية والصناعات المعدنية البرونزية اليدوية بأبسط اشكالها واشتمالاتها، وأعتبرت البنيوية تلك المراحل البدائية، مقارنة بالتاريخ الانساني لمراحل ماقبل التاريخ المدّون والموّثق تنقيبيا وآثاريا على انها مراحل اللاتاريخ البشري.

كما أعتبرت البنيوية التاريخ البدائي (تاريخ ساكن) بحكم طبيعة العقل البدائي في ثباته ومحدوديته، وبالتالي أصبح هذا التاريخ أنموذجيا في التناول المنهجي البنيوي البحثي المتعدد التيارات، الذي تخدمه (حالة الثبات والسكون) التي تعتري التاريخ البدائي وتقعده عن الحركة التطورية السريعة المتلاحقة.

ان هذه المسألة التي اعتمدتها مرتكزا اساسيا الفلسفة البنيوية، أثارت حفيظة الماركسيين من الذين أعابوا على البنيوية انها لم تجد في التاريخ الانساني، الا المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ، لدراسة تاريخها على وفق منطلقات أسمتها (قطوعات التاريخ) ميزتها ثبات وسكون تلك المجتمعات تاريخيا ومراحليا بما يفتح المجال الى دراستها وتحليلها الانثروبولوجي بدقّة وتناول أيسر.

واذا كانت البنيوية نجحت في اقامة بناءات نسقية معرفية تحت مسمى (التكوين الثابت) للانسان، وتشابه قضاياه في مختلف الازمان والعصور، ليس على صعيد الحقب التاريخية البدائية السحيقة وحسب، وانما على صعيد التاريخ الساكن للانسان في مختلف المراحل التاريخية، لأن مشاكل الانسان كانت وبقيت ثابتة ومتشابهة لم تتغيرجوهريا على حد زعم البنيوية. لكن ما يلحظه الدكتور الباحث فؤاد زكريا وآخرين عديدين غيره من باحثين ماركسيين ووجوديين، أن البنيوية تغاضت واخفقت معا ولم تنجح في تعليل التقدم التطوري والتاريخي الى حد اعتقادها بان ما يدعى التقدم البشري بفعل الاشكاليات البشرية المتنوعة والمتتالية هو محض خرافة ووهم، وان التحديات التاريخية سراب خادع ولم تكن في يوم من الايام عاملا لتقدم حضاري من أي نوع كما ذهبت له البنيوية في ادبياتها البحثية والفلسفية.

ولقد ذهب فوكو الى أبعد من ذلك في قوله: انه يتجنب الخوض في ومع كل ما له صلة بمقولات التحّول والتغيير، ولا يرى في كل مرحلة تاريخية الا (ثوابتها) فحسب، ووصل الحد به الى التشكيك بالانسان نفسه، واسقاط التاريخ البعدي القديم والحديث والمعاصر من الحساب الفلسفي البحثي البنيوي نهائيا باستثناء الوقوف عند مراحل اللاتاريخ الذي تمثله الاقوام البدائية.باعتبارها مراحل بشرية خارج التحقيب التاريخي .

لقد انساق خلف هذه المنطلقات الفلسفية البنيوية العديد من الذين انشقّوا عن الماركسية، ربما كان ابرزهم (التوسير) في استهدافه المادية التاريخية وكتاب رأس المال في انتاج ماركسية خيالية وهمية تعتمد خطابات تجريدية واقامة بنى نسقية لا تمّت بأدنى صلة لها مع الواقع العيني، وعجزت عن دحض الاسس المادية والجدلية التي قامت عليها الماركسية. وأكثر من ذلك نجده عند اقطاب البنيوية الذين سقطوا في الذهان التجريدي الفلسفي، وخلقوا أنساقا معرفية خارج اهتمام مركزية الانسان وجعلوها حقائق في مواجهتها الفكر المادي والماركسي تحديدا.

ومن أبرز الامور في هذا المنحى البنيوي، أن غالبية مدارسها أستقت ينابيع تفلسفها من التاريخ الاسطوري والميثولوجي، الذي أعتبرته البنيوية الأنموذج الأمثل لدراسة القطوعات التاريخية الساكنة التي لايحكمها التغيير او التطور والتبديل.وبذلك تسهل وتتوفر دراستها، وفي اعتمادها الاساطير كما يعتمدها علم النفس على انها حلم جماعي لاشعوري لدى جميع الشعوب قبل وبعد التاريخ، متجاهلة تماما أن ارتباطات مثل اللغة والاسطورة والدين والطقوس والمجتمع او القرابة و القبيلة، والزواج جميعها مرتبطة بالانسان ووجوده الارضي بعرى وثيقة جدا لا ينفع معها المكابرة في تقليل اهميتها في دراسة أي منحى تاريخي او معرفي او فلسفي مبتور لغرض الحصول على استنباطات تعميمية ربما كانت تلك المفردات الحياتية بعيدة جدا عن سياقاتها الاجتماعية والانسانية والتاريخية كما حصل في التوظيف البنيوي لها.

كما ان الاسطورة التي هي حلم جماعي لا شعوري للشعوب البدائية كما يذهب له علم النفس الفرويدي، الذي يختلف دلالة ومضمونا مع مفهوم البنيوية له، ففي علم النفس يكون المحلل النفسي أعلى مرتبة تمييزية عن المريض، ويعد الطبيب النفسي نفسه، أعلى مرتبة انسانية عن الشخص المعالج، مادام يستطيع كشف أبعاد أعمق من تلك التي يبوح بها الشخص له عن تجاربه العفوية.اما في البنيوية في اتجاهها التحليلي البنيوي السايكولوجي عند (لاكان) فان المحلل النفسي (لا يعتبر نفسه سوّيا وسليما بالقياس الى من يقوم بتحليله، كما لا يتخّذ منه اي موقف مميز عنه) 1

الثاني: النزعة الانسانية

البنيوية بحسب النقاد الماركسيين لها، يلازمهم ومعهم (سارتر) وأقطاب الوجودية الحديثة مثل هيدجر، (فقط بمنطلقات متباينة مختلفة كما سيتضح معنا لاحقا) ، يجمعون على ان البنيوية ألغت في فلسفتها مسألتين على جانب كبير من الأهمية في تاريخ الفلسفة، (الذات / والانسانية) واقصتهما نهائيا من التفكير الفلسفي ب (المطلق) ، بما يترتّب عليه نسف التاريخ الفلسفي السابق على البنيوية.ان لم يكن نسف ضرورة ذلك التاريخ في عزل البنيوية الانسان كمحوروجودي مركزي في جميع وعلى امتداد تاريخ الفلسفة القديمة والمعاصرة.

قبل التطرق لرد البنيوية على الماركسيين والوجوديين، نرى انه من المتعذّر لأي جديد في الفلسفة الغاء (الذات) والغاء (النزعة الانسانية ) من الفلسفة، وماذا يتبقى منها بعدئذ؟ ولمن تخاطب او تكتب من أجله أو له؟ معظم تاريخ الفلسفة في أشد تجريداته وميتافيزيقيته الفلسفية لم يكن الانسان غائبا ولا مغيّبا منها، كمحور مركزي في التفلسف (مرسل ومتلقي) (فاعل ومفعول) (وجود وقضايا) (كينونة وجوهر) (حياة وموت) (خير وشر) وهكذا، ليقوم العقل بعدها وحقول المعرفة والعلوم في اختصاصات الاجتماع، علم النفس، الاقتصاد، السياسة، وامور عديدة لا حصر لها بدورها المكمّل أو المفارق، وفي مختلف شؤون الحياة المتعالقة بالفلسفة.

علما ان الوضعية المنطقية هي الاخرى كانت سبقت البنيوية في تجاهلها موقع الانسان المحوري في الحياة والوجود.وفي معرض دفع (سيباج) هذه المثلبة عن البنيوية يقول (ان كل ما ينتمي الى مجال الانسان لا بد ان يكون من صنع الانسان، ثم لا يصح ان نتصور البنيوية على انها نظرية تجعل أصل الانساق التي تفسر بها الظواهر الانسانية خارجا عن نطاق الانسان.) 2

ان كل تجاوز للنزعة الانسانية فلسفيا، يجعل من تاريخ الفلسفة قبل البنيوية، تراثا كميّا استذكاريا لا نفع له، ولا علاقة صحّية تربطه بالانسان كوجود نوعي في الحياة التي نحياها على الارض.وأن تاريخ الفلسفة مدموغا بعدم الفاعلية الانسانية، انما تريده البنيوية خطابات من السرد المنطقي، وأنساق فارغة أجترارية لمفاهيم موغلة في التجريد من جهة، وموغلة في الغياب من الاسهام لتغيير العياني الواقعي، و التي استنفدت جميع متبنيّاتها ومجالات تناولها البعيدة عن تحقيق حلول حيوية ماثلة في حياة الانسان المعاصر.

مؤكد اننا ليس بمقدورنا ان نصادر منطلقات فلسفية تشغل الباحثين عقودا طويلة مثل الفلسفة البنيوية قبل ان نتبيّن ردودها ووجهة نظرها وتعليلها لمثل تلك التوجّهات المصادرة للذات والنزعة الانسانية، خاصة ان ماتدّعيه البنيوية بانها بصدد قلب جميع المفاهيم الفلسفية السابقة عليها من اجل خلق انساق وبناءات لخدمة العلم وتقدم الحياة الانسانية وهذا التوجه لا يخدم الغرض المعلن عنه بوسائلها المحدودة القاصرةعلى الاقل.وليس من الواقع في شيء ان تخرج البنيوية الفلسفة من ذاتيتها الانسانية مهما كانت الذرائع التي ترفعها، على صعيدي التفلسف، وصعيد التلقي الاستقبالي.

كانت البنيوية موفقّة في ادانتها لوجودية سارتر انها فلسفة مغرقة في ذاتيتها غير الانسانوية على مستوى المجموع، وهو شيء لا تنفرد به البنيوية عن سائر منتقدي وجودية سارتر، المغرمة بالتشاؤم والعدم، واللاجدوى، وان الانسان قذف به بمحنة الحياة، حاملا حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين الذين هم الجحيم، وعليه خلاص نفسه بقواه الذاتية منفردا من المأزق الوجودي كما في دعوة بوذا.

كما أعتبرت ذاتية سارتر الفلسفية ذاتية متضخّمة ومتطرّفة لكن ماهو مهم اكثر، وجوب التفريق بين تأكيد سارتر (للذات الانسانية) التي يحاجج بها البنيوية ويحمّلها مسؤولية اضاعتها، وبين (النزعة الانسانية) التي تطالب الماركسية بها البنيوية لأضاعتها لها. فالنزعة الانسانية التي يدّعيها سارتر في فلسفته هي غيرها النزعة الانسانية التي تريد الماركسية حضورها في الفلسفة البنيوية وتفتقدها.و أن البنيوية مهما سعت وبذلت من جهد في ربط منطلقاتها الفلسفية بعلم النفس او الانثروبولوجيا اوالتاريخ، اوعلم الاجتماع او اللغة او الفلسفة وغير ذلك فهي بالنتيجة عاجزة عن تحقيق منجز تدّعيه بصدد اقامة (بناءات نسقية) تدّعم مسار العلوم وتساهم بتطويرها وتقدم الحياة بالتزامن مع اعلانها الفلسفي المتشدد ان دور الوجود الانساني في التاريخ اصبح خارج مقولات البحث الفلسفي والمعرفي.

محاورة جان بياجيه:

هنا نعيد قبل ان نعرض محاججة (جان بياجيه) على أدعاءات كل من الماركسيين وسارتر المختلفتين حول (الذات، والانسانية) وتقاطع واختلاف سارترحول النزعة الانسانية الذي اشرنا له سابقا مع البنيوية، عنه في تقاطع واختلاف الماركسية في فهمها النزعة الانسانية المصادرة فلسفيا عند كل من البنيويين وسارتر على السواء.

يذهب بياجيه في رده على نقد سارتر للبنيوية، وتأكيده أهمية محورية الذات الانسانية في فلسفته الوجودية، التي أتهم سارتر بها البنيوية العبور عليها ومجاوزتها

بافتعال غير مقبول او مبرر، فكان رد بياجيه : (ان الذات الانسانية التي يؤكدها سارتر لا تشيّد بناء العلم بحكم طبيعة عملها انها تجريدات لا شخصية، لا يمكننا الاستدلال عنها الا من خلال هذه التجريدات فقط) 3وليست هي (ذات) فاعلة يعتد بها من واقع تأصيل النزعة الانسانية كفاعل تنموي في مجرى الحياة.

ويمضي بياجيه في التوضيح أكثر انه يوجد فرق كبيربين العلاقات الشخصية التي تختفي من خلالها الذات الانسانية، كنزعة فطرية (انسانية مجتمعية) ، وبين ما يطلق بياجيه عليه (الذات الانسانية في مجال المعرفة) ، وهذا بحسب بياجيه فرق كبير وهام، اذ يجد بياجيه ان التخلي عن الذات الانسانية في مجال المعرفة، انما يحررنا في تخلّينا عن اتجاهنا التلقائي في التمركز حول انفسنا، و (نتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون هناك بعدها للذات وجودا بوصفها ذاتا عارفة، الا بمقدار ترابطاتها المتداخلة التي تتولد منها البناءات) 4..

ونكمل مع بياجيه توضيحه: ان البنيوية تفرق بين (الذات الفردية) التي لا تأخذ منها موضوعا للبحث الفلسفي على الاطلاق، وبين (الذات المعرفية) أي تلك النواة التي تشترك فيها الذوات الفردية كلها على مستوى واحد، وهي موضوع الفلسفة ان صح التعبير، كذلك تفرق البنيوية بين ما تحققه الذات بالفعل، وما بين ما يصل اليها وعيها، وهو محدود بطبيعته، وما تركّز البنيوية عليه هو اهتمامها بتلك العمليات التي تقوم بها الذات وتستخلصها بالتجريد من افعالها الذهنية العامة.5

ان ما يلاحظ على حجة بياجيه تجاه درء تهمة اغفال البنيوية النزعة الانسانية، ركيزة الفكر الفلسفي الماركسي انها لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، اذ عمد بياجيه باسلوب تجريدي صرف تفنيد مقولات فلسفية تاريخية علمية ومادية صلبة لا تزال تمتلك حراكها العملياني الواقعي المقبول، وحضورا انسانيا فاعلا في مجرى الحياة وتداخله معها.ولم يكن بياجيه الوحيد الذي وقع بمطب التجريد الفلسفي المسرف في مناكفة وتضاد مع الماركسية اذ نجد ان (ألتوسير) كان أنشطهم وأبرزهم تأثيرا في نقده المادية التاريخية وكتاب راس المال كما اشرنا له سابقا.*

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.........................

الهوامش:

1.توضيح اكثر انظر، فؤاد زكريا، افاق الفلسفة صفحات 363-365

2. المصدر السابق ص 360

3. نفس المصر السابق ص 366

4. نفس المصدر السابق ص 368

5. نفس المصدر السابق ص 364

* ينظر دراستنا المنشورة على صفحات المثقف الغراء (التوسير.. والعبث بالماركسية)

 http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=916161&catid=288

 

 

zouhair khouildi2"النقد يعطي لأحكامنا مقياسا يسمح لنا بالتمييز الصحيح بين العلم والتظاهر بالعلم" .. كانط

 

توطئة:

إذا كانت الميتافيزيقا قد مارست الإقصاء على الحس المشترك وأدرجته ضمن دائرة المحسوس والخيال وحكمت عليه من زاوية المعيار المنطقي والحكم العقلي واستندت إلى أولوية الروح على البدن وأفضلية الرمزي على المادي والمعقول على الحسي فإن الفلسفة النقدية المعاصرة قد أعادت له الاعتبار ورفعت عنه الضيم وصارت تعول عليه في العديد من المجالات وتعتمده كأداة للمعرفة والتواصل وقوة اجتماعية.

فما المقصود بالحس المشترك؟ ماهي المبررات التي جعلت الفلسفة الميتافيزيقية تحتمي بها لكي تقوم بتهميشه؟ ولماذا عادت إليه الفلسفة النقدية بقوة؟ وما الفرق بين الحس المشترك والعقل؟ وهل يمكن أن يمثل الحس المشترك دورا مركزيا في نظرية المعرفة وفي مجال التجربة العملية والتشريع الأخلاقي؟

 لا يمنع الإقرار بمركزية الحس المشترك ضمن التناول الفلسفي من تعقيد المسألة وصعوبة الظاهرة ولا تمنع القراءات المتضاربة التي ظهرت حولها وتردد التأويلات التي مورست عليها دون جدتها وتأصلها.

لقد وفر لنا التراث الفلسفي حول الحس المشترك مسارين من التفكير في المبحث مع إمكانية التقاطع بينها:

- لقد صاغ أرسطو للمرء الأولى مفهومkoine aisthesis أثناء التفكير في مسألة الإدراك (الحس المشترك) وظل حاضرا في قلب الإشكاليات الفلسفية التي تطرح ضمن نظرية المعرفة إلى حد القرن 18 ميلادي.

- المسار الثاني من التفكير هو الذي جعل من الحس المشترك في اللاتينية sensus communis وفي الفرنسية sens commun متماثلا مع مصطلح الفاهمة المشتركة والرأي العام l'opinion..

ما نلاحظه في هذا المعجم اللغوي هو بقاء مصطلح sensus communis وراء التبسيط الظاهري للمعاني المتداولة حس مشترك وشعور عام وعقلانية مشترك ورأي ولكن الفلسفة المعاصرة أزالت عنه الغموض وفكت عنه الغرابة وأوضحته بالصورة الكافية.

بهذا المعنى يظهر للعيان رهانا نظري وعملي من تقاطع المسارين ويمكن إثارة الإشكال التالي: هل يتنزل موضوع الحس المشترك ضمن دائرة الإدراك والمعرفة أم ضمن العلاقة المتشابكة بين الفلسفة والرأي؟

لذا يمكن رسم خطوط التفكير في هذا المشكل بافتراض معنى أول عن الحس المشترك يفضي إلى معنى ثان للحس السليم يُشتَقُّ من الأول ولكنه يتماشى مع التطوير الذي يخضع لها التفكير الفلسفي عبر التاريخ.

من هذا المنظور لقد أدت عملية خلق أشكال من الحس المشترك إلى إعطاء عناية خاصة بتحولات المعنى التي حدثت للحس المشترك من مجرد سبيل مشترك للمعرفة إلى أمكنة عامة تسهر على تكوين الخطاب.

لكن ماهي الأبعاد التي يتوزع إليها الحس المشترك في تاريخ الفلسفة من جهة نافل القول وبادئ الرأي؟

1- مفهوم الحس المشترك:

لغة: وحدة المعرفة الحسية والرأي المشترك sens commun

اصطلاحا: الفطرة السليمة nature bonne

دلالة فلسفية: الرأي السديد والحكم الصائ والذوق الحسن والروح الطيبة والقلب المبصر Raison –sagesse - bon gout- jugement ,bon esprit,bon coeur، tact

تشكل الحواس بالنسبة للأجسام الحيوانية مكونات الأجهزة الذي تسمح لها بمعالجة خصوصية للمعلومات التي تتأتى لها من العالم الخارجي. لقد اعتاد الناس على التمييز بين خمسة حواس بالانطلاق من عدد الأعضاء اللاقطة (النظر والسمع والذوق والشم) باستثناء حاسة اللمس التي تتطلب تفاعلا مع الأشياء.

لقد ظلت نظرية الحواس من ميلادها متأصلة في العلاقة التي تتبلور وفق كيفيات متنوعة عن العالم، ولكن الناس تتكلم اليوم عن نظرية الإدراك وتطرح مسائل بالغة التعقيد وفق نماذج يوفرها الذكاء الاصطناعي.

تمتلك الحواس بصورة طبيعية سمة تقبلية وقد أتاحت هذه الخاصية للفلاسفة بأن يمنح عدة وظائف أخرى للملكات الحسية ويميزوا بين الحس الحميمي عند جون لوك والحس الباطني عند عمونيال كانط للإشارة إلى التفكير أو الوعي بالذات من طرف الذات ، والحس الأخلاقي عند hutcheson الذي يدل على ملكة التمييز بين الخير والشر بصورة حدسية. من جهة أحرة تفضي الحواس إلى عملية الشعور باللذة والألم ، وتسمح بإمكانية البناء عبر الترميز في ميدان الفن حيث يحد الغياب من وظائف الذوق واللمس والشم.

لقد سبق لأرسطو أن كشف عن الشكل المعقد للحياة الذي تترجمه الملكات الحسية وخاصة إقراره بوجود نفس حسية إلى جانب النفس الناطقة و بعد ذلك تم التضحية بالطبيعة المادية للحواس دون أن يقع المساس بحساسية المادية الجامدة بل إن ديدرو اعتبرها ملكة أساسية تتكون منها بصورة جوهرية ظواهر الكون.

لقد تلاقى على تفسير الحساسية منذ ولادتها في شكلها الأكثر رهافة كل من الفيزيولوجيا في القرن 18 وعلوم الحياة ولقد حاولت الفلسفة الكانطية تجاوز الثنائية المعرفية باختزال المجال الحسي إلى القابلية المحضة وأوقف الذم الأفلاطوني للمحسوس ووضع حدا للتبخيس الأخلاقوي للجسد من طرف اللاهوت المسيحي الذي حمل الحواس مسؤولية الضعف البشري وجعلها تحكم من منطلق قيمي على الكائن الحسي.

ماهي دلالة الحس السليم من حيث هو نمط من الحس المشترك؟ وكيف يرتبط بالمعقولية والحكمة؟

الحس السليمBons sens هو الفطرة الحسنة التي تشير إلى ملكة البداهة لدى الكائن البشري تخول له الحكم على المعارف والأشياء والأشخاص بصورة صحيحة دون أن يقوم باستدعاء التفكير المركب ودون الاستعانة بالمعارف الدقيقة. بهذا المعنى يفيد الصواب في الحكم بصورة فطرية وسداد الرأي دون توسط المعرفة. كما يتعارض الحس السليم من حيث هو حكم الرأي السديد مع الظن ومع الحكم المسبق وتغيب عنه بالعادة كل المعاني السلبية ويشكل عند ديكارت " القدرة على الحكم الحسن وعلى تمييز الصواب من الغلط"ويمثل ميزة الإنسان وعلامة العاقلية والحكمة والتبصر والفاهمة والتفكير الجيد بوصفه أعدل توزيعا بين الناس1[1]. من هذا المنطلق لا تطلب معرفة حقائق العلوم حينئذ سوى قيادة منهجية لهذه القدرة على الحكم وتعارض المعرفة المتأتية عن طريق التقليد. ولكن ديكارت يميز بين العقل الذي يستعمل المفاهيم المحددة ويشتغل وفق تمشي صارم يسمح له ببلوغ الموضوعية والكلية والحس السليم الذي يستهدف موضوعه بطريقة مباشرة وبصورة حدسية ويمكن أن يحصل على تصديق عدد كبير من الناس في الميادين التي يتعذر على فن المنطق توفير نتائج يقينية. بهذا المعنى يشمل الحس السليم مجال أحكام القيمة وبالخصوص الأخلاق والآداب ومبادئ الحياة العامة. لكن كيف يلعب الحس المشترك دورا مركزيا في الحياة الإنسانية. فماهي الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الحس المشترك في الحياة الانسانية؟

2- قيمة الحس المشترك:

إذا كان الحس المشترك قد وقع التعامل على أنه شيء تافه ومبتذل وتم احتقاره ونظرت إليه الميتافيزيقا نظرة سلبية ، فإن الفلسفة النقدية قد غيرت الموقف النظري وتعاملت معه من معيار مختلف ومنحته تثمينا معرفيا وقيمة اعتبارية حينما جعلته قادرا على حل التعارض بين الكوني والجزئي وبين الكلي والفردي. فماهي الأدوار الجديدة التي يمكن أن يؤديها الحس المشترك بماهو حس سليم على صعيد النظر والعمل؟

"إن الفاهمة المشتركة ، إذا ما اعتبرت من جهة كونها فاهمة سليمة (لم تتثقف بعد)، أي بماهي أقل الصفات التي يحق لنا أن ننتظرها دائما من أي كان يستحق اسم الكائن البشري، تشعر بخدش في كبريائها عندما ينسب إليها اسم الحس المشترك sensus communis ، حيث لا نعني بصفة المشترك شيئا آخر غير ماهو متداول، أي ما نعثر عليه في أي مكان وما لا يجلب امتلاكه أي جدارة أو امتياز. والحال أن ما يجب فهمه من عبارة الحس المشترك هو فكرة حس مشترك لدى الجميع أي فكرة ملكة الحكم التي تأخذ بعين الاعتبار نمط تمثل كل الكائنات البشرية الأخرى عندما تفكر قبليا وذلك لكي تجعل أحكامها، إن جاز لنا القول، معاضدة للعقل البشري في كليته. وهكذا نفلت من الوهم الذي يتولد عن ظروف ذاتية من قبيل ماهو شخصي فيمارس تأثيرا ضارا على الحكم." (عمونيال كانط، نقد ملكة الذوق (الحكم)، الفقرة 40)2[2]

والحق أن الحس السليم هو القدرة على تمييز ماهو بديهي بوضوح تام دون الأخذ بالاعتبارات الأخرى، وقد يفيد جودة الروية والحكم السديد والصواب والشفافية والوضوح والصفاء والإشراق ويتشكل فطريا.

 لكن ثمة فجوة قائمة بين النظر الذي يمتد فيه المعنى اللغوي والفكري والعملي الذي يوجب على المرء المرور إلى الممارسة والتقيد بالتطبيق دون أن يكون ضامنا القدرة على الفعل وفق المعرفة بالسبب.

لذا يحتل الحس السليم المكان الوسط بين الجهل والمعرفة المضمونة بصورة جيدة ويردم هذه الفجوة القئمة بين النظر العقلي والممارسة العملية ويشير إلى الرأي المستقيم3[3] والى العلة التي لا تحتاج إلى تعليل.

من جهة ثانية لقد عرف منجد "روبار الصغير" الحس المشترك على أنه الذكاء والنور الفطري الذي يوجد عند جميع الناس بالولادة، في حين أن الحس السليم هو العقل الذي يسد الفراغ الذي يتركه العلم وهو كذلك القدرة على الحكم بصورة جيدة ودون انفعال مع قدرة على التأثير في المشاكل التي عجزت الاستدلالات العلمية على حلها في الوقت الحاضر. بهذا المعنى يمثل الحس السليم واحدا من الشروط الأساسية التي تسهر على ضمان حرية التفكير وذلك عندما يسمح للناس بإبداء الرأي واتخاذ موقف حول دواعي الفعل ويتم الاستنجاد به في الوضعيات القصوى وهو ملكة يتصف بها العبقري الموهوب من جهة الخاصية والقانون بغية اختيار الرأي الأنسب الذي يمكن السير به أثناء الفعل.

لو أضاع الناس في مجتمع معين حسهم السليم وتعودوا على هذا الضياع فإن الضار يثير الخوف فيهم ويؤدي هذا الإضرار بأن تفقد الإنسانية بأسرها رأيها تحت تأثير هيمنة الإعلام والدعاية والإشهار. وتضيع بالتالي فكرة ديكارت الشهيرة القائلة بأن الحس السليم هو أكثر الأشياء قسمة وتوزيعا بين الناس.

في حين أن كانط اعتبر الفاهمة المشتركة هي ما يؤمّن انسجام الحكم المعرفي لدى الشخص مع الأحكام الصادرة عن مجموع الكائنات العاقلة التي يتواصل معها وعدّها متعاضدة تماما مع العقل في كليته.

إذا كان الحس المشترك يشير إلى الكيفية التي تلتقي بها مجموع الحواس لإدراك شيء ما والى الوعي بالإحساس أي الكيفية التي نحس بها أننا نحس فإن الفاهمة المشتركة أو الذهن هي الملكة التي تؤلف معطيات الحساسية ضمن وحدة عامة يسميها كانط المقولة ويعتبرها مشتركة وشاملة وقبلية وموزعة بين جميع الناس. ومن المعلوم أن العنصر القبلي عند كان هو القضية التي تكون معرفة صدقها أو كذبها مستقلة عن التجربة وراجعة للذهن أما العنصر البعدي فهو القضية التي تكون معرفتها مرتبطة بالتجربة.

 في هذا السياق يقيم كانط علاقة وطيدة بين الفاهمة المشتركة والحس المشترك على الرغم من اعتباره صفة المشترك تضفي دلالة سلبية على مفهومي الحس والذهن ويخضعها للمراجعة النقدية بغية تخليص العبارة من دلالتها السلبية وربطها بالعقل والسماح للفاهمة المشتركة من التمكن من تجاوز الوهم.

" الحس المشترك هو الملكة المعرفة القادرة على استخدام القواعد استخداما عينيا في مقابل الذهن النظري وهو الملكة القادرة على معرفة القواعد معرفة نظرية"4[4]

- الحس المشترك لا يدرك إلا القاعدة التي تنصص على أن كل ما يحدث يتعين بعلته ولكنه لا يفهم هذه القاعدة بصورتها العامة.

- يطالب الحس المشترك بمثال من التجربة اليومية ولا يمكن الاستعانة بالحس المشترك الا كلما أمكنه وجود تأييد لقواعده من التجربة.

- العلامة السيئة هي اعتماد العقل الفلسفي على ضمان الحس المشترك الذي لا يحق له الحكم في هذا المجال وجرت العادة التعامل معه باحتقار وازدراء.

- أصدقاء الحس المشترك غير الحقيقيين هم الذين يجدونه في وقت الحاجة ويحتقرونه في العادة

- الأشنع أن نعتمد على الحس المشترك فيما يتعلق بالتصورات والمبادئ من حيث صحتها خارج شروط التجربة

- لا نستطيع في الميتافيزيقا اي في العلم النظري للعقل المجرد ان نعتمد على الحس المشترك إلا إذا أرغمتنا الظروف على ترك هذه المعرفة.

- العقل السليم هو الحس المشترك بوصفه قادر على الحكم السليم.5[5] لكن كيف يتحول الحس المشترك إلى تجربة تعقلية تقوم على إصابة الحدس الأوسط وقوة التمييز وبراعة ولباقة وكياسة تساعد المرء على التواصل مع غيره والمصالحة مع الذات وإضفاء المعنى على العالم؟

3--مستويات الحس المشترك:

يرتبط الحس المشترك بصورة من المعرفة المجمعة لكل المعارف التي قامت الثقافة المعيارية باستبعادها واحتقارها وتتشكل هذه المعرفة المشتركة في أنظمة مترابطة وأنساق رمزية ، ولهذا السبب لم يظل مفهوم الحس المشترك حبيس النظريات الفلسفية والمنطقية وإنما هاجر إلى عوالم الأنثربولوجيا والسوسيولوجيا والسياسة والألسنية والايديولوجيا6[6].

من هذا المنطلق صار الحس المشترك يتكون من معارف تقوم بتنظيم الحياة الاجتماعية ولكن بطريقة جزئية وليس بالضرورة بصورة كونية. لهذا يمكن للحس المشترك أن يخضع لقواعد الصلاحية التي تفرضها العلوم ، ولكن من وجهة نظر براغماتية، ويمكن أن يتحول الحس المشترك إلى استدلال تاريخي يسمح بإيجاد أجوبة للمشاكل المطروحة وبإعطاء المعنى للقضايا التي تعترض الأفراد في حياتهم اليومية.

تبعا لذلك يكون الحس المشترك طبيعيا وفطريا وبديهيا ولا يعتقد المرء أنه يمكنه التفكير والفعل بطريقة مغايرة له. لقد طالب الفكر الفرنسي الحر آلان في كتابه حول السعادة بأن "يتأقلم الحس المشترك كل واحد مع الشروط الواقعية للحياة في المجتمع". لهذا ظهر مفهوم الحس المشترك الجماعي واستوطن بصورة لافتة في العديد من الحقول المكتشفة في الحقبة المعاصرة:

- لقد أصبح الحس المشترك مع ديكارت وكل مؤسسي فلسفة الأنوار حسا سليما وأخلاقا طيبة ومنطقا كونيا ومعرفة متجذرة في الأشياء عينها يمتلكها كل مجتمع بشكل فطري وتكويني.

- لقد شيد جون لوك دعائم فلسفة تجريبية مرتكزة على الحس المشترك للكائن البشري وتواصلت هذه النزعة الحسية النفعية مع جورج مور وريد الذين دافع عن مدرسة الحس المشترك .

- لقد عرفت الأنثربولوجيا مع كليفورد غيتز الحس المشترك بكونه النسق الثقافي الذي يمكن أن يتغير بصورة جذرية من شعب إلى آخر ويخترق الطابع الكلي الذي يميز المفاهيم وينقد التمركز.

لقد كشف غيتز في كتابه "أبحاث عن العالم العادي" عن المشكل الذي تلاقيه العقلانية حينما تريد فهم العالم الاجتماعي بالنظر الى ما يتضمنه من تناقضات واستعارات ومشاكل ولذلك تعجز الدراسات السوسيولوجية عن التمييز الكافي بين عقلانية الملاحظ والمحيط الثقافي للفاعل البشري. في هذا الصدد يستخدم ألفرد شولتز الحس المشترك كطريقة استعمال يسمح للمعرفة بأن تتصرف في نسق ثقافي بصورة رمزية بالاتفاق مع مقتضيات السلوك الجماعي المنظم.

- لقد قدم هنري برجسون في كتابه الضحك تعريفا رائعا لمفهوم الحس السليم7[7] أين اعتبره معرفة تذكرية وقدرة على النسيان بقوله: "انه الجهد الذي تبذله الروح في التعود والتعود باستمرار وتغييرها للأفكار بتغيرها للأشياء. انه حركية الذهن الذي ينتظم بصورة مطابقة لحركية الأشياء. انه استمرار الانتباه إلى الحياة بصورة متحركة".

- لقد دعا غرامشي في كتابه رسائل من السجن أهل الفكر إلى الانطلاق من نقد الحس العام وإجراء تحليل للفلكلور وفلسفة اللاّفلسفة والدين الشعبي التي توافق الوضع الثقافي والاجتماعي للجمهور وتتكون من تصورات وثوقية للعالم تظل على حال وحيدة عبر الزمان والمكان بحثا عن النواة الحسنة التي توجد على صورة الفطرة السليمة في الحس العام وقامت المجموعات بطمسها. فالحس العام يحتوي على تصور متقطع ولامتماسك وغير منطقي ويشير إلى مفهوم ملتبس ومتناقض ومحافظ وذميم يعادي الأشياء الجديدة ولكن هذا لا يعني انه ليس من حقيقة في الحس العام بل يمكن لأهل الفكر من إنفاذ حقيقة جديدة فيه وذلك بتأسيس حس عام جديد في إطار ثقافة جديدة وفلسفة جدية تتأصلان في وجدان الشعب بقوة المعتقدات الشعبية الجديدة وما فيها من طابع إلزامي وأمري بالبرهنة على ضرورة تجديد المعتقدات الشعبية لما تتمتع به الحقيقة من قوة جميلة وبداهة وجاذبية تساعدها على الانتشار والإقناع.

 لقد طرح أنطونيو غرامشي في نفس السياق النقدي السؤال التالي: على أي شيء تقوم بالضبط ما يمسى عموما الحس العام أو الفطرة السليمة؟ لقد كان جوابه أن الحس العام لا يتضمن مبدأ السببية فحسب بل يحسن استخدامها في واقع ضيق وإذا عرضت عليه مجموعة من الأحكام المعرفية حول جملة من الأشياء والأحداث والأشخاص فإنه لا ينحرف عن الصواب بتأثير الميتافيزيقا ولا يقع ضحية مزاعمها في عمق النظر ودقة العلم بل يدخل في مقاومة مبدأ السلطة ويصدر حكما تقويميا ويعرف السبب الحقيقي البسيط والسهل بالنزوع إلى التجريب والملاحظة المباشرة للواقع ويراعي تبدل الموقف واختلاف القيمة8[8].

- بعد ذلك قامت حنة أرندت في كتابها "شرط الإنسان الحديث" بالتنبيه من أزمة الحداثة التي أدت بالغرب إلى الوقوع في العدمية بسبب فقدان الحس المشترك وبحث بشكل ايتيقي عن إمكانية تحوله إلى حس سليم وفسرت ذلك التحول من خلال اعتماد الفلسفة الذاتية على منهج الاستبطان وحرصت على الكف عن منح الحس المشترك التقاعد المبكر في المنظومة العقلانية9[9].

4- وظائف الحس المشترك:

من المفارقة أن يقوم ايميل دوركايهم باختزال الحس المشرك في نوع من المعرفة أقل بكثير من نوع المعرفة العلمية وذلك بأن جسد القطيعة الجذرية معه التي تلتزم بصرامة المنهج العلمي وجمعه مع الأشكال القبلية للمعاني المتداولة ، في حين أن بيير بورديو اعتبره أول الشروط العلمية المناسبة في سبيل بناء معرفة سوسيولوجية. هكذا يقوم الحس المشترك بوظيفة إدماجية داخل المعرفة والقيمة والوجود لكل من الظن أو الرأي والإدراك والثقافة الشعبية والمعتقدات ويصل الفردي بالاجتماعي وينفرد بمعاملة النزعة الحسية بوصفها المضمون الأساسي الذي تتكون منه المعرفة العقلية.

على هذا النحو يمكن توزيع وظائف الحس المشترك في النقاط التالية:

-يمكن الاعتماد على الحس المشترك في تمييز المعارف الاجتماعية عن المعارف التي يكونها الناس عن الحياة الاجتماعية ومكوناتها ويساعد هذا التمييز العمل السوسيولوجي في بناء حس مشترك كبير.

-يساعد الحس المشترك في عملية تجميع المعرفة غير العلمية ويسهل عملية معامتها بواصفها معارف علمية وخاصة الثقافية العامة التي يتم إرسالها من طرف الأفراد والمجموعات من جيل إلى آخر.

-يساعد الحس المشترك على تشييد تفاعل بين الأفراد في وسط سكني بواسطة مجموعة من القواعد والشفرات والمعارف المقبولة بينهم والتي تسمح لهم بالاستمرار والبقاء والمحافظة على تعاونهم.

- يقود الحس المشترك إلى إزالة سوء الفهم حول مقصد الخطاب الذي يتم تقاسمه بين المتحاورين وذلك بتفادي ضغوطات الحجاج وشكلانية البرهنة والاعتماد على البلاغة من أجل الفهم المشترك والإقناع العمومي.

-يتناسب الحس المشترك مع الدين الشعبي والمعتقدات الموروثة والكفاءة المتناقلة عبر الأجيال في التعامل مع المقدس عبادة وطقوس وأحكام تفصلية بشأن الحياة والواقع وتصورات للطبيعة ومابعدها ورؤية للعالم.

-يشكل الحس المشترك الجذور والينابيع التي تشكل منها القول الفلسفي منذ البواكير الأولى ويستمد منه مبادئه وقوة نموه واتجاه سيره ويظل يتغذى طوال تاريخه التقدمي. فماهي الرهانات المرجوة من تحويل الحس المشترك الى حس سليم في الفترة المعاصرة؟ ألا يعني ذلك تجديد العقلانية بالعودة الى هوامشها؟

خاتمة:

يجب الانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم وذلك بالعمل على نمذجة الأشياء وفق معيار الأفكار الواضحة والمتميزة وليس العكس أي نمذجة الأفكار وفق معيار الأشياء الحقيقية والفعلية (الوقائع المادية) ، ويتمثل الحس المشترك على هذا الأساس في النظر فيما نفكر فيه وليس التفكير فيما ننظر إليه. إن الحس السليم الذي يتعلق بالمعرفة المشتركة يقوم بتوجيه النداء إلى العقل من أجل استرجاع الوضعية الراهنة من أجل واستحضار الواقع الاجتماعي. بهذا المعنى يتسنى للفلسفة أن تقوم بتجميع قواعد الحس المشترك من أجل توجيه الحياة اليومية وتضعها على ذمة الإنسان لكي يتبعها في طريق تحصيله للنجاح والسعادة والعاقبة الحسنة وتحقيق أهدافه المرجوة. فأنى يكون الحس المشترك فلسفة العالم المعاصر؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................

الإحالات والهوامش:

 [1] Descartes René, Discours de la méthode, I, La Haye, 1637, « Le bon sens est la chose du monde la mieux partagée : car chacun pense en être si bien pourvu, que ceux même qui sont les plus difficiles à contenter en toute autre chose, n’ont point coutume d’en désirer plus qu’ils en ont. En quoi il n’est pas vraisemblable que tous se trompent ; mais plutôt cela témoigne que la puissance de bien juger, et distinguer le vrai d’avec le faux, qui est proprement ce qu’on nomme le bon sens ou la raison, est naturellement égale en tous les hommes ; et ainsi que la diversité de nos opinions ne vient pas de ce que les uns sont plus raisonnables que les autres, mais seulement de ce que nous conduisons nos pensées par diverses voies, et ne considérons pas les mêmes choses. Car ce n’est pas assez d’avoir l’esprit bon, mais le principal est de l’appliquer bien. Les plus grandes âmes sont capables des plus grands vices, aussi bien que des plus grandes vertus ; et ceux qui ne marchent que fort lentement peuvent avancer beaucoup d’avantage, s’ils suivent toujours le droit chemin, que ne font ceux qui courent, et qui s’en éloignent ».

[2] Kant (Emmanuel), Critique de la faculté de juger, édition G. Flammarion, Paris, 2000,§40, pp278-279.

[3]Dictionnaire le Littré : http://www.littre.org/,

[4] كانط (عمانويل) ، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما، ترجمة نازلي إسماعيل حسين، دار الكتاب العربي ، القاهرة، طبعة ، 1968.ص215-216

[5] كانط (عمانويل) ،مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما، المرجع مذكور، ص217

[6] Pour Destutt de Tracy la diversité de nos dispositions individuelles n'empêche pas que la vérité soit la même pour tous et qu'il y ait une raison générale et un sens commun et universel. Nous sommes toujours d'accord quand nous ne mettons dans une idée que « ce qui est »

[7] Bergson dans son livre Le Rire dit : « Le bon sens consiste à savoir se souvenir, je le veux bien, mais encore et surtout à savoir oublier. Le bon sens est l'effort d'un esprit qui s'adapte et se réadapte sans cesse, changeant d'idée quand il change d'objet. C'est une mobilité de l'intelligence qui se règle exactement sur la mobilité des choses. C'est la continuité mouvante de notre attention à la vie »

[8] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975. p171.

[9] Arendt Hannah, condition de l’homme moderne, préface de Paul Ricœur, traduit de l’anglais par Georges fradier, edition Calmann-lévy, , imprimé en France, 1961-1983 , pp315.

 

 

ali mohamadalyousifاللغة والوجود: (اللغة هي استفهام حول المعنى والوجود). بول ريكور

يتوسط الوجود بين حقيقة الشيء واللغة المعبّرة عنه، وكلاهما الحقيقة واللغة، مفاهيم وتصورات نسبية، تنعكس عن الوجود المستقل للاشياء، وحقيقة اللغة كما يعبّر عنها عالم اللغات دي سوسير(نظام معرفي قائم بذاته) من جهة، ونسبية الحقيقة الوجودية من جهة اخرى.وفي تعالقهما الثنائي بالاشياء والموجودات يتعيّن بهما الوجود الحقيقي.

(كما ان الانسان لا يوجد في المطلق، بل يوجد في الزمان والتاريخ، يوجد حيث يفكّر، ويفكّر حيث هو موجود، ولا يمكن فهم الذات من دون توسّط اللغة والعلامة والرمز والنص).1

هذه الجدلية التعالقية العلائقية بين الوجود والفكر كان تم حسمها منذ قرون، في اما ان تكون علاقة (مثالية) او ان تكون علاقة (مادية) ويتوضّح معنا هذا لاحقا.

ان اللغة ادراك عقلي مفاهيمي تداولي، شفاهي ومكتوب ومرئي، وتعبير رمزي صوري تواصلي. اما لغة الصمت فهي نوعين من التعبير اللغوي، من حيث الادراك العقلي لها، فهي لغة حيّة لا تقل اهميتها الوظائفية عن اللغة المنطوقة او المكتوبة، او المرئية، حين تكون لغة الصمت ادراكا ذاتيا واعيا بضروراته التواصلية والوظائفية، كما نجده في طقوس الديانة البوذية التأملية وبعض الاديان الوثنية الاخرى المعبّر عنها بلغة الصمت الطقسي الشعائري، واليوغا، المسرح الصامت، رقص الباليه، ولغة بعض المتصوفة المجذوبة الاغترابية عن المجموع.*

اما ان تكون لغة الصمت غير مدركة عقليا، بمعنى التعطيل الوظائفي لها في الحياة، عندها تكون وهما، وتعبيرا زائفا عن وجود الاشياء، بل تكون وهما خارج فاعلية الوجود، فهي لغة خارج المدرك الحسّي والعقلي للاشياء والموجودات، وهذه اللغة نجدها عند بعض الحيوانات وفي غطرفة وهذاءات المجانين العصّية على التلقي والاستقبال. فهي لغة غير منطوقة بنظام لغوي تعبيري تعريفي، ولا تهتدي بالعقل ادراكيا، وهي بلا معنى ولا هدف. فلغة الحيوان هي نوع من اللغة التواصلية(غريزيا) فقط، ليست لها امتدادات وظائفية خارج الحاجات البيولوجية الغريزية المحدودة للحيوان، بينما اللغة العقلانية لدى الانسان، لغة تواصل تداولي لمحمولات وظائفية لا حصر لها تغطّي جوانب الحياة بمجملها من ابسط الامور والى أعقدها.وبذا تكون اللغة المؤنسنة بالنوع خاصية انسانية لا يشاركه بها الحيوان، هنا الانسان يتأنسن باللغة وهي تتأنسن به، مثلها مثل علاقة الانسان بالطبيعة فهو يتأنسن بها وهي بدورها تتأنسن به .

اللغة وجود ادراكي عقلي يتفرّد الانسان بحيازته ويختّص به دون غيره من الكائنات. واللغة هنا وسيلة العقل لأثبات وجود الاشياء، وبحسب غاديمير:(الكائن الذي يمكن ان يفهم هو الكائن اللغوي، وان اللغة هي الفهم، وهي التي تحدد علاقة الانسان بالعالم).2

يذكر الزواوي بغورة ان الفلسفة الوضعية المنطقية حوّلت التحليل اللغوي المنطقي الى واقع فلسفي قائم، وحصرت مهمة الفلسفة في التحليل اللغوي، واعطت اولوية اللغة على الفكر. كما سبق لفنتجشتين قوله (ان اللغة هي الفكر).

تساؤلنا ايهما أسبق ادراكيا الوجود ام اللغة؟

في معرض اجابتنا اود تثبيت هنا تناقض كبير في عبارة عالم وفيلسوف اللغة دي سوسير يقول: (وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها) وهذا منطق مادي سليم ليس فلسفيا وحسب وانما علميا ايضا، لكن لنتأمل تكملة العبارة حين يقول: (الا انه يمكن القول بأن تصوراتنا هي التي تخلق الاشياء)؟؟؟ كيف؟؟

طبعا هذا التناقض في عبارة واحدة، ينكردي سوسير موضوعة فلسفية معرفية ان مثالية التفكير تقود لمثل تلك الاستنتاجات الفكرية البائسة، في تقاطع ان وجود الشيء يسبق فكرتنا عنه، وهذه نظرة علمية مادية صحيحة، اما اننا ندّعي اننا نستطيع خلق اشياء من تصوراتنا عنها فهو لا يستقيم مع اي منطق عقلي اوعلمي.وجود الشيء لا يحدده التفكيربه، وانما يحدد الفكر وجود الشيء السابق على الفكر.

في هذا التناقض المثالي لسوسير نجده ينسف ابجدية الفكر المادي حين يقول بامكانية المفاهيم المدركة واللغة خلق وجود الاشياء، فالجدل الماركسي يقول ان وجود الشيء يسبق ادراكنا له، وليس بأمكان تصوراتنا ان تخلق واقعا حقيقيا لوجود الاشياء، وانما وجود الشيء يخلق تصوراتنا التجريدية والمفاهيم عنه، واللغة او التصورات المنبثقة عنها لا تخلق حقائق الوجود، وانما الوجود يخلق حقائقه لغويا تجريديا بعد ادراك العقل له.

اما اذا أخذنا في نفس السياق مقولة فينجشتين(اللغة هي الفكر) فيكون معنا ادراك العقل للوجود والاشياء هي أسبق على أدراك العقل للفكر، من حيث ان الفكر هو انعكاس تجريدي وصوري لغوي في فهم الواقع والوجود.والعقل مستودع الافكار ومكمن انطلاقها، لذا فان ادراك العقل للوجود والاشياء يسبق ادراك العقل للافكار او اللغة المتعالقة بالتبعية التراتبية لوجود الاشياء.والادراك اللغوي مستمد من علائقية ادراك العقل للاشياء.وهذا الادراك يكون قاصرا وظيفيا ما لم تسعفه اللغة كنسق منظّم في تبيان خواص وتمظهرات الاشياء والموجودات المدركة عقليا (الحواس+العقل)، وكذلك وجود الانسان في الطبيعة ومحدداته كينونته وجوهره.

انه من المهم جدا ان لا نغفل ان اروع الافكار هي التي تصوغها عبقرية اللغة، ولا يعطي وجود الاشياء المادية اللغة جمالية التعبير العبقري.

اهمية ادراك اللغة للاشياء

ادراك العقل للوجود والاشياء ادراك ناقص ولا فاعلية له من دون مدركات اللغة التعبيرية الافصاحية عنه. الوجود يتم ادراكه عقليا كموضوع مستقل فقط قبل ادراك اللغة له، الوجود من غير ادراكه لغويا وجود مكتف بذاته يفتقد الحيوية والفاعلية والتأثير، اللغة كشف ادراكي عقلي للاشياء والموجودات، والوجود الواقعي لا ندركه ادراكا واعيا حقيقيا في تجريدنا ادراك اللغة له، ومن غير الادراك العقلي وتزامن الادراك اللغوي معه تصبح معرفتنا للوجود قاصرة غير منتجة.

وتعجز اية فكرة مدركة عقليا، أن يكون ادراكها مثمرا تواصليا منتجا من غير ادراك اللغة لها تداوليا، والفكرة التي لا تستوعبها اللغة بأرقى درجات التعبير التواصلي تبقى ناقصة ومشوّهة كفكرة ادركها العقل ولا يستطيع البوح بها ومقيّدة لا تستطيع التعبير عن نفسها.

نجد في دعوة كروتشة ان اهمية اللغة، يجب ان تكون مقتصرة على دراستها (جماليا) على صعيد الشعر تحديدا، فيها الكثير من التطرّف في تجاوز أهمية دراسة ابعاد اللغة كوسيط تداولي تعبيري، فلسفيا، اجتماعيا، وثقافيا واقتصاديا.ودراسة اللغة جماليا هو دراسة لواحدة من خصائصها الوظائفية العديدة وليس منتهاها .

ومثل ذلك ذهب هيدجر في اهمية دراسة اللغة، وايضا الشعر تحديدا لتبيان(المقاصد الوجودية من اللغة) وهي دعوة ايضا تستبطن اهمية اللغة جماليا، وفي تعطيل السمات والخصائص المتعددة للغة وظائفيا.

ان اهمية ادراك الشيء والتواصل به ومن خلاله ومعرفته لغويا، هو اكبر من اهميته كمدرك عقلاني (موضوع) مكتف بذاته خارج فاعلية واهمية اللغة له، اللغة بعد العقل هي المتعيّن الوجودي لجميع الافكار في ان تكون تداولية تواصلية ذات حيوية واثراء نافع للحياة.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

....................

هوامش

(1) و(2) نقلا عن الزواوي بغورة، شذرات عن كتاب الفلسفة واللغة، عرض وتلخيص.

* احيل الى دراستنا الخيال واللغة والتصوف، صحيفة المثقف الغراء

 

 

mohamad bakohيرى دولوز أن تأكيد نيتشه على البعد التراجيدي للممارسة الفلسفية يرجع إلى حرصه الشديد، في معظم كتاباته الفلسفية، على المقابلة بين الرؤية التراجيدية للعالم، والرؤى الأخرى المختلفة، وتحديدا بين الرؤية الجدلية والرؤية الدينية المسيحية. بحيث أن نيتشه انتقد بقوة الرؤيتين الأخيرتين للعالم، واعتبر الرؤية الجدلية بصفة خاصة المنظور الفكري والفلسفي المسؤول المباشر عن اغتيال الفكر الفلسفي التراجيدي، كما مارسه فلاسفة الإغريق الحكماء ما قبل الفلسفة السقراطية، ودافع عنه نيتشه نفسه في جميع أطوار مساره الفكري – الفلسفي. لهذا يفسر نيتشه وفق تحليل دولوز دائما، ظاهرة ما سماه بالاغتيال الفلسفي الجدلي للفعل الفلسفي التراجيدي انطلاقا من ثلاث طرائق مختلفة الأدوات الفكرية والمعطيات التاريخية، غير أنها تؤسس لنفس المساعي والأهداف الإيديولوجية والحضارية، ونعني بها :

أ – الجدل السقراطي: مارستها بقوة الفلسفةُ السقراطية التي اهتمت بالجدل الأخلاقي، ونسيت الانصات العملي للسلوك الطبيعي الجميل العام. أي حولت البحث الفلسفي من مبحث الوجود الذي يعني الأصل المدهش والكلي لفعل التفلسف النقدي التراجيدي، إلى مبحث المعرفة والأخلاق الذي لم يكن عند نيتشه سوى مبحث جزئي مما ينبغي أن يكون والبحث فيه، وبالتالي، نجح – أو سقط الفيلسوف سقراط، ومن تمّ الجدل السقراطي الذي سار على نهجه أفلاطون وأرسطو، في خندق أول انحراف فكري للعقل الفلسفي في تاريخه.

ب – الفكر الديني المسيحي : يعتبر المنتوج الأول للفكر الجدلي السقراطي. بحيث، لولا ذلك الانحراف الفكري والمعرفي الذي حققته الفلسفة الجدلية السقراطية، باعتنائها واحتفالها الكامل بالإنسان والأخلاق والمعرفة كمباحث جديدة لفعل التفلسف، لما نجح العقل الديني المسيحي في تأسيس أول قاعدة لانتصاره التاريخي على العقل التراجيدي النقدي.

ج – الجدل الفلسفي الحديث : يذهب نيتشه، حسب دولوز، إلى أن الفلسفة الحديثة، بدءا بفلسفة ديكارت، المتردد، وفلسفة كانط، العامل، وليس الفيلسوف، وغيرهم من الفلاسفة الجدليين الألمان النظريين، كما يسميهم نيتشه، لم تعمل سوى على تعميق المعنى السقراطي الأصلي والمعنى الديني المسيحي. بمعنى، أن نيتشه في هذا المقام كان يؤكد، في حديثه الفلسفي عن القيمة السلبية للجدل الفلسفي الحديث، وخاصة في إطار فلسفة فاغنر الحالمة ..

هكذا يثبت نيتشه، وفق تحليل دولوز، سقوط وعدم قدرة الفكر الفلسفي الجدلي على تجاوز قصوره الفكري النظري، لفهم وإعادة إنتاج معرفة فلسفية نقدية تراجيدية. ويفسر نيتشه سبب هذا السقوط الفلسفي لدى التجربة الفلسفية الجدلية الحديثة، باعتبارها تجربة نظرية لم تعرف كيف تجعل من الفلسفة الجدلية فلسفة نقدية يكون مبحث انشغالها المعنى والقيم في الحياة بكل تجلياتها، ومن تمّ، لم تتمثل بما فيه الكفاية العمق الفلسفي للفكر التراجيدي، من حيث أنه فكر أقام صرحه الفكري على أساس ربط الجدل بالنفي، وربطه بالتضاد، ثم ربطه بالتناقض. إلا أن الشخصية الفلسفية المفهومية ديونيزوس عند نيتشه كانت الأكثر عمقا تراجيديا بكونها تعيد إنتاج التناقض التراجيدي في بعده النقدي والجمالي، كما أسست له الفلسفة النيتشوية في جميع مراحلها الفكرية والتاريخية. 

   

......................

المرجع : كتاب:

Nietzsche et La philosophie – Gilles Deleuze

 

mohamad bakohيحدد جيل دولوز مفهوم الجسد في الفكر النيتشوي باعتباره حقل فكري اجتماعي ديناميّ، يتميز بخاصية الصراع التاريخي الأبدي بين القوى الاجتماعية التي يتشكل منها ذلك الحقل بالضرورة. وبالتالي، فتلك القوى الاجتماعية ذات العمق التصوّري الفكري لا تتصارع فقط دفاعا، وأحيانا تدافع بشراسة لامتناهية، عن قيمها الاقتصادية والثقافية، ولكن أيضا تدافع بقوة من أجل فرض وجودها كقيمة بشرية نوعية يجب أن تسود، وكسب رهان حياتها كقوة موجودة بالذات وليس في الذات، بتعبير هيغل، في المجتمع الإنساني المعني. وذلك، ببسط هيمنتها كقوة فاعلة مُنتجة لمعانيها وقيمها، وليس كسلطة معزولة، على الحقل المجتمعي .

لهذا، فالرهان هنا - وفق قراءة دولوز - بالنسبة للحقل الاجتماعي ببعده المفهومي الجسدي السالف الذكر، والمرتبط بقواه الداخلية المختلفة والمتصارعة في إطاره، يقوم على أساس دور هذه القوى المصلحي الوظيفي كقوة مُهيمنة، وليس كقوة مُهيمَن عليها، وهو صراع، على كل حال، كيفي ونوعي يدل في عمقه على صراع إرادات هذه القوى المتفاعلة والمتجاذبة، باعتبارها إرادات قوة مُفعمة بدينامية الحياة، كما يصرّ نيتشه على ذلك.

يتساءل هنا دولوز مع نيتشه: هل يمكن النظر دائما إلى مفهوم الجسد باعتباره حقيقة وحيدة شبيهة في موقعها بثمرة من شجرة الصدفة دون غيرها؟ بمعنى، أن الحقل الاجتماعي بطابعه العلائقي الصراعي هنا لا يشتغل دائما وأبدا وفق خطط القواعد والسياسات الممنهجة التي يرسمها ويضعها وتحضرها له القوى المتصارعة في إطاره، وإنما قد تعرف وضعية ذلك الحقل الاجتماعي المعني ما يمكن تسميته بانحراف نسبي ممكن، وانزياح محتمل غير متوقع ومفكر فيه، من لدن القوى الفاعلة والمُهيمنة . لهذا، يطلق نيتشه على القوى المُهيمنة على الحقل الاجتماعي - حسب تحليل دولوز - القوة العليا، وهي القوة السائدة والحاضرة اجتماعيا واقتصاديا، في حين يسمي القوى المُهيمن عليها بالقوة الدنيا، كقوة اجتماعية نقدية مُضادة. مع الإشارة إلى نوع العلاقة القائمة بين القوتين باعتبارها في عمقها علاقة صراع اجتماعي وفكري بالضرورة، مهما كانت ملامحها العلائقية التحالفية -أحيانا- في إطار التحاور والجدل والمنافسة..، وذلك سعيا لكسب المزيد من رهان الهيمنة السياسية واستمرار السيطرة الاجتماعية والاقتصادية، ونهج سياسة الاخضاع وتطويع القوة الدنيا المُضادة - المُنفعلة باعتبارها قوة تشكل الجزء المُشاكس بفكره النقدي ووعيه الجمعي في كلية الجسد - الحقل المجتمعي القائم . ويفضل نيتشه أن يسمي هذا المفهوم - الفرق النوعي - الكيفي بين القوتين الاجتماعيتين المُضادتين (المُهيمنة الفاعلة ضدّ المُهيمَن عليها المنفعلة) بظاهرة - مفهوم التراتبية Hiearchie.

 

محمد بقوح

.....................

المرجع : كتاب Nietzsche et la Philosophie ، ل جيل دولوز

 

 

mohamad bakoh1 - مسألة وجود الوجود: يقرأ دولوز قضية الوجود في التفكير الفلسفي عند نيتشه، انطلاقا من مدخل التساؤل الفلسفي التالي: ما هي العلاقة الممكنة بين الإيديولوجية الدينية (المسيحية) والفكر التراجيدي؟

إنه السؤال الحارق المستفز بقدر ما هو سؤال يفتح نافذة للتفكير والتأمل..

لاشك أنهما - أي الإيديولوجية المسيحية والفكر التراجيدي - يتقاطعان معا حول إشكال فلسفي قديم و أصيل. نعني به إشكال معنى الوجود في صلته الجدلية عبر تاريخ وجود الحياة بوجود الكائن البشري، ككائن يفكر ويعي أنه موجود. وبالتالي، فمسألة الوجود ظلت مصاحبة لانشغالات البشر، أفرادا وجماعات، أكثر من أية قضية أخرى، بسبب امتداداتها العديدة وتقاطعاتها النوعية مع باقي أشياء وموجودات مماثلة، توجد في ومع محيط الكائن البشري الطبيعي في الحياة. من هنا، كان تساؤل الإنسان الأولي والمبكر هو: هل للوجود من معنى في أصل الأمور؟ يعني ما معنى أن يكون للوجود معنى معينا، إن كان له معنى في الأصل، أو له عدة معان؟

إنها عينة صغيرة من الأسئلة الحارقة و "المُشاغبة" التي يطرحها جانب من النسق الفلسفي النيتشوي العميق والمتشعب. ومن تمّ، يرى نيتشه أن إشكال الوجود لابد أن يعتبر من أعرق وأقدم الإشكالات الفلسفية التي عرفها المسار الطويل لتاريخ الفلسفة برمته، باعتبار أن له علاقة جدلية وقوية بمشكلة البحث المستمر عن المعنى أو معنى المعنى، في إطار التفسير والتأويل والتقييم. يعني تأويل معنى أو معاني الوجود وتقييمه / أو تقييمه لوجوده كفرد موجود في وجود حياة لابد أن يكون له فيها معنى محددا يشكل وجوده حلقة هامة ضمن حلقات كونية كينونة الوجود .

هل بإمكاننا تفسير وتبرير وجود الوجود الطبيعي والبشري؟ ولماذا وجد الوجود؟ وهل من واجد للوجود وكيف ومتى ...؟

إن تقديم إجابة فلسفية قطعية للسؤال أعلاه يعتبر، حسب دولوز، من أنضج سبع المستحيلات الكائنة والممكنة، باعتبار أن مهمة الفلسفة لا تكمن في تقديم الإجابة القطعية، بقدر ما تكمن في طرح السؤال تلو السؤال المُستفز والمشاكس والمختلف لغاية الهدم والتجاوز والتأسيس للمعنى الجديد والمجدد، حتى وإن بدا ذلك السؤال المطروح خارجا عن سياق صواب التداول المألوف. لكن، نيتشه يلح بهذا الصدد، في فلسفته النقدية التي جاءت لتعميق السؤال الوجودي من منظور تراجيدي، على ضرورة طرح وإعادة إنتاج طرح السؤال النقدي المختلف حول مسألة الوجود، ليس كما مارسه فلاسفة زمنه الفلسفي الحديث في القرن 19 ككيركيغارد وسارتر وهيدغر، ولا حتى كما فلسفه ومارسه فلاسفة الزمن الفلسفي الكلاسيكي الإغريقي ما بعد السقراطي كأفلاطون وأرسطو وما بعدهما، وإنما تيمّنا بالطرح الفلسفي التراجيدي عند أغارقة ما يسمى بحكماء ما قبل ظهور فلسفة سقراط، التي صنعت أصنام فلسفة الأخلاق، بتعبير نيتشه، وعملت بذلك على القتل الرمزي والتاريخي لمفهوم الفلسفة، حسب دولوز دائما، بمعناها الوجودي التراجيدي، كما مارسه فعليا وعمليا فلاسفة من قبيل كل من هيروقليطس وطاليس وديمقريطس .. وغيرهم من فلاسفة الحكمة التراجيديين، كما سماهم نيتشه نفسه في كتابه الأصيل البكر (مولد التراجيديا - 1872).

2-  الوجود بملمح الجريمة

بما أن الوجود يتألم فهو إذن مُذنب. إذن يعتبر في موقع الجريمة. إنه "الكوجيطو" الفلسفي الذي يفسر به نيتشه، حسب تحليل دولوز، مسألة علاقة الوجود كمعنى فلسفي قوي، بمعنى الإنسان كطرف ضعيف في هذه المعادلة الفكرية المبحوثة غير المتكافئة. يعني، هل الأمر هنا يتعلق ب"تجريم" الوجود، بتعبير دولوز، باعتبار أن الضحية هنا هي الإنسان، والمجرم هو الوجود؟ أو بكلمات هيدغر، المجرم هنا هو الوجود، والضحية المفترضة هي الموجود، أي الإنسان.

ثمة فرق واضح إذن بين التأويل الإغريقي لجريمة الوجود، حسب نيتشه، والتأويل الديني المسيحي للغفران peché. لهذا، يقر ديونيزوس كشخصية فلسفية مفهومية في النص الفلسفي النيتشوي، وفق تحليل دولوز دائما، ببراءة الوجود وببعده التعددي، وببراءة صيرورته المستمرة في أصل الأمور. إن براءة الوجود تعني هنا حقيقة معناه المتعدد والمحدد والمتغير غير المجرد. أي أنه لا لوجود خارج الكل. وجود الوجود يعني لا لوجود الكل. يمكن فقط تفسير ما يجري في الوجود، حسب نيتشه، بما سماه نيتشه بفلسفة إرادة القوة التي تتحكم في حركات الطبيعة، ونوازع البشر باعتبار البشر جزء من الطبيعة.. هكذا تتحقق تراجيدية الفكر الفلسفي كما مارسته الفلسفة الإغريقية ما قبل السقراطية، حين اهتمت وانشغلت باحثة، مفكرة في سؤال الوجود الكائن والممكن، انطلاقا من أسئلة الفكر النقدي، والعدالة والبراءة والحقيقة في الحياة والمجتمع ..

 

محمد بقوح

...............

المرجع : كتاب جيل دولوز : Nietzsche et la Philosophie

 

 

hatam hamidmohsin2ان تاريخ الفلسفة يجب ان يُفهم كسلسلة هامة من الادّعاءات الفكرية والاخلاقية حول القضايا الاساسية. فمثلا، الايمان بأي عقيدة يستلزم التضحية بجميع البدائل الاخرى، فهل هذا يعني ان الايمان بعقيدة معينة يجب ان يكون مسألة يقين؟ هل يمكن ان نتأكد من صحة اي شيء؟ كذلك، لو نحن نتبنّى العقيدة بدون اجراء اختبار لها، فهل ستبرز اسئلة حول المصداقية الفكرية والشخصية؟ هل البحث عن الحقيقة ذاتها هو بالنهاية قضية اخلاقية ايضا؟

مفكرو اليونان القدماء وضعوا اسسا لما يسمى حاليا الفلسفة الغربية. احد قدماء الاغريق كان كزينوفانس Xenophanes (570-480 قبل الميلاد) الذي ادّعى بان المعرفة الانسانية لها سمة العقيدة، بمعنى اننا لا نستطيع معرفة الحقيقة. على المستوى الاخلاقي الشخصي، السؤال هو ما افضل طريقة لنعيش بها الحياة، والتي اعتبرها الاغريق "الحياة الجيدة". الاجوبة الفلسفية تراوحت من تشجيع البحث عن السعادة الذاتية الى الاحساس غير الاناني بواجب خدمة الاخرين. مؤسس الرواقية زينو (334-262) قبل الميلاد اعلن بان الانسان جزء من الطبيعة وليس فوقها، لذا يجب علينا ان نعيش بفضيلة بينما نقبل بشجاعة محدوديتنا في هذا العالم . الاعتدال كان قد طرحه ارسطو (384-322 قبل الميلاد) والذي يستلزم تقييم المعنى والممارسة الملائمة لمختلف انواع الفضائل وهي العملية التي اطلق عليها "الوسط الذهبي". القاعدة الاخلاقية الشهيرة المعروفة بـ "القاعدة الذهبية"او إعمل للآخر ما تود ان يعمله لك، وُجدت في العديد من الاديان، نسخة منها نُسبت الى كونفشيوس الصين.اما بوذا فقد وضع "المسار من ثمان شعب" كطريقة للخروج من الشقاء الانساني الناتج عن عدم تحقيق رغبات المتعة او السلطة او الملكية.

من النهضة الى التنوير

مع ظهور النزعة الانسانية humanism (موقف فلسفي يؤكد على قيمة الفرد ككائن انساني، ورفض الدوغما الدينية وتلك المتجاوزة للطبيعة) في عصر النهضة بدءا من القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر، ركز اهتمام الفلاسفة وبشكل متزايد على الاستجابة للمشاكل الدنيوية، حيث بدأت الفلسفة تميل للاعتماد المتزايد على العقل بدلا من الايمان الديني. التغيرات في الموقف من المعرفة (النهضة تعني احياء المعرفة) برزت جزئيا من الوفرة الكبيرة للنصوص اليونانية والعربية المترجمة وهكذا امتزجت مختلف الثقافات. ازمات العقل والايمان الديني حدثت لكوبرنيكوس وغاليلو وكبلر، رغم ان دافنشي شعر بالحرية للكشف عن عمل الجسد الانساني من خلال تشريح الجسم.

الهياكل السياسية ايضا اصبحت عرضة للتمحيص، وفي عام 1651 نشر توماس هوبز (ليفاثان) لترسيخ فكرة الحكومة كشكل تعاقدي مؤكدا على التوازن بين النظام والحرية. امكانية العودة الى الحرب الاهلية والى فوضى الطبيعية يمكن تجنبها بحيث ان طاعة القانون تأتي مقابل الأمن العام وما يتبعه من فرص للتقدم الفردي. جون لوك(1632-1704) كان قلقا من موضوع سلطة السيادة وجادل بان عقد هوبز الاجتماعي الذي قيّد الحرية الفردية مقابل الحماية التي توفرها الدولة تجاه الفوضى، يجب ان يتضمن حقوقا مدنية معينة من بينها حرية ازالة الملكية الاستبدادية او الحكومات السيئة.

جرى تأسيس مساواة بين الحريات الفردية والحقوق الطبيعية، بينما كان مفهوم الحضارة يتطور وقد ركز على مفهوم جديد لـ "الحرية" liberty. قيم الحرية اصبحت انشغالا اوربيا خاصة في كتابات فولتير (1694-1778) وروسو (1712-1778) التي مهدت للثورة في فرنسا وامريكا.

هذا الانشغال بالحرية ظهر ايضا لاحقا في كتابات جون ستيوارت مل (1806-1873) الذي طالب بالحق في عمل ما نرغب ولا نمنع الاخرين من القيام بالشيء ذاته. افكار من فرنسا حفزت مدرسة "النفعية" البريطانية التي اسسها جيرمي بنثام(1748-1832) الذي وضع نظاما لحساب المنفعة بواسطته تكون "اعظم سعادة لأكبر عدد هي مقياس الصحيح والخطأ". يرى بنثام ان الاخلاق تتقرر بنتائج افعالنا، بالضد من تركيز مل على فكرة الحرية الفردية رغم ان مل ذاته كان نفعيا.

الرياضيات والعلوم ارتبطتا بالعقلانية – فكرة ان العقل الخالص يمكنه اكتشاف الحقيقة بواسطة التحقيق التجريبي وهو ما سمح للتقدم التكنلوجي المدهش كي يحصل في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتمهيد للثورة الصناعية. هذين القرنين سُميا"عصر العقل"او "التنوير".

ديكارت (1596-1650) أعلن عن اثباته لوجوده من خلال مقدرته على التفكير فقط "انا افكر اذاً انا موجود". وفي عام 1949 جادل الفيلسوف البريطاني جلبرت رايل بان ديكارت ارتكب مغالطة منطقية حين اعتبر تفكير الذهن مكانا تحدث فيه المشاعر والافكار بشكل مشابه لاجسامنا كمكان للاحاسيس رغم عدم مادية الذهن. الفلسفة احتوت على الكثير من هذه الكينونات المجردة التي صُنفت خطأ ضمن عالم الاشياء .

 مقابل الاتجاه العقلاني المجرد لديكارت ظهرت في القرنين 17 و 18 التجريبية البريطانية التي تعاملت مع العقل عبر اختبار العالم من خلال الاحاسيس والتجربة. هوبز و لوك وصفا العالم بعبارات مادية وميكانيكية. سبقهما في ذلك فرنسيس باكون (1561-1626) بفحصه المنهجي لتلك العبارات. جميع الافكار كانت عرضة لمخاطرة التطرف، التجريبية لم تكن استثناءا. المفكرون الفرنسيون بما فيهم اوكست كومت (1798-1857) حوّل التجريبية الى وضعية – الايمان بان المعرفة محددة بما يمكن اثباته "وضعيا". هذا المطلب برز كاحتجاج ضد التفسيرات العقلانية التي بدت متأثرة بالتأمل الميتافيزيقي المفرط. طبّق كومت الوضعية في محاولة لإكتشاف قوانين السلوك الاجتماعي.(ماركس لم يوافق على سوسيولوجيا كومت رغم انه قبل تماما بان التحقيقات السوسيولوجية يجب ان تكون علمية).

صعود الافكار الألمانية

في القرن السابع عشر، تحولت الفلسفة الالمانية وبقوة الى الميتافيزيقية.المثالية النقدية لعمانوئيل كانط (1724-1804) افترضت عالما يمكن فهمه بالحواس (ما يبدو) لكنه يتأسس على حقيقة مستقلة عن المعنى الذي لايمكننا معرفته (الشيء في ذاته). اعتبر كانط ما نسميه "اصناف"لفهمنا مثل المفاهيم او الزمان والمكان هي قدرات فطرية للفكر مثلما يحصل عند مواجهتنا لاشياء جديدة في العالم، نحن ننشغل بفهمها طبقا لتلك الاصناف. كانط ايضا اكّد على فكرة الحافز وليس النتائج كعنصر اساسي للحكم الاخلاقي على سلوك الفرد، وهو استنتج بان لا يجب على المرء التعامل مع الفرد الآخر مجرد كوسيلة لغاية. هو اعتقد ايضا ان قوانين العالم الاخلاقية وُجدت كضرورات حتمية تطلبت طاعة غير مشروطة.

بعد كانط ظهرت في المانيا مجموعة من المثاليين وفلاسفة دمجوا افكارا مع العالم الاسطوري، مثال على هؤلاء جون فيتش (1762-1814) و فردريك شيلنك (1775-1854).اما ديفد هيوم من اسكتلندا (1711-1776) وافق مع كانط على ان القوانين العلمية لا يمكن اشتقاقها من مشاهدات العالم، لكن فيتش قال باننا نمتلك بناءا ذهنيا فطريا يسمح لنا باشتقاق الحقيقة، وان "الذات" - الشخص العارف- يجعل الحقيقة تبدو كانه "ليست ذات"، حتى في ظل سمة الطبيعة الاخلاقية الضرورية للانسان. شيلنك عارض فكرة ان الذات العارفة لا يمكن ان توجد بدون ان يوجد هناك شيء يعرف سلفا وان الطبيعة هي عملية خلاقة يتربع فيها الانسان على القمة (هذه الافكار تحولت في جدالات القرن التاسع عشر الى تطور اشكال الحياة عبر الاختيار الطبيعي) . انها كانت ملاحظات ذكية وحادة سلطت الضوء على مشكلة الملاحظة الموضوعية للعالم الذي يتضمن الملاحظ.

آرثر شوبنهاور (1788-1860) جعل المسائل اكثر تعقيدا بقبوله الفصل الكانطي بين الشيء كما يبدو والشيء في ذاته، ولكن الآن كمظاهر للشيء ذاته: الرغبة هي شيء في ذاته، وتجسيداتها هي الظاهرة او ما يبدو. نحن نستطيع فورا معرفة رغبتنا ولكن ليس رغبة كل شيء او كل شخص اخر نستطيع تجسيده فقط لأن المكان والزمان لايوجدان في عالم الشيء بذاته، الرغبة هي مصدر عالمي للطاقة غير متميز، تبعث القوة بعالم التجسيدات المتميز.

هيجل (1770-1831) اعتبر الواقع ذاته غير مادي – روح – وفي عملية التطور التي تشكل تقدم التاريخ، والتي تكشف بناء الروح الداخلي. لذا في مقابل اصناف الفهم الثابتة لكانط، نجد مع هيجل اننا نمتلك وعيا متطورا باستمرار. ديناميكية العملية هي التفاعل الديالكتيكي بين الاضداد: الاطروحة تتصارع مع النقيض لتنتج تركيبا والذي بدوره يصبح اطروحة جديدة. فمثلا الاستبداد يتصارع مع الحرية لينتج شكلا ما من العدالة المنظمة، هذا يمثل حصيلة تقدمية نحو الأعلى. بالنسبة لهيجل كل عصر له روحه الخاصة وهما كلاهما يجسدان ويحكمان فكر وفهم ذلك العصر. اذا كانت افكارنا لا تساير الروح فاننا سنشعر بالاغتراب والعزلة والقلق واللامعنى.

لودج فيورباخ (1804-1872) قلب افكار هيجل راسا على عقب، مستبدلا مثالية هيجل بالمادية. بالنسبة له لا وجود هناك للروح، ويجب فهم الثيولوجي كانثربولوجيا. كارل ماركس (1818-1873) اعجب بفيورباخ واتفق معه على ان الاله مجرد مشروع لآمال الانسان وخوفه، فقام بتغيير مثالية هيجل لكي يفهم التاريخ الانساني كـ "مادية ديالكتيكية" فسرها باعتبارها تنطوي على عملية حتمية باتجاه المجتمع اللاطبقي – وهي عملية يمكن التعجيل بها عبر التطور. مصير الانسان يتقرر بالانسان وحده وليس بالدين. في راس المال (1867)، تجسدت الراسمالية كنظام اقتصادي غير مستقر فيه كل من العامل ورب العمل مجرد اجسام صغيرة جدا في الماكنة الصناعية وبالتالي يغتربان عن العمل الخلاق.

القلق الوجودي

بدءا من اواسط القرن التاسع عشر فصاعدا بدأ الفلاسفة الانتقال من دراسة ميتافيزيقا الواقع الموضوعي الى المشاكل الذاتية للهوية والمسؤولية الفردية، واصبحوا يركزون بشكل اكبر على الانسان وموقفه – كشيء فان وُلد بالصدفة. اذا كان العالم بلامعنى وغير شخصي، فما هو المرشد للحياة؟ ما هي مفاهيم الجيد والسيء مثلا؟

اعادة التوجيه الاخلاقي هذه بدأت فلسفيا مع سورن كيركيجارد (1813-1855) وفردريك نيتشة (1844-1900). كيجارد رفض ان يعامل الكائن الفرد كجزء من حركة التاريخ الكوني، وادّعى لنفسه وللاخرين حرية الاختيار. هو اعتبرها مسؤولية لامهرب منها للفرد ليعيش حياته القصيرة الممتلئة، باحثا عن المعنى وراضيا بكل ما يبرز من التزامات . المسؤولية تجعلنا نشعر بالقلق.

كيركيجارد ونيتشة اثارا نوعين من التفكير – الفينومولوجي والوجودية. هذان يختلفان في اهتماماتهما واسلوبهما في التحقيق، لكنهما كلاهما ضد الميتافيزيقا بمعنى الرغبة في التركيز على العالم كما يُتصور مباشرة واستبعاد انواع معينة من الاسئلة الميتافيزيقية.

ادموند هسرل (1859-1938) مؤسس الفينومولوجي نظر في مشاكل الفردية بطريقة منهجية. هو تجاهل عمدا اي سؤال لاينبثق من وعينا المباشر بالعالم، وهو ما سماه "عالم الحياة": هو كان مهتما فقط بتجربتنا من وجهة النظر الفردية. هذا جلب اعتبارا عميقا لمعنى ومكانة الادعاءات بـ "انا": ماذا يعني القول "انا اعمل"على سبيل المثال؟ هسرل - تلميذ مارتن هايدجر(1889-1976) كسر المألوف عبر اضافة وجودنا الى وعينا – الذي حدده بالزمن. يرى هيدجر ان وجودنا الانساني يتحدد بالمدى الزمني لحياتنا، وبالحاجة لجعلها هامة عبر العيش "باصالة"، بمعنى، عبر الاعتراف باخلاقنا. وعي الذات القلقة والحاجة لخلق معنى ميّزا الوجودية كتعبير عن "معنى اللحظة". غير ان هناك خيط رفيع بين فينومونولوجيا موريس ميرلي – بونتي (1908-1961) والوجودية للفلاسفة الفنانين امثال جين بول سارتر (1905-1980)، و سيمون ديفوبير(1908-1986)، و البرت جاموس (1913-1960). بالنسبة لجميع هؤلاء المفكرين ان مجيئنا المفاجئ للوجود يمثل السؤال حول ما سنكون عليه. سارتر ادّعى باننا اثناء البحث عن الهوية الفردية لا نستطيع الفرار من المسؤولية الفردية ولا من المجتمع: "الاخرون هم الجحيم". اما جاموس فقد واجه متحديا قضية المعنى الفردي، بعبارات من "السخافة". هنري برجسون (1859-1941) متاثرا بشارلس دارون اقترح بان الحياة الانسانية منهمكة بعملية تطورية في حركة صاعدة من الخلق. جادل برجسون باننا غير مهيئين للتفكير المجرد او الفهم: خصائصنا الانسانية تتسم بالاختيار الطبيعي لبقائنا فقط وليس لكي نفهم الكون ومكاننا فيه. هو قال ان وعينا بسريان الزمن كان نتيجة لـ "قوة الحياة"المشاركة لنا في تجربتنا للواقع.

اللغة، الحقيقة، المنطق

ان صعود العلم في القرن التاسع عشر جذب الكثير من الاهتمام الفلسفي. من المهم ملاحظة الفرق بين وجهة النظر التعليلية المجردة وبين اطار علمي مفاهيمي للفهم مرتكز على التجربة . وهكذا فان السايكولوجي والاقتصاد والسوسيولوجي هي علوم ناعمة لانها تفتقر للاجراءات التجريبية الواضحة في الكيمياء والفيزياء.

اخيرا، تركز الاهتمام على اللغة كمجال للدراسة العلمية . السيماتك (دراسة الاشارات) جرى استكشافها من جانب فردينالد سوسر(1857-1913) مستخدما مفهوما ثنائيا للاشارة و المدلول. تحليل المعاني النصية اصبحت هدفا لـ "البنيويين"مثل رونالد بارثيس (1915-1980) وكلود ليفي شتراوس (1908-2009) واخرين. اما بارثيس و آلثسر طورا سيماتك الى النقطة التي قرر فيها مايكل فوكلت وجاك دريدا بان الخطاب الانساني يمكن توضيحه من خلال "التفكيك" للّغة كما سماه دريدا. الاتجاه التفكيكي قاد بالنهاية الى "ما بعد البنيوية"التي بموجبها تكون الادعاءات بشأن الواقع مرتكزة على منطق دائري وإحالة ذاتية.

في امريكا اسّس شارلس بيريس (1839-1914) مدرسة فكرية ترتكز على رؤية "برجماتية" فيها تصوراتنا للشيء تعتمد على ما هو مفيد لنا . البرجماتي يرى ان المعرفة لا يجب ان تمثل العالم اكثر مما نحتاج من تفسير كافي لمهمة او لموقف. وليم جيمس تعمق في البرجماتية وحاول ايضا اجراء دراسة علمية للوعي مخترعا مصطلح "تيار الوعي". جون ديوي اتبع اتجاها برجماتيا عبر تمديد مفهوم الفائدة الى "التعلم من خلال الفعالية". هنا المدخلات الحسية اما تهيء الذهن او تدمج الافكار المتعلمة في مكان اخر. برجماتية ديوي استغنت عن اي عقد اجتماعي وركزت فقط على حق المواطن الفرد والحاجة الى الادراك الذاتي والدعوة الى تعليم ينتج "جماعة اخلاقية".

ومؤخرا برز الاتجاه البرجماتي الجديد بزعامة ريتشارد روثي (1931-2007) الذي رفض الفكرة بان معرفتنا هي "مرآة للطبيعة"- اي ان احاسيسنا وتفكيرنا مجتمعين يشكلان انعكاس حقيقي للعالم. يرى رورثي ان وعينا يأتي من تصور معلومات حسية بصياغات لغوية وبهذا يربط الحقيقة بالاستعمال اللغوي الحالي. درجة من نسبية الحقيقة هي امر حتمي. توماس كن (1922-1996) طور مفهوم النموذج او الاطار paradigm الذي فيه تتجسد الحقيقة في صياغات مؤقتة.

في مقابل النماذج، اصر فرج Gottlob Frege بالمانيا(1848-1925) على ان المنطق هو ذاتي مستقل عن العمليات الفكرية التي كشفها علم النفس. في بريطانيا اثبتا كل من بتراند رسل ونورث وايتهد هوية الرياضيات والمنطق، وبذلك شجعا على الايمان بامكانية المعرفة الموضوعية للعالم من خلال العلم. سلطة المنطق بدأت تطبق باجراءات عرفت بالفلسفة التحليلية. الرمزية اخترعت بهدف تجسيد افتراضات لغوية بعبارات منطقية وربطها للحصول على بيانات صحيحة او خاطئة تماما. ولكن حالا اتضح ان الافتراضات المعبر عنها لغويا هي عموما ليست بعيدة عن الغموض بحيث يمكن ترتيبها تحت اي نوع مبسط من التحليلات المنطقية.

الفلسفة التحليلية برزت ايضا في تفكير لودج وتكنستن Ludwig wittgenstein الذي اكد عام 1922 بان العالم هو "كلية الحقائق وليس الاشياء".القلق حول البناء المنطقي للغة انتقل بالنهاية الى اللسانيات او دراسة هيكل التعبيرات وفقا لما فيها من نحو وسيماتك.

التجارب الاولى مع الماركسية والفاشية بما فيها النازية اوضحت ان الايديولوجية بذاتها لا يمكن ان تزود استقرار سياسي ما لم تكن الجماعة السياسية والقيم المشتركة محدودة. ايضا لاحظنا ان النظام السياسي يجب ان يقع بايدي القلة، او سنعود فورا الى حكم الاوليغارت او الاستبداد. غير ان مفكرين في فرانكفورت امثال هربرت ماركوس ولاكاس و هابرمس حاولوا انقاذ الافكار الماركسية من افراط المستبدين كستالين بنفس مقدار ما يريدون انقاذه من الراسمالية. هم طوروا نظرية نقدية لكي يوفروا ديناميكية ايديولوجية جديدة، طالما كل من الراسمالية والشيوعية جسدتا ذاتيهما كمتحجرات فكرية .

 لو جئنا للتفكير الاخير لسلافوك زيزك (1949-) فهو عارض القبول السلبي لفشل كل من الماركسية والراسمالية مجادلا باعادة اختبار احداهما واستغلال الانهيار الوشيك للاخرى. في امريكا ساوى جون رولس بين العدالة والانصاف بطريقة فكرية فيها يختار الناس حكام المجتمع دون معرفتهم بموقعهم في ذلك المجتمع، هذه الصياغة للعدالة هوجمت من جانب روبرت نوزك الذي ساوى العدالة ليس مع الانصاف وانما مع الحرية المرتكزة على الحقوق والملكية.

استنتاج

الفيلسوف العقلاني برنارد وليم (1990-) في كتابه "الاخلاق وحدود الفلسفة" اعلن بان الفلسفة الاخلاقية ترتكز على حقيقة ومعنى الحياة الفردية، وان العلوم الطبيعية قادرة على الوصول للحقيقة الموضوعية. الفلسفة الغربية تدور حول هاتين الفكرتين، مع ان البعض يرى ان الحقيقة الموضوعية للعلوم يمكن فهمها بشكل افضل كتمثيل، باعتبارها توفر صورة او نموذج نفهم بواسطته الواقع. تجربتنا عن الكون يبدو كانها مترابطة الى بعضها داخليا، لكن بعض مظاهر تجربتنا تبتعد بالفعل عن الباقي كما لو انها حقائق مختلفة لاسيما الاخلاق والجمال. الفلسفة الاخلاقية، الجمال والعلوم كل منها متعدد المستويات رغم ان الترابط المتشابك بين المجالات والمستويات ربما سيبقى غير واضح لوقت ما.

 ان المشكلة الاساسية امام الفلسفة في القرن الواحد والعشرين هي الاصولية، وحيث تضع بعض العقائد نفسها فوق السؤال. لا حاجة للمرء الانحياز كي يرى الكره المتبادل الذي تبديه الاصوليات الدينية والطوائف الاخرى وما فيه من استعداد للحروب والدمار، وحيثما نجد عدم اتفاق نجد الانكار الصريح لقيمة وكرامة الحياة الفردية. نظامنا التعليمي يمكنه البدء بتصحيح هذه المشكلة ليس فقط باللجوء الى التسامح المتبادل وانما في تعليم الناس التفكير الواضح: طرق واجراءات التفكير المنطقي . كل فرد يجب ان يتعلم كيفية تمييز المغالطات والقبول بالاختلاف مع الاحتفاظ بانسانيتنا.

 

حاتم حميد محسن

 

ibtesam moshakikالنص وآليات القراءة والنقد: مثّل النص الديني اطارا مرجعيا عاما للفكر العربي الاسلامي، فكان له من حيث هو نص، دور محوري في توجيه التطور اللاحق لذاك الفكر. وشكل (القرآن والسنّة) سلطة فكرية حكمت منذ البداية مجمل عملية الإنتاج المعرفي الإسلامي في العصرين الأول والوسيط، وحددت أبعاده المعرفية والمنهجية وهيمنت على توجهاته المتعددة.

لم ينطلق القرآن من فراغ سوسيوثقافي وتاريخي، بل يبني على ما سبق تصحيحاً وإغناءً وتطويراً: «وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقرآن أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» [يونس:37]. وإذا كان القرآن يقطع مع ما سبق، فهي قطيعة نسبية، بمعنى النقلة النوعية من إطار معرفي إلى آخر، ليتحول بذلك الى تراث هويتة ثابتة لا يمكن زعزعته او المساس به بعد اكتسابه صبغة القداسة.

الواقع ان جل التيارات الدينية لا تكاد تميز بين التراث الديني والدين، رغم أن النص الديني نفسه بشقيه –القرآن والسنة- يحتاج هو الاخر الى قراءة موضوعية علمية، تخلخل الاساطير التي تشكلت حوله، وتزحزح كل قراءة او تأويل تصدى لتقديم فهم عن الدين. وهذا ما قام به بعض المفكرين حينما درسوا تاريخية النص ودعوا إلى إعادة قراءة وتأويل النص الديني بمنهج اسلامي جديد، كالمفكرين نصر حامد ابو زيد وماجد الغرباوي، مثالا، حيث عملوا على تأسيس رؤى ومنظورات من شأنها ان تشكل منهجا جديدا يتجاوز الفهم التقليدي .

سعى الباحث العراقي ماجد الغرباوي1، عبر مشروعه الفكري النقدي إلى تقديم فهمٍ مغاير ومختلف للدين ومفاهيم الفكر الإسلامي، من خلال تأويل نصوصه ونقد سلبياته، والتمييز بين ماهو إلهي وما هو بشري، باعتباره خطابا كغيره من الخطابات التاريخية، قد يطرأ عليه ما يطرأ عليها. فأنجز من خلال هذا المشروع قراءة نظرية ومنهجية نقدية لأصول هذا الخطاب لتعريته بعد إخضاعه للمراجعة والنقد، والكشف عن أبعاده التاريخية والايديولوجية النسبية والتي غالبا ما يتغاضى عنها الكثيرون.

قبل شروعه في ممارسته النقدية عمل الغرباوي على كشف أليات إشتغال النص والخطاب، بعد أن حدد أبرز منطلقاته الايديولوجية. فالمشروع النقدي لماجد الغرباوي مشروع نهضوي، يروم التطور الحضاري، عبر فهم متجدد للدين ونصوصه المقدسة، بمنهج نقدي – عقلي بعيدا عن الخرافة واللامعقول الديني. فهو لا يعتقد أن قداسة النص تفرض عليه التعاطي بذات مناهج الفقهاء والأصوليين أو أي اتجاه آخر. بل يرى الباحث أن متطلبات البحث تفرض عليه تجديد أدواته ومناهجه النقدية، في ضوء رؤى عقلانية فاعلة ومعاصرة تسمح بفهم جديد للنص الديني ودلالته.

من المناسب ونحن نتطرق لمشروع نقدي طموح ان نتساءل ماذا يُقصد بالدين، وكيف تفهم الناس الدين؟ هل هو مجرد مجموعة طقوس وشعائر تمارس يوميا، أم أنه يتعدى ذلك لينغرس في صلب الممارسة التاريخية والاجتماعية والايديولوجية والسياسية والتي تسعى كل طائفة وكل فئة أن تبرر بها مصالحها الخاصة؟ لا شك أن فهم الناس يقتصر على الفهم الطقوسي، الأشمل من العبادات والممارسات اليومية، غير أن الباحث الغرباوي يبغي بلورة فهم جديد للدين، من خلال منهج نقدي، يبتعد به عن التوظيف السياسي والأيديولوجي والطائفي. منهج يعيد للدين حيويته وفاعليته، كسمة إنسانية، تساهم في توحيد الناس وتزرع فيهم روح المحبة والوئام والتسامح، ويساهم في استقرار النفس الانسانية المتعبة. يذكر ان ماجد الغرباوي اشتغل كثيرا على موضوع التسامح والعنف. لذا يقدم فهما للدين بعيدا عن التراث وسلطته. فمشروعه النقدي يتجاوز القراءة الظاهرية للدين ويغور في اعماق الدين للبحث عن تاريخية نصوصه، ودراسة تاريخ الاحكام الشرعية وفلسفة تشريعها، فطالما يردد أن (فعلية الحكم الشرعي تتوقف على فعلية موضوعه الذي تتوقف على فعلية جميع قيوده وشروطه)2، لذا كتب دراسة بعنوان: "دعوة صريحة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء"3، اوضح فيها بصراحة كبيرة، وهو المعروف بجرأته الصادمة في كتاباته وأفكاره، عن عدم فعلية كثير من الاحكام والتشريعات، كأيات القتال والجهاد، وما يخص اهل الذمة، والمراة وحقوقها، وكثير من القضايا الاخرى. فالنص المقدس عنده مفتوح على جميع القراءات، ويمكن للباحث الوقوف على طريقة اشتغاله. كما بذل جهدا كبيرا للفصل بين الدين والفهم الديني، ورفض فكرة التقديس لدى جميع المذاهب الاسلامية، بل يرى فيها عبء فكري وعقيدي انهك الدين. كما يعتقد أن الاسلام الديني قد انتهى بعد وفاة الرسول مباشرة ليحل محله الاسلام السياسي، في اشارة الى لحظة انقلاب الوعي الديني، واعادة تشكيله، فما توراثه المسلمون ليس هو اسلام الكتاب بل اسلام المذاهب والفرق. يقول في حوار معه: (ما إن تنتهي مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، تبدأ مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه)4.

اما المفكر نصر حامد ابو زيد انطلق من خلال اطروحاته بتسليط الضوء على اشكالية المزج التلفيقي بين التراث والدين وبعبارة اخرى الكشف عن اللحظة التاريخية؛ التي وقع فيها الخلط بين ما ينتمي الى الدين الرسمي، وبين ما يدخل في مجال التراث بشكل عام، وهي اللحظة التى تتحدد في الخلط بين السنة النبوية والدين ومنه يطرح لمعضلة النص فهما اخر، ففتح بذلك المجال امام حوار مفتوح على الدوام بالانفتاح على جميع مصادر المعرفة، حتى مع تلك الوافدة الينا من الغرب، والتي باستمرار تضعنا امام موقف الصدمة، ثم الانفتاح على رهانات النص العرفاني فالامر عنده لا يتوقف فقط عند حدود النص القرآني فحسب ..بل حتى اشكالية كيف نقرأ العرفان الاسلامي؟ فالتجربة العرفانية تعتبر عنده محتوى انطولوجي ومعطى فينومينولوجي، وتأسيس تاريخي ينتج خطابات لها دلالاتها ونظام ظهورها وبالتالي الجمع بين الفكر والذكر، وبين التفكير والتدبير.

فالدعوة للبحث عن مفوم النص ليس في الحقيقة الا بحثا عن ماهية القرآن .. والدعوة الى فهم واقعنا في علاقته بالنص القرآني على وجه الخصوص. فيضعنا هذا البحث امام اشكالات جوهرية يبرزها فعل القراءة والتأويل .

ولا يفوت الغرباوي الحديث عن لحظة تداخل البشري بالالهي عبر روايات لا يمكن الجزم بصحتها كما يعبر مرات عدة، لكنها تركت بصمتها واعادت فهم الدين. فالحدث التاريخي الاول ونزاع الصحابة على السلطة بالنسبة له نقطة تحول كبرى، وسّعت من دائرة المقدس، وخلقت مرجعيات شرعية جديدة، اليها يعود فهم الدين بصيغته السياسية، فيصف تلك المرحلة: (عندما نجرد تاريخ الحقبة الأولى من قدسيتها، سنكتشف جذور العنف، أسبابه وشرعيته. فالصحابة أول من أسس له، وفق مصالح سياسية، تلبّست بأهداف دينية. وأول من وظّف الدين لصالح السياسة. وأول من أقصى المعارضة، وأول من خاض حروبا داخلية على السلطة)5.

