علي رسول الربيعينرى أن مسألة العلاقة بين الفلسفة التي تطمح للعالمية والعقل العمومي الذي يستعمل المحاججة العقلانية وبين الدين الخاص، الذي يستعمل اللغة المجازية لها اهميًة، ومن هذا الموقع ننظر في أقوال الفلاسفة السابقين عن هذه العلاقة بين الدين والفلسفة ونظرية "الحقيقة المزدوجة" تنص "نظرية الحقيقة المزدوجة على أن الفلسفة والدين لا يحملان نفس الآراء، وبعبارة أخرى، مواقفهما تختلف في مواضيع معينة. أنهما يفسران الواقع بطرق مختلفة، وحتى غير متوافقة. هناك فلاسفة كان لهم دور بارز في تناول هذه القضية ومهم في تاريخ الفلسفة ومن بينهم أبن رشد وهيجل. لانقصد هنا ان نقيم مقارنة تاريخية بينهما ولكن موضوعاتية. فلدى أبن رشد وهيجل وجهات نظر متشابهة بشكل ملحوظ حول العلاقة بين الفلسفة والدين.

فيما يخص مكانة الكتاب المقدس أنه هو سلطة أكبر من أفلاطون أو أرسطو. على الرغم من أنه لا يمكن إغفال المعنى الحرفي للكتاب المقدس الاً أنه توجد هناك قراءة غير حرفية للكتاب المقدس مع أوغسطين وتقبلها الأكويني أيضا، فقد قبل الأكويني أنواعًا مختلفة من القراءات المجازية للكتاب المقدس، لكن يجب أن يكونوا خاضعين للمعنى الحرفي للنص.

يساوي هيجل في محاضراته حول فلسفة الدين، بين مفهومه للروح والروح القدس كما هو في الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن وجهات نظره حول الروح تتوافق مع اللاهوت المسيحي، اللوثري أو الكاثوليكي، بالنظر إلى أنه يقلل أو يبدو أنه ينتقد الصور الدينية التي نجدها في الكتاب المقدس، مثل مفهوم الأب والابن الذي ينسب إلى الله.

هناك مكانة كبيرة لأبن رشد وهيجل في مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين ولاسيما أطروحة "الحقيقة المزدوجة. إذا أردنا توضيح هذه النظرية، فعلينا أن نشير إلى أنه في حين ينص الدين (المسيحية والإسلام) على أن العالم قد خلق في وقت معين، يقول فيلسوف مثل أرسطو أن العالم أبدي، بمعنى أنه لم يكن هناك وقت لم يكن العالم فيه غير موجود أبداً. وهذا يجعل من الصعب مقارنة آراء أرسطو مع الكتاب المقدس والتفسير القرآني للخلق.

فيما يتعلق بابن رشد وهيجل، لا بد من القول بأن أيا منهما لم يدافع عن أطروحة الحقيقة المزدوجة بالمعنى القروسطي للعبارة. كلاهما دعا إلى أن الحقيقة يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. ربما لا يزال هناك غموض في ما يتعلق باراء كلا الفيلسوفين حول الدين، لأن كلاهما ذكر أن الدين يصور الحقيقة بطريقة مجازية، بينما تعبر الفلسفة عن الحقيقة بطريقة صارمة أو صريحة أو حرفية. من الواضح أن هناك تفضيلاً للطريقة الفلسفية للتعبير عن الحقيقة عند كل من ابن رشد وهيجل.

لم يقم هيغل، في الواقع بدراسة ابن رشد ولم يكن لديه رأي مهم او ذو قيم فيما يتعلق بالفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى، لكن اذا كان ذلك كذلك فما وجه الأتصال بينهما؟

قدم هيجل مساهمة كبيرة للغاية في دراسة تاريخ الفلسفة. حتى انه حدد الفلسفة مع تاريخ الفلسفة. أما من افتتح البحث في الفلسفة الإسلامية كموضوع دراسي فعليا فقد كان رينان عندما كتب عن ابن رشد و نشر كتابه لأول مرة في عام 1852. وعليه، كان هيجل محدود الأطلاع بالمصادر المتاحة له أنذاك. فقد كان ينظر إلى الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى على أنهم مجرد معلقين على أعمال أرسطو. ويحدد الفكر الإسلامي الحقيقي بعلم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى. إن مصدر أراء هيجل عن الفكر الاسلامي في العصور الوسطى مستمد من دراسته لموسى ابن ميمون الذي كان يشارك في النقاش مع علماء الدين الإسلامي.

كان هيغل على معرفة بأبن ميمون وكان أيضا من المعجبين بفلسفة سبينوزا الذي كان بدوره قارئًا لابن ميمون. ومن المعروف أن أحد التأثيرات الفلسفية العظيمة على بن ميمون كان الفارابي، والذي كان بدوره دافعًا لابن رشد ايضا الذي راى في عمله الرئيس تاكيدا على أن الواقع يمكن التعبير عنه بشكل مختلف بين لفلسفة والدين. فلا يختلف موقف ابن رشد حول هذا الموضوع جذريًا عن موقف الفارابي، وكان أبن رشد ملمًا بفكرة الفارابي. أما هيجل فقد تعلم عن أطروحة الحقيقة المزدوجة من خلال سبينوزا وابن ميمون.

لكن ماذا عن السياقين المختلفين تمامًا الذين عمل هذان الفيلسوفان، ابن رشد وهيجل، من خلالها. والاختلافات الرئيسية بين الإسلام السني في القرون الوسطى عند ابن رشد ومذهب هيجل مابعد اللوثرية المسيحية وما بعد عصر التنوير؟ عاش هيجل في مجتمع ما بعد عصر التنوير، عصر العلمنة التدريجية في المجتمع. لكن لاتزال ألمانيا هيجل انذاك محافظة للغاية، و كانت الاتهامات بالالحاد ضد الفلاسفة سائدة، فقد أتهم فيشته بالحاد أولاً وأتهم هيجل بالحلولية في برلين لاحقا. لم يفقد الأخير موقعه الأكاديمي على عكس فيشته من قبله، فكان في ألمانيا مجتمعاً عميق التدين. أما ابن رشد فقد عاش في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى ولم يكن الإسلام مجرد دين بل هو أسلوب حياة هيمن على جميع جوانب المجتمع. نعم عاش ابن رشد في مجتمع ديني ، لكن كان هناك أفراد أقوياء كانوا مهتمين بالفلسفة والترويج لها بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع الدين أم لا، مثل الأمير الذي قرأ أرسطو وبعض تعليقات ابن رشد، أقصد أبو يعقوب يوسف. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبر البعض أن ابن رشد هو مقدمة لعصر التنوير؛ نظراً لتأكيده على قوة العقل وقدرته للتفكير بشكل مستقل عن الوحي، بينما كان هيجل مهتمًا بشدة بالدين، ودمج المواضيع المسيحية في فلسفته. بعبارة أخرى، عاش كل من أبن رشد وهيجل في فترات تاريخية مختلفة جوهريًا، لكنهما كانا مهتمين بشدة بالتقاطع بين الفلسفة والدين والعقل والإيمان.

ولنا أن نسأل إذن كيف وضع ابن رشد نظرية "الحقيقة المزدوجة" في كتابه " فصل المقال..." و " تهافت التهافت" "" و أعماله التي تشرح أرسطو؟ وكيف يرى العلاقة بين الإسلام والفلسفة والانسجام بينهما وعلى وجه الخصوص؟ وكيف كانت قراءته غير الحرفية للقرآن في ذلك الوقت؟ يؤكد ابن رشد بوضوح على وجود حقيقة واحدة فقط، ولكن يتم التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. وهو يعتقد أن الحقيقة يتم التعبير عنها بطريقة حرفية في الفلسفة، ولا يمكن صياغة الحقيقة في الفلسفة بشكل مختلف. بينما يعبر الدين عن الحقيقة بطريقة مجازية. على سبيل المثال، يشير القرآن إلى يد الله. وفقاً للفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى، لا يمكن أن يكون لـ لله خصائص إنسانية، مثل الجسد (الذي قد ينطوي على الحد من طبيعة الله اللانهائية) ، وبالتالي فهو لا يملك حقًا اليد. يجب أن تُفهم الإشارات إلى يد الله بطريقة مجازية بمعنى قوة الله.

يميز ابن رشد ،في هذه النقطة بين الطرق المختلفة للتعبير عن الواقع نفسه، أي الطريقة البرهانية والجدلية والخطابية. وهو يشرح طبيعة هذه الأنواع اللغوية الثلاثة في كتابه " فصل المقال" التي صيغت كمسألة قانونية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمسلمين بدراسة (الفلسفة اليونانية القديمة والهلينية). ويستند تمييزه بين هذه التخصصات أو أنواع الخطاب على أرسطو، وقدم ابن رشد التوضيح في تحليلاته الثانية، وهو العمل الذي ألفه من ضمن الشروحات، بما في ذلك الشرح الكبير المفصل جدا. يتم تعريف الخطاب البرهاني من قبل أرسطو بأنه هو مالطلوب للعلوم والتحقيقات العلمية. على هذا النحو، فإنه يتميز بعدم غموضه ولا يستعمل الاستعارات أو الرموز. يؤيد ابن رشد هذا الرأي. وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا النوع من الخطاب أو اللغة على العلوم بالمعنى الحديث لمصطلح اليوم فحسب، بل ينطبق أيضًا على الفلسفة المظلة تنطوي تحتها معظم أشكال المعرفة في العصور الوسطى.

يحدد ابن رشد اللغة الدينية بالخطاب الجدلي و بخطاب البلاغة. كتب أرسطو عن موضوعة الجدل وعن البلاغة في كتابه بعنوان البلاغة. وكتب ابن رشد الشروحات على كل من هذه الأعمال ، وكذلك على التحليلات الثانية قبل تأليف " فصل المقال". علاوة على ذلك، لا ينظر ابن رشد إلى هذه على أنها أساليب فقط ، لكنه يحددها مع ثلاث فئات من الناس في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى. فئة البرهان التي يحددها بالفلاسفة، وهم أقلية. وقد امتلكت إسبانيا في العصور الوسطى تقليدًا متميّزًا للفلسفة الإسلامية، حيث أنتجت مفكرين بارزين مثل ابن حزم وابن باجة وابن طفيل (الذي كان صديقاً شخصياً لابن رشد).

وحدد فئة أهل الجدل بالمتكلمين وفئة أهل البلاغية بالمؤمنين المسلمين العاديين. ينتقد بشكل خاص علماء الكلام لقيامهم بتضليل غالبية المؤمنين، الذين لا يتم تدريبهم على الفلسفة أو أي نوع من التفكير المجرد. ينخرط علم الكلام الإسلامي في التفكر والتأمل حول معنى القرآن، لكنه لا يأخذ في الاعتبار تمامًا الفلسفة القديمة، من ناحية، وهو معقد للغاية حتى يمكن أن يفهمه غالبية الناس، من جهة أخرى. فيرى ابن رشد أنه من الأفضل أن الفلاسفة (وليس علماء الكلام) هم من يشيروا إلى الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها آيات قرآنية معينة من قبل غالبية المسلمين.

إن الطرق المختلفة التي يمكن أن تدرك بها الحقائق الأساسية، مثل وجود الله ، تعني أن على الفلاسفة أن يفكروا في الله بطرق مجردة، في حين أن غالبية المسلمين الذين ليس لديهم القدرة على فهم أو الانخراط في دراسة الفلسفة يسمح لهم بالتفكير في الله في طرق أكثر مجسمًة. وفقا لابن رشد تناسب الرسالة القرآنية جميع فئات الناس، من الفلاسفة إلى جميع المسلمين الآخرين.

اذن إن مفتاح أنسجام جميع أنواع الخطاب هو طريقة قراءة القرآن طبقا لأبن رشد، الذي يقول – كما اسلفنا- أن الفلاسفة وليس المتكلمين من يجب أن يكون لهم القول الفصل في كيفية تفسير القرآن.

فبالنسبة لأبن رشد الفلسفة والدين لهما المضمون نفسه ولكنهما يعبران عنه بشكل مختلف، على سبيل المثال فيما يتعلق بطبيعة الله. سوف يفهم الفيلسوف قدرة الله المطلقة على كونه السبب المطلق لكل شيء، في حين أن غالبية المسلمين يمكنهم الاعتماد على تصورات أكثر مجسمًة عن لله متوفرة في القرآن. فيجب قراءة الوصف المجسم لله في القرآن بطريقة مجازية من قبل الفلاسفة، ولكن ليس من قبل المسلمين الآخرين. لا يقول ابن رشد أن كل شيء في القرآن مجازي، في الواقع يمكن أن يفهم بعض الآيات حرفيا من قبل أي مسلم.

وفيما يتعلق بالتفسير، يؤكد ابن رشد في كتابه "فصل المقال" أنه منذ التاريخ المبكر للإسلام، تم القبول بأن القراءات المجازية للقرآن كانت ضرورية فيما يتعلق ببعض الآيات، ولكن ليس كلها. انه يضع القواعد لتفسير هذه الآيات وفقا لقواعد اللغة العربية واستخدامها. ويذكر أيضًا أنه عندما تتعارض الآية القرآنية مع فكر أرسطو، يجب قراءة الآية بشكل مجازي، نظرًا لأن نصوص أرسطو ذات طبيعة برهانية ويجب أخذها حرفياً. وبهذه الطريقة، يسعى دائمًا إلى التوفيق بين فكر أرسطو والقرآن. يدعي ،على سبيل المثال، أن الإشارات إلى جلوس الله على العرش قبل الخلق الموجودة في القرآن تشير إلى وجود شيء ما إلى جانب الله دائما، واستعمله كمؤشر على أبدية العالم. لكن على ما يبدو، لم يقنع هذا التفسير بعض المتكلمين الإسلاميين، لأن القرآن يذكر أيضا خلق الله للعالم في ستة أيام.

كانت هناك مدارس في علم الكلام الإسلامي في القرون الوسطى، مثل مدرسة المعتزلة التي فضلت قراءة مجازية لبعض الايات، في حين كانت هناك الأشعرية ومدرسة لاحقة للمعتزلة حبذت القراءة الحرفية للقرآن. تسود المدرسة الأشعرية في الإسلام السني اليوم، لكن كانت هناك محاولات لإحياء آراء المعتزلة، لذلك فإن الطريقة التي يقرأ بها القرآن مفتوحة للنقاش بين عموم المسلمين ومن مختلف المذاهب. ومن الواضح أن هناك تقليدًا منذ القرون الوسطى حول الطرق غير الحرفية لفهم القرآن، ويمكن إعادة إحياءها من قبل علماء مسلمين دائما.

هناك مجال آخر من الجدل حول التوفيق بين الرؤية الدينية للعالم والرؤية الفلسفية، وتتعلق بمسألة المصادفة والحتمية. وعليه يُطرح هنا السؤال، فكيف تعامل ابن رشد مع قضايا مثل الحرية والمسؤولية إلى جانب العناية الإلهية وإرادة الله؟ هل اعتقد أنه يجب أن يصمم فلسفته طبقا لدينه أم العكس؟ أظن أن كل هذا يعود إلى السؤال كيف يمكن أن يجمّع بين تفسيره الأرسطي للطبيعة مع القرآن؟ نعم ، إن مسألة الصدفة والحتمية تدل كذلك على محاولات ابن رشد للتوفيق بين الدين والفلسفة أو العلم.

فيما يتعلق بمسألة الحرية والمسؤولية يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار نوعين من المصادر التي استعملها ابن رشد، أرسطو من جهة، والقرآن من جهة أخرى. وهنا لابد من الشارة الى إن أرسطو نفسه في أعماله المكثفة لا يبدو له موقف واضح المعالم بشأن مسألة حرية الإنسان. في حين يبدو أنه يشدد على المسؤولية الإنسانية في أعماله الأخلاقية، هناك تركيز قوي على السببية بل وحتى الضرورة في أعماله الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن الصدفة عند أرسطو ليست سبب أساسي، بل هي سبب عرضي يرتبط مع الأسباب الأساسية الأخرى، مثل السبب النهائي أو الفعال كما يوضح بوضوح في فيزياءه.

تشير بعض الآيات القرآنية إلى أن البشر أحرار في الإيمان أو عدم الايمان، في حين تشير الآخرى إلى أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان للبشر. كانت هناك مدارس مبكرة في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى، وكان الفلاسفة يشاركون في الحوار ايضا، تؤيد مفهوم الحرية الإنسانية، كحماية لمبدأ لعدالة الله، بينما تم تركيز، في وقت لاحق، على القدرة الكلية الإلهية والتقليل من حرية الإنسان، التي لا يمكن أبدا أن تقف في طريق القدرة الإلهية والقضاء والقدر. أيً أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان الكائنات البشرية.

أعتقد أن تطور مفهوم الحتمية الطبيعية في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى أثر على فكر ابن رشد كما اثر على ابن سينا قبله. يشدد ابن رشد على الضرورة الصارمة لعمل الطبيعية في تعليقاته على أرسطو. إنه يعتبر الصدفة حالة عرضية وليس سببًا أساسيًا. هذا يعني أنه عندما ننظر الى حادثة صدفة، فهناك سبب أساس يرتبط به العنصر العرضي. على سبيل المثال، إذا كان الموسيقار يبني بيتًا عرضا، فإن الأمر ببساطة هو أن المهندس المعماري الذي قام ببناء المنزل هو أيضًا موسيقي.

عندما يناقش ابن رشد الجوانب اللاهوتية لقدرة الله على الحوادث في اعمال المتكلمين المسلمين، يلاحظ أهمية الحفاظ على الحرية الإنسانية (وإلا فإن العدالة الالهية ستصبح موضع تساؤل) ولكنه يشير أيضًا إلى أن السببية في الأفعال الإنسانية تخضع إلى السببية والقدرة الالهية.

كان ابن سينا عملاق آخر في الفلسفة الإسلامية. وهنا نسأل هل كانت مقاربة ابن رشد للمصادفة والحتمية مختلفًا اختلافاً كبيراً عن مقاربة ابن سينا، وهل اختلفوا حول أنسجام الفلسفة والدين؟

أعتقد أن ابن سينا كان أكثر وضوحا في دفاعه عن الحتمية من أبن رشد. وعلى عكس الأخير، تأثر ابن سينا كثيراً بالأفلاطونية المحدثة - من خلال ثيلوجيا أرسطو، وهي نسخة عربية من أجزاء من التاسوعيات التي كتبها أفلوطين ونسسبت الى أرسطو - ونظريته عن الفيض أو الصدور. تتكون هذه العملية من الطريقة التي تفيض فيها العقول من العقل الأول . يحرص ابن سينا كثيراً على فكرة صارمة عن السببية الضرورية في العالم السماوي والأرضي. فلا يبدو أن هناك مكان في نظامه الفلسفي لسبب حر مستقل من قبل البشر، وبالتالي يمكن اعتبار ابن سينا مؤيدأً لحتمية شاملة. يقول نظامه الميتافيزيقي أن كل ما هو موجود بالفعل ضروري الوجود لوجود سببه. وما هو ممكن هو لا يوجد في الواقع حتى الآن ولكن يمكن أن يوجد بوجود سببه. وكل ما يوجد بالفعل موجود بالضرورة لوجود سببه. الله وحده لامسبب له، وفقط هو ضروري بذاته، وليس من خلال سبب اخر.

يقول ابن سينا في كتاباته حول موضوع القدر (تصميم الله أو الأقدار المسبقة للأحداث)، إن كل شيء يحدده الله، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أسباب ثانوية، ولكن لا شيء يفلت من إرادة الله وسببيته بما في ذلك الأفعال والأفكار الإنسانية.

أما فيما يتعلق بالاختلافات بين ابن سينا وابن رشد حول هذا الموضوع، يؤيد ابن سينا نوعا من الحتمية الآلية، والتي تكون فيها السببية الخارجية أو السبب الكافي فعال دائما، في حين يؤكد ابن رشد على موضوع الفعل (طبيعي أو إنساني) ويفضل رؤية أكثر غائية للطبيعية. وبهذا المعنى، يؤكد ابن سينا على ارتباط السبب العرضي بالسبب النهائي، في حين يربط ابن رشد قضية السبب العرضي بالسبب الفعال.

لم يقم ابن سينا بإنتاج أعمال جوهرية حول الأخلاق، وبالتالي لا يبدو أن مسألة حرية الإنسان قد ظهرت. ويسعى كل من ابن سينا وابن رشد الى الأنسجام بين الفلسفة والدين، لكن أبن رشد يفعل ذلك بشكل صريح لا سيما في " فصل المقال"، في حين يقوم ابن سينا بذلك ضمنا، من خلال دمج المواضيع الإسلامية في فلسفته. على سبيل المثال عندما يكتب ابن سينا حول نظرية أرسطو عن الروح، يوسع نظريته في الخيال ويؤكد دوره في عملية النبوة والنبوة.

ومن جهة اخرى اذا ما نظرنا إلى مقاربة هيغل لنظرية "الحقيقة المزدوجة" من خلال الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. هل يمكننا أن نحدد ما هي الطرق المختلفة ولماذا تفيد في محاولة فهم هيغل للعلاقة بين الفلسفة والدين؟ نجد هيجل في الدين والفلسفة كأنه يحكي الحكاية نفسها كما هي عند ابن رشد وقبله ابن سينا والفارابي، ولكن بطريقة مختلفة. فيمكن للمرء- عند هيجل- أن يفكر في الواقع بطريقة مفاهيمية من خلال العقل أو مجازيا من خلال الخيال أو التمثيل؛ حيث تتم ترجمة مصطلح الفكرة على أنها "التفكير التصوري" أحيانًا. يستخدم التفكير الديني الصور ويعتمد على الخصوصية، على عكس التفكير الفلسفي يعتمد العالمية. ومن هنا كان الجانب المعرفي للسؤال، بالنظر إلى اختلاف أساليب التفكير أو طرق فهم الواقع. لايمكن فصل الابستيمولوجيا والأنطولوجيا أو الميتافيزيقية أبداً عند هيجل. على سبيل المثال، في فينومينولوجيا الروح، هناك تقدم تدريجي من طرق أكثر بساطة لإدراك الواقع وصولًا إلى الفهم والعقل الذي يدرك الواقع بطريقة أكثر شمولية وتعقيدًا. وغالباً ما يكون هناك تناظر بين طرق التفكير والفترات الفعلية في تاريخ العالم (بما في ذلك فترات في تاريخ الفلسفة) ، مثل اليونان القديمة والتنوير. وفقا لهيجل، العقلاني واقعي والواقعي عقلاني، وبالتالي فإن تفكيرنا يعكس الواقع، والواقع والتفكير يسيران يدا بيد. ولهذا السبب، فهو بالتأكيد لا ينادي بمثالية ذاتية، بل بالمثالية المطلقة والمعرفة المطلقة، مما يعني أنه لا يوجد شيء مخفي عن الذات، وبالتأكيد ليس من ذات تعرف بلا حدود.

قدم الفلاسفة وعلماء الكلام قبل ابن رشد شئ شبيه بفكرة "الحقيقة المزدوجة"، إذن، كيف أصبحت النظرية مرتبطة بأبن رشد داخل الكلام والفلسفة الاسلامية؟ مسألة الحقيقة المزدوجة هي سؤال حول العلاقة بين الفلسفة والدين. ويدّعي هذان النظامان اللذان يعرفان كلاهما أنهما يصوران الواقع بأكمله، ومن هنا كان التنافس بينهما. نعرف أن هناك العديد من الفلاسفة الذين اتهموا بعدم التقوى في أثينا القديمة، مثل أناكساغوراس وسقراط وبروتغوراس وأرسطو. طرح أفلاطون نظريته عن "الكذبة النبيلة" في الجمهورية للإشارة إلى استخدام الأسطورة لغرض تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وفي نفس العمل يفكر في الإيمان (pistis) كرتبة أقل من العقل (dianoia) أو الذكاء (nous) في حجم عمليات التفكير البشري. لقد كثرت في الفلسفة ابان العصور الوسطى المواضيع الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية وبدا أن الدين يسيطر على الفلسفة. في السياق الإسلامي في القرون الوسطى، لا يمتلك علم الكلام طابعًا دوغمائا وهو يتفكر في الطبيعة. وهذا أعطى مجالا واسعا للفلاسفة المسلمين لتبني الأفكار الأفلاطونية أو الأرسطية. جاءت الحاجة إلى انسجام واضح للفلسفة والدين في أعقاب هجوم الغزالي (1111 م) على الفلاسفة المسلمين، ولا سيما على ابن سينا. جادل الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" بأن العديد من نظريات الفلاسفة لم تكن متوافقة مع الرسالة القرآنية، اتهم الفلاسفة بالالحاد على ثلاث قضايا. كان على ابن رشد أن يتعامل مع هذه الاتهامات بشكل مباشر، وهو ما فعله في كتابه "فصل المقال" و كذلك في "تهافت التهافت" حيث رد فيه على حجج الغزالي نقطة نقطة لتفنيدها.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنمن بين الاختلافات العديدة بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية(1) هي الاختلاف في طرق النقاش حول علاقة المرء بالناس الآخرين. في الفلسفة التحليلية يتجسد ذلك بالسؤال عن امكانية المعرفة تحت عنوان "مشكلة الأذهان الاخرى". "المشكلة" في السؤال هي كيف نستطيع معرفة وجود الأذهان الاخرى طالما ان اي ذهن لا يظهر بشكل واضح امام الحواس لأننا لانستطيع رؤية او لمس الاذهان.

الجواب الكلاسيكي لهذا السؤال والذي لقي صدى لدى العديد من الكتّاب اللاحقين جاء من جون ستيوارت مل:

"انا استنتج ان الناس الآخرين لديهم مشاعر مثلي، بسبب اولا، هم لديهم اجسام مثلي، وهو حسب ما أعرف شرط سابق للشعور، وبسبب ثانيا، هم يعرضون افعالا واشارات خارجية اخرى والتي حسب ما أعرف من التجربة انها تنشأ بواسطة المشاعر". (اختبار لفلسفة السير وليم هاملتون، 1865).

من الواضح ان عملية الاستنتاج التي عرضها (مل) ليس لها علاقة بالسبب الذي يدفعنا للاقتناع بوجود اذهان خاصة للناس الذين حولنا . حتى الملاحظات السريعة للاطفال تنبّهنا لحقيقة ان مشكلتهم حينما ينمون تدريجيا ويصبحون اكثر اطّلاعا بالعالم، هي مناقضة تماما للمشكلة التي اقترحها (مل).

اساسا، الاطفال ينسبون حالات ذهنية لكل شيء، هم يعتقدون بوجود عقول ومشاعر في لعبهم بنفس مقدار ما لدى آبائهم، وبمرور الزمن يحصل انحسار في مفهوم الوجودات التي تُنسب اليها الحالات الذهنية. الحيوانات تبقى ضمن هذا المفهوم فترة اطول، وحتى البالغين هم قادرين على ان ينسبوا حالات ذهنية غير واضحة لحيواناتهم المنزلية. في الحقيقة، من السهل لنا ان ننسب الكراهية خصيصا للاشياء المتمردة غير الحية : مفك البراغي الذي لايفك، السحّاب الذي يرفض الحركة، الباب الذي لا ينفتح.

لذا يبدو اننا جميعا نبدأ بافتراض حالات ذهنية في كل الوجودات في عالمنا، بطريقة مشابهة لتلك التي نسبت بها الاديان القديمة الروح للاشجار والانهار وكل الاشياء في العالم الطبيعي. هذا يبدو من الطرق الفطرية التي نميل اليها في التفكير. لذا فان الاعتقاد بان شيء ما لديه ذهن هو امر غير مشتق من تجربتنا او مستنتج من الدليل وفق اسلوب (مل)، وانما الافتراض يسبق تجاربنا. نحن اذاً نسعى لوضع الوجودات التي نواجهها ضمن هذ المفهوم.

هذه فكرة عمانوئيل كانط عن المفهوم القبلي (قبل ان نحتك بالعالم) لطرق التفكير. هذه المفاهيم اوضحها كانط في كتابه (نقد العقل الخالص عام 1781) رغم ان "الفرد الآخر" ليس من بين المفاهيم التي ناقشها كانط في ذلك الكتاب. تركيزه هناك كان منصبا على تحديد المفاهيم الضرورية لنا لنكون قادرين على امتلاك التجربة بالعالم المادي. ومن هنا فان قائمته بالمفاهيم تتضمن اشياءا مثل "جوهر" و"سببية". بدأ كانط بدراسة علاقتنا بالناس الآخرين فقط في كتابه اللاحق (نقد العقل التطبيقي عام 1788)، حيث اوضح رؤيته بان الخاصية الحاسمة التي تميز علاقاتنا بالناس الآخرين عن علاقاتنا بالاشياء غير الحية هي القانون الاخلاقي. احدى صياغاته للقانون الاخلاقي هي "دائما تعاملْ مع الآخرين كغايات في ذاتهم وليس كوسيلة لغاية". لذا بالنسبة لكانط فان عمليات القانون الاخلاقي الذي اعتقد به هي التي يمكن استنتاجها بواسطة العقل الخالص، والتي تخلق "مملكة الغايات": عالم الافراد الاحرار المستقلين.

اللاحقون لكانط تُركت لهم مهمة متابعة نتيجة اعتبار "الآخر" او "الشخص الآخر"، كمفهوم قبلي. الفلسفة القارية استمرت الى الوقت الحاضر في التحقيق بهذه الفكرة التي لقيت اهتماما قليلا من الفلسفة التحليلية.

الأذهان الاخرى تستمر كموضوع للتصور حتى عندما لا توجد بشكل واضح، وذلك بسبب الوجود القبلي لمفهوم الآخر في تفكيرنا.

هيجل واتباعه اللاحقون

كان هيجل اول فيلسوف بعد كانط عالج اسئلة محددة تتصل بهذا المفهوم. في القسم الاول من عمله فينومينولوجيا الروح 1807 كتب هيجل حول الاسئلة المألوفة المتعلقة بالعلاقات بين الشخص الملاحِظ والاشياء تحت الملاحظة. هو أطلق على هذا اسم "ديالكتيكية الوعي". اما الجزء الثاني من كتابه يعالج القضايا المحددة التي تبرز عندما يتم تمييز الاشياء قيد الملاحظة ذاتها كفرد آخر. يسمي هيجل هذا "ديالكتيكية الوعي الذاتي". الناس ليسوا فقط وعي وانما هم ايضا وعي ذاتي، وحسب رؤية هيجل فان وعينا الذاتي مرتبط بوعينا بالآخرين. علماء النفس المعاصرين سمّوا وعينا بالآخرين "نظرية الذهن"والتي يقصدون بها القدرة على التمييز بان الناس الاخرين لهم عقول، وبهذا هم يضعون استنتاجات تتعلق بما يفكر به الآخرون. ولكن بالنسبة لهيجل فان الوعي بان ذاتي انا ايضا شيء للتفكير في هذا الآخر الذي سيضع افتراضاته الخاصة حول افكاري، يُنتج تاثيرا يشبه مرآتين تواجهان بعضهما، كل واحدة تعكس الآخر في سيل من الصور المتكررة الى ما لانهاية. خاصية الانعكاس المتبادل لوعي الانسان الذاتي هذه شغلت التفكير العميق للعديد من المفكرين اللاحقين في الفلسفة القارية، مولّدين سلسلة من مختلف التفسيرات. هيجل ذاته اعتقد بان المواجهة بين الوعيين الاثنين تستلزم من المرء محاولة التغلب على الآخرين بدمج منظورهم ضمن منظوره. وحتى عندما يفشل هذا فان المحاولة ذاتها ستعدّل طبيعة الوعي الاول. وهكذا تبدأ السلسلة من مختلف اشكال الوعي التي تشكل تفسير هيجل عن الحياة الانسانية والتاريخ. هذه العملية يمكنها ان تبدأ فقط بوعي واحد يعترف بوجود الآخرين.

هناك رؤية مقابلة اتخذها جين بول سارترفي الوجود والعدم (1943). هنا يصف سارتر ظروفنا بالوجودات التي هي مُلاحظ (لأنفسنا) وايضا شيء تحت الملاحظة (بالنسبة للاخرين) . لكننا يستحيل ان نعي هذين المظهرين في وقت واحد. وعليه، فان وعينا يتأرجح بين هذين القطبين، لا يستطيع ابدا فهم الموقفين بوقت واحد. من هذا الموقف تبرز تلك المآزق للتفاعل الانساني التي يصفها سارتر بجدارة في هذا الكتاب. يختلف سارتر عن هيجل في ان هذا التأرجح لا يقدّم اي سلسلة ممكنة للمراحل التقدمية، وبهذا لا وجود لتطور تاريخي للوعي كما في الاسلوب الهيجلي.

ان فكرة هيجل عن التطور الديالكتيكي لن يكون لها تأثير في الذات والموضوع السارتري. هذا هو السبب الأصلي في الصعوبة التي واجهها سارتر بدمج التاريخ ضمن مشروعه الفكري مما قاد الى فشله في محاولة التوفيق بين فلسفته والفلسفة الماركسية.

اتجاه آخر لنفس هذه القضايا يمكن العثور عليه في اعمال الفلاسفة القاريين امثال الكسندر كوجيف و مارتن بوبر و عمانوئيل ليفان و ميخائيل فوكلت وآخرين. الموضوع اثبت انه حقل خصب للتحقيق، يُنتج تأملات عميقة حول الخصائص الاساسية للتفاعل الانساني.

لاكان والمحللون النفسانيون

من بين العديد من المفكرين الفرنسيين الذين ساهموا بتطوير هذا النقاش هو المحلل النفساني المثير للجدل جاك لاكان(1901-1981). لاكان انكر مرارا كونه فيلسوف، لكنه في مقابلة مع احدى المجلات اشار"احيانا يحدث شيء ما في الفلسفة الحديثة يخلق ارتباطا مميزا مع حقول اخرى. فمثلا في التحليل النفسي اننا فقط عبر قراءة التحليل النفسي من خلال المثالية الالمانية نستطيع الوصول الى ما بلغته ثورة التحليل النفسي". من المثالية الالمانية فقط – وخاصة التفكير الهيجلي – برزت مختلف النظريات الحديثة للآخر.

ابتكار لاكان كان إعادة تفسير نظريات اللاوعي وفق ديالكتيكية الذات والآخر بدلا من البواعث البايولوجية التي اقترحها فرويد. في نظرية الآخر، ساهم لاكان ايضا في التمييز بين الآخر الكبير(المشار اليه بـ A) والآخر الصغير (المشار اليه بـ a). في العمل المبكر للاكان تشير (a) الى فرد آخر اعتُبر قرين لنا، ومرآة لأنفسنا، شريك متساوي في الحوار، بينما (A ) الاخر الكبير او "المطلق الاخر" يحوّل مفهوم الآخرية الى وجود منفصل خالقا "الآخرية في ذاتها". هذا التحويل في الفكرة يعترف بقدرتنا على فصل مفهوم الآخر عن اي فرد معين وحتى عن اي وجود مادي مثل الانهار او الاشجار او الصخور. لاكان يعتقد كذلك اننا بواسطة هذا التجريد لمفهوم الآخرية نستطيع توليد مفهوم عن الله. عندما يصرح لاكان "من المستحيل عدم الايمان بالله"، هو يشير الى التوليد الحتمي لبعض التجلّي للآخر في بناء اذهاننا. وبنفس الطريقة، تاريخيا، جرى استبدال الاديان القديمة وايمانها بالعديد من الارواح بالاديان التوحيدية "الآخرية في ذاتها" التي تتجاوز اي شيء نواجهه في العالم. محاولات جلب هذا الاله الى الارض مرة اخرى تميل لتكون كارثية، تعطي لفرد معين مكانة مطلقة بدلا من الله كما يحدث مع الدكتاتوريين.

لكن الآخر ربما ايضا يتشخص بالمجتمع ذاته بكل قواعده وافتراضاته وقوانينه التي نُخضع لها انفسنا. والخيار الآخر بالنسبة للاكان هو ان نفهم الآخر كمصدر للّغة نستمد منه كلامنا. عندما اتحدث مع قرين آخر (a صغير)، فان الكلمات والنحو الذي نستعمله لا تعود الى اي منا . نحن نستعير ونستعمل اللغة من مصدر خارج انفسنا – الآخر الكبير. من هنا هو يشتق حقيقة انني لا استطيع ابدا السيطرة كليا على المعاني المنقولة بواسطة كلماتي – ما أقوله سوف يمتلك دائما النزعة لتجاوز النوايا التي لدي في الكلام. وفق نظرية لاكان، هذا التجاوز هو اللاوعي. لذا فان اللاوعي ينتج عن استعمالنا للّغة، ينتج عن الحقيقة الاساسية باننا كائنات تتحدث. سواء قبل المرء المفهوم اللاكاني للّاوعي "خطاب الآخر"، او المفهوم الفرويدي كمكان للذهن مكبوحا عن الوعي، فان المرء ملتزم بالاعتراف ان الذهن الانساني ليس شفافا لذاته، ولا يمكن كشفه كليا بأي مقدار من اختبار المشاعر والآراء . هذه الفكرة جرى الأخذ بها من جانب الفلاسفة التحليليين الذين بالنسبة لهم يميل الوعي ليكون وعيا ذاتيا واضح كليا. وسواء قبلنا ام لم نقبل بافتراضاتهم، فان وجود هذه النظريات للتحليل النفسي تُظهر ان هذا الافتراض بالوضوح التام للوعي الذاتي هو مشكوك فيه ويتطلب تبريرا. في الحقيقة، اذا كان الفلاسفة التحليليون اكثر وعيا بالوسائل الاخرى للتفكير فهم سيصبحون واعين بالطبيعة المثيرة للجدل للعديد من افتراضاتهم الاساسية غير المؤكدة. ان الانقسام بين الفلسفة القارية والتحليلية في الفلسفة الغربية لا يفيد اي طرف، لكنه لا يعطي اي اشارة عن امكانية ردم الهوة بينهما في المستقبل القريب. النظر في مفهوم الآخر يساعدنا في إلقاء الضوء على طبيعة هذا الانقسام.

The concept of the other from Kant to Lacan,Philosophy Now Aug/Sep 2018

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) الفلسفة القارية continental philosophy، هي الفلسفة الاكثر شيوعا في دول اوربا الغربية غير الناطقة بالانجليزية كآلمانيا وفرنسا. الآباء المؤسسون لهذه التقاليد الفلسفية هم هيجل ونيتشة وهايدجر، والاهتمام الرئيسي لهذه الفلسفة هو الممارسة والتركيز على فهم "الظروف الانسانية". الفلاسفة القاريون يرفضون فكرة ان العلوم الطبيعية هي الطريقة الوحيدة لفهم الظاهرة وانما يعتبرون العلم يعتمد على "خبرة نظرية قبلية"، وان الطريقة العلمية ليست كافية للفهم. اما الفلسفة التحليلية Analytic philosophy والتي تسود في دول تتحدث الانجليزية كبريطانيا وامريكا هي مجموعة من التقاليد الفلسفية اسسها الآباء Freg, Russell, Wittgenstein, Moor، ومصادرهم الاساسية هي المنطق والعلوم والرياضيات. اهتمامهم ينصب على ما هو موجود وكيفية معرفته .

 

عدنان عويدفي المفهوم: نقول هنا: إن الحرية في سياقها العام، مفهوم إشكالي يرتبط بالقيم الأخلاقية فكراً وسلوكاً قبل أي شيء آخر. وهي من حيث المضمون، تمثل أسلوب حياة يمارس لتحقيق سعادة الإنسان وعدالته وامانه واستقراه وكرامته، وكل ما يعبر عن الجوهر الإيجابي لإنسانيته. أما من حيث الشكل، فهي وعي الإنسان (الفرد والمجتمع)، لحاجاته الإنسانية المشروعة، الروحية منها والمادية، ومسؤوليته، في العمل على تحقيق هذه الحاجات دون إكراه أو إلزام للآخرين.

إذا كانت الحرية في المضمون واضحة في معطياتها ودلالاتها، فهي في الشكل بحاجة للتوضيح أكثر كونها تقع في مجال الوعي والممارسة والمسؤولية. وإذا كانت الحرية في الشكل هي وعي وممارسة لتأمين الحاجات الإنسانية، أي، هي (وعي الضرورة)، فهذا يعني أن الحرية في هذا المعنى قد فُتحت على المطلق في دلالاتها. أي هي الحرية في معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. أو بتعبير آخر، هي السعي لكشف وتجاوز كل ما يعيق أو يمنع الإنسان الذي هو مركب حاجات في نهاية المطاف، من تحقيق إنسانيته بشكل دائم أو مستمر .

مقومات الحرية وشروط ممارستها:

أولاً- الوعي بمفهوم الحرية. أي (المعرفة) بشقيها، النظري والعملي معاً.

فعلى المستوى النظري: لا بد لطالب الحرية أو ممارسها أن يدرك أهمية معرفة الحرية ودلالاتها. ففاقد الشيء لا يعطيه. فكيف يستطيع الإنسان أن يطالب بقضية أو يريد ممارستها دون أن يعرف معناها ودلالاتها والنتائج المترتبة عليها. وأقف هنا عند دلالات الآية القرآنية الكريمة التالية وهي أول آية نزلت: (إقرأ بإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.). إن من يتمعن فكرياً في دلالات هذه الآية الكريمة، يجد أن الله قد دعا الرسول إلى معرفة الدين الذي سيقوم بالدعوة له قبل إعلان دعوته، أي أن يتحرر من جهل الحرف وكل ما يترتب عليه من أجل معرفة الرسالة التي سيحملها وينشرها بين الناس أولاً، ثم معرفة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المحيطة به ثانياً. لذلك أمره الله أن يقرأ ويتعلم بالقلم ما لم يعلم، والمعرفة هنا تكتسب اكتسابا، بل تغتصب بجهد الإنسان ولا تأتي من فراغ أو منة من أحد. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن الشق الثاني في الحرية وهو:

المستوى العملي: إذا كانت المعرفة النظرية هي الوجه الأول للحرية، فإن الممارسة هي الوجه الآخر لها، وبها تكتمل مسألة اكتساب أو تحقيق الحرية. فالممارسة تبين لنا جوانب صحة رؤانا ومعارفنا والسعي لإغناء هذه المعارف والممارسة معاً، وكذالك اكتشاف أخطاء وعيوب هذه الرؤى والمعارف والممارسة والعمل على تلافيها. ففي الممارسة تسير المعرفة نحو التقدم دائماً، لتدخل في كل مسامات حياة الإنسان .. تدخل إلى مهاراته وبنيته النفسية وحتى اللاشعورية، حيث يصل إلى معرفة أن اللاشعور هو مكتسب وليس مجر تخيلات تفرخ بشكل مجرد.

ثانياً- المسؤولية تجاه ما نسعى لمعرفته وممارسته. وهي مسؤولية مشتركة ومركبة معاً. مسؤولية الفرد تجاه ذاته واتجاه المجتمع والطبيعة التي يعيش عليها، ومسؤولية المجتمع اتجاه ذاته واتجاه الفرد والطبيعة أيضاً. وهدف هذه المسؤولية هو ضبط ممارسة الحرية بما يخدم إنسانية الإنسان ونموه ورقيه الدائمين. وإذا كانت مسؤولية الفرد مرتبطة به هو ذاته، أي مرتبطة بدرجة وعيه وقيمه الأخلاقية الحميدة، وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخرين. فإن مسؤولية المجتمع هنا مرتبطة بمؤسساته الرسمية والمدنية أيضاً، وبالتالي فإن ممارسة المسؤولية تقع هنا على كافة هذه المؤسسات ممثل بحواملها الاجتماعية.

