علي رسول الربيعيراولز والإسلام:

كيف يمكن النظر إلى لإسلام على ضوء نظرية راولز؟

يعود سبب تساؤلي في العنوان إلى أمرين: الأول، يتعلق بالأسلام كشريعة في علاقته بالشأن العام، أيً طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة والدولة وهنا أتبع خطوات عبد الله النعيم في رؤيته لهذه العلاقة وقد أشرت إلى طروحاته من خلال ذكر مصادره أو كتاباته، لكني أعدل رؤية النعيم من خلال تبني رأي أبو يعرب المرزوقي الذي أشرت إليه في مقال سابق من هذه السلسة وهو في ما معناه إجمالاً أن لاعلاقة مباشرة بين الدين والسياسة، اي أن يتحول الدين إلى حزب سياسي، ولكن صلة الدين بالسياسة من خلال وسائط نظرية عديدة، فيكون دور الإسلام ومكانته المرشد والموجه القيمي، أما الثاني حول ما إذا كان يمكن النظر إلى لإسلام على ضوء نظرية راولز والسؤال الشهير الذي يطرحه: " كيف يمكن لأولئك الذين يعتنقون عقيدة دينية تستند إلى سلطة دينية ... أن يكون لديهم مفهوم سياسي معقول يدعم نظام ديمقراطي عادل؟". ينطوي تسـاؤلي على إمكانية إجراء بعض التعديل على نظرية راولز ذاتها ذلك لأن تفكير راولز في العقيدة الدينية والمسائل ذات الصلة بها يأتي من نظر مسيحي، أيً أنه يفكر في الدين بوصفه الدين المسيحي. أما المسلمون الذين يفكرون بالدين استرشادا بمنظور راولز فأن تفكيرهم يأتي من خلال "التخمين" في كيفية أن تكَّون علاقة الدين بالإسلام.

هناك عاملان مهمان وهما تأثير الشريعة على كيفية تفكير المسلمين في هذه الأسئلة وسياق العصر الحديث متمثلاً في مرحلة مابعد الكولونيالية (مابعد الاحتلال) الذي يبحث فيها المسلمون هذه القضية. لذلك قد يتم توجيه استفهام إلى تعريف راولز للعقل العمومي وكيف يُفترض به أن يعمل في حالة الممارسة بالفعل : في إطارات وخلفيات وأوضاع يتم بها تطبيق العقل العمومي، وعلى من؟ وكيف يتم ضبطه ومراقبته ورصده؟

ما أقترحه هنا هو النظر إلى ممارسة العقل العمومي في سياق إسلامي. والأختلاف ياتي من الأصرار على أن هناك دورأساس للمؤمنين في أي دين (المسلمون هنا) كمشاركين متساوين في ممارسة ما يقدمه راولز كهدف للعقل العمومي.[1] إن ما يسميه راولز "العقيدة الشاملة" قد تكون ببساطة الطريقة التي يوافق بها المواطنون المسلمون على السلطة السياسية ويقوم على أساسها "احترامهم المتبادل"، والإنصاف، والقدرة على التعقل، والمعاملة بالمثل، والقيم الأخرى التي يستشهد راولز بها.[2] للإشارة إلى هذا الاختلاف، اخترت مصطلح " عقل مدني".

أريد أن أوضح بإيجاز الأسباب الموجبة التي تدفعني لإجراء تعديل على موقف راولز، وهي: ينبغي دائماً النظر إلى لعلاقات بين الدين والدولة والسياسة من منظور دين محدد في مجتمع معين.فمن الصعب للغاية وضع تصور عن "الدين" بعبارات شاملة تكون كافية ليتم تطبيقها على جميع المجتمعات البشرية في سياقاتها المتنوعة، فمن المتوقع فقط، بوعي أو بدون وعي، أن يُطور أيً مُنَظِّر نظريته عن العلاقات بين الدين والدولة والسياسة فيما يتعلق بدين معين في سياق اجتماعي سياسي معين. كما أن الاختلافات في طبيعة وتشكيل السلطة الدينية بين التقاليد الدينية للمذاهب المختلفة وداخلها تؤثر على كيفية إدراك المؤمنين للسلطة الدينية. حتى التمييز بين ما يسمى المجالات الدينية والعلمانية لا ينطبق على جميع التقاليد الدينية. إن لدى المسلمين في تجربتهم التاريخية فهم إيجابي للعلمانية، بمعنى المادية الدنيوية ويمكن أن تُعتَمَد لتكون جزءًا لا يتجزأ من نظرتهم للعالم بدلاً من النظر إليهما كمتعارضَين. هذا الاتساق والتكامل الأصيل للعلماني والديني يحفز المسلمين على التفكير في كليهما بوصفها متظافرَين ومتظافرين متشابكين: فالحياة دينية وعلمانية وروحية ومادية في آن واحد، والإسلام يأخذ كل جانب من جوانب التجربة الإنسانية ويجمعها بالتساوي وعلى محمل الجد. لذلك، فإن تعريف العلمانيين والدينيين على أنهم متناقضون أو غير متكافئين ليس حلاً عمليًا للمسلمين. كما ذكرت في مكان آخر، "من المضلل أن نقارن بين الدينيين والعلمانيين بمثل هذه المصطلحات الثنائية لأنها في الواقع مترابطة فيما بينها".[3]

هناك تعريف آخر يمكن تقديمه لمصطلح "علماني" وهو "الافتراض بأن كل شيء مادي أو مجرد مشتق من المسعى الإنساني".[4] بينما يتجنب هذا التعريف الاعتماد على الديني الموجود في العديد من التعريفات الأخرى، فإنه يغفل أيضًا أي إشارة إلى العلاقة بين ما هو علماني وما هو ديني. من وجهة نظر إسلامية، هناك اعتراض أكثر جدية على هذا المفهوم للعلمانية وهو أنه يبسط مسألة لاهوتية وفلسفية معقدة عن القدر والإرادة الحرة في العلاقة بين الإلهي والقوة الإنسانية. ماذا يعني قول شيء "مستمد من المسعى الإنساني"؟ هل هذا ينكر بالضرورة أي دور للقوة الألهية، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن القوة الإلهية تعمل من خلال القوة الإنسانية؟

لا تعني ملاحظة هذه الاختلافات أن نظرية رولز ليست ذات صلة بالمسلمين في سياق العصر الحديث، سياق ما بعد الأستعمار، ولكن فقط لإثارة السؤال حول ماهية هذه الاختلافات التي تنطوي عليها تلك النظرية. في الواقع، وفي رأيي، إن حقائق التنوع الديني الأعمق، إلى جانب حقائق عالم يزداد ترابطًا، تزداد الحاجة أكثر إلى نظرية راولز. لذلك، بينما أعتقد أن على المسلمين أن يتوسطوا أو يحلوا هذه التوترات بين الإسلام والدولة والسياسة بطرق تأخذ الشريعة على محمل الجد وفقًا لشروطها الخاصة، كما يجب أن يتم ذلك أيضًا في شراكة حميمة بين المؤمنين الآخرين وغير المؤمنين.

باختصار، إنَّ ادعاء راولز الأساسي في هذا الصدد هو: بما أنه من غير المرجح أن يوافق المواطنون على حل المسائل السياسية الأساسية، ينبغي التوصل إلى اتفاق سياسي عن طريق " العقل العمومي"، على الرغم من الخلاف الأخلاقي القوي. بالنسبة له، فإن العقل العمومي هو ممارسة للتداول في ظروف الخلاف الأخلاقي العميق، ويتعلق تحديداً بـ "الأساسيات الدستورية ومسائل العدالة الأساسية". وبعبارة أخرى، فإنه يحدد على أعمق مستوى القيم الأخلاقية والسياسية الأساسية التي تحدد علاقة حكومة ديمقراطية دستورية بمواطنيها والعلاقات بين المواطنين أنفسهم. والأهم من ذلك أن راولز يستثني الدين، إلى جانب جميع "العقائد الشاملة"، من التفكير العمومي حول هذه المسائل.[5]

أُشارك راولز مخاوفه بشأن الاعتماد على المعتقدات الدينية كأساس للسياسة والتشريعات العامة، ودعوته إلى توضيح الأسباب التي هي في متناول جميع المواطنين على قدم المساواة دون الرجوع إلى المعتقد الديني على هذا النحو. لكنني أعتقد أنه من الواقعي والمثمر الاعتراف بأن هناك صلة غير مباشرة أي بالواسطة النظرية البعيدة بين الدين والسياسة ( أي الدين كنظومة قيَم ووصايا ومرشد ودليل للسياسة) وتنظيمهما من خلال المتطلبات الدستورية وحقوق الإنسان والسياسة المدينة أكثر من محاولة الفصل الباتر بين الدين والسياسة التي يبدو لا تتحقق، فقد فشلت أغلب محاولات القطع بينهما ولاسيما في المجتمعات في السياق الإسلامي، ولكن ينبغي مع ذلك إبقاء الدين خارج الدولة من خلال آليات واستراتيجيات مختلفة. دائمًا ما تسترشد الإجراءات السياسية للمؤمنين الدينيين بمعتقداتهم الدينية، سواء أكان هذا معترفًا به أم لا، والاعتراف بهذه المعتقدات وتنظيمها كمصادر مشروعة للتفكير السياسي هو أكثر صحة وأكثر عملية من إجبارهم على الدخول في مجال سياسي يهربون منه ويكون الحال سريع الزوال ويشوه أو يُقيد مشاركة المؤمنين في السياسة. إنني أتبع هذا النهج لاحتضان الأديان في عالم "سياسي" أوسع بكثير مما يسمح به حقل العمومية عند راولز إنني أعتمد "السياسة" لتشمل جميع المداولات العامة حول أمور الشأن العام السياسية، سواء من قبل المسؤولين أو المواطنين العاديين، كما تختلف عن الجوانب أو الهيئات الشغالة الأكثر استقرارا للدولة.

أرى أن إقصاء راولز للأديان من العقل العمومي، على وجه الخصوص، أمر خاطئ في عدد من المسالك أو الطرق المعينه، ولا سيما عند تطبيقها على "الأسس الدستورية ومسائل العدالة الأساسية" التي يركز عليها كثيرا، لعدة أسباب. أولاً، إنه من غير العدل رفض وجهة نظر أو خطاب بكل بساطه لأنه يعتبر دينيًا، بصرف النظر عما يقوله فعليًا بشأن القضية المطروحة. ثانياً، يعتبر هذا شكل من أشكال الرقابة الاستباقية التي تمنع ممارسة حقوق الإنسان الأساسية المتمثلة في حرية المعتقد والتعبير قبل إثبات حدوث ضرر مفترض. ثم أن هذه الرقابة ليست فقط غير عادلة من حيث المبدأ، ولكنها أيضًا غير مجدية أيضاً، فكيف لنا أن نعرف مقدمًا أي من الادعاءات تعتبر "دينية" قبل سماعها؟ ثالثًا، من وجهة نظري، ينبغي تشجيع جميع المواطنين على المشاركة في النقاش السياسي، بشأن جميع القضايا وفي جميع السياقات، من أجل تطوير والحفاظ على تفكيرهم المدني مع مرور الوقت. يبدو لي أن استبعاد رولز للأديان سيشكل عقبة كبيرة أمام هذا. رابعاً، باستبعاد الأديان وغيرها من "العقائد الشاملة" من التفكير العام. يعاملهم راولز كما لو كانوا معزولين ومنغلقين وغير منفتحين للنقاش أو حتى غير قابلين للتفنيد الداخلي، وأيضًا كما لو كان من الممكن تقسيمهم إلى فئات "دينية" و "علمانية".[6] ومع ذلك، سيكون هذا تشويها وتحريفًا خطيرًا لطبيعة التفكير الإسلامي السياسي، الذي يتطور من خلال النقد "الداخلي" و "الخارجي" والعلاقات المعقدة مع غير المتدينين. إن إقصاء راولز للدين ينكر بالتالي حقيقة العقلانيات المتنافسة داخل العقائد الشاملة ويحد من فرص الإقناع بين المؤمنين. أخيرًا، وبشكل أعم، فإن محاولات راولز لاستيعاب الأديان في النقاش العام غير كافية. فلا يزال، على وجه الخصوص، التأكيد على النطاق المحدود لـ "الأساسيات الدستورية ومسائل العدالة الأساسية" يستبعد الأديان من النقاش حول هذه المسائل السياسية الأساسية، ومع أن "شرط" راولز وفكرته عن " الحدس" يمكن أن تستوعب التفكير الديني داخل النقاش العام، الأً أنها ماتزال تحتاج إلى التعبير عنها أو ترجمتها في نهاية المطاف إلى لغة ومصطلحات عامة غير دينية حتى يمكن للمواطنيين تقاسمها.

وفي رأيي، إذن، يجب تقييد حرية التعبير عن الأفكار الدينية وغيرها من أفكار العقائد "الشاملة" في السياسة والتنظيم السياسي ومن الترويج لها فقط: إذا كانت تنتهك الحقوق الدستورية للآخرين، وفقًا لما تفرضه الدولة أو مطبق من قبلها، وليس على أسس أنواع الأفكار التي تنطوي عليها، كما تصر نظرية راولز بهذا الفصل والتمييز بين الدولة والسياسة، كما اقترحت من منظور إسلامي متبعا راي عبد الله النعيم، أعتقد أن متطلبات العقل المدني أو "العمومي" يمكن تشغيلها بطريقة أو بشكل أكثر فاعلية.

إنَّ الدور الحاسم والدقيق الذي أسنده إلى الدولة هو السبب الذي يبين لماذا في التمييز بين "الدولة" و "السياسة" ضروري وصعب الحفاظ عليه. كون الدولة هي الاستمرارية المؤسسية للسيادة، في حين أن السياسة تشير إلى حكومة اليوم. يحق للحكومات استخدام مؤسسات الدولة لتنفيذ السياسات التي انتخبت من أجلها ولكن لا ينبغي لها أن تفعل ذلك بطرق تقلل من استقلالية مؤسسات الدولة واستمراريتها أو أن توحد بين سلطتها والدولة. وبهذه الطريقة، تستمر مؤسسات الدولة، مثل وزارة التعليم أو وزارة الخارجية، في خدمة الحكومة المقبلة، والتي قد يتم انتخابها لتنفيذ سياسات مختلفة عن سابقتها. من المسلم به أن التمييز بين الدولة والسياسة في أي مجتمع لن يتم تسويته نهائيًا وسيختلف اعتمادًا على الإرادة السياسية للشعب لدعم التمييز (وليس الانقسام) بين الدولة والسياسة. وأعتقد أنه يمكن القيام بذلك من خلال الضمانات المؤسسية والمعيارية مثل الدستورية وحقوق الإنسان والمواطنة، والتي توفر الإطار الأساسي لما أفهمه كعقل مدني.[7]

في الختام، اسمحوا لي أن أحاول أن أصف بإيجاز ممارسة ما أسميه "العقل المدني" في المسار الطبيعي لحياة المجتمعات في كل مكان، بدلاً من أن تقتصر بشكل مصطنع على مواضيع معينة أو تنطبق على وظائف منفصلة معينة للمسؤولين الحكوميين والمرشحين للمناصب العامة فقط. ففي مجرى الحياة المعتادة للمجتمع، يتم تربية الأطفال أن يكونوا أجتماعيين داخل عائلاتهم، وفي المدرسة، وفي بيئات أخرى مختلفة من أجل دعم قيم معينة من التفاعل الاجتماعي والسلوك السياسي. كذلك يتم أختلاط السكان البالغين وإقامة العلاقات الإجتماعية بينهم في المجتمع نفسه وتذكيرهم باستمرار بالسلامة الأخلاقية والفائدة العملية للقيم الأساسية. من المحتمل أن تشمل تلك القيم كونها صادقة وجديرة بالثقة في التفاعل الاجتماعي والاقتصادي مع الآخرين، وأحترام كرامة الإنسان للآخرين، وقبول هويتهم العرقية أو الإثنية، وكذلك معتقداتهم الدينية والسياسية، لأننا نحتاجهم لاحترام كرامتنا وهويتنا ومعتقداتنا. هذا لا يعني أن أي مجتمع مثالي أو يمكن أن يكون مثاليًا في تعزيز هذه القيم والعيش بها، لكن تجربتنا تؤكد أيضًا أن هذه مهارات "البقاء" لجميع الجماعات و المجتمعات.

نقطتي الرئيسية هي أن ما يسميه راولز "المذاهب أو العقائد الشاملة" ليس فقط جزءًا لا يتجزأ من هذه العمليات، ولكن في الواقع تلعب دورًا رائدًا في التنشئة الاجتماعية على القيم الإنسانية العلوية التي نحتاج إلى تعزيزها. تُظهر تجربتنا بوضوح أنه لا يمكننا مراقبة وضبط نوع الخطاب الذي يتم في أي مكان إلا باعتبار إن الدين والثقافة والتفاعل الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية جميعها تدفعنا قبل كل شيء إلى حياة صحية ومنتجة وهادئة، على الرغم من أننا نشارك أحيانًا في مواجهات مرَضية ومدمرة وعنيفة. أيَّا كان ما نحن عليه، فإن الدين بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون به جزء لا يتجزأ من هويتهم وكيف يعيشون.

 

الدّكتورعليّ رَسول الربيعيّ

..........................

[1].An-Na'irn, ed., Human Rights in Cross-Cultural Perspective: Quest for Consensus (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1992).129-80.

[2]Rawls, John, Political Liberalism, Columbia University Press, 1993,(pbk.) 38, 223.

[3]AbdullahiAhmedAn-Na'irn,"IslamandSecularism,"inComparativeSecularisms in a Global Age, ed.L.E.Cady and E.S.Hurd(NewYork:PalgraveMacmillan,2010), 218.

[4]Lilly Weissbrod, "Religion as National Identity in a Secular Society," Review of Religious Research 24, no. 3 (1983):189.

[5]PL (pbk.) 212, 214, and 227-30, and IPRR132-33. AshisNandy, Talking India:AshisNandyin Conversation with RaminJahanbe­ gloo (Delhi: Oxford University Press, 2006), 10 3- 4.

[6]AshisNandy, Talking India:Ashis Nandyin Conversation with Ramin Jahanbegloo (Delhi: Oxford University Press, 2006), 10 3- 4.

[7]An-Na'irn, Islam and the SecularState,89-97.

 

زهير الخويلدي"العلم السياسي هو العلم الأسمى والمعماري بامتياز... إنه يقوم باستعمال العلوم العملية الأخرى، وعلاوة على ذلك يشرع على ما يجب القيام به وما ينبغي الامتناع عنه"1[1]

استهلال:

التفكير في النظرية العلمية السياسية والقانونية عند المعلم الأول بالنسبة إلى العرب في عصور ازدهارهم وحسب أستاذ الأسكندر المقدوني وفيلسوف اليونان أرسطو لا ينفصل عن التعرف على الحياة الاجتماعية والثقافية التي عرفها اليونان في ذلك الوقت ومعالجة المسائل المتعلقة بالعلوم السياسة التي ذكرها في مؤلفاته القانونية وكتبه الفلسفية والدساتير التي ساهم في تأسيسها للعديد من المدن الدولة في عصرها الإغريقي وقبل انتقالها إلى العصر الروماني والعصر البيزنطي والعصر اللاتيني والعصر العربي وخاصة مؤلفات السياسي والأسكندر أو في المستعمرات وفي النظام الملكي التي فقدت ولم يبق منها سوى العناوين والتطرق لتاريخ الدساتير والأنثربولوجيا الاجتماعية والسياسية التي تضمنتها أفكاره الطبيعية.

في البداية كانت عزيمة أرسطو متجهة نحو التخلص من النموذج المثالي الذي كان أفلاطون قد شيده وفق نظرية النظام السياسي الأفضل في كتابي الجمهورية والنواميس واستخراج نموذج سياسي متوازن وأنسب ولكن بعد ذلك تطور تفكيره إلى مستوى وضع الدساتير- قرابة 158 – بمراعاة التشريعات للعادات والشيم الأخلاقية والتقاليد الشعبية والطقوس الدينية والشعائر الهمجية التي تختص بها بعض المدن الإغريقية.

لقد حرص أرسطو على إجراء مقارنات بين أنظمة الحكم التي تتميز بالطغيان وحكم الأقلية وحكم الأغلبية والديمقراطية والأرستقراطية وبين الدساتير التي تم اعتمادها في  مصر وقرطاج وروما وبابل وفارس.

لكن الفلسفة السياسية التي بلورها لم تقتصر على مؤلفه الشهير حول "السياسات" الذي يتكون من ثمانية كتب فقدت خاتمتها التي تناولت قضية التربية من منظور سياسي بل ضمت مؤلفاته الأخلاقية التي ورددت في أخلاق إلى نيقوماخوس وأخلاق إلى أوديم إضافة إلى المؤلفات المنطقية وخاصة الخطابة وفن الشعر.

والحق أن كتاب السياسات لم يتم العثور عليه ونشره إلا سنة 1891 من طرف السيد فريدريك كونيون2[2] مع ضياع قسما كبيرا من المادة التي كان أرسطو قد جمعها من أجل توثيق التجارب الدستورية لعصره3[3].

لقد كان للإغريقيين القدرة على سبك الممارسات الاجتماعية الهامة والأبعاد التاريخية في شكل نظريات.

لا يتنزل هذا المبحث حول تنظيم المدينة من خلال علن السياسة عند أرسطو ضمن الطرق المفضية إلى مسائل التعقل والفضيلة والخير الأسمى والنظام الأمثل وعلاقة الفيلسوف بالمدينة من جهة الصلة بين الأخلاق والسياسة وإنما يندرج ضمن التقصي عن الدور الكبير الذي لعبته العلوم الرياضية والطبيعية في جعل أرسطو يجد مخرجا من معضلة العدالة والسلطة ويعثر على الطريق الديمقراطي الذي يتناسب مع الحياة العامة في أثينا ويربط بين معرفة تاريخ المؤسسات السياسية الإغريقية وفهم المشاكل الفلسفية التي أثارها وتحديد منزلة الإنسان والصلة القانونية والإيتيقية بين المواطنين والأجانب الغرباء عن المدينة.

من هذا المنطلق يقود كتاب السياسيات إلى دراسة تنظيم المدينة بالطرق العلمية القانونية التي اقترحها أرسطو من جهة والى معرفة الإضافة الكبيرة التي قدمها إلى تاريخ الفلسفة السياسية من جهة إيتيقية.

لقد كان القرار المعرفي الذي تم اتخاذه في هذا المستوى هو قراءة كتاب السياسيات من منظورين والمقارنة بينهما: المنظور الأول الذي ينطلق من مؤلفاته الطبيعية والكوسمولوجية التي ضمتها كتب مابعد الطبيعة والطبيعة والنفس والتي تصد أحكاما واقعية، أما المنظور الثاني فهو الذي يعتمد على المؤلفات الأخلاقية والمنطقية والفنية والتي تصر أحكاما قيمية بالمعنى الأكسيولوجي وخاصة فن الشعر والإيتيقا.

بيد أن الخطة المنهجية الرئيسية تتمحور حول اعتماد العلم السياسي الذي كان أرسطو قد عرفه بدقة في بداية كتابه إيتيقا إلى نيقوماخوس في تحليل المشاكل الفلسفية والشبكة المفاهيمية الواردة في السياسات4[4].

للإشارة أن أرسطو يطرح في كتاب السياسات العديد من القضايا مثل العلاقة بين المدينة والمواطنين والمواطنة ومعضلة السيادة ودور اللغة في السياسة وبالتحديد السياسة بين الخطابة والسفسطة ومنطق الحرية وعناصر القانون والفلسفة التطبيقية والعلم السياسي ووحدة المدينة وشروط السعادة العمومية وفكرة الطبيعة في السياسة وعلاقة الحرب بالطبيعة وصورة الإنسان في الفكر السياسي وتحليل ظاهرة الطغيان والعبودية ودور التخيل في البحث عن الخير العام للمواطنين والصلة بين الديمقراطية والتعقل.

لكن ما تفسير المصير السيئ الذي آلت إليه الفلسفة السياسية عن أرسطو؟ ولماذا تعرضت للإهمال والتشويه؟ وماهي مكوناتها النظرية ومقدماتها الأولية وتجاربها التطبيقية؟ وما علاقة التفكير بالممارسة لدى اليونان؟ وأين يكمن الخلل في هذه السياسة وتم تسجيل أشياء سلبية؟ وهل تتضمن بعدا ايجابيا يمكن المراهنة عليه؟ ولماذا عزف القدامى عن العودة إلى الكتب السياسية الأرسطية؟ هل كل السلطات تنطلق من نفس المصدر؟ والى أي مدى تكون الطاعة أمرا طبيعيا؟ من الذي يجوز له أن يتحكم؟ وماهو النظام السياسي الأحسن؟ أي منزلة للعدالة في السياسة؟ وماهي أسس النظام الديمقراطي؟ ولماذا وكيف يجب على الناس أن يعيشوا بصورة مشتركة؟ وكيف جعل أرسطو من المدينة محور تفكيره السياسي وإطار تشريعه الحقوقي؟ وأي تصورات إصلاحية وتوجيهات تربوية قدمها للإغريقيين؟ وكيف بقيت أفكاره السياسية حاضرة في الحقبة المعاصرة وتغذت منها السياسة عند ماكيافيلي وماركس ومونتسكيو وأرندت؟

يمكن تقسيم اللحظات المنطقية التي تساعد على التفكير في هذه الإشكالية إلى ما يلي:

- البعد الطبيعي للسياسة

- منزلة العلم في السياسة

- حضور الإيتيقا في السياسة

ما يتم المراهنة عليه في ها المبحث هو تجاوز المعاملة السيئة والنظرة السلبية التي تعرضت لها أفكار5[5] أرسطو السياسية والعمل على تخليصها من النقائص التي تعوزها وغربلة الجيد من الرديء في متونها.

من المعلوم أن كتاب السياسة عند أرسطو الذي كان مفقودا في لغته الأصلية منذ قرابة 2000 سنة قد تمت استعادته منذ 750 سنة وتراوحت تسمية العنوان بين إطلاق المفرد سياسة politique والجمع سياسات    politiques ولقد حدث ذلك على يد الشارح والمترجم نيومان في أربع مجلدات ما بين سنة 1887 وسنة 1902 والصادر عن أوكسفورد، وفي هذا الإطار قام جان تريكو بترجمة سياسة أرسطو عام 1962 بتكليف من دار فران وكان جان أوبونات بصدد ترجمته منذ 1960 وامتدت إلى سنة 1989 ضمن مطبعة الرسائل الجميلة ولكن الترجمة الدقيقة التي لقيت نجاحا كبيرا هي التي أنجزها بليقرين سنة 1990 بعنوان السياسات وأصدرها سلسلة ج ف عن دار فالماريون وأرفقها بمقدمة عميقة ومتأنية وشملت إشارة إلى الصعوبات التي تعترض كل باحث في البيبلوغرافيا الأرسطية وما ضمته من مخطوطات ومراسلات.

ان الصراع بين الأغنياء والفقراء هو الذي يمزق المدن ويضعفها وان الديمقراطية التي تقود الى استبداد الفقراء هي أكثر خطورة على المدينة من استبداد الأغنياء وان النظرة الواقعية للمدينة أفضل من المثالية.

لقدد سعى أرسطو من خلال مقارنة المدن ببعضها الى ايجاد المبدأ المؤسس لحياة سياسية جيدة خالية من الفساد ومليئة بالفضيلة، لكن بأي معنى عمل أرسطو على التعامل مع الإنسان بوصفه سياسي بالطبع؟

1-  البعد الطبيعي للسياسة المعيارية:

" ينبغي إذا أن يعرف في الكائن الحي وجود سلطة تشبه سلطة سيد وسلطة حاكم معا"6[6]

لقد أضاع الفكر البشري السياسة التي كان أرسطو قد وضع فيها قدراته الفلسفية على الاستقراء التجريبي والسرد التاريخي والتنظير الفلسفي والبرهنة على الممارسات الاجتماعية والتنظيم الإداري والقانوني.

عندما حاول البعض الالتفات إلى الفلسفة العملية الأرسطية في القرون الوسطى فإنهم أدخلوها ضمن نقاشات غريبة عن تصوراتها وبعيدة عن مشروعها ووضعوها في أنساق ميتافيزيقية فاقدة للقيمة النظرية والنجاعة الميدانية وطارحة لأنظمة فاضلة ومدن مثالية وقد قام بذلك أبي نصر الفارابي وغونديسالينوس.

إذا كان أرسطو قد عانى من النظام الملكي حيث مسقط رأسه ومكان ولادته بمقدونيا وعاصر الفترة التي بدأت فيها المدينة الدولة بالاختفاء من اليونان وذلك بزحف الحكم الأوليغارشي عليها فإنه قد تتطلع لنظام سياسي متوازن يمنح المواطنة إلى الأسياد ويعطي استقلالية للمدينة وينظم الحياة العامة للمجتمع بالقانون.

بيد أن بعض المدن حافظت على استقلاليتها الجزئية داخل الدولة التي تشكلت في فترة لاحقة وتراوح وجدها بين الازدهار والاضطراب وتعرض الاجتماع المدني لخلع عن السياسة وانحراف عن الطبيعة.

لقد تبنى أرسطو منزلة متروية حول طبيعة الحكم السياسي الذي يسهر على تحقيق السعادة في المدينة وبحث عن الحد الأوسط بين ملكية الأثرياء للسلطة وحق الفقراء في الثورة وراهن على بلوغ التوازن الذي تحدثه الطبقة الوسطى الأرستقراطية من أجل تحقيق الاستقرار والسؤدد في الجمهورية المعتدلة.

لكن كيف وقع أرسطو في تبرير وضع العبودية بالنسبة للإنسان؟ وألا يوجد تناقض بين المدنية والعبودية؟

لم يكن أرسطو من الأسياد ولم يمارس السياسة ولم يتمتع بالحرية المدنية التي يحق للمواطنين التمتع بها بالنظر إلى ولادته في نظام ملكي وبالرغم من ذلك سعى بكل جهده إلى أن تكون المدينة هي الشرط الذي يمنح الوجود السياسي معناه والإطار العام الذي يوفر للمواطنين حياة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

يتكون كتاب السياسة من ثلاثة مقدمات:

- المدينة هي جماعة تاريخية يتم تنظيم العلاقات بين أفرادها بحكم القانون..

- كل جماعة تسعى إلى خير خاص بها.

- الجماعة السياسية هي تلك التي تكون سيدة على الكل وتدمج كل الآخرين

- المدينة لها كغاية الخير الأسمى.

- الخير الأسمى هو الخير الخاص الذي تستهدفه الجماعة السياسية التي تمتلك السيادة على نفسها.

- الأسرة هي الجماعة الأساسية للمدينة

- ترتكز العبودية على جذور أخلاقية وكوسمولوجية ومنطقية.

-المدينة العادلة هي التي تحقق السعادة من خلال العيش المشترك

- يبحث الحاكم العادل عن النظام السياسي الأكثر اتزنا ومواءمة

- يدافع النظام السياسي الديمقراطي على السيادة الشعبية

إذا كان الناس يعيشون بصورة مشتركة في المدن فهذا ليس لأنهم لا يمكنهم أن يفعلوا أشياء أخرى فقط وإنما من أجل أن يبلغوا أعلى الدرجات والمراتب وأن يحصلوا على أفضل الخيرات والفضائل التامة.

لقد مثل كتاب السياسات لأرسطو محاولة فلسفية جديرة بالاحترام في سبيل تحليل وتأسيس ومنح المبرر الإيديولوجي لهذه الظاهرة الاجتماعية التي مثلت حقيقة أساسية للعالم اليوناني والتي تسمى العبودية.

لقد جعل أرسطو من المدينة الدولة من حيث هي الوجود الضروري والحقيقة الطبيعية شرط الحياة الاجتماعية والفضاء المواطني الذي يقدر ضمنه كل كائن بشري على تحقيق إنسانية بصورة تامة.

لقد عارض أرسطو بهذا التصور الطبيعي للنظام السياسي المدني تصورا اصطلاحيا للنظام السياسي كان قد مثله السوفسطائيون مثل برتاغوراس وأنطيفون ولوكوفرون الذي ذكره في الجزء الثالث من السياسات.

لقد أعلن أرسطو في الفقرة التاسعة من الفصل الثاني من الجزء الأول من كتابه السياسات عن أطروحته والتي تتمثل في ما يلي: "الإنسان هو حيوان سياسي بالطبع"، وتعتبر هذه القضية المبدئية حجة مركزية على طبيعانية المدينة وبرهنة على خروج المدينة بشكل طبيعي من التجمعات والأزواج والأسر والقرى التي مثلت غاية لها بصورة طبيعية وبالتالي مثلت المدينة غاية الشركات البشرية حيث يبلغ فيها الإنسان حالة من الامتلاء والرضا ضمن حياة سهلة وحياة حسنة بالمعنى الأخلاقي وحياة جيدة وحياة سعيدة.

لقد صارت المدينة هي المكان الذي يتحقق فيه بصورة تامة هذا الوضع الماهوي للحياة البشرية السعيدة التي يسميها أرسطو الاستقلالية أو الحكم الذاتي من حيث هو سيطرة مطلقة على الاقليم وتحكم تام في المجال من طرف السكان وتستمد السيادة من ذاته وتسمى أوتارسي وهذا ما يفيد حكم الذات بالذات7[7].

لقد تصور أرسطو المدينة على أنها تشبه الكائن الحي وقرانها بالجسم واعتبر المدينة الحقيقية ليست فقط مكتفية بذاتها وإنما هي قادرة على إنتاج بشكل طبيعي المعيار الذي تشتغل وفقها ويمنحها السيادة الكافية.

كما يشير أرسطو إلى أن السيادة تنقص في المدن المختلطة والتي تم تأسيسها بطريقة اصطناعية وتختفي في المدن التي يتم ضمها إلى بعضها البعض في المملكات الكبرى وتكون عرضة للاستعمار والإلحاق، بينما "عرق الهلينيين يظل قادرا على حكم كل الشعوب لأنه يكاد يصل إلى امتلاك تنظيم سياسي موحد"8[8]. فما طبيعة المبحث السياسي عند أرسطو؟ هل يتعلق الأمر بفلسفة سياسية أم علم سياسي؟

2- منزلة العلم في السياسة:

"ولن نغفل في هذا البحث أي مبدأ من المبادئ الديمقراطية ولا أي نتيجة من النتائج التي تتفرع عنها"9[9]

يتضمن كتاب السياسات ثلاثة مفارقات تدور صعوبة تعريف المواطن وتحديد النظام السياسي الجيد والطريقة التي يمكن اعتمادها في الحكم ويمكن طرحها وفق الأسئلة الثلاثة التالية:

- ماهو المواطن الصالح؟ هل أن الإنسان الفاضل هو المواطن الصالح؟

- ماهو النظام السياسي الجيد؟ هل هو النظام الشعبي أم النظام النخبوي؟

- ماهو المعيار الذي يمكن اتبعاه لتنظيم شؤون المدينة؟ ما الفرق بين مدينة التشابه ومدينة الاختلاط؟

يطرح أرسطو مسألة التعقل ضمن إطار البحث العلمي عن الحد الأوسط بين الشعب والنظام الحاكم ويحاول فهم طبيعة التعدد التي تتميز بها الأنظمة السياسية ويعمل على تصنيفها وتمييز الجيد عن المختلط ويبحث عن أسباب فشل أولى الديمقراطيات التي عرفتها الإنسانية في التاريخ وكان مسرحها أثينا وحلل التنظيم السياسي للمدينة وتوزيع السلطات ومعضلة المساواة ومسألة العبودية وصلة السياسة بالهيمنة.

لقد عد أرسطو الفيلسوف الذي أمكن له تحديد بشكل حصري خصوصية السياسي من بين الإغريقيين كلهم لكنه لم يراهن على مفهوم الحياة السعيدة الذي ظل بعيدا عن وضع المعيار الذي به يحدد السجل السياسي.

لعل الإنسان هو الكائن الوحيد الموهوب بالسياسة لأنه يقدر على التمييز بين الضار والنافع وبين العادل والظالم ويستعمل الكلام للتعبير عن حاجته وفي التعاون مع غيره على خلاف عدم الاكتمال عند البرابرة.

لقد بنى أرسطو نظريته السياسية العلمية من خلال نقده لنظرية أفلاطون في الجمهورية المثالية والذي كان قد رفض أن تكون المدينة مجرد تجمع بشري بالاتفاق وفسر وجودها من خلال ديناميكا الحاجات البشرية بالنظر إلى أن الأفراد لا يقدرون على إرضاء أنفسهم بأنفسهم  ويحوزون على استعدادات مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة وبالتالي يحتاجون إلى التعاون والاجتماع  قصد تلبية الحاجات وتحقيق المنافع العامة بالتبادل10[10]. على خلاف ذلك يرى أرسطو أن الأفراد الذين يتجمعون إراديا في عدد من المدن يضعون هدفا مشتركا لوجودهم المدني ويعيشون على وعي تام به ويعملون بجدية على تحقيقه ويتمثل في بلوغ الحياة السعيدة، ولكنه لا ينبغي أن يفهم بأنه إشباع تام للرغبات وإنما يتنزل في مستوى عال ومطلق من الحياة الإنسانية11[11]. كما يقوم أرسطو بتعميم الخصائص التنظيمية التي تتميز بها المدينة على كل المجالات الأخرى ويوجه نقدا للتراث السقراطي الكاره للديمقراطية الذي استمر مع أفلاطون وأكزينوفان والذي دأب على تصور علاقة الحاكم بالمحكومين من نوع العلاقة الطبيعية بين الأب وأفراد عائلته والعلاقة الاجتماعية بين السيد والعبد, والحق أن المدينة الأرسطية ليست عائلة كبيرة والحاكم ليس السيد الذي يتصرف في الرعية  مثل تصرفه بممتلكاته وما يثير الاستغراب في حقيقة الأمر عند أرسطو هو عدم اعتراف أفلاطون بوجود مدينة سعيدة وعدم اعتباره الحياة السعيدة المبدأ والغاية لكل حياة في المدينة وذلك لمجرد وجود أناس في هذه المدينة أشقياء. فهل يمكن أن تكون المدينة بالمعنى الأرسطي هي انفتاح في فضاء العقلانية التي تنتزع الناس من ظلامية تضامنهم الأسري والعشائري؟ ولماذا حكم أرسطو على أفلاطون بأنه لم يكن يعرف خصوصية السياسي؟

تتفق الحياة المدنية civique بشكل مقبول مع التروي والتدبير العقلاني وتحترم القوانين والعادات وتكون موجهة في الأساس إلى الكائنات العاقلة وتعمل في ذات الوقت على تنمية ملكة العقل والإرادة والتفضيل.

كما أن الكائنات الناقصة مثل العبيد والنساء والأطفال والغرباء والمرضى الذين فقدوا قسما هاما من مداركهم العقلية وقواهم البدنية وصاروا غير مؤهلين للسكن في المدينة وبالتالي لم يبقوا كائنات سياسية.

إذا كان أفلاطون قد أخرج الجماعات ما قبل سياسية من المدينة واختزلها ورماها في دائرة اللاّمعقول وكاد أن يحطم العلاقة الأسرية من خلال بعض الدعوات المثالية إلى نوع من الشيوعية المشاعية فإن أرسطو احتفظ بها في المدينة وتجاوزها للعناية بالمواطنين العقلاء الذين يتصرفون وفق أوامر القوانين.

كما يطالب أرسطو أيضا بأن يترك الخيار للأسرة لكي تعتني بالأفراد وتمنح المدينة سكانا صالحين ويمكن للمؤسسات المدنية أن تستعملهم في أدوار سياسية وفي نشر ثقافة حب الوطن والتضحية والعمل من أجله.

يظهر الاختلاف بين أرسطو وأفلاطون حول مفهوم السياسي وحول طبيعة الوحدة التي تتشكل من خلال انصهار المواطنين وتعتبر أقل من حيث القوة من تماسك العائلة ولكنها تكون أكثر عقلانية وتنظيما منها.