إن تقديس الصحابة حد العصمة، ترك تداعيات خطيرة، جعلت منهم مرجعية فكرية وعقيدية وسلوكية، بل جعلت منهم سلطة، تحدد سلوك المسلمين. خاصة الحديث الذي يقول: "خير القرون قرني"، أو "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". الذي قتل روح النهضة، والمبادرة الحضارية. وقتل روح التنافس حينما اعتبر جيل الصحابة مثله الأعلى، والغاية القصوى التي يطمح لها الإنسان، ثم تأخذ الأجيال بالهبوط حضاريا. فانقلبت مهمة الفرد بسبب هذا الحديث من التطور حضاريا إلى تدارك الانحطاط الديني قياسا بجيل الصحابة. وهذا هو الوعي الارتدادي، العاجز عن مواجهة الواقع، والتأثير فيه. مشكلة الحضارة مشكلة فكرية – ثقافية قبل كل شيء، وما لم نَعد النظر بمرجعياتنا ووعينا، فلا نغادر بقعة التخلف، ونبقى نتفاخر بماضٍ جميل، لا يمكن استدعاؤه، أو تقليده، ونعيش حاضرا بائساً محطّماً6.

 من هنا نطرح الاشكالات التالية:

- هل يمكن التأسيس لقراءة نقدية جديدة للنص الديني باعتباره سلطة مقدسة؟ وكيف نؤسس لفعل داخل سلطة النص الديني؟

- الى اي مدى يمكن تعرية هذا النص والحفر فيه لتخليصه من كل الرواسب الايديولوجية والميثيولوجية؟.

الخطاب الديني المعاصر.. مفهوم النص "التأويل والنقد"

ان المراحل الاولى التي ارست سلطة التراث الشمولية، وشكلت الوعي الديني، هي المساحة المشتركة التي دشن كل من المفكر المصري نصر حامد ابو زيد، والمفكر العراقي ماجد الغرباوي مشروعه النقدي للمقدس وسلطته ونصوصه. داخل النص المقدس وفي صلب الفكر الديني.  

لا ينكر أحدنا عودة الدين من جديد ليشكل وبصورة مكثفة محورا للسجالات الفكرية داخل مجتمعاتنا المعاصرة، فالإسلام كدين وتراث فكري يسترد اليوم حيويته المطابقة لتسارع التاريخ في كل المجتمعات الإسلامية، فبات يلعب دورا من الطراز الأول في عملية انتاج الإيديولوجيات الرسمية، وراح يستلب وعي الناس لولا جهودا متميزة داخل منظومة العقل الإسلامي أمثال ما قدمه: محمد أركون ونصر حامد ابوزيد وحسن حنفي وطه عبد الرحمن وعلي حرب وماجد الغرباوي... حيث استطاعوا أن يحركوا من جديد إشكاليات النص الديني الكلاسيكية برؤية أكـثـر حداثية، وتوظيفهم آليات فعالة في إنتاج المعرفة حول النص وكشف اساليبه، وتعريته من سياجات الدوغمائية7

واذا ما انطلقنا في توصيف النص عند نصر حامد ابوزيد نجد ان هذا النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي8 ..تشكل في الواقع والثقافة منذ 20 سنة. ”ومن الطبيعي أن يكون المدخل لدرس النص القرآني مدخل الواقع والثقافة... الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص، وينتظم المستقبل الأول للنص وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الإمبريقية9

وبحسب ماجد الغرباوي فانه يرى في النص بنية، تستمد وجودها من نسق دواله واسلوب ترابطه، وطبيعة مرجعياته الفكرية والثقافية، وبالتالي هذا النص له بعد باطني خفي، وسلطة تتوقف فعليتها على تحديد منبعه او مصدره ومؤلفه. ولكي يكتسب النص صفة القداسة يجب ان يصطبغ بصبغة متعالية عن كل ماهو ثقافي وتاريخي10. لكنه بنفس الوقت يحذر من رهاب القداسة في نقد النصوص، وهذه نقطة مهمة تعرض لها الباحث الغرباوي فالروايات الموضوعة قد تخدع الباحث باسم القداسة، خاصة الباحث الديني الذي يعتقد بقداسة النص، فهذا الاعتقاد ينعكس سلبا كما يرى ماجد الغرباوي: (تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فيؤثر الباحث التمادي بالتبرير على خدش حصانة النص، رغم أن النصوص جاءت لمعالجة الواقع، وفعليتها ترتبط بفعلية ظروفه، وليست أحكاما مطلقة تتعالى على شروطها التاريخية وفلسفة تشريعها)11. وذلك لإن حصانة النص، كما يعتقد الباحث الغرباوي، تجعل منه فضاء معرفيا مغلقا، يحد من خيارات قراءته وتأويله. ومهما تمادى الباحث في نقده، لا يجافي منطق النص ودلالالته ولوازمه، فيعود لتلك الثوابت والمحددات، يتحرك في مداراتها، في تماهٍ مستمر مع النص، وفي دوامة المراجعة والنقد لقبلياته حينما تصدم مسلماته بمنطق النص أو تأويلاته. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يتخلى العقل أمام انبهار الباحث الديني، أو لا أقل يلوذ بالصمت، ويبالغ في قداسة النص وقائله، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما يرفض الباحث المتحرر تلك الغرائبية حينما تناقض العقل والمنطق ويتعذر التأكد من صدقيتها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره، ولا يتوانى عن طرح الأسئلة والاستفهامات. فهو لا يتعقل وجود إنسان خارج الطبيعة البشرية مهما كانت قدسيته، أويكون  قادرا على اختراق القوانين الكونية12.

نفهم من كلامه المتقدم: أن قداسة النص سلطة موجهة لوعي الناس، ومرجعية معرفية نهائية. فالنص المقدّس هو الموجّه لحركة الفكر الإسلامي ومدياته عبر التاريخ. كما تبيّن أن النص المقدس لا يتحرك فقط بقيمته المرجعية، ولا بقداسته فقط، وإنما يتحرك ضمن منظومة معرفية، وجهاز مفاهيمي، تربطهما علاقة جدلية بالبيئة الثقافية والاجتماعية للمتلقي، الفرد والمجتمع. وكل واحدة من هذه المفردات هي سلطة بحد ذاتها، تعزز من قيمة المقدّس. فالفيلسوف واللاهوتي "المتدين" عندما يستغرق في تأمله النقدي، سرعان ما يعود لأحضان النص الديني تفاديا لأي فهم، يستفز يقينياته، وقد ينقلب على تفكيره حينما يتمرد، ويسعى لنقضه تماهيا مع عقيدته13.

الرواية ليست مجرد نص عادي، بل يعتقد ماجد الغرباوي انها: سلطة تحرك الفرد فور سماعه، وتفرض عليه موقفا وسلوكا يعزز قيمتها وسلطتها. وهي ليست مجرد نسيج لغوي بل يتلقاها المتلقي ضمن نظام معرفي متوارٍ، ومجموعة أنساق ثاوية في أعماقه، ودلالات تؤثر لا شعوريا، وبنية معرفية تتحرك في إطار مقولاتها. ويظهر هذا بوضوح على مشاعر المتلقي عندما تتحدث الرواية عن موضوع الآخرة أو عذاب القبر أو تحفز فيه روح النقد والندم وجلد الذات وطلب العفو والمغفرة والشعور بالذنب وتأنيب الضمير. أو التفاعل العاطفي مع المواقف التاريخية. كما أن تداعيات رفض النص أو التمرد على منطقه، لا تغيب عن ذهن المتلقي، فيندفع باتجاهه، من خلال حزمة مؤثرات، شعورية ولا شعورية. فعقوبة العاصي أخروياً يهتز لها جميع كيانه. فيكون تلقيه تلقيا مزدوجا. إيجابي باعتبار صدقية النص. وسلبي عندما يتمرّد عليه، ويرفض أوامره ونواهيه14.

والروايات خاصة الموضوعة كما اشار مرارا في كتبه وحواراته، ليس مجرد نص بل تتحول الى مرجعية فكرية وعقيدية، وهنا يتداخل المقدس بالبشري، ويأخذ الثاني صفحة الاول فيفرض هيمنته المرجعية، وهو ما يتوخاه الواضع من وضعه واختلاقه للرواية، وهذا هو الهدف الأساس وراء وضعها واختلاقها، لتكون أداة ماضية لاقناع الناس بمضمونها وقمع معارضيها. والنص المقدس هو الوحيد القادر على تحقيق هذين الهدفين معا، خاصة عندما يعتقد الناس بوجوب طاعته، امتثالا لله ولرسوله. وهذا هو سبب تقوّل بعض الرواة على الله ورسوله كذبا وزورا، خدمة لمصالح شخصية أو سياسية أو دينية. بل أن النصوص الموضوعة هي التي أدارت لعبة السياسة، وقلبت موازين القوى على طول تاريخ السلطة في الإسلام15.

لقد درس الباحث ماجد الغرباوي سلطة النص في الروايات وبحث قوة تاثيرها على المتلقي، ورصد كيف لعبت الروايات الموضوعة في تقديم فهم جديد للنص المقدس، بل وللدين كله، فالدين الان هو دين تراثي، وفهم بشري على قياسات الفترة الاولى، عصر الصحابة، ثم اخذت الروايات تزداد كلما ابتعدنا عن عصر النص كما يعبر الغرباوي. لذا يعبر عن قلقه بشان الروايات الموضوعة، فيقول: ورغم اكتشاف طيف واسع من الأحاديث الموضوعة، لكن بقي ما هو خطير منها عصيا على الكشف إلا وفق مناهج نقدية صارمة، قد تنفع نتائجها طبقة الواعين من الناس، لكنها لا تقنع الفقهاء، ومن يتعاملون مع النص بقدسية فائقة. سيما حينما تكون الرواية معتبرة صدورا، واضحة دلالة، وفقا لمناهجهم في نقد الحديث، بل حتى مع عدم وجود دليل على اعتبارها وصحة صدورها، يخشون رفضها، ويتعاملون معها برفق، كي لايتجرّأ، ويتخطى الخطوط الحمراء، أو يخترق مناطق محرمة، فتجد ديدنه الاحتياط في تعامله مع الروايات. لذا ما زالت سُنّة النبي توجه وعي الناس، رغم ما فيها من ضعف وتناقض مع آيات الكتاب الحكيم. ورغم تاريخيتها إلا ما ندر، وفقا لمسؤولياته كنبي ومبلغ وبشير ونذير16.

والخلاصة ان النص عند ماجد الغرباوي، ليس مجرد مفردات وجمل، بل هو نسق ثقافي، ونظام معرفي، وسلطة تستمد قوتها من أسلوب بنائه، وطريقة تركيب الكلام، وتشكيل دلالاته.  ففهم النص يتطلب عدة معرفية، تتنوع في أدواتها ومناهجها، تغور في أعماقه، لتكتشف طريقة اشتغاله وأدائه، والإطلاقات تعمق سلطته حتى لو كانت نصوص مكذوبة. فتارة لا يكفي التفكيك، بعيدا عن منهج التحليل، تبعا لقوة رمزيته وإيحائه. فالنصوص مخاتلة، مراوغة، تخفي أكثر مما تظهر، وتستدرج المتلقي بدلالاتها، لتخفي مدلولات لا تريد خضوعها لمنهج النقد، خاصة النصوص المقدسة التي اتصفت ببلاغتها، وقوة تعبيرها ورمزيتها. ففهم كل نص ينتج نصا جديدا، له معالمه، وأسلوب اشتغاله، في توظيف سلطته على المتلقي. ويتضح هذا جليا في فتاوى الفقهاء، واستنباطاتهم الفقهية. فالنص الجديد يتصل وينفصل عن النص الأول وفقا لخلفية القارئ / الفقيه مثلا، ومنهجه في فهم النص. وأكثر وضوحا في روايات تفسير القرآن، فإنها تحجب النص الأول وتحل محله، في سطوتها وسلطتها. سيما المنهج الأثري، الذي لا يجيز مقاربة النص القرآني مباشرة، بمعزل عن رواية تراثية تفتح مغالقه وأسراره (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). والراسخون بالعلم هم النبي وأصحابه. فيجب اعتماد الرواية في فهم آياته. وهذا الاتجاه لا يدرك أن النص الثاني يحجب النص الأول، ويغلق منافذ العلم والتأويل بسبب تاريخيته، وقبليات قائله. وهكذا بالنسبة للنص الثالث الفقيه / المفسّر17.

التأسيس لفعل النقد عند ماجد الغرباوي

 في الحقيقة ليس الدين في حد ذاته ما كان يسعى إلى نقده الباحث ماجد الغرباوي بل فهم معين وطريقة محددة في التدين. أي ذاك المعنى الذي رسخته الممارسة التاريخية والايديولوجية عبر عصور التاريخ الحضاري للشعوب الاسلامية، ويرى أنه ثمة حقيقة تاريخية وهي: أن النصوص المنسوبة للرسول لم تتوقف بعد وفاته، واستمرت تلبي حاجة المرجعيات الفكرية والعقدية والسياسية، فاشتملت هذه الاخيرة على اخبار غرائبية عن الخلق والموت، والحياة وحياة القبر والاخرة...، وراحت تفرض محددات وشروط للنجاة يوم المعاد. وذلك من خلال ما تقدمه من تفسيرات وتأويلات للكتاب الكريم، أو لتستقل عنه بتفصيلاتها فتؤسس لعقائد ورؤى جديدة فتفرض رقابتها على الحقيقة18.

فنجد أن هذه المذاهب والفرق لم تعد مجرد اختلافات إجتهادية حول المسائل الفقهية بل أصبحت تمثل قراءة وفهما للدين له خصائصه ومعالمه وقدرته على التنافس لاحتكار الحقيقة وسبل النجاة في الاخرة، فنجدان هذه الفرق اعادت قراءة الدين وفقا لرؤيتها، فأقر ماجد الغرباوي في حواره النص وسلطة النفي أن من يتابع تطور الفكر العقائدي عبر القرون الأربعة، و يدرس ظروف نشاتها، يصاب بالذهول حينما يكشف خداعها وأوهمها وبشريتها، فالعودة لتاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية بموضوعية وتجرد تام، يرصد بنفسه بشريتها وتاريخيتها واوهامها وخداعها من حيث التأسيس والوجود والإستمرار19.

وبإعتبار أن العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة وبسيطة وربما ساذجة ثم تتطور، فبعضها يموت وبعضها الأخر يقاوم التحديات عندما تجدد هذه الأخيرة خطابها فيصبح بذلك الدين نسخة مذهبية طائفية لا محالة20.

و لقد فحص ماجد الغرباوي هذا الخطاب في شكله التقليدي والمعاصر فوجده منغمسا في تصورات كلامية ايديولجية بعيدة كل البعد عن معاني الدين نفسه، من حيث كونها تكرس الجمود والجهل والتخلف بإسم قدسية مزعومة، وذلك ما يستوجب إعمال العقل للتأويل والنقد من جديد، فالدين بحد ذاته لا يقبل التشظي ولا الإختزال أو الإحتكار، له حقيقة واحدة وحقيقته الكبرى هي "الله"21.

 وبالتالي الدعوة للعودة إلى الدين بعيدا تمذهب الخطاب وطائفيته، فالخطابات الطائفية تشكل خطرا حقيقيا على المبادئ والقيم الإنسانية ولأن هذه الأخيرة تكرس الجمود والجهل والتخلف والدوغمائية وبالتالي يصف هذا الخطاب بأنه خطاب إقصائي ماكر، مخادع ينبذ الأخر ويتوارى خلف شعار التسامح22.

فنجد أن هذا المشروع النهضوي يؤسس لفعل النقد في صلب الفكر العقائدي الديني والذي لا يهدف إلى القطائع مع الموروث بل نقد عقلاني منهجي وأسلوب تأويلي فاحص تجاه ممكنات الخطاب الديني، والوقوف عند منطلقاته الايديولجية لفضح طريقة تأويل رواد هذا الخطاب من جهة وكذا تزييف آليات إشتغالهم وإستدلالهم عليها من جهة اخرى23.

فجاء هذا المشروع بغية تسليط الضوء على الطبيعة المنهجية إلى جانب الأفق النقدي في صلب هذا الخطاب، فنستشف انه مارس نوعا من الحفر في بنيته، فوجد أن الحادثة التاريخية بينت بوضوح تحول الصراع من المجال السياسي إنطلاقا من فكرة من الأحق بالخلافة شرعا إلى المجال الديني.

فعملت هذه المذاهب على تحطيم الدين وبنيته وهي ترفع شعاراته بما يخدم متبنياتها العقدية، و اختزلته في رموزها فتكون بذلك فهما جديدا للدين يصعب نقده او تفكيكه فاصبح من المواضيع المسكوت عنها أو من المستحيل التفكير فيها24.

فنجد ان عصارة هذا المشروع النهضوي للمفكر ماجد الغرباوي يتلخص في الدعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء والفرق المذهبية من جهة والتأسيس لفعل النقد داخل الخطاب الديني من جهة اخرى، وهذا النقد لا يمكن ان نؤسس له الا بمراعاة ماهو قابل للنقد وماهو ممتنع عنه، فهناك نص يتعالى على التاريخ، سرمدي، له قدسيته فيحتكر الحقيقة ويفسر الواقع، ألا وهو النص القرآني، وهو نص ينغرس في التاريخ وقد سبغت عليه المذاهب قدسية خاصة وهي السنة، وبالتالي فالنقد لا يكون نقدا للدين في ذاته، بل يكون النقد حول فهمه وقراءته في هذا الخصوص.

معضلة تأويل النص.. نصر حامد ابو زيد

 ان معضلة النص ترى فهما آخر مع قراءات نصر حامد أبوزيد، والشيء الذي أدهشنا في قراءاته، جرأته أولا، وكثافة معارفه لما تحمله من منابع متعددة ومختلفة، فحمولته المعرفية الكثيفة جعلت من تأويله تأويلا حيويا وغنيا، يفتح المجال أمام حوار مفتوح على الدوام ويرى أبوزيد أن قدرنا اليوم هو الإنفتاح على جميع مصادر المعرفة حتى مع تلك الوافدة من الغرب والتي باستمرار تضعنا أمام موقف الصدمة، ومن الضروري استثمار هذه الصدمة، خلافا لما حدث مع مفكري عصر النهضة، الذين غفلوا عن كيفية التعامل مع الراهن، فراحوا يضعون ثـنائيات تصادمية، جعلت من الفكر أكثر رجعية على الرغم من شعارات التقدم والطليعة… بحيث أنتج هذا الفكر صراعا كنا في غنى عنه، صراع ما هو قديم مع الحديث، والأصيل مع المعاصر، والسلف مع الخلف… لم نتعامل جيدا ولم نفهم واقعنا الذي كان نتاج الصدمة، لم نحاول فهمها فهما موضوعيا علميا "أو حتى فنيا" : مثل هذا الصراع ثبط عزائم العقل الإسلامي ومبادراته من أن يباشر في وضع مساهماته ومشاركته في بناء العالمية، وأجد تشخيص أبوزيد لمحاولات قراءته للتراث جد هامة فموقعنا في العالم، بالنسبة إليه هو موقع في حالة حوار جدلي مع الغرب، فسواء اخترنا من التراث أم اخترنا من الغرب فإن اختيارنا قائم أصلا على الحوار الذي يدعم موقعنا وإدراكنا مثل هذه الجدلية تخلصنا من حالة الفوضى التي يعاني منها النص التنويري في قراءاته الفكرية المعرفية، فالمتمحص في حالتنا الثقافية لا ينكر مثل هذه الفوضى .

 إن معضلة قراءة النص القرآني أصبحت تثير حساسية مفرطة أكثر من أي وقت مضى لدى قراء الإيديولوجيات المنفعية التي أعتقد أن ما يهمها من وراء ذلك فهم جوانبه السطحية فقط أما القراءات المعاصرة للنص فصنعت الحدث التنويري حسب إعتقادنا، فجرأة ممارستها لآليات القراءة تعدت حدود النص لتغوص في أغواره وحاولت كشف طبقاته المتوارية لمدة طويلة من الزمن25.

يقف نصر حامد أبوزيد وهو ليس بعيدا عن محاولات أركون في ممارساته التأويلية، يقف موقفا أكثر إجرائية، يبادر بمساعدته التراث ليس في شروحاته وتفاسيره، إنه لا يقف عند مرحلة التدوين بما حملته من بداية للإبداع والخلق، ولا يحاول نَعْيَ مرحلة الإتباع والتقليد لواقع العقل الإسلامي، بل يسعى إلى تشخيص كليهما إنطلاقا من التجربة المعاشة، إنه يقرأ النص القرآني مباشرة يطرح معضلة النص بالشكل التالي : كيف يمكن الوصول إلى المعنى الموضوعي للنص القرآني؟ وهل في طاقة البشر بمحدوديتهم ونقصهم الوصول إلى القصد الإلهي في كماله وإطلاقه؟ إن مثل هذه الأطروحات لا يمكن لأي معرفة معالجتها سوى القراءة النقدية وبآليات تأويلية وحدها بإمكاننا معالجة المعضلة، باعتبارها تقف بصورة جدية عند عناصر البنية المشكل منها فعل القراءة التي تطرح صعوبات حول (المؤلف / النص / الناقد) أو (القصد/ النقد/ التفسير)، ونلمح عبر هذه المعضلة الهاجس المؤرق لمفكرنا، كيفية الإسهام في بلورة وتأسيس معرفة عقلية بالنص القرآني (المقدس) إذ الملاحظ كما يقول أبوزيد : "أن ما يجمعنا نحن المسلمون موجود في النص، وينبغي التسليم بذلك، لكن الوصول إليه وبلوغه لن يكون إلا من خلال القراءة التأويلية، باعتبار التأويل العملية الأمثل للتعبير عن عمليات ذهنية على درجة عالية من العمق في مواجهة النصوص والظواهر"26.

 مقارنة واستنتاج

 ان ما يميز مشاريع القراءات التراثية الحداثية للنص على مستوى المنهج والتي يندرج ضمنها مشروع نصر حامد ابو زيد وماجد الغرباوي:

هو أن هذه المشاريع تسعى إلى إحداث قطيعة معرفية كلية مع كل الجهود التراثية السابقة للنص القرآني خاصة ما تعلق بمناهج التفسير التي سادت في التراث الإسلام، وهي مناهج كانت تحتكم للضوابط وتستند للشروط وتخضع للأصول والمرجعيات الحاكمة للتفسير، وعدم استثمار المداخل المنهجية التي جسدتها مقدمات كتب المفسرين القدماء، بحيث عكست هذه المقدمات جهود المفسرين المتمثلة في خدمتهم وقراءتهم للنص القرءاني تحقيقا وتفسيرا وبيانا.. وهي جهود جاءت نتيجة جهد متواصل وعمل مستمر وكبير وعناء طويل واستقراء مستمر ودؤوب ومتابعة مكثفة في تعاملهم مع النص القرآني في جميع مستوياته ومكوناته . وهو تعامل كان من آثاره وحصيلته وتجلياته تأصيل القواعد ووضع الأصول ورسم الضوابط لتكون منطلقا في التفسير ومسلكا هاديا لكل قاصد أو راغب في تفسير القرءان الكريم . وإبعاد كل القراءات التي لا تستند أو لا تحتكم إلى شروط وضوابط التفسير، ولا ترجع إلى الأصول الضابطة للفهم السليم، ولا تسترشد بالجهود العلمية الكبيرة التي بذلها علماء السلف وضعوها على شكل قواعد وكليات لتكون مقدمات منهجية ومداخل أساسية في تفسير القرءان الكريم . وهذه القواعد والكليات في مجملها تدعو بإلحاح إلى المراهنة على المنقول واعتباره هو الأصل والسند في التفسير، والاهتداء إلى المعقول واعتباره معينا في التفسير وتابعا للأصل وهو المنقول وخادما له......

 

 مشقق ابتسام – ماستر(2) فلسفة

جامعة باتنة - الجزائر

............................

1- ماجد الغرباوي: كاتب وباحث عراقي، رئيس ومؤسس المثقف العربي، اشتغل على موضوعات نقد الفكر الديني، التسامح، العنف، الاصلاح والتجديد....يسعى من خلال مشروعه الى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية والفكرية، حاز على عدد من الجوائز، له 25 عملا، كتب عن منجزه الفكري والثقافي العديد من النقاد والباحثين العرب والاجانب .

نصر حامد أبو زيد (10 يوليو 1943 - 5 يوليو 2010) أكاديمي مصري، وباحث متخصص في الدراسات الإسلامية ومتخصص في فقه اللغة العربية والعلوم الإنسانية.

2- ذكر ماجد الغرباوي هذه القاعدة الأصولية كثيرا في بحوثه ودراساته وكتبه. ووظفها بشكل علمي لاكتشاف تاريخية الاحكام الشرعية، وهذا بحد ذاته انجاز علمي كبير يحسب له. فكثير من الباحثين يريد الغاء النص المقدس وهذا غير ممكن لكن ماجد الغرباوي ابقى على النص المقدس واكتشف عدم فعليته عندما يتغير موضوعه بسبب الزمان والمكان وتغير الاحداث.

3- هذا عنوان دراسة تفصيلية يمكن الاطلاع عليها على الرابط ادناه:

http://www.almothaqaf.com/a/b9/885973

4- حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي، الحلقة (50). على الرابط ادناه

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/923967

5- ماجد الغرباوي، الصحابة ولعبة السياسية، على الرابط ادناه:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/923083

6- المصدر نفسه.

7- عثماني امال، تأويل النص الديني القرآني. مجلة الفتوحات، العدد2/2015

8- نصر حامد ابو زيد، مفهوم النص.. دراسات علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.المغرب، ط1، 2014.ص27.

9- نفس المصدر، ص28

10 - ماجد الغرباوي، النص وخطابات النفي، على الرابط أدناه:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/92387

11- ماجد الغرباوي، النص وحرية النقد، على الرابط ادناه:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/923539

12- المصدر نفسه.

13- المصدر نفسه.

14- المصدر نفسه.

15- المصدر نفسه.

16- المصدر نفسه.

17- المصدر نفسه.

18- ماجد الغرباوي، النص وخطابات النفي، مصدر سابق.

19- المصدر نفسه.

20- المصدر نفسه.

21- المصدر نفسه.

22- المصدر نفسه.

 23- المصدر نفسه

24 - المصدر نفسه.

25 - المصدر نفسه.

26- الحسين اخدوش، نقد الخطاب الديني المعاصر في ثوبه الاسلامي.. قراءة في تجربة حامد ابو زيد، يونيو 2016

 

 

hatam hamidmohsin2كتاب "مفهوم السلطة" لـ الكسندر كوجيف (1) يُعتبر من الاضافات الهامة للدراسات الفلسفية للسلطة وهو كتاب تدريسي ضروري لفهم الفكر السياسي لكوجيف. وعلى الرغم من ان محاضرات كوجيف الهامة (1902-1968) حول فينومونولجيا الروح لهيجل كان لها تاثيرا كبيرا على فلاسفة القارة كـ جاك لاكان، جاك دريدا، جين بول سارتر، والفلاسفة الامريكيين كـ ليو ستراوس، لكن هذا الكتاب كُتب في المقام الاول للجمهور السياسي الاوربي اثناء الحرب العالمية الثانية. الكتاب تمت قراءته بعناية الى جانب الدراسات الفلسفية اللاحقة في موضوع السلطة مثل كتاب ماهي السلطة لهانا ارندت، ودراسة حول السلطة لهربرت ماركوس لأن الدراسات الثلاث سعت مجتمعة لإعادة السلطة مجددا الى الحياة السياسية والاجتماعية بطرق لا تبرر الاضطهاد او البطرياركية او التقليدية. وعلى الرغم من عناوين الدراسات الثلاث، لكن كتابي ارندت وماركوس لا يقدمان تعريفا فلسفيا للسلطة بينما يقدم كوجيف تعريفا واطارا لفهم كل نوع من انواع السلطة. يبدأ كوجيف اولا بتعريف عام للسلطة ثم ينتقل الى ثلاثة اصناف تحليلية متميزة للسلطة على المستوى الفينومولوجي والميتافيزيقي والانطولوجي. الاطار الذي يطوره كوجيف هو بالنهاية اطارا علميا. هو يلاحظ ان هناك 64 نوعا مركبا من السلطة تضم اربعة انواع نقية و11 نوعا مركبا من هذه الانواع الاربعة. بعد ذلك يتابع كوجيف عمله هذا بوضع استنتاجات تتعلق بالسلطة في السياسة والاخلاق والسايكولوجي.

تعريف كوجيف الاساسي للسلطة هو ان السلطة تعني القبول الحر والواعي للفرد لأوامر فرد آخر . يرى كوجيف ان جميع السلطات تعود في اصلها الى ما يسميه السلطة الدينية (divine Authority) او سلطة الاب، وهو يعرّف السلطة الدينية كـ "اي شيء يستطيع الفعل تجاهي دون ان تكون لديّ الامكانية للتصرف" (ص12). النقطة الاساسية في هذا التعريف هي ان الفعل السلطوي الحقيقي لا يواجه اي معارضة من اولئك الذين تُفرض عليهم ، وبهذا هي تختلف عن ممارسة الحق الذي فيه يمكن مواجهة نوع من المعارضة. من الضروري ملاحظة انه مع ان ارندت وماركوس يفضلان التعريف السلبي للسلطة فان كوجيف يميل للتعريف الايجابي وهو التعريف الذي يمكن استخدامه سياسيا اثناء الحرب العالمية الثانية.

1200 hatamاربعة انواع من السلطة

حدد كوجيف اربعة انواع "نقية" للسلطة: سلطة الاب، سلطة السيد، سلطة القائد ، سلطة القاضي. كل واحد من هذه الانواع الاربعة له مدرسته الانطولوجية والميتافيزيقية والفلسفية المتميزة . الشكل الاصلي للسلطة هو ديني، وهو المفهوم الذي طُور من جانب الفلاسفة التدريسيين في العصور الوسطى. كانت السلطة في الشطر الاكبر من التاريخ الغربي تعني في الاساس حكم الله للفرد والتي يمكن تشبيهها بسلطة الاب على الطفل. وبمعنى اخر ان سلطة الاب هي بالنهاية نوع ثيولوجي للسلطة لأن الاب عند ممارسته السلطة على الطفل فهو يمثل او يحل محل السبب الاصلي للكون كنوع بديل للاله. يرى فلاسفة القرون الوسطى ان لكل سلطة بشرية معناها ومصدرها الديني. مع موت الاله ، حلّت السلطة العلمانية للاب محل المصدر الديني للسلطة، رغم ان كوجيف لم يطور هذه الفكرة.

النوع الثاني النقي للسلطة هو سلطة السيد والتي طوّرها هيجل في ديالكتيكية السيد-العبد . نظرية هيجل هي التفسير الفلسفي الاكثر تطورا للسلطة. غير ان ضعف النظرية يكمن في حقيقة ان هيجل رأى كل اشكال السلطة مشتقة من علاقة السيد – العبد، مما ادى الى اختزال السلطة الى العلاقة بين السيد والعبد، ولامجال لنظرية متميزة للاب او للقائد.

ان مساهمة هيجل الاكثر اهمية في فهم السلطة تأتي من الدور الذي وضعه لـ "المخاطرة"، حيث نجد في ديالكتيكية السيد- العبد ان السيادة تبرز من الصراع حتى الموت لأجل الاعتراف: العبد اختار الخضوع بدلا من الموت، بينما السيد مستعد للمخاطرة بحياته لكي يُعترف به. غير ان العبيد سوف لن يخضعوا الى الأبد. سلطة السيد تفترض سلفا امكانية الحرب والثورة الدموية، وبهذا فهي تفترض ضمناً اختفائها الحتمي (ص82)، وبذلك فان المخاطرة بالموت هي التي تجلب السيادة.

وفقا لنظام كوجيف، وبسبب صراع السيد حتى الموت وما ينطوي عليه من مخاطرة الثورة والحرب، فهو يقود ايضا الى شخصية القائد وهي النوع الثالث من السلطة الخالصة . بالنسبة لكوجيف يرى من الضروري للدولة ان تكون لديها مرحلة من العلاقات بين السيد-العبد. ان مفهوم سلطة القائد طُور اول مرة من جانب ارسطو. كوجيف يرى ان القائد يتضمن اشخاصا مثل قارئ الكف ، النبي، الكاهن والموجّه، المشرف، السيد على التلاميذ (ص19-23). ان سلطة القائد ترتكز على خطة موجهة نحو المستقبل او على فكرة يدعو لها القائد. ورغم ان سلطة القائد ربما تأتي عن طريق الانتخابات ، لكن من الضروري ملاحظة ان الانتخابات ذاتها لاتمنح السلطة ، وانما السلطة تتجسد سلفا في الشخص المرشح: الانتخابات ببساطة ليست اكثر من إظهار علني لهذه السلطة، ومن الضروري ان لا تلتبس السلطة مع الاشارات الخارجية للاقرار بها.

اما النوع الرابع من السلطة الخالصة هو سلطة القاضي، التي يضعها كوجيف في خط واحد مع نظرية افلاطون في العدالة. يرى افلاطون ان السلطة التي لا ترتكز على العدالة هي زائفة، واي سلطة غير "السلطة كعدالة"هي ليست اكثر من قوة قمعية.

ان اي نوع منفرد من الانواع الاربعة للسلطة لا يعطي تفسيرا تاما للسلطة لأن كل نوع تطور في الاصل كطريقة لوصف عالمي للسلطة . لكن انطولوجيا هيجل في السلبية والكلية ركزت فقط على سلطة السيد بنفس الطريقة التي اتبعها ارسطو في تفسير سلطة القائد(ص57)، او الطريقة التي اتبعها التدريسيون وافلاطون في فهم النوعين الاخرين من السلطة. لكن النظرية التامة للسلطة يجب ان تتناول جميع الانواع الاربعة مجتمعة.

السلطة والدولة

 حاول كوجيف فهم الكيفية التي تعمل بها الدولة بدون السلطة الدينية وسلطة الاب. هو يبدأ بمهاجمة "نظرية العقد الاجتماعي"- الفكرة بانه لكي يتمتع افراد المجتمع بفوائد هذا المجتمع فان اعضاء المجتمع يدخلون باتفاق غير مكتوب لطاعة القوانين السائدة فيه. جان جاك روسو في عقده الاجتماعي (1762) ومن خلال فكرة الرغبة العامة يعطي الاكثرية نوعا من السلطة تمنح الافضلية لعموم المجتمع على حساب اجزاءه. يرى كوجيف ان نظرية العقد الاجتماعي ترتكز على فكرة ان المجتمع متأسس على واقعه المادي (الاقتصادي)، والذي بدوره يعني ان المجتمع مرتكز على خصائص وراثية ويمتلك في ظل الاضطهاد سلطة الاب.

في الحقيقة، فكرة السلطة المنطوية على الرغبة العامة لروسو هي سلطة الاب مندمجة مع سلطة القاضي. يرى كوجيف ان نظرية العقد الاجتماعي ترتكز على اندماجية الاب والقاضي، لكنها لم تتطرق الى سلطة القائد. كوجيف يفضل القائد على الرغبة العامة التي يراها لاتزال مرتبطة بالتقاليد وتسعى للحفاظ على هوية الجماعة.

يسعى كوجيف الى إبطال ثلاثة مظاهر لنظرية العقد الاجتماعي:

1- هو يريد ادخال دورا جديدا لسلطة السيد والقائد في المجتمع.

2- صراع السيد حتى الموت يقود الى الثورة او الحرب، وبهذا فان مرحلة جديدة من علاقات السيد - العبد هي ضرورية للمجتمع. سلطة روسو في الرغبة العامة تفتقر الى صراع السيد تجاه عبده.

3- احد اخطار نظرية العقد الاجتماعي هي اننا لو قبلنا سلطة الاكثرية فان سلطة القاضي ستختفي.

في الحقيقة، ان القاضي يضع نفسه بالضد من سلطة الانواع الثلاثة لأنها اذا كانت عادلة فسوف لن تكون هناك حاجة للقاضي (ص51). في القسم الميتافيزيقي من السلطة، لاحظ كوجيف ان كل الاشكال المؤقتة للسلطة وُضعت ضد اسلوبها الديني الأبدي، لأنه طبقا لتعريفه للسلطة ، فان كل السلطات يجب ان تُشتق من حالة يكون فيها رد الفعل المضاد غير ممكن . لذا فان مصدر سلطة القاضي ، مثلما سلطة الاب، هو خارج الزمن. القادة التوتاليريون مثل ستالين وهتلر ليس لديهم السلطة الابدية للاب ماعدى السلطة المؤقتة للقائد، ولكن لسوء الحظ ان سلطة القاضي لم تُحدث اي تأثير فيهما. هما قد لا يمتلكان سلطة ابدية لكنهما يمتلكان السيادة من خلال رؤيتهما للمستقبل.

ان القائد ينال سلطته من خلال الثورة (حتى لو كانت ثورة برجوازية). البرجوازية تريد ان تنسى اصولها لكي تتخلى عن ماضيها المشين ، وبهذا هي تزيح سلطة الاب (ص64) عبر التخلص من حكم الاقلية والكنيسة: "ازاحة سلطة الاب تكتسب سمة ثورية اكيدة": النظرية "المؤسسية"تولد من روح الثورة والتمرد وتخلق الثورة "البرجوازية" بقدر ما تستطيع"(ص64). هذه الفكرة عن الثورة البرجوازية يجب اعتبارها كتطوير كوجيفي لفكرة هيجل عن نهاية التاريخ والانسان الاخير . الازاحة تقود الى سلطة القائد والى عصر هيمنة البرجوازية واهتمامها فقط في الحاضر(هذا يفسر اهتمام البرجوازية الكبير في الطعام والجنس). ولكن في النهاية هذا الحاضر يفشل لأنه لا يمتلك ماضي ولا مستقبل.

ما الذي يتبقى من السلطة بعد الازاحة – السلطة التي حُرمت من عنصر "الاب"؟ كوجيف يلاحظ ان نوع "السيد والقاضي" يعطينا الشكل اللينيني البلشفي للسلطة، بينما نوع "القائد/القاضي"يعطينا النسخة الهتلرية ، فيما تشكل الامبريالية البرجوازية "القاضي والقائد"(ص68).

مشكلة اخرى تبرز في سياق ازاحة سلطة الاب هي انه عند ازالة عنصر الاب فان القاضي ينصّب نفسه ضد السادة، هذا يؤدي الى العودة لـ "عدالة الطبقة". ايّ ثورة بدون استقرار القائد والسيد والقاضي فانها محكوم عليها بالفشل لأنها لا تمتلك توازنا. هذه الحاجة للتوازن تتضح في قول كوجيف :"ان سلطة القائد المعزولة عن سلطة السيد تأخذ سمة "طوباوية": التشريع المنفصل عن التنفيذ يشكل يوتوبيا ليس لها اي ارتباط بالحاضر (اي يمكن القول انها تفشل في استمرارية عملها في الحاضر)، وانه في انحداره يسحب معه وبقوة السلطة التي انتجته – ومعها ، الدولة ذاتها في شكلها "المنفصل"(ص75).

ان الحل الذي يعرضه كوجيف لمشكلة التوازن في السلطة والذي يمكن قراءته كمقاربة للموقف في فيشي الفرنسية تحت الاحتلال النازي يسميه الثورة الوطنية. هذه الرؤية الموجهة للثورة من القائد هي ليست طوباوية لانها ضد الحاضر وترفض اعادة استخدام الماضي المجيد. لكن يجب عدم اعتبار هذه الرؤية للثورة مشابهة لثورة المارشال بيتان في ظل نظام حكومة فيشي (2) صاحبة شعار"العمل، العائلة، ارض الاب". فكرة بيتان للثورة مخالفة لرؤية كوجيف لأنها بقيت مكبلة بسلطة الماضي وبنموذج الاب. وفي نفس الوقت، حقيقة ان كوجيف يؤيد دولة قائمة على نموذج سلطة"السيد-القائد" يعني ان الدولة يجب ان تتأسس على ديالكتيكية السيد-العبد: اي على الثورة. لكن مظهرا تقدميا يتجسد حين يضع سلطة اعلان الحرب بيد ما يسميه "جمعية حقيقية" – كونغرس – كهيئة مؤلفة من اشخاص- وبهذا لا تختلف كليا عن سلطة الافراد المؤثرين.

 

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) كان كوجيف فيلسوفا فرنسيا، ولد في موسكو عام 1902 وتوفي في بلجيكا عام 1968.كان لمحاضراته الفلسفية تاثيرا بارزا على الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، خاصة دمجه لمفاهيم هيجل مع الفلسفة القارية. ونظرا لكون كوجيف قطباً بارزا في الحكومة الفرنسية، فهو كان سببا في خلق الاتحاد الاوربي. كتابه "مفهوم السلطة"كُتب في الاربعينات من القرن الماضي في فرنسا تحت الاحتلال النازي، ثم تُرجم الى الانجليزية لأول مرة عام 2014 في 224 صفحة عن دار فيرسو للمطبوعات. هذا الكتاب يشكل الحلقة المفقودة في اي نقاش حول السيادة والسلطة السياسية.

(2) فيشي الفرنسية Vichy France اسم يطلق على المقاطعة الفرنسية تحت حكم المارشال فيليب بيتان اثناء الحرب العالمية الثانية. انها مثّلت "المنطقة الحرة"غير المحتلة في الجزء الجنوبي من البلاد. في الفترة 1940-1944 وعندما كان نظام فيشي هو الحكومة الاسمية لكل فرنسا ، قامت المانيا باحتلال القسم الشمالي من فرنسا. وهكذا، مع ان باريس بقيت عاصمة لفرنسا، لكن مدينة فيشي التي تبعد 360 كيلومتر جنوبا ظلت عاصمة الجنوب غير المحتل.ولكن في شهر نوفمبر 1942 جرى ايضا احتلال الجنوب الفرنسي عسكريا من جانب المانيا وايطاليا. حكومة فيشي بقيت في الوجود ولكن باعتبارها دولة خاضعة لالمانيا النازية. ولاحقا قام بيتان بتأسيس نظام سلطوي حيث ان الجمعية الوطنية الفرنسية كانت قد منحته سلطات مطلقة في 10 جولاي عام 1940 وهنا جرى حل الجمهورية الثالثة . قامت حكومة فيشي بالغاء العديد من السياسات الليبرالية، حيث شددت الإشراف على الاقتصاد وجعلت التخطيط مركزيا، ثم قلّصت نقابات العمال وألغت حرية المرأة وفرضت رقابة صارمة على الإعلام. اخيراً ألغيت حكومة فيشي في اواخر عام 1944 عندما استطاعت قوات دول التحالف تحرير كامل الاراضي الفرنسية.

ali mohamadalyousif1. هل للفلسفة مستقبل؟: الفلسفة ضرب من ضروب المعرفة البشرية، او مايطلق عليه الانساق الفلسفية الفكرية التي عنت بالوجود الانساني كموجود في الطبيعة وعلاقته بها وبالكوني والآخر والمجهول والميتافيزيقيا. هذا على الاقل السائد في تأكيد ان الفلسفة لم تكن (علما طبيعيا) يوما ما وليس بمقدورها مستقبلا، وانما هي تبقى نسق لغوي منطقي متعالي نخبوي. وقد تداخلت الفلسفة من جهتها، والعلم الانساني غير التجريبي الطبيعي من جهته مع كل ضروب وانساق المعرفة البشرية الاخرى، فأخذنا ندرس علم الانثروبولوجيا، وفلسفة الانثروبولوجيا، ومثل ذلك علم وفلسفة الدين وفلسفة وعلم التاريخ وكذا مع الاجتماع والنفس وهكذا بما لايحضرنا حصره.علما ان صفة العلم الملتصقة بهذه الضروب المعرفية والانساق الفكرية هي غيرها علمية علوم التجريب المخبرية والرياضية الطبيعية، العلوم الطبيعية التي تحكمها رياضيات التفكير والمعادلات التي تنسحب على التجربة العلمية في اثبات واقعية وعقلانية صحة الافكار او النظريات من عدمها اوضحالتها وعدم الاخذ بها.امثلة ذلك ان المعادلات في الرياضيات والفلك والفبزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها في العلوم الطبيعية ليست فلسفة.

2. ذاتية النسق الفلسفي:

ثمة جملة مواصفات طبعت التفكير الفلسفي الانساني منذ عصور ما قبل التاريخ الميلادي اليوناني القديم، وصولا الى مابعد الميلاد بمجيء سقراط وافلاطون وارسطو و فلاسفة عديدين غيرهم يتمايزون بالاهمية في تاريخ الفلسفة.

اهم تلك الصفات ان النص الفلسفي (بنية) انشائية (ذاتية) وليست موضوعا مستقلا، بمعنى انها خاصية انسانية فكرية وجهد ابداعي منفرد لمؤلف، وان الفلسفة تلتقي كثيرا مع فكرة انها شكل من اشكال التعبير الثقافي او حتى الادبي - الفني. وذاتية المعرفة الفلسفية تلتقي بضروب الفكرالابداعي اللغوي الاخرى، وتتشابه معها من حيث مصدر الخلق والمنشأ، كما هي في النص الاسطوري او الميثولوجي او القصص الديني اوالسرد التاريخي او الادبي والفني.فهذه جميعها انتاجية ابداعية (ذاتية) تنسب لمؤلفها او منشئها، وبهذا المعنى يكون النص الفلسفي بنية معرفية فكرية انسانية، مولّدة للافكار الشارحة والناقدة والمضيفة. شأنها شأن اي نص ابداعي كتب ويكتب في مجالات السرد المعرفي والجمالي والثقافي الخاضع لسلطة التناول النقدي الشارح والتفسير والتأويل. من هنا تكون البنية الفلسفية الانشائية تمتلك ذاتيتها (الآنية) في تناولها وتداولها الحاضروالماضي. بمعنى ان جميع المحاولات والمعالجات الفلسفية حاضرا لم ولن يكن بمقدورها اوبمستطاعها دفع الفعالية الفلسفية ان تشكل لها حضورا مستقبليا دائما كحقائق فكرية لا يمكن دحضها وتفنيدها. او حقائق تمتلك حيوية التواجد عبر العصوركفعالية دائمة التأثير حاضرا وفي المستقبل. مؤلفات فلسفية هامة شغلت التفكير الفلسفي طويلا لم يعد لها اي حضور او اهتمام في الوقت الحاضر. ومن الطبيعي جدا ان تتجه الفلسفة المعاصرة دوما في محاولتها سحب التفلسف الماضوي الى رقعة الحاضر والاعتياش على تفسيره بنوع من التكرار والاجترار والاعادة باكثر مما يحتمل (النص) ، الذي يحكمه منحيين، :

منحى احتفاظ النص الفلسفي بحيوية الماضي و نقد الحاضروليس حضور المستقبل فيه، وان ما تسحبه الفلسفة اليوم وتناقشه على انه مفاهيم فلسفية من الماضي هو في حقيقة الامر يمثل (مستقبلا) للنص الفلسفي نتداوله حاضرا فقط. والمنحى الثاني ان النص الفلسفي مكتف (بذاتيته ) التي لا تصلح ان تكون تفسيرا لعالم متغير بوتيرة عالية سريعة جدا، يقودها العلم بجدارة واستحقاق لا ينازعه احد تلك السلطة، تلكم هي تطورات العلوم الطبيعية في كل مجالات الحياة الطب والذرة والتكنولوجيا والهندسة الوراثية والفلك وهكذا.

3. نخبوية التفلسف:

هل ننساق مع الآراء التي تذهب ان التفلسف قيمة مفارقة، وان الفلسفة انفصلت منذ نشأتها عن الحياة الواقعية التي تسير الامور بها (علميا) في غير ما حاجة الى الفلسفة، وان الفلسفة لم يعد لها ذلك التأثير والاهتمام في حياة اليوم وتشكيل ملامح العصر؟! وان ما قيل في الفلسفة عن الانسان والوجود والماهية والجوهر والموت، .والظواهر الطبيعية المؤثرة والفاعلة في ذلك الوجود استنفدت نفسها ولا مجال في مكابرتها ومزاحمتها العلم الطبيعي التجريبي، وان ما استهلكته الفلسفة مفهوميا عن الوجود والماهية والحياة والانسان لم يعد يشكل اهتماما في عالم المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة الفكرية والمعرفية وفي عصر العولمة، مقارنة و قياسا مع اي منجز علمي نقل البشرية طفرات نوعية مطردة ونامية متطورة على الدوام متجددة بالافعال وليس بالافكار المجردة في تفسيرها الواقع كما تفعل الفلسفة.

اذا توخينا الدقّة اكثرفأن الفلسفة كضرب معرفي نخبوي، لم يعد يلق اهتماما سوى في المنتديات و الصالونات والمؤسسات الثقافية التخصصية ومراكز الابحاث والمجلات المنعزلة في غالبيتها تماما عن مؤثرات المسار الحيوي الحضاري العصري وانعدام قدرة الفلسفة الاسهام بصنعه، ونخبوية البحوث الفلسفية تلتقي مع الانسانيات البحثية التي لم تعد لها اهمية اكثر من اهتمامات صالونات مغلقة ومؤسسات جامعية تمنح وتصدّر شهادات واطاريح دراسية اكاديمية لا تغني ولا تسمن من جوع واكثرها قيمة دالة لها هي في اضفاء المكانة التدريسية للاستاذ.واغلب تلك الاطاريح والدراسات لا قيمة لها في دراسة هذا الفيلسوف او ذاك، في جنبة او اكثرلا مجال الاضافة لها، استنفدت نفسها وكذا الحال في الدراسات الادبية والتاريخية والتراثية في تراكمها الكمي الذي تختزنه المكتبات والارشفة المتحفية، ولا يمتلك قيمة علمية في حياة المجتمع، او اية اسهامة في تغييره.ويجري التمويل من المؤسسات الجامعية ومراكز البحوث.

نخبوية التفلسف والمفاهيم الفلسفية خلال ما يزيد على الفي عام واكثر، بقيت السمة الذاتية تحسب للفلسفة على انها افكار متعالية على الفهم والاستيعاب الجمعي، لكن المفارقة اليوم هي ان تلك النخبوية المتعالية اصبحت مثلبة في تعطيلها الاستيعاب الجمعي والتوظيف العملاني في تقدم الحياة.بخلاف ماتنجزه العلوم الطبيعية في تقدم الانسان المعاصر والتقليل من معاناته وتذليل صعوبات الحياة امامه.

4. بين الفلسفة والعلم:

من الملاحظ جيدا ان جميع ضروب المعارف الانسانية او مايطلق عليها للتفخيم العلوم الانسانية، بضمنها الفلسفة وانساق الفكرالمعرفي المجردة الاخرى، تلجأ الى نوع من التعاضد الانتشالي المسعف احدهما للآخر، سواء بالتبعية او الانضمام اوالتمازج بين بعضها البعض في الاشتراك بمعالجة قضية او اكثر.فاخذت الفلسفة تزاحم ما يطلق عليه (علوم) الانسانيات والمنهجيات، في دراسة التاريخ او الاجتماع اوالسياسة بما يسمي اليوم الفلسفة السياسية، او فلسفة او علم الاقتصاد او فلسفة او علم التاريخ (لاحظ التداخل بين كلمة فلسفة وكلمة علم) ، وهكذا مع الهوية الثقافية، وفلسفة وعلوم الاديان الى آخر القائمة من امثلة التداخل التوظيفي والدراسي على صعيد المنجز الاكاديمي المعرفي الصرف. (فلسفة اوعلم كمنهج في اعادة دراسة ضرب معرفي او اكثر) .

هذا التداخل التوظيفي بين الفلسفة وعلوم الانسانيات، هو بخلاف ما تحضره العلوم الطبيعية على نفسها وترفضه، كفيل بافقاد الفلسفة اية قدرة على النزوع المستقبلي وفي ادامة حياتها المعاصرة، بفاعلية التأثيرفي ان تكون لها فعالية فلسفية مستقبلية مكتسبة تشير الى حضورها الحيوي الدائم في مصنع الحيوية البشرية التي يتسيّدها ويقودها العلم التطبيقي التجريبي الطبيعي منفردا ومتقدما كل ضروب المعرفة الاخرى واهتماماتها.

بهذا الفهم الذي المحنا له، هل يحق لنا الجزم ان مفاهيم الفلسفة العظيمة، انتهت مكتفية بذاتها على ايدي عظام الفلاسفة هيراقليطس، سقراط، افلاطون، ارسطو، ديكارت، نيتشة، هيدجر، وسارتر، وآخرين؟! في تناولهم الوجود الانساني فلسفيا من كافة جوانبه واشكالياته التي استولدت شروحات واضافات تراكمية ونوعية على مدار عصور طويلة من التناول والتداول المعرفي.وحتى مفاهيم الميتافيزيقيا المرتبطة بالفلسفة تم السخرية منها الهزء بها في وجوب مجاوزتها ومغادرتها لانها اصبحت شغل من لا شيء عملي يشغله في الحياة.

هل بامكان الفلسفة ان تصبح علما طبيعيا من غير ان تفقد كل امتيازاتها عبر العصور؟

ان انتفاضة عصر التنويرفي القرن الثالث عشر الميلادي، وعصر النهضة وعلمنة الحياة في اوربا، لم يكن بتأثير ( فلاسفة ) عصر التنوير وجهودهم (وحدهم) ، وانما كانت الانتقالة الحقيقية الواقعية بفضل (علماء) عصر التنوير امثال كوبرنيكوس و نيوتن وغاليلو وبرونو وكبلر ومن على شاكلتهم من علماء الطبيعة والفلك والرياضيات وصولا الى داروين وفرويد وليس انتهاءا بانشتاين.وبجهود هؤلاء العلماء الصفوة كان الفضل الاكبر في التقدم وفي السبق وتحقيق التقدم العلمي والحضاري لعموم البشرية وليس اوربا وحدها.ان عظمة هؤلاء العلماء غير الفلاسفة ليس فقط انهم قلبوا مفاهيم علوم الفلك والرياضيات والطب والنفس وغيرها التي كانت سائدة، بل عظمتهم في وضعهم حدا لوصاية اللاهوت الكنسي الديني على واقع الحياة كل الحياة وتحريرها اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وخلاصها بحرية الاجتهاد والابداع.

ومن هنا كانت اهمية الحاجة في الماضي والحاضرعندنا، ضرورة رفع وصاية وجبروت الفكر الديني المتزمت في تقاطعه، بالضد من العلم ومنجزاته واشاعة التفكير العلمي، ان ياخذ دوره في تشكيل حياتنا المعاصرة حاضرها ومستقبلها.

وعبرة تخلفنا في الماضي وعجزنا والى يومنا هذا ان فلاسفتنا العرب المسلمين اخفقوا قديما في تحقيق ما استطاع قدامى الاوربيين تحقيقه، حيث كانت ولا تزال وصاية الفكر الديني الرجعي عندنا، وسيلة الحاكم الغاشمة في القمع والهيمنة الوحشية، على حملة افكار التنوير والتقدم، ورميهم بتهمة الزندقة والكفر الجاهزة في وجه من يجرؤ تشخيص العلّة والداء.بما يشبه محاكم التفتيش التي سادت اوربا القرون الوسطى وربما اقسى..

مفارقة هذه الحقيقة التاريخية نجدها عندنا ولدى غيرنا من الشعوب التي ظهر فيها فلاسفة عقلانيون كبار لكنهم اخفقوا من تحقيق نهضة حضارية لشعوبهم او لغيرهم من امم وشعوب الارض.

ظهر عندنا نحن العرب المسلمون فلاسفة تنوير عظام بدءا من الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وجابر بن حيان وابن رشد وغيرهم نتنّطع اليوم بانهم كانوا (عقلانيين) مؤثرين وسطاء في نهضة اوربا لكنهم اخفقوا بنهضة امتهم. متناسين في مكابرة عقيمة اننا لم نكن نمتلك علماء امثال كوبرنيكوس او نيوتن او غاليلو او برونو الى جانب هؤلاء الفلاسفة التنويريين. الفرق الذي حصل في اوربا ان عمل الفيلسوف اكمله عمل العالم، في حين لم يستطع فلاسفتنا تحقيق نهضة تنويرية تقدمية عندنا متكاملة عمادها مزاوجة الفلسفة و العلم.لان كل جهود الفلاسفة المسلمين كانت منصّبة على ايجاد توافق تلفيقي افتعالي بين الفلسفة والدين وتزكية هيمنة الدين على الفلسفة وقيادته لها، وليس الربط بين الفلسفة والعلم في تكامل تنويري نهضوي يشاكل ما حققته اوربا في ترابط العلم والفلسفة.

ألم يكن عندنا المعتزلة واخوان الصفا؟ الم يكن بيننا ابن رشد؟ من الذين نادوا بعظمة العقل. الم يتسلم الراية الطهطاوي وخير الدين التونسي والافغاني ومحمد عبدة وعشرات غيرهم من بعدهم دعوا الى نهضة الامة وذهبت جهودهم ادراج الرياح في تأكيد حقيقة ان الفلسفة والمفاهيم العزلاء من غير تطبيق واقعي علمي لا يجعل من الفلسفة علما يقود الحياة كما حصل في التجربة الاوربية التي حققت لشعوبها نهضة حضارية غير مسبوقة في التاريخ بفضل اسبقية العلم التجريبي على الفلسفة، او في تلازمهما معا.

المهم ان اوربا اليوم لا تحتفي بالفلسفة احتفائها بالعلم في معترك الحياة، وتراجعت المفاهيم الفلسفية القديمة لنستلم نحن الراية في المعارف والعلوم الانسانية فقط من غير العلوم الطبيعية التطبيقية، في الاطاريح والمنتديات والجامعات والبحوث، بما غادرته ليس اوربا وحسب ولكن اليونان المعاصرة مبتدأ ومنتهى الفلسفة القديمة ومستودع الارث الفلسفي العالمي، التي تستجدي العالم اليوم في ضائقتها المعيشية والمالية والاقتصادية ولا يشفع لها كل ارث الفلسفة التي امتلكته. ..من المؤكد الواضح اني لا ادين الفلسفة كمنهج في التفكيرالمعرفي ان يفقد معناه وحاجة الانسان له، ولكن تحّفظي اننا ربما نعتمد المفاهيم الفلسفية والانسانيات عوضا عن ميادين العلم التطبيقي في نشدان وتحقيق نهضتنا المرجوة وفي ذلك عقم المسعى والهدف، في تصورنا القاصر ان بحوث الانسانيات كفيلة بتحقيق نهضة حضارية وهو مالم تشهده البشرية في اي بقعة او عصر ولا في اوربا لا قديمها ولا حاضرها.

امام عجز الفلسفة الكلاسيكية القديمة ان تضيف جديدا متطورا بالحياة، لجأت المفاهيم الفلسفية الحديثة والمعاصرة تنحى منحى الاعتياش التكاملي مع اللغة والالسنيات، والحفرالمعرفي الاركيولوجي، وانثروبولوجيا الحضارات والاديان وغيرها.ولجأت الفلسفة الحديثة الى مغادرة الاهتمامات الفلسفية الكلاسيكية القديمة التي اصبح اجترارها مؤونة الاطاريح والبحوث الجامعية والدراسات في تناولها مواضيع لم يكن في وارد عناية واهتمام الفلسفة الكلاسيكية القديمة بها كالجنس والهوية والتواصل والمهمّشين بالحياة كالمجانين والمصّحات.و من مواضيع اهتمامات الفلسفة اليوم مفهوم حقوق الانسان، صدام الحضارات وحرب الثقافات، ظاهرة الارهاب، التواصل بين المجتمعات، الحاسوب والانترنيت، الفضاء العمومي للنقاش (هابرماس) ، نظرية العدالة والدول المارقة (جون راولز) ، البيئة المعاصرة والعدالة المناخية وغيرها. كل هذه المواضيع التي تشغل الفلسفة المعاصرة لا يربطها مع كلاسيكيات الفلسفة القديمة اي رابط يعتد الاخذ به، وغريبة جدا على اهتمامات الفلسفة القديمة بشكل قاطع.

5. الفلسفة الماركسية والفلسفة الذرائعية (البراجماتية) كيف اصبحتا (علما) في التطبيق:

ان اكبر انتقالة جاءت كطفرة نوعية متمايزة في تاريخ الفلسفة، كانت من قبل ماركس حين اطلق عبارته الشهيرة، ان الفلاسفة قبلي كان جلّ اهتمامهم هو وضع تفسيرات وشروحات الوجود الانساني ومشاكله، من غير التفكير بكيفية ووسائل تغييره وتبديله.

درس ماركس تاريخ الفلسفة الانسانية كاملا مع انجلز، بعدها وضع فلسفته المادية الديالكتيكية التي تحكم الماددة والتاريخ وظواهروقوانين الحياة الاخرى.مستفيدا من ديالكتيك هيجل المثالي الذي وصفه ماركس بانه اوقف التاريخ الانساني على رأسه فأعدته الى وضعه الطبيعي. من المعروف جدا ان هيجل ذهب الى اسبقية الفكر على الوجود (المادة)، وذهب ماركس الى العكس في اسبقية المادة والوجود على الفكر . وان الفكر لايحدد وجود الانسان كما ذهب هيجل، بل ان الوجود المادي والاجتماعي والطبقي للانسان هو من يحدد وجوده الذي هو مبعث تفكيره وتشكيل ثقافته ايضا.

ميزة ماركس كفيلسوف انه جعل من الفلسفة مفاهيما ورؤى علمية تطبيقية في هدف تغيير الحياة، اي جعل من الفلسفة (علما تطبيقيا) ، ومثالية هيجل الفلسفية التي ادانها ماركس كونها افكارا فلسفية مقطوعة الصلة التاثيرية في تغيير الحياة، بمعنى انها فلسفة منطقية ديالكتيكية متماسكة وحسب، اي عمد ماركس وباصرار عنيد قلب تاريخ الفلسفة المثالي في تداول الفلسفة كقيمة فكرية متعالية في علاقتها المقطوعة التاثير بما يجري في الحياة، الى منهج علمي تطبيقي يغيّر الحياة على الارض والواقع، ولم يهتم ماركس بالفلسفة كنمط من النسق الفلسفي والمنطق الفكري المقطوع الصلة والتاثيرفي مجرى الحياة، وقد اخذت الفلسفة الماركسية تطبيقها الميداني في تجربة الاتحاد السوفييتي الشيوعي القديم بنجاح لمدة سبعين عاما. ومثيلاتها في الصين وفيتنام وكوبا وغيرها ماثلة الى اليوم.

هذا يقودنا الى تساؤل لا يمكننا تجاوزه، هل نجح ماركس ان يجعل من الفلسفة (علما)؟

والجواب المنصف نعم ولاول مرة في تاريخ الفلسفة وتاريخ البشرية على السواء.

السؤال الاهم هل جرى او ممكن تكرار التجربة ان تصبح الفلسفة (علما) تجريبيا وتطبيقيا بعد اخفاق التجربة الماركسية المحدود؟

نعم جاء ذلك على ايدي الفلاسفة الاميركان الثلاثة وليم جيمس وجون ديوي وتشارلز بيرس في جعل الفلسفة علما تطبيقيا في الحياة كما سبق وفعلها ماركس، المهم والجوهري ان الماركسية في التطبيق والذرائعية (البراجماتية) في التطبيق كلاهما اخرجا الفلسفة من ميادين المماحكات المنطقية والتنظيرية البعيدة عن مجرى الحياة، الى فلسفة علمية تقود الحياة وتعمل عل تغييرها ايضا، وهذا يدعو فعلا للتثمين والاعجاب. ان الفلسفة البراجماتية انزلت الفلسفة من برجها العاجي الى معترك الحياة كم فعل ماركس، باختلاف جوهري كبير، اذ ذهبت البراجماتية انه لاقيمة لأية فلسفة او نظرية او مجموعة افكار، ولا صحة للأخذ بها مالم تحقق (منفعة) بالحياة.وان صحة وصواب الافكار الفلسفية ليس في اتساقها المنطقي الفلسفي ونسقها المفهومي المتماسك، بل اهميتها وصوابها ان تحقق التقدم والرخاء والفائدة للناس في معترك الحياة.

هنا نجد ايضا ان الفلسفتين الماركسية والبراجماتية، اخرجتا وانقذتا نفسيهما من طابعهما المميزالذي يسم الفلسفة انها معرفة منطقية مجردة بدلا ان تكون منهجا علميا في قيادة وتبديل الحياة. وفي ذلك يقول لورانس سامرز رئيس جامعة هارفارد الذي احد اساتذتها صوموئيل هنتكتون صاحب كتاب نهاية التاريخ، (ان مثالا (عمليا) واحدا هو اجدى من الف نظرية ونظرية.) مكتوبة متداولة على الورق في صالات واروقة الجامعية.

في النموذجين اللذين مررنا بهما اصبح واضحا عندنا ان التقدم البشري لم تصنعه الفلسفة بل العلوم التطبيقية الميدانية، وبذا يكون للعلوم الطبيعية دورا اقصائيا للمفاهيم الفلسفية المجردة التي اعتاشت ولا تزال على بعضها البعض، وجعل العلم التطبيقي من مسار الفلسفة مسارا متوازيا مع المسيرة العلمية.، لا يلتقي بها ولا يتقاطع معها في احتدام مفتعل لا طائل ولا نتيجة من ورائه.

6.عود على بدء:

هل نمتلك حقا مشروعية التساؤل، ان كانت المفاهيم الفلسفية القارّة القديمة وشروحاتها المتعالقة معها، منذ عهد اليونان القديمة وعصر الرومان والى يومنا هذا لها امكانية ان يكون لها مستقبلا ينتظرها؟ وأيا من الفلسفات التي تمتلك نسقا فكريا ومعرفيا ومفهوميا في مكنتها اليوم وبمستطاعها النفاذ الى المستقبل قادمة من الماضي ومغادرة محطة الحاضر لتمتلك حضورها المستقبلي.؟

من الواضح الجلي انه لم تعد مفاهيم الفلسفة ومواضيعها الاثيرة نهاية القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين هي نفسها المواضيع والانساق الفكرية المعرفية التي شغلت تفكير وبال الفلسفة ودونت التاريخ الفلسفي منذ الارهاصات الاولى التي ترجع الى عصور ماقبل الميلاد عند اليونانيين.كما ان الفلسفة بقيت اشمل من فلسفة الاطاريح والشروحات الجامعية الطفيلية.في نزول معظم الفلاسفة المعاصرين الى ميادين الحياة.

طيلة هذه الاحقاب الزمنية احتفظت الفلسفة بما امتازت به واحتازته من انساق فكرية منطقية ذات طابع شمولي تحليلي للوجود الانساني، وتوليدي مستمر للافكار قبل انبثاق العلوم الطبيعية بمعناها الحديث، حيث كانت الفلسفة متربّعة على هرم المعرفة انها ام كل المعارف الانسانية بلا منازع. وتناسلت الفلسفة بمرور الوقت عبر النقودات والتفسيرات والشروحات ومحاولات الاضافة والتجديد. لكن مع انبجاس التفكير العلمي الطبيعي وتطور الحياة وتبدّل المفاهيم المصاحبة وصولا الى دخول البشرية عصر الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة، تبدلت الانساق الفلسفية و الفكرية التي سادت عصورا طويلة لتخلي في المجال ظهور مجالات اشتغالات فلسفية جديدة في علم النفس واللسانيات والحفريات المعرفية، وعلوم اللغة، كما ظهرت ما يسمى بالفلسفة التطبيقية التي تعالج ما تطرحه العلوم المعاصرة في مباحث الهندسة الوراثية واخلاقيات علوم الحياة، وقضايا المرأة والفقروغيرها.

وعن هذا التبدل الفلسفي الجوهري يحدثنا الاستاذ عبد الرزاق الدواي: (العولمة غيرت الظروف وشروط انتاج الخطاب الفلسفي ذاته، فحياة الفلاسفة اليوم وخطاباتهم الجديدة تسير على ايقاع فعاليات الجمعيات الفلسفية والمجلات المتخصصة والندوات والمؤتمرات الفكرية الدولية، وتكاد ان تكون اليوم مهجورة المسائل الفلسفية الكبرى التي ظلت المنبع الذي يمد الفكر بالحيوية منذ العصر اليوناني، فقد حلت محلها اهتمامات اخرى جديدة لم تكن تخطر على بال الفلاسفة السابقين.)

7. شيء عن الميتافيزيقيا:

احتلت الميتافيزيقيا موقعا محوريا مركزيا اعتاشت عليه الفلسفة قرونا عديدة، بحيث اصبح من غير المستهجن او المرفوض اليوم الدعوة، ان ينحصر التفكير الفلسفي في تحقيب زمني يشير الى (ماقبل) و (مابعد) ميتافيزيقيا الفلسفة. (ان الميتافيزيقيا كانت المبحث الاول في الفلسفة، الفلسفة الاولى، وهي في الوقت ذاته اكثر المباحث الفلسفية اثارة للجدل، وما زال التشكيك في الميتافيزيقيا يتسع، والخوف على مستقبلها يتسع، والحق انه ثمة سؤالين ملازمين للميتافيزيقيا على مدى التاريخ هما :سؤال المشروعية، باي حق يمكن للانسان ان ينتج افكارا ميتافيزيقية؟ وهل الدعوة لتلك الافكار من مبرر معقول؟ والسؤال الآخر هو سؤال المستقبل، اي مستقبل ينتظر الميتافيزيقيا؟ اليست هي سائرة ان تلقى مصيرها المحتوم، الاختفاء الى الابد؟.) الاستاذ الباحث عبد الرزاق الدواي.

ذهب عديد من الفلاسفة شوبنهور وكانط ونيتشة وهيدجر وآخرين، الى ان نشاط العقل الفلسفي وموضوعاته الفلسفية جميعها تقع خارج اهتمامات وشواغل القوانين الطبيعية التي تعمل بمعزل عن الانسان، من حيث ان ميتافيزيقيا التفكير الفلسفي بقي محورا مركزيا في تاريخ الفلسفة وتناول موضوعاتها، وان الميتافيزيقيا بقيت احقابا زمنية طويلة الشغل الفلسفي الشاغل لدى العديد من الفلاسفة.

ربما كانت اراء عديد من الفلاسفة المتأخرين تمهيدا مسوّغا لمغادرة وتجاوز المفاهيم الميتافيزيقية الفلسفية، عبر عنه المفكر محمد الشيخ: اهم انعطافة فلسفية، هي ذهاب العصور الحديثة في فهم الوجود فهما معرفيا قصّيا متطرفا، وذلك في جعل الوجود الموجود صنيعة الانسان.

مقولة عالم اللغات فيتجنشتاين في ان افكارنا مهما تكن اهميتها لا يمكنها ادخالنا قطار المستقبل (انت لاتستطيع ان تشكّل السّحاب، وهذا هو السبب في ان المستقبل الذي تحلم به لا يصبح حقيقة ابدا.)

وفي عبارة نيتشة مقاربة لذلك (ان الحس التاريخي بالماضي هو الثقل العظيم والاكبر، ويتوجب على الانسان ان ينحّيه جانبا ويقمعه ويعيق مسيرته كعبء خفي مشؤوم، وان هناك درجة من الارق من الحس التاريخي الذي يصيب كل شيء حي ويدمره في النهاية سواء اكان انسانا او شعبا او حضارة.)

نخلص ان تفكيرنا في المستقبل هو تفكيرنا بماضينا وحاضرنا فقط والمستقبل كفيل ان يصنع نفسه بقواه الذاتية والظروف المستجدة المصاحبة له، وكفيل ان يمنحنا الوجود والافكار التي سنتاولها بالخلق والنقد والدراسة كحاضرنعيشه وليس كمستقبل نتمنى حضوره.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

zouhair khouildi2"البناء الفلسفي هو ضرورة تفكيك، أي تقويض، يستكمل عن طريق عودة تاريخية للتراث، لكل ما يتم إرساله، وهذا لا يعني أبدا نفي التراث ولا إدانته وضربه بالسلب بل بالعكس التملك الايجابي لهذا التراث"1[1]

إن كانت الفلسفة من حيث المنطلق تدرج ضمن بقية الأشغال الذهنية التي يقوم بها الكائن البشري لذاتها فإن مهنة الفيلسوف تكون مضنية وتطلب كثير من التضحيات والإصرار على التفكير والإحاطة بالأشياء.

إذا كانت ممارسة فعل التفكير الفلسفي هي التجربة التاريخية التي تضع الكائن المفكر في الطريق الذاهب بالإشكاليات المطروحة إلى التخوم والأقاصي فإن الرسالة الوجودية التي يجدر بالفيلسوف أن يضطلع بها هي تحرير الحقيقة من الظن والوهم والاغتراب واللاّحقيقة وتحقيق الحرية بالالتزام والانعتاق والاقتدار.

لطالما ظلت صفة الفيلسوف في المناخ العربي الإسلامي مستهجنة وغير مقبولة من الوسط الشعبي وفي الدوائر الثقافية النخبوية وتجلب السخرية وتدفع الحشود إلى إبداء التعليقات الممتعضة والتهكم الزائد على الحد وتجعل المعني بالأمر في موقف محرج لا يحسد عليه ويختار إما الهروب والانزواء والإقامة في موقع متعال أو الاحتماء بالسلطة ووضع نفسه على ذمة المؤسسات المعتنية بالشأن العام ويلتصق بالنظام.

التعالي يدرج الفيلسوف في العالم المعقول ويسمح له باجتياز حدود التجربة والخروج من دائرة المحسوس وفك أسرار الكون وتفسير أسرار الطبيعة وإدراك الحقائق الغيبية بطريقة حدسية والنفاذ إلى الجواهر.

غير أن وضعية التعالي تملؤه بالتنظير والمعرفة المجردة والتأمل تفرغه من الالتزام والتطبيق والتغيير في حين أن المحايثة تقربه من العامة وتجعله يحتك بصفة مباشرة بالجهل ويخوض معركة مع الرأي.

لا مناص إذن من عودة الفيلسوف إلى الصفة الأصلية التي تلبست به بحيث صارت معنى وجوده وعين ذاته وتشير إلى ضرورة أن يواصل التعقل والتدبير وأن يؤثر الحكمة ويبحث عن الحقيقة ويعتبر الكون.

لكن عمله لا يعد مهنة مهما تتطلب ذلك من خبرة وتدقيق ومثابرة ومراكمة مادام يدخل في باب الهواية والفن أكثر من باب الاحتراف والاختصاص ولا يمكن اعتبار الأعمال التي يؤلفها في دائرة العلوم الدقيقة مادامت تخضع لمنطق التجديد والتطوير وتجري عليها رياح النسبية والتاريخية وتغلب عليها النظرة الموسوعية ومنطق الفكرة الشاملة وتظل محل مجادلة وموضع نظر وتصحيح وتدخل في دائرة التأويل.

ما يلفت النظر أن حياة الفيلسوف مليئة بالغموض والتقلبات والمحن وأن شخصيته دربتها الظروف القاسية وصقلتها الدروب الوعرة التي سار فيها وأن المواقف المبدئية التي تبناها قد جلبت له الويلات والمخاطر.

يقوم الفيلسوف بأدوار كبيرة في التأليف بين العلوم والاختصاصات وفي الربط بين النظريات والجوانب العملية وفي الوصل بين العلمي والمجتمعي والوساطة بين الأكاديمي والثقافي ويبرم عقدا بين المعرفة والسلطة وبين الحقيقة والحرية ويجعل من الحياة الملموسة ورشة العمل الأساسية التي يوجه لها عنايته.

ليس الفيلسوف مجرد مختص في الأنساق الفكرية ولا هو من كبير العارفين في ميادين العلوم اللّدنية وإنما فنان في استعمال العقل وعاشق للحرية ومحب للعدل ومريد للحياة ومنتصر للكرامة ونابذ للفساد والتمييز.

يبني الفيلسوف المعرفة بواسطة المفاهيم ويشيد الأنساق بواسطة الحدود والقضايا والمبادئ والمبرهنات ويجعل من التأسيس الغرض الرئيسي لعمله ولكنه ما يلبث أن ينصرف إلى الهدم والتفكيك وإعادة البناء.

يتردد الفيلسوف بين الإيمان بالمطلق والمشاركة في النسبي وينتقل بالنضال الاجتماعي من أجل الحق إلى الصراع الفكري من أجل الاستثبات الوجودي للأمة في معركتها ضد الظلم والتمييز والازدراء والشر.

لم يكن ضروريا أن يشتغل الفيلسوف بتعليم الحكمة وتدريس المعارف العقلية ولكن من اللازم أن يسهم في إنتاج المفاهيم وتشكيل الرؤى وتغيير التصورات واستبدال النماذج وتكوين العقول وبناء البرامج والبدائل.

يتراوح وجود الفيلسوف في قلب العالم بين الحضور والغياب وبين البروز والاختفاء وبين الامتلاء والقلق وبين الانسحاب والإقدام ويتخذ من النضال اليومي ضد الرداءة والتفاهة مسلكا وجوديا ومقاما للكائن و"إن أثر محو الحضور الخاص كون الخطر أو القلق للاختفاء الذي لا يشفي منه، للاختفاء من الاختفاء"2[2]

المطلوب من الفيلسوف إعادة تأسيس عالم أصيل وجدير بالسكن بالتعالي على عالم الزيف والابتذال الذي يعاني منه الكائن الآدمي في الراهن والحرص على خلق ديناميكيات قيمية تسمح للذات بنحت المحايثة التاريخية للمعنى واتخاذ موقف مشرف من بشاعة الحاضر وتراجيديا أحداث العصر والمصارحة بالحقيقة من أجل مقارعة الآخر من الخارج بالأنا من الداخل وتغليب قيم الوعد والأمل والصداقة على آفات الشر والألم والاضطغان، وتدفع بالنسق المعرفي والسياق الاجتماعي من الانغلاق الفارغ إلى الانفتاح المثمر.  فكيف يجعل الفيلسوف من محايثته اللصيقة لمجتمع المعرفة فرصة للانطلاق الفعلي نحو التعالي البناء؟ وماذا لو جعل من التعالي العلمي شرط إمكان توليد الحقيقة المجتمعية التي تبلور المحايثة العمومية للقيمة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

الاحالات والهوامش:

[1] Ferraris Maurizio, écriture et sécularisation, in la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo, traduit de l’italien par Charles Alunni, éditions du Seuil, Paris,1988. P161

[2] Ferraris Maurizio, écriture et sécularisation, in la sécularisation de la pensée ,op.cit. p172

المرجع:

la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo, traduit de l’italien par Charles Alunni, éditions du Seuil, Paris,1988.

 

 

ali almirhigتأثر الفلاسفة الوضعيون بفلسفة كانت وبموقفه من الميتافيزيقا، فقد حاول وضع حدوداً لإدراك العقل الإنساني تقف عند إدراكها لعالم الوجود الطبيعي، وتأكيده إستحالة القدرة العقلية للإنسان على إستكناه الميتافيزيقا، لأنها معارف مُستحيلة وفق التصور الكانتي. وقد إستكمل هيوم رأي كانت حينما أكد عقم البحث في الميتافيزيقا، كونها معارف تقع خارج ممكنات العقل الإنساني في التحقق التجريبي، فاللغة بطابعها البشري تبقى عاجزة عن إدراك كُنه المعارف الميتافيزيقية. ونتيجة لتأثر الوضعيين المناطقة الذين إنتمى لهم زكي نجيب محمود، نجده قد تأثر مثله مثل كل الفلاسفة الوضعيين بآراء هيوم، فسجل إعجابه بفلسفته من خلال تأليفه كتاب عن فلسفته بعنوان "ديفيد هيوم"، سلسلة نوابغ الفكر الغربي.

تأسست حلقة فينا عام 1920، بدعوى من مورس شليك وبمساندة من رودولف كارناب وهربرت فايجل وآخرين، وقد كان لفتجنشتين وكتاباته الأثر الواضح في ظهور هذا الإتجاه الفلسفي الذي سُمي فيما بعد بـ "الوضعية المنطقية" التي شكلت إمتداداً وتطويراً لوضعية أوجست كونت.

كان من إهتماماتها الدعوة لتبني المعرفة الحسية بطابعها التجريبي، الممتد حضوره في الفلسفة وتاريخها مع روجر بيكون مروراً بتبني فرنسيس بيكون وجون لوك للفلسفة التجريبية وتأكيدهم على أفضلية المعرفة التجريبة مقابل المعرفة العقلية في الوصول لليقين، فما يُميز المعرفة التجريبية هو إرتباطها من الواقع وإلتصاقها به، بينما نجد أن المعرفة العقلية ترتبط بالمثال وتٌفرق الواقع للتحليق في عالم الخيال والتأمل التجريدي، لذلك دعى الوضعيون المناطقة إلى التحرر من الميتافيزيقا، لأن قضاياها ليست قابلة للتحقق التجريبي. وأيقنوا بأن لا مناص للفلسفة ولا كون لها إن لم تتنكر للميتافيزيقا وتجعل مهمتها مقصورة على الإسهام بتطوير المعرفة بطابعها التجريبي. (للمزيد يُنظر كتاب: كيف يرى الوضعيون الفلسفة، مجموعة مؤلفين، تحرير: أي ـ جي ـ مور، تر: نجيب الحصادي، الدار الجماهيرية ودار آفاق الجديدة، بيروت ـ لبنان، ط11994.

حاول محمود تعريفنا بما وصل إليه العقل الغربي في العلوم والفلسفة والفكر السياسي، فضلاً عن البحث في التراث عن إبداعات العقل العربي الإسلامي في العلوم والفلسفة والسياسة وكأن محمود يريد أن يبني اعتقاداً لدى قارئه إنما الأمم لا تنهض من دون أن تكون مُنتجة في هذه المجالات الثلاث، والعرب والغرب يجمعهما هذا المشترك وهو صلتهما بالفكر اليوناني الذي كان العرب جسراً لنقله للغرب وتعريفهم بإبداعات الفلسفة اليونانية التي كان الإطلاع عليها من أسباب إبداعات العرب في العلوم والفلسفة التي كانت أحد الأسباب الرئيسة في نهضة أوربا.

شكلت كتابات محمود الأولى رؤيته وتبنيه الواضح للوضعية المنطقية، لاسيما في كتابه (خرافة الميتافيزيقا) الذي غير عنوانه الى (الموقف من الميتافيزيقا) بعد الحملة التي شُنت على الكتاب بعدَه تنكراً لقيمة الدين في بناء النهضة العربية الأولى وتقويضاً للطرح الديني، وقد ظهر توجهه هذا في كتاباته الأخرى مثل: (جنة العبيط) و(المنطق الوضعي) أو كتابه الآخر(نحو فلسفة علمية).

إهتم محمود بالبحث في التراث عما يدعم توجهه العلمي الفلسفي الحر وميله نحو إستلهام قيم الغرب في المعرفة العلمية وتتأصيلها عبر قراءته للتراث العربي والإسلامي في كتبه (المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري) و(تجديد الفكر العربي) و(قيم من التراث) و(رؤية إسلامية) و(عربي بين ثقافتين) و(جابر بن حيان).

ينتقد محمود الميتافيزيقا حينما يدعي أصحابها بأنها علم، وهو ليس ضدها حينما تكون تأملا وتدينا ورؤية أخلاقية أو جمالية، الأمر الذي لم يفهمه أكثر قراء محمود حينما تصوروا أنه يُحارب الميتافيزيقا، وتبعا لذلك يحارب الدين(1)، فهو لا يرفض الاعتقاد بالميتافيزيقا، ولكنه يرفضها حينما تكون علماً، و حينما يدعي أصحابها أنها طريق يُمكننا من الوصول الى الحقائق النهائية، أو كما يقول هو في مقدمة كتابه (موقف من الميتافيزيقا) وهو الكتاب نفسه الذي يُقال فيه عن محمود أنه يرفض الميتافيزيقا، إذ يؤكد أنه يقبل بها إذا لم تزعم " أنها تُصور الكون كما هو بالفعل " موافقاً في ذلك إيمانويل كانت، هذا الموقف المعروفة آثاره على الوضعية المنطقية، فهو، إذن، لايرفض الميتافيزيقا حينما تكون موقفاً ذاتياً من العالم، وهذا الموقف (بإعتقادنا) لم يتراجع عنه حتى في كتاباته المتأخرة التي ظن البعض أنه تراجع عنها، وكل ما فعله محمود هو العودة للتراث، والبحث عن مصاديق لرؤيته العلمية فيه لاتُناقض آراءه التي طرحها في كتابه (خرافة الميتافيزيقا) فقد دافع عن كتابه هذا في كتبه المتأخرة بقوله : (الكتاب هو دفاع عن العلم ولم يكن له شأن بأي قول ورد في أي دين من الديانات، هذا أولاً وثانياً لم يكن المرفوض عندي الأنساق الميتافيزيقية في ذاتها، فتلك البناءات أنساق فكرية مُحكمة النسيج إحكاماً لا يُقارن إلَا بالأنساق الرياضية، فلو أن الفيلسوف الميتافيزيقي قدم نسقه الفكري على أنه تصور عقلي لا يشترط لقبوله أن يكون تصويراً للحقيقة كما هي قائمة في الواقع الفعلي، لما كان هناك إعتراض على عمل الفيلسوف التأملي)(2)

أدرك محمود أن الإنسان العربي المُشبع بالثقافة الإسلامية لا يستطيع " أن يكون علميا تجريبياً بكل ما تقتضيه وجهة النظر العلمية، وإذا فعل ذلك إنتابه القلق وصعب عليه التصالح مع نفسه. ولهذا يقتضي أن نضيف الى عالم الشهادة غيباً مستوراً، وإذا كان عالم الشهادة بحاجة الى مشاهدة لإدراكه، فالغيب مبني على الإيمان"(3).

التجديد عنده مرتبط بمقدار بعدنا وقربنا من الغرب وعلمه وثقافته، فكلما تمسكنا بالعلم بمعناه الغربي إستطعنا تحقيق نهضتنا، ووجهة النظر هذه هي "المسطرة" التي نقيس بها التراث العربي إذ يقول " ينبغي أن نأخذ من تراث الأقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم عملياً، فيضاف الى الطرائق الجديدة المستحدثة "(4) ويقول في مكان آخر" إما أن نعيش عصرنا بفكره ومشكلاته، وإما أن نرفضه ونوصد الأبواب لنعيش تراثنا..نحن في ذلك أحرار، لكننا لا نملك الحرية في أن نوحد بين الفكرين"(5).

تبنى الوضعية المنطقية بوصفها الفلسفة العلمية التي إستطاع الغرب من خلالها أن يحقق نهضته العلمية والصناعية والتي جاءت مُتممة لأفكار الفلاسفة التجريبيين أمثال فرنسيس بيكون وجون لوك وديفد هيوم، فضلا عن إستمرارها بتوسعة آراء أوجست كونت وجون ستيوارت مل ولن تفوتنا الإشارة الى أثر فلسفة "كانت" على أفكار فلاسفة الوضعية المنطقية، لا سيما في موقفه من الميتافيزيقا، أما أثر بيرس فقد كان في لتوجهه الفلسفي أثره في الفلسفة الوضعية المنطقية، وهو قريب من أثر برتراند رسل و فتكنشتاين وكارناب الذين قصروا معنى اللغة على القضايا التي تصف الواقع التجريبي(6)

إذن لم تأت الوضعية المنطقية من فراغ، إنما هي عبارة عن نسج جديد لفلسفات سبقت، كانت غايتها التركيز على العلوم ومحاولة التخلص من هيمنة الميتافيزيقا والفكر اللاهوتي والغيبي، لذلك يقول محمود مؤيداً هؤلاء الفلاسفة "مذهبنا أن يكون العلم ـ لا الأخلاق ولا الدين ـ مصدر الوحي للفلسفة ... ولما كان " وضع " الأمور في عالم الواقع وهو وحده مجال البحث العلمي، أطلق على النظرة هذه "الوضعية" وفي هذه الحالة وضعية "منطقية" ومن ثم كان الاسم الوضعية المنطقية، مميزا لطائفة من أصحاب الفكر صمموا على ألا يجاوزوا الواقع بنظرهم على أن يكون هذا الواقع الذي يختصون به هو اللغة التي يصوغ فيها سائر العلماء علومهم على إختلاف موضوعاتهم"(7) ومحمود يعد نفسه واحد من هؤلاء، فحينما يتحدث عنهم فإنما يتحدث بلغة الإنتماء للجماعة إنتماءً عقائدياً يُقصي كل فكر مغاير، فيقول " نحن أنصار التجريبية العلمية " و" نحن الوضعيين المناطقة " ...إلخ(8)، وهنا سنذكر له قول يؤيد فيه إنتمائه العقائدي الإقصائي، إذ يقول " إنما أناصر المذهب الوضعي المنطقي لأنني مؤمن بالعلم، ولما كان المذهب كما قلت في كتابي " المنطق الوضعي" هو أقرب المذاهب الفكرية مسايرة للروح العلمي كما يفهمه العلماء الذين يخلقون لنا أسباب الحضارة في معاملهم، فقد أخذت به أخذ الواثق في صدق دعواه، وطفقت أُنظر بمنظاره الى شتى الدراسات، فأمحو منها ما تقتضي مبادىء المذهب أن أمحوه...وكالهرة التي أكلت بنيها جعلتُ الميتافيزيقا أول صيدي، جعلتها أول ما أنظر إليه بمنظار الوضعية المنطقية، لأجدها كلاماً فارغاً لا يرتفع إلَا أن يكون كذباً، لأن ما يُوصف بالكذب كلام يتصوره العقل، ولكن تدحضه التجربة، أما الميتافيزيقا إنما هي ألفاظ غامضة ليس لها معنى، تحتاج الى تحليل لغوي يكشف حقيقة مفروغ منها سلفاً أنها كلام فارغ ولا معنى له"(9) والوضعية المنطقية تقبل ما تقبله وترفض ما ترفضه على أساس المنطق، بمعنى تحليل العبارات والألفاظ تحليلا يبين حقيقة بنائها، إذ يؤكد محمود " أن الفلسفة ليست مطالبة بأن يكون لها قضايا خاصة بها، ولا هي مستطيعة ذلك حتى إذا أرادته هي لنفسها، لأن العلوم المختلفة ـ كل في ميدانه ـ هي وحدها المؤهلة بمناهجها للوصول الى حقائق الكون والإنسان، وحسب الفلسفة إذن أن تسير وراء العلوم تتسقط أقوالها لتصب عليه ضوء التحليل المنطقي، يتكشف ما قد يكون فيها من خلل لتستدعي إعادة النظر من العلماء"(10) وهكذا أصبحت مهمة الفلسفة فقط عند الوضعيين المناطقة ومن تابعهم التحليل والتوضيح للأفكار بوصفها علم للمعاني، ومسائلها هي مسائل لغوية وعملها ينصب على منطق اللغة، أما محك صدق هذه العبارة اللغوية فهو الخبرة الحسية، أو أن تعبر ألفاظنا عما يُقابلها في دنيا الواقع. إذن فكل عبارة مثل " الروح " و" النفس " و" المطلق " وأمثالها، كلها عبارات بغير معنى لإستحالة ترجمتها الى رموز دالة على معطيات حسية "فكل شيء في الوجود هو مجموعة معطياته الحسية "(11) وما يفعله الفيلسوف التأملي أنه يعكس التصورات الذاتية على العالم، بينما يتجه العالم خارج ذاته محاولاً إعطاء تصور موضوعي عن العالم، أما تقسيم الفلاسفة للفلسفة الى علوم نظرية، طبيعية ورياضية وإلهية وعلوم عملية، أخلاق وسياسة وجمال، إنما هو برأي محمود حرفُ للفلسفة عن شغلها الرئيس، فالبحث في العلوم الطبيعية من شأن عالم الطبيعة، والبحث في الرياضيات من شأن عالم الرياضيات، والبحث في الإلهيات إنما هو من شأن رجال الدين (وهكذا) وما بقي للفلسفة وواجبها الصحيح المفيد هو نقد وتحليل، نقد وسائل التعبير وتحليل معاني الألفاظ"(12)، ويعني هنا محمود بالنقد هو الأخذ بأحكام العقل الصارم في فهم العبارات التي يُجريها الكاتبون على أقلامهم، حتى يأخذهم سحر الألفاظ فيستعملونها لأسباب أخرى خارج قوتها الدلالية، ويقصد محمود بقوتها الدلالية هو أن يُشير اللفظ الى المعطيات الحسية(13) فـ "إن أي جملة يقولها قائل، إما أن تكون علماً وبذلك تخضع لمقاييس العلم من طبيعية أو رياضية، وإما أن تكون مُعبَرة عن حالات ذاتية، وبذلك تكون فناً وتخضع لمقاييس النقد الفني، فإن زعم زاعم لجملة يقولها إنها ذات خصائص تُميزها عن العلم وعن الفن وأنها بهذا تكون فلسفة ويكون من العبث تحويلها الى علم، وتناولنا جملته هذه وحللناها فسننتهي حتماً الى أنها كلام فارغ من كل معنى "(14) وهذا ما نريد أن نصل اليه فموقفه هذا هو في كتاباته الأولى وهو نفسه الموقف في كتاباته المتأخرة، فالتقسيم هو نفسه الذي أقام عليه رؤيته للتراث في مرحلة لاحقة حينما قسمه الى معقول ولامعقول، فالمعقول هو ما يُقابل معطيات العلم رياضياً كان أم تجريبياً، واللامعقول هو ما يُقابل الخطرات الذاتية وما تعتمل به النفس من مشاعر ووجدانيات تشمل الأدب والفن والدين، وهنا يتبين لنا أن توجه محمود الفكري واحد رغم تنوع كتاباته، وهو وإن بدى عليه التحول والتناقض، كما سنبين لاحقا وما يعترف به هو، ورغم كل هذه التحولات إلَا أنها كثيراً "ما تخفي سلسلة فقرية واحدة "(15) هذه السلسلة التي نحاول الكشف عنها فيما حاول التمويه علينا في بعض كتاباته من أنه تخلى عنها.

قراءة محمود للتراث

ركز محمود في قراءته للتراث وفق تتقسيم له ينسجم وتوجهه العلمي التجريبي العلماني بطبيعة الحال. هذا التقسيم يجعل التراث قسمين: الأول التراث العقلاني والثاني التراث اللاعقلاني، ونحن بالضرورة إنسجاماً مع هذا التقسيم نكون مُلزمين إذا أردنا أن نحقق نهضتنا المرجوة بإتخاذ الطريق العقلاني الذي رسم ملامحه لنا الغرب، فلم تكن عودة محمود للتراث والبحث فيه عن المعقول، سوى محولة منه ـ برأينا ـ لتبرير توجهه التجريبي العلمي العقلاني، ولم يكن مبني على قناعة منه بأهمية هذا التراث، وهذه المحاولة تشبه كثيراً محاولة فلاسفتنا المسلمين تبيئة الفلسفة اليونانية، لاسيما محاولة ابن رشد في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال)، فقد كانت محاولة ابن رشد مبنية أساساً للدفاع عن العقلانية اليونانية وتحديداً عقلانية أرسطو (الرجل الذي كمل عنده الحق) بعبارته، فقد تبنى إبن رشد البحث في القرآن الكريم والفكر الإسلامي عن شواهد تؤكد وجهة نظره بأن "الحكمة حق والشريعة حق والحق لا يُضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" وبالتالي التصريح بضرورة أخذ العلم والحكمة حتى ولو كان من الأمم المغايرة لنا في الملة(16). ولأن ابن رشد كان فيلسوفاً عقلانياً وعربياً مُسلماً، فقد حاول التوفيق بين "الحكمة" اليونانية و "الشريعة" الإسلامية، ليُبرر القول الفلسفي والقول بشرعيته من داخل الدين، ولينفتح على الحضارة اليونانية، بوصفها حضارة تحترم العقل و "الحكمة، لذلك أظهر محمود إعجابه بفلسفته، وقد سبقه في رؤيته هذه من قبل (فرح أنطون) متأثراً برأي رينان الذي كرره محمود في كتاباته المتأخرة من أن "الفلسفة العربية فلسفة يونانية كتبت بحروف عربية"(17).

المهم أن محمود قرأ ما إستطاع التراث العربي والإسلامي، حاملاً الوضعية المنطقية على كتفه يحط رحاله أينما وجد متسعاً في هذا التراث لتجريبيته الوضعية سواء أكان هذا التراث فلسفياً يحمل طابع التجريب أو قريباً منه، أو كان هذا التراث منطقياً أو لغويا كان أم عقلانياً حينما يكون "الفكر حركة إستدلالية، مع التأكيد على كلمة "حركة" التي تُشير الى النقلة التي ننتقل بها من حقيقة الى حقيقة أمامنا الى حقيقة تتولد منها أو ترتبط بها إرتباطاً مطرداً، وهذا ما يتفق فيه العقليون مع التجريبيين"(18)، إذ يقول:"كانت وجهة النظر التي أريد إصطناعها إزاء مأثورات الأقدمين، هي أن نُحاسبهم بأداة العقل، فما ساير العقل من مأثور أخذناه، وما لم يسايره جعلناه موضوعاً للتذوق والتسلية، فلا نأخذه مأخذ الجد"(19).

لم تكن قراءة محمود للتراث للمزج بين الحداثة والتراث، بل للخلاص من سطوة هذا التراث ولتهديم النزعة التقديسية التي تمنحه قدسية مضخمة، إن لم تكن مكذوبة.

يؤكد محمود أن تجديد التراث والفكر العربي يمر بمشكلات عدة تجعله غير صالح لزماننا الذي هو ليس زمن العرب، بل زمن الغرب بإمتياز أهم هذه المشكلات:

1ـ علاقة السيف والسلطة بالرأي، الأمر الذي يترتب قمع الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية، مستشهدا بقتل الخليفة المهدي للشاعر بشار بن برد وبقصة الحلاج مع الوزير علي بن عيسى، ثم أمر السلطان ضربه ألف سوط، وقطع يديه، ثم إحراقه. وقتل ابن المقفع من قبل الخليفة المنصور وتقطيع جسمه إرباً ورميها في التنور. أما محنة بن حنبل مع المأمون معروفة تفاصيلها لأي قارىء للتراث حينما عُذب لأنه لم يقل بخلق القرآن(20) وهذا إن عنى شيء فإنما يعني إحتكار الحاكم للرأي وغياب الحرية الفكرية، لذلك يقول محمود:" لا لم يكن في ساحة الفكر عند الأسلاف "حوار" حر إلَا في القليل النادر"(21).