ثالثاً – نسبية الحرية: كل شيء في هذه الحياة نسبي، وكذلك الحرية، والحرية غير المشروطة بإنسانية الإنسان تتحول إلى فوضى. لذلك لا بد للحرية من قوة تحميها وتصونها وتضبط حركة سيرها وصيرورتها في المسار الصحيح، وهنا يأتي دور المسؤولية بشقيها في ضبط هذه المسيرة، ممثلة بوعي الفرد وثقافته وتربيته من جهة، ثم مسؤولية المجتمع بمؤسساته، وقوانينه وأعرافه وتقاليده وغير ذلك من جهة ثانية.

مدارس وتيارات الحرية:

المدرسة الليبرالية: وتقسم إلى مدرستين هما:

اولاً: المدرسة الليبرالية الكلاسيكية: فيوجد فيها تياران فكريان تنافسا على استخدام مفهوم الحرية بالذات والقضايا المتعلقة بهذا المفهوم. وتقسم بدورها إلى تيارين هما

التيار الأول: ويعتقد دعاته أن الحرية الوحيدة التي تكتسب المشروعية هي التي تدعو إلى امتلاك القدرة على التحرر من الإكراه والجبر الذي يفرض على الفرد والمجتمع، وبالتالي فإن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ومحاولة التخطيط له، يشكل قوة جبرية تحد من حرية الأفراد الاقتصادية، لذلك هم يرفضون تدخل الدولة في هذا الاتجاه، كما أنهم يعارضون ما يسمى دولة الرفاه. وهي الدولة التي تدعوا إلى التصالح الطبقي أكثر من دعوتها إلى حل مسألة الصراع الطبقي حلاً ثورياً.

التيار الثاني: وهو تيار يدعو إلى توسيع مجال الحريات الاجتماعية، ويؤكد على ضرورة أن تأخذ الدولة أي دور فاعل وقادر على النهوض بحرية المواطنين، كما يعتقد دعاته أيضاً بأن الحرية الحقيقية يمكن أن توجد فقط عندما يكون المواطنون في حالات ازدهار اقتصادي وثقافي ومتحررين فعلاً من فقرهم المدقع، هذا إضافة إلى تأكيده على تحقيق حقوق المواطنين في الصحة والتعليم والأجر المناسب للعامل. كما أن دعاته يفضلون سن القوانين التي تواجه التمايز في المسكن والعمل، وتلوث البيئة والمساعدة على تحقيق الرفاه الاجتماعي، والحد من البطالة وتقديم الإعانات والمنافع المادية للمشردين والمنكوبين من الكوارث البيئية.

إن هذه المدرسة جاءت في الحقيقة متزامنة مع قيام الثورة الصناعي في أوربا من جهة، وما أفرزته هذه الثورة من معاناة إنسانية للشعب عموماً، والطبقة العاملة على وجه الخصوص من جهة ثانية، هذه المعاناة التي كانت وراء أفكا روسو، ومونتسكيو، وفولتير، وهيوم وغيرهم ممن نظروا للحرية والعدالة والمساواة ودولة القانون، وغير ذلك من الشعارات التي أسست للثورة الفرنسية فيما بعد. هذا إضافة لمعاصرة هذا التيار المد الاشتراكي وقيام المنظومة الاشتراكية، لذلك كانت شعاراته ومطالبه تميل كثيراً إلى العدالة الإنسانية، بغية الحفاظ على استقرار المجتمع الرأسمالي وتجنبه السير في ثورات شعبية سياسية ممكن أن تقضي على النظام برمته في أوربا.

ثانياً: المدرسة الليبرالية الجديدة: وهي المدرسة التي بدأت إرهاصاتها الأولية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن ثم راحت تتعمق في طرحها وتكشف عن نوايا وطموحات دعاتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية.

أما أهم أطروحاتها فهي، العمل على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعوا إلى الرقي بالإنسان، بالتالي لابد من التمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يساهم في تكريس مفاهيم الموت والدمار وعدم لتواصل والتفكيك والتذرير المجتمعي والدولي وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث واللامعقول.هذا وقد روج لأفكار هذه المدرسة العبثية أو ما سمي في الفكر الفلسفي والأدبي والفني بـ (ما بعد الحداثة)، العديد من الفلاسفة والأدباء والفانيين. ففي الفلسفة كان سارتر في وجوديته، وروجيه غارودي ودعوته إلى التفتيتية في كتابه (نداء إلى الأحياء)، وهناك ميشال فوكو وجاك ديدرا وهبرماس وبشلار. وفي الفن كان السلفادور دالي في (الدادية) ممثلة في السريالية، كما كانت هناك المدرسة التكعيبية، وفي علم الاجتماع، كانت المدرسة الوضعية والبنيوية والدارونية الاجتماعية والفرويدية والنيو فوريدية... وغير ذلك الكثير من المدارس، بحيث لم يعد حتى بمقدور المتابع للحركة الفكرية والأدبية والفنية الركض وراءها والوقوف عند دلالاتها أو ممثليها.

إن كل ما طرحه دعاة هذه المدرسة أو التيار الليبرالي الجديد، راح يشير في الحقيقة إلى الموت والعدم والعبثية. فنهاية التاريخ لفوكو ياما كانت المشروع الفكر ي والسياسي لتأبيد النظام الرأسمالية في صيغتها الاحتكارية، وهي المرحلة التاريخية التي حملت حقيقة في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية، والعدمية، وعودة الميتافيزيقيا، والتفكيكية، والتشتت واللااستمرارية، والتذرير الاجتماعي والقومي.

الحرية في التراث العربي الإسلامي

لقد ساد سجال وصراع عميقان في التراث العربي الإسلامي، ولم يزالا قائمين حتى عصرنا الحاضر بين كل من نادى بالأمس ولا زال ينادي اليوم بالجبرية أو القدرية، علماً أن مرجعية كلاهما هي القرآن الكريم. فالجبرية أخذوا بالآيات التي تقول بأن الإنسان مسير وليس مخيراً، كقوله تعالى: (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله). فالخير والشر كلاهما مقدر من عند الله، وما على الإنسان إلا الرضا والتسليم بقدره أو ما كتب له في لوح محفوظ. أما القدرية، وهم من قال بحرية الإرادة الإنسانية، وقد اعتمدوا في رأيهم على الآيات القرآنية أيضاً التي تقول بأن الإنسان مخير في أمره من عند الله كما تقول الآية الكريمة التالية على سبيل المثال لا الحصر: (وهديناه النجدين)، أي إن الله قد خير الإنسان في فعل الخير أو اشر بإرادته، وليس جبرياً .

إن هذين الموقفين بالنسبة لمسألة الحرية في تراثنا ومعاصرتنا معاً توقف عليهما الكثير من الإشكالات النظرية والعملية. فإذا كانت الإشكالات النظرية والمعرفية للفكر القدري المنادي بحرية الإرادة قد بدأت إرهاصاتها الأولية تطرح نفسها بعد وفاة الرسول الكريم، وهذا ما يشير إليه ذاك التساؤل الذي راح يٌطرح على الخليفة علي بن أبي طالب، وهو أول من قال بحرية الإرادة قبل أن يقول بها المعتزلة، كما يقول أبن أبي حديد في نهج البلاغة –(نقلا عن تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن- ج1- ص73). عندما سأله أحد المقاتلين معه في صفين قائلاً: (أكان ألْمَسِيرُ بقضاء الله وقدره؟. فكان رد علي عليه: لعلك تظن قضاءً واجباً، وقدراً حتماً!. ولو كان الأمر كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من لله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن.. وهذا رأي إخوان الشياطين وعبدة الأوثان وشهود الزور وخصماء الرحمن وأهل العماء عن الصواب في الأمور ...إن الله أمر تخيراً، وانهي تحذيراً، ولم يكلف جبرا، ولا بعث الأنبياء عبثاً...). إلا أن هذا الفكر أو التيار القدري راح فيما بعد يتبلور أكثر فأكثر في الحياة الفكري والسياسية للدولة العربية الإسلامية مع غيلان الدمشقي، وجعد بن درهم، ومعبد الجهني، والمعتزلة، إلى مدرسة فكرية تواجه الحكم الأموي الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض. ومع الخلفاء العباسيين (الأمين والمأمون والمعتصم والواثق) تحول الموقف القدري إلى موقف سياسي تتبناه الدولة ذاتها، ليأخذ بالانحدار فيما بعد شيئاً فشيئاً مع الخليفة العباسي (المتوكل)، الذي أصدر فرمانا أنهى فيه دور الاشتغال بالعقل والتوجه نحو النقل، حيث تحول إلى موقف فكري وسياسي معاً تبناه الحنابلة والأشاعرة والماتريدية وما سمي بأهل الحديث.

أما في عصرنا الحاضر فقد تجسد الفكر القدري لدى كل الكتاب والمفكرين والتنظيمات السياسية والثقافية الليبرالية واليسارية التي تتبنى الفكر العقلاني والعلماني رؤية ومنهجاً في حياتها العملية والفكرية.

إذا كنا قد قدمنا في هذه العجالة مسيرة الفكر القدري في سياقه التاريخي، فسنشير أيضاً بالعجالة ذاتها إلى مسيرة الفكر الجبري، لنقول: إن بداياته النظرية والسياسة معاً كانت بعد وصول البيت الأموي إلى الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض، حيث اعتبر دعاة هذا الفكر أن ما يقوم به الأمويون هو أمر مفروض ومقرر من قبل الله، وما على الرعية إلا الخضوع لإرادة الله. وإن أول شخصية فكرية عبرت عن هذا الموقف الجبري المساند للبيت الأموي هو (جهم بن صفوان)، ثم راح يؤصل هذا الفكر نظرياً كفكر جبري يقف ضد إرادة الإنسان وحريته الفكرية منطلقاً في رؤيته هذه ومؤسساً لها من النص القرآني ذاته أولاً، ومن التأصيل الفقهي الشافعي وكل امتداداته الفقهية السنية ثانياً. ولكن مع وصول (المتوكل – بداية العصر العباسي الثاني) إلى الخلافة، وإصداره الفرمان الذي أنهى به العمل بالعقل كما أشرنا قبل قليل، والفسح بالمجال واسعاً أمام الحنابلة بقيادة ابن حنبل أن يمارسوا دورهم في تجذير الفكر السلفي الجبري الإمتثالي، حيث راحت تشكل محاكم تفتيش بكل معنى الكلمة لكل من يقول بالرأي أو يخالف أهل الجماعة. ومع مجئ أبو حسن الأشعري، تمت عملية التأصيل الكلامي للفكر السلفي لأهل الحديث، ومع أبي حامد الغزالي صُبغ هذا الفكر بنزعته الصوفية وخاصة عند الاشاعرة. أما الحديث الذي اعتمده أهل الحديث أو ما سمي بأهل الجماعة فقد وضعت كتبه الستة منذ الفترة الزمنية التي بدأ فيها الحنابلة يسيطرون سياسياً على الدولة بعد أن أعطوا ذاك المد اللامحدود من قبل المتوكل. فما بين أعوام ( 256هـ حتى 303هـ)، وضع كل من البخاري، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، كتب الحديث المعروفة لدى أهل الجماعة أو أهل الحديث.

إن أخطر ما مثله هذا الفكر في عصرنا الحديث هو ظهور الحركة الوهابية كحركة فكرية وسياسية قام بها محمد بن عبد الوهاب الذي اتكأ فكرياً على الفكر الحنبلي، وفكر طلاب مدرسته مثل ابن تيمية وابن قيم الجوزية. وهي المدرسة التي تمارس اليوم قهرها وجهلها واستبدادها على حياتنا ومستقبلنا، يساندها في همجيتها هذه كل القوى السلفية التكفيرية المدعومة مادياً وسياسياً من القوى الحاكمة الاستبدادية في عالمنا العربي.

 

د.عدنان عويَد - كاتب وباحث من سورية

 

 

حاتم حميد محسنالهوية الاجتماعية هي تصورنا عن انفسنا (منْ نحن) وعن الآخرين (منْ هم) وكذلك تصور الآخرين عن انفسهم وعن غيرهم . والهوية هي شيء قابل للنقاش وتأتي اثر عمليات التفاعل الانساني. هي تستلزم عمل مقارنات بين الناس كي تؤسس اوجه التشابه والاختلاف بينهم. فاولئك الذين يعتقدون بوجود التشابه بينهم وبين الآخرين يشتركون في هوية تتميز عن هوية الناس الذين يعتقدون انهم مختلفون ولا يشتركون بذات الهوية.

يرى (جنكز) ان الهوية الاجتماعية هي حول المعاني، وهذه المعاني تتشكل اجتماعيا وليست تعبير عن الاختلافات الضرورية بين الناس. فمثلا هو يناقش مسألة تحوّل الانسان الى مرحلة الكبر او التقاعد. ان التغيرات في الهوية وفي الدور الاجتماعي المصاحب لها ترتكز على تمييز عشوائي بين من هم في سن الـ 64 واولئك الذين في سن الـ 65. غير ان تلك التغيرات لها تأثير كبير جدا على هوية الفرد. (تصور مثلا في صباح اليوم الذي تصبح فيه بعمر الـ 65 سنة، في هذا اليوم ومعك بطاقة الميلاد سوف تدخل سنة التقاعد، ولديك بطاقة مخفضة للسفر في وسائل النقل العام، وسعر مخفض للحلاقة كل يوم ثلاثاء. ورغم انك ترى نفس الوجه في المرآة الا انك سوف لن تكون نفس ذلك الفرد يوم امس ولن تستطيع ان تكون كذلك مرة اخرى).

فالهوية برأي (جنكز) هي جزء مكمل للحياة الاجتماعية وهي تتشكل فقط عبر التمييز بين هويات مختلف الجماعات والتي يمكن ربطها بأناس آخرين، والاطلاع على مختلف الهويات يعطي اشارة عن نوع الفرد الذي تتعامل معه ومن ثم كيفية الارتباط به. ان ما لدينا من فهم حول مختلف الهويات ربما يكون محدودا او خاطئا، ولكنه جزء حيوي من الحياة الاجتماعية كونه يجعل التفاعل ممكنا. (من الشائع جدا ان نرى الرجال والنساء يخرجون في حياتهم اليومية وهم مهتمون بهويات اجتماعية معينة. نحن نتحدث مثلا عما اذا كان الناس مرحين منذ الولادة ام انهم اصبحوا مرحين نتيجة لطريقة التربية التي نشأوا عليها. نحن نتحدث حول معنى التربية او حول الفرق بين الكندي والامريكي. حينما نلاحظ احدى العوائل التي قدمت توا الى محلتنا نهز رأسنا، ماذا نتوقع منها، ربما جاءت من مكان غير مألوف في المدينة. نحن نشاهد اخبار التلفزيون ونطرح مختلف انواع الاستنتاجات حول الاحداث الجارية بناءا على تحديدات مثل مسلم او اصولي او مسيحي وغيرها).

يصل جنكيز للاستنتاج (لن يكون هناك مجتمع بدون هوية). وعلى الرغم من اتفاق معظم علماء الاجتماع مع جنكز حول اهمية الهوية في المجتمع الا انهم لا يتفقون حول العوامل التي تشكل الهوية في المجتمعات المعاصرة، اما الطريقة التي تطورت بها الهويات هي تلك التي طورها ستيوارت هول والتي تعرض ايضا البداية الملائمة في بحث الالتباسات المحيطة بقضية الهوية.

(ستيوارت هول) والمفاهيم الثلاثة للهوية

يعتقد هول ان فكرة الهوية مرت عبر ثلاث مراحل سيطرت في كل منها فكرة الهوية على التفكير السائد حول المجتمع وهذه الافكار هي:

1- موضوع التنوير

2- موضوع لعلم الاجتماع

3- موضوع لما بعد الحداثة

هويات ما قبل الحداثة

يرى (هول) ان المراحل المبكرة للحداثة حصل فيها ظهور جديد وحاسم لشكل من الفردية، كان فيها موضوع الفرد والهوية الفردية هو المحور الاساسي. في مجتمعات ما قبل الحداثة كانت الهويات تتركز بشكل كبير على الهياكل التنفيذية، خاصة تلك المرتبطة بالدين. فموقعك في المجتمع وهويتك يأتيان من الموقع الذي وُلدت فيه والذي هو (كما كان يُظن) انعكاس لرغبة الاله. فالناس لم ينظر اليهم كافراد متميزين لهم هويتهم الخاصة وانما هم مجرد جزء من سلسلة طويلة للوجود. وهذه الفكرة نظرت الى كل كائن حي باعتباره له مكان في نظام الاشياء. فهناك هيكل تراتبي يمتد من الرب في اعلى القمة ومرورا بالملوك ثم الكائنات البشرية الاقل اهمية وانتهاء بالحيوانات والاشياء غير الحية. هويتك جاءت من موقعك في سلّم الاشياء بدلا من اي خصائص فردية.

موضوع للتنوير

ومع حلول الحداثة تغير هذا المفهوم. اذ في الفترة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر ظهر مفهوم جديد للهوية واصبح هو المسيطر، وهذا المفهوم الجديد للهوية له خاصيتان رئيسيتان:

1- موضوع الفرد كان يُنظر اليه كونه غير قابل للقسمة. فكل فرد له هوية بذاته وهذه الهوية موحدة ولا يمكن تجزئتها الى وحدات اصغر.

2- ان هوية كل فرد كانت متميزة .

فالفرد لم يكن جزءا من شيء اكبر (من السلسلة العظيمة للوجود) وانما كان يُنظر اليه باعتباره ذو هوية متميزة قائمة بذاتها. وطبقا لـ (هول) فان هذا المفهوم للهوية نشأ من افكار الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1650-1596). اذ اعتقد ديكارت بوجود فارق اساسي بين الفكر والمادة . وكانت الفكرة لديه مزدوجة عن الانسان الذي في رأيه ينقسم الى جزأين : العقل والجسم. وعقل كل انسان منفصل عن عقل اي انسان آخر، وبالتالي كل شخص يصبح متميزا. ان التمييز في عقل الانسان عبّر عنه ديكارت بقوله انا افكر اذاً انا موجود.

والفرد طبقا لمفهوم الهوية هذا هو موحد او فرد كلي له القدرة على التفكير عن الكل. والافراد يرون انفسهم متميزين ومنفصلين عن الافراد الاخرين ومكتملين ذاتيا. والفرد هو راشد قادر على حساب الاشياء وفقا للمنطق وهو غير مقيد بموقعه في المجتمع او عقيدته التقليدية. ويصف (هول) ذلك بقوله (موضوع التنوير كان يرتكز على مفهوم المركزية التامة للانسان الفرد القادر على التحليل والادراك والفعل . هذه المركزية تتألف من جوهر داخلي نشأ بالاساس مع ولادة الانسان ثم تطور معه تدريجيا. وطوال وجود الفرد بقي هذا المركز الاساسي للذات هو ذاته بشكل مستمر ويشكل الهوية الفردية).

موضوع لعلم الاجتماع

في القرن التاسع عشر بدأت تتطور العديد من مفاهيم الموضوع والهوية الفردية. ويرى (هول) ان تلك التطورات جاءت كنتيجة لتطور المجتمع.

ومع بداية الثورة الصناعية والتمدين اصبح المجتمع وبشكل متزايد يعتمد على المؤسسات والهياكل التي طبعت حياة الناس. وفي بدايات القرن العشرين مثلا تحولت الشركات الفردية التي يديرها افراد مبدعون الى شركات مساهمة يملكها الاف المساهمين وتدار بادارات معقدة. وكذلك المواطن الفرد اصبح جزءا ضئيلا ضمن الماكنة البيروقراطية والادارية للدولة الحديثة. كل فرد لم يعد شيء متميز ومنفصل عن الافراد الاخرين، بل ان العلاقات بين الافراد والمجتمع تدخلت فيها المعتقدات الجماعية وعمليات الجماعات. فمثلا هوية الفرد كانت مرتبطة بعضويته في طبقة اجتماعية معينة او بمهنة محددة او باصوله ضمن دين معين او قومية وما شابه.

الهوية والتفاعلية الرمزية

يرى (هول) ان التفاعلية الرمزية هي افضل مثال على فكرة الهوية الفردية. فهوية الفرد تتشكل فقط من تفاعل الفرد مع الاخرين. ونظرة الفرد للاخرين تتشكل جزئيا من طريقة نظر الاخرين لذلك الفرد. وطبقا لفريق التفاعلية الرمزية فان الناس يستمرون في امتلاك فرديتهم ولكنها ليست فردية متميزة كليا عن المجتمع. فالهوية تعمل كجسر بين الفرد الاجتماعي والفرد الخالص. وبامتلاك الافراد لهوية معينة هم انما يتمثلون قيم ومبادئ معينة تصاحب تلك الهوية، فهي تسمح لسلوك الافراد ليكون متشابه مع الاخرين وكذلك تجعل السلوك في المجتمع اكثر نمطية وانتظاما. وهذه الرؤية جرى توضيحها بمثال عن الطبقة الاجتماعية. فهوية طبقة معينة تشجع الناس على التصرف بطريقة معينة. فالطبقة العاملة التقليدية والطبقة الوسطى لهما هويات مختلفة وارتبطتا بمختلف الثقافات الفرعية. ان وجود هذه الثقافات الفرعية عزز بناء الطبقة في المجتمع وجعلها اكثر حضورا. يقول (هول) وبذلك قامت الهويات بدمج او إدغام الفرد ليصبح جزءا من البناء. هي عملت على تحقيق الاستقرار لكل من الافراد والعوالم الثقافية التي يعيشون فيها مما جعل كل منهما اكثر توحدا وبالامكان التنبؤ بهما. يرى هول ان المجتمعات المعاصرة تميزت كثيرا بوجود الهويات الجزئية والناس لم يعد بوسعهم امتلاك فكرة موحدة عن هويتهم وانما يمتلكون العديد من الهويات التي تكون احيانا متعارضة وملتبسة وهي هويات ذات مصادر متعددة.

الحركات الاجتماعية الجديدة

في الماضي وفّرت الطبقة الاجتماعية شيئا من الهوية العليا همشت الهويات الاخرى وكونت الاساس للصراعات السياسية. وفي الستينات والسبعينات بدأ الناس بالاهتمام والتمحور حول قضايا غير الطبقة. فالحركات الاجتماعية الجديدة نشأت وهي مهتمة بالعديد من القضايا والهويات منها مثلا النسوية وصراع السود والتحرير الوطني والحركات المناهضة للاسلحة النووية وحركات البيئة. وبدلا من ان يشعر الناس بكونهم جزءا من طبقة واحدة اصبحت هويتهم مجزأة طبقا لجنسهم وقوميتهم ودينهم او العمر او الوطن او الرؤية نحو البيئة وغيرها.

العولمة

وهي عامل آخر من العوامل التي اثّرت في خلق الهويات الجزئية. فالتطور السريع في الاتصالات وسهولة وسرعة انتقال الناس حول العالم، والطابع العالمي للتسويق من حيث الاماكن والاساليب الانطباعية كل ذلك قاد الى خلق تأثيرات ثقافية. الناس لم تعد هوياتهم مقتصرة على المكان الذي وُلدوا فيه بل اصبح بامكانهم الاختيار من بين نطاق واسع لمختلف الهويات. فهم يستطيعون تبنّي شكل الملابس وطرق التحدث وكذلك اسلوب الحياة والقيم الخاصة بأي مجموعة. ومن جهة اخرى يمكن لعولمة الاستهلاك ان تقود الى زيادة التشابه والتجانس بين الناس. فالسلع يُتاجر بها عالميا، والسلعة الاكثر نجاحا (مثل الكوكا كولا) يمكن العثور عليها في اي مكان من العالم. ولذلك فهناك اتجاهات متناقضة ضمن العولمة وجميع تلك الاتجاهات تؤدي الى إضعاف الحريات الموجودة سابقا. فتجانس المستهلك العالمي يساهم في إضعاف وتجاهل الهويات القائمة على الانتماء الى جماعات اجتماعية معينة . ان مقدرة الفرد على تبنّي المزيد من الخيارات حول هويته معناه ان الناس الذين يعيشون قريبين من بعضهم وينتمون الى نفس الطبقة اصبح لديهم هويات مختلفة، فالعولمة فتحت العديد من الامكانات.

العولمة والمصادر المختلفة للهوية

حاول (هول) دراسة التأثير الحقيقي للعولمة على الهوية. هو يقول : في المجتمعات الحديثة كانت القومية تشكل عنصرا هاما للهوية. معظم الدول القومية أكدت على اهمية الامة (nation) وحاولت استعمال الهوية الوطنية لخلق التضامن بين المواطنين من مختلف الطبقات او الاصول العرقية. وفي ظل العولمة لم يعد ذلك ممكنا وفعالا. هناك ثلاث استجابات رئيسية للعولمة من حيث علاقتها بالقومية:

1- في بعض الاماكن حاول الناس اعادة التأكيد على هويتهم القومية كوسيلة دفاع حيث اعتقدوا بوجود تهديد لهويتهم القومية من جانب المهاجرين مثلا. ففي بريطانيا أدت ردود الافعال هذه الى التوجّه نحو الاثنية المطلقة كمحاولة للدفاع ودعم الامة، وكذلك التشبث بالهوية الانجليزية.

2- ان اولى ردود الفعل تجاه العولمة تبلور بين الاثنيات الكبيرة ولكن الجاليات او الاقليات الصغيرة ايضا استجابت بطريقة دفاعية، فاستجابة للتمييز العرقي والفصل، قامت الاقليات العرقية باعادة التأكيد على ثقافتها وهويتها الاثنية، وهذا تمثّل في بريطانيا باعادة الالتزام بثقافة الاصل (شعوب الكاريبي، الهند، بنغلاديش، باكستان)، وببناء اقليات قوية عبر التشخيص الرمزي للشباب من الجيل الثاني انعكست في طريقة ارتدائهم للملابس وبما يوحي انتمائهم لبلد الاصل.

3- اما رد الفعل الثالث تجاه العولمة تمثل في تشكيل هويات جديدة . في بريطانيا مثلا تجسد ذلك بتشكيل هوية السود وتضم البريطانيين من افريقيا والكاريبي واسيا. هوية السود البريطانيين جاءت استجابة للتمييز والابعاد واصبحت الهويات الجديدة مختلفة وتضم اكثر من هوية واحدة.

ان الاستجابتين الاولى والثانية تجاه العولمة ادتا الى انعاش الاثنية كمصدر للهوية وبشكل مضاد للقومية السائدة. وفي عدة اماكن من العالم طالبت الجماعات الاثنية بدولتها القومية حينما تفتّتت الدول القومية الكبرى مثل الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا، الامر الذي قاد الى موجات من العنف واحيانا الى حرب اهلية. يرى (هول) ان مثل هذه القومية الصارمة تستند على ان الاختلافات الحقيقية او الوهمية بين الاثنيات تشكل نزعة تهديدية. ان فكرة الصفاء العرقي هي مجرد اسطورة، فكل الناس جاؤوا من خلفيات عرقية متنوعة. ان معظم الثقافات هي ثقافات هجينة واي محاولة لخلق هويات اثنية نقية ستكون عملية خطيرة.

رؤية اخرى للهوية – الهوية كسفرة لزيارة مكان مقدس

حاول (زجمنت بومان) التوغل اكثر من (هول) في تبنّي رؤية ما بعد الحداثة للهوية. حيث يرى (بومان) ان الهوية اصبحت ليست فقط مجزأة بل وايضا لم يعد لها اساس ثابت، فهي ببساطة مسألة اختيار، وهي اختيار ليس بالضرورة ان يكون منسجما ومنتظما، فالافراد يستطيعون تغيير هويتهم متى ما ارادوا.

الهوية في ظل الحداثة يمكن النظر اليها كرحلة دينية. في الزيارات الدينية يسعى الافراد الى رسم صورة معينة لحياتهم المستقبلية، فلديهم هدف معين هو الوصول الى المكان الذي خططوا له في بدء الرحلة، وكل تصرفاتهم تتجه لأجل تحقيق ذلك الهدف. فيجب ان لا ينشغلوا باي شيء آخر يصرف انتباههم كممارسة الاشياء الترفيهية او التمتع في اوقات الضيافة، فلابد ان يكون لديهم هدف مقصود، فيجب ان يتعاملوا مع العالم الذي حولهم كما لو انه صحراء ليس فيه اي انشغالات اخرى. وفي الصحراء ايضا يستطيع الافراد رؤية آثار اقدامهم بما يوحي لهم مقدار المسافة التي قطعوها اثناء الرحلة. يرى (بومان) ان تشكيل هوية المجتمعات في ظل الحداثة مشابه تماما لتلك الرحلات الدينية. فاستراتيجية الناس في الحياة ترتكز على امتلاكهم احساس واضح بما يريدون ان يكونوا عليه، او (منْ هم). وحياتهم تسير نحو انجاز ما يصبون اليه من هوية. هذه الهوية كانت عادة ترتبط بالمهن، فهم عملوا في مهنة معينة وحرصوا على النجاح في عملهم المهني، حيث وضعوا خريطة لمستقبلهم ينظرون الى الامام نحو تحقيق اهداف العمل وينظرون الى الخلف ليدركوا المسافة التي قطعوها منذ بداية تاريخهم المهني.

رؤية ما بعد الحداثة للهوية – رفض فكرة السياحة الدينية

ان الرحلات الدينية تتطلب مقدار من التأكد حول العالم، فلابد للزائر ان يتأكد بان المكان الذي يقصده سوف يبقى هناك عند الوصول اليه والّا لن يكون هناك معنى للزيارة. ما بعد الحداثة تنكر اعتبار تلك الرحلات كاستراتيجية للحياة بسبب حالة عدم التأكد. فالتغيرات في مجتمعات ما بعد الحداثة سريعة جدا لدرجة لا يمكن الوثوق معها ببقاء مكان معين او مهنة معينة خلال 10 او 20 سنة قادمة. يقول (بومان) "ليس فقط اختفت المهنة مدى الحياة (job for life ) وانما اعمال التجارة والتخصصات ذات الطابع الملتبس بظهورها في مكان غير محدد وضياعها دون اشعار، من الصعب استمرارها كما كان في السابق. فالطلب على المهارات الضرورية لممارسة تلك المهن والوظائف نادرا ما يستمر بمقدار الفترة المطلوبة لإكتساب تلك المهارات".

وبناء على ذلك لا فائدة من البدء بالرحلة لأن المكان المقصود (الوظيفة او المهنة الناجحة) قد تلاشت قبل الوصول اليها. وبما ان الوظائف تتغير بسرعة فان الانجازات المهنية للفرد على صعيد العمل ستكون غير ملائمة لوظائف المستقبل وسوف تصبح بسرعة في وادي النسيان. كذلك وبالتشابه مع الرحلة في الصحراء، فان العواصف قد تهب وتحمل معها الرمال لتغطي كل آثار الرحلة مما يجعل من الصعب معرفة الشوط الذي قُطع باتجاه الهدف المقصود.

الاستراتيجيات المطلوبة

في ضوء الموقف اعلاه وطبقا لما يراه فريق ما بعد الحداثة لابد من اتباع استراتيجيات جديدة للحياة . هذه الاستراتيجيات تلغي فكرة خلق اي هوية دائمة منفردة ومركزية. وبدلا من ذلك يغير الناس هوياتهم حسب رغباتهم ولا يلتزمون بتحقيق اي هوية محددة. يحدد (بومان) اربع ستراتيجيات لحياة ما بعد الحداثة:

1- المتجول (stroller) هو شخص ما يتجول حول المدينة يشاهد ويستمتع بمظهر المدينة، هو ليس له هدف محدد في ذهنه لكنه يتجول فقط لغرض التسلية. المتجول هو المستهلك الساخر الذي حل محل العامل او المنتج الصارم للحداثة. ان مراكز التسوق متوفرة بحيث تستطيع ان تتجول وانت تتسوق او تتسوق وانت تتجول. تستطيع ملاحظة نماذج من عدد لا متناه من السلع وتشتري ما ترغب ثم تؤسس الهوية التي تختار وتغيرها في اليوم التالي اذا شئت. وبوجود التلفزيون متعدد القنوات والانترنيت اصبح بامكان المتجول ان يتمتع دون الحاجة لمغادرة مقعده المريح.

2- استراتيجية المتشرد (vagabond): في الماضي كان المتشرد يتنقل من مكان الى آخر رافضا الاستقرار في مكان معين. والسلطات كانت تكره المشردين لأنهم لا يمكن التنبؤ بسلوكهم، ليس لهم هدف معين في تجوالهم مما يجعل من الصعب معرفة المكان الذي يقصدونه، وهو امر مختلف جدا عن الحركات المتوقعة اثناء السياحة الدينية. المشرد دائما غريب اينما يتجه وليس له مستقر في العالم.

في عالم ما بعد الحداثة اصبح هناك معنى للتجوال من هوية الى اخرى دون الاستقرار في اي منها، فعملية الاستقرار اصبحت بالغة الصعوبة.

3- ستراتيجية (السائح). والسائح هنا يشبه المشرد كونه ينتقل من مكان الى آخر لكن حركته تختلف كونها ذات هدف او غرض معين. السائح يعرف الى اين ذاهب لكنه ليس كالحاج كونه لم يسافر لتحقيق هدف نهائي، هو يسافر فقط للحصول على تجربة جديدة او رؤية مكان مختلف او ليقوم بعمل لم يمارسه في السابق. في مجتمعات ما بعد الحداثة الناس لا يُجهدوا انفسهم من اجل خلق هوية معينة فهم كالسائح الذي يبحث عن خبرة جديدة .

4- الاستراتيجية الاخيرة (اللاعب) وتتطلب التعامل مع الحياة كما لو انها لعبة. الالعاب تُمارس لغرض الفوز لكن النتائج ليست ذات صفة مستمرة. فانت سواء ربحت ام خسرت سوف تنسى آخر لعبة وتنتقل الى لعبة اخرى. ونفس الشيء في مجتمعات ما بعد الحداثة يستطيع الناس ممارسة اللعبة التي لها هوية معينة لفترة زمنية (مثلا طلاب ينتمون الى الجناح اليساري الراديكالي في فترة شبابهم ولكن لاحقا يغيرون اتجاههم السياسي).

تقييم آراء (هول) و(بومان)

بالرغم من الاختلاف بين الرجلين الا انهما يتفقان على وجود اتجاه عام في الابتعاد عن الهويات الثابتة نسبيا والمرتكزة على عوامل اجتماعية مثل الطبقة، والتحول نحو الهويات الصغيرة. واذا كان (بومان) يركز على مدى امكانية الناس في اختيار هويتهم فان (هول) يؤكد بشكل كبير على الاهمية المتزايدة للخصوصيات الاثنية في رسم الهوية. هذه الآراء جوبهت بعدة انتقادات:

1- هناك بعض السوسيولوجيين ينكرون فقدان الطبقة لأهميتها كمصدر للهوية. فمثلا (مارشا) و (روس) و (فوكلر) يرون ان الشعب البريطاني لازال افراده يرون انفسهم اعضاءا في طبقات وان الطبقة لازالت مستمرة في تاثيرها على عقائد الناس واختياراتهم في الحياة.

2- ان بعض انصار النسوية feminists يعتبرون الجنس gender هو المصدر الاساسي للهوية وهو الاصل في الاستغلال في المجتمعات البطرياركية. وهم بذلك يقفون بالضد من رؤية بومان التي تؤكد الاختيار الحر للهوية البعيد عن اي ارتباط اجتماعي. فالجنس يشكل عاملا رئيسيا في تشكيل الهوية حسب زعمهم.

3- يرى (ريجارد جنكز) عام 1996 ان بعض الكتّاب مثل (بومان) يبالغون كثيرا في زعمهم بالهويات المجزأة والقصيرة الأجل التي تختارها المجتمعات المعاصرة. وهو يشك في الادّعاء بوجود نوع متميز لهويات ما بعد الحداثة. هو يؤمن بان الهوية تبقى مرتبطة في جذورها بالخبرة الاجتماعية وبالعضوية في الجماعات، وهي ليست شيئا يمكن تغييره حسب الرغبات. ويؤكد جنكز ان الهويات تحتوي على عناصر من الفردية المتميزة وعلى عناصر اخرى يشترك بها الافراد جماعيا. واذا كان لكل فرد هوية خاصة به فان تلك الهويات تكتسب طابعها عبر الانتماء الى جماعات اجتماعية. ان العناصر الفردية للهوية تؤكد على الاختلاف بينما العناصر الجمعية تركز على التشابهات مع ان الاثنين يرتبطان بإحكام.

 

حاتم حميد محسن

 

 

صباح الحاج مفتنيرتبط مفهوم المكان بالحركة ذات المفاهيم المتعددة، من قبيل: الكثرة، الواحد، الثابت، الفراغ، التغير، اللامتناهي، الصيرورة. وقد توضَّحَت هذه المفاهيم وانتظمَت مع أرسطو؛ إذ لم تكن كذلك في العصر الإغريقي ما قبل سقراط؛ فنجد زينون الايلي- بحسب ما يذكره أفلاطون في محاورة بارمنيدس- يستخدم الجدل في إثبات أو نفي هذه المفاهيم من خلال برهان الخُلْف؛ فبَعْدَ أنْ استخرَجَ بارمنيدس خصائص الوجود من ماهية الوجود نفسه، حاول زينون أنْ يثبت تناقض المذاهب المضادّة لدعوى بارمنيدس بوجود الواحد الثابت: "إذا كان من المستحيل أنْ تكون غير المتشابهات متشابهات، والمتشابهات غير متشابهات؛ فلابد أنْ يكون وجود الكثرة مستحيلة؛ لأنَّ الكثرة لا يمكنها تجنُّب هذه المستحيلات". وعليه يبرهن زينون: إذا كان مبدأ الواحد باطلاً فلابد أنْ يكون مبدأ الكثرة صحيحاً، وما دام مبدأ الكثرة يؤدّي إلى متناقضات فهو باطل، وبالتالي فإنَّ مبدأ الواحد الثابت صحيحاً.

والحقيقة أننا وبحسب هيجل في مؤلفه المنهج الجدلي، لا يمكن أنْ نجزم بأنَّ زينون استخدَمَ لفظة الجدل، وإنْ كان قد مارَسَ الطريقة الجدلية، لكنَّ أفلاطون أول من ذكَرَ هذه الكلمة في محاوراته.

ويبدو أنَّ زينون يقصد بهذا البرهان أنَّ مبدأ الفيثاغوريين الذي يؤلِّف العالَم من أعداد منفصلة غير متصلة، يناقض اتّصالية كرة بارمنيدس الواحدة. ويقدِّم زينون حجّتان يبطل بهما الكثرة: الأُولى، إذا كانت الكثرة مقادير ممتدَّة، فالمقدار يكون قابل للقسمة أبداً، وهكذا دون أنْ تنتهي القسمة إلى آحاد غير متجزِّئة، وحينها يكون المقدار المحدود المتناهي حاوياً أجزاء حقيقية غير متناهية العدد، وهذا خُلْف، والثانية، إذا كانت الكثرة آحاد غير متجزّئة، فهي متناهية العدد؛ لانَّ الكثرة الحقيقية معيَّنة، وهذه الآحاد منفصلة حتّى لا تختلط ببعض، لكنّها مفصولة حتماً بأوساط، وهذه الأوساط بأوساط، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا خُلْف.

إنَّ إبطال الكثرة عند زينون يدفع به إلى إثبات استحالة تَصوُّر أي حد للمكان: "إذا كان كل شيء يُوجَد في مكان، فهذا المكان يجب أنْ يكون نفسه يُوجَد في مكان أيضاً، وهكذا إلى ما لا نهاية"، فيكون الكل جزءً واحداً متّصلاً يستغرق جميع الكون، بحيث يصبح فيه الجزء الصغير بقدر الكون كلّه، وهذا باطل عقلاً، وعليه فالكثرة حسب دليل الخُلْف باطلة، إذن تكون الموجودات شيء واحد متّصل.

هذه الاتصالية تستتبع عند زينون نفي الحركة، ويقدَّمَ على ذلك حججاً أربعة: الأُولى حجّة القسمة: لكي نقطع مسافة محدَّدة يجب أنْ نقطع نصفها، وحتّى نقطع نصفها يجب أنْ نقطع نصف هذا النصف، وهكذا إلى ما لا نهاية، ولَمّا كانت القسمة لا متناهية فحينها تستحيل الحركة في زمن متناه. الثانية حجّة أخيل والسلحفاة: إذا فرضنا أنَّ السلحفاة تسابقَت بوقت واحد من الحركة مع أخيل، فتقدَّمَت عليه مسافة قصيرة، فإنَّ أخيل لنْ يدرك السلحفاة إلاّ إذا تجاوز المسافة الأُولى الفاصلة بينهما، وحينها ستكون السلحفاة قد تقدَّمَتْهُ إلى مسافة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية. الثالثة حجّة السهم: إذا قَطَع السهم مسافة ما في وقت محدَّد، فإنّه سيقف في كل جزء من أجزائها بمقدار معيّن، وهو حاصل قسمة المُدّة على المسافة، فالحركة إذن هي مجموعة وقفات وسكون، وهذا غير ممكن عقلاً؛ لأنّه جَمع للنقائض، فالحركة إذن باطلة. الرابعة حجّة الملعب: لنفرض أنَّ أ ساكن، وانَّ ب و ج يتحرَّكان بحركة واحدة باتجاهَين متضادَين، ومع الوقت سيكون أ، و ب، و ج، متوازنة كُلّها في مكان واحد، وأنَّ ب سيكون قد اجتاز أ و ج، فحينها يحتاج أ لكي يقطع ج ضعف الزمن الذي يقطع فيه أ، ولكنَّ الزمن الذي يستغرقه ب و ج ليصِلا ويوازيا موضع أ هو نصف الوقت السابق وليس ضعفه، فيكون نصف الوقت مساوٍ لضعفه، وهذا خُلْف، فتمتنع الحركة.

وبالنتيجة نرى أنَّ اتصالية الكرة الايلية الواحدة تنفي وجود الفراغ (الخلاء)، فلا يوجد شيء آخر خارج هذه الكرة، وعلى ما يبدو أنّ زينون لم يكن يفرِّق بين المكان والخلاء، فراح يرفض وجود المكان تبعا لعدم وجود الخلاء.

إذا كان زينون يبحث هذه المفاهيم جدلياً من خلال مفهوم الوجود الواحد الثابت، فإنَّ أرسطو ينطلق في بحثه لهذه المفاهيم منطقياً من خلال الحركة التي تُعد موضوعاً أساسياً في فلسفته الطبيعية؛ لأنَّ الحركة تعني التغيّر في الوضع، فتكون شرطاً لازماً في تضمّنها لكل عمليات الطبيعة، فهي تشمل جميع أشكال الصيرورة، وتُعبِّر عن معانٍ واسعة تَضُم كل العمليات التي تصبح بها الأشياء على ما هي عليه، فيميِّز أرسطو في كتاب الطبيعة بين أربعة أنواع من الحركة تتَّفق مع مقولات أربعة: الكون والفساد، أي ظهور شيء جزئي إلى الوجود ونهاية وجوده، فما هو إنسان بالقوة يصير إنساناً بالفعل، والاستحالة، أي حدوث تَحوّل في كيفية الشيء، فما هو عالماً بالقوة يصير عالماً بالفعل، والنمو والنقصان، أي حدوث تَغيّر في كم الشيء، فما هو طوله عشرة أقدام بالقوة يصير عشرة أقدام بالفعل، والنقلة في المكان- وتُعَد أهم أنواع الحركة لأنّها تتكرَّر في الأنواع الأخرى- أي الانتقال على خط مستقيم أو الدوران في محيط دائري، فما هو بالقوة في مكان فهو نقلة في ذلك المكان.