فالمدينة لا يمكنها أن تتحمل وجود أناس متماثلين وأن تتشكل من المتشابهين بل من مواطنين يختلفون بشكل نوعي فيما بينهم وتكون هذه الفوارق القائمة بينهم أكثر وضوحا واتساعا من الفوارق البيولوجية، فحتى داخل نظام سياسي يعتمد آلية المساواة بين أفراده توجد اختلافات في الأدوار التي يقومون بها.

هكذا لا يحصل الأفراد على السعادة بالمشاركة التلقائية في المدينة بل من خلال سياسة مجتمعاتهم الأصلية وجعل غاية الاجتماع السياسي الذي يكونه المواطنين في المدينة تحقيق السعادة المشتركة والحياة الجيدة. إن السياسة الأفلاطونية هي معمارية بالمقارنة مع الأنشطة الأخرى ولذلك هي تضع نفسها في خدمتها بينما السياسية الأرسطية هي صناعة ريادية تشرف على مهام التنظيم وتشجع التبادل بين المواطنين. ولا تقوم المدن على أنقاض التجمعات السكنية السابقة عليها ولا تتقوى المشاعر الوطنية والغيرة على المدينة بأواصر القربى العائلية ولا توجد نماذج سابقة على الحياة السياسية يمكنها أن تقوي تماسك المدينة وإنما الصداقة السياسية بين المواطنين في تجمعاتهم هي التي يعتمدها المشرع في تحديد نظام العدالة لهم. كما تعتبر قيمة الصداقة أشمل من قانون العدالة لأن العدالة تعني إعطاء كل ذي حق حقه وفق قوانين المدينة بينما الصداقة هي تشبه فضيلة تضحية الأب من أجل أبنائه وقبول بالضرر من أجل إفادة الناس الغرباء. لكن ماهي العلاقة بين السياسة والأخلاق عند أرسطو؟

III- - حضور الإيتيقا في السياسة

"البحث الإيتيقي هو شكل من السياسة "12[12]

السياسة العادلة عند أرسطو هي الإيتيقا بامتياز وذلك لأن الحياة في المدينة هي شرط ضروري لتحقيق السعادة ولكنها غير كافية وتحتاج إلى التزام بجملة من القواعد الإيتيقية مثل العيش المشترك وإصابة الحد الأوسط وتحقيق التلازم بين العدالة مع الأقرباء والصداقة مع الغرباء والمواءمة بين السياسة والإيتيقا.

إن الفضيلة الإيتيقية هي الشرط الرئيسي الذي تحقق من خلاله السعادة من حيث هي غاية كل نشاط بشري والهدف الذي يسعى كل الأفراد إلى إحرازه من خلال تكوينهم الإيتيقي في عدة وضعيات خاصة ملموسة.

يصل المرء من خلال ممارسته الطويلة للفضائل المختلفة إلى حالة من التحكم في الذات والسيطرة على الأهواء وقيادة الانفعالات بحيث يتفادى بترو الوقوع في الإفراط أو التفريط ويصيب معقل الحد الأوسط.

يقتني أرسطو أثناء بحثه عن الفضيلة و السعادة جملة الماهيات التي يهتم بها البحث الإيتيقي من السياسة ويرنو من وراء ذلك تحقيق حياة مفعمة بالإنسانية يقدر فيها الناس على فعل ما يرغبون فيه بجودة وإتقان.

تتكون الإيتيقا عند أرسطو من ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في مرحلة أولى في المكانة التي تحتلها كل من العدالة والحد الأوسط، وفي مرحلة ثانية هي إعطاء القيمة الكاملة للبعد الاجتماعي على خلاف الأخلاق الرواقية والأبيقورية التي تهتم بالفرد من جهة سعادته وبقائه، أما في مرحلة ثالثة فهي ترتبط بالتجربة الفلسفية وتنغمس في الحياة التأملية وتعرض النشاط الإنساني على محك التمرين الفلسفي ومعيار الحكمة.

بهذا المعنى تكون إيتيقا الحاكم العادل هي ماهية الحكمة الإغريقية وغاية الحياة السياسية السعيدة وذلك من خلال احترام القانون ومعرفة الذات بالذات وتأمل نواميس الكون والعمل بمقتضاها وإتباع لوازم الفضيلة.

من هذا المنطلق يكون الحاكم مطالب بمقاومة كل أشكال التشويه والتحريف التي يمكن أن تتعرض لها الحياة السياسية عندما تبتعد عن غاياتها ويتم استعمال وسائل غير مناسبة أثناء ممارسة الحكم والإدارة.

على هذا النحو يرفض أرسطو أي اختراق للقوانين باسم المصلحة الخاصة ويدعو إلى الالتزام بالقواعد الأخلاقية والانسجام مع الطبيعة وينبه من الإفراط أو التفريط وينصح بملازمة الاعتدال والتروي والتعقل والتوسط  في كل شيء قصد تجنب الألم والشقاء والعنف ويشير إلى أهمية التوازن بين القوى والفضائل.

لقد فتش أرسطو عن المنزلة الوسطى بين غياب الحرية بسبب العبودية والحرية دون قاعدة وضوابط بسبب ضغط الحاجة الطبيعية وهيجان الرتبة الاجتماعية وتوقف عند الحياة الجيدة المليئة بأعمال الخير.  لقد حذر أرسطو من ادخال المال في الحياة السياسية وما يترتب عنه من طغيان وبروز لحق الأقوى وأنظمة العبودية والاستيلاء وإفساد النظام الطبيعي ونادي باعتماد أشكال أخرى من المعاملات بين الناس في النشاط التجاري وتفعيل المقايضة وتبادل للمنافع وفق قيم متكافئة للبضائع ورضا الأطراف المشاركة. فكيف يؤدي معرفة اللاّنظام وتعقل الفوضى إلى ترسيخ النظام وتشييد العدالة في المدينة السياسية؟

خاتمة:

" لقد كان أرسطو الأسكندر المقدوني للفلسفة الإغريقية"                                                      بالرغم من أن أرسطو يبدو لنا الآن ضاربا في القدم إلا أن كتبه مازالت شابة وتثير فينا الكثير من الإلهام وتصوره للسياسة من حيث جمعها بين العدالة والاستقامة وبين الفضيلة والسعادة وبين التربية والمواطنة بقي إلى حد الآن المنوال الإيتيقي الذي يمكن للأفراد والدول على السواء اعتماده بغية تحصيل الازدهار.

لقد أفلح أرسطو في توجيه فلسفته الأخلاقية نحو الخيرات الدنيوية من خلال تأمله للخير الأسمى ونحج في إيجاد ترابط موضوعي بين السياسة الخالية من الطغيان والتسلط والعنف والحياة الاجتماعية المدنية وتنظم بواسطة الدساتير والخاضعة في مختلف مستوياتها لسلطة القانون ولغة التعاون بين الأفراد وتبادل المنافع.

لقد أقر أرسطو أن الحياة الإنسانية الحقيقية تكون ضمن الفضاء السياسي وأن بلوغ الحياة السعيدة هو تحقيق الغايات المطلقة للنفس البشرية ضمن الوجود العادل الذي توفره المدينة السعيدة التي تمنح الأفراد الرضا على أنفسهم وتدفعهم للعمل المنتج والنشاط الخلاق وعدم الاكتفاء بالنظر العقلي والتأمل المجرد.

لقد تحدث أرسطو عن الصداقة والإنصاف ضمن النظام السياسي العادل وأوجب على المشرع السياسي إصلاح الأخطاء التي يقع فيها القضاة عند تطبيق القوانين بصرامة وتمسك بمبادئ الأخلاق الاجتماعية وألزم الأفراد بضرورة التوافق في مصالحهم مع مصالح المدينة ووجه العدالة  لمعرفة تقلبات الظروف وتغير الأحوال وحسن التعامل مع الوضعيات الخاصة وإيجاد الحلول المناسبة عند الطوارئ والأزمات.

اذا كانت المدينة من الأمور المدنية وكان الإنسان حيوانا سياسيا بالضرورة13[13] فذلك مرده أن غالبية البشر يحوزون على قابلية للحياة الاجتماعية أكثر من أي كائن حي آخر وعلى استعداد للتعاون والتشارك في تدبير الشؤون العامة وعلى الخضوع والتنازل والنظر العميق والبصيرة البعيدة أكثر من غيرهم. على هذا الأساس لا يكون الوجود السياسي بالاتفاق وبالقوة وإنما بالطبع وبالضرورة الكونية لأن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا ولأن خاصية النطق التي تنفرد بها الكائنات البشرية تساعدها على التمييز بين الضرر والنفع والشعور بالخير والشر والإحساس بالظلم والعدل وتفضيل إنشاء الأسر وتنظيم المدن والابتعاد عن حياة التوحش والعدوانية والحرب والخضوع للقوانين ومستلزمات الحياة الجماعية وقيم الإيثار والألفة. لكن إذا كان أرسطو قد بجل سعادة المدينة على سعادة الأفراد فإنه ربط المواطنة بالانتماء الفرد إلى الدولة ولم يقوم بتوسيع دائرة المواطنة بصفة كونية عالمية لكي تشمل جميع الفئات والأجناس والأعراق والناس.

فلماذا رفض أرسطو رفضا غير مبرر أن تكون الحرية هي المبدأ الذي ترتكز عليه الحكومة الديمقراطية؟ وكيف تتحرك سياسة العدالة الاجتماعية ضمن دائرة الخير العام للسكان وتحرص على توفير شروط الحياة الجيدة للمواطنين؟ والى أي مدى تخطى أرسطو الجمهورية الفاضلة نحو الديمقراطية الاجتماعية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 .............................

الإحالات والهوامش:

 [1] Aristote, Ethique à Nicomaque , I, 1, 1094 a 26-b7 .

[2] Sir Frederic Kenyon

[3] Pierre Pellegrin, Aristote, in Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphane Rials, édition PUF, Paris, 1996, pp28-36

[4] Enrico Berti, Phronesis et science politique, in Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction  de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, édition Epiméthée, PUF, Paris, 1993.p437.

[5] La politique d’Aristote ou la Science des gouvernements, traduit par  le citoyen Champagne en 1797.

[6]   أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009،ص105

[7] Autonomie , autoracie, autorakeia

[8] Aristote, Les pol

[9]  أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009، ص380.

[10] Platon, la république, II, 369 b. 370 a. 

[11] Pierre Pellegrin, Aristote, in Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphana Rials, Édition PUF, Paris, 1996,p30.

[12] Aristote , Ethique à nicomaque,  I,1, 1094 b 10.

 12- أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أوغسطينيوس بربارة البولسي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، الطبعة الثانية، 1980.

 المصادر والمراجع:

اللسان العربي:

أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009.

أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أوغسطينيوس بربارة البولسي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، الطبعة الثانية، 1980.

اللسان الفرنسي

Aristote, les politiques, traduction inédite par Pierre Pellegrin, GF Flammarion, Paris , 1990

Jean Terrel, la politique d’Aristote , la démocratie à l’épreuve de la division sociale, édition Vrin, Paris,2015.

Francis Wolff, Aristote et la politique, édition PUF, Paris, 1991.

Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction  de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, édition Epiméthée, PUF, Paris, 1993.

Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphana Rials, Édition PUF, Paris, 1996,

 

 

مقدمة: تقوم النظرية الفلسفية الإئتمانية عند طه عبد الرحمان على مجموعة من المسلمات والمبادئ تجد في المجال التداولي الإسلامي أسسها الرئيسية دون أن تخل بالشروط المحددة لعملية التفلسف؛ كالإبداع والشمول والنسقية الإستدلالية المنطقية مثلا. وتبتغي هذه النظرية؛من بين ما تبتغي، تقديم رؤية شمولية تجديدية لأهم المواضيع التي تطرح نفسها على الفكر العربي المعاصر موضوعا للنقاش، وتدفعه إلى إنتاج "قوله الفلسفي"؛ كإشكال النهضة، وعلاقة المجال الخاص بالمجال العام، والخصوصية الثقافية وعلاقتها بالكونية، وتحديد مفهوم الإنسان وهويته وخصائصه الأنطلوجية، وغيرها من المواضيع والإشكالات المطروحة في الساحة الثقافية العربية الإسلامية والعالمية.

لا يدّعي هذا العرض أنه يقدّم رؤية طه عبد الرحمان لكل هذه الإشكاليات المعاصرة، بل غاية وأقصى ما يريد هذا العمل بلوغه؛ هو تقديم رؤية موجزة ومختصرة عن بعض هذه الإشكاليات، وكذلك بيان بعض المنطلقات والمبادئ الهامة التي تحكُم المشروع الفلسفي الطهائي في إجاباته والتي توجّه عملية الإبداع فيه.

لذلك تم تقسيم هذا العرض إلى محورين، يتناول المحور الأول؛ أهم المسلمات التي ينطلق منها طه عبد الرحمان في بناء صرحه الفكري والفلسفي على وجه الخصوص.ويبتغي المحور الثاني تقديم تصور عام للمبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية .

وفي الإخير يقدم هذا العرض أهم الخلاصات والنتائج المتوصل إليها.

المحور الأول: المسلمات التي تنبني عليها النظرية الفلسفية عند طه عبد الرحمان.

مسلمة تداولية الفلسفة:

مقتضى هذه المسلمة أن القول، خاصة الفلسفي منه، يتأثر بالمجال الذي يوجد فيه، أي يتفاعل مع ما هو دائر ومتناقل بين الناس، وعليه فإن العلاقة بين المجال والتداول علاقة تواصلية تفاعلية بين عدة عناصر ومحددات أهمها عند طه عبد الرحمان:

الأسباب اللغوية:  من المعلوم أن أهم الأدوات التي يستعملها الإنسان لتبليغ مراده ومقاصده وللتواصل مع غيره هي الأداة اللغوية، ومن المسلّم به كذلك؛ أن التفاعل والتخاطب والتواصل لا يكون قويا وإيجابيا إلا إذا كان بمفاهيم ودلالات ومعاني يعرفها المتخاطبين ويألفونها فيما بينهم، ويستدل طه عبد الرحمان في بيان علاقة اللغة بالمجال التداولي بنص للفارابي يقول فيه: "ونتحرى أن تكون العبارة عنها في أكثر ذلك بألفاظ مشهورة عند أهل اللسان العربي، ونستعمل في إيضاح تلك القوانين أمثلة مشهورة عند أهل زماننا، فإن أرسطو طاليس لما أثبت تلك الأشياء في كتبه، جعل العبارة عنها بالألفاظ المعتادة عند أهل لسانه، فاستعمل أمثلة كانت مشهورة متداولة عند أهل زمانه، فلما كانت عادة أهل هذا اللسان في العبارة غير عادة أهل تلك البلدان، وأمثلة أهل هذا الزمان المشهورة غير الأمثلة المشهورة عند أولئك، صارت الأشياء التي قصد أرسطو طاليس بيانها بتلك الأمثلة غير بيّنة ولا مفهومة عند أهل زماننا، حتى ظن أناس كثير من أهل هذا الزمان بكتبه في المنطق أنها لا جدوى لها وكادت تطرح، ولما قصدنا نحن إلى إيضاح تلك القوانين استعملنا في بيانها الأمثلة المتداولة بين النظّار من أهل زماننا"[1] فالإخلال بمقتضيات المجال التداولي على مستوى التعبير اللغوي؛ من شأنه الإضرار بعملية التواصل والتخاطب والتأثير والتأثر، ولكي يكون التخاطب مؤثرا وتفاعليا يجب مراعاة الخصوصيات التداولية لمجال التخاطب عند نقل المقاصد المراد تبليغها للمتلقي بواسطة اللغة.

الأسباب العقدية:  يرى طه عبد الرحمان؛ أن الممارسات التراثية التي ساهمت في خلق تواصل بنّاء بين العرب المسلمين وغيرهم، هي تلك التي كانت تراعي الخصائص التداولية لمجال المسلمين، خاصة في باب العقيدة، يقول طه: " من البيّن أن الأسباب العقدية لا تقل نهوضا بمقتضيات التواصل والتفاعل عن الأسباب اللغوية، إن لم تجاوزها في ذلك درجات متى أخذنا بعين الاعتبار الأسس الأولى التي قامت عليها الممارسة التراثية: فلولا الصبغة الدينية لهذه الأسس لما تمتعت هذه الممارسة بما نعلمه من السعة والثراء، ولما حملتنا على أن نلتمس فيها اليوم ما ينهض هممنا لاستئناف سابق عطائها"[2]، تتيح التجربة التراثية إذا، إمكانية الابداع والتواصل والتفاعل مع الذات مع الغير دون الإخلال بخصوصيات المجال التداولي العربي الإسلامي، بل إن سعة وثراء التجربة التراثية الدينية العقدية عند المسلمين أتاحت للغير معرفة مبادئ وأفكار إنسانية كبرى لم يكن له علم بها في حينه، أو لنقل، بسبب الصبغة الدينية التي اتسمت بها التجربة الثراثية حصل التأثير والتأثر والحوار مع الذات ومع الغير مما أتاح لهذه التجربة ما أتاحه من السعة والثراء في شتى العلوم والمجالات.

الأسباب المعرفية: إن العلاقة بين المقتضيات اللغوية والمقتضيات العقدية في علاقتهما بالمجالات المعرفية والثقافية الأخرى، والتي يعمل العقل على " اقتناصها" وبيانها وتوضيحها هو ما يسميه طه عبر الرحمان بالأسباب المعرفية يقول: " لا يخفى كذلك أن ما يتناقله المتخاطبون بواسطة لغتهم وما يتعاملون به بموجب عقيدتهم هو جملة مضامين دلالية وطرق استدلالية تتوسع بها المدارك العقلية في أنفسهم كما تنفتح بها آفاق العالم من حولهم. فلا تواصل ولا تفاعل في التراث إلا بالمعرفة المتوسلة باللغة والمبنية على العقيدة، ويجوز أن نسمي الأسباب المعرفية باسم الأسباب العقلية " [3]، فباستثناء الكتاب والسنة يمكن اعتبار كل الأعمال التراثية عند المسلمين منبثقة عن الأصلين بفعل إدراكي عقلي[4]، الذي هو مصدر من مصادر المعرفة، يعمل على اقتناص العلاقات وانتاج المعرفة وبيانها وتوضحها، وهي بالضرورة –انتاج المعرفة – عملية "معقدة" بين الفكر واللغة، وبين الفكر والواقع، وبين الواقع والنص، وبينهما جميعا؛ داخل المجال التداولي الإسلامي، الذي لا ينبغي تجاوزه أو إقصاؤه في أي بناء معرفي كيفما كان.

يتبن إذا؛أن الأسباب اللغوية والأسباب العقدية والأسباب العقلية، تتداخل وتتفاعل فيما يبنها بشكل يصعب معه تحديد الواحدة منهما بالأخرى، لتشكل بذلك وحدة "بنيوية"هي التي تسمى ب"المجال التداولي" أو "التداولية".(مصطلح استعمله طه في الثمانينيات ثم استحسنه الباحثون بعد ذلك).

مسلمة اعتبار العمل:

لما تقرر اعتبار المجال التداولي محددا رئيسيا، ومرجعا لا يمكن الاستغناء عليه في عملية التفلسف والإبداع، فقد بان معه أيضا؛ أن المجال التداولي الإسلامي، لا يميز بين العلم والعمل والعقل، كمجالات منفصلة أو متباينة بعضها عن بعض كما هو في المجال التداولي اليوناني مثلا؛ الذي يجعل حدودا بين هذه الألفاظ، ويقرر تقريرات بناء على هذه الحدود، بل على العكس من ذلك تماما، نجد في الأصل التداولي الإسلامي الأول ( القرآن الكريم) وحدة ترابطية علائقية جدلية بين هذه العناصر، "بحيث كلما أوغل المرء في العمل، خرج إلى علم أنفع متقلبا بينهما من غير انقطاع"[5]، فكل علم لا يندرج تحته عمل أو لا يؤدي إلى عمل فيه فائدة فهو متروك، والفائدة من العلم في المجال الإسلامي هو العلم الموصل إلى الإيمان الدافع للعمل، والعمل هو الدال على العبودية للخالق بمقتضى ما حدده الخالق، فالعمل بهذا المعنى هو المحقق لمقتضى العبودية لله، أو أقل هو " الخاصية التي تحدد الإنسان بما يورثه وصف العبد، لأن العبد لا يكون إلا عاملا "[6]، فإذا كانت الأخلاق هي التي تحدد ماهية الإنسان[7] فإن العمل هو الذي يحدد طبيعة هذه الماهية، بل أكثر من ذلك؛فإن التوغل في العمل يورث العلم كما هو الحال بالنسبة للتقوى.

3 - مسلمة فقه الفلسفة للإبداع الفلسفي:

لقد اتضح للفيلسوف طه عبد الرحمان؛ بعد طول النظر في الفلسفة العربية الإسلامية، أنها غارقة في التبعية والتقليد والنقل عن الآخرين، دون مراعاة الخصوصيات التداولية لمجال النقل ولا لمجال المنقول، مما يجعل فعل التفلسف فعلا مخلا بمبدإ الإبداع، باعتباره خاصية من خصائص الفلسفة، وعليه، وجب وضع "علم" ينظر في فعل التفلسف، وينظر في فعل الترجمة، باعتبارها عملية إبداعية أيضا.

فمن جهة النظر في الفلسفة، يقول طه عبد الرحمان: " وليس من سبيل إلى ذلك ( الإبداع في الفلسفة) إلا بإنشاء علم يختص بالنظر في الفلسفة كما ينظر الصانع في الآلة، وهو ما أسميناه ب " فقه الفلسفة"، فهو العلم الذي يزودنا بدقيق آليات الممارسة الفلسفية والإحاطة بجليل تقنيات الإنتاج والإبداع فيها، ومتى حصّلنا هذا العلم، أمكننا إذ ذاك الارتقاء من رتبة استعمال الفلسفة إلى رتبة صنع الفلسفة "[8]، فالإبداع الفلسفي هو الهاجس الذي يحكم فعل التفلسف عند طه.

ومن جهة النظر في الترجمة يقول: " ولما كانت الفلسفة التي بين أيدينا فلسفة منقولة، أي هي حصيلة أعمال الترجمة، وكان الإشكال الذي يعترض المشتغل بها هو كيف يبدع فيها مع دوام إمداد الترجمة لها، فقد لزم أن أول ما ينبغي أن ينظر فقه الفلسفة هو الصلة الموجودة بين الفلسفة والترجمة، مستخرجا وجودهما وإشكالاتها ومبينا كيفيات إقامة هذه الصلة على الوجه الذي ينفع الإبداع الفلسفي "[9]

بناء على هذا، فإن الفلسفة الإسلامية لا بد لها من وضع منهج نقدي، تخضع به جميع ما هو موجود من المعارف والأفكار بناءً على مبدأ: " أن كل منقول لابد من الاعتراض عليه ومساءلته إلى أن يثبت بالدليل موافقته لمقتضيات مجال التداول "[10] فلا سبيل إلى الإبداع الفلسفي لم يراعي هذه الخصوصيات ويعمل وفق هذه المبادئ، التي هي بمثابة وسائل وآليات وأدوات تنبني على عملية التفلسف .

4- مسلمة الطابع الوصلي للعقل:

يتحدد مصطلح "العقل" في المفهوم اليوناني بكونه؛ "عبارة عن ذات أي كائن من الكائنات المستقلة موجودة في داخل الإنسان، بل موجود ضمن الكون كله بحيث ينتظم ظواهره جميعا، وهو "اللوغوس" كما يعبر عنه"[11]، ويحدد كذلك بأنه جوهر، "عبارة عن ذات موجودة بنفسها، لا في غيرها، وقائمة بنفسها، لا بغيرها "[12]، لكن هذا التصور لمفهوم العقل عند اليونان؛ انتقل إلى استعمال الفلاسفة المسلمين له دون مراعاة مجاله التداولي الأول، ولا مراعاة المجال التداولي في استعمال هذا المفهوم من جديد أيضا، بالرُّغم من اختلافا المجالين، يقول طه عبد الرحمان مبينا مفهوم العقل في الأصل التداولي الإسلامي الأول (القران الكريم ): " نعجب من كون القرآن الكريم، في كل المواضيع الذي ذكر فيها مادة "عقل" -وهي تسع أربعون آية – لم يوردها إلا بصيغة الفعل "[13] أي هو فعل من الأفعال، الإدراكية، التي يقوم بها الإنسان في حياته [14]، وليس بجوهر كما تم اعتقاده. لكن إذا كان للأفعال الإدراكية مصادر تصدر منها، كالأذن واللسان والعين والشّم بالنسبة لفعل السمع والكلام والبصر والذوق، فما مصدر الفعل العقلي إذا؟ يجيب طه عبد الرحمان بأن مصدر الفعل العقلي هو القلب، وهذا ما قرّره القرآن الكريم، في قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها "[15].فالفعل الإدراكي العقلي مصدره القلب وهو مصدر من مصادر المعرفة.

يكمن دور العقل في "اقتناص" العلاقات بين الأشياء والموجودات، والبحث عن الأسباب الجوهرية بين السبب والمسبب كما كان محددا دوره عند اليونان أيضا، وتطور مع الفكر الحديث إلى الربط بين الوسيلة والغاية، غير أنه في الإسلام يبتغي الربط بين الوسيلة والقيمة كما يرى ذلك طه عبد الرحمان، يقول: " فالربط العقلي في الإسلام هو ربط الأسباب والوسائل بالقيم التي يعبّر عنها المتقدمون ب "المقاصد" [16]، وعلى حسب هذا الربط؛ تتحدد مراتب العقل والعقلانية عند طه، وهي كالآتي:

العقلانية المجردة: أي "المجردة من الممارسات العملية، وبالخصوص "الممارسة الدينية" أو "العمل الشرعي"، فهي عقلانية غير يقينية لا في نجاعة وسائلها ولا في نفع مقاصدها، وهي العقلانية الحديثة "[17].

العقلانية المسددة: وهي التي " يكون صاحبها قد حصّل اليقين في نفع القيم، ولكنه لم يحصّل اليقين في نجاعة الوسائل "[18]، فقد تكون القيم شرعية؛لكن الوسائل المستعملة لبلوغها غير متيقن من نجاعتها ونفاذ سبلها إلى المقاصد النافعة.

العقلانية المؤيدة: "هي التي يكون صاحبها قد أخذ مقاصده وقيمه من الشرع، محصلا اليقين في نفعها، كما أخذ منه الوسائل التي توصله إلى هذه القيم محملا اليقين في نجاعتها "، [19] فأخذ المقاصد والوسائل من الشرع، هو أعلى مراتب العقلانية كما يحددها طه، باعتبارها عقلانية موصولة بين العمل الناجع والقيم النافعة حالا ومآلا.

المحور الثاني: المبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية

لقد تقررت ضرورة أن يكون الفعل الفلسفي فعلا إبداعيا، وأن يكون الإبداع مراعيا لمجاله التداولي، باعتباره عاملا محددا في عملية التفلسف، ولما تقرر أيضا أن، الأصل التداولي الأول في المجال الإسلامي هو القرآن الكريم باعتباره وحيا إلهيا، فإن المبادئ الأساس في الفلسفة الإئتمانية عند طه عبد الرحمان تتحدد بناء على هذا الأصل في علاقته بعوامل أخرى يلعب فيها المجال التداولي دور المحدد الذي تتحدد به العوامل الأخرى تفاعليا، أقرب ما يكون إلى العلاقة الجدلية.فماهي المبادئ الإساس في الفلسفة الإئتمانية ؟وكيف يحددها طه عبد الرحمان وفقا للمجال التداولي الإسلامي؟

مبدأ الإشهاد: مقتضى هذا المبدأ، أن الإنسان في عالم الغيب أقر بربوبية خالقه لما تجلى له بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، يقول الله تعالى: " وإذا أخذ ربك من بني آدام من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟قالوا بلى"[20]. اي أقروا على أنفسهم بأن الله الخالق هو الرب المستحق للعبادة، وهذا الإقرار عبارة عن ميثاق بين الخالق وبين الإنسان خاصة، دون سائر المخلوقات الأخرى، وهو إقرار عياني حضور روحي جرى في عالم الغيب، المختلف بطبيعة الحال عن عالم المشاهدة المادي، يقول طه: "فلئن كانت الروح، على طبيعتها اللطيفة، قادرة على أن تزدوج بالجسم في عالم الملك، فهي بأن تنفصل عنه في عالم الملكوت الذي هو عالم اللطافة الخالص أقدر؛ففي هذا العالم الذي هو من جنس الروح، حصلت المواثقة الروحية"[21].

مبدأ الإئتمان: ومقتضى هذا المبدإ، أن الله سبحانه وتعالى ابتلى في عالم الغيب، جميع المخلوقات، وذلك بعرض الأمانة عليهم؛"فأبت هذه الكائنات، حيّها وجامدها، حملها، إشفاقا منها، في حين اختار الإنسان حملها"[22] يقول الله سبحانه وتعالى مبينا حالة هذا العرض: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا"[23]، ففي هذا العرض الثاني؛ واثق الانسان ربه بقبوله حمل الأمانة دون سائر المخلوقات الأخرى، إذ ينطوي هذا الحدث على أحكام لطيفة يستخلصها طه عبد الرحمان، يقول: "ومتى تأملنا هذا الحدث العجيب المحفوظ في فطرتنا، تبين أنه يتكون من عنصرين أساسيين هما: "الإختيارالأول" و"تحمل الأمانة"، إذ أن هذا الإختيار ينزل منزلة الشرط الذي يتوقف عليه إمكان تحمّل الأمانة"[24]، أي أن حمل الأمانة الإلهية من طرف الإنسان كان فعلا اختياريا حرا ليس فيه إكراه بمقتضى ما تستدعيه طبيعة العرض نفسها، "فلولا وجود هذه الحرية، لم يكن الانسان أن يؤتمن على شيء"[25]، يترتب على هذا إذا؛أنه لا أمانة بغير اختيار، ولا اختيار بغير حرية، ولا حرية بغير مسؤولية.

مبدأ التزكية: يمكن أن نقول بكثير من الجزم؛أن الإشكالية الأساس التي تنبني عليها الفلسفة الإئتمانية تتمحور حول مفهوم الإنسان واستشكال وجوده، وتعتبر هذه الفلسفة أن الوجود الإنساني الفعلي بدأ في عالم الغيب الملكوتي، وأما وجوده المادي الملكي فهو وجود تبعي؛ عبارة عن هبوط من العالم الأول، لذلك؛وجب ربط الصلة بين العالم الملكي والعالم الملكوتي لفهم وجود الإنسان وتحديد ماهيته وخصائص مكوناته، ومن ثمّة، تجديد تصورنا له؛ وذلك بربط حياة الإنسان بالعمل الديني الذي هو شرط ذلك التجديد، ولا تجديد معتبر بدون تزكية روحية، ولا تزكية من دون عمل ديني.[26]

خصائص العمل التزكوي عند طه عبد الرحمان:

أنه عمل عمقي، لا سطحي؛أي عمل نافذ إلى باطن الفرد، "ولا يلزم من ذلك أنه عمل داخلي خالص لا يرى له أثر في الخارج كالتفكّر، وإنما أنه عمل، متى تحركت به الجوارح الظاهرة، كانت آثار هذا التحريك نافذة إلى أعماق الكيان"[27].

أنه عمل كلي، لاجزئي؛فهو عمل يشمل كل الأجزاء والقدرات الموجودة في الإنسان، "بحيث يؤدي هذا العمل إلى تكامل مكونات الفرد وتفاعلها فيما بينها، إمدادا واستمدادا، على اعتبار أن ماهية الإنسان ذات لا تنفرق وكلّ لا يتبعّض"[28].

أنه عمل تحويلي، لاتغييري؛فلا يهدف العمل التزكوي إلى اعتبار تغيير سلوك الفرد فقط، بل يهدف إلى تحويله من مقام إلى مقام ومن حال إلى حال.

أنه عمل تثويري، لا تطويري؛فالعمل التزكوي يهدف إلى نقل سلوك الفرد من عمل إلى عمل غيره؛"كإنما يقلب سلوكه رأسا على عقب؛فما تعوّد أن يرفعه يأخذ في خفضه، وما تعود أن يخفضه يأخذ في رفعه"[29].

أنه عمل متصل، لا منقطع؛أي غير محدد بمدة زمنية معينة، فهو عمل دائم في الزمان والمكان.

هذه الخصائص الخمسة وإن كانت مفيدة في العمل التزكوي؛ فإنها لن تصل إلى مستوى التزكية الروحية المطلوبة حتى تأخذ بخاصيتين اثنتين هما:

خاصية التدرج: وذلك بإتيان الأعمال على قدر الطاقة؛دون الإنتقال من عمل إلى عمل إلا بعد الإستئناس به والتعود عليه حتى يصبح جزء من كيان الفرد.

خاصية السّلم: فالعمل التزكوي المبتغى؛عمل سلمي لا إكراه فيه، بحيث إن صاحبه يريد الوصول إلى معاني ومقامات وجودية وروحية وحقائق كونية ما كان ليصل إليها من قبل.

يتبين إذا؛ أن العمل الديني بطريق التزكية الروحية، عمل شامل جذري يهدف إلى قلب سلوك الإنسان وتغييره في الإتجاه الذي يعود على صاحبه بمزيد من الفهم والإرتقاء في مقامات ودرجات لم يكن ليصل إليها في غياب العمل التزكوي الروحي من جهة، ويهدف كذلك من بين ما يهدف إليه هذا العمل، إلى ربط الصلة بين العالم الملكي والعالم الملكوتي بما يحقق للإنسان فهم ماهيته وحقيقته الوجودية من جهة أخرى.

خلاصات:

يمكن إجمال الخلاصات التي توصل إليها هذا العرض فيما يلي:

أولا: أن الرؤية الفلسفية لطه عبد الرحمان مبنية على مجموعة من المبادئ تأخذ شكل مسلمات في النسق الطهائي العام.

ثانيا: ينبغي مراعات المحددات اللغوية والعقدية والمعرفية في أي عملية فلسفية كشرط للفلسفة الإبداعية، فاعتبار المجال التداولي مسلمة لا محيدة عنها في الإبداع الفلسفي عند طه عبد الرحمان.

ثالثا: إن الفلسفة الإسلامية يجب أن تكون فلسفة نقدية، كمبدإ عام لكل فلسفة عملية تهدف إلى تقويم قولها وتقديم رؤيتها للإستشكالات الكونية التي تطرح نفسها على الإنسان المعاصر.

رابعا: تتحدد مراتب العقلانية عند طه عبد الرحمان بحسب قُرب أو بُعد الوسائل والغايات من الشرع الإلهي الإسلامي، فهي إما عقلانية مجردة أو عقلانية مسددة أو عقلانية مؤيدة.

خامسا: تقوم المبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية على الأصل التداولي الإسلامي الأول؛ في علاقته بمكونات المجال الأخرى لغوية وفكرية وواقعية بما تشكل في مجموعها في مجموعها؛ ب"الفلسفة التداولية".

سادسا: تعمل التزكية الروحية على إعادة ربط الوجود الملكي بالوجود الملكوتي، وبناء الأول على الثاني كالرّابط الموجود بين الأصل في علاقته بالتابع.

 

محمد امشيش: طالب باحث بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان المغرب

......................

[1] الفارابي، المنطق عند الفارابي، الجزء الثاني، ص 68-69- نقلا عن طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي الطبعة الخامسة، 2016 الدار البيضاء المغرب، ص 245.

[2] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص، 245.

[3] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص، .246 .

[4] العقل عند طه عبد الرحمان، "فعل من الأفعال مثله في ذلك مثل السمع، الذوق والبصر والشم فهو واحد من الأفعال الادراكية" كتاب الحوار أفق للفكر، الشبكة العربية للنشر والإبداع، ط، 2014، ص، 41.

[5] طه عبد الرحمان، سؤال العمل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الثانية 2002، ص، 16.

[6] طه نفسه، ص، 36.

[7] طه عبد الرحمان، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة السادسة، 2016، ص، 14.

[8] طه عبد الرحمان، فقه الفلسفة-1-، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الرابعة، 2013، ص، 53.

[9] نفسه، ص، 53.

[10] الكورعبد الجليل، إفادات عبر موقع التواصل الإجتماعي مسنجر يوم 2 مارس 2019، على الساعة 20: 37 مساء

[11] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1، ص 40

[12] طه عبد الرحمان، سؤال العمل، ص، 59.

[13] نفسه، ص، 64.

[14] طه عبد الرحمان، الحوار أفق للفكر، ص، 41.

[15] الاية 46، سورة الحج.

[16] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، ص، 43.

[17] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، ص، 48.

[18] نفسه، ص، 48.

[19] نفسه، ص، 48 .

[20] الآية 172، سورة الأعراف .

[21] طه عبد الرحمان، دين الحياء-1-، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، الطبعة الأولى، 2017، ص، 19

[22] طه عبد الرحمان، روح الدين، المركزالثقافي العربي، الدارالبيضاء المغرب، الطبعة الثالثة 2013، ص، 449.

[23] الآية72، سورة الأحزاب، [23]

[24] طه عبد الرحمان، روح الدين، ص، 449 . [24]

[25] نفسه، ص، 450

[26] الكورعبد الجليل، إفادات على موقع التواصل الإجتماعي مسنجر. يوم 21 أبريل 2019، على الساعة 20: 27 مساء

[27] طه عبد الرحمان، روح الدين، ص، 265.[27]

[28] نفسه، ص، 265.[28]

[29] نفسه، ص، 266.[29]

 

محمد كريم الساعديإن مفهوم الصورة واشتغالاتها الفنية والأدبية والثقافية يأخذ عدد من الصيغ المتباينة بحسب نوع المفهوم، فالبعض يشير الى الصورة على كونها الدلالة الايقونية وهي كما يمثلها البعض الصورة الشخصية الدالة على شخص بعينه، والبعض يشير الى اللوحة التشكيلية ذات الملامح المعبرة، والبناء الشكلي الجامد ظاهراً، والبعض يشير الى الصورة في المادة الفلمية في السينما أو التلفزيون، وفي الإعلام الحديث خصوصاً ما نسمعه في بعض الوسائل وخصوصاً المسموع، التي تعبر بنقل الحدث المسموع لرسم الصورة في ذهن المتلقي (المستمع)، أو ما شابه ذلك من معنى. وفي الأدب توجد صورة شعرية، وفي المسرح توجد صورة درامية وفي الاقتصاد توجد صورة اقتصادية، كذلك المشهد السياسي المكون من مجموعة صور متقاطعة أحيانا ومتقاربة أحيانا أخرى حسب المصالح . والصورة الاجتماعية أو العلمية في الهندسة والطب وغيرها من الاستخدامات للصورة، وهنا نطرح عدد من التساؤلات : هل أن الصورة تدخل في معنى واحد فقط ؟ أم في معاني متعددة؟، وهل الصورة هي الشيء الجامد؟ أم متحرك؟ وهل الصورة هي التعبير المجازي، أم لها دلالة واقعية؟ وتساؤلات أخرى غيرها عن الصورة ذات دلالات أعمق وأصعب على الفهم كما يصور البعض التاريخ كصورة مكونة من أحداث وأفعال وحروب وانتصارات وهزائم، ومنتصر يكتب التاريخ وخاسر يبحث فيما بعد في هوامش صور المنتصر، كل هذه المعاني تدلل على أن مفهوم الصورة لها معاني متعددة ومتغيرة بحسب الاستخدام، هذا يجعلنا ان نأخذ مفهوم الصورة بمعنى اكبر وشمل كمن يصور الأرض من خارجها لتدلك بملامحها الزرقاء عن الحياة التي يشوبها بعض التلوث نتيجة استخدامات الإنسان الخاطئة لإشباع رغباته في تغيير نمطها لصالحه . فالصورة ليست هي ذلك المفهوم البسيط الذي تتداوله بعض الألسن، وليست هي الجماد ولا الحركة، بل كلاهما معاً، وليست هي فقط ما يرتبط بالجانب الواقعي، بل حتى ما يرتبط بالجانب المجازي والإيحائي وغيرهما من الجوانب، فالصورة في كتابنا تعني الخطاب كمفهوم له دلالات ويخفي في داخله انساق مختلفة تظهر بعضها وتخفي البعض الآخر، فالصورة تشير الى الهيمنة ونتلمس من خلالها المخفي، أو المهمش، أو الذي أدخلت الرتوش والتغييرات عليه كي يظهر بملامح مغايرة ومختلفة.