2ـ سلطان الماضي على الحاضر وهو كما يرى محمود بمثابة السيطرة التي يفرضها الموتى على الأحياء ، حتى تحول الأمر عندنا الى تقديس لهذا الماضي، لذلك راجع محمود الكثير من كتب هذا التراث للكشف عن مصادر هذه القُدسية، فلم يجد حسب قوله:" إلَا القليل فيها من الإبتكار والأصالة " فـ " فهناك الألوف من المجلدات التي لا تُضيف حرفاً واحداً جديداً، وتعليق على التعليق...فالعلم كله عندنا " يُلقن " للمتعلم فإذا نبغ هذا المتعلم ـ مثلا ـ صار أستاذاً في إحدى الجامعات " أذنوا له بالتلقين "(22).

3ـ تعطيل القوانين الطبيعية بالكرامات، فنحن في حياتنا الثقافية في مرحلة السحر التي نُعالج فيها الأمور بغير أسبابها الطبيعية ، أي التعامل بعقلية الخرافة التي يُحاول بها "الفيلسوف أن يبني أفكاراً في ذهنه، ثم يزعم أنها تصوير لحقيقة الكون، كما هي قائمة في الوجود الواقعي خارج ذهن الإنسان صاحب البناء"(23).

4ـ إختلاف مفهومي العلم والمعرفة اليوم في المعنى والدلالة عن مفهومهما في تراثنا فهذان المفهومان كان مرتبطان عندنا في الثقافة الأدبية، شعراً ونثراً، وكذلك في علوم الفقه والكلام واللغة والفلسفة والتصوف، وهي علوم ـ أغلبها ـ مرتبطة باللسان والقدرة على إتقان اللغة ولا تحتاج الى التجريب والإرتباط بالواقع، فعلوم أسلافنا" كلها علوم لفظ، ورواية وحفظ "(24)، لذلك ينبغي علينا في هذا العصر الإنتقال" من الكلامولوجيا الى التكنولوجيا "(25)، أي التحول من علوم الكلام وعالم الأفكار الى علوم التقنية والتفاعل مع دنيا الواقع. محمود في موقفه هذا من علوم العرب لم يتغير وهو الموقف نفسه في كتابه (خرافة الميتافيزيقا) الذي، فهو يرى أن إستخدامنا للغة العربية من النوع الذي يربط الكلام بالكلام وليس الكلام بالواقع الخارجي، فلا تكاد ترى علاقة بين إستخدامنا للغة العربية ومجرى الحياة العملية، نكتبها من أجل ذاتها وهي وحدها عالم غير هذا العالم. الغة عندنا نغم يطير بنا عن أرض الواقع ويصعد بنا الى اللانهائي المطلق، فيجدر بنا اليوم التحول من حضارة اللفظ الى حضارة الإداء(26) ومن ثقافة اللفظ الى معناه واللفظ يكون له معنى حينما تكون هناك مطابقة بين الفكر والواقع، والفكرة عند محمود "ينبغي ألا تُقاس فقط بسلامة إستدلالها من فكرة أخرى، وإنما تُقاس بنفعها"(27).

الشرق والغرب

واحدة من مشاكلنا نحن العرب أننا لم نستطع تمثل الثقافة الغربية وهضمها، ليس اليوم بل وحتى مع الثقافة اليونانية التي بقيَ التعامل معها على أنها وافدة وليست من جنس ثقافتنا، لذلك دعا فلاسفتنا الى ضرورة الإفادة من علوم الأمم الأخر حتى وإن كانت مخالفة لنا في الملة، بدءً من الكندي مرورا بالفارابي وصولاً الى ابن رشد، كانت هذه الدعوة الأساسية في جل كتاباتهم التي سُميَت مشكلة العلاقة بين الحكمة والشريعة، فوجدنا فيلسوفاً مثل ابن رشد يُخصص لها كتابا كاملاً بعنوان (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال)، لكن الى أين انتهت هذه المشكلة؟ إنتهت في المشرق العربي بتكفير الغزالي للفلاسفة (الفارابي وابن سينا) وخُتمت في المغرب العربي بحرق الموحدين لكتب ابن رشد، تلك اللحظة التي إنتقلت فيها هذه الكتب الى أوربا، فشكلت احدى لبنات عصر التنوير الأوربي، كما أشار لذلك رينان في كتابه (ابن رشد والرشدية) على الرغم من إعتقاده بأن العرب لم يكن لهم دور سوى أنهم كانوا واسطة لنقل الفلسفة اليونانية الى اوربا وأن الفلسفة بقيت عند العرب يونانية مكتوبة بحروف عربية وهذا الرأي عينه الرأي الذي يعتقد به محمود اذ يقول عن الفلسفة العربية الاسلامية "أنها فلسفة يونانية كُتبت بحروف عربية"(28) كما ذكرنا ذلك سابقاً، وعلى الرغم من ذهابه الى هذا الرأي نجده يُناقض نفسه، فنراه يبحث في كتابه (المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري) عن تراثنا المعقول الذي أنتجه العقل العربي والإسلامي خارج سطوة وهيمنة الفلسفة اليونانية في علم الكلام ودفاع المعتزلة عن حرية الإنسان وعقلانيته، أو في علوم اللغة والأدب مع الجرجاني والجاحظ وإبن جني والتوحيدي.

يعتقد محمود أن مشكلة الثقافة العربية أنها غير منسجمة مع الثقافة الغربية وهذا الأمر متعلق بطريقة التربية، فـ "الناس فيما يُسمى بالشرق قد وجهتهم التربية وجهة ثقافية معينة تُخالف الوجهة التي إتجه اليها الناس فيما يُسمى بالغرب بحكم التربية أيضا، فبينما الناس في الشرق يتلقون (القيم) المُسيرة لحياتهم من السماء عن طريق الوحي... ترى الناس في الغرب يزعمون أنهم إنتهوا الى (القيم) إستدلالا عقلياً..."(29) بمعنى أن العقل في الغرب يربط الأسباب بمُسبباتها الطبيعية، بينما العقل الشرقي عقل غيبي يُركز على ربط الأسباب بالخالق وتقوية الصلة بين المخلوق وخالقه مُختلفاً عن الغربي الذي يبحث عن الصلة بينه وبين الطبيعة.

التباين إذا بحسب ما يرى محمود قائم بين ثقافتنا وثقافة الغرب، فثقافتنا التي هي ثقافة الأسلاف "قوامها مبادىء تُكتب لفظاً على ورق الكتب ليلتقطها الأبناء والأحفاد، فتكون هي (القيم) التي يُنظمون سلوكهم على منوالها ويصوغون أذواقهم الجمالية على هُداها، أما ثقافة العصر فقوامها (أجهزة) علمية تتخذ أدوات للبحث عن أسرار الطبيعة، وتنتهي بالباحثين الى إنتاج (آلات) تقام الحياة العملية على إستخدامها...إن ثقافة تراثنا هي ثقافة (أخلاق) وثقافة العصر هي ثقافة (علوم)"(30) " فالفرق كبير بين رجل يعرف كيف (يعمل) دون أن يعلم النظرية التي ينبني عليها ذلك العلم (وهو الشرقي) ورجل يعرف كيف يعمل تطبيقا لنظرية يعلمها (ذلك هو الغربي)"(31) وهنا يتضح أن محمود يؤمن بأن العقلية الشرقية عموماً والعربية تحديداً تختلف عن العقلية الغربية من خلال النصوص التي ذكرناها قبل قليل، إلَا أننا نجده في نصوص أخرى وفي كتابات أخرى له، يُناقض رأيه هذا ويحاول البحث عن نقاط التشابه بين العقليتين، ففي النظرة العامة لكل من الشرقي والغربي شخصيته، لكن حين النظر الى العربي والكلام لمحمود " الذي يمثل الشرق الأوسط نجده يجمع النظرتين معا، بمعنى النظرة الروحية التي تميز بها الشرق والبرهانية المادية التي تميز بها الغرب، فإلى جانب الفلسفة الإسلامية القائمة على منطق العقل، ترى جماعة المتصوفة المُسلمين يلجأون الى معرفة الحق الى شيء غير العقل ومنطقه، إذ يلجأون الى الحدس المباشر(32) مع أننا ذكرنا إنه ينظر الى النتاج الفلسفي العربي بوصفه نسخة أخرى للفلسفة اليونانية، وهذا يعني أن محمود يؤيد القول بأن العقل العربي عقل خطابي وباطني، ذلك التقسيم للعقل الذي تبلور بشكل جلي في أطروحات محمد عابد الجابري فيما بعد، الذي قسم العقل العربي الى عقل خطابي وآخر عرفاني تميز بهم مفكرو وفلاسفة المشرق العربي، و ثالث برهاني تميز به فلاسفة المغرب وكأنها إعادة وتكرار لأطروحات رينان التي ذكرناها سابقاً(33) ، وفي مكان آخر نجده يقول: " الحقيقة الإنسانية واحدة مهما اختلفت الألوان، الجلود، طرز الثياب، وألوان الطعام، وأنماط الروابط والصلات، فبخيل الجاحظ كبخيل مولير، صورة إنسانية لا تُقيدها قيود اللغة التي رُسمت لها ولا الأوضاع الاجتماعية التي نشأت في ظلها، وقيس هو روميو وروميو هو قيس، كما أن ليلى وجوليت أختان في المصير... فالإنسان هو الإنسان في سعادته وشقائه، في لهوه وفي جده، في جوعه وفي امتلائه، رضاه وفي سخطه، إنما تتغير القشور دون اللباب"(34) وفي مكان آخر يشير محمود أن "من هو نموذج للعبقرية عندهم (الغرب) مثل (أليوت) و (جويس)، لا يجوز أن يكون هو نموذج العبقرية عندنا، لأن حاجتنا غير حاجتهم وأدبنا غير أدبهم "(35) وعجبي من هذا الكلام، فإذا كانت الحقيقة الإنسانية واحدة كما أشار هو فما الضرر حينما تكون نماذج العبقرية واحدة لاسيما في الأدب، فهل تختلف حاجتنا حينما نقرأ ماركيز في (مائة عام من العزلة) أو حين قراءة دستويفسكي في روايته (الأخوة كارامازوف)، فإذا كان ما يكتبه هذان وغيرهما يُشكل حقيقة إنسانية، فلماذا لا يكونوا نماذجاً للعبقرية عندنا وعند غيرنا، يبدو لي أن قراءة محمود للعلاقة بين الشرق والغرب تعاني ارتباكاً واضحاً، فمرة تجده وكأنه يتمنى أن نجعل الغرب أنموذجاً لنا نأكل مثلما يأكل ونكتب من الشمال الى اليمين ونرتدي من الثياب ما يرتدون(36)، ويذكر أنه لم يكن يُفرَق بين ما يجوز نقله وما لا يجوز(37) وفي الوقت الذي نجد في عبارته هذه لوم للذات لأنها كانت ذات نظرة أحادية إلَا أنه يعود في نفس كتابه هذا (قصة عقل)، وهو من الكتب المتأخرة، يرجع ويدافع عن نفسه ليقول:"فإذا كان إتجاه الغرب همه الأول هو الإنسان وهو من العوامل التي كانت التي تطحنه طحناً وتقهره قهراً، أ فيكون غريباً أن نعمل على نشر مثل هذا الفكر في بلادنا مثل الذي أفرزه في حياة الغرب من توقير وتقديس لمكانة الإنسان وكرامته "(38)، وكأنه نسيَ أن للأفكار بيئة تنشأ فيها، فالأفكار كالأشجار لها ظروفها البيئية والطبيعية التي تعيش فيها. ومرة يدعو لأن تكون نماذجنا مختلفة عنهم فيما لا ينبغي الإختلاف. تارة يتكلم عنا نحن العرب بوصفنا شرقاً لنا كل قيم الشرق لاسيما الروحية، وأخرى يرى أننا الطرف الوسط الذي تجتمع في قيم الغرب والشرق، إذ يقول " أن في العالم على وجه الإجمال طرفين مختلفين من حيث النظرة الى الوجود، طرف منها يتمثل في الشرق الأقصى، الهند والصين وما جاورهما، ويتمثل الآخر في الغرب، أوربا وأمريكا، وبين الطرفين وسط يجمع بين طابعيهما هو الشرق الأوسط، فأما الشرق الأقصى فطابعه الأصيل العميق النظر الى الوجود الخارجي تنفذ خلال الظواهر البادية للحس الى حيث الجوهر الباطن، فيدرك الجوهر بحدس مباشر يمزج ذاته في ذاته مزجا تفنى معه فردية الفرد لتصبح قطرة في الخضم الكوني العظيم، ومثل هذه النظرة معتمدة على اللمسة الذاتية المباشرة التي لا تحتاج الى تعليل و تحليل ومقدمات ونتائج"(39)، وهذا يعني أن ثقافة الغرب هي التي تتقاطع وهذا التوجه بالكامل، أي أنها ثقافة برهانية إستدلالية تهتم بالجزئيات دون الكليات أداتها المعرفية العقل والحس لا الذوق والحدس، تأتي المعرفة عندهم بالمشاهدة والتجربة المعتمدة على فحص الواقع إذ يقول " إذا إجتمع رجلان، أحدهما يقف من الطبيعة وقفة العلماء ... والآخر يقف من الطبيعة وقفة المتصوف الفنان ... أقول إذا إجتمع رجلان بهذه الميزات لكل منهما، فلا رجاء ولا أمل أن يلتقيا على رأي، لأن كلاً منهما يجول في غير العالم الذي يجول فيه زميله"(40)، و النتيجة برأينا صعوبة الجمع والدمج بين حضارتي الغرب والشرق ولكن الغريب أنهما إجتمعا مع اليابان واليوم مع الصين وهذا أمر لم يشر إليه محمود رغم أهميته والغريب أنه لم يهتم به وهم بالإشارة الى العرب بوصفهم الشرق الأوسط الذي يجمع الحضارتين وكأن اللقاء بين الحضارتين محكوم فقط بجغرافية المكان لا بطبيعة العقلية والأخلاق المهيمنة التي تنبه هو لها في أولى كتاباته، فهناك برأيه نوعان من المجتمعات كل منهما يتميز بمجموعة من العادات والتقاليد السلوكية والفكرية، فكثير من الناس في مجتمعنا لا يعرفون مكانهم المناسب، فبعضهم يدعي العلم ولا يعلم وبعضهم يدعي الشرفية وهو عنها بعيد ويطلب بعضنا ما ليس له إستحقاق به(41).

 د. علي المرهج - استاذ فلسفة

................

(1)  ينظر: د.محمد البهي: الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي، دار القلم بمصر، ط2، 1962،ص217 ومابعدها

(2)  ينظر: زكي نجيب محمود: قيم من التراث، ص121.

(3)  زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، دار الشروق، بيروت، لبنان والقاهرة،ط2 1979، ص24 وأيضا خديجة خليل العزيزي: التراث، القيم والدين عند زكي نجيب محمود، المجلة الفلسفية العربية، مصدر سبق ذكره،ص69.

(4) المصدر نفسه، ص18

(5) المصدر نفسه، ص189.

(6) لمزيد من القراءة حول أثر مدرسة التحليل المنطقي على الوضعية المنطقية وإشتغال محمود حول هذا الأثر، ينظر: فاتنة حمدي: موقف من الميتافيزيقا ـ تحليل ونقد ـ مصرسبق ذكره، 48.

(7) زكي نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط1، 1960، ص30.

(8) ينظر: المصدر نفسه، ص178 و ص226 وص248 وكذلك ينظر زكي نجيب محمود: فلسفة وفن، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963، ص59 وكذلك زكي نجيب محمود: من زاوية فلسفية، ص61 وكذلك زكي نجيب محمود: قشور ولباب، ص160 وكذلك زكي نجيب محمود: قصة عقل، ص92 وكذلك زكي نجيب محمود: الموقف من الميتافيزيقا، ص15 وص27 ص23 وصفحات كثيرة أخرى من هذا الكتاب.

(9) زكي نجيب محمود: قصة عقل، : قصة العقل،دار الشروق، بيروت، القاهرة، ط1، ط 1983، ص189.

(10) زكي نجيب محمود: الموقف الميتافيزيقا، ص ح.

(11) زكي نجيب محمود: قشور ولباب، ص189 كذلك زكي نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، ص183 وص190، نفس المعطيات.

(12) زكي نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، ص30.

(13) ينظر: زكي نجيب محمود: فلسفة وفن، ص27.

(14) زكي نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، ص324.

(15) زكي نجيب محمود: مجتمع جديد أو الكارثة، ص22.

(16) ينظر:علي عبد الهادي عبدالله، النص الرشدي في القراءة العربية المعاصرة، دار الهادي ، بيروت لبنان، ط1، 2008، الفصل الأول.

(17) زكي نجيب محمود: المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ص116 وص335.

(18) المصدر نفسه، ص374 وكذلك ينظ: زكي نجيب محمود: من زاوية فلسفية، دار الشروق، بيروت، القاهرة، ط1، 1979، ص87.

(19) زكي نجيب محمود: المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ص384.

(20) ينظر: زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، ص28ـ ص50.

(21) المصدر نفسه،ص46.

(22) المصدر نفسه ،ص 56ـ 57.

(23) زكي نجيب محمود: موقف من الميتافزيقا، ص هـ من المقدمة، كذلك ينظر زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، ص27 وكذلك زكي نجيب محمود: بذور وجذور، دار الشروق، بيروت، القاهرة، ط1، 1990، ص68 وص69، نفس المعطيات، وكذلك، زكي نجيب محمود: المعقول اللامعقول في تراثنا الفكري،

(24) زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، ص100.

(25) زكي نجيب محمود: هذا العصر وثقافته، دار الشروق، بيروت القاهرة، ط1، 1980،ص169.

(26) ينظر: زكي نجيب محمود: المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ص33 وأيضا: زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، ص216 ـ ص234.

(27) زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، ص244.

(28) ينظر: زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ص116 وص335.

(29) المصدر نفسه: ص120ـ 121.

(30) زكي نجيب محمود: قصة عقل، ص227ـ228ـ

(31) زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ج2، ص150.

(32) ينظر: زكي نجيب محمود: الشرق الفنان، دار المدى، بغداد، دمشق،2007، ص63) كذلك: زكي نجيب محمود: قصة عقل، ص179.

(33) ينظر بحثنا: إعادة تشكيل العقل العربي (قراءة نقدية لطروحات محمد عابد الجابري)، مجلة أقلام ببغداد ع4 لسنة 2010، السنة 45، ص55 ـ ص64.

(34) زكي نجيب محمود: فلسفة و فن، ص232.

(35) المصدر نفسه، ص285.

(36) ينظر: زكي نجيب محمود: شروق من الغرب، دار الشروق، بيروت، لبنان،ص103.

(37) ينظر: زكي نجيب محمود: قصة عقل، ص73.

(38) المصدر نفسه، ص74.

(39) زكي نجيب محمود : الشرق الفنان،ص9.

(40) المصدر نفسه، ص42.

(41) ينظر: زكي نجيب محمود: جنة العبيط، دار الشروق، بيروت، القاهرة،ط2، 1982، ص19 ـ ص28.

 

ali almirhigالوجودية فلسفة إنسانية، ظهرت كردة فعل على التيارات المادية التي ظهرت في الفكر الغربي والتي تعاملت مع الإنسان بوصفه آلة، وسيلة أو غرضا، مهمتها الوصول إلى المعلومات عن طريق البحث العلمي، مستبعدة الجانب الجواني فيه، من روح ومشاعر ووجدان والعواطف وكل المكنونات الداخلية التي تختلج بها النفس الإنسانية. لذلك ظهرت الفلسفة الوجودية لتعطي لكل خلجات الانسان مكانها من الوجود الإنساني، بل وتعاملت مع هذه المكنونات بوصفها أس الوجود الفردي الإنساني.

كانت مهمة الفلسفة الوجودية تتحدد بمعرفة الوجود الفردي الإنساني، فكل إنسان له وجوده المتفرد الخاص وعلى هذا الإنسان الإنطلاق من مقولة أساسية في الفلسفة الوجودية هي أن "الوجود سابق على الماهية"، فأنا موجود ثم أخلق صفاتي وأعمالي.

تتعامل الوجودية مع الإنسان "بوصفه موجوداً لا بوصفه ذاتاً مفكرة" (ماكوري:ص13) كما تعامل معه (ديكارت)، ولكي أكون كذلك وجب أن أكون حرا، فأنا مُجبر على أن أكون حراً، والحرية تستدعي "حرية الإرادة"، فالإنسان الحر يفعل ما يُريد، وبكونه قادر على فعل ما يريد، فعليه أن يكون مسؤولاً عن أفعاله، فحرية الإرادة مرتبطة بـ "المسؤولية". من هنا يبدأ "القلق" فالحرية تستتبعها المسؤولية التي تستدعي القلق، فمعنى أنني حر والحرية تعني الإختيار والإختيار، فذلك يعني أنني مسؤول عن إختياري، وإختياري يعني أنني أرشد الآخرين للسير وفقاً له ووضعه إنموذجاً يُحتذى، ولربما سيكون إختياري هذا خط سير للآخرين، ومنها سيكون القلق أكبر لأن المسؤولية سوف لا تكون مسؤولية لإختيار فردي لتحقيق ذاتي فقط، بل يمكن أن يكون إختياراً للآخرين ممن لا يبحثون عن تفرد الذات. هذا الأمر جعل الإنسان الوجودي يميل للتشاؤم والقلق الذي نظر إليه الوجوديون خاصة كيركيجارد "على أنه مفتاح أساسي لفهم الوجود البشري" (ماكوري:ص240) تكوين الإنسان من جسد وروح يبعث على التوتر وهذا التوتر هو القلق بعينه. والإنتقال الوجودي من البراءة إلى الخطيئة بعد نزول آدم يمثل فقدانا للإتزان يُثير الإضطراب ويبعث على القلق. وسعي الإنسان إلى الحرية "الحرية بطبيعتها حُبلى بالإمكان، وما يعرفه المرء ويخبره بوصفه القلق هو تحرك الإمكان في "أحشاء" الحرية".(ماكوري:ص241) القلق بعبارة هيدجر "يجعل الإنسان Dasein وجها لوجه أمام وجوده الحر من أجل أصالة وجوده" (ماكوري:ص244) أو "الوجود الأصيل".

الوجودية بحسب قول سارتر: "نظرية تجعل الحياة الإنسانية ممكنة"1(1).

تلتقي الوجودية مع التجريبة في رفض الأخيرة العقلانية النظرية المؤمنة بالمعرفة القبَلية. لكن الوجودية تختلف عن التجريبية حينما يتجه الوجودي للتجربة البطنية الذاتية الداخلية باحثا عن معطيات هذه التجربة، في حين نجد التجريبي يتجه إلى التجربة الخارجية. الوجوديون يؤمنون بالمعرفة عن طريق المشاركة، أما التجريبيون فيؤمنون بالمعرفة عن طريق الملاحظة.

تلتقي الوجودية مع المثالية في أنهما يؤسسان فلسفتيهما على الذات البشرية أكثر من الموضوع. ويختلفان في أن المثالي يبدأ من الإنسان بوصفه ذاتا مفكرة، في الوقت الذي يبدأ فيه الوجودي من وجود الإنسان الشامل في قلب العالم. الفيلسوف المثالي يبدأ من الأفكار فيما الفيلسوف الوجودي يبدأ من الفعل. (ماكوري:ص30ـ36)  

أقسام الفلسفة الوجودية:

الوجودية المؤمنة: ويمثلها الوجوديون المسيحيون، أمثال كيركيجارد و كارل ياسبرز وجبريل مارسيل.

الوجودية الملحدة: وأهمهم هايدجر وسارتر وكامو وسيمون دي بوفوار.

 هاتان الفلسفتان تتفقان على صعيد واحد هو أن "الوجود يسبق الجوهر"(2)

مبادئ الفلسفة الوجودية

1ـ الذاتية: اي الانسان لابد ان يحقق ذاته، ويحقق ذاته حينما يوجد وبعد ان يوجد ويكون، ممتلكاً الوعي بهذه الكينونة، وهذا ليس بالرغبة بل بالسعي الى تحقيق هذا الهدف فقد أرغب أن أحقق شيء ولكن ليس لدي الارادة في السعي الى تحقيق ذلك الشيء. "الإنسان على حد قول سارتر: "هو خالق لنفسه لأنه هو وحده متصور لها"(سارتر:ص30)، "أن نعي أنفسنا بأنفسنا وبدون أية واسطة كانت.(سارتر:ص65). هذا ما يسميه سارتر بـ "الذاتية" "فالإنسان هو ما شرع في أن يكون، لا ما أراد أن يكون"ص31. الذاتية ليست تفردا من أجل رفض الآخر، لأن "التعديل الذاتي ليس إلا تأثرا بالغير وتقربا منه"(سارتر:ص33). "إن كينونة الوجود البشري ـ حسب تعبير هيدجر ـ هي السبيل المشروع لفهم حقيقة الوجود العام... (فنحن) لا نفهم الوجود إلا عن طريق وجودنا أو في صميم كينونتنا ...الإنسان هو ذلك الكائن الذي ينكشف الوجود من خلاله"(3). فلا انفصال بين الإنسان والكون، فالذات مرتبطة إرتباطا جوهريا بحقيقة خارجية هي العالم، وهذا ما سماه هيدجر "الوجود في العالم" ومثله "الوجود مع الآخرين"، فالذات "إنما هي تجد نفسها أيضا في عالم الآخر الذي لا بد لها من أن تتعامل معه وتعيش إلى جواره"(4).

"أنا أفكر فأنا موجود" لا تجعل الإنسان الوجودي يعي نفسه كما ذهب إلى ذلك "ديكارت" ولكنها تجعلني كإنسان وجودي كما يقول سارتر:"أعي نفسي مواجها الآخرين، وتجعل الآخرين شرطا لوجودي، ووعيي لهم لا يقل قوة عن وعيي لنفسي" "وجود الآخر شرط لوجودي وشرط لمعرفتي لنفسي وعلى ذلك يصبح اكتشافي لدواخلي اكتشافا للآخر كحرية تعمل إما إلى جانبي أو ضدي(سارتر:ص66ـ67). "الذات عند الإنسان الوجودي هي الموجود في نطاق تواجده الكامل، فهذا الموجود ليس ذاتا مفكرة فحسب وإنما هو الذات التي تأخذ المبادرة في الفعل وتكون مركزا للشعور والوجدان"(ماكوري:ص12).

2ـ الإرادة: أي إنني أٌريد أن أكون، وأسعى لتحقيق ما أريد، وبناءً عليه فأنا مسؤول عما أريد وما أُحققه.

3ـ المسؤولية: أي أن يكون الانسان مسؤولا عما يتخذه من قرارات وأفعال، وهذا لايعني بأن الانسان مسؤول عن نفسه فقط، بل هو مسؤول كذلك عن كل الناس، فكلمة ذاتية تعني انك حينما تريد لذاتك شيء ما فأنك تدعو الناس لأن تريد مثلما تريد وهذا ما تعنيه الوجودية بالذاتية التي تقتضي المسؤولية. "فأول ما تسعى إليه الوجودية هي أن تضع الإنسان بوجه حقيقته، وأن تُحمله المسؤولية الكاملة لوجوده"(سارتر:ص32).

"عندما نقول أن الإنسان يختار نفسه بنفسه نعني بالتالي أن الإنسان الذي يختار نفسه إنما يختار تبعا لذلك جميع البشر"(سارتر:ص32).

 فاختيار شيء ما هو تأكيد وإعلاء لقيمة هذا الشيء. وهذا الاختيار معناه دعوة للناس لهذا الإختيار. وحينما يكون هناك إختيار وهذا الاختيار ينبع من المسؤولية التي على الفرد ان يمتلكها، فان هذه المسؤلية التي هي عن نفسه وعن الآخرين تقتضي القلق.

4ـ القلق: الانسان في الفلسفة الوجودية يحيا في "كآبة" ويكابد القلق، وذلك لأن الانسان عندما يلزم نفسه تجاه شيء ما ويدرك في الوقت نفسه أن اختياره سوف لا يُكون وجوده لوحده، وانه لايختار لنفسه، بل يختار له وللانسانية كلها. عندها تكون المسؤولية يرافقها القلق الذي هو توتر بين مقولتين مختلفتين لذة ـ وألم، حب ـ كراهية. القلق بتعبير هيدجر "هو الذي يرد الكائن الحر إل إمكانية وجوده...فالقلق تجربة وجودية تكشف للذات عن حقيقة وجوده في العالم"(5).

5ـ الإختيار والحرية: الانسان حينما يختار يمارس حريته، ولكنه قبل ان يختار يجد نفسه حيال ممكنات لانهائية، لكنه عندما يختار ينبذ هذه الممكنات إلَا واحداً، فالاختيار نبذ وعدم الاختيار نقصان، وهو توتر بين الممكن والواقع، والذات وهي تختار تخاطر وتمارس العدم في الوقت نفسه(6). والإنسان اذ يختار فأنه مضطر الى ذلك لأنه لابد ان يفعل فجوهر الوجود الفعل ولا فعل من غير حرية، "فالإنسان مضطر أن يكون حرا وقد حٌكم علينا بالحرية"(سارتر:ص42). لقد سمى هيدجر الحرية بـ "الوجود الأصيل" في مقابل "الوجود الزائف"، فالوجود الحقيقي أو الأصيل هو (الذي تشعر معه الذات بأنه قائمة بنفسها، مسؤولة عن ذاتها، أما الوجود الزائف فهو ذلك الوجود العيني الذي تهبط به الذات إلى مستوى الموضوع، فتميل إلى الإنغماس في المجموع، آملة من وراء ذلك التهرب من حريتها، والتنصل من مسؤوليتها، والتخلص من شعورها بالقلق)(7).

هذه الحرية تجعل قيمة الإنسان فيما يقوم به من عمل، فما لا يرسمه الإنسان في الواقع ليس له أدنى وجود وبالتالي ليس له أدنى قيمة، فقيمة الإنسان بما يهتم به وما يسعى في سبيله وما يؤديه من أعمال وما يُقيمه من علائق.(سارتر:ص57ـ59)(8).

عبد الرحمن بدوي والفسفة الوجودية

تأثر بدوي في بداية حياته بفلسفة نتشه التي تُعد تمهيداً لبزوغ الفلسفة الوجودية وظهورها، وكثير من الباحثين حسب فلسفة نتشه فلسفة وجودية بمعناها الإنساني، وقد كان كتاب بدوي الأول بعنوان "نتشه"، الذي نشرته مكتبة النهضة المصرية في القاهرة، ومن كتبه المميزة عن الفلسفة الوجودية والذي وضع فيه فلسفته الوجودية هو "الزمان الوجودي" وقبله كان كتابه "الموت والعبقرية" الذي كان في الأصل رسالته في الماجستير، وقد بين قيمة الفلسفة الوجودية في كتابه "دراسات في الفلسفة الوجودية"(9)، ولكن ما ميز وجوديته وجعلها أكثر وضوحاً هو كتابه: "الإنسانية والوجودية في الفكر العربي "، الذي حاول فيه التأصيل للفلسفة الوجودية عبر إستهاض التراث "المشرقي" والكشف عن نزوع الإنسان العربي وأصول نزعته التحررية في بلاد المشرق من خلال توظيفه لعلاقة التصوف بالوجودية أولاً، والكشف عن النزوع الوجودي في الشعر العربي ثانياً، والدين ببعده الأنسني، بوصفه تعبير فردي عن التجربة الروحية التي يبلورها الدين ويجلي الروح فيها للكشف عن نزعتها الحسية والجمالية المتواشجة مع التجربة الذاتية الفردية التي تميل للعاطفة والرجوع إليها(10).

 صفات الإنسان الوجودي عند بدوي:

1ـ يرى بدوي أن الإنسان الوجودي هو مالك الإرادة والمُعبر عنها بما يجب عنها بوصفه ذات إنسانية.

2ـ الابتعاد عن الجانب الميتافيزيقي.

3ـ أساس المعرفة العامة هو النور الطبيعي أعني العقل الإنساني.

4ـ غزو الذات للموضوع بفرضها قيمة عليا واستخدامه كأداة لتحقيق إمكانيتها.

5ـ معارضة الالوهية بالطبيعة بعد السيطرة عليها فتكون هي مملكته بممارسة ممكلة الالوهية.

6ـ تمجيد الطبيعة، أي الإتصال الوثيق بالطبيعة لدرجة عشقها، وعبادة الطبيعة باعتقاد بدوي متأت من عبادة الإنسان لذاته بوصفه جزءً من الطبيعة.

7ـ يمجد العقل ولكن ليس ذلك العقل المجرد الجاف ولكن العقل الحيوي الذي يحيا العاطفة ويتكئ على الحس.

8ـ النزعة الحسية الجمالية التي تميل الى الرجوع الى العاطفة وإستلهامها.

عبد الرحمن بدوي والفلسفة الوجودية

حصل على شهادة الماجستير في رسالة (مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة) وقد نُشرت شهاداته الماجستير والدكتوراه في كتاب (الزمان الوجودي) و(مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة) و(الموت والعبقرية) بالإضافة إلى أن لديه كتبا أخرى منها (نيتشه) و(أفلاطون) و(الوجودية في الفكر العربي) و(الموسوعة الفلسفية في مجلدين) بالإضافة إلى الكتب المترجمة. أما آخر كتبه فهو (الدفاع عن القرآن عند منتقديه والدفاع عن محمد ضد منتقديه).

كان يُعرّف نفسه بعبارة (أنا فيلسوف مصر) وقد تُوفي في الخامسة والثمانين من عمره إثر إصابته بالكآبة والشيخوخة.

أتنقن العديد من اللغات الأجنبية وترجم منها أهمها: اللاتينية القديمة وتفرعاتها: الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وترجم عن الفارسية.

كان الأول على دفعته في مرحلة "الليسانس"في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة "فؤاد الأول" عام 1938، وقد حصل على الماجستير بتقدير "إمتياز". كان من أساتذته المُحببين إليه: مصطفى عبدالرازق وطه حسين وأندريه لالاند وماسنيون. (يُنظر: عبدالرحمن بدوي: سيرة حياتي، ج1ـ ج2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، ط1، 2000).

طريقه إلى الوجودية:

يجب التوقف عند أمرين هما:

رحلته مع الوجودية.

رؤيته الذاتية من واقع أحاديث وتصريحاته لكي يعبر بها عن وجوديته كفلسفة ومنهج حياة.

لقد تأثر بدوي بالوجودية الألمانية عند هايديكر حيث قال: "إن غاية كل وموجود أن يجد ذاته وسط الوجود والوجود الفعلي هو دائما حاصل زمني في الآن وكل وجود يتصور خارج الزمان هو موجود موهوم، وليس قول الإنسان الا محاولة للقضاء على الجزع من الزمان، وهو يؤدي بالزمان إلى تضليله وتعليله بالأماني الكاذبة. وأولى بالإنسان أن يسلم بواقعه الزمني ويواجهه ككائن حر.".

والوجود الحقيقي هو الوجود الفردي الحر ومعنى الحرية الإمكان وليس ثمة إلا وجودان هما:

وجود الذات.

وجود الموضوع.

وإن وجود الذات وهو الذي يتمثل بالوجود الفردي الحر أي هو وجود الأنا المريدة أو هو الوجود الذي يتضمن معنى الاختيار.

أما الوجود الموضوعي فهو وجود زائف، يتملك الإنسان فيه الأشياء وهو لا يملكها.

والآنية: هي تحقيق الذات للمكن بإرادتها واختيارها. والشعور بالوجود لا يكون بالفكر لكنه بالوجدان وذروة هذا الشعور بالوجود لا يكون بالفكر، لكنه بالوجدان وذروة هذا الشعور في التوتر، والتوتر وحده بين الأصل والمقابل، فالتألم أصل، والسرور مقابل، والوحدة المتوترة هي التألم السار. وكذلك فالخطر أصل، والإيمان مقابل، والوحدة المتوترة هي الخطر الآمن. وإن منطق بدوي يقوم على مبدأ التوتر، وطابع الوجود الذاتي هو التوتر الناشئ عن اتحاد الوجود واللاوجود عدم، وهو الأصل في الفردية وفي الحرية والزمان هو العلة الفاعلة لاتحاد الوجود بالعدم، ولا وجود إلا بالزمان، ومع الزمان ولا حاجة إلى القول بوجود خارج هذا الزمان، أي لا حاجة إلى القول بوجود المطلق.

وقد اشتهر عبد الرحمن بدوي كفيلسوف وجودي ارتبط اسمه باتهامات تلاحقه بالإلحاد قبل أن يقدم أعماله الإسلامية. وممن كتبه (الإلحاد في الإسلام) وقد يكون سبب ذلك هو تأثره بهايديكر.

الفلسفة الوجودية في الفكر العربي

بدات الفلسفة الوجودية مع الفيلسوف الدانماركي كيركيغارد الذي انطلق في فهم الوجودية من الايمان معتبراً ان عدم تحقيق الانسان لوجوده يعود الى الاغتراب الذي يعيشه عن الذات وعن الله.

يمثل كيركيغارد وجبريل مارسيل وكارل ياسبرز الوجودية المؤمنة، اما هايدجر وسارتر فانهم يمثلون الوجودية الملحدة.

تتفق الوجودية المؤمنة مع الوجودية الملحدة بنقطة اساسية وهي القول بأن الوجود سابق على الماهية بمعنى ان وجود الشيء سابق على التفكير به، الانسانية ماهية، محمد، زيد، عمر، وجود، فكيف يسبق الوجود الماهية فالانسانية كانت في عقل الله (ان جاز التعبير) وهي ماهية.

الوجودية الملحدة ترى انه اذا لم يكن الله موجوداً فانه يوجد على الأقل مخلوق واحد قد تواجد قبل أن تتحدد معالمه وتبين، هذا المخلوق هو الإنسان أو أنه بلغة هايدجر الواقع الانساني، بمعنى أن وجوده كان سابقاً على ماهيته.

الوجودية المؤمنة ترى أن الإُنسان خلق اولاً في صورة الإنسان، الصورة العامة للانسان في عقل الله، ثم بعد ذلك تتحدد صفات كل إنسان ومعالمه، أي أن الوجود أيضاً يسبق الماهية.

لكن ماذا تعني الوجودية بأن الإنسان يوجد أولاً ثم يتعرف الى نفسه ويحتك بالعالم الخارجي فتكون له صفاته ويختار لنفسه أشياء هي التي تحدده، فإذا لم يكن للإنسان في بداية حياته صفات فذلك لأنه بدأ من الصفر، بدأ ولم يكن شيئاً وهو لن يكون شيئاً الَا بعد ذلك، ولن يكون سوى نفسه.

إن الإنسان في الوجوديتين يوجد ثم يريد أن يكون، وهو يكون ما يريد أن يكونه بعد القفزة التي يقفزها الى الوجود.

يذهب بدوي الى البحث عن النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر الى الجذور فيرى أن التداخل الفارسي العربي كان له أبعد الأثر في تطور النزعة الإنسانية لدى العرب، لذلك يذهب الى القول أن هذه النزعة بطابعها الوجودي توضحت أصولها في عهد كسرى آنوشروان وهو (بروزويه) بنزعته الشكية وقوله أن "الإنسان هو أشرف الخلق وأفضله".

 أشار بدوي الى شخصية بولس الفارسي وتفضيله العلم على الإيمان، لأن العلم لا يُداخله الشك بينما الإيمان يداخله الشك، والشكك ليس في ذات الفرد أكثر منه في نظر الآخر.

ركز بدوي على سلمان الفارسي التي تنقل بين الأديان شاكاً وباحثاً عن الدين الحق من المزدكية الى المسيحية وأخيراً الإسلام الدين الذي إستقر فيه ودافع عنه.

فكرة الانسان الكامل

وهو النموذج الأول للإنسانية وأصلها أو بعبارة إفلاطون "إن الإنسان الحسي هو صنم لذلك الإنسان الأول الحق، الَا أن المصور هو النفس وقد خرجت لأنها تُشبه هذا الإنسان بالإنسان الحق، وذلك لأنها جعلت فيه صفات الإنسان الأول ولكنها صفات ليست كاملة كما هي عند الإنسان "الكامل" الأول، وذلك لأن الانسان الأول نور ساطع فيه جميع الحالات الإنسانية إلَا انها فيه نوع أفضل وأشرف وأقوى.

ولهذا المعنى يذهب هرمن حيث يقول "الطَباع التام شمس الحكم وأصله وفرعه، فقيل وما هو الطباع التام، قال روحانية الفيلسوف التي هي متصلة بنجمه فتتفتح مغالق الحكمة وتعلمه ما إستشكل عليه صوابها وتُعلمه مفاتيح أبوابها في النوم واليقظة".

الطَباع التام هذا بمثابة النموذج الأعلى للإنسان وهي كما يعتقد بدوي رمز تجسيدي لقوة الإنسان المُبدعة في أعلى درجات إمكانها، ومن يعتقد بالإنسان الكامل وبضرورة الوصول اليه أو إدراكه إنما هو باعتقاد بدوي ذو نزعة انسانية خالصة.

أما النظر الى الإنسان على أنه مركز الوجود فقد وجد بدوي خير تعبير عن هذه الفكرة عند ابن عربي وعبد الكريم الجميلي، لا سيما ربط ابن عربي بين الإنسان والألوهية وأن الله خلق آدم على صورته، والقول بالعالم الصغير والعالم الكبير وأن كل ما وجد في العالم الكبير إنما له وجود في العالم الصغير، فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، ومن عرف ربه فقد عرف نفسه.

أما عبد الكريم الجميلي فقد تابع ابن عربي وأكد القول بأن الإنسان الكامل أو الأول هو صورة دقيقة كاملة من الله ولهذا فهو خليفته في الأرض، فالإنسان عند الجيلي كما يعتقد بدوي جامع لكل الموجودات شاملا لكلتا الحضرتين الإلهية والكيانية (الانسانية).

الإنسان قادر على بلوغ هذه المرحلة التي هي الإنسان الكامل والوصول إليها، مثال ذلك ما تحقق في الإنسان النبي الذي يُتخذ نموذجاً للإنسان الحسي، لأن النبي في الإسلام يُنظر له على أنه إنسان بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

ولربما يقول قائل أن هذه هي روح صوفية وليس لها علاقة بما يقوله بدوي؟ إلَا أن بدوي يرى أن هذه النزعة ما هي إلَا محاولة ودعوة لإكتشاف أسرار الطبيعة ومعرفة العلل وكيفية نشوء الأشياء. وهذه النزعة ما هي إلَا تبرير روحاني للاعمال العفوية والنظرات العلمية الخاصة بإستخراج علم سرائر الخليقة وعلل الطبيعة.

يستشهد بدوي بجابر بن حيان وحديثه عن الإنسان المطلق وقوله "أن الإنسان إذا عرف سر التكوين في الطبيعة إستطاع أن يقوم بدورها فيه، وأصبح بالتالي مُقارناً للإله في القدرة على الخلق فقد ميز ابن حيان بين نوعين من الخلق، الكون الأول وهو الذي أوجده الله والكون الثاني وهو ممكن لنا.

وهذه الرؤية العربية للإنسان هي قريبة كل القرب من قول سارتر "الإنسان يتحقق إنسانا كيما يكون الله".

مجَد داود بن المحبر العقل مستشهداً بقول النبي (أول ما خلق الله العقل) وكذلك هو الحال مع ابن الراوندي حينما مجَد العقل بقوله "ان الرسول شهد للعقل برفعته وجلالته فلم آتي بما يُنافره إن كان صادقا" .

أما ابو بكر الرازي فيقول "أن الباري إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ فيه المنافع العاجلة والآجلة وأنه أعظم نِعم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا .. ولا نجعله وهو الحاكم محكوماً عليه"

كان لآراء السهروردي في كتابيه: "هياكل النور" و "الغربة الغربية" بعدها الصوفي والعرفاني الواضح، ورغم ذلك فقد فاق الشعراء بالإحساس بالطبيعة وبجمالها والإندماج فيها بوصفها الصورة الأخرى لتجليات الله.

أوجه العلاقة بين الصوفية والوجودية

كلتاهما تبدأ من الوجود الذاتي وتقيم من أحواله مقولات عامة للوجود، وهي بالتالي تجعل الوجود سابقاً على الماهية، فالصوفي لا يعترف بوجود حقيقي غير الوجود الذاتي، ولهذا فالقول لا يُحسب للوجود الخارجي إلَا بوصفه مرتبة ثانية من مراتب الوجود.

فكرة الإنسان الكامل تُقابل عند الوجودية فكرة الأوحد، خصوصا، عند كيركيجارد فالأوحد يحيا في ذاته في وحدة هائلة، الوحدة وطنه الحقيقي، كما قال نيتشه، والصمت عنده مصدر للنشوة المستمرة كما قال كيركيجارد، والمعنى الأعمق للأوحد شعوره بأنه سـ "يكون وحده مع الله وحده" او كما قال كيركيجارد "امام الله لن تكون الا امام نفسك .. وحيداً مع ذاتك أمام الله" وكل هذه الأوصاف نراها عند الصوفية الإسلامية. فكما قال الحلاج لحظة إعدامه "لن يكون ثمة واحد هو نفسه" أو قوله "فمن هو فريسة أمام أعين الناس يحيا مع الله وجها لوجه، فإن حضر الناس إختفى الله، ولكن إن حضر الأوحد حضرت الألوهية، حضرت من أجل الأوحد دون أن تكون في حاجة الى ملك يُعلن عن حضرتها". اذن، فكرة الإنسان الكامل عند الصوفية هي أكبر توكيد للنزعة الإنسانية لأن فيها تأليه للإنسان، والوجودية تضع الوجود الإنساني مكان الوجود المطلق وتقول "ليس ثمة كون غير الكون الإنساني، كون الذات الانسانية".

الشعر الوجودي "شاعر يخلق عالما من الوجود قائماً بذاته ويملك من الحقيقة قدر ما يملك الفيلسوف في نظر صاحبه" والفيلسوف الوجودي تساوى في هذه الناحية مع الشاعر الوجودي لان كلاً منهما يؤسس عالمه ويبدعه، عالمه الانساني الذاتي ولا حقيقة خارج هذا العالم عند كليهما . الشاعر يخلق عالمه بواسطة الكلمة، كلمته هو.

النبي محمد (ص) ورسالته تمثل ارقى حالة تحقق الانسانية في ذات النبي.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

..................

(1) جان بول (سارتر): الوجودية مذهب إنساني، ص21.

(2) المصدر نفسه، ص26.

(3) زكريا ابراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، مكتبة مصر، القاهرة ـ مصر، بلا، ص400.

(4) المصدر نفسه، ص407.

(5) زكريا ابراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، ص410.

(6) هذه النصوص مقتبسة من كتاب سارتر الوجودية مذهب إنساني، مصدر سابق.

(7) ينظر: زكريا ابراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، ص406ـ407.

(8)ـ إعتمدنا في هذا التخيص للفلسفة الوجودية على المصادر والمراجع التالية:

أـ جان بول (سارتر): الوجودية مذهب إنساني، تر: حين مكي، منشورات مكتبة حياة، لبنان ـ بيروت، بلا.

ب ـ عبد المنعم الحفني: معنى الوجودية، وهو تفسير وتحليل لكتاب سارتر "الوجودية مذهب إنساني".

ج ـ جون ماكونري: الوجودية، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد58 لسنة 1982.

(9) يُنظر: عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، دار الثقافة، بيروت ـ لبنان، ط3، 1973، وقد تناول فيه : خلاصة الفلسفة الوجودية، وفلسفة كيركيجورد وفلسفة مارتن هيدغر "زعيم الوجودية" برأيه، وفلسفة كارل ياسبرز، والأدب الفلسفي في كتابات البيركامو، ولمحة عن وجودية برديائييف، وتفصيل عن فلسفة سارتر، ومن ثم تلخيص بمذهبه الوجودي وتصوره عن "الزمان الوجودي" الذي أبانه في كتابه: الزمان الوجودي وفي موسوعته الفلسفية. ولمن رام توسعاً ومعرفةً لتصوراته عن مفهوم "الزمان الوجودي"، فاليرجع لهذين المصدرين المهمين في فلسفة بدوي.

(10) يُنظر: محمد فاضل عباس: عبدالرحمن بدوي رائداً للفلسفة في الفكر العربي المُعاصر، دار إبن النديم ودار الروافد الثقافية، بيروت، لبنان، ط1، 2013، ص535 وما بعدها.

 

zouhair khouildi2لا شك أن العصر الذى نحيا فيه هو عصر الصورة، فالثورة الرقمية جعلتنا نسكن شبكة من الرموز وليس كوكبا وتكاثر وسائل الاتصال قربت بين المسافات وعجلت بظهور الإنسان المرآوى وجعلت الكون بأسره يتحول إلى شاشة عملاقة تحدد نمط العلاقة بين الأفراد وطبيعة الرؤى والمنظومات الرمزية التى تتوسط بينهم والعالم، وبدأ البعض يتحدث عن نهاية الكتابة وسطوة المرئى وبشر البعض الآخر بالتحول الذى حصل للصور من مجرد وسائط إلى خميرة للإبداع ومادة للتفكير.

بيد أن التفكير فى الصورة لا يعنى فقط تتبع مسارها التاريخى ورصد لحظات ضعفها وفترات مجدها ولا يتوقف أيضا على علاج إشكالية ترددها بين الحياة والموت كما فعل ريجيس ديبرييه أو الدعوة إلى عقد القران بينها وبين التطورات التقنية ومجتمع الفرجة مثلما صنع غى بور "ليرتبط عصرها السحرى بظهور اللوغوسفير وعصرها الجمالى بالغرافوسفير وعصرها الاقتصادى بنشأة الفيديوسفير كما نجد ذلك عند جان بودريار وغى بور" بل يتعدى ذلك نحو تقصى تأثيراتها على الوعى والعقل والإحساس وانعكاساتها على الفن والدين والإنسان وشكل حضوره فى العالم والبحث فى علاقاتها بأصول الأشياء التى تصورها والنسخ التى تنتجها والألعاب التى تنخرط فيها ومساءلة أنماط وجودها المترحلة بين الوسيلة والغاية وبين الشكل والمضمون وبين التزيينى والمناسباتى والاهتمام بعلاقة الصورة بالعرض والتمثيل والمحاكاة والخبرة الحية.

ما نلاحظه هو وقوع الأوساط الفكرية فى الخلط والتحريف عند ترجمة المفردات الفرنسية التالية: image وfigure وforme بكلمة واحدة هى الصورة رغم أن الكلمة الأولى متأتية من الكلمة اللاتينية imago والكلمة الثانية قد تعنى الشكل والثالثة تفيد الإطار الذى توضع فيه ، فماهى الترجمة التأصيلية للكلمة الألمانية Bild؟ وهل هى مجرد صورة متخيلة أم أنها ممثل عن الحقيقة المادية؟

من هذا المنطلق قام الفيلسوف الهرمينوتيقى الألمانى المثير للجدل هانس جورج غادامير "1900-2002" بالاستشكال الأنطولوجى لمصطلح الصورة أول مرة فى كتابه" الحقيقة والمنهج" حيث بين التناسج الأنطولوجى بين الصورة وأصلها وقام ببناء هرمينوتيقا فلسفية تعيد تعريف مفهوم الفن بشكل مغاير عن التعريفات السائدة وتقوم بنقد الوعى الجمالى وتعتمد على اللعب كمبدأ تفسيرى وتجسد ذلك فى طرحه للأسئلة التالية: أى نمط وجود يمكن أن تحتله الصورة؟ ماهو الأمر المشترك بين مختلف أشكال الصور؟ هل يمكن تطبيق نمط الوجود الجمالى الذى يجعل من اللعب مفتاحا للتفسير الأنطولوجى على الصورة؟ ما علاقة الصورة بالأصل الذى تصوره؟ هل هى مجرد نسخة أم أنها عرض مضاعف للأصل؟ لكن إذا كان العرض هو نمط وجود العمل الفنى كيف تساعدنا الصورة على التحقق من معنى العرض؟ ما الفرق بين الصورة المتخيلة والصورة المرآوية؟ هل الصورة غاية أم وسيلة؟ هل تمثل الصورة الشخصية نسخة ذاتية أم أنها فى إعادة الإنتاج تدليل على ما يستنسخ؟ كيف تمتلك الصورة وجودها الخاص المستقل عن الأصل؟ هل الصورة مجرد عرض لأصل أم أنها تتخطى ذلك؟ إلى أى حد يصح قول غادامير بأن الصورة تتمتع بمكانة أنطولوجية ايجابية؟ كيف يفسر فيلسوف الهرمينوتيقا تدحرج قيمة الفن؟ ولماذا التجأ إلى نقد الوعى الجمالي؟ وماذا يقصد بفنومينولوجيا الصورة؟ ما علاقة الصورة بالتزيينى والمناسباتي؟ وكيف يؤدى الاعتماد على مفهوم اللعب إلى فهم البعد الأنطولوجي؟ من ناحية أخرى إذا كان هيدجر قد بين أن حقيقة الأثر الفنى هى شيئية شيئه وكانت الصورة أحد الآثار الفنية فهل يحوز لنا أن نتساءل عن صورية الصورة؟

ان رهان غادامير ليس التخلى عن الفن أو البحث عن بديل عن الصورة بل إبراز الوظيفة الأنطولوجية للصورة وإعادة تعريف الظاهرة الجمالية وذلك بإحراز أفق يربط بين الفن والعالم ويصالح بين الإنسان والتاريخ ويماهى بين الجمال والحقيقة.

حالة الفن فى عصر الصورة:

"بعزلنا الفن عن ارتباطاته بالحياة وعن الشرائط التى نقاربه بها فإنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على الجدار"[2].

الفن يزيد من قدرة الإنسان على أن يصور الأشياء الموجودة فى العالم وعلى أن يتخيلها فى وضعيات أفضل ويصنع منها عوالم أرحب وقد جعل الناس من الفن يعبر عن الجمال وينتج الحقيقة فى الآن نفسه ويظهر ذلك فى الطاقة الهائلة التى تكتنزها الآثار الفنية على إنتاج المعنى وإضاءة المناطق المظلمة وفتح الفضاءات المغلقة.

انحطاط الفن فى الحقبة المعاصرة هو حقيقة ساطعة وأمر ظاهر وبادى للعيان حسب غادامير من عدة نواحى أهمها غزو العقلية التجارية للفن وانحدار الخلق الفنى إلى مجرد إنتاج صناعي، علاوة على احتلال الوعى الجمالى المكانة التى كان يحتلها الذوق الفنى واتصاف هذا الوعى بالتجريد وادعاء الشمولية على الرغم من آنيته ومسايرته للبنى التقليدية.

من جهة أخرى يذكر غادامير استعادة جماليات العبقرية نظرية الإلهام والتوسط والحدس والتقمص وعزل الأعمال الفنية عن الحياة والتعامل معها كمجردات ورموز مغلقة على ذاتها ولا تشير إلا إلى بعضها البض وحتى لغتها السرية فلا يفهمها سوى مبدعوها.

وتأكيدا لهذا النقد لعلم الجمال الكانطى نجده فى كتاب آخر عن هيدجر يرى أن :"ما نخبره فى الجميل- وفى الطبيعة وفى الفن كذلك- هو الانتعاش الكلى والتفاعل الحر لجميع قوانا الروحية. فحكم الذوق ليس معرفة ولكنه ليس حكما اعتباطيا.

وهو ينطوى على ادعاء الشمولية التى يمكن أن تؤسس استقلالية العالم الجمالي. ويجب أن نقر بأن هذا التسويغ لاستقلالية الفن كان المنجز العظيم لعصر التنوير من خلال الإصرار على قداسة القوانين والاستقامة الخلقية. فكانت هذه على نحو خاص هى الحالة تماما فى إحدى نقاط تاريخ ألمانيا عندما كانت الحقبة الكلاسيكية للأدب الألمانى من خلال تمركزها فى فايمر تسعى إلى تأسيس نفسها دولة جمالية، فوجدت تلك الجهود فى فلسفة كانط تسويغها المفهومي. ومع ذلك كان تأسيس علم الجمال على ذاتية القوى الذهنية بداية عملية التذويت الخطرة"[3].

عيب هذا الاتجاه أنه فهم العمل الفنى على أنه تموضع للروح وتصور الفن على أنه تحلى الروح على مستوى الحدس الحسى للعالم لأن الفن حسب رأيهم وبالمعنى الحرفى للكلمة هو حدس العالم.

عيب الكانطية المحدثة التى قضت على علم الجمال المثالى أنها رفضت الاعتماد على المفاهيم عند التعامل مع الأثر الفنى واعتقدت فى وجود منهج موصل إلى الحقيقة ولكن هذا خطأ حسب غادامير لذلك نجده يقول:" هذه الحركة الفلسفية المهيمنة كانت قد أحيت الأساس الكانطى للمعرفة العلمية من دون استعادة الأفق الميتافيزيقى الذى يقع عند أساس وصف كانط للحكم الجمالى وأعنى بذلك نظام الوجود الغائي. وبالنتيجة تعبأ التصور الكانطى المحدث للمشكلة الجمالية بأحكام مسبقة فريدة، وعرض موضوعة مقال هيدجر يعكس بوضوح هذه الحالة"[4].

لا ينظر الوعى الجمالى إلى الفن إلا من جهة الشكل الجمالى أو الصورة الفنية غافلا عن أن الجميل الفنى هو مفهوم حديث نسبيا وطارئ على التجربة الفنية وهو لم يكن أبدا منعزلا عن سائر أشكال حياتنا الإنسانية ولذلك يدعو غادامير إلى إعادة بناء الوعى الجمالى بتبصيره بماهية الفن وتمكينه من تحصيل الحقيقة فى الأعمال الفنية.

عيب الحداثة الفنية أنها أهملت قضية الرمز فى الفن وبخاصة فى فن التصوير إذ أن "الطابع المميز لفن عصرنا أنه يفتقر إلى الرمزى ولا يستعدى الموضوعات الأسطورية الرمزية فى الدراما القديمة والشعر الملحمى من أجل تصوير العالم الدينى ولفهم القدر الإنساني".

"فالحقيقة الواضحة للعيان هى أنه قد حدث فى عصرنا تحول بلا انقطاع فى مسار الفن التقليدى العظيم المتوارث عبر العصور الماضية"، كما وقع اختزال الفن فى العرض وجعل كل عمل فنى فى صورة واختزلت الصورة فى الإطار الذى يحتويها وعلقت على الجدار من التفرج عليها، يقول غادامير حول هذا الموضوع:" إنما نحن نؤطره مثل صورة ونعلقه على جدار"[5].

النظرة الاختزالية تظهر فى الحاجة إلى المكان والتأطير والوضع جنبا إلى جنب وقد تسبب فيها الوقوع ضحية الاستخدام العام للصورة: "نحن نفهم من هذه الكلمة الصورة الحديثة المؤطرة التى لا تحدد بمكان معين وإنما تعرض نفسها بنفسها على نحو كامل بفضل الإطار الذى يؤطرها. وهذا يمنح اللوحات إمكانية أن توضع جنبا إلى جنب كما فى قاعات العرض الحديثة"[6].

بقى أن نشير إلى سيطرة الفهم الكلاسيكى للجمال على تعريف الفن بماهو رؤية للعالم والاعتقاد الساذج فى إمكانية مقاربة الظاهرة الفنية مقاربة موضوعية وتطبيق المناهج العلمية عيها، إذ يقول غادامير حول هذا الموضوع: "الجميل هو الشيء لو أضيف له شيء أو اخذ منه شيء فسوف يدمره" [7].

نستخلص من هذه الإشارات أن السبب الرئيسى لانحدار قيمة الفن هو سيادة الصورة واعتقاد الوعى الجمالى كل شيء خاضع لتقنيات التصوير الشائع مادام لع قابلية العرض ويمكن أن يتحول إلى صورة والصورة مرتهنة بالإطار والخلفية وتعلق على جدار وتكون فيها بنى موحدة ومغلقة.

من هذا المنطلق يشعر الإنسان المعاصر إزاء ظواهر الفن بالاغتراب والضياع فقد حجبه اغتراب الوعى الجمالى الذى نسى ماهية الفن وخبرته الأصلية بالحقيقة ولذلك يسعى غادامير نحو ربط الفن بالعالم المشترك وذلك بالحفر فى الجذور وتحقيق المصالحة بين فن الماضى وفن الحاضر طالما أن الآثار الفنية التى خلفها السابقون هى ينابيع ينبثق منها الجمال والحقيقة والمعنى.

يبذل غادامير جهده من أجل تجاوز هذه الحالة غير المقبولة التى انتهى إليها الفن ولذلك يعيد تعريفه كما يلي:" طبيعة الفن لا تتمثل فى تحويل شيء كان قد تشكل من قبل أو تتمثل فى نسخ شيء كان موجودا من قبل. إنما الفن هو شروع من خلاله يبرز شيء ما بوصفه شيئا حقيقيا."[8] والمقصود من ذلك أن المهمة الفريدة التى ينبغى أن ينهض بها الفن فى حياتنا المعاصرة هى قدرته على تشخيص أسباب التوتر وعدم الألفة بين الإنسان والعالم والعمل على مساعدة الإنسانية على إعادة الحياة إلى تجربة القرب والألفة إزاء العالم من خلال اللغة.

المشكلة أن ربط الصورة بالعرض أدى إلى تضخم عرض الصور والكف عن القول بخيالية الصور بل الإقرار بواقعيتها وماديتها والذى أدى بدوره إلى غياب أمكنة فارغة تصلح لعرض الصور الجديدة.

ألم يقل غادامير:"منذ لم يعد لدينا أى مكان للصور عرفنا آنذاك فقط أن الصور ليست متخيلة بل تحتاج إلى مكان"[9] ؟ كيف سيصل غادامير إلى تعريف جديد للفن يتمثل فى زيادته من قدرة الكائن على أن يكون مصورا طالما أن الصورة هى المجال الوحيد الذى يتيح له فرصة أن يعرض نفسه بالشكل الذى هو عليه فعلا؟

الصورة بين العرض والتمثيل:

"يبدو لى أن نمط وجود الصورة لا يمكن أن يوصف أفضل من مفهوم يخص القانون الكنسى وهو التمثيل[13] représentation

لقد تفطن غادامير إلى أن كلمة zoon تعنى ببساطة صورة وأن النسخة تفقد وجودها المستقل وتقتصر على أن تكون شبيهة بالأصل لا غير ويرى أن الصورة المرآوية هى النسخة النموذجية. فى هذا السياق يقول:"ان النسخة النموذجية ستكون صورة تعكسها المرآة لأن وجودها سيتلاشى فعلا فهى موجودة فقط من أجل الشخص الذى ينظر فى المرآة وهى ليست شيئا آخر غير مظهرها وحسب" [14].

لكن غادامير يعترف بالقيمة الأنطولوجية للصورة المرآوية ويرفض أن تكون نسخة أو رسم توضيحى لأن فيها سيظهر الشخص فى الصورة ومهمتها تعيين هوية هذا الشخص. وآيته فى ذلك أن:" المرآة تجعل مما تعكسه مرئيا من قبل الشخص مادام هو ينظر فى المرآة ويرى صورته أو صورة أى شيء آخر تعكسه المرآة" [15].

الصورة ليست نسخة لأن الصورة لها قوام وجودى بينما النسخة تطمس نفسها وأقصى ما تريده هى أن تكون متشابهة مع الأصل أما الصورة فهى تجعل الشخص يوجد والشيء يظهر وان إعادة إنتاجها تكتسب وجودا مستقلا يفوق الأصل أحيانا. تستخدم النسخة كوسيلة من أجل التدليل على الأصل وتفحص مقارنة وتمييزا بينها وبين ما تستنسخه. ان الصورة "ليس مقدرا عليها أن تطمس ذاتها لأنها ليست وسيلة من أجل غاية...وهذا يعنى أن المرء لا يصرف انتباهه عن الصورة إلى ماهو ممثل فيها بل ان العرض يظل مرتبطا على نحو أساسى بما ممثل وينتمى إليه حقيقة"[16].

ان القراءة الهرمينوتيقية من طرف غادامير للصور بينت أن اللاتمايز بين هوية الصورة والمصور فى اللحظة السحرية هو الطابع الأساسى الذى يطبع تاريخ الصورة لأنها غير قادرة أنطولوجيا على الانفصال عما هو ممثل وأن "نموذج الصورة المرآوية لا يغطى التصور الجمالى عن الصورة"[17]لأنها مجرد مظهر وانعكاس مرآوى وغير موجودة واقعيا وتعتمد كوسيلة لإظهار ماهو منعكس فيها. فى حين أن الصورة تؤكد وجودها الخاص وتمكن ماهو مصور من الوجود.

ان الصورة الفوتوغرافية الشخصية الجيدة ليست مجرد نسخة الشخص المصور بل هى منتوج استعمال فنى لتقنيات آلية يقول شيئا عن الأصل، وإذا كان للصورة وجود عرضى فان هذا العرض له ارتباط جوهرى بالأصل وعن هذا الأمر يقول غادامير:" فالقول ان التمثيل صورة وليس الأصل نفسه لا يحمل أى معنى سلبى فهو ليس وجودا ناقصا وإنما هو واقع مستقل بذاته"[18].

ينتهى هذا الفيلسوف إلى تأكيد الاختلاف بين علاقة الصورة بأصلها وعلاقتها بنسختها رافضا العلاقة أحادية الجانب طالما أن الصورة عندما يعاد عرضها فهذا ليس تكرارا أو مجرد حدث عرضى بل يدخل فى صميم وجودها وهو حدث أنطولوجى ويحتل نفس المنزلة مع ماهو مصور. ليس العرض مجرد مناسبة لكى تظهر الصورة للعموم بل هو طريقة ينمو بها وجود الصورة لأن كل صورة يمكن أن تعرض نفسها بطرق مختلفة، يقول غادامير عن هذا الموضوع:"مضمون الصورة ذاتها يعرف أنطولوجيا بأنه فيض للأصل"[19].

وحجته يستمدها من الأفلاطونية المحدثة ومن اللاهوت المسيحى لأنه بالنسبة للأول نعثر على الفكرة التى ترى أن فيض التعدد والكثرة عن الإله رمز الوحدة ليس علامة نقص بل نمو فى الوجود وبالتالى فالشيء الذى يفيض منه الفائض لن يصير بذلك أقل بل علامة على كماله وثرائه لكونه معين لا ينضب، أما بالنسبة للثانى أى اللاهوت المسيحى فإننا نجد فكرة قيمة المظهر المرئى لحظة تجسد الإله فى شخص المسيح ولذلك تطورت الفنون عندما تغلب هذا اللاهوت على تحريم التصوير وانتهينا إلى القول بأن "العلاقة الأنطولوجية بين الأصل والنسخة هى الأساس للواقعية الأنطولوجية للصورة" [20].

ان نمط وجد الصورة حسب غادامير هو التمثيل وهذا الأخير لم يعد يعنى الاستنساخ والعوض بل الاستبدال والحضور، هنا يقوم فيلسوفنا بتعديل أساسى للعلاقة الأنطولوجية بين الأصل والنسخة ويقلب التصور الأفلاطونى رأسا على عقب تشبها بنيتشه وبالتالى لم يعد الأصل هو المرجع الذى نقيس به القيمة الأنطولوجية للنسخة بل أصبحت النسخة التى هى الصورة تؤثر على الأصل لأن "الأصل لا يصير أصلا إلا من خلال الصورة فقط" [21].

يستشهد غادامير بالصورة التمثيلية فى المجال السياسى ويقر بأن رجل الدولة يجب أن يمثل الدولة على أحسن وجه وأن يلبى جميع الانتظارات التى تفتحها صورته، وما نلاحظه هنا ليس الشخص الذى أصبح حاكما قد اكتسب صورة جديدة بل ان الصورة هى التى اكتسبت وجودا واقعيا وفى مثال السيد المسيح أصبح الله حالا فى الإنسان وليس الإنسان متحدا مع الله.

يتعمق غادامير فى إثارة المشكل عندما يميز بين التمثيل عن طريق الصورة والعرض من خلال الصورة ويرى أن المرء عندما يعرض نفسه فانه لم يعد ينتمى إلى نفسه ويتقمص الصورة التى يريدها المتفرجون أي" يتعين عليه فى النهاية أن يستعرض نفسه بحسب ما تفرضه الصورة" وليس كماهو فى حد ذاته. هنا يكشف غادامير عن مفارقة تتمثل فى أن "الأصل يكتسب صورة متخيلة ما فقط من خلال كونه مصورا ومع ذلك فان الصورة المتخيلة ليست غير مظهر للأصل" [22].

الغريب أن غادامير يكشف فى الصورة الدينية عن وجود قوة أنطولوجية تامة لأن الإله فى المسيحية يمكن تصويره بواسطة الكلمة والوحى وعن طريق الصورة المتخيلة والمرسومة ولكن هذه "الصورة ليست نسخة عن الكائن المصور إنما هى تشاركية أنطولوجية معه" [23].

بعد ذلك يعيد غادامير قراءة تاريخ الفن على ضوء التأكد من التكافؤ الأنطولوجى بين الصورة والأصل ويبين أن الفن التشكيلى يحل مشكلة نشوء الأنماط وتغيرها ويبدع الصور بشكل مزدوج ويخدم الدين والشعر عندما يخلق صورا متميزة من حيث الشكل eidos والوظيفة timé ولذلك يثنى غادامير على الشعرى لأنه يساعد الفن التشكيلى على خلق الأنماط ويتجاوز الوعى الدينى الموحد ويقدم من خلال الكونية المعقولية ما يظل مفتوحا على التخيل.

الصورة بين الأصل والنسخة

"وهكذا فان مفهوم الصورة يتخطى مفهوم العرض كما استخدمناه حتى الآن، لأن للصورة علاقة أساسية بأصلها"[10]

يرى غادامير أن هذا الاستخدام لمفهوم الصورة لا يتمتع بصدقية تاريخية لأن الصورة لها تاريخ متغير ولأن سيادة الصورة بشكل نهائى لم يتحقق فى التناغم الذى تحدث عنه ألبرتى حيث وجدت صور منتصبة بذاتها بل ان هذه هى فترة معينة من تاريخ الفن.

تتمثل خطة غادامير فى تغييره للمدخل الذى ينطلق منه لمعالجة قضية تعريف الصورة فهو يرفض أن ينطلق من مفهوم الصورة السائد فى القرون الحديثة وخاصة مفهوم الصورة الذى عودتنا عليه قاعات العرض الحديثة وينفصل عن الوعى الجمالى الذى يركز على جماليات الخبرة ويعامل الظاهرة الفنية على أنها مادة للمقاربة الموضوعية ولا تختلف عن الظاهرة الطبيعية التى تتطلب التفسير.

يدعو غادامير إلى التحرر من المفاهيم الساذجة عن الرسم والنحت ويقوم بنقد الجماليات التقليدية ويحمل كل من التأمل الفلسفى والبحث الجمالى والدولة الصناعية الإدارية الحديثة مسؤولية أزمة الصورة للاستغلال المفرط للفضاءات العامة الإغراق فى التجريد والشكلانية والانفصال عن العالم.

يحاول غادامير هنا أن ينزل الصورة ضمن إطار الفن التزيينى المناسباتى ويبحث عن علاقة التحليل التصورى بالأنطولوجيا مثيرا مشكلة الأصل بتساؤله عن الفرق بين الصورة ونسختها وعن علاقة الصورة بعالمها.

لا يقتصر مؤلف "الحقيقة والمنهج" على فنون النحت والرسم بل يهتم بتاريخ الفن والعمارة والدراما والمسرح والموسيقى والشعر والبلاغة ويميز بين الفنون الزمانية والفنون الأدائية والفنون التى تركز على العرض والفنون التى تهتم بالصورة والفنون الأخرى التى يشتبك فيها العرض بالصورة والفنون التى تسمح للصورة بأن تتخطى العرض مثل إعادة إنتاج عمل أدبى على خشبة المسرح كلما كان العرض مضاعفا وتم إعادته فان المحاكاة لا تعنى نسخة بقدر ما يدل على أن إعادة إنتاج إبداعية تكون مظهرا لما يعرض ووجود حقيقى للعمل على الرغم من أنها عرض مضاعف ومحاكاة للعمل الأول.

فى هذا السياق نجده يقول: "فالعالم من دون أن يحاكى فى العمل لا يكون موجودا كوجوده فى العمل. فهو ليس موجودا كوجوده فى العمل ومن دون أن يعاد إنتاج العالم لن يكون العمل موجودا. لذلك يبلغ حضور ما يعرض فى العرض اكتماله" [11].

يستنتج غادامير من هذا المثال ثلاثة أفكار: الأولى هى التناسج الوجودى بين الأصل والمعاد إنتاجه أثناء المحاكاة وبالتالى فان المعاد إنتاجه يكون هو فوق مرتبة النسخة، والثانية هى الأولوية المنهجية التى تتمتع بها الفنون الأدائية على البقية، والثالثة هى أن هذه الحقيقة تنطبق أيضا على الفنون التشكيلية.

لكن غادامير ينتبه إلى أن الصورة فى الفن التشكيلى تقاوم إعادة الإنتاج والشيء المستنسخ له وجود مستقل ويمكن أن يمتلك درجة أنطولوجية أعلى من الصورة التى حاول محاكاتها وبالتالى يصعب حسب غادامير القول ان إعادة إنتاج فى الفن التشكيلى هو وجود حقيقى واكتمال للعمل.

ان العرض عن طريق الصورة لا يعنى استنساخ الأصل بل تمثيله وإعادة إنتاجه و"الطريقة التى يرتبط بها تمثيل ما بالأصل" مختلفة "عن الطريقة التى ترتبط بها نسخة ما بالأصل".

يجرى غادامير للتثبت من وجاهة هذه الإقرارات تحليلا على النتاج الحى ويهتم بالشخص الإنسانى ذاته والصورة الشخصية ويثمن الصورة الدينية بالخصوص ويرى أنها لم تكن مجرد نسخة بل تشارك مشاركة أنطولوجية مع الأصل، إذ يقول حول هذا الموضوع:"إننا نعرف أن الصورة الدينية هى التى تكشف فقط عن القوة الأنطولوجية التامة للصورة. فالثابت أن الإله يصبح قابلا للتصوير من خلال الكلمة والصورة المتخيلة. لهذا تتمتع الصورة الدينية بأهمية نموذجية. فنحن نستطيع من دون شك أن نرى فيها أن الصورة ليست نسخة عن الكائن المصور بل إنما هى تشاركية أنطولوجية معه"[12].

لكن إلى ماذا تستند الصورة الدينية؟ هل تعتمد على العرض والأداء مثل بقية الصور أم على التمثيل والتعبير والمشاركة مثل النماذج الأفلاطونية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المراجع:

Hans- George Gadamer, l’actualité du beau, traduction par Elfie Poulain, éditions Alinéa 1992

هانز جورج غادامير، طرق هيدجر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلى حاكم صالح، الطبعة الأولى دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان

هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا.

...................

هوامش

[1] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص224

[2] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص213

[3] هانز جورج غادامير، طرق هيدجر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلى حاكم صالح، الطبعة الأولى دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص222- ص 223

[4] هانز جورج غادامير، طرق هيدجر، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلى حاكم صالح، الطبعة الأولى دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص224

[5] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص213

[6] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص

[7] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص

[8] هانز جورج غادامير، طرق هيدجر ، فصل حقيقة العمل الفني، ترجمة حسن كاظم وعلى حاكم صالح، الطبعة الأولى دار الكتاب الجديد المتحدة 2007 بيروت لبنان، ص237

[9] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص215

[14] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص216

[15] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص217

[16] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص217

[17] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص218

[18] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص219

[19] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص219

[20] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص220

[21] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص221

[22] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص222

[23] هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة د حسن ناظم وعلى حاكم صالح، دار أويا للنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007 طرابلس، ليبيا، ص222

 

 

hatam hamidmohsin2في اواسط القرن التاسع عشر جرى التعبير بقلق عن تجربة الحياة الحديثة من قبل الروائيين مثل فلوبيرت flaubert،والفلاسفة مثل كيركيجارد، والسوسيولوجيين مثل ماكس ويبر. في هذا المقال سننظر في الاتجاه الذي مثّله ويبر، وذلك عبر فحص مشاكل الحداثة من خلال ربطها بطريقة التفكير. (نشير الى ان هذا المقال يركز كليا على مشاكل الحداثة فقط دون النظر الى انجازاتها الكبيرة).

مخطط عام

قبل الدخول الى التفاصيل، سنعرض هنا وصفا عاما للمشكلة. في المجتمع الحديث نحن نعيش في مأزق اخلاقي : مع الزيادة في رفاهيتنا المادية في المجتمع، ترافق ذلك مع انسلاخ المعنى عن تجربتنا. حياتنا الفكرية اصبحت تحت هيمنة العقلانية العلمية، اما حياتنا التطبيقية فقد خضعت ايضا الى هيمنة العقلانية البيروقراطية (هاتان القوتان للعقل متشابهتان)، وعلى الرغم من انهما جيدتان في ضمان وسائل الحياة، لكنهما يسلبان من هذا العالم "مصادر المعنى والأهمية اللذان رسخا تقليديا الممارسات الاخلاقية": الله، الجماعة، الطبيعة. (الاقتباس من كتاب العقلانية والاخلاق للكاتب M.Bernstein، 2001). لذا فان النتيجة النهائية لهذين الشكلين من العقلانية وتعبيراتهما المؤسسية في سياستنا ومجتمعاتنا، كانت تجاهل وإضعاف كل من الاخلاق والمعنى.

التحليل الرئيسي عن كيفية بروز هذا الموقف جاء من السوسيولوجي الالماني ماكس ويبر (1864-1920). هو اطلق على هذا الموقف بالاحباط او عدم الرضا disenchantment . لكن اول شخص عالج هذه المشكلة وبقوة هو فردريك نيتشة (1844-1900) في اواخرالقرن التاسع عشر. افكار نيتشة جرى التعبير عنها احيانا بهذه العبارات: القيم الأعلى تحط من ذاتها، ولا جواب هناك للسؤال "لماذا"؟ هذا الضياع في المعنى والاخلاق يسميه نيتشة "العدمية" nihilism و"موت الاله" لأن تأثير الاخلاق المسيحية التقليدية على المجتمع الاوربي كان في انحسار.

وصف نيتشة ظروف المجتمع الواسع بنتيجة فكرية ووجودية معقدة : حالما انتهج المجتمع الحقيقة العلمية والعقلانية، فان الناس وجدوا ان القيم والمثل الاخرى تبدو وبشكل متزايد اقل عقلانية . وبالتالي هم بدأوا يشكّكون بالمُثل والقيم الاخلاقية التي بدورها فقدت قوتها التحفيزية ومن ثم تراجعْ قدراتنا في فهم وارشاد حياتنا بعقل تطبيقي. هذا بدأ يهدد "المعنى الاخلاقي والوجود الانساني" (Bernstein,p.6). نشير الى ان المشكلة هنا ليست مجرد مشكلة اخلاق، وانما مشكلة العقل ذاته:"العقل الحديث والعلماني بدأ يتداعى ذاتيا" (ص5). حتى المنطق والحقيقة يبدوان الآن محل شك من جانبنا، ونحن لا نعرف لماذا يجب منحهما قيمة .

بعض الملاحظات عن مولد الحداثة

ما سنقوم بوصفه الآن هو ليس نقدا للعلم ذاته وانما ملاحظة التأثير السيء لنجاح العلوم. بمرور الزمن، طور العلم رؤية عن الطبيعة خالية كليا من المعنى: هي مجرد سلسلة من العمليات التي تحدث طبقا لقوانين الفيزياء. الرياضيات والفيزياء الرياضية تصفان هذه الحقيقة موضوعيا. وبهذا فان هذه المواضيع جرى اعتبارها مثالا لكل المعرفة والمنطق، ببساطة لأن العلم الحديث اثبت نجاحه بوضوح وتطور بسرعة. هذا المنطق الان يُنظر اليه كأنه يحتاج الى نقد مستمر للاساطير وغيرها من الافكار السابقة للعلمية. ومن وجهة نظر المجتمع التنويري الحديث، يمكن للمرء القول "في وقت ما انا اعتدت على التفكير بالاسطورة، انا اقوم الان باعادة التفسير، في وقت ما انا اعتدت على الدين، انا الان علماني، في وقت ما انا اعتدت على اعتبار الطبيعة تنشد القيم الموضوعية، انا الان انظر موضوعيا".

المشكلة في هذه الرؤية للعقل هي ليس شكوكه – الشكّية مظهر ضروري وباطني للعقل. المشكلة هي في اجتماع الشكية مع الادّعاء بالكفاية الذاتية. هنا المنطق ينكر انه بحاجة الى اي شيء عدى ذاته. النتيجة النهائية هي ان نعتبر اي منظور انساني متميز هو تشويه للصورة الموضوعية للكون المادي الموجود بشكل مستقل عن الانسان. وبهذا، يبدأ العقل بنقد القيم الاخلاقية كفشل للموضوعية، كمجرد ايمان خاص وفردي، كرأي ذاتي وليس كحقيقة. نحن الان واعون بالافتراض ان عقائدنا الاخلاقية يجب ان لا تُفرض على الاخرين. هذا بالضبط لأنها تُعتبر كعقائد خاصة. طالما القيم هي خاصة، وتفتقر الى الموضوعية ومن ثم الى الحقيقة، فمن الصعب الاصرار بان على الاخرين وجوب اتّباعها. كامل مشروع الاخلاق سيبدو ساحة لإبراز المزايا الذاتية. اذا كان هذا تفكيرنا في القيم الاخلاقية فمن غير المدهش ان نرى التراجع في الحوافز الاخلاقية . سنبدأ برؤية ماذا وراء ملاحظة ويبر بان الاخلاق اتسمت بغياب القيم العليا عن الميدان العام.

أطلق ويبر على هذا النوع من العقلانية الخالية من القيمة بـ التفكير الفعال instrumental reason . التفكير الفعال يسأل فقط عن الوسائل الاكثر فعالية لغايات معينة، هو لا يقرر الغايات بذاتها ولا يقيّمها. القيم كما يُعتقد ليست عرضة للحكم العقلاني. انها ليست عقلانية وانما هي فقط افضليات شخصية.

في موازاة العقلانية العلمية الفعالة في الميدان الفكري، اتسمت حياتنا التطبيقية بالتفكير البيروقراطي الفعال. حاليا، هذه النزعة ، ليست مطلقة، وانما هي نزعة قوية. مؤخرا. تقول احدى العاملات في جماعة خبراء (think tank) ان السياسة المرتكزة على القيم ليست بحاجة للدليل. المرء اما يؤمن بتلك القيم او لا يؤمن. هذا الشيء يُعتبر حقيقة في اوساط خبراء صنع السياسة . والى مدى معين تتولى اشكال من المجتمع بالتفكير والشعور لنا، وذلك من خلال ما تقوم به من تنظيم تجاربنا وخلق امكاناتنا وتحديد توقعاتنا وتمثيلنا في الخيارات. ان طبيعة خبرتنا عن العالم تتسم وبعمق بالعلوم والتكنلوجيا والتنظيمات الاجتماعية التي تخلق فعالية علمية لايمكنها الاّ ان تؤثر على ذواتنا. هذا التأثير يساعد في توضيح لماذا منذ عام 1840 فصاعدا اصبح الضجر والانهاك واسع النطاق، لأنه في هذا الوقت اصبحت البيروقراطية الحديثة اكثر رسوخا كوسيلة في حكم كل من الدولة والشركات الخاصة، اما العلوم والتكنلوجيا بدأت تسيطر على الحياة اليومية خاصة في مجال القطارات وساعات التوقيت. قبل ظهور القطارات كانت هناك فقط سرعة الانسان او سرعة الحصان ، والسفر استلزم علاقة مختلفة مع البيئة. الآن اصبح في محل المتعة المقاسة للمكان المنفتح، يواجه مسافرو القطار مقدارا متزايد جدا من المحفزات التجريبية . ممارسة الزمن والمكان تغيرت بعمق كما ذكر احد المراقبين . قبل انتشار الساعات الزمنية، كانت"الساعة" مجرد نسبة من فترة النهار، وطبقا لذلك، تغير طول الساعة طبقا للموسم. بالمقابل، نجد الزمن المقاس بالساعات هو منتظم وخطي و غير مرتبط باي ايقاع بايولوجي او موسمي. حتى عندما استُخدمت الساعات، لم تكن هناك حاجة لتنسيق الوقت بين مسارات العالم البعيدة. ولكن بعد عام 1850 ومع الانتشار السريع للقطارات وخدمات اللوجستك، برزت الحاجة لنمذجة (وضع مقياس) الوقت عبر مسافات كبيرة. (بريطانيا وضعت توقيتا وطنيا فقط منذ عام 1880). بعد هذا التاريخ ومع اتساع العلوم في المجتمع وتنظيمه على خطوط بيروقراطية ، اصبحت العقلانية البيروقراطية والعلمية اكثر هيمنة وبهذا جرى تبنّيها بسرعة كانطباع للعالم.هذا السياق الاجتماعي خلق مشكلة للفرد. ايّ نوع من الالتزام يمكن ان اتبنّاه تجاه اخلاقي اذا كانت تفتقر للحقيقة التامة؟.كلما كان لدي اصرار اكبر تجاهها كلما اصبحت بحاجة اكبر للظهور بمظهر دوغمائي . الشيء المثير للاهتمام هو ان هناك شكل جديد من التفكير غيّر حياتنا العاطفية، انها طريقة جديدة للتفكير اعادت ترتيب تجاربنا وحتى هويتنا، لكنها تصبح فيما بعد عادية وغير مرئية.

هذا الشكل المحبط من العقل يخلق نوعا من الشك العاطفي ، او الفجوة العاطفية حتى عندما نظن اننا نعرف ما يجب عمله .على سبيل المثال، معظمنا واثق ان جريمة القتل خاطئة لكنناغير متأكدين لماذا،  هناك ليس فقط فجوة فكرية وانما عاطفية ايضا. التعددية المطلقة للرؤى الاخلاقية تخلق ترددا وحالة مؤقتة حول رؤيتنا وان كانت اساسية لما يجب ان نكون عليه.

احدى الالغاز المحيرة والمستمرة لفلسفة الاخلاق الحديثة هي مشكلة الالتزامات والحوافز الاخلاقية. النظريتان المسيطرتان على الاخلاق الحديثة هما النظرية النفعية (1) ونظرية الواجب الاخلاقي (2) deontology. النفعية تعلن ان الفعل يكون صائبا متى ما انتج اعظم صافي منفعة. اما نظرية الواجب فهي تعرّف الفعل الصحيح كواجب – اي يتطلب الانجاز حالما يتم ازالة جميع المصالح الانانية. كلا النظريتان تتطلبان من الافراد العمل بطرق تتجاهل افضلياتهم الذاتية او القيم اوالخطط – وبالنهاية ذواتهم. وبدلا من الحكمة العملية للحكم المطلوب للفعل، تقدم النظريات اما تطبيقا لصيغة حسابات او منطق عالمي هو ذاته لكل شخص. وبكلمة اخرى، فان المجتمع الحديث عند استعماله العقل الفعال، يخلق فجوة تحفيزية بين الايمان والفعل، وان جميع النظريات التي طورها المفكرون في الفترة الحديثة للتعامل مع هذه الفجوة انتهت بالمساهمة فيها لأنهم يستخدمون شكلا من العقل يخلق المشكلة في المقام الاول.

العقل والحوافز

هل الطريقة التي آمنّا بها حول الاخلاق في المئتين سنة الاخيرة جعلت الاخلاق اكثر صعوبة لأنفسنا؟

ان التفكير الاخلاقي(3) يواجه نوعين من الاختبارات: تماسك منطقي وقبول. الاختبار الاول يتطلب ان تعرض رؤانا معيارا للانسجام، اما الاختبار الثاني هو الاعتقاد بان التفكير الاخلاقي لكي يكون تفكيرا اخلاقيا يجب ان يصبح جزءا من حوافزي. لكي نرى هذا، لننظر في البديل الآخر حينما يكون التفكير الاخلاقي ملزم فقط منطقيا. هذا مساوي للقول "هذه القاعدة الاخلاقية الملزمة منطقيا يجب ان تكون جزء من حوافزك". ولكن ما هي قوة "ينبغي"؟ انها لاتزال منطقية، وليست تحفيزية. نحن الان نتراجع الى الموقف الذي فيه التفكير المتماسك منطقيا فقط وليس التحفيزي منْ يحكم الفعل (M Bernstein, Recovering Ethical life,1995)

مثال توضيحي حول هذا، في مدرسة للاطفال ذوي الاضطراب الذهني، تحدّث الاستاذ مع احد الطلاب الذي رفض مساعدة زميله. ذكر الاستاذ للطالب ان هذا ليس السلوك الأمثل. كان جواب التلميذ"انا لا اهتم"، "انا لا اريد فعل اي شيء معه". كانط جادل ضد هذه الحالة بالقول ان الناس لايمكنهم دائما رفض مساعدة الاخرين، لأنه ربما ستحتاج انت ايها التلميذ لشخص ما ينقلك الى المستشفى اثر حادث مؤسف؟ اجاب التلميذ "لكني لا اريد مساعدة اي شخص"، "انا اريد من الناس ان يتركوني لوحدي وانا اتركهم لوحدهم". يجب القول ان جواب التلميذ هذا منسجم منطقيا. الاستنتاج، باختصار، هو ان كل المنطق في العالم سوف لن يحفزك اذا كنت غير مهتم بذلك. حسنا، لنرى الان اي نوع من التفكير يكون تفكيرا تحفيزيا؟ هو ذلك النوع الذي ينشغل ليس فقط بالفكر وانما في التاثيرات التي تمارسها العواطف، "التفكير الذي هو جزء من هويتنا، من احساسنا بالذات، هو ضروري لمعظم المشاريع التي نرى انفسنا منخرطين فيها .ان القواعد التحفيزية تأتي من المهارات الضمنية اللامباشرة التي نتعلمها من ثقافتنا ومن شكل الحياة. ان التجربة الاخلاقية تسبق النظرية الاخلاقية، وبكلمة اخرى، ان عقولنا التحفيزية تعتمد على شكلنا من الحياة.

لذلك فان النظرية الاخلاقية واجهت خيارين: اما استعمال العقلانية العلمية المكتفية ذاتيا مع عدم القدرة على ربط الاخلاق بالتحفيز (الحافز الاخلاقي هو التزام شخصي بالفعل الاخلاقي وقبول المسؤولية عن النتيجة)، او جعل الاخلاق عقلانية وتحفيزية في ان واحد ولكن مع التخلي عن الرؤية للعقلانية كموضوعية ومستقلة. وبشكل عام، النظرية الاخلاقية الحديثة تبنّت الاستراتيجية الاولى. النتيجة يمكن التعبير عنها بالشكل التالي: في اعمق مستوى، تكون الاهمية في ارشاد السلوك فقط للعقل وليس للحقائق او التجارب . ولكن هناك شيء ما مربكا جدا حول انكار اعتماد العقل على العالم والذي لا يقل عن انكار التبادل الانساني.

وهناك نتيجة اخرى مربكة لإستعمال العقل الفعال في التفكير الاخلاقي، اعني، تجاهل الفرد او الذات القادرة على الاختيار الاخلاقي.

هذا الاعلان الجريء يحتاج الى بعض التبرير. انه يستلزم تفسيرا للاخلاق يرى التفكير الاخلاقي او التفكير بالقيم الاخلاقية له اربعة عناصر هامة .

اولا، كما لاحظنا توا، لكي يكون التفكير الاخلاقي مرشدا للفعل، فهو يتطلب موافقة و قبولا فرديا. فمثلا، عندما نريد الانضمام الى منظمة العفو الدولية ، يكون التحفيز الفردي العميق قيد العمل، بينما لايعمل التحفيز في استنتاج مساحة الدائرة .

ثانيا، الوعي الاخلاقي هو شكل من الفهم والمعرفة. انه ليس مجرد ايمان وانما استجابة تفرض ذاتها علينا.

ثالثا، يتبع ذلك ان الفهم الاخلاقي يخلق الذات الى حد ما . رؤية الخير كشكل من الفهم الذاتي بمعنى ان الموافقة على الخير كخير، او رفضه، يعني الاعتراف بالطبيعة الاخلاقية للخير وخلق الذات استجابة له. الذات تبدو كأنها تصنع الخيار ليس فقط بالمعرفة النظرية للخير:"معرفة الخير ومن ثم السمات المميزة للفهم الاخلاقي ذاته، تصبح متوفرة فقط عند بلوغها كآداء" (Adorno p.28) .

رابعا، اذا كانت الذات ولأسباب نظرية تنسحب باعتبارها غير ملائمة، فان ما يتم اختياره في العقل التطبيقي او الاخلاقي هو الذات .

حينما نتبنّى هذه الرؤية للاخلاق سيبرز استنتاج هام. اذا كانت الذات تعتمد على الاستجابة للخير، والخير غير مرئي او مفقود، فان الذات تصبح تحت الضغط. وبالمثل، عندما تضيق البدائل للاخلاق لتقتصرعلى الرغبة الخاصة او المنطق الشكلي، فان محفزات الذات عادة تُختزل الى المتعة او الكسب المادي. هذه فقط واحدة من بين عدة اتجاهات لكنها هامة جدا: حينما تؤخذ الخيرات الكبرى للحياة بدون مشكلة اخرى لتكون متعة وثروة، فان طبيعة الغاية- الوسيلة للعقلانية البيروقراطية تبدو كافية تماما للتعامل مع الحياة اليومية. وعندما تبدو العقلانية البيروقراطية كافية للحياة تماما، فان قيمنا تكون قد تم اختيارها لنا ومعها الذوات التي تنطوي عليها. عبر مأسسة العقلانية البيروقراطية في الأخلاق والسياسة، بدأ المجتمع الحديث باستبدال العقل التطبيقي بعقل فعال. العقل التطبيقي الحقيقي الذي فيه يُنظر الى الخير ويُختار اصبح في الخفاء .

هذه رؤية شديدة القتامة، وهي احادية الجانب تماما. ولكن مع ذلك، فان تقييم كهذا قد شغل القسم الاكبر من الفلسفة الاوربية والثقافة العليا لما يقرب من قرنين، كما ان ذهنية الحداثة ستبقى هي السياق الرئيسي لمعظم الفكر السياسي والاخلاقي.

 

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) النفعية utilitarianism هي من اكثر النظريات الاخلاقية تأثيرا. فكرتها المركزية هي ان الفعل يكون صائبا ام خاطئا اخلاقيا اعتمادا على نتائجه. نتائج الفعل الملائمة والوحيدة هي النتائج الجيدة او السيئة التي ينتجها الفعل. يؤمن النفعيون ان الهدف من الاخلاق هو جعل الحياة افضل حالا عبر زيادة كمية الاشياء الجيدة في العالم(مثل السعادة) وتقليل كمية الاشياء السيئة مثل الألم. هم يرفضون الانظمة الاخلاقية التي تأتي من اوامر وتابوات مرتكزة على العادات والتقاليد او الاوامر الصادرة من القادة او من كينونات متجاوزة للطبيعة. بدلا من ذلك، يرى النفعيون ان ما يجعل الاخلاق حقيقية ومبررة هو مدى مساهمتها الايجابية للكائن الانساني.

(2) Denotology هو مصطلح من اصل يوناني يشير الى نظرية اخلاقية ترى ان الفعل ذاته يكون صحيحا ام خاطئا بناءاً على القاعدة، بدلا من الارتكاز على نتائج الفعل. هذه الاخلاق توصف بـ الواجب او القاعدة او الالتزام .القواعد هي التي تلزمنا بالواجب. اول استخدام معاصر للمصطلح كان للكاتب C.D. Broad عام 1930 في كتابه(خمسة انواع للنظرية الاخلاقية)، اما الاستخدام الأقدم كان من جانب جرمي بانثم عام 1826 ليعني به "معرفة ما هو صحيح وملائم". الالتزام الاخلاقي يبرز اما من مصدر خارجي (الطبيعية الاخلاقية، القانون الديني) او من مصدر داخلي (مجموعة القيم الاخلاقية والشخصية)، وأي من الاثنين قد يتعارض مع الرغبات الذاتية.

(3) التفكير الاخلاقي moral reasoning هو عملية التفكير بهدف تقرير ما اذا كانت الفكرة صحيحة ام خاطئة. لكي نعرف شيء ما صحيحا ام خاطئا، يجب اولا ان نعرف ماهي الغاية التي اريد بها من ذلك الشيء.

 

ibtesam moshakikإذا كان العقل في جوهره عالمي الهوية والجذور، انساني الملامح والافاق، فان العقلانية غير ذلك، إذ هي تتعدد بتعدد الثقافات والأمم، ومن ثم فإن العقلانيات العربية اليوم هي حقيقة وجود يحمل في ذاته تناقضات العصر الذي يحياه، وعليه لم تكتسب العقلانية شرعيتها كمفهوم على المستوى الفلسفي والسياسي في الفكر العربي، ولم تكن امتدادا له بقدر ما كانت من المسبقات المعرفية التي فرضت نفسها في ثنايا هذا الفكر. أي أن الفكر العربي تعرف على العقلانية إثر لقائه بالغرب هذا التعرف الذي كان ولا يزال يتميز بالحذر تارة وبالمد والجزر تارة أخرى، فأصبح الواقع العربي الراهن يعيش حالة" إنشطار" يتنافس ويصطدم ويتصارع فيه صنفان من المعطيات صنف ينتمي الى موروث من ماضينا وصنف وافد من حاضر غيرنا، فهذا الانشطار لا يعكس فقط إشكالية القديم والجديد بل إشكالية "الانا" و"الاخر"، وازمة الابداع اشكالية الوحدة والتقدم ... فنجد أن الفكر العربي في واقع الأمر ليس سوى تجليات للواقع العربي المتشابك الأطراف المتداخل المستويات، فالواقع العربي الراهن يجتاز مرحلة انتقالية متداخلة الخطى يتشابك فيها الزمان والمكان والقديم والجديد، ما يضفي على الواقع العربي طابعا إشكاليا، طابع الوضع المأزوم.