إذن يرتبط الجسم الطبيعي بمقولَتَي الفعل والانفعال بوقت واحد، فهو يُسمّى فعلاً لأنّه صادر عن المحرِّك، ويُسمّى انفعالاً لأنّه حاصل في المتحرّك، وقد يُسمّى الانفعال فعلاً والفعل انفعالاً حسب الموضوع؛ فالإنسان الذي ينجب إنساناً، كان قَبْلَ إنجابه أباً بالقوة، وبَعْدَ إنجابه صار أباً بالفعل، كذلك قبل أنْ تتغير النطفة إلى طفل، كانت طفلاً بالقوة وصارت طفلاً بالفعل في الوقت الذي صار فيه الرجل أباً بالفعل. وعليه يكون المحرِّك والمتحرِّك سبب كمال أحدها الآخر.

تَشترك أنواع الحركة في خاصية واحدة هي الصيرورة من حال إلى حال، بينما موضوع الحركة يبقى على حاله؛ فالموضوع أو الحامل لا يتحرَّك وإنّما تتغيَّر محمولاته، ومن طبيعة الحركة أنها تفترض علّة للحركة تَستمد حركتها من مُحرِّك آخر، وهكذا تنتهي سلسلة المحرِّكات إلى مُحرِّك أوَّل لا يتحرَّك يكون عِلَّة الحركة الأصلية في الكون ومبدؤها الأول. ويميِّز أرسطو بين التغيُّر الذي ينطوي على تحوُّل في الجوهر، وبين التغيُّر الذي لا ينطوي على تَحوُّل في الجوهر؛ الأول يتمثّل في الكون والفساد الزوجان غير المنفصلان، فإذا تَحقَّق شيء ما في الوجود فهو نتاج مادة شيء آخر تلاشى، فقوام الطبيعة وجوهرها يبقى ثابتاً، أمّا الثاني فهو التغيُّر في الكمية والكيفية والوضع: الكمية هي تَغيُّر مُتَعلِّق بالحركة في المكان من حيث الامتداد، والوضع هو حركة موضعية متغيِّرة تُحقِّق إمكانية الوجود في مكان آخر، لذلك يتطلَّب تَحقُّقها سبباً موجوداً أصلاً بالعقل؛ لأنَّ الشيء لا يمكنه تحريك نفسه، ولا يفترض حركة ذاتية ليس لها سبباً، أمّا الكيفية فلم يكتفِ أرسطو مثل أفلاطون بمعرفة كيفية وقوع الشيء، بل معرفة عِلِّة وقوعه.

فالصيرورة عند أرسطو ليس لها بداية ولا نهاية، فهي تمضي دوماً من الوجود إلى اللاوجود وبالعكس، وتجد في ذاتها منابع تَجدّدها الدائم، لذلك كان تمييز أرسطو بين القوة والفعل وسيلة لحل مشكلة التغيُّر التي أنكَرَها الايليون على أساس إنكار الكثرة، في حين أنَّ التغيُّر هو انتقال من تَحقُّق بالقوة إلى تَحقُّق بالفعل، كما أخَذَ أرسطو على الطبيعيين في أنهم لَم يدركوا سوى العلة المادية دون العلل الثلاثة الأُخرى الصورية والغائية والمحرِّكة؛إذ إنَّ الحركة تقتضي الصورة بعللها المختلفة، والمادة المتغيِّرة، ولَمّا كانت الصورة والمادة أزليتان وأبديتان، فلا بد أنْ تكون الحركة الناتجة عن اجتماعهما أزلية أبدية هي الأُخرى؛ فلا وجود للأشياء إلاّ بافتراض الحركة: "إن كمال ما يستحيل هو الاستحالة، وكمال النامي وعكسه هو الزيادة والنقصان، وكمال المتكوِّن والفاسد هو الكون والفساد، وكمال المنتقل هو النقلة".

من ناحية الأزلية، فكل حركة تقتضي وجود محرِّك ومتحرِّك حادثَين أو قديمَين، فإنْ كانا حادثين فهذا يعني وجود حركة حدوث قَبْلَ أوَّل حركة، وهذا تناقض،، وإنْ كانا قديمَين فمعنى ذلك قد سبَقَت الحركة أوَّل حركة بسكون، والسكون هو عدم الحركة، وإنَّ إحداثه يقتضي ثَمّة حركة تكون قَبْل أوَّل حركة، وهذا تناقض؛ فإذا كان المُحرِّك والمُتحرِّك أزليَّين، فكيف يتسنّى وجود الاثنين معاً ولا تَحدث الحركة منذ وجودهما في الأزل ما دام في طبيعة الواحد أنْ يُحرِّك والآخر يتحرَّك؟ وإذا قُلْنا ليس في طبيعتهما ذلك فهذا يعني لا بد من وجود شيء يَحدث فيهما الحركة قبل أول حركة، وهذا تناقض. وإذا نَظرْنا من ناحية أخرى إلى الحركة من جانب المحرِّك، وجدنا أنَّ المحرِّك لكي ينتج الحركة فلابد أنْ يكون موجوداً في حالة تماس مع المتحرِّك، أمّا إذا كانا بعيدان عن بعضهما، فلا بد من تقريبهما لكي تَحدث أول حركة، وستكون هذه الحركة سابقة على أول حركة، وهذا تناقض، فمهما نَظَرْنا إلى الحركة من جانب المحرِّك والمتحرِّك معاً فلا بد من القول بأزلية الحركة. ومن الناحية الأبدية، فيمكن البرهنة عليها بالطريقة ذاتها: إنَّ انتهاء الحركة يعني ابتعاد المحرِّك عن المتحرِّك، ولا يتم ذلك إلاّ بحركة تأتي فتحدّه، وهذه تحتاج لإحداثها إلى حركة، وهكذا إلى ما لا نهاية، لذلك فالحركة لابد أنْ تكون أبدية.

يبحث أرسطو حجج زينون ضد الحركة من خلال مفهوم اللامتناهي؛ إذ يرى أنَّ اللامتناهي لا وجود له بالفعل: "لا يمكن أنْ يكون اللامتناهي شيئاً قائماً بنفسه بلا نهاية، ومفارقاً للمحسوسات، بل هو نفسه جوهراً لا عرض"، وإنما اللامتناهي موجود بالقوة، لكنّه لا يخرج إلى الفعل من حيث أنّه كل؛ وإنّما يخرج إلى الوجود جزءاً بعد آخر: "يجب أنْ يكون اللامتناهي غير منقسم؛ لأنَّ المنقسم مقدار أو عدد لا يمكن أنْ يكون بلا نهاية إلاّ على الوجه الذي يقال أنَّ الصوت غير مرئي". ويرى بدوي أنَّ القوة التي يوجَد فيها اللامتناهي ليس من الضروري أنْ تصبح بالفعل، فهو كانتفاء الحركة التي هي بالقوة حين تتحقَّق الصورة، لذلك فاللامتناهي أقل درجة في الوجود من المتناهي الذي وَجَدَ فيه أرسطو الكمال التام.

اللامتناهي إذن ليس هو ما يشار إليه بـ"هذا" مثل الإنسان والحصان، بل أنَّ وجوده يقوم في عملية كون وفساد مستمر، فهو يختلف عن وجود الجوهر في الكون الذي يحتاج دائماً إلى شيء لا نهاية له، فحركة اللامتناهي دائرية، فيها تفسد الأشياء وتكون، وهكذا باستمرار، وعليه فلا حاجة إلى تَصوُّر شيء لا متناهِ يَستمد منه الكون اللامتناهي للجواهر. هكذا يُحرِّر أرسطو الفلسفة من التصور الذي يَعُد اللامتناهي مصدر متجدِّد للأكوان والعوالِم، إلى تَصَوُّر يَعُد اللامتناهي حد مضاف إلى المتناهي والمكتمل، ويجد مادَّته فيهما؛ لأنَّ من المستحيل أنْ يكون ما لا يُعرَف وما لا حدود له هو الذي يحوي ويُعرَف.

إذا كان اللامتناهي موجود بالقوة، فتكون حجج زينون ضد الحركة باطلة؛ لأنّها قائمة على أنَّ المكان شيء لا متناهي يمكن تقسيمه إلى وحدات منفصلة بالفعل، والحال أنَّه متَّصل ومتناهي لكنّه قابل للقسمة إلى أجزاء لا متناهية بالقوة، كما أنَّ الايليين صَوَّروا الكون على أنّه كرة، وهو تَصوُّر مكاني للوجود يجعل المكان قابل للانقسام: "لا يمتنع أنْ يُوجَد المكان في شيء غيره، وإنّما كما تكون الصحة شرطاً في الأشياء الحارة؛ لأنَّ الحرارة في الجسم تكون على أثر انفعال أو عَرض، فلا يلزم حينها الاستمرار إلى ما لا نهاية".

وبالتالي يرى أرسطو إنَّ وجود المكان أمراً بديهياً تدل عليه ظواهر الحركة، ويبرهن على وجوده كالآتي:

أولاً- ظاهرة حلول أجسام وتعاقبها على محل واحد؛ إذ إنَّ المكان شيئاً قائماً بذاته تُوجَد فيه الأشياء المختلفة، وإلاّ لَما استطعنا أنْ نتصوَّر حلول أشياء مختلفة في مكان واحد.

ثانياً- ظاهرة الحركة في المكان؛ إذ لا يمكن للنقلة أنْ تتم إلاّ إذا تَصوَّرنا هناك مكاناً ينتقل فيه المتحرِّك من جهة إلى أخرى باتّجاه معلوم.

ثالثاً- المكان تقتضيه حركة الاستحالة؛ إذ تَرجع هذه الحركة بالنهاية إلى حركة التخلخل والتكاثف، وهما بدورهما حركتان في المكان، وهذا يدل على أنَّ المكان شيئاً موجوداً.

رابعاً- وجود الجهة؛ إذ إنَّ لكل عنصر مكانه الخاص: مكان النار والهواء فوق، ومكان التراب والماء تحت، فإنَّ الفوق والتحت هما المكان الذي تطلبه الأجسام الثقيلة والخفيفة، وهذا يجعلنا قطعاً أنْ نقول بالمكان وصفاته الخاصة، وأنْ نضعه كائناً إلى جانب بقيّة الكائنات، بل وحتّى جوهراً ما دمنا نجعل النقلة أُولى الحركات؛ فإذا كان المكان شرطاً لهذه الحركة، وإنَّ ما يتوقَّف على شرط يتوقَّف على الشيء نفسه، إذن يمكن القول أنَّ المكان هو الموجود الأصلي.

المكان متميِّز عن الجسم الذي يحل فيه أو العناصر التي تدخل في تركيبه؛ فهو ليس عين الجسم، لكنّه كالجسم يمتلك طولاً وعرضاً وعمقاً، وهو ليس عنصراً، لكنَّ له حجماً؛ فلو كان المكان جسماً لتوجَّب أنْ يكون له مكان يقوم فيه، ولهذا المكان مكاناً آخر، فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، ولو لَم يكن المكان غير الجسم لتوجَّب أنْ ينقص مكان الجسم أو يزيد تبعاً للجسم الذي يحتويه، وهذا تناقض؛ لأنَّ لكل جسم مكاناً خاصاً به، وفي كل مكان جسماً ما.

لا يمكن أنْ نُطبِّق مفهوم الصورة والمادة على مفهوم المكان؛ لأنّه لَم يتّخذ صفة أو حالة من قِبَل شيء ما، لكنّنا حين نتحدَّث عن المكان نقول باستمرار إنَّ شيئاً في شيء، فكأنَّ طبيعة المكان تتلخَّص في أنَّ "الوجود في": يُوجَد المحمول في الموضوع لأنّه داخل فيه، فكما نقول عن الموضوع إنّه داخل في ما صدق المحمول، كذلك نقول عن الشيء إنّه يوجَد في الوعاء. وكلمة "في" تَرجَع إلى معنيين: الأول عام ننظر فيه إلى الشيء ككل دون أجزاء، والثاني خاص ننظر فيه إلى الشيء ككل وفيه أجزاء، والخاص هو المعنى الأدق للمكان؛ فإذا نظرنا إلى وعاء كبير من الماء، فيمكننا القول أنَّ الماء في هذا الوعاء، أو أنَّ الشيء في نفسه مجزّئ إلى جزأين أحدهما في الآخر، ولكنْ إذا نَظرْنا إليه ككل فلا يمكننا القول عن الشيء أنّه في نفسه، بل نقول أنّه موجود في شيء آخر، أي هناك شيئاً حاوياً للشيء، وأنَّ الآخر وعاءً له: "المكان هو الحد اللامتحرك المماس للحاوي، أو هو حدود جسم الشيء أو السطح الداخلي له".

ومن هنا يرى أرسطو أنَّ الفراغ ليس مكاناً لا متمكّن فيه، فهو قول يثبت أنَّ الأشياء تتحرَّك بسرعة واحدة على نظام واحد، في حين أنَّ الأشياء تتحرَّك حركة طبيعية إلى مَحلّها الطبيعي. وأمّا المكان المُطْلَق فهو السطح القائم بالفعل خارج السماوات التي تحوي بداخلها كل شيء ولا يحويها جسم أبعد منها؛ وعليه فالأشياء جميعاً تقع في هذه السماء، بينما هي ذاتها لا تقع في شيء غيرها، فنجد أرسطو يماشي اتجاه اليونانيين نحو التوحيد بين الخاصية المميّزة للمكان المُطْلق وبين الحد؛ فيرى أنَّ السماء القصوى تقع على مسافة محدودة منّا لا نهائية؛ وعليه فالمكان الفعلي محدود مكانياً؛ فمهما تعدَّدت قِسْمتك، فإنّك لن تستطع الوصول إلى نقاط أو مواضع من دون كتلة قابلة للانقسام، أمّا الكون فليس له مكان؛ لأنَّ كل حيِّز حقيقي إنّما هو من الكون، وهذا يلزم أنَّ الكون متناه؛ لأنَّ غير المتناهي مجال بالفعل ولا يحيطه خلاء أو ملاء.

يستتبع تعريف المكان عند أرسطو عدم وجود الخلاء؛ إذ لا يمكن أنْ يكون هناك مكان ليس فيه شيء أصلاً، ولَمّا كانت الحركة ليست مكانية لأنَّ الأجسام تتحرَّك باحتلال بعضها مكان بعض، فليس ثَمّة حاجة لافتراض وجود الخلاء، كما أنَّ لكل عنصر نقلة طبيعية خاصّة، فلا يمكن أنْ يكون الخلاء المتشابه والمتجانس شرطاً للنقلة، ولَمّا كانت الحركة الطبيعية مختلفة، فالأشياء الموجودة بالطبيعة تكون مختلفة، لذلك: "إمّا أنْ تنعدم الحركة الطبيعية، وإمّا ينعدم الخلاء، وبما أنَّ النقلة موجودة، إذن فالخلاء معدوم".

ولذلك ينقد أرسطو القول بضرورة وجود الخلاء؛ إذ إنَّ البناء المادي للأشياء يتنافى مع وجوده، فنحن لا نعرف سوى حركات الأجسام الطبيعية نحو محلّها الخاص، والحال أنَّ لا شيء من ذلك في الخلاء، فالمتحرِّك لا يتوقَّف عن الحركة في الخلاء عند أي نقطة كانت، ولا يواصل الحركة إلى ما لا نهاية؛ لأنَّ الإقرار بصحّة ذلك يلزم عنه أنَّ الجسم المتحرِّك ليس له خواص مادية، في حين أنَّ الحركة نتيجة لهذه الخواص، كما أنَّ جوهر القوة هو الظهور على مقاومة، فإنَّ قوة القطار الذي يسحب مَرْكباً، لا تتناسب سرعته مع القوة؛ لأنَّ المَرْكب الثابت لا يبدأ بالتحرُّك إلاّ مقابل مقدار معيَّن من الجهد، وحينما يتوقَّف الجهد يتوقَّف المَرْكب، والسرعة منوطة بالمقاومة؛ فإنْ قَلَّت المقاومة، زادت السرعة، وإنْ انعدَمَت، صارت السرعة لا متناهية، وما يقال عن السحب يقال على الدفع، وهذا هو حال الخلاء تماماً.

وبالنتيجة ذهب أرسطو إلى اعتقاد آخر عن المكان يختلف عن زينون؛ إذ يبدو أنَّ ما دفع أرسطو إلى نفي الفراغ أو الخلاء هو حتّى يثبت وجود المكان أو الملاء ، وبالتالي تفنيد مزاعم زينون وحججه الجدلية.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي رسول الربيعيطورت سيلا بن حبيب نظرية أخلاقية (في كتابها Situating the Self الذي سنعتمده في النقاش في هذه المقالة) عن وضعية وموقع الذات في صيغة كونية أو عالمية تفاعلية معتمدة بشكل كبير على عمل هابرماس. تبدأ من تمييزها بشكل واضح بين (أنواع أو أنماط) الخطاب الأخلاقي (Ethics) والأخلاقي (Moral). (للتوضيح: يشير مصطلح الأخلاق كـ Ethics الى المبادئ والقواعد والمعايير العامة المفروضة من الخارج (الأديان مثلا) بينما يشير مصطلح الأخلاق كـ Moral الى مبادئ السلوك الخاصة بالفرد وقواعد السلوك الصواب أو الخطأ وما ينبغي فعله أو لاينبغي) إن مشروع بن حبيب هو إعادة بناء أفكار الحداثة الأخلاقية والسياسية في مابعد عصر التنوير من خلال عالمية هذه الأفكار من جهة، ومن خلال تفاعلها الجدلي مع المخاوف والشكوك التي تثيرها حركات الجماعاتية، والنسوية، ومابعد الحداثة من جهة أخرى.

Benhabib, Seyla. Situating the Self: Gender, Community and Postmodernism in Contemporary Ethics. Cambridge: Polity Press, 1992.2.

تفسر بن حبيب الأعتراضات على الصوغ الصوري الشكلاني الكانطي للأخلاق بأنها أدعاء يرى أن أيً نظرية أخلاقية أجرائية تواجه خياراً لامفر منه بين التفاهة او عدم الأنسجام. أذ يرى النقاد أن القواعد التي تبررها مثل هذه الأجراءات تكون إما بديهية أو ذات تأثير ضئيل أو أن تصبح إجراءات التبرير أو التسويغ في حد ذاتها أكثر جوهرية من ما مطلوب الأعتراف به أو قبوله. وعليه ترى بن حبيب أن إجراء اختبار للمعايير الأخلاقية من خلال الأخلاق التواصلية يُمكًن من تجنب مثل هذه المعضلة ,p,34.) Benhabib, Seyla. Situating the Self). أما هابرماس فيرى أن القواعد والقيم لا يتم إنشاؤها عن طريق الفلسفة ولكن من واقع الحياة. (أنظر:

Habermas, Jurgen Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990.240.

فالفلسفة، هنا، تقوم بتفسير ودعم إجراء الحجج الأخلاقية التي يمكن أن تسمح لنا باختبار الصلاحية القواعد المشتركة المتنازع عليها والتي يتم طرحها علينا في ممارسة التواصل اليومي. وطبقا لبن حبيب، فإن ما يحققه هذا الإجراء هو وضع قيود جوهرية على حدسنا الأخلاقي، ويعطي معايير لما هو مسموح به أخلاقيا أو غير مسموح به، لكن دون أن يخبرنا ما هو أكثر قواعد العمل الأخلاقية قيمة في سياق معين.

تدعو بن حبيب إلى أخلاق ما بعد تقليدية وأحد الآثار المترتبة على ذلك هو أنه لم يعد بالإمكان الحفاظ على تمييز هابرماس بين الأخلاق كـ Ethics والأخلاق كـ Moral للعقل العملي. (تعتبر الأخلاقيات ما بعد التقليدية أعلى مرحلة من الأخلاق في نموذج Kohlberg للتنمية الأخلاقية التي طورها جان بياجيه في ثلاث مستويات وهي الأخلاق ما قبل التقليدية، التقليدية، ومابعد التقليدية، حيث يطور الأفراد مجموعة خاصة بهم من الأخلاق والأخلاقيات التي يستخدمونها لدفع سلوكهم.) وليس هناك إمكانية للتمييز بين معيار أخلاقي يعبر عن مصلحة عامة واتفاق مبني على التزام مسبق لصالح نمط حياة مشترك. في تصور بن حبيب للأخلاقيات التواصلية يمتد نطاق المجال الأخلاقي ليشمل التفكير العملي المتعلق بمفاهيم محددة أو مخصوصة للخير. وأنه مع قبولنا بأن توافقًا عالميًا وعقلانيًا غير قابلٍ للتحقيق في مثل هذه القضايا، يمكننا، حسب رأي بن حبيب، أن نسمح بالنقاش الأخلاقي المتبادل بين الذوات والتفكير في الأسئلة التقييمية. ( Benhabib, Seyla. Situating, p, 75)

إن تقييد المجال الأخلاقي بمسائل العدالة الكلية والعالمية universal justice في المعنى الذي يطرحه هابرماس، يتتطلب أجماعاً عقلانياً لكن هذا غير مقبول، لأنه هذا يتغاضى عن أكثر من سمة مهمة ومميزة للمطالبات الأخلاقية الصحيحة من وجهة نظر بن حبيب. أما بالنسبة لهابرماس تمتلك هذه الادعاءات الأخلاقية مبررًا إدراكيًا قويًا. ولا يتم التحقق منها بإجراءات المناقشة والمحاججة فقط، ولكن من حقيقة تعبيرها عن إرادة مشتركة. وهذا يعكس بصيرة أخلاقية يتم تحقيقها تواصليا في مصلحة عامة حيث يتشارك الجميع في هذه القناعة معًا. ومن موقع يرى أن أي معيار يصبح صحيحا أذا ما توفرت الأسباب الدعمة له وكانت مسوًغة عقليا؛ تقول بن حبيب إن هابرماس يعتمد وبدون ضرورة على فكرة الإجماع كضمان لصحة المعايير؛ وتدافع عن المعرفة الأخلاقية بأعتبار أن المعايير الصحيحة يجب أن تكون مدعومة بالأسباب، لكن هذا الادعاء يبقى ضعيفاً لأن هذه المعايير في غير ذي حاجة للتعبير التعبير عن إرادة مشتركة. وبالتالي عليها أن تقبل هذه النتيجة باعتبارها الثمن الذي يجب دفعه مقابل مثل هذا النطاق الأخلاقي الواسع. (أنظر:

Cooke, Maeve. "Habermas, Autonomy and the Identity of the Self." Philosophy and Social Criticism 18 (1992): 269-92.

تحاول بن حبيب الأبتعاد عن الصياغة الكانطية الصورية من أجل أن تكون أقل عرضة من هابرماس للنقد من قبل ممثلي الأتجاه السياقي، ايً النقد الذي يوجه فلاسفة الأتجاه السياقي الذي سبق ذكر أتجاهاتم، فالزر على سبيل المثال. فتلزمها نظريتها الدينطولوجية الأخلاقية الضعيفة ببعض الافتراضات الجوهرية والواقعية، وهي تسلم بأن هذا الالتزام لا مفر منه. Situating the Self, 75.)) وتُبرر الأخلاقيات التواصلية بأنها وعي ذاتي تاريخي بالكونية يُؤسس لمبادئ الاحترام العالمي والمعاملة بالمثل كتفسيرنا الفلسفي لمكونات وجهة النظر الأخلاقية من داخل الأفق التأويلي المعياري للحداثة"(أنظر نقد Cooke, Maeve. " لسيلا بن حبيب في: Habermas and Consensuses.

Cooke, Maeve. "Habermas, Autonomy and the Identity of the Self.

إنها تقدم هذا كبديل عن استراتيجية هابرماس لإعادة بناء الكفاءة والأهلية للعالمية المفترضة لجميع الأطراف الفاعلة في التواصل في سياق الحياة في العالم الحديث.

لا يمكنني، في الواقع، تمييز موقف بن حبيب عن وجهة نظر هابرماس في هذا الشأن. ذلك إن دفاع بن حبيب عن نشر الأخلاق مابعد التقليدية ومفهوم الحداثة الذي تصوغه يعتمد إلى حد كبير على إعادة البناء تلك التي قام بها هابرماس.) إعادة البناء هذه قدمها هابرماس في مجلدين تحت عنوان: نظرية الفعل التواصلي.) والدليل أعتمادها على ما يمكن أن ندعوه بالتفسير النقدي الفيبري للحداثة، انظر: Benhabib, Seyla. Situating the Self). ففي الوقت الذي تؤكد أن التفسيرات الأخرى لمتطلبات الكفاءة الأخلاقية ما بعد التقليدية لا يمكن استبعادها من حيث المبدأ، فقد تم التسليم بها من قبل هابرماس مسبقا ايضاً. وكانت هذه النقطة بالتحديد هي التي قدمها في إعادة البناء (الأخلاقي) التي قام بها على أنها غير معصومة من الخطأ أثناء رفضه لمفهوم التبرير النهائي الذي قدمه أبيل Karl-Otto Apel. علاوة على ذلك، فقد شدد على حقيقة أن دفاعه عن أخلاقيات الخطاب ضد نظريات أخلاقيات ما بعد التقليدية، مثل نظريات راولز Rawls وسكانلون Scanlon، يقوم على حجج فلسفية "تغذيها التجربة التاريخية".

Habermas, Jurgen. Moral Consciousness and Communicative Action. Cambridge: Polity Press, 1990,175.

فتتحول هذه الحجج من مفهوم أحادي إلى مفهوم حواري لوجهة نظر غير متحيزة. فإذا كان للكرامة أن تحترم، فإن الروابط الاجتماعية المشتركة والمتبادلة للاعتراف المتبادل والتي تعتمد عليها هوية هذا الشخص يجب أن تكون محترمة.       

Habermas, Jurgen., "Justice and Solidarity: On the Discussion Concerning ‘Stage 6."' In Michael Kelly (ed.), Hermeneutics and Critical Theory in Ethics and Politics, 32-52. p,200 and Justification and Application: Remarks on Discourse Ethics. Cam­ bridge: Polity Press, 1993.pp, 67-69.

هذا التوضيح للسمات البنيوية للحياة الخيرة التي يدرجها هابرماس في مفهومه الدينطولوجي الاخلاقي للعدالة يمكن اعتباره تعبيرًا عن الافتراضات الموضوعية التي تأخذه، مع بن حبيب إلى أبعد من الصورية الصارمة لكانط.

هناك مسألة أخرى مهمة بين بن حبيب وهابرماس تتعلق بنطاق المجال الأخلاقي. إنها تتعلق بحساسية أخلاقيات الخطاب أزاء سياقات أخلاقية معينة والاختلافات التي تتصل بالأخلاق بين الأفراد. وحسب بن حبيب، فإن مفهوم هابرماس لوجهة نظر غير متحيزة منطقي - عقلاني أكثر من اللازم ولا يتوضع أو يتموقع في السياق الإجتماعي وقضايا الجندرية بشكل كافٍ. Benhabib, Seyla. Situating the Self, p,8.

تعطي بن حبيب اولوية للرعاية والاهتمام بالآخرين بشكل ملموسين على العدالة والحقوق. وتتهم هابرماس بإحالة العناية إلى هوامش المجال الأخلاقي الذي يتركز حول قضايا العدالة. فبينما لا ترغب بن حبيب في التقليل من أهمية اهتمامنا الأخلاقي بالعدالة في الترتيبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الا أنها تؤكد أن النزاعات الأخلاقية التي تشغلنا تتعلق على الأرجح بالقرارات الشخصية المطلوبة منا في العلاقات، في العمل في التفاعل الاجتماعي في حياتنا اليومية. Benhabib, Seyla. Situating the Self, pp., 148-185.

أرى إن العدالة والتضامن وجهان لعملة واحدة في دفاع هابرماس عن الخطاب الأخلاقي، فالأهتمام بالحقوق الفردية ورعاية الآخر له الجذر نفسه، وكذلك حماية الروابط الاجتماعية التي تشكل شبكة من الاعتراف المتبادل بين الجنسين. والتفكير الأخلاقي المتبادل في مابين المشاركين مستحيل دون حس التعاطف. (هامش- Habermas J., Moral Consciousness and Communicative action, Cambridge, Polity Press,1990, 199-203.

يصر هابرماس على أن هذا مجرد شرط للتبرير العقلاني نفسه. لذلك لا يجب التفكير كمهمة لتحقيق توازن مناسب لأدوار العقل والعاطفة في الخطاب الأخلاقي.

Habermas J., "Justice and Solidarity: On the Discussion Concerning ‘Stage 6."' In Michael Kelly (ed.), Hermeneutics and Critical Theory in Ethics and Politics, 40-41.(

لكن من الغريب أن بنحبب تعترف، وهي محقة، بأن هابرماس قد أدرج مسألة الأهتمام بالآخر في سياق تصوره لوجهة نظر متجردة وغير متحيزة، ولكن دون أن تسحب انتقاداتها تلك. وأظن أن استمرار قلقها يرجع إلى تقييد هابرماس للمجال الأخلاقي بحدود الأسئلة التي تعترف بالتبرير العقلاني من حيث المصالح العمومية. أعتقد أن بن حبيب يمكن أن تعفي نفسها من هذا الأرتباك لو أنها نظرت في حقيقة أن الأسئلة التقييمية في أعمال هابرماس الأخيرة تعترف بحل معقول رغم أنه يتوصل الى ذلك من خلال توظيف أخلاقي بمعنى الـ (Ethical)، وليس أخلاقي بمعنى الـ (Moral) الذي اشرنا اليه سابقا، للعقل العملي.

لاتمنح الأسئلة التقييمية إجابة صالحة لكل فرد. ففي السعي بعقلانية للإجابة على السؤال "ما هو مناسب لي؟" أو "ما هو الصواب بالنسبة لنا كمجموعة معينة تتقاسم بعض المثل العليا؟" يجب علينا أن ننشد معايير محددة تشكل الهوية المعنية. وهذا ينطوي على مهمة نقدية لتوضيح التأويلي الذاتي للمصالح. وما هو على المحك، هنا، مسألة الهوية التي تعتمد على التزام مسبق بطريقة حياة معينة واعية. ومن ناحية أخرى، لا تُحل الأسئلة الأخلاقية أي شكل معين من أشكال الحياة ولكنها تهتم بتبرير المبادئ التي يمكن أن تكون مقبولة للجميع.

Habermas, Justification and Application: Remarks on Discourse Ethics. Cambridge: Polity Press, 1993.PP,4-8.

لا يمكننا معرفة ما إذا كان السؤال أخلاقيا أو تقييما الأً بعد الدخول في مجريات النقاش والمحاججة وليس قبلها، كما هو الحال مع راولز الذي يقييد نطاق الالتزامات الأخلاقية المشتركة المحتملة مقدما. فيبدو، هنا، أن هابرماس وبين بن حبيب متفقان على أن الأسئلة الأخلاقية، التي لا يحددها هابرماس بالتوافق المعياري، يمكن تقديم أجابة عقلانية عنها. وعلى الرغم من أنهم يحددون المعنى الأخلاقي بطرق مختلفة، إلا أنهم يتفقون على النقطة الدينطولوجية التي تقول إن المعايير الأخلاقية تقيًد المفاهيم المعقولة للخير. Benhabib, Seyla. Situating the Self,p,187

بالنظر إلى هذا، ليس من الواضح أن بن حبيب تربح أي شيء من التخلي عن التمييز بين الأخلاقي (Ethics) والأخلاقي (Moral)، ولا يبدو ذلك في الواقع ضروريًا. لكن ما يتبقى والتي يمكن لنا أن نراه هي مدى المكاسب التي يحققها هابرماس من خلال التمسك بهذا التمييز. وما هو واضح هنا هو أن هابرماس، ليس أقل من بن حبيب أهتماما في السياق، فقد أدرج العديد من الأفكار السياقية في تفسيره لأخلاقيات الحوار.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

صباح الحاج مفتنتمثل فكرة الاختلاف مفهوماً مركزياً عند فلاسفة ما بعد الحداثة، بيد أنَّ هذا المفهوم تتخلله اختلافات متباينة لدى هؤلاء الفلاسفة، فهو ليس مفهوماً متفقاً في جزئياته وتفاصيله الدقيقة. وسنحاول تسليط الضوء على ما يعنيه الاختلاف الما بعد حداثوي على وفق ما أفرزته لنا أبرز طروحات هذا الاتجاه الفلسفي.

انطلقَتْ ما بعد الحداثة من عمليات نقد الحداثة؛ فبعد أنْ عبَّرَت الحداثة عن ثورة معرفية على جميع التصورات السابقة لها، ومثَّلَت مشروع قام على أُسُس ذاتية وعقلانية، آمَنَت فيه بفكرة التقدم الإنساني وحتمية التاريخ والطبيعة، عمَلَت ما بعد الحداثة على هدم وتقويض هذه المعالِم الأساسية للحداثة؛ فألغَت البنية الفكرية المغلقة التي ترتكز على العقل وتمجِّد الإنسان والحقيقة الكلية بشكل مُطْلق؛ إذ رأت بأنَّ معرفة الحقيقة تقوم على تفسير متضارب لحقائق متعددة ومنفصلة، وبالتالي قامت هذه الفلسفة على التشتّت والصدفة والغياب والفوضى والاختلاف والكثرة والتعدد الثقافي والخطابي والاجتماعي والديني.

أبرز فلاسفة ما بعد الحداثة هو "ليوتار" الذي عُرِف فيلسوفاً للاختلاف؛ إذ أصبحَت معه قراءة النص من الداخل، وكل ما هو خارجه لا يمثل شيئاً، الأمر الذي يجعل من فلسفته تتميز بالتعددية والتنوع، وتحرير فلاسفة كُثُر من قبضة الفكر الشمولي، فوقف بالضد من هيمنة أنساق الفلسفة التقليدية التي تدّعي أنَّ الفلسفة ماهية أو جوهر، وعدّها مصدراً لآلام البشرية، وركَّزَت فلسفته حول فعل التفلسف وحركته، وكانت شاهدة على المختلف، مستوعبة كل الرؤى الأساسية عَبْر تاريخ الفلسفة ومناقشتها من موقع المختلف والآخر والفارق.

أمّا "دريدا" فقد تميَّزَ بمذهبه التفكيكي؛ إذ عملَ على تفكيك الميتافيزيقا الغربية، فكان معبّئاً بخلفية كبيرة من المناهج الفلسفية والإنثروبولوجيات الغربية، وأُسس الكتابة في مواجهة الخطاب الشفاهي للثقافة، فهو يقف ضد ميتافيزيقا الكلام وحضوره الكتابي، ويقوم تصوره على مفهوم الاختلاف الذي يفكك به ما يميز المركزية الغربية وتماسكها، من أجل أنْ يعطي للفعل الفلسفي انبعاثاً جديداً ونشاطاً حياً، وأنْ تكون الفلسفة وسيلة للالتزام السياسي والفلسفي والإيديولوجي، وتتحرر من سلطوية الخطاب الحاضر.

يمثل علْم الكتابة "الغراماتولوجيا" الخيط الناظم للنقد الجذري للانغلاق الميتافيزيقي لمجمل الثقافة الغربية، ولذلك يؤكّد دريدا بأنَّ الكتابة ليست سبيلاً وحيداً ولا ملحقاً أو عرضاً في مقابل الكلمة الحية؛ فإنَّ ظاهرة الاختلاف أو الأثر المدرك بما هو إنتاج، هي لعبة تتعذر عن الإدراك إلاّ بناءً على الاختلاف والفارق اللتان تولّدهما، أي توجد غيرية في اللغة، وغياب ونظرة وإرجاء وغرائبية، تجعل من كل تملُّك للفكر باسم الفكر نفسه أمراً مستحيلاً. فالاختلاف يعمل على إثارة تعطيل وإفساد هذا التملّك، فيكون التفكيك الفلسفي هو اجتياح لما يفرزه المعنى المرتبط بالنص في صورة لا نهائية، فيصبح معنى مؤجَّلاً ومرادفاً للاختلاف، فهو يستهدف الإنماء النظري قبل أوانه حتّى يتحصّل الانزياح.

التفكيك هو إستراتيجية تسمح بممارسة كتابة ذات طابع خصوصي لكي تتخلص من سلطة النص الميتافيزيقية، ويمكن معها التوجه نحو إمكانية التحاور داخل مختلف اللغات وإجراء أنواع مختلفة من التناص، إنه التعدد في الواحد؛ فهو يعمل على ممارسة الاهتزاز والإزاحة التي تضيفها الأنا على الآخر من داخل اللغة، فيعمل فعل التفكيك من جهة نوعاً من الاستمرارية في إنتاج الاختلافات الكامنة في النص ذاته، ومن جهة ثانية يعمل على ضرورة استعادة ابتكار هذه الاختلافات وبيان هشاشة النص واندثاره؛ فالعالَم كُلّه موجود في النص ولا شيء خارجه؛ إذ إنَّ ما هو خارجه يمثل تجسيداً للميتافيزيقا، فيكون النص موطن التفكيك الذي لا موطن له، إنه ممارسة نقدية على أنظمة متجذرة، وليس هدماً وتقويضاً للأنسقة الميتافيزيقية بصورة مطلقة، بل هو هدم وبناء في آن معاً، فهو يتخلص من التناقضات الميتافيزيقية بصورة غير نهائية حتّى ينسج تناقضات أخرى تعمل على إدامة حياة النص أكثر، وبالتالي فالتفكيك هو ابتكار وتكرار ما تم إحياءه وقتله داخل النص.

إذن فالتفكيك يعود إلى الأصول المسلَّم بها بوصفها بديهيات لا يمكن تجاوزها، فيقوم بتفكيكها، فالأصل في التفكيك هو إنه لا يخضع للتحديدات الزمانية الميتافيزيقية، فهو الأثر المتجاوز للأصل الميتافيزيقي؛ إذ استعارَ دريدا من "ايمانوئيل ليفيناس" مفهوم "الأثر" بمعنى الماضي الذي لم يحضر قط، هو الممتنع عن التحديد عبر مفهوم الحاضر؛ لأنه الحضور الممزق الذي يختلف مع الأصل.

يذهب التفكيك إلى الأصول بمعوله ليكشف تناقضات النص، والخروج من منطق الثنائيات، ليمنح الأولوية للجانب المهمّش منها، فيعطي الاعتبار للظاهر والاشتقاق والتعدد والغياب والاختلاف، ويتعمق فيها حتّى يتخلص من المنطق التقليدي، ليؤسّس منطقاً قائماً على التعدد والتشتت، إنه يسعى إلى تفكيك البداهات، والتفكير بما لم يتم التفكير به، وإلى استذكار المنسي بعيداً عن البداهات الجوهرية والماهوية، وبعيداً عن الأصل والنقاوة. وبذلك يصبح التفكيك نظاماً استراتيجياً لتحطيم الأنساق الميتافيزيقية، والإعلان عن ميلاد الأثر، فليس هنالك مرجعاً أخيراً تستند إليه الفلسفة والتاريخ كما كانت من قبل تستند إلى الكلمة والعقل واللوجوس، وبالتالي تتفكك كل أنساق الفلسفية الغربية وتصبح رماداً وأوهاماً.

وفي جانب آخر هناك "دولوز" الذي تميَّزَت فلسفته بشعار الاختلاف المعبِّر عن الكثرة، والتخلص من منطق الجدل والتناقض، وإلغاء الهوية والوحدة؛ لأنه منطقاً يعمل على إنتاج السلب وتوكيد الهوية، في حين أنَّ الكثرة تتطلب تحرير الاختلاف. ومن هنا أكَّدَ دولوز تأييده الكامل للتنوع بوصفه فكر يعمل على انجاز الكثرة وتحقيق المحايثة في الفكر. والمحايثة عند دولوز تعني "تعود" أي "تصير" فهي التربة التي تنبت عليها الفلسفة؛ فنظر دولوز إلى المعطيات على أنها تركيب لمجموعة من الأحاسيس والصور والمدركات، إنها مجموع ما يظهر، فهي إذن كثرة رغم تغيّرها وحركتها الدائمتين، هي اختلاف بلا هوية ولا قانون، وحتّى الفكر أو المخيّلة، فهي ليست مبدءاً للتنظيم ولا ملكة، إنها ذلك التركيب وتلك المجموعة. فمن هذه المعطيات تأسَّس مبدأ الاختلاف لدى دولوز.

ولا يعني الاختلاف الكائن بما هو كائن سلبي كما عند هيجل؛ وإنما هو ذلك الكائن الإشكالي أو اللاوجود الذي يعبّر عن شيء آخر غير السلب، هو الذي يوجد وحده ويختلف في ذاته، وهو ليس الاختلاف الحسي أو التجريبي بين شيئين، بل هو مكان شيء متميز عن شيء آخر، فمثلاً أنَّ تمييز البرق ليلاً لا يتم بالمقارنة مع شيء آخر؛ لأنَّ ما يظهر البرق هو اختلافه عن الليل أو العتمة، اختلافه مع غيره بموجب فروقات تفصل وتجمع المختلفات في آن. فالاختلاف الأصيل هو ابتعاد عن كل شبه. وهذا ما اختلف فيه دولوز مع الفلسفة منذ أفلاطون حتّى هيجل؛ لأنها فلسفة تعاملَت مع الاختلاف من خلال التمثل المتناهي: اختلاف الحسي والتجريبي بين شيئين، واختلاف الجنس والنوع من ناحية الكيف، في حين أنَّ الاختلاف الدولوزي هو قلب هذا التمثل حتّى يتمكن من تحديد المسلمات الأساسية لصورة الفكر، فهي محاولة أصيلة في اختلاف متعالٍ يكون فيه الكائن أو الموجود مختلفاً بكل شيء ووراء كل شيء، ولكن من وراءه لا يوجد شيء، فهو يمر بكل الأشياء ويوجد داخلها، فالاختلافات وحدها التي تتشابه وتتماثل وتتعارض وتتماها، فليس للاختلاف عمقاً يحمله معه ويظهر بظهوره، فالصرخة هي ما يسمعنا الهدوء، ووميض البرق هو ما يجلي إلينا ظلام الليل، وأنَّ ما يظهر إلى السطح هو اللامحدود أو العماء أو السديم، والذي يصعد إلى السطح هو العمق دون أنْ يكف عن كونه عمقاً. وهنا يميز دولوز بين الاختلاف واللامحدود: العمق يسعى لإنقاذ الاختلاف من اللامحدود واللامبالي من التمثل الذي يسعى إلى إلحاقه بالصور واختلاف المفهوم والحاقة بالماهوي.