وإذا أطلقنا على الصورة خطاب، فما هو الخطاب؟ وما هي تكويناته؟ وكيف يتشكل ليعطينا صورة بمفهوم جديد . إن الخطاب كمفهوم، لم يأتي في وجه واحد، أو شكل معين، بل إنه أتى في ضوء المفهوم الغربي في صورتين مختلفتين وكما يشير الى ذلك (دليل الناقد الأدبي) :فالأول هو ما يبحث في الجانب اللغوي الأسلوبي المعروف بتحليل الخطاب، أي انه يشتغل في المفهوم اللغوي الذي يدلل على تجاوز الجملة الواحدة في جانبيه المكتوب والملفوظ . إن (ميشيل فوكو) المفكر والفيلسوف الفرنسي، والذي طرح عدد من المؤلفات في هذا المجال ومنها، (نظام الخطاب، أركيولوجيا المعرفة، وتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتأويل الذات، وتاريخ الجنسانية) وغيرها من المؤلفات، قد قدم فيها (فوكو) مفهوم آخر عن الخطاب، من خلال حفرياته، التي طرحها على شكل محاضرات عن المفهوم الجديد للخطاب، إذ أشار الى إن الخطاب بمفهومه المتقدم يشير الى الشبكة المعقدة من العلاقات المختلفة (الثقافية، السياسية، الاجتماعية، وحتى الأخلاقية) كمفهوم ديني وغيره، وهذه العلاقات هي من يتضح من خلالها طريقة إنتاج الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر، وما ينتج عنه من مراقبة قد تكون منتقاة، بشكل يعاد توزيعها، وقد تظهر نتائجها على الملامح العامة للحياة بما فيها الجسد وملامحه وأزياءه، وألوانه وغيرها من الأمور الداخلة في صنع المجتمع وتكويناته المختلفة. إن هذا المعنى الواسع للخطاب، يأخذ أبعاداً أوسع في مفهومه للحياة والتاريخ، بل وحتى للمستقبل، لأن هذه الأنظمة المعقدة لا تأتي دون أن يكون هناك قصدية في تشكيلها وتكوينها في الاستهداف لنقطة معينة، قد نعبر بها على شخص، أو سلوك، أو فئة، أو ظاهرة، أو حتى تاريخ يراد من خلاله التشويه والإساءة، لذلك فأن الإنسان العادي الذي هو جزء من هذا الخطاب، الذي لا يشاهد كيف يرسم من زوايا أخرى قد تسحبه الى أمكنة وأزمنة مجهولة دون أن يكون حاضراً ومساهماً بها، بل مغيرة ومكونة بشكل جديد بعيد عن واقعها الحقيقي، حتى أن (فوكو) نفسه يشير الى ان الخطاب ليس ميسر للفهم العادي، إذا ما أخذناه بجانبه المعقد، فهو يشير في محاضراته التي كان يلقيها في (الكوليج دو فرانس) في سنة (1970) الى ما يأتي : يبدو ان الخطاب في ظاهرة شيء بسيط، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً بسرعة عن ارتباطه بالرغبة وبالسلطة . وما المستغرب في ذلك مادام الخطاب – وقد أوضح لنا التحليل النفسي ذلك – ليس فقط هو ما يظهر، أو(يخفي الرغبة)، لكنه ايضاً موضوع الرغبة، ومادام الخطاب-والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك – ليس فقط هو ما يترجم الصراعات، أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من اجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي تحاول الاستيلاء عليها.

إن البسيط بالخطاب هو ظاهره لأن من هو في داخله، أو يشتغل ضمن سلطته، يكون دائماً مندمج في صورة الحدث، كما هو حال بعض الشعوب التي خضعت للسلطة وخطاباتها، على وفق التضليل الذي رافقها ويرافقها، كما حدث مع الشعب الألماني في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكما هو حال بعض الشعوب العربية التي وقعت نتيجة التضليل في حروب ليس لها فيها (ناقة أو جمل)، أو كما هو حال من ادعى بأنه (شعب الله المختار) لتحقيق مأرب سلطوية دنيوية بعيدة عن الله (جل وعلا) ومفهوم الشعب المختار، الذي يتصف ويتخلق بقيم الخالق لا بالقتل والذبح، وما أكثر الأمثلة في هذا المجال، لأن الصراع في مفهومه التاريخي وما حفل به من اضاءات حول هذا الموضوع، هو كافٍ ليعطي الدروس، حول السلطة وصراعاتها، وحول ما نتصارع لأجله، والذي يصطبغ في بعض الأحيان بالدفاع عن الطائفة، أو القومية، أو الدين، أو الجماعة أو العشيرة، ولكنها، وبعد انتهاء الصراع وسيطرة جهة محدد يتغير الحال، وينكشف ان الصراع وحقيقته ليس من اجل الهدف السامي، بل من اجل المصالح الدنيوية، بمفهوم (ادوارد سعيد) لهذا المصطلح . فالرغبة في السلطة هي المحركة والمحرضة لتشكيل وتكوين الخطاب والاندماج فيه واعتناق أفكاره، دون الشعور بالآخر، وما يجري عليه من مآسي بسبب الرغبة في السلطة والسيطرة على الآخر، ومادام الآخر هو المظلوم والمهمش والبعيد عن الصورة، لذلك يحاول (فوكو) أن يعكس المعادلة، ويجعل نفسه في مكان الآخر من اجل الوصول الى (إرادة المعرفة)، إذ يقول : إذا وضعنا أنفسنا في قضية مصوغة ضمن خطاب ما، فاٍن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو خاطئ ليس فصلاً اعتباطياً، ولا قابل للتعديل، ولا عنيفاً، لكن إذا وضعنا أنفسنا في مستوى آخر، وإذا طرحنا السؤال بقصد المعرفة ماذا كانت وما هي باستمرار إرادة الحقيقة عبر خطاباتنا، هذه الإرادة التي عَبرت قروناً من تاريخنا، أو ما هو، في مشكلة العام جداً، نوع القسمة الذي يحكم إرادتنا للمعرفة، فربما كانت بمثابة نسق للأبعاد (نسق تاريخي، قابل للتعديل، ويمارس أكراها مؤسسياً) نراه يرتسم أمامنا. فالإكراه الذي تمارسه المؤسسة المعنية بتشكيل السلطة وخطابها، أو خطاباتها، على وفق النسق التاريخي للمراجعة والمتابعة، فأنه لم يبقى على حاله وشكله بل ان لحظة الخطاب الآني تشكلت مرجعياته وتشكيلاته في ضوء تاريخه وأنساقه المعرفية شيء آخر، فأن الثبات والجمود هي ليست من تكويناته، فالصورة بمعناها خطاب مهيمن، هي ليست جامدة، أو بسيطة في التشكيل، بل هي متغيرة ومتلونة، بحسب التحديات التي تواجهها، فالخطاب بهذا المعنى، إذا نُظر اليه من مكان أخر، وبتجرد وموضوعية، خارج سلطته، سيلاحظ التعديل في الممارسة والإكراه الذي ينتج هذا التعديل بشكل مستمر .

إن ممارسة الإكراه في الخطاب وتعديلاته يقع في محورين، الأول يقع على المنتمي للخطاب والذي لا يشعر به لأنه جزء من المؤسسة وتابع لها، ومُضلل بأفكارها وبعيد عن الموضوعية في نقد واقعه ومعطياته الفكرية للخطاب، وهذا النوع يتقبل الإكراه في التغيير بالأنساق المعرفية للخطاب ذاته دون معارضة تذكر، ويمكن اخذ مثال من أعمال مسرحية لـ (برتولد بريشت) المخرج المسرحي الألماني الذي صور في عدد من مسرحياته ومنها (الأم شجاعة) نقده لمثل هذا النوع من المنتمين للسلطة وخطاباتها وحروبها، التي جعلت من الشعب محرقة في الحرب العالمية الثانية، لذلك أنتج تقنية في مسرحية أطلق عليها (التغريب)، وإذا أخذنا مفهوم (التغريب) بمعناه الفلسفي البعيد نراه يقاطع مفهوم الاندماج ويناقضه، ويوجه رسالة الى الشعوب الألمانية التي وقعت تحت دائرة التضليل (الهيغلي) الداعي الى (الروح المطلق) وتسيد العالم الذي اعتنقه (هتلر) بقصدية مباشرة، أو غير مباشرة، وهنا أراد (بريشت) دحض هذه الأفكار، والاندماج مع السلطة ورغباتها في إخضاع شعوب العالم ومنها أوربا، وكذلك تصنيف العالم، على وفق النظرة الهتلرية الى أول وثاني وثالث، وأوصاف أخرى دونية لا تليق بالشعوب التي أطلق عليها، ومنها الشعوب العربية، فأن هذا الاندماج وعدم التحرر من السلطة ورغباتها جعل الشعب الألماني، وألمانيا بصورة عامه تقع تحت التدمير الكامل والتقسيم الى غربية وشرقية بسبب هذه الطموحات والاندماج التام لها من قبل الشعب . أما المحور الثاني من الإكراه، هو ما يشير اليه (ميشيل فوكو) مثال في كتابه (تاريخ الجنون)، إذ يركز في النوع الثاني من الجنون، ليس على الذي يحمل أعراض المرض الذهني والاكتئاب، بل يرى ان هذيان آخر لا يظهر دائماً، ولا يقدمه المريض في هذا النوع من المرض بذاته بل هو يصاغ من خلال من يريد ان يوجد له، أي موجود في نظر ذلك الذي يحاول صياغة لغزه وحقيقته، والإكراه يظهر في هذا الخطاب من خلال إيماءات صامتة، وعنف بلا كلمات وغرابة في السلوك، لا تجعل المجنون من النوع الثاني في سياق المرض الطبيعي، أي الجنون الذي يرافقه أعراض الذهن وغيرها من الإشارات الدالة على المرض فعلياً . فهل ان من يضع ويصيغ نوع الجنون في ضوء سياقات خارجة عن مفهوم الجنون الطبيعي يمارس الإكراه، كما كان يمارس، بحسب (فوكو) ضد من يعارض السلطة، أو يعرف حقيقة خطاباتها لذلك كانت عملية الإكراه والتعديل في الأساليب المستخدمة ضد المعارضين، في فترات تاريخية معينة هي خير إشارة على مفهوم الإكراه والرغبة في الاستمرار ببناء السلطة وخطاباتها ضد الآخر .

إن مصطلح المعرفة عند (فوكو) يأخذ بعداً ثانياً من خلال متابعة مجريات التكوينات السلطوية، وكيفية استخدامها للمعرفة من سبيل التعديل الحاصل في سلوكها على الآخرين وممارستها لأنظمتها عليهم، لان المعرفة هنا، هي ليست في مفهوم من يرى السلطة من الخارج، بل هي المعرفة التي تمتلكها السلطة لأغراض التعديل والاستمرارية في السيطرة والممارسة والمنهج المتغير مع تغير الظروف والأهداف والغايات وحتى النوايا، إذ يطلق عليها (فوكو) بعد ان يقر بوجودها في داخل تشكيلات السلطة باصطلاح (إنتاج المعرفة) ويعدها من أساسيات امتلاك السلطة في ذاتها، وذلك كون إنتاج المعرفة يجعل القائمين عليها يعرفون أسراراً لم يتمكن غيرهم ممن يقع خارج الخطاب السلطوي ان يطلع على التعديلات الحاصلة فيه، من اجل مواجهته، أو معرفة مكامن ضعفه، أي ضعف الخطاب السلطوي، إذ ان للمعرفة سلطة تتجلى من خلال ذلك النفوذ الذي تبلغه بتشكيل خطاباتها(مواضيعها) المختلفة التي تفرض شروطها علينا مبررة ذلك ما يدعي بمبدأ الخصوصية لتكون الكثير من المناطق محرمة داخل حيز المعرفة، فيكون المنع قائماً ويطال الجميع إلا من يستوفي الشروط الجلية في أساليب رقابة الجسد وإخضاعه من اجل قبوله في مؤسسة التحصيل المعرفي تلك السلطة التي تحكمها مبادئ عديدة تتميز بالصرامة ومن بين هذه المبادئ يمكن ان نذكر بعضها فيما يلي : (مبدأ الخصوصية، مبدأ ندرة العبارة، مبدأ وفرة العبارة، مبدأ إخضاع الجسد). إن هذه المبادئ الأربعة هي ما يمكن ان نسميه آليات تشكيل صورة الخطاب، أو خطاب الصورة بمفهوم (فوكو) على اعتبار ان المبادئ الأربعة تعطي شروطاً أساسية في معرفة الخطاب وتعديلاته، وحتى أساليب الإكراه وما تمارسه المؤسسة القائمة على إنتاجه، فالخصوصية، تعني عدم البوح بكل شيء، وعدم الحديث بأي شيء، ولا يمكن الحديث بكل المواضيع التي تشكل هيكلية الخطاب السلطوي، أو فضح آليات العمل به، مما يجعل لكل خطاب سلطوي طقوساً داخلية خاصة به، لا يعرفها إلا من هو في داخل هذا الخطاب، حتى ان مبدأ الخصوصية يجعل من القائمين على الخطاب نوعين، من يصنع آلياته ومن ينفذها ، ومن يسير فيها دون ان يعي نهاياته، أو الغايات الحقيقية التي أنتج من اجلها، وهنا ينطبق على النوع الثاني شعار (نفذ ثم ناقش) وهو شعار سلطوي بامتياز يخفي وراءه من الخصوصيات ما يخفي، حتى لا يستطيع من ينتمي اليه ان يناقشه، وهذا ما ينعكس على وفق الخطاب عند (فوكو) في (ندرة العبارة) وهو المبدأ الثاني، أي ان ليس كل ما يعرف يقال حتى لا تنفضح ما وراء الكلمات من أسرار ونوايا، وقد يعبر عنها بشكل، أو بآخر، مما يفضح القائمين على الخطاب نفسه، وبالتالي فأن الملفوظات تكون في هذه الحالة قابلة للتغليف بعبارات أخرى، أي ان في هذه الحالة نرفع شعارات أخرى مزدوجة تكون فيها وفرة في العبارات والشعارات، مما يجعل مبدأ الوفرة قابل لان يصل الى الكلية، وتبدو العبارات والشعارات زائدة في تكاثرها، وهنا يسمي (فوكو) بوفرة العناصر الدالة بالنسبة لمدلول واحد ووحيد، ومن بين المبادئ الأكثر أهمية في الخطاب، هو مبدأ إخضاع الجسد، ويقصد به إخضاع للمراقبة لأدق الحركات التي يمارسها بقصدية، أو عفوية مما يجعل من الجسد ساحة لتطبيق قوانين السلطة وخطاباتها، حتى ان الجسد يصطبغ بلون السلطة ويتحرك بأهداف السلطة ويصل في نهاياته الى نتائج تريدها السلطة، أن يطبقها . والأمثلة كثير في هذا الشأن في الزمن الغابر، أو حتى في الأوقات الحالية، ومنها ما اقترن بأزياء السلطة وألوانها، ومن شاء أن ينظر ويتفحص التاريخ ليرى ماذا يعني اللون الأحمر في السابق واللون الأسود في الوقت الحاضر، عند داعش وغيرها، أو الزي الأفغاني، الذي أصبح هو الزي الرسمي للخطاب القاعدي وفيما بعد الداعشي .

إن النظرة الى تكوين شكل الخطاب في ضوء العلاقات المعقدة التي ذكرناها سابقا في نظر (فوكو) للخطاب، يصبح ان شكل الخطاب قابل لأن يجمع مجموعة من العبارات، والتي يمكن ان تصبح انطلاقة حقيقية لتكوين شعارات السلطة أيضا في أكثر من محفل، والتي من خلالها يمكن ان نميز الفكر السلطوي دون ان نضع تمييزات بينه وبين الخطاب السلطوي سوى في المصطلحات، أي بين الفكر السلطوي والخطاب السلطوي، بين الظاهر وهو الخطاب والمخفي وهو الفكر الذي يقود ويوجه هذا الخطاب، أن كل من الفكر والخطاب يشكلان حلقه وصل في تشكيل مفهوم السلطة واشتغالاتها في المستويات المختلفة، وإذا عدنا الى الأسس الأربعة التي تشكل العلاقات، حسب فهم (فوكو) للخطاب وعلاقاته، فأن (عبد الغني بارة) في إشكالية تأجيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر، وعلى الرغم من ان الرجل يفصل بين تحليل الخطاب وتحليل الفكر الذي اشرنا اليه لكن فيما يخص تحليل الخطاب، فانه يرى بأن هذه الأسس الأربعة هي ان العبارات المختلفة الأشكال والمبعثرة في الزمان تشكل مجموعاً واحداً، إذا كانت ترجع بصورة، أو بأخرى الى ذات الموضوع وتحيل عليه.

1- إنه لتحديد مجموعة من العلاقات بين عدد من العبارات، لابد من التركيز على شكلها، ونمط تسلسلها وترابطها .

2- البحث في إقامة مجموعة من العبارات عن طريق تحديد نظام المفاهيم الدائمة والمتناسقة.

3- وأخيراً، من اجل تجميع العبارات في وحدات حقيقية، ينبغي وصف تسلسلها وتتابعها، ووصف أشكال التوحيد التي تظهر بها، كوحدة المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها .

وانتهاءً بما في النقطة رابعاً أذا كان الخطاب وتحليله منفصل عن الفكر القائم عليه، كيف يمكن ان ننتهي الى المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها، إذا فصلناها عن الخطاب وتشكيلاته اللغوية وغير اللغوية، إنا باعتقادي بأن (فوكو) في مؤلفاته المختلفة لم يكن يركز على الجانب اللغوي فقط، أو الصياغات المكونة للعبارات في حد ذاتها فقط، بل هو يبحث في أعمق من ذلك وكما هو واضح في مؤلفاته مثل (تاريخ الجنون)، (تأويل الذات)، وحتى في (نظام الخطاب) ذاته، وإخضاع الجسد في مفهوم الخطاب السلطوي، فإذا كان يركز فقط في تحليل الخطاب على العبارة واللغة فهو ينتمي الى الخطاب الأول الذي اشرنا اليه على وفق تصنيف (دليل الناقد الأدبي) الذي يهتم بالجانب اللغوي الأسلوبي والمعروف بتحليل الخطاب دون البحث كما أراد هو في حفريات المعرفة (أركيولوجيا المعرفة) وغيرها من دراساته، التي جعلت من عمق البحث التاريخي سمة ولازمة لنقد المؤسسة الغربية .

إن خطاب السلطة يقوم ايضاً على أساس ما تفرزه السلطة من تقنيات تقود بها الأنظمة في مختلف جوانبها، ومنها أنظمة التعليم، الصحة، السياسة وغيرها من المؤسسات والنظم السلطوية، وهنا تعمل السلطة بتقنياتها على تأكيد مبدأ الإخضاع، وتطبيقه في المجتمعات التي تحكمها من خلال تشكيل شكل النظام الحكومي والسياسي والاجتماعي الذي يقود المجتمع في مرحلة ما، لذلك فأن مبدأ الإخضاع يشمل البناء والإنتاج والتعليم، وحتى الأطر الإيديولوجية للمجتمع، لذلك يرى (باري هندس) في خطابات السلطة بأن (فوكو) أصر على التمييز بين علاقات السلطة كلعبات استراتيجية بين الحريات – أي لعبات استراتيجية تنتج عن حقيقة ان بعض الناس يحاولون تحديد سلوك الآخرين – أما حالات السيطرة التي من الطبيعي ان يطلق عليها (سلطة) – وبين الاثنين، أي لعبات السلطة وحالات السيطرة لدينا التقنيات الحكومية . في حضرة الفقرة يتم التعريف بثلاثة أنواع لعلاقات السلطة، هي :لعبات استراتيجية بين حريات والسيطرة ونظام الحكم. لقد حدد (فوكو) على وفق شروط الخطاب، أو العلاقات في الخطاب نفسه، أربعة نقاط من ضمنها شروط محددة لظهور الخطاب تقع فيها صياغة الحدود الأساسية المعنية بظهور سلطة الخطاب، على الرغم من ان البحث في هكذا موضوع يتطلب البحث في ممارسات سطرها التاريخ وعلاقات السلطة مع الطبقات التي شكلت مفهوم السلطات في حقب زمنية معينة، لكنه في بحثه في كتاب (حفريات المعرفة ) يستخلص لنا أربعة شروط أساسية لذلك، على اعتبار ان ما يسرد في هذا الكتاب، أي الحفريات، يقترن بدلائل هذه الشروط في النقطة الأولى التي تعد تقابلات، أي شروط ظهور موضوع الخطاب والشروط التاريخية التي تسمح (بقول أي شيء عنه) وتسمح للأشخاص ان يقولوا ما بدا لهم، وهنا تتم عملية الفعل وهي ظهور الخطاب، والفعل المضاد، أو الكشف عن الأفعال، التي تفضح الخطاب، أو تكشف أهم خباياه هو ما يصدر عن الأشخاص الذين يصدرون أحكامهم، أو يقولون عنه أي شيء يكشف لهم ما يضمره الخطاب السلطوي .أما النقطة الثانية فهي ما تنشأ من سلوكيات اجتماعية وغيرها بين المؤسسات، وما ينتج عنها من معايير وتقنيات وأنواع التصنيف والتمييز، والتي لا تكون حاضرة بشكل مباشر في موضوع الخطاب، بل ان هذه السلوكيات ومعاييرها تسمح بظهور ما يمكن ان يبوح به الى جانب الموضوعات الأخرى في الخطاب مما يوجد نوع من المغايرة يسمح للموضوع بأن يجد مكانه داخل الخطاب، تحدد لنا اختلافه وعدم قابليته لأن يرد الى شيء آخر، أي ان الموضوع يسمح بأن يجد مكانه داخل خطاب سمته البارزة انه خارجي لا يحل الى شيء آخر داخلي مخبوء . وان هذه العلاقات الناتجة عن تلك السلوكيات يرى (فوكو) بأنها تأتي بشكل أولي واقعي التي يمكن الوقوف عليها ووصفها داخل المؤسسات والتقنيات والتشكيلات الاجتماعية، وهي واقعية أولية ، أما الثانية فهي المكونة من منظومة العلاقات الثانية، أو العلاقات الفكرية، ومنظومة يطلق عليها (فوكو) اسم منظومة العلاقات الخطابية، وهذه المنظومة يرى بأنها من أبراز مناعتها هي العلاقات التي تجمعها بالأولى (الأولية) الواقعية والثانية (الفكرية)، وهذه النوعية الثانية الخطابية فهي ليست علاقة توجد داخل الخطاب كما هي العلاقات الأولية، أو العلاقات الفكرية المرتبطة في مثال ساقه (فوكو) عن ما قاله أطباء الأمراض العقلية في القرن التاسع عشر عن علاقات الأسرة والإجرام، وما يقولونه ، لا يرد الى روابط أولية واقعية، فأن العلاقات الخطابية لا يعني أنها علاقات توجد خارج الخطاب ، ترسم حدوده وتفرض عليه أشكالاً معينة، بل ان هذه العلاقات يراها (فوكو) هي ما توجد عند حدود الخطاب، تمنحه الموضوعات التي يتحدث عنها، وتحدد مجموعة الروابط التي على الخطاب ان ينشئها بصورة فعلية، إذا ما تصورنا ان فعل هذه الروابط، يأتي عندما توجد الموضوعات جاهزة في جانب والخطاب جاهز في جانب آخر.

إذن، ماذا يريد (فوكو) في دراسة الخطاب وحفرياته للمعرفة وما هي الصورة الجديدة التي يمكن ان تدخل في بناء آليات معرفية جديدة تتبنى الأفكار والأطروحات في تشكيل وتكوين القيم المعرفية لنظام الخطاب؟. ان الذات والسلطة والمعرفة في صورتها الجديدة هي من اجل إيجاد صيغ بديلة عن الأفعال المشينة والمشوهة التي أخفاها المنتصر، أو المتعالي، أو من حاول إعطاء صورة أخرى لتاريخ الآخر المُغيب والبعيد عن الثقافة والادلجة، التي يعتنقها صاحب قلم القوة ويفرضها في صفحات الاستسلام، لذلك فأن الخطاب كصورة يعني إيجاد تاريخ مغاير للصيغ التي تم بها إخضاع البشر في ثقافة المنتصر، أو في ثقافة القوة، ان صح التعبير، والإخضاع، والإكراه في تشكيل الوعي الجديد للشعوب، هو ما أعطى للخطاب التقليدي نمط واحد في تفسير الحقائق دون معرفة الآخر وأنماط حياته وثقافته، لذلك فأن الثغرات التي تركها خطاب القوة جعلت من آليات النقد الجديدة ومنها الخطاب في صورته غير التقليدية، قادر على كشف هذه الثغرات بمجرد زحزحت الأنظمة الخطابية التقليدية عن مواقعها، لذلك فأن طريقة التعامل يجب ان تركز على استكشاف ما هو مزحزح عن مكانته وقيمته الفعلية، حتى ينكشف عنها ما تم التلاعب والتغيير فيه وفي هذا المجال تطرح (برندا مارشال) في تعليم ما بعد الحداثة، قراءة (فوكو) للسلطة وفهمها واليات تكوين العلاقات فيها، إذ تقول : وطريقة أخرى للعمل باتجاه فهم لعلاقات السلطة هو استخدام أشكال للمقاومة تتخذ ضد أشكال مختلفة كوسيلة نسلط بها الضوء على علاقات السلطة ونحدد مواقعها، ونكشف مواضع تطبيقها والمناهج المستعملة – أي، ان نحلل (علامات السلطة من خلال صراع الاستراتيجيات)، على سبيل المثال، يقول (فوكو)، لكي نكتشف ما يعنيه مجتمعنا بالصحة العقلية . وبدلاً من الحديث عن السلطة من منطلق من الذي يأخذ القرارات، أو من يحكم مَنْ، ربما كان علينا ان نفحص أشكال المقاومة والجهود التي بذلت لإزاحة علاقات السلطة من مواضعها وتفكيكها. لذلك فأن المعنى الجديد لفهم السلطة هو مشاكسة أفعالها وليس الإيمان بها إيمان مطلق بأقوالها وأفعالها، ولا نستطيع ان نفهم ظاهرة معينة من دون ان نراها بشكل موضوعي، فإذا أردنا ان نفهم المفاهيم وتطبيقاتها، يجب ان نفهم آليات بناءها، ومثال الصحة العقلية ينطبق على الكثير من الموضوعات ذات البعد المفاهيمي، أي ان معرفة التمركز حول بناء صور وأشكال ذهنية جديدة عن شيء ما يجب مراجعة تاريخ البناء لها، حتى لا تغيب العديد من الحقائق المراد إخفاءها وراء حجج ومبررات الحداثة والتطوير والتغيير، لا بل يجب فهم قضية المغايرة التي صورها الغالب في صناعة التاريخ في إنتاج وصناعة صور التاريخ بحيث أصبحت من المسلمات عند البعض، أو عند الأجيال اللاحقة، التي لم تعاصر كتابة ذلك التاريخ، فمن قال ان أفريقيا بلا تاريخ هو العقل الغربي الذي صور بأن الأفارقة يعتقدون بأن الشيطان ابيض، ومن قال ان الشرق خيالي وسحري وغرائبي، إذ رسمت ثلاثة صور بتواريخ مختلفة من أزمنة التشويه – الإساءة، التي سيتناولها الكتاب في الفصول القادمة – وأصبحت من العلامات الفارقة للتمييز بين الثقافة الغربية والثقافات الأخرى، وخذ مثال عن ذلك التشويه والإساءة وصور الخطاب المسيس ضد الحضارات الأخرى، وهذا المثال وقع في حاضرنا، إذ يرى الباحث في مجال السياسة الخارجية الأمريكية (جانيس .ج . تيري) الذي اقتبسنا منه سابقاً، يقول : وبصورة مماثلة، غالباً ما تميل اللوائح المقدَمة لمسؤولي البيت الأبيض الى ان تكون المواقف مواليه لإسرائيل ومعادية للعرب . فعلى سبيل المثال، وقبل اجتياح العراق في العام 2003، أشار المسؤولون الى الكتاب المتحيز المعادي للعرب، بعنوان (الفكر العربي) لرفاييل باتاي (نيويورك :/ تشالز سكريبنرز صانز، 1973)، على انه الأساس الذي استوحى منه الأوصاف التي تتناول العرب والثقافة الإسلامية، وبعد (30) عاماً، ستكون أوصاف (باتاي) التي تعتبر أن العرب تنتابهم هواجس جنسية، ويعتريهم الخجل، محط سخرية على نطاق واسع ومدعاةً للإدانة عن حق لأنها أوصاف عرقية، أي جماعة أثنية أو عرقية . هذه وغيرها من عشرات، بل مئات من صور التشويه التي شكلت صورة العربي، والمسلم، والشرقي، والإفريقي، والأمريكي اللاتيني، والهنود الحمر، السكان الأصليين للمستعمرات الغربية، وهذا الخطاب المتعالي، عمل جاهداً على تثبيت الصورة والأوصاف الدونية . التي أصبحت علامات فارقة من علامات التمييز ضد الآخر الذي لا يشبه الذات الغربية، وثقافتها ذات الأبعاد العنصرية والتمييزية.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

حاتم حميد محسنلماذا اطلق ديكارت (1596-1650) على رسالته الشهيرة Meditations on first philosophy بـ "التأملات في الفلسفة الاولى"؟. التأمل to meditate يعني التفكير بعمق حول شيء ما. سنحاول النظر فيما اذا كانت طريقة ديكارت والفلسفة الغربية عامة لها علاقة "بالتأمل" بالمعنى الشرقي للكلمة. سننظر في اساليب التأمل في المدارس التقليدية للبوذية وخاصة اساليب مدرسة زن البوذية (Zen Buddhism).

هدوء الذهن

هل ان الفلسفة الغربية تسعى الى الاطمئنان وهدوء البال. ان الهدف من التفلسف الغربي هو ايجاد حلول للاسئلة العميقة مثل معنى الحياة او طبيعة الذهن، وان كل نظرية فلسفية هي محاولة لحل مشكلة فلسفية. تطوير مثل هذه النظريات قد يوفر ولو للحظة حالة من الهدوء والاطمئنان.

ان الشيء الذي يركز عليه فلاسفة الغرب هو السؤال الذي يسعون للاجابة عليه، مثل "ماهي الحقيقة" او "ماهي اللغة؟". هذه الاسئلة تشبه الالغاز (koans) (1) التي تركز عليها البوذية اثناء التأمل. الالغاز هي بيانات محيرة او أمثال غامضة، او مفارقات او اسئلة ليس لها اجوبة منطقية. من بين تلك الاقوال المتعارفة هو "ما صوت التصفيق في يد واحدة؟". انها تتطلب من عضو الجماعة الدينية ان يتخلى عن قدراته المنطقية ويتحول بدلا من ذلك الى الحدس او الى اللاعقلي. بهذا المعنى، الالغاز لا يمكن حلها، انها يمكن فقط الاجابة عليها. الوصول الى جواب ملائم للالغاز قد يستغرق اياما او شهور او مدى الحياة. استاذ البوذية يعرف من اجوبة الطلاب ما اذا كانوا جاهزين للانتقال الى لغز آخر او ما اذا كانوا قد "رأوا الضوء". الأسئلة الفلسفية تشبه الألغاز في كونها تشوش الذهن بعدم امتلاك اجوبة مطلقة، وانها ايضا اسئلة يمكن للفلاسفة ان ينفقوا حياتهم في الاجابة عليها. وعندما يوجد "الحل"، يمكن ان يشعر الفيلسوف بالسعادة والتنوير. غير ان هناك اختلاف هام: الفلاسفة يثقون بعقلهم في الاجابة على الألغاز. الالغاز الفلسفية تُعرض ايضا بطريقة تقترح هناك جواب عقلاني، بينما الألغاز البوذية ليست كذلك.الاجوبة الفلسفية ايضا سيكون لها معنى بذاتها وللاخرين وليس فقط لـ "المتأمل". لذا بالرغم من ان الفلسفة تسعى فعلا لهدوء الذهن، فهي تسعى لذلك باستخدام اسلوب مختلف عن اساليب البوذية. كذلك، موضوعها في التحقيق او سؤالها الفلسفي له جواب مصمم لينال القبول من الآخرين وكذلك لإرضاء الفيلسوف صاحب السؤال.

ألغاز ديكارت

لننظر الآن في ديكارت خصيصا. لغز ديكارت الفلسفي هو "ماذا أعرف على وجه التحديد؟". في بداية تأملاته هو يوضح كيف وصل الى مرحلة في تفكيره لم يعد فيها متأكدا من اي شيء . الحواس احيانا تخدع، كما يقول "من الحكمة ان لا نثق كليا بمن خدعنا حتى ولو مرة واحدة"(ص12).هو يعرف انه في هذه المرحلة من اللّايقين، ربما هو لا يمتلك حتى بدن، انه يحلم فقط بانه جالس بجانب المدفأة يكتب تأملاته. ربما ايضا ان واحد زائد واحد لا يساوي اثنين وان هناك من يخدعنا للاعتقاد بذلك. قد يكون هو ذاته غير موجود. لتحقيق اي هدوء ذهني في هذا الموقف من الشكل الراديكالي يحتاج ديكارت ايجاد شيء ما مؤكد. الطريقة التي ينوي بها ايجاد هذا هو من خلال الممارسة الذاتية للمنطق.

اذا كان البوذي يواجه سؤال "ماذا أعرف بالضبط؟" كلغز فهو ايضا مطلوب منه ان يمارس التحليل الذاتي. الجواب الى اللغز لايمكن البحث عنه في العالم الخارجي. غير ان الجواب لا يتطلب من عضو الجماعة الدينية عمل أحكام او استنتاج او استدلال. العضو قد يجيب على اللغز بعدد من الطرق: بان يكون صامتا، بانحناء الرأس، او بالصراخ او عبر التحدث عن شيء ما لايبدو ذو علاقة. ديكارت لم يقم بأي من تلك. جوابه على السؤال يأتي على شكل استنتاج يصل اليه منطقيا.

احد انواع الاستنتاج المنطقي يعتمد على مثال معين طبّق على فرضية عالمية ليصل الى استنتاج. فمثلا:

كل البوذيون يتأملون(فرضية عالمية)

ديكارت هو بوذي (مثال محدد)

لذلك فان ديكارت يتأمل (استنتاج)

غير ان عملية تفكير ديكارت حول ما هو مؤكد (والتي بدأها في عمله السابق خطاب حول الطريقة) تنتج حجة غير كاملة: حيث الحجة لم تكن بها الفرضية واضحة وتسمى هنا (enthmeme). اي، هي استنتاج بدون فرضية عالمية. حجته الشهيرة في "انا افكر اذاً انا موجود"(ص17) هي يُفترض ان تكون على الشكل التالي:

كل الاشياء التي تفكر موجودة(فرضية عالمية)

انا افكر(مثال محدد)

لذا انا موجود (استنتاج)

طبقا لهذا التفسير، ديكارت يفترض، لكنه لم يكتب، الفرضية العالمية بان كل الاشياء المفكرة موجودة. لذا فان بعض الفلاسفة ينسبون جواب ديكارت "انا افكر اذا انا موجود" الى ألغازه باعتباره مجرد حدس.

ربما نال ديكارت المزيد من راحة البال لو انه انشغل بطبيعته البوذية.

الضوء الطبيعي

خاصية اخرى في تأمل ديكارت مشابهة للبوذية هي "الضوء الطبيعي". خلال ما يسميه "افكار واضحة ومتميزة" يعرض الضوء الطبيعي الحقائق لديكارت والتي لا يمكن الشك فيها. القاعدة العامة لديكارت هي ان "كل ما اتصوره بوضوح وتميّز يجب ان يكون حقيقيا"(ص24). ديكارت يستعمل الضوء الطبيعي للعقل للاستنتاج (من بين اشياء اخرى) انه موجود، وان الله موجود، وان الخداع هو عدم الكمال، والاشياء المادية حقا تمتلك خواص هندسية ورياضية .

البوذيون من طائفة (زن) يدّعون ايضا ان الاجوبة التي يستلمونها من التأمل في الالغاز هي افكار واضحة ومتميزة. تلك هي طبيعة "رؤية الضوء". الاجابات الجيدة لألغاز البوذية يجب، وفق معايير ديكارت، ان تكون حقيقية. هي ايضا ربما اقرب الى الحقيقة(اذا كان هناك شيء منها) منه الى استنتاج ديكارت، لأن حجة ديكارت حول الوثوق بالضوء الطبيعي هي دائرية. هو يعتقد ان الضوء الطبيعي موثوق لأن الله موجود ولا يخدعه حول ما يتعلق بالضوء الطبيعي، مع ذلك، ديكارت يحتاج الضوء الطبيعي لإثبات ان الله ليس خادعا... هذا الضوء الطبيعي يخبر ديكارت ان الخداع هو شيء ناقص (غير تام): ولذلك، فان الله، الذي حسب التعريف وجود كامل، لايمكنه خداعه حول ما يحكيه له الضوء الطبيعي.

التحولات في الوعي

مثلما ديكارت، البوذيون يميلون نحو الايمان بالثنائية، يعتقدون ان الذهن والمادة هما منْ يشكل الحقيقة النهائية(باراماثا). هذا الادّعاء موجود في النصوص البوذية المسماة (Abhidharma Pitaka)، وهو الجزء المهم من الكتاب المقدس الذي يعرف بـ (Tripitaka). هذا القسم من الكتاب يؤكد ايضا بعدم وجود (انا) او فرد – كما ادّعى هيوم ايضا في الرد على افتراض ديكارت بانه (هو) يقوم بالتفكير. اعتقد هيوم ان الذات الموحدة هي وهم وان هناك فقط مجموعة من الادراكات الحسية. اذا كانت الذات حقا وهم، عندئذ التأمل يتطلب تحولا في الوعي لكي يدرك المتأمل الحقيقة النهائية.

التجريبيون، الذين يثقون بالتجربة كمصدر للمعرفة، سوف لن يهتموا بالتحول في وعيهم بعيدا عن الدليل الذي يعرضه العالم لهم.العقلانيون مثل ديكارت، من جهة اخرى، قد يحوّلون جيدا وعيهم بعيدا عن عالم الظهور عندما يتأملون الاستنتاج، المنطق، الرياضيات والهندسة.

لننظر ما الشيء الذي يحوّل العقلانيون وعيهم نحوه قبل مقارنته بالتحول في الذهن البوذي. العقلاني سوف يوجّه انتباهه نحو شيء ما مطلق – نحو مفاهيم او افكار. ديكارت يحوّل وعيه نحو فكرة الله، مثلا: الفكرة بانه يعتقد هي فكرة فطرية. الفكرة التي يمتلكها في ذهنه هي عن وجود تام ولامتناهي. هذا يختلف جدا عن الفكرة التي يمتلكها عن نفسه. هو يعمل اخطاء، وعرضة للتغيير، وهو سوف لم يعد له وجود في يوم ما، كشيء يفكر متجسد، ويمتلك مشكلة في الخروج من السرير في الوقت المحدد لتعليم ملكة السويد الفلسفة. لذا فان ديكارت هو متناهي وغير تام. لكن الضوء الطبيعي لديكارت يخبره ان السبب يجب ان يكون مساوي او اكبر من نتيجته (هذا يسمى مبدأ المساواة السببية). لذا فان سبب فكرة الله يجب ان تكون شيء ما مساوي لفكرة الله او اكبر منها. ولكن ماهو الشيء الذي هو مساوي او اكبر من فكرة الكائن التام؟ الاحتمال الوحيد هو ان الله يجب ان يكون هو السبب في فكرة الله التي يمتلكها ديكارت.لذا فان الله موجود.