   وليس هناك طريقة أخرى لنزع الطابع الاشكالي عن هذه المشكلات، سوى تحليلها تحليلا عقلانيا نقديا، لنجد بذلك أن مفهوم العقل والعقلانية قضية أخرى تخص وضع العرب الراهن، كون أن ما نرصده في الخطاب العربي الثقافي هو اعتماد الاستشهاد بالنصوص سواء كان هذا النص شعريا أو دينيا أو تراثيا، وهذا ما يعد خروجا عن أي خطاب عقلاني، ما سوغ عجز الفكر العربي على اختلاف مدارسه وتعدد مشاربه عن فهم الواقع، فأغفل نقد العقل، فكانت هناك الدعوة الى تحديث العقل العربي واعادة بناءه وفق مناهج رؤيويه جديدة تنطلق اساسا من الاشتغال على ابراز رهان التفكير ونوع الاشكالات المتضمنة في السؤال لهذا الخطاب، أي الدعوة الى التحرر الفكري انطلاقا من نقد العقلانية والعقل العربي وتفكيك بنيته وتحليل مسلماته، وإستنطاق صياغاته بهدف معرفة كيفية اشتغاله، وطريقة إنتاجه للمعنى والحقيقة، وتاريخية تكونه وقطائعه، وإلتماس حدوده وتناهيه، .

في هذا السياق يندرج مشروع المفكر محمد اركون، وهو مشروع ينخرط إبستمولوجيا في العمق يدرس صلاحية كل المعارف التي انتجها العقل العربي والاسلامي بغرض توضيح الدلالات الفكرية والفلسفية المشكلة لفكره، والكشف عن عناصرها، وكيفية إنبناءها إنطلاقا من دراسة القضايا الإيمانية والعقائدية تتعلق بالقرآن والسيرة النبوية، أي الاشتغال في قضايا تتجه جهة مجال المستحيل التفكير فيه لنصل بذلك الى إشكال يتموضع في صميم الراهن العربي ألا وهو: ماهي رهانات العقل في الخطاب العربي المعاصر؟كيف يكون التراث دعامة ابسيمية تجدد روح العقل العربي؟ بمعناه: الى أي مدي يمكن القول أن اللامفكر فيه رهان يجدد هذا العقل؟

 إن قراءة وتفكيك بنية العقل العربي جعل منه موضع مساءلة، فعند الحديث عن عملية التحليل هذه ستكون من خلال الأداء العام لهذا العقل من حيث نشاطه وفعاليته ودوره في تكوين وصياغة الحضارات الراهنة وتأثيره على مجرياتها لكن الحديث عن السياق الذي يؤسس وفقه العقل العربي أو شروط تشكل هذا العقل المعرفية والتاريخية لبنائه لابد من التعرية والحفر في بنية هذا الأخير قصد معرفة القيم والرؤية المعرفية والثقافية والمضامين التي يحملها، وإعادة قراتها بعمق وفق رؤية تحليله تفكيكية للكشف عن ظاهره وباطنه، غير أن أصول المنظورية الحفرية من حيث التأسيس والاشتغال تعود الى المفكر "ميشال فوكو"* فقد طبق المنهج الحفري في دراسة الخطابات الهامشية1 واللامفكر فيها.

  هذا الحفر مارسه في دراسة في أعماله الفكرية لأصناف معرفية كمسألة الجنون، السجون، الجنس، والأشكال المختلفة من القهر، وعلاقة الانسان بالسلطة التي تتخلل حياتنا بأشكال مختلفة وصورها المتعددة المفروضة على عقولنا وتتحكم في محتوى الوعي، هذه السلطة التي شرحها ميشال فوكو من خلال الحفر والتنقيب في الأنساق الفكرية، هذا الحفر الذي كان يبحث في أصل الأثار المادية وتمت زحزحته جهة الأثار الفكرية والمعرفية لسائر النصوص الابداعية الموروثة للتوصل إلى الطبقات التأسيسية الأولى، إن المقاربة الابستيمية لميشال فوكو تقودنا الى رصد تغيرات جوهرية في النشاط الفلسفي الذي اهتم على نحو غير معهود بالأدب الشبقي الجديد في كتابه الاثير تاريخ الجنسانية ومادامت الفلسفة تفكيرا أصيلا في الراهن واللامفكر فيه نجد ان فوكو لا يكاد يغلق دوائر إبستمية حتى يفتحها في موضع آخر ليؤكد بذلك على مشروعية انتهاك الحدود المألوفة على نحو واضح 2

المنهج الآركيولوجي والحفر في بنية العقل العربي والتراث:

من موقع الحاجة الدائمة إلى المراجعة النقدية لقضايا الفكر العربي المعاصر، تُعدّ إشكالية التوظيف المنهجي للمفاهيم3 في جانبها الإجرائي واحدة من الإشكاليات الكبرى التي تواجه هذا الفكر، لأنّ أغلب المناهج المُوظفة قد أُنتجت في فكر غير الفكر العربي وفي تربة معرفية مختلفة، والمطلوب إجراؤها على متن هذا الفكر فنجد ان المفكر" محمد اركون"* من المفكرين الذين خاضوا غمار البحث في العقل العربي وفق منظورية ومنهجية فكراوية بامتياز فكان مشروعه إخضاع العقل والتراث الاسلامي الى معاول وأدوات النقد والتفكيك4 فسعى اركون من خلال نقده للعقل الاسلامي إلى جعل اللامفكر فيه من الرهانات التي يمكن التفكير فيها داخل ساحة الفكر العربي المعاصر ويقصد أركون باللامفكر فيه ضمن رؤية إلى كل ما حذفه الفكر الاسلامي من دائرة اهتمامه منذ القرن 13 على الاقل، بحيث أصبحت الأشياء التي يمكن التفكير فيها أقل من الأشياء التي يستحيل التفكير فيها، وهذا بحد ذاته يعتبر دليل على استقرار هذا الفكر وانغلاقه.

كما وظف أركون في مشروعه البحثي أحدث المناهج والمفاهيم، المتعلقة بالألسنية والتأويل، مع ما صحابها من أطر التفكير، ونقد ابستيمولوجي ولم يضع بذلك حدا يؤطر حقل عمله داخل التراث من جهة اعتبار أن كل ما أنتجه العقل العربي شفاهيا، كتابيا، فلسفيا، أو حتى دينيا يجب التوقف عنده، والبحث في أسسه وجذوره مع ضرورة الإلتفات الى الهامش أو المسكوت عنه، فراح بذلك يحترج آليات للتأويل ومن أهم هذه الأليات : آلية المجاز فالخطاب القرآني هو خطاب مجازي والمقصود بالمجازي هنا ليس فقط التركيبة اللغوية بل البعد الإبستيمولوجي الذي يفتح افاقا للمعنى، فميز أركون بين المعنى وآثار المعنى وظلال المعنى وجعل من هذا التمييز المدخل الأساسي لأشكلة المعنى عن طريق التساؤل عن الآليات اللغوية التي إحتكم اليها.

هذا التأسيس لللامفكر5 فيه إذن عند اركون يرمي إلى إعادة كتابة جديدة لتاريخ الفكر الاسلامي والعربي، باعتبار أن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل ضمن "اللامفكر فيه" فماهية التراث عند اركون بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة تتكون من مزيج من المعارف المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الإلهي والبشري، وهو ما يعطيه مضمونا ثبوتيا يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية باعتبار أن صفة التراكم التي تميز التراث تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكله المتداخل، ومن خلال دراسته للعقل الإسلامي وتركيبته الداخلية خلص إلى أن هذا العقل الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة ثم تحول إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب مغلق على ذاته، مما يعني نزع صفة العقلانية عن العقل ومنتجاته الفكرية انطلاقا من هذا الانغلاق وتشبعه بالقيم والمفاهيم الموروثة عن عصور سيادة اللاهوت وتصورات الميثولوجية، وبالتالي إن دراسة الانثروبولوجية الدينية للتراث إنما هي توضيح تنافسي مستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتحولة، فلا يمكن للفكر العربي إذن أن ينفتح عن العقلانية بشكل فعلي وناجح إلا بتفكيك الدوغمائية ومفهوم الأرثوذكسية الخاصين بتراثه ما يعني أن للعقل العربي خيار واحد هو الانفتاح على هذه العقلانية 6، ولايكون هذا الإنفتاح إلابتحطيم أساسيات المعرفة الميثولوجية وبالتالي فالمفكر أثناء دراسته للتراث لابد أن يكون اركيولوجي فكرعلى حد تعبير ميشال فوكو..

فالمتأمل في كتاب اللامفكر فيه في الفكر الاسلامي لأركون يجد أنه يتحدث عن الموضوعات والقضايا الفكرية التي إعتبرها الفكر الاسلامي مسلمات لاتحتمل النقاش، فكان الدرس الأركوني درس نقدي، منهجي سعى للتنظير إلى نوع من المعقولية الثاقبة للإختراق والتفكيك قصد الخروج من سياجات الدوغمائية التي تكبل العقل العربي وكذلك القطع مع كل أشكال الإخفاقات التي يحياها الانسان العربي والمسلم حسب اركون فإن سلطة العقل لا تعني أبدا تجاوز سلطه النص والغاءه بقدرماهي قراءة جديدة في صور معطيات المعارف والعلوم الحديثة ومقاربتها عقلانيا معناه ان تجاوز النص لا يعني القطيعة مع التراث.

فمن خلال نقد العقل العربي والاسلامي يحاول اركون صياغة موقف إشكالي عام ..يتمثل في تلك العلاقة القائمة بين التراث والحداثة ويحاول اركون حل هذا الاشكالية من خلال إرساء "الوعي التاريخي" الذي احله محل التفسيرات اللاهوتية والأسطورية حتى يكتسب الفكر الاسلامي بعدا علميا7

لنصل الى القول بأن التراث بما يحتويه من اللامفكر فيه الرهان الوحيد لخروج العقل العربي الاسلامي من آزماته الفكرية والابستيمية ولا يكون ذلك إلا عن طريق إعادة توحيد الوعي الدينيّ، من خلال البنية الخارجية للعقل الإسلامي، والتي تتمثل في ثلاث مراحل الأولى : إلحاق الإسلام بالأديان التي شهدت العلمنة، أمّا الثانية، فتقوم بالأساس على إخضاع الإسلام للحفريات والنقود والتفكيكيات نفسها التي خضعت لها الأديان الأخرى.، في حين يتمّ في الثالثة القيام بثورة تأسيسية لإصلاح الفكر الإسلاميّ.

 

إبتسام مشقق

.....................

*ميشال فوكو (1926 - 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه "تاريخ الجنون"، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح "أركيولوجية المعرفة". أرّخ للجنس أيضاً من "حب الغلمان عند اليونان" وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في "تاريخ الجنسانية"."

 11-عسو بحاج، على هامش النص"العيش بصحبة الفلسفة"لميشال فوكو، مدونة الحداثة وما بعد الحداثة، 15سبتمبر2016

22-عبد السلام دخان، ميشال فوكو وارادة المعرفة، فلسفة الحداثة ومابعد الحداثة، 14 اكتوبر 2016

3- علي رسول حسن الربيعي، جدل المناهج في الفكر العربي المعاصر"اشكالية التوظيف الاجرائي للمفاهيم" مؤسسة مؤمنينون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الانسانية، 19 فبراير2016

* يعَدُّ محمد أركون (1928-2010م) أحد أهم المُفكّرين العرب المعاصرين؛ الذين راموا تجديد أسس القراءة النقدية للفكر الإسلامي.

4- محمد ادريس، قراءة في كتاب "قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الاسلام اليوم؟، لمحمد اركون، مؤسسة مؤمينون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الانسانية، 2017..

5- رشيد غنوشي محاورة مع اركون حل كتاب اللامفكر فيه في الفكر الاسلامي، الجزيرة لندن، 15-4-200 –يوتيوب-

6-محمد اركون، قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الاسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط1، 1998، ص18.

7- عبد الوهاب شعلان، اشكاليات في الفكر العربي المعاصر، في اطروحات اركون، الجابري، العروي، حسن حنفي، علي حرب، مكتبة الاداب، القاهرة، ط1، 2006، ص26.

 

 

zouhair khouildi2استهلال: "تُتِيحُ الفلسفة التطبيقية إعادة وضع الفكر على ذمة العمل، لا أكثر ولا أقل"[1]

لو عملنا على استعادة الذكريات الفردية والتمثلات الجماعية للمعارف الفلسفية فقط فإننا نصطدم بالعديد من المحاذير والموانع والصعوبات التي تعيق إمكانية التواصل مع المشتغلين بها وتقلل من فرص التفاعل الايجابي مع المقدم والمعروض من المواد المكتوبة والمقروءة من المسجل والمدون والمنطوق الحي منها.

لقد بدت الفلسفة في مناهج التدريس ثقيلة ومليئة بالمفاهيم الدقيقة وتغلب عليها النظريات المجردة والأنساق الفكرية المتعالية وبعيدة كل البعد عن عالم التجربة وواقع الحياة وينقصها التطبيق العملي وفعل الممارسة. كما ظهر شعور لدى الرأي العام بغرابة التفكير الفلسفي عن المناخ الثقافي السائد والتصاق النزعة الذاتية بالشخصيات الفلسفية وضخامة البرامج وكثرة المراجعات التي جدّت وتعدد الانعطافات في تاريخ الفلسفة.

لقد تحولت الفلسفة إلى خطاب مجرد وسقطت في النية السيئة وتكلست في أنساق عقيمة وشبكات لغوية منفرة بسبب الإفراط في الأبعاد الشكلية والتقيد بالجوانب التقنية على حساب المضامين والتجارب الحية ولا يدري المشتغلون بالنظر على أن وراء البداهة والتطابق والوضوح والتجربة الحاسمة والمنهج الدقيق يوجد الشك والالتباس والغموض والحس المشترك وانفعالات الفرح والمتعة والتجارب الوجودية الحية.

يبدو أن مادة الفلسفة لا تجذب الطلاب إلا إذا درست بغير الطرق المعتادة ولا يبهر أستاذ فلسفة الجمهور إلا حينما يتم التطرق إلى السير الذاتية للفلاسفة وما فيه من عجيب ومفارق ويمكن التحدث عن الحياة اليومية وتستدعى أمثلة عن شخصيات فكرية وتذكر محطات نضالية حدثت في التاريخ الحي للشعوب.

لا يستمد أستاذ الفلسفة إعجاب المحيطين بالتقيد بالبرامج الرسمية وإتباع الحلقات المسطرة للدراسات العليا وإنما بالانصراف عنها وابتداع تأملات جذابة تتجاوز الأطر المدرسانية وتختلف عن الطرق المستهلكة  للفكر وإنتاج نصوص معقدة تتضمن نظريات ملهمة ورؤى مغايرة للعالم والانخراط في ممارسة جذرية.

يتم التركيز عند قراءة النصوص الفلسفية على مضمون الحوارات بين الشخصيات وعلى الأشكال التي تطرح بها الأسئلة وما تثيره في المتلقي من علامات الدهشة والاستغراب وما تحدثه في الأقوال من تفكيك وفي المقابل يتم إهمال النقاشات النظرية والاقتدارات المنهجية على تحديد المفاهيم وضبط المصطلحات وينتظر المهتمون من الفلسفة الراهنة أن تمنحهم دروسا للحياة وتضفي على وجودهم معنى وقيمة وأن تقدم لهم نصائح من أجل الوجود الأحسن ولكي يبلغوا درجات من الانسجام مع العالم والتواصل مع الغير.

1-    مبادئ الفلسفة التطبيقية:

إن " الفلسفة التطبيقية هي قبل كل شيء وبالفعل تجربة وجودية تأخذنا إلى أقرب نقطة مما قامت الفلسفة بفعله في بداياتها السقراطية مطعمة بمبادئ وإسهامات نظرية وعملية منذ 2500 عام من تاريخ الفكر"[2].

لقد أدى تعميم الممارسات الثقافية وتسارع الطفرات التكنولوجية إلى فقدان الفيلسوف المعاصر للإحداثيات الطبيعية وتجاوزته الأحداث التاريخية المتسارعة وانفلت من يديه مقود المتابعة وبالتالي قرر مغادرة أروقة المكتبات والتفرغ للتفكير من خلال تهذيب الذوق وشحذ عزيمة الفكر وتنقية الذاكرة وتقوية الخيال.

يساعد إتباع السنة الفلسفية والتشيع إلى مذهب التفلسف على قول أشياء لا يقدر على قولها الناس العاديون وطرح أسئلة جريئة واتخاذ مواقف خطيرة والسعي إلى تقريب الفجوة بين النظر والعمل والى التصالح بين الفلسفة والممارسة وتوفير شروط إمكان صيرورة المشتغلين بالفلسفة ممارسين وملتزمين بتطبيقها.

ربما تكون الفلسفة مجرد محاولة بشرية قابلة للتفنيد ومعرضة للفشل ولكن الخطاب الفلسفي الذي يتمخض عنها ليس فارغا ولا يمكن اعتباره من الأمور العبثية بل يعكس معاناة ويجسد صراعا ضد الرداءة ومليء بالأمل. كما تبعد الفلسفة التطبيقية المرء عن حياة سوء النية بتفكيك ما يفوره الحس المشترك من معتقدات وما تجود به النظريات من خيالات وهمية والسخرية من السائد وتذهب ما وراء الجمل الفضفاضة وتسخر من التنظير وتنزل إلى الواقع وتخوض غمار التجارب المعيشة وتتحمل عناء المسؤولية وتخترع الحلول الأنسب للمشاكل العاجلة وتتفهم الوضعيات وتراعي الخصوصيات وتتوقف عند الجزئيات وتسكن ميادين الحقائق. و إذا أردنا إعطاء تدريس الفلسفة قيمة حقيقية والإبقاء على الحنين الذي يجذب المتعلمين إلى هذه المادة ومحافظتها على بريقها ومعناها من بين كل المعارف والاختصاصات الأخرى فإنه من الضروري استخلاص جملة من الأدوات العملية التي تساعد على توجيه الفكر وتتيح للناس الحياة في المجتمع بشكل تعاوني وتمنح قواعد سلوكية ومسالك عقلانية يتبعونها من أجل ضمان المنفعة العامة والسلامة المشتركة.

هكذا تمنح الفلسفة التطبيقية الناس مفتاح الحياة السعيدة التي يتلازم فيها الفكر والإحساس ويقترن ضمنها الفهم بالاستطاعة وتشجع على اكتساب مهارات وامتلاك كفايات بواسطة إجراء التمارين والقيام بتجارب تجعل العقول أكثر تفكرا وتيقظا وتسمح للكينونة بأن تزداد انسيابيتها وتتجذّر في كثافة أحوالها وشروطها.

من أصول الفلسفة العملية أن يتوجه الأشخاص الأفضل تثقيفا والأحسن روية إلى مساعدة الأشخاص الأقل تثقيفا ولكن يشترط أن تتم هذه المساعدة بمقتضى الفعل المجاني وضمن آداب التعليم من تواضع وكياسة.

تعود الممارسة الفلسفية إلى أسس التمشّي السقراطي الذي يعتمد على السخرية والتهكم وحكمة الجهل في اتجاه توليد الحقائق من العقل البشري ليس بالاكتفاء بطرح الأسئلة بشكل عفوي من أجل الحصول على المعلومات والتعرف على معطيات بل من خلال تطبيق طريقة صارمة في التساؤل المنظم والمنهجي ضمن منطق فكري مترابط وفي إطار تسلسل من الحدود والقضايا يفضي إلى خلخلة التناقضات وتجاوز الصعوبات وتخطي كل أشكال الالتباس وعبور المضيقات وتحطيم الآراء بواسطة عدة مفاهيم تأليفية.

يساعد إثارة المشكلات الحقيقية على ترضية الذات وشحذ العقل وتقوية العزائم لحظة معالجة الأزمات ويؤمن للفكر الدقة والصرامة ضمن علاقة تعاطفية مع الأحداث ومشاركة وجودية في الوقائع والأوضاع.

لا تقدم الفلسفة التطبيقية إلى الناس حلولا جاهزة للتحديات التي يواجهونها ولا تمنحهم مخرجا مناسبا من الورطة التي يقعون فيها بل تساعدهم على حسن طرح مشاكلهم وصياغة تعبيرات صادقة عن أوضاعهم. كما تقوم بعملية الاستشراف والتخطيط المستقبلي والبرمجة العلمية والتنبؤ الموضوعي والقراءة العقلانية وتجعل من ممكنات الحلم والتخيل والتمني مشاريع تحفيزية للتجسيم والتطوير والانجاز في العالم المتعين.

تقوم الفلسفة العملية بإدراج الممارسة الميدانية ضمن حركة الفكر وتقصد إثراء شغل العقل وتعميق نظره وتطعيم تجربته الإبداعية بالمفاهيم الحية والإشكاليات الوجيهة والمناهج الناجعة والتصورات المعبرة. بهذا المعنى لا تقتصر على استعمال المفاهيم المتداولة ولا تكتفي بتنظيفها من الرواسب وتلميع صورتها من الشوائب ولا تنحصر مهمتها في منحها دلالات ومعان جديدة وإنما تبتكر بنفسها مفاهيمها الجديدة التي توافق تغير الظروف وتبدل الأحوال وخصوصية التجارب وغبار المعارك وأحداث التاريخ المتعاقبة .

بيد أن العودة الفلسفية إلى الحياة اليومية ليست أمرا طارئا واهتماما استعجاليا فرضته المعطيات المستجدة وأزمة الثقافة النخبوية وعطالة التفكير التأملي بل تعد اختيارا متعقلا والتزاما مبدئيا ومثابرة منهجية دائمة.

في هذا السياق تستخلص الفلسفة التطبيقية استراتيجياتها من مملكة الحدوسات والانطباعات والتمثلات وتجعلها مادتها الأولية ووقودها الحيوي لكنها تتخذ مسافة نقدية من اليومي وتنسج شبكة من المقولات التي تتميز بالطابع الإجرائي وتبني جسورا تواصلية بين الذوات والجماعات استجابة لإرادة العيش المشترك.

كل مشتغل بالفلسفة هو مطالب بأن يتدخل في الشأن العام ويلتفت إلى القضايا المستعصية على مجتمعه ويقدم مقترحاته وتصوراته ويشجع على التفكير والابتكار وينظم ورشات بحث وفرق عمل وقوى ضغط. ويفسح المجال للمشاركين قصد التعبير عن أفكارهم بحرية وتنظيم اعتراضاتهم على البرامج الجاهزة بثقة تامة في أنفسهم وتشجيعهم على إبداء الرأي وممارسة النقد ومحاسبة النفس وتدريبهم على القيادة والتأثير.

من ناحية أخرى تحاول الفلسفة التطبيقية قراءة العواقب من الأفعال الإرادية وذلك بتذليل الصعوبات وتفادي العراقيل والتقليل من الخسائر وتجنب الأضرار والتركيز على النجاحات والإكثار من المنافع.

2-    نقد الحياة اليومية:

"يمكن للمرء القول بأن الفيلسوف ليس أي شيء آخر يفعله سوى أن ينقد منتجات الوعي العفوي، وأن يتحرك  على مسؤوليته منذ أن اعتقد بإقامة الأفكار ، مهما كانت، والتي تخيل أنها تحت سلطة القيمة"[3].

لا يبعد العمل الذي يقوم به الفيلسوف التطبيقي عن الإصرار الذي يبديه العامل في شغله والمقاومة التي يتحلى بها الفنان والناقد والمثقف في ميدانه ويجعل من إرادته في الحياة شرط إمكان الإصلاح والتطوير.

بطبيعة الحال يجب أن يكون الفيلسوف واعيا بأن الاختصاص المعرفي الذي ينتمي إليه يرتكز على تقنية التفكير التي يتم تطبيقها على الحياة اليومية بالانتقال من مستوى اليقين الحسي إلى درجة الوعي التفكيري.

إن الكائن البشري ليس وجودا متعاليا ولا موضوعا متجردا من محمولاته ولا جوهرا مفارقا وليس ماهية مكتملة بل هو موضوع متعين وذات فاعلة ووجود حسي وكيان ملتزم بمجموعة من الآمال وعدة مشاريع.

لا يتحرك الكائن البشري ضمن مجرى الأحداث التاريخية فحسب ولا يخضع لمسار الوقائع اليومية فقط وإنما يتطلع إلى تنفيذ جملة من الانتظارات وإيفاء عدد من الوعود ويحرص على احترام عدة معايير وقيم.

في هذا المستوى يحتاج الفيلسوف إلى عالم البشر مثل احتياجه للعقل ليوظفه أداة للمعرفة وملكة للتفكير ويظل يتعلم باستمرار من مدرسة الشعب وتراث الجمهور ويمارس مهمة التنوير العمومي وفعل التثقيف.

هكذا تأتي الفلسفة قبل الحياة في المنطقة التي تسبق كل تفكير وتوجد بصورة صامتة وعفوية في المعارف التي تتشكل بالفطرة ويتم مراكمتها وفق غريزة الحس المشترك والفهم السليم وتظهر أيضا بعد ذهاب شكل من أشكال الحياة وانقضاء نهار الوجود وإتمام الرحلة اليومية وعند المساء لتتأمل وتفكر وتستخلص العبر. بهذا المعنى لا تتطابق الفلسفة مع الحياة بشكل تام ولا تستقل عنها بصورة مطلقة بل تستعيد أشكال الحياة وفق المنهج الذي تمرنت عليه وضمن الجهاز المفهومي الذي يخصها وتسعى إلى الفعل والتأثير والتغيير.

على هذا النحو ليست الفلسفة مجرد تفكير في الحياة بل إن الإنسان لا يجعل فكرها متحركا ولا يعي ذاته ولا يمنح المعنى لوجوده ولا يهتدي بنور الحرية ونبراس المعرفة دون أن تتحول إلى فعل محايث للحياة.

إذا كانت الحياة اليومية تعج بالآراء الدينية الموروثة والمعتقدات التقليدية التي ضمت هي الأخرى جملة من العناصر الإحيائية والمثولوجية والأنثربومورفية والسحرية وتتصور الله على شاكلة إنسان كامل فإن التفكير الفلسفي مطالب بأن يخرج الناس من هذه الكهوف المظلمة وأن يغربل هذه الأباطيل ويجد ليؤسس مبحث الله من حيث هو مشكل طبيعي وأن ينتقل من الإيمان العفوي إلى الانقلاب الروحي والاعتقاد اليقظ.

ليست الفلسفة التطبيقية فلسفة دينية ولا تريد أن تنحصر مباحثها في مسائل الإيمان والمقدس والاعتقاد والبرهنة علو وجود الله وعلى خلود الروح وتحقق من فرضية الحياة الأخرى ولكنها تدرج فلسفة الدين ضمن ممارسة نضالية ثقافية تكافح ضد الغلو المتطرف والإرهاب المقدس والقتل التافه والتكفير الفكري وتبرهن على ضرورة تحويل الاختصاصات العلمية إلى بؤر مقاومة وجبهات مواجهة للجهل واللاّتسامح وتجري امتحانا نقديا لمقولة المطلق ولشامة المتعالي وذلك بالإقرار بالنسبي والتأكيد على أرض المحايثة.

هكذا يقترن التفكير النظري والمعرفة التأملية بالممارسة العملية والتطبيق الواقعي وتضع العقلانية النقدية نفسها في خدمة الفعل البشري وعلى ذمة التجربة الميدانية وتصير الفلسفة صانعة للحياة وليس ناظرة لها.

ليست مهمة الفلسفة التطبيقية التوسط بين النظري والعملي ولا إيجاد وسائط رمزية بين طرفين متقابلين بل تشتغل لتجعل الحياة واعية بذاتها وبمقاصدها وعلى منح الوعي الفلسفي التجربة الحية التي يستحقها. كما أن الخروج من المباشر والمألوف والمشهور قد يتطلب تلاقي حركتين متعاقبتين تذهب الأولى من الراهن إلى السابق في صورة تراجعية وتبحر الثانية افتراضيا من الحالي إلى الآتي في شكل استشرافي .

تتميز الفلسفة التطبيقية التي يمكن تصورها في هذا الزمان عن التعليم التقليدي لهذا الاختصاص، فهي ليست درسا يلقى على المهتمين ولا محاضرة تستوجب فعل الاستماع والمشاركة النشطة من المستمعين. تقوم الفلسفة التطبيقية باستدعاء كل مهتم بأن يمارس التفكير ويستعمل عقله ويضع على ذمة التجربة جميع ملكاته الذهنية ومواهبه العملية من أجل إنتاج حجج أو اعتراضات ومفاهيم وتطوير جملة من المهارات التي تخصي تمشي فلسفي بعينه بغية التمكن من التغلب على قضية شائكة مطروحة ضمن الحياة اليومية.

يسمح استخدام هذه المهارات والكفاءات إلى تطوير جملة من المواقف المحددة تتعلق بمعرفة مسالك الالتزام بالأقوال والدفاع عنها في مواجهة الآخرين والتصريح بالرأي بصورة علنية ومعارضة رأي الغير دون الوقوع في تأثير الانفعالات ودون الخوف من الوقوع في الخطأ وبلوغ درجة من التلاقي من وجهة نظر الآخرين والتعاطف معها وتفهمها دون تبنيها واكتساب الجدارة بإعادة بناء أفكارنا وتجديد رؤيتنا.

يرافق هذا العمل الفلسفي الميداني كل محاولة اختبار للذات يقوم بها المرء من أجل تحيين ذاته في الواقع ويتطلب في سبيل ذلك القيام بتراجع نسبي عن الآراء السابقة وعن التفكير المشترك والسعي نحو معرفة الذات قصد التفريق بين الغامض والواضح وبين الضار والنافع وبين الرديء المنبت والجيد الأصيل.   كما يخرج الفيلسوف العملي من مخابره النظرية وورشاته الميدانية وحقوله البحثية وممارساته السياسية وتجاربه النقابية ومعاركه الوجودية ويستدعي التفكير النقدي بغية الاشتغال على المسائل المعروضة في الفضاء العام وتكثيف الاستفسارات ويراكم الإحراجات ويفتش عن التوضيحات بالمناهج والأنساق وينحت صورة راهنة للفكر بالانطلاق من مطالب الناس وقضايا المجتمع والأفكار المتداولة في الحياة.

تمارس الفلسفة فتنة الحب على محبيها وتقدم عزاءات مهمة لكل الكائنات البشرية التي خاضت تجارب وجودية وكللت بالنجاح والاجتياز أو آلت إلى إخفاق وتعثر على الصعيد العاطفي والروحي أو المادي.

إذا حاولنا جعل الفلسفة نافعة في الحياة اليومية ودافعة للضرر ومتخاصمة مع القبح ومتصالحة مع الحسن من حيث منطلقاتها ومراميها فإنه حري بنا أن نبحث في علاقتها بالمعيش اليومي ونتصيد أسسها وندفع بالذكريات الغامضة والمحاولات المحدودة ونعطي معنى لكل تجارب التفكير التي اجتهدت في تخلص العقل من رداءة الواقع البائس ونساعد البشر على تطوير طرق في الحوار ونسرع في أنساق التواصل.

3- تفكيك الأنساق المجردة:

في هذا المقام تستلهم الفلسفة التطبيقية السؤال السقراطي وتبحث عن المرجع وتهتم بالإحالة دائما وأبدا وتعتمد أسلوبا مباغتا وتجري المحاورات بين الذوات والجماعات على الطريقة الفنية وتدفع إلى التفكير بالتهكم من المعارف المكتسبة والسخرية من الآراء الجاهزة وتستدعي الغير  بغية الاستفهام والاستنجاد والاستقواء. من حين الى آخر تطرح الأسئلة التي يجد ربها طرحها وتفتش عن سر قتل الحقيقة بحجبها عن الباحث عنها والجهر بها في زمن لا يناسب ظهورها والوقوع في التستر والكذب والمراوغة من جهة وفي التضخيم والمزايدة من جهة أخرى. لقد تم إهمال الذات في زمن طويل وتركيز النظر على الأشياء وبعد ذلك وقع تنصيبها سيدة وملكة وتحولت إلى أداة فكرية تقوم بعالجة كل شيء وتخضع جميع المواد إلى منطق السوق وعقلانية الحساب  ومبدأ العرض والطلب وكوجيتو البضاعة ولقد كرس التعليم الموضعة وزادت التربية من لهيب التذويت.

كما تحرص الفلسفة التطبيقية من جهة مقابلة على تدريب العقول على التثبت من قابلية الحقائق العلمية للتثبت وإمكانية القيام بدحضها بعد الاعتراض على وجودها المغلوط وإخضاعها للنقد الداخلي ومقارنتها بقيمة التجربة العملية.  من هذا المنطلق يجمع المنهج الذي تتبعه الفلسفة التطبيقية بين التفكير بوصفه مجمل الأنشطة التي ينبغي التدريب عليها من ناحية أولى والممارسة بوصفها مجموع المسالك والمسارات التي يجب التدريب على التفكير فيها قبل اعتمادها من ناحية أخرى وتستلهم المنهج الديكارتي في زمن تشكله الأول لما قطع مع النظريات وعزم على التطبيق[4].

لا يجوز الحديث عن تناقض في مسار الفلسفة التطبيقية طالما أنها تنخرط في ممارسة خاصة تراهن على مقصد متحقق وبالنظر إلى كونها تعتقد في المشاركة العمومية في التفكير وتعتبر جميع الناس فلاسفة على نحو مخصوص وتبحث عن الإشباع الشخصي بالتحرر من المصلحة المباشرة وإحداث الاضطراب في الأصالة وتخترق العادة وتعلق الحكم وتتسلح بالصبر عند المحن والثقة في الذات وتظل وفية للرؤية التي تكتشفها عن العالم بعد دخولها في مواجهة مع ذاته ومع قواعد المنهج والمخاطرة بالكشف عن مكامن الغموض في الذات بإثارة بالمشكل قبل محاولة تغير طرق التفكير والإقرار بأولوية  الحكم على الوفاء.

المنهج الذي تتبعه الفلسفة التطبيقية يرتكز على التعاطف العرفاني والتحلي بالتعقل والكياسة والحلم قبل كل رد فعل والاعتصام بالتفكير قبل كل تدبير وكل تفاعل واتخاذ مسافة نقدية من الواقع قبل مساءلته وتشريحه والتمييز بين التجاهل المتعمد والجهل المكتسب وبين الصمت وسط الجلبة والسكوت عن الحق.

يتسلح الفيلسوف التطبيقي بالأدوات النظرية اللازمة والكلمات المفاتيح والمفاهيم الإجرائية الكفيلة باقتحام عالم التجربة والتماهي مع الواقع الاجتماعي ومحاولة فهم الانفعال من خلال معايشته والتعبير عنه بالإحساس به وتضع الفردي في يم الجماعي وتجعل الكلي في حضرة الجزئي وتستثمر التفاصيل للظفر بالكل وتعميق التفكير بالاعتماد على أساليب التحليل والتأليف واستخراج المسلمات وإنتاج الأمثلة ويراوح بين الأشكلة والمحاجة والمفهمة ويحاول إمتلاك مهارات عابرة للتخصصات وتجديل الصلة بين المقولات والوقائع ويضع الفرد أمام مسؤوليته تجاه صخب الحياة وعنف التاريخ ومراوغات السياسة وتزييف الحق.

علاوة على تنظيم الفلسفة التطبيقية لعدد من ورشات التساؤلات المتبادلة  بين الفاعلين دون تعيين موضع محدد للحميمي ودون رقابة على الكلام ووصاية على الفكر ودون قمع للرغبات وأهواء الجسد وتدفقاته. تبعا لذلك إن المسار العام للفلسفة التطبيقية يلعب جميع أدواره على مسرح الحياة وفوق مسطح المحايثة الخاص بالنمط العلائقي للوجود المشترك ومستلزمات الحقبة التاريخية ومقتضيات المنهج وبالتالي تستنجد بالتطبيق قصد التحري والتثبت والاختبار من أجل تشييد فكر منسجم وبناء نسق معرفي جماعي ومشترك.

تقوم الفلسفة التطبيقية على زعزعة الفكر المنسجم مع ذاته والتخلص الممارسة من كل إجراءات خطابية مطبقة وإبطاء طرق المعالجة الميدانية والانطلاق من الإحساسات الصادقة والصياغات العفوية وتحرير العقل من المغالطات والعادات السيئة في التفكير ومن الخلط والانسداد والمتاهات ورسم دروب جديدة.

يقاوم الفيلسوف الممارس كل وصايا التحريف للنصوص الأصلية وكل محاولات تزييف للتاريخ وتعنيف اللغة واجتراح الكلمات والمتاجرة بآلام الأجساد ومعاناة الأرواح ويفكر بطريقة مختلفة بإعادة الخروج عن الذات وملاقاة الآخر واستثمار التناقض والمنازلة والتفارق والتوكل على قوة محدوديته وتناهيه.

اللاّفت للنظر أن كل مشتغل بالفلسفة يضع فيها ما يريد وينظر إلى نفسه على أنه أعجوبة عصره وسيد زمانه ويزعم امتلاكه القدرة على جب من سبقوه ولكن الفلسفة في حقيقة الأمر هي بعيدة المنال وعصية.

في اللحظة التي دخلت فيها الفلسفة في رحاب المدرسة والمعهد والجامعة وأصبحت تدرس تحولت إلى أداة للتعليق على النصوص وصارت وسيلة لإنتاج خطاب حول العالم واقتصرت مهمتها على التأليف بين الأنساق المتنوعة من أجل صياغة تأويل أصيل وأهملت كل محاولة لتغيير الذات وتنمية العقل بواسطة الحوار وأضحى المشتغلون بالفلسفة مجرد موظفين واختصوا في الشرح والتعليق على كتب الفلاسفة واستعراض بعض المذاهب والتيارات التي يقتطعونها من تاريخ فكار ومجموعة الأنساق المتعاقبة.

لقد عمل جل الفلاسفة المحدثين وبالخصوص ديكارت وكانط وهيجل وسارتر من تراث سقراط الذي ترك للإنسانية شهادة على البحث الدائم عن الحق والعمل به وقدم الطريقة التي يصير بها الإنسان فيلسوفا بحق. فأية علاقة واقعية وممكنة تقيمها الفلسفة التطبيقية بين قوانين الفكر وقواعد العمل؟

خاتمة:

على هذا النحو" ينبغي أن تصير الفلسفة ، مثل كل تمرين فيزيائي، ممارسة بصورة منتظمة وتقدمية"[5].

في نهاية المطاف تتجه الفلسفة التطبيقية التي ترنو إلى البروز والتأثير بصورة ملموسة نحو تشريح آلام الجسد وتضميد جراحات الوعي ونقد تفاهة الوجود اليومي وتحرص على تخطي الأحكام المسبقة السيئة وحسن استثمار الأحكام المسبقة الجيدة و تتبنى رؤية بيانية خالية من الخطابة الصوتية وواعية بمغالطاته ومحبذة التحرك ضمن دائرة الإقناع بدل الإكراه والتوكيد بدل الموقف القطعي وتسعي إلى تدبير السلوك البشري ضمن رؤية تعقلية وتعقب كوني مستفيدة بشكل مثمر توليدي لما يعتمل فيها من خصوصيات ثقافية وهويات سردية. غير أن الإشكال المثار هو التالي: هل يظل قيام الفلسفة التطبيقية رهين توفر قوانين تفكير حاذق وقواعد عمل صالحة؟ وماذا لو حولنا الوضعية الفلسفية إلى تجربة علاجية ونزهة من أجل حرية الروح؟

لا تقتصر الفلسفة التطبيقية على النظريات العامة والأنساق المجردة بل تتوجه نحو الالتزام الميداني والتجربة الملموسة وتتدخل في سياسة الحقيقة العمومية وضبط استراتيجية للفضاء العلائقي بين الناس وتتبع سياسة حيوية تراوح بين مقاومة الابتذال والعار وصناعة فضاءات رحبة للوجود وتريد حياة حرة وتدفع الكشوفات العلمية والعلوم العرفانية إلى التفكير في مصير الكوكب ومستقبل الحياة على الأرض وتجعل من الانحياز إلى العمق الاجتماعي مركز ثقلها ومن التغيير الجذري عملها الدؤوب ساعية إلى انجاز تحضر انسي راقي ومدنية عصرية قاطعة مع الحنين إلى الماضي والارتداد إلى همجية البداوة.

تمنح الفلسفة العملية للمصلحة الواقعية الأولوية الإجرائية على النسق المنطقي وتنخرط كليا في ممارسة عضوية من أجل توسيع دائرة العقل في مساحة الظلام ومن أجل الاهتداء بفانوس الحكمة في زمن اللايقين وتجعل من التحرير والانعتاق طريقا ملكيا نحو بناء عقلي ايكولوجي يزيد من فائض الأمل والحلم والوعد.

تظل ولادة الفلسفة التطبيقية مقترنا بالقضاء على الأمية الجديدة وكل مظاهر الجهل المعولم وأشكال الخرافة المستعادة وتفكيك القلاع التي ما تزال تعشش في كهوفها الأساطير القروسطية والأوهام الزائفة وتحتاج لتعميم رسالة التنوير مجتازة مدار النخب الضيق نحو الشوارع المتسعة والمساحات الجماهيرية.

لا يمكن للفلسفة التطبيقية أن تقاوم القبح والبشاعة والبلادة إلا بممارسة الفعل الإبداعي للحق وتحويل التجارب الفنية الاستهلاكية والمنتوجات الصناعية إلى مسار تجميلي للوجود والانتصار إلى استطيقا الالتزام والحرية وتنقية الدين من الصنمية وتحويل علم اللاهوت إلى كلام عن المقدس وإعطاء المواطنة قيمة الوفاء للكرامة الشخصية والولاء للوطن والمجتمع. بطبيعة الحال لا يصلح النسيج الاجتماعي بصورة مستدامة ولا يتقدم الفعل السياسي نحو الخير العام ولا يسعى لتقييد السلوك الأخلاقي بأساليب الوعظ والإرشاد والنصيحة ولا يحقق بالشغل الاقتصادي التنمية والثروة والازدهار إلا إذا قامت في الفضاء المواطني تربية جيدة وتعليم متطور وتخطى إخفاقاته وفشله في إنتاج العقول العظيمة.فكيف يمكن بناء الفلسفة التطبيقية دون منطق كلياني؟ وهل يستقيم الفعل البشري عند غياب لوحة قوانين ضابطة؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

..................

المصادر والمراجع:

Descartes (René), Discours de la Méthode, VI, 1637, édition 10-18, Paris, 1963.

Lecoq (Jérôme), La pratique philosophique, une méthode contemporaine pour mettre la sagesse au service de votre bien-être, édition Groupes Eyrolles, Paris, 2014.

Halévy (Elie) , la formation du radicalisme philosophique, tome 3, le radicalisme philosophique, édition PUF, Paris, 1901.

Dumery (Henry), le problème de dieu en philosophie de la religion, édition  Desclée de brouwer, 1957.

zouhair khouildi2"إن امتلاك عالم ما يعني امتلاك توجه ما نحو ومع ذلك يبقى المرء متحررا تماما مما يواجهه من العالم الذي يقدمه أمام نفسه من حيث هو كائن"1[1]

إذا كانت الرؤية التاريخية للعالم تعاني من المأزق الذي تتضمنه فكرة التاريخ الكلي وإهمالها للعمل الفردي وتكتفي بنقل بقايا الماضي الصامتة وتغفل عن التجارب الحية التي عايشها الوعي العامل في الماضي وتفشل في سعيها وراء الهدف الضخم حول فهم الحياة الكلية للمجموع البشري فإن الرؤية الهرمينوطيقية للعالم تخضع الموضوع لتأمل حول أثر الحقيقة أكثر من معالجة المنهج وتتفادى جعل الماضي في متناول الحاضر وتفترض أسبقية التاريخ على الحياة وتحرص على التعبير عن ما يمثله التراث في الحاضر.

لقد أقلعت الفلسفة الهرمينوطيقية مع عادات القيام بخطوة باتجاه بناء معرفة موضوعية بالعالم التاريخي تحاكي النموذج الوضعي الذي حقق نجاحات مذهلة في معرفة الظواهر الطبيعية مع العلوم الدقيقة وابتعدت عن قياس الماضي بمعايير الحاضر كما لو كانت معايير مطلقة وفضلت العودة إلى الطريقة التي ينظر بها الماضي إلى الأشياء وينتج الأفكار حيث يستمر المعنى في التراث وتوجهت نحو اكتشاف الرؤية إلى العالم التي تتضمنها اللغات المتداولة ودراسة الحكمة المطمورة في الحكايات الموروثة وحاولت إحياء الماضي في التراث السردي عن طريق الحدس والتعاطف والإنصات الشعري ونحت معرفة مستقلة.

" المبدأ الأساسي للمؤرخ هو أن يؤول التراث بمعنى مختلف عن المعنى الذي تتطلبه النصوص لذاتها"2[2]

تسعى الهرمينوطيقا الفلسفية ضمن تأملها في رؤية العالم التاريخية وتطورها إلى التخلي عن المزاعم الميتافيزيقية للفلسفة المثالية وخاصة الاعتقاد في وجود كلية الروح التاريخية العارفة وفي المقابل تحاول إقامة هرمينوطيقا تاريخية للنقد الفلسفي بالتحدث عن الوعي المتأثر تاريخيا وبإقرار تناسب بين التناهي البشري ولانهائية المعرفة ولامحدودية الأفق التاريخي والانصهار الفكري لطبقات التراث مع الحاضر.

تتخطى الهرمينوطيقا التأويل التاريخي من حيث هو معطى بلاغي يقوم بالربط بين اللغة والتفكير ويركز على الفعل الصريح لفهم نص معطى ويفترض مقصد تم التعبير عنه ويجب العودة إليه واستخراجه نحو استكناه التعبير الذي يشتمل على كل شيء بما في ذلك المعنى الخفي الذي يحتاج إلى أن يؤول بشكل ما.

رؤية العالم هي الرؤية اللغوية التي تمثل المرجع التأويلي للعقل الهرمينوطيقي وعالم التأويل هو عالم الآخر بالنسبة للنص المؤول وللتراث الماضي ولكن هذه الرؤية لا تمتلك حقيقتها الخاصة في ذاتها وليس مجرد مجال للبحث والمعرفة بل من خلال علاقة المؤول بها وعلاقة التراث بخبرته التأويلية وقدرته على الفهم ضمن رؤية المرء للعالم ورؤيته اللغوية التي تسمح للكائن بان يكون في الموقع قبول معنى ما يقال.

" ليست مجرد شيء يمتلكه الإنسان في العالم بل أن يكون للمرء عالم ما إنما هو أمر يعتمد على اللغة"3[3]

من هذا المنطلق إن الرؤية الهرمينوطيقية للعالم هي رؤية لغوية مادامت التجربة اللغوية هي منبع كل شيء محور رؤية الكائن البشري للعالم ومادام الوجود الجدير بالفهم هو بالأساس لغة بما أن جوهر اللغة هو فعل الكلام الحي وبالتالي يجوز الاستخلاص بان عالم البشر هو عالم اللغة ولا وجود لهم دون لسان.

إن امتلاك عالم ما يعني امتلاك لغة معينة ضمن بناء لغوي للعالم من خلال الكائن البشري الذي يتحرر من البيئة بالتعالي عن وطأة اليومي والتحرر من المحيط الطبيعي بالقدرة على التسمية وإضفاء المعنى.

بيد أن يرى العلماء أن العالم الحقيقي الموجود في ذاته هو عالم الموضوعات التي توضع تحت تصرف المرء أي العالم الفيزيائي والواقع المطلق الذي يرتبط بالأشياء المادية والكائنات الحية المتنوعة من نبات وحيوان وبشر وبالتالي إن نموذج العالم هو الآلة القادرة على صنع الأشياء عبر المعرفة من اجل الهيمنة ولكن هل من الصحيح أن هذا العالم العضوي من حيث هو كون طبيعي هو عالم الوجود في ذاته بوصفه الكل ومن حيث يتم تخطي كل ما له علاقة بكينونة الموجود وحيث يمكن أن تسمى المعرفة علما مطلقا؟

إن"امتلاك لغة يتضمن شكلا للوجود مختلفا...والبشر حينما يتعلمون لغة أجنبية لا يغيرون علاقتهم بالعالم، وإنما هم بالأحرى يثرونه ويوسعونه... بالاحتفاظ بعلاقتهم الخاصة بالعالم، فكل من له لغة له عالم"4[4]

في هذا الصدد إن العالم نفسه يقدم نفسه في اللغة والتجربة اللغوية للعالم التي يقوم بها المرء هي تجربة كونية ومطلقة وتشمل الوجود في ذاته بأسره وتسبق على كل شيء يميز كل شيء ويخاطب كل كائن. على هذا النحو تعبر اللغة عن علاقة كلية بين الإنسان والعالم، من حيث أن العالم الذي تشكله اللغة ويظهر من خلالها للإنسان ليس موجودا في ذاته يعطى في التجربة بصورة كلية وليس موضوع معرفة نسبية على غرار الطبيعة وإنما يعبر عن التلاقي بين الوعي المتأثر تاريخيا وتفهم التجربة اللغوية للعالم.

مقتضى القول الهرطينوطيقي حول العالم اللغوي الذي يقيم به كل إنسان رمزيا يدور حول أن " اللغة بالأحرى هي الوسط الكلي الذي يحدث فيه الفهم والفهم يحدث في التأويل...فالفهم برمته تأويل والتأويل برمته يحدث وسط لغة ما تتيح للموضوع بأن يتأتى بكلمات مع أنها أيضا لغة المؤول الخاصة"5[5]

لكن إذا تعذر على الفلسفة النقدية التعبير المنطقي عن الواقعية الحية للكلام الذي ينشط كلية المعنى ولم تقدر على إيضاح الظاهرة التأويلية في ضوء التناهي الأساسي للوجود وبالنظر إلى كون هذا الوجود نفسه هو وجود لغويا كليا وبعد المراهنة على الصلة الوثيقة بين التراث والتاريخ التي تم التعبير عنها من خلال الوعي المتأثر بشغل التاريخ فما الطريق الذي يتحدد بمقتضاه الانتماء على أساس العالم المتشكل لغويا؟

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...................

الإحالات:

[1]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا، طبعة 2007، ص576

[2]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، نفس المصدر، ص452

[3]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص576

[4]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص588.

[5]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص511.

المصدر:

غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا، طبعة 2007،

Gadamer  (Hans-Gorge), esquisses herméneutiques, essais et conférences, traduction Jean Grondin, éditions VRIN, Paris , 2004.

 

 

ali mohamadalyousifيبين ان الجدل الدائر عن الخلود موجّه باسره ضد علم اللاهوت الطبيعي، يريد(بومبو ناتنزي) ان يسخر منه واراد ان يدافع من خلال اظهار ان النفس بطبيعتها فانية، عن الارثوذوكسية ضد الافلاطونين، فالديانة الارثوذكوسية وحدها تضم الحقيقة، أي بعث الجسد من خلال العناية والخلاص الفائقين للطبيعة.

وفي دفاعه عن الموقف الارسطي لم يكن موفقا، في تأكيد ان النفس تتحد على الصعيد الفردي مع الجسد في وجوده، وقد اذهله السؤال عن السبب في ان العقل ليس عضواً يسكن اليه. ومما له اهمية اذا كان قبوله الرد المسيحي على الموت املته عليه النفعية والخوف من الاضطهاد، أو انه كان يؤمن فعلا بذلك!؟

التفلسف الافلاطوني يعني على نحو ما رأينا تدريبا على الموت، والموت هو لحظة التحقق العظمى التي تنفصل فيها النفس عن الجسد. فانه كان يعني لمونتاني ان نتعلم كيف نقبل الموت باعتباره الفناء النهائي للشخصية الانسانية(1).

ومونتاني رغم كونه مسيحيا بالاسم فحسب اذ ان سخريته من القس لا حدود لها، الا انه يعارض الالحاد بشدة، وغالبا ما كان يوحد بين الله والطبيعة والقدر.

وبمجيء جيورد انو برونو الذي يندفع في فهم الدين والحياة والموت والروح من منظار (كوني Cosmology) فبعد ما جعل كوبر نيكوس الشمس مركز الكون، أو بالاحرى مركز المنظومة الشمسية فقط، اطاح برونو بهذا المجد لكوبرنيكوس قائلا ان الشمس مركز الكون لكنها مجرد جرم صغير و(نجم) من نجوم وشموس اخرى.... ويبدو ان الكنيسة التي مررت على مضض لكوبرنيكوس وغاليلو مركزية الشمس، الا انها لم تفّوت تطاول برونو على الشمس ذاتها واعتبارها جرما صغيرا، فما كان منها إلا ان احرقته على الخازوق، وقال برونو على لا نهائية الكون (ان من يظن انه ليس هناك من الكواكب اكثر مما نعرف بالفعل يشبه في غروره ذلك الذي يعتقد انه ليست هناك طيور اخرى تحلق في الهواء غير تلك التي يراها من نافذة صغيرة) (2).

بل ان برونو يعني متجاوزاً هذا بقوله: (ان من يعتقد ان في الفضاء اللامتناهي وفي العوالم التي لاحصر لها، والتي من المؤكد ان معظمها يتمتع بحظ افضل من حظنا، ولا يوجد في الاجرام الا الضوء الذي نراه، هو شخص احمق تماما، انه لمن السخف ان نفترض انه لا توجد كائنات حية ولا عقول اخرى أو حواس اخرى غير تلك المعروفة لنا)(3).

ان هذا السبق والتوقع الذي يرقى إلى مرتبة النبوّة يبدو اكثر قدرة على التأثير من حيث انه قيل قبل اختراع التلسكوب، وفي وقت لم يكن فيه عدد النجوم التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة يتجاوز (1500) نجما.

يحتل (اسبينووزا) مكانة مرموقة بين فلاسفة القرن السابع عشر العظام وكان بدوره ينشد الخلاص في طريق يتعارض فيه مع كل من (باسكال) ومع التراث المسيحي اللاهوتي بصورة عامة، وهو نموذج الفيلسوف الذي دعا وطبق على نفسه عدم الاكتراث للموت واللامبالاة. وبهذا الصدد يقول ان الانسان يعيش في هدي العقل، ولا يقوده الخوف، وانما يرغب بصورة مباشرة فيما هو خير، وبتعبير آخر، يكافح من اجل التحرك والحياة، والحفاظ على وجوده على اساس من السعي الحق، ولذلك فان مثل هذا الانسان لايفكر في شيء اقل مما يفكر بالموت، وحكمته تأمل الحياة(4).

واسبينوزا لا يقصد بعدم التفكير والاكتراث للموت، ان تنتاب العقل السليم الذي تتقاذفه الهواجس من الموت والرعب في ما يشل مقدرة الانسان من توظيف سلامة عقله في معرفة الموت، وقرن سلامة العقل بالحكمة والحرية في التفكير.

يقول وولفسون (ان تصور اسبينوزا لخلود النفس يمكن ان ينظر اليه مرتبطا بالتصورات الاخرى للحياة الآخرة، باعتبارها اما تأكيدا للخلود أو نفيا له، غير انه بقدر ينكر استمرار وجود النفس بعد الموت بكاملها، وبقدر ما ينكر امكان فناء النفس تماما فانه يظل تأكيدا للخلود)(5).

يصف براتراندرسل الفيلسوف (ليبنتز) بانه واحد من اعظم العقول في كل العصور، الذي يقول ما من كائن حي يفنى تماما، هناك تحولات فحسب، وبذل جهودا كبيرة في فلسفته لتحقيق مصالحة بين الدين والفلسفة، ويؤكد ليبنتز التفريق بين الخلط بين غياب طويل عن الوعي، ينبع من تخبط عظيم في الادراك، ويعتقد ان الحيوانات العامة لا تولد كلية من خلال الحمل أو التوالد، وبالتالي فانها لاتعود وتفنى كلية في ما نسميه بالموت، ذلك ان العقول ان مالايأتي إلى الوجود من خلال الوسائل الطبيعية، ينبغي ان لايصل إلى نهايته في مجرى الطبيعة(6). ويختتم انه من الضروري ان نربط بين الوعي الاخلاقي وبين اصحاب الميتافيزيقيا، أي ان على المرء ان يعتبر الرب لا المبدأ هو المسبب لكل الجواهر وجميع الموجودات.

اشتغالات علم الميتافيزيقيا، أي ما وراء الطبيعة، هي عن الخالق (الله)، الاساطير والميثولوجيا، نشأة الاديان وطقوسها، والنصوص المقدسة، كما تبحث الميتافيزيقيا في مسائل النفس والروح والخلود والفناء، ومن اشتغالاتها البحثية ايضا الزمان والمكان، وما يتصل بهذه العناوين المذكورة من مديات استقصائية فلسفية، دينية، اجتماعية، واعتبرت الميتافيزيقيا عبر العصور فكرا خصبا بل وشديد الخصوبة، ينافس الفلسفة واحيانا يحتويها، فالفلسفة على تعبير المفكر محمد الشيخ هي ميتافيزيقيا بعينها وكانت تسمى ملكة العلوم، وقد ردد شوبنهاور: الانسان كائن ميتافيزيقي.

واول من فرق بان الحيوان لايدرك الموت، بخلاف الانسان الذي يعي جيدا حتمية الموت هو فولتير بمقولته: ان الجنس البشري هو الجنس الوحيد الذي يعرف انه سيموت.

ومعرفة الانسان للموت تعلمها وجاءته عن طريق التجربة، وتعتبر الميثولوجيا الدينية في قتل قابيل لاخيه هابيل، وفزعه واضطرابه ماذا يفعل بجثة اخيه القتيل، حتى وجد غرابيين يقتتلان حد الموت، فوارى احدهما (القاتل) الغراب الميت تحت التراب، فقام قابيل في محاولته ستر فعلته النكراء بان دفن جثة اخيه تحت التراب، كما فعل احد الغرابين بالآخر.

وتعتبر الميثولوجيا الدينية مقتل هابيل علامة مفصلية فارقة في تاريخ البشرية في معرفة معنى الموت، واستطاع الانسان البدائي اكتشاف حتمية الموت بعد مراحل طويلة قضاها، حينما تجاوز مراحل العقلية البدائية، أي حينما كف الانسان ان يكون بدائيا على حد تعبير جاك شورون.

وقبل انتقالنا لميتافيزيقيا افلاطون وصولا الى آراء بعض فلاسفة عصر النهضة، نشير الى افكار فلسفية عرضية كمثل العبارة لفيلسوف يوناني مجهول: (الاموات يحكمون الاحياء)، عبارة فلسفية ميتافيزيقية عميقة المعنى والتأويل والاستدلال أخذت بعداً تاريخياً راسخا في فلسفة الميتافيزيقيا، فقد أفاد منها ماركس وآخرين سبقوه، ومن جاؤوا بعده، رددها في تنظيراته الفلسفية بنفس المعنى: هناك (كم) هائل من افكار وموروثات الاموات تجثم على صدور الاحياء من البشر.

والعبارة اليونانية (الاموات يحكمون الاحياء) ذات مدلولات فلسفية رغم اختصارها بالمفردة اللغوية، لكن اكتنازها بالمعنى وهي تنطبق اليوم على معظم شعوب الدول النامية، وبوجه التحديد منها شعوب الوطن العربي، في تكبيل الموروث التاريخي والحضاري المتحفي فقط، نهضة الشعوب العربية ومنعها ان تعيش عصرها، بهيمنة الموروث على حركة الحاضر والمستقبل، فيما الاموات يحكمون الاحياء بحق.

وفي نبرة تفاؤلية على غير ما أنهى سقراط حياته، والروائي الامريكي آرنست همنجواي، هو الآخر مات منتحرا رغم مقولته الشهيرة التي كتبها في تصدير روايته الشهيرة (العجوز والبحر) قائلا: (قد يتحطم الانسان لكنه قط لا يهزم). وفي المعنى ذاته يذكر الروائي المغربي محمد الاشعري على لسان بطل روايته (القوس والفراشة): (كلنا ننهزم امام الموت، لكن لاشيء افضع من الهزيمة امام الحياة).

ويبقى الموت اكبر من كل مصائب الحياة واحزانها والامها، فالموت يمثل اوج ذروتها وبداية نهاية للانسان على الاقل بايولوجيا، ومفهوما ميتافيزيقيا ملغزا يثير التساؤلات الازلية الدائمة.

كتب آرنست كاسبرز يقول: ان العقل وهو على مستوى الميتافيزيقيا لابد له ان يسعى الى ادلة لبقاء الروح بعد الموت، وتسود العلاقة العكسية في بداية الثقافة الانسانية، ان ما يتعين اثباته هنا ليس الخلود وانما الفناء(7).

كما نعت الشاعر البرتغالي (بيسوا) الميتافيزيقيا انها امتداد لجنون خفي ليس الا. من جهة اخرى قال اونا فونو: (أننا لا نحيا الا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليست الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار، بل ولا حتى امل الانتصار، انها تناقض ولا شيء سوى التناقض، ان فكرة الموت، تقض مضجع الانسان وتقلق بالهُ، وتكاد تلاحقه في حلّه وترحاله. حتى ان الضمير ليخفق دوما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها سر الموت وما قد يجيء بعدهُ)(8).

ويؤكد ماكس شيلر (1784-1928) وهو فيلسوف ظاهراتي اجتماعي، أخذ عن (هوسرل) منهج الظاهريات وطبقه على مجالات الاخلاق وفلسفة الحضارة، يذهب شيلر ان الانسان يعرف على نحو حدسي انه يتعين عليه ان يموت، وان الموت مدركه حتى ولو كان وحيدا في العالم ولم يسبق له قط ان شاهد مخلوقات او كائنات اخرى عانت الموت وتحولت الى جثة، فالموت حسب شيلر قبلي سابق على اية ملاحظة (حيث ان الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة او باخرى يدركه هذا الفرد او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة)(9).

ويضيف شيلر، الموت ليس جدارا نرتطم به في الظلام، وليس سحقا للكائن الحي، على يدي قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت قد يحدث بتأثير ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار، واختصارا فان هناك يقينا حدسيا بالموت، وبقدر ما يتعين علينا ان نعزو لكل حياة شكلا من اشكال الوعي، ينبغي علينا ان نعزو لها ايضا ضربا من اليقين الحدسي، ويتسائل شيلر كيف يمكن اثبات (الخلود)؟ انه لايمكن اثباته، فان تكن (خالدا) فهي واقعة سلبية لايمكن اثباتها لانها لاتقبل برهانا(10).

كما نعت هيدجر اصطلاح الميتافيزيقيا بثلاث نعوت قاسية: انه مفهوم سطحي شكلي، وقلق مضطرب مشوش، وغير مستوف المضمون، الذي وضع له، ولا مكترث باشكاله، كما قال ان الميتافيزيقيا علم غامض، وقيل فيها ضدا، انها الوضوح بعينه. كما يعتبر هيدجر القلق هو يكشف عن العدم الذي يحدد اساسا الوجود الانساني، وهو يربط بشكل وثيق الصلة بظاهرة السقوط في (الناسية) الذي هو استسلام الانسان للعالم، والتحلل في الكلية (العام) أي اندماج الفرد بالمجتمع، ونسيان الوجود الحقيقي، وهو بتعبير هيدجر يعني فرار الوجود الانساني من ذاته، ومن امكانية ان يكون المرء ذاته الصحيحة، وما نهرب منه انما هو الوجود الذاتي الحقيقي الجوهري. هنا يصوغ هيدجر مفهوم الاغتراب الذاتي، اغتراب الذات (الأنا) عن (أناها) العليا المثلى بالقيم.

ويذهب ابيقور الى انه ما دامت الروح موجودة، فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة.

ونشير الى ما ذهب له الرواقيون، عن النار الخلاّقة باعتبارها المبدأ الروحي والمادي في آن معا، وعندهم ان العالم ليس واقعا تحت رحمة (الصدفة) وانما هو يخضع لقوانين كونية، والعناية الالهية التي تحكمه سامية في مكانتها، وفي هذه الضرب من وحدة الوجود، نجد موقفا وسطا بين النزعة التشبيهية المنتمية الى الديانة الشعبية، والنزعة الالحادية الابيقورية، ان النفس البشرية ذات طبيعة مادية، وهي تنشأ مع الجسد، وان كانت مادتها اكثر نقاءا او اكثر نبلا، انها جزء من الروح الالهي التي صدرت عنه في نهاية العالم.

ويتساءل سنكا (4 ق.م – 65م) أليس بمقدوري ان أبحث عن بدايات الاشياء كافة، من الذي شكلها، ومن الذي ميّز ما كان ملقى في كتلة مختلطة غير متميزة ؟ اليس باستطاعتي تساؤل من هو مبدع هذا الكون كله؟ أينبغي عليّ ان اكون جاهلا بالمكان الذي انحدرت منه؟ والى اين انطلق من قيد البشرية؟ (11).

كتب الاستاذ صلاح سالم: ألهمنا المسيح مفهوما عن دين مجرد يمثل اجابة عن السؤال: كيف تحيا ذاتك؟ وتواجه هذه الذات، تقمع غرائزها، ومطالبها، وليس اجابة السؤال: كيف نعيش العالم مع الاخرين، وكيف نغيّره للافضل، نهضت الكاثوليكية، أي تأسست وتمت في ظل علاقة مراوغة مع المفهوم المسيحي، عن الانسان اذ كان عليها ان تدير موروثا روحانيا، يدعي السمو على الارض، من ناحية، فيما تحيا معضلات الواقع من ناحية اخرى، وقد دفع بها هذان الامران الى تناقض وجودي بين روحانية نظرية، ودنيوية عملية، كانت كفته تميل باستمرار ضد الروحانية الصرفة، ولمصلحة الانشغال على قلب الاقطاع الاوربي(12).

يبدو لنا ان هذه الاشكالية التي طرحها الاستاذ صلاح سالم هي ذات الاشكالية الازلية التي صاحبت ظهور الديانات السماوية وغير السماوية ولا يمكننا فصل ما هو دنيوي، عما هو روحاني آخروي الا في اديان لا سماوية كما في البوذية مثلا، لكنها كأشكالية قديمة – حديثة هي قائمة في جميع الاديان تقريبا، ولكل مجالات اشتغاله.

نيكولوميكافيلي (1949- 1527) كان ابن محام في فلورنسا، اهم كتبه (الامير) و (الخطابات)، صاحب القول بعد اعدام المصلح الدومنيكاني (سانفونارولا) حرقا عام (1498) الانبياء غير المسلّحين يخفقون دائما. ويمكننا تعميم العبارة على الكثير من الانبياء والرسل والكهنة في مختلف الديانات. هذا حدا بماركس ان يقول ان تاريخ البشرية هو تاريخ القوة، ومن المرجّح انها مستمدة عن نيتشه في مقولته عن (السوبرمان) التي بدورها مهدت لظهور النازية.

كما يؤكد ميكافيلي ان كل حرب تصبح عادلة عندما تصبح ضرورية، ومنها تحولت فكرة (العدالة) من الجانب الاخلاقي الى الجانب النفعي البراجماتي.

الدين في نظر وليم جيمس (1842-1910) احد ابرز اقطاب البراجماتية الامريكية: هو مجموعة وجدانيات وافعال وتجارب يعانيها الافراد في وحدتهم، وكلما ادركوا انهم على علاقة مع شيء يعتبر (الها). والدين يقدم لنا نفسه اولا على انه امر خطير الشأن لانه افترض اننا سنجني من وراء اتباعه خيرا كثيرا، نحتاج اليه في حياتنا، وسنخسر بالاعراض عنه ذلك الخير الحيوي، ويقدم الدين ثانيا على انه تخيير ملزم ضروري لان ذلك الخير متوقف عليه(13).

ويضيف وليم جيمس القول بوجود الله، بقطع النظر عن الادلة الخارجية يحتل مكانا طبيعيا في نفوسنا، منسجما مع طبقة عقولنا كمفكرين، واضاف ينبغي لنا كفلاسفة ومن اجل تحقيق غايتنا من ايجاد نظام اخلاقي موحد، وذلك ان نفترض وجود الله، وان نتمنى انتصار الدين على الالحاد، كما ان الدين عند جيمس اعتقاد فردي وموقف شخصي لا يقرّه منطق العلم، ولايدعمه مصدر سماوي.

وقد أقرّ بعض اللاهوتيين صراحة بالصعوبة التي يمثلها مبدأ البعث، هكذا يحاول جيمس على سبيل المثال التغلب على تلك الصعوبة: من الواضح ان ذلك لايعني ان الجسد المعّين هو جسدي في الوقت الراهن سيستمر الى الابد، فعناصره في الحقيقة لن تدوم سبع سنوات، لكن يعني انه ستكون هناك استمرارية لشخصيتي، وان الله يقدر الشخصية والفردية الانسانيتين(14).

ولكن (جاروسلاف بيليكان) يقول: ان موت الانسان لايمكن فهمه عن موت المسيح، والشكل الذي يمكنه ان يقول كل هذا هو الصليب، والصليب يترك اسئلة عديدة دون اجابة وشطرا من الموت دون رصد.

مع مونتاني ظهر في العالم الغربي ردا على الموت قدر له ان يكون البديل الاكثر شيوعا في الاعم الغالب للرد المسيحي على الموت، وان طبيعة الموت كفّت ان تكون القضية الرئيسة، فالموت اصبح ينظر اليه على نحو ما يبدو للحس العام أي باعتباره فناءا شاملا. والحياة مقدر عليها الموت، ذلك الموت الذي يتهددها في كل لحظة، فما الذي يمكن للمرء ان يفعله ازاء تسلط فكرة الموت عليه، والاثار التي تصيبه بالشلل والمترتبة على الخوف من الموت؟. ان على المرء - حسب مونتاني – ان يتعايش مع هذه الفكرة والطريق لذلك هو الفلسفة هي التي يمكن ان تعلم الانسان كيف لايخشى الموت والاحتضار، ويكرر مونتاني نصيحة سنكا، انه على المرء ان يألف الموت، وعليه ان يبقي نعليه في قدميه طول الوقت، وان يستعد للرحيل بمجرد اخطاره!! وان من يتعلم الموت ينسى العبودية، ان الموت المخلّص يحررنا من كافة القيود من العبودية، ومن يعرف ان الحرمان من الحياة ليس شرا سيعرف كيف يتمتع بالحياة(15).

ونجد في مؤلف مونتاني (مقالات 1580) ما ساهم في تغيير نظرة مونتاني للموت فأخذ يردد (اننا نعكر صفو الحياة بخشيتنا من الموت، ونعكر الموت بانشغالنا بالحياة)، ويرى ان من المؤكد الاستعداد للموت خلق من الاضطراب ما يفوق ما خلقه الموت ذاته، وتواجه مونتاني ان الهدف من سعينا الى الموت، الى انه الى حد قوله اصبح واضحا انه نهاية الحياة وليس هدفها. من الجلي ان تعريف مونتاني القائل: ان التفلسف هو ان تتعلم كيف تموت، له معنى مختلف تماما عن المعنى الذي كانت الفلسفة تعنيه بالنسبة لشيشرون الافلاطوني الذي ينقل عنه مونتاني قوله: بأن التفلسف لا يعد ولا يكون استعدادا للموت.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 .....................

(1) نفس المصدر السابق بتصرف، ص111.

(2) الكون اللامتناهي.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) كتاب الاخلاق لاسبيوزا، ترجمة الويز،1951.

(5) وولفسون، فلسفة اسبينوزا، نيويورك، 1958، ج3، ص322.

(6) جاك شورون، مصدر سابق، ص141.

(7) نقلا عن جاك شورون، فلسفة الاشكال الرمزية، 1995، ج2، ص37.

(8) د. عبداللطيف الزكري / عالم الفكر، مج41، ع2، 2012، ص307.

(9) جاك شورون، مصدر سابق، ص19.

(10) نفس المصدر السابق، ص20.

(11) جاك شورون، مصدر سابق، ص71.

(12) صلاح سالم، مجلة العربي، شباط، 2013، ص23

(13) د. محمد الشيخ، عالم الفكر، الكويت، مج41، ع2، 2012.

(14) سكريبنر، 1953، ص126.

(15) جاك شورون، مصدر سابق بتصرف، ص107.

 

 

zouhair khouildi"كلما زاد اقترابنا من الخطر تبدأ الطريق إلى المنقذ تلمع بجلاء أكبر ونصبح أكثر تساؤلا، ذلك أن التساؤل هو قمة التفكير"[1]

افتتاح:

"يجب أن تكون معرفة الإنسان أكثر علمية، وأكثر فلسفية، وأخيرا أكثر شاعرية، في الوقت نفسه، مما هي عليه"[2]

 لا يقدر الإنسان على تفادي وضعه المتناقض الذي وجد فيه، فهو كائن صغير يتصف بالضعف والعجز وجزء مفرد يمثل حالة عرضية في الكون ويمتلك وضعا هشا من جهة ولكنه يمثل نقطة مميزة تحتوي على معظم صفات الكونية ويحمل في داخله كمال الواقع وكل شيء من هذه البشرية من جهة أخرى.كما أن تعيين هوية له تخصه من بين الكائنات واثبات ذات تميزه عن الكون هو أمر جلل ومهمة عسيرة، فكل محاولة لرده إلى الطبيعة أو اختزاله في النوع أو تذويبه في المجتمع أو ربطه بالثقافة هي فاشلة ومتعثرة وذلك لأنه هوية واحدة لا يمكن تجزئتها من ناحية وكائن متعدد الأبعاد لا يمكن ضبطه من ناحية أخرى.

إذ " يقوم الكائن في الوجود ويجري بفضله قضاء محتجب يسري بين الإلهي وما يتعارض معه. لا يستطيع الإنسان أن يسيطر علي الكثير من الوجود، والقليل فقط تتم معرفته. يبقى ما نعرفه تقريبيا وما نتحكم فيه غير مضمون. ليس الوجود أبدا- كما نعتقد بسهولة فائقة- صنيعتنا وأكثر من ذلك مجرد تمثل لنا"[3].

لهذا يعاني خطاب الهوية من أزمة وذلك بسبب تأرجحها بين الاستمرار والدوام والوفاء من جهة والحاجة إلى تنويع شروط وجودها وتغيير علاقاتها وإثراء تجاربها بالمختلف والمتعدد والجديد من جهة أخرى. ويتراوح هذا الخطاب بين عدة دوائر وجملة من مدارات ويمنح الفرد والمجتمع والتاريخ والكونية حقل انتماء وبالتالي لا توجد هوية واحدة للكل بل هويات متنوعة وملل مختلفة وجماعات متقاطعة وتتشكل الهوية الفردية إلى جانب الهوية الاجتماعية وترزح الهوية التاريخية قبالة مطلب الهوية الكونية ويزداد التفكير في الهوية المستقبلية أو مستقبل الهوية في الكوكب. غير أن المنظومة البشرية أصبحت تعاني من نواقص كبرى وتعيش بين السرنمة والضبابية وبين الجنون والبلاهة وترزح في قبضة آلة استحواذية يصعب السيطرة عليها وتتخبط في فوضى غير أكيدة حولت البشر إلى شتات ومسوخ وصار التوحش يتهددها من كل صوب وحدب وبلغت التناقض الذي يمزقها ويصل إلى صلب الأشكال المتعددة لهويتها.

من المعلوم أن تأصل كوني من الناحية الفيزيائية قد حدث وأعقبه تأصل بيولوجي من جهة العضوية ساعد الطبيعة البشرية على التكون وسهل عملية الانبثاق وتعلق بمصيره ولكن عملية الأنسنة هي الطبيعة الثانية والانطلاقة الفعلية لمسيرة الاستخلاف وتعمير الكائن الآدمي للكوكب ولقد ارتبطت بالنزول على الأرض والانتشار في العالم والانفتاح على الغير وتغليب غريزة حب العمل والأمل في الحياة على غريزة الكره والتدمير والكسل. بيد أن الاستفاقة الحاسمة للبشر بواسطة العقلانية والتقنية ومن خلال ثورة الذهن وتداولية اللّسان قد حاولت طمس عدة بديهيات منغرسة في جذور الطبيعة البشرية مثل الطقوس والسحر والأضحية والمتخيل والأسطورة والرمز والمقدس والاعتقاد والتدين والإيمان والمرويات الكبرى التي تشير إلى عالم الغيب والحياة الأخرى. لقد سبب ذلك الطمس للغيرية ضعفا في الذهن وزرع الخطأ في قلب الكائن الآدمي وانغرست ازدواجية في الشخصية والفكر وأصيب الأنا بانقطاع في استمراريته وصارت الذات غريبة ومحبوسة في كهوف داخلية مظلمة وأسرف الإنسان في تعقله وجرفته وفرة الإنتاج إلى جنون الاستهلاك وخلفت الدولة المهيمنة الاستبداد وتزايدت المخاوف من النهاية الكارثية وبرزت علامات على إمكانية التقهقر إلى ما قبل التاريخ. لكن هذا التقدم في إنسانية البشرية قد كشف عن تلازم الثالوث البشري ( الفرد المجتمع النوع) وعن اللحمة الابستيمولوجية بين العقول البشرية والهوية المشتركة والوحدة النوعية إزاء الموت وسمح بانطلاقة الحوارية والتآزر والتفكير الجماعي في تأمين المصير المشترك والسير في اتجاه المجتمع العالمي والعودة إلى كونية الأصل ويقظة الفكر والتعويل على الإنسان المنتج ضمن شروط وأوضاع فعله والكائن الآدمي المتسلح بقيم الشهادة والوعد والصفح والأمل.

هكذا "يشعر الذه‍ن البشري بأنه ينتمي إلي ه‍ذا العالم من جانب، وبأنه غريب عنه من جانب اخر، وه‍ذا ما ينطبق علي حالتنا، اذ نحن بمثابة أبناء الكون وغرباء عنه"[4]. لكن هل حديث الهوية هو عمل إبداعي تلهج الآدمية بإشكاله دون أن تكون قادرة على الإجابة عنه؟ وما الذي يضمن بأن مقولة الذاتية هي حدث هووي مابعد مقولي؟ وكيف يفترق الأمر بين الهوية والذاتية؟ بأي معنى تصير الذاتية غير هووية ؟ وكيف تجري الهوية تجربة بيذاتية ؟ وماذا يترتب عن تشكيل الذات موضوع هويتها من خلال إظهار ذاتيتها بالقدر الكافي؟ ثم ألا يتشكل مفهوم الهوية المركبة عند أدغار موران من تعقد العلاقة بين الواحد والكثير ومن تجديل الصلة بين الوحدة والتعددية؟ وبماذا يمكن أن نتجاوز كل هذا العنف وهذه الفوضى التي تلف عالمنا المعاصر؟ وماهو المصير الذي تنحدر صوبه الهوية الإنسانية؟ وهل يمكن تجديل كل هذه التناقضات التي تزداد يوما بعد يوم وضوحا ما بين "الخير" و"الشر"؟ وكيف للبشر أن يطمئنوا من هذا المستقبل الذي يتجه بشكل ثابت نحو اللاّيقين والعماء المطلق؟ من أين يأتي المنقذ يا تُرَى؟

إذا كان تاريخ الإنسانية مهدد بشكل جدي بسبب حالة الفوضى والعنف التي تميز الحضارة المعاصرة نتيجة التناقضات التي تتحكم في الطبيعة البشرية بين قطبي الخير والشر اللذان يمتلكانه فإن تدبير مسألة التواصل بين الأفراد والجماعات يمكن أن تطرح ضمن التفكير في مسارات الذاتية والهوية والإبداع .

حري بنا أن نبين أن التمعن في هذه الإشكاليات يقتضي الاشتغال على ممكنات التفكير التالية:

- الهوية بين الذاتية والموضوعية

- الهوية بين الانقطاع والاستمرارية

- الهوية بين الثبات والتطورية

- الهوية بين الجوهرانية والتاريخية

- الهوية بين الطبيعة والثقافة

- الهوية بين الفردانية والمجتمعية

- الهوية بين الانغلاق على الخصوصية والانفتاح على الكونية

- الهوية بين إحياء الماضي واستشراف المستقبل

ما نراهن عليه في هذا المقام ليست ثبت الهوية بالنسبة إلى الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد على جهة التعريب والاستعراب والمستهدية بأنوار القرآن والحديث وحكمة المأثور مرة واحدة والى الأبد بل محاولة الرد على التحدي العولمي بإبداع نمط مخصوص في التعاطي مع مشكلة الهوية من منظور الفكر المتعقد وضمن حركة تركيبية تجمع بين العودة إلى الينابيع وتجديد التفرد وبين الانتشار الكوني والبدء الجديد.

1- التأصل الكوني والأنسنة الثقافية:

" عرفنا اليوم أننا متأصلون في الكون الفيزيائي وفي الفلك الحي، فنحن داخل الطبيعة وخارجها في نفس الوقت"[5].

يمكن تقسيم سؤال الهوية: من نحن؟ إلى ثلاثة أسئلة فرعية هي سؤال الوجود في العالم: أين نحن؟ وسؤال المصدر: من أين أتينا ؟ وهل نحن وحيدون في الكون وبلا نظير؟ وسؤال المصير إلى أين نحن ذاهبون؟ وبالتالي إيجاد اقتران بين معرفة الكائن البشري بتحديد موقعه في الكون وربط الانبثاق الإنساني بالتأصل الكوني والبيولوجي والكشف عن أسرار غامضة مع تقدم معرفتنا بذواتنا وعن وجودنا بين لامتناهي الكبر ولامتناهي الصغر ولا متناهي التعقيد وبين العقلانية المنظمة والفظاعة التدميرية وتأرجحنا بين المحبة والكراهية للبشر وبين الإشادة بالحياة على الكوكب والعزوف عنها والارتماء بين أحضان الوهم والعدم .

لقد تعذر على الإنسان اليوم أن يتوقع خاتمة القصة الطويلة للعالم الذي أتى إليه بشخصه وبصورة متأخرة. وبالتالي لم يدرك أصل المغامرة الكونية التي خلقته وأنتجته وحملته في ركابها وظل مستقبلها أمرا ملغزا.

إذا كانت المادة الفيزيائية قد انتظمت على الأرض بشكل ديناميكي حراري من خلال تبلل بحري وتفاعل كيميائي وشحنة كهربائية وتحولت إلى مادة حية فإننا نحن البشر الأحياء أولاد الماء والأرض والشمس برعم صغير للوجود نشكل تنظيما ذاتيا ناتج عن عمليات فيزيائية كيميائية تقودها آلة حرارية عضوية وتجعلنا نعيش لعبة العالم الكبيرة التي تتكون من تفاعلات عشوائية بين النظام والفوضى وبين التنظيم وسوء التنظيم وبين التنافر والتناغم وبين البناء والهدم وبين وجه الحياة ووجه الموت وبين العقل والجنون.

لا تعني الأنسنة[6] تجاهل لأصلنا الكوني وتكويننا الفيزيائي وتأصلنا الأرضي والبيولوجي بل هي مغامرة كونية خضعت لمجموعة من التحديات وشهدت عدة معارك وصراعات وانتهت إلى خلق حوارية إبداعية.

توجد عدة فرضيات تشير إلى حقيقة أن الإنسان هو الكائن البشري الفاني والمخلوق الذكي الأرضي الوحيد واليتيم في تكوينه الفيزيائي الكيميائي وبالخصوص حيازته على تنظيم ذاتي حيوي يتعذر إدراكه منطقيا. وبالتالي يبقى الإنسان حيوانا تناسليا من فئة الفقريات ومن صنف اللبائن ذات الأقدام المنتصبة التي تمتلك طاقة حيوية مفرطة وقدرات تنظيمية وإدراكية سمحت له بتطوير إمكانات جديدة من الحياة على نحو مذهل وإنتاج عمليات خلق حيوي أتاحت له فرص التفوق على بقية الكائنات بتقنيات في العديد من المجالات. لقد بدأت مغامرة الأنسنة قبل ستة ملايين عاما من ملحمة التطور ولقد أدت إلى تشكل الإنسانية بفضل النمو الداخلي في طور تخلق الجنين وتقلص حجم الجمجمة وأخذها في التسارع قبل مائتي ألف عام. من اللافت للنظر أن غياب البراهين إزاء أصل الإنسان ليس دليلا قاطعا على غياب بداية الإنسانية وبالتالي تظل عملية الأنسنة مغامرة غامضة ارتبطت بظهور أنواع جديدة تعمل باستخدام اليدين ومنتصبة القامة وتتميز بالمهارة والعاقلية وكانت قد طورت اللغة في التواصل والتعقيد الاجتماعي وأنتجت الثقافة لنقل المعارف عبر حقب التاريخ. لقد أوجدت الأنسنة علاقة مترابطة بين الطبيعة والثقافة ومنحت الكائن البشري المقدرة على الاكتساب والتكيف والتطوير والأداء وجهزته بدماغ قادر على إسناد اليدين عند العمل في مهمات تخصصية عديدة. لقد دفعت الأنسنة البشرية إلى تخطي مرحلة الحيوانية الإحيائية في مغامرة الحياة الخلاقة إلى بداية جديدة نحو الإنسانية وذلك بالتسلح بالدماغ واليدين واللغة والذهن والثقافة والوجود الاجتماعي والفكر المركب.

 لكن كيف كانت الأنسنة البيولوجية ضرورية لتطور الثقافة؟ ولماذا كان انبثاق الثقافة ضروريا لاستمرار الأنسنة حتى مجيء الإنسان العاقل واستخدام اللغة بصورة منطقية دالة وتشكل الهوية الإنسانية؟ ومتى تحولت تجربة ثبت الهوية إلى انشغال رئيسي في الفكر والواقع؟

لقد دأبت الفلسفة على تطبيق مفهوم الهوية على شخص واحد في مستوى هويته العددية ولتشير إلى هذا الفرد الحي بكونه يمتلك هوية شخصية، ولكن مثل هذا التناول لا يمنح سوى المعنى المتداول ولا يعطي للفرد إلا هوية قانونية يتم التعامل معها بشكل رسمي ويعبر عن دوامها الفيزيائي واعتراف اجتماعي بها.

على هذا النحو يمكن إخضاع هذه الهوية المتعينة والبسيطة إلى التحليل الفلسفي والتفطن إلى تنوع وثراء مكوناتها وتعدد عناصرها واستخلاص إمكانية وجود هوية كيفية أو نوعية إلى جانب هوية كمية عددية[7].

إذا كانت الفلسفة الميتافيزيقية تقيم تعارضا بين الهوية والاختلاف وبين الإثبات والنفي وبين الطرح والسلب فإن الفكر الجدلي يرى إمكانية التعايش دون الاختلاط بين هاتين القيمتين وتبادل الأدوار في التحديد ويجعل من الهوية التاريخية حصيلة الاستيعاب والتجاوز والتأليف ووليدة حركة تقدمية.

 غير أن رونيه ديكارت لا يمكن اعتباره مبدع مفهوم الهوية عند اكتشافه للكوجيتو وتأسيسه للذاتية وإنما جان لوك في كتابه "الهوية والاختلاف"[8] لما مهد الطريق لقيام فنومينولوجيا الذاكرة ولما شَيَّدَ نظرية المعنى الزمني للهوية وساهم في تطوير هرميينوطيقا الذات ونظرية في الاعتراف عند بول ريكور[9] جعلت من قدرة الشخص على بلورة علاقة باطنية مع نفسه وسردها مسألة أساسية. كما ساعد على تعيين الهوية الشخصية في إطار فلسفة المماثلMême وكشف عن المنظورية التراثية للنظر الباطني التي طابقت الذاكرة مع الوعي وجعلت من طبع الشخص كيفية لثبت الهوية ونمط من تملك الذات لذاتها[10].

من المعلوم أن الهوية الإنسانية عند أدغار موران تقوم على منطق الكثرة والتعدد وهذا المنطق يتجلى في ارتباط هذه الهوية بثلاثة أبعاد هي الهوية الفردية البيولوجية والهوية الثقافية وانتمائه للنوع الإنساني. كما أن هذا التركيب هو الذي يفرض على الأنا الانفتاح على بقية مكونات هويته، و تجاوز فرديته الضيقة، فيكون من الضروري بالنسبة له أن ينفتح على الآخر الذي يشترك معه في الانتماء لنفس الثقافة كما يلتقي مع الآخر الذي يشترك معه في صفة أعم هي الانتماء الإنساني. إن الهوية المتلاقحة ثقافيا وعرقيا تضم جملة الانتماءات المتعددة إلى العائلة والجهة والإثنية والوطن والدين والثقافة والفلسفة والقارة والأرض.

لقد اقتضت حكمة العيش المشترك رفض الانغلاق والتماثل وقبول المختلف والمغاير وتنظيم اللقاءات بين الهويات وتنمية هوية متعددة المنابت والاعتراف بالجذور المتشابكة للهوية المتعددة والسماح بتشكيل هوية مركبة انسانية. بناء على ذلك يستلزم الانفتاح على الأبعاد الثلاثة المكونة للهوية الإنسانية تأسيس إيتيقا كوكبية تقوم على أساس قدرة الفرد على مراجعة ذاته قيما وممارسة، والقبول بالأخر والتلاقح معه.

من هذا المنطلق يتوجه البحث إلى الهوية الإنسانية للمبدع وقول الأنا للذات واحتلال موقع في العالم ويرنو نحو جعل موضوعية الإبداع إظهارا للذاتية بما لا يكفي من الوضوح وبالتالي يلتقي الالتزام الوجودي عند المبدع بالمسارات المتبعة في التقصي والسبر والتدبير المسلط على الكائن مع طرق أبواب السؤال عن ثوابت ومتغيرات وأحوال وهيئات الهوية الثقافية ضمن دوائر السلطة وأنظمة الخطاب وفضاءات الرغبة.

إن السؤال عن الإنسان لم يعرف حضورا وكثافة مثلما يعرفه اليوم داخل الثقافة المعاصرة. كما إن السؤال عن هوية الإنسان هو سؤال ثقافتنا المعاصرة بامتياز. تعود كثافة حضور هذا السؤال ليس لما تعرفه حضارتنا من كثافة العنف ووحشيته، فالعنف خاصية ملازمة للتاريخ البشري، وإنما لشيوع وكثافة حضور صور العنف ذاته والذي لم يعد بالإمكان إخفائه تحت تأثير الآلة الإعلامية والتغطية التلفزية.

 السؤال عن الإنسان هو سؤال الراهن المرتبط بالمفارقات التي تشق الوجود الإنساني. كما تتعلق هذه المفارقات بتراوح الوجود الإنساني بين البناء والتهديم، وقدرة الإنسان اللاّمتناهية على الإبداع والتسامي ولكن كذلك هوسه بالعنف والتحطيم وتهديد الحياة، تمسكه بأكثر المعتقدات سحرية وأسطورية ولكن كذلك إبداعه للفلسفة والعلم، قدرته على الحب كما الكراهية. لقد أدت التطورات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم الحديث بعد الثورة العلمية التي بدأت منذ القرن السابع عشر إلى وعي الإنسانية بمسألتين حاسمتين:

- المسألة الأولى هي اكتشاف الهوة العميقة التي تفصل بين العالم الإنساني والعالم الطبيعي وتجذّر الفصل بين الفكر والمادة وبين الطبيعة والإنسان وتجعل الكائن سيدا الكون الفيزيائي.

- المسألة الثانية هي اكتشاف الوعي العلمي للحركة التاريخية ووضع البشرية في حالة حركة مستمرة وتدافع دائم وتشكل ثورة سياسية تحقق للمجتمع الإنساني صيرورة تقدمية دائمة[11].

لكن بدأت علامات الاستغراب تظهر حينما تشعبت الروح الجديدة لهذا الزمان إلى مجموعة من الاتجاهات يمكن أن نذكر منها ما يلي:

- انقلاب في علامة القيم الاندماجية قد أدى إلى الحيلولة دون اكتمال عملية الاندماج.

- أشكلة مظاهر الحياة اليومية المعاصرة وإعادة صياغة خصوصياتها بطريقة معممة.

- ظهور وتطور قطب الصدمة الثورية وبالموازاة مع ذلك انتشر قطب إصلاحي أكثر اتساعا.

- التفاعل المعقد بين الأقطاب الثقافية الثلاثة أي التكميلية والمتنافسة والمتعارضة.

- توسيع وتعميق الأزمة التي تعرفها الهوية الثقافية والإبداع الثقافي نتيجة تطور المجتمع المعاصر[12].

من الواضح أن الكائن البشري قادر على تفحص الواقع الذي يحيط به على نحو عقلاني مسدد ولكن العقلانية لا تقدم له سوى صورة مجردة ولا تدرك التجربة المعاشة ولا تتمكن من الإحساس بماهيته. والأكثر غرابة تضمن الواقع البشري جزءا مرعبا يظل موجودا بصورة مجهرية وينتج عن عجز الكائن تحمل الكثير من المعرفة والوعي والعقل والحقيقة والوعي ولذلك يضطر إلى الاحتماء بالتخيل والإحساس والأسطورة والتدين. لهذا كانت السمة البارزة لهذا العصر هي استثارة الكائن لكي ينكشف ويتراءى للجميع كيف أصبح الإنسان مهدد بالذوبان في طريقة الانكشاف هذه وبالغرق في العدم وفقدان ماهيته لكي يصبح مجرد رصيد يستعمل ويستهلك في الاستحضار ويتم اختراق كل مجالات حياته وتصبح الأشياء دون حقيقة. في هذا الصدد يصرح موران بأنه " يجب أن يكون تصورنا للذات معقدا. وأن يكون المرء ذاته تابعا ومستقلا في الوقت نفسه. أن يكون فردا عابرا ورفافا ومحتارا، أي أن يكون كل شيء تقريبا بالنسبة إلى ذاته ولاشيء بالنسبة الى الكون"[13].

من هذا المنظور إذا كان الأمل في العثور على مخرج من هذا الوضع المتردي مازال قائما ويبدو أمرا متاحا وفي المتناول فإنه ينبغي أن يتساءل المرء عن وضع أصلي في الكون لا تكون فيه الأشياء مجرد مواد للاستعراض والاستعمال والاستهلاك، ويجيب أن يبحث عن تجربة بدئية للهوية المشتركة لا يفقد فيها الكائن قدرته على التنظيم الذاتي والتكيف والاندماج، فهل هذا الوضع أمر مأمول؟ وهل هذه التجربة ممكنة؟ و كيف ينعكس مسار الأنسنة الثقافية على عملية تشكيل الهوية الإنسانية؟

2- الوحدة المتنوعة للهوية البشرية:

" يسمح مبدأ الهوية أيضا ببلوغ نجاعة المناهج العلمية التي تتبعه. لهذا السبب يكون من الممكن التفكير في إعادة تقسيم الكوني إلى جزئي وخصوصي"[14].

لقد جرت العادة أن يتخصص المرء في ميدان معرفي ما، يزداد مع الوقت تشعبًا وتعقيدًا. فمع أننا نحيا في عصر الاختصاص تبرهن محاور البحث الأساسية أن هذا الموضوع مهما استدقَّ، يظل لا يقل تعقيدًا عن بينة المخ –والكون والهوية. إنه اكتشاف حدود المعرفة ومحدوديتها وطبيعتها المفتوحة غير المنتهية أبدًا. أمام هذه الحقيقة البسيطة تصير كافة الفرضيات والنظريات التي صيغت لوصف الطبيعة والوعي مجرد نماذج مسرفة في التبسيط، من إسقاط الذهن البشري، الغرض منها تقريب الواقع الذي صاغها وقدرتها على الاستيعاب، المحدودة بالتعريف، بينما يبقى هذا الواقع يتعدى الذهن – لا بل ويحتويه أيضًا. لقد عزم موران على استبدال المنظور الاختزاليréductionniste، الذي يقلِّص أوجُه الواقع المتعددة والغنية إلى وجه واحد، بالفكر المتعقد الذي يقدم منظورًا عبرمناهجيًّا مركَّبًا وأن يرتب سائر مفاهيم النظام والفوضى والتفاعل والانتظام ضمن حلقة منطقية رباعية الحدود وذاتية التوالد. ولقد انطلق موران من سؤال بسيط: ما هو الإنسان؟ ولقد بات هذا السؤال الجوهري هاجسًا يؤرقنا ونحن نشهد ما نشهد اليوم من تحول الأرض إلى ميدان لأبشع أنواع الهمجية المطروحة فرجةً لسكان كوكبنا الأزرق. من هنا أتت الضرورة الملحة "لتعليم الإنسان الإنسانية" واستعراض فيلم تاريخ تشكل الإنسانية، منذ فجرها حتى الساعة. لقد أدى ظهور الثقافة إلى حدوث تغييرات جوهرية في مسار تطور النوع البشري على المستوى التشريحي والفيزيائي وتشكلت طبيعة ثانية تشتمل على لغة مزدوجة الترابط بين الأسطورة والسحر والدين والعلم والتقنية وتكونت عادات وتقاليد وتمت مراكمة الابتكارات والمهارات والمعارف والفنون بشكل سريع.