فالفلسفة ومفاهيمها تنمو وتتكاثر عبر موقع الوسط، وتهتم بما يجري بين البداية والنهاية، وهو ما يسمح لها أنْ تمارس الكثرة، ويسمح للفكر أنْ يتخلص من الواحدية الميتافيزيقية، ومن عالَم الجواهر. ويعني مفهوم الوسط الفلسفي الواصلة والفاصلة أو الربط بينهما، إنه جوهر كل علاقة، ومنه نفهم الطبيعة على أنها سلسلة لامتناهية من العناصر، فالطبيعة ترابطية. وهنا يبرز مفهوم الترتيبات بدور الوصل والفصل؛ إذ إنَّ الوسط يسمح في آن واحد بالربط بين المختلفات والتمييز بين المعاودات، فهو اختلاف ومعاودة، هو اشتغال يقوّض الثنائيات ويحقق المحايثة بإنتاج فكر لا زمني، فاللازمني هو كل الأزمنة، وهو الصيرورة نفسها.

تتطلب فلسفة الاختلاف تجاوز الثنائيات عبر موقع الوسط وعبر الفكر القادر على تسلّقها وتحطيمها. وهنا يرفض دولوز "الكتابة" خلافاً لدريدا؛ لأنها تعني استعادة خطاب الميتافيزيقا، بينما المطلوب هو خلق خطاب مختلف يفتح أُفقاً مغايراً للفكر. ولكي ينجح التفكير في المحايثة نفسها من غير أنْ نردّها إلى شيء ما أو كائن ما، علينا التفكير في اللامفكر فيه، وردّ الجوهر والصفات إلى فضاء المحايثة لا إلى الثنائيات ولا أنْ نلحقها بالمفاهيم المتعالية.

الفلسفة ليس لها تاريخ، بل صيرورة لا متناهية تتقاطع مع تاريخها ولا تذوب فيه، فهي لا تستبعد الما قبل والما بعد، بل تنضدّهما معاً تبعاً لترتيب طبقاتي، هي تعايش فضاءات لا تتابع منظومات، وبالتالي فإنَّ الفلسفة ليست تاريخاً راهناً أو أزلياً، بل هي اللاراهن واللازمني، فهي تقف ضد الراهن وتهاجمه وتقوّضه، هي إحراج لكل ما يمثل توقفاً وهدوءاً ومصالحة مع الثبات، هي رحلة إلى أمكنة حيّة في خلق وابتكار المفاهيم لتعبِّر بها عن مشاغلها.

يرى دولوز أنَّ الفلسفة هي الصورة التي تتعلق بإعادة توجيه الفكر، فلا تبحث عن الأعماق ولا تتّجه إلى أعلى، وإنما هي مجرد سطح، هي إنتاج وتوجّه لخطاب جديد أوضحَت فيه أنَّ اللاجسدي يوجد على السطح نفسه، إنه ليس علة، بل أثر سطح، وليس ماهية، بل حدث. وهذا ما أراده دولوز من الفلسفة؛ هي صورة جديدة للفكر في جغرافيا جديدة لا تنظر إلى التاريخ والأصل، هي فيزياء الحدث والنظر إلى الكل كمجموعة أخلاط، هي وحدة الأسباب والنتائج. فعلى سطح هذه الفلسفة يجري الحدث مستقلاًّ عن الأعلى وعن العمق حيث المعنى والأخلاط التي نظفر بها بكل اتجاه معاكس.

بيد أنَّ هذه الصورة قد عملَ عليها نيتشه- الذي يعد الدعامة الأساسية لفلسفة ما بعد الحداثة في العالَم الأوربي- في بحثه الجينالوجي، ولكنّه بحَثَ في العمق فحسب؛ لأنه بحث في ديونوسوس من دون أبولون، في حين كان بحث دولوز مغايراً للعمق والأعلى، فهو عملَ على ممارسة صورة الفيلسوف مستثمراً مجالات جديدة من قبيل الأدب والتخيل النفسي والسينما والرياضيات، فهي صورة لا تقال، بل تفهم في سياق الحدث، وفي لحظة انسجام الكلي مع الطبيعة، ويكون فيها موقع الفيلسوف ممارسة الانحراف والإرباك للسائد، وخلق تصورات مغايرة تجدد الفكر وتبدع المفاهيم المدهشة، وتنتج عالماً غريباً يكون في عملية انزياح دائم، ومجاله السطح بوصفه فضاء ينتج المعنى، وانحراف يكشف معنى إضافي يعمل الفيلسوف على إظهاره. وهذا الانحراف الفلسفي ليس نظاماً أو مركزاً للخطاب والنصوص والأفكار، وإنما هو فوضى وانزياح، ولكنه فوضى ذات معنى ودلالة. هكذا كان دولوز يعمل على التسليم بوجود معنى إضافي يحرر الآلة الفكرية من الداخل، ويميل بها إلى حيث تبوح لها برغبتها المكبوتة، ويعمل على توجيهها نحو الخارج ثم يلفت الانتباه إلى أنَّ هذا الخارج المتروك والمنسي هو عمقها الحقيقي، فيكون الفيلسوف مع دولوز هو الطبيب والفنان معاً؛ هو الذي يخلق ويبتكر وينتج الكثرة، فهو يربط الفلسفة بالصحة ويساعد على خلق إمكانات وقيم جديدة للحياة، فهو يقلق ويربك القناعات، إنه فنان ومبتدع ومختلف ومنحرف، إنه صانع المفاهيم وفن تشكيل وابتكار التصورات وفبركتها.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

 

علي رسول الربيعيسنقيًم ونقوّم ابتداء هذة المقالة صلة المفهوم الحديث للمواطنة بتقاليده المدنيّة الجمهوريّة، وسنفحص مساهمته في النّظريّة الدّيمقراطيّة لنتعرّف سويّا مدى توجيهه للقضايا التي تتعلّق بممارسة المواطنة في المجتمع السّياسيّ.

كموضوعة مؤسّسة لا بدّ من الإشارة إلى حقيقة أنّه لكي يصبح المواطن فعّالاً يتعيّن إكسابه المهارات اللاّزمة كالمعرفة والوقت، ومنحه الوسائل الضّروريّة للتّنفيذ كالسّلطة والتّفويض، ثمّ تنميّة الدّافعيّة المطلوبة لديه ليتسنّى له أخذ دور في ممارسة المواطنة بشكل جدّيّ سواء من حيث الانتفاع بالحقوق أو من حيث أداء واجبات العضويّة في المجتمع، فالتّأهيل شرط رئيس ولازمة من لوازم تأسيس الفعّاليّة في المشاركة. وممّا هو مطلوب أيضاً في هذا الصّدد العمل بنزاهة وبما يلزم من انسجام مع التّوجّهات الحديثة على إرساء النّمط الحديث في تدبير الشّأن العامّ بتقعيد "لامركزة"، "لاتركيز" و"لاتركّز" السّلطة السّياسيّة والاقتصاديّة ..

حقيقة الاختلاف ثابتة والمدنيّة هي احترام المغايرة

تكتسب المدنيّة بممارسة المواطنة التي تستمدّ زخمها من قوّة الدافعيّة وتأثير حوافز المواطنيّة لدى الأفراد، ولعمري فإنّ الجمهوريّة المدنيّة تبدو أقرب إلى الفلسفة الجماعاتيّة بتأكيدها على ما يختلف به الأفراد بعضهم عن بعض وعن المجتمع، وبما يشتركون فيه ويدمجهم في ذلك المجتمع. وقد تحدّث كل من ميكافيلّي، روسّو ودي توكفيل عن روابط الولاء والالتزام بالمشروع المجتمعيّ المشترك بين مواطني الجمهوريّة، كما تحدّث هيغل عن تحقّقه بالفهم العميق للحياة الأخلاقيّة بمفهومها الحديث حيث يعتبر الاختلاف بين الأفراد في هوّيّاتهم الشّخصيّة وصفاتهم ومصالحهم حقيقة تجريبيّة تخلق الأشكال العليًا للحياة في وجهيها الضّروريّ والممكن في الوعي أو الذّات، وفي أبعادها المتراوحة بين الخاصّ والعامّ. فميكافيلّي قاده إدراك الاختلاف في الموهبة والمقدرة والمهارة بين الأفراد إلى استخلاص حقيقة أنّ الحكومة الجمهوريّة أكثر قوّة ومتانة من الإمارة لأنّ بتلك المهارات يكون الأفراد أكثر مرونة في التّعامل مع أي مشكلة تواجههم. ومن جهته أثنى دي تو كفيل على النّزعة "الفرديّة" معتبرا أنّها أكثر تعبيراً عن الحرّيّة الإنسانيّة التي تتجلّى أرقى أشكالها في اللّيبراليّة السّياسيّة. بينما اعتبر روسّو الاختلاف خطرا كامناً يهدّد الحرّيّة المدنيّة التي لا يمكن ضمانها بنظره إلاّ من خلال الإجماع السّياسيّ مؤكّدا في الوقت نفسه على أنّ إرادة الفرد دليل على قوّة موقفه الأخلاقيّ حينما يُخضِع خصوصيّته للإرادة العامّة التي هي إرادته كمواطن، وأنّ أقوى تحقّق لاستقلاليّتها لديه يكون في ظلّ الجمهوريّة المدنيّة.

الوطنيّة وواجبات المواطنة

يتعيّن بالنّسبة لميكافيلّي ترسيخ الفضائل المدنيّة، وبالنّسبة لروسّو فإنّ تلك الفضائل تعني الحرّيّة المدنيّة، أمّا بالنّسبة لهيغل فهي حرّيّة الذّات. يرى دي تو كفيل أنّ المصالح الشّخصيّة التي تفضي إلى اختلاف الأفراد باختلافها بين كلّ واحد منهم تنمو وتتجذّر بتطوّر الحياة الاقتصاديّة وأنماط العيش، لذلك لم يألُ جهداً في تمييز مصطلحه "تسليط الضّوء على المصالح الذّاتيّة" عمّا يدعوه مونتسكيو الفضائل المدنيّة للتّعبير عن نكران الذّات والولاء لغايات وأهداف المجتمع، ليصبح معناها بحسبه هو نشر الفضائل المدنيّة المعبّرة عن إرادة المشاركة في قضايا الشّأن العامّ التي تجعل الفرد يحدّد مصالحه الحقّة عند الانخراط في خدمة أهداف الجمهوريّة والدفّاع عنها بوصفها ضمانا لمكانته في النّظام السّياسيّ، ووسيلة تمكّن من الوصول إلى حماية المصالح الشّخصيّة. هكذا ينكبّ مواطن روسّو عند ممارسة الحرّيّة المدنيّة على تعزيز مصالحه الشّخصيّة من حيث هي جزء من المصالح التي يشترك بها مع الآخرين، والتي تجد تعبيرها في القانون من خلال إرادة عامة تأتي من الكلّ لتطبق بالتّساوي على الكلّ، بينما يعبّر مواطن هيغل عن الحرّيّة الذّاتيّة عبر الوعي بوحدة الغايات الخاصّة والغايات العامّة للدّولة فلا تتطلّب منه فضيلة المواطنة في الجمهوريّة المدنيّة أيّ نكران للذّات.

واجب المواطنة الجوهريّ

ـ يكتسب مواطنو الجمهوريّة المدنيّة صفة المواطنة عبر الممارسة، أي من خلال النّهوض بمسؤوليّات تحدّد ميزة تلك المواطنة وعبر القيام بواجبات ترتبط أساساً بالدّفاع وبـإبداء الرّأي حول القضايا المشتركة. فالخدمة العسكريّة هي واجب المواطنة الجوهريّ عند ميكافيلّي لأنّها ضمان وحدة واستقلال الجمهوريّة وسلامتها ممّا قد تواجه من تهديد، أيضا لأنّها مساهمة تحمي الحرّيّة، تدعم الجهد التّنمويّ، وتساعد على الاستقرار فتمنح الدّولة قوّة وهيبة.

ـ ويأخذ مواطنو العقد الاجتماعيّ واجباتهم بجدّيّةِ يشاركون بالرّأي في مشاورات الجمعيّة التّشريعيّة كمواطنِين فيُقدّمون هذا الجزء العموميَّ على مصالحهم الخاصّة، فإن تخلّوا عن أداء هذه الواجبات أو أنابوا عنهم الغير للقيام بها فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى نهاية ممارسة المواطنة فقطّ، ولكن إلى موت الجمهوريّة أيضاً. فبإدراك هذه الحقيقة يكون أداؤهم للواجب لمصلحتهم فيكونون أحراراً باعتبار أنّ إنجاز الواجب من قبل الفرد حرّيّة أخلاقيّة وسلوك فاضل يجعله سيّدا يمكنه الحصول على السّعادة، وبذلك يكون أداء الواجب لا يدعم الجمهوريّة فقطّ ولكن سلوكا ينشد بصدق مصلحة المواطن وهي السعادة.

ـ أمّا بالنّسبة لهيغل فإنّ إدراك الفرد لما عليه تتوقّف حرّيّة الذّات يُلزِمُه بمطابقة الفعل للبنية المؤسّسيّة للدّولة، ومع ذلك فإنّ المواطنين الذين ينجزون أنشطتهم السّياسيّة من خلال النّقابات ومؤسّسات المجتمع المدنيّ أو المجلس التّشريعيّ يقومون في الواقع وبأكبر قدر ممكن من النّيابة عن غيرهم ولحساب أنفسهم أيضا بدور الوسيط بين الخصوصيّة الفرديّة والرّوح العموميّة. ومن المعقول جدّا أن يُعتَبَرَ نشاطهم هذا أداء لواجب المواطنة وإن لم يكن هذا متضمّنا في وصف هيغل للنّشاط السّياسيّ.

ويبدو واضحا أنّ واجب المواطنة بحسب ميكافيلّي هو الخدمة العسكريّة التي يعبّر المواطنون من خلالها عن رغبتهم في المخاطرة بحياتهم من أجل الدّفاع عن الدّولة التي أقاموها لبلوغ حرّيّة الذّات عبر إدماج كامل خصوصيّاتهم في الحياة الأخلاقيّة العامّة للدّولة. كما يبدو من تحليل دي توكفيل للحياة السّياسيّة الأمريكيّة أنّ إحدى واجبات المواطنة هي الدّفاع عن الوحدة. فالمواطنون يؤدّون واجباتهم بشكل اعتياديّ طبقاً لما يحملون في وعيهم من أحكام عن قضايا الشّأن العامّ في منطقتهم، ويعتبر هذا دليلا على اهتمامهم بمصالح أكبر من مصالحهم الشّخصيّة. ومثال ذلك ما يقدّمون في المجالس التّشريعيّة وفي مختلف الجمعيّات التّطوّعيّة، لذلك يعرب دي توكفيل عن تخوّف مفاده أنّه إذا حرّض المواطنون على الانسحاب من التّنافس حول خدمة قضايا الشّأن العامّ فإنّهم لن يهتمّوا سوى بالسّعي وراء المكاسب المادّيّة فقطّ، وعندئذ لن تعني الحرّيّة السّياسيّة بالنّسبة لهم أكثر من هذا.

الحسّ الوطنيّ والتّضامن

إنّ الحسّ الوطنيّ أو حبّ الوطن الذي ينعته هيغل بالعاطفة السّياسيّة هو الخصّيصة التي تعبّر عن الرّغبة في القيام بالواجبات العامّة في الجمهوريّة المدنيّة، والتي عبرها يظهر الولاء للمجتمع وبممارسة المواطنة تتعزّز. إنّه يقوم كما يرى دي توكفيل على تفكير المواطن بمصالحه الحقّة أي بمعناها الواسع، وفي هذا السّياق تجدر الإشارة إلى مسـألة الحرب في الفكر السّياسيّ لميكافيلّي وهيغل، فالأوّل يعتبر الفضائل العسكريّة والدّفاع عن الدّولة تعزيزا لممارسة المواطنة؛ بينما يعتبر الثّاني المخاطرة بالحياة من أجل الدفاع عن الدّولة دليلا على حرّيّة الذّات. فالحسّ الوطنيّ أو العاطفة السّياسيّة الوطنيّة موجود لدى جميع المواطنين وإن بشكل كامن يظهر للعيان إذا تعرّض المجتمع للتّهديد، وليست الحرب وحدها ما يخلق التّضامن بين المواطنين ولكن أيضا أيّ شكل من أشكال نزع الاستقلاليّة عن المجتمع. ينطبق هذا على الدّولة بأكبر قدر ممكن، كما ينطبق على الوحدات السّياسيّة المحلّيّة داخلها كالجمعيّات التّطوّعيّة عند دي توكفيل أو الهيئات والمؤسّسات عند هيغل.

المواطنة والمشاركة

تشغل المشاركة حيّزا مهمّا من الفكر الجمهوريّ تمثّل وجهة نظره في أيّ نقاش حول ممارسة المواطنة، فهي جزء طبيعيّ من نشاط المواطنين في أداء الواجبات لذلك كان حجم الدّولة محلّ معالجة من قبل هيغل ودي توكفيل على خلاف روسّو الذي رأى ضرورة أن تكون الدّولة صغيرة لكي يكون الفرد مواطنا بالمعنى الكامل للمواطنة. ففي تحليل ميكافيلّي للجمهوريّة الرّومانيّة يساهم المواطنون مع أنّهم أقلّيّة بين رعايا الرّومان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في التّشاور والتّداول حول القضايا العامّة في الجمهوريّة.

لقد أدرك هيغل أنّ فرص الحياة السّياسيّة محدودة لذلك رأى من الضّروريّ أن تساعد الدّولة على تشكيل هيئات ومؤسّسات اجتماعيّة توفّر للمواطنين فرصا أكثر، فهذه الهيئات والمؤسّسات بنظره من المقوّمات الأخلاقيّة للدّولة التي لها مصلحة فيما تقوم به من وظيفة الوساطة تحقّق لها ولأعضائها غايات عامّة. ومع أنّ نقاش دي تو كفيل عند التّطرّق لوظائف المؤسّسات التّطوعيّة المدنيّة كان أقّل صرامة فلسفيّة من هيغل إلاّ أنه لفت الانتباه في تحليل الفيدراليّة الأمريكيّة إلى حقيقة أنّه إذا كان للحرّيّة السّياسيّة معنى في دولة كبيرة فإنّ الواجب السّياسيّ يقتضي منها تفكيك مركزيّتها وتوزيع المسؤوليّات بطريقة محصّنة حتى لو أدّى هذا إلى فقدان فعّاليتها على العموم. إذ لا تـُمارس الحرّيّة السّياسيّة بمعناها الأتمّ إلاّ في المحلّيّات حيث يمكن أن ينتقل المواطن بسهولة من المصالح الخاصّة إلى الوجبات العامّة، لذلك يتعيّن على هذه المحلّيّات ضمان حرّيّة المواطن واستقلاليّته وإلاّ فإنّه لن يحسّ بقيمة مشاركته في المشاورات حول قضايا الشّأن العامّ.

المواطنة والقيادة السّياسيّة

حينما يؤكّد الفكر المدنيّ الجمهوريّ على المواطنة فإنّه لا ينكر أو يستهين بالحاجة إلى القيادة السّياسيّةّ، لأنّ الحكومة الجمهوريّة حكومة مختلطة وليست حكومة الدّيمقراطيّة المباشرة، فعندما تكون الجمعيّة التّشريعيّة هي صاحبة السّيادة تكون الدّيمقراطيّة حقيقيّة، ويكون الاهتمام منصبّا على شكل الحكم وعلى النّظام القانونيّ. لم يحتلّ الحكم سوى مكانة ثانويّة في تفكير روسّو الذي رأى أن لا ضير في أن يكون ملكيّا أو أرستقراطيّا طالما يطبّق القانون الذي به تتحقّق السّياسية الجمهوريّة. ومن غير الحكمة بالنّسبة له أن تطلق صفة الدّيمقراطيّة على حكومة تتعامل مع القانون تعاملا أداتيّا أو بانتقائيّة استجابة لظرفيّة خصوصيّة أو فرديّة.

فوظيفة الحكومة عند روسّو هي الحفاظ على كافّة المؤسّسات مع ضمان أداء المواطنين للواجبات، وهي نفس وظيفة القيادة السّياسيّة في فكر ميكافيلّي متمثّلة في الاستجابة للأزمات ومعالجتها بفعّاليّة عند إلغاء المَلَكِيّة وتأسيس الجمهوريّة. إنّ القادة يقدّمون للمواطن مثلا في الإخلاص وفيما يأمل النّاس رؤيته ساريا بينهم من القيم الجمهوريّة، وبهذا يؤدّون أدواراً بطوليّة يمكن قياسها على دور المشرّع في سنّ التّشريعات.

أمّا عند هيغل فتتجلّى سلطة القيادة السّياسيّة بشكل واضح في الحكومة الملكيّة الدّستوريّة والطّبقة العامّة من موظّفي الخدمة المدنيّة، وهي بالنّسبة للمواطن رمز الوحدة الفعّالة لإرادة الدّولة. فالملكيًة التي تحدّث عنها هيغل في زمنه هي ملكيّة تنفيذيّة مدعومة بطبقة عامّة وظيفتها تطبيق الغايات التي تحدّدها أجهزة الدّولة ومؤسّساتها على الحالات والمصالح الخاصّة للأفراد.

بالمقابل، اعتبر دي توكفيل أنّ القيادة السّياسيّة في الدّستور الأمريكيّ رمز للوحدة فقطّ، لهذا لم يتوقّع للرّئيس دورا أكثر من ذلك، فالضّامن الأسمى للحرّيّة السّياسيّة بنظره هو الاعتقاد الدّينيّ الذي إذا فشل فلن تعادل القيادة السّياسيّة دوره في حماية الأعراف الوطنيّة وغرسها في صميم ممارستها لأن مهمّة تلك القيادة في الجمهوريّة المدنيّة كما يراها هي التّعامل مع الضّعف البشريّ ومع الجهل ليس إلاّ. وبالإشارة إلى الجوانب النّاجمة في مجملها عمّا يفضي إليه الجهل والأنانيّة من إعاقة تحجب رؤية الفرد لمصالحه الحقّة أو تجعله أميل لنسيانها كتب ميكافيلّي وروسّو عن الوجود الملائم والخير وكيفيّة تشكيل الوعي عبر القيام بدور المشرّع الذي له أن يمدّ النّاس بالقرارات المميّزة لكن لا يمكنه قولبتهم بهذه الطّريقة أو تلك رغبة في القضاء على الضّعف الإنسانيّ.

المواطنة والدّين المدنيّ

وفي سياق الحديث عن الدّين المدنيّ كتب روسّو عمّا تحتاج إليه ممارسة المواطنة من مؤازرة وإسناد، فمهمّة الدّين سواء بالنّسبة لميكافيلّي أو روسّو أو دي توكفيل هي مدّ يد العون للضّعف الإنسانيّ بما يدعم الإرادة ويمنحها القدرة والقوّة في أداء الواجب المدنيّ. أمّا بالنّسبة لهيغل فقد كانت مقاربته للدّين مختلفة حينما اعترض على الموقف المسيحيّ الذي يضع التّحرّر والخلاص النّهائيّ للرّوح في العالم الآخر، بينما الحقيقة الموضوعيّة التّاريخيّة للرّوح تسعى إلى التّحقّق في هذا العالم وليس في غيره. وهو ما دفع إلى اعتبار فلسفته السّياسيّة علمنة للدّين. إنّ التّوفيق الفلسفيّ هذا ضروريّ للتّقدّم التّاريخيّ الذي ينجزه الأفراد بممارسة حرّيّاتهم الذّاتيّة، قد لا يدعم الدّين كثيرا أداء واجب يُعْرَفُ من مصادر أخرى غيره فيلزم التّوفيق الفلسفيّ بطريقة سقراط الذي اعتبر أنّ معرفة الواجب تنشأ عندما ينتفي الجهل.

سؤال تعزيز المواطنة

تمتدّ المطالبة بتعزيز المواطنة إلى ما هو أبعد من الدّين الطّبيعيّ، فقد كتب ميكافيلّي عن القانون، وروسّو عن التّربيّة، وكلاهما عن الأعراف والعادات والقواعد الأخلاقيّة وطرق غرسها في ذهن الفرد المواطن، ويظلّ السّؤال قائما: كيف يمكن تحقيق الانسجام في الاستقلاليّة الأخلاقيّة للمواطن في كافّة مجالات الحياة؟.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعيهل الله مصدر الأخلاق، ومن دون الله، لا يمكن أن يكون لنا واجبات حقيقية؟ هذه مسألة ملحة بالنسبة للفلاسفة وغيرهم على حد سواء. يصر السياسيون والوعاظون: وأولياء الأمور على أن وجود المجتمع ذاته يتطلب قيمًا أخلاقية قوية لا يمكن أن توفرها إلا الدين والتربية الأخلاقية الدينية. يحتج غير المؤمنين على أنهم يساء فهمهم وهناك تعصب مسبق ضدهم وهم أخلاقيين مثل المؤمنين.

نتناول هنا نظرية الأوامر أو الأحكام الالهية التقليدية التي ترى أن الواجبات الحقيقية تعتمد على ارادة الله. ساستعرض هذه النظرية عند سي. اس لويس ( 1898-1963) والنظريات التي تشبهها. وجاء الأهتمام واختيار لويس، لأنه استاذ أدب العصور الوسطى وعصر النهضة في أكسفورد وكامبردج لأكثر من ثلاثين سنة، ولأنه رجل حكيم، أصبح مشهورا في كتبه في دفاعه عن العقائد الدينية (المسيحية) ولازال مؤثرا حتى اليوم فقد بيع من كتبه مئة مليون نسخة. وأن معظم طلاب الجامعة في المنطق والفلسفة يقرأونه، دعته أذاعة الـ بي بي سي للتحدث عن فكره وإيمانه، ولأنهم يعرض لنا مقدمة قيمة ومهمة لأنها واضحة، ثاقبة، مسلية، ومؤثرة.

يناقش لويس في الفصل 3 من كتابه: Lewis, C. S. (1952) Mere Christianity, New York: HarperCollins, 2001.، الذي سنعتمده في هذه المقالة، ومن يريد تفصيلا عن نظريته يمكن له مراجعة كتابه ذاته، نظرية الأوامر أو الأحكام الألهية التي تؤكد على أعتماد الأخلاق على ارادة الله. ويرى (1952: 3-32) أن هناك قانون أخلاقي موضوعي وأن هذا يتطلب وجود الله.

أولاً، يؤكد لويس أن الجميع يقرّون بواجبات أخلاقية موضوعية، ويدافع عن هذا بطرق مختلفة. لقد سمعنا جميعا مشاجرة. يقول الناس فيها مثلاً، " هل تقبل أن يفعل شخص ما الشيء نفسه لك؟" - ". هذا مقعدي، أنا جلست به قبلك" - "اتركه وحيدا، لا يؤذيك" "أعطني بعضا من العصير الذي تشرب، سأعطيك بعضا منه "-" لكنك وعدت ". الناس هنا يلجأون، ليس الى ماحبونه أو يكرهونه، ولكن للمعايير التي يتوقعون أن يدركها الآخرون. عادة ما يقبل الآخرون هذه المعايير لكنهم يدعون أن أفعالهم لا تنتهك ذلك أو أن لديهم عذرًا جيدًا لانتهاكه. لذلك يدرك كلا الطرفين القانون أو حكم المعاملة النظيفة أو السلوك اللائق. فنفترض أن كل شخص يعرف المعايير (ربما باستثناء فرد معيوب غير عادي).

لكن اليس الثقافات المختلفة لا تتفق وبشكل عميق حول الأخلاق؟ نعم، هناك اختلافات أخلاقية ولكن ليس عدم أتفاق كلي. الأخلاق هي في الغالب هي نفسها ولكن ما يختلف الناس حوله متى يجب أن يكون الفرد غير أناني ازاء عائلته فقط أم أبناء بلده أو لكل فرد أخر. لكنهم يتفقون على أنه يجب أن لاتضع نفسك أولا اي لاتفضلها على الآخرين. ويختلف الناس حول ما إذا كان يمكن ان تكون لك زوجة واحدة أو أربعة. لكنهم يتفقون على أنه لا يجب أن ترتبط أو تملك أيً أمرأة لمجرد أنها أعجبت. تلخص القاعدة الذهبية "افعل كما ترغب لكن من خلال مايعرفه أو يعتبره الجميع عادة أنه الصواب (لويس 1952: 82).

إن الذين يقولون أنهم لايؤمنون بصحيح أو خطأ حقيقي سوف يعودون الى ذلك لاحقا. فقد ينقضون وعدهم لك، ولكن إذا ما حاولت أن تنقض وعدا لهم، فسوف يشكون "هذا ليس عدلاً". قد تقول أمة إن المعاهدات لا تهم، ولكنها تفسد قضيتها بقولها إن المعاهدة التي يريدون كسرها غير عادلة. ولكن إذا لم يكن هناك خطأ وصواب، فما الفرق بين معاهدة عادلة وبين معاهدة غير عادلة؟

يعترض البعض على أن ما يسمى بالقانون الأخلاقي بوصفه مجرد موافقات اجتماعية يضعها لنا التعليم. لكن أيضا قد نتعلم الحقائق الموضوعية، مثل الإضافات الحسابية. وتتنوع المواثيق الاجتماعية (مثل أي جانب من الطريق الذي يجب السير عليه) على نطاق واسع، بينما قد لا تتفق على المعايير الأخلاقية الأساسية. كلنا نعتقد أن بعض الأخلاقيات أعلى مكانة من غيرها (حب جارك أعلى مكانية أخلاقية من الإبادة الجماعية مثلا) - وهو ما يفترض أن بعض الأخلاقيات تتطابق بشكل وثيق مع ما هو صحيح حقًا أو خطأ. إن بعض الاعتراضات التي استخدمها الإنجليز لإضطهاد الساحراتهي: هل يتفق هذا مع قاعدة أخلاقية موضوعية؟ لكن هناك خلافأو نزاع، ليس حول المبدأ الأخلاقي، بل حول الوقائع، حيث ظن بعض الناس أن هناك سحرة لديهم قوة من الشيطان لقتل جيرانهم. بالطبع نرفض اليوم مثل هذه المعتقدات. فلا يجب أن يكون هناك خلاف حول المبدأ الأخلاقي هنا، فالخلاف هو حول المسائل الواقعية.

اعترض البعض على أن معايير الصواب والخطأ تصف فقط كيف يتصرف الناس. لكن هذا غير صحيح - لأننا غالبا ما نتصرف ضد المعايير الأخلاقية التي نعترف بها. هذه المعايير شيء لا نتبعه دائماً ونعرف أنه يجب علينا اتباعه.لكن كيف تؤدي الواجبات الموضوعية إلى الله؟

يدعي لويس منذ البداية أن الناس في حيرة ودهشة كيف وجدَ الكون. وعموما هناك نوعان من وجهات النظر. النظرة المادية التي تقول أن المادة موجودة دائما، ولا أحد يعرف لماذا، والمادة، من حسن الحظ، أنتجت كائنات تفكر مثلنا. تتحدث الأشكال الأخيرة من هذا النقاش عن التطور والعدد الضخم من الكواكب، ومن المرجح أن كوكبًا واحدًا على الأقل قد يتطور حياة ذكية. في المقابل، تقول النظرية الدينية أن وراء الكون عقلًا عظيمًا بوعي، وأغراض، وتفضيلات فخلق الكون لإنتاج كائنات ذكية مثلنا. يظهر كلا وجهتي النظر أينما يوجد أشخاص مفكرين.( McGowan, Dale (2013) Atheism for Dummies, Mississauga, ON: John Wiley.

يرسم McGowan (1.013: 63-167) تاريخ الإلحاد من العالم القديم (بما في ذلك الهند والصين واليونان وإسرائيل) إلى القرن الحادي والعشرين.)

لا يستطيع العلم أن يقرر أو يفصل بين وجهات النظرهذه. فالعلم يتعلق بما مكن ملاحظاته ويربط بين الملاحظات. فلا يمكن أن تخبرنا لماذا يوجد الكون أو المعنى العميق الذي نمتلكه عن هذا السؤال.

لدينا، لحسن الحظ، معلومات داخلية كبشر هي أننا خاضعين لقانون أخلاقي لم لم نخلقه نحن . إذا كانت هناك قوة تحكم خارج الكون، فإنها لا يمكن أن تظهر لنا كحقيقة ملحوظة داخل الكون؛ ويمكن أن تظهر نفسها فقط داخل أنفسنا، كنفوذ أو قيادة. وهذا ما نجده. ذلك نصل إلى أن هناك شيء يوجه الكون الذي يظهر فينا كقانون يحثنا على القيام بالعمل الصحيح ويجعلنا غير مرتاحين عندما نخطئ. لذلك علينا أن نفترض أن هذا الشئ يشبه العقل أكثر من أي شيء آخر. نحن نعلم؛ الشيء الآخر الوحيد الذي نعرفه هو المادة التي لا تستطيع إعطاءنا التعليمات والوصايا. وهكذا، من خلال معرفتنا بالصواب والخطأ، نصل إلى معرفة الله لكن بمعنى غامض للعقل شبيه بالقانون الأخلاقي.

تسمح مقاربة لويس لغير المؤمنين بمعرفة الصواب من الخطأ. ترى هذه المقاربة بما أن المعايير الأخلاقية الأساسية كما هي في ضميرنا أو في داخلنا بأعتبارنا بشر معروفة للجميع. إنها تفسح مجالا لغير المؤمنين أن يكونوا من أهل الخير، رغم أنهم لا يرون أن الأخلاق تفترض الإيمان بالله. ويجيب عن الاعتراضه على الله، على أساس أن هذا العالم فيه ظلم و غير عادل. فيرى أن هذا الاعتراض يفترض تمييزًا أخلاقيًا موضوعيًّا بين العدل والظلم، وهو ما يُلزمنا بالاعتقاد بالله (لويس 1952: 38).

يذهب لويس الى أن هناك قانون أخلاقي موضوعي.

وإذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك إله.

اذن هناك إله.

دافع لويس عن قضية (1) على رغم أن البعض قد لايوافق عليها. ثم أنه في الحقيقة لم يقل الا القليل عن القضية (2)، فقط قال "إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك إله". لكن لماذا علينا أن نصدق أفتراضه هذا؟ الفيلسوف جورج مورG. E. Moore، الذي دَرس َأيضًا في كامبردج ايضا، قبل أن هناك قانونً أخلاقيً موضوعي لكنه رفض وجود الله. ماذا ماذا كان رد لويس على مور؟ قال لويس أن ألأخلاق قد تعتمد على الله في ثلاث طرق على الأقل:

• إنه مصدر اﻟﻮاﺟﺒﺎت: لله ﻓﻘﻂ من ﻳجعل الأعمال صائبة أو خاطئة.

• الدافع الأخلاقي: فقط أولئك الذين يؤمنون بالله يمكن أن يكون لديهم الدافع الكافي للحياة الأخلاقية.

• المعرفة الأخلاقية: فقط أولئك الذين يؤمنون بالله يمكن أن يعرفوا الصواب من الخطأ.

الخيار الأول هو المناسب والأفضل بالنسبة الى لويس. لذا سوف يصوغ حجته بما يلي:

هناك قانون أخلاقي موضوعي.

إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك مصدر للقانون الأخلاقي.

وإذا كان هناك مصدر للقانون الأخلاقي، فعندئذ هناك إله.

أذن هناك إله.

نحن بحاجة إلى النظر في القضايا 2 و 3. القضية 3: "إذا كان هناك مصدر للقانون الأخلاقي، فإنه هناك إله".قد يدافع المرء عن هذا بحجة أن هذا المصدر يمكن أن يكون غير شخصي، أو أنت، أو أفرادًا آخرين، أو مجتمعًا، أو الله. لكن البدائل غير الدينية لن تنجح. مصدر الالتزام لا يمكن أن يكون

• غير شخصي - وهذا أقل شأنا من الأشخاص وبالتالي لا يمكنه فرض التزامات على الأشخاص.

• أنت ( كفاعل) – لا يكون عليك واجبات مُلزمة لأنه يمكن أن تحرر نفسك منها كما تشاء. لأن لايكون يكون لديك واجبات ملزمة،ولأنك يمكن أن تحرر نفسك كما تشاء

• أفراد أو مجتمع آخر - بما أن هؤلاء لا يملكون سلطة أخلاقية علينا إذا قالوا أفعلوا الخطأ.

الله هو المصدر العملي الوحيد لقانون أخلاقي موضوعي. لذا فإن الإيمان بهذا القانون الأخلاقي يلزمنا بالاعتقاد بالله.

لكن لويس يقدم هذه الحجة بشكل سريع جدا. فيرى المفكرون غير الدينيين أن الأخلاق موضوعية ولكن يوجد لها مصدر آخر غير الله، على سبيل المثال • المراقب المثالي يرى أن: القواعد الأخلاقية تعبر عن الكيفية التي يريد أن يحيًا الناس بهديها اذا كانوا عقلانيين (مطلعين، متسقين، غير منحازين، وهكذا).

• العقد الاجتماعي: القواعد الأخلاقية هي أعراف وتقاليد يتفق عليها الأفراد العقلانيون من أجل مصالحهم المتبادلة.

إن هذا يتطلب أن، اخذ بنظر الأعتبار المقدمة 2: "إذا كان هناك قانون أخلاقي موضوعي، فهناك مصدر للقانون الأخلاقي". "إن المؤمنين مثل سقراط واللاأدريين مثل جورج مور سينكرون ذلك. إنهم يرون أفكارًا أخلاقية مثل" كراهية الناس شرًا هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى مصدر. فماهو مصدر "س = س" أو "2 + 2 = -4" أو ما الذي جعل هذا صحيح؟ أنها صحيحة بطبيعتها الذاتية. أو هي غير صحيح لأن شيء ما جعلها غير صحيحة. قد تكون الحقائق الأخلاقية الأساسية متشابهة. ربما "كراهية الناس شر" هي حقيقة أخلاقية مستقلة وموضوعية. إنها صحيحة بحد ذاتها وليس هي حقيقة لأن شيء ما جعلها حقيقة. هذا هو راي من ينظر الى الواجبات الأخلاقية بوصفها مستقلة بذاتها.

لذلك ربما يمكن أن تستند الواجبات الموضوعية على أفكار غير دينية كالواجبات الأخلاقية المستقلة، أو المراقبين المثاليين، أو العقود الاجتماعية؛ سيكون مهمة كبيرة وصعبة أن تثبت أن هذه لا يمكن أن تشتغل. ويتساءل البعض عما إذا كانت إرادة الله (التي كان يمكن أن تكون تعسفية أو قاسية) أن تعطي أساسا كافيا للواجبات الموضوعية. إن منطق لويس لا يقدم هنا حجة قوية لوجود الله.

( أو قد ندعي أن كل قانون يتطلب مشرعًا، وأن الله وحده يستطيع أن يعطي القانون الأخلاقي وقد اشار الى هذا Anscombe, G. E. M. (1958) "Modern moral philosophy," Philosophy 33: 1-19؛. لكن هناك العديد من القوانين (مثل تلك الموجودة في المنطق والرياضيات) لا تحتاج إلى مشرع لها. لذلك من المشكوك فيه أن كل قانون يتطلب مشرعا. أو ربما يتطلب كل قانون أخلاقي مشرعا قانونيا؟ ولكن بعد ذلك، من غير الواضح أن المعايير الأخلاقية يجب أن تعتبر "قوانين".)

2-2 نظرية الأمر الألهي

إن المفكرين الذين يؤمنون بأن الله هو مصدر الأخلاق غالبا ما يؤيدون نظرية الأوامر أو الأحكام الألهية . تقول نظرية الأوامر الألهية أن الأعمال جيدة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة، طبقاً لإرادة الله (رغباته أو أوامره) . فإرادة الله هي التي تخلق النظام الأخلاقي والتمييز بين الصحيح و الخاطئ.

يبدو أن لويس يعتقد بهذا، لكنه لم يعبر عن نفسه بهذه الطريقة. فنقاشه كان أساسا حول وجود الله . إلا أن معظم مفكري نظرية الأوامر الألهية لا يلجأون الى الأخلاق في محاولتهم اثبات وجود الله، أنهم يلجأون الى الأعتقاد المسبق بوجود الله ليناقشوا أعتماد الأخلاق على إرادة الله.

تقوم القواعد الأخلاقة في نظرية الأوامر الالهية على إرادة الله.، وهناك، على الأقل، أربع طرق تقول أن الله مصدر الأخلاق. قد يجعل الله الأفعال جيدة أو سيئة من خلالها

• إرادته: اللطف خير لأن الله يريد اللطف.

• طبيعته: اللطف خير لأن الله طيب.

• خلقه: اللطف خير لنا لأن الله خلقنا بطبيعة معينة، والعقل العملي يمكن أن يكشف أن ذلك خير للكائنات من هذا النوع أن تكون لطيفة.

• عقله: اللطف خير لأن الله (من خلال البصيرة المباشرة أو العقل العملي) يعرف أن اللطف خير.

سنناقش في حلقات أخرى ضمن نقاشنا للعلاقة بين الدين والأخلاق الاعتراضات على الخيار الأول من نظرية الأوامر الالهية، ثم لاحقا التعديلات التي أدخلت على هذه النظرية لتجنب الاعتراضات. بعد ذلك، سننظر في خيارات "الخلق" و "العقل"، والتي هي جزء من نظرية القانون الطبيعي المنافس لنظرية الأوامر الألهية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسن"حينما ننظر في السماء ونتأمل في الكواكب، فهل هناك ما هو اكثر وضوحا من ذلك التجلّي للذكاء المتعالي"؟- شيشرون، De Natura Deorum.

تيلوس الشيء(ويعني في اليونان القديمة الغاية او الغرض) هو "النقطة النهائية او الهدف الذي يتجه نحوه"ذلك الشيء. فمثلا، عندما أذهب الى الدكان لشراء بعض الحليب، فان شراء الحليب هو التيلوس من ذهابي الى الدكان. الجدال التيلولوجي حول وجود الله يرى ان الكون المادي هو ذو غاية، او موجّه نحو هدف في الطبيعة ومن هنا يستدل على وجود الله كمهندس او مصمم للكون المادي.

القصة الفلسفية

في صباح احد ايام الصيف من عام 450 قبل الميلاد، كانت الشمس تشرق لتوّها والفيلسوف القديم يجلس على التل المطل على اثينا القديمة، يراقب ويستمع، مفكرا في الحياة، متأملا في اشعة الشمس الذهبية والأزهار المتفتحة برائحتها العطرة . في جوار التل، هناك شاة تضع وليدها، جدول صغير يتدفق نحو البحر. وكما كان في السابق يفكر عدة مرات هو يفكر الآن مرة اخرى:

كل شيء في الطبيعة له دوره الخاص يلعبه ضمن النظام الكلي للاشياء. هو يفكر في هذا النظام الكلي:

ضمن نظام الطبيعة ككل، جميع الاجزاء نُسجت ورُتّبت كالنوتات الموسيقية في اغنية جميلة .

الطبيعة هي نظام يعمل، كلّ معقد صُنع من اجزاء مترابطة مع بعضها تعمل بانسجام.