لسوء الحظ، لم ينجح ديكارت في تحويل وعيه كليا. في الحقيقة، هو لم ينجح في إبعاد فكره عن العالم الخارجي ابدا، لأن فكرته عن الله يمكن بنائها بسهولة من التجربة. هو يعتقد ان فكرة الله هي فطرية. ولكن اذا كانت فطرية فان كل شخص يجب ان يحوز عليها. غير انه، وكما اشار جون لوك في نقده للافكار الفطرية ان بعض الناس ليس لديه اي فكرة عن الله وآخرين لديهم فكرة مختلفة عن الله. هيوم اقترح اصلا جيدا لفكرة الله: ان الذهن يبدّل، يركّب ويضخّم الافكار المشتقة من انطباعات الحواس ليخلق الفكرة. وكما يؤكد هيوم، "ان فكرة الله التي تعني ذكي بلا حدود، حكيم، كائن خيّر تأتي من التمدد الى ما وراء جميع حدود نوعيات الخيرية والحكمة التي نجدها في اذهاننا"مضيفا ان هذه الافكار الاخيرة هي مستنسخة من الانطباعات الحسية (تحقيق متعلق بالفهم الانساني، ص8). اذا كان هيوم مصيبا عندئذ فان ديكارت لم يكن ناجحا في حقيقة إبعاد نفسه عن عالم الحواس.

هو ربما حاول إبعاد وعيه بعيدا عن عالم المظاهر مثلما تفعل الثيرافادا البوذية اثناء ممارسة تأمل الـ (ساماتا) . تأمل الساماتا يستلزم التركيز على التنفس او على اشياء محايدة لكي يحقق الهدوء استعدادا  لنوع ثاني من التأمل يسمى فيباسانا(تنقية الذهن) الذي يهدف لتحقيق الفهم العميق. عندما يصبح الممارس اكثر خبرة فهو سوف يمارس حالة عميقة من الاستيعاب تسمى جهانا(Jhana)(2). البوذيون الثيرافاديون يميزون بين ثمانية انواع من الجهانا. عندما يتقدم المتأمل من جيهانة الى اخرى، هو يمارس أعمق مستويات التركيز، الى النقطة التي بها يتجاوز الزمان والمكان وحتى اللاشيئية في تجربته، والمتأمل يدخل عالم اللامادية. في الجهانة السادسة سوف يواجه البوذي الناجح وعيا غير مقيد، في الجهانة السابعة يواجه اللّاشيئية، وفي الثامنة لا يواجه فهما ولا عدم فهم. هذه هي عوالم اللامحدود، اللاشيئية، ولا ثنائية الوعي. الذهن هنا اكبر من اي فكرة عن اللامحدود والكائن التام، تلك الفكرة ستكون فقط عائقا لإنجاز التنوير. بكلمة اخرى، بالنسبة للبوذي الثيرافادي، ان فكرة الله ستكون صرف للذهن وعدم تركيز يقف عائقا في طريق رؤية الطبيعة الحقيقية للواقع.

ألم يكن صرف الانتباه هذا هو بالضبط ما حدث لديكارت؟ لو كان ديكارت قادرا على التخلي عن فكرته حول الله، لربما وصل الى ادراك عميق ... ومرة اخرى، لو انه فعل هذا، هو ربما لم ينتج رسالة شديدة الاثارة الفكرية لدرجة تركت فلاسفة الغرب منشغلين منذ ذلك الوقت.

الفلسفة الغربية عموما

لذا فان ديكارت لم يكن بوذيا تماما، لكنه امتلك فعلا امكانية ذلك. لو انه استخدم الضوء الطبيعي دون ان يرتبك بفكرة الله، ربما تقدم كثيرا نحو التنوير.

ماذا نستطيع قوله حول الفلسفة الغربية بشكل عام ؟ الى اي مدى كانت طرقها منسجمة مع البوذية؟

ان هدف الفلسفة لم يبتعد كثيرا عن اهداف البوذية. كل من الفلسفة والبوذية يريدان راحة البال، ولكي يكونا عقلانيان ذلك يتطلب تحولا في الوعي، وان الاسئلة الفلسفية تبدو احيانا مشابه للاقوال والوصايا البوذية. البوذي المتنور يمكنه الاستجابة الى اي نوع من السؤال، الالغاز، او الاسئلة التي لم يُجب عليها باستعمال الطرق البوذية. الفيلسوف، من جهته، له مهمة مختلفة. اولا، هو يحتاج للتمييز بين الاسئلة العقلانية والاسئلة غير العقلانية قبل ان يحاول الاجابة على الاسئلة العقلانية بطريقة منهجية . حالما تُطرح الاسئلة الصحيحة، الفيلسوف لا يُحتمل ان يسقط في التناقضات او يرتكب اخطاء في المنطق. هو عندئذ يستطيع السماح لقدراته العقلية ان تنمو بلا حدود بأمل ايجاد جواب، لكن يجب ان لايقع في فخ التفكير بان الجواب سيكون القول الاخير حول المسالة. سؤال اليقين لايمكن ان يكون سؤالا فلسفيا سليما، كما أظهر ديكارت بشكل لاارادي، طالما لاشيء في عالم الفكر مؤكد، ولكن في عوالم ما وراء الفكر والافكار ربما يكون كذلك.

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) جاء في تعريف مريم ويبستر ان الـ koans هي مفارقات يجري التأمل فيها كوسيلة لتدريب الكاهن البوذي على التخلي الكامل عن العقل ولإجباره على اكتساب تنوير بديهي فوري.

(2) الـ jhanas هي حالات من الاتحاد الذهني العميق الناتج عن تركيز الذهن على شيء منفرد باستخدام قوة من الانتباه لدرجة تؤدي الى حدوث استغراق ذهني كامل للشيء. لكي يمكن بلوغ الجهانا، يجب على المتأمل ان يبدأ بازالة الحالات الذهنية غير الصحية الكابحة للهدوء الداخلي، وهي حالات يمكن وضعها مجتمعة تحت خمسة انواع من العوائق: الرغبة الحسية، الكراهية، الكسل وعدم الفاعلية، القلق وقلة الصبر، الخوف والشك. بعد بلوغ المتامل الجيهانا الاولى يمكنه الاستمرار للوصول الى مراحل متقدمة أعلى.

 

علي المرهجهُناك مفهوم ساد في ثقافتنا العربية والإسلامية ألا وهو (الميتافيزيقا) ومرادفه هو (ما بعد الطبيعة)، وهو في الفلسفة التقليدية مفهوم مُرادف لمفهوم الفلسفة، لأنهما مفهومان من حيث التعريف التقليدي غايتهما البحث في أسباب الوجود، أو علل الوجود للوصول لعلته الأولى، أو علة العلة، وهي في التفسير الديني (الله)، وبتعريف آخر هي البحث عن الوجود بما هو موجود، وقد قال بارمنيدس من قبل "أن الوجود موجود ولا يُمكن أن يكون غير موجود".

أما ما نقصده في "الميتا ديني" فهو معنى آخر يشتغل على الكشف عن الأبعاد الميتا وجودية للنص القُدسي، ويُحيط علماً في الأبعاد التكوينية للفهم الخارج نصي التي تجعل من الإنسان الذي يعيش في عوالم الميتا ديني يعشق النص ويتأمل فيه بالوقت ذاته.

الفهم الميتاديني هو فهم تصوري نظري يغوص في عوالم النص القُدسي وفهم تجلياته خارج منطق التفسير التاريخي والعقلاني وأسباب نزوله، عبر الهيام والعشق لمضامينه وما يشي به من أبعاد خارجه عن تلقينا المُباشر أو تلقينا البرهاني للنص، أو حتى تلقينا النقلي له عبر تواتر التوثيق والتفسير عند أهل بيت الرسول والصحابة.

"المياتا ديني" هو اعادة تصيير للنص الديني وفق مُعطيات خارج أطر التعقل وفق منطق الاستدلال البرهاني، أو تفسيره الفقهي أوالبياني.

إنه تفسير يحتكر النص بطريقته الخاصة، ولكنها ليست طريقة العامة من الخطابيين، وليست طريقة الفلاسفة من البرهانيين، ولا طريقة الجدليين من الكلاميين والفقهاء، وهي أيضاً ليست طريقة كل الباطنيين المُتمذهبين.

يلتقي أصحاب هذا الفهم "الميتاديني" مع دُعاة "المعرفة الجوَانية" بعبارة عثمان أمين بالشغف بطُرق الهائمين في محبة الله ببعد "ميتاديني" يلتقي به كل ذوي هذا النزوع خارج هيمنة الفهم السائد التقليدي (الفقهي المُتمذهب) أو (الشعبي العُرفي) للنص القُدسي.

الفهم الميتاديني فهم لا يخلو من بناء تصور فيه اعتبار ونظر يستعين أصحابه بقُدرة العقل على التنقل والسياحة في عوالم النص، ولكن لا طُغيان فيه للمعرفة العقلانية الصرفة إنما هو مزج بين ما هو إيماني قلبي خالص وما هو برهاني، فيه من فيض المعرفة العقلانية بقدر ما فيه من فيض المعرفة الجوَانية.

هو ليس فهماً من أجل معرفة أسباب الوجود (وجود العالم) إنما هو فهم من أجل فهم كينونة الوجود الإنساني وصيرورته، فهو بحث عن الذات في عوالم الذات تارة، وبحث عن الذات في عوالم الوجود الميتافيزيقي تارة أخرى، وكشف عن تجليات الكينونة الذاتية في الوجود مع "الآخر" وتلاقي (القوى الخفية) والطاقات الروحية الكامنة في روحية كل إنسان وإن كان مُخالفاً لك في جذر الوجود الاجتماعي أو الديني.

إذن فالفهم الميتا ديني هو فهم للهوية لا بالانقطاع عن الوجود والعالم كما يروم الصوفية، بقدر ما هو "إنهمام" تتمازج فيه المعرفتين الجوَانية والبرهانية كي تكون (الذات عينها كآخر) بعبارة بول ريكور، والآخر هذا الذي يتجلى وجوده وتنجلي هويته ربما يكون إنسان مُغاير لك في موروثه الاجتماعي أو الديني، وربما يكون الوجود برمته "علته ومادته" ولكنك لا تُعير اهتماماً لاختلاف أصل التكوين العُرفي أو "الأنطلوجي" بينك وبين هذا الآخر بقدر ما تعيش أنت في أناه أو ذاتك ذاته.

الفهم الميتا ديني يتعالى على التصنيف العرقي والديني ولا علاقة لمن يغوص فيه بتصنيفات البشر على أسس دينية أو عرقية، ولا علاقة له بالفهم الفقهي والمذهبي والإنحياز لتفسير ديني، لانه لا يشترط الإيمان الفقهي الذي تختص به الاديان ولا ارتباط له بتعبير طقوسي مُعين للتعالق مع الوجود المتعالي، أو وجودالعالم، أو الآخر، إنما التعالق يكون بين هذه التوصيفات الثلاث وفق مبدأ "العقلنة" الي يتعانق و مبدأ المحبة، ولا يتدخل في تصنيف البشر وفق رؤية (إما - أو) إنما يلتقي به المختلفون في الوجود العرفي المختلف دينياً أو مذهبياً وفق مُعطيات " العقلنة" التي ترى في "المحبة" دفق حيوي غايته لجم هيجان العقلانية وثوريتها وجنوحها نحو التفسير الأحادي للوجود بكل تمظهراته.

إذن فالفهم الميتا ديتي لا يهتص به أهل الإيمان بعقيدة دينية دون غيرهم، إنما هو تامل وإيمان معاً "مكان مُشترك" بتعبير محمد المصباحي تلتقي فيه العقول النيّرة التي يلتقي بها المختلفون دينياً من الذين يهيمون عشقاً بالوجود والأمل في عوالمه وفق مبدأي "العقلنة" و "المحبة"..

لا رفض للآخر في قاموس اصحاب الفهم الميتا ديني، لأن معجميتهم النعرفية تُبنى على عشق تجليات الفكر حينما يكون فيه ابداع أينما يكون وفي أي مكان..

إنه مزج بشري خلاق بين ما هو برهاني وعرفاني خارج هيمنة نص مقدس ما في عقيدة ما.

 

ا. د. علي المرهج

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر نيقولاي هارتمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين، ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارءه، فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرحلة من التفكير المشتت الذي يفتقر قول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.،

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها، ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي) عام 1933م، وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا، فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية، كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل، ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال كما هي عند بيركلي مثلا، في أختراع هارتمان فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا رائدا في فلسفة الميتافيزيقا ومجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله ( أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل، أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكنا في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي لكليهما، فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.بل أن العدم في الوجودية يلازم الموجود في داخله وليس محايثا موضوعيا وجوديا له يسايره منفصلا عنه في التوازي معه.

من الضروري الاشارة الى هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكّر يدركه لكن يمكن للفكر التجريدي به أستدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن أدراكها. والعدم لاوجود في الدلالة على موجود، ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به،.كما يعتبر هيدجر العدم هو الذي يؤسس (النفي) وليس العكس ويعتبره وجودا (منطقيا)، أي وجودا تحتاجه بعض مباحث الفلسفة ولا تستطيع تحديد معالمه وكينونته كموضوع يدرك .

الوجودية تعتبر العدم لاوجود لموجود لكنه لاوجود حدسي أستدلالي غير موضوعي فهو داخل كل موجود ويعمل على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه أو حدسه موضوعيا، أي بما هو غير مدرك كموضوع أو موجود يعيه الفكر، وليس كما ذهب له هارتمان بأن الوعي لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث نفي أمكانية أدراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي أو المعرفي، كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديدها ماهو العدم؟.

فالعدم عند أقطاب الوجودية هيدجر وسارتر هو لاوجود (منطقي) تختص به الفلسفة أكثر من أهتمام العلوم الطبيعية أو غيرها به. والعدم يلازم الوجود في داخله ويقوده نحو فنائه المحتوم في فناء موجوده الملازم له....وبحسب هيدجر أو سارتر لا فرق فالموجود (الانسان هناك) وجود محكوم بالحتمية العدمية له...بمعنى الموجود هناك لاموجود حقيقة طالما يدركه العدم في أفنائه.بهذا المعنى أو قريبا منه ذهب فلاسفة الاغريق القدماء أن الانسان يموت لحظة يولد. وكل مايأتي للحياة مآله الفناء وما لا يأتي الحياة لا يطاله موت وهذا ما عمدت الوجودية على أستنساخه بطبعات متعددة بالفكر الفلسفي ..

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل، والميتافيزيقا تعني اللاعقلي، واللاعقلي غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يؤكد هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة أو معلومة فلسفية مسّلما بها أن مباحث الميتافيزيقيا الفلسفية والعلمية أيضا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات غير متعينة في ما وراء الطبيعة، التي لا يدركها العقل، واللاعقلي غير ممكن معرفته، وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفهومات تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه. ولم يكن التمييز واضحا بين نوعين من الميتافيزيقا، أولهما ميتافيزيقا تعنى بالموجود بما هو موجود في الحياة، والثانية تعنى بالمصيرالانساني أو الانطولوجي بما هو وجود - لاموجود في ما وراء الطبيعة الذي تكون مباحث الدين واللاهوت والغيبيات من ضمن أهتماماتها الاساس في هذا المنحى من الميتافيزيقا.

يقول هارتمان (أن العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) هنا يعمد هارتمان في جعله المعرفة والماهية مدلولين لمعنى واحد. أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها، تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف، يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في ذاتية وجودها الطبيعي في عالم الاشياء، فالماركسية برصانة أفكارها الفلسفية لم تستطع أقصاء وتبديل هذا الفهم الخاطيء، في أعتبارها – أي الماركسية - أنّ الموجود يدرك حسيّا بماهيته وجوهره معا.. .وأن الموجود وحدة واحدة من الادراك به، وأن ما نعتبره ظواهر لموجود هي جزء من محمولات ماهيته. ولا أهمية تبقى في البحث عن ماهيات لا تدركها الحواس ولا يعيها العقل كموضوع متعيّن كما يذهب له فلاسفة المثالية.الماهية أحيانا تكون نوعا من الميتافيزيقا في غموضها الدلالي الذي يصعب أدراكه حسّيا عقليا.

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت وجوب أدراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات بالفكر الفلسفي او المنطقي التجريدي، وأعتبرت الماهية كما يذهب هارتمان هي معرفة تخص مباحث العلوم الطبيعية، وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة، وفي الفينامينالوجيا.. رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية والماركسية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية الانطولوجية معتبرة نفسها فلسفة ماهيات أولا لا فلسفة وجود. وبقيت كل من الوجودية والماركسية متمسّكتان بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من ذلك حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفة وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة كموجود في عالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان للميتافيزيقا (أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد من حيث كانوا يعتبرون الميتافيزيقا هي الانطولوجيا وليس مباحث ماوراء الطبيعة، من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل في معنى الحياة والوجود، معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة، وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة مستمرة على مر العصوروهكذا..فالفلسفة في جوهرها تساؤلات وليست أجوبة لها.

ميتافيزيقا الواقع والوعي

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

1- الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن أن يكون هناك وجود (قائم بذاته) /هارتمان(6)

 2- التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. /هارتمان(7)

3 - القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات، وأهمية القيمة والمعنى أنها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. /هارتمان(8)

 4- العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه، أي عن الوعي . /هارتمان(9)

5 - أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته، وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. /هارتمان(10).

لمناقشة بعض هذه الآراء، نجد أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الميكانيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات، بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي(الموضوع) في محاولة أعطاء (الوعي) دور (العقل) بعلاقته بالموضوع.... بخلاف الفهم أن الوعي يكتسب ماهيته من العقل لكنه لا يأخذ دور العقل في التفكير الوظيفي المرتبط بالدماغ والجهاز العصبي... الوعي عقل تجريدي والعقل جهاز عملي وظيفي ولنا توضيح لاحق لهذا.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية، والوجودية عند هيدجر وسارتر، التي أقتصرتا وحصرتا الفهم العقلي في ظاهرات الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الموجود بذاته. واعتبروا الموجود بذاته لا أهمية له.

كما أن هارتمان أعطى في منتصف القرن العشرين تمييزا فلسفيا واضحا لمبحث فلسفي هام أن المعرفة (مكتسبة) في الوعي الخارجي وليست (معطى) قبلي في الادراك العقلي.. وليس كما يذهب له كانط وفلاسفة الحياة وبرجسون.

ولنا توضيح أكثرأن ليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته المعرفية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك. العقل وحده له القدرة والقابلية على تخزين المعارف في الذاكرة التي هي وعي تراكمي خبراتي مدخّر بالتجربة والاكتساب المعرفي وبهذا المعنى فقط يمكننا اعتبار المعرفة معطى قبلي للعقل مكتسب في التجربة والخبرة التراكمية. وبذلك تصبح هذه المدخّرات معارف قبلية تساعد العقل في تفسيره مباحث الوجود والحياة... فالمعرفة كما ذهبنا له هي خبرة مكتسبة بالحياة وليست وعيا معطى فطريا بالولادة... والوعي تعبير عن تفكير العقل وليس الحلول محله في وظيفته المعرفية والادراكية. بموجز العبارة الوعي لا ينوب عن العقل مثلما لا تستطيع الحواس ذلك في الأنابة عنه أيضا. الوعي على خلاف الحواس في علاقته بالعقل، فالحواس أدراك مادي للاشياء تدخل في علاقة عضوية وظائفية مع العقل عبر الجهاز العصبي والخلايا الدماغية، بينما يكون الوعي الادراكي تفكير تجريدي لا يدخل في علاقة وظائفية مع العقل باستثناء أنه تعبير لما يمليه العقل من ردود أفعال عن الموجودات. ويكون الوعي تعبيرا مفاهيميا معرفيا مجردا مصدره العقل، بينما العقل ليس مصدره الوعي، والعقل جهاز وظيفي نظري وعملاني معّقد في التعامل مع معطيات ادراكات الاشياء في عالمها المادي وأعطاءه تفسيرات لها.

علاقة الوعي بالعقل تشبه علاقة الفكر باللغة من حيث التعالق الوظيفي المتبادل. فالوعي والعقل هما شيئان لمعنى واحد في المعرفة والادراك، كذلك الحال مع الفكر واللغة هما شيء لمعنى واحد في التعبير، لكن يبقى الوعي هو غير العقل، كما تبقى اللغة هي غير الفكر. ويبقى التعالق بينهم جميعا، الوعي، الفكر، اللغة، العقل، علاقة متداخلة لا تستطيع الفلسفة المجردة فك الاشتباك بينهم ولا يمكن التفريط او الاستغناء عن هذه العلاقات المتشابكة التي يتداخل بها الحسّي مع العقلي مع النظري ومع العملاني..

الوعي والمدرك الانطولوجي

هارتمان فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى أنه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى، لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة التي أشرنا لها، لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي، وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج أدراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا وحتى الماركسية في مقتل مثالي،، في مثالية واقعية، أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي الواقعي. الوعي لايكون موضوعا ماديا مدركا لمواضيع مادية غير التي يشترك مع العقل في ادراكها والتعبير عنها، ولا يكتسب الوعي ماديته في وعيه لموضوعه المادي، فالوعي تعبير معرفي.

هنا نجد وهي وجهة نظر ليس الا أن التعبير اللغوي يرتبط بالوعي أنه لا وجود لموضوع خارج أدراك الوعي، وهي أشكالية لغوية في التعبير وليست مسألة فهم معرفي أو منطق فلسفي سنوضحه حسب فهمنا.

اذا ما تماشينا مع مقولة هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي (وهو خطأ في التعبيراللغوي ) وتكون صحيحة أن الوعي يدرك الاشياء، فالوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها....أي أن الموضوع داخل الوعي هو مدرك معرفي مجرد، يعجز التعبير عن نفسه، ويمكن قياس مادية الموضوعات بأحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها، الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه في ماهيته، مهمته الاساسية هي نقل المدركات الحسّية وغير الحّسية للعقل فقط، ويكتفي الوعي توصيله موضوعات الأدراك للعقل وتعبيره المعرفي عنها باللغة، العقل لا يفكر بالوعي ولا بالحواس فقط وأنما بعمل الدماغ والجهاز العصبي، لكن الوعي لا يعمل خارج أرتباطه بالحواس و بالعقل. الوعي تعبيرتجريدي عقلي معكوس متمايز عن تعبير اللغة والفكر تجريديا عن الاشياء أيضا..

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها ومعالجتها، وهذا لا يشابه الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكه العقلي لها، الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي ينوب أحيانا عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا... الوعي يدرك الاشياء معرفيا وحسيّا متداخلا لكنه عاجز عن التعبير عن مدركاته في العالم الخارجي بلغة مجرد منها لا يمتلكها، ويحتفظ الوعي بمدركاته وتوصيلها للعقل داخل صمت العقل في الوعي والفكر واللغة...لأن التعبيرعن المدركات في عالم الاشياء الخارجي هو وظيفة (الفكر واللغة ) فقط وليس من مهام الوعي بها. الوعي ادراك عقلي متداخل لا يستطيع التعبير عن موضوعه بغير واسطة الفكر واللغة.

نجد من ألمهم تأكيدنا لأكثر من مرة خطأ عدد من الفلاسفة وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من (الوعي) (عقلا) ثانيا في معالجة المدركات، وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل. الوعي جزء فاعل في فهم العقل لمدركاته ومواضيعه، بينما لا يكون العقل في معالجته تلك المدركات تابعا للوعي. وعي الشيء ليس التفكير به نيابة عن العقل،. وكما من الممكن أن تكون اللغة هي الفكر، ممكن ان يكون الوعي تعبيرا صامتا عن العقل. تعبير الوعي عن مدركات العقل خارجه لا يتوّسل غير الفكر واللغة.لأن الوعي والعقل يمتلكان لغة الصمت التفكيرية داخل العقل صوريا ولا يمتلكان قابلية الفكر واللغة التعبير عن الاشياء كموجودات في العالم الخارجي.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود، لكنه لا يتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة. صحيح أن نقول الوعي هو حصيلة العقل في الادراك، لكنه ليس هو العقل في تخليقه الاشياء وتفسيرها، الواردة له وأعطاء ردود أفعاله عنها التي هي من عمل الدماغ المرتبط بالعقل أكثر من أرتباطه بالمدركات تجريديا في وعيها.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة، ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى، وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود المادي للاشياء في الطبيعة اولا.. والوعي المستمد من الحواس لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد أكثر في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الميتافيزيقي الواقعي لهارتمان.لكن السطور القادمة ستشرح الكثير من هذه العلاقات المعقدة.

الوعي الانطولوجي والعقل

غياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا تجريديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية والمعرفية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي،والموجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان، فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (الوعي) الادراكي له وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا معرفيا وحتى حسّيا أيضا، سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه حسّيا ومعرفيا عقليا، لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات داخل الدماغ والجهاز العصبي.

الوعي أقرب الى الحواس في أدراكها الاشياء، وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي المجرد بالاشياء. الحواس ما يعيبها أنها ادراك خادع صادر عن الموجودات والاشياء في استقلاليتها بالعالم الخارجي، والوعي (ثقة) معرفية أن جاز التعبير لان مصدر الوعي هو العقل وليس معطيات الحس الخارجي للاشياء التي هي وظيفة الحواس.

بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن معطيات الحواس، ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي بعد أعادة تخليقه لها في الدماغ أولا....الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك، لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل في تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له الواصلة اليه.

وبهذا يمتاز الوعي بالتجريد التعبيري على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا هو مدرك موضوعي بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية). الوعي يدرك الذات والمواضيع والاشياء، لكن لا يستطيع أيّا من هذه الموجودات الانطولوجية أدراكها الوعي بأستثناء العقل فقط فهو القادرعلى ذلك كون الوعي نتاج العقل وليس العقل نتاج الوعي...الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا، ولا يلتقي مع الحواس في أدراكهما المادي للاشياء الا عبر العقل الذي يمنح المعرفة الحقيقية للوعي.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق أنطولوجيته في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس، وفضيلة ومهمة الوعي هو أدراكه لما تدركه الحواس والمخيّلة والذاكرة. في نقلها المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وتنفيذ تعبيره عنها، يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم أدراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة اللذان يكوّنان جوهر الوعي العقلي للاشياء ... وهذا دوريقوم به الوعي في تعالقه مع العقل وفي تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي.. وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل وظيفيا حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس في عدم امتلاكهما قدرات العقل الاعجازية.....

الموضوع من مهام العقل في فهمه وتفسيره وليس من مهام الوعي الادراكي له الذي هو نتاج عقلي، الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بعد توصيلها للعقل ومنه ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة...والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الأنابة عنه. وعي الاشياء تجريديا هي جزء من عمل العقل، كما تكون معطيات الحواس ماديا جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه أذا لم يكن يمتلك أهتماما انسانيا وحاجة في معرفته.

كيف نفهم الانا ذاتا وموضوعا في وقت واحد؟

في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا، وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان، أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها، فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها، واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته في ماهيته، لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليست فلسفة انطولوجيا كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجودا ماديا يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا تجريديا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي معرفي مجرد وبذا ينتهي دور الوعي. الوعي مخلوق العقل كفهم وفكرولغة ولا امكانية مستقلة له في الحلول محل العقل في تخليقه الاشياء المدركة في الدماغ في عملية معقدة تكون نتيجتها الوعي .

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل، والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل، الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك، كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي تجريدا مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا بمعنى التجريد سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل التجريدية في المعرفة والادراك... في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة،لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ظاهرية وصفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها، وأنما يكتفي العقل من خلال أدراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها في وعي معرفي، والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات ألا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير في الموضوع المدرك... ولايكون الفكر واللغة الا تعبيرا أجرائيا عما يريد العقل تنفيذه.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها (أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية واسعة الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان كونه ذاتا وموضوعا لأناه وموضوعا للانسان من نوعه فقط.

ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع أو موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية، فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن أهتماماتها بها واحتياجاتها لها فقط، وليست ملزمة في أدراك كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا.، فألى يومنا هذا يوجد ما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا نهائية ولا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها او حاجته لها، لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

لكن مقولة هارتمان تمتلك كل الصواب أنه لا يمكن لموضوع أو شيء في الطبيعة لا تستطيع الذات الوصول اليه في أدراكها له...الاشياء وموجودات الطبيعة في لا نهائيتها هي مواضيع ادراك الذات لها في كل وقت ومكان، وليس من موجود لا يكون موضوعا مدركا لذات.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل، وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الانطولوجية من غير وعي أدراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع بمعنى التداخل في كليهما وليس الانفصال عنهما.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان، فهي أيضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (الموجود ليس كائنا، أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) كون الانسان ذات وموضوع معا، وحجّة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها، تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له / بمعنى الانسان يعي ذاته ويعي كينونته كموضوع مدرك من قبله معا.

وهي ميزة لا يتوفر عليها أي موجود في الطبيعة، فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر، فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود مادي موّحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه لوجوده كموجود عاقل ومفكر.الانسان هو الموجود الوحيد الذي يدرك وجوده ذاتيا وموضوعيا، ويستطيع أدراك أناس عديدين غيره يكونون مواضيع مدركة له وبدوره يكون موضوعا مدركا لهم ..فموجودات الطبيعة الجامدة لا تبادل أدراك الانسان لها على العكس من الانسان الذي يعي أدراك الاخرين له من غير موجودات الطبيعة كالحيوان والنبات والاشياء الاخرى.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع، ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعي ذاتي ملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه، فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي متعدد الابعاد يدركه ذاتيا، وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه، ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا كما يفعل الانسان.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

1- أ-م- بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د- عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278

2- نفس المصدر الصفحة ص 279

3- نفس المصدر ص 279

4- نفس المصدر ص 280

5- نفس المصر السابق ص 281

6- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

7- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

8- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

9- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

10- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

 

حاتم حميد محسنفي عام 1790 في كتابه (نقد ملكة الحكم)، تنباّ عمانوئيل كانط بان لا وجود ابدا لـ "نيوتن لحزمة من العشب". البايولوجي لا يمكن ان يتوحد ابدا او يُختزل الى عدد محدود من القوانين الميكانيكية كما في حالة الفيزياء. هذا "كما يدّعي، هو بسبب اننا لا نستطيع ان نلغي كليا فكرة الغائية او التيليلوجي (التوجّه نحو هدف معين) من الانظمة الحية. السؤال "ما الغاية من؟" ينطبق على الهياكل الحية بطريقة لا تشبه ما يحصل في الفيزياء.

معظم الفلاسفة الانكلوامريكيين، ومؤرخو العلوم والثيولوجيون أخطأوا تماما في فهم هذه الحجة. القصة لديهم تذهب على الشكل التالي: ان كانط ذكر عدم وجود لنيوتن في البايولوجي، بينما شارلس دارون (1809-1882) وهو نيوتن البايولوجي أكّد ان الاختيار الطبيعي يوضح التكيّف بدون الحاجة الى غاية، ونحن الآن ورثة البايولوجي الميكانيكي، وان المعتقدات الدينية هي وحدها لازالت تتحدث عن الغائية.

هناك عدد من الاتجاهات التيلولوجية المختلفة، ولكن الخطاب الانكلوامريكي لم يكن واع الاّ بالصيغة الأعلى صوتا . هذه الصيغة هي الادّعاء بان التكيف في الطبيعة يجب ان يكون نتيجة لمصمم عظيم لأن الحظ وحده لا يمكن ان يفسر الخياشيم في الماء او الرئتين في اليابسة او العيون المعقدة او السوائل التي تسبح بها البكتريا، ولذلك فان العلوم الميكانيكية هي غير تامة. هذه باختصار هي تقاليد الثيولوجيا الطبيعية للغائية (الجدال لصالح اله الطبيعة) . هذا الجدال يعود الى حوار(طيماوس لإفلاطون) لكن اوج ذروته كانت في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. حتى دارون وقبل ان يبدأ رحلته على ظهر السفينة، قرأ وأعجب بالثيولوجي الطبيعي لـ (وليم بالي) الذي شبّه الطبيعة بساعة انيقة. نظام من الأجزاء يناسب بالضبط اجزاء اخرى وله وظيفة الابلاغ عن الوقت (ساعة) يفترض مسبقا وجود ذكاء مصمم (صانع الساعة).

دارون قتل حجة التصميم، نظريته في الاختيار الطبيعي كانت قاتلة. حجته في ذلك، ان تراكم وانتشار السمات الموروثة بواسطة عمليات ميكانيكية للجينات والبروتينات والجيولوجيا والمناخ وغيرها، كلها شكّلت ببطء الكائنات الحية لتناسب بيئتها بحيث بدت كأنها مصممة (1). وفي اللغة الفلسفية، دارون غيّر الخطة المصممة الهياً الى حالة من التكيّف اللاحق. الكتابات الشهيرة في الثيولوجيا الطبيعية تتضمن كتاب ريتشارد دكن (Blind watchmaker)، وكتاب دانيال دينيت (فكرة دارون الخطرة)، و كتاب غري كوين (لماذا التطور حقيقي).

لكن هناك قلة من الأصوات لازالت رافضة. انها ترفض ان دارون قتل الثيولوجيا الطبيعية، واستمروا باعتقادهم فيها مطلقين عليها اسم المصمم الذكي.

الاتجاهات الفكرية الاخرى للغائية تتضمن 1- التيلولوجي الارسطي 2- الكلية 3 – وحدة الطبيعة 4- الحافز والحيوية 5- التنظيم الداخلي، ومختلف الفروقات داخل كل صنف. تقاليد الثيولوجيا الطبيعية امتزجت مع هذه التقاليد الاخرى. لذا سنحاول غربلة هذه الانواع لنرى ان كان هناك اي شيء منسجم مع الطبيعية الدارونية.

التيلولوجي الارسطي

اعتقد ارسطو بالهدفية الموجهة في الطبيعة لأن العمليات الطبيعية دائما تنكشف باتجاه هدف ما، جوزة البلوط تتطور الى شجرة بلوط. ايضا، اجزاء من الكائنات الحية هي في نفس الوقت تعمل لأجل كلّياتها: انسجة العظام لأجل العظم . الدم لأجل الدورة الدموية، السن لأجل المضغ. ارسطو يشير الى هذه الغايات والأهداف بالأسباب النهائية، معرّفا السبب النهائي بـ "الغاية التي من اجلها يتم الشيء".

تيلولوجيا ارسطو يصعب فهمها لأنها اسيء تفسيرها عبر مئات السنين من ثيولوجيا القرون الوسطى بالقول ان ذهن الله وضع الاهداف في الطبيعة. تلك لم تكن رؤية ارسطو، رغم اجيال من التدريسيين الذين حاولوا تقديسه. وبعد الثورة العلمية بدأ الناس يفكرون في الطبيعة كماكنة عملاقة، وكما في كل المكائن تحتاج الاهداف لتوضع بواسطة نوع من الذهن المصمم. بدلا من ذلك، هو اعتقد في التيلولوجي كسمة للطبيعة بنفس الطريقة التي نعتقد بها في الجاذبية، باعتبارها مظهرا للمادة غير شخصي، غير مصمم . كان ارسطو ناقدا للصيغ المبسطة للتطور التي رآها لدى امبيدوكلس و ديموقريطس، لأنه اعتقد ان الاجزاء المادية الصغيرة لا يمكنها ان تنمو مجتمعة الى اعضاء دائمة ما لم تكن المادة امتلكت وسيلة عضوية صُممت في الطبيعة وفق علاقتها مع الاسباب النهائية . لذا فان ارسطو اعتبر التيلولوجي كطريقة لوصف الانتظام في التكاثر البايولوجي والسلوك والتشريح. لو انه عرف الـ DNA يُحتمل انه غيّر رأيه ليقول "ان المعلومات تغير المادة". لكننا لانزال لدينا سؤال السبب النهائي لأرسطو: كيف ان المادة الشائعة (بالنسبة له المادة، بالنسبة لنا الـ DNA او الخلايا) اصبحت مختلفة في احياء واعضاء متنوعة؟ الـ DNA وحدها لا تكفي لتوضيح هذا، وبعد ان عزلنا الكروموسومات ادركنا اننا نحتاج لدراسة التطور بعناية اكبر، لذا نحن بالنهاية نكتشف مجموعة الجينات والعمليات البايولوجية التي تنظم كل الـ DNA المحتملة في اعضاء حقيقية وهياكل وسلوكيات. تلك الاسباب التنظيمية لم يستهدفها البايولوجيون الاّ مؤخرا وهي كانت تمثل مظاهر الحياة التي سمّاها ارسطو "تيلولوجية".

على خلاف الثيولوجيا الطبيعية، تيلولوجيا ارسطو المنهجية ليست غيرمنسجمة مع الدارونية. ارسطو اعتقد انك لا تستطيع عمل بايولوجي بالحديث فقط عن دوران الذرات، انت تحتاج ايضا الى اكتشاف لماذا هذا العضو او السلوك يتناسب مع هيكل الحيوان او وظيفته او بيئته . ذلك السؤال يميل الى سايكولوجيا دينية فقط اذا كنت ثيولوجيا طبيعيا.

2- الكلية Holism

لو وضعنا جانبا تيلولوجيا ارسطو (ثمرة البلوط تصبح شجرة)، ولنركز الآن على التقاليد الكلية التي خلقها. الكلية في التيليلوجي ترى ان البايولوجي لا يمكن ان يكون اختزاليا بل يجب ان يعترف بالعلاقات السببية للخلايا داخل الانسجة، داخل الاعضاء، داخل الكائن الحي، داخل البيئة. ميتافيزيقا القرون الوسطى اتّبعت هذا المسار مسمية اياه ميرولوجي ( او دراسة العلاقات بين الاجزاء والكليات) لكنها حرفت التحقيق عن مساره عبر محاولة تقرير اي من هذه المستويات المتداخلة هو الجوهر الحقيقي للشيء. في النهاية، اصبحت الفلسفة التحليلية الانكلوامريكية مهتمة جدا في الكلية في القرن العشرين، ولكن فقط كمشكلة منطقية. الفلسفة القارية من جهتها ادمنت ولوقت طويل على الكلية البايولوجية. غوث، كانط وهيجل كانوا متأثرين بعمق بالطريقة التي يبدو فيها الشكل البايولوجي يحكم عمليات فيزياكيميائية مبسطة، وهم حاولوا بمختلف الطرق فهم تنظيم الطبيعة دون اللجوء الى الثيولوجيا الطبيعية.

لماذا لم ينجح البايولوجي بتحليل كل شيء نزولا الى الكيمياء؟ لاننا عادة لا نستطيع فهم العملية البايوكيميائية بدون فهم الغاية منها. نحن نحتاج لمعرفة نتائجها المفيدة للكائن الحي. لا احد في الكيمياء يدّعي ان الكاربون يفقد الكترونات لأجل ان يصبح ثاني اوكسيد الكاربون، ولكن في البايولوجي علينا ان نعترف كيف ان سمات معينة او سلوك معين هو لبقاء الكائن الحي او مجموعته. لذا فان كل العمليات البايوكيميائية التي تنتج من تنفس الاوكسجين هي طريقة لادارة الكائن الحي لأجل ردود افعال كيميائية سريعة في خلاياه. التكاثر الجنسي كمثال ثاني ايضا له نتائج الاختيار المفضلة، يزيد لياقة الذرية من خلال التغيير والقوة الهجينية. هذا التاثير التكيفي يوضح لماذا اختيرت الطفرة في التناسل الجنسي ولماذا تتواصل. انه توضيح تيلولوجي منهجي.