لقد انبثقت الإنسانية من تداخل عناصر ثلاثية هي الفرد –المجتمع- النوع والدماغ- الثقافة – الذهن والعقل –الانفعالات- الغريزة وعكست الأبعاد الاجتماعية والنفسية والبيولوجية وتحركت ضمن الفيزياء وما بعدها. لكن هذه العناصر الثلاثية تميزت بالحوارية والتكاملية والتجاوز بالرغم من بروز التضاد والنزاعية والعدائية، كما أوجدت لحمة ابستيمولوجية بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان وعند المرور من البيولوجيا إلى الأنثربولوجيا. لقد ترتب عن تطور الأنسنة الإقرار بالتنوع البيولوجي المذهل على مستوى الجسد والطبع والجبلة والنفس من ناحية وباختلاف الثقافات وتعددها على مستوى اللغة والنفس والعقلية والرؤية من ناحية أخرى ولكن توجد وحدة نوعية وهوية بشرية مشتركة غير واضحة للعيان ومنطوية على ذاتها ولا تدرك إلا عن طريق التشريح الثقافي والتحليل النقدي الذي ينتهي به الأمر إلى اكتشاف التنظيم المشترك وكونية التعبير. بناء على ذلك" يتسم جميع الأفراد بسمات مشتركة تضفي الإنسانية على البشرية : تفرد وذكاء من نمط جديد وسمة عقلية تتيح تجلي الذهن الذي يتيح بدوره ظهور الوعي"[15]. كما تتمثل مظاهر الوحدة بين البشر في بعض السمات النفسية العاطفية الكونية وفي توحد البشرية إزاء حقيقة الموت وفي الوحدة الثقافية والاجتماعية. غير أن أدغار موران ينفرد بـتأكيده على مقولة الواحد المتعدد والتنوع في الوحدة، فكلمة إنسان هي مفرد واحد ولكنها تشير إلى المذكر والمؤنث وكلمة البشر هي حلقة نوعية تضم الأطفال والعاقلين والشيوخ والكهول والمرضى والعاملين والعاطلين والشباب والرجال والنساء والأحياء والأموات. زد على ذلك " لنضف دلالة أخرى على الوحدة داخل التعددية وهي أن كل مخلوق بشري معرض للخطأ والوهم "[16]. كما يتراوح الكائن البشري بين المحبة والكراهية وبين الصداقة والعداوة وبين الانغلاق على الذات ورفض الآخر وبين الانفتاح على العالم ونزعة التملك وبين النزعة التدميرية والعقلية البنائية. علاوة على أن " كل مخلوق بشري يحمل في داخله أجود وأردأ ما في الإنسان وأن الهمجية جزء من البشرية"[17]. بيد أن الوحدة التعددية تعاني من تناقض داخلي بين الانفصال والتواصل باللغة وبين التشابه والاختلاف في الثقافة وبين التماثل والغيرية في العضوية . وبالتالي ليست الوحدة بادية في البيولوجيا والاختلاف في الأنثربولوجيا بل يوجد اختلاف بيولوجي في المزاج ووحدة أنثربولوجية في العقلية والنفسية والعاطفة. والآية على ذلك موران يبرهن على هذا التكوين المركب والطبيعة البشرية المتعقدة بقوله:" ثمة وحدة بشرية. وثمة اختلاف بشري. وثمة وحدة داخل الاختلاف البشري وثمة اختلاف داخل الوحدة البشرية...و تبدأ هذه الوحدة- الاختلاف من التشريح إلى الأسطورة."[18]

لكن يتعذر على الفكر التبسيطي الاختزالي الذي تعود على الفصل والتحليل أن يدرك الوحدة في الاختلاف والاختلاف في الوحدة ويصعب عليه أن يفهم الانفصال في الاتصال والمتصل في المنفصل وأن يدرك الواحد داخل المتعدد والمتعدد داخل الواحد. لقد عثر موران على هذه الوحدة المؤلمة في الإنسان المنتج عند ماركس الشاب ورفض أن يختزل وحدة البشرية في معيار ثقافي أو تحديد وراثي ونادي بمرونتها.

لكن كيف يمكن للفكر البشري إدراك الوحدة التي تؤيد التنوع وتسجيل التنوع الذي يضمن الوحدة؟

صحيح أن البشرية تنتمي إلى الكون ومتأصلة في الطبيعة فيزيائيا وبيولوجيا وانتشرت إنسانيا في التاريخ وتحوز على هوية كونية من جهة الثقافة والذهن والوعي ولكن انفتاحها على الحياة في أبعادها المتعددة جعلها تخوض مغامرة مجهولة تخرج فيه عن ذاتها وتفقد صوابها وتضل عن طريقها وتنتج لاإنسانية البشرية. لقد قامت الفلسفة الغربية على مفهوم الأنا بالمعنى الفردي وبالتالي استبعدت مفهوم الذات بالمعنى الشخصي وتم زرع الهوية المنطقية في المجال الأنثربولوجي وكانت النتيجة هوية بلا ذاتية وأنا أفكر منفرد بنفسه. وبالتالي كان مشروع إثبات الهوية الشخصية هو مجرد تأكيد ذاتي للأنا بشكل فردي لا دور للمجتمع والتاريخ والثقافة والآخر فيه وكانت السمة الجوهرية للحداثة هي قدرة الذات على النظر إلى نفسها كأنا. لقد تم استبعاد الذات من عالم الحياة ووقع التضحية بالجسد من أجل الوعي وتم منع الذات من إقامة علاقة ودية مع الآخر ووقع الاقتصار على التواطؤ ضمن منطق الأناوحدية وتم التركيز على الرؤية التي تعرف الذات من خلال مبدأ الوحدة الجوفاء وتم تهميش مبدأ الكثرة المادية والتقليل من قيمة الرغبة في الوجود. غير أن الذات الغربية هي معقدة بطبيعتها وبتعريفها ووقعت في الوضعنة[19] والذاتانية[20] وتعرف أن مصيرها الموت الحتمي والفناء نتيجة الإفراط في العدم ولذلك ظلت تطلق صيحات الفزع وتنبه نفسها من الكارثة. ربما من عيوب الذات الغربية أنها توهمت امتلاكها القدرة على أن تحكم على نفسها وتعالج مشكلتها الشخصية بصورة منفردة ولوحدها ودون مدد الهي وبطريقة موضوعية وهو ما يسميه موران "موضوعية الذاتي". أما "الوهم الثاني" فيتمثل في اعتقاد الذات الغربية أيضا بأنها لوحدها في الكون ولا يشاركها أحد ولا تنافسها ذات أخرى على رعاية الوجود وبالتالي سقوطها في التمركز على نفسها. على خلاف ذلك لا يمكن للذات أن تحقق نفسها إلا بالاعتراف بكونها حوارية ذات وموضوع لا تكف عن أن تكون رؤية ذاتية لإنسانية الآخرين ولا تنفك عن أن تكون معرفة تبادلية تتلازم مع شخصية الآخرين وثقافاتهم وهوياتهم. وبالتالي "عندما تتمكن الذات من الانفتاح على الآخر بالضمير نحن وعلى أقرانها وعلى الحياة والعالم تزداد إنسانيتها ثراء"[21]. فمتى تتخلص الذات من المعاناة وتضع حد للتسلط الاجتماعي والتبعية الثقافية؟ ماهي المحددات الأساسية التي تقوم عليها الهوية المركبة عند موران؟ أليس حينما تدخل في حوارية مع الأغيار وتفكك أمراض المركزية والذاتانية والوضعنة والتحلي بالإيثار وتؤسس هوية ديناميكية متعددة الأشكال ومركبة بطريقة تجمع في رحمها بين الواحد والمتعدد؟

حقيق بنا أن نبين أن الهوية العلائقية تتكون من الأنا والآخر والروابط الاجتماعية والنفسية والثقافية و" تتحدد هويتنا ليس بالانفصال عنها فحسب، بل على النقيض من ذلك، بضم أسلافها وانتماءاتها"[22]. بهذا المعنى يمكن التمييز بين الهوية الشخصية التي تعرف بالاستناد إلى الآباء والأجداد وامتلاك الاسم الشخصي وممارسة الحياة بشكل ذاتي والهوية الاجتماعية بالإشارة إلى القبيلة والقرية والمقاطعة والأمة والدين والوطن. غير أن الهوية الإنسانية تحمل في داخلها على نحو غامض وسري وعميق هذه التعددية من القوى والكائنات والعناصر المتداخلة والمتشابكة. وتجد هذه الهوية المركبة أساسها في "الطبيعة المزدوجة" للوجود الإنساني. فإذا ما كان كل فرد، وبما هو فرد، يحمل ضرورة خاصيات بيولوجية ونفسية محددة وتتجلى فيها فرديته وتمايزه عن الغير، وهذه الخاصيات البيولوجية هي التي تحفظ بقائه وتضمن استمراريته، فان هذه الخاصيات ليست ثابتة أو نهائية، وإنما خاضعة للتغير و قابلة للصيرورة بفعل التأثير الذي تمارسه مقتضيات الوجود الاجتماعي والثقافي على الوجود الفردي للانا، والتي تجعله، منفتحا على الغير. إن هذا الانفتاح على الغير هو الذي يربطنا بحدود الوجود الثقافي والاجتماعي، وهذا البعد الاجتماعي الذي يفرض انفتاح الكائن الإنساني على الغير ويجد عمقه الحقيقي في اشتراكنا مع بقية البشر في الانتماء للنوع الإنساني وفي إطار كونية الوجود الإنساني، لذلك وتحت تأثير هذه المقتضيات الاجتماعية والثقافية التي تحكم وجودنا الإنساني، فانه لا يمكن الحديث عن هوية فردية خالصة تتشكل داخل الأنا على نحو يستبعد حضور الغير ويستعديه، كما لا يمكن للكائن الإنساني أن يذوب في المجتمع أو في النوع لأنه في هذه الحالة لن يستمر في البقاء أصلا ولن يحافظ على تفرده ونماء ذاته. كما يطرح مفهوم الذات الذي من المفروض أن يوحد الهوية البشرية ازدواجية داخلية ويتكون من الرائي والمرئي وبعبارة أخرى من العين والغير ومن الجانب المبتذل والجانب المثالي ومن الأنا والشخص. من المعلوم أن الهوية الشخصية تخضع لتحولات مستديمة في الحياة تجعلها مزدوجة حينا ومتعددة أحيانا وتقوم بأدوار متنوعة في المجتمع تتراوح بين التقليد والإبداع وبين الوظيفية والامتثالية مما يجعلها تخرج من كهوفها الداخلية وتلتقي بالأغيار في العالم وتمارس طقوسا متناقضة وتحترف التصنع والتظاهر.

اللافت للنظر أن الهوية الشخصية تعرف بعدا مستمرا ثابتا على طول حياتها وقطبا منقطعا يشهد التغيرات والإضافات والانحرافات والتطورات التاريخية وتجد نفسها مضطرة إلى السكن في العالم ومع الآخرين.

من المعلوم أن علاقة الهوية بالغيرية لا تقتصر على الوجود الخارجي للهويات المغايرة بل ماهو مدهش أن الغيرية تقيم في قلب الهوية قبل أن توجد في تخومها وعلى حدودها . إن العلاقة مع الغير قائمة بالقوة في علاقة الذات بذاتها أي أن كل واحد منا يحمل في داخله أنا آخر يكون في نفس الوقت غريبا ومطابقا لذاته. وللبرهنة على هذه الفكرة يستنجد موران بتجربة المرآة حيث يجد المرء نفسه مصاب بالذهول أمام المرآة إذ يشعر بغربته عن نفسه ويتعرف إلى نفسه في ذات الوقت. وبالتالي تعيش الهوية صدمة الغيرية والغرابة حينما تنظر إلي نفسها من منظور الهويات المغايرة وتتخذ قرارا إيتيقا حاسما بضرورة مغادرة وضع السكون والسفر من أرض الثبوتية والتطابق والتوجه بالذاتية نحو لقاء العالم والغير والمستقبل. فعن أي إيتيقا مستقبلية يجدر بنا الذهاب إليها ؟ وكيف تترتب عن سياسة الحضارة؟ هل يسعى موران إلى اعتماد إيتيقا الاقتناع التي تقتضي الإيمان أم إلى تفعيل إيتيقا المسؤولية التي تشترط الفعل؟

3- الفكر المركب وإبداع إنسانية المستقبل:

" إن الفكر المركب لا يرفض اطلاقا الوضوح والثبات والحتمية الا أنه يعلم أنها غير كافية، ويعلم أنه ليس بإمكاننا برمجة لا الاكتشاف ولا المعرفة ولا الفعل."[23]

يصعب في مقام محدود زمنيا، مثل هذا الملتقى- كهذا تقديم صورة متكاملة وشافية عن التصور المركب لمسألة الهوية، وذلك لتعدد اهتمامات الفكر المعاصر وانشغالاته وتعرضه لكافة أوجه النشاط الإنساني، على تنوعه وتعقيده، وتطبيقه للمقاربة العبرمناهجية للمعرفة. ولعل غاية المقاربة العبرمناهجية[24] هي فهم العالم الحالي الذي صار فيه توحيد المعرفة الإنسانية إلزامًا يتاخم الضرورة القدرية وتتوقف عليه حتى انعتاق الإنسانية كنوع. في هذا الصدد "لا تقترح العبرمنهاجية برنامجا في البحث ولا مشروع مجتمع، لكنها تحاول تعريف طريق معين"[25]. لكن كيف يمكن لفرد واحد، مهما بلغت سعة اطلاعه، أن يحيط بكافة المعارف المتاحة، على الرغم من اتساعها وتنوعها وكثرتها – لا بل وتناقضها في كثير من الأحيان؟

تتكون النواة الرئيسية للمبحث الأنثربولوجي عند أدغار موران من العناصر التالية:

-الشروط الأنثربولوجي للمعرفة التي تحيل إلى الاستعدادات العصبية والذهنية للكائن البشري.

-الشروط التاريخي والاجتماعي للمعرفة التي تحيل إلى الشروط الخاصة بالثقافات والأزمنة التي تتبلور فيها المعارف.

-الشروط المنطقية للمعرفة التي تحاول تجاوز المنطق الأرسطي نحو المنطق الحواري بالاعتراف بصلاحية المعارف المتعلق بالمواضيع المفصولة عن بعضها البعض وفي المسارات التحليلية.

- الشروط التداولية للمعرفة التي تراقب وتفرض استعمال المنطق ليس فقط في تنظيم المعارف ولكن أيضا في تنظيم المجتمع. إن تداولية المعرفة هو نواة النواة بما أنها تتخطى أنثربولوجيا المعرفة وسوسيولوجيا الثقافة ويكون معهما نوعا من القطب الثلاثي[26].

يترتب عن ذلك أن الذهن البشري يتأرجح بين القوة والضعف وأن الخطأ سمة بشرية نافعة وأن الفكر واحد ومتعدد في نفس الوقت وأن الدماغ البشري يشتغل مثل الحاسوب ويمتلك لغة رمزية تواصلية.

غني عن البيان" أن الفكر أحاديا، تعدديا، ومتعدد الأشكال، يبتكر استراتيجيات فكرية أو عملية متنوعة، بحسب المشاكل التي يصادفها ويستخدمها. وثمة تنوع في أساليب الفكر كما في الأنماط الفكرية"[27]. كما أن الطابع المزدوج الذي يسكنه يدفعه إلى إجراء حواريات بين المنطق والأسطورة وبين العقل والتجربة والى معارضة ذاته باستمرار والإقامة في التناقض الذاتي ومواجهة الواقع الخارجي على ما فيه من تعقد.

من جهة أخرى يقتحم الفكر بحار المغامرة ويقوم بخطوات جريئة في اتجاه المجهول ويستعين بالرمزي والخيالي والافتراضي والتجريبي والتجريدي ويمارس النقد الذاتي للعقلانية العلمية محاولا رسم حدودها.

الحركة الإبداعية للذهن البشري هي تجربة روحانية بامتياز تحاكي القدرة الإلهية على الخلق والإنشاء وتتميز عبقريتها الأصلية بجملة من التمظهرات المادية والقدرات المدهشة التي يمكن أن نذكر أهمها:

- إبداعية تقنية: اختراع الآلات والوسائل

- إبداعية فكرية: سبك النظريات والمفاهيم

- إبداعية اجتماعية: سن القوانين وتشييد المؤسسات

- إبداعية جمالية: نظم الشعر ووضع الفنون[28]

على هذا الأساس يوجد مفهوم الإبداع Création في مفترق ويتشعب إلى دلالات ثلاثة:

- معنى جذري: خلق الله للعالم من العدم.

- معنى متفرع: يغطي الكون باعتباره جملة من الكائنات المخلوقة.

- معنى ضعيف: ينطبق على وضع الذات لجملة من القيم في حقول الفن والأخلاق والقانون[29].

لهذا السبب يتعارض الإبداع مع الصنع والإنتاج وذلك لاعتمادهما على تحويل مادة موجودة سلفا وفق قواعد موضوعة من طرف مصمم وفي اتجاه بلوغ غاية معينة تم ضبطها من طرف هذه الذات الفاعلة.

هكذا يتبين لنا أن الله هو خالق العالم ومبدعه عند القدامى وتبعا لذلك استحال اعطاء مضمون ايجابي لمفهوم الابداع ولهذا اقترح كانط فكرة الله منظم العالم. لكن إذا كان الذهن حسب أدغار موران يقوم بتطوير قدرات إبداعية بنائية فإنه ينجرف أيضا نحو تطوير قدرات تدميرية وتخريبية تكون مرعبة وتمثل تهديدا حقيقيا لمستقبل البشرية وبالتالي يجب أن تقترن مغامرة الذهن بالمسؤولية السياسية. بهذا المعنى إذا أردنا تجاوز الرؤية الفكرية التي ترى في الهوية وهما ومرضا يؤدي إلى العنف والقتل[30] فإنه من الضروري التطرق إلى مصير الهوية وبلغة أكثر واقعية التفكير في الهوية المستقبلية ومستقبل الهوية.

والحق أن الإنسان يحتاج إلى الآخر من أجل التعاون في تلبية الحاجيات وقصد التغلب على المخاطر ويضطر إلى الانتماء لمقاومة قسوة الواقع الاجتماعي الذي وجد فيه وعدم قدرته على تحمله بسبب تفشي النزاع والعنف وبالنظر إلى تأصل الشر فيه وجهله لمصيره وخضوعه لتقلبات الزمان وحتمية الموت.

زد على ذلك لا يمثل التواطؤ العصابي مع الواقع المعقد عن طريق الأساطير والاستيهامات مخرجا مناسبا من الضغط المسلط على الكائن البشري بل قد يؤدي إلى المزيد من الابتعاد عن الهوية الذاتية ويضاعف من مشاكل الحياة ويعطل عملية إنقاذ البشر من قسوة العالم ويؤجل مشروع محاربة هذا الألم.

كما أُلغِي الميثاق السريالي بين الذهن والواقع وأُسقِط التحالف بين الإنسان والطبيعة وبين الحكمة والجنون نتيجة هيمنة الكراهية على المحبة والمعاناة على الصحة وازدياد التعذيب الرمزي للكائن وحدوث خدوش في الكرامة وانفكاك التآزر الواقعي المعتاد بين العقلانية المنطقية التقنية والعقلانية الرمزية الميثولوجية.

على هذا النحو لم يعد كوكب الأرض واحة سعيدة بل غزتها إرادة التحكم في البشرية بالأشياء عن طريق العلم والتقنية وتم منح الكائن الإنساني إمكانيات كبيرة للتدمير الذاتي وأتيحت له فرصة ليبلغ أقصى درجات الفتك بنفسه. من المعلوم أن الهوية الاجتماعية تمتلك نواة صلبة قديمة تسمح لها بالتنظيم الذاتي والاستقلالية والمحافظة على البقاء وتمكنها من آليات دفاعية عند التعرض للاعتداءات الخارجية وعند ظهور مخاطر التفكك من الداخل وتنقسم هذه النواة القديمة إلى رأسمال طبيعي يتحرك حول الموروث الجيني والذاكرة البيولوجية ورأسمال ثقافي مكتسب يتضمن الطقوس والمعتقدات والمعارف والمهارات والقواعد والمعايير والقيم. غير أن ظهور الدولة المهيمنة والمُمَدِنة قد فسح المجال للانتقال من المجتمع القديم إلى المجتمع التاريخ وميلاد الإمبراطوريات وبروز أشكال جديدة من الانتماء ومن الهويات الثقافية والسياسية والاقتصادية. لقد مارست الدولة الاستعباد والاستبداد وتحولت إلى سلطة تعسفية عديمة الهوية في سبيل ترويض الناس وتمدينهم وانبثقت الحروب والفتن وتم التدخل في المجتمعات التقليدية لنشر روح الحضارة الديمقراطية. لكن اكتساح العولمة المتوحشة المعمورة حوَّل السياسة إلى آلية للاختراق والاستقطاب ومحي كل الأشكال السابقة على أنماط الإنتاج الرأسمالية والتنظيم العفوي المشترك وهدد الكيان السيادي للدولة الأمة الحديثة. لقد أصبحت هوية الجماعات التاريخية الكبرى التي تشكلت بمفعول الغزو كمروحة أولى وارتبطت بظاهرة الحرب لحظة انطلاقتها التاريخية الحاسمة غير مهمة من الناحية الحضارية وصارت مهددة بالانقراض والتآكل الذاتي واقتربت كثيرا من ملاقاة المصير الكارثي المداهم ووقعت في قبضة الزمن الدائري بمفعول التقنية كمروحة ثانية للآلة المهيمنة التي قادتها الأنسنة الثقافية وحركة التنوير الغربية . علاوة على ذلك عرفت الهويات التاريخية لعبة الصيرورة المزدوجة بين التنظيم والفوضى وبين التقدم والتقهقر وشقتها تناقضات داخلية رهيبة بين عناصرها التكوينية ومحدداتها الذاتية (لغة، عرق، دين...). ولم نعد ندري هل نحن أمام نهاية تراجيدية وأفول أسطوري أم أن الأمر يتعلق بانبعاث حضاري وبدء جديد ولم نعد نعرف هل التاريخ يمضي إلى الأمام في تقدم وتغير مستمر أم يعيد نفسه بصورة متكررة ودائمة. بل نحن أمام خيارين هما: إما زوال شتات الهويات التاريخية الكبرى وتشكل هوية بشرية وفق عقيدة العولمة بالتوحيد القسري، وإما محافظة هذه الهويات على ذاته ونموها بشكل يجعلها تتفق على بناء هوية كونية. ما نلاحظه هو وجود نقائص كبيرة في الهوية الإنسانية بالرغم من المصير المشترك الذي ينتظرها وما يعزز هذه النقائص أنها لا تمتلك نفس القدرات على المواجهة ولم تبرم التحالفات الكافية ولم تحدث المتآزرات الواقعية الضرورية. في نفس الاتجاه هناك تضخم للوحش الكوني وتزايد إمكانيات الوقوع في الفوضى المتخبطة والتقدم تحت ظل الموت. ما يزيد الأمر تعقيدا هو أن الفكر الفلسفي المعاصر بات عاجزا عن قراءة المستقبل وذلك لعدم وضوح الرؤية وضبابية المشهد الراهن وعدم قدرة العقل العلمي والتقني على التحكم في التطور التاريخي وتزايد سرعة الصيرورة.

على هذا النحو يدعو أدغار موران إلى توقع ما لا يمكن توقعه والاستعداد لاحتمال ما لا يحتمل ويكشف عن وجود البشرية في مواجهة الافتراضات المصيرية الآتية :

- تتطور الآلة التقنية نحو مجيء آلات ضخمة لا يمكن السيطرة عليها وذلك بتطور الذكاء الاصطناعي أو بالتنظيم الذاتي للآلات. من المفترض أن "يتقبل المستقبل إذن الإمكانية المتزايدة لإدخال سمات حيوية إلى الآلات (أي التنظيم الذاتي والإنتاج الذاتي)، وإدخال سمات الذكاء البشري إلى الذكاء الاصطناعي، وإدخال سمات اصطناعية إلى الجسم البشري ( الرمامة، والأعضاء التركيبية)"[31].

-تتقهقر الهويات التاريخية الكبرى نحو مجيء بشرية ضخمة يصعب السيطرة عليها. " لكن حيثما يكون الخطر ينمو المنقذ أيضا"[32].

- تسير الهوية الكوكبية نحو مجيء مجتمع عالمي متكافل وتتمكن الإنسانية من تحقيق الخلاص والنجاة.

اذا تعثر السير في اتجاه تحقيق الاحتمال الثالث، فهل ينحصر مستقبل الهوية الإنسانية في مجيء بشرية ممسوخة وهجينة أم ظهور كائنات متفوقة وخارقة؟ وهل نصير نحو الفناء الأبدي أم الخلود المميت؟ وهل يتطور الدماغ نحو ذهن معتوه أم عقل متنفذ؟ ألا ينبغي أن نقول أن الآدمية مازلت تعيش على الأرض نوع من المغامرة المجهولة أكثر من أي وقت مضى وأنها تحتاج إلى منقذ ورعاية؟ وهل المنقذ هو بصيغة المفرد أم الجمع؟ وهل هو يتحرك فوق مسطح أرضي أم من طبيعة إلهية ومسدد عن طريق وحي سماوي؟ و كيف ينمو المنقذ حيث يكون الخطر؟ وأي دور للدين في تأمين مسيرة التعمير والرعاية؟

من الجلي للعيان أن الكيفية التي تستخدم بها التقنية الحديثة بوصفها ماهية العلم الحديث هي التي تسببت في تزايد المخاطر وأفضت إلى سير الإنسان على الحافة القصوى للهاوية وعدم مصادفته لذاته في أي مكان. لقد بان بالكشاف أن الإنسان في زمن التقنية أصبح معرضا للخطر بالرغم من اعتباره لنفسه سيد الأرض وانتشار الاعتقاد الخادع بأن كل ما يظهر في الكون هو من صنعه وناتج عن استحواذه على مقدرات الطبيعة. لقد تزايدت المخاطر حينما فقدت الآلهة كل قدسية وسمو ولما تم تفكيك لغز ابتعادها وهتك أسرارها ولما استثارت التقنية الواقع واستحضرته كرصيد وتعاملت مع الطبيعة كخزان رئيسي للطاقة وأشركت الإنسان ككيفية في الكشف في هذا الاستحضار وأخرجته بوصفه أداة للإنتاج والاستعمال والتوزيع والاستهلاك. وبالتالي لا تتضمن التقنية قوة شيطانية من حيث هي وسيلة للإستثارة بل تمثل مجال كشف القدر عن الخطر ولا مجرد فاعلية بشرية بل هي كيفية للكشف تحدث في المجال الذي تحدث فيه الحقيقة بوصفها ضياء وإشراق وتجلي ولاتحجب ولا اختفاءalétéa . غني عن البيان أن" الإنسان لا يصبح حرا إلا من حيث اندراجه في مجال القدر وصيرورته بذلك مصغيا لا تابعا"[33]. وبالتالي يكون المانح هو الانبعاث الذي يضع الإنسان على طريق الكشف، بينما الممنوح هو المنادى عليه والمستجيب للنداء والمنقذ هو المانح الذي يحرر الممنوح من وطأة التقنية ويحمل الحقيقي إلى الكشف بأكثر الطرق بدئية ويكون الإنسان هو المصغي للنداء والحامل إلى اللمعان حضور الآلهة وحوار الأرض مع السماء. لهذا يكون من الضروري عند موران أن تقام سياسة للحضارة تقاوم خطر الاختزال وتداعيات العولمة الظالمة وتشيد الأمل وتصنع الحياة وتتحرك ضمن الأوامر القطعية التالية : التضامن والتجذّر والتخليق والإحياء والمشاركة. مجمل القول" أن الحاجة إلى الخلقية قد تم التعامل معها بشكل سيء من طرف السياسيين"[34].

من نافل القول التذكير بأن للمجتمع يتضمن تركيبة معقدة، وعندما تكون درجات الحرية عالية، يصبح المجتمع مهددا بالتفكك désintégration، وفي هذه الحالة، يجب توفر عدد من العناصر التي تسمح بوحدة المجتمع وبقائه محافظا على تماسكه، وتتمثل هذه الوحدة، وفق موران، في المبادئ التوجيهية التالية: "الوطنية le patriotisme" والتضامن بين الأفراد la solidarité entre les individus وفكرة الجماعة la communauté التي يجب أن تكون حاضرة للنأي بالهوية الاجتماعية عن التفكك ولتقوية أشكال الانصهار والاندماج بين الأفراد والمجموعات. بيد أن" التربية والأخلاق هما غير كافيين ولاشك فلابد من الوصول إلى امتزاج عرقي شامل للإنسانية"[35]. فإلى أين تتجه الهوية التي تخصنا اليوم؟ هل تمكنت من اقتلاع موقع لها في العالم إلى جانب الهويات الأخرى أم أنها تعاني التمييز والغبن ومهددة بالضياع وفقدان البوصلة وأصيبت بآفات جلد الذات والدونية والماضوية والتفكك من الداخل والتلاشي؟ وما السبيل الذي يجب أن يتبعه الفكر الخاص بنا إذا ما رام وضع عين الذات في مركز عالمنا الراهن؟

اختتام:

" فالمشكلة البشرية اليوم هي ليست مشكلة معرفة فحسب، بل مشكلة مصير. ففي عصر انتشار السلاح النووي وتردي المحيط الحيوي أصبحنا، بالفعل نشكل إزاء أنفسنا مشكلة حياة و/ أو موت. ويربطنا هذا المفهوم أيضا – بمصير الإنسانية."[36]

يتعلق الأمر، إذن، في أن ننظر في عمق الكائن الإنساني ذاته وما يتقوم به من كثرة لتأسيس إيتيقا تكون قادرة على الاضطلاع بضمان هذا التلاقي بين الذات والغير في إطار ما يميزها من طبيعة مزدوجة.

من هذا المنطلق تجد الإيتيقا أساسها في عمق الطبيعة الإنسانية المزدوجة وهي تتشكل لدى الفرد في إطار وعي أخلاقي ذا بعد تاريخي يتحدد بتطور العلاقة ما بين الفردي والاجتماعي والكوني. و لا يكون هذا الوعي الأخلاقي الفردي إلا نتيجة تاريخية لتطور العلاقة بين الأبعاد الثلاثة المكونة للوجود الإنساني: الفرد والمجتمع والنوع. في إطار هذه الإيتيقا يتولى الفعل الأخلاقي مهمة ربط الفرد بالغير لكي تكون الإيتيقا ذاتها إيتيقا مركبة. إن هذه الإيتيقا المركبة تربط، بداية، الذات بذاتها، حين تجعلها قابلة وقادرة على مراجعة ذاتها والقيام بعملية نقد ذاتي، وتتخلي ثانية عما اعتادت عليه من تبرير ذاتي لكل أفعالها وأخطائها ورد الخطأ إلى الغير، ولكن هذه الإيتيقا كما تربط الذات بذاتها فهي تربط الذات بالغير، ليفيد مفهوم الإيتيقا المركبة الانفتاح على الغير والتضامن معه والقدرة على مراجعة الذات والاعتراف بالخطأ. في نهاية المطاف يجب ألا يقف المرء عند هذا التعقيد المميز للوجود الإنساني وذلك بأن ينفتح على هذا الغير بغية أن ينفتح على ذاته وعلى العالم ويتبني ايتقا تفاهمية ترحص على التصالح في ظل التخاصم.

على هذا النحو تتضمن الإيتيقا المستقبلية جملة من الأوامر الإرشادية والقيم التوجيهية وتسعى أنثربولوجيا الأمل إلى اكتمال الإنسانية بماهي وعي فردي يتجاوز النزعة الفردية نحو الكوني والمواطنة الكوكبية والتطلع الارادي نحو الحضور في العالم والمراهنة على الفعل البشري داخل اللاّيقين واللّاجدوى.

غاية المراد أن تربية المستقبل ترتكز على الايمان بالتطور ضمن الثالوث المركب : الفرد والمجتمع والنوع البشري وتتيح امكانية مرافقة تطور النوع البشري تنمية في أشكال الاستقلال الفردي وفي المساهمات الجماعية وفي الاحساس المشترك في الانتماء إلى النوع البشري وتزيد من قدرة الفكر الإنساني على اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة وتعتبر الإيتيقا رسالة ايكولوجي خاصة بالإنسانية.

بناء على ذلك تتلخص المطالب الأنثربولوجية في تحقيق جملة من المهام الإيتيقية [37] ويمكن صياغتها على النحو التالي:

- الأخذ بعين الاعتبار الشرط الإنساني في إطار وجودنا المركب ( الفرد، المجتمع، الوعي البشري).

- العمل على جعل وعينا الشخصي يطمح الى اكتمال الانسانية داخل ذواتنا.

- الأخذ بعين الاعتبار لمصير الانساني في امتلائه وتناقضاته.

- الدفع في اتجاه أنسنة الإنسان من الناحية المعنوية والإيتيقية.

- قيادة مزدوجة للكوكب بالانصياع الى الحياة من جهة والحرص على توجيهها من جهة أخرى.

- العمل على اكتمال الوحدة الكوكبية في اطار التعددية.

- العمل على احترام الغير في اختلافنا عنه وفي تطابقه معنا في ذات الوقت.

- السعي نحو تطوير آداب التضامن والتكافل والتعاون من أجل تمتين لحمة العيش المشترك.

- السعي نحو تطوير إيتيقا الفهم من أجل التخلص من أشكال سوء الفهم وتحقيق التفاهم.

اللافت أن انتصار قوى التحضر على قوى الهمجية يقتضي الاعتراف بخسارة الفكر الفلسفي والعلمي للأسس الصلبة التي كان يستند إليها والتوجه نحو النقد الذاتي وتشييد عقلانية نقدية تواصلية تحمي الكونية من شطط الهويات وتنقذ الحياة حيثما هي أسيرة وتحصن الحقل الخاص للمواطنة وتحيي الثقافة والتنوير. كما ينبني الدرب نحو التحضر على جدلية بين المحلي والكوكبي وبين الوطني والعالمي ويتيح إمكانية تعميم أشكال الحماية الاجتماعية التي تتعهد بها دولة الرعاية وضبط وتوجيه التنافس الاقتصادي وتتصدى للمخاطر الاقتصادية والبيئية والثقافية التي تتسبب فيها العولمة وتقاوم نزعة التحطيم الذاتي والهدم الخارجي وتعمل على نشر قيم مدنية كوكبية وتشجع بؤر المقاومة والجمعيات التنموية غير الحكومية.

في نهاية المطاف يقترن إصلاح الفكر بيقظة الروح ويتطلب التغيير في الواقع التأثير في المجتمع والتاريخ وذلك بثبت الهوية المشتركة وتجذّر الوعي في الوطن الأرض والجمع بين التعدد والوحدة[38].

غاية المراد أنه لا توجد هويات مهمة ومتميزة ومركزية تتمتع بالاستقلال الذاتي والعبقرية والسيادة الثقافية وأخرى غير مهمة ومختلطة وهجينة تمثل عبئا ثقيلا على الحضارة الكونية وليس ثمة هوية متفوقة من حيث الجوهر وأخرى خاضعة وتابعة بالطبع وإنما يدور تفاعل توليدي بين الهويات المركبة. لكن أليست الهوية كيان عميق لا يعرفه الشخص تماما؟ وما مصير القسم اللاّوعي من هويتنا؟ ألا يظل يتحكم في القسم الواعي؟ وأليست هويتنا حصيلة تيارات ودماء تتجاوز ما نعرف وتستعيد حضورها دوما؟ وهل يكفي الولع باللعب لكي يتم كبت القلق والهروب من حوارية العقل والجنون التي تنسج وضع البشر؟

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............

المصادر والمراجع:

باللسان العربي:

موران ( أدغار)، تربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، طبعة2002،

موران (أدغار)، الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى 2004،

موران (أدغار)، النهج، إنسانية لبشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، كلمة، أبو ظبي، طبعة أولى 2009،

ريكور ( بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.

هيدجر (مارتن)، منبع الأثر الفني، ضمن كتابات أساسية، الجزء الأول، ترجمة إسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003،

هيدجر (مارتن)، السؤال عن التقنية، ضمن كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة اسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003،

باللسان الفرنسي:

Morin (Edgar), l’esprit du temps, édition Grasset Fasquelle, Paris, 1962.

Morin Edgar, introduction à une politique de l’homme, édition du seuil, Paris, 1965,

Morin (Edgar), l’homme et la mort, nouvelle édition revue et complétée, édition du Seuil, 1970.

Morin ( Edgar ), la méthode I , 1. La Nature de la Nature 1977, 2. La Vie de la Vie 1980, 3. la Connaissance de la Connaissance 1986, éditions du seuil, 2008.

Morin ( Edgar ), la méthode II , 4. Les Idées 1991, 5. L’Humanité de l’Humanité 2001, 6. Ethique 2004. Éditions du seuil, 2008.

Morin ( Edgar ) et Nai ( Sami ), une politique de civilisation, édition arléa , Paris, 1997.

Nsonsissa Auguste, Transdisciplinarité et transversalité épistémo-logiques chez Edgar Morin, édition L’Harmattan, Paris, 2O1O.

Locke John, Identité et différence, traduction Balibar Etienne, édition du Seuil, Paris, 1998.

Ricœur ( Paul ), Parcours de la reconnaissance, édition Stock, Paris, 2004.

Revue philosophique de Louvain, n°4, Novembre 2007,

les Notions Philosophiques, tome1, édition PUF, Paris, 1990.

________________________________________

[1] هيدجر (مارتن)، السؤال عن التقنية، ضمن كتابات أساسية، الجزء الثاني، ترجمة إسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003، ص 197،

[2] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، كلمة، أبو ظبي، طبعة أولى 2009،ص24.

[3] هيدجر (مارتن)، منبع الأثر الفني، ضمن كتابات أساسية، الجزء الأول، ترجمة إسماعيل مصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، طبعة أولى، 2003، ص101، بتصرف.

[4] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص05

[5] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص33.

[6] Hominisation

[7] Voir Labarière .P.J , identité in les Notions Philosophiques, tome1, édition PUF, Paris, 1990. pp1208-1209.

[8] Voir Locke John, Identité et différence, traduction Balibar Etienne, édition du Seuil, Paris, 1998.

 [9] ريكور ( بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.

Ricoeur ( Paul ), Parcours de la reconnaissance, édition Stock, Paris, 2004.

[10] Voir Nicolas Monseu, l’identité entre la phénoménologie de Mémoire et l’éthique de la reconnaissance, selon Paul Ricœur, in Revue philosophique de Louvain, n°4, Novembre 2007,pp679-705

[11] Morin Edgar, l’homme et la mort, nouvelle édition revue et complétée, édition du Seuil, 1970,pp259-260.

[12] Morin Edgar, l’esprit du temps, édition Grasset Fasquelle, Paris, 1962.pp227-228.

[13] Morin Edgar, introduction à la pensée complexe, édition du Seuil, 2005, p89.

[14] Nsonsissa Auguste, Transdisciplinarité et transversalité épistémo-logiques chez Edgar Morin, édition L’Harmattan, Paris, 2O1O.p76.

[15] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص75.

[16] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص79.

[17] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص79.

[18] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، صص81-82.

[19] objectivation

[20] subjectivation

[21] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص98.

[22] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص106.

[23] موران (أدغار)، الفكر والمستقبل، مدخل الى الفكر المركب، ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، طبعة أولى 2004،ص83.

[24] transdisciplinarité

[25] Nsonsissa Auguste, Transdisciplinarité et transversalité épistémo-logiques chez Edgar Morin,op.cit.p19.

[26] Edgar Morin, introduction , in Nsonsissa Auguste, Transdisciplinarité et transversalité épistémo-logiques chez Edgar Morin,op.cit.pp09-10..

[27] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص127-128.

[28] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص.133.

[29] Voir Baqué D, Création, in les Notions Philosophiques, tome1, édition PUF, Paris, 1990. pp.503-505.

[30] راجع على سبيل المثال داريوس شايغان في كتابه أوهام الهوية وأمارتيا صن في كتابه الهوية والعنف وكذلك أمين معلوف في كتابه الهويات القاتلة والقائمة طويلة وكلها تتعامل مع الهوية باعتبارها أحد أمراض العصر التي تسربت إلى الثقافة والاجتماع نتيجة التحدي العولمي.

[31] موران ( أدغار)، المنهج، الهوية البشرية، إنسانية البشرية، مصدر مذكور، ص291.

[32] هيدجر ( مارتن )، السؤال عن التقنية، مرجع مذكور، ص196.

[33] هيدجر ( مارتن )، السؤال عن التقنية، مرجع مذكور، ص187.

[34] Morin ( Edgar ) et Nai ( Sami ), une politique de civilisation, édition arléa , Paris, 1997. p.153

[35] Morin Edgar, introduction à une politique de l’homme, édition du seuil, Paris, 1965,p92.

[36] موران (أدغار)، النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، مصدر مذكور، ص.25.

[37] موران ( أدغار)، تربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، طبعة2002، صص.99-100.

[38] Morin ( Edgar ) et Nai ( Sami ), une politique de civilisation,op.cit.pp.242-243.

 

 

hatam hamidmohsin2كيف يمكن ان نبرر احكامنا الاخلاقية؟ لنأخذ مثالا حيا نجد فيه معظم الناس الفقراء والاقليات الاثنية في العالم الغربي هم اقل تعليما من الناس البيض والأثرياء. قد يكون الحكم هنا وصفيا مرتبطا بعدم كفاءة النظام التعليمي، ولكن يمكن الحكم ايضا بوجود لامساواة في التعليم وهذا لايصح اخلاقيا. ولكن ما الذي يجعلنا نعتقد باننا صائبين في مثل هذا الحكم؟ عندما يُوجّه مثل هذا السؤال للناس فهم عادة يستخدمون نوعا من الاستراتيجية. فمن جهة، ربما نرى من المعيب ان تقع هذه الحالات خاصة عندما يكون البلد حافل بتاريخ من التمييز العنصري كالولايات المتحدة. ومن جهة اخرى، ربما نعتقد من حيث المبدأ اننا مسؤولون عن ازدهار الانسان وان التعليم هو عنصر اساسي في هذا الازدهار. اللجوء اما الى الاخلاق او الى المبادئ يبدو ستراتيجية شائعة استخدمها الفلاسفة وغير الفلاسفة في محاولة تبرير أحكامهم الاخلاقية. بعد ان ندرس كل اتجاه على انفراد سوف نثبت بان الاستراتيجية المثلى هي فقط الاستراتيجية المزدوجة التي تستخدم كل من المشاعر والمبادئ في تبريرأحكامنا الاخلاقية.

البداهة intuitions

لكي نركز نقاشنا، سنتوقف عند التقليد الاخلاقي البارز الذي انبثق من اعمال الفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم (1711-76). طبقا لهيوم، نحن نوع من الكائنات لدينا مستوى فطري من المشاعر في الموافقة او الرفض عند النظر الى مواقف معينة. عندما نرى التجاهل في تعليم الاطفال، مثلا، فنحن نميل للشعور بالكراهية والخجل. او، حينما نرى طفلا يمرح فسنشعر بالمتعة والرضا. هيوم اطلق على هذه الأحاسيس بالمشاعر sentiments.

هذه المشاعر هي هامة جدا في نقاشنا الحالي لأننا نبدو نجسدها بنوع من المباشرة العفوية والفورية . كذلك، قد تبدو لمشاعر معينة جاذبية اخلاقية داخلية. لننظر في الغضب والمتعة: الأخيرة هي شعور يجب تعزيزه،  بينما لا يجب ان نعزز مشاعر الغضب. فكرة هيوم هي اننا نستطيع تبرير أحكامنا الاخلاقية حول الموقف من خلال المشاعرالمسؤولة اخلاقيا التي نشعر بها عند الاستجابة لذلك الموقف (صديقه آدم سمث كتب مقالة شهيرة في نفس الموضوع اسماها نظرية المشاعر الاخلاقية).

احدى المخاوف التي تبرز من هذا التفكير هو ان الناس ليس لديهم دائما ما نعتقد من المشاعر الملائمة في مواقف معينة. هناك اناس يشعرون بالمتعة تجاه آلام الآخرين، مع ذلك نحن لا نريد القول ان هذه المشاعر يجب ان تبرر أحكامهم الاخلاقية. هيوم يتوقع هذا الخوف، ويطمئننا بان التعاطف مع الآخرين في العموم هو جزء من طبيعتنا الانسانية . لكن هذا التعاطف ليس مجرد واحد من بين المشاعر الاخرى بل هو قابلية او نزعة للشعور بمشاعر فرد آخر. اعتقد هيوم ان هذا كان نتيجة لإحساس خاص، اما سمث اعتقد انه تم بفعل عملية انعكاس سايكولوجية: (مثلا) عند تصور آلام شخص آخر، نحن نشعر بجزء من ذلك الألم بانفسنا ولذلك نحن من الطبيعي نسعى الى تخفيفه.

لكن هذا الجواب ملائم فقط الى حد معين. انظر مرة اخرى بمثال اللامساواة في التعليم. قبل خمسين سنة مضت، لاحظنا كيف فشل التعاطف في انتاج مشاعر سلبية لدى الامريكيين البيض في الاستجابة لعدالة فصل المدارس الرديئة الخاصة بأطفال الامريكيين السود، والأسباب لا يصعب تحديدها. الفصل ذاته ربما منع الامريكيين البيض من الاحساس بتعاسة اولئك الذين تأثروا بالتعليم غير العادل، تاركا للتعاطف فرصة ضئيلة في تصحيح مشاعرهم غير الملائمة. والاكثر اشكالية، هو ان اللامساواة ذاتها تبيّن ان العديد من الناس لديهم مشاعر غير ملائمة. لهذه الاسباب تبدو المشاعر بذاتها غير كافية في تبرير الأحكام الاخلاقية.

المبادئ principles

بما ان اتجاه هيوم في البداهة حفل بهذه المشاكل، لننظر الى الاستراتيجية الثانية في تبرير الاحكام الاخلاقية وهي اللجوء الى المبادئ: مرة اخرى، لكي نركز النقاش، سنلقي الضوء على التقليد البارز في الاخلاق، المرتبط هذه المرة بالفيلسوف الالماني عمانوئيل كانط (1724-1804). طبقا لكانط، العقل يزودنا باختبار لتحديد المبادئ الاخلاقية الجيدة. الخطوة الاولى في هذا الاختبار هي تمييز ما يكون عليه فعلنا في ظروف معينة. فمثلا، انظر في الموقف عندما تصبح منزعجا من وظيفتك وتبحث عن وظيفة جديدة. انت بالنهاية تحصل على مقابلة ولكن لسوء الحظ انها ستحدث اثناء ساعات العمل. لكي تحضر المقابلة انت تحتاج لتغيب يوم واحد عن عملك الحالي، لكنك تدرك ان صاحب العمل سوف لن يسمح لك بالغياب لو اخبرته بالسبب الحقيقي لترك العمل في ذلك اليوم. ربما من الاسهل لك ولصاحب العمل ان تكذب بمجرد القول انك مريض ولا تستطيع العمل في ذلك اليوم.

التقييم الصادق لعملك هذا هو انك تنوي الكذب على صاحب العمل. حالما انت تحدد هذه الخطة فان الادّعاء الكانطي يشير الى ان العقل يزودنا بمعيار نستطيع بواسطته الحكم على السمة الاخلاقية للخطة. لكي نبني هذا المعيار، نحتاج فقط لسؤال واحد بسيط: "ماذا لو تصرّف كل شخص طبقا للخطة السابقة في العمل؟ "اذا كان الموقف الذي تصفه في الجواب لهذا السؤال منسجما، عندئذ انت تستطيع الاعتقاد بان الفعل الذي تخطط له مسموح به اخلاقيا. اما الخيار الآخر يمكنك الاستنتاج بان عملك غير مسموح به ولذلك سيكون من الخطأ القيام به. وبالعودة الى مثالنا، بعد تحديد خطتك في الكذب، انت يجب ان تسأل نفسك "ماذا لو كذب كل شخص؟" سوف لن نحتاج جهدا لندرك ان الهدف من الكذب هو الخداع، ولكن لو كذب كل شخص فسوف لن يُخدع اي شخص آخر لأن كل واحد سيتوقع الكذب من اي شخص آخر. طبقا لكانط، هذا النوع من اللاانسجام بين هدف الكذب ونتائجه العالمية يوفر تبريرا للحكم الاخلاقي بان الكذب امر خاطئ.

غير ان هذا يشكل فقط نصف القصة. حتى لو ان اختبار كانط شخّص مبادئ الاخلاق الجيدة، نحن يجب ايضا ان نسأل من هم اولئك الذين تُطبّق عليهم تلك المبادئ. بالنسبة لكانط، هذه المبادئ تنطبق على جميع الافراد الاخلاقيين، لذا يجب على كل فرد اخلاقي قول الحقيقة لكل فرد اخلاقي آخر. غير ان هذا الجواب يعتمد على الاعتراف بان الافراد الاخلاقيين هم افراد اخلاقيين. لو عدنا الى اللامساواة في التعليم سنرى بان هذا الامر يخلق صعوبات. وهكذا بالرغم من ان معظم الاثرياء البيض هذه الايام يعترفون بان الفقراء او غير البيض هم افراد اخلاقيين تامين، فان هذا ليس هو الحالة دائما. قبل وقت ليس ببعيد كانت الحاجة في الغرب لتبرير العبودية والاضطهاد العرقي دفعت البيض للاعتقاد بان السود ليسوا عقلانيين تماما. لذا بالرغم من ان العنصريين يعترفون بان الفرد يتعرض للاذى حين لا يتلقى تعليما جيدا وان ايذاء الفرد هو عمل خاطئ، لكنهم لا يعترفون بان السود الذين هم ضحايا اللامساواة في التعليم هم افراد تامين ويستحقون الاحترام الاخلاقي. بدلا من ذلك، هم يرون هؤلاء الضحايا مجرد حيوانات لا انسانية، وعلى هذا الاساس يبرر العديد من البيض احكامهم الاخلاقية غير الملائمة لأنفسهم ولزملائهم.

عملية التوازن

من هنا سنكون قادرين على تشخيص المشكلة في كل من استراتيجية هيوم وكانط عند التعامل معهما انفراديا: كل واحدة من الاستراتيجيتين تتركنا مع نظام ثابت مثير للجدل في تبرير الاحكام الاخلاقية. المشكلة هي انه حالما تصبح بعض الاحكام الاخلاقية مقبولة بشكل واسع في المجتمع، فان اي من الاستراتيجيتين لن يقدم آلية لنقد تلك الاحكام. في استراتيجية كانط يحصل هذا بسبب ان الظروف الاجتماعية تمنع الناس من الاعتراف بالافراد الاخرين كافراد اخلاقيين تامين، بينما في استراتيجية هيوم، ذلك بسبب ان الظروف الاجتماعية ربما تعزل الناس عن الصورة الاكبر وبالتالي تشوّه مشاعرهم. الاقتراح الملائم هو ان نتعامل مع هذه القضايا بطريقة كافية لتبرير أحكامنا الاخلاقية باستعمال كل واحدة من الاستراتيجيتين لدعم الاخرى.

الفكرة الاساسية وراء هذه الاستراتيجية المشتركة هو اننا يجب ان نبدأ حيثما نجد انفسنا، ولكن يجب ان لا نبقى من حيث بدأنا . لذا اذا وجدنا انفسنا بمشاعر قوية من التعاطف فيجب ان نؤمن بها كحقيقة، لكن يجب ان نسأل انفسنا بسرعة وفق الاسلوب الكانطي ماذا نعتقد لو كانت لدينا هذه المشاعر تجاه اي فرد. في حالة اللامساواة في التعليم، الناس الذين يشعرون بمشاعر محايدة او ايجابية عند النظر للفقراء من الطلاب الذين يتلقون تعليما سيئا هم من غير المحتمل ان يشعروا بالراحة حول نفس المشاعر المتصلة بالناس البيض الاثرياء كما لو انهم ذاتهم يتلقون تعليما سيئا. هذا اللاانسجام في المشاعر يشير الى ان مشاعرهم الاصلية كانت مضللة وانه من المحتمل جدا ان يكون هناك مبدأ اخلاقي هم لا يثمنونه. لذا، يمكن للناس بهذه الآلية الارتفاع من المشاعر الاخلاقية الى المبادئ الاخلاقية، مضيفين عنصرا ديناميكيا تصحيحيا على ستراتيجية هيوم.

والحل الآخر، حين نجد انفسنا ندعم بقوة مبادئ اخلاقية معينة، فنحن يجب ان نأخذ بها كحقيقة عند البدء بها، ولكن من هناك يجب ان نبدأ بتصوّر انواع المشاعر التعاطفية التي تثيرها تلك المبادئ في تطبيقاتها الواسعة. فمثلا، اذا كان مبدئنا هو ان صنف معين من الناس كالرجال البيض او الاثرياء هم فقط لهم الحق في تعليم جيد، فنحن سوف لن نشعر عموما بأي مشاعر مزدوجة عندما نتصور كل الاشياء الجامدة او الحيوانات اللاانسانية التي لا نقوم بتعليمها.

لكن تصوّر النوعية المتدنية للحياة التي يعيشها الطلاب الفقراء بسبب نقص التعليم يجب ان يخلق مشاعر مزدوجة حتى لو كانت لدى شخص ما تصورات عنصرية او طبقية مسبقة. عبر الاعتراف بهذه المشاعر المختلطة يستطيع الناس تطوير مبادئهم الاخلاقية والاعتراف بشكل افضل بالمكانة الاخلاقية للناس الذين كانوا يتجاهلونهم. بهذه الطريقة، يمكن استكمال ستراتيجية كانط في عولمة المبادئ لكي يستطيع الناس النزول من المبادئ الاخلاقية الى المشاعر الاخلاقية من اجل تحديد المجال الملائم لمبادئهم.

عبر دمج هاتين الآليتين التصحيحيتين الى بعضهما نكون قد قمنا بعملية اطلق عليها الفيلسوف الامريكي جون رولس بـ "التوازن الانعكاسي"رغم ان البعض يفضل تسمية "حكم الفطرة السليمة".

اعتمادا على الموقف في البداية نحن اما نفكر عقلانيا بمشاعرنا او نفكر عاطفيا في مبادئنا ونجري تغييرات عند الحاجة. من هناك سوف نجد انفسنا بموقف اخلاقي جديد، ومسؤوليتنا هي ان نستمر عقلانيا وعاطفيا في التفكير. عندئذ نحن نعمل كل ما نستطيع لتبرير احكامنا الاخلاقية، وحينذاك فقط نستطيع الاستمرار بالنمو ككائنات اخلاقية.

Justifying our moral judgments, Philosophy Now issue112

 

حاتم حميد محسن

 

 

raheem alsaidiكعادتي فإنني أتحدث بعجالة عن موضوع يحتاج الى تركيز وتحليل كبيرين، انه افتراض  استشرافي للانطولوجيا الجديدة .وسوف أتجنب التركيز على ثنائيات الوجود والماهية أو عن تفاصيل تعريف الوجود ومقارنته أو تفرعاته أو فهم  الفلاسفة المتعدد له . سواء ذلك المتعلق بالوجود المتعالي لهوسلر أو الوجود النقدي عند هارتمان أو الوجود الأساسي عند هايدكر الذي يفصل بين الوجود والموجود وقد أراد للإنسان أن يكون جسرا لمعرفة الوجود، كما تحدث كل المعاصرين عن ذات المعضلة التي أرهقت أفلاطون وأرسطو إلا أنهم  يعطون للوجود صبغة الذاتية، وأرادوا ان يجربوا طرقهم لتفكيك الطلاسم المتعلقة بمفهوم الوجود، وكان حديث المعاصرين من الفلاسفة متشابكا، أضافوا عليه مسحة الصنعة الفلسفية التي يعتقدون من خلالها ان التوضيح ضياع لهيبة الفلسفة وهي معضلة لا أظنها ستفارق الكثير من الفلاسفة أو المشتغلين بالفلسفة أو المفكرين والمعاصرين الذين يطلسمون كتاباتهم .

لقد ظهر مفهوم الانطولوجيا في الفلسفة بمعنى علم الوجود إلا انه منذ التسعينات أصبح من أهم مجالات البحث العلمي في المعلوماتية الحديثة، حيث عد بوصفه مفهوما تفصيليا (ظاهريا) لتصميم مجال معين. إلا انني أرى بان تصحيف معنى الوجود بهذه الصورة ما هو إلا معالجة سفسطائية معاصرة .

والانطولوجيا Ontology أو علم الوجود، أحد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود، مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويُعنى بالأمور العامة التي لا تختص بقسم من أقسام الوجود، الواجب والجوهر والعرض، بل تعمم على جميع الموجودات من حيث هي كذلك، وبهذا المعنى فإن علم الوجود معادل للميتافيزيقا أو ما وراء، ومع كل هذا فإن الانطولوجيا ذات علاقة وثيقة بمصطلحات دراسة الواقع ولا يجانب بول ريكور الحق بعده السؤال المنصبّ على الوجود من الأسئلة المتجددة .

و كلمة وجود تتوافق مع أشياء حقيقية أي لها كينونة بمعنى انها ليست خيالية أو افتراضية، وهي "غير معدومة"بمعنى ان لها أصل او حضور او يمكن التحدث عنها وتعريفها .

والفلسفة اليونانية والإسلامية تحدثت عن الوجود باعتباره مشكلة تحتاج الى حل، اما حديثنا عن الانطولوجيا الجديدة فهو حديث عن إمكانية التناول لهندسة او خارطة الوجود النهائي .

فتناول وتفسير الفلاسفة الطبيعيين اليونان للوجود ومن بعدهم الثلاثي اليوناني المقدس وحتى أفلوطين وغيره، إنما انصب على مشكلة الوجود بكل تفرعاته حتى ان المعرفة أصبحت ملحقا  أو ردة فعل لمعرفة مفهوم الوجود أو وجود الأشياء .

وهكذا نجد المشكلة الانطلوجية حاضرة في الفلسفة الاسلامية كما عند الفارابي وغيره . لكن يندر ان يتحدث الفلاسفة عن عالم مختلف مثل الوجود الأخروي بأغلب التفاصيل او بتنظير لكونه الموطن النهائي، او الحديث عن بناء انطلوجي يمثل المحصلة أو  الغاية، وهو لا يشبه البناء الانطلوجي الذي أراده أفلاطون في عالم المثل أو ذلك الموزع في اليوتوبيات المختلفة التي قال بها الفلاسفة .

وإذا تطلعنا الى مفردة ان علم الوجود معادل للميتافيزيقا، فان هذا يقودنا الى ان ما وراء الطبيعة هو المتمثل بعلم الوجود بحسب أرسطو كما يمكننا الإشارة الى (ما وراء وراء) الطبيعة وهو ما يمكن وصفه بالعالم الآخر أو عالم الحياة الثانية أو عالم ما بعد الموت.

واعتقد ان وصف ذلك العالم بالانطولوجيا الجديدة، يمثل دعوة حقيقية وجادة للتواصل مع العالم الآخر (مع المتخوف منه) (وليس المسكوت عنه فقط ).

وهذا العالم او الوجود الجديد هو محصلة :

1. تغيرات في البيئة (الجغرافية) وتأثيرها على البيئة الاجتماعية والنفسية وعلى التنوعات الإنسانية المستندة على البيئة .

2. تغيرات في التاريخ (توقف سجلات الفعل الإنساني المعتمد من العالم الانطلوجي القديم )

3. تغيرات في قواعد العلوم بتأثير البيئة الطبيعية والمعرفية وسواها .فسوف تتغير قواعد علوم عديدة كانت تعتمد على تشكلات البيئة المتعارف عليها اليوم، وسوف تُستحدث علوم جديدة .

4. تغيرات في قواعد الفهم العام أو الإنساني العام ومنطقه الذي يألفه، كما في المنطق وبشكل خاص في قواعده العامة التناقض والثالث المرفوع باستثناء الهوية  وتغيرات في المقولات، وفي الجوهر . فالمقولات لن تكون تلك القواعد التي قاسها أرسطو وفق رؤيته للوجود الذي يفهمه فلا المكان أو الزمان أو الإضافة أو سواها ستبقى في القوانين الانطلوجية الأخيرة، فهناك تغيرات في الطبيعة (الزمان والمكان ) والحركة والأنات

5. تغيرات في قواعد السلوك المألوف نوعا ما، ففي الوجود النهائي توجد تغيرات في قواعد علم الاجتماع والنفس .

تمتاز الانطولوجيا الجديدة بكونها القالب الذي تجتمع فيه الذوات والهويات المختلفة فهي الموضوع الذي يجمع الذوات، وتمتاز بأهمية الموضوع، فالحديث عن الجانب الذاتي الفردي (عن بعض الذوات ) سوف يحجم أو يضمحل الى حد ما، ويبرز الموضوع باعتباره غاية ومصير .

ان الحديث عن العالم الآخر بعده وجودا نهائيا أو ان أمكننا وصفه بالانطولوجيا الجديدة،انما يتماشى مع فكر وفلسفة أولئك الذين يميزون بين الوجود والماهية ويعطون الأولوية للوجود، فالعالم الآخر أو الانطولوجيا الجديدة انما هي محض وجود وفق الصورة العامة، اما ماهيتها أو ماهية ذلك العالم والتي لم تتحقق لديهم، فيمكن القول جدلا ان لا أهمية لها وفق اعتبارات اننا سجلنا إيماننا بتفاصيل وجود مختلف عنا وعن عالمنا الأرضي – الحالي – الراهني – الموقت – الجزئي – النسبي .

ولا اخفي اعترافي بالمحاولات المعاصرة التي جرت لإقامة «علم وجود جديد» على أساس مثالي موضوعي في القرن العشرين ويكون موضوع الأنطولوجية الأشياء نفسها، إلا ان هذا لا يعني ان الفكرة مستنسخة من تلك الجهود التي كانت رد فعل إزاء انتشار التيارات المثالية الذاتية

كما والأنطولوجية المتعالية الظواهرية عند هوسرل والأنطولوجية النقدية عند ن.هارتمان، والأنطولوجية الأساسية عند هيدغر، بل يعني الحديث عن عالم مختلف الوجود، والقواعد، يقترب من وجودنا الذي نعيشه بقدر توغلنا بهذا الوجود الراهني، ان الانطولوجيا الجديدة تركض إلينا بنفس السرعة التي نتحرك بها إليها، ولم يخبرنا المليارات من الناس من الذاهبين الى تلك الانطولوجيا الجديدة عن تفاصيل مهمة نحن بحاجة إليها، وبحسب البحث العلمي فان المدونات الدينية تعطينا خرائط عديدة لذلك الوجود المختلف (والتي لا يجب ان نهملها بأي حال من الأحوال، لأنها قد تكون البوابة السحرية التي نشاهدها في السرديات المتجسدة(الأفلام) والتي تقودنا الى عالم لم نره أبدا، وهو عالم خلاب، يعيق جماله الخوف من مصيره، آمل ان هذه المحاولة والتي سبقتها أربع محاولات للخوض في غمار ما يعتبره البعض ترفا أدبيا أو فكريا، وهو العالم الانطلوجي القادم ستعطي ثمرها بعد حين .

 

د. رحيم الساعدي

 

 

jamil hamdaoui2المقدمة: تعد الوجودية (L’existentialisme) من أهم التيارات الفلسفية والأدبية التي عرفها الغرب الأوروبي في سنوات الخمسين والستين من القرن العشرين، ولاسيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وأساس هذه النظرية أن الوجود الإنساني هو المحور المهم الذي ينبغي على الفلسفة أن تعتني به، قبل الاهتمام بالماهية، أو الاعتناء بطبيعة الإنسان التي تتغير من حالة إلى أخرى.بينما يظل الوجود جوهرا ثابتا قائما لايتغير.أي: لابد أن تهتم الفلسفة بالوجود الفردي، وليس بالوجود الأنطولوجي الذي يعنى بماهو وجود، والبحث عن علل العالم وأصوله وأرخيته وإنيته وكينونته.

وبتعبير آخر، ينبغي أن تدرس الفلسفة الموجود الفردي والبشري في هذا العالم الآني والعبثي، بعد أن شهد هذا العالم مجموعة من الحروب الكونية المدمرة والقاتلة التي جعلت أفراد المجتمع يعانون من مشاعر القلق، والخوف، واليأس، والغربة، والسأم.

ومن أهم روادها في الفلسفة والأدب سورين كييركارد ( Søren Kierkegaard)، ومارتن هيدجر(Martin Heidegger)[1]، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[2]، وجان بول سارتر(J.P.Sartre)[3]، وسيمون دو بوفوار(Simone de Beauvoir,)[4]، والأمريكية راشيل بسبالوف(Rachel Bespaloff)[5]، وألبير كامو (A.Camus)[6]، وإيمانويل ليفيناس(Emmanuel Levinas)[7]، وموريس ميرلوبونتي(Maurice Merleau-Ponty)[8]، والروسيين ليون شيستوف(Léon Chestov)[9]، وفيودور دوستوفسكوي(Fiodor Dostoïevski)[10]...

إذاً، ما الوجودية؟ وما أهم روادها؟ وما أنواع الوجوديات؟ وما المقصود بالوجودية الإسلامية؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الوجودية

الوجودية تيار فلسفي من جهة، ومذهب أدبي من جهة أخرى. وبالتالي، ترفض الوجودية أن يكون الإنسان خاضعا للحتميات أو الجبريات القاهرة، سواء أكانت دينية، أم وراثية، أم نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية...، بل الإنسان حر في تصرفاته وأفعاله، مادام يملك الحرية والإرادة والعقل، فهو خالق لأفعاله. فهو الإله الذي يتحكم في مشيئته، يختار ما يشاء من ماهيات وقيم وأفعال، ويغيرها حسب المواقف والظروف، كأن يكون مؤمنا أو ملحدا. ومن ثم، فاختياره مشروع مستمر يتبدل بالظروف والمواقف والإرادة الفردية الذاتية.

 علاوة على ذلك، فالوجود الإنساني الفردي هو الجوهر والثابت والهدف الرئيس.في حين، تتبدل ماهية الإنسان وأعراضه وطبيعته الإنسانية. بمعنى أن وجود الإنسان قد سبق ماهيته.أي: لم يكن هناك شيء قبل وجود الإنسان، بل هناك عدم فقط.وبعد موت الإنسان، ينتقل إلى لحظة العدم كما يقول جان بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( الوجود والعدم)[11]، وليس إلى لحظة البعث والمحاسبة، كما يقول بذلك القرآن الكريم في سورة الإسراء:" قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)"[12]

وعليه، تؤمن الفلسفة الوجودية إيمانا مطلقا بالوجود الإنساني، وتتخذه منطلقا لكل فكرة أو نظرية أو تصور فلسفي. ومن هنا، يعد الإنسان أقدم وجودا في هذا الكون. وبعد وجوده الحقيقي والإني، تأصلت ماهيته وطبيعته الثانوية. بينما يلحق العدم وجوده من قبل ومن بعد. ومن هنا، تؤمن هذه الفلسفة الإنسانية ذات البعد الفردي بالحرية المطلقة للإنسان، مادام هو المسؤول الوحيد عن أفعاله وتصرفاته.وعلى الإنسان أن يعيش تلك الحرية دون قيود أو رقابة . وبالتالي، فليست تلك الحرية فوضى، بل التزاما ومسؤولية عند سارتر. وتتمثل تلك الحرية في حرية الفعل أو الحدث (أن يفعل الإنسان ما يشاء)، وحرية الزمان ( في أي وقت شاء)، وحرية المكان (في أي مكان يشاؤه) .

أضف إلى ذلك ينبغي على الإنسان أن ينسى ماضيه بكل حتمياته وقيوده وجبرياته، ويتنكر له بشكل كلي، ويعيش حاضره، ويتطلع إلى المستقبل، ويتحرر من القيود كلها، سواء أكانت نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم دينية، أم سياسية... ويعني هذا كله أن الفلسفة الوجودية لا تؤمن بالقيم الأخلاقية والدينية الثابتة، بل الإنسان حر في أفعاله وقيمه، يتصرف كيفما يشاء، دون الخضوع لقيم مفروضة عليه، مادام يخلق أفعاله الحرة.

ومن ناحية أخرى، يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty) أن حرية الإنسان نسبية، وليست مطلقة، مادامت الظروف الذاتية والموضوعية تتحكم في مصير الإنسان وواقعيته[13].

في حين، هناك من ينكر هذه الحرية، ولو كانت نسبية، كالسوسيولوجيين (إميل دوركايمDurkheim )، والنفسانيين (فرويد Freud)، وعلماء الوراثة، وعلماء اللغة (البنيويون اللسانيون)، وعلماء الاقتصاد(كارل ماركسK.Marx).

وبهذا، فقد آمنت الفلسفة الوجودية بالوجود الإنساني بشكل كبير، وجعلت هذا المبدأ هو محور الفلسفة الغربية المعاصرة التي ابتعدت عن الوجود الميتافيزيقي لتهتم بالإنسان والوجود الفردي والبشري. أي: ثارت الفلسفة الوجودية مع جان بول سارتر(J.P.Satre)، وسورين كيركغارد(Søren Kierkegaard) [14]، وجبريل مارسل(Gabriel Marcel)، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[15]... على فلسفة الماهيات كما عند سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، واستبدلوها بفلسفة الوجود. ويعني هذا أن ثمة انتقالا من الماهية إلى الوجود، والتعلق بالإنسان من حيث هو موجود فردي[16].

وتنطلق هذه الفلسفة الوجودية أيضا من نقطة ذاتية خالصة تعبر عن تجربة حية، تستخلص منها عدة معان فلسفية وميتافيزيقية.وبالتالي، لايمكن التعبير عنها بواسط نسق فلسفي منظم، أو الحديث عنها في قالب عقلي متسق ومنسجم ومتماسك .لذلك، استعمل الفلاسفة الوجوديون الكتابة الشذرية بامتياز، وهي كتابة التمزق، والتشظي، والتخلخل، والتقطيع، والتبعثر...

ومن هنا، فالفلسفة الوجودية مذهب إنساني بامتياز، وفلسفة معاصرة تؤمن بحرية الكائن الإنساني في اختيار مصيره كيفما يشاء، دون أن يخضع لضغوط ما، أو حتميات جبرية، أو إكراهات بيولوجية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو لسانية...

ويعني هذا إذا كانت الفلسفات الجبرية تثبت أن الإنسان خاضع للإكراهات والحتميات المقيدة، فإن الوجودية ترى أن الإنسان حر مهما كانت تلك الحتميات، وأنه مشروع مستقبلي حر.وفي هذا الصدد، يقول عبد الرحمن بدوي:"ومتى كان الوجود سابقا على الماهية لم يبق في الإنسان شيء يعين سلوكه ويحد حريته بل يعمل ما يشاء ولايتقيد بأي شيء، إذ إن الوجودية لاترى أن بوسع الإنسان أن يجد معونة في علامة على الأرض تهديه السبيل، لأنها ترى أن الإنسان يفسر الأشياء بنفسه كما يشاء، وأنه محكوم عليه في كل لحظة أن يخترع الإنسان.فما الإنسان إلا ما يصنع نفسه وما يريد نفسه وما يتصور نفسه بعد الوجود.بهذا يظن سارتر أنه يحقق الغرض الذي يرمي إليه وهو إنقاذ الحرية من الجبرية، فيصف الوجودية بأنها مذهب تفاؤل لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه فتجعل الحياة الإنسانية ممكنة."[17]

ويعني هذا كله أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا ( B.Spinoza ) يرى أن كثيرا من الناس يعتقدون أن أفعالهم حرة، وأنهم أحرار بكل ثقة، حينما يقومون بتلك الأفعال الداخلية والخارجية عن حرية وطواعية ومبادرة. لكنهم يجهلون أن وراء تلك الأفعال والتصرفات والسلوكيات ضرورات حتمية توجهها. وبالتالي، يجهلون أسبابها الحقيقية، ولا يعلمون كيفية انبثاقها وتحركها وصدورها عن الذوات، مثل: الحجرة المقذوفة في الهواء التي نعتقد أنها حرة في توجهها الحركي، ولكنها مدفوعة من قبل ذات ما. ويعني هذا أن أفعال الإنسان ليست حرة، بل هي معللة بالأسباب والضرورات والحتميات الجبرية، ولكننا نجهل أيما جهل أن أفعالنا مشروطة بالإكراهات والظروف. وإذا كان" هنالك شيء يعجز عنه الناس، فهو مسألة تنظيم شهواتهم. وعلى الرغم من أنهم يرون أنفسهم مقسمين بين عاطفتين متعارضتين، وكثيرا ما يرون الأحسن، ويقترفون الأسوأ، فإنهم مع ذلك يعتقدون بأنهم أحرار، وذلك لأن هناك أشياء لا تثير فيهم شهية ضعيفة من السهل التحكم فيها، بواسطة الذكرى التي كثيرا ما يتم استحضارها، والمتعلقة بشيء آخر".[18]

ونستنتج من هذا كله أن سبينوزا يرى أن الإنسان ليس حرا في جوهره، بل هو مقيد بمجموعة من الجبريات والضرورات والإكراهات التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، إلا أن الإنسان يعتقد- إصرارا وعنادا- أن ذاته حرة كامل الحرية، بيد أنه يجهل الأسباب الحقيقية التي تكون وراء أفعاله الموجهة من الخارج.

وتذهب التصورات البيولوجية إلى أن الإنسان خاضع للوراثة، فهي التي تتحكم في الشخص فيزيولوجيا، وعضويا، ونفسيا، واجتماعيا، وأخلاقيا. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، ذوي البشرة السوداء، باعتبارها مكونا بيولوجيا، فإنها قد تؤثر في الإنسان بشكل سلبي عند البعض، كما تؤثر الإعاقة الوراثية سلبا في نفسية صاحبها، بل تؤثر في شخصية الإنسان المعوق من جميع النواحي.

علاوة على ذلك، ترى التيارات الاجتماعية والأنتروبولوجية (دوركايم Durkheim، ورالف لينتون Ralph Linton...)، أن الإنسان نتاج المجتمع، بما فيه من القيم، والعادات، والتقالي، والأعراف، واللغة، والثقافة. وفي هذا الصدد، يقول الباحث السوسيولوجي المغربي محمد جسوس:" ليس المجتمع مجموعة إرادات حرة، ورغبات سائبة لا يحكمها ضابط، بل هو مجموعة بنيات وسلسلة حتميات لا تتوقف، لا في واقعها ولا في مآلها، على نيات الأشخاص ورغباتهم وإراداتهم. المجتمع... سيرورة من دون ذات. وبما أن مجال الذات الفردية والاختيارات الفردية محدودة، فإن هناك الإرادة الكلية أو الدولة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة الجماعية. إلا أن هذه الأخيرة ذاتها رهينة بدينامية التفاعل بين البنيات والمكونات، وليست إرادة اجتماعية مطلقة. فهي جماع هذه الدينامية وتعبير عنها."[19]

وتخضع اللسانيات البنيوية الإنسان للقوانين اللغوية بنية، ونسقا، ونظاما . ويعني هذا أن الإنسان من منظور البنيوية"كائن خاضع لمجموعة من الحتميات تشرطه كليا: ففكره، وأفعاله، وسلوكه هي منتوجات لقوانين الكون، ولقوانين الجماعة ولقوانين الفكر الرمزي. وعلى النقيض من الوهم الشائع اليوم، فالعلم والتقنية بدل أن يحررا الإنسان من الحتميات الكونية، فإنهما لم ينجحا إلا في جعله أكثر وعيا بقوة هذه الحتميات. وحتى في القديم، أي في عصر هيمنة الأسطورة، لم يكن الإنسان أكثر حرية مما هو اليوم، بل كانت صفته الإنسانية نفسها تجعل منه عبدا. وبما أن سلطته على الطبيعة كانت محدودة، فقد وجد نفسه محميا، وإلى حد ما منفلتا من هذه السلطة، بواسطة الوسادة الوثيرة لأحلامه... فهو لم يكن حرا حتى في أحلامه وأساطيره. لقد كانت كل محاولة كلود ليفي شتراوس محكومة بإرادته في أن يتوصل إلى التعرف على مستوى تبدو فيه الضرورة مباطنة وملازمة لأوهام الحرية .. وإلى ملاحقة آخر الجيوب التي تتستر فيها أوهام الحرية الإنسانية."[20]

كما يقر التحليل النفسي الفرويدي بدوره أن الشخص خاضع لإكراهات اللاشعور، ومحكوم بالرغبات الإيروسية (الحياة) من جهة، والنوازع التناتوسية (الموت) من جهة أخرى. بمعنى أن الإنسان يتأرجح بين العقل واللاعقل، وأن أفعاله خاضعة لبنية اللاوعي واللاشعور، في شكل شهوات وغرائز عدائية وحياتية.

وهكذا، نخلص إلى أنه لم يعد " للأنا مكان كاف في الفكر المعاصر. فها هو مسحوق من طرف علوم الإنسان، بعد أن ظل محاصرا بين لاشعور فرويد، والقوى الاقتصادية حسب ماركس، وتأكيدات نيتشه بأنه نتاج عادة نحوية، ومهتزا من طرف المنطق واللسانيات. إن الأنا الذي كان من قبل ملكا لم يعد اليوم إلا سرابا."[21]

والمقصود من هذا كله أن الإنسان المعاصر لم يعد حرا في الحقيقة أمام طغيان الاستلاب المادي والآلي، وطغيان القوانين الملزمة في شتى المجالات وميادين الحياة. ولكن على الرغم من ذلك، فإنه يمكن الحديث عن حرية الإنسان بشكل من الأشكال، مادام يمتلك العقل والوعي وروح المبادرة في تغيير الأوضاع المتردية، وتحسين الظروف التي تحاصره واقعيا في هيئة ضرورات وجبريات حتمية.

ومن هنا، يرى الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( نقد العقل الجدلي)[22]، أن الشخص مشروع مستمر، مادام يملك الحرية المطلقة في تطويع العقبات والحتميات والضرورات. بمعنى أن الإنسان يولد حرا، أما إذا رأينا عبدا ما، فإن الإنسان هو الذي استبعد أخاه الإنسان. ومهما كانت بدايات الإنسان ومقدماته مشروطة بظروف نفسية، واجتماعية، وأخلاقية، فبمجرد أن يصل إلى سن الرشد والبلوغ والتمييز، يستطيع أن يختار ما يشاء، ويتجاوز وضعيته الأصلية، مادام يمتلك العقل، والوعي، والحرية، والإرادة، والفعل، والشغل، والحركة؛ إذ يمكن للشخص أن يكون مؤمنا أو ملحدا، ويمكن له أن يغير قراراته ومشاريعه الحياتية مرات عدة، فهو حر حرية مطلقة. أي: إن الإنسان حر في أفعاله وأعماله وقيمه وأهوائه وقناعاته. وبالتالي، تقترن هذه الحرية- بلاشك- بحرية الزمان والمكان. بيد أن سارتر يرى أن حرية الإنسان ليست فوضى، بل هي مسؤولية والتزام. وفي هذا الصدد، يقول سارتر:"يعرف الإنسان بمشروعه، هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها ويحدّدها بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل والفعل أو الحركة، ولا يجب الخلط بين المشروع وبين الإرادة التي هي كيان مجرّد، وإن كان المشروع قد يتّخذ صورة إرادية في بعض الظروف، إنّ هذه العلاقة المباشرة مع الآخر المغاير للذات (...) وهذا الإنتاج الدائم للذات بواسطة الشغل والممارسة هو بنيتنا الخاصّة، وإذا لم يكن [المشروع] إرادة، فهو ليس حاجة أو هوى كذلك، إلاّ أن حاجتنا مثل أهوائنا، وأكثر أفكارنا تجريدا ترجع إلى هذه البنية، فهي دائما خارجة عن ذاتها نحو (...) ذاك ما نسمّيه الوجود، ولا نعني بذلك جوهرا ثابتا مرتكزا على ذاته، بل نعني به عدم استقرار دائم واقتلاعا لكامل الجسم خارج ذاته، وبما أنّ هذه الوثبة نحو التموضع تتّخذ أشكالا متنوّعة بحسب الأفراد، وبما أنّها تلقي بنا داخل مجال من الإمكانات نحقّق البعض منها دون البعض الآخر، فإنّنا نسمّيها كذلك اختيارا وحرّية، غير أنّه يرتكب خطأ عظيما إذا ما وقع اتّهامنا بإدخال اللامعقول أو أنّنا نختلق "بداية أولى" لا علاقة لها بالعالم أو أنّنا نمنح الإنسان حرّية ـ صنمية، وفي الواقع لا يمكن أن يصدر هذا الاعتراض إلاّ عن فلسفة آلية، ومن يوجّه إلينا هذا الاعتراض إنّما يريد إرجاع الممارسة والخلق والاختراع إلى إعادة إنتاج المعطيات الأوّلية لحياتنا، إنّه يريد تفسير الأثر والفعل أو الموقف بعوامل إشراطها، وإنّ رغبته في التفسير تخفي إرادة جعل المركّب مماثلا للبسيط، ونفي خصوصيات البنيات وإرجاع التغيّر إلى الهويّة، وهو ما يمثّل من جديد سقوطا في الحتمية العلموية، وعلى العكس من ذلك يرفض المنهج الجدلي فكرة الاختزال، واعتماد طرح معاكس، قوم على التجاوز مع المحافظة، بحيث إنّ أطراف التناقض ـ الذي وقع تجاوزه ـ غير قادرة على بيان التجاوز ذاته ولا على التأليف اللاحق، إنّ هذا الأخير ـ على العكس من ذلك ـ هو الذي يضيء هذه الأطراف و يتيح فهمها"[23].

أما الفيلسوف الفرنسي إمانويل مونيي( Mounier )، فيرى أن حرية الشخص نسبية ومشروطة، وليست مطلقة كما يقول جون بول سارتر. بمعنى أن حرية الإنسان مشروطة ومرتبطة بالاندماج داخل موقف واقعي ما، وأن هذه الحرية تعترضها العراقيل والحواجز والمثبطات داخل سياق ظرفي واقعي ما. ويعني هذا أن حرية الشخص ملازمة لوضعه الواقعي، ومحصورة في نطاق حدوده. فأن تكون حرا هو أن تقبل هذه الظروف الواقعية الممكنة. أي: إن الحرية الإنسانية مرتبطة بوجود الحواجز والاختيار والتضحية. فليست الحياة سهلة ومجانية دون عقبات وصعوبات، فلابد من المواجهة وتذليل الصعوبات بالعقل والوعي والإرادة لكي يكون الإنسان حرا. والمقصود من هذا أننا نتحدث عن الحرية حينما نتحدث عن العراقيل والحواجز التي تضعها الحياة أمام الإنسان لاختبار قوته وشجاعته وصموده وتحديه. إن حريتنا، يقول مونيي، هي" حرية إنسان في موقف، وهي كذلك حرية شخص تعطى له قيمة. أنا لست حرا لأني أمارس عفويتي فقط، بل أصبح حرا عندما أوجه هذه العفوية في اتجاه التحرر. أي في اتجاه شخصنة العالم ونفسي. إذاً، ثمة مسافة تمتد من الوجود المنبثق إلى الحرية، وهي التي تفصل بين الإنسان الباطني على حدود الانبثاق الحيوي، والإنسان الذي ينضج باستمرار بأفعاله وفي الكثافة المتزايدة للوجود الفردي والجماعي. وهكذا، فأنا لا أستعمل حريتي بدون جدوى، بالرغم من أن النقطة التي ألتحم فيها بتلك الحرية متباعدة في أعماق ذاتي. وليست حريتي تدفقا فحسب، بل هي منظمة، أو بعبارة أفضل، هي مطلوبة بنداء."[24]

وهكذا، يتضح لنا أن الحرية لدى مونييه مشروطة بالوضع الواقعي للإنسان، إلا أن هذا الوضع المشروط لا يعني الخضوع للضرورة والجبرية. بل يذهب مونييه إلى أن المجتمع السياسي والقانوني عليه ألا يخضع الأفراد لقانون الإكراه والإلزام والجبر والضرورة، بل ينبغي أن يساعدهم على التحرر، والانعتاق، والاختيار، والاندماج داخل نطاق الجماعة، دون أن يكون ذلك على حساب حرياتهم وخصوصياتهم. وفي هذا، يقول مونيي:"ليس من مهام المجتمع أن يجعل الأشخاص تابعين خاضعين، وليس من مهامه أيضا أن يتحمل عبء تطور ميولهم، بل على المجتمع أن يضمن لهم... الحماية واللعب وأوقات الفراغ التي ستسمح لهم بالتعرف- على هذه الميول بكامل حريتهم الروحية. وتساعدهم بدون قسر، وذلك باعتماد تربية اقتراحية، وبالابتعاد عن النزعة التطابقية، وعن أخطاء التوجيه والتحكم؛ ومنحهم – بواسطة تنظيم البنية الاجتماعية والاقتصادية- الوسائل المادية الضرورية لتنمية هذه الميول... إن الإنسان هو الذي يقرر مصيره، ولا يمكن لأي شخص، فردا كان أو جماعة، أن يقوم مقامه في ذلك."[25]

وهكذا، يدافع مونييه عن حرية الشخص النسبية في وسط المجتمع والجماعة، بالدفاع عن خصوصياته الفردية وميوله الشخصية. ويعني هذا أن حرية الإنسان محدودة ومشروطة بالأوضاع الاجتماعية والظروف التي يوجد فيها ذلك الشخص.

ومن جهة أخرى، ترفض الفلسفة الوجودية الميتافيزيقا، على أساس أنها ترف فكري لاموضع له.وبالتالي، تعنى بالأنطولوجيا المجردة، ولاتعنى بقضايا الإنسان فردا وجماعة، باعتباره كائنا فرديا له حاجيات ومستلزمات حياتية متعددة.وبهذا، فمن الضروري أن تنتقل الفلسفة من الميتافيزيقا الأنطولوجية والكوسمولوجية إلى الاهتمام بالإنسان الفردي، والاعتناء بوجوده اليومي، والتـأمل في مصيره المستقبلي. وبهذا، فمن الضروري الانتقال من الموجود العام إلى الموجود الخاص الذي يتمثل في الكائن الفردي .

ومن جهة أخرى، يرى مارتن هيدجر(Martin Heidegger) أن الفلسفة الميتافيزيقية قد تجاوزتها التقنية[26]. وبالتالي، فقد استنفذت مواضيعها [27]، وغيبت الوجود الإنساني، واهتمت كثيرا بالموجود .ويعني هذا أن حقيقة الوجود قد ظلت منسية منذ الفلسفة اليونانية حتى فلسفة نيتشه (Nietzsche)، وقد تأثر مارتن هيدجر في نقده للميتافيزيقا بفلسفة كانط(Kant)[28]. وقد كتب هيدجر في (رسالة في النزعة الإنسانية):"صحيح أن الميتافيزيقا تتمثل الموجود في الوجود، وتفكر كذلك في وجود الموجود، لكنها لاتفكر في اختلاف الوجود والموجود؛ فالميتافيزيقا لاتتساءل عن حقيقة الوجود، لذا فهي لاتطالب أبدا بالطريقة التي على نحوها تنتمي ماهية الإنسان إلى حقيقة الوجود.وهذا السؤال، ليست فقط الميتافيزيقا من لم يطرحه إلى حد الآن، إنه صعب المنال للميتافيزيقا كميتافيزيقا، ويظل الوجود ينتظر من الإنسان أن يستذكره كشيء يستحق التفكير..."[29].

ومن ثم، يؤكد مارتن هيدجر، في مقدمة (ماهي الميتافيزيقا؟)[30]، أن الميتافيزيقا الفلسفية قد أهملت لأمد طويل حقيقة الوجود، واستعاضت عنها بحقيقة الموجود (الفرد) الأنطولوجي.

إذاً، لقد أكد مارتن هيدجر نهاية الميتافيزيقا بعد حلول العلم والتقنية محلها.

وعليه، ليست الوجودية- حسب عبد الرحمن بدوي- " إلا لونا من ألوان المذهب الحسي، فإنها تنكر المعنى الكلي وتغلو في الإنكار حتى تأبى أن تقيم وزنا لوجوه الشبه بين أفراد النوع الواحد، وهي وجوه بادية للعيان، فلا تنظر إلى الجزئي إلا بما هو كذلك فتعتبر أن الماهية هي الإنية أي جملة الأعراض المخصصة للجزئي، فنقول إن الوجود سابق على الماهية بهذا الاعتبار، ولا يفطن القائل إلى أن الوجود هو بالضرورة وجود شيء أي ماهية وأن الإنية تعيين الماهية الحاصلة بالفعل من نواح وبالقوة من نواح أخرى، فإن الإنيات وجوه مختلفة لما في الماهية من قوى مختلفة، وقديما قال أرسطو إن القوى النطقية غير معينة إلى واحد ولكن في مقدورها الميل إلى ناحية إو إلى أخرى، وهذا أصل الحرية التي هي القدرة على العمل في نطاق الماهية وعلى حسبها.ولا وجه للإغراب بعد هذا بوضع الوجود قبل الماهية ! "[31]

وهكذا، تتأسس الوجودية على مبدإ الوجود الإنسان إثباتا وجوهرا، وأن حرية الإنسان مطلقة، وأنه خالق لأفعاله، وهو مسؤول عنها، وملتزم بقضايا عصره وفق رؤية إنسانية مناضلة، أو فق تجارب وجودية ذاتية معاشة.

المبحث الثاني: أنواع الوجوديات

يمكن القول: إن سقرط قد سبق أن أشار إلى الوجودية الإنسانية النفسية عندما قال قولته المشهورة:" اعرف نفسك بنفسك". أي: على الإنسان أن يتأمل نفسه، ويتعرف إلى وجوده، ويهتم بمشاكله الفردية والإنسانية والبشرية من أجل معالجتها، بإيجاد الحلول المناسبة لها، بعد تشخيصها، وتوصيفها، وتحليلها، وتقويمها. علاوة على ممارسة النقد الذاتي في حق نفسه، وفي حق وجوده الإني والقيمي والمجتمعي.

وإذا كان بعض الفلاسفة يؤمنون بالوجودية الثنائية المثالية كما عند أفلاطون، على أساس أن العالم المتغير نسبي وزائف، فإن أرسطو ينطلق من الوجودية المادية الواقعية على أساس أن العالم المادي هو العالم الوحيد الحقيقي بجواهره العقلية الثابتة في مقابل أعراضه الشكلية المتغيرة.

بينما هناك متصوفة، كمحيي الدين بن عربي، يقرون بوحدة الوجود على أساس أن هناك وحدة بين وجودين داخل وحدة عرفانية وجدانية، والوجودان هما : الوجود الرباني، والوجود البشري.وبهذا، يسع القلب هذين الوجودين معا، ضمن محبة ربانية كونية شاملة وجامعة ومانعة.

ومن جهة أخرى، أنكر الفلاسفة الماديون، كماركس (Marks)، وفيورباخ (Feuerbach)، وأنجلز (Engels)، ولينين (Lenin)، وغيرهم، وجود عالم علوي، فركزوا على الوجود المادي للإنسان، في علاقة تامة وجدلية بالمعطيات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

أما الفلسفة الوجودية المعاصرة، فتنقسم إلى اتجاهين:

Œ وجودية مؤمنة مع الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد كما في كتابه (رهبة واضطراب)، وكارل ياسبرز، وجابرييل مارسيل (Gabriel Marcel) الذي ينفي وجود أي تناقض بين الوجودية والمسيحية، ويثبت أن الإنسان هو خالق أفعاله، وما يصدر عن الإنسان فهو حق، ولو أخطأ في ذلك. لذا، فالإنسان الموجود هو بمثابة إله طبيعي ذاتي مسؤول عن أفعاله الخاصة، وليس إلها دينيا...

وجودية ملحدة تنكر وجود الله، وتدافع عن وجود الإنسان وحريته المطلقة، وتعد وجود الله خرافة وفكرة خاطئة ومضللة، على أساس أن الدين بمثابة أفيون الشعوب. ومن ثم، تدعو إلى الالتزام بالمسؤولية تجاه المواقف والأحداث . ومن أهم ممثلي هذا الاتجاه مارتن هيدجر، ونيتشه، وجان بول سارتر، وسيمون دوبوفوار... ومن ثم، فقد قال سارتر : إن الله فكرة مضرة، ينبغي للإنسان أن يتخلص منها.وبالتالي، فالإنسان في هذه الحياة مثل ممثل مسرحي يؤدي دور الخير والشر، وبعد انتهاء دوره ينعدم وجودا.

المبحث الثالث: الوجودية الإسلامية

يقصد بالوجودية الإسلامية تلك الوجودية التي تنطلق من الوحي الرباني، وترفض العبودية والجبرية والخضوع للمستبدين والجبابرة من البشر. كما تؤمن هذه الوجودية بإرادة الإنسان ومشيئته في هذا الكون، وتقر بأفعاله الحرة، وأنه مسؤول عن وعيه وتصرفاته وأفعاله. وبالتالي، فسلوكه خاضع للعقاب والثواب. ومن ثم، تنبني الوجودية الإسلامية على الإيمان بقدرة الإنسان على تغيير واقعه، والإشادة بعقله، والاعتراف بإرادته، وأنه مكرم في هذا الكون، مادام قد استخلفه الله ليعمر الأرض خيرا، وبناء، ونسلا. وبالتالي، فهو خاضع لتعاقد ائتماني قائم على الطاعة الدائمة، والعبادة المستمرة، والعمل المثمر، وتحمل الأمانة والمسؤولية تحملا كاملا تجاه الذات من جهة، وتجاه الآخرين.

وليست هذه الوجودية فلسفة مادية أو عدمية أو عبثية إلحادية، أو ناكرة للوجود الرباني، بل هي تؤمن بعالمين: عالم علوي يحيلنا على الذات الربانية، وعالم دنيوي سفلي يرجعنا إلى عالم المخلوقات والكائنات البشرية. ومن هنا، ترتكز الوجودية الإسلامية على وجود الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه في هذه الأرض، وأعطاه الحرية التي يحتاجها لتعمير الكون وبنائه وفق سنن الوحي الرباني، والتصرف وفق الأخلاق القرآنية، والاعتراف بالآخر المماثل أو المخالف، وربط الوجود الإنسان بالوجود الرباني ضمن وحدانية مؤمنة .

علاوة على ذلك، يعيش الإنسان واقعه، وفق الوجودية الإسلامية، كأنه لايموت أبدا، ويعيش لآخرته كأنه يموت غدا. بمعنى أن الوجودية الإسلامية توازن وانسجام وتكامل بين الدينا والآخرة، وتناسب فعال بين العقل والحس.

وتعد الوجودية الإسلامية أيضا وجودية إنسانية شخصانية روحانية طاهرة، تؤمن بالقيم الإسلامية الثابتة، وتسعى جادة إلى نشر الخير في المجتمع، والاعتراف الدائم بفضيلة الآخرين. ومن ثم، فهي ترفض كل أشكال الاستهجان والعرقية والتمييز العنصري، وتقوم على فكر التعارف والاختلاف والتقوى، ضمن مجتمع كوني وإنساني متسامح ومتعايش ومتعارف، أساسه البناء والتعاون والتكامل لكي تعيش الإنسانية السعادة الفضلى. ومن هنا، فالإنسان ذات وجودية مباركة ومكرمة في هذا الوجود الذي اختاره الله لأن يعيش فيه الإنسان وجوده، مع البحث عن الحقيقة الربانية الأزلية، باستخدام العقل والحس والقلب. وبالتالي، يكون هدفه الحقيقي هو البحث عن السعادة والفضيلة والكمال والسمو من جهة، وتجنب الشقاء والضنى والألم والتعاسة من جهة أخرى. وبهذا، يرتبط الوجود الإنساني الإسلامي بالعطاء، والخير، والعبادة، وخدمة الآخرين، والابتعاد عن الشهوات المغرية، وتجنب الحياة الإباحية والعبثية، والارتكان إلى عبادة الله وحده.

ويتأسس الوجود الإسلامي للإنسان كذلك على الإيمان من جهة أولى، والتواصل مع الآخرين من جهة ثانية، والتصرف وفق قوانين الشرع الإسلامي من جهة ثالثة، وعبادة الله وحده من جهة رابعة. لذا، " فالإنسان الوجودي مؤمن بذات الآخر قبل أن يؤمن بذات نفسه، وهذا هو سر من أسرار وجوده، هو إنسان يسعى إلى العالمية والكونية، ويسعى إلى الآفاق. إنه إنسان أرحب وأوسع وأعلى. إنه لا يؤمن بالعنصرية أو التمييز العرقي، ويرفضه رفضا مطلقا، ويرفضه بشتى أشكاله ومبرراته.

الإنسان الوجودي إنسان متفاعل مع الإنسانية جميعا، له ثقافة إنسانية واسعة تتغير مع الزمان، وقابلة للتغير وفق الظروف الكونية وسننها."[32]

ومن هنا، تستند الوجودية الإسلامية إلى تكريم الإنسان وتعظيمه، والحوار مع الآخرين، والإيمان بالاختلاف، والتشبث بحب الآخر المماثل أو المخالف، وتجنب طريق الشر والغواية والضلال، والسعي إلى فرض لغة التواصل والسلام والنصح والاستشارة. وبالتالي، لا يتحقق الوجود الإنساني الإسلامي إلا بعبادة الله الواحد الأحد، وتطبيق الشرع الرباني، ونشر الخير بين الجميع، وخدمة الإنسانية جمعاء، وتعمير الأرض بالنبل والإخلاص والوفاء، والابتعاد عن الكراهية والحسد والحقد والضغينة الشيطانية المفلسة.

ومن هنا، فلقد "خلق الله الإنسان من أجل اكتشاف حقيقة المعنى في الوحي القرآني، واكتشاف حقيقة الوجود لأي شيء هو موجود، واكتشاف حقيقة معنى ذاته، وحكمتها في الوجود.

يكتشف الإنسان نظام المعاني وجمالها وتناسقها وانسجامها الدقيق في الوحي والوجود والذات من أجل معرفة خالق الخلق بحكمته الذي أتقن كل شيء.