ان الكلمة اليونانية القديمة للكون كانت (كوسموس)، وتعني "كلّ متناغم منتظم". اليوم، كلمة كوسموس kosmos تحمل نفس المعنى اليوناني : الكون يُفهم ككل منظّم ومنسجم. الآن ينظر الفيلسوف القديم الى المدينة من الاسفل. اثينا تبدأ في الاستيقاظ. المزارعون ينقلون منتجاتهم عبر الطرق نزولا الى المدينة. الناس يتجمعون في ملتقى عام في مركز المدينة، السوق الرئيسي (اغورا) يفتح ابوابه. وحينما فكر في المدينة رأى كل جزء فيها له دوره المتميز يلعبه ضمن نظامها الكلي . الطرق توجد لكي يستطيع المزارعون والتجار نقل بضائعهم من والى المدينة، السوق الرئيسي هو المكان الذي يبيع فيه الناس ويشترون، الخطابات العامة تُلقى في الملتقى وهكذا. الكل سوف لن يعمل اذا كان كل جزء لا يخدم هدف ذلك الكل. هو يتأمل في هذا النظام الكلي:

مثلما الطبيعة، المدينة لها نظام متناغم. هي تشبه نظام الطبيعة، تتحرك من خلال دورات، سنة بعد اخرى، الاجزاء المتداخلة تتوازن ضمن تناغم وانسجام. في المنطقة المجاورة هناك اشجار زيتون، الراعي يعزف بمزماره. الموسيقى الناعمة تدفع الفيلسوف للتفكير مرة اخرى. هذه المرة هو يفكر:

كل نوتة في الاغنية تساهم في جمال وانسجام الكل. كل نوتة لها دورها الخاص في اللعبة(1).

التوازن والتناغم في الاغنية يذكّر الفيلسوف بشيء ما حدث في يوم آخر. عندما كان يقف امام معبد بارثينون في اثينا، هو كان يتأثر بجمال ذلك المعبد. وفي تلك اللحظة هو فكر مع نفسه: جمال الهيكل له علاقة بتوازن وتناغم اجزاءه العديدة. كل صف، كل قطعة من الكرات الملونة، كل نصب، كل عنصر يضيف مساهمات للهيكل ككل. الجمال يبرز من الطريقة التي ترتّبت بها الاجزاء(2) . وكما في الطبيعة، البناية الرائعة هي ايضا كلّ صُنع من اجزاء متوازنة ومتداخلة تعمل بانسجام.

في قصتنا هذه يقيم الفيلسوف القديم مقارنة او تشابه بين الاشياء. الاشياء التي جرت المقارنة بينها هي:

1- نظام المدينة

2- نظام الاغنية

3- نظام البناية

4- نظام الطبيعة

كل هذه الامثلة عن النظام تشترك بخاصية واحدة هي ان عدة اجزاء اندغمت ونُسجت بتوازن ضمن بناء كلّي عملي.

هناك مبادئ منطقية للتفكير حول المقارنات. احد اقدم المبادئ المنطقية للتعليل جرى تلخيصها بالشعار التالي "التأثيرات المتشابهة لها اسباب متشابهة". فمثلا، افرض ان شخصا اصيب بمرض ولديه اعراض معينة. افرض في اليوم التالي ان اخاه اصيب بمرض ولديه نفس الاعراض. اذا اكتشف الطبيب ان سبب مرض ذلك الشخص هو فايروس انفلونزا فمن المعقول الاستنتاج ان سبب مرض الاخ هو فايروس الانفلونزا ايضا. التأثيرات – الأعراض- متشابهة ولذلك نحن نعتقد ان السبب في كل حالة هو متشابه ايضا.

هذا التفكير بالطبع يعطي دفعا للحجة التالية التي عرضها الفيلسوف القديم في عدة مناسبات مختلفة:

نحن ندرك السبب الاساسي لنظام او هيكل المعبد، انه صُمم من جانب معماري لغرض معين. كذلك نحن نعرف سبب نظام اثينا، انه نتيجة جهد مخططي المدينة. بنفس الطريقة، الانسجام في الاغنية وُضع بعناية من قبل المؤلف. في جميع تلك الحالات، السبب الاساسي هو واحد. مصمم ذكي يفرض النظام والهدف على جميع الاجزاء لكي يخلق الكل.

طالما نوع النظام الذي نراه في الطبيعة هو مشابه لنوع النظام الذي نراه في البناية او المدينة او الاعمال الفنية، بمعنى، أجزاء رُتبت في بناء يعمل، وطالما التاثيرات المتشابهة لها اسباب متشابهة، فان سبب نظام الطبيعة يكون مشابه لسبب الانواع الاخرى من النظام . ذكاء المصمم، هو ذكاء يكفي لوضع كامل نظام الكون، او نظام الطبيعة وهو الكائن الذي يسمى الله. هذه احدى طرق الحجة التيلولوجية في الاستدلال على وجود الله.

الفيلسوف يبدأ مساره المفضل نحو اشجار الزيتون القديمة، يتّجه نحو السوق الرئيسي حيث يجتمع الناس. يفكر في كل تلك الاشياء، من أين جاءت والى اين تسير.

الفيلسوف اليوناني اناكساغوراس هو اول فيلسوف في التاريخ عرض نسخة مكتوبة حول هذا الخط من التفكير كموقف فلسفي عن وجود مصمم الكون . ومنذ ذلك الوقت جرى الدفاع عن الحجة من جانب الفلاسفة كالمدرسة الرواقية في اليونان وفي روما لاحقا وكذلك من جانب اوغسطين وتوما الاكويني و ليبنز و بالي. اول نقد منهجي للجدال التيلولوجي عرضه الفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم 1711- 1776. كذلك تعرّض للنقد من جانب كانط ودارون وآخرين. الفلاسفة اليونانيون القدماء فكروا في الكون ككل منظم متناغم. الفيلسوف المعاصر ديفيد ستيوارت اعتبر فكرة الكوسموس "قفزة لامعة نحو الامام في تاريخ الفكر، وتقدّم ضروري لتطور العلم الفيزيائي الحديث". غير ان اليونانيين القدماء ذهبوا أبعد من ذلك واقترحوا ان نظام الكون هو شيء يمكن التحقق منه وفهمه في النهاية بواسطة العقل الانساني المستقل . L. P. Gerson الباحث في الفلسفة القديمة كتب بانه "كان تقدما ملحوظا في الفهم الفطري العام بان هناك اسباب للانتظام في الكون وان مختلف انواع الانتظامية او النماذج في الطبيعة مرتبطة بمبادئ مشتركة يمكن فهمها بالعقل الانساني". هذا الافتراض او المبدأ المرشد بان الكون يمكن توضيحه عقليا، يدّعي غيرسون "انه بدونه لا يمكن البدء او الأمل باي مشروع علمي"(3). وسواء اتفق المرء ام لم يتفق مع الجدال والافتراضات التي قام عليها، فان النقاش الفلسفي حول الجدال التيلولوجي كان علامة مضيئة في طريق العلم الحديث.

الذريون يعارضون الجدال التيلولوجي

في القرن الخامس قبل الميلاد اقترح الفيلسوف اليوناني ليسوبوس Leucippus نظرية تحمل شبها مدهشا مع فيزياء الذرة الحديثة جادل فيها باننا لو بدأنا بتقطيع قطعة من المادة، كصخرة مثلا، الى اجزاء صغيرة ثم اصغر، فان العملية لا يمكن ان تستمر الى الابد، بالنهاية سنصل الى جزء لا يمكن قطعه الى نصفين. لأنه اذا استمرت العملية الى الابد معنى ذلك ان اصغر جزء من شيء محدود الحجم (متناهي) سيكون مركبا من عدد لا متناهي من الاجزاء المتناهية في الحجم، الامر الذي يعني ان اي شيء متناهي في الحجم هو حقا لا متناهي، وهو امر مثير للسخرية. وهكذا، استنتج ليبوسوس بانه يجب ان يكون هناك اصغر جزيء ممكن – لا يمكن رؤيته لصغره- جزيء من المادة لا يمكن قطعه الى نصفين سماه "الذرة". رأى ليسوبوس ان كل شيء يجب ان يتركب من ذرات. مدرسة ليسوبوس وزميله ديموقريطس سميت "الذرية" لأنها اختزلت كل الاشياء الى الذرات.

السؤال الذي يبرز هو كيف أمكن للذرات ذاتها ان تضع نفسها في هياكل منظمة ومعقدة نراها حولنا وفي هيكل كلي نسميه الكون؟بكلمة اخرى، كيف برز نظام الكون وما في داخله؟ اقترح ليسوبوس فرضية جريئة يمكن تلخيصها بالتالي: ان اصل كل النظام هو ببساطة تصادفي اي ليس هناك اله او "مصمم ذكي"، البناء المنظم الذي نسميه كون هو مجرد حدث واحد كبير غير مقصود. منذ وقت طويل، كانت الذرات تسقط عشوائيا في فضاء فارغ، وبالصدفة الخالصة، وعبر تصادم تصادفي سقطت في شكل من الكون المنظم. انها فقط حدوث بتلك الطريقة بدون اي سبب.

بالطبع قد يسأل المرء كيف نشأت الذرات ذاتها؟ الا يفرض علينا المنطق الافتراض انها خُلقت اصلا بواسطة الاله؟ ليسوبوس فكّر بهذه الامكانية ورفضها باعتبارها استدلال توضيحي غير ضروري. هو يقول، من الأبسط الافتراض ان الذرات وُجدت دائما. اذا افترضنا انها ابدية عندئذ لا حاجة لنا لتوضيح كيف جاءت. هذا المنطق دفع ليسوبوس واتباعه الذريين لافتراض ان هناك ثلاثة اشياء ابدية وغير مخلوقة وهي الذرات والحركة والفضاء الفارغ الذي سماه الذريون The void.

لايوجد شيء آخر، حسب قول الذريين، لا مصمم للكون، كل شيء هو مجرد ذرات و فضاء فارغ. وبهذا اغلق ليسوبوس دكانه الفلسفي في ذلك اليوم قائلا"حان وقت الذهاب الى البيت، تمت الاجابة على جميع الاسئلة".

الرد على الذريين

الجدال الذري هو استدلال على احسن توضيح (IBE)، ويسمى ايضا "حجة التوضيح". ولكن قديما لم يوافق كل شخص على صدفة الكون كأحسن توضيح للنظام. فمثلا، سقراط وافلاطون وارسطو والمدارس الفكرية المتفرعة عنهم جميعها رفضت الصدفة الخالصة كمصدر معقول لنظام الكون. في النهاية، جاء استنتاج الحجة التيلولوجية كرد على الحجة الذرية، خاصة من جانب اعضاء المدرسة الرواقية . هنا طريقة الجدال:

ما الذي يوضح حقيقة ان الكون هو (كوسموس) وليس فوضى؟هناك عدة فرضيات محتملة:

1- ان الذرات كانت دائما قد رُتّبت باسلوب منتظم. المشكلة هي ان هذا الافتراض لا يجيب على السؤال المطروح. هو ليس جوابا على السؤال . انه لا يختلف عن الجواب "هو دائما هناك" لسؤال "لماذا هناك نهر في قعر وادي كانون". القول عن استمرارية شيء ما لا يوضح حقيقة وجوده.

2- "ربما حدث بالصدفة".

هذا هو افتراض الذريين . المشكلة هي ان الصدفة وحدها – بدون آلية او عملية توضح الكيفية التي نشأ بها النظام من الصدفة - ليست توضيحا مقنعا لشيء بدرجة عالية من التعقيد مثل الكون.

3- في جميع تجاربنا، عندما نرى نظام يأتي للوجود، وعندما نستطيع تعقّب النظام رجوعا الى المصدر، فان المصدر هو دائما ذات الشيء: ذهن ذكي، مصمم، مخطط. تجربتنا الشخصية تعلّمنا ان النظام ينشأ من ذهن ذكي . في تجربتنا، لا نجد مصدر نهائي آخر للنظام.

كذلك، التنظيم هو وسيلة لغاية، ترتيب لعناصر مع هدف كلي في الذهن، توجيه الأجزاء نحو التيلوس. هذا يبدو من الفعاليات الرئيسية للذهن الذكي، الخاصية الاكثر تميزا.

4- طالما لا شيء آخر في تجاربنا يمكنه انتاج النظام كوظيفة رئيسية له فان الفرضية الاكثر معقولية في افضل توضيح لنظام الكون هي انه برز من مصمم للطبيعة، ذهن متجاوز اطّر هيكل نظام الكون.

الحجة التيلولوجية اعلاه هي مقارنة للطبيعة ترتكز على المقارنة بين شكل خطة المدينة، والتصميم الهندسي، ونظام الطبيعة. هذه الصيغة للجدال التيلولوجي ترتكز على فكرة ان مصمم الطبيعة هو احسن توضيح لنظام العالم. العديد من الفلاسفة يعتقدون ان الحجة هي اقوى في شكلها الـ IBE(الاستدلال على احسن توضيح) .

نقد هيوم لحجة التصميم

ديفيد هيوم هو اول فيلسوف حديث هاجم الجدال التيلولوجي. هجومه كان على اربع جبهات.

اولا، هو رفض المقارنة بين الطبيعة او اي جزء منها مع الماكنة المصممة فكريا. الطبيعة حسب هيوم لا تشبه كثيرا الماكنة المصممة فكريا، هناك العديد من الاختلافات.

ثانيا، هيوم هاجم الادّعاء بان المصمم الذكي للطبيعة هو الاستنتاج الاكثر معقولية. ربما نظام الطبيعة يأتي من مصدر غير ذكي، اكثر شبها بعنكبوت ينسج شبكة معقدة ومنظمة قياسا بمصمم معماري ذكي لبناية.

ثالثا، هيوم هاجم الاستدلال بان المصمم هو الله كتصور تقليدي بانه، عظيم القوة وتام المعرفة يهتم بالكائن البشري. اذا كان هناك مصمم للطبيعة فهو ربما ليس العارف بكل شيء وقد لا يشبه اي شيء يُعتقد به كاله. هيوم يجادل لماذا نفترض وجود مصمم واحد فقط او اله واحد؟ لماذا لا نفترض التعددية في الآلهة. الماكنة او الآلية المعقدة هي بالاساس نتاج لمجموعة من عدة مصممين. "اذا كان عدد كبير من الناس يشتركون في بناء بيت او سفينة . . فلماذا لايشترك عدة مصممين في بناء العالم؟"

الرد على هيوم

افرض ان لدينا ظاهرة تحتاج توضيح وهناك فرضيتان كلاهما متساويتان في توضيح كل البيانات، وكانت احدى الفرضيات ابسط من الاخرى. (الفرضية ابسط من الاخرى عندما تحتوي على القليل من الافتراضات، وفيها بناء بسيط، وتستخدم اشارات الى اقل عدد من الوجودات التوضيحية). من المقبول كمبدأ في الطريقة العلمية اننا عندما يتوجب علينا الاختيار بين فرضيتين توضيحيتين متساويتين في توضيح البيانات، فان الفرضية الأبسط هي الخيار الاكثر عقلانية. هذا المبدأ صيغ اول مرة في القرون الوسطى من جانب الفيلسوف البريطاني وليم اوكام ويعرف باوكاما ريزر Ockams’Razor. يذكر اوكام:

ما يمكن توضيحه باقل العبارات لا جدوى من محاولة توضيحه بالكثير. هو يذكر ايضا:

لا يجب على المرء مضاعفة الوجودات اكثر مما هو ضروري لتوضيح الظاهرة، فمثلا، افرض ان احد خبراء الجريمة فحص مسرح الجريمة ووجد 60 بصمة قدم لأحذية بحجم 12. هناك عدد من الفرضيات، منها ان شخصا واحدا ربما يرتدي حذاء بحجم 12 ترك كل البصمات. او ربما شخصان كولومبيان ضربا رجلا وكانا كلاهما يرتدي حذاء متشابها في الحجم وتركا البصمات وهكذا. اذا كانت كل الفرضيات متساوية بالانسجام مع الدليل، فان الفرضية الاولى هي الخيار المعقول.

في محاولاتهم توضيح تعقيدية العالم، يحاول العلماء توضيح المعقد نسبة الى الاقل تعقيدا، والذي بدوره يتوضح بعبارات اقل تعقيدا، حتى يتم بلوغ مستوى من البساطة . فمثلا، توجد الملايين من مختلف انواع الكيمياء . لكن التعقيدية في معظم هذه الملايين من الكيمياء تتوضح فقط بـ 92 عنصر كيميائي. (كل مركب كيميائي هو مجموعة من عدد قليل من هذه العناصر). كذلك، جدول العناصر الكيميائية (periodic table) هو بدوره يتوضح بمجموعة اقل من الوجودات تسمى "الجزيئات دون الذرة". وبهذا فان تعقيدية العالم الكيميائي تُختزل الى اساس من البساطة.

اوكاما يفضل اله واحد على التعدد في الالهة لأن الاله الواحد هو ابسط من الكثرة: الوحدانية توضح تصميم الطبيعة بعبارات من مصمم واحد بينما التعدية توضح النظام بعبارات عدة. الواحد ابسط من الكثرة. وهكذا عندما نتبع تطبيق علمي سليم مسترشدين بنظرية اوكام فان الوحدانية تبدو اكثر مقبولية من التعدد في الالهة. (4)

بعض المتدينين اقترحوا ردا آخر على هيوم. في حالة وجود خطة هندسية معقدة، فان هيئة المهندسين او المصممين هي دائما يترأسها مصمم رئيسي واحد . في خطة التصميم الكبيرة، هناك دائما يجب ان يكون شخص في المسؤولية، والاّ فان المهندسين سوف يتدخلون بعمل بعضهم وتحدث الفوضى. لذلك حتى لو افترضنا هيئة من المصممين مسؤولة عن الكون فاننا لانزال لدينا سبب للاعتقاد بوجود المصمم الاعلى الذي تمتد سلطته لكل الكون.

رابعا، هاجم هيوم الادّعاء بان المصمم الذكي هو احسن توضيح لنظام الطبيعة. جادل هيوم ان الذكاء الالهي ليس الطريقة الوحيدة لتوضيح ما يبدو من تصميم في العالم، فهناك فرضية العنكبوت او فرضية الميكانيكا الحمقاء ايضا يوضحان نظام الطبيعة بدون الحاجة الى مصمم ذكي.

المعارضة الاخيرة: منْ صمم المصمم؟

يرى التيليلوجي ان المصمم الذكي مسؤول عن تصميم الكون. غير ان هيوم يجادل بان ذهن مصمم الكون سيكون هو ذاته شكل من نظام معقد. اذا كان المؤمن يفترض ان النظام المعقد يدين في وجوده للمصمم الذكي، فان التصميم ضمن المصمم سيحتاج لكي يُوضح بالإحالة الى مصمم المصمم. ولكن هذا بدوره يحتاج ليُوضح نسبة الى مصمم أعلى، مصمم المصمم المصمم وهكذا الى ما لانهاية. يؤكد هيوم ان المؤمن اذا كان يسأل "منْ صمم الكون؟"عندئذ فان الملحد يسأل "منْ صم المصمم". اذا كان المؤمن يجيب ان لا شيء صمم المصمم، عندئذ فان الملحد سيجيب ان لا شيء صمم الكون.

دارون- التحدّي الجديد

حسنا، قد يجيب احد ان الجدال التيلولوجي قد يكون صحيحا في العصور القديمة لكن العلم الحديث جعله شيئا بلا معنى. في عام 1859 نشر دارون كتابه "اصل الانواع"، فيه مثّلت نظرية التطور اول توضيح غير تيلولوجي للحياة المعقدة. اوضح دارون كيف ان نظاما معقدا وأشكالا معقدة من الحياة تنشأ من خلال عمليات مادية لا واعية وغير مخططة، لم تُصمم من قبل اي مصمم ذكي. بعبارة اخرى ادّعى دارون انه اكتشف عمليات غير واعية وغير مصممة قادرة على انتاج نظام من اللاّنظام. فكرة دارون هي كالتالي:الكائنات الحية تميل لإنتاج ذرية اكثر مما تتحمله البيئة. وبالتالي، كل جيل من الكائنات الحية يتنافس في صراع البقاء والعديد من الكائنات تموت اثناء مسيرة حياتها. الذرية تشبه آبائها كثيراً لكنها تتغير قليلا. بعض التغيرات في الذرية مفيدة في صراع البقاء وتمكّن حاملها ليعيش اطول وينتج عدد اكبر من الذرية. تغيرات اخرى تكون مؤذية وتتسبب بموت حاملها دون انتاج ذرية. وعبر فترات طويلة جدا، يفترض دارون انه وبمرور عدة اجيال، هذه العملية من الغربلة التي تعمل بدون اي موجّه او مصمم، ستؤدي الى بروز اشكال معقدة من الحياة من اشكال حياتية بسيطة.

الرد على دارون

المدافعون عن الجدال التيلولوجي لم ينتظروا طويلا، بل ردّوا بسرعة. يقولون ان مستوى أعمق من النظام الوظيفي يجب ان يكون حاضرا قبل امكانية انطلاق أي عملية تطورية دارونية. هم يجادلون بان هذا النظام الخلفي السابق للتطور له كل معالم التصميم الذكي، بما فيه وجود الانظمة والانظمة الفرعية مع العديد من الاجزاء رُتبت في نظام معقد . وهكذا، رغم ان عمليات الاختيار الطبيعي قد توضح وجود الأشكال المعقدة للحياة، فان الادّعاء هنا لا يستطيع توضيح وجود هذا المستوى الأعمق للنظام، نظام خلفي عالي التعقيد في مستوى الذرة وفي مستويات ما دون الذرة والتي يجب ان تكون حاضرة قبل ان تبدأ اي عملية تطورية.

 

حاتم حميد محسن

............................

الهوامش

(1) عندما يضرب العازف الموسيقي نوتة خاطئة، يستطيع المستمع تمييز ذلك حالا، باعتبار ان هذا لا ينسجم او لا يعمل في تناغم مع بقية النوتات الاخرى.

(2) Parthenon كان يمثل المعبد الرئيسي في اثينا القديمة، جرى استكمال بناء المعبد حوالي 438 قبل الميلاد واُعتبر اول وأجمل معبد آنذاك.

(3) L. P. Gerson، الله والفلسفة اليونانية، دراسات في التاريخ المبكر للثيولوجيا الطبيعية، ص14.

(4) في ايام هيوم كانت هناك اعتبارات اخرى تفضل الوحدانية بعد ان كشفت فيزياء نيوتن في اواخر القرن الثامن عشر عن وحدة الكون. طبقا لفيزياء نيوتن، ان هناك شكل واحد من النظام يتم التعبير عنه بقوانين رياضية تسود كامل الكون. نموذج واحد للنظام يشير الى مصمم واحد. فرضية المصمم الواحد تبدو ابسط طريقة لتوضيح نظام واحد للكون. هذا سبب اخر لتفضيل مصمم احادي للكون وبالضد من فرضية التعدد في المصممين.

  

 

نبيل عودةنشأت الفلسفة في اليونان القديمة (بلاد الاغريق) على قاعدة تفسير الظواهر الطبيعية عقلانيا بعيدا عن ربطها بآلهة تتحكم بها. لذلك عرفت باسم الفلسفة الطبيعية .. طبعا الى جانب الاهتمام بعلم الأخلاق والقانون وشكل الدولة والتقسيم الاجتماعي وعلم المنطق .. الخ.

الفلاسفة الإغريق في وقتهم حسموا بموضوع أن عالمنا قائم على العقل وليس على النقل. على العلم وليس على الإيمان بالخوارق. الإيمان هو عملية نقل، ظاهرة تنقل بالوراثة وليس بالوعي. لا انفي أهمية الدين الأخلاقية كمحاولة لوضع قواعد تعامل اجتماعية بين البشر، لكننا نواصل منذ ستة آلاف من السنين التمسك بما أثبتت الفلسفة الإغريقية بطلانه ورفضت جعله معيارا فكريا سائدا تفسر به الوجود الإنساني والطبيعة.

في الفكر العربي نجد ان "إخوان الصفا" أقروا أن الفلسفة هي محبة العلوم وأوسطها معرفة حقائق الموجودات حسب طاقة الإنسانية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم ... اليوم يسود النقيض لفكرهم المتنور!!

ديكارت (ابو الفلسفة الحديثة) قال ان الفلسفة كلها بمثابة شجرة جذورها الميتافيزيقا وجذوعها الفيزياء وغصونها المتفرعة عن هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى. أي ربط الحصان أمام العربة وليس وراءها، كما يفعل الفكر الديني.

الفلسفة الماركسية التي اعتبرت بجدارة فلسفة القرن العشرين لم تكن اختراعا بل كانت دمجا مع مادية الفيلسوف الألماني المادي لودفيج اندرياس فيورباخ (1804 – 1872). الذي كان في البداية تلميذاً للفيلسوف الألماني جورج فلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠١٨٣١) ثم أصبح من أبرز معارضيه. ويعتبر هيجل أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. لقد اعتمدت الفلسفة الماركسية على ثلاث قوانين جدلية (ديالكتيكية) فلسفية رئيسية، اقتبستها من هيجل وهي: قانون نفي النفي، ووحدة وصراع المتناقضات، وتحول الكم إلى كيف.

حظيت فلسفة هيجل بتأثير كبير وهام على الفكر الحديث، وكان كارل ماركس أبرز الفلاسفة الذين تأثروا واقتبسوا من هيجل فلسفته الجدلية قالبا اياها رأسا على عقب: إذ أن جدلية هيجل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما منهج ماركس الفلسفي الجدلي رأى بأن جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية (المادة تسبق الفكرة) أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطوره. اذن هيجل قدم مساهمة عظيمة حول الجدلية، عبر فكره المثالي (الفكرة المطلقة) بينما ماركس أخذ الجوانب العقلانية لجدلية هيجل معترفا بمساهمة هيجل في تعميق مفهوم الجدلية بقوله: لقد أصبحت الجدلية بين يدي هيجل روحية لكن هذا لا يمنع بأنه أول من بين أنواع الحركة العامة للجدلية بجميع خصائصها، وقال لينين قائد ثورة اكتوبر الاشتراكية وزعيم البلاشفة في روسيا ان "هيجل كان في جدليته موضوعيا أكثر منه مثاليا".

رغم ذلك لا نشهد ان التطور الفلسفي والثقافي قد ترك آثاره على تطور الفكر العربي او تطور فلسفة عربية. بعض رجال الكهنوت يدعون ان الدين هو فلسفة، لكنها ادعاءات لا تصمد أمام الواقع الفكري البسيط. إذا اعتبرنا الدين فلسفة نجد انه لا يفسر أي شيء بطريقة علمية إنما بالاعتماد على الفكر العجائبي والخرافي.

الفكر الماركسي واجه ويواجه اليوم نقدا حول العديد من القضايا التي كانت تبدو نهائية، مثلا الفكر المادي التاريخي يواجه اليوم إشكالية كبيرة، بل والبعض يعتبر المادية التاريخية لماركس نظرية خاطئة لم تثبت نفسها. الجدلية المادية نظرية تتناول تطور المجتمع البشري وتحولاته حسب فكر الصراع الطبقي الذي يقود الى صراع بين الطبقات يسفر عن انتصار الطبقة البروليتارية (العمال) على البرجوازية وبناء النظام الاشتراكي .. نظام ديكتاتورية البروليتارية. وقد ثبت ان التطورات نقضت هذه النظرية، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة هامة ان الماركسية بجوهرها لم تطبق في النظام الاشتراكي (السوفييتي في حالتنا) بل طبق نظاما استبداديا رهيبا لم يتوان عن اعدام ونفي الملايين وقمع كل صوت معارض لنهج ستالين حتى من قادة الحزب الشيوعي السوفييتي وقادة ثورة أكتوبر. بنفس الوقت طرح فكر الصراع الطبقي التناحري، اعتمادا على ما كان سائدا في القرن التاسع عشر، حيث الطبقة العاملة لم تكن قد ارتقت فكريا ومهنيا ومكانة اجتماعية، والنظام الرأسمالي لم يكن قد وصل بثروته الى مستوى سبق فيه العالم الاشتراكي بنسب كبيرة جدا، ووفر للطبقات العاملة شروط عمل واجور ورفاهية تجاوزت ما كان سائدا في الدولة الاشتراكية السوفييتية.

قرأت وثيقة هامة لقائد شيوعي تفسر مشكلة الماركسية والفكر الشيوعي وتطبيقاتها السوفييتية كتبها مثقف شيوعي عقلاني هو الأمين العام للحزب الشيوعي الأميركي صموئيل ويب (Samuel Webb) كتب:

"قرأت ماركس ولينين ولوكسمبورغ وغرامشي وكتابا آخرين كثيرين كتبوا عن الماركسية وغير الماركسية، ولو سئلت بعد كل هذه القراءات عن النتيجة التي خرجت بها لقلت .. أن البنيان النظري للشيوعيين أي الماركسية اللينينية بوصفاتها الثابتة والمحددة لا ينسجم والتحليلات القائمة التي يكتنفها افتراضات لم يُقطع بها وتقوم بمنهج غير ديالكتيكي (جدلي) شديد المركزية والنتيجة سياسات تتجاهل الواقع"!!

كلام واضح. البنيان النظري للشيوعيين كان شديد المركزية .. أي طروحات ثابتة لا تتغير ولا ترى التحولات العظيمة في عالمنا. أي لا شيء جدلي (ديالكتيكي) في فهمهم للتحولات، واستيعابهم مثلا للتحولات بواقع النظام الرأسمالي، بواقع الطبقة العاملة، تطور مستوى الحياة والرفاهية في النظام الرأسمالي، تطور الحريات ومختلف الحقوق الإنسانية. رغم كل ما تبقى من ظواهر سلبية كبيرة، الا ان الصراع الطبقي بدا يتحول الى نضال طبقي بعيد عن العنف .. حتى دور النقابات العمالية بدأ يتلاشى الى منظمات حقوقية واجتماعية وليس نضالية تؤجج الصراع الطبقي التناحري. أي ان التحولات أضحت عبر صناديق الاقتراع وليس عبر نضال بالشوارع ووراء المتاريس. بينما النظام الاشتراكي فرض نظاما ديكتاتوريا قمعيا رهيبا. انهياره كان بلحظات، ولم يجد من يدافع عنه حتى جيشه الشيوعي الأحمر وقف متفرجا.

طبعا ما اريد تأكيده في هذه العجالة الى ان مجتمعا لم يستوعب التطور الفلسفي والثقافي من عصر الإغريق مرورا بعصر التنوير وصولا الى عصرنا الراهن، وقمع فلاسفته واعتبر فكرهم كفرا وزندقة، هو مجتمع يعيش في الظلام الحالك، حتى لو ملأ الدنيا صراخا وابتهالا وعبادة.

السؤال المقلق والمفتوح: هل يمكن ان ترقى ثقافة روحية وثقافة مادية بظل سيادة فكر ديني يتمتع بجبروت كامل وسيادة مطلقة، وتطور أشكال إرهابية بغلاف ديني؟ هل يمكن ان نشهد عودة الى نشوء فكر فلسفي عربي في الواقع المتهافت الذي يعيشه عالمنا العربي؟

رؤيتي ان التاريخ اخرج العرب من حسابه حتى تاريخ غير معلوم. ولا أرى ان الفكر العربي والثقافة العربية مؤهلة في الظروف المؤلمة السائدة في العالم العربي على إحداث تحول ثوري ينقل الشعوب العربية من الانعزال الى المشاركة في حركة التاريخ. أين نحن من حركة الثقافة العالمية؟ من الإبداع الروحي والإبداع المادي. لا حضارة بلا ابداع مادي، أي إنتاج الخيرات المادية وتوفيرها للمواطنين عبر تحقيق رفاهية اجتماعية. لدينا مبدعون لكنهم أول من يقمع من جهاز السلطة ولا قراء لتعويضهم عن جهدهم الفكري والتفاعل معهم. لدينا طاقات علمية لكنها تغادر أوطانها بحثا عن أسواق عمل تناسب تخصصاتها. مجتمعاتنا تعاني اليوم من فقر في الاختصاصات، أي تفتقد للقوى المفترض ان تقود عصر تنوير عربي.

ان الإفرازات التي يخلفها هذا الواقع تعيث اليوم فسادا ودمارا للطبيعة والإنسان!!

 

نبيل عودة

 

 

حاتم حميد محسنالدين هو ممارسة العقيدة، وفي أغلب الحالات ارتبط بوجود اله متجاوز. مقترحات افلاطون التي سنناقشها سوف تتبع التعريف العام بان الدين هو "الايمان القوي بقوة خارقة للطبيعة تسيطر على قدر الانسان". هذا سيسمح بنطاق ملائم للنقاش ويساعد في استكشاف افكار تتجاوز تعريف الدين كمجرد ممارسات سلوكية من عبادة وطقوس وقوانين دينية، لأن هذه ليست مسألة هامة ضمن أعمال افلاطون. ان افكار افلاطون التي جاءت ضمن سياق ديني قد اثّرت على انثولوجيا مختلف المعتقدات من خلال التأثير والابداع والتعبير في حواراته الناقلة للنظريات. البعض يصف افلاطون كمخترع للفلسفة، بينما (وايتهد) استنتج بان "السمات العامة لتقاليد الفلسفة الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش افلاطون". وهنا يبرز النقاش عن حجم تأثيره الكثيف على الفلسفة الدينية.

اثناء فترة افلاطون في اليونان القديمة، كان قد جرى للدين تنظيرا لاعقلانيا ليكون مسؤولا عن افعال الطبيعة الغير واضحة. ضرورة خدمة الآلهة وتقديم القرابين، الى جانب العقائد الاخرى، قيل انها ترتبط بطبيعتنا الانسانية. انها طبيعتنا الانسانية ان نسأل، افلاطون نظر في سبب وجودنا، طبيعة الواقع، وفكرة الروح. نحن كبشر نبحث عن اجابات، غير ان المبدأ المشترك لجميع الاديان هو القصد المتأصل لدى الانسان للبحث واكتساب المقدرة على التأثير على قدرنا في هذا العالم والعالم الآخر. من الملاحظ انه السبب في قيام اليونان القديمة ببناء المعابد وتقديم النذور للالهة، وانه سبب قيام المسيحيين اليوم بالصلاة ومحاولة الاتصال بالله. طبيعة الانسان تجعلنا ننظر الى شيء ما اكبر، نستجوب موقعنا الروحي ونبحث عن الغرض. حتى (دكنز) تسائل فيما اذا كان الانسان "حقا ضعيف جدا في طبيعته لدرجة ان المجتمع سينهار بدون الدين"."العقيدة، الممارسة والعادات ومهما كانت الاعراف الفردية والجماعية جميعها تم تقاسمها في الفعل والتعبيرات في كل العالم". التعبير عن العقائد الدينية كان دائما متكاملا مع ثقافة الانسان. اما اليوم اعتُبر من الضروري مناقشة ومسائلة اي بيانات اعطيت لنا لوضعها مع ما نؤمن به كحقيقة. الصيغة الشائعة لعمل افلاطون كان ان يفترض مأزقا ويناقش القضية من رؤية ذات خصوصية معينة. " سقراط خلق طموحا لهذا باشراك الناس بمحادثات للتحقق من اساس عقائدهم. عبر توجيه خط من التحقيق، كان النقاش في العقائد عرضة للتمحيص واصبح يُنظر اليه كمأزق بحاجة للاختبار. "في عرضه لنسخته الاصلية في الجدال الكوسمولوجي، يشير افلاطون في (القوانين) ان الاشياء في الكون تتحرك وتتغير"، غير ان الحركة او التغيير في شيء ما، ينشأ بفعل حركة او تغيير في شيء آخر يؤثر عليه. ولكي ننهي هذه السلسلة من الاسباب نحن يجب ان نتصور ان الحركة او التغيير انما تنشأ من محرك ذاتي اصلي. افلاطون اعتقد ان هذا المحرك يجب ان يكون مصدرا للتغيير بكل ما حدث ويحدث. لاحظ افلاطون ان هناك ضرورة "لننهي سلسلة الاسباب". ربما يتصور المرء ان هذا هو نسخة اساسية لمنطق (ليبنز) بانه يجب ان يكون هناك سبب كافي لإنطلاق او لبداية السلسلة. لذلك، فان رؤية افلاطون اطلقت شرارة النقاش فيما اذا كان يتوجب قبول او رفض امكانية التراجع اللانهائي في العلل. نقاشات المذهب السببي نجدها بارزة في عدد كبير من الاعمال الفلسفية. افتراض الضرورة حفز النقاد لعمل تحقيقات مكثفة بمثل هذه الحجج الدينية. (رسل) رفض لغة الحدوث contingence باتهامه الاستنتاج ينطوي على افتراض غير موجود في المقدمة. (هيوم) فحص الحجج المتعلقة "بالقفزات" اللامنطقية للمقدمة، ونظر بمدى مقبولية المسائل المتضادة بشأن الحجة الاصلية. هذه النقاشات الكوسمولوجية ضمن فلسفة الاديان الغربية كلها تأثرت باعمال افلاطون.

توما الاكويني ايضا بنى على حجج افلاطون الكوسمولوجية، عبر افتراض الله الارامي في الايمان الكلاسيكي ككيان عظيم حكيم رحيم. هذا يختلف عن الافتراض الاصلي لافلاطون بخالق مسؤول عن الخلق.الخالق جرى تصوره كموجد للنظام مقارنة باله ابراهيم الوارد في النصوص المقدسة . غير ان الاله لم يتم تصوره كخالق للكون من العدم وانما كصانع للمادة قبل الوجود. ايضا افلاطون نظر بحذر في مشكلة الشر في توضيح الاله. الخالق هو عظيم لكنه ليس رحيما. وفق طبيعة الله هذه فان الشر اذا كان موجودا، فهو لا يستطيع امتلاك كل من العظمة والرحمة. "دور الله محدود ببدء العملية التطورية". هذا مثال عن الجدال المعاصر الذي هو بوضوح تأثر بافلاطون ومع ذلك بقي جزءا مكملا للإستنتاجات العلمية الحالية.

رأى افلاطون بانه يجب ان يكون هناك مقياس للخيرية لكي نحدد الاله كمتسامح، واكد ان هناك مستوى للخيرية غير معتمد على الله. هذا اصبح الاساس لمعظم افكار افلاطون الاساسية المتطابقة مع فكرته عن الروح. نظرية الأشكال التي طغت على فلسفة الدين الغربية، تحاول توضيح معرفتنا الاخلاقية الفطرية.

هو يبدأ بمناقشة معنى الكلمات وهو التكتيك الشائع الذي اكتسبه من سقراط. افلاطون يؤكد اننا نمتلك فكرة تامة عن مواضيع معينة يمكننا ضمن الزمان والمكان التعبير عما تشبهه. الجمال، مثلا، يمكن نقله لأن الاشياء قد تشبه الجمال بطرق مختلفة. في (الفيدو)، هو يذكر محادثة يجادل فيها سقراط بان طبيعة المعرفة تبيّن ان الروح تسبق في وجودها تصور الجسد. هذا عُرف بحجة التذكّر حيث يعتبر افلاطون احاسيسنا الجسمية غير تامة ولذلك ليست مطّلعة تماما على الافكار التامة التي تترجمها الاشكال. في حوار (مينو) يحاول سقراط اظهار هذا الجدال باستعمال الولد العبد الذي ليس لديه معرفة سابقة بالهندسة. "افلاطون يكشف ان هناك احساس فيه السائل يعرف ولا يعرف ما يبحث عنه ". هذا اصبح يعرف بـ "مازق مينو".

افلاطون استخدم هذا الجدال كاساس لعقيدته في الأشكال. هو اكد اننا لا نستطيع اكتساب المعرفة بالحقائق المجردة من تجارب الاحاسيس الجسمية، وان معرفتنا السابقة للوجود بالاشكال هي التي تسمح لنا للتحقق من طبيعتها في المقام الاول. افلاطون وصفها بـ "الحيازة الفطرية" التي لهذا السبب تشكل روحنا السابقة في الوجود على الاجسام.افلاطون ايضا يضيف بان افتراض السابق في الوجود هو الذي يفتح التحقيق في ما بعد الوجود. خلود الروح يشير الى ان الخالق اعطى الحياة للكائن البشري لهدف أعظم." ان الروح عندما تنفصل عن البدن فهي تتحرر من امراض الانسان وتعيش في سعادة عظيمة لأنها لم تعد تفسر الاشكال من خلال احاسيس ناقصة. خلود الروح قد يكون نتيجة لخصوصيتها الفطرية غير القابلة للتحطيم. انها لا تعتمد على مغفرة الله ولا على اي صفات اخلاقية او دينية للروح. هذه كانت مسالة اساسية في النقاش الذي منه انطلق مازق ايوثيفرو. المازق سعى لتحدي نظرية الاوامر الالهية وتسائل ما اذا كانت هناك اي نوايا روحية للخالق.

ان مازق ايوثيفرو يستجوب طبيعة العلاقة بين الله و"شكل" الاخلاق . سقراط يسأل ايوثيفرو "ما هي القداسة؟" وسؤال واحد مهم يبرز هنا :"هل ان الفعل جيد اخلاقيا لان الله امر به ام ان الله امر به لانه جيد اخلاقيا؟". وفق نظرية الاوامر الالهية، الفلاسفة اعتبروا ان لا شيء هناك كافي لتاسيس الاخلاق عليه، وان وجود الشر يتضمن ان الله قد يأمر كل الافعال الاخلاقية(حتى القتل) لتكون جيدة اخلاقيا لأنه قوة عظمى. سقراط اعترف ان الخير الاخلاقي لا يمكن ان يكون من اوامر الالهة لأنهم يتصارعون ويتنازعون ويسرقون الزوجات من بعضهم. الموقف الذي تم التوصل اليه هو ان اوامرهم المختلفة لا يمكن ان تكون جيدة اخلاقيا. هذا اعطى قوة لنظرية افلاطون في المستوى المستقل للخيرية. " الاشكال لا يمكن ابدا رؤيتها في هذا العالم، طالما انها دائمة ومفاهيم ثابتة لا تتغير- العدالة الحقيقة الجمال والخيرية- التي اعتقد افلاطون اننا نمتلك اعجاب فطري بها حتى لو كنا لا نعرف ابدا مثالا تاما عنها. الاشياء ضمن العالم الفيزيقي تتغير دائما ولذلك هي ليست مصدرا لمعرفة الحقيقة. خبرتنا تعتمد على ما تفسره حواسنا وحواسنا ليست تامة.

في التطبيق المسيحي، كان جدال توما الاكويني متأثرا بوضوح بنظرية الاشكال. يشير الاكويني الى الحاجة الى أعلى مصدر للخيرية والحقيقة والرفعة، والتي اشار لها بـ الله. فمثلا، الشيء الذي يقال (أسخن) هو منسجم مع المقارنة بما هو (الاشد حرارة)، ان المقياس المستقل الذي تحقق منه افلاطون في هذه الحالة يجب ان يكون الحرارة. وللمقارنة البسيطة، حواسنا ستكون اشبه بمقياس الحرارة والذي هو ليس قياسا دقيقا. نظرية الاشكال كانت مؤثرة جدا في تطوير افكار حول الخيرية والواقع. السجناء في قصة الكهف سيكونون مستعدين لقبول ما يتصورونه كواقع حقيقي، وسوف لن يكونوا قادرين على فهم الشكل المطلق والحقيقي للخير. افلاطون جادل باننا سنرتكب فقط الفعل السيء لاننا لا نعرف الاحسن. غير ان افلاطون في النهاية سيكون صائبا فيما يتعلق بالتصور حينما نقوم بالفعل دون ان نكون واعين تماما بنتائجه. فكرة افلاطون عن الروح تضمنت مفهوما يتطابق مع ثقافة اليونان القديمة. كانت هناك سلفا فكرة ثنائية بان الانسان مركب من عنصرين متميزين الروح والجسم. وهي ايضا جاءت ضمن الميثولوجيا اليونانية في امكانية وجود الاشباح المؤقتة في عالم تحت الارض. وفي كتاب الجمهورية اكد سقراط ان جميع البشر سيتمتعون بحياة بعد الموت. اليونان القديمة لم تفترض مسبقا اي حياة بعد الموت حيث كان الاعتقاد ان الخلود يعود لآلهة الاولمب. اما افلاطون اعتبر الروح هوية كل فرد منا . فهو يوضح بان الروح يجب ان تنفصل عن الجسم اذا اريد لأي شيء يتبقى منا لأن الجسم المادي لن يبقى بعد الموت.