بالنسبة للشخص الكلي، هذه المحاولة لإيجاد "الغاية التي من اجلها يتم الفعل" تنطبق على التراكيب بالاضافة الى عمليات البايولوجي. لذا فان ورقة النبتة يستحيل فهمها بدون فهم شيء ما حول الاشجار، وعليه فان الغرض من الورقة او القلب هو غير مفهوم بدون نظام دائري، الدماغ ليس له معنى هام الاّ في جسم المخلوق الذي يمكنه الحركة. في النهاية هذه الكليات التيلولوجية اشير اليها بالغرض او الهدف النهائي، واصفا اياها "الاكثر طبيعية في جميع وظائف الكائنات الحية، بمعنى، كي تجعل شيئا آخرا مثلها ".

ان مدرسة الكلية تريدنا ان نتذكر وسط كل النجاحات الواقعية للعلم الاختزالي، صلاحية المستويات العليا للسببية والتوضيح .الكلية هي نوع من التعددية السببية، تذكّر التقريريين الذريين والوراثيين ان الكائنات الحية والايكولوجيا ليستا فقط نتاج ثانوي مصاحب لتلك الظاهرة .

حقيقة ام وهم

البيانات التيليلوجية هي ذات قوة توضيحية في البايولوجي، ولكن هل ان توضيحاتها حقيقية ام مضللة؟ كانط جادل بان العقل لايستطيع الاّ تمديد الهدف نحو البايولوجي، ونحن يجب ان نقبل الادعاءات التيلولوجية المتواضعة (كمبادئ منظمة) للفكر. في هذا المنطق، من الجائز علميا الادعاء ان عظام الطير الجوفاء هي لغرض الطيران. العقل لايمكنه التوقف هناك طبقا لكانط، وطبيعيا سيذهب لتقدير كل النظام بدءاً من الاهداف وصولا الى المنطقة التي تعيش بها الكائنات الحية. ولكن بسرعة سيصبح المرء في موقف ساخر: الحشيش لأجل الابقار، الابقار لأجل طعام الانسان وهكذا. كانط يلوم التيلولوجيين المتطرفين الذين يدّعون ان حشرة الناموس تساعد في ايقاظ الانسان وجعله نشطا، وان الدودة الوحيدة تساعد في عملية الهظم في ضحاياها. الخداع في البايولوجي هو ابقاء التيلولوجي المحلي ولكن مع التخلص من المحتوى العالمي والكوني.

يقول كانط، عندما نعمل بايولوجي نحتاج لإخضاع التفسيرات الفيزياكيميائية البسيطة الى توضيحات تيلولوجية وظيفية. نحتاج كلا المستويين من التعليل والتوضيح، وان احد المستويين لا يختزل الآخر. العديد من البايولوجيين والفلاسفة، اللاحقين لكانط، جادلوا اننا نستطيع نتظاهر ان الاشياء هي لأجل الاهداف، ولكن هذا التظاهر هو فقط مفيد منهجيا ولايشير الى اي شيء حقيقي. هل يمكننا الذهاب الى ما وراء التفسير الخالص نفعيا الى نوع من التيلولوجي يوضح الكيفية التي تكون بها الاشياء واقعية؟ . اذا سألني عالم الاعصاب لماذا انا ادرس فلسفة، ربما اقول شيء مثل "مسارات عصبية معينة نُحتت في دماغي كأن تكون في المناطق الحزامية والجدارية والفص الجبهي التي من السهل ان تحفز بقوة ما لدي من ناقل عصبي للشعور بالسعادة، يدفعني لكي احب عمل الفلسفة". وعندما يسألني صديقي لماذا انا ادرس فلسفة، من المحتمل ان اقول شيء مثل "لغرض حل ألغاز مفاهيمية والتفكير في مواد ممتعة تشبع رغباتي العميقة". وعندما يسألني مدير الكلية نفس السؤال، انا ربما اقول شيئا ما مثل "الفلسفة تحسّن التفكير النقدي وتجعل الطلاب احسن مواطنين للديمقراطية".هذه التفسيرات ليست في تصادم مع بعضها. انها جميعها منسجمة وصحيحة. ونفس الشيء، اذا كان الوراثيون يعطون تفسيرا جزيئيا للاختلافات في لون جلد الانسان، والبايولوجيون التطوريون يعطون تفسيرا تكييفيا للون الجلد فهم لا يتنافسون ليعطوا التوضيح الصحيح. هنا ثلاثة تفسيرات مختلفة للون الجلد كلها منسجمة وصحيحة:

اولا: التفسير الميكانيكي الخالص للتغيرات الصغيرة في مجموعة هورمونات MC1R الذي يقول لنا كيف ان تركيز الميلانين ينتج جلدا داكنا او خفيفا.

ثانيا: الشخص الذي يعيش في منطقة كثيفة الشمس سوف يعيش افضل اذا كان جلده اسود لأن الاشعاع المسرطن UV-B سوف يُغلق امامه الطريق بفعل زيادة صبغة الميلانين.

ثالثا: قبل مليون و200 الف سنة اي بعد 300 الف سنة من فقدان أسلافنا لشعر الجسم، بدأت مجموعة من المهاجرين ـ ضغوطا اختيارية بيئية جديدة. الجلد الفاتح تطور في المناطق القليلة الشمس مما يسمح بانتاج فيتامين D الضروري، بينما تطور جلد داكن لدى سكان المناطق المشمسة.

ان التفسير البايوكيميائي الاول ربما يعمل افضل بدون تيلولوجي، لكن الاثنين الاخرين هما تفسيران تكيّفان وتيلولوجيان بقوة ليس بمعنى ان خلايا الجلد تتوقع الاهداف التي تصلها في النهاية وانما بمعنى ان توزيع واستمرارية هذه الظواهر وجيناتها يصبح لها معنى فقط اذا كانت "لأجل"البقاء .

وحدة الطبيعة

اعترف كانط ان الذهن الانساني لايستطيع تقدير الهدف في الطبيعة. دراسة وثيقة لموقفه تكشف عن خيار تيليلوجي مختلف قليلا. بالاضافة الى التيليلوجي الأداتي الذي يسعى لربط هياكل معينة الى الوظائف (السن الحاد لآكلي اللحوم، لون الجلد الى البيئة الشمسية، الغدد العرقية الى التنظيم الحراري)، نحن يجب ان نفترض، كما يرى كانط، وجود الكثير من التيليلوجي العالمي في كل الطبيعة لكي نؤسس علوم في المقام الاول. نحتاج للتحرك بعناية هنا لأن هذه القضية يساء فهمها باستمرار من جانب كلا الفريقين أعداء واصدقاء التيليلوجي. الجدال هو : كيف يمكننا توقّع ان تعطي الطبيعة لنا اجوبة لأسئلتنا ما لم تكن هناك بعض المظاهر العقلية والمنطقية في الطبيعة يمكن تفسيرها باذهاننا العقلية؟اي يمكننا القول ان العلم يفترض بعض التناسب بين اذهاننا العقلية وهيكل الطبيعة. والاّ فان الاول لايمكنه استيعاب الاخير. هذا "التوقع للتناسب"يوحّد كل الطبيعة في مجال واحد للاستكشاف الممكن. كانط يقترح ايضا ان "مبدأ الهدفية" الشمولي او – توقّع اننا سنحصل اجوبة على اسئلة "ما الغاية من " حول العالم الطبيعي – يشكل هذه الوحدة في الطبيعة، ويقول "نحن يجب بالضرورة ان نفترض ان هناك مثل هذه الوحدة حتى لو لم نستوعبها او لم نكن قادرين على اثباتها"(نقد ملكة الحكم، مطبوعات دوفر، ص 15).

هذه الاطروحة ملفتة. افتراض هذه الوحدة في الطبيعة هو ضروري لنا لكي نستمر بعمل العلوم. لكن الفرضية ستكون دائما غامضة تفتقر الى القوة التنبؤية، وغير قادرة على الاثبات . في الحقيقة ان اكثر ما يقوله كانط حول محتوى الافتراض هو، "هناك خضوع في الطبيعة للاجناس والانواع الحية يمكن فهمه من جانبنا"، مضيفا ان هناك "انسجام في الطبيعة مع قدرتنا الادراكية"(نفس المصدر، ص 16).ان المحصلة الهامة من مفهوم وحدة الطبيعة هذا هو انه ليس حقا حول الطبيعة. بالنسبة لكانط، بناء الطبيعة القابل للفهم هو وظيفة لأذهاننا. اذا كان كانط صائبا، عندئذ فان رؤية الطبيعة كهادفة، على الاقل في هذا المدى، تكون بُنيت في قدراتنا الادراكية.

3- الحافز والحيوية conatus and vitalism

 سبينوزا (1632-1677) وصف الطبيعة بعبارات ميكانيكية، لكنه اعترف ان الكائنات الحية فعلا تشترك بنزعة نحو هدف موجّه، انها تكافح لتعيش. هو سمى هذا المبدأ المنشط للانظمة الحية بالكفاح او الحافز conatus، واعتبره جوهر جميع المخلوقات. انه لايشبه التيليلوجي لدى الثيولوجيين الطبيعيين لكنه اعتراف بان طبيعة المخلوقات لديها مبدأ ضروري موجّه نحو هدف فيها بحيث لا يمكن فهمه بالسببية الخالصة لكرة البليارد.

لدى بعض المنظرين اللاحقين، اصبح الحافز قوة ميتافيزيقية سحرية. بعد سبينوزا، بدا كانط يعتقد ان "القوة التكوينية"عملت داخل المادة لتصنع ما يبدو معجزة في تكاثر الحيوان. العديد من علماء الأجنة في القرن التاسع عشر ايضا افترضوا وجود قوة "حياة" حيوية لأنهم لا يستطيعون تصوّر كيف ان السائل الثقيل العضوي غير المختلف يصبح ببطء جنينا . فيزياء الحركة لم تتمكن من تحويل الرخو غير المركب الى اجزاء فاعلة عالية التركيب وكليات متكاملة، لذا فان الجنين اما ان يكون اُتقن بالكامل داخل الام ثم نما ليصبح اكبر حجما عبر التغذية، او انه كان عديم الشكل ثم بالتعاقب اتخذ شكلا بواسطة القوة الحيوية للخلق المتوالي.

افكار المذهب الحيوي كانت مرغوبة جدا حتى بعد الثورة الدارونية. فكرة القوة اللامرئية الغامضة التي ترشد الأجنة الحيوانية كانت منسجمة لحل أصل لغز الحياة ايضا، وربما استُخدمت هذه الماكنة الالهية لتفسير بزوغ الحياة. حاول دارون ايجاد استبدال ميكانيكي للقوة الحيوية لكن ذلك لم يثبت. احد اشهر علماء الاجنة هانس دريش (1867-1941) عرض حيوية تجريبية مستخدما دليلا بانه لا يهم كم مقدار الضرر الذي أحدثه في البيضة الملقحة للحيوان الفقري، لكن العملية تبقى مستمرة كما لو ان قوة خارجية غير مرئية ترشدها .

الوراثة الحديثة وعلم الخلايا الجذعية اوضحا لنا لغز التطور الرحمي . غير ان الاسئلة البديهية لأفكار المذهب الحيوي والحافز لاتزال بلا اجابة في البايولوجي الحديث رغم ان بعض الاعمال التجريبية برزت لتعزل بشكل افضل وسائل الحافز البايولوجي. فمثلا، بدلا من التفكير حول الحافز كسمة لكل الانظمة الحية، اكتشف علماء الاعصاب اليوم مثل Jaak pankseep شيئا ما يشبه نظام حوافز على اساس دماغي في الثدييات : في نفس الطريقة التي تمتلك بها جميع الفقريات نظام خوف، هي ايضا منشغلة في البحث عن سلوك، واخيرا عزل علماء الاعصاب الدافع التحفيزي الاساسي الذي يميز البحث عن سلوكيات متنوعة (الصيد، بحث عن طعام، انجاب). وبلغة واضحة نحن نسميها رغبة. انها عادة تُصنف مع العواطف، لكنها في الحقيقة عاطفة متعالية، نظام تحفيزي يستخدمه الكائن الحي لكي يجد ويستغل الموارد في بيئته. انه يحفز الثدييات لمتابعة المتعة او القناعة، لكنه ليس تماما مثل المتعة. انه ذلك النمو، الاحساس المكثف بالانتباه العالي وزيادة الشعور بالتوقّع كما لو انك على وشك ان تخدش حكة قوية.

التنظيم الذاتي Autopoiesis

قبل الثورة الدارونية لاحظ الناس غموضا لا مفر منه في خاصية التنظيم الذاتي للمادة(هذه الخاصية في الكائن الحي تسمح له بادامة نفسه وتجديدها عبر تنظيم مكوناته وحماية حدوده). صحيح ان الظروف البيئية تتخلص من او تغيّر الكائنات الحية والمجموعات السكانية عبر سمات مؤذية، ولكن هل نحتاج الى علم افضل بواسطته تأتي تلك الكائنات الحية الى الوجود في المقام الاول؟ بدءاً من خطط الجسم الى الدماغ، تتبلور المادة الى تراكيب مكررة. هل نحتاج الى علم افضل من الشكل او التنظيم الذاتي نفسه لكي نفهم كيف يحدث هذا؟

العديد من المفكرين، مثل صديق دارون (ريتشارد اوين) او الامريكي الطبيعي (لويس اغازيس)، اعتقدوا ان تطور وتشريح شكل الحيوان مثّل تجسيدا لأفكار الله في المادة الفيزيائية. تراكيب الحيوانات الفقرية التي نشترك بها مع الكلاب والاسماك طبقا لهؤلاء المفكرين هي نموذج اصلي او بمثابة الفكرة المهيمنة التي زرعها الله في الطبيعة. عندئذ سيعمل التكيف والاختيار الطبيعي لأجل استمرارية التغيرات البايولوجية. هذه التأملات لم تعد ذات احترام علمي لكنها تبقى افتراضا مرغوبا للتطوريين المؤمنين. غير ان سؤال التنظيم لايزال لا يتناسب بالضبط مع الدارونية الجديدة. بعض مفكري القرن العشرين الاذكياء مثل دارسي ثومسن و ستيفن غاي غولد و ستيوارت كوفمان و وليم ومسات اقترحوا طرقا بان الانظمة المادية تميل نحو هياكل معينة فاعلة. لاشيء هناك غامض حول هذا .بدلا من ذلك انها محاولة للتركيز الدقيق على المنطق او آليات المستوى المتوسط بين الوراثيات واختيار الاعضاء الحية. كوفمان مثلا، بيّن ان انظمة المواد الديناميكية سوف تلتحم حول حالات يمكن التنبؤ بها طبقا لقواعد منطقية. هو وآخرون اقترحوا ان بعض "علوم التنظيم الذاتي" سوف تحتاج للارتباط بالاختيار الطبيعي باعطائنا فهما اكثر دقة عن تطور الشكل البايولوجي. وكما في المذهب الحيوي من قبل، بعض هذه البحوث تسعى لمعالجة تطور التعقيدية في الأجنة الحيوانية او في اصل الحياة. "علم التنظيم الذاتي" هذا يحاول فهم الطريقة التي تنتظم بها العمليات الجزئية بواسطة حالات كلية نسبية بمرور الزمن. اصبح من المألوف علميا افتراض طبيعية مادية – كل شيء يحدث خلال عمليات فيزيائية- لكنه مع ذلك ينحدر من تقاليد تيليلوجية قديمة.

 

حاتم حميد محسن

.......................

 الهوامش

(1) ظهرت الاعتراضات على الافكار التطورية منذ القرن التاسع عشر بعد ان نشر دارون كتابه (اصل الانواع) عام 1859.هذه الانتقادات برزت اولاً بين صفوف العلماء وجماعات علمية في مختلف الحقول خاصة العالم Jean Baptiste Lamarck، ثم اقتصرت لاحقا على افراد من جماعات دينية. الهجوم على نظرية دارون جاء من عدة جبهات وفي جوانب متعددة سنذكر باختصار بعضا منها:

 1- عدم التفنيد unfalsifiability: ان اي بيان او قضية يمكن اعتبارها قابلة للتكذيب اذا كان بلإمكان إجراء ملاحظة او اختبار يُظهر ان ذلك البيان او تلك القضية زائفة. البيانات التي لا يمكن تكذيبها هي لا يمكن اختبارها بالتحقيق العلمي وبالتالي لا يمكن تقييم دقتها. هنري موريس مثلا ادّعى انه يمكننا إدخال اي ملاحظة في الاطار التطوري، لذا من المستحيل بيان ان التطور خاطئ ولذلك فان التطور غير علمي.

2- المنطق الدائري circular reasoning: ان نظرية التطور هي ذات منطق دائري، حيث ان الدليل يُفسّر كدعم للتطور، لكن التطور هو بحد ذاته مطلوب لتفسير الدليل.مثال على ذلك الادّعاء بان الصخور الجيولوجية توضع لها تواريخ طبقا للمتحجرات التي فيها، لكن المتحجرات هي بدورها تؤرخ تبعا للصخور التي تحتويها.

3- الدليل evidence: يقول المعارضون ان التطور لم تتم ملاحظته ابدا. هناك نوعان رئيسيان للتطور يجب دراستهما وهما التطور الجزئي والتطور الكلي. هم لا يرفضون حدوث التغيرات التطورية الثانوية في المدى القصير، لكنهم لايتفقون على حدوث التغيرات التطورية الكبيرة في فترات زمنية طويلة والتي لايمكن ملاحظتها مباشرة وانما يُستدل عليها فقط من عمليات تطور جزئية.

4- الاستحالة impossibility: المظاهر الكبرى للتطور ليست فقط غير علمية وغير مقنعة وانما ايضا مستحيلة لأنها تتعارض مع قوانين اخرى للطبيعة او انها مقيدة بطرق لايمكن بها انتاج تنوع بايولوجي في العالم.

5- خلق الهياكل المعقدة: الكائنات الحية تمتلك خصائص معقدة جدا على المستوى الذري وعلى مستوى الخلايا الحية بحيث انها لا يمكن ان تعمل اذا كانت أقل تعقيدا. نظرية التطور الحديثة تشير الى ان جميع الانظمة البايولوجية يجب ان تتطور بمقدار هامشي بسيط من خلال عملية مزدوجة من الاختيار الطبيعي و التحول الوراثي. اذا كانت جميع المراحل الوسيطة بين العضو الاصلي والعضو الذي سيحصل، هي ليست التحسينات المطلوبة على الاصلي، فسيكون من المستحيل على العضو اللاحق ان يتطور بعملية الاختيار الطبيعي وحده.الأعضاء المعقدة كالعين تحتاج الى سبب آخر او مصمم حسبما يذكر وليم بالي.

(2) مصطلح Holism استخدمه اول مرة الفيلسوف Jan Smuts (1870-1950) من جنوب افريقيا ويشير الى ان أجزاء الكل هي في ترابط متشابك وثيق بحيث انها لا تستطيع ان توجد بشكل مستقل عن الكل، وانها لا يمكن فهمها بدون الاشارة الى الكل الذي يُعتبر اكبر من مجموع أجزاءه. يؤكد Smuts ان الكل يباشر وظيفة تنظيمية قابلة للفهم تتصل بالتعاون والتنسيق بين هياكل وفعاليات الأجزاء وباختيار او عدم اختيار التغيرات. النتيجة من كل ذلك هو توازن في تنسيق الأعضاء والوظائف. فعاليات الاجزاء موجهة نحو غايات مركزية وفكرة موحدة بدلا من ان تكون فعاليات ميكانيكية منفصلة للأجزاء . الكلية جرى تطبيقها في الحالات الذهنية واللغة والايكولوجي.

(3) الحيوية او المذهب الحيوي vitalism نظرية تؤكد بان أصل ظاهرة الحياة تعتمد على قوة او مبدأ متميز عن القوى الفيزيائية او الكيميائية الخالصة. وفق هذه النظرية، عمليات الحياة لا يمكن فهمها بقوانين الفيزياء والكيمياء وحدها، وبهذا فان الكائنات الحية مختلفة جذريا عن الأشياء غير الحية لأن الاولى تحتوي على عنصر غير فيزيائي وتُحكم بمبادئ مختلفة عن تلك التي تحكم الاشياء الجامدة.

 

صباح الحاج مفتنقدَّم ادوارد سعيد دراسة واسعة في الاستشراق، وتعد علاقة المعرفة بالقوة والسلطة من أهم الموضوعات التي حاول سعيد أنْ يطرحها من خلال تحليل خطاب الإستشراق الذي خَلَق من الشرق شرقاً تخيلياً يتميز أهله بنزعات طفولية ساذجة، وبأنهم قابلون للانقياد والانصياع، الأمر الذي أدى إلى غزو الاستعمار للشرق واستعباده، فبسبب الاستشراق، لم يكن الشرق موضوعاً حراً للفكر أو الفعل. ومن هنا يحاول سعيد أنْ يكشف المنظومة الاستشراقية الغربية التي عملَت على حدوث هذا النمط من الاستعباد والنظرة الدونية إلى الشرق، وأنْ يكشف اكتساب الثقافة الغربية للمزيد من القوة ووضوح الهوية عندما وضعَت نفسها موضع التضاد مع الشرق بوصفه بديلاً أو ذاتاً خفية.

ويرى سعيد أنَّ الإستشراق استجاب للثقافة التي أنتجته أكثر من استجابته لموضوعه المزعوم، فهو يتّسم باتّساق داخلي، وبمجموعة من العلامات المحيطة به من ثقافات سائدة، فحاولَ أنْ يكشف ملامح هذا الحقل، وتنظيمه الداخلي، ونصوصه المعروفة، وأفكاره، وشخصياته، واعتمدَ في ذلك على أفكار ميشيل فوكو، وغرامشى، وماركس، ورينان، وكرومر، وكذلك على الأعمال الأدبية والكتابات السياسية والنصوص الصحفية والكتب والدراسات والرحلات، والبحوث الدينية واللغوية، واعتبر أنَّ النصوص الاستشراقية تشكَّلَت وتطوَّرت عَبر التفكير الذهني على وفق النهج المثالي، من أنَّ "الأفكار تنتج الأفكار"، أو "الوعي ينتج الوعي"، وهكذا كان منظوره هجيناً واسعاً، "تاريخي- أنثروبولوجى"، ما دامت كل النصوص حسب اعتقاده دنيوية تتأثر بالظروف المحيطة بها.

كتب "كارل ماركس" يقول عن الشرق، "أنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ولا بد أنْ يمثّلهم أحد". وهذا يشير إلى محورين رئيسيين، هما المعرفة والسلطة، أي استقصاء مسار حضارة معرفية من نشأتها إلى ازدهارها إلى ذبولها، من أجل السيطرة عليها، فالشرق في نظرهم بكل تاريخه، لا وجود فيه لآثار تنبئ عن الحكم الذاتي، فكل قرونهم العظمى مرَّت في ظل الحكم الاستبدادي المطلق، وعلى العكس ما نراه في العالم الغربي، فهم منذ ظهورهم التاريخي يتمتعون بالحكم الذاتي.

يُعَدّ "كرومر" من أفضل من نجح في عمله القنصلي في الهند ومصر؛ إذ قدَّم خدمات جليلة لها أدت بنهوضها وتميزها بين الأمم الشرقية. فكان كرومر يطلق على الشرق "الأجناس المحكومة"، وهي الأجناس التي تجعل إدارة شؤونهم يسيرة، فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلب زيادة المعرفة.

يقدِّم أدوارد سعيد تصنيفاً لكارل ماركس، بأنه مستشرق شارك المستشرقين في أسلوبهم في التفكير القائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الانطلاق لوضع أعمال موسعة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية والتقارير السياسية التي تتعلق بالشرق.

ويبدو لنا أنَّ اعتبار ماركس كبقية المستشرقين من قبل سعيد يحتاج إلى وقفة؛ إذ إنَّ ما ورد في كتاب الاستشراق، هو تصوير الشرق بأنه "آخر" لا حيلة له غير الإقرار بتبعيته للغرب، بيد أنَّ أبجديات الماركسية تعتبر أنَّ التحليل بمفهوم الآخر تتبناه شريحة اجتماعية تضع حدود فاصلة بينها وبين الشرائح الاجتماعية الأخرى بالصورة التي تبرر إخضاع واستغلال الأخيرة؛ فالشرق والغرب يتشكلان هياكل اجتماعية مليئة بشتى أشكال التناقضات الطبقية والتركيبات التحتية والفوقية المعقدة والتصورات المختلفة للعالم.

إنَّ وضع ماركس على صعيد واحد مع الفرنسي العنصري "رينان"، أو "مورو بيرجر"، أو "سانيا حمادي"، التي تعد كتاباتهم عن الشرق قائمة على التعميمات، يبين لنا الهوة الواسعة بين سعيد وبين الماركسية.

وبكل الأحوال، يصل سعيد إلى جوهر المعرفة الأساسية، ألا وهي المعرفة الأكاديمية والعملية التي ورثها "كرومر وبلفور" من الاستشراق الغربي الحديث على امتداد قرن كامل، معرفة أحوال الشرقيين، ومعرفة الجنس الذي ينتمون إليه، وشخصيتهم، وتاريخهم، وتقاليدهم، ومجتمعهم، وإمكانياتهم، وهي معرفة مختبرة لا تتغير مادام الشرقيون من الناحية العملية جوهراً أفلاطونياً، يستطيع أي مستشرق أنْ يفحصه ويفهمه ويعرضه للآخرين، أو كما يقول كرومر في كتابه "مصر الحديثة": إنَّ الشرقي يبغض الدقة التي تعد الصفة السهلة للانحطاط التي تتحول إلى الكذب. وهو عكس ما يتصف به الأوربي الذي يحكم الاستدلال الدقيق والحقائق الواضحة، فهو منطقي بالفطرة حتّى وإنْ لم يدرس المنطق، وهو بطبيعته شكاك يطلب البرهان قبل أنْ يقبل صدق القول، وذكاؤه يعمل عمل الآلة المنضبطة. أما الشرقي فهو يفتقر إلى التناسق، وأنَّ الاستدلال عنده أبعد ما يكون عن الإتقان، ويسهل خداعه، ويفتقر إلى النشاط وروح المبادرة، ومولع بالإفراط بالمدح والملق والتآمر والمكر والقوة على الحيوان، والكذب المتجذِّر والكسل.

يرى سعيد أنَّ من الخطأ عدم تقدير هذا المستودع من المعرفة الموثوق بصحتها، ومن قواعد النظرة المعتمدة إلى الشرقيين التي رجع إليها كرومر وبلفور في كتاباتهم وسياساتهم، والاقتصار على القول بأنَّ الاستشراق تبرير منطقي للحكم الاستعماري، وهذا يعني تجاهل تبرير الاستشراق للحكم الاستعماري؛ فالشرق أصبح مفهوماً واكتسب هويته- ليس نتيجة لجهود أبنائه- نتيجة لسلسلة كاملة من الجهود العلمية والمعرفية التي بذلها الغرب لتحديد صورة الشرق. ومن ثمّ يلتقي عنصر العلاقة الثقافية؛ فلَمّا كانت المعرفة بالشرق قد تولَّدت عن القوة، فإنها تؤدّي إلى خلق الشرق والشرقي وعالمه، فالقوة الثقافية أمر نستطيع مناقشته بسهولة حسب رأي سعيد، لأنّ أغراض هذه الدراسة هو توضيح الاستشراق وتحليله وتأمُّله بوصفه صورة من صور ممارسة القوة الثقافية؛ فالغربي كان دائماً يتمتع بقدر معين من حرية التفكير والكلام في الخطاب، فما دامت ثقافته هي الأقوى، فهو إذن يستطيع النفوذ إلى اللغز الآسيوي الأعظم، ويصارعه ويضع له شكلاً ومعنى.

ويعتقد سعيد أنَّ من دَرَسوا الاستشراق قبله قد أغفلوا الحدود النسبية والقيود التي تحد من المفردات التي استخدمها المثقف الغربي؛ إذ إنَّ واقع الاستشراق معاد للإنسانية ومستمر بإلحاح، وأنَّ نطاقه مثل مؤسّساته، وتأثيره النافذ والشامل لا يزال قائما إلى الآن؛ فهو ظاهرة تاريخية، وطريقة تفكير، ومشكلة معاصرة، وواقع مادي.

يمكن للاستشراق أنْ يعبّر عن قوة الغرب وضعف الشرق من وجهة نظر الغرب كما أسماه كرومر "التشغيل المتناغم"؛ لأنَّ هذه القوة الغربية، وهذا الضعف الشرقي، يكمنان في صلب النظرة الاستشراقية. وتلك هي القضية الفكرية الرئيسية التي يثيرها الاستشراق: هل يستطيع المرء تقسيم واقع الإنسانية الذي يبدو منقسماً على نفسه إلى ثقافات، وتواريخ، وتقاليد، ومجتمعات؟ ومن ثمّ ينجو من العواقب بصورة إنسانية تتجنَّب العداء الذي يُعَبِّر عن هذا التقسيم؟

الواقع حسب ادوارد سعيد، أنَّ هذا التقسيم كان يقصد منه تاريخياً وفعلياً تأكيد أهمية التمييز بين البشر، وأنَّ استخدامه يكون بالنتيجة استقطاباً للتمييز، أي زيادة شرقية الشرقي وغربية الغربي، والحد من التلاقي الإنساني بين تلك الثقافات والتقاليد والمجتمعات المختلفة.

باختصار، نجد أنّ الاستشراق منذ أوائل مراحله الحديثة وحتّى الآن، وبوصفه منهجاً فكرياً للتعامل مع كل ما هو أجنبي، قد اتّضحت سمة جنوحه المؤسف لأي معرفة قائمة على أنواع التمييز، وهذا الجنوح يكمن في مركز النظرية والممارسة والقيم الاستشراقية لدى الغرب، ممّا أصبح مفهوم سلطة الغرب على الشرق مُسَلَّماً به بوصفه يتمتع بمكانة الحقيقة العلمية.

والله الموفق

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر نيقولاي هارتيمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين، ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارئه، فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرتبة من التفكير المشتت الذي يفتقر لقول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها، ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي ) عام 1933م، وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا، فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية، كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل، ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال المثالي كما هو عند بيركلي مثلا، في أختراعه فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا على الفلسفة المثالية في مجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله (أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل، أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكن في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي، فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.

من الضروري الاشارة الى أن هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكر يدركه لكن يمكن للفكر التفكير التجريدي به استدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن ادراكها، ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به،.

الوجودية تعتبر العدم مدركا غير موضوعي داخل الوجود الذي يعمل العدم على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه موضوعيا ولا حتى خياليا تجريديا، أي بما هو غير مدرك كموضوع يعيه الفكر، وليس كما ذهب له هارتمان بأن الفكر لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث امكانية الوعي به وادراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديد ماهو العدم؟.

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل، والميتافيزيقا تعني اللاعقلي، واللاعقلي غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يجنّبنا هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة فلسفية مسّلم بها أن الميتافيزيقيا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات ما وراء الطبيعة يدركها العقل،، وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفاهيم تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه.

يقول هارتمان (أن العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها، تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف، يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في وجودها الطبيعي في عالم الاشياء،

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت ادراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات، وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة، وفي فينامينالوجيا هوسرل.... رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية. وبقيت الوجودية متمسّكة بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من كليهما حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفته في وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة بعالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان المتفرد للميتافيزيقا(أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد، من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة، وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة منها على مر العصوروهكذا..

ميتافيزيقا الواقع

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

1- الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن ان يكون هناك وجود (قائم بذاته) هارتمان(6)

2- التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. هارتمان(7)

3- القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات، وأهمية القيمة والمعنى انها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. هارتمان(8)

4- العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه، أي عن الوعي . هارتمان(9)

5- أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته، وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. هارتمان(10).

أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات، بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي (الموضوع) في محاولة أعطاء الوعي دور (العقل) بعلاقته بالموضوع.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية، والوجودية عند هيدجر وسارتر، وكذلك فينامينالوجيا هوسرل التي أقتصرت وحصرت الفهم العقلي في ظواهر الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الوجود بذاته.

كما أن هارتمان أول فيلسوف في منتصف القرن العشرين أعطى تمييزا فلسفيا واضحا أن المعرفة مكتسبة في الوعي وليست معطى قبلي في الادراك. وليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته الوجودية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك.

هارتمان أول فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى انه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى، لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي، وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج ادراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا في مقتل،، في مثالية واقعية جريئة متفردة، أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي في فلسفته الذي هو مفهوم غير مادي ولا يكتسب ماديته في وعيه لموضوعه المادي،.

اذا ما تماشينا مع نظرية هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي (وهو خطأ)، الوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها. ولا يمكن قياس مادية الموضوعات باحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها، الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه بل مهمة الوعي الاساسية هي نقل المدركات الحسية وغير الحسية للعقل فقط، ويكتفي بتوصيله موضوعات الوعي الى أدراك العقل لها،.

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها، وليس الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكها، الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي تنوب عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا...نجد من المهم تأكيدنا لاكثر من مرة خطأ هارتمان وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من الوعي عقلا ثانيا وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود، لكنها لا تتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة، ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى، وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود اولا والوعي الحسّي لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الواقعي لهارتمان.

فغياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي،والوجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان، فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (وعيه) الادراكي المثالي وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا ولا حتى حسّيا أيضا، سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه عقليا، لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات.

الوعي أقرب الى المحسوسات في أدراكها الاشياء، وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي بالاشياء. بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن المحسوسات، ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي مرة ثانية بعد تخليقه لها في الدماغ....الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك، لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له. وبهذا يمتاز الوعي على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا مدرك بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية).

الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا، ولا يلتقي مع الحواس والعقل في ادراكهما المادي للاشياء.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق وجوده في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس، وفضيلة ومهمة الوعي هو نقله المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وينتهي دوره هنا، يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم ادراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة ولا دخل ولا دور للوعي بذلك في تعالقه مع العقل ولا في تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي....وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس....الموضوع من مهام العقل وليس من مهام الوعي الادراكي له، الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بغية توصيلها للعقل ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة...والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الانابة عنه. وعي الاشياء هي جزء من عمل العقل، كما تكون معطيات الحواس جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه.

أما في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا، وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان، أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها، فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها، واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته، لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجود مادي يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي وبذا ينتهي دور الوعي.

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل، والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل، الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك، كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي المثالي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة،لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها، وأنما يكتفي العقل من خلال ادراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها، والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات الا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها( أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية في منتهى الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان. ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع او موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية، فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن اهتماماتها بها فقط وليست ملزمة أدراكها كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا.، فألى يومنا هذا يوجد بما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل، وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الوجودية من غير وعي ادراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان، فهي ايضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) وحجة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها، تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له بمعنى الانسان يعي ذاته كموضوع وذات معا وهي ميزة لا يتوفر عليها اي موجود في الطبيعة، فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر، فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في  مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود موحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع، ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعيه الذاتي الملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه، فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي بايولوجي يدركه ذاتيا، وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه، ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش

1- أ.م. بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278

2- نفس المصدر الصفحة ص 279

3- نفس المصدر ص 279

4- نفس المصدر ص 280

5- نفس المصر السابق ص 281

6- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

7- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

8- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

9- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

10- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

 

حاتم حميد محسنيُعتبر جون لوك (1634-1704) أحد اهم مفكري التنوير وعُرف بـ "ابو الليبرالية". هو فيلسوف وفيزيائي انجليزي، نظريته في الذهن جسدت اصل التصورات الحديثة للهوية والذات. رسالة جون لوك (رسالة تتعلق بالفهم الانساني، 1689) والتي جاءت في أربعة كتب تمثل فلسفة منهجية مفصلة للذهن والفكر. هذه الرسالة هي اول دفاع كبير عن التجريبية الحديثة وتهتم بتقرير حدود الفهم الانساني في نطاق واسع من المواضيع. انها تخبرنا بالتفصيل حول ما يمكن ان يدّعي المرء معرفته وما لا يمكن .

مشروع لوك كان الوصول الى حدود للفهم الانساني. قبل لوك حاول الفلاسفة ذلك لكن لوك نفذ هذه الخطة بتفصيل اكثر. في الكتب الاربعة للرسالة ينظر لوك في مصادر وطبيعة المعرفة الانسانية .الرسالة تصارع اسئلة اساسية حول الكيفية التي نفكر ونتصور بها وايضا الكيفية التي نعبّر بها عن انفسنا من خلال اللغة والمنطق والممارسات الدينية. في مقدمة الرسالة والتي جاءت تحت عنوان The Epistle to the Reader، يصف لوك الكيفية التي اصبح بها منخرطا في التفكير الفلسفي وبطريقته انذاك . هو يعرض قصة قصيرة ساخرة حول محادثة مع اصدقاء له جعلوه يدرك ان الانسان يعاني عادة اثناء سعيه للمعرفة بسبب فشله في تقرير حدود فهمه.

رفض الافكار القبلية

في الكتاب الاول يطرح لوك ثلاثة اهداف لخطته الفلسفية ليكتشف من اين تأتي افكارنا، وليمحص ماذا يعني امتلاكنا لهذه الافكار وماهي الفكرة الاساسية، وليفحص قضايا الايمان والرأي لكي نقرر كيف يجب علينا التحرك منطقيا عندما تكون معرفتنا محدودة. في هذا الكتاب يهاجم لوك المدارس الفلسفية السابقة مثل افلاطون وديكارت التي اكّدت على الايمان بالمعرفة القبلية الفطرية. هو يبدأ بمعارضة الفكرة باننا جميعنا ولدنا ومعنا معرفة بمبادئ اساسية معينة مثل الايمان بالمبادئ الفطرية وهي مبادئ معينة يتفق عليها عالميا جميع البشر. يجادل لوك، عكس ذلك، حيث لا وجود لمبادئ مقبولة حقا من جميع الناس. كذلك، اذا كان هناك بالفعل اتفاق عالمي حول شيء ما، فان هذا الاتفاق ربما الافضل ان يتم بطريقة اخرى غير المعرفة الفطرية. يعرض لوك جدالا آخرا ضد المعرفة الفطرية، معلنا ان الكائن البشري لايمكنه امتلاك افكار في ذهنه وهو غير واع بها، لذا لا يمكن القول ان الناس يحوزون على المبادئ الاساسية مالم يتم تعليمهم اياها او التفكير بها لأنفسهم. ولاتزال هناك حجة اخرى وهي انه بسبب ان الناس يختلفون كثيرا في افكارهم الاخلاقية، فان المعرفة الاخلاقية يجب ان لا تكون فطرية. اخيرا، يواجه لوك نظرية الافكار الفطرية على ضوء نظرية افلاطون في الأشكال ويجادل بان الافكار التي توصف عادة فطرية هي شديدة التعقيد ومربكة لدرجة تحتاج الى المزيد من الدراسة والفكر لإستيعاب معناها جيدا. وبالضد من الادّعاء بان الله هو فكرة فطرية، يرفض لوك ذلك مؤكدا ان الله ليست فكرة متفق عليها عالميا ولذلك فان وجوده لا يمكن ان يكون معرفة انسانية قبلية.

دوافع نقد الافكار القبلية

في الكتاب الاول لا يتحدث لوك كثيرا عن المؤيدين للمبادئ القبلية الذين يهاجمهم، ولهذا السبب اُتّهم لوك بانه يهاجم اناس وهميين او "رجال من قش". جون يولتن (Yolton، 1956) عرض رأيا مقنعا بانه كانت في انجلترا في القرن السابع عشر فكرة واسعة الانتشار وهي ان الافكار القبلية والمبادئ الفطرية هي ضرورية للاستقرار وللدين والاخلاق والقانون الطبيعي، ولهذا فان مهاجمة هذه الافكار تعني مهاجمة المواقع التي كانت مشغولة آنذاك واستمرت مشغولة بعد نشر رسالة لوك. ولهذا فان نقد لوك للمبادئ الفطرية ليس فقط نقدا وانما له ارتباط هام بمدارس فلسفية وفلاسفة معينين. يقول لوك ان عقيدة الافكار الفطرية حالما يتم القبول بها "ستريح الكسول من آلام وعناء البحث"وان عقيدة المبادئ الفطرية استعملها الاساتذة والمعلمين لينالوا السيطرة اللاشرعية على عقول طلابهم. كان في ذهن لوك اتجاه الارسطيين والمدرسيين في الجامعات(1). ولهذا فان هجوم لوك على المبادئ الفطرية مرتبط بمعارضته للسلطوية. انها تعبير عن رؤيته لأهمية التحقيق الحر والمستقل في البحث عن الحقيقة، فهذا حسب لوك هو افضل طريق للمعرفة والسعادة.