إن هذا الإنسان يعيش وسط عوالم من المعاني المنظمة تنظيما سنيا من الحكيم العليم، وأن هذا الإنسان خلق ليتعلم ويكبر في الوجود، وخلق مجهزا بأدوات التعلم، عليه أن يطور أدواته العلمية والمعرفية من أجل أن يرقى إلى عالم الآفاق، ويكشف الحجاب عن كنوز المعاني البعيدة، بل كلما تطور الإنسان، وتوسع في علمه ومعرفته عبر الزمان، وارتفع إلى الأعلى ليزيل ستار زمانه من المعاني التي يحتاجها في عصره، فإنه بذلك يعبر قنطرة زمان الوجود إلى واجب الوجود..."[33]

وعليه، تتكىء الوجودية الإسلامية على الإيمان بالله وحده، وتكريم الوجود الإنساني، وتحميل الفرد مسؤولية أمانة التعمير والبناء والتشييد، بربط العمل الدنيوي بالعمل الأخروي، والجمع بين العقل والحس والروح، والسعي نحو تحقيق الفضيلة والكمال والسعادة السامية.

ومن أهم ممثلي الوجودية الإسلامية الباحث الفرنسي عبد النور بيدار(Abdennour Bidar) [34] الذي يرى، في كتابه ( إسلام بدون خضوع: نحو وجودية إسلامية)، أن الإنسان المسلم قد خضع لجبريات إيديولوجية باسم الدين والإسلام. في حين، جاء الإسلام ليحرر الإنسان من العبودية والخضوع للبشر من جهة، أو الخضوع للأهواء والرغبات من جهة ثانية. ويعني هذا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحقق وجودية الإنسان، ويدافع عن حريته الحقيقية. ومن ثم، لاخضوع إلا لله وحده دون الآخرين.وفي هذا الخضوع، تتحقق حرية الإنسان ووجوده النبيل. ويعني هذا كله أن الإنسان قد ظل عبدا يخضع لسلطة الأقوياء المتجبرين الظالمين حتى جاء الإسلام الذي زود الإنسان بقوة التحرر من العبودية البشرية، بالتطلع إلى الذات الربانية بغية تحقيق الوجودي الإني والمقدس.

وفي هذا الاتجاه، يمكن الحديث عن تصور الحسين المساوي في كتابه (الإنسانية روح الوجود) الذي ينطلق من فلسفة وجودية إسلامية حقة، قوامها الوحي الرباني، والشرع الإسلامي، والعشق العرفاني. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" لا تنفصل قراءة كتاب الوجود عن قراءة ذات الإنسان التي تشكل أحد نتاجات الوجود الأصيلة، ولعل قراءة كتاب الوجود وغوامضه وأسراره هي المفتاح لفهم الذات. إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة ترابط وانسجام ومؤانسة بين عمق عالم الذات الإنساني وذات الوجود...

وبالتالي، فعلاقة الإنسان والوجود علاقة تكامل وانسجام، و غاية الإنسان كمال ذلك الوجود بروحه العالية، وكمال جوهره. إن الإنسان في ذات الوجود، والوجود في ذات الإنسان، بل الإنسان يسافر في ذات الوجود وضميره، والوجود يسافر في ذات الإنسان وضميره..

إن الإنسان يسافر بروحه بعيدا، وفي البعد ينظر، ينظر في كل اتجاه، والوجود ينظر إلى الإنسان في كل اتجاه..

إن الإنسان ينظر بعين الوجود، والوجود ينظر بلغة المعنى إلى الإنسان، إن علاقة الإنسان والوجود علاقة حوار لبناء مفهوم المعنى.

إن هذا الإنسان الموجود بقلم الحقيقة والحق، وبمداد الشوق والحب والهيام، إنه غريب في عين الناظرة إليه من مكنون ذاتها إلى مكنون ذاته.

إنها نظرة انتباه في صحوة الحقيقة والحق، إنما تبقى ذات الإنسان وفطرته صورة ترسمها حكمة الحقيقة والحق، كل إنسان ينظر بعين الشوق والحب في ذاته، وفي ذات الوجود ليعلم سر حكمة وجوده، إنما ينظر إلى ذلك بروح العقل والتعقل..

إن حركة الإنسان والوجود هي حركة شوق وحب، لابد أن نعلم أن الشوق والحب هو الدافع الغائي للحركة، فالكل ينشد ويشتاق ويحب......!

إن هذا الإشعاع المتوهج بالنور في صميم ذات الإنسان، وفي صميم الوجود، هو ذلك الشوق الذي عرف ذاته وذات الوجود وفطرته..

إن حركة الإنسان والوجود حركة شوق وحب من ذات إلى ذاته، إن كان الفلك كله مشحون بطاقات قوية، فهذا يتحتم على الإنسان والوجود كله أن ينجذب نحو القوة المطلقة، تلك القوة الإلهية.

إن الفلك مشحون بفطرة وضمير، إنها فطرة الإنسان والوجود، إنها مبثوثة بثنائية الوجود والإنسان. وما هذا الإنسان في هذا الوجود إلا بحر يجري بالخير والفضيلة، هو بحر من واجب الوجود، مادام هذا الإنسان عطاء من الله عز وجل، وما دام جوهر الحياة والوجود من جمال يتألق من كونه خلال ذلك اللقاء.

إن العمل الذي ينسجم مع ذات الوجود وضميره عمل يبني ويصنع الحقيقة وحكمتها، وهو عطاء بإخلاص وصدق ومحبة وشوق. وإذا ما رافق العطاء وعيا وإيمانا يصبح الإنسان حيا بذاته وفطرته وضميره في فطرة الوجود وضميره، فذلك هو السر الذي يرتقي إليه الإنسان بإرادة قوية وروح عالية...

وإذا صار بين الإنسان وبين المراد سرا، فهناك يصبح بين الإنسان وبين الحقيقة مؤانسة، وكلما كبر السر كبر الإنسان في ضمير الوجود، واقترب إلى خالق الوجود. وهناك يرى الإنسان أن جوهر الحياة والوجود إنما هي عطاء....

إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة صناعة سلم من العلم والمعرفة والحكمة لكي يرتقي الإنسان ويرتفع إلى آفاق الوجود وجوهره، ولكي يرى نور الحقيقة يشرق على أرض الوجود والموجود....!!! "[35]

ومن ثم، فما كتبه الحسين المساوي عبارة عن دراسة وجودية إسلامية للشخص المفردن، وكتابة فلسفية ميتافيزيقية عميقة ومجردة بامتياز، تتناول الوجود الإنساني في ضوء التصورات الدينية والفلسفية التي تستمد معينها من الإسلام قرآنا وسنة. ومن ثم، فهي تتوقف عند بعض المفاهيم الرئيسة، مثل: مفهوم الذات، ومفهوم الإنسانية، ومفهوم الوجود، ومفهوم الوحي، ومفهوم المعنى، ومفهوم المفهوم. لذا، يتأرجح الكتاب بين الكتابة التأملية الموغلة في التجريد والتشظية من جهة، والكتابة الفلسفية المفاهيمية القائمة على علم السؤال من جهة أخرى.

الخاتمة:

 هكذا، يتبين لنا أن الوجودية تيار فلسفي، أو مذهب أدبي بامتياز، ظهرت في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي للتغني بالوجود الإنساني، والدفاع عن حريته ووجوده المجتمعي والكينوني. وتقوم الوجودية على تمجيد الإنسان، والدفاع عن حريته المطلقة، والإشادة بإرادته وعقله ووعيه في تغيير الواقع وتطويره وتنميته. وبالتالي، يتحقق وجود الإنسان بالعمل المثمر، والتضحية الجسيمة من أجل إسعاد الآخرين، وتحمل مسؤولية تعمير الكون والالتزام بها أيما التزام.

ومن جهة أخرى، فالوجودية أنواع عدة، فهناك الوجودية المسيحية أو اليهودية المؤمنة، والوجودية المادية والعبثية الملحدة، والوجودية الإسلامية. وتظل الوجودية الإسلامية أفضل هذه الوجوديات كلها، مادامت قائمة على تكريم الوجود الإنساني، والاعتراف بحرية الإنسان في التعاطي مع واقعه، وربط وجوده بعبادة الله وحده، مع تعمير الكون بالخير العميم، ونشر المحبة الكونية الفاضلة، والنضال من أجل تعميم السلام الحقيقي، والارتكان إلى الحوار والتعاون والتواصل البناء المثمر، وخدمة الإنسانية كافة بكل ما يحقق سعادتها الكاملة.

 

 ......................

[1] - Martin Heidegger (trad. François Vezin), Être et Temps, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1927 (réimpr. 1986), 587 p.

[2] - Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[3] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p ;L'existentialisme est un humanisme, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1946 (réimpr. 1996), 113 p ; La Nausée, Paris, Gallimard, coll. « Folio », 1938 (réimpr. 1972), 249 p ; Questions de méthode, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1957 (réimpr. 1986), 168 p.

[4] - Simone de Beauvoir, Le Deuxième Sexe, I : Les faits et les mythes, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 408 p ; Le Deuxième Sexe, II, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 663 p ; L'existentialisme et la sagesse des nations, Paris, Gallimard, coll. « Arcades », 2008, 144 p. ; Pour une morale de l'ambiguïté, Paris, Gallimard, 1947 (réimpr. 2003), 382 p.

[5] - Rachel Bespaloff (préf. Monique Jutrin), Cheminements et Carrefours, Paris, Vrin, coll. « Essais d'art et de philosophie », 1938 (réimpr. 2004), 252 p.

[6] -Albert Camus, Le Mythe de Sisyphe, Paris, Gallimard, 1942 (réimpr. 1985), 169 p.

[7] - Emmanuel Levinas, De l'existence à l'existant, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque des textes philosophiques », 1947 (réimpr. 1993), 152 p. ; En découvrant l'existence avec Husserl et Heidegger, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque d'histoire de la philosophie », 1967 (réimpr. 2002), 336 p.

[8] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[9] - Léon Chestov (trad. Boris de Schlœzer), La philosophie de la tragédie : Dostoïevski et Nietzsche, Paris, Le Bruit du temps, 1903 (réimpr. 2012), 304 p.

[10]-Fiodor Dostoïevski (trad. André Markowicz), Les Carnets du sous-sol, Paris, Actes Sud, coll. « Babel », 1864 (réimpr. 1992), 192 p.

[11] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p.

[12] - الآيات:12، 13، 14، سورة الأعراف، القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

[13] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[14] - Søren Kierkegaard, Crainte et tremblement, Paris, Payot, coll. « Rivages poche », 1843 (réimpr. 2000), 237 p.

[15]- Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[16] - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو صرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م، ص:16.

[17] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة، 1986م، ص:457.

[18] - سبينوزا:( الرسالة 58، إلى شولار)، ترجمة محمد سبيلا، الفلسفة الحديثة، نصوص مختارة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2001م، ص:274-275.

[19] - محمد جسوس: رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، المغرب، سنة 1997م، ص:91؛

[20] - Mireille Marc-Lipiansky : le structuralisme de C.L. Strauss, Plon, Paris, 1973, pp : 252-253.

[21] - كريستيان دي لاكمبان: (تشكل الأنا)، تساؤلات الفكر المعاصر(كتاب جماعي)، ترجمة: محمد سبيلا، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة 1987م، ص:87.

[22] J.P. Sartre : Critique de la raison dialectique, Gallimard, Paris, 1960, p : 95.

[23] - J.P.Sartre : Critique de la raison dialectique, p : 95.

[24]- E.Mounier : Le personnalisme, collection, Que sais-je ? ED, P.U.F, 1979, p : 71-74 ;

[25] - E. Mounier : Révolution personnaliste et communautaire, Aubier, 1935, pp : 65-66.

[26]- Martin Heidegger (préf. Jean Beaufret), « Dépassement de la métaphysique », dans essais et conférences, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 52), 1993 (ISBN 2-07-022220-9), p. 80-115.

[27] - Martin Heidegger: Achèvement de la métaphysique et poésie, Paris, Gallimard, 2005, (trad. Adeline Froidecourt).

[28] - Martin Heidegger (trad. W.Biemel, A de Waehlens), Kant et le problème de la métaphysique, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1981; (trad. Emmanuel Martineau), Interprétation phénoménologique de la « Critique de la raison pure » de Kant, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1982, 393 p.

[29] - Martin Heidegger: Lettre sur l'humanisme, Paris, Aubier, 1983,3ème édition,pp :27-53. (Trad. Roger Munier).

[30] Martin Heidegger (trad. Henry Corbin), « Qu'est-ce que la métaphysique », dans Questions I et II, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 156), 1990.

[31] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، ص:458.

[32] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[33]- الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

[34] - Abdennour Bidar, L'islam sans soumission : Pour un existentialisme musulman, Paris, Albin Michel, coll. « Espaces libres », 2008 (réimpr. 2012), 288 p.

[35] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

ali almirhigلم تَعد الفلسفة اليوم بحثاً في ما بعد الطبيعة "الميتافيزيقا"، أي البحث في الوجود بما هو وجود للكشف عن علته الأولى، ولم يعد الفيلسوف اليوم شغوفاً ببناء أنساق معرفية مغلقة غي مُنشغل بالكشف عن تفسيرات "كليانية" أو شمولية، أي لم تعد الفلسغة أم العلوم كما يُقال، ولم يعد الفيلسوف هو ذلك الذي يُشّيد بناء رؤاه الفكرية وفق نمط الفلسفة التقليدية الغارقة في التجريد والباحثة عن إيجاد نظرية في الوجود والمعرفة والقيم (أخلاق، جمال، سياسة، وبعضهم يضع المنطق من ضمنها)، وإن نظرت لكتب ومؤلفات فلاسفة اليونان الكبار والفلاسفة المسلمين وفلاسفة العصور الوسطى، وحتى فلاسفة العصر الحديث، لوجدتها تسير بإتجاه التمذهب المعرفي القريب من مرامي التمذهب الأيديولوجي، تنبني وفق سستام معماري يبدأ من القاعدة لينتهي لقمة الهرم، والعكس يحصل أحياناً، حتى صار تعريف الفلسفة عندهم بأنها رؤية شمولية لتفسير العالم والحياة.

لكن هذا التعريف اليوم لا قيمة له وفق نمط التحولات المتسارعة في العلم (الرياضي والتجريبي الطبيعي في الفيزياء والبايلوجيا وما أحدثته ثورة الجينوم) أو في الثورة التقنية أو في الثورة المعلوماتية "الإنفوميديا"، فضلاً عن غيابها الواضح وعقم تأثيرها في التحولات السياسية المتسارعة في ظل غياب مفهوم الدولة القومية وحتى الوطنية وفق متطلبات النظام العالمي الجديد التي فرضتها "العولمة" التي فرضت رؤية سياسية وإقتصادية جديدة تتجاوز الفهم التقليدي لوجود الدولة لتنشئ مفهوماً جديداً هو مفهوم "الدولة الرخوة" كما يُسميه سمير أمين، تلك الدولة التي ينبغي لأنظمة الحكم التقليدي إدراك مراميها عبر إيجاد نظام سياسي وإقتصادي جديد، يعي أن هناك تغير واضح في النظر لمفهوم السيادة، ولمفهوم الخصخصة، تلك المفاهيم التي صار لا بد لدول أنظمة الحم الشمولي إدراكها ووضع إستراتيجيات جديدة لإستيعاب التحول، وقد إتضح ذلك جلياً مع "البيروسترويكا" كما طبقها غورباتشوف، التي أعلنت نهاية الحرب الباردة بين قطبي الرحى، (أمريكا وروسيا) والإعتراف بهزيمة بُناة النظرية الإشتراكية والإعتراف بإنتصار النظام الرأسمالي المؤمرك.

لذلك إنقرضت وتآكلت هذه النظرة التقليدية للفلسفة بطابعيها التقليدي والحديث، لينتصر تعريف فلاسفة ما بعد الحداثة لها في الفلسفة المعاصرة، بداية مع الفلاسفة الوجوديين الذين طمسوا نخبويتها وحطموا أبراجها العاجية للنزول بها من عليائها للبحث عما هو واقعي ويومي مُعاش، لا كما أنزلها سقراط ليكون محورها الأخلاق ببعدها المثالي "اليوتوبي" الذي يربط الفلسفة والمعرفة بالفضيلة، وإنما ببعدها المعرفي الباحث عن "الإنسان المتمرد" بعبار كامو، ذلك البعد الذي وضع لبناته في الفلسفة الحديثة نتشه،  مُستمداً جذوره من مقولة السفسطائيين وفيلسوفهم بروتوغوراس: "أن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، مقياس ما يوجد ومقياس ما لا يوجد".

وأجهز الوضعيون المناطقة على بقايا الفهم التقليدي للفلسفة، ليجعلوا مهمة ليست في البحث في الوجود وأصله، إنما مهمتها تقتصر على توضيح المفاهيم وتعريف الغمض منها وفق مقتضيات التجربة وما تحتمله اللغة الإنسانية ببعدها التداولي المحايث للواقع لا المفارق له، فالبحث والقول وفق رؤى تجريدية حالمة غي مُنضبطة لا بقواعد العلم العلم التجريبي والقناعة بوجود مفارق لوجودنا هو "كلام لا معنى له"، لأنه تجربة فردية ليس بإستطاعتنا إخضاعها للتحقق التجريبي، ولا يُمكن لنا التحقق من صدقها أو كذبها.

في ضوء هذه النقودات للفلسفة التقليدية ولمنطلقاتها في البحث عن اليقين المطلق وقناعة فلاسفتها بإمكانيتهم الوصول لتفسير شامل للوجود والمعرفة والحياة، صار حري بمن هو متفلسف أو فيلسوف أن لا يضع نفسه موضع السخرية حينما يدعي أنه فيلسوف ميتافزيقي.

في ظل هيمنة العلم وهيمنة السياسة والإقتصاد، صارت مهمة الفلسفة، جمع المعلومات والأفكار وتحليلها وتوضيح معانيها، وصارت تُلاحق العلم في تطوره لا تكون بديلاً عنه، إنما لتعطي تفسيراً أو نقداً للنظرية العلمية التي تتعارض مُعطياتها مع إنسانية الإنسان. لينبري الفلاسفة للدفاع عن الحقوق والحريات العامة التي ينبغي حمايتها مثل: حرية الرأي والمعتقد وحرية التعبير وحرية الإعلام والحرية السياسية وحرية المرأة والحريات الأخرى التي يكفلها دستور كل بلد.

إن الفلسفة الناجحة اليوم هي "الفلسفة الشريدة" بعبارة فتحي التريكي، لأنها غادرت موضوعها الأصل "الميتافيزيقا"، فصار لشرادتها هذه معنى إيجابياً من نمط آخر، نمط جعلها لصيقة بما هو يومي ومعاش من هموم ومشاكل تعتري مجتمعات، فإنفصلت عن موضوعها في "الإنهمام" بالحقيقة واليقين المعرفي للكشف عن الأصول الماوراىية للوجود، لتكون أكثر إلصاقاً بوليداتها ولواحقها، في موضوعات هي من صميم معترك الحياة اليوم مثل: فلسفة الدين وفلسة العلم وفلسفة السياسة وفلسفة الأخلاق وفلسفة القانون وفلسفة الاقتصاد وفلسفة الحرية.

ومهمة الفيلسوف في تمظهرات الأقوال هذه هي: النقد المستمر والتساؤل الدؤوب عن القيمة والجدوى الحقيقية الخادمة للإنسانية لكل نظرية للكشف عن "المسكوت عنه" فيها، وفضح خفي القول المستتر الذي لا يكشف عنه ظاهره، بما يجعل المجتمع فاعلاً واعياً في قبول أو رفض نظريات لواحق الفلسفة.

 

 

ibrahim telbasilkha2

أولا: مشكلات نظرية المعرفة: المعرفة هى أساس بناء الحضارات وتقدم الشعوب وازدهار الأمم، بها يستطيع الإنسان أن يبسط سيطرته على الطبيعة ويمد سلطانه على جوانبها كافة، وبذلك يمكنه أن ينتفع بمواردها المختلفة ويحقق لنفسه السعادة على ظهر الأرض .

وتعد نظرية المعرفة من أبرز المداخل التى يمكن عن طريقها الوقوف على فلسفة أى مفكر كائنا من كان هذا المفكر، فهى ترتبط بجملة مواقف المذهب الفلسفى الذى تصدر عنه، وتتضمن الإجابات الحاسمة والنهائية عن كل الأسئلة المتعلقة بمسائل المعرفة كمشكلة فلسفية، كما أنها تبحث فى مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها وقيمتها وحدودها، وفى الصلة بين الذات المدركة والموضوع المدرك .

ولم تكن نظرية المعرفة فى الفلسفة القديمة مجالا مستقلا بذاته، بل كانت ممتزجة وداخلة ضمن الإطار العام للفيلسوف فى تلك المرحلة . فعند هيراقلطيس كانت المعرفة مرتبطة بالكوزمولوجيا ونظرياته حول علمى الجمال والأخلاق . وعند سقراط امتزجت بأبحاثه الخلقية، فقد ربط بين الفضيلة والمعرفة حيث ذهب إلى أن الفضيلة هى ثمرة المعرفة أما الرذيلة فهى نتيجة الجهل، فالإنسان لا يمكنه أن يعيش سعيدا إلا إذا حقق عمليا القاعدة التى تقول "اعرف نفسك بنفسك" إذ يستطيع عن طريق معرفة نفسه أن يعلم النافع له ويستمد من الحياة ما ينبغى أن تعطيه، فمتى عرف الخير حرص على فعله، ومتى عرف الشر حرص على تجنبه، وقد رد سقراط المعرفة والأخلاق إلى العقل وكانت طريقته فى المعرفة هى الجدل الذى يولد الحقيقة.

وعند أفلاطون لا يمكن فصل نظرية المعرفة عن نظريته العامة فى الوجود . فهو يميز بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ومعرفة الأول هى معرفة ظنية، أما معرفة الثانى فهى معرفة يقينية، كما أن أفلاطون قد قرن أبحاثه التى تتعلق بالمعرفة بالجدل صاعدا ونازلا .

أما أرسطو فقد ارتبطت المعرفة عنده بأبحاثه فيما وراء الطبيعة فليست حدود عنده فاصلة بين المعرفة كنظرية وما يرتبط بالميتافيزيقا من مشكلات وقضايا وما يتصل بالأبحاث المنطقة الخالصة .

أما الفلسفة الحديثة فقد اتخذت من مبحث المعرفة أو الأبستمولوجيا منطلقا لها، حيث تحرر الفلاسفة المحدثون من ضيق أفق ثقافة العصور الوسطى وحاولوا معرفة قدرات الإنسان الهائلة وإمكاناته فى مجال دراسة الطبيعة .

وعلى أية حال فقد اتسمت المرحلة الحديثة بنظرة عقلية تختلف فى جوانب عديدة عن نظرة الفترة الوسيطة، ومن هذه الجوانب تضاؤل سلطة الكنيسة وتزايد سلطة العلم . غير أن سلطة العلم التى أقر بها معظم فلاسفة الحقبة الحديثة هى شئ مختلف غاية الاختلاف عن سلطة الكنيسة من حيث كونها سلطة عقلية وليست سلطة حكومية . فليس ثمة عقوبات تقع على من ينبذونها وليس ثمة حجج متعلقة تؤثر فيمن يتقبلونها، وإنما هى تتغلب فقط بمناشداتها الفعلية للعقل . زد على ذلك أنها سلطة تدريجية جزئية فهى لا ترسى – على نحو ما تفعل العقيدة الكاثوليكية ككل - نسقا كاملا يغطى قواعد السلوك الإنسانى والآمال الإنسانية وماضى تاريخ العالم ومستقبله، وإنما هى تبدى الرأى فيما يبدو فى العصر مؤكدا تأكيدا علميا، وذلك كجزيرة صغيرة فى محيط الجهل.(1)

وتختلف سلطة الكنيسة أيضا عن سلطة العلم من حيث إن ما تعلنه سلطة الكنيسة هو أمر يقينى يقينا مطلقا وثابت ثبوتا سرمديا . بينما قرارات العلم قرارات مؤقتة وقائمة على أساس من الاحتمال، وينظر إليها على أنها قابلة للتعديل . وقد نجم عن هذا موقف ذهنى يختلف غاية الاختلاف عن مثيله عند صاحب العقيدة فى العصور الوسطى(2). وهذه النظرة العقلية الحديثة أخذت تبحث فى قدرات الإنسان المعرفية وحدود معرفته .

والأبستمولوجيون يحاولون - بوجه عام - الإجابة عن العديد من التساؤلات مثل: ما هى المعرفة الإنسانية؟ وما مصدرها؟ هل مصادر معرفتنا هى الإدراكات الحسية أو القوى العقلية؟ وكيف نعرف الأشياء الخارجية؟ وهل الإنسان لديه القدرة على اكتساب المعرفة وبلوغ درجة اليقين فيها؟ هل يستطيع أن يكون معرفة عن الماضى والمستقبل وهل يمكنه إدراك الحاضر وما طبيعة المعرفة الإنسانية وحدودها؟ وما العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف ودور هذه العلاقة فى فعل المعرفة ... الخ . ويختص مبحث المعرفة بمناقشة هذه القضايا إذ يركز على بحث موضوع إمكان المعرفة ووسائلها وطبيعتها، وذلك كما يلى:-

1- إمكان المعرفة

يدور هذا الجانب من مبحث المعرفة حول إمكان قيام المعرفة الإنسانية وحدودها ودرجة اليقين فيها . وتوجد عدة اتجاهات فلسفية لكل منها موقفه من هذه القضية، وأبرز هذه الاتجاهات اتجاه الاعتقادين الذين يؤمنون بقدرة الإنسان على اكتساب المعرفة وإدراك الحقيقة ومعرفة كل شئ معرفة صحيحة . واتجاه الشك الذى يؤمن أنصاره بعدم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة .

ولقد صنف سكستوس امبريقوس Sextus Empiricus فلاسفة الشك واليقين إلى ثلاثة أصناف: الاعتقاديون أو الديقماطيون Dogmatics الذين يعتقدون أن الإنسان لديه القدرة على اكتساب المعرفة الموضوعية ومنهم أفلاطون وأرسطو والأبيقوريين والرواقيين، والصنف الثانى يشمل الأكادميين Academics الذين يرون أن المعرفة الموضوعية مستحيلة، والصنف الثالث هم الشكاك Sceptics الذين يرون أن الإنسان عاجز عن تقرير الموضوعية أو إنكارها .(3)

وموقف الشك لم يوجد عند أنصاره بصورة واحدة فهناك من شك فى قدرة العقل على اكتساب المعرفة، ومن شك فى قدرة الحواس، وهناك من شك فى قدرة العقل والحس معا . ومنذ بداية التفكير الفلسفى عند اليونان ظهرت نزعة الشك عند كثير من الفلاسفة وعلى سبيل المثال نجد بارمنيدس parmenids قد شك فى الحس وزعم أن المعرفة ليست مدركة بالحواس وإنما ندركها فقط بوسائل العقل، فالطريق الوحيد المؤدى إلى الحقيقة هو العقل ... كما نجد هيراقلطيس قد شك فى العقل واعتقد أن موضوعات المعرفة هى المحسوسات أى يمكن التوصل إليها فقط بوسائل التجربة الحسية .(4)

ومن الفلسفات التى نشأت على أساس الشك فى المعرفة العقلية أيضا واعترفت بشهادة الحس وحده فلسفات السوفسطائيين هؤلاء الذين أرجعوا المعرفة إلى التجربة الحسية واعتبروا أن الحق هو ما تكشف عنه هذه التجربة، ولما كانت التجربة الحسية مختلفة من فرد إلى آخر فإنهم قد أكدوا أن الحقيقة هى ما تبدو لكل فرد . ونجد ذلك واضحا عند بروتاجوراس فى عبارته المشهورة " إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا، فهو مقياس أن الأشياء الموجودة موجودة وأن الأشياء غير الموجودة غير موجودة " وهذا معناه باختصار أن ما يدركه الفرد على أنه حقيقى فهو حقيقى بالنسبة له وما يشعر به الفرد على أنه صادق فهو كذلك .(5) ومن ثم تبطل الحقيقة المطلقة وتحل محلها حقائق متعددة بتعدد الأفراد، بل وبالحالات المختلفة للفرد الواحد. ويعد جورجياس Gorgias من أبرز الشخصيات السوفسطائية فى الإسراف والمغالاة فقد قدم ثلاث حجج ليثبت عدم وجود أى شئ وعرض هذه الحجج فى كتابه "اللاوجود " Non Existent وهى:-

- لا يوجد شئ .

- ولو وجد شئ فلا يمكن معرفته .

ج- حتى لو أمكن معرفته فلا يمكن نقله إلى الغير(6).

أما الاعتقاديون فإنهم ينقسمون إلى قسمين:-

قسم سطحى ساذج يمثله رجل الشارع وهم أولئك الذين يعتقدون ببراءة وبدون نقد أو تمحيص ما يشاهدونه أو يسمعونه أو يقرءونه ... الخ، بل أنهم لا يتصورن لحظة واحدة إمكان قيام ضد ما هو صدق لديهم . على أننا نجد لهذا جذورا لدى فلسفات الطبيعيين اليونانيين القدماء الذين تصورا إمكان تفسير العالم الطبيعى كله دفعة واحدة بالقول مثلا أن أصله الماء أو الهواء أو غير ذلك من العناصر الأولى . أما القسم الثانى فهو يمثل أولئك الذين ظهروا بعد أن كثرت نزعات الشك وانتشرت فى التفسيرات الفلسفية الساذجة . حيث رأى هؤلاء ضرورة قيام مذهب له أصوله وقواعده كفلسفة وكمعرفة ليعيد إلى الحقيقة يقينها بعد أن سلبها الشك ذلك اليقين .(7)

2- أدوات المعرفة

يدور هذا الجانب من مبحث المعرفة حول منابع المعرفة أو مسالكها أى الطرق والوسائل والأدوات التى تستمد منها المعرفة . ومن أبرز الاتجاهات التى بحثت فى مصادر المعرفة: العقليون الذين يرون أن العقل هو مصدر المعرفة، والتجريبيون الذين يرون أن العقل قبل التجربة صحيفة بيضاء خالية من العلم فلا شئ فى الذهن ما لم يكن قبل الحس، فكل معرفة مرجعها إلى التجربة ومصدرها العالم المحسوس . والنقديون الذين يرون أن العقل والتجربة معا ضروريان لبناء المعرفة، فالتجربة الحسية تقدم لنا شتاتا مبعثرا من الاحساسات ويقوم العقل بمقولاته المختلفة بتنظيم هذه الاحساسات وصياغتها فى صورة منظمة فتنشأ المعرفة الصحيحة . وأخيرا أنصار نزعة التصوف الذين يرون أن المعرفة إشراقية بالدرجة الأولى أى أن طريقها يتحدد فى الفيض الإلهى والأشراقية النفسية، إنها هبة من الله يتلقاها الصوفى بقلبه ولا يمكنه أن يبوح بها .

3- طبيعة المعرفة

يختص هذا الجانب من مبحث المعرفة بدراسة طبيعة المعرفة لتحديد ما إذا كانت المعرفة واقعية أم مثالية . وأنصار الواقعية يرون أن موضوع المعرفة مستقل عن قوانا العارفة، أما أنصار المثالية يرون أن موضوع المعرفة مطابق لأفكارنا .

وللواقعية صور كثيرة فى تاريخ الفكر الفلسفى فهناك الواقعية الساذجة والواقعية التمثيلية والواقعية الجديدة ... ومن الواضح أن موقف الواقعية الساذجة لا يختلف كثيرا عن الموقف الطبيعى للإنسان العادى الذى يقوم على الإيمان والاعتقاد بأن أشياء العالم والموضوعات الخارجية هى مثلما تبدو لنا ذات واقعية منفصلة عنا وبالتالى أن معيار صدق معرفتنا بها هو كونها صورا مطابقة لها . كما يقوم هذا الموقف على القول بأن للأشياء خصائص وكيفيات تنطبع على حواسنا وتنعكس على أعضائنا الحسية . وهذا ما يؤدى إلى وجود مطابقة كاملة وتشابه تام بين الشىء كما هو موجود أى الشىء فى واقعيته والشىء كما ندركه وكما تنتقل صورته إلى أذهاننا، تماثل تام أو مطلق بين موضوع الواقع وموضوع المعرفة(8).

ويؤمن أنصار الواقعية الساذجة بالقضايا التالية:-

1- هناك وجود لعالم الموضوعات الطبيعية (الأشجار، المبان، الهضاب ...... الخ) .

2- يمكن التعبير عن هذه الموضوعات بصورة حقيقية عن طريق التجربة الحسية .

3- لا توجد هذه الموضوعات فقط عندما تكون مدركة، بل هى موجودة أيضا فى حالة عدم إدراكنا لها، إنها مستقلة فى وجودها عن عملية الإدراك .

4- نحن ندرك العالم الطبيعى كما هو فى الواقع بحواسنا وادعائنا بأن لدينا معرفة عنه هو أمر ثابت ومبرر .

5- ويمكن تحديد انطباعنا عن الأشياء الخارجية عن طريق الأشياء ذاتها(9).

وهكذا نلاحظ أن موقف الواقعية الساذجة هو موقف غير نقدى، وغير تحليلى، وهو أقرب إلى الموقف الطبيعى منه إلى الموقف الفلسفى فهو يتضمن بصورة بديهية غيابا مطلقا للفكر النقدى وخاصة وأنه يقبل بشاهدة الحواس ويثق فى أمانة ما تقدمه لنا عن الواقع الخارجى.

أما الواقعية التمثيلية Representative realism فهى تقوم على أن الإدراك الصحيح هو الوعى المباشر بالأفكار الحسية التى تمثل بدورها الموضوعات الخارجية ويعتبر جون لوك 1632 – 1704 هو الممثل الرئيسى لهذه الواقعية فهو يرى أن الموضوعات الخارجية تبدو لنا بطرق مختلفة، فنحن نقول فى الحياة اليومية أن الشجرة لها حجم معين وشكل معين ووزن أو ثقل وصلابة ... الخ إلا أن هذه الخصائص ليست من نوع واحد . إنها تنقسم إلى قسمين خصائص أولية وخصائص ثانوية، الخصائص الأولية للموضوع هى تلك الخصائص التى توجد فيه، فى ذاته، سواء أكانت هذه الخصائص مدركة أم لا فإنها موجودة فى الموضوع، الخصائص الأولية إذن هى خصائص جوهرية، أما الخصائص الثانوية فهى مثل اللون والرائحة والتذوق ... الخ وهذه الخصائص ليست على الإطلاق خصائص حقيقية بالنسبة للموضوع، فهى ليست متأصلة فيه، بل هى أفكار لدينا نتزود بها.(10)

والواقعية الجديدة أو المتقدمة نجدها عند العديد من الفلاسفة مثل صمويل ألكسندر وهوايتهد ومور ورسل وغيرهم . وفى مثل هذا النوع من الواقعية، يكون المفكر أو الإنسان داعيا ومحللا وناقدا ومركبا لظواهر العالم الخارجى ولا يكتفى بالتسجيل وحسب.(11)

أما المثاليون فقد انقسموا بدورهم أقساما متعددة، فهناك المثالية الذاتية التى تقرر أن الحقائق والمعارف توجد فى ذاتنا وفى داخل عقولنا وأننا ولدنا بها وهى فطرية فينا، والمثالية الموضوعية التى تقرر أن الحقائق والمعارف توجد فى موضوع خارجى لكنها ليست حقائق تجريبية وليست معارف حسية بل هى حقائق ومعارف مثالية، ومثال ذلك المثالية الموضوعية عند أفلاطون . وهناك المثالية المطلقة التى تقرر أن المعرفة ذات طبيعية مثالية بحتة، فالذات والموضوع معا أصبحا من طبيعة مثالية خالصة، ويمثل هذا التيار المثالى هيجل فى ألمانيا، وبرادلى وبوزانكيت وجويكم فى إنجلترا ورويس فى أمريكا وكروتشه فى إيطاليا .... الخ (12)

ثانيا: اتجاهات المعرفة

اتجاهات الفلاسفة فى المعرفة كثيرة ومتنوعة، ويمكن التمييز بين أربعة اتجاهات أساسية: الاتجاه العقلى، والاتجاه التجريبى، والاتجاه النقدى والاتجاه الصوفى .

1- العقليـون

العقليون يؤمنون بالعقل وقدرته المطلقة التى لا يحدها حد فى اكتساب المعرفة وتكوينها، ذلك لأن العقل عند الولادة يكون مزودا بمجموعة من الأفكار والمبادئ الفطرية التى تعد أصل كل معرفة بشرية . وتتميز هذه الأفكار الفطرية بالوضوح والتميز وبالتالى لا يمكن أن تكون موضع شك على الإطلاق . والعقل بأفكاره الفطرية هو القوة القادرة وحدها على إدراك الحقيقة المطلقة وحل جميع المشكلات المتعلقة بالوجود الإنسانى وتبرير قضايا الميتافيزيقا .

ولقد انطلق هذا الاتجاه العقلى من سقراط الذى وجه الفلسفة من البحث فى الطبيعة إلى البحث فى النفس الإنسانية وهو الذى وضع للناس المنهج الذى يؤدى إلى إثبات حقائق الأشياء بعد أن ضاعت الحقائق أمام تيار السفطسة الجارف فى عصره .. وهو الذى حارب السوفسطائيين فى تعاليمهم الآخذة بالشك والنسبية والاستناد إلى الحس، وكانت رسالته بإزاء هؤلاء السوفسطائيين هو القول " بالمعانى " أو " الماهيات " وهى الحقائق الثابتة فى مقابل الاحساسات المتغيرة والحقائق النسبية مع محاولة تعريف تلك الماهيات . ولقد رأى سقراط أن العلم بالحقائق لا يحصل بالتلقين أو يكتسب بالتعليم، وإنما يمكن فقط أن يستدرج العقل وأن ينبه إلى العلم بالمحاورة والمجادلة لتوليد الحقائق منه . " وأن تعرف نفسك بنفسك هو أن تولد تلك الحقائق من أعماق نفسك " (13)

ثم جاء أفلاطون من بعد سقراط فخطا خطوة أوسع فى سبيل وضع أسرار هذا الاتجاه العقلى ... فلقد رأى أن النفس أزلية أبدية وكانت تحيا فى عالم المثل حيث عرفت قيم الحق والخير والجمال ومعانى الفضيلة والسعادة ثم هبطت إلى عالم المحسوسات، عالم الأوهام والأشباح والشرور وارتبطت بالجسد الذى سجنها وحجب عنها كل ألوان المعارف السابقة، ومن ثم أصبحت المعرفة عند أفلاطون مجرد تذكر لما كانت تعرفه النفس من قبل فى عالم المثل من حقائق أزلية ثابتة، ولذلك يعرف أفلاطون التذكر بأنه " عملية لكشف ما قد طواه النسيان بفعل الزمن والإهمال " (14) .

يؤسس أفلاطون إذن المعرفة على استرجاع ذكريات النفس لما شاهدته فى عالم المثل فالعقل يمكنه أن يصل إلى المبدأ الأول لكل شئ دون أن يستخدم أى موضوع محسوس وإنما يقتصر على المثل بحيث ينتقل من مثال إلى آخر وينتهى إلى قمة المثل .

ولتوضيح ذلك يستخدم أفلاطون تشبيها مشهورا هو تشبيه الكهف، فيصور فيه عامة الناس مقيدين منذ طفولتهم بأغلال فى كهف مظلم تطل فتحته على النور الخارجى ولا يستطيع السجناء أن يروا إلا ظلال ما يمر خارج الكهف من موجودات حية ومن مصنوعات . فإذا تمكن أحدهم أن يتحرر من قيوده فخرج من الكهف ورأى الحقائق مباشرة انبهر بصره لوهج الضوء فيعمد إلى تمرين بصره على رؤية الأشياء منعكسة تارة على صفحة الماء أو على المرايا فيمكنه بعد ذلك النظر فى النور إلى الأشياء وبعد أن يألف النور ينظر إلى السماء فيرى الكواكب والنجوم وفى النهاية يمكنه أن ينظر إلى الشمس ذاتها فيعلم أنها مصدر الضوء وعلة الرؤية، وبفضل حرارتها تستمد الموجودات حياتها . وفى هذا التشبيه يلجأ أفلاطون إلى استخدام الرموز فعالم الكهف هو العالم الحسى الذى تظنه العامة عالم الحقيقة وما هو إلا عالم الظلال والأشباح . أما العالم الخارجى الذى تغمره الشمس بضيائها فهو عالم الحقائق العقلية أو عالم المثل .(15)

إن الذين يثقون فى الاحساسات وينصرفون إليها هم سجناء الأرض الذين لا يرون إلا أشباحها وخيالات يظنونها الحقائق لكنهم لو أداروا ظهورهم إلى ما وثقوا فيه وسجنوا عليه، وإنما يكون ذلك بفك وثائقهم الحسى بالجدل الذى يصعد بهم عن طريق العقل إلى الماهيات أو المثل لرأوا الحقائق فى ذاتها وفى بهائها الأبدى ولأثروا صحبتها وعدم التحول عنها ... إن النظرة العقلية هذه عند أفلاطون فوق أنها ذهبت بالمعرفة إلى أقصى حدودها، إلى مثال المثل فإنها فى الوقت عينه نظرة متفائلة، ولذلك يجب أن نضيف إلى سمات المذهب العقلى فى إمكان المعرفة نظرته المتفائلة فى معرفة بغير حدود وفى إمكان تطبيقها والعمل بهديها (16) .

أما أرسطو فهو فيلسوف عقلى أكثر ميلا إلى الواقعية، فلقد أكد بدوره وجود المبادئ العقلية الأولية، فالفكرة عنده ترد إلى فكرة أخرى أعم منها حتى نصل إلى أفكار أكثر عمومية من غيرها ولا نستطيع ردها إلى ما هو أعم منها وهى مبدأ الذاتية وعدم التناقض والثالث المرفوع . وهذه الأفكار قبلية أولية لا يمكن أن يقام على صحتها برهان، وبها يستطيع العقل أن يصل إلى معرفة الحقائق كلها .

وفى العصور الوسطى المسيحية ظل البحث فى نظرية المعرفة معتمدا على إبراز ما فيها من مبادئ فطرية طبيعية فاستخدموا منهج القياس لاستخلاص نتائج معينة من مجموعة من البديهيات أو المسلمات مثل المبادئ الرياضية كمبادئ الكل مساو لمجموع أجزائه، أو الكل أكبر من أى جزء من أجزائه، فلقد قال هنرى مور بخلود النفس وبأنها كانت تحيا فى عالم أكثر رقيا وصفاءا .(17)

ولقد ظل الاتجاه العقلى مسيطرا على الفكر الأوربى منذ سقراط الذى أدرك قيمة العقل وأهميته فى الحياة غير أن الدعامة الأساسية لهذا الاتجاه هى الفكر الديكارتى فى العصر الحديث . فديكارت هو منشئ الفلسفة الحديثة وهو أكثر عقلانية من الفلاسفة السابقين عليه . فهو يرى أن كل المعرفة التى نحصل عليها عن طريق الحواس مشكوك فيها لأنها يمكن أن تكون غامضة، خادعة كما تظهر لنا كل أنواع الهلوسة والأحلام . ويدعى ديكارت أن المعرفة الحقيقية هى التى تأتى عن طريق الرؤيا الواضحة للعقل، فالعقل السليم هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس .

ونجده يقسم الأفكار فى كتابه " التأملات فى الفلسفة " إلى ثلاثة أنواع . أولا: أفكار عرضية أو حسية وهى التى نتوصل إليها عند الاتصال بالعالم الخارجى وهذه الأفكار لا تصلح لآن تكون أساسا لأى معرفة دقيقة . ثانيا: أفكار خيالية أو مصطنعة وهى أفكار من صنع المخيلة ونتائجها وهى أفكار لا وجود لها فى عالم الواقع ثالثا: أفكار فطرية وهى عبارة عن أفكار بديهية حدسية يؤمن بها كل إنسان عاقل، فهى ليست مكتسبة من تجربة وإنما يولد الإنسان مزودا بها كاستعدادات فطرية داخل نفسه، ولذلك لا يمكن الشك فى صحتها لأنها تتصف بالوضوح المطلق وتتميز بثباتها وأزليتها ولذلك فإن العقل وحده هو القادر على أن يكشف لنا طبيعة أى شئ، فعن طريقه نتوصل إلى أننا موجودون وعن طريق التفكير فى كائن كامل نتوصل إلى وجود مثل هذا الكائن ثم نتوصل منه إلى وجود هذا العالم الحسى .

ومجمل القول أن ديكارت يؤكد أن المعرفة الحقة هى التى تستمد من التأمل العقلى الخالص، وهى معرفة أولية قبلية أى سابقة فى وجودها على أى تجربة حسية فنحن نعرفها بدون حاجة للخبرة .

ولقد سار مالبرانش فى الاتجاه نفسه .. بل أنه يصطنع موقف ديكارت بكل دقة ويسهب فى بيانه، وبخاصة فى كتابه " البحث عن الحقيقة " فيتحدث عن أخطاء الحواس وتعارضها فيما بينها وتعارضها مع المعرفة العقلية . ويتحدث عن المخيلة فيقول إنها ليست أكثر تعريفا لنا بالأشياء، وإنها تربط بين الصور بروابط غير عقلية فتسبب أخطاء كثيرة، وتقر فى الذهن معتقدات باطلة ولا يمكن من وجهة نظر مالبرانش أن يقال إن الأفكار غريزية فى النفس فهى متناهية العدد والنفس متناهية . فلا يبقى إلا أن الله هو الذى يحدثها فى النفس من حيث أن الأعلى هو الذى يؤثر فى الأدنى، وأننا إنما نعتقد بوجود العالم لأن الوحى ينبئنا بأن الله خلق سماءا وأرضا وغير ذلك، وفيما خلى الوحى فلا سبيل إلى الجزم بوجود العالم(18) .

أما الفيلسوف سبينوزا فقد قدم لنا كذلك فلسفة عقلانية خالصة إلى حد كبير .. فهو يرى ضرورة التفكير قبل كل شئ فى وسيلة شفاء العقل وتطهيره لكى يجيد معرفة الأشياء وهذه الوسيلة هى التمييز بين ضروب المعرفة وتقدير قيمة كل منها لأجل الاهتداء إلى المعرفة الحقة . فهناك معرفة سماعية تصل إلينا بالفعل، مثل معرفتى تاريخ ميلادى ووالدى وما أشبه ذلك وهى معرفة غير علمية، فإذا صرفنا النظر عنها انحصرت المعرفة فى ثلاثة أنواع: (19)

النوع الأول

معرفة بالتجربة المجملة أو الاستقراء العامى، وهى إدراك الجزئيات بالحواس على ما يتفق بحيث تنشأ فى الذهن أفكار عامة من تقارب الحالات المتشابهة مثل معرفتى أنى سأموت لكونى رأيت أناسا مثلى ماتوا، وأن الزيت وقود للنار، وأن الماء يطفئها. هذه المعرفة متفرقة مهلهلة، وأصل اعتقادنا بهذه الأفكار وأمثالها أننا لم نصادف ظواهر معارضة لها .

النوع الثانى

معرفة عقلية استدلالية تستنتج شيئا من شئ، كاستنتاج العلة من المعلول دون إدراك النحو الذى تحدث عليه العلة المعلول أو هى معرفة تطبق قاعدة كلية على حالة جزئية كتطبيق معرفتى أن الشىء يبدو عن بعد أصغر منه عن قرب على رؤيتى للشمس، فأعلم أن الشمس أعظم مما تبدو لى . هذه المعرفة يقينية، ولكنها هى أيضا متفرقة لا رابطة بين أجزائها .

النوع الثالث

معرفة عقلية حدسية تدرك الشىء بماهيته أو بعلته القريبة . مثل معرفتى أن النفس متحدة بالجسم لمعرفتى بماهية النفس أو مثل معرفتى خصائص شكل هندسى لمعرفتى تعريفة، وأن الخطين المتوازين لثالث متوازيان . هذه المعرفة هى الكاملة لأن موضوعاتها معان واضحة متميزة يكونها العقل بذاته ويؤلف ابتداء منها سلسلة مرتبة من الحقائق، فيخلق الرياضيات والعلم الطبيعى حيث تبدو الحقيقة الجزئية نتيجة لقانون كلى، ويبين العقل عن فعاليته وخصبة واستقلاله عن الحواس والمخيلة .

واضح هنا أن الشكل الأول من المعرفة حسى أما الثانى والثالث فعقليان . النوع الثانى هى المعرفة القائمة على العقل، هى معرفة عقلية استدلالية وفى هذا النوع من المعرفة تستنتج الحقائق بالبرهان، لكنها ليست معرفة مباشرة أما النوع الثالث فهو المعرفة التى تستند إلى العقل أيضا ولكن بدون توسط البرهان . إنها حقائق عينية حدسية يدركها العقل مباشرة وهى يقينية كالحقائق البرهانية ولكنها أكثر منها وضوحا وتميزا وتتجلى نزعة إسبينوزا العقلانية واضحة فى تقييمه لكل من هذه الأشكال . فهو يحط من قيمة المعرفة الحسية ليرفع من شأن العقل، وينكر أن يكون بوسع التجربة إعطاء معرفة يقينية وهو لا يرى فى التجربة معيارا ليقينية المعرفة، ومن هذه الناحية تبدو نزعة إسبينوزا العقلانية أشد جلاء لدى سلفه ديكارت .(20)

واقتفى لبينتز خط ديكارت فى إيمانه بوجود أفكار فطرية فى العقل ولكنه رأى أن هذه الأفكار الفطرية ليست جاهزة فى العقل، بل هى موجودة فى شكل بدايات واستعدادات يتوجب نقلها إلى حيز التحقيق، فالعقل عند الولادة ليس ورقة بيضاء نقية، بل هو أقرب إلى أن يكون كتلة من خام الرخام، موجود فيها بالفعل تركيب غير ظاهر من العروق، وهو الذى سيحكم الشكل الذى سيتخذه الرخام عندما ينحته المثال ويعطيه شكلا . (21)

والخلاصة أن أنصار الاتجاه العقلى يؤمنون بأن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وأن المعرفة عبارة عن مجموعة من التصورات أو المبادئ الفطرية الموجودة فى العقل البشرى منذ ميلاد الإنسان .

2- التجريبيون

التجريبيون يؤمنون بأن التجربة هى المصدر الوحيد للمعرفة وأن العقل عند الولادة يكون عبارة عن صفحة بيضاء خالية من أى أفكار ثم تكتسب المعرفة بالاتصال بالعالم الخارجى عن طريق الحواس وينكر التجريبيون العقلانية في كل صورها وينقدون نظرية الأفكار الفطرية.

ويعد الفيلسوف الإنجليزى جون لوك إمام الاتجاه التجريبى فى التفكير الفلسفي .. فهو الذى وضع مشكلة المعرفة بمعناها المعروف لدينا الآن موضع البحث والتعمق، فلا نكاد نلحظ قبل لوك أى محاولة جدية واضحة لدراسة مسائل المعرفة دراسة مستقلة منظمة . كما أنه وجه أنظار الناس فى عصره لكى يفكروا بطريقة أكثر تعمقا فى المشكلات التى كانوا يتناولونها من قبل بطريقة سطحية، وخاصة مشكلات المعرفة من حيث أصلها ومداها ودرجة اليقين فيها . وقدم لوك لمعاصرته دراسات هامة وقيمة خاصة فى التفرقة بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، وتحليل فكرة الجوهر، وتحليل اللغة ومعانى الكلمات . كما أنه طبق الاتجاه التجريبى في الفلسفة علي بحثه في نظرية المعرفة بالذات، كما طبق لوك المنهج الاستقرائى فى الفلسفة، وكان ذلك نتيجة تأثره بالتفكير العلمى وصيغته التى سادت الفكر الإنسانى فى ذلك الوقت .(22)

يرى لوك أن الادراكات الحسية sense - Perceptions هى التى تزودنا بكل المعرفة، وهذه الادراكات واضحة ولا يمكن الشك فيها . كما برهن لوك أولا على عدم وجود أفكار فطرية Innate ideas لأن كل معارفنا تعتمد على الخبرة Experience. أما أفكارنا فلها مصدران أساسيان هما: الإحساس Sensation الذى يزود العقل بخواص المحسوسات والتفكير الذى ينظم ويركب الأفكار، فالعقل ذاته صفحة بيضاء Blank Page كهذه الصفحة التى أكتب عليها الآن، وتكتب عليها الأفكار بالتجربة .(23)

لكن إذا كان لوك يؤكد أن الإنسان يولد وعقله يشبه الصفحة البيضاء التى تخلو تماما من أى معان أولية فطرية أو أى أفكار فطرية، فكيف يتم إعداده أو تشكيله؟ وكيف يتكون لدينا من أى معان أولية أو أى أفكار فطرية، فكيف يتم إعداده أو تشكيله؟ وكيف يتكون لدينا هذا المخزون الهائل من الفكر؟ وكيف يكتسب مواد معرفته؟ يقول لوك: إن إجابتى عن ذلك فى كلمة واحدة هى (الخبرة) فكل معارفنا تستمد منها، فتجربتنا الخارجية وتجربتنا الداخلية تزودنا بكل مواد التفكير . فعن طريق الحواس أو تنتقل إلى الذهن انطباعات عن الأشياء الخارجية، ونتوصل إلى أفكار عن هذه الأشياء كأفكارنا عن اللون الأصفر والأبيض والحرارة والبرودة، والناعم والخشن والمر والحلو . وهذا كله يتم من خلال الإحساس، والعقل هو الذى يقوم بتنظيم هذه الاحساسات أو الادراكات التى تأتى إلينا من الخارج وهذه العملية التنظيمية تتم بما نطلق عليه اسم التجربة الداخلية أو الحس الباطن Internal Sense . فليفحص كل منا أفكاره، ويبحث بدقة فى فهمه وسوف يجد أن كل الأفكار الأساسية التى لديه تختلف عن أفكار مواد احساساته . (24)

وإذا كان بعض المفكرين يرون أن عملية الفهم تنطوى على مبادئ فطرية معينة أو بعض الأفكار الأولية التى انطبعت فى عقل الإنسان وتلقتها الروح فى وجودها الأول، فإن لوك يرفض وجود هذه الأفكار الفطرية، ويكفى فى رأيه إقناع القراء المنصفين بزيف هذه الأفكار، وكيف أن الناس باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط قد يبلغون درجة اليقين دونما اللجوء إلى أى من مثل هذه الأفكار . فأى إنسان يمكنه أن يسلم بسهوله بأنه من غير اللائق افتراض أن الأفكار الخاصة باللون هي أفكار فطرية في إنسان الذى وهبه الله نعمة البصر والقدرة على استقبال الألوان من الأشياء الخارجية عن طريق عينيه . وبالمثل فإنه من غير اللائق أن نعزوا حقائق متعددة للإنطباعات والسمات الفطرية في الوقت الذى يمكن فيه أن نلاحظ فى أنفسنا مواهب قادرة على أن تبلغ معرفة يسيره ومؤكدة بهذه الأشياء كما لو كانت منطبعه أساسا فى ذهننا .(25)

والحقيقة أن هناك مبادئ معينه نظرية وعملية يتفق عليها جميع أفراد الناس ويسلمون بها، وبهذا تجدهم يزعمون أنها لابد أن تكون انطباعات دائمة تلقتها الروح وأحضرتها معها إلى هذا العالم. لكن لو كان هذا صحيحا أى لو كانت هناك بالفعل حقائق معينة تتفق عليها البشرية كلها فهذا من وجهه نظر لوك ليس دليلا علي فطرية هذه الحقائق، بل ليس هناك فى الواقع أفكار يتفق عليها جميع الناس ويجمعون على صحتها . ويقدم لوك أمثلة لبعض المبادئ التى تعتبر – فى نظر بعض الناس – أولية وقد لخصها فى قسمين: نظرية وعملية، نظرية مثل (من المستحيل أن يكون للشىء الواحد وجود وعدم فى الوقت نفسه)، ومبدأ الذاتية ومبدأ عدم التناقض، أما العملية فهى متعلقة بالأخلاق والدين . ويرى لوك أنه لا يوجد إجماع على مثل هذه الافتراضات فهناك عدد كبير من الناس يجهلونها، فالأطفال والمجانين ليس لديهم أقل وعى أو اعتقاد بها، فليس من المعقول، بعد هذا، أن نقول بوجود أفكار فطرية داخل العقل .(26)

ولا غرو بعد ذلك أن يقرر لوك عدم وجود أفكار فطرية موروثة ويؤكد أن كل المعرفة مستمدة من التجربة الحسية وحدها ومن ثم فهو يعارض الرأى القائل بالأفكار الفطرية ويؤكد أن التجربة هى قوام المعرفة كلها، والتجربة عنده تنقسم إلى قسمين: تجربة خارجية تستمد بالإحساس، وتجربة داخلية عن طريق التأمل الباطنى، غير أن الحواس هى التى تعمل أولا ثم يجئ بعد ذلك التفكير وما يتولد عنه من أفكار .

وإذا كان لوك هو إمام الاتجاه التجريبى فإنه لم يكن مبدع هذا الاتجاه، فقد سبقه فى ذلك فلاسفة كثيرون مثل أهل الرواق – فى اليونان – الذين نظروا إلى الإحساس على أنه أول مراتب المعرفة وعمادها، وتوما الاكوينى – فى العصور الوسطى – الذى بين أن معرفتنا كامنة فى تجربتنا، وفرنسيس بيكون – فى بداية المرحلة الحديثة – الذى أشاد بالتجربة واعتبرها القول الفصل فى كل شئ، ولقد تطور هذا الاتجاه التجريبى عند هيوم وجون ستوارت مل وبرتراند رسل وغيرهم .

3- النقديون

النقديون يوفقون بين الاتجاه العقلى والاتجاه التجريبى، فهم يجمعون بين التجربة الحسية والعقل معا فى تشكيل المعرفة، وخير ممثل لهذا الاتجاه النقدى الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط .

حاول كانط أن يوفق بين النزعة التجريبية والنزعة العقلية فذهب إلى أن الحواس تمدنا بالمادة الخام التى تصل إلى العقل فى صورة عشوائية ليس لها أى نظام، ثم يقوم العقل بتحويل هذه الكثرة المتدفقة من الاحساسات إلى صورة منظمة ذات معنى ويتم ذلك بفعل مقولة "الفهم" . بدون التجربة الحسية، إذن تظل مقولة الفهم فارغة جوفاء، وبدون الفهم تظل الادراكات الحسية شتاتا مبعثرا ليس له مضمون .

وهكذا نلاحظ أن كانط يفسر المعرفة بأنها نتيجة لتضافر عاملين: عامل صورى يتمثل فى طبيعة العقل ذاته، وعامل مادى هو عبارة عن الادراكات الحسية الخارجية المبعثرة .

4- المتصوفة

لا شك فى أن منهج المتصوفة يختلف تماما عن المناهج الثلاثة السابقة فى المعرفة . فالمعرفة عند المتصوفة ليست عقلية أى لا تتخذ من العقل منهجا لها، وليست تجريبية أى لا تتخذ من التجربة طريقا لها، وليست نقدية أى لا تجمع بين العقلية والتجريبية، وإنما هى معرفة إشراقية أى تأتى عن طريق الإلهام والفيض الإلهى، وهى تحتاج فى ذلك إلى صفاء النفس البشرية ونقائها حتى تكون مستعدة لأن تتلقى هذا الفيض الإلهى.

ولذلك فقد سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها: فالصوفى من صفا قلبه لله، ومن صفت لله معاملته، فصفت له من الله عز وجل كرامته . وهو أيضا من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر . والتصوف هو تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعى النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ما هو أولى على الأبدية والنصح لجميع الأمة والوفاء على الحقية واتباع الرسول فى الشريعة .(27)

ويعرف أبو نصر السراج الطوسى الصوفية بقوله: "هم أمناء الله عز وجل فى أرضه، وخزنة أسراره وعلمه، وصفوته من خلقه، فهم عباده المخلصون وأولياؤه المتقون، وأحباؤه الصادقون الصالحون، منهم الأخيار والسابقون، والأبرار المقربون، والبدلاء والصديقون، هم الذين أحيا الله بمعرفته قلوبهم وزين بخدمته جوارحهم وألهج بذكره ألسنتهم، وطهر بمراقبته أسرارهم وسبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية، فتوجهم بتاج الولاية وألبسهم حلل الهداية، وأقبل بقلوبهم عليه تعطفا، وجمعهم بين يديه تلطفا، فاستغنوا به عما سواه وأثروا على ما دونه، وانقطعوا إليه، وتوكلوا عليه، وعكفوا ببابه، ورضوا بقضائه وصبروا على بلائه، وفارقوا فيه الأوطان، وهجروا له الإخوان، وتركوا من أجله الأنساب وقطعوا فيه العلائق، وهربوا من الخلائق، مستأنسين به، متوحشين ما سواه (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) .(28)

والصوفى الذى يصل إلى هذه المرحلة أى مرحلة القرب من الله تعالى، يصبح فى حالة من الإلهام والكشف والمشاهدة، فينشغل بحب الله، ويملأ الحق قلبه وجوارحه بفيض من نوره.

المشاهدة والرؤيا والذوق إذن هى طرق المعرفة الاشراقية عند الصوفى، فعن طريقها يمكن إدراك الحقيقة . والرؤية ليست معرفة حسية وليست معرفة عقلية، بل هى فيض من الله سبحانه وتعالى يحدث للصوفى فى حالة الأنس والقرب والاتصال .

وعامة هناك خواص أربع تتميز بها رؤية الصوفى للوجود، وتختلف على أساسها تلك الرؤية عما تقتضيه النظرة العلمية إلى ذلك الوجود:

الخاصة الأولى: هى اعتقاد الصوفى فى الحدس وسيلة للإدراك، وذلك فى مقابل المعرفة الاستدلالية التحليلية التى هى المعرفة العلمية . فالصوفى يعتمد على رؤية للحق تأتى إليه بغتة، وهى تأتى نافذة إلى أعمق الأعماق الخافية وراء الظواهر البادية للحواس وهى بذلك تفرض نفسها على صاحبها فرضا بحيث لا يكون له قبل بردها أو بالتشكك فى صدقها . وبهذه الطريقة يرى الصوفى الحقيقة رؤية مباشرة لا سبيل فيها إلى شك .

الخاصة الثانية: وهى أن الصوفى يوحد الكون كله فى كيان واحد لا يقبل الانقسام ولا التجزئة ولا التحليل، فوهم الحواس هو الذى يحملنا على الظن بأننا نعيش فى عالم من كثرة، ولكن الصوفى برؤيته النافذة إلى ما تخفيه الظواهر لا يلبث أن يرى حقيقة واحدة لا تعدد فيها وإن تعددت تجلياتها .

الخاصة الثالثة: تتفرع من السابقة وهى أن الصوفى ينكر انقسام الزمن إلى ماضى وحاضر ومستقبل، فهو يرى الكل فى لمعة واحدة تضم الحقيقة من أزلها إلى أبدها .

الخاصة الرابعة: هى إزالة الفوارق الموهومة التى نميز بها ما نسميه الخير عما نسميه بالشر، فهذه قسمة لا تمليها علينا إلا مصلحة اللحظة الراهنة، وأما الرؤية الشاملة الكونية الواحدة فلا ترى إلا تلك الحقيقة الواحدة الخالصة والتى لا خير عندها ولا شر، وإنما هنالك الحق فى ذاته وكفى، ومن ثم ترى المتصوفة يتجردون ويتنزهون عن مشاعر البشر المألوفة لنا من غضب ورضى وحزن ومرح وغير ذلك، إنهم لا يحسون الألم فيما يؤلم الناس ولا يشعرون باللذة فيما يلتذ به الناس. إن أمل الصوفى وجهاده ورياضته لنفسه إنما تهدف كلها إلى بلوغه حالة من السكينة التى لا تهزها أعاصير الرغبات والشهوات .(29)

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

كلية الآاب - جامعة طنطا - مصر

...................

الهوامش

1- برتراندرسل: تاريخ الفلسفة الغربية، الفلسفة الحديثة، ترجمة:  د. محمد فتحى الشنيطى، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977، ص ص 5 – 7 .

2- المرجع نفسه ص 7 .

3- Stumpf , samyel , E; Philosephy, History and Problems , New York 1975 , pp 237 – 242 .

4- Sheiden p. Petererund and theodore; centemporary Philosophy and Its Origins London 1968, p. 121

5- Ibid , p . 122 .

6- W.K. C. Guthrie ; The Greek Philosophers from Thales to Aristotle London p, 68 .

7- د. على عبد المعطى محمد: المدخل إلى الفلسفة، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1987، ص ص 27 – 28 .

8- د. سالم يفوت: فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، بيروت دار الطبعة ط1 1986، ص 36 .

9- Hospers Hohn ; Introduction to philosophical analysis p. 494 .

10- Ibid , pp 496 – 497 .

11- د . على عبد المعطى محمد: المدخل إلى الفلسفة ص 36 .

12- الموضع نفسه .

13- د . محمد ثابت الفندى: مرجع سابق ص 150 .

14- أفلاطون: محاورة فيدون، ترجمة، د . زكى نجيب محمود القاهرة ط2 ص 49 .

15- د. أميرة حلمى مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار المعارف ص ص 173 – 174 .

16- د. محمد ثابت الفندى: مرجع سابق ص ص 173 – 174 .

17- د . عزمى إسلام: جون لوك القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر ص 24 .

18- د . يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف ط6 ص 99.

19- المرجع نفسه ص ص ص108 – 109 .

20- جماعة من الأساتذة السوفيات: موجز تاريخ الفلسفة، ترجة وتقديم، توفيق سلوم، بيروت، دار الفارابى ط1 1989 ص 174 .

21- جيمس جينز: الفيزياء والفلسفة: ترجمة جعفر رجب، دار المعارف ص 54 .

22- د . عزمى إسلام: جون لوك ص ص ص 18 – 20 .

23- Geuld , james A ; Classic philosopgical questions London 1961 . p 198 .

24- Paulk . Moser and Around vandet Nat ; Human Knowledge New York 1987, pp – 133 – 130 .

25- Ibid , p – 130 .

26- Gould , james A: Op- cit, pp 204 – 205 .

27- د. محمد عاطف العراقى: ثورة العقل فى الفلسفة العربية، دار المعارف 1978 م ص ص 127 – 128 .

28- الطوسى " أبو النصر ": اللمع، دار الكتب الحديثة 1960 ص 19 .

29- د. زكى نجيب محمود: المعقول واللامعقول فى تراثنا الفكرى، دار الشروق ط4 1987م ص ص 376 – 380

 

hatam hamidmohsinليس من السهل إعطاء تعريف واضح لمفهوم "التنوير" The Enlightenment، ولكن بعبارة اوسع يمكن اعتباره كحركة فكرية تمتد في اصولها الى القرن الثامن عشر واستلزمت تغييرا راديكاليا في الطريقة التي نظر بها الفلاسفة لدور العقل. وبعبارة مبسطة، اكتسب العقل مكانة عليا لم يتمتع بها من قبل ولدرجة استبدله البعض بالايمان كأساس في فهم كلا العالمين المادي والاخلاقي. العديد من المفكرين عبّروا عن الموضوعات الاساسية لأفكار التنوير لكن مفكرا واحدا وهو عمانوئيل كانط جسّد افكاره لدرجة اصبحت مرادفة للتنوير. في مقالة له بعنوان "ما هو التنوير؟"عام 1784 لخّص كانط الفكرة الاساسية كالتالي:

" التنوير هو انبثاق الانسان من حالة الاّ نضج غير المرغوبة. عدم النضج هو عدم قدرة المرء على استعمال فهمه الخاص دون إرشاد من الآخرين".

بالنسبة لكانط، التنوير هو المقدرة والشجاعة في التفكير لأنفسنا، ومقاومة التقاليد والأعراف والسلطة كمصادر للحكمة والمعرفة. هذه الفكرة كانت واستمرت كواحدة من أعظم الافكار المثيرة والشائكة في تاريخ الفلسفة. اساس الفكرة هو ان العالم قابل للفهم بواسطة الذهن الانساني. التنوير ايضا أعلن عن فهم جديد لأهمية الفرد الذي اصبح الآن قادرا ليقرر لنفسه في كل من مجال الحقائق التجريبية والقيم الاخلاقية.

ان الجذور التاريخية للفردانية الجديدة هذه يمكن العثور عليها في الصراعات الدينية للقرن السابع عشر، والتي تطلبت الى جانب اشياء اخرى الحاجة الى الضمير والضوء الداخلي لإرشاد حياة الفرد بدلا من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

كانت الحاجة للتسامح محدودة جدا، والعديد من الجماعات الدينية الجديدة كانت ذاتها غير متسامحة، لكن النقاشات المتزامنة مع اعمال كوبرنيكوس وغاليلو وآخرين هي التي اطلقت عفريت التنوير من سباته.

ان خطوط المعارك الفكرية بدأت حالا بين قادة الأفكار الجديدة واولئك الذين اعتبروها خطيرة ولم يُخطط لها بعناية. المرحلة المبكرة تضمنت إعلان ادموند بورك Edmund Burke بان ما يراه من فخر مفرط بالعقل قاد الى رعب الارهاب اثناء الثورة الفرنسية. في كتابه "تفكير حول الثورة الفرنسية "( 1790(، وقف بورك مع التحيز او "الحكم المسبق"ضد "العقل العاري" على اساس ان التحيز ينطوي على "الحكمة الكامنة" للتقاليد والعادات المتأسسة جيدا. في عمل كهذا، يكون بورك وضع الحجر الاساس للمحافظة السياسية الحديثة. العقل وحده، كما يرى، اساس غير موثوق للفعل الاخلاقي ويميل للانحراف بسهولة. بكلمة اخرى، اي شيء ربما يتم تعقّله، وان التفكير المعقول ربما يقودنا نحو منزلق ينتهي بنا الى المقصلة. القرنان وربع القرن اللاحقان شهدا تباينا تجاه الحجج ذاتها. في ذلك الوقت، جرى اتهام "التنوير" كسبب في كل لحظة مؤذية في التاريخ الانساني:حيث اشير للتنوير كمحطم للاخلاق، نذير للفردانية السخيفة، لص يسرق المعنى من حياة الانسان، شكل من الامبريالية الثقافية، وهو مسؤول مباشرة او ضمناً عن كل شيء من الهيليكوست وحتى الإحتباس الحراري العالمي.

اما نجاح مفرط او نجاح غير كاف

بالنسبة للمبتدئين، كانت هذه الاتهامات تبدو غريبة وسخيفة، من الغريب حقا الاعتقاد بانفسنا كمصدر للشقاء الكبير، ونرغب ايضا الدفاع عنها بانفعال وحماس . غير ان هذا الإغواء يستحق المقاومة لأنه يكشف ان هناك الكثير من الوضوح يُكتسب من التعامل مع نقاد التنوير باحترام ملائم.

في الحقيقة، بالرغم من اختلافاتهم، فان نقاد فلسفة التنوير يشتركون بعدم الثقة بفكرتها المركزية عن الفرد.فكما تشير قصتهم، فان الفرد ليس كيانا ثقافيا وتاريخيا يستطيع الانفصال عن زمانه ومكانه لتقييم مدى نجاح ذلك السياق في ادراك الموضوعات الكونية المجردة للعقلانية.

بدلا من ذلك، فان ما يشكل عقلا جيدا هو نتاج ظروف ثقافية وتاريخية معينة. فكما ذكر احد الطلاب بتعبير نادر "ان الثقافة هي نهر لا تستطيع اجتيازه باستمرار اذا كنت تحب الطريقة التي تتدفق بها تلك الاشياء." هذا التفكير يمكن العثور عليه في اعمال ميخائيل ساندل والمحافظ الليبرالي جون غراي ومختلف فلاسفة الجماعات التنظيمية الصغيرة communitarian مثل السدار ماكلينتر Alasdair Macintyre الذي يحب ان يقال له الارسطي الجديد. ومن الغريب، ان ادّعاءات مشابهة صدرت عن الماركسيين الجدد لما سمي بمدرسة فرانكفورت، وعن ما بعد الحداثويين مثل ميخائيل فوكلت. هؤلاء الفلاسفة بينهم القليل من المشتركات لكنهم جميعا يشتركون برؤية للمعرفة وللعقلانية تتبنّى تصوراً سيء الفهم للتنوير .

بعبارة مبسطة، المحافظون وفلاسفة الجماعات الصغيرة يميلون لرؤية التنوير باعتباره كان ناجحا جدا، على الاقل كقوة ثقافية، بينما الماركسيون الجدد وما بعد الحداثويون يرون التنوير قصة المحتمل الغير منجز. فمثلا، ادورنو و هوركيمر Adorno and Horkheimer مؤسسا مدرسة فرانكفورت وجدا "تناقضات ديالكتيكية في قلب التنوير". فمن جهة، اعطى التنوير الخيرات من حيث فهمنا التقني للعالم وقدرتنا لإستغلاله. غير انه فشل في تزويدنا بالفهم الأخلاقي لنتجنب الاستنساخ القاسي للعصور الأقل تكنلوجية وبدرجة اكثر قبحا. في عبارة هيوم، العقل بقي "عبدا للعاطفة"وبالنسبة لادورنو و هركمير هذا العبد للآخر صنع كل القلق بقبوله الافكار الفرويدية حول اللاعقلانية ووحشية محفزاتنا العليا. بالنسبة لبورك قادت الثقة المفرطة بالعقل الى المقصلة، لكن ادورنو اعتبر رحلة التنوير قادت الى افران الغاز النازية.

وبالمثل، تهمة الما بعد الحداثويين التي برزت من نقد نيتشة لكانط كانت ان نقد التنوير لجميع الافتراضات لم يكن مكتملا وكان ذو قناعة فردية. اعتبر نيتشة واتباعه الما بعد حداثويين ان فشل التنوير كان فشلا للشجاعة الفلسفية. حينما تجاهل التنوير للادعاءات المبكرة للعقائد الدوغمائية، فانه كان يجب ان ينفتح لتحرير الفكر والاخلاق من فكرة اليقين ذاتها. لكن فلاسفة مثل كانط فشل في الذهاب خطوات أبعد بل قام بدلا من ذلك ببناء انظمة تستبدل القمع القديم.

يقين من نوع جديد جرى تقديسه هذه المرة بالعقل بدلا من الايمان او سلطة القدماء. هذه الانظمة الجديدة للفكر هي ذاتها اصبحت اساطير متحجرة (يصفها الما بعد الحداثويون بسرد السرد) تعمل لتقييد مقدرة الانسان على تعريف واقعه وهويته الخاصة.

حرية ام عدالة؟

ان العجز الظاهر للعقل في توفير اساس صلب للاخلاق، وهو عجز يميل ما بعد الحداثويين ليروه كمحرر، كان باعثا للاحباط لدى المحافظين وانصار الجماعات الصغيرة. فكرة ان الفرد يستعمل عقله للبحث عن حقيقة اخلاقية تنال الدعم من الناس ذوي الاهتمامات المتشابهة، هي فكرة اعتبرها هؤلاء المفكرون خطيرة. طبقا لغراي في كتابه "وجهان لليبرالية 2000"العقل في افضل الاحوال يمكن ان يقودنا الى "اتفاق للتعايش المؤقت او الدائم"وهو نوع من الاتفاق يختلف بين الناس الذين لا يتوفر لديهم مقياس عام للقيم – بدلا من ذلك النوع من الاجماع على القيم الذي حلم به الليبراليون مثل جون رولس في "نظرية العدالة عام 1972".

وباعتباره من ابرز الفلاسفة الليبراليين في القرن العشرين، كان رولس هدفا دائما لنقد كل من المحافظين وفريق الجماعات الصغيرة. تجربته في الفكر الكلاسيكي"الموقف الاصلي"الذي نتصور فيه الافراد تجردوا من اي معرفة بمواهبهم وهوياتهم الخاصة عبر "قناع الجهل"(1) بينما يحاولون تعريف طبيعة المجتمع العادل، قد انتهت الى اعتبارات سلبية. يرى رولس ان "قناع الجهل" عنصرا ضروريا لأي محاولة لفهم متطلبات العدالة بشكل متميز عن متطلبات الذات او المصالح الفرعية. هو اعتقد انه لو جرى إنكار المعرفة بالجنس او الاثنية او اي مظاهر اخرى للهوية، فلا احد سيرغب بمؤسسة للدولة يُسمح فيها بالعنصرية او الجنسانية او اشكال التمييز الاخرى لأنهم سيصبحون ضحايا لها.

المشكلة هنا من وجهة نظر كل من المحافظين و فريق الجماعات الصغيرة هي انه حالما نتجرد من كل خصوصياتنا او من السمات الثقافية المحددة للفرد، فاننا سوف لن نُترك مع باحث موضوعي ومحايد عن العدالة وانما سنبقى بدون اي فرد . من هذه الرؤية، فان هذه الخصوصيات هي التي تشكل الفرد وليست مجرد اشياء عرضية كما يفترض رولس. واذا كان الامر هكذا، فان ما يحدث هو التحليل الاخلاقي وحده تجاه خلفيات التقاليد والممارسات الثقافية المعينة. الاتهام المألوف هو ان الليبرالية خاصة في شكلها الكانطي الجديد /الرولسي، تقود الى شكل ما من النسبية الاخلاقية فيها يُترك الفرد عائما دون اي مصدر ثقافي يمكّنه من المشاركة في محادثات اخلاقية مع الآخرين. الاخلاق تُختزل الى خيار للمستهلك فيه كل فرد يجد مساره الخاص به في عزلة رائعة .

هذه التهمة اُعلن عنها من قبل ماكلنتير في كتابه "بعد الفضيلة"عام 1984 وفيه يدعو للعودة الى الاخلاق التي فيها تُعرّف الفضيلة وفق معتقدات ثقافية مشتركة كمرشد مثالي لحياة الانسان. هذا المظهر من الفكر الماكلنتيري يمكن اعتباره محافظ بعمق وهو مشابه كثيرا لعناصر غراي رغم الاختلافات بينهما. مع ذلك، كلا الكاتبين لم يكتفيا باتهام الليبرالية بالفردانية العدمية بل ادّعيا انها مذنبة بالامبريالية الثقافية المدمرة، هذا كان واضحا في عمل ماكلنتير "لمن العدالة؟اي عقلانية؟(1988)، وايضا جاء متضمنا في عمل غراي "وجهان لليبرالية".

ان اتهام"الامبريالية الثقافية"يسهل فهمه مقارنة بالشك الاخلاقي والنسبية. في النهاية، هدف رولس وقبله كانط كان المجيء باستنتاجات صالحة عالميا حول العدالة تنال موافقة جميع الناس العقلانيين بصرف النظر عن ثقافاتهم. وهكذا فان نوعا واحدا فقط من المجتمع يمكن اعتباره عادلا بينما المجتمعات الاخرى يُحكم عليها اوتوماتيكيا بانها قريبة او بعيدة عن هذا المثال. نتيجة هذا التفكير كان شحن الامبريالية الغربية لتستمر بقمعها ووسائلها المدمرة والتي تجسدت ظاهريا في الايديولوجية الليبرالية لحقوق الفرد. غير ان "الديمقراطية" و "حقوق الانسان" وفّرا لنا حرية تامة في التعامل العنيف مع التقاليد والعادات والمؤسسات السياسية لأي جماعة لاتميل للانسجام مع مستوياتنا. اتهامات مشابهة وجّهها كل من ادورنو وهوركمير، وقد نعترف، ان هذين الماركسيين يشتركان بهذه الرؤية ليس فقط مع غراي وماكلينتر وانما ايضا مع احد اكبر الليبراليين المتشددين في القرن العشرين اسحق برلين.

جادل برلين في مفهومان للحرية(1951) بان هناك نوعان من الليبرالية، احدهما لايستحق حتى اسمها ويطمح لتاسيس حقيقة اخلاقية مشتركة على اساس من الإجماع العقلاني بين الافراد المستقلين. هذه هي ليبرالية كانط. غير ان هذا مستحيل لأسباب ذكرناها سابقا. ماهو عقلاني ليس مصدرا عالميا وانما هو شيء معرّف ثقافيا. بالمقابل، الأساس الملائم للّيبرالية كان يكمن في الاعتراف بان هناك فقط تغيير ملتبس ومستمر في الطرق المتباينة والغير منسجمة للانسان والتي ستقاوم الى الابد الرغبة في الوصول الى إجماع. وهكذا، فان المُثل العظمى للتقدم والكمال في المؤسسات الانسانية لابد من التخلي عنها امام الحياة الانسانية الحقيقية واستحالة تأسيس عقلانية عملاقة لأي مجموعة من القيم المفتقرة لقياس مشترك.

رعب النسبية

 القصة حتى الآن هي ان التنوير وايديولوجيته الوليدة – الليبرالية – يقف في قفص الاتهام بسبب كل من شكّيته الاخلاقية التآكلية وميله للتجريد. لقد لاحظنا كيف ان هذين الاتهامين لهما اصول متشابهة. الافتخار بالعقل ترك الفرد بعيدا عن الحياة الكريمة (الحياة التي تستحق ان تعاش) التي تمنحه اليقين، ليبقى بنوع من الثقة المفرطة الجاذبة لمختلف الاوهام عن العقلانية التي رآها ملاءمة لتُفرض على الآخرين.العلاج لهذا المرض هو ان نصبح متواضعين مرة اخرى: ان نرى بان لا وجود هناك لحقيقة شاملة وان ما موجود هو فقط اتفاقات محلية بين الناس ذوي الاهتمامات المتشابه الذين ليس من مصلحتهم التدخل في شؤون الآخرين . نحن نحتاج للنظر الى مصادرنا الثقافية الخاصة لنربط انفسنا بمصدر آخر كما فعلنا في الماضي.

هذا في افضل الاحوال نوع من الوهم وربما بالنتيجة سيقود الى رعب تام. الوهم يأتي من حقيقة اننا لكي نرى اي لحظة في الماضي كنموذج للإجماع والسلام الاجتماعي فهي لابد ان تخلو من المعرفة بالتاريخ. (غراي يؤكد على هذه النقطة في نقده لفلسفة انصار الجماعات الصغيرة). المجتمعات بحكم طبيعتها تتميز بالصراعات والاهتمامات الفرعية. وكما يدرك كل من الماركسيين وما بعد الحداثويين ان السلطة تمنح جماعات معينة المقدرة على تعريف الواقع والحياة لكل شخص اخر. فكرة وجود نوع سعيد من طريقة مشتركة للحياة ليست اكثر من دهان رديء متكرر لتغطية جروح القمع والصراعات . الرعب ينفجر بسبب عدم وجود فكرة شمولية للعدالة مما يجعل من الصعب تبنّي اي دفاع عن اولئك الذين يتعرضون للقمع . وهكذا يمكن لنا ان نرى ان اتهام النسبية والذي كان دائما ضد الليبراليين هو في الحقيقة ينطبق على متهميهم. الفرق هو في اين تبدأ النسبية واين تنتهي. فريق الجماعات الصغيرة والمحافظون يرون النسبية مشكوك فيها فقط عندما يتخذ الافراد قرارات اخلاقية. بالمقابل، هم مرتاحون للنسبية في مستوى الثقافات لأنهم لايرون هناك مصدر للحقيقة الاخلاقية له سلطة وضع الافتراضات الثقافية امام التساؤل.

التسامح مع الفرد

ان قضية العلاقة الملاءمة بين الجماعة والفرد هي السؤال المركزي في الفلسفة السياسية. الليبراليون من مختلف الاتجاهات يميلون لتفضيل الفرد. الافراد هم انواع قادرة على المعاناة، وهذه الحقيقة تبدو هامة للبعض منا. بالمقابل، الجماعات هي عادة اشياء مشكوك فيها، لها ميل للالتفات الى بعض اعضاءها، وتكون سلبية خصوصا مع من لا ينتمي اليها. هذا احد الاسباب التي تدفع الليبراليين ليكونوا اقل ايجابية من المحافظين و انصار الجماعات الصغيرة حول دور "الجماعات الوسيطة" في المجتمع المدني. الكنائس ومنظمات الجالية وغيرها هي دائما جيدة، لكن مساعدتهم هي عادة مشروطة بقبول المستفيدين لقيم معينة او اجتيازهم لاختبارات محددة. احيانا، كما في الولايات المتحدة حين وُجد في قضية العرق بانه يتوجب على الدولة العمل بفاعلية لحماية الفرد من الجماعة. ربما يقال ان الجماعات مؤلفة من افراد، لكن استنتاجات علم النفس الاجتماعي خاصة تلك المتعلقة بالطاعة او سلوك الناس غير المنتمين الى جماعة محددة ربما يجعلنا حذرين من القبول اللانقدي لمعتقدات الجماعة. هذا يجعل اتهام الاسلوب التنويري "فكر لنفسك" بالمسؤولية عن الجرائم الجماعية يبدو اتهاما مزعجا للعديد من الليبراليين. ان جوهر نقد برلين وغراي للمُثل التنويرية يبدو نوعا من المغالطة المنطقية. هم يتهمون بان المثل الليبرالية للكمال تدفع لنوع من عدم التسامح في الاختلافات. مغالطتهم هي في الاعتقاد ان المثل الليبرالية يمكن تطبيقها على الافراد بدلا من الاطر القانونية او المؤسسات. "الامبريالية الثقافية" الليبرالية هي ليست حول القول بان الخيارات التي يعملها هذا الفرد او ذاك هي خاطئة او غير ملائمة، وانما حول تحدّي المؤسسات التي تجعل مثل هذه الخيارات مستحيلة اينما كانت. نحن يجب ان نكون غير متسامحين تجاه الثقافات والانظمة غير المتسامحة، بينما نرسخ حقوق الافراد في اتخاذ خيارات مختلفة لأنفسهم . قيمة التعددية تعمل فقط في مستوى الفرد لأن قبول القيم غير المتسامحة على مستوى الجماعة يعني القبول بان بعض الافراد في الجماعة سيكونون متحاملين ضدها.

ليبراليو التنوير لا يواجهون صعوبة في تمسّك النظام بمستوى مثالي للتسامح، لكن بالنسبة لغراي وفريق الجماعات الصغيرة مثل ماكلنتير، لا وجود لمثل هذه المستويات في التطبيق. بالنتيجة، نحن نعود مرة اخرى الى بورك في "الانحياز المحلي"، وانه لا يبدو كمكان جيد للبدء لو اردنا وقف اعدام المثليين. المشكلة المركزية تبقى في ايجاد منظور نعمل منه احكاما حول المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية تكون اكثر من مجرد وجهة نظر من داخل تلك المؤسسات .نحن نحتاج لنكون قادرين "للخروج من النهر". قد يكون ذلك مستحيلا، ولكن بالنظر لكل الاسباب التي ذكرناها سنحتاج لخلق موقف نقدي لكي نقيّم ترتيبات محلية معينة.

ثلاثة خيارات

 هناك ثلاثة طرق ممكنة تطرح ذاتها:

1- الاتجاه الكانطي/ الرولسي القديم المرتكز على مبادئ العدالة الممكن اكتشافها بواسطة العقل الكوني. نحن استبعدنا سلفا هذا الاتجاه.

2- الخيار الثاني يستلزم الفكرة الارسطية بان حياة الانسان لها هدف نهائي . المؤسسات والممارسات التي تقيّد مقدرة الفرد على العمل او التحرك نحو الهدف النهائي يمكن اعتبارها غير شرعية. المشكلة مع هذا الخيار انه لا يقوم بالكثير تجاه سبب التسامح الذي كنا نناقشه. ارسطو لديه فكرة محدودة حول ما يجب ان يكون عليه شكل حياة الانسان المثالية، وان تبنّي مثل هذه الافكار كمقياس لنا يُحتمل ان يقود الى استنتاجات سلطوية.

3- الخيار الثالث اقترحه الليبرالي الانجليزي الكبير جون ستيوارت مل، وهو نوع منقّح للموقف الآرسطي فيه لايزال يُفترض امتلاك الافراد لهدف نهائي، لكنه هدف خاص بهم وليس عاما لكل الناس. وفق هذه الفكرة، يصبح لحياة الانسان معنى بقدر ما يتعلق بالمقدرة "على النمو طبقا للقوى الداخلية التي تجعله شيء حي"(حول الحرية، 1859). وهكذا، يرى مل لا وجود لمثال واحد للتطور الانساني وانما فقط طرق ليتميز بها كل واحد منا. هنا يمكن القول ان المؤسسات الثقافية والسياسية يمكن الحكم عليها وفق المدى الذي تكون فيه واعية بهذه التعددية. وبهذا، لا يجب على الافراد اتّباع اي صورة من الكمال، فالمجتمعات والمؤسسات السياسية تكون جيدة او سيئة بالمقدار الذي تسمح لنا لنزدهر انفراديا.

What’s wrong with The Enlightement? not as much as some people think, philosophy Now

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) قناع الجهل veil of ignorance هو طريقة لتقرير اخلاقية القضايا السياسية، اقترحها الفيلسوف الامريكي جون رولس عام 1971 في عمله "الموقف الاصلي". انها تعتمد على ممارسة التصور الذهني: الناس حينما يتخذون قرارات سياسية فهم يتصورون انهم لايعرفون اي شيء حول السمات الشخصية والمواهب والقدرات والاذواق والطبقة الاجتماعية او المواقع التي سوف يشغلونها ضمن النظام الاجتماعي. عندما تختار مثل هذه الاحزاب مبادئ لتوزيع الحقوق والوظائف والموارد في المجتمع الذي يعيشون فيه، فان هذا "القناع من الجهل"يمنعهم من معرفة منْ سيستلم تلك الحقوق والوظائف والموارد في ذلك المجتمع. فمثلا، اذا كان في مجتمع معين 50% من السكان هم من العبيد، يتبع ذلك انه عند دخول المجتمع الجديد فان احتمال 50% من المشاركين سيكونون من العبيد. الفكرة هي ان الاحزاب العرضة لقناع الجهل ستتخذ خيارات مرتكزة على اعتبارات اخلاقية لأنهم لن يكونوا قادرين على عمل خيارات قائمة على مصالحهم الخاصة او الطبقية. يقول رولس"لا احد يعرف مكانه في المجتمع، او طبقته او مكانته الاجتماعية". الفكرة ستنبذ تلك الاعتبارات الشخصية غير الملاءمة اخلاقيا لمبادئ العدالة في توزيع ثمار التعاون الاجتماعي.

ali mohamadalyousifتحتل واقعة الموت مكانة هامة في الوجودية التي تعد (فلسفة الحياة) احد جذورها، ويعد (زمل Zimmel) حلقة وصل هنا، فهيدجر يشير صراحة إلى مفهوم الموت عند زمل، ولكنه يوجه اللوم اليه لانه ينظر إلى المشكلة بيولوجيا فحسب لا (وجودياً)، ويعد (جوته) خير من مثل الرؤية البيولوجية للموت حينما يصفها بأنها (حيلة الطبيعة لضمان المزيد من وفرة الحياة)، ومن ناحية اخرى فأن الرؤية الوجودية للموت تتضمن المغزى الخاص الذي يتخذه الموت بالنسبة للانسان الذي يعرف وحده من بين المخلوقات الحية جميعاً، ان عليه ان يموت وحده الذي يوجد(1).

يعتبر سورين كيركارد أحد أبرز فلاسفة الوجودية (1813-1855)، اول من اشار ان الانسان يعرف ان كل البشر فانون، لكن الفهم الوجودي هو: انني بدوري لابد ان اموت ايضاً، والمعنى الوجودي يختلف فهو عند (ياسبرز) الوجود الانساني، وعند هيدجر الوجود المتعين، والوجود لذاته عند سارتر الذي هو الوجود الفردي الواقعي الذي لا يمكن ان يعرفه معرفة ذاتية الا امرؤ موجود، وتختلف الفلسفة الوجودية اختلافاً جذرياً عن (الانثروبولوجيا الفلسفية) التي تهتم كذلك بالانسان، فالانثروبولوجيا تؤكد محاولة الانسان ان يكشف ما يجعله انساناً يختلف عن بقية الكائنات الاخرى، حيث تؤكد الوجودية انها معنية بالانسان كفرد، وليس الانسان كنوع، والوجودية تدرك وجود الاخرين، لكن العالم باعتباره (كوناً) لا يعنيها، وقد شن كل من كيركارد وماكس شتيرنر هجومهما اللاذع على هيجل، ويعتبر شتيرنر وهو اسم مستعار ليوهان كاسبار شمت (1806-1856) فيلسوف الماني، مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان الذين من ضمنهم ماركس وفيورباخ، الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا، وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة، وينبغي في رأيه المحافظة على الملكية الخاصة، حيث ان ذاتية (الانا) ماثلة فيها (2).

كما اكد شتيرنر ان الانسان المطلق ليس إلا خيالاً (شبحاً) ويرجع ياسبرز سبب اختلاف الفلاسفة الوجوديين، التي لولاها لاخذت الوجودية امتداداً اوسع إلى (الوعي بهشاشة الوجود) ويعتبر هيدجر: (تجربة المضي قدماً نحو الموت) أو عدم الشعور بالانسجام مع العالم، وهي لدى سارتر: التقزز الشامل ازاء الوجود الذي يفصح عن نفسه في صورة غثيان(3).

والوجودية تؤكد مسألتين وان بدتا متناقضتين هما: (الامكان المرعب للاوجود) و (الرعب في الوجود) أو كما يعبر سارتر الشعور بالضياع في عالم عدو، وفي اعترافات لفلاسفة، فأن القديس أو غسطين قال: (انتابني اشمئزازاً هائلاً من الحياة وفزع الموت)، وكذلك بسكال: (حينما افكر في المدى القصير لحياتي الذي يلتهمه الازل، الذي سبقه والذي يليه، وفي الحيز المحدد الذي اشغله... أحس بالخوف... ان الفصل الاخير لعين، يهال بعض التراب على رأس المرء، وهذا هو كل الامر بالنسبة له إلى الابد).

كما كتب كيركارد في يومياته: (الواقع باسره يخيفني من اصغر ذبابة حتى اسرار البعث، وكل شيء عبارة عن لغز بالنسبة لي، واكثرها الغازاً أنا ذاتي، والوجود باسره يبدو مسموماً لي، واكثرها سموماً وجودي، أنا ذاتي، وكم هو فضيع عذابي).

ويقدم (جلوكنز) ليس الموت هو المشكلة الفلسفية وانما انني اموت بالفعل ويقول حين قصصت الحوار على معلمي ريكرت، دمدم محتداً قائلاً: اننا لسنا محتضرين، اننا موتى فحسب.

وقد عاش كيركارد وهو اللاهوتي المسيحي قلقاً لازمه عبّر عنه ما يهمه ليس الموت كواقعة بل، خلاص نفسه من الخلود ومشكلته كانت كيف يحيا حياة بل الاهم كيف يتغلب على شكوكه الدينية.

ويوضح كيركارد فلسفته الوجودية قائلاً (هناك ثلاثة مجالات وجود للحياة، أو ثلاثة مراحل، المرحلة الجمالية، والاخلاقية، والدينية، يعيش فيها الانسان على التوالي حياة مكرسة للمتعة، وللالتزامات الاخلاقية والاجتماعية، وللمقاصد الدينية، غير انه يعيش في كل هذه المراحل ان آجلا أو عاجلاً اليأس والقلق: (ذلك ان الانسان ليس حيواناً، ولا روحاً بلا جسم، وانما هو مركب من الزمان والازل، من النسبي والمطلق، ووقوع توتر قتل امر لا يمكن تجنبه) وما من انسان يمكن ان يهتم بالله دون ان يغدو خاطئاً، ومن هنا ينشأ اليأس الديني الكامن في كل الاديان الطبيعية، ذلك ان الدين هو (المؤشر الخارجي لمرض الخطيئة البشرية الكامن) ووحي الكتاب المقدس الذي ينطوي على مفارقة عن تعالي آله الرحمة، هو وحده الذي يمكن ان يحل هذا اليأس، أما عقلنا فهو ينظر إلى مثل هذا الايمان على انه لا معقول فالانسان محاصر بين استحالة اللاايمان واستحالة الايمان ولايمكن بلوغ الايمان الا من خلال القرار أو العرفية في اللامعقول (4)، بتناقضاتها وضروب عبثها يرغب الانسان في الموت، ويتجنبه في الوقت الذي يتوق اليه (فاذا كان التفلسف يعني تعلم كيفية الموت فأن تعلم كيفية الموت ذاك هو بالفعل شرط الحياة الصالحة، فتعلم الحياة وتعلم كيفية الموت هما شيء واحد) والموت عند ياسبرز ليس فناءاً نهائياً، فالايمان وحده يمكن ان يؤكد ويزعم ان النفس خالدة، والوجود على صعيد الزمان ليس على صعيد الآخر من الموت، بل هو كأبدية في اعماق الوجود التجريبي وان كل وجود أصيل سواء أكان وجود الله أو الانسان، فهو غير متعين ولامتناه (5).

ونأتي إلى هيدجر (1899-1976)، فالوجود Being مفهوم غائم غير محدود، وهناك اشكال ومتعينات وجودية لا حصر لها، والوجود الانساني سابق على التفلسف، وهذا الفهم للوجود هو لب الانطولوجيا باسرها وهو قلب النظرية الفلسفية.