سايكولوجيا، سقراط وافلاطون ربما صاغا هذه العقائد التي اعجبتهما بسبب عدم مقدرة الانسان لتقبل او فهم فكرة الموت. هذه العقيدة هي ايضا جاءت ضمن المسيحية واديان اخرى وهي ربما تنطلق من طبيعتنا في حب الاجتماع مع الاخرين. المرء قد يتقبل العقيدة باننا سنجتمع مرة اخرى مع من نحب في الجنة ونعيش حياة الخلود. في كل من (فيدو) و(الابولوجي)، من الواضح ان سقراط يعتقد تماما بالوجود المستمر لدرجة هو لم يخش او يستاء من الموت.الروح بالنسبة الى افلاطون ليست دائما تامة فهي "سُجنت في الجسم وتلوثت به". اعتبر افلاطون الاعتناء بالروح هي المهمة الاساسية في الحياة. الفرد يجب ان يعتني بالروح من خلال السيطرة الذاتية على الرغبات الجسمية. عندما نخضع للحوافز غير الرشيدة للرغبات الجسمية ستكون هناك مخاطرة في الإضرار بالروح. افلاطون يؤكد ان الفرد عندما يقوم بعمل خاطئ فهو يؤذي نفسه اكثر مما يؤذي الآخرين عبر الإضرار بروحه. "المسيحيون الزاهدون استخدموا افكار افلاطون في وصف الجسم كشيء شرير بذاته يجب قمعه والتغلب عليه" . افكار افلاطون حول الروح جوبهت من البعض بالرفض لانها تعتمد على رؤية للعلاقة بين الروح والجسد اُعتبرت شديدة التجريد. العديد من الفلاسفة تبنّوا اتجاها اكثر عملية ينظر من زاوية سايكولوجية في فحص مدى معقولية مرشد اخلاقي فطري، لأن المضامين تتباين بوضوح. فرويد اعتبر الاخلاق تُكتسب فقط من الظروف الاجتماعية من خلال التأثير والتطوير. هذا سيكون مسؤولا عن الاختلافات في الاخلاق التي نسبها افلاطون الى الحواس غير التامة لأن التجارب والتأثيرات هي فردية وشخصية .

الافكار حول الله ضمن فلسفة الاديان الغربية يمكن القول انها تطورت من تأثير فرعين اساسيين ضمن فلسفة الاغريق القديمة وهما افلاطون وارسطو والايبيقورية (المفهوم المسيحي لله لم يظهر مباشرة في تفكير هذين الفيلسوفين لكن الاسئلة الاساسية التي عالجاها كانت مؤثرة جدا ووضعت الاجنده للعديد من النقاشات اللاحقة). افلاطون هو من بين المفكرين القلائل الذين باستمرار جرت الاشارة الى اعماله الاصلية. هذا يعود الى الاصالة والعبقرية التي تميزت بها اعماله. افلاطون تبنّى طريقة سقراط في عرض الجدال على شكل حوارات.

في الواقع ان بعض الحوارات هي فقط تكيفات بسيطة لشخصية سقراط ولنقاشاته الحقيقية التي حدثت بين سقراط وزملائه. من المعقول الافتراض ان افلاطون كان يشجع افكار سقراط وطرقه وخطه في الاستجواب. وان افلاطون اراد بسط شهرة المعلم الذي ادّعى عدم المعرفة باي شيء. من الصعب التمييز بين سقراط وافلاطون، غير ان افلاطون في صياغة عمله يكون قد اخترع بكفاءة موضوع الفلسفة . هذا بسبب ان سقراط لم يكتب اي شيء على الورق وان ما سُجّل فقط مباشرة من الحوارات هو ذلك المتعلق بمحاكمته وبنهاية حياته.ولهذا فان اسس فلسفة الاديان الغربية برزت فقط من شخصية سقراط الناطقة ومن الظروف التي احاطت بوفاته والتي حفزت العديد من الاتباع بما فيهم افلاطون على الاستمرار في البحث عن الحقيقة.البعض اعتبر ان ما كتبه افلاطون على الورق حقق نفس التأثير الذي انجزه سقراط في الكلام حتى مع اختلاف المحتوى. وبالرغم من ان بعض اعمال افلاطون تعرضت للانتقاد بسبب طبيعتها التجريدية، لكنه لايزال مؤثرا رئيسيا في الفكر الفلسفي الغربي. المترجمون مثل افيروس هم ايضا ذوي اهمية كبيرة حين سمحوا لأعمال ارسطو وافلاطون لتكون متاحة في العالم الغربي واثارت نقاشات مستقبلية. وبالتالي، فان التأثير على مستقبل فلسفة الاديان سيستمر الى ما لا نهاية لأن الحوارات عملت كمدخل وكدعوة للقارئ للتفكير.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي المرهجمحمد المصباحي مفكر من المغرب من مواليد 1945، من مدينة القصر الكبير، مُهتم بالدراسات الرشدية، ورئيس وحدة فضاءات الفكر العربي والإسلامي، عضو الجمعيتين الفلسفية المغربية والعربية، وعضو جمعية فلسفة القرون الوسطى، وعضو الجمعية الدولية للعوم والفلسفة العربية، فضلاً عن كونه عضواً في الاتحاد الفلسفي العربي.

تأثر بدراسات جمال الدين العلوي لا سيما في كتابه "المتن الرشدي"، وهو ناقد حصيف لمقولات محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي في كتابه نحن والتراث" أو ثُلاثيته "تكوين العقل العربي" و "بنية العقل العربي" و "العقل السياسي العربي"، ولكن جُل نقده للجابري إنصب على نقد عقل "أمة ثقافية" يعتقد أنها سابقة للحداثة، هي الأمة العربية". ناقداً لنزوعه الأيديولوجي الذي إبتعد به عن التناول الفلسفي كما هو مُتعارف عليه، لأنه تعامل مع التراث نقداً وتحليلاً "بحماس المُناضل الثقافي" عبر تعامله النقدي للتراث بإندفاع وحماس شبيه "بحماس المُستشرقين وغُلاة الفلاسفة ذوي النزعة المركزية الأوربية، لإثبات أن علة العُقم الفلسفي للعقل العربي كامنة في إتباعه للعقل اليوناني واستمرار حضور هذا العقل فيه".

من مؤلفاته: (مقولات في تاريخ الوجود والعقل)، (دلالات واشكالات)، (من المعرفة إلى العقل)، (إشكالية العقل عند ابن رشد)، (الوجه الآخر لحداثة ابن رشد)، (الوحدة والوجود عند ابن رشد)، (جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة)، (نعم ولا، الفكر المنفتح عند ابن عربي)، (من أجل حداثة مُتعددة الأصوات)، (تاريخ الوجود والعقل)، (فلسفة ابن رشد)، (مع ابن رشد)، (العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان)، (فلسفة ابن سينا).

كنت قد حاورته في عام 2002، حينما شارك في المؤتمر الفلسفي الأخير لبيت الحكمة البغدادي قبل سقوط نظام صدام حسين.

يُمكن أن يُعد في توجهه الرشدي قريباً من رؤى جمال الدين العلوي (1945ـ1992) أستاذ الفلسفة المختص في دراسات المغربية، على وجه العموم، والرشدية، على وجه الخصوص، وإن لم ينل من الشهرة ما يستحق.

كان المصباحي ناقداً لمحمد عابد الجابري في فصله وتقسيمه للعقل العربي إلى مشرقي ومغربي، فهو يرى في هذا الطرح بعض من بقايا تأثير العقل الإستشراقي في الثقافة العربي، بل فيه تبعية وتقليد، ولا ابداع في مثل هكذا رأي ولا تجديد.

لم يُنكر المصباحي اختلاف الطرح والرؤية الفلسفية بين ابن سينا وابن رشد، فهذا أمر تبتغيه الفلسفة وتنشده، لأنها قول يرفض التكرار، والسعي وراء المألوف من المقول والمدون لفيلسوف سبق، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد قارئاً جيداً لابن سينا، وهذا لا يمنع من أن يكون ابن رشد في بعض من مواضع فلسفته مُتأثر بابن سينا، كما بين المصباحي ذلك في كتابه: "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد".

لا يُنكر المصباحي وجود تفكير عقلاني نقدي في الفلسفة الإسلامية رغم تبعيتها في جل ما كتبه الفلاسفة العرب والمسلمين لأرسطو، ولكن فضاء النقد لا يختص به من تبنى التفسير العقلاني فقط، فعالم الفلسفة أرحب من أن نُقصره بعوالم البرهان والإستدلال، لأن قوم الفيلسوف المغامرة والتجريب: المغامرة في نقد المألوف والسائد من الفكر اجتماعياً كان، أم علمياُ، أو فلسفياً، والتجريب، هو الحفر أو الحرث في مناطق لم تنل حظها في الدراسة والتحليل والنقد والتمحيص، أو التشخيص، وفي هذه وتلك يُنتج الفيلسوف رؤيته التجديدية، أو النقدية، التي لا تنفصل عن سياقها التاريخي، بقدر ما تعي تراكيبه ونُظمه الاجتماعية والسياسية والعلمية المحافظة، كي تُعيد انتاجها وفق ظروفها ومعطياتها التاريخية لانتاج رؤية جديدة.

إن مهمة الفلسفة، إنما هي مهمة كونية، ولكنها لا تلغي الخصوصية، فالفيلسوف ابن مجتمعه وبيئته، ففلسفة ابن رشد تُعبر عن خصوصية المجتمع الذي عاش فيه، ولكنها في الوقت ذاته، لا تفقد ميزتها بوصفها خطاباً إنسانياً، وذات الأمر ينسحب على أطروحات بدوي، الذي تأثر بالفلسفة الوجودية، ولكنها تستمد عمقها الفلسفي من التراث الشرقي عموماً، والصوفي، وخطاب الممانعة العقلاني النقدي عند أصحاب الرؤى الناقدة للدين في التراث، وعثمان أمين في جوانيته، المستمدة من النزعات المثالية والحدسية في الفلسفة الغربية، ولكنها لم تفقد جذرها التراثي في فلسفة الغزالي على وجه الخصوص، والفكر الصوفي على وجه العموم، وكذا الحال مع عبد العزيز الحبابي، في شخصانيته التي إستمدها من الوجودية، ومن الفلسفة الشخصانية لمونيه، ولكنها لم تفقد أصلها التراثي في تأكيده على النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي، وهؤلاء من المفكرين العرب وأمثالهم كُثر إنما يُمثلون بداية لحظة التأسيس الفعلي لرؤية فكرية عربي معاصرة ناهضة.

علاقة "الأنا" بـ "الآخر" في فكر المصباحي

في ضوء ما ذكرنا نجد المصباحي يؤكد على ضرورة مغادرة الثنائيات في الفكر العربي المعاصر، فلم يكن نتاج الفلاسفة المسلمين محصوراً ومُقيداً في ما قاله أرسطو، وإن كان أرسطو مُحركهم الذي يتحرك في وجدانهم وعقولهم، كي يُنتجوا فكراً مُماثلاً لفكره، أو مُباين له، وفي كلا الحالين، في الشرح والتوضيح، أو التلخيص، كثير من الوعي، وفي حال الخروج عن هيمنة أرسطو، فذلك ابداع يُحسب لفلاسفة العرب ووالمسلمين، فلم تكن خطابات الفلاسفة المسلمون ترديد (ببغاوي) لمقولات أرسطو والفلسفة اليونانية، كما ذهب إلى ذلك "رينان" ومن شابهه من المُستشرقين، كما لم تكن كل فلسفات مفكرينا المعاصرين تقليداً لفلسفات معاصرة يحذون حذوها حذو النعل بالنعل، إنما هي نقل لتجربة فكرية، ربما تكون صالحة للنشأة في تربة أخرى، وفي النقل والنسخ بعض من التعديل والتجريح، فلم تكن وجودية بدوي هي ذاتها وجودية "هيدغر"، وكذا الحال مع زكي نجيب محمود في وضعيته المنطقية، فهي ليست وضعية "كارناب"، لا سيما في كتابه "تجديد الفكر العربي". وهذا الحال ينطبق على الفلسفة الغربية، فلن تجد فيها فلسفة نقية خالصة، ينطبق عليها لفظ الإبداع، فلم تكن الوضعية المنطقية (على سبيل المثال) سوى إعادة تركيب وترتيب ومزج وتوفيق بين الفلسفة التجريبية وفلسفة كانت النقدية، فلا وجود لابداع بالمعنى المطلق، فكل كتابة جديدة هي تحشية على كتابة قديمة، وكل نص جديد يُخفي نصوصاً قديمة، أ لم تكن فلسفة (فوكو) تحشية لفلسفة (نتشه)؟، وأ لم تكن فلسفة (دريدا) سوى ترديد ذكي لفلسفة (هيدغر)، فجوهر الفلسفة الترديد، ولكن بطريقة جديدة للتوزيع وتنسيق سمفونية و "هارمونية" العازف الأقدم، وكأن جوهر الفلسفة الترديد لموسيقى تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به، مرة وفق هرمونية غربية ثنائية "العالم + الإنسان"، وأخرى "هرمونية" إسلامية عربية ثلاثية "الله +العالم + الإنسان"، كما يؤكد محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي".

الغرب نتاج تراث علمي ومدني وثقافي وحضاري، ورثه من شعوب سبقت، ومنها أمة العرب والمسلمين ـ كما يرى المصباحي ـ فلا وجود لغرب عقلاني تنويري خارج دائرة تأثره بالحضارة العربية والإسلامية، فالغرب ليس مفهوماً جُغرافياً أو عرقياً، إنما هو ثقافة وفكر، نهضته لم تبدأ من الصفر، بل بدأت من رقم مُتقدم في ساحات الفكر والعلم والثقافة، كان العرب من صُناعه، فنحن من عرَف الغرب بالكثير من تاريخ علومهم وفلسفاتهم، لأننا كُنَا جسر هذه المعرفة الواعي.

نحن من كنَا نُقبل على المعرفة، لنُعيد إنتاجها، وطرحها وفق تصوراتنا الحضارية الإسلامية مرة، ووفق تحولات المعرفة الكونية مرة أخرى، فبنا ومنَا بدأت المعرفة بالانتشار، وكأن العولمة نتاج لنا، أو نحن من جعل من المعرفة الكونية "الكوكبية"، معرفة في مُتناول الجميع ممن رغب تقدماً في العلم وتطوراً.

يرى المصباحي أن هناك عدة طُرق لمواجهة المد الفكري والثقافي الغربي، أهمها المواجهة التقليدية، وهي المواجهة المعروفة عندنا في الرفض والإنكار أو القبول والتبعية، هذه هي ليت مواجهة بقدر ما هي مُسايرة. أما المواجهة الثانية، فهي المواجهة النقدية، التي تستدعي استيعاب النتاج الثقافي العربي والإسلامي (التراث)ونقده، واستيعاب النتاج الثقافي الغربي (المعاصر) ونقده. هذا النوع من المواجهة سسجعلنا قادرين على الوصول إلى مرتبة الجودة في الإنتاج الثقافي الفلسفي والعلمي، لأنها تقويض وبناء، تقويض للرؤية السلفية بكل تمظهراتها الأيديولوجية والدوغمائية عند أصحاب النظرة التقديسية للتراث، أو السلفيين ممن "المُتفرنجين" بعبارة الوردي، وهذا الفريق وذاك، لا يُتقن إعمال العقل والتفكير بقدر إتقانه للتقليد وإتباع الغير، أو ما أسماه المصباحي في كتابه "جدلية العقل والمدينة) بـ "التبعية المُزدوجة للماضي وللغرب"، "السقوط بين عدميتين: عدمية إزاء ثقافة الغرب الحداثية، وعدمية إزاء الثقافة التراثية".

في ذات السياق وجدنا المصباحي ينظر إلى العولمة بوصفها من نتاجات الحداثة، بل هي المرحلة الأكثر تقدماً من الحداثة، وهي اليوم باتت أمر ضروري لمن يرغب بركوب (قطار الحداثة)، ولها وجهان:

ـ الأول: هو الشكل الإيجابي، باعتبارها ثورة في المعلومات ووسائل التواصل المعرفي والاجتماعي، بل هي أخطر ثورة عرفتها الإنسانية منذ وجودها على هذه البسيطة، ثورة تسمح للجميع اللحاق بها شريطة أنت يتم هذا الإلتحاق بسرعة، لأنها ثورة في بداياتها وبمستطاع الجميع أن يستوعب أسرارها وقدرتها، طالما أنها لا زالت في بداياتها.

ـ الثاني: هو الوجه السلبي، وهو ما تعالق معها من عولمة اقتصادية وعسكرية وسياسية، يبتغي أصحابها الهيمنة على دول الجنوب بقصد إلغاء الهُوية والقضاء على التنوع الثقافي ونشر نمط واحد من الفكر هو الفكر الأمريكي بسبب سيطرة رأس المال الأمريكي على أغلب المؤسسات العولمية والشركات مُتعددة أو مُتعدية الجنسية.

"المكان المُحايد" فكرة مصباحية

طرح يحيى هويدي مفهوم "الحياد الفلسفي" بكتيب صغير رام من خلاله التناغم الفكري مع أطروحات جمال عبدالناصر في في نزوعه نحو بناء رية أيديولوجية محمد المصباحي في كتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" فكرة "المكان المُحايد" التي استمدها من نظرية العقل التي إشتغل عليها في كتابه "إشكالية العقل عند ابن رشد". تقوم نظرية العقل هذه على أساس وجود عقل أو مادة عقلية أولى "مُحايدة" "عقل هيولاني" بعبارة أرسطو، ولكنه عقل تنتمي إليه كل البشرية بغض النظر عن الزمان والمكان. هو "مجال عام مُشترك بين كل العقول وكل الحضارات، مكان تتساكن وتتحاور فيه تجارب الإنسانية من كل مكان وزمان"، وهذا هو معنى الحداثة التي يفهمها المصباحي، بوصفها "مكان مُحايد" يسمح لنا بحرية أكثر في التفكير والعمل، يسمح لكل العقائد والحساسيات الفكرية والثقافية بالوجود، فهو "المكان الشفاف" الذي نستظل بظله نحن بني البشر في عالمنا المتنوع والمُتعدد يقينا شر الصراع والتقاتل بين الأعراق والثقافات والأيديولوجيات المُختلفة، وهو "شرط الممارسة الفلسفية والإنفتاح على الآخر، لأن ما يُميز الفلسفة هو أنها خطاب موجه إلى مُتلق عام، إلى الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مُنتم إلى ملة دون أخرى، أو إلى زمن دون آخر".

وفق هذه الرؤية للعقل يكون معنى "المكان المُحايد"، هو ذلك المكان العلمي أو العقلي الذي يضمن للمعارف والمفاهيم شروط المصداقية الذاتية التي تجعلها قابلة للتواصل بين جميع الناس مهما إختلفت جنسياتهم أو أعراقهم القومية والأيديولوجية وحتى الاجتماعية. "المكان المُحايد" أو "حياد الحداثة الثقافية" هو برزخ بين ثقافات مُتعددة يستفيد منها دون أن يتوحد مع أي منها"، لأن الحداثة "مُلك مُشاع" ومكان ثقافي مُشترك بين كل الإنسانية بكل تنوعاتها الثقافية اللاعُنفية على أنها إضافة معرفية للغائب عن العقل الساكن و "المُستقيل" بعبارة محمد عابد الجابري، و "المُستغني" عن العقل "الآخر" وعن حضوره وفاعليته، بحسب ما يرى المصباحي، على ما بين الجابري والمصباحي من إختلاف في الرؤية والمنهج.

ولكن كي نُعيد تنشيطه وتفعيله لإنتاج معارف جديدة تخترق نُظمه وأطره التقليدية لفتح مغاليق "الراكد" وكسر أطر المعرفة "الدوغمائية" المُتكورة حول ذاتها بتسييدها لنمط واحد من المعرفة الموروثة أو المُكتسبة وتصديره وكأنه هو النمط أو الشكل الوحيد من أشكال المعرفة الإنسانية القادر على تخليص الإنسان من ضغط الحياة الواقعية وضياع الإنسان فيها.

عبر تنشيط فاعلية هذا العقل المُستكين واستفزازه وتخليصه من هيمنة فكرة "طريق الخلاص" الأوحد يُمكن لنا كشف الغائر من فاعلية هذا العقل وقُدراته الكامنة أو الغائرة خلف هذه الاستكانة التي جعلة منه عقلاً "ستاتيكياً" قابعاً في ظُلمات التقليد والتبعية.

إنه مكان يُتيح للجميع التلاقي فيه، لأن لا سقف له سوى سقف الإنسانية الحر يجعلنا أقرب للمُتمنى الذي نروم أن يكون عليه الإنسان، بوصفه كائن عقلاني حر، هو نزعة أنسنة كونية بتفسير جديد مُستمد من نتاج الفلسفة لإسلامية الرشدية وفلسفة ابن باجة بجذورهما الأرسطية، وفمن قبلهاما فلسفة ابن سينا بنزعتها اللاتقليدية للخروج من عباءة أرسطو المعرفية.

"المكان المُحايد" هو المكان المُشترك الذي يجعل المُتلاقين وكأنهم "وحدة مُطلقة" بعبارة ابن باجة بين مُنتجي الفكر الأساسيين.

لقد كان ابن باجة يقول "أنه عند الوصول إلى مرتبة مُعينة (من الوعي) يصبح فيه سقراط وإفلاطون وهرمس شيئاً واحداً" حسبما يقول المصباحي.

إن فكرة "المكان المُحايد" تُحررنا على مُستوى اللحظة الفلسفية من إنتماءاتنا المُختلفة لكي لا تُبقي منها سوى إنتماء واحد نجتمع تحت ووفق رحابه هو الإنتماء للنوع الإنساني، لأننا مُحتاجون لمُخاطبة بعضنا على إختلاف إنتماءاتنا وفق شروط "المكان المُحايد"، كما نحتاج لهذا الفهم المُحايد لطريقة التعاطي مع التنوع المعرفي للتعامل وفق مُعطياته مع الثقافة والعلم الغربيين، لأن هذا الفهم يمنحنا القدرة على تجاوز نزعاتنا الدوغمائية التي فرضتها ظروف تواجدنا في بيئة ثقافة وفكرية مُنغلقة لننفتح على رحابة الفكر واللغة الكونيتين اللتان فرضتهما شروط "العولمة الثقافية" المؤنسنة، التي من المُمكن المُتاح لنا في حال تعقلنا لمفهوم "المكان المُحايد" من تحقيق هذا النوع من "العولمة المؤنسنة في حال اهتمامنا بالجامعة بما تقتضيه من نشر للوعي المُنفتح والحر على "الآخر"، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية بما تقتضيه تحولات الاقتصاد الحر وآلياته الموضوعية التي يتعاطى معها العالم المُتقدم اليوم بشطريه: الأوربي = الأنكلوسكسوني، والآسيوي، المُتمثل بنهضة الشرق الأقصى في اليابان والصين، حتى ماليزيا.

لذلك نراه يبحث في "فكرة الإتصال الرشدية" بكتابه "الوجه الآخر لحداثة ابن رشد" عن طُرق مُتعددة للحداثة، لا "حداثة واحدة تدعونا لنوع واحد من السعادة، بعد أن ولى زمن الإحتكار العقائدي والفلسفي للحقيقة الواحة والفعل الواحد".  

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

عدنان عويديبدو أن مفهوم الحداثة لم يزل في حالة التباس وضبابية عند الكثير ممن حاول الاشتغال عليه أو الكتابة عنه، وحالة الالتباس تأتي من الخلط أو عدم التميز ما بين الحداثة وما بعد الحداثة.

إن الحداثة في سياقها العام هي مشروع حضاري تقدمي يفرض نفسه دائما على المجتمعات كأمر حتمي طالما أن هذه المجتمعات في حالة تطور وتبدل مستمرين. أي أن الحداثة وفق هذا التصور هي مشروع أو نظام حياة بكل تجلياتها المادية والفكرية، تفرضه سيرورة وصيرورة تطور المجتمعات الحتمية، وبالتالي هي مشروع أو نظام لا يعرف السكون أو الثبات أو الاطلاق، وإنما الحركة والتطور والتبدل والنسبية.

أما ما بعد الحداثة، فتأتي في سياقها العام مشروعاً فكرياً يغلب عليه الطابع الأيديولوجي ألتنظيري في الغالب، وتتبناه حوامل اجتماعية محددة، تهدف من ورائه وبشكل مقصود وموجه إعادة تقويم منجزات الحداثة و ضبط آلية عملها وإنتاجها، وبالتالي إعادة توجيه خط سيرها وفق مصالح قوى طبقية محددة، غالباً ما تكون قوى مستغِلة كما هو الحال في المجتمعات والدول الأوربية التي راح منظرو الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ينظرون لها.

إن ما بعد الحداثة وفقاً لهذا التصور، هي مشروع أو نمط حياة يغيب عنه دور القوى الجماهيرية الفاعلة في التاريخ كموجه لحركة التاريخ نفسه، ويبرز دور القوى المستغِلة ومنظروها الذين يعملون على رسم ملامح حياة جديدة يريدون تطبيقها على الواقع بشكل إرادي ومدروس، بهدف استمرارية وجود هذه القوى على رأس الهرم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا تأتي مسألة التنظير لمجتمع أو لعالم ما بعد الحداثة بكل مستوياته على أنه عالم أو مجتمع النهايات والموت والتفكيك وتحطم النظريات الكبرى وتحطيم العقل ...إلخ، أي تحطيم الحداثة ذاتها كفعل تقدمي وكل ما يدعو إلى جوهر الإنسانية ورقيها فيها، أو ما يساهم في إعطاء الجماهير المقهورة دورها في إدارة العملية التاريخية.

من هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة إلى التعرف أكثر على مفهوم الحداثة، وضرورة الفصل ما بينها وبين مفهوم ما بعد الحداثة، على اعتبار أن الحداثة مشروعاً إنسانياً كما أشرنا أعلاه، يجب علينا التطلع إليه دائماً وتبني مفرداته، كونه يحمل معه تطور المجتمع ورقيه وفقاً للمرحلة التاريخية التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك.

تجليات الحداثة في أوروبا:

لقد تجلت الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى تطورها الفكري الفلسفي، بدعوتها لتجسيد الحرية الفردية، واعتبار العقل المرجعية الرئيسة في حياة الفرد والمجتمع، ثم التأكيد على اعتبار المجتمع مجتمع مصالح متبادلة بين أفراد أحرار (مواطنون) لا رعايا ولا عبيد، تحكمهم وتضبط حركتهم ومصالحهم دولة قانون، ومؤسسات وضعية علمانية، ترفض تقديس الأشياء والأفكار والأشخاص. كما تدعو إلى اعتبار المجتمع وحده مصدر السلطات، وأن تداول السلطة من حق الجميع، ويتم تداولها بشكل ديمقراطي. هذا إضافة إلى دعوتها لتطبيق مبادئ العدالة والمساواة

أما الحداثة الأوربية في خطها أو مستوى سيرها العملي، فقد تجلت في سعي حواملها الاجتماعيين من الطبقة البرجوازية في مرحلتها الأولى، على نمذجة أوربا أولاً، ثم السعي لنمذجة العالم الآخر وفقاً لمصالحها هي ثانياً، حيث وجدت في البعد النظري للحداثة في صيغتها النظرية التي جئنا عليها أعلاه، سلاحاً بيدها حطمت به سلطة الإقطاع والكنيسة والملك في أوربا من جهة، مثلما وجدت في البعد النظري ذاته سلاحاً بيدها أيضاً لطرح وتمرير رسالة الرجل الأبيض استعمارياً، بغية أن تسود أو تسيطر على دول العالم الثالث من جهة ثانية.

إن محاولة نمذجة العالم وفقاً لمشروع الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية، كانت في بدايتها دعوة (تقدمية) لتعميم شمولية العقل الإنساني وحرية الإنسان وعدالته، الأمر الذي جعل منها نمذجة مضاعفة تطال التاريخ والعقل معاً.

لقد استطاعت الحداثة الأوربية عبر حواملها من الطبقة البرجوازية الأوربية التي شكلت حالة تقدمية في بداية صعودها أن تسيطر على السلطة الاقتصادية والسياسية في دولها، وبالتالي السعي إلى تغيير العالم وفقاً لمصالحها فعلاً والانتقال به من عالم الخرافة والامتثال واللامعقول.. عالم الظلم والاستعباد، إلى عالم الحرية والعلم والمعرفة والتكنولوجيا. بيد أن هذه الطبقة الرأسمالية التقدمية في بداياتها راحت تتحول شيئاً فشيئاً إلى طبقة إمبريالية تمارس الظلم والقهر والتشيئ والاستلاب على شعوبها وشعوب دول العالم الثالث معاً. حيث دفعتها مصالحها بالضرورة إلى تفريغ قيم الحداثة التقدمية التي بشرت بها وعملت عليها تاريخياً من مضمونها الإنساني، وتحويل الكثير من قيمها إلى شعارات مفرغة من مضمونها.

نعم، إن الحداثة الأوربية جاءت هنا تعميماً لخط التطور الأوربي على الأخر سابقاً ولاحقاً، وهو خط أحادي يختزل التاريخ بالتجربة الأوربية، حيث أعلي من شأنها في مرحلتها التقدمية الماضية الداعية إلى العقل والحرية والكرامة والمساواة الإنسانية والنهضة، التي جعلت منها تجربة تتطلع إليها الشعوب المتخلفة والمقهورة في العالم الثالث، بيد أن هذه التجربة في المرحلة المعاصرة، أي مع مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، مرحلة الرسملة والعقلانية الأدائية، راحت تعمل على تدمير كل قيم الحداثة التقدمية ليس في أوربا وحسب، بل وفي كل مكان تطاله من دول العالم، حيث تحولت الحداثة هنا إلى ما بعد الحداثة، وأصبحت الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الحامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه المرحلة تعمل خلق عالم السوق الجديد (العولمة) الذي سُلع فيه كل شيء حتى غرائز الإنسان، الأمر الذي دفع الكثير من منظري هذه المرحلة إلى تأكيد ضياع الإنسان وتشيئه واغترابه واستلابه وتذريره وفقدانه قيمه الإنسانية واعتبار هذا التحول امراً طبيعياً فرضته نهاية التاريخ التي بشرت بها العولمة بقيادة الطبقة الرأسمالية الاحتكارية ومن يقف معها من مفكرين وفلاسفة وأدباء وسياسيين وغيرهم.

سمات وخصائص الحداثة:

أولاً: التاريخية:

تعتبر السمة التاريخية من أهم السمات التي تمنح الحداثة حيويتها على اعتبارها – أي الحداثة - تحمل في آلية عملها التطور والتبدل الحتمي. فالتاريخ ممثلاً بظواهره ومنها الحداثة، سيرورة وصيرورة مستمرتان، وفي كل محطة من محطات التاريخ التي لا تنتهي هناك وقائع جديدة تفرض نفسها بسبب نشاط الإنسان الذي لا ينتهي أيضاً. وهذا النشاط الذي يتجلى مادياً وروحياً، له حوامله الاجتماعية التي تمارسه خدمة لمصالحها، وبالتالي فمصالح القوى الطبقية هي من يحرك التاريخ ويرسم ملامحه العامة، فكلما كانت مصالح هذه القوى الطبقية ذات بعد إنساني، كانت معطيات الحداثة معطيات إنسانية بالضرورة، ولكون تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته، أي تاريخ نضاله من أجل تحطيم كل ما يعوق تجوهر إنسانيته، إلا أن هذا الطبقة الذي تناضل من أجل حريتها في مرحلة تاريخية محددة، هي ذاتها تعود بهذا الشكل أو ذاك لتمارس ظلمها وقهرها على الآخرين بغية الحفاظ على مكانتها ومصالحها التي تهددها مصالح القوى الطبقية الجديدة التي أفرزتها عملية تطور قوى الإنتاج وعلاقاته. وعلى هذا الأساس جاء التنظير لما بعد الحداثة من قبل الطبقة الرأسمالية ومنظريها الذين عملوا من أجل الحداثة في بداية ظهورها أو صعودها في أوربا كما أشرنا قبل قليل. فمرحلة ما بعد الحداثة التي راحت يُنظر لها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى هي التعبير الأيديولوجي المعبر عن طموحات هذه الطبقة بعد أن تحولت إلى طبقة رأسمالية احتكارية. فالتاريخ الإنساني بكل مكوناته الحضارية مع وصول الرأسمالية إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، يجب بقناعة هذه الطبقة الاحتكارية أن يعيش عالم هذه الطبقة وهي العولمة التي تشكل نهاية التاريخ عندها. أي بتعبير آخر، على الجميع أن يقبلوا التعايش مع النظام الرأسمالي ويعيدوا هيكلة أنفسهم معه. بيد أن هذا الموقف من التاريخ هو موقف يعاكس أو يناقض حركة التاريخ، فالتاريخ ليس له نهايات، وأن تناقضات وصراعات مصالح مكوناته الاجتماعية ستظل قائمة، وستفرض استمرارية حركته وتطوره وتبدله باستمرار. أي استمرارية فعل الحداثة بالضرورة.

ثانياً: الأنسية:

الإنسيّة أو الإنسانية، وهي سمة أخرى من سمات الحداثة. فالحداثة تعبير عن التطور والتقدم الإنساني كما أشرنا اعلاه، وما تاريخ الإنسان في صراعه مع الطبيعة أولاً ومع من يستعبده ثانياً من جنسه البشري، إلا تعبيراً عن صراع هذا الإنسان من أجل انتزاع إنسانيته من براثن الضرورة بشقيها الطبيعي والاجتماعي. ففي البدء ناضل الإنسان ضد الضرورة الحكمية (قوانين الطبيعة العمياء)، فاستطاع شيئاً فشيئاً أن يكتشف الكثير من أسرار قوانين الطبيعة، وفي كل مرة يكتشف فيها قانوناً من قوانينها يستطيع التحكم بجزء من آلية عملها العمياء، وبالتالي يحوز على شيء من حريته، أي يسترد شيئاً من إنسانيته التي استلبتها الطبيعة. وفي الفترات اللاحقة من تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وضياع الإنسان نفسه في إنتاجه، راح يناضل ضد هذه الضياع ممثلاً باستلابه وتشيئه واغترابه الذي وضعه فيه أخيه الإنسان الذي استعبده، وهو هنا في نضاله الطبقي هذا، استطاع أن يحصل أو يحوز على حريته الجسديه من ربقة العبودية، و على جزء كبير من حريته المعنوية، وها هو اليوم يستمر في نضاله كي يكسب ما لم يستطع أن يكسبه سابقاً من جوهر إنسانيته، رغم كل ما تمارسه ضده القوى المستغِلة من قهر وظلم واستلاب وتغريب وتشيئ.

إن السمة الإنسانية في الحداثة هي أمر حتمي أيضاَ، ولكنها حتميته ليست ميكانيكية، بل حتمية مشبعة بإرادة الإنسان ووعيه لذاته كإنسان من لحم ودم، له حقوق وعليه واجبات في مجتمعه ودولته ومن حقه أن يمارسهما.

ثالثاً المادية:

تعتبر المادية سمة أخرى من سمات الحداثة في مرحلة متطورة من مراحل تاريخ الإنسان، خاصة بعد أن وعى نفسه كإنسان حر مستقل في قراره وتحقيق مصيره، وليس هناك قوى أخرى هي من يرسم له هذا المصير، أي يرسم له الطريق الذي عليه أن يسلكه في حياته. فالمادية وفق هذا التصور، هي نزعة إنسانية لأنها ترفض نمذجة الإنسان وفق تصورات غيبية امتثالية تفرضها سلطات من خارج التاريخ أو من داخله عبر قوى سياسية سلطوية تعتبر نفسها وصيّة على هذا الإنسان ومسؤولة عن قدره وحياته. فالمادية في ابسط صورها هي الإقرار بوجود قوانين موضوعية وذاتيه متعلقة بالفرد والمجتمع والطبيعة هي من يتحكم في حياة الإنسان، وما على الإنسان إلا اكتشافها والتحكم بها، وبالتالي تسخيرها لمصلحته كي يرتقي بإنسانيته.

إن الإنسان وفق هذا التصور المادي لحياته هو ضرورة وحرية معاً، هو ضرورة كونه محكوم بالقوانين الموضوعية في الطبيعة والمجتمع، وهو حرية كونه يتمتع بالقوة الذاتية التي تمنحه القدرة على كشف سر هذه القوانيين والتحكم بها لمصلحته.

رابعاً: العقلانية النقدية:

تعتبر العقلانية من السمات الهامة بالنسبة للحداثة، وهي مرتبطة بسمة الإنسانية أيضاً، إن لم تكن وجهها الأخر. إن ما يميز الإنسان عن كل الأشياء المحيطة به هو عقله، الذي يعني وعيه، وللوعي درجات، وهو حاصل معرفة الإنسان عبر تاريخ نشاطه الطويل في حياته المادية والفكرية. وهذا ما يمنح العقلانية حالات تطورها التي تبدأ بوعي الإنسان نفسه وتميزه عن الآخر، مروراً بالعقلانية الأداتية التي توظف العقل أو معارف الإنسان لتأدية مهام براغماتية تخدم قوى اجتماعية محددة تعمل على تسخير العقل لخدمتها، وغالباً ما تؤدي هذه المهام العقلانية الأداتية إلى تدمير الإنسان نفسه عندما يسخر العقل ضد الإنسان، كما هو الحال في الاستثمار غير العقلاني للبيئة، أو في استخدام الأسلحة الفتاكة في الحروب وغير ذلك.وصولاً إلى استخدامه أخيراً كعقل نقدي بعمل على كشف الحقائق التي تهم الإنسان وتسخير معطياتها لمصلحته. وهنا يأتي دور العقل النقدي في المعرفة كمنهج فكري لتحقيق التقدم، وأن أهم ما يميز هذا المنهج العقلاني النقدي، أنه يرفض الإطلاق في الحقائق، ويؤمن بالنسبية، فالحقيقة في هذا المنهج تقوم دائماً على معرفة ناقصة. كما أنه يؤمن بالحركة والتطور والتبدل، مثلما يؤمن بأن للكل أجزاء، وكل جزء يؤثر في الآخر، وأن أية ظاهرة لها شكل ومضمون ولها داخل وخارج والعلاقات بين الجزء والكل والداخل والخارج علاقة جدلية ذات تأثير متبادل. كما يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن أحوال الناس تتطور وتتبدل مع تطور وتحول نحلتهم من المعاش كما يقول "ابن خلدون". وأخيراً يؤمن هذا المنهج العقلاني النقدي بأن التاريخ الإنساني لا يسير بخط مستقيم، بل إن مسيرة التاريخ بمكوناته قابل للتوقف والتراجع أحياناً، وهو يسير بخط حلزوني جدلي يرفض السكون والثبات أو التلاشي.

ملاك القول: الحداثة إذن مشروع حياة بكل مكوناتها المادية والفكرية، وهي أمر حتمي، قد تعمل بعض القوى الاجتماعية على إبقاف حركتها لمصلحتها، إلا أنها لا تستطيع إلغاءها. إن الحداثة أمر حتمي، ولكن حتميتها ليست ميكانيكية، بل حتمية جدلية، سيدها وصاحب الأمر فيها الإنسان بعد أن وعى ذاته كإنسان من حقة أن يحوز على جوهر إنسانيته، وفي كل مرحلة من مراحل تطور حياة هذا الإنسان في تاريخه، تعتبر القوى الاجتماعية التي تدفع بهذا التاريخ إلى الأمام قوى تقدمية، بالرغم من كونها تعمل مستقبلاً على عرقلة مسيرة الحداثة من أجل مصالحها، غير أنها لن تستطيع أن توقف عجلة التاريخ وتلغي الحداثة من مسيرتها لأنها قدر الإنسان الذي يصنعه بنفسه.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

عبد الجبار الرفاعياكتشافُ هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة كان وما زال أحدُ الأحلام الكبيرة للجماعات الدينية في عالم الإسلام. وقد ظهرت الدعوةُ لذلك قبل أكثر من نصف قرن في كتابات أبي الأعلى المودودي، وتقي الدين النبهاني، وغيرِهما، ممن حاول أن يخلع غطاءً دينيا على علم الاقتصاد الحديث وعلوم الإنسان والمجتمع والفلسفة الحديثة. وانخرط بهذه الدعوةِ جماعةٌ من المفكرين المسلمين في البلاد العربية وإيران وباكستان وماليزيا واندونيسيا وتركيا والولايات المتحدة، وأخذت عدةُ مؤسسات على عاتقها النهوضَ بهذه المهمّة، وعقدت عشراتُ الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية، لدراستها. وحسب رصدنا للمشهد الثقافي في العالم العربي وإيران والإنتاج الفكري الإسلامي بالعربية والفارسية في السنوات 1980 ــ 2000 ، وجدنا أن جماعةَ "إسلامية المعرفة" في العالم العربي يمثلون أبرزَ جماعة تعمل على خلق هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة، وكانت خلاصةُ جهودهم تأسيسَ "المعهد العالمي لإسلامية المعرفة" سنة 1981، وتكفّل المعهدُ بإقامة الكثير من الحلقات النقاشية والندوات والمؤتمرات، وأصدر عدةَ دوريات، وعددا وفيرا من الكتب في مجالات المعرفة البشرية المختلفة مع دمغها بصفة الإسلامية.

وعند التأمل في دعوة إسلامية المعرفة يمكننا إثارة عدة تساؤلات لم تجب عليها. إذ لما كانت إسلاميةُ المعرفة تجد مبرراتِها في تحيّزِ وتمركزِ المعرفة وتنوّعِها، تبعا للتعدّد والتنوّع في المعتقدات والأديان والهويات، فإن هذه الدعوةَ تثير سلسلةً من الإشكالات والاستفهامات الحائرة التي يمكننا إيجازُها بالآتي:

1ـ الوثوقيةُ والإطلاقُ في إسلامية المعرفة تنتج تهافتا في منطلقاتها، ففي حين تشدّد إسلاميةُ المعرفة على أنها ترتكز على تحرير المعرفة من التحيزات والتمركزات والرؤى والمواقف الاعتقادية النسبية، تتورط هي في تبني رؤية اعتقادية للمعرفة تفضي إلى نسبية من نوع آخر، لأن المعرفةَ عندها تصطبغ بهوية دينية وأيديولوجية، فبدلا من معرفة لادين لها، يغدو للمعرفة دين، وبدلا من معرفة بلا ايديولوجيا، يغدو للمعرفة ايديولوجيا، وبدلا من معرفة بلا تحيّز وتمركز، تغدو المعرفةُ متحيزةً ومتمركزة، وبدلا من معرفة ليست نسبية، تغدو المعرفةُ نسبية. حتى تنتهي إسلاميةُ المعرفة إلى نفي للمعرفة.