نقد فكرة الجوهر

بعد ان رفض لوك امكانية المعرفة الفطرية يبدأ في الكتاب الثاني ببيان من اين تأتي المعرفة. هو يقترح ان المعرفة تتشكل اما من افكار بسيطة او معقدة. الافكار البسيطة تتحد بطرق مختلفة لتشكل افكارا معقدة، ولذلك، فان الوحدات الاساسية للمعرفة هي الافكار البسيطة التي تأتي حصرا من خلال التجربة. هناك نوعان من التجربة يسمحان للفكرة البسيطة لتتكوّن في الذهن الانساني وهما الاحساس sensation وفيه يتحسس الذهن العالم الموجود خارج الجسم من خلال الحواس الخمسة، والنوع الثاني التفكير reflection وفيه يرتد الذهن للداخل مميزا افكارا حول وظائفه الخاصة مثل التفكير والرغبة والاعتقاد والشك.

يجادل لوك ان جميع العلوم باستثناء الرياضيات والاخلاق، وجميع تجاربنا اليومية هي عرضة للرأي او الحكم. أحكامنا نؤسسها على التشابه بين الافتراضات من تجاربنا وتجارب الاخرين.

في الكتاب الثاني يجادل لوك ضد فكرة الجواهر essences، وهو المفهوم الذي نال قبولا واسعا منذ ايام افلاطون. رأى افلاطون اننا نستطيع فقط تمييز الافراد كأعضاء من المخلوقات لأننا واعون بجوهر تلك المخلوقات – على سبيل المثال اننا نميز شجرة معينة كشجرة لأننا نفهم ما هي الشجرة في جوهرها. لوك يرى ان الجوهر غير موجود حقا ككينونة مثالية وهو ليس اكثر من تجريد. الافكار العامة نكوّنها حول الاشياء التي نلاحظها، والتي توجد حقا في العالم. الكائن البشري يقرر اي الاختلافات والتشابهات يستعمل ليفصل ويصنف اشياء معينة الى اصناف – هو يختار كيف يعرّف الاصناف بدلا من اكتشاف جوهر مخلوقات معينة. ورغم ان لوك انتقد فقط المفهوم التقليدي للجوهر، هو قرر تبنّي المفهوم في فلسفته الخاصة ثم الانتقال للتمييز بين الجوهر الحقيقي والجوهر الاسمي. الجوهر الاسمي هو مجموعة معينة من الخصائص المشاهدة نخلق منها افكارا عامة مطلقة. فمثلا، نحن نلاحظ التشابه بين عدة كلاب مختلفة، ومن هذه المشاهدات نكوّن فكرتنا عن ماهية الكلب. اما الجوهر الحقيقي هو بناء غير مرئي وترتيبات من الخلايا والذرات التي تسمح لتلك الخصائص الملاحظة لتكون ملاحظة في المقام الاول. فمثلا، لنعود الى حالة الكلاب، اذا كنا نستطيع ان نفهم تماما التراكيب البايولوجية والعمليات التي تجعل من الكلب كلب، سواء تلك التي تتضمن DNA او الاشياء الاخرى ايضا، عندئذ سنفهم الجوهر الحقيقي للكلاب. على خلاف الجوهر الاسمي، الجوهر الحقيقي له اساس في الواقع.

مشكلة اللغة

في الكتاب الثالث ينتقل لوك للنقاش حول اللغة مشيرا الى الضعف الطبيعي والاساءات العامة للّغة.يرى لوك ان الكلمات ترمز للافكار وهو يميز الكلمات طبقا لأصناف من الافكار التي عرضها في الكتاب الثاني. المشكلة الكبرى في الكلمات هي انها لاتعني مباشرة وبشكل واضح نفس الشيء لكل الناس. هذه المشكلة لها أربعة اسباب رئيسية:

1- الكلمة قد تتضمن فكرة معقدة جدا

2- الافكار التي ترمز لها الكلمات قد لا يكون لها معيار ثابت في اي مكان في الطبيعة لكي نحكم عليها بالضد.

3- المعيار الذي تشير اليه الافكار قد لا يمكن معرفته بسهولة.

4- معنى الكلمة وطبيعة الشيء الذي تشير اليه الكلمة قد لا يكونان بالضبط ذات الشيء.

لوك ايضا يحدد ست اساءات عامة للّغة:

1- الناس عادة يستعملون كلمات بدون معرفة ما تعنيه حقا

2- هم يستعملون كلمات بلا انسجام.

3- الناس ولأغراض معينة يجعلون العبارة غامضة من خلال استخدام كلمات قديمة لإستعمالات جديدة غير مألوفة او عبر إدخال عبارات جديدة دون اعطاء تعريف لها.

4- هم يعتقدون خطأ ان الكلمات تشير الى اشياء بدلا من افكار.

5- الناس يحاولون استعمال كلمات بشكل غير صحيح لكي يغيّروا معناها.

6- الناس يفترضون ان الآخرين يفهمون ما يقال لهم بينما القائلون هم في الحقيقة غير واضحين.

يقترح لوك اربعة علاجات لمواجهة النواقص الطبيعية واساءات اللغة:

1- لا تستخدم ابدا كلمات دون ان تكون لديك فكرة واضحة عما تعنيه.

2- حاول تمييز نفس المعنى للكلمات مثلما يفعل الآخرون لكي تستطيع الاتصال باستخدام مفردات مألوفة.

3- اذا كان هناك احتمال في ان معاني كلماتك ستكون غير واضحة، عليك ان تقوم بتعريفها .

4- إستعمل دائما كلماتك بانسجام وثبات.

نقد فكرة التصنيف

احدى القضايا المركزية في الكتاب الثالث هي مسألة التصنيف classification.ما هو الاساس في تقسيم الاشياء الى انواع ثم تنظيم هذه الانواع في نظام من المخلوقات؟ وفق التقاليد الارسطية التي يرفضها لوك، الخصائص الضرورية هي تلك الخصائص التي يجب ان يمتلكها الفرد لكي يوجد ويستمر في الوجود. هذا يتعارض مع الخصائص العرضية التي يمكن ان يحصل عليها الفرد ويفقدها مع بقاءه مستمرا في الوجود. هدف العلم الارسطي هو اكتشاف جوهر الانواع الطبيعية. الانواع يمكن ان تنظّم تراتبيا في نظام تصنيفي للمخلوقات. هذا التصنيف للعالم بواسطة انواع طبيعية سيكون متميزا ومفضلا لأنه وحده يتطابق مع تركيب العالم. لوك يرفض هذا التصنيف الاحادي للاشياء في الطبيعة الذي يجب اكتشافه من جانب فلاسفة الطبيعة. هو يؤمن بان هناك العديد من الطرق الممكنة لتصنيف العالم كل واحد منها قد يكون مفيدا اعتمادا على الغرض المنشود. هو يرى ان لا وجود لحدود ثابتة في الطبيعة ينبغي اكتشافها.

اما في الكتاب الرابع يعالج لوك طبيعة المعرفة ذاتها متسائلا عن ماهية المعرفة وفي اي مجال نستطيع الحصول عليها. يرى لوك ان المعرفة هي ما يستطيع الذهن تصوره من خلال توضيح الارتباط او عدم الارتباط بين اثنين او اكثر من افكارنا. بما ان المعرفة هي فقط حول العلاقات بين الافكار التي هي في الذهن، فان المعرفة التي نحن قادرين عليها هي في الحقيقة ليست معرفة عن العالم ذاته.

يميز لوك بين ثلاث درجات من المعرفة: البداهة، عندما نحن نتصور مباشرة الاتفاق او عدم الاتفاق لحظة فهم الافكار، والاثبات demonstration والذي يتطلب نوعا من البرهان، والمعرفة الحسية، والتي هي حول وجود العالم الخارجي والتي تصف العالم تماما كما نتصوره.

نقد و تحليل

استطاع جون لوك ان يحوّل تركيز الفلسفة في القرن السابع عشر من الميتافيزيقا الى اكثر المشاكل اساسية في الابستيمولوجي، وهي المشاكل المتعلقة بالكيفية التي يكون بها الناس قادرين على اكتساب المعرفة والفهم. يعالج لوك مختلف مظاهر الفهم الانساني ووظائف الذهن. ابداعه الملفت يتعلق برفضه فكرة المعرفة الفطرية . يؤكد لوك اننا ولدنا بصفحة بيضاء، واننا نستطيع معرفة ان الاشياء موجودة فقط عندما نمارسها اولاً. ان النموذج المعرفي الذي يقترحه لوك لا يخلو من العيوب. في تأكيده على ضرورة التجربة كشرط مسبق للمعرفة لوك يقلل من دور الذهن ولا يعالج بما يكفي لتوضيح الكيفية التي توجد بها المعرفة وتُحفظ في الذهن – بكلمة اخرى، كيف نتذكر المعرفة وماذا يحدث لمعرفتنا عندما لا نفكر حولها وتكون مؤقتة خارج وعينا. هو لم يوضح لنا كيف يعمل الذهن في تحويل التجارب الى معرفة وضم تجارب معينة مع معرفة اخرى لكي يصنف ويفسر معلومات المستقبل.

نقاش لوك حول الجوهر ربما مربك وملتبس لأن لوك ذاته غير مقتنع بوجود الجوهر. لوك ربما اختار هذا المفهوم لعدة اسباب:

1- هو يظن ان فكرة الجوهر ضرورية لخلق معنى للغة.

2- مفهوم الجوهر يحل مشكلة الاستمرارية من خلال التغيير. اي لو ان شجرة هي فقط مجموعة من الافكار مثل "طويلة" او "خضراء" او "ذات اوراق" ماذا يحدث عندما تكون الشجرة قصيرة او بلا اوراق؟ هل هذه المجموعة الجديدة من الخصائص تغيّر الجوهر من "شجرة" الى شيء جديد؟ وفق لوك، الجوهر يستمر اثناء التغيير، يبقى ذاته رغم التغير في خواص الشيء.

3- لوك يبدو اُجبر للقبول بفكرة الجوهر لكي يوضح ما يوحّد الافكار التي تحدث في وقت واحد، ليجعلها في شيء واحد متميز عن اي شيء آخر. الجوهر يساعد في توضيح هذه الوحدة رغم ان لوك ليس واضحا جدا في كيفية عمل هذا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

المصادر:

1- An Essay concerning Human understanding, John Locke:SparkNotes philosophy

2- The Limits of Human understanding, Stranford Encyclopedia of philosophy

الهوامش

(1) كان اتجاه المبادئ الفطرية محل تركيز واهتمام فلسفي كبير في فترتين متباعدتين، في كل فترة كان يلمع صيته ثم سرعان ما يخفت وينحسر. في اليونان القديمة لعبت المبادئ الفطرية دورا هاما في فلسفة افلاطون لكنه استُبعد فيما بعد من النظام الارسطي الذي هيمن لاحقا على التفكير الفلسفي. ولكن في القرنين السابع عشر والثامن عشر انتعش الاتجاه مرة اخرى خاصة على يد ديكارت ونظريته في المعرفة، اما لوك فقد شن على الاتجاه هجوما حادا ومتواصلا وذلك في بداية رسالته المتعلقة بالفهم الانساني.

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: إن الحقيقة الصادمة التي يحاول قاريء أو دارس الفلسفة الوجودية، أجتنابها والتغاضي عنها، هي محاولة الانطلاق المسّبق الخاطيء أن الوجودية لا تلتقي مع الميتافيزيقا ولا تستقي مواضيعها بالتداخل الوثيق معها.ونستطيع التعبير عن هذا المعنى أن الوجودية ميتافيزيقا فلسفية أرضية تحمل مأزق وهموم الانسان في الحياة، وليست ميتافيزيقا تبحث عن مصير الانسان قبل وبعد الموت في السماء.

الفكر الفلسفي الوجودي عند أقطاب الوجودية المؤسسين لها منذ نهاية القرن التاسع عشر، والقرن العشرين هم سورين كيركارد. ومارسيل جبريل. وكارل ياسبرز، واخيرا كلا من مارتن هيدجر وجان بول سارتر، جميعهم فلاسفة ميتافيزيقيون بأمتياز لا ينكرونها هم على أنفسهم، فاذا سّلمنا أن كيركارد ومارسيل هما وجوديان لاهوتيان غير ملحدان، يعتمدان في فلسفاتهما مزج مباحثهما بالمنطلقات اللاهوتية المسيحية بهذا القدر أو ذاك، بخلافه نجد أستماتة كل من هيدجر وسارتر تبرئة أنفسهما من شبهة ميتافيزيقا الفلسفة رغم بداية مؤلفاتهما الفلسفية كانت تمتح من الميتافيزيقا بدءا من العنوان فالمتن والمنهج.

ورغم أعلانهما – هيدجر وسارتر – ألحادهما ومحاولتهما خاصة سارتر التمّسك بخلفيته المادية الماركسية لا شعوريا ألا أن الميتافيزيقا ليس بمفهومها اللاهوتي الديني الصرف، بقيت تلازمهما الاثنان معا ولم يستطيعا التخلص منها بسبب تداخل مواضيع الفلسفة الوجودية مع المواضيع الاثيرة في الميتافيزيقا مثل : الموت، الوجود، الحياة، المعنى ، المصير ، القلق، الفناء أو العدم ، الخلود، الحرية الخ الخ.

وكي لا نقع في التباس أن الوجودية ميتافيزيقية لا دينية او أنها مادية هيجلية أو ماركسية، أو هي تتوسط المذهبين الفلسفيين، نقول الوجودية كانت بداية تمفصلها التاريخي الحديث جاء مع أفكار سورين كيركارد الوجودية التصوفية - الميتافيزيقية، أما التمفصّل التاريخي للمادية المتقاطعة مع الميتافيزيقا عامة تماما أنما بدايتها كانت مع هيجل ومن بعده ماركس.

وهنا لا بد من أشارة سريعة على مؤسس الوجودية الميتافيزيقية الحديثة بلا منازع سورين كيركارد الذي كان تأثير خلفيته الدينية البرتستانتية التي عاشها بقسوة دراماتيكية مع الموت الذي أخذ جميع أفراد أسرته الاب والام والاخوات على التوالي ، وحين وجد كيركجارد على حد وصفه أن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات الصارخة التي تتعارض مع العقل،أزدرى العقل بضراوة لأنه لا يستطيع البرهان اليقيني على قضايا ميتافيزيقا اللاهوت المسيحي، لذا أستبعد العقل وعمد الى وضع أسس فلسفة وجودية تكفر بالعقل وتؤمن بالدين بمفهومه اللاهوتي . وضع كيركجارد وجودية تمزج بين المادي والروحاني الصوفي في تعطيله فاعلية العقل أنحيازا للايمان باللاهوت.

من كل ما أشرنا له سريعا جدا يكون معنا لاغرابة أن تكون الميتافيزيقا متعالقة مع أقطاب فلاسفة الوجودية باستثناء سارتر والى حد ما كارل ياسبرز الذي كان يمتلك منحى خاصا به أيضا.

هيدجر والمصطلحات الوجودية الغريبة

ثمة تداخلات فلسفية غريبة في مفهوم هيدجر للوجود من حيث أستخدامه مصطلحات غير معتادة ولا مسبوقة قبله فلسفيا، وتلاعبه بتفسيرها، تفسيرا غامضا بما يخلعه على تلك التعبيرات والمصطلحات من غريب المعنى والمضامين والمحمولات التي هي أقرب الى نوع من الميتافيزيقا غير اللاهوتية والعدمية التي روّج لها نيتشة بقسوة، ولا يعرف القاريء ماذا يقصد هيدجر بهذه التقليعة من المصطلحات الغريبة منها هذه العبارات الفلسفية الوجودية - الميتافيزيقية المربكة للفهم والعصيّة على الاسلوب المنطقي الفلسفي والمنهج الواضح التي ندرجها لاحقا .يذهب دارسو هيدجر الى أنه فيلسوف أصيل بمعنى استقلالية أفكاره حتى داخل الفلسفة الوجودية ذاتها وتمتلك بصمة خاصة به ويصفه البعض ( أن هيدجر يسير في عرضه دائما على نحو منتظم شديد الانتظام، وأنما يأتي غموضه من المصطلحات غير المألوفة بل والغريبة التي أخترعها هيدجر أختراعا كي يعبر بها عن مفاهيمه، وقد اصبحت هذه المصطلحات مصدرا لالوان متعددة من سوء الفهم، وعلة التنّدر على فلسفته، خاصة من قبل الوضعيين المنطقيين).(1)، ومن هذه التعابيرالفلسفية الغريبة أخترنا:

- الموجود هناك أو الدزاين – يقصد الانسان – ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلا نهاية من العدم.(2)

- ونهاية الموجود هناك هو الموت، وهي هاوية أخرى للعدم.(3)

- أن محض وجود الموجود هناك هو ركض نحو الموت الى العدم، وهو محمول بذاته في داخله نحو العدم.(4)

نترك التعليق على العبارات المبتسرة من جملة تعابير يمتليء بها كتاب هيدجر الاكثر شهرة (الوجود والزمان) الذي لن يضيف تعليقنا شيئا يستر عريّ العبارت التي لا تقول شيئا يمكننا معاملته بجدية ومناقشة تفيد القاريء حتى على الصعيد الفلسفي الميتافيزيقي علما أن تفسيرات العبارات المذكورة هي أكثر غرابة في شرحها وتفسيرها من قبل صاحبها هيدجر....وأستشهد بعبارات أخرى أخف غرابة في تناقضها لما سبق ولا تعطي توضيحا فلسفيا مقنعا منها أيضا أقواله التالية:

- ان الوجودية تفهم الذات بمعناها الخلاق، فالانسان يخلق نفسه بنفسه، أنه هو هو، حريته هو. وترفض الوجودية التمييز بين الذات والموضوع، وتقلل من قيمة المعرفة العقلية في ميدان الفلسفة، وعنده المعرفة الحقة لا تكتسب بوسيلة العقل، بل ينبغي التعامل مع الواقع.(5) علما أن بداهة التعامل مع الواقع أو غيره لا تتم بغير مرجعية العقل الثابتة حتى في مباحث الفلسفة ، وكل أجتهاد فلسفي أو معرفي ينتقد وينتقص من مرجعية العقل النظري والعملي هو ضرب من العبث الذي لا طائل من ورائه.

وأفضل رد أجد تثبيته واجبا ملحّا قبل مغادرتنا هذا الطرح الميتافيزيقي بأسم الوجودية، هو للفيلسوف الفنان والموسوعي الايطالي (كروتشة): (ليس هناك غير حقيقة واحدة هي العقل، وأن العالم هو العقل فيه تتحد الذات والموضوع، الفردي مع الكلّي، والعملي مع النظري، وهو التركيب القبلي المكوّن من كل التركيبات، أنه التطور الخالص اللانهائي، سر بالنسبة لنا، لا نستطيع فض أختامه).(6)

يعتبر هيدجر الوجود – في – العالم، هي ليست علاقة ذات مع موضوع، وأنما يتمّيز بالاحرى بذلك النحو من الوجود الذي هو ال(هم) (7).

التناقض التفسيري البادي لمصطلح هيدجر الوجود في العالم، الذي يشير الى ديناميكية فاعلة بين الذات والموضوع الذي هو الكلّية المجتمعية، نجده في دعوة هيدجر تركيزا على أهمية الانعزال عن تلك المجتمعية الكليّانية لأنها تحتوي الذات بسلبية منقادة وتصهرها في رتابة الحياة التي تقوم على أشباع الغرائز والحاجات البيولوجية بما يطلق عليه هيدجر نسيان الوجود. ويعتبر هيدجر ذلك هو السقوط في الناسّية اليومية الذي هو في حقيقته وجود اللاحقيقة أو الموجود الزائف الفاقد لتمايزه الوجودي الاصيل.

حسب فهمنا لعبارة هيدجرأن الوجود الاصيل لا يتحقق من غير التواجد خارج الكليّة المجتمعية بنفس وقت صنع حياته بنفسه في تنمية ذاتية مميزة في وعي الوجود والوصول الى أعلى مراتبها  في أمتلاكه كامل الحرية التي هي أختيار متحرر من كل وصاية خارجية عليه باستثناء أحساسه الوجودي بانسانيته كذات تعي حريتها المسؤولة تجاه الاخرين.

هيدجر ومفهوم الموجود هناك

يعتبر هيدجر الوجود هو(أغمض المفهومات على الاطلاق، والوجود ليس سببه المتواجد، أنما هو الوجود الذي يحدد المتواجد (الانسان هناك) أو الديزاين.)(8) وماهية الموجود هناك (الانسان): (ليس هو ما يحتويه ذلك الموجود، وانما ماهيته تقوم في كينونته المتعينة، والذي يفسر تلك الماهية هو دائما هذه الكينونة.)(9) والموجود هناك وقد ألقي به في العالم القاءا، أنما هو يظهر الخطيئة في هيئة الصمت القلق .(10). ومنهج فهم ماهية الوجود هناك هو الفينامينالوجيا أو منهج الظاهراتية وهو ما يظهر نفسه بنفسه، وليس ما تظهره المظاهر والاوهام المبتذلة)(11)

أن الظاهرات هي غيرها الصفات الظاهرة الواضحة البائنة خارجيا في أدراك المحسوسات لها بصفات خارجية تكون في مقاربة مشابهة مع الموجود بذاته في تعالقه المتخارج معها، وأما الظاهرات التي تنشأ من تبادل العلاقة التخارجية للشيء في وجوده المتفاعل ضمن علاقات عديدة مع الاشياء الاخرى(المواضيع) التي يرتبط بها وكذلك تأثيرات أشياء الطبيعة على تلك العلاقات المشّكلة للظاهريات في تعالقها مع الوعي.

أن الظاهراتية حسب هيدجر (هي ما يظهر نفسه بذاته)، بينما تكون الظواهر هي الصفات الخارجية المحسوسة او المدركة عن الاشياء الجامدة أو الثابتة في الطبيعة بلا وعي ولا أدراك ذاتي لها من حاملها كما هي عند الحيوان والنبات.

وفي هذا النوع من التفريق تكون الظواهر المدركة حسّيا ثابتة بالقياس الى عملية الادراك التي تطال كليهما أي الظواهر المتعالقة مع الوجود، والظاهرات غير المدركة من الآخرالتي تنشأ في علاقة الموجود مع أشياء الطبيعة وعالم الموجودات.

بعبارة أخرى الظاهرات هي ما يفصح عن الوجود في تعبيره عن أصالة حقيقية لذاته في وعيه الموضوع، وديناميكية تنموية للذات ملازمة على الدوام، وليس في أفصاح الصفات التي تخلع على (الموجود هناك) تمييزا من خارجه في ادراك المحسوسات والعقل لها، ويعبر هيدجر عن فهمه أصالة الماهية انها تقوم على..... (استخلاص المتواجد من العتمة ).

كيف يحقق (الموجود هناك) أصالته الوجودية؟

نستطيع القول بضوء بعض آراء هيدجر ألمجتزأة التي مررنا بها، أنه لكي يحقق الموجود هناك أصالته الوجودية الحقيقية عليه (أستخلاص تواجده من العتمة). في توفير أسباب أنسحابه وتخليصه منها، التي هي في مستوين من تخليق الوجود الواعي الحر للانسان هناك :

المستوى الاول: هو الانسحاب من العتمة أي من حالة اللاوجود الحقيقي حسب تعبير هيدجر، التي هي اللاوجود لما هو موجود، أي في نفي الموجود من العتمة أن يكون موجودا وجودا، وهذا الضياع لا يمّكن الموجود أن يكون في واقع يمتلك فيه الموجود هناك - أي الانسان - كامل حريته وأرادته في اختياراته واتخاذه قراراته، أذن من المتعذر أن يكون خلاص (الموجود هناك) بغير وجود يؤمن له حرية القرار في الاختيار كي يتمكن تحقيق وجوده الاصيل، وجود تكون فيه (الانا) في أعلى ممكنات الوعي الطموح والتمّيز، وأن معيار الوصول الى هذا الوجود النوعي، أنما يكون في الوعي ذاته المالك لاقصى طاقة من الحرية الانسانية المسؤولة والمسلوبة من الانسان في وجوده المغيّب الزائف في العتمة وضياعه في اللاوجود.

المستوى الثاني: يتم أيضا عبر الانسحاب من الوجود الناسّي، أي الانسحاب من الكليّة المجتمعية الزائفة(العتمة). كون الانسان موجود في عالم فاقد، وقائم على أستهلاك طاقاته الخلاقة من حيث فقده لوجوده الحقيقي في مجتمعية كليّانية لا تناسب طموحه في التحرر من سطوتها التي تمنعه من تحقيق ذاتيته الفاعلة التي يكابد في الوصول لتحقيقها الموجود بالخروج المتحرر من سجنه في الكلية المجتمعية الاستلابية التي هي العتمة أي اللاوجود.

طبعا هنا الانسحاب الذي يدعو له هيدجر، من الناسّية او الكليّة المجتمعية بمقدار الأمل الايجابي الكبير الذي يمكن تحققه أو/ لا، يرافقه حتما أغتراب سلبي زائف على مستوى أنعزال الفرد الطبيعي في عدم مجانسته الواقع الذي لا يمكن الا أن يكون خاضعا منقادا فيه الى تلك الكليّة التي تضمن له حياة تشبع له غرائزه وحاجاته في الحياة اليومية ربما يكون هو الموجود راضيا عنها ، ويكون خطأ قياس معياريتها فلسفيا بالفهم الوجودي الصادر عن الآخر أنها وجود أصيل أو زائف،وهذا لا يحدد أصالة الموجود من زيفه غير الشخص المعني وحده الانسان لأجل ذاته، واذا نحن استعرنا لفظة تعبير كولن ولسون فاللامنتمي الذي ينسحب من الكليّة الاجتماعية، والذي يطمح الخروج من حالة هذا الاغتراب الانعزالي الارادي الطوعي في عتمة ضياع الوجود الحقيقي، لتحقيقه موجود متمايز أصيل بعيدا عن أنغماسه في الكليّة المجتمعية الزائفة التي تهدر طاقاته في رتابة الحياة اليومية واشباع غرائزه وحاجاته الاستهلاكية،أنما يكون الاساس في الاختيار الناجح او الخطأ هو تقدير الموجود نفسه لحالته ولا أحدا غيره ينوب عنه.

أن تحقيق هذا النموذج من الوجود الانساني لا يكونه ويمّثله شخصا عاديا بمواصفات فكرية وثقافية محدودة، وأنما يشترط أن يكون الفرد اللامنمي وجوديا يمتلك مواصفات عالية من فهم الحياة بعمق وجدّية أكثر من اللازم والمطلوب المعتاد منه في أن يعيش الحياة بما يجده يؤمن رضاه عنها. وليس بما يريده الاخرون تحقيقه منه بمعيارية قياسية تقوم على المفهوم الفلسفي الوجودي أو غيره وليس من واقع الحياة ومجرياتها.

فالوجود الحقيقي يتحقق بالفعل المنغمس بالحياة وليس بالافكار المجردة التي تقوم على وصف المطلوب غير المتحقق أو الممكن...والوجود الحقيقي هو الوجود الذي يبني وعيه ذاتيا بقدرات ديناميكية مصدرها الفعل الواقعي المجتمعي وليس الفكر المجرد في وصف طريق الحياة بالكلمات.

الوجود الحقيقي هو فعل الانسان في المشاركة بصنع الحياة وليس باستهلاكها في أشباع غرائزه وحاجاته. والموجود الحقيقي لا يتحقق في وجود مفروض من خارج الموجود في صفاته البايولوجية من جهة، ولا في أختيار الذوبان في تفاهة الحياة المجتمعية الكليّانية التي عمادها أستنزاف حياة الموجود في تلبية وأشباع رغباته الاستهلاكية منها.

الموجود أو السقوط في الناسّية او المجتمعية الكلية الزائفة تجعل من الانسان الممّيز بمواصفات لا يمتلكها الآخرون رقما أفتراضيا غير نوعي تحتويه (القطيعية) التي يساق أفرادها خلف الوجود المجتمعي الاستهلاكي في تأمين الحاجات وأشباع الغرائز ضمن حياة تقوم على رتابة ممّلة لا يتمكن الانسان تحقيق وجوده الكامل فيها وبين ناسها التي تحكمهم جميعا استهلاكات الوجود البايولوجي اليومي في أدامة البقاء على قيد الحياة ومحاولة جني أكبر قدر من اللذة منها قبل أن يدرك الموجود هناك الفناء بالموت.

وهذا النوع من الوجود البوهيمي ترفضه الوجودية متجاهلة  بديهة أجتماعية هي أن ليس كل الناس أصحاب مباديء يضحّون من أجلها بالحياة الاستهلاكية والاستمتاع باللذة المتحققة.هذا في حال أفتراضنا أن أفكار وجودية الستينيات من القرن العشرين الفلسفية لا زالت صالحة تمتلك تخليص الحياة القهرية بالانتحارأو الاغتراب في عالم اليوم الأشد تعقيدا.

وتؤكد الوجودية ضرورة حصول الافراد على نوع من الوجود النوعي المائز، المعبّر عنه في أختيار واع متحرر يجد الفرد فيه حقوقه الانسانية ضمن مجتمع وكليّة مجتمعية متجانسة في طموحاتها نحو أمتلاك الحرية المسؤولة التي تخرج الفرد او الافراد من سجن الاحتواء ضمن الكليّة المجتمعية الزائفة التي تجعل من وعي الذات الوجودي الاصيل بحكم التمرد المشروع في الخروج على قوانين وضوابط الكليّة المجتمعية الاحتوائية الزائفة...حاجة ضرورية في خلاص الانسان من واقع الحياة القهري الى وجود يمتلك فيه حريته وأنفراده باتخاذ القرار الذي يناسبه وقدراته الثقافية والعلمية.

لكننا نجد من المفارقة أن الوجودية بهذا الفهم الستيني من القرن العشرين أنما رفعت شعار بوذا(أبحث عن خلاصك بنفسك) ليس بروحانية متسامية تعويضية في منح الانسان البوذي الصوفي او الموجود هناك الذي هو الانسان العادي أطمئنانا حقيقيا غير زائف يختلف كليّة عما تطلبه الوجودية من خلاص مادي في مجتمع أستهلاكي غارق بأعلى درجات الضغط النفسي والقلق وأنعدام الأمل والمصير اليائس بالحياة....

نقد هامشي

لنبدأ بمناقشة عبارة هيدجر التي سبق لنا ذكرها هي ( الانسان لا يملك وجوده لانه هو هو وجوده في حريته).

عند أمعان التأمل المفكّر بهذه العبارة نجدها تشي وتشف عن تثبيت عكس ما تريد نفيه، فالانسان لا يمتلك وجوده الحقيقي الا من خلال امتلاكه وعيه الحقيقي في أهمية امتلاكه لوجوده في الحرية، وهذا الوجود نوع من الكليّانية والكينونة المتكاملة الموحدة الواحدة، ولا يتحقق الموجود الحقيقي من دون أكتمال بايولوجي متحقق فيه هو أولا.

الكينونة الانسانية موجود حقيقي معطى للانسان في الوجود النوعي ضمن مكوّنات الطبيعة، والانسان لا يحاكم نفسه ذاتيا في حقيقة وجوده من غير أمتلاكه الوعي المسّبق لذلك الوجود الحر وما هي سلبياته وايجابياته .

كما أن الانسان في كينونته وكليّانته البيولوجية المتكاملة موجود لا يمكن تقسيمه الى موجود مادي تارة، ولا الى موجود سايكولوجي منفرد أخرى ، ولا الى موجود قيمي انساني أو أخلاقي تارة ثالثة. فالانسان الموجود هناك هو الذي يعي ذاته وكينونته الوجودية، يعيها في تكاملها البيولوجي الطبيعي قبل وعيه الوجودي الفلسفي الفكري التجريدي لها، سواء أكانت ضمن كليّة مجتمعية زائفة أو كليّة مجتمعية متجانسة في طموحها الوجودي الحقيقي في تحقيقها قيم الخير وتأمين العيش في متطلباته المادية وأن كانت في حقيقتها كليّة اجتماعية استلابية في أحتوائها الموجودات بسلبية استهلاكية للحياة.

أو كانت في عتمة عدمية من اللاوجود. وفي حال تسليمنا أن الانسان هناك حسب التعبير الهيدجري لا يملك وجوده لأنه هو هو وجوده في جميع ومختلف الاحوال، فمن يمتلك ويسلبه وجوده غيره أذن ؟ وبالنسبة لمن هو لا يمتلك وجوده الاصيل؟؟ وما معيارية تحديد وجوده الزائف في كليّة مجتمعية طبيعية أو زائفة ؟؟

لا يشترط أن يكون الزيف في المجتمع خاصة المحكوم بقوانين وضعية ديمقراطية عادلة هي مزيج من تأمين حقوق الانسان بالحياة الديمقراطية قبل أحتمالية أن يكون الخلل غير الطبيعي في أمتلاك الموجود الاسمى هو قصور في قدرات ومؤهلات الفرد المتجانس وليس المجتمع المدان.

الوجود الانساني الحقيقي لا يقاس بغيرمعيارية (الفعل) التنموي بوعي الذات وبنائها. والانسان فعل نوعي وجودي حيوي نامي قبل أن يكون كائنا أنطولوجيا لا يمتلك من أمر دنياه شيئا. والوعي الوجودي الديناميكي الذي يطالب به هيدجر، هو وعي يدرك صاحبه أهمية أمتلاكه لموجوده الحقيقي. عندما يكون هذا الموجود هناك هو سيرورة من التنمية التخليقية المتصاعدة كي يخلق الانسان نفسه بنفسه كما ترغب الوجودية في أدبياتها.

لذا لا يكفي الانسان المائز المتمّرد المنفرد الانسحاب من الكليّة المجتمعية التي هي الحياة المتوفرة له ولغيره بنفس المعايير والمعطيات الحقوقية الممنوحة، من غير أمتلاكه مؤهلات التمايز الذي يبنيها بقدرات ذاتية استثنائية تجعل من أعتزاله المجتمعي أمرا ناجحا ومحققا لأهدافه في تمايزه الادراكي النوعي لمعنى الحياة.

أي بعبارة أخرى الانسحاب من السقوط في الكليّة المجتمعية لا تفيد أفرادا لا يمتلكون المؤهلات الاستثنائية في تشكيل وجودهم والتأثير بالمجتمع.، بل تفيد أو/ لا تفيد سوى الافراد الذين يمتلكون وعيا حقيقيا عميقا في معنى الوجود ومعنى الحياة.بمعنى الموجود الذي يحقق تواجده الحقيقي أنما هو موجود نوعي وليس موجود مجتمعي لا أرادة ولا وعي متحرر يهديه.

جميع أبطال روايات وأعمال سارتر المسرحية هم أفراد متشيؤون يريدون فهم الحياة بجدية أكثرمن اللازم وعمق نقدي جوهري نافذ لما تحتاجه الحياة منه، لذا يكون سقوطهم المحتوم في لا معنى الحياة ضرورة وجودية في حياتهم كي يتطابق لامعنى الحياة في الوجودية مع الواقع الحتمي المفزع الذي طالما حاول الانسان الهرب من مواجهته واستحقاقاته.

وبحسب تعبير سارتر أن الوجود الحقيقي المتمايز لا يتحقق الا ضمن فاعلية من التنمية في تخليق الانسان لوجوده الموجود وبناء نفسه في وتيرة متصاعدة من السيرورة في الحياة. وفي أمتلاكه كامل حريته لأنها أساس كل أختيارناضج صحيح يكون معيارا حقيقيا لأصالة الموجود...وهذا ما لا يتوفر عليه وجود الانسان بداية القرن الواحد والعشرين وربما قبله بما لايقل عن نصف قرن، وربما تكون هذه الافكارالوجودية في الستينيات من القرن العشرين مسلمّات حياتية وجودية تمتلك من الصواب الكثيرفي أعقاب حربين عالميتين. .لكنها اليوم فقدت بريقها تماما.فمبحث الوجود وأن كان منذ نشأة الفلسفة مبحثا مركزيا ومحوريا تتفرع عنه سائر فروع مباحث الفلسفة في المعارف والقيم، الا أنه كمفهوم فلسفي أختلفت رؤى النظر له وتباين منطلقات معالجته ومحاولة فهمه.

مباحث الفلسفة اليوم تختلف جذريا عن مباحث الفلسفة منذ القرن السادس ق.م. وصولا القرن العشرين الفائت، ولا يكفي باحثي تاريخ الفلسفة من العرب اليوم وسط هذا التقدم العلمي والمعرفي الهائل أن يكون عرضهم لافكار فلسفية عمرها عشرات او مئات من القرون على أنها وجهات نظر فلسفية لا تزال تحمل مقومات فاعليتها ولم يتمكن العلم ولا فتوحات المعرفة والفلسفات الحديثة والمعاصرة دحضها...بموجز عبارة بعيدا عن الاملائية نحن بحاجة الى نقد فلسفي وليس لعروض فلسفية.

وممارسة الموجود للحرية هي ألزام والتزام بمسؤولية وعي الذات لانسانيتها، لذا فالحرية هي وعي وجودي يمارسه الانسان بامتلاء ذاتي والتزام أنساني، وهذا لا يتوفر في كينونة فردية لا تمتلك وعي وجودها في ذاتية متداخلة في وجود مجتمعي مع عالم يمور بالحياة في متنوعاتها الاستهلاكية اللذائذية.أي سقوط الموجود هناك في الناسية المستلبة لطاقاته ولا يمكن أن يكون بمؤهلات تمّكنه بناء وعيه الذاتي الحقيقي بالحياة.وهذا النوع من الحياة لا يرفضه ولا يرضاه سوى الموجود الانسان وحده.

في عبارة اخرى لهيدجر أستوقفني التعليق عليها قوله ( الانسان ذاتية خالصة، وليست مظهرا أو تجسيدا لتيار حيوي أشمل منه هو التيار الكوني)(12)

أنه لمن المهم أعتبارالموجود الحقيقي في المدرك الزمني له مجتمعيا، هو المعيار الانساني في سعيه تحقيق تنمية أنسانية تحمل كل فضائل الحياة ، وقدر الموجود الانساني الحقيقي أن لا يكون ضمن تجانس محيطي مجتمعي أو غير متجانس مع تطلعاته في التنمية الوجودية. الموجود الانساني في الطبيعة والمجتمع هو كينونة مدركة في متعيّن زماني وجودي مدرك غير مفارق لطبيعته. ويصفه هيدجر بالموجود هناك، الذي هو وجود مع، وجود بالاشتراك مع(هم).

وأدراك الكينونة الانسانية أو بعضها من تكويناتها الماهوية من خلال أفتراض تعطيل الزمن ألادراكي الذي يحكم قوانين الطبيعة شاملة هو نفس الزمن الذي يحدس الوجود الكوني من غير وجود أنساني مائز متفرد فيه. الطبيعة والوجود والزمان والادراك وغيرها من مفردات فلسفية لاقيمة حقيقية  لها في حياة الانسان من دون أعتماد مركزية الانسان ومعاناته كمحور أرتكاز في أيجاد وجود جمعي مثمر وهادف، في فهم الحياة والوجود الانساني النموذجي.وتضحية فرد لا تضمن ولا تقود بالضرورة أنقاذ مجتمع، لكن تضحية مجتمع ضمانة أكيدة لتوفير حياة يرضاها الجميع كأفراد.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش

1- ا.م.بوشنسكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ت. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة، ع165/ص 218

2- المصر السابق ص 216

3- المصدر السابق ص 216

4- المصدر السابق ص 217

5- المصدر السابق ص 117

6- المصدر السابق ص 220

7-المصدر السابق ص 219

8- المصدر السابق ص 218

9- المصدر السابق ص 221

10- المصدر السابق ص 224

11- المصدر السابق ص 219

12- المصدر السابق ص 221

 

 

زهير الخويلديتمهيد: عديدة هي الإحراجات والمشاكل العملية التي تطرحها المسائل النظرية سواء في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي ومن فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك وتجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما يتم الاعتداء على السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم.