اذن الوجود الانساني وحده فقط يتعيّن ان يوجه له السؤال عن معنى الوجود، ويحدد هيدجر السمات الخاصة للوجود الانساني: (اولا انه وجودي أنا على وجه التحديد) فهو وجود شخصي وفريد، ولكن على الرغم من ان ماهية الوجود الانساني تكمن في وجوده المتخارج- بمعنى علاقته الجدلية بالعالم- وليس بهذا التخارج يفهم الوجود الانساني وان يفهم من خلال اندماج الوجود الفردي في الوجود العام – الكلي، ويوضح هيدجر، بأن الوجود الانساني في تفرده وتميزه أي (ان يكون هناك ارتباط مع) و (صنع شيء ما) و (القيام بشيء ما) و (تنفيذ شيء ما) و (الافصاح) و (التساؤل) و (التأمل) و (المناقشة) و (اتخاذ القرار)، ويؤكد هيدجر ان الوجود البشري كنمط خاص من انماط وجوده في العالم، لا يعني العلاقة مع الطبيعة لانها جزء وجودي هي الاخرى في العالم، ولكنه يريد العلاقة مع العالم والمحيط، الوجود اليومي في العالم، ويتدارك هيدجر الوجود اليومي في العالم، وجود تافه، مزيف، غير اصيل للانسان، فهو وجود ثانوي مستهلك وسطحي حيث انه يعتمد على السماع عن الآخرين ويطلق عليه (السقوط في الناسية) وصحيح ان مثل هذا الوجود يجلب السكينة والارتياح، الا انه يجلب الاغتراب(*)، والقلق بمفهوم هيدجر يكشف (عن العدم الذي يحدد الوجود الانساني).

والتحلل في العالم- أي الاندماج الفردي الوجودي بالكلية، المحيط، المجتمع- يعني فرار الانسان من ذاته، وما يهرب منه الانسان هو الوجود الحقيقي له ، وقلق الانسان لدى هيدجر هو غير الخوف، فالقلق يرتبط بالوجود في العالم بوصفه وجوداً نحو الموت، انه ينبع من وجودنا الانساني نفسه، بل هو الوجود الانساني ذاته ومن ثم فالقلق ليس شيئا نفسيا كما هو المتداول، في حياتنا (6).

وكما ان الوجود الانساني هو وجودي (انا) على وجه التخصيص فكذلك الموت، ومن الممكن ان يموت انسان من اجل اخر، لكنه ما من احد يمكن ان يحرر آخر من الموت، بمعنى ان ينقذه من حتمية موته، والوجود الانساني يموت في الحقيقة طالما هو موجود (بمعنى الانسان يموت لحظة يولد ولو لم يأت للحياة بالولادة لا يقع تحت طائلة الموت الحتمي)، فما ان تدب الحياة في الوجود الانساني حتى يبلغ من العمر القدر الكافي للموت.

ما هو اكثر اهمية ان التحليل الانطولوجي نحو الموت، لا يحسم شيئا فيما يتعلق بما اذا كان وجود آخر أسمى أو ادنى، هو امر ممكن بعد الموت هناك تشكيك واضح من هيدجر ان البعث ويوم الدينونة لا يمكن البرهنة عليها ولا البرهنة على نفيها وهو ما تكرر كثيراً عند عدد كبير من الفلاسفة سبقوه أو جاؤا بعده.

وتتحدث سمات الموت لدى هيدجر بالتالي:

الموت امكانية بالغة الخصوصية من حيث انه ما يخص الفرد لوحده فقط، والموت امكان لا يرتبط بشيء، من حيث جميع العلاقات بمختلف الوان الوجود الانسانية الاخرى تنحل (بعد موت الفرد)، والموت امكان لا يمكن للمرء ان يتخطاه، من حيث انه يمثل الامكان الاقصى (امكان الاستحالة المطلقة للوجود الانساني)(7).

يدين سارتر بالكثير لهيدجر، لكنه لا يسيء تفسيره وانما هو يختلف معه، وربما كان اوضح اختلاف بينهما هو تجربة الموت، ومن معايشة سارتر للموت كعضو في المقاومة الفرنسية للنازية، يقول كنا نعيش المعنى الكامل لهذه العبارة الصغيرة (الانسان فانٍ) وان الموت افضل... وكما يصف (ريلكة) ان الحياة تأهب للنهاية، يعبر سارتر ان الموت يحدثنا عن انفسنا فقط، بل انه يقوم بذلك في الاطار الانساني فحسب، وعلينا ان ندرك (عبث) الموت فالانسان- امام حتمية الموت- يبدو كمحكوم عليه بالاعدام يعد نفسه بشجاعة للنهاية، ولكن خلال هذا الوقت نفسه يموت بالانفلونزا، وقد فهمت المسيحية ذلك وهي تنصحنا دائماً بأن نعد انفسنا للموت، وهكذا اصبح هدف الحياة انتظار الموت، وغدا الموت الخاتم الذي تدفع به الحياة (8).

ويناقش سارتر عبارات هيدجر: (الشيء الاخر الذي لا يمكن لآخر ان يؤديه بدلاً مني، باضفاء هيدجر طابعاً فردياً على الوجود الانساني ذاته، من خلال تصميم الطابع الفردي الـ (أنا) للموت، ويشير كارل ليمان ان هيدجر يتحدث كما لو ان هناك نوعين مختلفين من الموت: الظاهرة الطبيعية التي لا تعني الانسان كوجود، والموت الانساني الفردي المحدد.

ويقول سارتر لا يسعني التحدث عن موتي الا من منظور الذاتية، فذاتيتي هي التي تجعل موتي، موتاً متعلقاً بي، ويختلف سارتر في هذا مع ديكارت ايضاً في القول بأن الانسان في وعيه يدرك في الحال وجود الاخرين وانه اكثر تيقناً من هذا مما هو متيقن من نفسه.

ويستنتج سارتر ان الموت ابداً ذلك الذي يمنح المعنى للحياة، وانما هو على العكس ذلك الذي يحرم الحياة من كل مغزى، واذا كان علينا ان نموت فأن حياتنا تخلو من المعنى لان مشكلاتنا لا تتلقى اي نوع من الحل، ولان معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد (9)، ويضيف سارتر ان الفارق بين الحياة والموت هو ان الحياة تقرر معناها لانها دائماً في (تعطل مؤقت) وهي تمتلك القدرة على النقد الذاتي والتحول الذاتي اللذين يسمحان لها بأن تعرف بأنها لم تتحقق بعد، أما حياة الموتى فقد انتهت فهي لن تكون مسؤولة عن شيء يحدث لها، ويضيف سارتر الموت انه واقعة خالصة شأن الميلاد، يأتي الينا من الخارج ولا يمكن التمييز اساساً بينه وبين الميلاد، وهذا التوحيد بين الميلاد والموت هو ما ندعوه بـ (الوقائعية)(*).

ويصر سارتر على الفصل التام بين فكرة الموت وفكرة التناهي، وعادة ما يتم افتراض ان الموت هو الذي يشكل ويكشف لنا تناهينا، وهكذا فأن الموت يتخذ فكرة الضرورة الانطولوجية، سبق ان مررنا برأي سارتر ان الموت عبث واذا لم نجتزأ افكاره عن سياقها، أو فعلنا ذلك، فأن التناقض واضح جداً بين ان يكون الموت ضرورة انطولوجية، وبين ان يكون عبثاً، فسارتر يؤكد معلومة فلسفية قيلت اكثر من مرات عديدة في كتابات فلاسفة وادباء اللامعقول قائلاً: (واذا كان من العبث ان يتوجب علينا ان نولد فمن العبث انه يتعين علينا ان نموت) والعبث اغتراب دائمي للوجود كأمكانية انني لست حراً في ان اموت، وانما انا فأنا حر (10)، يحدد جاك شورون المفاهيم الاساسية الثلاثة التي تقوم عليها فلسفة سارتر وهي: (السلب) و(الحرية) و (الموقف).

ويتفق سارتر مع هيدجر بأن السلب هو العدم، ويتجاوز هيدجر حين يعتبر العدم ليس متعالياً، أو عالماً اعلى، فالعدم في قلب العالم، في قلب الوجود (كالدودة).

وفي مسألة الحرية يرفض سارتر القول بأن الانسان هو ابعد ما يكون عن صنع نفسه، ويبدو قد صنعه المناخ في الارض، والجنس، والطبقة، واللغة والتاريخ والجمع الذي يشكل جزء منه العوامل الوراثية، والظروف الخاصة لطفولته والعادات المكتسبة، والاحداث الصغرى والكبرى في حياته.

يقول الانسان فانياً حراً، وليس حراً فانياً، وان بمقدور الانسان ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته، وانه ليس هناك حرية الا في (موقف) وليس هناك موقف إلا من خلال الحرية، والواقع الانساني يصطم في كل مكان بعقبات لم يخلقها، لكن ضروب المقاومة والعقبات تلك لامعنى لها إلا من خلال الاختيار الحر الذي هو الواقع الانساني، وهذا الاختيار الحر يستلزم المسؤولية، فالانسان فيما يرى سارتر محكوم عليه بأن يكون حراً، وباعتباره كذلك فأنه يحمل عبء العالم على كاهله، أما ان كانت فلسفة سارتر ستصبح مصدراً لليأس أو تحدياً لتنفيذ حكمه بعبثية الحياة والموت، فذلك امرُ سيعتمد على استعدادنا لاستخدام حريتنا التي دافع عنها سارتر بقوة بالغة للبحث عن معنى الحياة (11).

كانت لحالة القلق إزاء الموت تأثير اعظم على على فكر الفيلسوف المسيحي الوجودي جابريل مارسيل (1889-1973) مما لها على فلاسفة الوجود الاخرين، فالموت يتمثل منذ البداية ذاتها كدعوة دائمة لليأس، وربما يرجع وعي مارسيل الحاد بالفناء إلى موت امه حينما كان طفلاً في الرابعة من عمره، ويعالج لغز الموت ومشكلة الخلود من موقف ايمان حي لا يحده لاهوت، ويتساءل إلى أي حد يصبح النظر إلى مشكلة الخلود، باعتبارها بديلاً بسيطاً يقع بين كون المرء حقيقة وبين كونه وهماً، فهل مثل هذا التعارض بين الحقيقي والخيالي الذي نطبعه على العالم التجريبي قابل للتطبيق هنا؟ وهل يمكن تشبيه الايمان بالخلود بالسراب الخالص؟ وتتجاوز اهمية الايمان بالخلود، عند مارسيل أي شك، وتعتبر وجهة النظر القائلة بأن انكار الخلود سيجعل الحياة ذاتها اكثر قيمة واهمية هي فكرة خاطئة، ويعتبر الايمان بالخلود يجعل الدنيا وبصورة متزايدة دونما قيمة ومتجردة من أي معنى جوهري.

وينظر مارسيل إلى الميتافيزيقيا على انها طاردة لليأس الملازم لفكرة الموت ويؤكد (انني مهتم للعالم وفي الوقت نفسه متجاوزاً له، وان الموت ليس عدماً) و(ان كل فرد هو رمز أو تعبير عن لغز انطولوجي) ولابد من الاقرار بأن الوعي بهذا اللغز قد يكون في ذاته كافياً لمقاومة اليأس النابع من مواجهة الموت (12).

 

 ...................

(1) جاك شورون، مصدر سابق، ص 235.

(2) د. امام عبد الفتاح امام، هامش كتاب الموت في الفكر العربي، ص 236.

(3) جاك شورون، مصدر سابق، ص 236.

(4) المصدر السابق، بتصرف، ص 238.

(5) المصدر السابق، ص 240-242.

(*) لفظة الاغتراب بالانكليزية (alienation) ويرادفها لفظة الاغتراب في الالمانية (Entremdag) وقد وقع المترجم في التباس جعل الغربة والاغتراب معنى لشيء واحد، المؤلف.

(6) جاك شورون، مصدر سابق، ص 240-242.

(7) المصدر السابق، ص 249-250.

(8) المصدر السابق، بتصرف، ص 253-257.

(9) المصدر السابق، ص 259؛ نقلاً عن (جمهورية الصمت) سارتر، ص 624.

(*) يوضح الدكتور امام عبد الفتاح الوقائعية بانها صفة ما هو واقع وتطلق على احوال الانسان التي لا اختيار ولا ارادة له فيها، وهي غير الواقعية بالطبع- المؤلف.

(10) المصدر السابق، ص 264.

(11) المصدر السابق، بتصرف، ص 266- 270.

(12) المصدر السابق، ص 276-278.

 

 

zouhair khouildi"لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث الفلسفة هي الحب ( فيلاين، يحب) أو المهمة. لكن لا شيء يؤكد بأن الايتمولوجيا لها حق. لماذا لفظ ما قد كان يقول الحق؟"1[1]

1- تشتق الفلسفة من الفعل الإغريقي فيلاين الذي يفيد الحب ومن المصدر صوفيا الذي يعني الحكمة ولكن يمكن للفظ الفلسفة أن يتم تطبيقه أولا على فيلسوف معين فيقال على سبيل ذكر فلسفة مارتن هيدجر، وفي مرحلة ثانية على ثقافة معينة فيقال على جهة المثال فلسفة إغريقية، وفي مرحلة ثالثة على ميدان معين فيقال من أجل الإفادة فلسفة الاقتصاد وفلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة اللغة وفلسفة الرياضيات.

لقد كانت الفلسفة لمدة طويلة تفيد المعرفة المطلقة وكان اللفظ يتضمن ما يسمى اليوم جملة العلوم الدقيقة والمعارف الجزئية ويعرف بأم العلوم. كما بقيت الفيزياء في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تسمى الفلسفة الطبيعية. أما المعنى الراهن للفلسفة فيغطي ميدان محدد ومضبوط من الفكر والمعرفة بالنظر إلى إحراز مختلف العلوم على استقلالها وسيادتها على موضوعها من جهة نحت المنهج والجهاز المفاهيمي.

بيد أن المعنى الأكثر قبولا في الوقت الراهن الذي اكتسبته الفلسفة يدور حول الفعالية العقلانية النقدية التي يتم التعبير عنها من خلال الدروس الشفوية المرتجلة والنصوص المكتوبة والحوارات الحية والنقاشات الجادة والتجارب المدونة والمقابلات الفكرية التي تستهدف بلوغ حقائق الكون ومعان الأشياء وقيم الفعل.

على خلاف الدين، الذي ظل طال التداخل والاجتماع بينهما، لم تعد الفلسفة راضية على البقاء في خدمة اللاهوت والدفاع على آراء موروثة وعقدية تند عن كل برهنة موضوعية وتحقق تجريبي وتثبت منطقي.

لقد ضربت على عرض الحائط بالتصورات التقليدية عن المجتمع والعالم التي تم التعبير عنها في الأنساق الميثولوجية وتحولت إلى شكل نوعي من الفكر الذي يقوم بتنظيم مواد المعرفة بصورة منهجية ومنطقية.

لقد قررت اعتماد كتابة مميزة والاشتغال على الأسئلة دون تقديم أجوبة مطلقة واتجهت نحو اعتماد مناهج مستقلة والاشتغال على جملة من المفاهيم ونسق من الرموز والعلامات وتوخي أساليب حجاجية خاصة.

لقد تحركت الفلسفة منذ الإغريق حول قيميتين كبيرتين: قيمة نظرية للحقيقة وقيمة عملية للخير. لقد كانت قيمة الحقيقة الموضوع الخاص بنظرية المعرفة وتصورها للطبيعة ونظريتها الميتافيزيقية، بينما كانت قيمة الخير الموضوع الخاص للفلسفة العملية من جهة الأخلاق والسياسة وشملت بعد ذلك الفن والاقتصاد.

بهذا المعنى يتناول المشكل الفلسفي الذي بقي من أول اهتمامات الفيلسوف في الآن نفسه الفكر والحياة ويجدر بالفلسفة أن تتطابق مع فكرة الحكمة وأن تتحول إلى نموذج الوجود المستمر من التحكم في الذات وتمرين الحرية الباطنية للحكيم في مواجهة ضرورات الحياة واكراهات العالم ومشاكل الواقع الاجتماعي.

2- الفيلسوف هو الباحث عن الحقيقة والمفتش عن المعنى والمشرع للقيمة ولكنه عند الإغريق هو المؤثر للحكمة والمحب للمعرفة ويوجد في منزلة وسطى بين الجاهل الذي يجهل جهله والسوفسطائي الذي يدعي امتلاك الحكمة وبالتالي يطلق عليه صفة الحكيم وتتعلق به مهمة التفكير في الوجود ويقظة الوعي بالذات.

ليس الفيلسوف كائنا مقدسا ولا معصوما من الأخطاء مثل الأنبياء بل يمكن أن تزل به قدمه ويرتكب العديد من الآثام ولكنه يتدارك أمره عندما يقتدر على التمييز بين الصواب والغلط ويعثر على القسطاس المستقيم ومعيار العلم ويصلح نفسه أولا ويسعى جاهدا إلى إصلاح مجتمعه بالابتعاد عن الرذائل وإتيان الفضائل.

لقد وقع فيثاغورس منذ القرن السادس قبل الميلاد نظرية في الرياضيات باسمه وكان أول من أطلق صفة فيلسوف على فئة من الناس تهتم بممارسة التفكير واستنباط القوانين وتأمل الكون واعتبار ظواهر الطبيعية فإذا كانت الآلهة هي التي تحوز على مطلق الحكمة وكليتها فإنه يبقى للبشر محاكاتها وإيثارها على الأقل.

لقد كان هذا الدرس دعوة إلى التواضع والاعتراف بالضعف البشري والسعي إلى كسب العلم على الرغم من أن الحكمة بالمعنى الإغريقي هي المعرفة الأكثر اكتمالا والسير بطريقة منتظمة ومستقيمة وفق العقل.

من هذا المنطلق لا يمكن إعطاء تعريف صارم ونهائي لمفهوم الفيلسوف، بل إن صورته وشكل حضوره في الفضاء الخاص وضمن النقاش العام قد تبدل في العديد من المرات وتغيرت بتطور الأزمنة التاريخية.

لقد حمل لنا التاريخ أن ديوجين اللايرتي كان محبا للحكمة وعاش هائما على وجهه ولم يكتب كتابا فلسفيا واحدا ولم يدرس الفلسفة مثل أفلاطون في أكاديميته أو أرسطو في معهده وأن كانط في القرن الثامن عشر هو أول من جسد شكل الفيلسوف بماهو أستاذ فلسفة يدرب على محبة الحكمة في مؤسسة تعليمية رسمية ويضع أفكاره في مؤلفات فلسفية ويؤثر، وفق قاعدة بيداغوجية مشهورة، تعليم التفلسف على تعليم الفلسفة.

لقد ظهر العديد من المثقفين الملتزمين في عصر الأنوار وأثناء الثورة الفرنسية على غرار فولتير وروسو وأصدروا مواقف تاريخية حاسمة طبيعة الحكم ومستقبل الدولة المدنية وناصروا العلمنة والديمقراطية وأثروا على صورة الفيلسوف ونبهوا إلى أهمية التفلسف والرسالة الحضارية النبيلة للفلسفة في المجتمع. في حين كان ديكارت قريبا من اللاهوتيين من رجال الكنيسة وأطلق على نفسه تسمية عالم وفيزيائي. لكن يبقى الفرق قائما بين الفيلسوف الملتزم والمثقف العضوي وبين المفكر الاستراتيجي والباحث الميداني.

لقد صار الفيلسوف في اللحظة الراهن ذلك المفكر الذي يكتب بحوثا استشرافية ويعبر عن أفكار سياسية ولقد جعله جيل دولوز مبدعا لمفاهيم ومخططا لمسطحات محايثة مقطعا إياها من السديم طارحا عليه مشاكل عصره وباحثا عن صور فكر جديدة تبدع أشكال جديدة من الحياة ومحتفلا ببراءة الصيرورة.

في هذا المقام " على الإنسان أن يكون صارما، على الإنسان أن يقف بثبات وأمان على ساقيه - وإلا فلن يحب على الإطلاق... هل أنصت الناس لتعريفي للحب؟ انه الشيء الوحيد الجدير بالفيلسوف..."2[2]

3- التفلسف حركة ونشاط وتجربة وفاعلية تتراوح كلها بين العودة إلى الذات والوجود في العالم وبين الإقامة في النفس وشد الرحال على حوافي الوجود وبين الإقبال من الأقاصي والإدبار نحو البدايات.

التفلسف حركات ذهاب وإياب ومد وجز وهبوط وصعود ومفارقة ومحايثة واستيعاب وتجاوز وتنظير وتطبيق بين الجهل والمعرفة وبين العدم والوجود وبين الضرورة والحرية وبين الاغتراب والوعي.

التفلسف يمنح الفيلسوف ماهو عليه من مخاطرة ومكابدة ويمكنه من الاقتدار على الإبحار وراء الحدود والتمرس على فن الحفاظ على الذات الإنسانية والتمكن من مواجهة وحشية الزمن والتغلب على الشر.

التفلسف مهارة يتقنها الكائن المغامر دائم التساؤل وملازم الترحل وينزعج منها الفاشل المستسلم للأقدار ويقدم عليها من يقدر على هضم التفكير بطريقة جيدة وتتوفر في حياتهه تجربة الحقيقة على النحو الكافي.

كل إنسان قادر على التفلسف من خلال الأدوات المعرفية والوسائل النظرية التي بحوزته وكل فلسفة تتأثر بالطابع الشخصي للكائن البشري الذي أوجدها بالرغم من تعلقها بالمطلق وتوجهها نحو التعبير عن الكلي.

والحق" أن كل إنسان – إذا كان فيلسوفا – يطمح إلى الكل ويسعى لتحقيقه في صورة كلية مهما تكن هذه الصورة متهافتة أو جزئية أو غامضة...ولكن ما من إنسان يمكنه أن يكون فيلسوفا على نحو ما يمكنه مثلا أن يكون عالما في الرياضيات، أي مبدع عمل أو انجاز خاص يقف تجاهه وينظر اليه من الخارج"3[3].

اذا من الزائف تعريف التفلسف بالانطلاق من الانحرافات الممكنة في تفسير الطبيعة وتدبير الواقع الاجتماعي فإنه من المرجح أن يتم إشاعة الثقافة الفلسفية في الشعب وتشجيع الناس على التفلسف مادام ذلك يمثل طريقا ملكيا نحو التمدن والتطور وإمكانية حقيقية يلامس فيها الوجود الحاضر المحبة الأبدية.

ألم يصرح فيلسوف المطرقة عن هذا التلازم غير الأصلي بين التفلسف والمحبة بما يلي: "إن صنيعتي عن العظمة في الإنسان هي واقعة الحب: على الإنسان ألا يرغب في شيء يتغير سواء في المستقبل أو في الماضي أو للأبد .لا يجب  فحسب أن يتحمل الضرورة ولا يخفيها بأي ثمن لكنه يجب أن يحبها..."4[4]؟

 

د. زهير الخويلدي

.........................

الإحالات والهوامش:

[1] Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005 p120.

[2]  نيتشه (فريدريك)، هذا الإنسان، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار التنوير، بيروت، طبعة 2009 ، صص80-81

[3]   ياسبرز (كارل)، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة 2007،ص49.

[4]  نيتشه (فريدريك)، هذا الإنسان، مرجع مذكور،ص67.

 

hatam hamidmohsinواجه الليبراليون الامريكيون والديمقراطيون الاجتماعيون الاوربيون مهمة شاقة في البحث عن طريقة لصنع قرار جماعي من أجل حل المشاكل الاجتماعية باسلوب عقلاني. لكن ما هو مرغوب كان عكس ذلك تماما: كلما كانت القرارات الجماعية التي يتخذها الأفراد قليلة كلما كان ذلك هو الأفضل. ان الصيغة المعاصرة لهذه العقلانية اللامحدودة، التي لا تخشى من تحويل كل شيء الى سياسات تحت شعار الجماهيرية المدنية تسمى "نظرية الخيار الاجتماعي"(1)، التي ترتبط بكل من كينيث ارو Kenneth Arrow و امارتيا سين Amartya Sen الحائز كل منهما على جائزة نوبل. سنتوصل في هذا المقال الى ان "الخيار الاجتماعي"هو في افضل حالاته غير مثمر، وهو خطير في اسوأ الأحوال.

اقتصاد الرفاهية القديم

لـ "الخيار الاجتماعي" جذوره في الفلسفة النفعية وفي اقتصاد الرفاهية. جرمي بنثام و جيمس مل و جون ستيوارت مل حاولوا تعريف الرفاهية العامة كمجموع للمتعة الخالصة او المنفعة الفردية في المجتمع وذلك وفق اثنين من الافتراضات: ان كل فرد يُحسب كشخص واحد، وانه من الممكن مقارنة منفعة فرد واحد مع منفعة اي فرد آخر. ان اصرار جون ستيوارت مل (1861) بوجود متع عالية ومتع متدنية بقوله "ان سقراط غير راض هو افضل من خنزير راض"(2) – كان خطوة في الاتجاه بعيدا عن مقارنة بانثام الاجتماعية وهو ما قاد مل للاستنتاج ضمناً بان الناس مختلفون جدا لدرجة يصعب اضافتهم الى بعضهم . وعلى الرغم من شكوك مل، لكنه هو ذاته والاقتصاديون اللاحقون اصرّوا في بحثهم عن طرق لتجميع المنافع لصياغة الناس علميا. لذا هم بحثوا عن معيار جديد للرفاهية العامة يتجنب المقارنات الاجتماعية التي وجد مل من الصعب جدا قبولها او اعتبارها عادية.

وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر اقترح باريتو(3) معيارا للرفاهية لا يحتاج فيه كل فرد لحساب منفعته الذاتية ويسمح لـ "سلطة خارجية "لمقارنة وتجميع منافع الافراد المقاسة. معيار باريتو كان مرتكزا على تصنيف الافراد لأفضلياتهم بشكل ترتيبي، وهذه المواقف الاجتماعية المقبولة بلا معارضة يمكن النظر اليها باعتبارها مرتكزة على احكام قيمية مقبولة من الجميع. ان الإجماع الذي عرضه باريتو كان في ادنى حد وهو يصلح مهما كان عدد غير المصوتين . تحسّن باريتو يحدث عندما فرد واحد على الاقل يصبح في موقف افضل دون حدوث اي ظروف سيئة للآخرين. وعليه، فان معيار باريتو هو غير تام. انه لا يحاول تنظيم جميع المواقف الاجتماعية الممكنة والتغيرات في السياسة، لأنه لايذكر شيئا حول التغيرات حين يحصل تحسّن لدى البعض بينما يخسر الآخرون. ايضا، انه يضع جانبا اعتبارات التوزيع، لأن تحسّن باريتو يتم تفضيله حتى عندما يكون الفرد الذي تحسنت ظروفه بليونيرا وموقف جميع الآخرين لم يتغير. لازلنا نرى هناك مجموعة كبيرة من المواقف المقبولة باريتويا، حيث جميع التجارة في السوق الحر تجعل طرفي التبادل في وضع افضل بينما الآخرون يبقون كما هم.

وهناك خط آخر مختلف للدفاع عن حساب الرفاهية عرضه آرثر بيغو. مل فحص بعناية الاستثناءات لقاعدة عدم التدخل الحكومي في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي (1848) حين تحتاج عيوب السوق الى التصحيح.بيغو وسّع قائمة مل للتدخلات الحكومية المرخصة في كتاب اقتصاديات الرفاهية عام 1920. بدأ بيغو من النموذج المثالي للسوق التام ثم ادرج الانحرافات الواقعية عن الوضع التام، واقترح اخيرا ضرائب وإعانات لتصحيحها. كل طبعة من ذلك الكتاب احتوت قائمة طويلة من مظاهر فشل السوق ومسؤوليات واسعة للمنظمين العموميين. هكذا، بدت تحليلات بيغو وباستمرار وقتية تفتقد للتخطيط لتشكل مجموعة من الأعذار لتدخّل الدولة بدلا من ان تكون نظرية للسياسة العامة. بعد ذلك نأتي الى النقد المدمر لـ لونيل روبنس الذي اصدر منعا لمقارنة المنافع بين الافراد من اجل حساب الرفاهية الاجتماعية. وكما اشار (1932-35)، بان المقارنات الاجتماعية التامة للسعادة هي مستحيلة. هذا يأتي لسببين:

1- انه من المستحيل قياس المنفعة لكل فرد طالما ان الرقم الدال على الكمية سوف لن يبقى ثابتا للوحدات المختارة.

2- ان مقارنة حالات السعادة المتصورة ذاتيا بين الافراد هي ايضا مستحيلة نظرا للاختلافات في المشاعر والاحاسيس .

اقتصاد الرفاهية الجديد

الرفاهية القديمة للاقتصاد، خاصة في شكلها النفعي اُعلن بانها غير كافية. حتى برنامج بيغو في "عيوب السوق" اعتُبر فاقداً للاساس المنهجي. لذا فان اقتصاد الرفاهية جرت صياغته بدعم من معيار باريتو. نقطة البداية كانت مرة اخرى مثالا للسوق التام وان اقتصاد رفاهية جديد صيغ ويتلخص بفرضيتين:

1- اي توازن تنافسي هو نموذج باريتو المثالي

2- اي خطة مثالية للانتاج يتم اختيارها من قبل المخطط يمكن انجازها عبر عمليات السوق التنافسي.

هاتان الفرضيتان تبدوان ذات الشيء لكنهما ليس كذلك. انهما يضعان الاطار لنظرية "علمية" للسياسة العامة للخمسين سنة القادمة، وبهذا:

1- طالما ان الاسواق الرأسمالية الحقيقية لم تكن ابدا تنافسية ولا هي في توازن، فهناك حاجة مستمرة لسياسة تدخّلية لتحقيق اقتصاد باريتو المثالي.

2- المجتمع العادل يمكن خلقه بخطة معرّفة سياسيا وهذه الخطة يمكن وضعها قيد التطبيق بإحالة تنفيذها للسوق التنافسي.

الفرضية الاولى جرى تفسيرها لتعني ان الاقتصاد الاشتراكي المخطط جيدا قد يقترب من مثالية باريتو اكثر مما يقوم به السوق الرأسمالي. الفرضية الثانية يُنظر اليها لتشير الى امكانية تقسيم العمل بين المخطط والسوق لخلق جماعة اشتراكية مثالية. هاتان الفرضيتان لإقتصاد الرفاهية الجديد جرى عرضهما اول مرة من جانب انريكو بارون عام 1908 وجرى اثباتهما تحليليا من قبل اوسكار لانك عام 1942. عنوان مقالة بارون كان ينبئ بمناخ من الشر للأجيال اللاحقة التي عرفت الفاشية والشيوعية. اراد بارون ان يبين ان الحكومة الجماعية يمكنها:

1- قيادة المجتمع للمثالية في الانتاج

2-إعادة توزيع ما استهلكه الرأسماليون انفسهم في "نظام فردي" بعد إعادة استثمار الجزء الاكبر من الربح. المخطط سيكسب من خلال 1- اكتشاف معظم الوصفات الاقتصادية التركيبية للعناصر عبر التجربة والخطأ بوسائل تغيير الأسعار 2- سيعيد المخطط توزيع الفائض طبقا لأفضليات المساواة بين الناس.

باختصار، الاقتصاد المخطط سيعمل بالضبط كاقتصاد السوق الفردي التام حيث تكاليف الانتاج في ادنى حد ممكن وهي مساوية للسعر، وان السمتين الاشتراكيتين لهذا الاقتصاد هما فقط الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتوزيع العادل للفائض الذي كان الرأسماليون يستهلكونه في السابق.

بالطبع، وكما اشارا لودوج فون مايس و فردريك هايك، ان الاقتصاد الاشتراكي لبارون اعتمد على عدد من الافتراضات الصامتة عن مدى المعلومات التي يحيط بها المخطط.

ا- المخططون سيعرفون التأثير الكامل لأي تغيير في الاسعار على التشكيلات الحالية للعناصر الحقيقية والممكنة، يسمح لهم بوضعها واختيارها او تعديلها بما يتلائم مع الخطة.

ب- سيعرف المخططون ما يريد الافراد استهلاكه من السلع فيغيرون طبقا لذلك اسعارهم لتجنب النقص او الفائض.

ج- المخططون سيضبطون ايضا نسبة الفائدة على التوفير لكي يضمنوا الاستثمار لغرض النمو

د- الناس سيعرفون ويقبلون ولو بتحفظ بتوزيع الفائض المقرر من قبل الدولة. ان استحالة جمع هكذا معلومات جعل مقترحات بارون غير مجدية كما بالنسبة لـ لانك.

لانك، المعجب بستالين، طبّق هذه الفرضيات لصياغة نسخته الخاصة بـ "اشتراكية السوق". في الاقتصاد المخطط، يمكن للحكومة الشيوعية تحديد اهداف الخطة الخمسية (بما فيها الاهداف الاجتماعية) ومن ثم تلعب في الاسعار في سوق تنافسي مصطنع لكي تساوي المعروض من السلع التامة الصنع مع الطلب عليها: المخطط سيسأل المنتجين عن مقدار الكمية التي يجهزونها في ضوء جداول الاسعار، ويسأل المستهلكين كم سيدفعون لمختلف الكميات المعروضة. وبعد سلسلة طويلة من الصعود والنزول سيصلون الى نقطة التوازن التي يكون فيها السوق فارغا.

ان مايس وهايك (1920، 1935) بيّنا الاستحالة النظرية لهذا الجدال لسببين: الاول ان جمع المعلومات الضرورية حول ملايين الاسعار وتغيّراتها في اقتصاد السوق هو غير عملي، والثاني ان المنتجين والمستهلكين ستكون لهم في كل الاحوال مصلحة بعدم كشف افضلياتهم للمخطط . في محاضرة لأوسكار لانك في مدرسة لندن للاقتصاد قبل شهور قليلة من وفاته عام 1965 أعلن ان الكومبيوتر سيتولى عمل حسابات اشتراكية السوق ويجعلها ممكنة، غير ان انهيار "الاشتراكية الواقعية"عام 1989 اكّد صوابية آراء النقاد.

الخيار الاجتماعي

ان المدافعين عن الخيار الجمعي شعروا بالحاجة لطريقة في صياغة وتقييم السياسات العامة طبقا لميثدولوجية فردية وليس كتوجّه من المخطط الخارجي. هذا المسار الجديد جرى اطلاقه من جانب ابرام برجسون عام 1938 وبول ساملسون عام 1947 اللذان عرّفا الهيكل العام لطرق تنظيم المجتمع عقلانيا بوسائل مقبولة منهجيا في تحويل الافضليات الفردية الى افضليات اجتماعية. هذه التحولات تُعرف عادة بدالة الرفاهية الاجتماعية SWF. التحول من الفردي الى الاجتماعي يجب ان يحقق شرطين: 1- ان دالة الرفاهية الاجتماعية ترتبط بشكل صارم برفاهية الافراد ذلك لأنه عندما يتحسن موقف الافراد فان تحسنا مماثلا يحصل في دالة الرفاهية الاجتماعية.

2- ان أي من هذه الدالات للرفاهية الاجتماعية ترتّب وبشكل دائم جميع الحالات الاجتماعية الناتجة من الأسوأ الى الافضل. ضمن هذه الحدود الواسعة سيكون الفلاسفة قادرين على الحكم بين دالات الرفاهية المقترحة والتي بموجبها يتم افضل تراكم للحاجات الاخلاقية للفرد، وبهذا يُحكم على العدالة في اقتصاد السوق.

فريق الرفاهية تلقّى هجوما قاسيا من اشهر قادته - كينيث ارو عام 1952 في "فرضية ارو بالاستحالة" Arrow impossibility theorem.هذه الفرضية اثبتت عدم وجود دالة رفاهية اجتماعية تستطيع انجاز الشروط الاربعة التالية، وهي:

1- انها تنطبق على جميع الخيارات الممكنة.

 2- انها تنال اتفاق تام.

 3- يتم اختيارها وفقا لخصوصيتها وليس لما يقال عنها.

 4- ان لا تُفرض من جانب شخص واحد على بقية الناس.

 الاستنتاج كان مدمرا: أثبت آرو بانه من المستحيل للمجتمع ان يتفق على ترتيبات الرفاهية حتى عندما يفضّلها افراد ذلك المجتمع بالإجماع. وكما يشير الى ذلك اندريه ماس كوليل عام 1974: بان الجماعة الاجتماعية التي تحاول تطبيق دالة الرفاهية الاجتماعية ستجد في النهاية انها لا تستطيع ان تقرر او تقول عقلانيا كما لو كانت شخصا منفردا.

من المفيد تعقّب التقلبات والمنعطفات لمدرسة الخيار الجمعي كي ننقذ جزءا من اقتصاد الرفاهية "العقلاني"وندمج فيها الاقتصاد العام ونظرية التخطيط، وكذلك نظرية الدولة ونظرية العدالة الاجتماعية. ولهذا الغرض، بيّنت المدرسة بان القواعد التي يجب تطبيقها يمكن ان تعمل جيدا اذا جرى تقييد الافضليات. ايضا، محدوديات الاتفاق التام لباريتو بشأن توزيع الدخل والثروة يمكن التغلب عليها جزئيا اذا سُمح بشكل ما بمستويات المقارنة بين الاشخاص. والظروف الغير دكتاتورية (عدم تبنّي دائم لأفضلية معينة) يمكن تجميدها في القرارات المؤثرة على الحريات الاساسية وحيث يمتلك الفرد الحق في التصويت ضد بعض التعليمات والنظم الاجتماعية.

في النهاية وبعد الكثير من التأكيدات المنطقية، اعترف سين ذاته (1970) بان لا وجود هناك لقاعدة ذهبية منفردة لتنظيم المجتمع وفق خطوط الرفاهية. هو انتهى بالقول ... بينما النقاء مزية غير معقدة لزيت الزيتون او هواء البحر او هيروين الحكايات الشعبية، فهو ليس كذلك في انظمة الخيار الاجتماعي.

العودة الى روبنس

في مقدمة كتابه عام 1970، قام سين وبدون قصد بالفصل الحاسم بين اسئلة نظرية اجراءات القرار واسئلة الفلسفة السياسية. ان المساهمة الرئيسية للخيار الاجتماعي هي اكتشاف ومحاولة ايجاد حلول لإشكالات وتناقضات القرارات التي تتخذها هيئة من الناس، وان الخطر الرئيسي للخيار الاجتماعي هو محاولة تعريف المجتمع العادل وفرضه على الناس. بالطبع، نحن يجب علينا اتخاذ قرارات جمعية، هياكلها ونتائجها ليست واضحة. آلياتها المنطقية يجب استكشافها، مثلما حين نحلل مأزق التصويت او شيوع المستهلك المجاني للخدمات العامة. لكن هذه الدراسات يجب ان لا تلتبس مع اخلاق القرارات الجمعية.

يوبخ (سين) بذكاء منع روبنس لمقارنات المنفعة بين الناس بالاشارة الى ان منع مقارنة الافضليات بين الناس قد يُرفع اذا كان اولئك المشتركون مستعدين للنظر في نتائج خياراتهم عند مناقشة امكانية الإبقاء على افضلياتهم. هم يرون وبشكل غير مباشر تلك القيم والافضليات باعتبارها ليست اساسية، اي، هم مستعدون لتعديلها او التخلي عنها باسم العدالة. هو يقول "يجب ان يكون واضحا" "لا فائدة كبيرة يمكن قولها حول العدالة بدون جلب بعض المقارنات الشخصية". غير ان هذا لا ينسجم مع تعريف العدالة طبقا لهيوم كما سنرى.

"المواطنون يتخذون خيارات اجتماعية ولكن سوف لن يكون هناك "خيار اجتماعي"".حين عرض روبنسن المقارنات الشخصية في الرفاهية الاقتصادية، فهو بالضبط اراد الدفاع عن الرؤية النمساوية للعدالة في المجتمع. في نظام السوق الفردي لا يمكن لأحد القول ان المجتمع عادل او غير عادل، ولا القول ان المكافئات غير مستحقة او ان توزيع الملكية غير عادل. الناس هم العادلون وليس الانظمة. بالطبع في الديمقراطيات تُتخذ خيارات اجتماعية طبقا للمصالح وللاحكام الاخلاقية لمختلف الافراد ذوي العلاقة. هذه الاحكام يمكن تقييمها او نقدها عبر الاشارة فيما اذا كانت تاثيراتها متناقضة ام ايجابية. هذا يختلف كثيرا عن محاولة صياغة وتطبيق دالة رفاهية اجتماعية معدّلة لتجنّب "تناقضات ارو". المواطنون يعملون خيارات اجتماعية ولكن لا يمكن ان يكون هناك "خيار اجتماعي".

هذا الرفض لعمل حكم اجتماعي جماعي هو منسجم مع فكر ديفد هيوم الذي اعتبر الواجبات الاخلاقية للناس تنبع من الحس الاخلاقي وليس من العقل .

وهكذا فان العدالة او احترام ملكية الاخرين ومراعاة الوعود اصبح التزاما ويكتسب سلطة على البشرية. واذا اتفقنا مع هيوم، فان اي محاولة للاختيار الاجتماعي انما تعود الى عالم الاحلام الجمعية التي يمكن ان تتحول بسهولة الى كوابيس. الخيار الجمعي يتحرك في عالم بدون مؤسسات وبدون منافسة وبدون تاريخ. العالم العقلاني للقرارات يرتكز على المعرفة التامة بافضليات الفرد.

الخطورة هي ان بعض السلطات او الحكام يبدأون العمل على اساس انهم يعرفون ما هو الافضل للآخرين. سين عرّف الحرية الفردية كونها تتضمن التمتع بما سماه "المتع" او functionings – طعام كافي، صحة جيدة، حياة طويلة، فرص للسعادة، احترام الشخصية، المشاركة في حياة الجماعة. هناك مقاطع لام فيها موقف المسحوقين من الناس في المجتمعات غير العادلة، حيث المعاناة من الجوع والموت مبكرا وفقدان معظم الاطفال ونقص التعليم والمعاناة من التمييز .هم لا يسيطرون على حياتهم ولا لديهم المقدرة على الخيار الفردي. لذا هو يدافع عن مواصفات الخيار الاجتماعي للحرية التي تقارن ما يبرز (حقا) مع ما يختاره الفرد سواء اختار فعلا ام لم يختر.

هذا يمكن فهمه باننا نستطيع فرض الحرية على الناس الذين بسبب الفقر والجهل لايستطيعون عمل الخيارات التي نراها ملائمة لهم. هذه الكلمات تستعيد ظلال انديرا غاندي التي فرضت تحديد النسل او سياسة "الطفل الواحد"في الصين الشيوعية.

احد اهداف الخيار الجماعي والرفاهية الاجتماعية لسين عام 1970 هو بيان انه من المستحيل ان تكون ليبرالي كلاسيكي وتجسد السوق الحر كواحد من بين الترتيبات الاجتماعية القليلة حيث يسود الاجماع. "استحالة الليبرالية الباريتووية" تلخص في تعبير واحد هذا المأزق. الحل البارز لهذا المأزق وغيره في الخيار الاجتماعي هو المؤسسات التي تطورت في المجتمعات الغربية منذ عهد الرومان، اعني، الملكية الخاصة. هذه المؤسسة تجزّأ عالم قواعد باريتو لكي يكون بالنسبة للاشياء التي يمتلكها الفرد يستطيع التصويت ضد قرار بقية المجتمع، والذي هو جوهر الحريات الانسانية او "حقوق الانسان". حماية الملكية الخاصة في المجتمعات الغربية لاتنال الدعم فقط لتأثيراتها الايجابية على الانتاجية، لانها في النهاية ومن خلال شراء او استئجار الموارد سوف تقع في ايدي المستعمل الاكثر كفاءة. حقوق الملكية ايضا تعمل على حماية الحريات الفردية.

تصحيح عيوب السوق بواسطة المؤسسات الناشئة

 الحجة الرئيسية لأنصار سياسات التدخل ضد حرية السوق هي وجود عيوب في السوق. هم يبدو لم يقرأوا رونالد كوس ونظريته عام 1960 (4). كوس في سنواته الاخيرة ابتعد عن تفسير نظريته ليبيّن ان عيوب السوق المفترضة تختفي في الظروف التي تُعرّف بها حقوق الملكية بوضوح والاقتصاد في منافسة تامة. رفاهية التجارة المحسنة خلقت حقوق ملكية وعملت تحت المنافسة غير التامة – المثال البارز هنا كان نمو الرأسمالية في الصين الحالية.

The poverty of social choice, Library of economics and liberty, November 2015

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) نظرية الخيار الاجتماعي تمزج عناصر من اقتصاد الرفاهية مع نظرية التصويت. انها نظرية فردية لكونها تراكم الافضليات وسلوك افراد المجتمع لتكوّن في النهاية أحكاما معقولة للخيار الاجتماعي وبناء دالة (وظيفة) الرفاهية الاجتماعية. جرمي بنثام جادل بان الافضليات ودالات المنفعة للافراد يمكن مقارنتها بين الافراد، ولهذا يمكن اضافتها الى بعضها للوصول الى قياس للمنفعة التراكمية.اخلاق النفعيين تسعى الى تعظيم هذا التراكم. غير ان لونيل روبنس Lionel Robbins رفض امكانية قياس مثل هذه المنفعة ومن ثم نظرية الخيار الاجتماعي القائمة عليها.فهو يقول انظر الى قانون تناقص المنفعة الحدية الذي يؤكد بان المنفعة من استهلاك كميات جديدة من السلعة تتناقص تدريجيا حتى تقترب من الصفر.هذا القانون استُخدم كتبرير لتحويل الثروة من الاغنياء الى الفقراء باعتبار ان الغني لا يحصل على منفعة من وحدة اضافية للدخل بقدر ما يحصل الفقير. روبنس جادل بان هذه الفكرة تتجاوز العلم الوضعي، فلا احد يستطيع قياس منفعة شخص آخر ولا ذلك مطلوب ايضا من النظرية الوضعية.

(2) يقول (مل) من الأفضل ان تكون انسانا غير مقتنع بدلا من ان تكون خنزيرا مقتنع. افضل لك ان تكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان تكون غبي مقتنع، واذا كان للغبي رأي مختلف ذلك بسبب انه يعرف فقط جانبا واحدا من السؤال (جانبه هو).

 (3) فاعلية باريتو او افضلية باريتو هي الحالة التي يتم فيها توزيع الموارد بطريقة اكثر فاعلية بحيث يستحيل فيها إعادة التوزيع لجعل احد الافراد افضل حالا دون جعل فرد آخر اكثر سوءاً.المفهوم يعود الى المهندس والاقتصادي الايطالي فلفريدو باريتو(1848-1923) الذي استخدم المفهوم في دراساته للفاعلية الاقتصادية وتوزيع الدخل.

 (4) مساهمة كوس الشهيرة في الاقتصاد كانت نقده لفكرة فشل السوق الناتج عن وجود المؤثرات الخارجية externalities (وهي الحالة التي يستفيد فيها او يتضرر منها طرف ثالث لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي).أدخل كوس فكرة "تكاليف الاجراءات"وذكر ان هناك كلفة لإستعمال آلية الاسعار، حيث توجد جزر من التنظيمات الأمرية وسط بحر من سوق التبادل.فهو يرى ان اتجاه علم الاقتصاد كان تطبيق نظرية السعر لتوضيح الأسئلة الاجتماعية، بينما المطلوب هو العكس."الاقتصاد لايزال ذات الموضوع الذي خلقه آدم سمث، ويواجه نفس المشاكل"، فلابد من عمل تجريبي من النوع الذي يغيّر حقا الطريقة التي ننظر بها الى المشكلة. ان تكاليف الاجراءات تعتمد على عمل النظام القانوني (نظام حقوق الملكية، وفرض حقوق الملكية، والمقدرة على التنبؤ بما ستكون عليه القرارات القانونية). انها ايضا تعتمد على النظام السياسي وهي متداخلة مع انظمة اجتماعية اخرى. اراد كوكس تطبيق الاقتصاد الجزئي لحل مشكلة كيفية ادارة الموارد المحدودة من خلال تدخّل الدولة المباشر بدلا من الاعتماد على نظام اسعار معيب.

 

ali mohamadalyousifتمهيد: اوضحت دراسة الردود التي طرحها الفلاسفة الغربيون عبر العصور ازاء مشكلات الخوف من الموت وطبيعته، ان اي رد على الموت يسعى اليه فرد ما ويجده مرضيا يعتمد في نهاية المطاف على موقف هذا الفرد من الحياة، وشدة خوفه من الموت والنوع الخاص من الخوف الذي يعانيه. غير انه من الجلي كذلك ان مثل هذا الرد لايمكن ان يكون تأمليا فحسب وانما يتعين بالفعل تقبله وتبنيه. وينبغي ان نضيف ان الرد الذي يبدو مرضيا على الموت في وقت ما قد لايكون كذلك في وقت آخر. وهكذا فانه لايمكن ان يكون هناك رد شامل دع عنك ان يكون هناك رد صحيح على نحو شامل. وقد لاتكون المصالحة مع الموت في الحقيقة امرا ممكننا بالنسبة للبعض، بينما بالنسبة للبعض الآخر فان اي حجة على وجه التقريب قد تعدل من فهمهم للموت وتحررهم من أليأس بازاء حتميته وعبثيته الواضحة الجليّة. وهناك نتيجة اخرى لما نقدمه  تتمثل في تحديد مكانة (مشكلة الموت) ودوره في الفكر الفلسفي الغربي. ومن ثم فان من المناسب ان نبحث باقتضاب ما قدمته حقيقة الموت للفلسفة ومدى ما يمكن الذهاب اليه في القول بان الموت هو موضوع التأمل الفلسفي بل وعبقريته الملهمة(1).

وحسب شوبنهاور فأن الفلاسفة جميعا اخطأوا حين وضعوا العنصر الميتافيزيقي غبر القابل للأفناء والخالد عند الانسان في الذهن. في حين انه يكمن في الارادة التي تختلف كلية عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة.

اما الذهن فهو ظاهرة ثانوية يتحدد بالمخ وبالتالي يبدأ منه وينتهي معه. اما الارادة فهي وحدها التي تحدد انها جوهر كافة الظواهر فهي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن. والتي هي ايضا قابلة للفناء. ووفقا لهذا فانه من المؤكد انه مع الموت يضيع الوعي لكن لايضيع الذي ابدع الوعي واستدامه. تنقضي الحياة ولكن لاينقضي مبدأ الحياة(2).

المتن (الموت الوجودي للانسان / استقصاء فلسفي – ديني)

يقول يوربيدوس: حينما يدنو الموت، لا أحد يرغب في الهلاك، ولا تغدو الشيخوخة عبئا، ويضيف من ذا الذي يعرف ان كان ما نسميّه بالموت ليس حياة وان الحياة ليست موتا. اما اسخيلوس: شتاءٌ وعناءٌ هي حياة الانسان وما من وجود للخلاص والسلام، ويقيناً هناك حياة افضل تحفها البركة والقداسة، لكنها حجبت في رحم الغيوم والظلام، وهكذا فاننا نتشبث يائسين بروائع هذا العالم الخداعة، لا لشيء إلا لأننا لا نعرف حياة اخرى، وما عين بشرية تخترق ظلال الموت، وأوهام الايمان تضللنا. وسوفيكلس فيقول : من عجائب الحياة العظمى جمعيا، ليس هناك ما هو اعظم من الانسان. الموت وحده هو الذي لا يجد الانسان له شفاءاً. في كتابات ارسطو الاولى كان شديد التأثر باستاذه افلاطون في موضوعة خلود النفس.

وانما يؤكد كذلك على وجود النفس السابق على وجود البدن وكذلك انتقالها–النفس او الروح- من جسم لآخر. اما هيرقليطس فيعبر جاك شورون عن رأيه بالموت وعلاقته بالنار والعود الابدي قائلا; (واذا ما افترضنا ان كل ما يقصده هرقليطس بهوية الحياة والموت هو ان الفرد يفنى لكن النوع يبقى. فأن اجابته ستكون استباقا لما قدمه ارسطو وعلم الحياة لمشكلة الموت.غير انه يبقى فارق مهم بالنسبة للعلم الحديث الذي يعترف بأن الانواع يمكن ان تفنى بل وأن الحياة كلها قد تتوقف.  وهرقليطس لم يقل بفكرة الاحتراق العام بمعنى فناء الحياة. بل قال ان هذا العالم واحد بالنسبة للجميع. لم يخلقه أحد من الأزل الالهة او البشر. لكنه كان ومنذ الازل وما زال وسيبقى الى الابد نارا حية تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار. مما حدا بالبعض القول بأن هرقليطس يقول بفكرة الاحتراق الكلي التي ترتبط بفكرة تجدد العالم على فترات كبيرة من الزمان. وهذه فكرة العود الابدي والسّنة الكبرى التي شاعت عند القدماء وخاصة الرواقيين. ومبدأ العود الابدي احياه نيتشه عقب ذلك بالفي وخمسمائة عام كان بمعنى ما من المعاني رد هرقليطس على الموت)(3).

وعن فكرة هيراقليطس عن الاحتراق الكلي ان الملفت للانتباه ان احدث النظريات العلمية الآن تذهب الى ان الشمس تستهلك كميات من الهيدروجين الكوني ومن المحيط الفضائي لكوكب الارض بمتواليات هندسية عالية جدا وسريعة مستمرة قد لاتدوم اكثر من بضعة الاف من السنين على الارض. يعقبها انخفاض تدريجي في درجة حرارة الشمس الواصلة الى الارض وادامة الحياة عليها.وباختلال النظام الشمسي في بقاء واستمرار الحياة على الارض ينعدم الوجود ويفنى. وعليه تكون حتمية انعدام الحياة على الارض مسألة وقت متفق عليها علميا وتلقى قبولا كبيرا لدى العديد من العلماء والفلاسفة من بينهم براتراند رسل.كما ان المؤتمرات الدولية بشان الحفاظ على الحياة في الارض ومعالجة الاحتباس الحراري وغيرها من التغيرات المناخية متشائمة جدا عن مستقبل الحياة على الارض.

ان اقدم نص يتحدث ان الموت فناء شامل وان الجسد والروح تتحللان الى مكوناتهما الاولية كانت شذرة انكسماندر610-547 ق.م. تناولت الشذرة الطابع الفاني للاشياء. ويرد على لسان جاك شورون في كتابه المشار له سابقا ان انكسماندر ارّقَهُ وعذّبهُ السؤال الضخم لماذا يتعين ان يفنى كل ما يظهر الى الوجود وكل ما له حق في الوجود. وما قيمة الوجود اذا كان عارضا زائلا.؟ (ص39 من الكتاب).

من الملاحظ بوضوح ان كل هذه الشذرات القديمة عادت وشكلت دعائم الفلسفة الوجودية الحديثة في القرن العشرين.وكما يقول سقراط: ألم تعلموا جميعا ان الطبيعة حكمت عليّ بالموت منذ لحظة ميلادي. وهذه بذرة جوهرية في ادبيات فلسفة الوجودية الحديثة ايضا.

هذا التعبير الوجودي واضح جدا على انه تعبير فلسفي ناضج متأخر وحديث، وليس قبليا يعود للحضارات البشرية القديمة. ففي اقدم ميثولوجيا في اورك هي ملحمة كلكامش ،كما لدى حضارات وادي الرافدين كالسومرية والبابلية والآشورية وفي مصر الفرعونية كان التسليم مطلقا بأنه يجب ان تكون حياة اخرى بعد الموت. وان الموت ليس فناءا تاما للانسان بدليل دفن الملوك والملكات والكهنة مع كامل زينتهم ومجوهراتهم وخدمهم ايضا.

ويؤكد مونتاني ان الموت هو نهاية ابدية للحياة وليس هدفها كما ذهب بعض الفلاسفة. ويؤكد ان مرض العقل – اكثر الامراض شراسة – هو الذي يدفعنا الى خيانة وجودنا الحق. ويجعلنا نحتقر وجودنا في حين ان علينا ان لانقبله فحسب وانما ان نحبّه ونبرز احسن ما فيه. هنا في هذا المعنى يعتبر مونتاني وجودنا الحق او الحقيقي هو ما نعيشه في حياتنا الارضية.على اعتبار انه لادليل مؤكد يعطينا بان وجودنا على الارض زائف كما يقول هيدجر. وانه بعد الموت لم يتاكد ايضا انه سيكون لنا وجود ثان اكثر حقيقية من وجودنا الحالي على الارض. فمونتاني كما مر بنا يعتبر الموت نهاية كل شيء وخاتمته وليس الموت هدف كل شيء في الحياة. وعلى اهمية ان وجودنا الحالي الارضي هو الوجود الوحيد المتاح لنا وامامنا. وجود محكوم بالقصر الزمني لذا يؤكد مونتاني ان قيمة الحياة ليست في امتدادها وانما في استخدامها. ويضيف الآن وانا ارى حياتي محدودة في الزمن اود ان امدها بالوزن –يقصد بالوزن القيمي ومعايير الخير واللذة التصوفية والحسية في الحياة وكل ما له شأن يعطي الحياة تفاؤلا وسعادة . اود ان ادرك والكلام لمونتاني سرعة انسياب الحياة من خلال سرعة قبضتي وقوة استخدامي لها للتعويض عن سرعة تدفقها. وبمقدار ما يكون امتلاك ناصية الحياة قصيرا يتعين عليّ جعلها اكثر عمقا وامتلاءا. في هذا التفاؤل الوجودي لحياة الانسان يبتعد مونتاني كثيرا عن جميع الفلسفات الوجودية المتشائمة التي تستهين بالوجود الانساني الارضي وتعتبره عبُثا ومأساة.

في القرن الثامن عشر اصبح انكار خلود النفس الاكثر اصالة. وكما كان حال الفلاسفة الماديين الفرنسيين ومعهم الفلاسفة الانسانيين خلال عصر النهضة اذ كان تأكيدهم على الحياة وليس الموت، الامحض حادث طبيعي مؤلم لايمكن تجنبه. وفي اتفاق مع روح التنوير المسرف المتوهج بقوى العقل جرى التركيز على القول بان الحياة يمكن تحسينها.ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا. وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد والوحيدة التي لها اهمية.اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف زيفها لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة(4).

ويعتبر هولباخ 1723 -1789 مؤلف كتاب نظام الطبيعة الذي كان له عميق الاثر على الفلسفة التي يرى انها يمكن ان تعرف على النحو السليم بوصفها تأملا للموت. وبهذا يخالف هولباخ بشدة مقولة اسبينوزا بان الفلسفة تأمل الحياة وليس الموت. ويؤكد هولباخ علينا ان نجعل ما هو حتمي مألوفا لدى نفوسنا ونواجه الموت بهدوء وان لا ندعه يفسد علينا متعة الحياة. فالخوف من الموت هو العدو الوحيد الحقيقي الذي يتعين قهره. وعدم وجود حياة اخرى يحررنا من سلطة القساوسة.

لايؤمن هيوم بنظريةٍ الخلود كما ينكر ان يكون هناك ذاتا self ويعتبر هيوم الذات مجموعة او حزمة من الادراكات الحسية ينعدم فيهامفهوم الذات غير المدرك الذي ندعوه الانا. وبعد اصابته بسرطان الامعاء لم يكن يخشى الموت وبقي محافظا على رباطة جأشه حتى قال عنه ادم سميث ان مرح صديقي هيوم عظيما جعل  الكثيرين لم يصدقوا انه كان يحتضر.

وكما يعبر كانط ايضا انه مامن احد سيكون بمقدوره حقا ان يتباهى بانه يعرف ان هناك الهاً وحياة مستقبلية. واذا كان يعرف ذلك فسيكون الشخص الذي سعيت له طويلا دون جدوى. ويعلن بجرأة اني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان عندي. ويشير صراحة ان هذا الايمان ليس منطقيا عقليا وانما هو يقين اخلاقي قائم على اساس ذاتي. ويشعر كانط بعدم الاقناع المطلوب فيقول لاشك يكون موضع تساؤل ان نقيّم هذا الايمان على اساس افتراض العاطفة الاخلاقية.

اما عن نيتشة والعود الابدي فمن الخطأ الافتراض بان نيتشة كان يعتبر نفسه مكتشف العود الابدي. فهو يلاحظ ان هيرقليطيس ربما كان ادرج هذا المبدأ في تعاليمه. وان الرواقيين يفصحون عما يشي به. غير ان ما لم يدركه نيتشة هو ان اخرين طرحوه كثيرا. وانه على امتداد القرن التاسع عشر كان هناك اشارات عديدة الى هذا المبدأ وتأملات حوله. فالمرء يجده عند هايني وهولدرين وبلانكي وجويو. واشار له بغموض سبنسر وبايرون. ورغم ذلك فان نيتشة كان اول من بحث هذه الفكرة لا باعتبارها امرا ممكنا بل امرا مؤكدا. وبوصفها قانونا للكون.بل انه حاول اثباتها علميا ودرس الرياضيات والفلك والطبيعة والاحياء لهذا الغرض. وقد خذله البرهان العلمي لكن على الرغم من ذلك فان نظرية العود الابدي اصبحت الفكرة التي سيطرت عليه. وتملكت ناصيته تماما وغدت حجر الزاوية في فلسفته (كل شيء يمضي كل شيء يعود وتدور الى الابد عجلة الوجود. كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد. وخالدا يمضي زمن الوجود. الاشياء كلها تعود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرات لاحصر لها ومعنا كل الاشياء.)

كما انه ليس هناك تناقضا بين مبدأ العود الابدي ومبدأ ارادة القوه (السوبر مان) لدى نيتشه. وفي تعبير مدهش يقول فيخته عن الموت البيولوجي وليس الوجودي (الموت حيلة الطبيعة كضمان مزيد من وفرة الحياة).

ماكس شتيرنر وهو اسم مستعار 1806-1856 فيلسوف الماني مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان من بينهم ماركس وفويرباخ قبل انشقاقهم على وفق فلسفات متباينه عن الهيجلية لابل نسفتها. يذهب شتيرنر الى ان الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة. وطالب بالمحافظة على الملكية الخاصة للافراد حيث ان ذاتية الانا ماثلة فيها.

وباسم الفرد العيني شن سورين كيركارد احد اقطاب الوجودية هجومه على هيجل ودعمه بذلك معاصره شتيرنر قائلا الانسان المطلق ليس الا شبحا او خيالا. وان الفرد هو وحده الحقيقي. الفرد ذو النزعة الانوية الذاتية الاوحد الذي لايهتم الا بجعل العالم ملكا له.

اما رأي سارتر ابرز واهم اقطاب الوجودية الحديثة فهو يرى الموت انه ليس ابدا ذلك الذي يمنح المعنى للحياة. وانما هو على العكس من ذلك فهو الذي يحرم الحياة بالفعل من كل مغزى. واذا كان علينا ان نموت فان حياتنا تخلو من المعنى ومشكلاتنا لاتتلقى اي نوع من الحل. لأن معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد. وعن الانتحار فيعتبره سارتر حدث من احداث الحياة وهو بالتالي عبث يؤدي الى ان تغدو الحياة غارقة في العبث. كما يحدد سارتر الوجود الانساني في ضربين من الوجود. الوجود في ذاته وهو عالم الاشياء اي العالم الموضوعي المحدد الذي لا أثر فيه لنشاط او تطور او حرية. اما الوجود لذاته او من أجل ذاته فهو الوجود الانساني الذي يعتمد على النشاط الحر ولا يستند الى قوانين موضوعية. والوجود من أجل ذاته ان وجود الانسان ينشأ لأن الوجود يعدم ذاته. وهو بالأصح لا وجود لأن العدم في داخله كالدودة. والانسان حامل العدم. والميلاد والموت واحد وهو ما يدعوه سارتر بالوقائعية التي هي صفة ما هو حادث وواقع على الانسان من احوال ليس له فيها القدرة على الاختيار او الارادة فيما يحصل له من امور سلبا او ايجابا. واذا كان من العبث ان نولد فمن العبث ان نموت. – عبارة استنفدت نفسها فلسفيا من كثرة تردادها على لسان اكثر من فيلسوف منذ زمن الاغريق –.

والمفهوم الفلسفي للحرية لدى سارتر يختلف عن المفهوم التجريبي العام الذي يأتي نتيجة الظروف السياسية والتاريخية. فالحرية الفلسفية وهي ما يؤكدها سارتر تعني حرية الارادة في الاختيار. وان الانسان فانٍ حر وليس حراً من اجل الموت. وما يعنيه سارتر ان الانسان بمقدوره ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته. ويعبر سارتر بان الانسان مسؤول حر عن العالم باجمعه لكنه وحيد في هذا العالم الذي يتحمل مسؤوليته كاملة. ويرتبط على نحو لا فكاك منه بتلك المسؤولية. ومن حقه رفض التحرك والبقاء سلبيا بمحض اختياره.

ويؤكد سارتر ان الانسان نتاج الوقائعية التي تنعدم فيها تماما ارادة الاختيار من الميلاد وحتى الموت. ويكرر سارتر موت الرب كما ورد عند نيتشة وهذا اقتبسها من سابقيه في لامعنى الخلاص الديني قائلا : ما الذي يستطيعه الفاني الحر القيام به في مواجهة الموت في عالم مات فيه الرب.

ويرى سارتر ان الموت في جنبته الايجابية هو تحرر فعلي للانسان من عبء الوجود. وان الموت خير من (.....) الوجود. والموت الذي يحرم الحياة من اي معنى فهو يجعلها عبث بلا مغزى. رغم تاكيد سارتر الاخير بان علينا استخدام حريتنا بقوة بالغة وجديدة في البحث الجاد وايجاد معنى للحياة.

ماكس شلر (1874-1928) فيلسوف اجتماعي فينولوجي ألماني، أخذ بمنهج الظاهريات عند "هوسرل" وطبقة في مجالات الاخلاق والفلسفة والدين والحضارة. من مؤلفاته "احكام القيمة الاخلاقية" 1914 و"مساهمات في الفينومونولوجيا " 1913 و" الشكلية في علم الاخلاق" بمجلدين الاعوام 1913-1916.

يؤكد ماكس شلر ان الانسان كان سيعرف الموت مدركه حتى وان كان وحيدا في العالم، ولم يسبق له قط ان شاهد كائنات حية اخرى غيره تعاني من التغيير الذي يؤدي بها الى تحولها جثة. ورأيه ان الموت بالنسبة للانسان "قبلي" سابق على اية ملاحظة، او على اية تجربة استقرائية لتغير كل مسار حقيقي للحياة. حيث ان الموت ليس احتضاراً عرضياً بدرجة او اخرى يدركه الانسان هذا او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة. كما يعبر امام عبد الفتاح امام ان الموت يرتبط بالخلق من العدم ومن هنا كانت الحياة.بسبب انها مخلوقة مرتبطة بالموت. كان الوجودلانه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه. ومن ثم يصبح كل وجود يميل بطبعه الى الفناء. وكل حياة يكمن الموت في جوفها.

يؤكد الكسندر كوجيف في كتابه (مقدمة لقراءة هيجل) على الدور الهائل الذي لعبته فكرة الموت في فلسفة هيجل الجدلية او الانثروبولوجية. فهي في التحليل النهائي فلسفة للموت او والمعنى واحد فلسفة للالحاد. ويمضي كوجيف ان الانسان في فلسفة هيجل هو الفرد التاريخي الحر. ويعني بذلك انه متناه على الصعيد الانطولوجي وانه دنيوي او يرتبط بالمكان والزمان على المستوى الميتافيزيقي. وبانه فانٍ على المستوى الفينومينولوجي. والانسان هو المرض القاتل للطبيعة. والانسان ليس فانيا وحسب وانما هو تجسيد للموت. ان موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى انتحار واعي بذاته تطوعي.

في عبارة  (لاجديد تحت الشمس فكل شيء موجود وكان موجودا باستمرار). تأكيد ان الموت عملية تغّير وتحول وليس فناءا.انه تغير في الحالة الطبيعية والكونية في اللامتناهي. ولا يفهم من ذلك ان الموت تناسخ ارواح دائمي او نوع من الحلول الانتقالي المستمر. ومن اشهر المنادين بهذا المعنى(برونو) فالانسان عنده اذ يسعى نحو اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل بالكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق.

و قبل الانتقال الى الموت في اللاهوت المسيحي يتوجب الاشارة الى اهمية افلوطين 204-270م فتأثيره كان كبيرا على الفكر الديني المسيحي من خلال تأكيده على الوجد التصوفي واهمية ان يكون للروح او النفس ملاذا اخر غير الجسد الذي يحكم سيطرته على الروح ويمنعها من الانطلاق المتسامي. وأكد افلوطين أهمية استقلال الروح عن اطار الجسد الذي تسكنه متجاوزا بذلك تناقضات افلاطون حول خلود النفس.

وكان كتب باسكال في خطاب مؤرخ في 17 اكتوبر 1651 الى شقيقته بمناسبة موت ابيهما علينا ان لاننظر الى الموت كوثنيين وانما كمسيحيين اي بأمل. ان خطأ الفلاسفة انهم نظروا الى الموت باعتباره أمرا طبيعيا للانسان. تلك كانت نظرة طفولية قاصرة. فالانسان خلقه الله ليحيا معه لذا فهو لايموت.الموت مخيف من غير يسوع. لكنه في المسيح مقدس ورقيق. وهو فرحة المؤمن الحق.ولكن كيف يصبح المرء مسيحيا حقا؟ ليس من خلال العقل وانما من خلال القلب.

واضح ان عبارات باسكال الواردة هي حث وتثبيت للايمان الديني المسيحي التصوفي البسيط الذي بمقدور اي انسان الحصول عليه عملا بقول باسكال (افعل كما لو كنت مؤمنا.) براجماتية  الايمان الفطري.

اما شوبنهور يعتبر الموت هو الهدف الحق للحياة. وقصر الحياة الذي يثير الاسى بلا انتهاء قد يكون افضل صفاتها. وان طبيعتنا الحقة غير قابلة للافناء ، معتبرا الموت ملهم الفلسفة معيدا الى الاذهان مقولة سقراط ان الفلسفة هي معرفة الموت. وبدون الموت لاتوجد فلسفة. ورأي شوبنهور في الانتحار الارادي المفروض انه يتماشى مع فلسفته التشاؤمية الا انه يعتبر الانتحار عملا احمق ولا يحل مشكلة الموت وخلاص الانسان من بؤس وعبء الحياة. بقوله ان الانتحار ينفي الفرد فقط لاالنوع. وربما غاب عن ذهن شوبنهور بان الموت الطبيعي للانسان هو الآخر ايضا يمثل نفي الفرد وليس النوع. وفي مخاتلة مع تجربة الموت يلجأ شوبنهور الى القول ان طبيعة الانسان الحقة – اي الارادة – باعتبار ان الحياة ارادة قبل كل شيء حسب فلسفته وان هذه الارادة لاتفنى بالموت. لان عدم قابلية طبيعتنا الحقة على الافناء.والنقطة الاساسية في حجة شوبنهور انه ليس هناك خلق من العدم. واننا اذا اكدنا هذه الفكرة فان علينا ان نوافق كذلك على ان الموت هو النهاية المطلقة اي العدم. وان اكثر الاسس صلابة لخلودنا هو المبدأ القديم(00لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لاشيء يستطيع العودة من جديد.. ).

كما يؤكد شوبنهور طالما هناك افتراض بأن الانسان خلق من عدم فنهايته الاخيرة بعد الموت الى عدم ايضا.ويقول ان نهاية الشخص حقيقية كما هو شأن بدايته. وبالمعنى ذاته الذي لم نكن به موجودين قبل الميلاد فاننا لانعود موجودين بعد الموت. غير انه لايمكن من خلال الموت افناءاً اكثر مما انتج من خلال الميلاد. ويمهد شوبنهور الطريق امام بلورة افكار الوجودية الحديثة لاحقا عندما يقول:( الرغبة في ان تكون الفردية خالدة تعني حقا التطلع الى دوام الخطأ بلا انتهاء.فكل فرد هو في اساسه خطأ  فحسب، خطوة زائفة شيء كان من الافضل ان لايكون. ) كما يعلن ان الموت هو الهدف الحقيقي للحياة. وهذه العبارات تكررت لدى اكثر من فيلسوف وجودي معاصر بدءا من كيركارد وليس انتهاءا بهيدجر او سارتر.

ويعالج شوبنهور مسألة الارادة على انها تمثل نوعا من الخلود فيقول: – ان السلام والهدوء المرتسمين على ملامح معظم الموتى يستمدان اصلهما من هذا التوضيح... فموت رجل طيب يكون عادة هادئا ويسيرا. اما الموت طوعا وغبطة وابتهاجا فهو امتياز المستسلم الذي ينكر ارادة الحياة. فهو وحده الذي يريد ان يموت حقا وليس ظاهرا. وهو يتخلى مختارا عن الوجود الذي نعرفه. وما يحصل عليه لقاء ذلك في تصورنا هو لاشيء. لان وجودنا بالقياس الى هذا هو لاشيء. والديانة البوذية تدعو ذلك بالنيرفانا. ان الموت هو الفرصة العظيمة لئلا اكون انا.وذلك بالنسبة لمن يستخدم هذه الكلمة وخلال الحياة تكون ارادة الانسان دون حرية. ويقع عمله على اساس شخصيته غير القابلة للتغيير في سلسلة الدوافع... والموت يفصم هذه العرى. فتصبح الارادة حرة والحرية تكمن في الوجود وليس في العمل(5).

وبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجلية في المسيح. واليقين بأن المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

وبذلك تحول الموت بالنسبة لشلنج فوزا نتقدم نحوه كما يتقدم المحاربون نحو نصر اكيد. وعلى الرغم من ان رد شلنج على الموت هو رد المسيحية فان استبصاراته الفلسفية تلمح الى احتمالات اخرى وهي تساؤله الشهير (لماذا كان ثمة وجود اصلا ولم يكن ثمة عدم؟) وهو ذات التساؤل الذي ارق فلاسفة الوجودية الحديثة ايضا.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم.ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا. كما اشار افلاطون(6).

 

علي محمد اليوسف

...............

(1) جاك شورون- الموت في الفكر الغربي هامش ص 279.

(2)جاك شورون مصدر سابق نقلا عن شوبنهاور العلم كارادة –الجزء الثالث ص 291.

(3) جاك شورون – الموت في الفكر الغربي – ص 42-43.

(4) جاك شورون، المصدر السابق، ص83.

(5) جاك شورون–مصدر سابق هامش ص323– نقلا عن الجزء الثالث من العالم كارادة لشوبنهور ص307-.

(6) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318.

 

 

khadat jleedالفلسفة بنت زمانها: إنّ الفلسفة عند هيجل هي تعّين في الزمان والمكان وبالتالي يمكن أن نعتبر هذه الحقيقة هي نقطة الانطلاق في فلسفة هيجل الحقيقية، لأنه كثيرا ما تنعت فلسفة هيجل بأنها ذات نزعة مثالية، وكثيرا ما تفهم أيضا بأنّها فلسفة حالمة غارقة في الميتافيزيقا وبعيدة عن الواقع ولكن الرجوع إلى فلسفة هيجل ونصوصه الأصلية وسياقها التاريخي، كل هذه المرتكزات والمعالم تشير إلى عكس ذلك تماما فالفلسفة حسب هيجل هي إفراز لمنطق العصر ونتيجة من نتائجه وهي بذلك تتلون بظروفه الواقعية وملابساته التاريخية يقول هيجل مؤكدا هذه الحقيقة في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق): « فمهمة الفلسفة هي أن نفهم ما هو موجود لأنّ ما هو موجود هو العقل، إنّ مهمة الفلسفة لتنحصر في تصور ما هو كائن لأنّ ما هو كائن ليس إلاّ العقل نفسه ولو أننا نظرنا إلى المسألة من جهة نظر الفرد لرأينا أنّ كلا منا ابن عصره وربيب زمانه، وبالمثل يمكن أن نقول عن الفلسفة إنّها عصرها ملخصا في الفكر وكما أنّ من الحمق أن نتصور إمكان تخطي الفرد لزمانه فإنّه لمن الحماقة أيضا أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لزمانها الخاص » (01) .

ومن هذا السياق الفلسفي الهيجلي يمكننا أن نفهم شيئا واحدا وهي أنّ فلسفة هيجل جاءت لفهم الواقع، الواقع الألماني الباهت والداكن في مطلع القرن التاسع عشر، هذا الواقع الذي كان يتقهقر ويتراجع أمام قوى أوربية محيطة كانت في طريقها إلى التقدم والرقي مثل بريطانيا في نهضتها الصناعية وفرنسا في ثورتها السياسية وتطورها الفكري، لقد كان هيجل يتجرع الألم والخيبة وهو ينظر إلى الواقع الألماني المفكك والمجزأ، هذا الواقع الذي رفض أن ينظر إليه نظرة سطحية محكومة بمبدأ الصدفة، بل أراد أن ينظر إليه نظرة عقلية عميقة يكتشف من خلالها المبادئ الثابتة والضرورية من خلال الأعراض المتغيرة « ومعنى ذلك أنّ هناك نظرتين للواقع، نظرة سطحية هي نظرة الفهم، تراها مفككة متناثرة لا تجمعها رابطة قوية لأنّها تظهر بفعل الصدفة أو الهوى أو العشوائية ثمّ هناك نظرة فلسفية هي نظرة العقل وهي التي يدعونا هيجل إليها، وهي التي ترى خلف الأحداث مبررا قويا وسببا ضروريا هو الذي جعلها على هذا النحو » . (02)

وإذا جاءت فلسفة هيجل لتخترق الأشكال لتنفذ إلى الجواهر في فهم الواقع الألماني على ضوء مبدأ العقل والعقل وحده لأنّ كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي، فإنّها جاءت أيضا لتنتقد تلك المقاربات الفكرية والسياسية من قبل الألمان لواقعهم المأزوم، هذه المقاربات التي رأى هيجل أنّها بعيدة عن العقل وأنّها تعبر عن تصورات قبلية يسودها مبدأ الصدفة لا الضرورة ويرى هيجل في هذا المعنى « إنّه من العسير عادة على أواسط الناس إلى تكوين عادة عقلية هي التعرف على الضرورة والتفكير فيها فتراهم يحشرون حشرا مجموعة من الأفكار والتصورات بين الأحداث وتفسيرها ثمّ يلجأون بالشكوى لأنّ ما حدث لم يتفق مع تصوراتهم والأعجب من ذلك أنّهم يلتمسون الأعذار لتصوراتهم وأفكارهم بحجة غريبة هي أنّه في حين أنّ الضرورة هي التي تسودها فإنّ ما يسيطر على الأحداث هي الصدفة، إنّهم في الواقع يفسرون الأشياء على أنّها مجرد أحداث فردية معزولة ولا ينظرون إليها على أنّها نسق من الأحداث تحكمه روح واحدة » (03) .

وانطلاقا من النصوص الفلسفية الصريحة والواضحة لهيجل ومن مواقفه السياسية يتبين لنا أنه كان ضد تيار تبرير الواقع، بل إنّه كان يتمنى في أعماقه واقعا آخرا لألمانيا، واقعا يسود فيه العقلي والكلي لا الصدفة والفردية، ومن هنا كانت مسؤولية هيجل التاريخية على الأقل بالنسبة له أمام نفسه وهو ضرورة تغيير ألمانيا من الناحية السياسية والفكرية والإقتصادية والإجتماعية . ولقد جاءت فلسفته كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية، ولا عجب بعد ذلك إذا وجدنا هيجل يهتم بالسياسة لأنّ السياسة هي مصدر القرار وقوة التغيير وأداته المباشرة، فلقد كانت السياسة اهتمام هيجل وهاجسه طوال فترة نضجه وعطائه الفكري وبروزه الإجتماعي « وفيما بين البداية والنهاية ظل اهتمام هيجل بالسياسة وفلسفتها مستمرا طوال حياته حتّى ذهب البعض إلى القول بأنّه كانت في حياة هيجل منذ بدايتها رغبة جامحة للتأثير في الحياة السياسية والإهتمام السياسي العملي في حين ذهب آخرون إلى أنه ثارت في نفسه تطلعات كثيرة فقد كان يحلم أن يصبح مكيافلي عصره » (04)

ولا شك أنّ الإنشغالات السياسية لهيجل وهواجسه الوطنية والقومية في رؤية ألمانيا أحسن من واقعها قد انعكس على أفكاره واهتماماته الفكرية والعقلية وقد تجلّى ذلك واضحا في كتابه (دستور ألمانيا ) الذي يصف فيه الواقع الألماني المريض، فلقد كان هذا الكتاب يعالج قضايا سياسية مباشرة لحالة ألمانيا « ولا شك أنّ هناك عوامل كثيرة دفعت بهيجل إلى هذا الإهتمام بالسياسة منها أسرته وتربيته وثقافته لكن أهمها جميعا أحداث العصر الذي عاش فيه وما شاهده من تغيرات سياسية سريعة وهائلة فقد سيطرت الثورة الفرنسية إبان سنوات تكوينه وامتدت إلى ما بعد نضجه، فقد كان في التاسعة عشر عند سقوط الباستيل وفي الخامسة والأربعين عندما وقعت معركة واترلو ومات بعد عام واحد من ثورة يوليو » (05) .

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أنّ الواقع الألماني والتغيرات الدولية المحيطة تعتبر العوامل الأساسية في توجيه فلسفة هيجل، ولقد جاءت فلسفته لتستوعب تناقضات الواقع من خلال الكشف عن المبادئ الحقيقية التي تحكمه وبالتالي أراد أن يجري مصالحة بين الفكر والواقع، وفي هذا المعنى يقول الدكتور زكريا إبراهيم: « والواقع أنّ هيجل قد عاصر فترة حرجة من فترة الحضارة الأوربية فلم يكن من الغرابة في شيئ أن تجيئ فلسفته مصبوغة بتلك الصبغة الدرامية أو المأساوية التي اتسم بها عصره، وهذا مما حدا ببعض النقاد إلى القول بأنّ نظرية هيجل في السلب والتناقض ليست سوى مجرد انعكاس لروح التمزق والتصدع التي سادت العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر وليست عبارات التوتر والإنقسام والإغتراب والإزدواج والتعارض والتناقض سوى مجرد تعبير عن إحساس هيجل بالحاجة إلى الوحدة والهوية والتوافق والتصالح والألفة والإنسجام، ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أنّ المهمة الأساسية التي تقع على عاتق الفلسفة، إنّما هي العمل على محو المتعارضات من أجل بلوغ أعلى درجة من درجات التصالح أو التوافق » (06) .

لقد كان هيجل يبحث إذن عن الإنسجام بين الفكر والواقع ولكن قبل حصول هذا التصالح فلا بدّ من تشخيص الواقع الرمادي الذي أنجز دورته بالفعل، والفلسفة في نظر هيجل هي التي تقوم بهذا الدور التاريخي والحضاري لأنّها تأتي دائما متأخرة، يقول هيجل: « بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي أن يكون والذي يقال إنّ الفلسفة تبشر به، إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلى حين يكتمل الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره، إن الدرس الذي تعلمه لنا الفكرة الشاملة، وهو أيضا درس يكشف التاريخ عن أنّه ضروري ولامحيص عنه هو أنّه حين ينضج الواقع الفعلي فعندئذ فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه وليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية، ذلك العالم الواقعي ذاته مدركا في وجوده الجوهري، وحين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رمادي، فإنّ ذلك يكون إيذانا بأن صورة من صور الحياة قد شاخت أو أن شكلا من أشكال الحياة قد أصبح عتيقا، لكن ما تصنعه الفلسفة من لون رمادي فوق لون رمادي لا يمكن أن يجدد شباب الحياة ولكنه يفهمها فحسب، إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلاّ بعد أن يرخي الليل سدوله » (07) .

وما يمكن استنتاجه من هذا النصّ الفلسفي الواضح لهيجل هو أن الفلسفة تأتي لتلخّص الواقع في الفكر ويأتي تلخيصها لهذا الواقع بعد أن يصل إلى مرحلة النهاية وبالتالي ضرورة الانتقال من واقع رمادي إلى واقع جديد ولشرح هذه الفكرة أكثر يقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام «والمقصور هو أنّ الفلسفة تعبّر عن قمّة البناء الذي هو القمّة والنهاية في آن معا، فبناء الواقع لأنه وصل إلى القمّة وبدأت النظرات الفلسفية تلخصه في الفكر فإن ذلك يعني أنه على وشك الأفول، وحين تقوم الفلسفة برسم لوحتها فإنها لن تستطيع تجديد شباب هذا البناء الهرم فإذا كان البناء السياسي شائخا أو باهتا فمهما وضعت الفلسفة من ألوان رمادية ومهما لونته من نظريات فلا بدّ له لأن ينهار، ومهما دافعت عنه الأفكار الفلسفية فإنّها لن تعيده شابا من جديد، بل إنّه حين يوضع في نظريات فلسفية فإنّ ذلك يعني في الحال أنّه وصل إلى تمامه وأنّه على وشك الأفول» (08) .

وما يمكننا قوله أنّ فلسفة هيجل واقعية في تأسيسها وأسسها وأنّ هيجل يحبذ المتحقق في الفكر حتى ولو كان بسيطا وقليلا على الفكر الذي لم يتحقق ولو كان واسعا وعظيما وبعد ذلك أو ليس هو القائل « إنّ أصغر عمل متحقق لهو أكبر قيمة من أجمل فكرة لم تستطع أن تتجاوز دائرة الإمكان فبقيت مجرد مشروع » (09) .

وهذا هو باعتقادنا الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من فلسفة هيجل، إنه درس كبير ويحتاج منّا كلّ الإصغاء والنظر والتأمل .

هيجل وأزمة ألمانيا:

إذا كان الإنسان إبن عصره وزمانه، وهي مقولة هيجلية في عمقها، فإنّ من يجسد هذه المقولة بحق هو هيجل نفسه، فلقد كان التأخر التاريخي الألماني خاصة في جانبه السياسي هو بؤرة اهتمامه الفكري بالإضافة إلى المشكل الديني، فلقد كان هيجل يحمل في ذاته شكلا من أشكال الوعيالشقي، إنّه يحمل في ذهنه واقعا أفضل لألمانيا هذا الواقع الذي هو في طور المثال ولم يتحقق بعد أمام الواقع الراهن الذي تبدو فيه ألمانيا دولة عجوزا، ومن هنا فإنّ هيجل كان مدفوعا دفعا للتفكير في أحداث عصره، هذه الأحداث التي كانت سريعة ومفاجئة في عمومها، لذلك فإنّ المشكلة السياسية عند هيجل تشكل الركن الركين وحجر الزاوية في فلسفته بصفة عامة وهذا ما يؤكده الدكتور زكريا إبراهيم عندما يقول «ولكنّ هيجل لم يقتصر في هذه المرحلة على الإهتمام بالمشكلة الدينية وإنّما هو قد أبدى أيضا إهتماما كبيرا بالمشكلة السياسية، وقد كانت ألمانيا في ذلك الوقت ضحية للفساد السياسي وسوء الإدارة والإنقسامات الداخلية فكان من الطبيعي لمفكر وطني مثل هيجل أن يشغل نفسه بالتفكير في حل ناجح لمشكلة بلاده والواقع أننا لو أمعنّا النظر إلى تطور هيجل الروحي خلال الفترة التي قضاها في توبنجن لتحققنا من أنه كان على وعي تام بأنه كان يحيا في فترة أزمة: أزمة خارجية هي أزمة ألمانيا نفسها وأزمة داخلية هي أزمته الدينية الخاصة، والذين يقيمون ضربا من التعارض بين هذين الإهتماميين إنّما يتناسون أنّ هاتين الأزمتين لم تكونا في الحقيقة سوى واجهتين لمشكلة واحدة بعينها، ومن هنا فإنّ كل تطور هيجل الروحي في تلك الآونة، إنّما كان متجها نحو البحث عن حل لتلك الأزمة المزدوجة » (10) .

لقد كانت الأطر الإجتماعية للعصر والتحولات التاريخية تقولب الفكر الهيجلي وتوجهه إلى مصيره وهو التفكير في الواقع الألماني من خلال التفكير في مفهوم الدولة والشعب والسيادة، بل يمكن أن نقول أنّ هيجل قد ربط مصيره بمصير ألمانيا، وبالتالي لم يكن ليقبل أن تكون صورته امتدادا لصورة ألمانيا، وبالتالي كان اهتمامه بالسياسة إهتاما مصيريا ويمكننا أن نقول: « أنّ السياسة كانت موضع اهتمام هيجل، بل وشغله الشاغل طوال حياته، فقد كان يعيش في عصر تاريخي إلى أقصى حد وكان يتتبع الأحداث يوما بيوم فهو القائل: (إنّ قراءة الصحف هي لون من ألوان صلاة الصبح) مستوحيا إياها من قضايا الساعة وليس من قبيل المصادفات أن يكون أول وآخر أعماله المنشورة والتي اهتم بدفعها إلى النشر بالفعل عبارة عن كتابات سياسية وليست أعمالا فلسفية خالصة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة » ( 11) .

ومن أبرز كتبه التي تناول فيها أزمة الواقع الألماني بالتشخيص وبنبرة حادة كتاب (دستور ألمانيا) وهو من الكتابات المبكرة لهيجل الشاب الذي يعكس من خلاله أحلامه الوطنية وشعوره القومي، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر « وصف رائع للتمزق الذي كانت تعاني منه الأمة الألمانية في عصره ، فالأمبراطورية الألمانية تجزأت إلى دويلات صغيرة بغير قانون موحد ولا دستور واحد ولا مجلس نيابي قادر على سنّ التشريعات المختلفة أو عملة واحدة ويصف هيجل حالة ألمانيا بقدر غير قليل من الحزن والأسى حيث يقول: (لم تعد ألمانيا دولة) ولهذا سقطت مترنحة تحت أقدام الغزاة من الفرنسيين فعندما طرقوا الباب طرقات خفيفة انفتح على مصراعيه ولا أحد يدافع عن ألمانيا سوى بالخطب والكلمات والعبارات الرنانة » (12) .

إنّ إدانة هيجل للواقع الألماني يعني إثارة الشعور الوطني والقومي للألمان أمام شعوب أوربا الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا أحسن من الوضع الألماني المأزوم، فلقد كان هيجل يقول بمرارة ( إنّ ألمانيا لم تعد دولة ) وهذا صحيح من الناحية العملية لأنّ ألمانيا لم تكن « لتشكل هيئة سياسية قومية، لقد كانت أمبراطورية تتألف من 360 دولة حتّى أنّ وسط ألمانيا وغربها كان عبارة عن فسيفساء سياسية تضم دولا صغيرة جدا تتألف الواحدة منها من دوقية أو قصرا أو مدينة أو إمارة كنسية وإذا كانت بروسيا تضم 2.5 مليون نسمة من السكان وهي أكبر دوقية فمن الممكن تصور حال الدول الأخرى » (13) .

ولا شك أنّ الوصف الهيجلي لحالة ألمانيا لم يكن نابعا من قناعات نظرية أو افتراضية أو مثالية فمقولة ألمانيا لم تعد دولة قد تأكدت على أرض الواقع، وأنّ تاريخ الإمبراطورية الألمانية العظيم لم يشفع لها أمام الجيوش الفرنسية التي حطمت أسطورة التاريخ الأبدي الخالد للإمبراطوريات التقليدية، ولقد كان هذا هو المعلم البارز في صدقية أفكار هيجل حول أزمة ألمانيا وبعبارة أخرى إنّ « المحك الأساسي الذي لجأ إليه هيجل ليؤكد على أساسه أنّ ألمانيا لم تعد دولة هو الضربات التي وجهها جيش الثورة الفرنسية للدولة الألمانية الكبرى أو نظام الرايخ وتاريخه القديم، ولم ينظر هيجل إلى هذه الحرب على أنّها نزاع بين أمتين أو حركتين قوميتين، ولكنه نظر إليها على أنّها صدام بين نوعين من الدول ونظامين من النظم السياسية، ومن هنا فإنّ انتصار الجيوش الفرنسية كان دليلا على قوّة الدولة الحديثة وتماسكها على نحو ما صهرتها القوى الثورية في فرنسا، أمّا النظام الألماني للإمبراطورية القديمة فغدا نظاما متخلفا من العصور الوسطى عاجزا تمام العجز عن الوقوف أمام هذه القوى الإجتماعية » (14) .

لقد كان هيجل في تحليله للوضع المأساوي لألمانيا يدعو إلى شيئ واحد وهو التبشير بعصر جديد تسود فيه القيم الإنسانية والحضارية الجديدة التي حملتها رياح الثورة الفرنسية كالأخوة والحرية والعدالة والمساواة بالإضافة إلى المفهوم الحديث للدولة التي تقوم على فكرة المؤسسات وهذا ما حاول أن يبرزه هيجل في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق) وكان لا مناص لهيجل من كل ذلك من خلال وعيه بالوضع القائم والمهمة الجديدة أن يناهض الفكر الرجعي وكل ما يرتبط بالنظام التقليدي القديم لقد أراد هيجل بكل وضوح أن يستبدل القانون الطبيعي بالقانون العقلي في المجتمع وكان يؤمن يقينا « أنّ اتجاها جديدا نحو السياسة قد ولّد إبان الثورة الفرنسية وأعني به القضية التي تحاول الكتابات السياسية لهيجل نشرها وإذاعتها فجميع كتاباته السياسية تدل على أنّه انغمس في هذا الإتجاه وأنّه ثار ضد خصمه وهو الإتجاه التقليدي الرجعي أو الموقف الطبيعي ونستطيع أن نسمي هذا الإتجاه الجديد باسم مبدأ القانون العقلي كمضاد لمبدأ القانون الوضعي الذي أدانه هيجل بقوة، والإيمان بالقانون العقلي بوصفه المعيار الوحيد المشروع لقياس جميع القوانين والمؤسسات والدساتير، هو البند الأول الأساسي في عقيدة هيجل السياسية » (15).

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحرب الفرنسية الألمانية المحك والأداة التي كشفت زيف الواقع الألماني والفكر الرجعي الزائف الذي كان يبرر هذا الواقع ويؤدلجه لمصالحه وهذا مما دفع بهيجل على إعطاء قيمة إيجابية للحرب في هذا الإتجاه ليس في جانبها التدميري العنيف لكن في الإتجاه الذي يجعل الإنسان يكتشف ذاته على حقيقتها بحيث تسقط جميع الأقنعة وتتهافت جميع الخطابات التي تعطي الأولوية للكلام على الفعل، لأنّ حالة الحرب تكشف عن حقيقة الوجود الداخلي للشعب ومدى قدرته وتماسكه ومن ثمة مدى قدرة الدولة على مواجهة الأحداث والتحديات، ويرى هيجل في هذا الإطار « أنّ صحة الدولة بصفة عامة لا تكتشف بوضوح في هدوء السلم بقدر ما تكتشف في لهيب الحرب، فالسلم هو حالة الإستمتاع والنشاط المنعزل، لا سيما إذا كانت الحكومة من النوع الأبوي المتزن الذي لا يطلب من رعاياه سوى مطالب عادية مألوفة، أمّا في حالة الحرب فإنّ قوة الترابط التي تربط الأفراد جميعا بكل وضوح تصبح واضحة للغاية وهذا الترابط هو الذي يحدد مبلغ ما يطلب من الأفراد وقيمة ما يقدمونه هم بدافع من داخلهم ومن صميم فؤادهم سواء بسواء » (16).

وحقيقة ما أراد أن يعبر عنه هيجل بكل وضوح هو أنّ الحرب تثير الشعور القومي للشعب وبالتالي يحدث التلاحم والإرتباط وتتناسى الأحقاد وتفجر الطاقات المكبوتة والمختزنة للأفراد ويندمج الفرد في إطار الكل وتصبح المسؤولية مشتركة والقضية قضية وجود ومصير، إمّا أن نكون أو لا نكون، إمّا أن نكون أسيادا أو عبيدا، إمّا أن نكون مستقلين وأصحاب إرادة أو تابعين وخاضعين « ومن ثمّ فإنّ ألمانيا في حربها مع الجمهورية الفرنسية تستطيع أن تتعرف بخبرتها ذاتها أنّها لم تعد دولة فهي قد أصبحت واعية بوضعها السياسي تماما في حالة الحرب بقدر ما وعته في حالة السلم التي أطبقت عليها، فالنتائج الممارسة لهذه الحرب هي ضياع أجزاء من أجمل الأراضي الألمانية وفقدان بضعة ملايين من سكانها فضلا عن عبء الديون وهي ديون كانت امتدادا لبؤس الحرب في وقت السلم، وهناك نتيجة أخرى، هي أنه إلى جانب أولئك الذين وقعوا في قبضة المحتلين والقوانين والعادات الأجنبية سوف تفقد ولايات كثيرة أعظم خيراتها وأعني به استقلالها » (17).

كما أنّ هيجل من جهة أخرى يدعو في نقده السياسي للواقع الألماني إلى تأمل الأوضاع في حالة السلم والتعلم دروس التاريخ، هذه الدروس التي هي بحاجة إلى من يتعلمها حتى تكون بمثابة نقاط ضوء تنير طريق المستقبل، ولعل الدرس الأكبر في نظر هيجل الذي يجب أن يتعلمه كل شعب في كل زمان ومكان هو أنّ « كل دولة إنّما تعبّر عن روح شعب ما أو مصير أمّة محددة في نطاق حقيقة كلية أوسع منها ألا وهي التاريخ، وإذن، فإن كل شعب، بل كل دولة إنما هي لحظة من لحظات المطلق في تطوره عبر التاريخ » (18).

إن هيجل يرفض النظرة التجزيئية للواقع ويدعو إلى النظرة الكلية الشاملة التي تقوم على مبدأ العقل والتأمل الباطني للأشياء، وإذا كان هاجس هيجل السياسي هو ضرورة تأسيس دولة ألمانية حديثة على أسس جديدة ونظم متطورة ووعي تاريخي جديد يكون قادرا على إستيعاب أحداث العصر والعالم والتحديات الجديدة التي أفرزها التاريخ الجديد .

إنّ هذا الوعي التاريخي الجديد في نظر هيجل يتجسد أكثر في حالة السلم . فكيف يدفع السلم في نظره إلى إدراك هذه الحقيقة وإلى تقييم النتائج المأساوية وانعكاسها على الشعب الألماني ومستقبله ؟ يرى هيجل أن السلم « يتيح الفرصة المناسبة لكي نتدبر بإمعان الأسباب الداخلية لهذه النتائج وروحها ونتأمل الطريقة التي يمكن أن تصبح بها هذه النتائج وحدها المظاهر الخارجية الضرورية لتلك الروح، كما أن هذا التدبر سوف يناسب هو ذاته أي شخص لم يذعن لما قد حدث لكنه يريد أن يتعرف على الحادث وضرورته، وهو بهذه المعرفة يفصل نفسه عن أولائك الذين يرون الصدفة والعشوائية وحدهما الذين يقنعهم حمقهم أنّه كان من الممكن ترتيب كل شيئ بحكمة أكثر وبحظ أوفر، إنّ هذه المعرفة لعلى جانب عظيم من الأهمية لمعظم الناس » (19) .