2ـ لماذا يتجاهل مشروعُ إسلامية المعرفة الأطرَ الاجتماعيةَ للمعرفة التراثية بالخصوص، ويعمل على تعميمِ الأفكار والمفاهيم التراثية المنتِجة في البيئة الإسلامية، وتأبيدِها للعصور والأزمان كافة، بعلى الرغم من أنها معرفةٌ بشريةٌ مشتقّةٌ من فضاء حضاري، وثقافي، وسياسي، واجتماعي، واقتصادي خاصّ بها، في حين يذهب الى تحيّزِ ونسبيةِ ومحدوديةِ المعارف والعلوم البشرية المنتِجة في بيئات أخرى، ويشدّد على عدم إمكان سلخها عن محيطها الحضاري الذي ولدت في فضائه؟ أين هي المراجعةُ النقديةُ للتراثِ التي تحرّرنا من الاستسلام لرؤيتِه للعالم ومناهجِه ومنطقِه، ومشاغلِه ومداراتِه، وقضاياه وهمومِه؟ ولمن ينتصر دعاةُ أسلمة المعرفة حين يسرفون في تبجيلِ التراث ومديحِ أعلامه في ظلّ الهجاء المتواصل للعلوم والمعارف الحديثة؟ إن كان للزمن تأثيرُه في تاريخيةِ الفكر الإنساني وتحديدِه بالبيئة والحاجات التي أفرزته، فلماذا التهاونُ، بل إغفالُ النظرة التاريخية في دراسة التراث وتحليله؟ إن "المعهد العالمي للفكر الاسلامي" لم يخفق في ذلك فقط، بل وعجز حتى عن مراجعة أفكاره وبرامجه التي طرحها بنفسه؟

3ـ ألا يفضي تجريدُ العلوم الاجتماعية الغربية الحديثة من مناهجها وأدواتها ولغتها ومعاجمها الاصطلاحية ومرتكزاتها، الى نفيها وتفريغها من محتواها، ومن ثم ستنتهي عمليةُ أسلمتها الى تناقض منطقي، استنادا الى أن ماهيةَ العلم تعني موضوعَه، وإن تمايزَ العلوم بتمايز موضوعاتها كما قرّر المناطقةُ من قبل، فإذا جرى تغييرُ موضوعِ العلم وأدواتِه ومناهجِه يتغير محتوى العلم وينتفى، وإن اسميناه بالاسم السابق نفسه؟

4- حين يصرّح دعاةُ إسلامية المعرفة بأن العلومَ والمعارفَ لا تنطبق إلا على حالة معينة وجغرافيا بشرية وثقافية محددة، وهوية خاصة، فانهم يجرّدون المعرفةَ من طبيعتها العامة الشاملة، أي إن المعارفَ والعلومَ تتعدّد وتتنوّع لديهم تبعا لتنوّع الهويات والمعتقدات والأديان والخصوصيات الحضارية، لكنهم لا يتنبهون الى أن هذه المقولةَ تستبطن نفيَ ذاتها، إذ كيف تكون المعارفُ كافة محليةً نسبيةً منبثقةً من بيئتها، ما خلا "إسلامية المعرفة" التي تستثني نفسَها من ذلك، أي إنهم عندما يرفضون شمولَ المعرفة وعمومَها، ويتنكرون الى أن المعرفةَ بحدّ ذاتها، حتى في العلوم الاجتماعية، لا هويةَ لها، فأنهم يفترضون أن معرفتَهم ومقولاتِهم فقط كونيةٌ عامةٌ شاملة، لا موطنَ لها. ألا تنظوي هذه الدعوةُ على مفارقة وتناقض؟

5ـ إن العلومَ الحديثةَ تنبثق عن رؤيةٍ للعالم جديدة، وهناك فارقٌ شاسعٌ بين الرؤية القديمة والجديدة، بنحو لايمكن القول معه إن العلمَ الحديثَ يمثّل تواصلا للإرث العلمي القديم، فقد انبثق العلمُ الحديثُ من رؤية الإنسان البديلة للطبيعة، والإنسان، والحياة، وهي رؤيةٌ انبثقت في فضائها مكاسبُ العلم ومنجزاتُه. فقد تجلّت الطبيعةُ للعلماء في العصر الحديث بشكل مختلف، فأصبحوا يجدونها مدونةً بلغةٍ جديدةٍ لا تشبه اللغةَ التي قرأ بها القدماءُ الطبيعة. يقول غاليلو: "الإله دوّن هذه الطبيعة بلغة الرياضيات"، ولايمكن لغير العارف بها أن يطالع كتابَ الطبيعة. إن الباحثَ الحديثَ اكتشف طبيعةً أخرى، كُتِبت بلغة ثانية، فعمد الى إتقان تلك اللغة، واستطاع قراءتَها، وحقّق مانراه من اكتشافات ومكاسب متنوعة. كان الإنسانُ يرى هذه الطبيعةَ نفسَها، لكنها كانت تتجلّى له بلغة ميتافيزيقية. الطبيعةُ واحدةٌ لكن كلا الطرفين حاولا اكتشافَها، وتجلّت لكلّ منهما بصورة خاصة، والتحول الذي طال الرؤيةَ الى العالم هو الذي أدّى الى ظهور العلم الحديث، وقد تجسّدت العقلانيةُ الغربيةُ بالمضمون ذاتِه، فحقّقت نتائجَ علمية هامة. اذن، كيف نستطيع بناءَ منظور علمي حديث للعالم والإنسان والطبيعة، مادمنا ننهل من الرؤية التراثية التقليدية التي يريد جماعةُ إسلامية المعرفة تكرارَها بأسلوب مبتذل، بذريعة الهوية والأصالة والخصوصية، والتشديد على نفي كلّ ما هو كوني في المعارف والعلوم الحديثة؟

6ـ ربما تمثل إسلاميةُ المعرفة عمليةَ تعويضٍ نفسي للمسلم الضائع الذي لم يحقّق ذاتَه في العالم اليوم. المسلمُ لم يسهم في مكتشفات واختراعات ومكاسب العلم والمعرفة الحديثة بإسهام كبير، لذلك يحتاج أن يعوّض ذلك بتوهم أنه ممن أنجزوا العلم، وأسهموا في إنتاج المعارف الحديثة، وممن يسهمون في صناعة العلوم و المعارف.

7ـ لماذا تُتخذ آثارُ ابن تيمية مرجعيةً شاملةً لجماعة إسلامية المعرفة، على الرغم من أن آراءَ ابن تيمية في العقيدة والتفسير وعلوم القرآن والفقه وغيرها، على عمق بعضها، آراءٌ تنتمي للأفق التاريخي الذي عاش فيه صاحبُها، مضافا إلى أنها آراء خلافية، وقف منها كثيرٌ من العلماء في عصره والعصور اللاحقة موقفا ناقدا، فهي فضلا عن تاريخيتها وتعبيرها عن عصرها، لم تكن موردا للقبول العام، بل إن الجماعاتِ السلفيةَ المتفشيةَ في مجتمعاتنا تستقي مشروعيتَها من ميراث ابن تيمية وتلامذته، وتستند الى آثاره كمرجعية في تكوينها وتثقيفها ودعوتها، وتستلهم فتاواه في مذابحها الشنيعة؟

8ـ أليست دعوةُ "إسلامية المعرفة" في مضمونها قضيةٌ فلسفيةٌ ترتبط بتفسير ماهية المعرفة ومصادرها وحدودها وقيمتها في المرتبة الاولى، كما ترتبط عضويا بمباحث فلسفة العلم، غير أن الدراساتِ التي يكتبها دعاةُ هذه القضية لم تقاربها من منظور فلسفي، مضافا الى عدم استيعابهم النقدي لآثار الفلاسفة والمتصوفة والعرفاء والمتكلمين والمناطقة، مع أن ميراثَهم يشتمل على آراء تتسم بالتنوع في تفسير طبيعة المعرفة, ومصادرها، وقيمتها. وربما كان الاستسلام للموقف التراثي السلبي من الحكماء والمتكلمين والمتصوفة والعرفاء هو الذي حال بين دعاةِ إسلامية المعرفة وصياغةِ رؤية حيال هذه المسألة البالغة الأهمية. فهل إسلاميةُ المعرفة قضيةٌ فلسفية من دون مضمون فلسفي، وقضيةٌ معرفية من دون مضمون معرفي؟

9ـ تبدو إسلاميةُ المعرفة وكأنها ضربٌ من الموقف تسلطي، يهدف الى هيمنة الإسلاميين على ما تبقّى من معطيات العقل والخبرة البشرية، بعد هيمنتهم على معظم الحياة الدنيا، فضلا عن الاستئثار بالآخرة، بمعنى أن إسلاميةَ المعرفة تظهر وكأنها حيلةٌ فكريةٌ للجماعات الدينية، بغية احتكار الحياة العلمية والفكرية والثقافية، واستبعاد الآخر من الميادين كافة ؟

10ـ لماذا لم تتشكّل حتى اليوم النواةُ الجينيةُ لعلم اجتماع إسلامي، أو علم نفس إسلامي، أو علم اقتصاد إسلامي... الخ، بالرغم من مضي أكثر من ربع قرن على هذه الدعوة, ومعظمُ الكتابات لم تتبلور فيها رؤيةٌ نظريةٌ واضحة حيال هذه العلوم، فضلا عن عدم إنجاز أيّة محاولة جادّة لصياغة وبناء أيّ علم بصبغة إسلامية؟

11ـ على الرغم من وجود إنتاج فكري في الحوزات في النجف وقم وغيرهما، وعلى الرغم من تنوّع الأفكار الخلافية التي يزخر بها راهنُ التفكير الديني في الحوزات, غير أن "المعهد العالمي للفكر الإسلامي" لم يزل بعيدا عن ذلك، مع أن فكرةَ "إسلامية المعارف والعلوم" واحدةٌ من أبرز المسائل إثارةً وأكثرها مناقشة، حيث يدافع المحافظون عنها، ويعملون على صياغة تصورات ورؤى وتبريرات بشأنها، من خلال مؤسّسات متخصّصة في ذلك، في حين لا يقبلها المفكرون الإصلاحيون ويذهبون الى أنها تستبطن تهافتا وتناقضا منطقيا.

12ـ على الرغم من أن الملاحظاتِ التي أوردتُها تشمل على كلّ محاولات إسلامية المعرفة بتسمياتها وعناوينها المختلفة عند المفكرين المسلمين السنة والشيعة عل اختلاف مواطنهم، لكني كنتُ أتمنى أن يتواصل المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي مع المحاولات المبكرة لأسلمة المعرفة في أعمال السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين الطباطبائي، وتلميذِه الشيخ مرتضى المطهري، ود. محمد نقيب العطاس، ود. حسين نصر، و محمد أبو القاسم حاج حمد... وغيرهم. مثلما كنتُ آمل أن يتسع صدرُ القائمين على المعهد العالمي للفكر الإسلامي للاستيعاب النقدي لبعض آثار أولئك المفكرين ممن أسّسوا هذا المعهد، فلم أعثر حتى اليوم على أيّة محاولةٍ نقديةٍ علمية لكتابات المؤسّسين من تلامذتهم أو غيرهم من دعاة إسلامية المعرفة.

13ـ لماذا تُهمل في مشروع إسلامية المعرفة مباحثُ فلسفة الدين، التي تعالج ماهيةَ الدين وحقيقتَه، وجوهرَ الدين، ومجالاتِ الدين وحدودَه، وآفاقَ انتظار الإنسان من الدين، وماهيةَ التجربة الدينية... وغيرها.

ولماذا لاتهتم إسلاميةُ المعرفة بالاتجاهات التأويلية الجديدة في قراءة النصّ الديني، وما موقفُها من طبيعةِ اللغة الدينية وكيفيةِ التعاطي معها؟

14ـ هل يمكن تحديثُ التفكير الديني من دون السعي لتحديث علم الكلام، وفتحِ باب الاجتهاد في أصول الدين، والسعي لصياغة ثيولوجيا تتحرّر من بعض مقولات الإلهيات التقليدية، التي كرّست صورةً مرعبةً للإله، مشتقةً من نموذج الطغاة والخلفاء والسلاطين الجبابرة، والعملِ على بناء "علم كلام جديد"، يصوغ لنا صورةً رحيمةً للإله، تخلّصنا من العلاقة الصراعية المأزومة بين الله والإنسان، وتنقلنا الى نمطِ علاقةٍ حميميّ شفيفٍ دافئ، يقوم على المودّة والشفقة، ويستقي من روح المحبة، لأن الإنسانَ بطبيعته لايستطيع أن يودّ إلها مرعبا؟

15ـ إن أيَّ حديث عن إسلامية المعرفة دون أن يسبقه تحليلٌ لطبيعةِ الوعي البشري وكيفيةِ تكوين المعرفة، ثم تحديدُ ما هو بديهيّ منها والذي تبتني وتشتقّ منه المعارفُ الإنسانية، وهو حديث يكشف عن التباس في استيعاب أساليب التفكير السليم منطقياً، في زمن عاد الوضوحُ المنهجي الشرطَ الضروري لكلّ تمييز بين الكلام العلمي الجادّ وبين التخليط.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

 

حاتم حميد محسنتنحدر كلمة ابستيمولوجي من اصل يوناني وتشير في مقطعها الاول episteme الى (معرفة) و ology (علم او دراسة)، وبهذا فان الابستيمولوجي هو دراسة او التحقيق في المعرفة ذاتها. ويشار اليها ايضا بنظرية المعرفة. المعرفة الابستمية هي ليست حول ما نعرف وانما حول ما نعنيه بـما نعرف. تسعى الابستيمولوجيا للاجابة على الأسئلة الأساسية حول الكيفية التي يتصور بها الانسان العالم وكيفية المعرفة به. من بين الأسئلة الاكثر بروزا هي :

1- هل هناك عالم خارجي؟ كيف نتأكد من ذلك؟

2- كيف تعمل الذاكرة؟ كيف نعرف ان ذاكرتنا حقيقية او صادقة؟

3- ما هي طبيعة الفهم او التفسير؟ الى اي مدى يمكن للمعرفة الحالية ان تؤثر على الفهم والتصور المستقبلي؟

4- ما هي المعرفة المتأصلة في الانسان؟ وما الشيء الذي يتم تعلّمه بعد الولادة؟ هل يمكن نشر الحقائق الجديدة بدون مفاهيم قبلية؟

5- الى اي مدى يكون الاستدلال او الاستنتاج المرتكز على التصور صالحا؟ ما هي الطريقة الملائمة لعمل مثل هذا الاستدلال؟

من المفيد ملاحظة التمييز الاساسي الذي وضعه سقراط بين العقائد التي تركز على الآراء والمعرفة التي تركز على الحقائق. المعرفة تتعلق بحقائق واضحة تكون مطلقة لا يمكن ان تكون زائفة بينما الآراء يمكن ان تكون كاذبة.

اعتبر سقراط العقيدة حالة ادراكية ناقصة. عند إعتقاد المرء بشيء ما فهو يقبل تلك الفكرة كشيء حقيقي او صادق بدون معرفة انه حقيقي . يعتقد المرء بشيء ما كحقيقي لكنه يتبين له فيما بعد انه زائف. بما ان افعالنا تعكس ما نؤمن به كشيء حقيقي، فان الايمان بالعقائد يكون مؤذيا للمرء وللآخرين. وطبقا لذلك، تكون العقائد مؤذية اخلاقيا وحسب وصف افلاطون "مخجلة" . ابستيمولوجية سقراط تقدم صورة مختلفة، وهي انه عند السعي للمعرفة يجب على الفرد ان يتخلص من العقائد، المعرفة لا تعني العقيدة طالما لا يمتلك المرء معرفة بالاخيرة، يجب ان يتحفظ المرء في الحكم ويحقق عبر التفكير بطرق ممكنة لأن المعرفة والعقيدة شيئان مختلفان.

طبقا لكارل بوبر ان الطريقة الوحيدة للتمييز بين الحقيقي وغير الحقيقي هي عبر تعريض المقولات او الادّعاءات الى دحض تجريبي. افلاطون رفض هذا الاتجاه معتبرا ان الحقيقة ليست عرضة للتكذيب.

لذا فان السؤال الابستيمولوجي هو من أين تأتي المعرفة؟ وما هي حدود المعرفة البشرية. هنا يجب الاطلاع على فرعين فلسفيين رئيسيين حديثين وهما العقلانية والتجريبية. المفكرون العقلانيون مثل ديكارت يجادلون بان كل المعرفة تأتي من العقل وكل شيء في هذا العالم هو عقلاني من حيث الجوهر، الانسان يعرف من خلال الذهن. اما التجريبيون البريطانيون مثل باركلي وهيوم ولوك يصرّون بان معظم ان لم تكن كل المعرفة الانسانية الحقيقية يمكن الوصول اليها فقط من خلال التجربة الانسانية.الانسان يعرف من خلال الحواس.

هناك ايضا فكرة عن المعرفة المشتقة ثيولوجيا ككشف ديني .لابد من الاشارة الى عدم الوضوح في الخط الفاصل بين العقيدة والمعرفة. القديس اوغسطين يعرض نقاشا مقنعا عن العقل مقابل الايمان. احدى القضايا التي تهم معظم الابستيمولوجيين هي تحليل المعرفة التي تحاول ايجاد جواب للسؤال "ما هي الشروط التي يجب تلبيتها للقول ان شخص ما يعرف شيئا ما؟ ومنذ وقت طويل بدت الشروط واضحة لمعظم الفلاسفة وهي 1- انت يجب ان تعتقد بالشيء، 2- انه يجب ان يكون حقيقيا، 3- انت يجب ان يكون لديك تبرير(برهان) للايمان به. المشكلة التي أثارها (غيتر) فتحت السؤال من جديد ووضعته امام مشاكل جديدة . هذا النوع من السؤال اعتُبر من اكثر الاسئلة عمومية في الابستيمولوجيا.

مشكلة غيتر Gettier problem

تعتبر مشكلة غيتر في الابستيمولوجي علامة بارزة في المشاكل المتعلقة بفهم المعرفة. الفيلسوف الامريكي ادمون غيتر عرض امثلة مضادة تحدّى فيها الاتجاه السائد في المعرفة منذ وقت طويل والذي يُطلق عليه بالعقيدة المبررة الحقيقية JTB. افلاطون كان اول من وضع هذا الاتجاه الابستيمولوجي في المعرفة، فهو افترض ان شخص ما لكي يؤمن بشيء ما يجب ان يكون لديه نوع من التبرير ومن هنا جاء تعريفه للمعرفة بانها عقيدة صادقة مبررة justified true belief. لكن غيترعارض هذا الاتجاه واعتبر ان الافتراض يمكن ان يكون صادقا حتى وان كان التبرير غير صالح . اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية يقوم على الافتراض التالي:

الشخص A يعرف بان الفرضية P هي صادقة فقط عندما:

1- P هي حقيقية

2- A يعتقد ان P حقيقية

3- A لديه تبرير للايمان بان P هي حقيقية.

اتجاه العقيدة المبررة الحقيقية يؤمن بان المعرفة مساوية لـ (العقيدة المبررة الحقيقية) عندما تتم تلبية جميع الشروط الثلاثة اعلاه (مبررة، حقيقية، صادقة)، عندئذ ستكون لدينا معرفة بذلك الادّعاء. كتب غيتر في ورقة له من ثلاث صفحات عام 1963 عنوانها "هل ان العقيدة المبررة الصادقة معرفة؟" عرض فيها مثالين او حالتين مضادتين اوضح فيهما ان الافراد يمكن ان تكون لديهم عقيدة حقيقية مبررة بشأن ادّعائاتهم ولكنهم مع ذلك يفشلون في المعرفة لأن سبب العقيدة حتى وان كان مبررا فهو يمكن ان يكون زائفا . وهكذا يدّعي غيتر ان JTB او الشروط التي حددها افلاطون هي ضرورية لكنها غير كافية للمعرفة.

مثال غيتر

يفترض غيتر ان هناك شخصين (سمث) و (جون) كلاهما تقدما لطلب وظيفة. سمث لديه عقيدة مبررة وحقيقية (JTB ) بان جون هو الذي سيحصل على الوظيفة، لديه دليل قوي بذلك كأن (يكون مدير الشركة اخبره بان الوظيفة ستكون من نصيب جون)، كذلك يعلم سمث ان جون لديه في جيبه عشرة دولارات (وهو ايضا متأكد من هذا لكونه رأى جون يعد النقود امامه). اتضح لاحقا ان سمث هو الذي حصل على الوظيفة وبنفس الوقت كان في جيبه عشرة دولارات دون ان يعلم بذلك. وبهذا طبقا لغيتر ان عقيدة سمث الحقيقية المبررة كانت زائفة.

نقد فرضية غيتر

1- اذا كان هناك فشل في مفهوم العقيدة المبررة الحقيقية كما ورد في المثال اعلاه، فان الخطأ ليس من سمث وانما بسبب نظام المنطق الذي يستخدمه. ورقة غيتر تثبت ان هناك حاجة الى اساس اكثر دقة للمعرفة. تفنيد فرضية غيتر يتم اما عبر اثبات ان المقدمة premise زائفة، او اثبات ان الاستنتاج لا يتبع المقدمة. في حالة غيتر وُجد ان المقدمة شديدة الحساسية.

2- لكي تحصل للانسان المعرفة، هناك افتراضات اساسية، هذه الافتراضات يجب ان تكون حقيقية، وهذه الافتراضات الحقيقية يجب ان تكون نهائية (غير مرتبطة بافتراضات اخرى).

3- صحيح لا توجد لدى سمث معرفة ولكن ذلك ليس بسبب نقص الفهم لديه وانما نتيجة لشيء ما خارج الشروط الكافية والضرورية لمعرفة افتراض معين. هناك خطأ في التعليل، وهناك فجوة بين مفهوم الـ JTB والمعرفة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفبدءا نسوق شهادات فلسفية متنوعة على مسألة الميتايزيقيا او ما وراء الطبيعة وما تحمله من محمولات خلافية إشكالية في زوايا الرصد والمعاينة فهيجل يصفها: إن نحن أمعنا النظر في الميتافيزيقيا وجدناها شكلت جزءا من التاريخ الوجودي للإنسان . كما أعتبر كانط ان ما يدّعيه لا يبنتز من إن العقل هو الذي من شأنه أن يكشف حقيقة الإله هو محض كبرياء لا دليل عليها وتنسى عجز الإنسان المتأصل فيه.

إن انساق الميتافيزيقيا التي تتدّعي البرهنة العقلية وخلود النفس، انما رامت هدم ادعاءات الماديين الناكرة للروح والله، كما أعتبر كانط الدين والميتافيزيقيا تنهض مع الوهم القائل بأنه بمستطاع ومكنة العقل البشري معرفة أمر الروح وطبيعة العالم وحقيقة الله، لكنه رغم ذلك سعى كانط دحض أغلوطات الميتافيزيقيا الدوغمائية (1).

كما يحدد اندريه لالاند العدمية في قاموسه الفلسفي بأنها أول مذهب يقول بعدم وجود أي شي مطلق وثانيا هو مذهب ينفي وجود حقيقة أخلاقية – دينية.

أما نينشة فيقول: إذا كان الفكر الحديث ينظر إلى الوعي الإنساني باعتباره اغترابا للطاقة الإنسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها عندما تتماهى مع اله أو قوة غير إنسانية بل تطالب الإنسان بالخضوع لها. واهتم نيتشة بالشعور العفوي لدى الإنسان بنوازعه وغرائزه التي جعل منها أهم العناصر داخل الإنسان الأمر الذي اعتبر تفريغا للطاقة الإنسانية نفسها.

نعود إلى أصل الإشكالية في علاقة الوعي بالمادة والموضوع والطبيعة، وبغض النظر عن حجاجنا الحاضر في استقراء التاريخ الإنساني الحضاري فقد أصبحت كل من مثالية الوعي الهيجلي ومادية الوعي الماركسي يتجاذبهما التجاوز والاختلاف فالكثير من المفاهيم العصرية الفلسفية والعلمية والتاريخية دحضت وتجاوزت الهيجلية المثالية التأملية عند أكثر من فيلسوف لعل أبرزهم سارتر، براتراندرسل وكذا الحال جرى مع المادية التاريخية لدى ماركس في تبيان نواقص وثغرات ماركس بخاصة في تنبؤاته التي لم يتحقق منها شيئا في معظمها لعل أهمها تنبوئه في انهيار الرأسمالية التي انهارت الشيوعية قبلها وتنبؤه بثورة البروليتاريا في تقويض النظم الاستغلالية الامبريالية والنظم الثيوقراطية والدكتاتورية. وقد دحض الفيلسوف هربرت ماركوزة مسّلمة ماركس إن الطبقة العاملة ستقود مستقبل البشرية بسبب الغبن الطبقي الواقع عليها كذلك فشل تبشير ماركس في حتمية انبثاق الثورات الاشتراكية في المجتمعات المتقدمة صناعيا مثل ألمانيا وانكلترا في حينها وإذا بالثورة الاشتراكية الشيوعية تنبثق في روسيا الإقطاعية زراعيا. وربما الكثير لا يحضرنا في هذا المجال.

كما جرت محاولات الترقيع والربط بين ايجابيات الفلسفتين هيجل / ماركس أو مجاوزتها كارث تاريخي فلسفي اقتصادي أنساني ثقافي. لعل ابرز فيلسوف حاول الربط بين الماركسية والوجودية هو سارتر وفشل في ذلك من ايجاد توليفة فلسفية.

كما إن المدارس الحديثة مثل مذهب البراجماتية عند وليم جيمس وديوي وصولا إلى مدارس وفلسفة الحداثة والنيوبرالية وما بعد الحداثة وفي البنيوية التي اعتمدها التوسير في تفكيك الخطاب الماركسي جذريا واعتبره من الأنساق السردية التاريخية الكبرى التي انتهى زمنها ، كل ذلك اختتم دورة حياته مع انبثاق العولمة في نهاية التاريخ كنظام شمولي في الاتصالات والتكنولوجيا الالكترونية وانتقال المعرفة وعولمة السياسة والاقتصاد والثقافة والهويات المحلية والقومية فوقف التاريخ الإنساني مجددا في بعض المفاهيم على رأسه بدلا من قدميه بشمولية مضامينه المعاصرة، المعرفة، العقائد، الأخلاق، الفنون، القانون، السياسة، القيم، الوعي، القدرات..الخ على سبيل المثال يشير فرانسيس ليوتار وهو أحد ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة إلى ما سماه انحلال السرديات الكبرى وجميع الايدلوجيات التي استهلكها التاريخ البشري والإنسان فأصبحت اليوم سلعة استهلاكية تداولية كما في غيرها من السلع ويقصد ليوتار بذلك ان جميع الانساق التاريخية في تطورها الانساني وتعاقباتها المتوالية وامتداداتها التراكمية والنوعية التي أوصلت العالم الإنساني اليوم بأكمله وأدخلته قطار العولمة.

هذه الأنساق سواء في التاريخ والسياسة أو في الآداب والفنون التي نفسها استهلكها الإنسان أيضا، والتطاول الزمني الذي غادرها أصبحت اليوم سلعة استهلاكية يحكمها قانون العرض والطلب ولم تعد توجد يقينيات ثابتة في جميع المعارف والايديولوجيات والإنساق الفلسفية فالكل حان ضرورة مراجعته بنقدية عنيفة.

اعتبر ليوتار ان المظاهر الأساسية للحداثة اليوم هي ثلاث، الأولى تحرر الذات من رؤى العالم الدينية والصوفية ، الثانية فكرة التاريخ بوصفها تمثل التقدم العقلاني للإنسانية، الثالثة هي إمكانيات مقاومة جعل الحياة برمتها سلعة استهلاكية.1)

أما بورديار وهو من فلاسفة ما بعد الحداثة أيضا فيذهب في تحليله ما فوق الواقعية في التاريخ المعاصر بأكثر الطرق براعة في كتابه (وهم النهاية 1994) انه مع تسارع عملية التغيير والتحول اثناء سير الحداثة فاننا وصلنا ألآن إلى النقطة التي تحدث عندها الأمور بسرعة كبيرة جدا لتحقيق المعنى.

إن تسارع الحداثة والتكنولوجيا والأحداث ووسائل الاتصالات والإعلام والتبادلات الاقتصادية والسياسية والجنسية قد دفعتنا للهروب من السرعة وجعلتنا نتحرر من المجال المرجعي للواقع والتاريخ ويزعم بورديار ان درجة البطء ودرجة المسافة ودرجة التحرر مطلوبة لأحداث نوع من التكثيف أو التبلور المهم لأحداث التاريخ التي نسميها تاريخا والتي قد فقدت في الثقافة المعاصرة (2).

ووفقا لخصوم ما بعد الحداثة فهي مراهق مدلل بشكل اناني بصورته الذاتية كوسيط لأحداث البدع والأزياء من الثقافة الحديثة الواسعة ويتجلى هذا الموقف في تقلبات مشهد الفن المعاصر الذي فقد كل اتصال مع الحقائق اليومية وفقد اهتمامه بالجمهور العام ودخل النخبوية في أضيق حضورها.

وفي دراسات وسائل الإعلام نجد الافتنان بـ(السايبورغ) الكائنات الخرافية نصفها إنسان ونصفها الآخر اله أو حيوان كما يجري الاهتمام بالفضاء الالكتروني والخيال العلمي والسبرانية او علم الضبط والتحكم الآلي الذي تتطلع جميعها نحو مستقبل تبدأ فيه الاختلافات بين البشر بطمس نفسها ويبدو من خلال ذلك انه يتوجب علينا أن ننسى تماما أكثر من بليون شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة والكهرباء ناهيك عن شبكة الانترنيت العالمية(3).

يقول تايلور في معرض نقده لمفاهيم العولمة: الشر كل الشر في تبني رؤية ليبرالية جديدة تتعامى عن التناقضات الثقافية الكبرى وتؤمن بان العولمة هي الحل الأمثل. عبارة تايلور السابقة ليست نقدا تصحيحيا صائبا وإنما هي تحامل غير مسوّغ يجافي الواقع لان التناقضات الثقافية الكبرى التي أشار لها هي في طريقها إلى الانفراج والتراجع بضوء تطور الاتصالات وتبادل المثاقفة بين شعوب العالم قاطبة صغيرها وكبيرها قوّيها وضعيفها أصبحت المثاقفة العالمية اليوم ليس عامل تغذية التضاد والاختلاف والعداء المستحكم الذي كان سائدا في ظل هيمنة الايديولوجيات السياسية المنغلقة على نفسها أو ما يسمى الأنساق الكبرى، لذا فان مفاهيم ما بعد الحداثة والعولمة بفتحها باب التثاقف والاتصالات عالميا بين الشعوب وتبادل المعلومات والمعارف والتكنولوجيا وبروز وسيلة الانترنيت العابر للقارات والفضاءات في لحظات، فهي فتحت بابا كانت تعتقد ان مفاتيح غلقه وإيصاده بوجه من تشاء أميركا وأوربا لم يعد قائما من الناحية العملية وغير متاح ولا متيّسر في فقدان السيطرة وانفلات مظاهر العولمة وتغطيتها لكل شعوب المعمورة قاطبة بدون تمييز.بمختصر العبارة ان العالم يتجه نحو مركزية حضارية توّحد البشرية في صهر الهويات الثقافية من دون الغاء خصوصياتها، اذا ما توخينا حسن النية ان تكون العولمة في اهتمامتها خارج جنون السياسة وفرض الهيمنة، في ان تكون السياسة ليست هي الوسيلة لتحقيق المثاقفة الحضارية. وجنون السياسة غير الرشيدة تكون المثاقفة الحضارية عالميا هي الكفيل الوحيد للجم طموحات السياسة المجنونة اللاعقلانية.

ان التحوّطات غير المبررة عندما نتصور ان بامكان نظام استقطابي مركزي يمتلك كل الوسائل في صهر وتذويب خصوصيات العالم سياسيا او اقتصاديا، ان يكون بمقدوره ومكنته تذويب الهويات العالمبة الثقافية الحضارية.

ان من مميزات معارف ومفاهيم فلسفة ما بعد الحداثة والعولمة إنها ليست مصطلحات او مسلمات متفق عليها او ثابتة بل هي مفاهيم متغيرة تحتمل خلق إشكاليات التفسير والاختلاف والتأويل النفعي وكذلك في الدراسة والتناول وأحيانا نجد اختصار التداخل والاندماج العضوي ما بين الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة يأتي لصالح خلق تطرف قسري ناعم، لما يجب ان نعترف به معطيات معرفية عالمية ودخول العالم في معترك تصورات وتنظيرات جديدة في مختلف المناجي الحياتية.

هذا التطرف نجد مثاله في أفكار جون راولز (1921- 2002) اذ كان من أول المنادين في ظل مفاهيم العولمة هو ان يسمح في عالم اليوم بوجود دول (مارقة) خارقة للقوانين ومنتهكه لحقوق الإنسان ومعرضة السلام للخطر، ضد هذا الصنف من الدول يبيح جون راولز التدخل العسكري المسلح ويعتبره مشروعا في إسقاط أنظمة تلك الدول وواضح هنا إن هذه الفكرة برغم مظاهر جدتها فهي تجعله قريبا من فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة(4).

تأسيسا على التطبيق العملي لأفكار راولز في منطقة الشرق الأوسط بما عرف بثورات الربيع العربي التي تم إسقاط أنظمة دكتاتورية استبدادية داست حقوق الإنسان الأولية المشروعة بالأحذية ولم تقم لطموحات شعوبها أي وزن في الحريات الأساسية ولا في الديمقراطية فكانت نهايتها بتدخل أجنبي عسكري مشرعن دوليا أو غير مشرعن جرى ذلك في العراق وليبيا وتونس واليمن وأفغانستان وغيرها وهي بالفعل أنظمة دكتاتورية مارقة ظالمة لأبعد الحدود لكن ماذا بعد هذا التدخل وانهيار انظمة الدكتاتوريات؟ مرحلة ما بعد السقوط التي تعيشها الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بعد التدخل العسكري الأجنبي أورث تلك الشعوب بما أطلقت عليه الولايات المتحدة (الفوضى الخلاقة) التي أفرزت وأنعشت الإرهاب والتطرف الديني والسياسي أكثر من المتوقع في إدخال تلك الشعوب قسرا بقطار الحداثة والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، الأهداف التي بررت التدخل الأجنبي في إسقاط الدكتاتوريات في أفغانستان وبعض الدول العربية.

أما عن (البنبوية) من حيث هي تيار وحركة فلسفية نقدية لما بعد الحداثة شملت كما هو معلوم مجالات انسانية تاريخية ثقافية عديدة فالانثروبولوجيا عند كلود ليفي شتراوس والتحليل النفسي عند جاك لاكان والأدب عند رولان بارت والفلسفة عند لويس التوسير وميشيل فوكو، تشكلت البنيوية من تيارين تيار ينتصر للنسقية الكلية ويمثله شتراوس ولاكان وبارت والتوسير وتيار يقول بالاختلاف والتنوع ويمثله فوكو وديلوز ودريدا وليوتار5).

كما يذكر.دكتور مجدي عبد الحافظ إن النطاق الثقافي لما بعد الحداثة يوحي بشدة بالتعددية النقدية كما إن شرط ما بعد الحداثي هنا سيعتبر توصيفا لحالة تاريخية تدخل في قطيعة مباشرة مع الحداثة فتعمل على التخلي عن السرديات الكبرى أو الأنساق الفكرية المغلقة المرتبطة بالايديولوجيات التي كانت تطمح في إعطاء معنى كوني لحياة الإنسان مثل الفلسفات العديدة والطوباويات السياسية والايدولوجيات بعامة.

كما إن جاك دريدا في كتابه (الجراماتولوجيا) تعتريه فكرة التناقض حول العقل ولعل هذا التناقض يكمن في ان النص الكتابي الذي يعتمده دريدا بعد ان استبعد نموذج الكلام، يرتبط بالاله اليهودي الذي كتب النص بيده مما يجعل النص المقصود (أثرا غائبا) ضاعت منه العلامات والمادة وإذا أضفنا إن دريدا يدّعي ببرنامجه هذا نقد الميتافيزيقيا بل الفكر الغائي ذاته ولسنا في معرض خلاف او نقد او حتى تناقض معه، ولعل هذا ما سبق ووضع هابرماس يده عليه في معرض نقده لـــ(جاك دريدا) عندما وجده يحاول تجاوز الميتافيزيقيا عن طريق (الدين) والصوفية اليهودية وهو ما اعتبره معاديا للعقل ولا يصب في الخط الحدائي بل ويناقضه(6).

كما إن جان فرانسو ليوتار فيلسوف ما بعد الحداثة كما مربنا يريد من الإنسان أن يكون واقعيا تجاه واقع الإنسان الذي يحياه الإنسان الغارق إلى أقصى حد في هيمنة التقنيات والعلوم على وجوده. اذ يطالبه بأن يتعايش مع تلك الهيمنة، لكن من دون ان يمنح التقنيات والعلوم اية ثقة ، فمثلها لا يمكن منحه الثقة من اجل رفاهية الإنسان، ويبشر ليوتار هنا بحقبة ما بعد الحداثة ، التي ستضمن برأيه الحفاظ على التنوع، عندها يجب على كل فرد ان يتكيف مع التنوع الثقافي للأخر، وبعيدا ان يكون معنى التكيف أن ينصهر الفرد في نموذج حضاري واحد. فليس ثمة معيار أو حكم أعلى يمكنه أن يفصل بين ماهو خير أو شر لدى مختلف الأطراف الحضارية(7).

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.....................

(1) . د. محمد الشيخ / عالم الفكر، مج41، 2012، ص 28،29،37.

(2) . المصدر السابق، ص10.

(3) . المصدر السابق ، ص36.

4) .انظر د. عبدالرزاق الداودي، عالم الفكر، مج41، 2012، الفلسفة والثقافة في عصر العولمة ، ص185.

6.) د. مجدي عبدالحافظ / مصدر سابق / ص 152.

7) .المصدر السابق، ص156.

 

 

علي المرهجفي الدين إجابة عن أُحجية الوجود في الحياة، بل وإجابة عن وجود آخر أبهى وأجلى وأشف من وجودنا الواقعي، ولكن في التعقل بعض من نزوع أهوج نحو فك مغاليق أُحجية الحياة والموت، وفي كل رؤى الفلاسفة والمفكرين ما يُزيد هذه الأُحجية تعقيداً، ولكن عند المُعتقدين جواب جاهز مُطمأن لهم، يحل مُشكلة وداع من نُحب بشكل مُفاجئ، بل ووداع من نُبغضهم، "فأنت تُريد وأنا أُريد والله يفعل ما يُريد"، ولكن عند المُتعقل (أنا أريد) هذه ممارسة لفعل الإرادة فيها بحسب ما يروى الفلاسفة الوجوديون كوني حُر، فكوني حُر فهذا يقتضي أن أكون "أنا" خارج مُهيمنات المنصوص الغيبي، لأن هذا من مُقتضيات وجودي "أنا" الإنسان بوصفي كائناً حُراً، ولكن هل تُحل بهذا أُحجية هذا الوجود الذي فسره اللاهوتيون بأنه وجود ممُكن مُرتبط بواجب الوجود بعبارة الفارابي؟.

مُشكلة الحياة أنك تعيش فيها وتشغل نفسك بأفاعيلها، ولكنك لا بُد، بل ومن المحتوم أنك مُغادرُ لها، فوجودك يُنبئ عن عدمك القادم.

وبعض ممن لم يؤمنوا بالعيش في الحياة الدنيا ممن آثروا الموت عليها، عملوا على تفعيل الخطاب الوجداني والشاعري عند من سحرته نصوص السماء وتصويرها المُلذ لمن لا حياة له ولا فعل ولا تأثير عقلي، لأنه وهب ما وههبه الله من قدرة على التعقل ليجعلها أدة طيعة لمن فاقه في التفكير والتحوير لنصوص المقدسة، فآثر هو الإسترخاء وجعل التفكي من مهمة الأولياء، فأغلب من منح عقه الرواحة وعاش في فضاء الراحة والاستراحة هم ممن يعتقدون بأن في مُغادرتهم لهذه الحياة وتفضيلهم للموت، إنما هو إتباع وإيمان لمُبتغى الديانة، ألا وهو "الموت" بلغتنا نحن الذين نبتغي العيش في الحياة الدنيا، لكنها "حياة" أخرى لمن ملَ العيش في دُنيا ملؤها النفاق، فحينما تجف بساتين المحبة الإنسانية، فعند هؤلاء حياة الآخرة أجدى وأحلى، وعند من ظن أن مهمته القصاص من الذين في اعتقاده أنهم خالفوا أمر الله والسماء خيار في القضاء عليهم وعلى دُنياهم التي لا تساوي عنده "عفطة عننز" بالمُقارنة مع ما سيحصل عليه وما هو مُتاح في عوالم الآخر التي وعد الله بها من آمنوا به!!، وبين من جعل من مشكلتي الحياة والموت من المفكرين والناس البسطاء من الساذجين أمواج مُتلاطمة وبحور واسعة لا يابسة نرتجي التلاقي بينهما عليها، فهناك مفكرون ممن عشقوا الحياة الدنيا وتماهوا مع مُعطيات الصراع فيها، مثل (ماركس) و(فرويد) و(نيتشه)، وهناك فلاسفة ومفكرون حالمون ممن تماهوا وعشقوا وهاموا في "الوجود الآخر" (الحياة الأخرى)، فلم يجدوا في هذه الحياة الدنيا غير مثالات لما في عوالم المثال بلغة إفلاطون، فالحياة الحقيقية هي حياة النفس لا الجسد، بينما كان أصحاب ذاك الفريق يعتقدون بأن الحياة الحقيقية هي الواقع المُعاش بكل مخاضاته والصراع الذي فيه، وما الحياة "الطوباوية" سوى وهم صنعه اللاهوتيون من شتى الأديان وشاركهم فيه الفلاسفة المثاليون، أو العكس، وهم صنعه الفلاسفة المثاليون، فأُعجب به اللاهوتيون، فصنعوا وأبدعوا له عوالم خاصة هي عوالم المُتمنى الجميل العادل الحكيم غير المُتحقق في عالمنا الأرضي، لكنه جليَ بهيَ في عوالم المثال. فهل هناك من حل لأُحجية جدلية "الحياة والموت"؟، فما هي الحياة؟ هل هي العيش والتماهي مع مُعطيات عالمنا الأرضي في الحياة الدنيا؟، أم هي "الحياة" بلغة أخرى وبمعاني مُضادة للمُعتاد من التداول النظري والمُعطى العملي في الحياة الدنيا ليكون معناها ومبناها هو "حياة الأنفس" أو الأرواح بعد تململها من العيش وسط حياة زائفة مليئة بالصراع والخلاف والصراع، للننتقل لـ "حياة" أخرى مليئة بالتوادد والتراحم والمحبة، كما رغب اللاهوتيون من الفلاسفة والصوفية ومن سبقهم من الأنبياء.

وما "الموت"؟، فأما الموت في الحياة الدنيا عند من تماهوا مع دُنيا الواقع وعشقوا العيش فيها، فهي مُغادرة للوجود المادي "الحقيقي"، ولكن الموت عند من تماهوا مع رؤية اللاهوتيين من الأنبياء والفلسفة والصوفية فهي حياة أخرى لـ "أولي الألباب" من المؤمنين بالحياة الآخرة ويوم الحساب.