كل هذه المصاعب هي بمثابة ورطات ووضعيات حدية تجعل الفلسفة الأخلاقية في زمن العولمة ضرورة وجودية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته وتحقيق كونية أصيلة تصالح بينه وذاته والآخر والعالم في فضاء مشترك شهد تسارع نسق التواصل الذي كشف هو الآخر عن احتياجه إلى إيتيقا تصالحية ترتقي بالمرء من مجرد كائن اتصالي إلى أن يكون كائن تواصلي بامتياز.

من البين إذن أهمية الأخلاق في المجتمع البشري إذ يؤدي فقدان الأخلاق الطيبة إلى الأمراض الجسدية والنفسية واعتلال الصحة والجهل بالمصير وصعوبة تحمل نوائب الدهر؛ ولذلك استحق الكائن العامل الوحيد لقب الإنسان بما يحمله من خلق يعبر به إرادته وحريته ومسؤوليته.

على هذا النحو تبدو فضائل الأخلاق من الأركان الأساسية لسعادة البشر وتكامله المادي ورقيه المعنوي.وإن الوجود اليومي للإنسان يعلن الحاجة الملحة لاستعادة الفلسفة الأكسيولوجية، وقد نتج عن ذلك ازدياد الطلب على الأخلاق بشكل متزايدا خاصة في ظل غيابها في ساحة المجتمع.

لكن المفارقات تظهر حينما تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بالأخلاق؟ وماهو مفهوم الخير؟ وكيف يمكن تعريف السعادة؟ أليست السعادة هي الخير الأسمى؟ وألا تتناقض الخيرات الجزئية مثل الشهرة والثروة والصحة والسلطة والنجاح مع السعادة كغاية في حد ذاته؟ ومتى يكون الفعل خيرا؟ ومتى يكون شرا؟ ماهي شروط انجاز الفعل الخير؟ وهل يحقق عمل الخير السعادة الإنسانية؟

الإنسان مدني بالضرورة ويحتاج إلى الأخلاق الفاضلة والاهتداء بنور القيم وتوجيهية المعايير لأن تدنيس المقدسات والرضا بحالة الفراغ والعدمية يؤدي إلى الضياع والحيرة والظلال في العالم والتصادم مع الآخر والإساءة إلى الذات والى الطبيعة .

1- من الأخلاق إلى الإيتيقا:

بادئ ذو بدء ينبغي أن نبين أن مفهوما الأخلاق Morale والإيتيقا Éthique متداخلان إلى حد كبير وقد يعنيان نفس الشيء وهما متماثلان في الفلسفة القديمة والحديثة.

ولكن بداية من الفلسفة المعاصرة وجدت العديد من المبررات التي تستوجب الفصل بينهما وظهرت عدة أنماط من التفلسف الأكسيولوجي التي تحاول رسم الحدود الفاصلة بينهما. هناك اختلاف بين مفهوم الايتيقا ومفهوم الأخلاق. فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، وحسن تدبير شؤون الحياة وهي أساسا وضع قواعد الأفعال. والأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة في عصر ما أو مجتمع من أجل الاقتداء بها.

لقد ميز ريكور الأخلاق تتمثل في القانون أو الواجب بما هو صيغة كونية مطلقة صورية ويلزم أفعالنا وتكمن قيمته في ذاته ولا يأخذ بعين الاعتبار اندراج الفعل في سياق التجربة الإنسانية. أما الأيتيقا فهي تفكير وزاوية في مقاربة الإشكاليات الفلسفية تستهدف "الحياة الجيدة الخيرة مع الآخر ومن أجله في مؤسسات عادلة" أي هي النظر في غايات الوجود الإنساني ضمن الذاتية الحية للأفراد بما هي ذاتية منغرسة في المعيش وتتساءل عن القيم مثلما تبدعها الذات ونحياها "الآن وهنا". ولكن تقدير الذات لذاتها لا ينفصل عن العناية بالآخر ولا يكتمل إلاّ بإقامة نوع من "العيش معا" إلى حد الحميمية يتجلى في قيمة الصداقة. على هذا النحو إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، وتعني البحث عن نسق من المبادئ يهدف إلى وجود بشري خير وسعيد، في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، وتتحدد كنظرية في الإلزام، نظرية في القانون والواجب الأخلاقي باعتباره قانونا لامشروطا وكونيا. ويجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. والإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل والحياة الخيرة وبالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إتيقا المحيط) والممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي والـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. ومن هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير والسعادة وإذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ هل في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟

2- الأخلاق بين الخير والمنفعة:

الخير عموما هو أن يجد كل شيء كمالاته اللائقة به بينما الشر هو فقدان ذلك. ومفهوم الخير هو الأساس الذي تبنى عليه مفاهيم الأخلاق كلها لأنه القياس الذي نحكم به على قيمة أفعالنا في الماضي والحاضر والمستقبل. أما الخير الأسمى المطلق فهو الذي يكون مرغوبا فيه من قبل كل إنسان بينما الخير النسبي هو الذي يكون خيرا عند بعضهم وشرا عند بعضهم الآخر.

يقول ابن سينا: "الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده...وقد يقال أيضا خيرا لما كان نافعا ومفيدا لكمالات الأشياء" ويقول ديكارت: "الخير الأسمى هو بالتأكيد الشيء الذي نضعه هدفا لكل أعمالنا والانبساط الروحي المتولد عنه والذي نسعى إليه هو غايتنا"

وينقسم الخير عند كانط إلى خير طبيعي محسوس وخير خلقي معقول وهذا الأخير هو الخير الأعظم والأسمى ويعنى عند بعض الفلاسفة الوجود الذي ليس لذاته حد ولا لكماله نهاية لأنه خير لذاته وبذاته.

"يبدأ تاريخ الطبيعة بالخير لأنها من صنع الإله ويبدأ تاريخ الحرية بالشر لأنها من صنع الإنسان" كانط

" لقد منح الله الإنسان الحرية لكي يفعل الخير والضمير لكي يريده والعقل لكي يختاره" روسو

الخير هو شيء أو حالة مرغوبة، ممتعة، أو ما يُعتبر من الناحية الأخلاقية أفضل من شيء آخر أو من حالة أخرى. والخير هو نقيض الشر أيضا. يُعرف الشيء الخيّر أو حالة الخير دائما بشكل نسبي لأشياء أو لحالات أخرى، وتعريفه هو دائما شخصي ذاتي متعلق بسياق الزمان والمكان والعلاقات بين البشر.

الخير كشيء ممتع عند الأبيقوريين وما يثير الإحساس بالمتعة أو بالرضا لدى البشر، والخير كمجد وشهرة والنجاح، وهناك تعريف ثالث للخير يقوم على الجدوى والمنفعة وما يعود بالفائدة على الإنسان. وكان جيرمي بنتهام قد عرّف المجدي على أنه ما يعود بالسعادة الكبيرة للعدد الأكبر" من الناس. من هذا المنطلق " يتفطن الإنسان بعد أن أمضى حياته في البحث عن الحقيقة أنه كان من الأفضل لو استغلها في فعل الخير" هنري برجسن. لكن كيف تجمع الأخلاق بين تحصيل السعادة والحياة الفاضلة؟

3- الأخلاق بين الفضيلة والسعادة:

السعادة لا تنتج عن اللذة بل إلى قبول الحادث باعتباره تعبيراً عن النظام. والخير هو الفضيلة وهي تعبير عن انسجام داخلي يتوحد مع انسجام العالم الكلي. وبالتالي ان السعادة نتيجة للفضيلة، والفضيلة كائن حي، فهي من حيث الماهية بالفكر تكون الرصانة العقلية والتروي والتحلي بالحكمة العملية.

ولكن في ربط مفهوم الخير والسعادة نتحدث عن أن الاتيقا حسب أرسطو " تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل، وترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني، والخير الأسمى هو السعادة، وهكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي، الذي يتماهى والفضيلة." وعند كانط نتحدث عن الأخلاق " يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب ."قلنا أن الأخلاق تهدف الى الخير لذلك نحاول تحديد العلاقة بين الخير والسعادة.

هكذا تكون السعادة هي الخير الأقصى فليس يفضلها شيء آخر يمكن أن يناله الإنسان فكل ما عداها هو وسيلة لبلوغ السعادة. ومن الطبيعي أن تكون الغاية القصوى من التفلسف هي تحقيق السعادة. لكن عند الرواقيين السعادة ليست فردية ولا يمكن لها أن تكون كذلك بل هي جماعية، فالاجتماع الإنساني هو بحد ذاته موافق للطبيعة وهو صادر عن امتداد التعاطف إلى خارج نطاقها.

خاتمة نقدية:

تبدو السعادة في المعنى الأول هي الخير الأسمى والغاية المطلقة التي تطلب لذلتها وينال الإنسان من ورائها الرضا الروحي والغبطة السرمدية والنعيم الدنيوي، غير أن المجتمع الاستهلاكي في عصر العولمة قد جعل السعادة رهينة التمتع بحياة الوفرة والرفاه في معنى ثاني تتناقض مع الخير، وبالتالي ان ما يعتبر السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية وكونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني والاقتصادي. ذلك أن تفاؤل الفلاسفة البراغماتيين جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة والذكاء الإنساني والإقبال على الحياة والاهتمام بإشباع الرغبات والاعتناء بالجسد، وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، ومن هنا بالذات يحصل الانزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة والفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.

فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، وأن يبحث كل فرد عن أكثر لذة وأقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، وبالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع وبالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية. لكن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية. أليس مذهب السعادة هو الذي يجعل الغبطة هي السعادة القصوى التي يشعر فيها المرء بالرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر؟ فهل تحصيل السعادة أمرا ممكن؟ وهل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليتعد العلاقة بين الفكر السياسي والفلسفة السياسية، علاقة عموم وخصوص مطلق ؛ بمعني أن كل فلسفة سياسية تعتبر نوعاً من الفكر السياسي، ولكن ليس كل فكر سياسي يعد فلسفة سياسية بالضرورة ؛ فقد يتجلى الفكر السياسي على صورة كلام سياسي أو نظرية سياسية أو حتّى فقه سياسي.

تعنى الفلسفة السياسية للأسس الفكرية بأسلوب انتزاعي بمباحث من قبيل: غاية الحكومة، وأدواتها، والعدالة، والحرية، والسلطة، والمشروعية، والسيادة، والعلاقة بين الفرد والحكومة. والفلسفة السياسية خلافاً للفكر السياسي لا ترمي إلي إحلال المعرفة محل الظن، ونظرًا إلي ما تقوم عليه من أسس عقلية فهي غير محدودة بزمان ومكان خاصين. والفلسفة السياسية بشرية المنحى تماماً، أما الفقه السياسي، فهو مجموعة المباحث الحقوقية التي تطرح تحت عناوين سياسية، وحقوق أساسية، وحقوق دولية؛ فالفقه السياسي بمعناه العام، هو عبارة عن جميع الإجابات التي يقدّمها الفقه عن المسائل السياسية، والحقوق الأساسية، والحقوق الدولية.

إذن الفكر السياسي أشمل من الفلسفة السياسية ومن الفقه السياسي؛ ويمكن القول بعبارة أخرى، أن الفكر السياسي الإسلامي، يشمل مباحث الفقه السياسي، والفلسفة السياسية، ولكن هل يمكن وصف الفلسفة السياسية، ذات الخصائص المذكورة أعلاه، بصفة الإسلامية أو لا ؟.

إن عملية تعريف الفكر السياسي الإسلامي، ليس عملية موضوعية بشكل مطلق، فهو كغيره من الحقول المعرفية الاجتماعية، يصعب تحديده، وضبطه، اسمًا ومسمي، ضبطاً جامعًا مانعًا، نظراً لما يكتنف هذا التعريف من صعوبات، يضاف لهذا أن علوم الأمة بحكم علاقتها التكاملية، تتأبى على وضع الفواصل القاطعة، والجامعة بصورة يصعب معها الادعاء باستئثار علم معين، واختصاصه بموضوع معين بشكل مطلق، وإذا كان الفكر لا بد له من مفكرين، فإن كثيرًا من شوامخ الفكر السياسي الإسلامي، كانت لهم إبداعاتهم، وريادتهم في علوم أخرى بصورة يصعب أن نشدهم إلي هذا الحقل ونخصهم به، فقد كانوا دائمًا يوصفون بالفلاسفة، والفقهاء، والمحدثين.

ويستدعي هذا ضرورة ضبط العلاقة بين مفهومي الشرع والفقه، وبين مفهوم الفكر عامة، والفكر السياسي خاصة، لما لذلك من أثر على تحديد حقل الفكر السياسي الإسلامي ضيقًا واتساعًا.

إن الفكر السياسي الإسلامي يمكن تعريفه، بأنه ذلك النشاط العقلي الذي يضم الآراء، والمبادئ، والأفكار لمجموعة بشرية معينة همالمسلمين، منذ أن نشأ لهم مجتمع سياسي، وتكونت للإسلام دولة منذ عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى عصرنا الحالي، بما يعني أن هذا الفكر له مراحله، ولهتاريخيشمل هذه المراحل ويضم الكتابات حول الأفكار، والمبادئ، والنظريات التي تخص حياة وأهداف المسلمين السياسية، والقواعد التي تحكم، وتنظم، وما يطلق عليه سياسي، ويخص المسلمينكأمةومجتمع سياسي.

والفكر السياسي ينطوي على حقل معرفي، له دلالات معرفية، هي خلاصة مفهوم مركب من ثلاثة مفاهيم فرعية: الموصوف وهوالفكر، والصفتان  لهالسياسيوالإسلامي، وكل مفهوم منها تختلف تعريفاته، بقدر ما تتشابه، وتتنافر بقدر ما تتجاذب .

وفي اعتقادي أن الفكر السياسي الإسلامي قد مر ابستمولوجيا (معرفيًا) بثلاث مراحل: المرحلة الوصفية، ثم المرحلة التجريبية، وأخيرًا المرحلة الاستنباطية. وهذه المراحل الثلاث التي اهتم بها الفكر السياسي الإسلامي، ترتبط ارتباطًا عضويًا بمراحل تطورية تناظرها في المنهج، أو المناهج المستخدمة في الفكر نفسه .

ويترتب على هذا المبدأ المعرفي أننا لا نستطيع أن نحدد – كما يحلو لبعض العلماء وفلاسفة العلم – منهجًا بعينه لفكر بعينه – حتي ولو كان ذلك في مرحلة بعينها من مراحل تطور الفكر، اللهم إلا إذا كنا بصدد التأريخ للفكر الذي نتحدث عنه. والسبب في ذلك أن أهم عنصر يتدخل في تشكيل هيكل، أو بنية الفكر هو المنهج المستخدم في بناء الفكر نفسه. ولكن المنهج الذي يعمل على إضفاء بنية جديدة للفكر، هو بالضرورة غير المنهج الذي تعارف جمهرة المفكرين على استخدامه. ويترتب على ذلك أن " فصل المقال في المنهج عن المقال في الفكر في أية مرحلة من مراحل تطور الفكر، هو دعوة إلي إعمال العقل، وباختصار فإن هذا يعني وضع الفكر داخل "سجن" الهيكل، أو البنية التي اكتسبها في المرحلة التي تم فيها عزل المنهج عن السياق التاريخي التطوري للفكر" (وذلك علي حسب رؤية أستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد في أطروحته عن التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم) .

أولاً: المرحلة الوصفية:

وأهم ما تتميز به المرحلة الوصفية، والتي هي المرحلة الأولي في تاريخ كل علم أو فكر، هو كونها مرحلة التراكم المعرفي الأولي، الذي تنطلق منه في بناء العلم. والعمل العلمي الأساسي في هذه المرحلة هو عمل تصنيفي. فالتعامل " مع الظواهر الجزئية التي لا تنتهي لا يمكن أن يتوقف إلا إذا قام العلماء بتصنيف هذه الظواهر داخل فئات مبدئية أو فرعية، حتي ولو لم تكن نهائية، بحيث يسهل التعامل معها مستقبلًا" .

وهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى للفكر السياسي الإسلامي في نشوئه وبداياته، هي تمثل " نوع الممارسة اليومية التلقائية التي يغلب عليها الطابع الايديولوجي، وهذه الممارسة قائمة على الإدراك الحسي المباشر الذي لا يتطلب أي نوع من أنواع الاستدلال، ولا يقتضي استصدار أحكام من أي نوع، فهي مرحلة لم تصل بعد إلي الصياغة النظرية للقواعد الأساسية. وبالتالي المرحلة الوصفية تعد مجرد مرحلة قاصرة على جمع البيانات عن كل الحالات الجزئية موضوع دراسة العلم، كما تعد أيضًا قاصرة على محاولة احصاء، ووصف، وتصنيف البيانات نفسها" .

وقد اتخذت المرحلة الوصفية صورًا وأشكالًا مختلفة بوصفها المرحلة الأولي في نشأة الفكر السياسي الإسلامي، ونستطيع أن نتلمس أحد أشكالها الأقل أهمية بالنسبة لموضوعنا في القرآن الكريم نفسه؛ وبالذات في هذا الوصف المفصل لحياة الأمم السابقة على الأمة العربية ولأحوالها وطرائق أنظمتها السياسية؛ فلقد اعتمد الفكر السياسي الإسلامي في أولي مراحل تكوينه وفي حياة الرسول نفسه (صلوات الله عليه) على " استعارة" بعض الأحكام الفقهية من العرف القانوني والسياسي الذي كان معمولا به قبل الإسلام ، وذلك بجوار مجموعة الأحكام التي جاء بها القرآن ونصت عليه السنة الصحيحة .

فالثابت تاريخيًا أنه كان للعرب قبل الإسلام عرف قانوني وسياسي يحتكمون إليه حين يختلفون، ولم يكن هذا العرف موحدًا في الأحكام، بل كان يختلف من قبيلة إلي قبيلة، ومن مدينة إلي مدينة كاختلاف أعراف مكة من أعراف يثرب ، واختلطت عادات العرب وتقاليدهم قبل الإسلام بعادات وتقاليد أصحاب الشرائع السابقة في الإسلام ، وكان منها ما هو صالح ، وكان منها ما هو فاسد.

وجاء الإسلام ووقف من عادات العرب قبل الإسلام مواقف مختلفة، أقر طائفة منها على ما كانت عليه، وألغى طائفة أخرى، كما عمد إلي طائفة ثالثة أبقى أصلها وعدل من حكمها. ويمكننا أن نفترض أن عملية قبول الأحكام ، ورفض البعض الآخر، وتعديل البعض الثالث تتطلب أن "يقوم " المشرع " بعملية إحصاء وصفي لمختلف أضرب السلوك التي تنضوي تحت شكل أو فئة واحدة، فيقر بعضها ويرفض البعض الآخر".

ومن جهة أخرى، فقد كان الفكر السياسي الإسلامى بشهادة الكثير من الباحثين والدارسين، "خلال القرن الأول والثاني للهجرة، شفهيًا متمثلًا متضمنًا بجانب بعض آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) أفكارًا سياسية حوتها بعض كتب التاريخ، وكتب الأنساب، والطبقات، والتراجم والسير، وكتب الأدب والمعارف، وكتابات أصحاب الفرق الكلامية، والتي يمكن أن نطلق عليها بأنها تمثل أحد أهم المصادر المهمة" ، والتي ينبني من خلالها الفكر السياسي الإسلامي في تلك المرحلة الوصفية القائمة على مبادئ ومفاهيم عديدة، ومن أهمها:- نشأة الدولة الإسلامية، ونظام الحكم، والخلافة، والعلاقة بين الحاكم، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:-

1- نشأة الدولة الإسلامية:

ناقشت كتابات المؤرخين وكُتاب السير، والتراجم، والفرق الكلامية قضية نشأة الدولة الإسلامية، وكيف أوجد الإسلام هذه الدولة من العدم، ومد أطرافها في كل الاتجاهات، وجعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول وتتقرب إليها الممالك. والقرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة؛ حيث بشرهم بها، ووعدهم بقيامها، ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة، وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها.

ولقد كانت البشري الأولي بقيام الدولة الإسلامية، بمثابة التشجيع ، والتقوية للمسلمين، وحضهم على الصبر، والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب، ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا. أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة، فكانت بشرى ووعدًا من الله - جَلَّ شَأْنُهُ - باستخلاف المسلمين وبسط سلطان الدولة الإسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها، وبإبدالهم من الخوف أمنًا ومن الضعف قوة .

ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وُعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها بعد الهجرة إلى المدينة، فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة، ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم، ونبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الإسلامية، التي قدر لها أن ترث الأرض، ووعد الله بالتمكين لها، وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله، وذلك بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر الذي ينكره الإسلام .

وكان الرسول صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ - أول رئيس لهذه الدولة الناشئة، فجمع برئاسته للدولة بين صفتين: أولاهما صفة الرسول، فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس. والثانية: صفة الحاكم فهو يرأس الدولة، ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها، ويعلن الحرب،  ويعقد الصلح ، ويبرم المعاهدات، ويعين القواد، والحكام، والقضاة ويقيلهم، ويصرف الشؤون المالية، والقضائية، والسياسية، والإدارية .

وكان الرسول- صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ - يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام، فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص وما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه إن نزل فيه الوحي بشيء فإن لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم ولم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الإسلامي واتجاهاته العليا. قال ابن تيمية:" .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولّي في الأماكن البعيدة عنه كما ولّى على مكة عتاب بن أسيد وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وكذلك كان يؤمر على السرايا ويبعث على الأموال الزكوية السعاة، فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن .. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستوفي الحساب على العمال ويحاسبهم على المستخرج والمصروف " .

وعندما انتقل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، ظهرت الحاجة إلى البحث فيمن يلي الأمر بعد الرسول، وهرع المسلمون دون إبطاء إلى اجتماع السقيفة للتشاور والنظر أول اختلاف يحدث بين المسلمين عقب انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه، فهو كما يصفه الإمام "أبو الحسن الأشعري" (330هـ - 901م) بأنه:"أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - اختلافهم في الإمامة "، ولكن الاختلاف هنا كان سياسيًا محضًا، وليس دينيًا، ولم يتسع لأكثر مما حدث؛ إذ سرعان ما عاد عامل الدين بسلطانه القوى، فأدى دوره في تهدئة النفوس والمبايعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وشهدت خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه فترة قصيرة، فضلًا عن أنها شهدت قتال المرتدين لبناء استقرار الدولة الداخلي، وتوسعها بالجهاد والفتح، لتشهد عصر بناء المؤسسات في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مما سهل بناء القواعد والأصول ؛ أى بما يطلق عليه بناء وتأصيل الثوابت والمنطلقات، سهل ذلك كله التفاف الصحابة الكرام حول الفاروق عمر، وعلى رأسهم الإمام "على بن أبي طالب" كرم الله وجهه، وبقية أهل الرأي، والمعرفة، والاجتهاد، وكذلك عبقرية عمر بن الخطاب، ومعرفته الاجتماعية، والشرعية الفائقة بالرجال، وشجاعته، وجرأته بالحق، فضلًا عن عُمر الخلافة الطويل الذي سهل تشييد البناء المؤسسي عمومًا، ولو لم يكن الاستقرار السياسي واقعًا ملموسًا – وهو الذي تم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه – لما أمكن تحقيق البناء المؤسسي الذي تم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

لقد كان الفاروق عمر بما صاغه من مؤسسة شورى حاكمة قريبة من مصدر القرار مؤصلًا لقواعد فقهية سياسية ورؤية ثاقبة تجلت بعض ملامحها في النحو الآتي:

أ- تقديم استقرار الأمة ووحدتها على الرغبات الفردية، وتجلى ذلك في ترشح أهل الشورى من قبله ليبتوا في الخليفة بعده، ولم يرض أن يتولاها ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، مع منزلته العلمية الرفيعة .

ب- تقديم مصلحة الدولة على مصلحة الأفراد، ولو كانوا فاتحين، وقد تجلى ذلك في عدم تقسيم سواد العراق، مستدلاً بقوله تعالى " كي لا يكون دُولّةً بين الأغنياء منكم".

جـ-  طبيعة تداول السلطة تقوم على اختيار الأكفأ والأصلح، وتجلي ذلك في تحديد السنة المؤهلين للحل والعقد من كبار الصحابة .

د- ميزان الاجتهاد في الإسلام يقوم على الاجتهاد الجماعي أو المؤسسي، وهو الأمثل للإجماع، لا سيما بعد تحولُ العالم اليوم إلى قرية عالمية واحدة ، وقد كان فعل الفاروق عمر (رضي الله عنه) في جميع البدريين لكل حادثة وواقعة تحتاج إلي اجتهاد دولة، وليس اجتهاد فرد.

2- نظام الحكم:

تحدثت كثير من المصادر الأساسية في الإسلام،  كالقرآن والسنة النبوية أنها لم تتعرض لتفاصيل نظام الحكم وسياسته، وإنما اقتصر دورها على تحديد بعض المبادئ العامة، والأسس الثابتة التي يجب أن يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي، ومن هذه  الأسس:

أ- السيادة أو الحكم لله: تعنى صاحب السلطة العليا في المجتمع والدولة، وفي الدولة الإسلامية هناك إجماع على أن السيادة لله وحده. و يتبع عملية الاعتراف بالسيادة والحكم لله وحده ضرورة التقيد بشرعه وتعليماته التي يحددها الدستور الإسلامي في مصدرين أساسين، وهما القرآن والسنة النبوية؛ حيث يقول تعالى " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، هذا بالإضافة إلي مجموعه من المصادر الثانوية أو الوضعية مثل الإجماع والاجتهاد والقياس ونهج الصحابة الأوائل .

ب- العدالة: تشكل العدالة بمعنى الحياد وعدم التحيز المبدأ الأصيل الذي يقوم عليه النظام السياسي. ويقوم هذا المبدأ على إعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ مفهوم العدالة من قوله تعالى " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "، وقد اعتبرت العدالة شرطاً ضرورياً من شروط الإمام.

جـ- الشورى: وتعنى تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة واختبارها من أصحاب العقول، حتى يتم التعرف والوصول إلي أصوبها وأحسنها للعمل به، والشورى واجبة على الحاكم وليست اختيارية. تطبيقاً لقوله تعالى "وشاورهم في الأمر"، ولكن يجب أن يفهم بأن وجوبيه الشورى تتعلق بالأمور التي لم يرد فيها نص.

د- المساواة: ينظر الإسلام إلي البشرية على أنها شعب واحد . ويقرر الإسلام مبدأ المساواة بصوره مطلقه بغض النظر عن اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الحالة الاجتماعية، والاقتصادية، وتقوم المساواة في النظام السياسي الإسلامي على أساس أن الناس متساوون أمام القانون وأن المساواة تكون في الحقوق والواجبات  .

3- الخلافة:

كانت الخلافة الإسلامية من أهم القضايا التي شغل بها الفكر السياسي الإسلامي وثار حولها جدل طويل وصراعات مريرة، نشأت مشكلة "الخلافة والإمامة" من خلال النقاش حول أزمة الخلافة التي تفاقمت بعد مقتل "عثمان بن عفان "، ثم انتصار معاوية بن أبي سفيان على "على" كرم الله وجهه، وتحويله الخلافة إلي ملك وراثي، وهو النقاش الذي استمر فترة طويلة بين أهل السنة والشيعة، فأهل السنة يؤكدون أن الخلافة هي نظام الحكم في الشريعة الإسلامية الذي يقوم على استخلاف قائد مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية . وسميت بالخلافة لأن الخليفة هو قائدهم وهو من يخلف محمد رسول الله في الإسلام لتولي قيادة المسلمين والدولة الإسلامية وعليه فإن غاية الخلافة هي تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وحمل رسالته إلي العالم بالدعوة والجهاد .

بينما الخلافة عند أغلب فرق الشيعة كالإمامية والإسماعيلية موضوع أوسع من الحكومة بعد الرسول، فالخلافة عندهم إمامة والخليفة إمام، وهي بذلك امتداد للنبوة، وكلام الإمام وفعله وإقراره حجة ويجب الأخذ به، حيث اتفق علماؤهم على أن الإمام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على حقائق الحق في كل الأمور إلا أنه لا يتنزل عليه الوحي وإنما يتلقى ذلك من النبي.

فالخليفة عند السنة يخلف بتعيينه حاكماً على الأمة في السلطان وفي تنفيذ أحكام الشرع، وعند الشيعة هو الإمام ولا يشترط أن يكون الإمام حاكماً. والخلافة لا تكون لمدة محدودة فما دام الخليفة محافظًا على الشرع منفذًا لأحكامه يبقي، وإن خالف الشرع أو عجز عن القيام بشؤون الدولة وجب عزله حالًا، ويصبح المسلمون في حل من بيعته. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

نحاول من خلال هذه المقالة أن نسائل الفيلسوف الفرنسي جان بول سارترJean Paul Sartre، عن الاختلاف العميق والمنعطف الحقيقي الذي تؤسس له الفلسفة الوجودية من حيث هي نزعة انسانية، لنثبت معه أن الفلسفة الوجودية هي فلسفة تبدأ من الذاتية Subjectivité، لتفكر في الإنسان كوجود لذاته Pour soi، على ضوء مجموعة من المفاهيم المتداخلة فيما بينها، من قبيل الحرية، المسؤولية، القلق، السقوط والآخر، وهي كلها مفاهيم تنطلق من فكرة أسبقية الوجود على الماهية، التي هي المبدأ الأول والأخير في الوجودية،.

سنعرج أيضا في هذه المقالة على بعض الفلسفات التي تميزت بنزعتها الإنسانية، وإن كانت بطريقة أكثر اختلافا عما جاءت به الفلسفة الوجودية عند سارتر. لنخلص في نهاية هذه الورقة إلى أن عمق الفلسفة الوجودية من حيث هي نزعة إنسانية، هو الذاتية، فليس ثم عالم غير العالم الإنساني عالم الذاتية الإنسانية. 

لم تكن الفلسفة يوما فكرا متعاليا عن الذات الإنسانية، وإن تغيرت المفاهيم وهاجرت من بساط فكر إلى آخر، "فما من اتجاه فلسفي إلا ويصطبغ بروح النزعة الإنسانية"[1]. فمنذ اللحظة الرومانية التي تعود لها أول نزعة إنسانية، ارتبط المفهوم "بالتفكير والحرص على أن يكون الإنسان إنساني وليس لا إنسانيا ومتوحشا أي خارج ماهيته"[2]. فخلال هاته المرحلة سيمتزج العمق الهلنستي بالأصالة الرومانية، وسيتم التفكير في الإنسان كماهية كونية. أما في الفكر الصوفي فإن الشيخ الأكبر ابن عربي قد "رسم أفقا كونيا شموليا للإنسانية يستوعب اختلافاتهم وتنوعهم ويجعلهم وكأنهم شخص واحد"[3]. أما النزعة الإنسانية عند ماركس فلا تتجاوز محدداتها الاجتماعية، فالإنسان إنساني عندما يحقق رغباته الطبيعية والاقتصادية. كما يرتبط مفهوم النزعة الإنسانية من الناحية الفلسفية "بسؤال الذات، وإمكاناتها الوجودية، وهو أيضا علامة أساسية على الوعي بقيمة الإنسان ودوره في تأسيس معنى الوجود وتحقيق مشروع الإنسانية والارتقاء بوضعها"[4]، فالنزعة الإنسانية هي عودة للذات وفرار إليها. فليس هناك عالم غير العالم الإنساني، عالم الذاتية الإنسانية subjectivité humaine.

لكن ما يميز الفلسفة الوجودية ويجعل منها محض نزعة انسانية Humanisme، عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر J-P Sartre، هو ارتباطها بالذات من حيث هي شرط لكل حقيقة ممكنة، "فنقطة البداية في الفلسفة الوجودية هي الذاتية subjectivité ، حيث لا توجد سوى حقيقة الكوجيتو cogito، أنا أفكر فأنا موجود، وهي حقيقة الشعور المطلق، وهو يعي ذاته."[5] فهي فلسفة ضد الحتمية، من حيث هي وجود واجب الحدوث، "إنها في صميمها فلسفة تضع الإنسان مواجها لذاته، حرا، يختار لنفسه ما يشاء"[6]،فهي فلسفة وقد صارت تفكيرا وفكرا في عمق الوجود الانساني.

 تؤمن الوجودية على اختلاف أصنافها، بأسبقية الوجود على الماهية، "على خلاف ما كان سائدا في تاريخ الميتافيزيقا منذ أفلاطون"[7]، في فلسفات ديدرو Diderot و فولتير Voltaire وحتى عند كانط E-Kant فالإنسان عندهم "يخضع لطبيعة بشرية ويصاغ عليها، وهي ما يتسم به كل انسان، أو يشترك في صفاتها مع غيره من البشر، وبذلك تكون الانسانية كلها أو أفرادها قد خُلقوا طبقا لفكرة عامة أو مفهوم عام، أو أنموذج عام، يجب أن يكون عليه البشر"[8]. فليس هناك طبيعة إنسانية قبلية تسعى لأن تتحقق، بل الإنسان "يوجد دائما خارج ذاته"[9]، إنه كما يتصور نفسه، وكما يريد أن يكون بعد أن يوجد، "وكما يشاء هو بعد هذه الوثبة نحو الوجود"[10].

إلا أن الوجودية الملحدة التي يمثلها سارتر تعلن في جلاء ووضوح تامين "أن الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته"[11]، معنى هذا أن الإنسان يقفز أولا إلى هذا الكون، وبعد ذلك يتعرف إلى ذاته، ويحتك بالعالم الخارجي، فتكون له صفاته فيختار لنفسه وبنفسه ما يريد أن يكون عليه، فهو في النهاية "ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه"[12]. وبهذا المعنى الوجودي إذن لا تتحدد ماهية الإنسان فيما يرغبه، بل فيما هو فاعله، فالرغبة مجرد ممكن قد لا يحدث، في حين أن الفعل لا يصير فعلا إلا إذا تم كحدث في زمان ومكان من هذا الوجود.

إن كون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، هو شرط يجعل منه قبليا كائنا حرا في أفعاله واختياراته، لأنه مشروع ذاته، فهو ما شرع في أن يكونه، وهذا ما يجعله عند سارتر يمتلك كينونته كاملة، فهو أصلها ومنتهاها، هو البداية والنهاية التي ما تفتأ تكون وتتحقق في الزمان.

ترتبط الحرية الإنسانية في الفلسفة الوجودية، بالمسؤولية المزدوجة للذات، فالفرد مسؤول عن ذاته من جهة أولى، وعن الانسانية جمعاء من جهة ثانية، فعندما يمارس وجوده الحر، فإنه يشكل الصورة التي لن تكون واقعه هو فحسب، "بل ستكون كذلك واقع كل الناس، والعصر كله الذي نجد فيه أنفسنا"[13]. فالإنسان من حيث هو كيان حر، يختار لنفسه ويضع شروط عالمه، "يختار أيضا لبقية الناس"[14]، فكل أفعالنا تساهم في خلق صورة الإنسان كما نتصوره، وكما نظن أنه يجب أن يكون. كما أن الذاتية التي تنطلق منها الوجودية كنزعة إنسانية، تقوم على معنيين، الأول يجعل من الانسان ذاتا حرة في أفعالها، والثاني أن الفرد "لا يستطيع أن يتجاوز ذاتيته الانسانية"[15]. والمعنى الثاني هو الأعمق في الوجودية.

عندما يكون وجود الانسان سابق على ماهيته، فهذا يجعل منه كائنا حرا ومسؤولا عن كل ما يصدر عنه من أفعال، من حيث أنه في صيرورة لتحديد معالم ماهيته التي ما تفتأ تكتمل في الزمان، "فإذا كان الوجود حقيقة أسبق على الماهية، فالإنسان مسؤول عما هو عليه"[16].

لنتأمل الآن الذات الإنسانية كما أثثها سارتر في فلسفته الوجودية، إنها ذات حرة في أفعالها واختياراتها من جهة، وهذا ضرب في القدر من حيث هو صورة قبلية واجبة الحدوث لأحوال الذات وأفعالها، كما أنها ذات مسؤولة تجاه نفسها وتجاه الإنسانية من جهة أخرى، وهذا ما يدخلها في دوامة القلق، الذي ينتج عن حرية الاختيار، والقلق الذي نعنيه هنا، "ليس هو القلق الذي يؤدي إلى الإستكانة واللافعل، لكنه القلق الصافي والبسيط الذي يرتبط بالمسؤولية"[17]، فهو ليس بحاجز يفصلنا عن العمل، بل هو جزء من العمل وشرط لقيامه.

يدخل الوعي بشمولية الاختيار، وبتأثيره المباشر بالصورة الإنسانية التي يشكلها الجميع، الذات الانسانية في حالة قلق دائم angoisse éternel حيال ما تقوم به من أفعال، ففي كل فعل تستحضر الذات الآخر Autrui وتسأل، "هل لي من حق في أن أتصرف بهذه الطريقة التي ستكون المثل الذي تحتديه الإنسانية"[18].

أمام هذا القلق تجد الذات الإنسانية نفسها في سقوط يشبه الإرتماء في عمق الكاوسChaos الذي لا حدود له، "فالسقوط هنا فرار من القلق، الذي يتهدد وجودنا بأسره، ويعزلنا أمام أنفسنا، فنشعر بالعزلة شعورا حادا يختفي معه كل ما يمكن أن يعتمد عليه الانسان في وجوده"[19]. فالسقوط هو نفي لكل ما يمكن أن يتحدد كحقيقة قبلية تفرض نفسها أمام حرية الإنسان، "فلا وجود في هذا العالم لإشارات غيبية يمكن أن يفسرها الإنسان ويؤولها إلى ما تشير إليه"[20]. بل حتى لو افترضنا أن هناك إشارات غيبية، فإننا سنواجه سؤالا: من يفسر ويؤول هذه الإشارات؟ أليس الإنسان هو الذي سينشئ عوالمها؟ ويؤسس قواعدها؟

ينتج السقوط الذي تؤمن به الوجودية عن إيمانها بعدم وجود الإله الذي يضمن كل الحقائق القبلية، فعندما ينعدم الإله كوجود مطلق، تنعدم معه كل القيم المعقولة كالخير والشر le bien et le mal . وقد كتب دوستويفسكي مرة، "إذا لم يكن الله موجودا، فإن كل شيء يصير مباحا"[21]، وهذا هو منطق الوجودية عند سارتر، أي أنه في ظل عدم وجود الإله سيصبح الإنسان كائنا مهجورا، وحيدا في كون فسيح لا مكان فيه للحديث عن أية قوة خارجية، تحدد وجوده بطريقة قبلية، "لذلك يصبح الإنسان حرا، بل هو الحرية ذاتها"[22].

من جهة أخرى، إذا كان الإله غير موجود، فإن وجود القيم والشرائع التي تبرر تصرفاتنا تسقط اتباعا وتصير غير موجودة، ويجد الإنسان نفسه وحيدا لا عذر له، ولا ما يبرر سلوكه. وهذا ما يعبر عنه سارتر بقوله: "إن الإنسان محكوم عليه بالحرية"[23]، محكوم لأنه لم يخلق ذاته، وهو حر لأنه قد صار مسؤولا عن كل ما يفعله، فيكون معنى السقوط هو "أنني أحدد وجودي، أو أتخذ موقفا حيال نفسي، أو هو هروب الإنسان من ذاته بوصفها قادرة على أن تكون نفسها."[24]

تحضر الذات في نسق الفلسفة الوجودية لسارتر كذات قادرة على الفعل، ذات تفكر وتفعل ضد اليأس. لذلك فإن "الإنسان ليس إلا مشروع الوجود الذي يتصوره، ووجوده هو مجموع ما حققه، وهو نفسه ليس إلا مجموع أفعاله، ومجموع أفعاله هي حياته"[25]، L’homme n’est rien d’autre que sa vie ولهذا فإن الوجودية تخيف أولئك الذين لا يستطيعون تحمل فشلهم، لأنهم يبررون ذلك بقوى خارجة عن إرادتهم، قد تكون غيبية أو أسطورية أحيانا.