وما يمكننا إستنتاجه من هنا وهناك أنّ المذهب الفلسفي لهيجل يستبطن عقيدته السياسية، وأنّه يبرز هيجل كمفكر وطني وقومي قبل كل شيء، لأنّ العالم يبدأ من عتبة بيوتنا وأنّ وعي العالم يبدأ من وعي الذات وهذا حتى لا تنطبق علينا مقولة هيجل الشهيرة التي تقول: (إنّ كلّ ما نتعلمه من درس التاريخ هو أنّه لا أحد تعلّم من هذا التاريخ) ولا شك أنّها حكمة خالدة تستدعي منّا النظر والعمل .

هيجل والثورة الفرنسية:

لقد شكلت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 منعطفا حضاريا حاسما وتحولا تاريخيا كبيرا في أوربا بصفة عامة وألمانيا بصفة خاصة، ولقد تفاعل المفكرون والأدباء الألمان مع هذا الحدث التاريخي تفاعلا إبداعيا ورؤية عقلانية للتاريخ مليئة بالتفاؤل، وخاصة هيجل الذي رأى في هذه الثورة ملامح عصر جديد وفجر جديد يزيل الظلام عن أوربا الذي كان يلفها في غياهب التخلف ولقد كانت الثورة الفرنسية في هذا الجانب أيضا بالنسبة لهيجل بمثابة الشمس الساطعة والحقيقة الحارقة لكل الأجوبة الأبدية والشمولية ولكل قيم وعادات العصر التقليدية التي كانت تختزل الفكر والإنسان في أهواء الملوك ورغباتهم، وعلى هذا الأساس، فقد «أولى هيجل إهتماما خاصا بهذا الحدث كما فعل مع غيره من الأحداث الأخرى ، لقد نظر إليها باعتبارها نقطة فصل في التاريخ كرست القطيعة مع الماضي على الصعيد العملي وجسدت الأزمنة الحديثة في واقع الممارسة السياسية الثورة الفرنسية إذن بالنسبة لهيجل هي تحقيق ما كان يراه هيجل نموذجا للحرية الإنسانية، لذلك فقد أعجب بها وبمبادئها المستوحاة من روح العصر، واعتبرها الحدث السياسي الذي دشن الحداثة بالفعل وتأكد من خلاله أنّ الروح يحكم العالم » (20) .

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتساءل مع هيجل على هذه المعطيات منطلقين من مجموعة من الإستفهامات: كيف تعامل وتفاعل هيجل مع أحداث عصره، خاصة الثورة الفرنسية ؟ كيف كانت نظرته إليها وكيف كان تقييمه لها ؟ وما مدى إنعكاس الثورة الفرنسية كحدث تاريخي على وعي هيجل وفلسفته ومنطلقاته النظرية ومواقفه العملية؟اخيرا وليس آخرا، هل كان اهتمام هيجل بالثورة الفرنسية وبأحداث عصره من باب الترف الفكري أم من باب المسؤولية التاريخية ؟ .

وقبل الإجابة على هذه التساؤلات لابدّ أن نؤكد على حقيقة جوهرية وهي أنّ فلسفة هيجل يجب فهمها والنظر إليها انطلاقا من واقعها وليس من مفاهيمها الميتافيزيقية، بل حتى هذه المفاهيم الميتافيزيقية تظل مغلقة وملتبسة بمحتوى ومضمون من الواقع، وبالتالي فإنّ الواقع بالنسبة لهيجل يشكل ورشة عمل حقيقية لنحت وإبداع المفاهيم الفلسفية، فالفلاسفة لا يخرجون من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية بل هم ثمرة عصرهم ومجتمعهم، وهذا ما يسميه هيجل روح العصر أو إنتماء الفيلسوف لروح العصر، ومعناه المعاصرة الوجدانية والفكرية لمنطق العصر والتقيد بإشكالياته الكبرى ومحاولة الإجابة على تحدياته واستفهاماته « هكذا إذن كان موقف هيجل إن لم نقل مواقفه من الثورة الفرنسية تعبيرا صادقا عن اهتمام هيجل بأحداث عصره، فهيجل قد عاصر حقبة كاملة عرفت أحداثا دينية وثقافية وسياسية كانت تنذر بميلاد حقبة جديدة وعصر جديد، لقد واكب هيجل هذه الأحداث لا فقط لمسايرتها، وإنّما كذلك لتحويلها إلى آراء نظرية، هكذا إذن تكون دلالة الحماس الهيجلي إزاء الثورة وليدة اهتمام خاص يوليه هيجل للتاريخ وأحداثه الكبرى، لم يكن إذن ذلك التأييد والإنفعال مع الثورة وليد الصدفة أو لمجرد الترف الفكري، بل كان دافعه الأول والأخير هو الإرتباط بالعصر أو ما يسميه هيجل الإنتماء لروح العصر » (21) .

إنّ الإنتماء لروح العصر يعني بالنسبة لهيجل على صعيد الوعي والفكر مسؤولية الفيلسوف التاريخية أمام واقعه ومجتمعه، خاصة إذا كان هذا المجتمع يمر بمنعطفات وتحولات جذرية في بنيته الداخلية والخارجية ومن هنا يمكننا أن نطرح التساؤلات التالية: كيف عاصر هيجل أحداث الثورة الفرنسية ؟ وكيف تجسدت واقعيا في فكره وسلوكه السياسي ؟ وهل موقف هيجل الشاب من الثورة الفرنسية هو نفسه موقف هيجل الكهل والناضج ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لا بدّ أن نعود بخطوات منهجية وزمانية إلى الوراء وأعني إلى بداية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 حيث في هذا التاريخ تحديدا « ولم يكن هيجل يومها قد بلغ العشرين من عمره، وكان خلال هذه المرحلة يتلقى تكوينه التيولوجي في إطار ما يسمى بملتقى تبنجين، وقد جاء أول تعبير عن مساندة الثورة حينما شكل هيجل وهولدرلين وشيلينغ النادي السياسي لطلبة هذا المعهد، وحيث بدأ هيجل يلقي خطبا حول مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، كما أنّه قد عبّر عن نفس الحماس والتأييد طيلة حياته معتبرا أنّ الثورة الفرنسية هي الحدث الذي تتمحور حوله كلّ تحديدات الفكر الفلسفي في علاقته بالزمن» (22).

لقد كان حماس هيجل للثورة الفرنسية يرتقي إلى مستوى الإيمان والإعتقاد، فليس في الإمكان إبداع أحسن مما هو كائن من حيث الأفكار والمبادئ والقيم الإنسانية وفي طليعتها قيمة الحرية التي هي ماهية الإنسان وجوهره الحقيقي، وكخطوة رمزية وعملية من هيجل ورفاقه بإيمانهم بمبادئ الثورة الفرنسية حيث في يوم من الأيام « وفي صباح يوم أحد في ربيع عام 1791 إنضمّ هيجل إلى مجموعة من الشباب المتحمسين للحرية الذين ذهبوا إلى أحد المروج خارج مدينة توبنجن ليزرعوا شجرة الحرية وهم ينشدون نشيد المارسليزيه ويتلون قصيدة شيلر (أنشودة الفرح) التي استخدمها بيتهوفن فيما بعد في السيمفونية التاسعة » (23).

لقد شكلت الحرية إذن بالنسبة لهيجل محور فكره الفلسفي وتأملاته النظرية في الواقع والتاريخ خاصة ما اتصل منها بتاريخ الأمم والحضارات، إنّها المفتاح الإستكشافي لكل نسقه الفلسفي، بحيث لا يمكن فهم نظرية ما عند هيجل بدون إحالتها وربطها بمفهوم الحرية، ألم يقل هيجل نفسه في كتاباته الفلسفية أنّه (إذا كان الثقل ماهية المادة فإنّ الحرية هي ماهية الفكر) ولقد رأى هيجل على ضوء أحداث عصره وانطلاقا من مفهومه للحرية أنّ من يجسد هذا المبدأ على أرض الواقع إنّما هو نابليون الشخصية التاريخية والعالمية والذي يسميه هيجل (روح العالم) ، حيث وفي ليلة 12 أكتوبر ضرب نابليون (يينا) بالقنابل، وفي اليوم التالي دخلت قواته المدينة وكانت لا تزال أوراق الكتاب (ظاهريات الروح) في جيب هيجل الذي كتب إلى نيتامر يقول « لقد رأيت الأمبراطور روح العالم ممتطيا صهوة جواد يستكشف المدينة إنّه لإحساس عجيب أن ترى مثل هذا الفرد متمركزا هنا في نقطة واحدة ممتطيا صهوة جواد، ومع ذلك يعبر العالم ويتحكم فيه » (24) .

يبدو لنا من الوهلة الأولى أنّه من الصعب علينا أن نتفهم هذا الموقف الهيجلي من الإحتلال فبأيّ منطق وبأية فلسفة يمتدح هيجل نابليون كل هذا المدح وهو المحتل لوطنه وشعبه ويصفه بروح العالم ؟ لا شك أنّ هناك نظرة أخرى لهيجل من هذا الحدث وهذا التوصيف الأسطوري، خاصة أنّ هيجل ظلّ طوال حياته يحمل هموم ألمانيا ومآسيها في عقله ووجدانه، لقد كان يمثل نابليون لهيجل فيما نعتقد القيم الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تنقذ المأساة الألمانية، إنّه العصر الجديد الذي يأتي على أنقاض العصر القديم، لقد كان الهاجس الحقيقي والفعلي لهيجل وهو يتأمل الثورة الفرنسية هو الواقع الألماني ذاته، كما اعتبر هيجل هذه الثورة من جهة أخرى أنّها تمثل حدثا إنسانيا وعالميا وهذا عندما يصف هيجل نابليون بأنّه (روح العالم) لقد كان ينظر إليه بأنّه الناطق الفعلي والشرعي لضمير الإنسانية وليس للأمة الفرنسية وحدها، ومن هنا عالمية وكونية هذه الثورة بأبعادها ومبادئها التي هي مبادئ كل إنسان في كل زمان ومكان، ومن هنا أراد هيجل أن تكون فلسفته فلسفة للثورة الفرنسية التي تبقى في نظره أمل ألمانيا وأوربا في تحرير شعوبها من القيود الفكرية والسياسية والإجتماعية خاصة أنّ الثورة الفرنسية رفعت شعار (حرب على الملوك وسلام مع الشعوب) .

ولا شكّ أنّ الإندماج الفكري والوجداني لهيجل مع أحداث عصره خاصة الثورة الفرنسية يجسد لديه بحق مقولة الإنتماء لروح العصر، إذ الإنتماء لروح العصر «هو الشرط الضروري الذي بتوفره يمكن أن يوصف الإنسان هيجيليا بكونه إنسانا حديثا، وهو كذلك الشغل الشاغل بالنسبة للتفكير الفلسفي الهيجلي، لذلك فإنّ الإهتمام بالثورة هو تعبير عن الإنتماء لروح العصر، فلسفة هيجل إذن أرادت أن تكون فلسفة للثورة الفرنسية، لأنّ هيجل يرى أنّ الثورة بنت الفلسفة كما يرى كذلك أنّها دافع إلى التفكير الفلسفي لأنّها كانت الوسيلة التي من خلالها تنبه المثقف في ألمانيا إلى أنه يعيش واقعا مرفوضا، فعلى أساس توجهاتها إنبنى نقد الأوضاع في ألمانيا، لقد كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لهيجل هذه الشمس التي ترفع في سماء فرنسا وتضيئ بنورها الساطع المأساة الألمانية»(25).

ولكن الثورة الفرنسية كحدث سياسي وتاريخي والتي جسدت فلسفة عصر الأنوار والمفكرين الموسوعيين قد مرت بمراحل وتحولات ظرفية وتاريخية إلى أن أنقلبت على نفسها ودخلت في أزمة حقيقية وقامت حكومة الإرهاب والمقاصل الجماعية وتحولت الحرية إلى رعب والثورة إلى فوضى وسادت المقولة السياسية الشهيرة (الثورة تأكل أبناءها) ومن هنا أخذ هيجل يتساءل بعمق « فما الذي جعل الفكر العقلي الحي ينقلب على هذا النحو إلى طوفان مدمر؟ » (26) .

وبعد أن تأمل هيجل مبادئ الثورة الفرنسية وتجسيداتها العملية والتطبيقية وجد أنّ هناك تناقضا بين المادة والصورة، بين المفاهيم النظرية ومحتواياتها الواقعية، بينما هو كائن وما يجب أن يكون، ويقول هيجل في هذا الإطار معلللا « السبب أنّ رجال الثورة لم يسمحوا بالتطبيق العملي الجاد للأفكار التي نادوا بها، ذلك لأنّ تحقق هذه الأفكار بالفعل يحد من حرياتهم لأنّ قيام المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وإعطاء كل ذي حق حقه سوف يعني في الحال أن تتحول الحرية المطلقة إلى حرية مقيدة متناهية محددة، ولهذا راحت الثورة تدمر ما تقوم هي نفسها ببنائه » (27) .

إنّ تراجع الثورة الفرنسية وانقلابها على نفسها جعل هيجل يفكر كثيرا في محتوى مفهوم الحرية، فلا وجود لحرية طبيعية أو حرية عمياء في نظره، فالحرية هي الخضوع الواعي لمبدأ أو قانون عام، ولا وجود لحرية مطلقة، وبالتالي فإنّه على ضوء أخطاء الثورة الفرنسية في مساراتها قام هيجل بتأمل وتصحيح الكثير من المفاهيم السياسية والفلسفية كمفهوم الحرية تحديدا، لذلك فإنّ الثورة الفرنسية في نظره وإن نجحت على صعيد المبادئ والشعارات واندفاعاتها الأولى المبكرة والمبشرة فإنها أخفقت على مر الزمن في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، ومع ذلك فقد «ظل هيجل طوال حياته يحتفل بيوم الباستيل وظلت الحرية الشغل الشاغل في فكر هيجل، وفي سنواته الأخيرة كان يسترجع روح عام 1789م، لقد كان سقوط الثورة الفرنسية عند هيجل وعند كثير من معاصريه في خوف مطلق يمثل أعمق أزمة للروح ويحاول قسم هام في أول كتاب كبير لهيجل (ظاهريات الروح) أن يعرض للإرهاب ويفسره بأنه كان نتيجة للحرية التي أكدت نفسها بطريقة مجردة على أنّها شيء مطلق لا يرتبط بسياق العلاقات الأخلاقية أو تنظيم المؤسسات»(28).

وما يمكن إستخلاصه من كل هذا أنّ الثورة الفرنسية شكلت المنظور العام لهيجل في رؤيته لتاريخ العالم، وبقدر ما ألهمت الفكر الألماني بصفة عامة والفلسفة الهيجيلية بصفة خاصة فإنّها سمحت لهيجل بمراجعة هذه الثورة على صعيد الوعي النظري خاصة في جوانبها العملية، لقد كانت الثورة الفرنسية في نظر هيجل مبادئ مجردة بدون ضوابط أخلاقية أو قانونية، وهذا ما ألهمه في كتابه (أصول فلسفة الحق) ليركز على مفهوم الدولة الواقعية وفكرة المؤسسات والمجتمع المدني، فالمؤسسة هي القالب الواقعي للمفاهيم النظرية والفلسفية، وبالتالي فإنّ ما يتحقق ولو قليلا هو أكثر غنى واتساعا مما لم يتحقق ولو كثيرا، وذلك هو جوهر فلسفة هيجل في مقاربته للواقع العيني وفي رؤيته الفلسفية في المطابقة بين الفكر والوجود والمصالحة بين المجرد والعيني.

 

الدكتور قادة جليد

....................

هوامش البحث

(1) هيجل: أصول فلسفة الحق، تر: د. إمام عبد الفتاح إمام، 1996، مكتبة مدبولي، مصر، ص:116.

(2) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر، 1993،ص: 22.

(3) نفس المرجع، ص: 43،42.

(4) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:27.

(5) نفس المرجع، ص: 29.

(6) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مكتبة مصر، 1970، ص: 24،23.

(7) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:119-120..

(8) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 79.

(9) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:10.

(10) نفس المرجع، ص: 38.

(11) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر 1985، ص: 59.

(12) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 6.

(13) نفس المرجع، ص: 13.

(14) نفس المرجع، ص: 18.

(15) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، مرجع سابق،ص: 85.

(16) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 40.

(17) نفس المرجع، ص: 41.

(18) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:76.

(19) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 41.

(20) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مركز الكتاب للنشر، مصر، ط1، 2003، ص 85.

(21) نفس المرجع، ص: 81.

(22) نفس المرجع، ص: 85.

(23) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،تر: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ص21.

(24) نفس المرجع، ص: 58.

(25) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مرجع سابق، ص82.

(26) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 7.

(27) نفس المرجع، ص: 7.

(28) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،مرجع سابق ، ص22-23.

 

 

ali mohamadalyousifبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجليّة في المسيح. واليقين بان المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم. ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلّي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا.كما اشار افلاطون. (1)

لايمكن ان يكون اخلاص الرومانتييكيين مثار شك للموت. ومعظمهم عاشوا تقارب حميم مع الموت ومات اغلبهم شبابا. وكان نوفاليس مصدورا حينما لفظ انفاسه الاخيرة في التاسعة والعشرين من عمره. ونقرا في مذكراته قوله لن انجز شيئا هنا وسأقول وداعا لكل شيئ في ريعان شبابي. وقد مضى الموت راحلا بأخيه الاثير اراسموس. اما بطلة حبه العظيم صوفي فون كين فقد قضت نحبها في الخامسة عشرة من عمرها ومعها مات العالم باسره بالنسبة لنوفاليس. (2)

وعبارة ايفان في قصة الكاتب الروسي دوستوفسكي الاخوة كرامازوف التي وردت على لسانه- (اذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح للانسان.) وقد عالجها باهتمام كبير نيتشة.كما اقتبسها سارتر فيما بعد. وتولستوي ايضا.

وعن الموت في اللاهوت المسيحي، فحينما يتحدث اللاهوتيون المسيحيون عن الموت فانهم يعطونه معنى ثلاثيا، فهناك بادئا ذي بدء "الموت الطبيعي" الذي هو نهاية الحياة العضوية.

ثم هناك "الموت الروحي" ويعبّر عنه وضع الانسانية خارج الايمان المسيحي، وهناك اخيراً "الموت الصوفي" وهو المشاركة في الحياة الالهية التي تجري بالفعل خلال هذا الوجود الارضي على الرغم من الموت الطبيعي.وقد جعل المسيح الوصول اليه ممكنا، إذ يقول القديس بولص "بموتكم تتوحد حيواتكم مع المسيح الرب" ويعد الموت الصوفي انتصاراً على الموت العضوي، وما البعث الا مرحلة اخرى في هذا الموت الصوفي الذي هو في الوقت ذاته حياة خالدة.

بينما يعد الخلود في الفكر الاغريقي سمة باطنية للنفس يكون في الرؤية المسيحية الله وحده يمكنه ان يخلع حياة جديدة على الانسان الفرد كهبة لايستحقها هذا الانسان بسبب طبيعته الخاطئة. وقد اقرّ بعض اللاهوتيين المعاصرين صراحة صعوبة اثبات مبدأ البعث والخلود.

وقد استعيض لدى البعض خلود السماء بخلود الانسان على الارض. وراودهم حلم امكانية البقاء اللامتناهي للحياة البشرية على الارض.بل وفي بعض الاحيان طرحت براهين لاهوتية لتاكيد ذلك. وزعم جون اسجيل في كتيب له ظهر اوائل القرن

الثامن عشر في لندن انه وفقا لعهد الحياة الازلية الذي كشف عنه النقاب في الكتب المقدسة سينقل الانسان الى الحياة الازلية دون ان يمر بالموت. وكانت ردة الفعل عليه عنيفة فاحرق الكتيب علنا وحرم المؤلف من مقعده في البرلمان.(3)

ويذهب جاروسلاف في كتيبه-(شكل الموت)-ان موت الانسان لايمكننا فهمه بمعزل عن الموت لدى آدم والمسيح. والصليب يترك اسئلة دون اجابة وشطرا من الموت دونما اشتهاء الانطلاق ومصاحبة المسيح. ولاقت الفكرة صدى صوفيا بليغا لدى القديس اغناطيوس الانطاكي فيما كان يستعد لاستشهاده الوشيك في مدرج روما. اتجهلون اننا كل من اعتمد المسيح اعتمدنا لموته. وقذفنا معه في المعمودية للموت حتى كما قام المسيح من الاموات بمجد الرب.

هكذا نسلك نحن ايضا في هذه الحياة. ان انساننا العتيق صلب معه ليبطل جسد الخطيئة.(4)

كما تشير "فيكي بيل" في بحثها "فوكو والجنسانية" الى فينومينولوجيا الروح، وطريقة تكونها الانطولوجي الوجودي من الخارج، فالذات هي من عناصر "الحيز" اما النفس (الروح) فهي الحيز او الفضاء الذي تتحرك فيه الذات حينما تتجه الى الداخل.

اما ميشيل فوكو فيأخذ الموت في جنبته البيولوجية –السيسيوتاريخية ,وليس في جانبه الوجودي الفلسفي فيقول: كان الملك في القرون السابقة تحديدا القرون السابع عشر ,الثامن عشر, والتاسع عشر, يمارس حقه في الحياة بتشغيل اساليب حقه في القتل وهو لا يثبت سلطته على الحياة الا بالموت , ان الحق الذي يصاغ كحق على (الحياة والموت) هو في واقع الامر الحق في الاماتة او الابقاء على الحياة , وبعد فلقد كان يرمز الى نفسه بالسيف. اما الحروب اليوم منذ القرن التاسع عشر والعشرين لم تعد تجري بأسم الملك الذي يتوجب الدفاع عنه , ولكنها باتت تجري بأسم وجود الجميع ,وقد غدت شعوب بكاملها تتقاتل فيما بينها بأسم ضرورة ان تحيا , وصارت المجازر حيوية مديرة للحياة والموت, للاجساد والجنس ,وقادت كثير من الانظمة كثيرا من الحروب بقتلها كثير من الناس.(5)

الموت في العهد القديم (التوراة)

الفريسيون، فرقة في اليهودية تعني حرفيا "المنعزلون" او المنشقون، وهم يؤمنون بالبعث وقيامة الاموات، وان التوراة خلقت منذ الازل. والصدوقيون، هم فرقة اخرى وتسميتهم نسبة الى الصادق الكاهن الاعظم في عهد سليمان وهم ينكرون البعث والحياة الاخرى ويوم الحساب، ويرون ان جزاء الانسان يتم على الارض في الدنيا. وعندهم حتى التوراة غير مقدّسة.

والقبالة او القبلانين فهي نزعة صوفية مارسها رجال الدين اليهود للكشف عن المعاني الخفية والرمزية في الكتاب المقدس، لاسيما اسفارهم الخمسة، وكلمة القبالة مشتقة من الاحرف الاولى الخمسة من الوزراء اختارهم شارل الثاني عام 1667. وسفر الزوحار هو مجموعة نصوص صوفية يهودية كتبت معظمها باللغة الآرامية كانت تسمى سفر الجلال انعشت الحياة الصوفية التي كانت تمارسها القبلانية في البحث عن المعاني الرمزية والخفية لنصوص الكتاب المقدس. وافكارهم تصوفية من نوع ما.

ان العهد الجديد لم يعتبر خلود النفس من المسيحية في شيء وانما هو من امور الوثنية. وعقاب يوم الدينونة هو عقاب الاجسام الميتة التي تبعث من جديد. وهذا ماأكده بولص الرسول في احدى خطاباته ماأثار سخرية الفلاسفة الوثنيين.

اما ابيقور صاحب مقولة: الموت لا يعنينا في شيء فهو يقترح علاجا للروح باسم العلاجات الاربع، لسنا بحاجة الى تخوف من الله، الموت يعني غياب

الاحساس، من اليسير تحقيق الخير من اليسير احتمال الشر، ويقول ابيقور: " اللاجدوى كلمة يقولها الفيلسوف ولا تخفف أي معاناة للانسان"، والابيقورية ارادت

التهوين من نهاية الموت فنادت بان الروح هي الاخرى تنحل بعد الموت، حالها حال الانحلال الجسمي للجثة، وبذلك جعلت من جميع المخاوف الدائرة حول معاناة النفس وعذابها بعد الموت اموراً لا اساس لها. وتذهب الابيقورية انه ما دامت الروح موجودة فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة وعذاب العالم الاخر، وهكذا نجد في الابيقورية احالتها الآلهة على التقاعد و وبذلك تكون بذرت البذرة الاولى في الالحاد، الذي تبنّاه نيتشه وهيدجر وفويرباخ وسارتر.

كما دعت الابيقورية الى اللذة ومتعة الحياة بغير ابتذال ففناء الحياة أمراً يمكن الاستمتاع به، لأنه خارج اطار لا نهائية الزمن الذي يستبعد شوق الانسان للخلود. وفيما دأبت الابيقورية في منهجها التخفيف من رعب الموت, فانها تعارض أولئك الذين ينتقصون من قدر الحياة مؤكدين ان الخير الاسمى هو ألا يولد المرء، وهنا نعثر في الابيقورية على البذرة الثانية في فلسفة الوجودية الحديثة (سارتر، هيدجر، كيركارد) التي تذهب في مقولتها الشهيرة: ما معنى ان نولد وما معنى ان نموت!؟

ومن هنا تجد الابيقورية ان من يشكو انه ولد فانيا. وهذه الحقيقة انطولوجية انثروبولوجية لا يبالغ في الانين, وفي هذا تحاول تخفيف هواجس الرعب لمرحلة ما بعد الموت، لا في ما قبله، وبهذا تعود الابيقورية لتبذر بذرة وجودية اخرى، في قولها خواء الحياة ورتابتها، اليومية، فنحن دائما منهمكون غارقون في المشاغل. ان هجعة الموت تبعث العزاء في هذه الابيات:

لـ"لوكر يشيوس" لا لشيء إلا لأن الحياة

مؤلمة وحافلة بالعذاب.

سوف ترقد ولن تستيقظ ابدا

وعندما تفارق الحياة تتخلى عن ألمك العنيف

واسوأ ما يمكن ان يحل بك

هوسبات عميق وليل طويل

فكل الخطايا الكئيبة الموحشة التي ينشدها الشعراء

تثبت صحتها على الارض لا في الجحيم

استخلاص

- الموت موضوع ومحرك للفلسفة

تعد مشكلة الخوف من الموت وطبيعته تقليديا من اختصاص الدين.والدين ينكر عادة الطابع المتناهي للموت اذ يؤكد استمرارية الشخصية الانسانية في شمولها النفسي-البدني, او كنفس متحررة من البدن. مؤكدا طابعها المميز المألوف.ومن ثم فان الفلسفة لم تشرع في الاهتمام بالموت الا حينما اصبح التاكيد الذي يطرحه الدين مشكوكا فيه وموضع ريبة. او حينما بدا هذا التاكيد في تناقض لامفر منه مع شهادة حواسنا المباشرة التي لاجدال فيها. وحينما اصبح الرد الديني موضع تشكك سعت الفلسفة الى دعمه بحجج عقلانية. وعندما غدا الامر متعلقا بالتناقض راحت الفلسفة تسعى الى الوصول من خلال النظر العقلي الى رد مؤكد مماثل لذلك الذي طرحه الدين منذ وقت طويل او تصدت للوصول الى التصالح مع الموت منظورا اليه باعتباره عدما نهائيا او بحسبانه خلودا غير شخصي.

من هنا فاننا في غياب اقتناعات دينية محددة تماما كما كان الامر في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد في بلاد الاغريق على سبيل المثال. او في القرنين الثاني والاول قبل الميلاد في روما نجد الموت لا كموضوع للفلسفة وحسب وانما كمحرك لها ايضا. ولكن مع مجيء المسيحية ووعدها بالبعث والحياة الخالدة في العالم الاخر تقلصت الضرورة الحيوية لقيام الفلسفة بتناول الموت حيث بدت المشكلة وكأنها قد حلّت.

اضف الى ذلك ان حل مشكلة الموت لم يكن سوى احدى مشكلات الحياة والفكر المسيحي. حيث غدت الفلسفة ذاتها لاسباب عديدة تابعة للاهوت. لكنه سيكون من قبيل الخطأ الاستنتاج بان الانشغال بالموت اختفى في العصر المسيحي. ولكن ادّى الظهور التدريجي لتصور محدد للحياة الاخرى التي طورها اللاهوت وجعلها الشعر والتصوير والنحت واقعية بصورة مرئية. وتزايد التأكيد على صعوبات الخلاص من الموت الابدي ادى الى تكثيف الخوف من الموت والاحتضار الذي بلغ ذروته خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر في نوبة تسلط الموت على الاذهان والقلوب. حيث اثارت لحظة الموت الفزع والشؤم في هروب النفس من الجسد المحتضر وهي الفرصة الاخيرة لقوى الجحيم من السيطرة على هذه النفس.

ونجد مع استئناف التفكير الفلسفي المستقل في عصر النهضة ان الفلاسفة يميلون فيما يتعلق بمشكلة الموت الى انكار الخلود الشخصي. ويمكن ان يقال انه منذ اللحظة التي انحاز فيها بيترو بومبو ناتزي الى صفوف القائلين بانكار الخلود, اصبح انكار خلود النفس بصورة تدريجية هو الموقف الفلسفي غير المنازع في القرن الثامن عشر في فرنسا والقرن التاسع عشر في المانيا. غير ان ذلك لايعني الاهمال الكامل لمشكلات الموت في الفلسفة. فحتى الماديون الفرنسيون في غمار انكارهم خلود النفس ووصفهم بانه (كذبة كهنوتية) – وانه عقبة في وجه تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الا انهم تناولوا الموت بالدراسة. وذلك على الرغم من ان المشكلة قد ضاق نطاقها وانحدر الى مستوى السيطرة على الخوف من الموت ومنعه من افساد بهجة الحياة. وكان هناك دائما جهد دائب من جانب بعض الفلاسفة لاثبات خلود النفس. غير انه بصفة عامة مع تحول الفلسفة الى فرع مستقل من فروع المعرفة راحت تطور وتركز على مشكلاتها الفلسفية بصفة خاصة واصبح الموت كموضوع للتفلسف استثناءا. وهكذا فانه بالاضافة الى الفوارق بين الفلسفات فيما يتعلق بنوعية الرد الذي تقدمه على الموت فان هناك فارقا تتعين ملاحظته يتمثل فيما اذا كانت تتناول مشكلة الموت او تهملها كلية.

واقعة الموت في عجز الفلسفة

ان جميع الفلسفات التي تتناول مشكلة الموت تظهر العلاقة بين واقعة الموت والبحث الفلسفي في ثلاثة جوانب هي:

1. يمكن ان يكون الموت مصدر الهام للفلسفة وقوة الدفع الكامنة وراء التفلسف الذي يهدف اساسا الى السيطرة على الخوف من الموت والتصالح مع حتمية الموت. وتلك هي على نحو ما رأينا نظرة شوبنهاور الى هذه العلاقة.

2. يمكن ان يكون الموت اداة الفسلسفة التي تزعم انها وحدها تناسب الوصول الى فهم الوجود والكشف عن طبيعته الحقة التي يتخللها اللاوجود فيما يقول هيدجر.

3. اخيرا فان الموت كما يقول افلاطون يمكن ان يكون الوضع المثالي للتفلسف وحالة يمكن فيها وحدها ان يتحقق سعي الفيلسوف وراءالمعرفة الحقة.

واذا ما فهم الامر على وجهه الصحيح في اطار المثالين الاولين امكن القول بان الخوف من الموت وليس واقعة الموت اي اليقين المرعب من الموت. او القلق الذي يكشف فيه اللاوجود عن نفسه هما مصدر الوحي او اداة الفلسفة على التوالي.

اما في المثال الثالث فليس الموقف الانساني من الموت وانما طبيعة الموت هي التي تمثل منطلقا. وهذه الطبيعة يفترض بصورة تعسفية انها تعرف باعتبارها انفصال النفس الالهية الخالدة عن الجسم الفاني.

اما الميل الى تجاهل موضوع الموت وهو ما يزعم بعض مؤرخي الفلسفة انه قد بدا تحت تاثير اسبينوزا, فكان يؤكد نفسه بصورة متزايدة واصبح سائدا في حوالي منتصف القرن التاسع عشر.

ولقد سهّل استبعاد مشكلات الموت عن الفلسفة الى حد كبير ذلك التحوّل الحاد الذي طرأ على البحث الفلسفي بكامله تحت تاثير ضروب التقدم المذهلة التي احرزتها العلوم الدقيقة.وساعدت التخمة المتزايدة من التفكير الميتافيزيقي على سيطرة الرؤية العلمية والوضعية. وكنتيجة لذلك لم يكن الفلاسفة يميلون ولا يتوقع منهم احد ان يفعلوا الى الرد على الاسئلة الهائلة والمطلقة التي تطرح حول الغرض من الكون والمصير النهائي للانسان. وبالتالي ترك الموت ومشكلاته على قارعة الطريق.

وعلى اية حال فقد اعلن انصار النزعة العلمية حماس احتضار الموت بينما اعترف به في اسى ممثلو الدين التقليدي. فيكتب مراقب معاصر مقالا بعنوان احتضار الموت يقول: - ان الموت كمحرك قد احتضر... لقد فقد الموت ضروب افزاعه -.

وكتب اخر يقول :– ان القرن العشرين اكثر انشغالا من ان يشغل نفسه كثيرا بالمشكلات التي يطرحها الموت وما يعقبه. فالرجل المحّنك يكتب وصيته ويؤمن على حياته ويزيح موته جانبا باقل صور التاديب.

 الموت والروائيين

يجد ارثر شنتزلر انه كالمعتاد ما من شخص جدير بالاحترام لايفكر بالموت في ساعة هادئة. وبينما انسحب الفلاسفة المحترفون الى البحث المتخصص وراحوا يفكرون في معالجة مسائل لا تقل اهميتها عن مشكلة الموت. اعرب كتاب وشعراء من امم عديدة عن ادراكهم للموت واساهم ازاء الظل المعتم الذي يلقيه على كل ما يحيى ويتنفس وعلى وجودهم بصفة خاصة. فهناك تولستوي الذي كانت فكرة الموت تطارده دونما توقف والذي واصل التساؤل في يأس (– اي حقيقة يمكن ان توجد اذا كان هناك موتا) -. وهناك اونا مونو الذي كانت شهوته للخلود نهمة وشكّه في الحياة بعد الموت يجعلانه ينشد عبثا الهرب من المعنى الماساوي للحياة بان يكرر لنفسه دونما توقف ان على المرء ان يؤمن بالايمان ذاته. وهناك ريلكه الذي اصيب بعذاب الزوال وناضل ببسالة ليحوّل الموت من شبح مفزع الى اعظم حدث في الحياة. وهناك بروست الذي سعى للوصول الى مهرب من المرور الفاني للزمن من خلال محاولة استرجاع الماضي بأمل باطل هو انه اذا كان بوسعه القيام بذلك فان كلمة الموت لن يعود لها معنى بالنسبة له. واذا كان الادب ذو المعنى في عصرنا يصلح كمؤشر للمزاج الحديث فيكفي ان نشير الى همنجواي-فوكنر-مالرو-كامي-اليوت-وديلن توماس- فالموت يثقل كاهل شريحة هامة من الانسانية المعاصرة.

ومع بداية القرن الحالي على وجه التقريب فحسب حدث رد فعل في الفلسفة ضد استبعاد الموت من التأمل الفلسفي. فتمرّد وليم جيمس وهنري برجسون على استبعاد جميع العناصر الشخصية من الفلسفة. ولاحظ جورج زمل بأسى ان  جانبا بالغ الضالة من المعاناة الانسانية شق طريقه الى الفلسفة .

الموت والفلاسفة المعاصرين

هناك انقسام حاد بين الفلاسفة المعاصرين فيما يتعلق ان كان من الضروري اعتبار الموت موضوعا مناسبا للفلسفة من عدمه. وذلك غالبا جاء من نطاق فصل الفلاسفة التحليليون عن اولئك الذين يتعاطفون مع تصور اشمل لمهمة الفلسفة. باعتبارها تعنى كذلك بمسائل المصير النهائي للانسان. ولكن هناك كذلك اشكالا آخر لهذا الانقسام فمثلا كان يعتقد ان اهتمام مارسيل جبريل الفيلسوف اللاهوتي الوجودي بالموت كان اهتماما مرضيا وانعدام الاهتمام عنده بالموت يرجع الى واقعة ان هذه المشكلة بالنسبة له قد حلت بالفعل حيث ان الوجود الانساني يكتسب في مؤلفه ( فلسفة الروح) معنى لايمكن للموت ان يقضي عليه.

لدى نيكولاي هارتمان 1882 – 1950  وهو فيلسوف مثالي الماني صاحب مذهب الانطولوجيا النقدية كما وضع مذهبا للاخلاق ونظرية القيم وعلم الجمال ونظرية المعرفة. له اسباب اخرى حول الانقسام الفلسفي اتجاه الموت. فهو يتحدث عن رجال الميتافيزيقيا الذين يعذّبون انفسهم وينكر عليهم اهتمامهم الفلسفي بالموت لان تعذيب الذات امر لااخلاقي. ويذهب الى القول بانه اذا لم يكن الموت الا عدما فانه لايمكن ان يكون شرّا. والمشكلة ان الانسان ينظر الى نفسه بأكثر مما ينبغي من الجدية. ولو انه احتفظ بالمنظور الصحيح فانه سينظر الى نفسه على ما هو عليه بالفعل. اي بوصفه قطرة في غدير الاحداث الكلية. ويكف عن جعل ضرورة موته قضية تثار باستمرار وعلى الدوام.  غير ان شلر يسخر من العبث الميتافيزيقي للفلاسفة الذين لايرغبون في معالجة المسائل المطلقة ومشكلة الموت بشكل خاص.

ويكتب بردياييف قائلا... انني لااميل الى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل تولستوي على سبيل المثال لكني شعرت بألم حاد ازاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في اعادة الحياة لكل من ماتو. وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الاساسية للحياة. فالموت حدث اكثر اهمية وحيوية من الميلاد.

ينبغي لعبارة بردياييف ان تجعلنا حذرين ازاء محاولات تفسير كل اهتمام بالموت وبالمشكلات الناشئة منه على انها نتيجة للخوف من الموت. فهي توضح لنا ان الضيق بمشكلات الموت يعادل فصل الفلسفة عن اعمق الموضوعات التي حيرت وضايقت ولازمت البشرية منذ الازل. والمبرر الاخر لعدم اهتمام المرء بالموت هو ان مشكلة طبيعة الموت تنتمي لعلم الاحياء.كما ان مشكلة الخوف منه تنتمي الى علم النفس وعلم النفس المرضي. لكن الامر يقتضي الكثير من حدة الذهن ليدرك المرء على سبيل المثال ان قضية خلود الكائنات وحيدة الخلية هي اساسا مسالة تهم التفسير والسيمانطيقا او السيمائية وهي احد فروع علم اللغة ويبحث في دلالات الالفاظ وتطورها.

وفي ما يتعلق بمشكلة الخوف من الموت فانه على الرغم من الاسهامات الهامة التي قدمها التحليل النفسي في هذا المجال لاتزال مشكلة القلق باسرها ابعد ما تكون عن الوضوح. ولا يزال التساؤل قائما حول ما اذا كان الخوف من الموت هو في نهاية المطاف القلق الاساسي. وفكرة ابيقور القائلة بان مهمة الفلسفة مداواة جراح القلب لاتزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح بسبب موت المرء او موت اولئك الذين نحبهم.

مشكلة الموت حياتيا واجتماعيا

ان الحجة القائلة بان الاهتمام بالموت يؤدي الى اهمال المهمة المحدد والملحة المتمثلة في تحسين الوضع الانساني والاهتمام بالرخاء الانساني تتجاهل واقعة ان الموت بدوره ينتمي الى الوضع الانساني. وان الابحاث التي اجريت في السنوات الاخيرة مقنعة بما يكفي لاظهار ان الشخص العادي يفكر بالموت اكثر بكثير مما كان يفترض عا دة  حتى الان.وذلك على الرغم من ضيق نطاق هذه الابحاث. وان اهمال المشكلات العاطفية والعقلية النابعة من واقعة الفناء يساوي التراجع عما ينبغي ان يعتبر المسؤولية الخاصة للفيلسوف ازاء مهمة يمكنه هو وحده القيام بها في وقت تنحسر فيه المعتقدات الدينية.

صحيح ان الانسان قادر على ان يعيش حياة طيبة على الصعيد الاخلاقي دون ان يكون على يقين مما اذا كان للوجود الانساني معنى يتمتع بالحصانة ازاء القوة المدمرة للموت. بل يجد البعض ان بالامكان الحياة بقناعة ان الحياة عبث. وانها مجردة من المعنى. ولكن بغض النظر عن مسالة المرض المحتمل الكامن وراء هذا الموقف الاخير فانه ليس بمقدور انسان عرف وفكر في مصير زهرة الرجال كافة في اوربا وامريكا والخسائر الحربية والمدنية التي اسفرت عنها الحربان العالميتان ان يغلق عينيه ازاء الجانب العبثي لمثل تلك الصراعات ويقمع بضمير خال التساؤل عن معنى الحياة التي تنتهي قبل الاوان وعلى نحوا مفزع.

ولكن ضروب الموت اللامعقول ستستمر حتى عندما يتوقف الانسان عن التسبب فيها. ويجعل التساؤل عن معنى الحياة الذي وضعته في بؤرة حادة ضروب الموت السبقة لاوانها والمجردة من المعنى الردود المعقولة التي طرحت فيما يتعلق بالموت الطبيعي تبدو سطحية وموضع تشكك طالما انها ليست قابلة للتطبيق على ضروب الموت الاخرى ايضا. وقد اقر فولتير بالفعل حق الانسان هذا المخلوق المثير للاشفاق في ان يتذمر في اتضاع وان يجتهد لفهم السبب في ان القانون الكلي لايشمل خير كل فرد.

ومما لايمكن تجنبه ان هذا المازق الذي شغل بسكال طويلا يحتل بؤرة حادة في الحضارة الغربية بتركيزها على القيمة اللا متناهية للكائن البشري الفرد. اذ كيف يمكن التوفيق بين هذه الفكرة الاساسية وبين فناء الفرد الذي يبدو شاملا في الموت.

ويقدم مالرو صياغة بليغة لذلك حينما يقول ان الحياة رخيصة ولكن – في الوقت نفسه – لاشيء غال كالحياة.

قد يقال ان كل ما يمكن ان يطمح اليه البشر هو ان يعيش ذلك النوع من الحياة الذي يسمح لهم بالا يشعروا قبل ان يسدل الستار الاخير بما شعر به رابلييه من ان المهزلة قد تمت.

 

علي محمد اليوسف

..................

 المصدر الاساس الذي اعتمدناه في هذا البحث كاملا:  كتاب جاك شورون، الموت في الفكر الغربي صفحات 279 -289 ، ترجمة كامل يوسف حسين، مراجعة وتقديم د. امام عبد الفتاح امام، سلسلة عالم المعرفة الكويت.

ونود التنبيه الى اننا اهملنا تثبيت المصادر والاقتباسات التي اعتمدها المؤلف في اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية بضمنها احالات وهوامش المترجم والمراجع ايضا.

...........

 

هوامش

(1) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318 -.

(2) المصدر السابق جاك شورون ص 148.

(3) جاك شورون-مصدر سابق هامش ص313.

(4) المصدر السابق هامش ص316-.

(5) ميشيل فوكو-حق الموت والسلطة على الحياة- تاريخ الجنسانية- ارادة العرفان ص113 -114.

 

الجواب الخامس: "الحب" مبدأ جديد للأخلاق والمعنى

لماذا نريد مرة أخرى الذهاب إلى ما هو أبعد، لماذا بعد كل شيء لا نبقى عند حدود "نيتشة" ووضوحه اللاذع؟ لماذا لا نكتفي كما فعل الكثيرون بتوسيع برنامجه وبإملاء الخانات التي ما زالت فارغة وبالتطريز حول الموضوعات التي أورثنا إياها؟ وإذا كنا لا نحبه أو كنا نجد أنّ فكره يقارب إلى حد بعيد وقاحة وعقائد الفاشية  – الحمراء أو السمراء – لماذا لا نرجع إلى الخلف، إلى حقوق الإنسان مثلا، أو إلى الجمهورية، أو إلى الأنوار؟

إنّ أي تاريخ للفلسفة، ومهما كان مبسطا لا يمكنه تجنّب هذه الأسئلة؛ لأن التفكير بالعبور من حقبة إلى أخرى ومن نظرة للعالم إلى أخرى يعتبر حاليا جزءا من الفلسفة نفسها.

إنّي أقول وببساطة ما يلي: إنّ تفكيك معبودات علم ماوراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. ولا يبدو لي، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء. إنّ " الرجوع المتكرر إلى ... " ليس له أي معنى: لو كانت المواقف الأخرى موثوقة ومقنعة بالقدر المطلوب لما أمكنها تحمل قسوة النقد، ولما توقفت عن أن تكون في مكانها المناسب. إنّ إرادة إحياء الفراديس المفقودة تنتج دائما عن نقص في الحس التاريخي. إن المشاكل التي على الديمقراطيات حلها لم تعد هي نفسها التي كانت في القرن الثامن عشر: فالانتماءات الطوائفية لم تعد هي ذاتها، والتطلعات تغيرت، وكذلك علاقاتنا مع السلطات وطرق استهلاكنا، إنّ حقوقا وفعاليات سياسية جديدة (اللأقليات العرقية، النساء، الشباب، ...) قد ظهرت ومحاولة حجب وجوهنا لا تفيدنا بشيء.

إنّ الأمر ذاته يحصل في تاريخ الفلسفة. وسواء أردنا ذلك أم لا، فإنّ " نيتشة " قد طرح أسئلة لم يعد من الممكن التغاضي عنها. لم يعد بإمكاننا التفكير بعده كما كنا نفكر قبله، وكأنّ شيئا لم يحصل، أو كأنّ المعبودات الشهيرة ما زالت في كامل تماسكها؛ لأن الواقع لم يعد على هذا النحو بكل بساطة. لقد حصلت زعزعة، ليس فقط مع " نيتشة " بل مع كل فلاسفة ما بعد الحداثة: لقد مرّ الطليعيون من هنا ولم يعد بإمكاننا التفكير والكتابة والرسم أو الغناء تماما كما في السابق. لم يعد الشعراء يتغنون بضوء القمر، ولا بمغيب الشمس. لقد حصل نوع من الخيبة من العالم، ولكن رافقته أشكال جديدة من الحرية أيضا. من منا في هذه الأيام يريد العودة جديا إلى زمن " بؤساء " فكتور هوغو، أي الحقبة التي لم يكن فيها للنساء حق الاقتراع ولا للعمال إجازات، والتي كان أثناءها الأولاد بسن الثانية عشر يعملون، وكنا نستعمر بنشوة أفريقيا وآسيا؟ لا أحد، ولهذا السبب فإنّ الحنين إلى الفراديس المفقودة ليس سوى تصنّع وإظهار للضعف.

أين نحن من كل هذا إذن؟ ومرة أخرى، إذا كان من غير الممكن تجنب " نيتشة "، فلماذا لا نتوقف عنده ونكتفي كما فعل الكثير من مريديه، مثل: ميشال فوكو، وجيل دولوز، بمتابعة عمل المعلم؟

إنّ هذا ممكن، فعلا، ولكن السؤال الذي يُطرح: إلى أين ستؤدي الدعوى المستمرة المقامة ضد " معبودات " الأنسية باسم نفاذ البصيرة والفكر النقدي؟ أي مخطط تخدم؟ هذا سؤال ليس ممنوعا طرحه، ولما لا، بما أنّ هذه المسألة هي بامتياز مسألة علم الأنساب أيضا، ولا شيء يمنع من إعادة السؤال إليه، من أين أتت؟ لأنّ خلف المظاهر الطليعية والجريئة للتفكيك وخلف ادعاء ابتكار " ثقافة مضادة " معارضة " للمعبودات " المتبرجزة، هناك، وبشكل متناقض، احتمال لانتصار التقديس المطلق للواقع كما هو، وهذا بالأحرى منطقي: إذ لشدة اسقاط أهلية المعبودات المعروفة وعدم قبول أفق آخر للفكر غير أفق " الفلسفة بالمطرقة "، كان من المحتم أن ننتهي كما توصل " نيتشة " إلى السجود أمام الواقع كما يسير. هذا معناه أنّ التفكيك الذي كان يريد تحرير العقول وكسر أغلال التقليد، قد انقلب إلى عكسه، أي إلى خضوع خائب أكثر من كونه واعيا، إلى الواقع القاسي للكون المعولم الذي نغوص فيه.

كيف يمكن في هذه الأوضاع تجنب مصير قدامى مناضلي الثورة الذين بدّلوا قناعاتهم للالتحاق بـ " عالم الأعمال "، والذين صاروا " وقحين " بالمعنى الأكثر سوقية للكلمة، أي فاقدين للأوهام ولأي طموحات غير تلك الرامية إلى تكيف فعّال مع الواقع؟ وفي هذه الشروط،. هل يجب فعلا، وباسم وضوح فكر يحتوي على الكثير من الإشكاليات، التسليم بإعلان موت " العقل " و " الحرية " و " التقدم " و " الإنسانية "؟ أليس هناك بين هذه الكلمات التي كانت في الماضي القريب محملة بالضوء وبالأمل، شيء يمكنه الإفلات من صرامة التفكيك والاستمرار بعده؟

هذه في نظري هي الأسئلة التي تفتح للفلسفة المعاصرة طريقا غير التمديد اللامتناهي لـ " مذهب التفكيك ". إنّها ليست كما يمكن أن تشك في ذلك طريق عودة إلى الوراء، إلى " الأنوار "، إلى " العقل "، إلى " الجمهورية "، وإلى " الإنسية "، إذ من الممكن أن لا يكون هناك معنى لذلك، بل محاولة إعادة التفكير فيها تستوجب مشقّات جديدة، ليس " كما من قبل " ولكن " على العكس، كما من بعد وعلى ضوء التفكيك الذي حصل ". لأنّ عدم القيام بذلك يعني أنّ الخضوع للواقع كما هو قد ينتصر.

نأتي الآن إلى ما أعتبره فلسفتي الخاصة، المرتبطة بتلك الحقبة الخامسة من التفكير، التي نحياها الآن، وقد سميتها " الإنسانوية الثانية ". إنّها خلافا لإنسانوية " ديكارت " و " الأنوار "، إنسانوية ما بعد التفكيك، تعطي معنى لأبعاد الوجود الإنساني التي حرّرها القرن العشرون المتميز بابتكارات باهرة وبالبلى الكامل للتقاليد. فبدل أن تقصر هذه الإنسانوية الجديدة قيمة الحياة الإنسانية، كما تفعل الأنوار على ما يتبع العقل والحقوق والتاريخ والتقدم، فإنّها تبدو إنسانوية قائمة على الحب – وسنرى لماذا أصبحت كذلك – . إنّ الدور المركزي الذي تعطيه الإنسانوية الجديدة لهذا الشعور الفريد للغاية هو الذي مكنّها في هذه الرؤية الخامسة للعالم من الإجابة عن مسألة معنى الحياة.

إنّ الحب ليس واحدا من بين مشاعر أخرى يمكن مقارنته بالخوف والغضب والاستياء على سبيل المثال، بل أنّه أصبح مبدأ ميتافيزيقيا جديدا؛ إذ هو الذي يعطي حياتنا معنى. وبالفعل هو وحده القادر على إضفاء طابع مثالي على كل ما يمكن أن يكون محبوبا، على وجه الدقة، في جميع الفرديات الإنسانية، مع إيجاد مثل جمعية جديدة، لأننا نريد أن نترك عالما يمكن العيش فيه ويكون أكثر ما يمكن استقبالا لمن نحبهم، لأطفالنا وللأجيال القادمة. ومن هذا المنظور يؤدي الحب اتجاه الأقرباء إلى الاهتمام بالانسان الآخر المثيل (وهو عكس القريب، اي من لا نعرفه)، كما نرى ذلك بالخصوص في نشأة الانسانوية الحديثة منذ " هنري دينان ".

الحب قيمة في تزايد، هذا بارز للعيان ! (لا أحد بوسعه على كل حال أن ينكر أنّ كل المثل التقليدية  – الدينية منها والأخلاقية والوطنية والثورية – فقدت قوتها وبريقها في الجذب، على الأقل في الديمقراطيات الكبرى، بحيث يبدو الحب، بشكل ما هو القيمة الوحيدة " في تزايد ") إلا أنّ أغلب المثقفين لا يهتمون بذلك، أو أنّ اهتمامهم غير كاف، إذ لا يزالون حبيسي المبادئ القديمة. ففي بلادنا لا أحد أو يكاد مستعد للتضحية من أجل الاله، أو في سبيل الوطن أو الثورة. إنّ هذا العدول عن الدواعي التقليدية للتضحية السياسية في سبيل كبريات القضايا، وهذا التراجع للمثل التي تؤدي إلى جلد الذات والتي قتل باسمها عشرات الملايين من الأفراد، ذاك في نظري أفضل حدث من أحداث القرن ! وفي المقابل نكون مستعدين للتضحية بأنفسنا من أجل من نحبهم، إذا لزم الأمر بالطبع، ليس سعيا وراء لذة التضحية، بل لأنّ حياتهم في خطر أو أنّنا كنا من جديد في حالة حرب على سبيل المثال.

إنّنا نعيش " ثورة حب ". إنّ ما أسميه " ثورة الحب "، هو الانتقال في أوروبا – بعد الثورة الصناعية – من الزيجات المعدّة في القرى أو العائلات بحسب مصالح المجموعة أو تقاليدها، إلى الزواج القائم على الاختيار الحر من قبل الشبان. إنّها إذن نشأة العائلة الحديثة في مقابل العائلة التقليدية التي لم تكن على أساس الاختيار، بل كانت مفروضة. وفي الواقع، فإنّ الاعتبارات المصلحية، وكذلك الخضوع لمختلف الضغوط الاجتماعية التي تمارس على الشباب في المجتمعات التقليدية، تضعف من الآن أمام الاختيارات التي تمليها عاطفة الحب وحدها. فيعلو شأن الحب أكثر من أي وقت مضى؛ لأنه فيه تعبير عن الفرد الذي تحرّر من إكراهات التماثل الاجتماعي، فبحث عن حياة موفقة في الانفتاح على الآخرين. هكذا يتضح كيف أنّ الضعف الذي عانته المثل التقليدية جعل من الحب المصدر الكبير لمعنى وجودنا، ليس في دائرة الحياة الخاصة فحسب، بل وأيضا في دائرة الحياة الجمعية. إنّ السياسة نفسها ستتغير كليا إذ أنّ مسألة الأجيال القادمة ستحل شيئا فشيئا، بمفعول هذا التاريخ للحياة الخاصة، محل مواطن المعنى القديمة التي كانت تحدو السياسة التقليدية (الوطن بالنسبة إلى اليمين، الثورة بالنسبة إلى اليسار). إني أعتقد أنّ مسألة معرفة أي عالم سنتركه لمن نحبهم، ستحل تدريجيا محل الغايات التي كان النقاش الديمقراطي يدور حولها إلى ذلك الحين. وهذا ما يبيّن من جهة أخرى، أنّ الحركة المدافعة عن البيئة هي وحدها الحركة السياسية الجديدة منذ ظهور الليبرالية والاشتراكية، لأنّها بالأساس الحركة الأولى التي طرحت في صلب النقاش السياسي مسألة الأجيال القادمة. وهكذا، عوضا عن الإنسانوية ألأولى، وهي إنسانوية الأنوار وحقوق الإنسان، تقوم إنسانوية ثانية، موسّعة للغاية: إنسانوية جديدة متّسمة بالأخوة والتعاطف، لم تعد تضحي بالإنسان لفائدة الأمة أو الثورة أو حتى التقدم (وهي مثل اشتهرت بأنّها خرجت عن الإنسانية ومتعالية عليها)، بل تجد في محايثة وجودنا ذاتها وفي مشاعرنا تجاه الآخرين مصدر يوتوبيا إيجابية يحملها المشروع المتمثل في توريث من سيأتون بعدنا عالما يوفّر لكل واحد وسائل التحقق.

قد يتساءل البعض عن أيّ شيء نتكلم حين نذكر الحب؟ هل يتعلق الأمر بـ " إيروس " ذلك الحب التملكي والغيور الذي يأخذ ويستهلك؟ أم بـ " فيليا "، أي حب الصداقة الذي يبتهج بمجرد وجود الآخر؟ أم بـ " أجابي "، أي الحب الذي يُعطي مجانا دون أن ينتظر أيّ مقابل ويمكن أن يتسع ليشمل حتى العدو؟ أم هل يتعلق الأمر بالثلاثة معا؟ من اعتبار هذه الأشكال الثلاثة للحب يستخلص " أندري كومت سبونفيل " درسا يستحق التفكير: ((إنّه من الواضح أنّه لا يمكنني أبدا، بمعنى " فيليا " أن أحب أكثر من عشرة أو عشرين شخصا في هذا العالم. يبقى إذن كثير من الناس، أكثر من خمس مليارات في الحقيقة، خارج حقل هذا الحب. وبالنتيجة في ما وراء فيليا، فإنّ الأخلاق، والاحترام الشرعي، المجرد، وفي الحقيقة اللامبالي، هو الذي يأخذ المكان. إنّه هو الذي يسمح لي بالتصرف مع أولئك الذين لا ينقصني نقصهم وغيابهم أبدا، ولا يعنيني وجودهم في شيء، تقريبا، كما لو كنت أحبهم. وهو الذي يأمرني بتوجيه شيك إلى أكثر الناس احتياجا، والمشاركة في مظاهرة ضد هذا الظلم أو ذاك. أو ببساطة أكثر قبول فكرة أنّ حريتي تتوقف عندما تبدأ حرية الآخر. وإجمالا حد أدنى من الاعتبار والمراعاة تقوم لدينا غالبا، وإذا مرّ كل شيء على ما يرام ، مقام " أغابي ". إنّ أغابي قد تحول الأخلاق إلى شيء تافه، ولكن هذا الحب مجاني جدا، ومنزه جدا إلى حد أنّه يبدو منيعا كليا على الإنسان، لذلك يصير ما هو تافه، أي الأخلاق، في نهاية التحليل، ضروري جدا. " تصرف كما لو كنت تحب ... " تلك هي الكلمة الأخيرة في القضية. إنّه شيء قليل، من دون شك، بالنظر إلى المثال المسيحي، ولكنه قد يكون كثيرا، بل حتى غير مؤمل لو فكرنا في إيجابية العالم كما يسير)). إلى هذا التحليل أود فقط أن أضيف هذا الشيء: إذا كانت " فيليا " هي التي تدخل الأسرة مع مجيء الفردانية الحديثة، فهل من العبث تخيل أنّها تجعلنا أكثر حساسية تجاه فضائل " أغابي؟ قد يُعترض على هذا بدون شك بأنّ الحب أناني، وأنّ الأسرة، وهي الدائرة الخصوصية بامتياز، لا تهتم بما هو جماعي إلا بقدر التأثيرات التي يمارسها عليها: فالآباء ينشغلون بالوضع الاقتصادي عندما يشكل تهديدا لأطفالهم، وبالمدرسة أو الجامعة عندما يدخلون إليها، وبمستقبل الطب والضمان الاجتماعي عندما يمرضون ... كل هذا ليس خاطئا. ولكن بين هذه الأنانية المتعددة من جهة، والأخلاق المجردة للأوامر الكونية من جهة أخرى، هناك فيما يبدو لي، حلقة متوسطة، رابطة، وحدة ملموسة، لا تصير مدركة واقعيا إلا فيما بعد وبدخول " فيليا " إلى الحياة الخاصة. فأن ننشغل أولا وقبل كل شيء بأقاربنا، فإنّ هذا لا يمنع من إنّنا نشعر بشفقة معينة أمام معاناة أولئك الذين نعرف الآن بأنّهم بشر مثلنا. وبالفعل، فإنّ بدون هذا التوسط لا يمكن أن تكون ثمة رحمة ممكنة تجاه الجنس البشري برمته. والحال إنّ هذا التعاطف المحسوس هو الذي سيقود، فيما يبدو لي، إلى تنسيب الحدود الضيقة للتناقض، تناقض الأنانية والغيرية، الذي كان الحب الحديث يحبس ذاته فيه – لقد كان هذا التناقض ضروريا لكي لا تظل أخلاق الواجب تجريدا محضا، ولكي تكون، إذا جاز لنا القول، ملحقة بـ   " أغابي ". فمن المستحيل بالنسبة لمن يحب أطفاله أن يظل غير مبال كليا بالمصائب التي تضرب " أشباههم "، ولو كانوا في أقصى الطرف الآخر من العالم. وفي إطار ديمقراطي تتطور فيه فكرة أن ليس هناك اختلافا في الطبيعة بين الأفراد، فإنّ الأنانية محكوم عليها، مهما كان ذلك قليلا، بتجاوز نفسها بنفسها. إلا أنّ هذا التجاوز ليس، في أغلب الأحيان، حتى في حاجة إلى أن يكون أثرا لاستدلال أو لنهج فكري. فعلى هذا العمق الجديد سوف تنطلق مغامرة العمل الانساني أواسط القرن التاسع عشر. ولعل بفضله سيمكنها أن تنوب عن دين مسيحي سبق لبنيته التقليدية سلفا، بنية اللاهوتي – الأخلاقي، أن دمرتها تماما تقدم الفردانية.

يفتح لنا الحب تجربة ما نسميه مع " هوسرل " بـ " التعالي في محايثة الحياة "، أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. فالحب يفرض نفسه كبعد من أبعاد المطلق والمقدس في صميم جواز وجودنا بالذات. والدليل على ذلك أنّنا نستعد لكل شيء من أجل من نحبهم. وفي هذا تذهب الحقبة الخامسة من الفلسفة إلى أبعد مما كانت عليه حقبة التفكيك التي سبقتها: ففي نفس الوقت الذي تتبنى فيه الحقبة الخامسة بقدر كاف من الاتساع إعادة النظر في القيم المشتهرة بأنّها عليا وخارجة عنا، نجدها تكتشف في اتجاهها إلى آخر هذا الحراك شكلا من أشكال التعالي يتنزل هذه المرة برمته داخل تجربتنا الدنيوية، وهو تعال سنتمكن بفضله من إعادة تأسيس مثل مشتركة، ولكنها لن تكون مقامة " ضد الحياة " كما كان " نيتشة " يخشى قبْليا من كل تعال. إذن نجد من جديد تعاليا للمعنى في تجربة الحب؛ لأنّه يجعلنا نخرج، تقريبا، من ذواتنا، ومع ذلك نحس هذا الشعور، ليس باعتباره موجودا في عالم أخروي ما، بل بكل بساطة باعتباره متجذرا في الأرض، في قلوبنا كبشر. فالحب يضطرنا إلى تجاوز ذواتنا، بحكم تعالي الآخر فقط، تعالي الشخص المحبوب الذي يتغلب على أنانيتنا الطبيعية، إلا أنّ هذا التعالي الذي يحْمله إنّما نعيشه ضمن المحايثة الأكثر حميمية، محايثة حياة القلب الباطنية. وبمعنى آخر: عندما أقع في الحب، ليس هناك من شك في أنّي خضعت لغواية كائن خارجي بالنسبة إلي، من قبل شخص لا سيطرة لي عليه، لا بل في الغالب أخضع له. في هذا المعنى هناك حتما سمو، لكن من الواضح أنّني أشعر به في نفسي، لا بل أكثر من ذلك، إنّ موقعه، إذا جاز القول، قائم في أعمق أعماق كياني أي في دائرة الشعور أو كما يقال عن حق " في القلب ". إنّ من غير الممكن إيجاد استعارة للملازمة أجمل من صورة القلب هذه؛ ذلك لأنّه هو وفي آن معا موطن السمو بامتياز – سمو حب الآخر الذي لا فضل لي فيه – وموطن ملازمة شعور الحب في أعمق أعماق شخصي. إنّه سمو في الملازمة إذن. إنّ ما نحياه ليس نهاية المقدس أو المعنى، بل على العكس هو بروز صورة جديدة لما أسميه  " المقدس ذو الوجه الإنساني ".

ليس لما تقدم فحسب تذهب الحقبة الخامسة إلى أبعد مما أنجزته فلسفات التفكيك، بل، أيضا؛ لأنّ هذه الأخيرة تعطي الأولوية للقوى اللاواعية التي لا نحس آثارها إلا بصفة غير مباشرة، بينما تسعى قوة الحب بالذات إلى تأسيس الحياة الطيبة على شعور نحسه مباشرة في بداهة المعيش.

يمكن أن نتوجس في هذا بروز وثن جديد بالمعنى النيتشوي، ولكن لا شيء من ذلك البتة؛ إذ ليس الحب مثلا سماويا نحاول فرضه على الحياة الدنيوية، بل على العكس هو الحياة ذاتها. فأنا على استعداد لكل شيء من أجل الحبيب، مستعد على كل حال لصنع الكثير: وهنا من الأكيد أنّ الأمر يتعلق بتعال، ولكنه لأول مرة تعال إنساني صرف، روحاني وجسمي في آن واحد. ومن هنا فصاعدا تتخذ فكرة التضحية في نظرنا معنى متجاوزة حتى من نحبهم ومن هم أقرباؤنا، ولكنها تعني على كل حال أشخاصا أكثر مما تعني كائنات مجردة. فهنالك من زاوية فلسفية شيء غير مسبوق: هنالك تعال يعطي في النهاية معنى قويا جدا للحياة، ولم يعد في نفس الوقت متعاليا على الوجود الإنساني؛ إذ الحبيب في الأرض وليس في السماء. وبذلك لا تقع إنسانوية الحب تحت طائلة النقد النيتشوي للأوثان.

من ألآن فصاعدا، تكون القيم الخاصة هي ما يؤسس لأقوى انتظارات المجتمع في الدائرة العامة، وبالتالي للجدل والعمل السياسيين. ذاك على نحو متزايد شأن المجالات التي تشمل الصحة والتربية والبيئة والشغل وإعادة التأهيل والوقاية من الحوادث، الخ. أيّ عالم سنتركه لمن هم الأحب إلينا، أي لأطفالنا، وبوجه أعم للشباب، أعني الإنسانية التي تأتي بعدنا؟ تلك هي المسألة السياسية الجديدة. إذن يفتح الاهتمام بالأجيال القادمة فضاء مشتركا بين الدائرة الخاصة (العاطفة التي تزدهر في الأسرة وتؤدي إلى تقديس من تُجَمّل صورتهم) والدائرة العامة  (مستقبل الشباب وفيما بعد مستقبل البشرية قاطبة). ذلك أنّ العالم الذي سنتركه لأطفالنا يتطابق مبدئيا مع العالم الذي سنتركه لكل البشر، وأنّه من جهة أخرى عندما نختار للجميع توجهات سياسية نحكم بأنّها أفضل ما يمكن لأطفالنا نحن، فإنّنا ننطلق من معيار على قدر كاف من المصداقية للبحث عن الحلول الأكثر صوابا وسخاء والأفضل رويّة. مثلا، عندما كنت وزيرا للتربية الوطنية، لم يكن يخطر ببالي أن أقوم بإصلاح لفائدة بناتي الثلاث فحسب، بل كنت أفعل ذلك، بداهة، لفائدة أطفال فرنسا جميعا؛ إذ كان مَرَدّ هذا الأمر إلى ما هو جمعي، وليس إلى الحياة الخاصة. ولكني مع ذلك كنت أطرح على نفسي بلا انقطاع هذا السؤال الذي أعتقد أنّه يشكل أفضل معيار: إذا كان هذا الإصلاح لا بد أن يُطبق على البنات الأحب إلي، هل كنت أنجزه بنفس الصيغة، هل يكون هو عين الإصلاح الذي كنت أختاره؟ ذاك هو ما أسميه " سياسة في الحب " ذلك أني لا أتفق مع الفكرة القائلة بأنّ السياسة تحرّكها المصالح، بل أعتقد على العكس من ذلك أنّ الإنسانوية الثانية تُدخل أو تستدعي على الأقل، في السياسة بعدا من التعاطف والأخوة أشد حضورا وتحديدا مما يُتصور، ويبدو لي إنّ السياسيين يمكن أن يغنموا، إن تعلقوا بهذا البعد، أكثر مما يفعلون. من هذا المنظور اقترحت أمرا واجبا جديدا، متميزا عن الأمر القطعي الكانطي، وقد صغته تقريبا على النحو الآتي: " افعل بحيث يمكن لقاعدة فعلك أن تُطبق على من هم الأحب إليك ". ويبدو لي أنّه لو امتثلنا لهذه القاعدة لعاملنا الأجانب والمعطلين عن العمل بغير ما نفعل اتجاههم. لنتخيل أطفالنا مكانهم، ماذا سنفعل؟ فلو تفحصنا كل القرارات السياسية بحسب هذه القاعدة، لما كان هنالك أي شك في أنّ الاختيارات المتبناة وفق هذا المعيار قد تكون مختلفة بدرجة بالغة عما هي عليه في الإطار المعهود. وبالطبع هناك نصيب من اليوتوبيا في مثل هذا الأمر أو الواجب. ولكن على عكس اليوتوبيات التي أدمت القرن العشرين، فإنّ هذه اليوتوبيا إنسانية صرف، وبناء عليه فهي غير قاتلة.

إنّ الإنسية " اللاماورائية " لا تزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، وخاصة بالنسبة للوعد الذي تعطينا إياه بقيامة الأجساد وبلقاء من نحبهم بعد الموت. نعم، لاشيء يمكن منافسة المسيحية على مستوى التجربة الأولى لعقائد الخلاص، ولكن شرط أن نكون مؤمنين، وإذا لم نكن كذلك – ولا يمكننا بالطبع إجبار أنفسنا عليه ولا ادعاؤه – فيجب عندها أن نتعلم النظر بشكل مغاير إلى المسألة النهائية لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب.

إنّني أعتبر أنّ على كل منا صياغة حكمة حب خاصة به، بصمت، ولكن يبدو لي أنّ علينا، وبعيدا عن البوذية والمسيحية أن نتعلم أخيرا العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب الأمر ذلك، كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا، والآن، وبكل فرح مع أولئك الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. ومع أنّني بعيد كل البعد عن امتلاك هذه الحكمة، فإنّني متأكد من أنّها موجودة ومن أنّها تشكل تتويجا لأنسية متخلصة من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (48)

لنلاحظ كيف تمكّن " فيري " من عرض فلسفة كاملة. إذ أنّه قدّم لنا من خلال " مبدأ الحب " سبيلا جديدا لبناء فكر في المحاور الثلاثة المكونة لكل فلسفة كبرى (نظرية، وإتيقا، ومذهبا في الخلاص):

على مستوى النظرية: اقترح " فيري ": " فكرة مبتكرة للسمو "، أعادت الاعتبار للسمو، لكنها أعطتها دلالة جديدة استطاعت بها الإفلات من الانتقادات الآتية من " المادية المعاصرة والتموضع في مجال فكري ليس " لما قبل " بل " لما بعد " " نيتشة.(49) وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم.

وعلى مستوى الأخلاق قدّم لنا " فيري " أخلاقا مبنية على تقديس الغير: " تأليه ما هو إنساني ": يؤكد  " فيري " على إنّنا نستمر، سواء كنا ماديين أم لا، بالاعتقاد أنّ بإمكان بعض القيم عند اللزوم دفعنا إلى المخاطرة بالموت. فالعديد منا ما زالوا يعتقدون بأنّ حفاظ الشخص على حياته، برغم كونها أثمن موجود، ليس بالضرورة وفي كل الظروف القيمة الوحيدة المعتبرة. إنّك وبدون شك قد ترتكب أعظم المخاطر في سبيل إنقاذ من تحب. من هنا يستدل " فيري " على وجود هذه القيم السامية التي تعلو فوق الحياة المادية أو العضوية، ولكنه يرفض أن يكون هذا السمو هو سمو الله أو الوطن أو الثورة كما هو الحال عند السابقين، ويختلف مع المادية المعاصرة التي تستبدل السمو بالملازمة الجذرية. وبعبارة أخرى: لم يستبدل " فيري " أنواع السمو الماضية – سمو الله أو الوطن أو الثورة – بالملازمة الجذرية العزيزة على الماديين ولا بالعودة عن ما هو مقدس متزامنا مع التضحية، بل بالأحرى بأشكال سمو جديدة، أفقية وليست عمودية، إذا أردنا، بل متجذرة في ما هو إنساني، أي في كائنات موجودة على ذات المستوى بالنسبة لنا، وليس في كيانات قائمة فوق رؤوسنا. إنّه يؤكد أنّنا نعيش حركة تأليه أو تقديس لما هو إنساني: لقد بتنا قادرين – بحسبه – على ركوب المخاطر من أجل الانسان الآخر، إذا لزم الأمر، وليس بالتأكيد من أجل كيانات الماضي، مثل الوطن أو الثورة – بالطبع، يمكننا أن نبقى محبين للوطن، لكن معنى الوطن قد تغير: صار يعني الأرض بشكل أقل من البشر التي يعيشون عليها، كما صار يعني الوطنية أقل من الأنسية –. يعطينا " فيري " مثالا على ما تقدم، إنه ينصح بقراءة كتاب " هنري دونان " – مؤسس الصليب الأحمر، وبعيدا عن هذه المؤسسة الخاصة مؤسس العمل التطوعي الإنساني الحديث الذي خصص له حياته – " ذكرى من سولفيرينو ": لقد استخلص " دونان " من معاناته التي مرّ بها درسا صار مبعث الثورة الأخلاقية الحقيقية التي تمثلها المنظمات الإنسانية. إنّها الثورة التي اعتبرت أنّ الجندي ما أن يُطرح أرضا، مجردا من السلاح وجريحا، فإنّه لا يعود منتميا إلى أمة إو إلى معسكر، ليصبح إنسانا فقط، يستحق بسبب هذا الحماية والمساعدة والعناية، بغض النظر عن ارتباطاته السابقة بالصراع الذي شارك فيه. وإذا كان " دونان " يلتقي هنا بالفكرة الأساسية لحقوق الإنسان، فإنه يذهب أبعد من ذلك؛ لأنّه دعانا أن نتغاضى أيضا عن الانتماءات بطريقة تطلب بها المجموعات الإنسانية، كوريثة للمسيحية، أن نعامل، من الآن فصاعدا، عدونا الشخصي، ما أن نجده في حالة الكائن البشري غير المؤذي، بطريقة وكأـنه صديقنا. (50)

أما على مستوى الخلاص فإنّ " فبري " يقترح علينا إعادة التفكير في " مسألة الخلاص " من خلال ثلاثة عناصر: " لزوم الفكر الموسع، حكمة الحب، تجربة الحداد ":

فكرة " الفكر الموّسع " لم تعد تعني فقط، كما عند " كانط "، إلزامية الفكر النقدي واللزوم البرهاني (وضع النفس في موضع الآخرين من أجل فهم أفضل لوجهة نظرهم)، بل طريقة أخرى للرد على التساؤل عن معنى الحياة: بالتعارض مع الفكر " المحدود " يمكن تعريف الفكر الناقد، للوهلة الأولى كفكر قادر على انتزاع نفسه من نفسه. من أجل " وضع نفسه مكان الآخرين "، وهذا ليس فقط من أجل فهمهم بشكل أفضل، بل من أجل النظر إلى أحكامه الشخصية، في عودة إلى ذاته، من وجهة نظر يمكنها أن تكون لآخرين. على المرء من أجل وعي ذاته أن يكون بطريقة ما " على مسافة من نفسه ". هناك يبقى الفكر المحدود منغمسا في طائفته الأصلية لدرجة يحكم معها إنّها الوحيدة الممكنة، أو على الأقل، الوحيدة الصالحة والشرعية. يتوصل الفكر الموسع، بأخذه بقدر المستطاع بوجهة نظر الغير، إلى تأمل العالم كمشاهد صاحب مصلحة وحنون. وبسبب قبوله بعدم مركزة منظوره الأصلي وبانتزاع نفسه من الدائرة المحدودة للأنويّة، يتمكن الفكر الموسع من الدخول في العادات والقيم البعيدة عن تلك التي يتبناها، ثم ولدى عودته إلى نفسه، ووعي ذاته بطريقة متجردة وأقل جزما، فإنّه يُغني وجهات نظره الشخصية. إنّ هذا المسار هو الذي يُعطي للحياة معناها ويبرّرها: علينا انتزاع أنفسنا من الأنّوية، إنّنا بحاجة إلى الآخرين لكي نفهم أنفسنا، وبحاجة إلى حريتهم وسعادتهم، إذا أمكن ذلك، لإتمام حياتنا الخاصة. وفي هذا يشير الاعتبار الأخلاقي، من تلقاء ذاته، نحو إشكالية أعلى: إشكالية المعنى. ففي التوراة، أن نعرف يعني أن نحب. وإن أردنا قول الأمور بفجاجة: عندما نقول عن شخص ما " لقد عرفها توراتيا "، هذا يعني أنّه ضاجعها. إنّ إشكالية المعنى هي علمنة هذه المعادلة التوراتية: إذا كانت المعرفة والحب نفس الشيء فإنّ ما يُعطي معنى لحياتنا، عندئذ وفوق كل شيء، ويُعطيها كذلك توجها ودلالة، هو مثال " الفكر الموسع " عينه، فهو وحده، فعليا، وبدعوته لنا للسفر بكل ما للكلمة من معنى، وبِحثّنا على الخروج من ذواتنا من أجل إيجاد أنفسنا بشكل أفضل، يتيح لنا أن نعرف وأن نحب الآخرين بشكل أفضل. لأجل هذا ولا شيء غير هذا ينفع أن نشيخ، من أجل توسيع رؤيتنا وتعلم حبّ فرادة الكائنات والأعمال، وكذلك من أجل إلغاء الزمن الذي يوفره لنا وجود هذا الحب عندما يكون قويا. وفي هذا نتوصل، ولكن في بعض اللحظات، وكما كان يدعونا إليه اليونانيون، إلى تحرير أنفسنا من ظلم الماضي والمستقبل، لكي نسكن هذا الحاضر الخالي من الشعور بالذنب والآمن، والذي فهمت الآن إنّه كان مثل " لحظة خلود "، ومثل هنيهة لم يعد يعني فيها الموت من الخوف شيئا بالنسبة لنا.

لكي نفهم أفضل الفكر الذي تبشر به العبارات السابقة، علينا أن نذهب أبعد من ذلك وأن نحاول اكتشاف كيفية وجود " حكمة حب " أو نظرة لـ " الحب " تتيح الادراك الكامل للأسباب التي من أجلها يعطي وحده، على الأقل من منظور الأنسية، معنى لحياتنا. لكي نحيط بـ " حكمة الحب " بشكل أفضل علينا الانطلاق من معرفة ما يميز أيّ عمل فني كبير، لأنّه وفي أي مجال كان يتميز في البداية بفرادة سياقه الثقافي الأصلي. إنّ ما يميّز العمل الفني العظيم، وخلافا للفن الشعبي، هو أنّه لا يرتبط بشعب خاص، بل إنّه يرتقي إلى العالمية. إنّ وصول العمل إلى المستوى العالمي – بحسب " غوته " – لا يُكتسب عن طريق الاستخفاف بخصوصيات الأصل، بل بالقبول بواقع الانطلاق منه ثم الانقطاع عنه من أجل تحويله إلى شيء آخر ولكن دائما في فضاء الفن. لهذا السبب يتحدث العمل العظيم، بخلاف الأعمال الأخرى إلى كل الكائنات البشرية مهما كان المكان أو الزمان الذي نعيش فيه. إنّ ما يلزم فهمه هنا، لكي نفهم في أيّ ميدان يُعطي الحب معنى، هو أنّ بين الواقعين الخاص والعالمي، يوجد مكان لأجل متوسط: الفريد أو الفردي. إنّما هذا الأخير وحده، وفي آن معا، موضوع حبنا وحامل المعنى. لكي نفهم هذه الفكرة الأساسية التي تمثل الجسر الرئيسي في البناء الفلسفي لللإنسانية المعلمنة، لا بد من الانطلاق من بيان ما نعنيه بـ " الفرادة ": إنّنا إذا قصدنا بـكلمة " فرادة " أو " فردية " خصوصية لم تتوقف عند ما هو خاص بل ذابت في أفق أعلى لكي تصل إلى عالمية أكبر، عندها سندرك في أيّ مجال يقدم عمل فني عظيم النموذج الأكثر كمالا عنها. كوننا ما زلنا نقرأ " أفلاطون " أو " هوميروس " أو " موليير " أو " شكسبير " أو نسمع " باخ " أو " شوبان "، فهذا يعود بالمعنى الدقيق إلى أنّهم مؤلفون لأعمال فريدة ومتجذرة، في آن معا، في ثقافتهم الأصلية، وفي زمانهم، لكنها أيضا قادرة على التوجه لكل البشر وفي كل الحقبات. هذا هو الأمر بالنسبة لكل الأعمال العظيمة وحتى لكل الآثار التاريخية الكبرى. لأنّها ارتقت إلى المستوى الأعلى من " الفرادة " ، ولأنّها لم تتوقف، لا عند الخاص الذي كان يشكل، كما عند أيّ إنسان، موقع الانطلاق، ولا عند العام المجرد والروحي، مثل التركيبة الكيميائية أو الرياضية، مثلا. إنّ ما نحب في العمل الفني هو تلك الفرادة التي ليست خاصة فقط ولا عالمية بالكامل. إنّك ترى هنا بأية وسيلة تلحق الفرادة مباشرة بمثال الفكر الموسع: عندما أنتزع نفسي من نفسي من أجل فهم الغير، وعندما أوسّع حقل تجاربي، فإنّي أتفرد بما أنني أتجاوز ما هو خاص في وضعي الأصلي من أجل التوصل إما للعالمية أو على الأقل لمراعاة إمكانيات الإنسانية جمعاء. إذا اتبعنا خيط التميّز الذي قادنا إليه الفكر الموسع، علينا إضافة بعد الحب إليه؛ لأنّه وحده القيمة والمعنى النهائيين لكل تطور " التوسيع " الذي يستطيع كما يجب عليه أن يقود التجربة الإنسانية. إنّه لهذا الاعتبار، نقطة وصول الإنقاذ الأنسي والجواب الوحيد المُرضي عن التساؤل عن معنى الحياة، وبهذا نكرر القول، تظهر الأنسية اللا ماورائية وكأنّها علمنة مسيحية. إنّ التميّز بعد ذاتي شخصي للكائن البشري كما هو. إنّ هذا البعد، دون الآخرَين، هو الموضوع الرئيسي لحبنا. إنّنا لا نحب الخاص لأنه خاص ولا العالمي المجرد الفارغ. إنّ الفرادة وحدها بتجاوزها في آن معا الخاص والعام، يمكنها أن تكون موضع حب. إذا توقفنا عند المزايا الخاصة/العامة وحدها فلن نحب أحدا بشكل حقيقي. إن ما يجعل كائنا ما محبوبا وما يُعطي الشعور بأنّ بالإمكان الاستمرار في حبه، حتى ولو شوهه المرض، لا ينحصر في صفة واحدة مهما كانت مهمة. إنّ ما نحبه فيه (وما يحبه فينا) وما يجب علينا بالنتيجة تنميته بالنسبة للغير كما لأنفسنا، ليس الخصوصية الصرفة ولا الصفات المجردة العامة، بل الفرادة التي تميزه وتجعله غير شبيه لأحد. إنّنا نستطيع القول مثل " مونتاني " لمن نحبه أو نحبها " لأنه كان هو ولأنني كنت أنا " وليس " لأنه كان جميلا أو قويا أو ذكيا " ... وهذه الفرادة ليست معطاة منذ الولادة، إنّها تصنع بألف طريقة دون وعي منا، بالضرورة، لا بل بالعكس. إنّها تصاغ طوال الوجود والتجربة، ولهذا السبب بالضبط، لا يمكن استبدالها بالمعنى الحقيقي. إنّ الرضع يتشابهون كلهم مثل صغار القطط، إنّنا نحبهم كثيرا، بالتأكيد، ولكن فقط عند بلوغه الشهر الأول ومع ظهور أول ابتسامة له، يصبح صغير الإنسان محبوبا " إنسانيا "، وذلك لأنّه منذ تلك اللحظة يدخل في قصة إنسانية حقيقية، ألا وهي العلاقة بالغير. في هذا المجال، وباتباعنا الدائم للخيط الأحمر للفكر الموسع وللفرادة المفهومة هكذا، يمكننا إعادة تزويد المثال اليوناني بهذه " اللحظة الخالدة "، أي هذا الحاضر الذي وبسبب فرادته بالضبط، لاعتبارنا أنّه لا يستبدل، ولأنّنا نقدر حجمه بدل إلغائه باسم الحنين لما سبق أو الأمل بما يمكن أن يتبعه، يتحرر من مخاوف الموت المرتبطة بالنهائية والزمن. من جديد وفي هذه النقطة تلاقي مسألة المعنى مسألة الخلاص. إذا كان الانتزاع من الخاص والانفتاح على العام يشكلان تجربة فريدة، وإذا كان هذا التطور المزدوج يجعل حياتنا فريدة ويوصلنا في آن معا إلى فرادة الآخرين، فإنّه يمنحنا بالتزامن مع وسيلة توسيع الفكر وسيلة وضعه في احتكاك مع لحظات فريدة، لحظات نعمة حيث يغيب الخوف من الموت المرتبط دائما بأبعاد خارجية بالنسبة للحاضر.

نحن نعلم أنّ ما يقال عن الخلاص هنا لا يزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، لا شيء يمكنه منافسة المسيحية على هذا المستوى، ولكن على غير المؤمنين أن يتعلموا النظر بشكل مغاير لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب. هناك ثلاث طرق للتفكير بالحدادعلى شخص نحبه: الطريقة الأولى: توصي البوذية بـ " عدم التعلق "، ليس بدافع عدم الاكتراث، أي أن نحب ونصادق دون أن نقع في " فخ التعلق ": " أن تكون متعلقا " لا يعني فقط " أنك ستُحرم من السعادة والطمأنينة "، بل يعني أيضا " أنّك مربوط " وغير حر . الطريقة الثانية: على العكس تماما، ما توصي به الديانات الكبرى، وخاصة المسيحية: إنّها توصي بأن نمارس مع الكائنات العزيزة " الحب في الله "، أي الحب الذي يطال ما فيهم من وجه خالد وليس فانيا. وهي تعدنا إذا ما فعلنا ذلك بأن نحصل على سعادة لقياها، مما يعني أنّ التعلق ليس محظورا، شرط أن يوظف في موضعه.الطريقة الثالثة: لا يرى " فيري " في عقيدتي الخلاص السابقتين اللتين تعالجان بشكل متناقض تماما إشكال موت الكائنات العزيزة علينا، ما يناسبه، فهو في نفس الوقت الذي يؤكد فيه أنه لا يستطيع منع نفسه من التعلق، بل ليس لديه أية رغبة بالعزوف عن ذلك، والعيش وحيدا، يجد أنّ العرض المسيحي أكثر جذبا بكثير، ولكن إلى الدرجة التي لا يستطيع معها الإيمان به. قد لا يكون في وسع المرء أن يعمل شيئا غير انتظار الكارثة، ولكن قد يكون في وسعه، أن ينمّي، فقط لنفسه، بهدوء وبدون وهم نوع من " حكمة الحب ": الكل يعلم، مثلا، أن على المرء التصالح مع أهله – إذ لا مناص من توترات خلقتها الحياة – قبل أن يرحلوا، لأنّ الأوان بعد ذلك يكون قد فات، مهما قالت المسيحية عن ذلك. إن كنا نعتقد أنّ الحوار مع الكائنات العزيزة علينا لا يمتد إلى ما لا نهاية، فمن الواجب علينا استخلاص النتائج من ذللك. ما علينا أن نفعله، وبعيدا عن البوذية والمسيحية، أن نتعلم العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب ذلك كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا والآن، وبكل فرح ، مع أولئل الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. " حكمة الحب " هذه هي التي تشكل تتويجا لأنسية متخلصة أخيرا من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (51)

 

رضا حسن الغرابي

...................

الهوامش

48 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص303 – 310، ص354، ص382 – 387. وانظر أيضا: لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص129 – 133. وأيضا: لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص59-66، ص317-338.

49 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص346-354.

50 – المصدر السابق، ص360-364.

51 – المصدر السابق، ص346-387..

 

zouhair khouildiلقد أشكلت الفلسفة على الإنسان أيما استشكال واستعصت على الفهم أيما استعصاء سواء من جهة العبارة أو الفكرة أو المنهج أو الموقف. ولقد زاد هذا الغموض عند قيام الاتجاهات الفلسفية وبروز الفلاسفة الكبار واكتساح المدارس الفكرية والمذاهب العلمية واندلاع نزاع العمالقة حول الوجود.

إذ تبدو الفلسفة من جهة أولى تجربة فكرية صعبة تجلب الحيرة والارتياب وتوقع الذهن في الكثير من المزالق ومن جهة أخرى يمكن حفظ قواعدها واستعمال طرقها في الحياة والتعويل عليها في التطور.

لم تقل هذه الحيرة ولم يتناقص هذا الالتباس إلا عندما تم اعتبار الروح الفلسفية هي بلوغ نصيب من المعرفة بشكل متأني بالاعتماد على مسالك منهجية معلومة والتمتع بجرعة من سعادة الحكمة المرحة.

لقد ربط الفلاسفة حينئذ التفكير بالحياة والمعرفة النظرية بالاهتمام بالمعلومات المفيدة وجعلوا عملية اكتساب الحقيقة مقترنا بإنتاج المنفعة وصناعة الذكاء وابتكار الآلة واختراع القانون وإضفاء القيمة.

بيد أن الفلسفة ليست مذهبا تام التكوين ولا عقيدة جامدة تشكلت بصورة مكتملة ولا تتضمن نسقا مغلقا وإنما هي فلسفات أوجدها العديد من الفلاسفة وتوجد في التاريخ وترتبط بالواقع وتعرف حدوث عدة تغيرات والكثير من المراجعات بحيث تتجدد فيها المفاهيم وتنمو عبرها المناهج وتتوالد المقاربات.

بهذا المعنى تحبذ الفلسفة التفكير الحر عبر آليات السؤال والحوار وتمارس النقد والتفكيك والتأويل والتغيير وتشيد النظريات المعرفية وتبني الأنساق المفتوحة وتدفع اللغة إلى وصف الواقع الطبيعي.

غير أن تاريخ الفلسفة شهد ظهور مجموعة من الأزمات وبروز الكثير من الظواهر الملغزة والمسائل المستعصية مما دفعت بالعقول إلى الاستنجاد بالتجربة التطبيقية حينا أو الاعتصام بالرياضيات أحيانا.

في هذا السياق يعتبر أرسطو 384- 322 قبل الميلاد من أول الفلاسفة الإغريق الذين كانوا على وعي تام بحدة الأزمة التي عصفت بالمدينة وعجلوا بتوجيه الفلسفة نحو تفقد مقولاتها للرد على التحديات.

تبدو الملامح الأولى للأزمة بشكل واضح في نوع علاقة التلميذ أرسطو بالأستاذ أفلاطون أو في علاقة فيلسوف سابق بفيلسوف لاحق التي تدعو إلى ممارسة الابتكار والإضافة والخروج عن السابق من ناحية أولى والى الوفاء والالتزام والإيمان باستمرارية وتواصل القيم الفلسفية من ناحية ثانية.

بعد ذلك تكمن أهمية أرسطو، ثانية، في وضعه جملة من المباحث الأساسية كالميتافيزيقا والمنطق والإيتيقا والسياسة والفيزياء ولكن الأكثر استشكال هو طرحه قضية العلل الأولى ومبادئ القصوى.

من جهة ثالثة انتمي أرسطو إلى اللحظة التأسيسية للفلسفة الإغريقية التي دفعت بالعقل إلى القطع مع الخرافة ولكنه ظل يُعتَبرُ أول الفلاسفة الإغريق الذين حاولوا أن يكونوا طبيعيين بلا حاجة للأساطير.

على مستوى رابع تبني أرسطو تصورا موسوعيا للفلسفة وأنتج نظرة كونية للأشياء واحتلت مسألة الكلي منزلة محورية في فكره ولكنه دعا إلى التعمق في دراسة الظواهر ودافع على التخصص وكان أول الذين قسموا المعرفة إلى علوم دقيقة وميزوا حقل التجربة إلى دوائر معلومة وأدراج متصلة.

على هذا الأساس تطرح العديد من الأسئلة حول نظريته في المعرفة وفكرته عن الطبيعة ونظرته للكون والمنهج المنطقي للتفكير وعلاقة النفس بالجسم ومنزلة المادة من الحياة وتصنيف العلوم لديه. إذ كيف يكون واضع علم مابعد الطبيعة وعلم الطبيعة في الآن نفسه؟ وبأي معنى قام ببناء المنطق من مقولات عن اللغة والفكر والوجود وأصناف من الكائنات الحية والتاريخ الطبيعي مثل النوع والجنس؟

1- الحكمة النظرية:

لقد انطلق أرسطو من الآراء اليقينية حول الأشياء المجهولة والمدركة والمظاهر الموثوق بها من قبل عدد كبير من الناس واعتبرها حقائق تقودنا إلى إدراك الوقائع و معرفة منزلتنا في الكون والتفلسف.

لقد اعتبر الحياة الإنسانية تتضمن ضرورة الحاجة إلى البحث والتحرك ومطلب تحصيل كل المعرفة وممارسة التفلسف والنظر في الطبيعة والاعتبار من الظواهر الكونية وبلوغ الحكمة من خلال التفكر.

لقد تصور الحكيم على أنه الإنسان المتحصل على معرفة بجميع الحقائق لكل الأشياء في كل الأزمنة والقادر على بلوغ السعادة من خلال الرغبة في المعرفة وليس عن طريق انتماء سياسي لنظام عادل.

لقد قاد الفكر الموسوعي الذي تبناه أرسطو إلى بناء معرفة شمولية تنظر في الكون من جميع جوانبه الظاهرة والخفية وكذلك الأجسام الهائلة والأجسام الدقيقة وأيضا الظواهر البعيدة والظواهر القريبة.

لقد ارتكزت المعرفة الفلسفية عند أرسطو على التأمل النظري وطاردت الكلية وبحثت عن المطلق ولكنها في ذات الوقت أدخلت الملاحظة إلى الفكر وعولت على حركة اليد المتجهة إلى الأرض من أجل الاحتكام إلى التجربة والعودة إلى التاريخ الطبيعي واستعان بالسبر والاستقراء بعد الاستنباط.

لقد اعتمد أرسطو على الرياضيات في مقاربته الفيزيائية والمنطقية للطبيعة التي استقاها من العلماء الإغريق الذين سبقوه على غرار فيثاغورس وطاليس وأرخميدس وإقليدس وديمقريطس وهرقليطس. ولكنه ظل مشدودا إلى أستاذه أفلاطون في تعويله على مبدأ اللّوغوس من حيث هو تفكير عقلاني قادر على النظر إلى الطبيعة من جهة العلاقات التي تتكون منها الوقائع والتعبير عنها عبر خطاب متماسك.

في المقابل خالف فيلسوف الأرض أرسطو فيلسوف السماء أفلاطون- حسب الرسام رافيال في لوحته الشهيرة- بمنح الرأي والخطابة والشعر والمجاز منزلة في الشغل المعرفي الذي يؤديه الفكر الفلسفي.

من المعلوم أن أفلاطون جعل الفلسفة في قطيعة جذرية مع الرأي واعتبر محب الرأي فيلسوف مضاد والآية على ذلك أن الرأي هو مجرد عتمة يجب على النفس جبه من أجل الشروع في التأمل والتفكر، واعتبر السفسطائيين شياطين ومهرجين لزعمهم امتلاك الحكمة واستعمالهم اللغة للخداع والهيمنة.

إذا كان أفلاطون قد أجاز اعتماد التفكير الفلسفي على جل الأساطير من أجل بلورة الأفكار وتوضيح المفاهيم فإن أرسطو ابتعد عن ذلك وعَوَّلَ على تجميع ملاحظات عن الحياة المشتركة واللغة الجارية.

علاوة على أن أرسطو تفلسف بشكل مغاير حيث اعتبر الأفكار المشتركة وألفاظ اللغة المتداولة نقاط انطلاق نافعة من أجل بناء معرفة يقينية بالكون واتخذها أصلا ومصدرا لكل حكم عقلي على العالم.

كما أعاد الاعتبار للسفسطائيين حينما أخذ محمل الجد الدور المعرفي لتقنيات الكلام في فن الخطابة وثمن التوازي بين النحو كنظام اللغة والمنطق بوصفه نظام التفكير، بين حسن القول وحسن النظر.

لقد جعل أرسطو من تجربة التفلسف مقترنة بالدهشة والتعجب عند النظر إلى الموجودات وطرح سؤال لماذا؟ وقام بتفريع ذلك إلى أسئلة أخرى على غرار ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ومن؟ ولمن ؟...

من هذا المنطلق يقر أرسطو بوجود ترابط أصلي بين بنية الوجود وبنية الفكر وبنية المعرفة، ولما بقي الوجود يقال على أنحاء عدة والفكر يقطن بين الكلي والجزئي فإن المعرفة تقال على أنحاء عد