أما عند بُسطاء الناس من هؤلاء ومن سبقهم، فهم في "كل واد يهيمون"، وكل منهم يفهم مُشكلتي "الحياة والموت" بحسب المُهيمنات والمقولات السائدة في مُجتمعه وبيئته الثقافية، فحيثما ساد إتجاه في تفسير المشكلتين في مُجتمعه ولا معارض لهذا التفسير ولا ناقد سوى القلة القليلة من الناس، فهو حتماً ولا بُد متوافق ومؤيد ومُنافح ومُتبني للتفسير السائد اجتماعياً وثقافياً ودينياً في البيئة التي هو جزء منها، ولكن أسئلة من قبيل لماذا أنا أحيا؟ وهل في الحياة ما يستحق أن أعيش من أجله؟، وما هي مُبررات الوجود فلسفياً؟، وهل للحياة معنى من دون وجودنا نحن البشر؟ وهل الإنسان هو "الوجود الأقصى" بلغة بول تيليش؟، أو هل هو "خليفة الله" في الأرض وفق رؤية وتفسير فلسفي عقلاني لا ديني؟. هذه أسئلة لا يقترب ولا ولن يسأل عنها بُسطاء الناس، ولكن من يسأل عنها هم الفلاسفة، ولكن ما هو مقدار وقيمة ما طرحوه من أجوبة لحل مُشكل العلاقة بين الحياة والموت؟، وهل لهذه الأجوبة قيمة معنوية وعقلانية من حيث التداول في الفضاء أو المجال التداولي العام؟، أم أن هذه الأجوبة بقية حبيسة التداول الخاص في فضاء مُقيد بنُخبة مُعينة؟ ولم تلق أذن صاغية تُنصت لها داخل الفضاء الاجتماعي العام؟.

لذلك أنا أختلف مع زكريا إبراهيم بقوله في كتابه "مُشكلة الحياة" "أننا جميعاً نعرف قيمة الحياة"، فالحياة على عكس ما يقول:"أنها تحمل في ذاتها، أو من تلقاء نفسها مُبررات وجودها"، إنما الحياة تحمل في ذاتها مُبررات بؤسها وعدمها، فأنا لليوم لم أعرف "قيمة حياتي"!، فحياتي كفرد مُتفرد ـ ربما ـ تُخالف حياتي كفرد داخل جماعة، ووجودي الاجتماعي الذي لم أختره بنفسي ـ ربما ـ هو كل أو بعض من شقائي وبؤسي ورغبتي باللاوجود رفضاً لوجود لا كينونة ولا حضور ولا تأثير ولا فاعلية لي فيه، ولم يكن لي دور في قبوله أو الرفض.

العدم ليس هو الموت، إنما هو لاحق له، لأن الموت هو الذي يمنح للحياة بعض من بهاء حضورها وفاعليتها في الوجود الواقعي، أما العدم فهو الذي يصنع حياة حُرة لكائن حُرة تُصارع فكرة الموت لتبني فكرة جديدة تُعبر عن كينونة الإنسان الصانع للصيرورة، صيرورة الوجود المؤثر لا في حياة الإنسان أو موته، إنما في إعلانه الدائم عن كينونته "الوجود الدائم أو المُستمر" بعيداً عن التصور الساذج للجدل بين مقولتي الحياة والموت، لأن كينونة الإنسان الحُر صناعة لحياة جديدة خارج منطقي التصورين المادي والروحاني. هو تصور لصراع وتوتر مستمر بين أسبقية الوجود الإنساني "الكائن" و "ما ينبغي أن يكون"، والكائن هو وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، و "ما ينبغي أن يكون" هو مرتبط بقدرة الإنسان على ملأ فراغات أسئلة الوجود "الميتافيزيقية" بحضوره المستمر وكينونته الفاعلة.

ومثلما أكد زكريا ابراهيم فهناك "سعادة بلا وعي" و "وعي بلا سعادة"، ولم يضع زكريا إبراهيم ثُنائية التقابل بين وجودين كلهما حلو، أو ربما مُر، ألَا وهما تقابل "السعادة مع الوعي" أو "تقابل والوعي مع السعادة"، والتقابل هنا بمعنى التساوي أو التعالق والتماثل في الحضور!. وكأن الفكر رديف للشقاء، أو ألَا حضور للوعي خارج الشقاء، والعكس صحيح، أي لا شقاء لمن لا وعي له، فكلما حضر الوعي شخص ما إزداد شقاءً، وهو ما يُمكين تسميته بـ "الوعي المُستكين" الذي يُقابل بالتساوي وعي العبد الغائب عن الحضور بفعل الممارسة الإقصائية للسيد.

أما ما أسماه (هيجل) بـ "الوعي الشقي" فهو المُضاد لفعل العبد المُغيب لدوره وحضوره، هو فعل للفيلسوف الواعي الذي أدرك مُتغيرات الواقع الحال وسعى لتغيير المُحال، فشقي من كُثر ما عانى من تحمل أعباء الإصلاح والتغيير رهن العبد لها نفسه (العامل) بلغة ماركس فقبل في أن يكون حاله كحال الآلة يقبل أن يغيب بها بوصفه إنسان ليحضر كآلة لا فعل له ككائن البشري إلَا حينما يكون ذاتاً فاعلة ومؤثرة في إعادة إنتاج الوجود ليكون الموت مُرادفاً لفعل الاستلاب هذا، والحياة فعل وجود مُرادف لشعور الإنسان بكينونته بوصفه مُشاركاً في تشغيل النتاج وسبباً في زيادة الإنتاج بلغة ماركسية كمرادف لكسر نمطية الصراع بين "الحياة والموت" وفق الرؤية الماركسية الناقمة على تشكيل "الحياة" الرأسمالية على غرار تصميم لا "حياة" له إلًا على غرار تصميم لـ "موت" "البروليتاريا" التي لا حياة للرأسمالي ولا وجود (موت) إلَا بفاعلية رأسمال حر لا صديق له وخليل، سوى القبض من فائض رأس المال، الذي صار اليوم هو الذي يضبط "هرمونية" النغم وزُحافه.

ولا حل لأُحجية العلاقة أو جدلية "الحياة" و"الموت" لا غرار "هرمونية" نسقية تضبط علاقة العدد بالنغم، ولا خارج هذه الهرمونية، بـ "الزُحاف" وعزف النشاز خارج "هرمونية" النسق المُعتاد الذي تصورناه أنه صورة مُفارقة لنمطية النسق وخرق ونقض وتفكيك للسائد المألوف منه، ولك من السائد والمُفارق أُحجية في الإستبدال وتبديل المواقع بين المألوف منه والمُفارق، فكم من مألوف اعتقدنا به، ففُجئنا بخطل تصوراتنا عنه، لأنه من عالم المفارق لا المألوف كما تصورنا، وكم من مُفراق تصورنا أنه خارج المألوف، فوجدنا أنه قريب لنا بعد حين، فهذه هي جدلية "المرغوب المحبوب" (الحياة)، كما تصونا في زمن، ولكننا ـ ربما ـ سنجد بديلاً له فيما تصورنا أنه من (المكروه) (الموت) حل لمشكل العجز والخوف والفشل الذي يُمكن أن يكون من سُبل البحث عن نجاحات لتجاوز ضعف الذات، "فمن لا يموت، لا يُمكن أن يكون قد عاش"!.    

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

علي رسول الربيعييتبى عبد الله العروى المنهجية التاريخانية التي يعود أصلها الأصطلاحي إلى العقيدة التى تقول بأن كل شىء أو كل حقيقة تتطور مع الزمن، وهى تهتم بدراسة الأحداث في ارتباطها بالظروف التاريخية. لقد كان أوج الاهتمام ﺑالتاريخانية كعقيدة ومنهج فى الدراسات التاريخية إبان القرن التاسع عشر الميلادي حيث ارتبط صعودها بانتشار الفلسفة الوضعية الكونتية، تتبنى "التاريخانية" فرضيات فلسفية وأيديولوجية بغية التسويغ لأفكار قد تكون دينية أوقيم أخلاقية أو سياسية أو حتى ثقافية، من خلال توجيه التاريخ كخط مستقيم ومتواصل؛ وهي تنطوى على رؤية للتاريخ تقول بالتقدم المتدرج (مع الزمن) انطلاقاً من أصل (أولي) نحو نهاية أرضية أكثر أكتمالاً باستمرار وهذا هو موقف الفلسفة الوضعية.

إن التحليل التاريخانى عند العروي (العرب والفكر التاريخى ، دار الحقيقة ، بيروت 1973م )عديد من معطيات أولية تسيره بكيفيات واعية أو لا واعية وهي عبارة عن فرضيات تتمثل في:

1- وجود مرحلة متقدمة فى تطور التاريخ، بالنسبة لظروف مجتمعه الأصلى.

2- وجود وحدة سياق ووحدة سير فى التاريخ.

3- سطحية التاريخ (أى تقدم التاريخ على سطح واحد أو فى بعد واحد).

4- إمكانية الطفرة فى التاريخ.

أما "التاريخانية " الماركسية فلا تعد مرحلة تاريخية من تطور الفكر الماركسى بحسب ما يرى العروي، بل هى متجددة دائماً ومتطورة وفق أربع مقومات هى:

1- ثبوت قوانين التطور التاريخى (حتمية المراحل) .

2- وحدة الاتجاه (الماضى والمستقبل) .

3- إمكانية اقتباس الثقافة (وحدة الجنس).

4- إيجابية دور المثقف والسياسى (الطفرة ، واقتصاد الزمان).

وتبعاً للعروى فإن الماركسية مفهومة على ضوء العقل الشمولى ، وهو بذلك يعتبرها ـ متعرفة بالتاريخ باعتباره هو تاريخ الإنسانية المعاقة لا حينما ترقص بكيفية عمياء طبعا ـ بل عندما تقبل أن تتجه وجه التقدم البديهى فى طريق سيرها الذى يتم بالخضوع للفكر التاريخى ومقوماته التى تحدد فى :

1- صيرورة الحقيقة .

2- إيجابية الحدث التاريخى .

3- مسئولية الأفراد (بمعنى ان الفرد هو صانع التاريخ) .

ويرى العروى أن الماركسية فى تأولها التاريخانى تعد أفضل مدخل وأحسن مدرسة للفكر التاريخى يمكن أن يجدها العرب اليوم، لأن الفكر التاريخانى هو الذى يحرر المرئ من الأوهام ويوجهه نحو الواقع والإنجاز وكذلك هي مقياس المعاصرة ، فيحتاج العالم العربي في ظروفه الحالية إلى ماركسية " تاريخانية " يتوحد فى اطارها الثقافى نواة حركة تحديثية فى المجتمعات العربية. فالماركسية التاريخانية الموضوعية كما يرى العروى هى الأكثر ملائمة لمتطلبات الواقع العربى وأن الأيديولوجيا العربية المعاصرة عليها باعتماد الماركسية لا أن طريق التعليل المجرد ولكن على من منطلق المنفعة. وعليه يعتقد بضرورة مرور العالم العربي في المرحلة " التاريخانية " أى كتابة التاريخ بشكل قومى ووطنى ومركزي كما حدث فى أوربا إبان تشكيل القوميات فى القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين.

يحاول العروى (بتاريخانيته) تجاوز كل من الشرق والغرب بمرجعية يراها جديدة ولا يغير من الأمر شيئاً إذا كانت غربية المنشأ، حيث لابد من اعتماد الماركسية (التاريخانية) التي يربطها باستيعاب الثقافة (الليبرالية)، وكذلك على ضرورة المرور بمرحلة النقد الأيديولوجى حتى نتخطى الفجوة بين العمومية الفارغة والخصوصية النسبية بشىء من التطلع والاستشراف. إنه يريد أن يغير التاريخ أساسا بقانون المتصل والاستمرارية، لكنه هذا المأزق النظري المأسور فى الميتافيزقيا هو الذى جعله قريباً من الماركسية، غير أن الماركسية فى أحد أشكالها الأكثر صرامة ترفض تاريخانية الفكر الليبرالى (القرن الثامن عشر الأوربى) التى أوجدت بدائل تحل محل مطلقات التعالى وهى بدائل معلمنة: العقل ، الفرد ، الحرية ؛ رغم أنها في الحقيقة ظلت تقوم على الترية الميتافيزيقية ذاتها ورغم التحول الأيديولوجى الحاصل في أوربا والغرب عموما. إن التوسير مثلا يدعي أن التاريخ وصراع الطبقات بلا باعث ولا غائية، لقد غير موقف الماركسة النظرى دفعة واحدة وفى تجاوز هذين النوعين من (التاريخانية)، وهنا نجد أن عمل العروى يبقى معلقاً بينهما.

تريد هذه التاريخانية أن تعيد التفكير فى (الوعى التاريخى) بالنسبة إلى الأيديولوجية العربية مؤكدةً على معنى الاستمرارية التاريخية، وعلى الدور الموجه للحقب ذات الزمن الطويل، حتى يتمكن من إعادة تخلفنا الثقافى كله إلى مجال التاريخ. ولكننا، بالمقابل، نجد أنفسنا غير ملزمين باتباع المسيرة ذاتها ونجتاز من جديد المراحل التى اجتازها الغرب ،لابد أن ننطلق مباشرة وأن نبدأ من الموجود، أن ندخل إلى الحداثة فوراً من القائم هنا كمسألة؛ وخلاصة القول لا توجد أى ضرورة أو حتمية تقول لكى تتحقق الحداثة في عالمنا العربي لابد أن نرجع إلى نقطة معينة فى التاريخ الأوربى ثم نسلك المسار نفسه، ، وكذلك ما يقوض تاريخانية العروى هو خلطها بين (الآخر) و(الغير) بين الأنثوروبولوجيا الثقافة وفكر الاختلاف بين التاريخى والتأريخى إضافة إلى ذلك نجد أراءه حول الواقع العربى تتساقط من تلقاء نفسها ومثال على ذلك تجده يقول " منذ ثلاثة أرباع القرن يطرح العرب على أنفسهم سؤالا وحيدا واحداً: من الآخر ، ومن أنا " (العروى : الأيديولوجية العربية المعاصرة ) إن هذا القول يلغى البعد التاريخى لحقيقة السؤال ذاته، لأنه سؤال لا ينفك يطرح وباستمرار من قبل فكر الوجود ، لكن العروى يغيب هذا السؤال الجوهرى عن الوجود والموجود ، المؤتلف والمختلف كما يطرح فى الفلسفة اليونانية والفلسفة العربية ، إن أيديولوجية العروى منهارة فى أساسها ولا قيمة لها.( الخطيبى ، عبد الكبير : النقد المزدوج )

أما بخصوص التراث فهو يعنى عند العروى مجموعة الأشكال الكلامية والسلوكية التى انحدرت إلينا من الأجيال السابقة وفى نطاقه يطمس التعاقب الزمنى والتمايز الاجتماعى حيث إن رباطنا بالتراث العربى الإسلامى فى واقع الأمر قد انقطع نهائياً فى جميع الميادين وأن الاستمرار الثقافى ما هو إلا خدعة وسراب ، فقراءتنا للمؤلفين القدامى لا تؤدى إلا إلى عدم رؤية الانفصام الواقعى لأن الذهن يكون مفصولاً عن واقعه متخلفاً عنه بسبب اعتبارنا الوفاء للأصل حقيقة واقعية مع أنه أصبح حنينا رومانسيا منذ أزمان متباعدة . فالانبعاث لا يعنى إحياء إنجازات الماضى بقدر ما يعنى استعادة العرب للمركز الحضارى الذى احتلوه فيما سبق بين الأمم . فالعروى يعتقد أن الثقافة العربية المطلوبة ستكون بالطبع متشابهة للثقافة القديمة من جوانب شتى ، لكنها ستكون بالطبع مخالفة لها فى المضمون من حيث كونها فى مستوى الثقافات المعاصرة ، وهذه نظرة للثقافة والتقليد لا تنبع من داخل التقليد ، إنها تستقل عنه لتعود إليه ثم تحكم عليه وتستغله ، فهى نظرة خارجية موضوعية تستخدم منظور التاريخ عنصرا معرفياً وأساساً لتكوين المعرفة العلمية .

لا يستطيع عرب اليوم، كما يرى العروي، أن يقولوا إن لهم حضارة وثقافة بالمعنى الدقيق إلا بإن تكون انجازات اليوم بمستوى إنجازات الأمس، وفى الوقت ذاته متميزة عن إنجازات الأمس وبالتخصيص الأوربية التى تدعى الكونية، فربط الأصالة بإنجازات الأمس فقط يشير إلى تاريخ بائد، وكذلك الربط بإنجازات الحالية تكون كلاماً فارغاً لأن ثقافتنا الحالية مقتبسة فى معظم مظاهرها، والحل المعقول هو أن نربط الأصالة بطموح العرب وما يرغبون فى تحقيقه مستقبلاً، فتكون الأصالة عبارة عن مشروع ثقافى. ولذلك يؤكد العروى على أن مفهوم الأصالة غير مستقر، يرمز إلى الدين مرة ومرة إلى الثقافة، يشير مرة إلى واقع انثروبولوجى ومرة إلى اختيار تاريخى. إن السؤال حول الأصالة لا يتعلق بمفهومها وشرعية الدعوى إليها، بل بالأحرى حول من له مصلحة فى نشرها، وكيف يفهم الأصالة ويستغلها؛ ولكن فى الوقت نفسه يدرك العروى أن هناك من يعطى لكلمة الأصالة مفهوماً لا يتجانس مع مفهوم الانبعاث إلى حد أن المفهومين يصبحان متناقضين، وذلك لظهور طرفين أحدهما يركز على الأصالة والآخر على الانبعاث عن طريق الاغتراب، وما هو مهم بالنسبة لنا هل التناقض الحاصل بين الطرفين ناتج عن اختلافات مصلحية فقط ، أم هو تعبير عن مفارقة تاريخية تكمن فى صلب مفهوم الانبعاث بوصفه مشروعاً إنسانياً عاماً ؟ أى هل مسألة الانبعاث تؤدى بالضرورة إلى التناقض بين الأصالة والمعاصرة؟ ( العروى : ثقافتنا فى ضوء التاريخ ).

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروي يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة.

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروى يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة ، وأما أصحاب الموقف المعارض فيدعون إلى تقليد الغرب والأخذ من حضارته بهدف الخروج من وضعنا البائس ، وهكذا يوجد على الساحة الثقافية اليوم طرفان يتفقان فى الهدف ويفترقان فى الغاية. وهذا التعارض بين الطرفين يوجب علينا النقد المفهومى حتى يمكن إدراك الاختيار الذى يمثل الخطوة الحاسمة لتحقيق قفزة نوعية تجعل منه مجتمعاً تاريخيا وبوعى تاريخى حتى يمكن تجاوز هذه المفارقة بعملية جدلية مرتبطة بالتاريخ الوقائعى نفسه .

ولكي نعيد تقويم العروي نلاحظ أنه يؤسس خطاب السؤال من خلال قضية مشروعية تدور حول إشكالية: لماذا لم تجسد العقل عندنا فى نظام اجتماعى موظفاً فى ذلك أدوات معرفية ومفاهيم رئيسية موجهة لخدمة قضايا (الديمقراطية) و(التحرر) بطريقة منهجية ذات دلالة قوية على الفعالية والاستمرار، و على النقد والتأويل ومحاولة إقناعنا على أن واقعنا ليس الحاضر وإنما المستقبل، فمشكلة التأخر نجد حلها فى المستقبل الذى هو عنده، أوربا عصر الأنوار ( العروي :أزمة المثقفين العرب) فمنهجية العروى ترفض الفصل بين الغرب والشرق، وكذلك نجده يحاول فهم الأحداث فى مضمونها التاريخى والاجتماعى من خلال تأكيده على ضرورة تحقيق وحدة الاتجاه التاريخى وبالقول بأن لكل شىء معنى في التاريخ، لهذا يتطلب استيعاب مفهوم التاريخ لتجاوز تأخرنا الثقافى، ونقيم دولة المعاصرة التى توحد بين المجتمع المدنى والدولة(العروى: مفهوم الدولة )، هذه "التاريخانية " تنير المستقبل أكثر ما تنير الماضي، فتكون الرد على دعوات تأصيل التراث، فالذى يخرجنا من تخلفنا هى العلاقة العقلانية المرتكزة على دولة معاصرة ليبرالية تربطنا مع عصر الأنوار، لكن المشكلة هنا هي أن الاستمرارية عند العروي ليست استمرارية مع الماضى التراثى العربي الإسلامي ولكن استمرارية مع ماضى آخر هو عصر الأنوار الأوربي.

تقوم منهجية العروى على العالمية أى التسلم من الثقافات المغايرة وعليه لايمكن النظر الى منهجيته من زاوية منطق الهوية بل أنه يرد التاريخ إلى شمولية ميتافيزقية، نسيجها الاستمرارية والعقلانية والميل إلى النظام والإرادة كما لو أن (عامل التاريخ) عقل مطلق أن يسيطر على العصر. والأمر فى تاريخانيته يتعلق بمنهج فني (تكنيكى) يكتفى بتسجيل الوقائع التاريخية وترتيبها فى خط زمنى متواصل تقرأ فيه البدايات والأصول والتاشيرات والأحداث من كل نوع وبالتالى فإن الرأى الذى يقول بأن العروى يقول بالقطيعة التاريخية غير مقبول، فالتاريخ عنده هو النظرة الشاملة الى مجموعة حوادث الماضى، إنها نوع من فلسفة المتصل التاريخى التى رفضتها طروحاتها مدرسة الحوليات الفرنسية والمنهجية الحفرية لاحقاً.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعيتكشف تاريخيًة العقل عن تعدد العقلانيات في الفلسفة الأغريقية والرومانية والعربية -الاسلامية والمسيحية، وفي الفلسفة الحديثة مثل العقلانية الديكارتية، والتجريبية الأنجليزية والجدلية الهيجلية، والمادية الماركسية، والبرغماتية والوضعية المنطقية وغيرها التي تجلت عمومها في مسارها التاريخي عن أن تعدد العقلانيات هو نتاج العقل في سياق حركة التاريخ. لقد قدمت الفلسفةُ العقلانية ابان عصر التنوير وامتداداتها حتي مابعد القرن التاسع عشر تصورا أيديولوجيا للعقل قوامه أن هناك مفهوما واحدا وثابتا للعقل يستغرق كل أنماطه ومعانيه؛ وأن هذه العقلانية التي يمكن تسميتها اصطلاحا "العقلانيًة الكلاسيكية " تعتبر أي فهم للأفكار خارج نطاق نظامها لا يكتسب صفة المعقولية بشكل كامل؛ لكن البحث الجينالوجي- النسابي يُبين أن كل نمط من أنماط العقلانية هو أحد انظمة العقل في مرحلة فكرية تاريخية معينة.

يَكْشفُ المنهج الجينالوجي عن شكلِ العلاقةٍ بين مفهومِ للعقل ونـمط من العقلانية تدعي تمثيلها لهذا العقل بشكل كامل، بوصف الجينالوجيا تهتم بالبحث عن أصل ونسابية وجذر الفكرة و / أو الحدث ليس طبقا للمنهج التاريخي الذي يتابع نشاة الظاهرة ومسارها اللاحق وتطورها، ولكنها، أي الجينالوجيا تلاحق من موقع الحاضر في ماوصلت اليه الفكرة / الحدث و تكشف التاويلات التي مرت بها والاقنعة التي تلبستها في مسارها التاريخي، أي تعود الجينالوجيا من الحاضر الى الماضي لا تاريخيا من الماضي الي الحاضر في متابعة تطور الأفكار في سياق كورنولوجي؛ فالجينالوجيا تكشف العلاقة الموًحٍدة والاستغراقيًة بين مفهومي العقل والعقلانية من خلال العودة للنظر في المسارِ التاريخي المُشَكْـل لنظام تأسيس مقولات هذه العقلانية وابنيتها النسقية التي تدعي الثبات والوحدة، وتكشف،أيضا، كيفية تلبًسها مفهوما معينا للعقل يتمتع بالثبات والوحدة، وتقوم بأبراز مواقعيًتها ونسبيتها. ولا يمكن بالتالي أعتبار أن هناك أتجاها واحداً لمنطق العقلنة لاسيما بعد الصدمات التي أخترقت صميم منظومات العقلانية، والزحزحات التي اصابت مدلول العقل نفسه.

منطقية العقل العقلاني

تعبر الأنظمة العقلانية عن نظرة نمطيًة لمفهوم العقل حيث تعتبر العقل الذي ينتج عقلانيات متعددة في تاريخه له صيغة وشكل واحد طول مراحل التاريخ، وأن هناك نظاما فكريا عقلانيا يعد نفسه هو العقل عينه في خط متواصلا طوال تاريخ الفكر (الفلسفي) ويري أن هناك اتجاها آخر بخط مناقضا له لاعقلانيا، فيعد هذا النظام العقلاني بصيغته" العقلانية الكلاسيكية " أنه يمثل العقل بشكل كامل و مطلق يقابله اللاعقل ويحاول أن يفسد عليه حضوره الكلي في التاريخ، منطلقا من خطاطة تاريخانية هي نوع من القراءة الأيديولوجية التي تقيم معنىً للعقلانيًة وفق قوالب جاهزة للتصنيف.

تصور عصر التنوير الغربي للعقل

تُقَدمٌ العقلانية الكلاسيكية تصورا مسبقا عن العقلِ يحدده كمفهوم ثابت وشكلانيًة سكونية تطبعٌ أفكارأ معينة، في حين أنً هناك أفكار أخرى تعدها مناقضة لهذا التصور؛ أنها تعتمد هذا التصورَ كمعنى عام للعقل؛ لكن الكشف عن اصلِ هذا التصور للعقل يبين انه وليد عصر التنوير الأوربي الذي يعد العقل ( المستقل) جوهرا حاملا كل الصفات والخصائص المطلقة. فترسم العقلانية الكلاسيكية تصورا للعقل بوصفه العقل الناميً في سياق تاريخي متصل، ويٌطبق على تاريخ للعقلانية بوصفها دأب دائم لبلوغ الحقيقة والصواب وتجاوز الخطأ. انه يحكم على أنظمة الفكر وفقا لمنطق ثنائي القيمة وأستراتيجية في الفصل بين " المعقول" و " اللامعقول "، مستعملا مفاهيم كـليًة ميتافيزيقية لاتاريخية يُصدر طبقا لها أحكامه القيميًة.

تعبرهذه العقلانية عن التفكير بميكانزم (آليًة) أحد أنظمة الفكر الغربي مضفية على العقل معنىً وحيدا ويسلك دروب مرسومة ؛ أنها تفصل بين تاريخ مستمر للعقلانية عن آخر مختلف للاعقلاني. لذا لايمكن لهذا التصور القبول بنسبية المعني الواحد للعقل والأشكال المتعددة للعقلانية؛ فـتستمر عنده نـظرة الموازاة والصراع بين خطين فكريين عقلاني ولاعقلاني؛ معتقدا أن هناك عقلانية نقيًة تُقابلها وبجمعِ عامِ فلسفات الشك بالعقل والإيمان بقوى أخري. غير أن الشك بالعقل شئ والشك بعقلانية معينة شئ آخر؛ أما الايمان بقوى أخري فشئ مختلف لايناقض العقل وليس في عداء معه، ولكن أبستمية (نظام الفكر) " العقلانية الكلاسيكية " تتبني مفهوما للعقل هي العقلانية العلمويًة الباترة التي فهمت منطق العقل على أنه يُمثلٌ اتجاها ماديا وضعيا الحاديا ضد الدين؛ والحقيقة هذا فهم واحد من أنواع متعددة للعقلانية طوال تاريخ الفكر الفلسفي.

اتجاهات تاريخ الفكر الفلسفي

يُهَيمن على نظام العقلانيًة الكلاسيكية تصورا مسبقا لاتجاهين متناقضين في بنيتهما و متخالفين في حركتهما طوال تاريخ الفكر الفلسفي، الاول مادي الاتجاه والثاني مثالي الهوية والتفسير. أنً هذا التصور ناتج عن نظرة تعميمية تبسيطية لتاريخ الفكر الفلسفي ظهرت في القرن التاسع عشر بتأثير فلسفة للتاريخ ذات التقسيم الثنائي، سلالة مادية عقلية وأخري مثالية لاعقلية،وتعرض هذه النظرة مفهوما للتقدم بوصفه سلسلة من التطور والنمو الذاتي طول مراحل التاريخ.

أن التفلسـف وفقا لرؤية العقلانية الكلاسيكية لا يكون عقلانيا الا بصروح كليًة متماسكة البناء الشكلي؛ وكذلك لابد ان يخضع القول الفلسفي لنسق متماسك على طريقة المذهبية الفلسفية التي تقدم تفسيرات شاملة حتى يحوز على معنى المعقولية ويكون دليلا عليها؛ ثم تتجه هذه العقلانية الي اصدار احكام قيميًة تَصفُ بعض الفلسفات. وهنا نضرب مثلا على تلك الفلسفات التي تعتبرها لاعقلانية كفلسفة نيتشه غير النسقية والتي لاتخضع لتلك الشروط فتصفها بالاعقلانية.

إن هذا الحكم هو نتيجة للوقوع في دائرة الفهم الكلاسيكي للعقل وغير المتمثل للفكر النيتشوي المُـعَرًي في منهجيتهِ الجينالوجية لميتافيزيقا نماذج الأحكام الاخلاقية المشكلة لهرم البناء الفكري ــ المذهبي والتقييم(الغربي)، وكشف محجوب هذا النمط من المعقولية وأصول تكوينها؛ فقد ضرب نيتشة الثنائيات الوجودية والفكرية التي تمثل دعامة وسندا للقول الفلسفي التقليدي، مثل المقابلة بين الحقيقة والخطأ، والحسي والعقلي. اما فرويد بكشفه عن منطقة اللاوعي فلم يكن لاعقلانيا على ماتحكم هذه العقلانية، بينما قلبت تحليلاته النفسية مفهوم الشخصية قلبا جذريا من خلال ابتداعه لمفهوم اللاشعور الذي يعد عنده اساس التحكم في السلوك الواعي للشخصية وبموجب ذلك لم يعد يتحدد الانسان بوصفه وعيا وإرادة حرة بقدر ما اصبح يتحدد بوصفه خزانا لا شعوريا تعتمل فيه طاقة متفجرة من الرغبات الحيوية التي تفوق سلطة الوعي وضوابط العقل ذاته. لقد وطأ أرضا بكرا وسع بها من جغرافية العقل الى مساحات جديدة لم تكن متعقلة من قبل، وفتح ريادة للعقل بابراز المؤثرات الفاعلة في حقيقة فهم منطق الوعي واقامة تعقيل ما كان لامعقولا، مبينا في هذا المجال أنً المرمي باللامعقول ما هو الا إمكان عقلي يعيد بناء مفهوم العقل ودلالاته.

وقد كشف عن هذا هايدجر حينما شرع في ارجاع التحولات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي الى مجرد تحول في كيفيات تأويل الوجود ونمط الحقيقة ضمن الخط العام لجوهر (الميتافيزيقا) الذي شهد تعديلات مهمة مع ديكارت ثم نيتشة لاحقا، ولكن دون أن يمس ذلك جوهر (الميتافيزيقا) ؛ (وحول تفصيل هذا انظر كتاب هايدجر بعنوان نيتشة والفلسفة ، الجزء الأول). وكذلك تابعه ما يعرف بفلاسفة الاختلاف على هدم التراث العقلي للفكر الغربي على النحو الذي أقام أسسه تقليد عصر التنوير منذ القرن السابع عشر. فقد وجه فوكو ضربات قوية وصارمة في كتابه " الكلمات والاشياء " و " حفريات المعرفة " لادعاء هذه العقلانية الامتداد على مـسار التاريخ بشكل متصل وتكاملي مبرًزا الانفصال بين انظمة الفكر في سياق اختلاف مراحل التاريخ، و أيضا، أبرز القطائع في اسس ابنية العقل ذاته. فقد قام في تقويض مرتكزات النزعة الانسانية وبدهياتها ومختلف المفاهيم التي تسندها مثل العقل والوعي والإرادة الحرة ، والفاعل التاريخي الخ، بالاضافة الى جاك دريدا في " الكتابة والاختلاف "،"صيدلية أفلاطون " و " هوامش الفلسفة " حيث قوًض بناء العقلانية الكلاسيكية الميتافيزيقية من الداخل، وكشف الصفة النسبية لها والتي تُـعدالعـمود الفقري للفلسفة منذ افلاطون وحتى هايدجر، وأصبحت الحقيقة وفقا للمنهج التفكيكي فاعلية للدلالة اللغوية، وفنون البلاغة التي لا تربطها أية علاقة بمدلول أصلي ثابت ونهائي، لأنه ما من دلالة عنده إلا وتفضي الى دلالة أخرى الى ما لا نهاية له. و كذلك بحث دولوز في " الف سطح وسطح " عن منطق جديد يكسر مركزية العقل خارج اطار ثنائية ال " أما.. أو ".

وعليه فان القول بدخول الفلسفة الغربية في اللامعقول هو مظهر لانتكاس العقل والعلم معا، من قبل بعض حراس العقلانية الكلاسيكية الارثوذكسية، يدل على اختلاف دلالة اللامعقول، حيث ان اللامعقول وفق نظام هذه العقلانية مُبـعد بتضييق معني المعقولية وتسوير حدودها؛ ولكن هناك اكثر من هذا المعنى ومجال مختلف للامعقول.

أيديولوجيا العقلانية

تعبر هذه العقلانية الكلاسيكية عن موقف ايديولوجي من حيث صرامته التقيميًة وواحديته للمعنى والحقيقة، وتُصَنف الأفكار في خانات محددة سلفا برسم مصادراتهاالأولية وأحكامها الكلية. انه موقف يضع عقلانيته كممثلة للاتجاه التقدمي بشكل دائم. في حين أنً هذا التساوق الذي تقيمه بين " العقلانية " و " التقدم " ماهو الا مقدمة ايديولوجية ومصادرة أوليًة، فليس هناك أيً تلازم منطقي أو تاريخي بين الطرفين. وهذا الفصل الذي يٌرفع الى مستوي القطيعة النهائية بين العقل والاعقل لا يعبر الا عن منهجية ترسيمية لتاريخ الفكر بطريقة مانوية ونظرة معيارية بأحخكام مسبقة.

وهذا التصور نتاج مفهوم المتصل التاريخي الذي يـُضفي على حركةِ التاريخ معنى التوالي الضامن لمعرفة تقوم على التسلسل السببي فيكون السابق المُفَسْر والـمولًـد لـلاحقِ، من خلالِ تَبَنيه مفاهيم الكليًة، والتطوًر، والاستمرارية، والوحدة والتناقض.

العقل والأزمة

اما ما يثار من جانبِ ممثلي هذا التصور الأيديولوجي للعقل بخصوص أزمة العقل الغربي واعتبارها ازمة عند الطرف المتشكك وغير الواثق بالعقل يُطرح السؤال التالي: ألًم تَكنْ الازًمة طوال تاريخ العقل سببا في كسر دوغمائياته وخلخلة قوالبه وثوابته حتى لاتتحول العقلانية الى منظومة مفاهيم ارثوذكسية ومجموعة مبادئ قارة تحاصر المعني تحت بناء مقفل يكرر المقولات والمقدمات نفسها ؟ اولم تحدث القطائع الأبستيمولوجية بسبب الازًمة؟ فلابد اذن من توطين العقل في الازمة، فانجازات العقل الغربي لم تحصل الا نتيجةَ لأزماتهِ. الأزمة تحدث بفعلِ محاولاتِ ادخالِ التحولاتِ المعرفيةِ والانجازاتِ العلميةِ في عرباتِ البناءِ التقليدي للعقلانيةِ.

أنً الترهـيفَ المستمر للمفاهيمِ والقطائعِ الأبستيمولوجية داخل سياق النظريات العلمية يـُظهر عـَجزَ هذه العقلانية ومحدوديتها التفسيرية؛ فعلى سبيلِ المثالِ عجزت فيزياء نيوتن عن تقديمِ تفسيرِ مطابقِ لبعضِ الظواهرِ الطبيعيةِ مما أدى الى حصولِ ازمة في الفيزياءِ ما كانَ منها الًا أن أحدثتَ القطيعةَ والانفصال وَطٌـرِحتْ على اثرِها اسس ومفاهيم جديدة ذات تفسير أشمل مع النظرية النسبية. أنها ازمـة في الأسسِ والأصولِ والمُقَوماتِ لنمط معين من العقلانيات، وهي ناتجةَ عن فهمِ تعميمي لهذا النمط.

زحزحات في مدلول العقل

لقد حدثت زحزحات عديدة بالمعنى الفلسفي والمنهجي لمفهوم العقل وقطائع ابستيمولوجية مع نظام العقلانية الكلاسيكية على أثر انقلاب السياقات المعرفية التي حصلت في اللسانيات والتحليل البنيوي لمنطق اللغة؛ والتحولات الأبستيمولوجية، وإعادة تقيـيم النظام العقلاني السائد من موقع التفسير البنيوي اللغوي للاوعي (جاك لاكان) الذي اعاد صياغة الرابطة بين بـنية اللاشعور وكـلام اللـغة الترميزي، حيث تتم قراءة ظاهرة اللاشعور كما لو كانت تماثل بنيويا الظاهرة اللغوية نفسها، أو قل هي اللغة ذاتها، أين يكون المعقول طريقا " للامعقول " والوعي طريقا للاوعي، وأفـتتاحات مناهج تحليل الخطاب والتاويل(الحقيقة والمنهج و" صراع التفسيرات عند غادامير وريكور). و فلسفة المنفصل التاريخي (مدرسة الحوليًات، بروديل (البحر المتوسط في عهد فليب الثاني)

تاريخ ايديولوجي للعقل

العقلانية الكلاسيكية حصيلة مٌرَكَبة وتصْنيفيًة لتاريخِ ايديولوجي للعقلِ أٌعيدَ بناؤه طبقا لتصورات مسبقة مثلتها عقلانية عصر التنوير والعقلانية العلموية الدوغمائية السائدة في القرن التاسع عشر والتي رسمت الحدود القارة لجغرافية العقل وفصلت بشكل قاطع بين " المعقول" و " اللامعقول ". ان هذه العقلانية الكلاسيكية تُقصًي اللامعقول بعيدا عن دائرة العقل بدلا من معاينته والتفكير به واستحضاره الي دائرتها بوصفه لامفكرا فيه بعد. فغالبا ما تضع العقلانية مقولاتها الجاهزة بشكل متعالي لاصدار احكامها القطعيًة بين العقلي واللاعقلي. فمن اللامفكر فيه بالنسبة لهذه العقلانية هو أن ما من فكر الاً وله معقوليته، ولا يوجد خطاب يخلو تماما من منطوق العقل، فـلكل خطاب أدواته المعرفية ومفاهيمه الاجرائية التي يستعملها في التحليل والتفسير.

ميتافيزيقا العقل

لا يكترث نظام العقل الكلاسيكي لتحولات أبستيمولوجية عديدة ترفض هذا الفصل الصارم والقاطع بشكل مسبق بين العقل واللاعقل. وكان الأحرى بهذه "العقلانية الكلاسيكية ان تحدد نمط كل معقولية في فضائها المعرفي وتضعها على محك المساءلة في ما اذا كانت تدعي انها التعبير الوحيد عن حقيقة مطلقة لمفهوم العقل حتى تصل لاكتشاف وجود انماط عديدة من المعقولية لاتمثل أيً منها حقيقة نهائية او مقياسا لكل تعقل، فبعض الانساق الفكرية التي تعتبر ممثلة لمعني العقلانية ما هي الا منـظومات تاويًل كبري، بحسب بول ريكور.

ان مثل هذا الفهم يجعل العـقل يفتح امكان على اللامعقول ولا يوصد الدروب لعقلنته ويعيده بوصفه لامُفَكَرا فيه بعد. فارتياد اللامفكر فيه يوسًع من مجالِ العقلِ ويضعه امام مهمة المراجعة الدائمة لأسسه ومقولاته و أطره المعرفية التي تتبدل بأستمرار ؛ فكل توسع لمجال العقلنة هو انفتاح علي ما لم يعقل بعد. لقد حدثت خلخلة شديدة لأصول ونظام العقل الكلاسيكي كشفت عن ميتافيزيقا معنى هذا العقل، و أظهرت أن لكل عقلانية منظومتها وسلطتها، ولكن لا كما يطرح وفق نظام العقل العقلاني من حصر التاثير في العوامل اللاتماثلية في الاتجاهات اللاعقلانية.

يعطي نظام العقلانية الكلاسيكية مدلولا ثابتا لمفهوم العقل يستبعد كل ما لا يتوافق مع تناسباته ومغالقاته مما يـُضيًق ويفقًر مفهوم العقل ذاته. أن العقلانية الكلاسيكية لاتنظر الى ما تسميه " اللامعقول " بوصفه الامكان المفتوح أمام العقل والذي لم يمارس عليه العقل حضوره بعد؛ في حين هو اللامفكر فيه بعد الذي كلما دخل بعضاً منه الى دائرة المفكر فيه توسعت حدود العقل، وانتقل العقل الي آفاق أبعد واكتشف مجاهيل جديدة لم تكن مكتشفة من قبل أو كانت تعد في مايقع في " اللامعقول "، اذن انتهاك حدود " اللامعقول " يوسع من أقطار دائرة العقل ويمدد أسواره الى مساحات جديدة لم تكن معروفة من قبل؛ ووفقا لرأي " غرانجيه "في دراساته عن الابستيمولوجيا ولاسيما كتابه عن "اللامعقول" لايوجد فصل نهائي بين منطق التشارك وآخر قائم على منطق العقل والطرفان يرجعان الى الاصل نفسه.

مطمح العقلانية

ليس العقل بناءا قارا له شكل تام ونهائي أو بنية تمـثليًة ثابته، بل له مستويات مختلفة؛ فلا يوجد عقل تصنيفي واحد ذو مركزية منطقية.إن تشكل المعارف ونمط المعقولية هو دائما تعبير عن نظام فكري قائم في مرحلة تاريخية معينة يتحول أو يتبدل في مرحلة لاحقة؛ وعليه ضرورة التمييز بين طموح العقلانية الكلاسيكية للكلية والشمولية ومواقعيتها التاريخية النسبية. وهذاالطموح دفعها الي نقل مفهوم المطلق واللامتناهي من الألوهية واضفاءه على مفهوم الانسانوية.

بعد تعريًة الجذر المكًون لتصورِ العقلانية الكلاسيكية الى مفهوم العقل، يكشف النقد الجينالوجي نسابية هذه العقلانية وأفتراضها المضمر للمماثلة والتطابق بين دال العقل ومدلوله، وهو مايؤدي الى اختزال مفهوم العقل وتحجيم المعرفة ومحاصرة مغامرة الاكتشاف. ويقويض هذا النقد مقولة كل ماهو واقعي عقلاني، فتكشف الجينالوجيا أن العقلنة قائمة على مفهوم واسع من الأسطرة، و ان العقلانية في قمة تجريداتها تبقي موشحة بالمخيال. ان نقد مفهوم العقلانية الكلاسيكية للعقل يغيير علاقاتنا مع مفهوم العقل ذاته عندما نكشف صلاته باللامعقول.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