"لا واقع خارج العمل "[26]، il n'y a de réalité que dans l'action أي أن الواقع لا يوجد قبل الفعل، بل فعل الذات هو الواقع، فلا شيء يعطى سلفا، كل شيء يبنى، "فلا وجود للحب إلا الحب الذي يبني ذاته، وليس هناك إمكانية حب إلا تلك التي تظهر ذاتها في حب معين"[27]. كما أنه لا وجود لعبقرية خارج تعبير العبقرية عن ذاتها، فعبقرية دوستويفسكي Dostoevsky هي مجموع مؤلفاته. وعبقرية ريتشارد فاغنر R-Wagnerهي مجموع أعماله الموسيقية، فالعبقرية إذن لا توجد خارج الفعل، فهي الفعل ذاته.

يرسم الإنسان صورة وجوده، لكنه لا يفعل شيئا كان من الممكن أن يكونه خارج تلك الصورة، فلا يسعنا القول مثلا أن سبينوزا كان بمقدوره أن يؤلف كتبا أخرى في السياسة، فكل ما كان يستطيعه قد تلخص فيما كتبه، أي فيما فعله. ولهذا لا ترى وجودية سارتر في المجرم نتاجا لأسباب اجتماعية ونفسية كما كان يعتقد إميل زولا Emile Zola . بل المجرم مشروع ذاته، إنه وحده الفاعل والقادر على الفعل. ولهذا فالوجودية ليست فلسفة تأمل وسكون، لأنها تحدد الإنسان طبقا لما يفعل. كما أنها "ليست فلسفة متشائمة، لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه"[28].

عندما تخرج الذات من نفسها متجهة نحو العالم الذي تعيش فيه، تصطدم بوجود الآخر، من حيث هو حرية وإرادة وقدرة على الفعل. والذي هو "شرط لوجود الذات، وشرط للمعرفة التي أكونها عن ذاتي"[29]. فعندما أعرف نفسي فإنني أعرف الآخر. ومعرفة الآخر هي عبور لانكشاف الذات لنفسها. فالذات والآخر بهذا المعنى يشكلان عالما من الذوات المتبادلة الوعي ببعضها البعض inter-subjectivité ، إنهما ثنائية لا تقبل الانفصال، لكن رغم ذلك فإن الأخر جحيم كما عبر عن ذلك سارتر في مسرحية "جلسة سرية".

فهل استطاع سارتر أن يتجاوز مختلف الفلسفات والمذاهب الفكرية والعرفانية، التي تأملت الوجود الإنساني؟ وإلى أي مدى يمكن تأويل الفلسفة الوجودية لتستوعب مختلف الجزئيات المنثورة على بساط الفكر الوجودي منذ المرحلة الرومانية؟ كلها تساؤلات قد تجعل من هذه النهاية بداية لمزيد من التأمل والتفكير، في فلسفة لطالما وسمت نفسها بأنها نزعة إنسانية تنطلق من الذات لتصل إليها.

 

اسم الباحث: يونس البرودي - أستاذ فلسفة

...............................

مراجع البحث

Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996.

جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مطبعة الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1964.

مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ما الفلسفة؟ ترجمة د. محمد مزيان، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2018 .

منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مؤمنون بلا حدود، 2016.

عبد الرحمان بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1980.

هوامش

[1] - منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مؤمنون بلا حدود، 2016، ص4

[2]- مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ما الفلسفة؟ ترجمة د. محمد مزيان، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2018، ص24

[3]- منير عشقي، النزعة الإنسانية بين خطاب الفلسفة وخطاب التصوف، رسالة ابن عربي للإنسانية، مرجع سابق، ص21

[4]- نفسه، ص 3

[5]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مطبعة الدار المصرية للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1964، ص44

[6] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص9

[7]- مارتن هايدجر، رسالة حول النزعة الإنسانية، ترجمة محمد مزيان، مرجع سابق، ص 45

[8] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص12

[9]- عبد الرحمان بدوي، دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1980، ص 266

[10]- نفسه، ص 262

[11]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 13

[12]- نفسه، ص 14

[13]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 17

[14]- Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996, p 31

[15]- Ibid, p 31

[16]- Ibid, p 31

[17]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 22

[18]- نفسه، ص 21

[19]- نفسه، ص 35

[20]- نفسه، ص 32

[21]- Jean-Paul Sartre, Existentialisme est un humanisme, édit Gallimard, Folio/Essais, 1996, p 39

[22]- Ibid., p 39

[23]- جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 25

[24]- نفسه، ص 34

[25]- نفسه، ص 38

[26]- نفسه، ص 38

[27] - جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مرجع سابق، ص 39

[28]- نفسه، ص 44

[29]- نفسه، ص 46

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: لمعرفة مفهوم الماهية فلسفيا في عنونة المقال، يتوجب معرفة الخصائص الفلسفية لكل من الوجودية والفينامينالوجيا في تعالقهما المشترك في التعبير عن موضوعة الماهية والوجود، أذ تذهب الوجودية، بأن الوجود سابق على الماهية، على العكس (من الفينامينالوجيا التي تعتبر نفسها فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود).(1)

كما أنه من المهم التنبيه منذ الآن الى أن الوجودية، (تعتبر الانسان لا يمتلك وجوده لأنه هو هو وجوده) في أبعاده المتعددة. عليه تكون أنسانية الانسان هي ماهيته أذا جاز لنا فصل ماهية الانسان عن وجوده، والانسان أكتفاء متحقق في وجود يعي أناه ويعي المحيط ويمتلك ماهية يدركها لوحده، ولا يحتاج بخلاف جميع الكائنات بالطبيعة لوجود آخر مغاير له في رغبته أثبات وجوده المعطى له طبيعيا سلفا والمجرّد منه فلسفيا بأستثناء علاقته النوعية الاجتماعية بغيره . كما أن الذي لا يمتلك وجودا لا يمتلك ماهية، والماهية قرينة الوجود المدرك الثابت والمتغير على السواء، ولا يمكن معرفة ماهية شيء غير مدرك وجودا لا في الانسان ولا في غيره من موجودات الطبيعة.

لذا تكون كل موجودات الطبيعة عدا الانسان لا تمتلك وجودا حقيقيا، وهي بحاجة غير مدركة ولا واعية منها، الى وجود ثان مغاير يدرك وجودها الماهوي. ويكون الانسان الذي يمتلك ذاته في وجوده يمتلك ماهيته غير المفصح عنها غير المدركة من غيره، والانسان يتحّكم بوعي أناه وماهيته بخلاف الكائنات الاخرى بالطبيعة التي لا تعي وجودها الموضوعي، ولا تعي ذاتها وتكون ماهيتها ليست ملكها.

وتعتبر الوجودية الانسان يصنع وجوده التنموي الماهوي بنفسه بمرور الزمن.لذا يكون الانسان وجودا متغيرا على الدوام في ثبات موجودات الطبيعة ظاهريا وماهويا لعدم أمتلاكها ديناميكية فيزيائية تطورية غير بايولوجية تحكمها مثلما هو الحال مع الانسان.

أن مقولة الوجودية الوجود يسبق الماهية يحمل تناقضا مبطّنا ليس سهلا الأخذ والتسليم به ليس من حيث غموض الادراك الكيفي الذي يكتنفه الالتباس في عدم أمتلاك الوجودية آلية فلسفية تنفيذية مقنعة تبين الادراك العقلي أو المعرفي للماهية وحسب، بل في وجود مناوئة فلسفية مادية تنكرعلى الوجودية تلك المقولة من أساسها كموضوع قابل للادراك او مهمّا الخوض به كمبحث فلسفي، بل وتذهب الفلسفة المادية الى أكثر من ذلك أنها لا تعتبر هناك ماهية في الوجود المادي الخارجي للاشياء في الطبيعة، وأنما الموجود هو ظواهر الاشياء فقط، وتنكر أن يكون للماهية خاصّية وجودية أدراكية منفردة توجب على العقل الفلسفي التثّبت منها، غير تلك الصفات البائنة الواضحة للشيء في وجوده المادي وكينونته الموحدة بالعالم الخارجي والطبيعة التي تكون تلك الظاهرات ومعرفتها كافية بما يغني البحث عن الماهيات للاشياء الموجودة أو غير الموجودة خارج معرفة صفات الشيء المدرك خارجيا.

من جهة مناوئة أخرى للوجودية في مقولتها الوجود يسبق الماهية، أن الفلسفة المثالية بطروحاتها المعروفة تقّر بوجود ماهيات للاشياء، لكنها لا تربطها بالوعي  في عدم الادراك العقلي اليقيني لها، بغير آلية التبسيط الميكانيكي الذي تعتمده الفلسفة المادية في معرفة الماهية أنه كلما تمّكنا من أدراك صفات الشيء وخصائصه البائنة تكون الحصيلة هي أدراك ماهيته المتغيرة المصنّعة في تبديل ظواهرها المدركة أو بعضها كملازم لوجود أدراك الشيء في ظواهره وصفاته.

الفلسفة المثالية التي تفهم الوجود وأدراكه فعالية ذهنية فكرية صرف لا علاقة لها بالوجود الخارجي المستقل للاشياء لا تعنى بما يسمى ماهية ولا وجود خارج فعالية الذهن والفكر...بمعنى أدراك ماهية الشيء لا تختلف عن آلية أدراك الوجود على صعيد وسيلة التفكير العقلي الادراكي فقط...لذا يكون وجود الشيء المدرك مثاليا يساوي وجوده الماهوي غير المدرك ذهنيا وفكريا مثاليا أيضا.

كما أن هناك فلاسفة عديدون لا يصّنفون على الفلسفتين المادية والمثالية، يرون أن الماهية ليست خاصّية نوعية مميزة ملازمة بالضرورة لوجود جميع الموجودات والاشياء في الطبيعة، أذ يكون هناك موجودات لا تمتلك ماهية محتجبة خلف الادراك المباشر لصفاتها وأدراك ظواهرها التي تكون هي مجمل صفاتها المدركة ظاهراتيا التي تكوّن هي ماهيتها المستنبطة... وهي وجهة نظر تقترب من المادية أكثر منها الى المثالية.

كما أن الفكر الديني واللاهوتي يقرّان بأسبقية الماهية على الوجود من حيث أن الخالق(الله) يعرف ويستدل عليه بخواصه الماهوية في الطبيعة، وليس بوجوده غير المدرك بأية آلية عقلية مادية، ولا بآلية مدركة حدسية خيالية خاصة في منهج مدارس وحدة الوجود وبعض الطرق الصوفية..التي ترى أيضا لا وجود لشيء في الطبيعة أوفي ما ورائها غيبيا ميتافيزيقيا من غير ماهية قبلية له تلازمه وهي مجمل خصائصه وصفاته التي تجعل من الوجود مدركا بالعقل بظواهره وليس بماهيته....

بينما تذهب الفلسفة المثالية كما ذكرنا بمختلف تياراتها أن ماهية الشيء تسبق وجوده، والماهية تتشكل بسبق زمني تركيبي ذهني قبل وجود الشيء كواقعة يمكن أدراكها أو معرفتها في عالم الاشياء. والوجودية نبذت( المذهب التجريبي، بل وكذلك الفكرة الاساسية لدى كانط في مذهبه التصوري الذي ينكر وجود ماهيات مادية في الوجود الخارجي معنى العقل بأدراكها)(2).

كيف يدرك العقل الماهية؟

أود هنا الاستطراد التوضيحي لما ذكرته سريعا قبل سطرين في أمكانية تخليق العقل لماهية الشيء المطلوب أدراكه وجودا. كي لا نقع في ألتباس أكبر من عملية تخليق ماهية الشيء قبل أدراك وجوده، ولا بد لنا من تفريق نوعية الشيء المدرك، فالمدركات الوجودية العقلية هي وجودات ومواضيع مختلفة بما لاحصر له في الطبيعة ولتوضيح كيفية أدراك ماهياتها فلسفيا وليس بايولوجيا فيزيائيا أصّنفها كالتالي:

- هناك وجود مادي لأشياء مستقلة في الطبيعة لا دخل للانسان بها لا في صفاتها ولا في ماهياتها بالفهم الفلسفي للعلاقة التي تربطه بها، وليس بالعلاقة البيولوجية التي تربط الانسان بها في الطبيعة، وهذه الموجودات الطبيعية تبدأ من الانسان الى الحيوان الى النبات والى الجمادات وغيرها، فهذه الموجودات ليس هناك تداخل للانسان معها أكثر من رابطة البايولوجيا فقط في أعتماده على تلك الكائنات في مشاركتها الطبيعة معه.

وليس مهمّا أن يتعرف الانسان لا في تغييروجودها الطبيعي المستقل بل في تغيير صفاتها الخارجية المدركة فقط بما يخدم تعالقه الوجودي معها والاستفادة منها، وليس في ماهياتها المحتجبة عنه خلف ظواهرها، وتكون حاجة الانسان لها في تلبية رغائبه وتأمين وجوده وبقائه بالحياة.وليس بالتداخل الفلسفي الوجودي او الماهوي معها.

فهي أشياء الطبيعة ومكوناتها المتنوعة المعطاة للانسان والعيش معها بما يحقق منفعته منها في تأمين غذائه، ولا يستطيع الاستغناء عنها وعلّة وجوده بينها أنّه جزء منها أي جزء من مكونات الطبيعة، التي هي نفسها علّة ولغز وجود الطبيعة في جميع مكوناتها.

لذا عندما يلجأنا التفكير في معرفة ماهيات موجودات الطبيعة علينا البدء بمعرفة ماهية الانسان ذاته في وجوده الطبيعي كنوع من بين أشياء وموجودات الطبيعة. وهذا يقودنا الاقرار بأن ماهيات تلك الموجودات والاشياء بالطبيعة لا تدرك للوهلة الاولى حسّيا الا في ظواهرها الطبيعية فقط التي تكون كافية لمعرفة الانسان بها وليس هناك من حاجة لمعرفة ماهيات تلك الاشياء الا في مسائل موجبة وضرورة الانسان أن يعرفها.

- النوع الثاني من الموجودات، في علاقتها ومشاركتها الانسان في الطبيعة، وفي محاولة معرفة ماهياتها، في وجودها وظواهرها، هي التي ينطبق عليها القول الحاجة أم الاختراع، فهذه الموجودات تتشّكل ماهيتها قبل وجودها المادي الخارجي من قبل الانسان نفسه، ويعرف الانسان ماهياتها في عجزها هي أدراك ذواتها وماهياتها... أي أنها حاجات وأشياء لا وجود لها في عالم الاشياء الطبيعي المادي قبل أختراع الانسان لها ماهويا و– وجودا- أشياء أخترعها عقل الانسان وأوجدها ماديا لحاجته لها في حياته، ونوضّح كيف؟؟

عندما يفّكرالانسان بصنع سيارة أو منضدة أو كرسي مثلا أو أية حاجة قبل أن تكون متعينا وجودا ماديا مخترعا بعد أن لم يكن موجودا بشكله المادي في عالم الاشياء لولا أختراع الانسان له في سد حاجته له، وهنا تكون ماهية الشيء بجميع مواصفاتها واستعمالاتها ووظائفها سابقة على وجود الشيء المادي المتعين كرسيا أو سيارة أو أي شيء آخر يخترعه الانسان مدركا في عالم الاشياء يحتاجه في حياته. وبهذا النوع من الاشياء التي يقوم الانسان المخترع بوضع ماهياتها، ومعرفة خصائصها الماهوية قبل معرفة وأدراك وجودها التخليقي لها من قبل الانسان في أختراعه لها ماهويا/ وجوديا في عالم الاشياء.أي لا يكون الانسان بحاجة معرفة ماهيتها التي أكسبها أياها أختراعه لوجودها واقعا ماديا من ضمن مكوّنات الطبيعة.

- النوع الثالث من الموجودات هي أيضا الموضوعات التي يخترعها الذهن خياليا، أي الموضوعات المخترعة بالفكر المجرد قبل أن تتحول من أفكار مجردة في التفكير الذهني العقلي، الى وقائع موجودة ومدركة من ضمن أشياء العالم الخارجي المادي، فهذه الاشياء أيضا يقوم الانسان بصنع ماهياتها قبل تعيين وجودها المادي الخارجي متمثلا بشكلها الخارجي المدرك بظواهره فقط، ويتم ذلك في تداخل ماهية الشيء مع ظواهره الخارجية التي ستكون متعيّنا وجودا بفضل الذهن وأختراعه لها ولم تكن شيئا موجودا لا في ماهيتها ولا في وجودها قبل تخليق ذهن الانسان لها في الماهية وفي شكل الوجود في عالم الاشياء....فمثلا ماهية أختراع تأليف كتاب في الذهن،فأن العقل يقوم أبتداءا بتخليق وخلق ماهية الكتاب في مضمونه ومحتواه قبل طرحه وجودا في شكل كتاب أنيق مطبوع يعرف وجوده بعنوانه على غلافه وليس بماهيته كمحتوى.

الماهية والادراك الكلّي

أن الماهية غير الموجودة في الوجود المادي الخارجي أو التي يبتدعها العقل في مخيلته، من المتعذر أن توجد كمدرك ماهوي داخل العقل، كما لا يمكن التعبير عنها كوجود متعيّن في صفاته وظواهره حتى التخييلية التي يكسبها العقل للاشياء مالم تكن وجودا ماديا مدركا في عالم الاشياء...كما أن ماهيات الاشياء التي أعتبرها كانط ثابتة في وجودها غير المدرك ظاهريا (وأنها لا تتغير ولا توجد علاقة تبادلية بين الماهيات والظواهر)(3)، هي على خلاف مع الفينامينالوجيا التي تعتبر الماهيات متغيّرة لأنها تكون أحيانا غير موجودة خارج صفاتها الماهوية التكوينية لها في تداخلها مع ظواهرها وصفاتها المدركة، في وجودها الشكلي المستقل كمدرك في العالم الخارجي. بل وأكثر من هذا سنرى في سطور لاحقة كيف أن الفينامينالوجيا تعتبر الماهية موجودا من أنتاجية (الوعي)، وليس كما ذهبنا له في تصنيفنا الاشياء المدركة من حيث علاقة وجودها بماهيتها في السطور السابقة.

الفكر المجرد هو أنعكاس للوجود المدرك كاملا أي كوحدة واحدة في أدراكه، وليس لماهيته فقط ولا لظواهره فقط، من غير أفتعال فصل بين صفات الشيء البائنة المحسوسة المنعزلة عن ماهيتها خلف مدرك ظواهرها، ولا يمكن للفكر أن يخلق ماهية ولا وجود ولا مدركات داخل العقل قبل وجودها الادراكي خارج العقل بأستثناء ما يختلقه خياليا من الذاكرة كما ألمحنا له، ويكون التعبير الفكري اللغوي لا يعبرّ عن الوجود الخارجي غير المدرك للعقل ولا الغير المبتدع من الذاكرة، أي أنهما(الفكر واللغة) لا يعبّران عن ماهيات الاشياء في الوجود الخارجي في حال عجز الذهن العقلي أدراك ماهية الشيء داخل العقل.

وكل تغيير في أشياء الوجود الخارجي أنما يتم بعاملين هما تخليق العقل بالاسهام التغييري لظواهره، والثاني هو العلاقات المتبادلة في التأثر والتأثير بين ظواهر الوجود وماهيته بمعزل عن أرادة الانسان. وكلا العاملين أنما هما نتاج عقلي أولا واخيرا. لذا يكون أي تخليق جديد أو تغيير يطال الوجود لا يتم من غير أرادة انسانية تهتدي بالتصورات العقلية، التي هي حصيلة التأثر والتأثير المتبادل في تخليق العقل للموجودات وليس أمكانية أعادة خلقها كوجود مادي مغاير لوجودها.

كذلك فأن الوجود بذاته الذي يسميه سارتر وجود (مافي ذاته) وأنه (ليس فاعلا ولا منفعلا، ولا هو ثبات، ولا هو نفي أنما هو وجود يقوم معتمدا على ذاته لا أكثر مصمت، جامد، وليس له علاقة مع الموجودات الاخرى بل هو خارج أطار الزمن)(4)،هنا نستطيع القول أن الوجود بذاته حسب توصيف سارتر، وجود مكثّف ومكتف بذاته ولا يعي ذاته ولا المحيط من حوله لأنه وجود جامد خارج فاعلية الزمن التغييرية. والذي لا يدركه الزمن لا يدركه العقل وجودا في استحالة ادراكه مكانيا بمعزل عن الزمن.

أنه لمن المهم التنبيه الى أستحالة أدراك العقل للاشياء والوجود خارج الزمن مكانيا. من ضمنه الوجود بذاته المدرك مكانا وزمانا في تعطيل وعطالة تحقق وجوده الفاعل، فالزمن يدرك الموجودات في وجودها المتعين أدراكيا في الزمان والمكان في ثبات الاشياء وفي حركتها على السواء. بمعنى العقل لا أدراك فاعل له خارج الزمن، كما أن الادراك الزمني يدرك الوجود المتعيّن ولا يدرك العدم أو الشيء الذي هو بحكم العدم الذي هو الوجود بذاته فهو ليس عدما ولكنه وجود محكوم بعدم قبل غيره من الموجودات الطبيعية التي يحكمها العدم في دورة حياة مثلما يساير العدم الوجود الانساني مالم يفنى بالموت.

المفارقة بين العقل والزمن أنهما كليهما لا يتبادلان الادراك الحسي ولا المادي بينهما،أي لا يدرك أحدهما الآخر، بل يتوّحدان في أدراكهما الاشياء والطبيعة معا في تداخل غير مدرك ولا منظور .هذه هي العلاقة الوحيدة التي توحد العقل بالزمن بفاعليتهما المتداخلة في أدراك الاشياء.

والعقل لا يدرك الفراغ الوجودي (العدم) زمانا، والزمن يعي ذاته في أدراكه المدرك من قبله زمانيا، لأن الوجود خارج الزمن وما لا يدركه الزمان لا يدركه العقل مكانا مجردا عن زمن أدراكه، وهوأستحالة أدراكية لا يعيها العقل . كما أن من المهم ذكره أنه حسب سارتر الوجود بذاته لا يمّثل ماهية الشيء كما لايمّثل أحدى خصائص الماهية المتكوّنة من مجموع خصائصها وصفاتها،... المفارقة هنا أن العقل يمكنه أحيانا أدراك الماهية لكنه يعجز عن أدراك الوجود بذاته رغم التداخل القوي بين الماهية والوجود بذاته في الشيء غير المدرك. والوجودية تفهم الذات بمعناها الخلاّق والانسان يخلق نفسه بنفسه ويكّون حريته التي هي اسمى التحقق الوجودي بحسب سارتر.

هيدجر والوجود

لابد لنا من المرور على بعض آراء أبرز فلاسفة الوجودية هو مارتن هيجر كيف يعبّر عن الماهية والوجود معا بنوع من المصطلحات الغامضة التي تقود الى تشتيت ذهني غير متماسك نستعرض بعضها في فقرات متقافزة يصعب الربط المنطقي بينها:

- الموجود هناك ليس له عمق، بل يأتي من جوف هاوية بلا نهاية من العدم، والموجود هناك نهايته الموت وهي هاوية اخرى للعدم.(5) .

- ان محض وجود (الموجود هناك) الانسان هو ركض نحو الموت الى العدم. فهو محمول بذاته في داخله نحو العدم. ويمكن أن يقال بوجه عام، أنه من العدم يأتي كل موجود من حيث هو موجود.

- ويأخذ بعض دارسي فلسفة هيدجر قولهم (كان يمكن قول هيدجر، العدم موجود) بدلا من عبارته (العدم يتعادم) وهو تعبير جلب له سخرية العديدين.(4) حسب رأي بعض المهتمين بالفلسفة.

الفينامينولوجيا والماهية

أما عن المذهب الفلسفي الفينامينالوجي فهو يحصر أهتمامه في وصفه ظواهرالاشياء، أي أنه يهتم بما هو معطى واقعي مباشرمدرك في ظاهرياته، وتغّض الفينامينالوجيا النظر عن العلوم الطبيعية وتعارض المذهب التجريبي، فهي فلسفة ماهيات وليس فلسفة وجود.(6)

وتعتبر الفينامينالوجيا (الماهية هي المضمون العقلي المثالي للظواهر، التي تدرك  رؤية الماهيات مباشرة، والهدف الفينامينالوجي هو الوصول الى الماهيات ليس عن طريق الشك الديكارتي وأنما تعمد الى مذهب تعليق الحكم)(7)

ومبدأ تعليق الحكم في الفلسفة معناه اللاادرية في الحكم على الشيء الذي يحتمل قطبي الصح والخطأ، وليس الشك الديكارتي في الحكم على الشيء من منطلق اليقين المسّبق الدوغمائي في تخطئة المشكوك به، وتعليق الحكم لا ينفي طرفي السلب والايجاب أو الانحياز لأحدهما في الوصول الى حقيقة الشيء أو صحة منطلقات قضية ما، أي تعليق الحكم لايبّت في صحة الاثبات للشيء على أمكانية نفيه، وأنما يلجأ الى تأجيل الحكم في التخلص من الوقوع في حكم الخطأ بالقرار بين أحتمالين.

هذا الفهم في تعليق الحكم لا تعمل به الفينامينالوجيا ولها أجتهادها الفلسفي الخاص بها في تعليق الحكم حسب تفسير هوسرل..ويعتبر هوسرل فيلسوف الفينامينالوجيا (الاختزال التراسندتالي – التعالي- هو تطبيق منهج الفينامينالوجيا على الذات نفسها وعلى أفعالها، معتبرا أهم منطقة في الوجود هي (الوعي الخالص) الذي يقوم على مبدأ القصدية الذي أستمده هوسرل من أستاذه برنتانو).(8)

أن من أهم الاخفاقات التي قاد هوسرل الفينامينالوجيا لها هي أنه وضع (الوعي) فوق العقل والطبيعة، وبديلا عنهما، والصحيح في ما نراه أن كل الامتيازات التي هي من صميم أهتمامات العقل وخاصيّاته، والتي خلعها هوسرل كامكانيات للوعي وليس العقل لا تمنع مرجعية الوعي الذاتي الموضوعي ولا الوعي الذاتي السايكولوجي من مرجعية العقل  لكليهما.

مثال ذلك أن هوسرل يعتبر(عملية الادراك الحسي للاشياء لا يلزم عنها أن يكون المحسوس حقيقيا) على أعتبار الحواس خادعة  من جهة، والطعن بصوابية أمكانية الادراك عن طريق العقل بدلا من الوعي حسب هوسرل من جهة اخرى.. الوعي في مفهوم هوسرل هو عقل فلسفي ثان غير العقل الطبيعي المدرك للاشياء، ويعتبر آلية ادراك الوعي للاشياء هي سابقة وأهم من أدراكات العقل ضمن سياقاتها العلمية والتجريبية.علما هناك بديهة في علم وظائف اعضاء الانسان ان الوعي هو نتاج العقل وليس العكس، فالعقل ينتج وعيا، لكن الوعي يعجز عن أنتاج عقل.

ونمشي مع هوسرل أكثر في التباس أكبر أن ليس كل مدرك محسوس هو حقيقيا، مقولة صحيحة تنطبق على عوالم مدركات الذاكرة والخيال فقط، ولا تنطبق أطلاقا على الواقع المادي لعالم الاشياء المحسوسة في الطبيعة.

من نافل القول أن مصطلح الوعي الخالص (الأنا المطلق) أمكانية مقعدة بمعنى أنها وهم تخييلي ومصطلح عائم تستخدمه الفلسفة في مجال أهمال معالجة الكليات، والوعي الخالص أنكره كل من هيدجر وسارتر، وأعتبرا كلاهما (قصدية) هوسرل هي وعي الذات (حقيقة) متجاوزة الخروج على كوجيتو ديكارت الذي جعل من وعي الذات تفكيرا مثاليا سلبيا أنعزاليا، وأضاف هيدجر أن الوجود الحقيقي هو في دينامية فاعلة يمليها الوجود الحقيقي الذي هو، الوجود – في – عالم...وأضاف سارتر أنه ليس هناك من (وعي خالص) يمكننا الاهتمام به.وسارتر محق بهذا لأنه لا يرغب التقاطع والوقوع في متناقضات أفكاره فلسفيا، فهو يرفض الوعي الخالص كونه نسخة كاربونية عن (الوجود بذاته) الذي أعتبره وهما غير متحقق.

(المعرفة تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها) هوسرل

ولا بد لنا من الاشارة الى جوهر منهج الفينامينالوجيا عند هوسرل في مقولته (المعرفة تبدأ بالخبرة لكنها لا تنشأ عنها) وهو يلتقي بكانط في هذه المعلومة الاستنباطية الفلسفية، الذي ذهب الى أن جميع المعارف مرتبطة بالعقل والتجربة التي تقوم على أصل (قبلي) في الوعي وليس بعدي بالعقل... وقبل مناقشة هذه الأحجية اللغز أقول أن الوعي في جميع أشتمالاته المعرفية المنوعة هي نتاج وتخليق عقلي لمدركات أشياء الطبيعة،.. والوعي لا يكون وعيا أدراكيا ما لم يقم على مرجعية العقل ومراكمة المعارف والخبرات التجريبية المكتسبة فيه.

ونتساءل هل المعرفة خبرة جديدة مضافة مكتسبة أم هي خبرة قبلية أيضا متجانسة مع خبرات سابقة عليها يمتلكها الوعي ولا يكتسبها خارجيا؟؟

يوجد أكثر من قراءة واحدة لهذه العبارة الملغّزة،: (المعرفة تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها) عبارة فلسفية حمّالة تأويلات عديدة، ومن المؤكد أنها نوقشت من قبل فلاسفة أكفاء، وأود تسجيل ملاحظاتي غير النقدية والمحايدة عنها:

- الاولى أن جميع المعارف المكتسبة أنما هي خبرات تضاف للوعي والعقل ولا يوجد فروقات بين المعرفة في مصدرها الخارجي، والخبرة القبلية من حيث هي مدركات متجانسة في الماهية مما يتعذّر الفصل بينهما ولا نعرف من يعطي لمن، لآخر يأخذ ممّن ؟؟.

- القراءة الثانية أن المعارف الجديدة التي تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها حسب هوسرل، هي مغايرة تجمع نقيضين بسببية تعالقية هما المعرفة والخبرة القبلية، ولا ينشأ عن أرتباطهما أية معرفة أو معارف جديدة. والمحايث الذي لا تنشأ عنه معرفة لا يمكن الغاؤه أن لا يكون سببا حتميا في أنتاجه معرفة.

- القراءة الثالثة أنه لاتوجد معرفة ولا توجد خبرة قبلية تهضمها وتستقبلها، فالمعرفة التي تبدأ بالخبرة ولا تنشأ عنها أنما هو نوع من الاستدلال المفروض قسرا الذي لا يريد تعالق المعارف وأدراكاتها بعلاقة سببية تعطي لهما مشروعية القبول المنطقي والعقلي لها. (عملا بفلسفة ديفيد هيوم الذي ينكر وجود سببية، وكل ماهو موجود تكرار لحالات معينة تصبح (عادة) فقط وليست سببية).

أن المعرفة التي تكون سببا محايثا للخبرة ولا تنشأ عنها، عبارة تحتاج تأويل منطقي فلسفي مقنع، من حيث أن المعرفة هي فعل مكتسب بغيره في محايثات الادراك الخارجي له، ويبطل أكتساب المعرفة بالخبرة القبلية التي لا تنشأ عنها.فالمعرفة التي تكون مكتفية بالخبرة الذاتية لها كمعرفة لا تحتاج الى محايثة تنتج عنها، ولا محايثة تحفيزية سببية لها، يصبح من المتعذر أكتساب المعرفة بغير أرتباطها بمحايث لها تنتج عنه أو تنشأ بغيره... أن المعرفة لا تنتج وتكتسب بالوعي الذاتي لها، وأنما تكتسب بالوعي المفارق لها، والوعي المتخارج مع من يمتلكها خارجيا.

القصدية

القصدية مذهب فلسفي أرتبط بهوسرل في ردّه وأدانته كوجيتو ديكارت أنا أفكر، وأعطاه هوسرل أبعادا فلسفية طلسمية مبهمة أخرى لها عديدة نستعرضها سريعا بقدر علاقتها بمفهوم الماهية في الفينامينالوجيا .

ينسب لهوسرل قوله (أن ظهور الموضوعات في الوعي ليس تلقيا واستقبالا سلبيا لها من الخارج، ذلك لأن الوعي ليس وعاءا يتم جمع فيه ما تتحصّل عليه الحواس، والوعي القصدي، وعي هادف، أنه هو، يذهب نحو أدراك مواضيعه ليس بهدف أدراكها بل من أجل الحكم عليها). المصدر موقع انترنيت ويكيبيديا الموسوعية.

والقصدية عند برنتانو أستاذ هوسرل (تشير الى أن الوعي يمتلك موضوعاته القصدية في داخله). في الاقتباسين اللذين مررنا بهما يظهر لنا أن الوعي مفهوم فلسفي عند هوسرل لا يشبهه لدى استاذه برينتانو، فالوعي عند هوسرل هو الوعي القصدي الذي يبحث عن موضوعاته ليس لأدراكها ولكن لقصدية هادفة من أجل الحكم عليها كمدركات، وعند برينتانو أنه وعي يمتلك موضوعاته في داخله !!.لا نعرف أيهما أصح بالفهم الفلسفي والتعبير الاستاذ أم الطالب؟؟

أن الوعي الذي يصفه برينتانو بأنه يمتلك موضوعاته القصدية في داخله، أنما يكون وعيا ذاتيا مثاليا فاقدا قصديته التي هي بالضرورة يجب أن تكون موضوعا محايثا للوعي في أدراكه (الأنا) والوجود من حوله، والمعنى الذي ذكره برينتانو يشير بوضوح الى أن الوعي في أمتلاكه موضوعاته في ملازمة غيرمتعالقة بالوقع ولا مدركة خارجيا في عالم الاشياء، يكون وعيا مثاليا زائفا غير متحقق في وجوده لا في وعي أناه أي ذاتيته ولا في وعيه الاشياء موضوعيا من حوله.

أعود الى التأكيد ما سبق لي ذكره في سطور سابقة من هذه المقالة، أن الفينامينالوجيا تلجأ الى مغالطة لا يمكن تبريرها هي في أحلال الوعي بديلا عن العقل والموضوع من غير مرجعية لهما. وأكثر من ذلك أن الوعي عندها  هو أقرب لعلم النفس منه للعقل في المعرفة والماهية، وبعيدا عن علم وفلسفة أدراك الوجود والماهيات أدراكا فلسفيا منظمّا منطقيا... كما أخذ هوسرل أيضا عن أستاذه برينتانو معلومة فلسفية أكثر لبسا ابتذاليا مثاليا قوله (القصدية هي نتاج الوعي) وليست شيئا محايثا مغايرا خارجيا يمكن للوعي أدراكه أو الاستدلال الفلسفي به.

القصدية هنا بمفهوم هوسرل عندما تكون نتاج الوعي وليس نتاج الواقع المادي الطبيعي للاشياء، أنما يجعل الفينامينالوجيا مفهوما فلسفيا مثاليا أبتذاليا في المعرفة. فالوعي الحقيقي لا يتحقق أدراكه من غير أرتباطه بالعالم المادي وليس بالفكر المجرد ولا بالافتراض الفلسفي التعسفي في تطويع المفاهيم للرغبة الشخصية وليس للموضوعية في الاستقراء المنطقي الفلسفي المجرد.

والفهم الصحيح أن القصدية هي محايث وعي الذات وعيا حقيقيا في تعالقها الادراكي مع هدف خارجي مغايرعنها يكسب الذات وجودها الفاعل في عالم متغير من حولها، ويكتسب هو وعيه الذاتي والموضوعي الحقيقي.

هذا هو الفهم الذي ذهب له كل من هيدجر وسارترفي أدانتهم مثالية ديكارت المنغلقة في وعي ألأنا، وليس فهم هوسرل الذي جعل من القصدية نتاج وعي الذات ولم يقل وعي الذات بماذا؟ يعني أننا عدنا الى كوجيتو ديكارت عندما قال أنا أفكر ولم يكمل يفكر بماذا!! أن تحقق الذات قرين الموضوع وليس قرين الفكر.

في الوقت الذي كنا نترجّى من القصدية أدراكا حقيقيا للذات في تعديل الفهم المثالي المنحرف عند ديكارت المغرق في الذاتية والتجريد في فهم الوعي على صعيد الفكرفقط، نجد هوسرل يذهب الى أن القصدية معطى قبلي (ينتجه الوعي) وليس موضوعا محايثا للوعي في أدراك ذاته والوجود وأشياء الطبيعة. بل يذهب هوسرل أن الوعي يبحث عن موضوع يدركه من (أجل الحكم عليه). عليه يكون الموضوع القصدي منتوجا للوعي، مدين بوجوده وخلقه الى الوعي الادراكي له !!!. دائرة مغلقة من التهويم الفلسفي التجريدي الذي يجعل اللغة طلاسم لا معنى منطقي مترابط لها.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنكي/ الفلسفة المعاصرة في اوربا/ سلسلة عالم المعرفة/ ترجمة عزت قرني ص 210

2- نفس المصدر السابق ص 206

3- نفس المصدر السابق ص 238

4- نفس المصدر السابق ص 241

5- نفس المصدر السابق ص 232

6- نفس المصدر السابق ص 251

7- نفس المصدر السابق ص 257

8- نفس المصدر السابق ص 263

 

حاتم حميد محسنطبقا لزينون "اذا كان كل شيء في الوجود له مكان، فان هذا المكان هو ايضا له مكان، وهذا الاخير ايضا يحتاج الى مكان وهكذا تستمر السلسلة الى مالانهاية. "(الفيزياء، أرسطو قسم 208).

 قبل التطرق الى مفارقات زينون الفلسفية نحتاج الى نبذة تاريخية عن المدرسة الايلية. تأسست مدرسة ايليا الفلسفية على يد كزينوفانيس Xenophanes ( ولد عام 570 قبل الميلاد) والذي اكّد على وحدة الله والكون وعدم التغيير فيهما "الكل هو واحد والواحد هو الله". تأسست مستوطنة ايليا على يد مجموعة من الايونيين الاغريق الذين حوصروا عام 545 قبل الميلاد في مينائهم البحري بمدينة فوكايا بعد غزو الجيش الفارسي،  لكنهم في النهاية اُجبروا على الخروج عبر البحر. بعدها أبحروا الى جزيرة كورسيكا واستوطنوا فيها بعد معركة بحرية ضارية مع الاسطول البحري لقرطاج.  وبعد عشر سنوات اي في عام 535 قبل الميلاد، استرد القرطاجيون الجزيرة فأحالوا الفوكانيين الى لاجئين في البحر مرة اخرى. هذه المرة حطوا الرحال في الساحل الجنوبي الغربي لإيطاليا وأسسوا مستوطنة ايليا بعد انتصارهم على المواطنين الاصليين . كل هذا حدث اثناء حياة كزينوفانيس الذي هو ذاته كان منفيا من مدينته الاصلية كولوفون في ايونيا عندما اُضطر الى الفرار منها عام 545 ق. م. هو عاش في سيسلي ومن ثم في كاتانا قبل ان يلتحق اخيرا في مستوطنة ايليا. من المفيد التأمل بالكيفية التي اثّرت بها هذه الأحداث سايكولوجيا على عقيدة المدرسة الايلية في الواحدية الدائمة غير المتغيرة. أعظم الفلاسفة الايليين كان بارمنديس (539 قبل الميلاد) الذي طور فكرة الواحدية اللامتغيرة ووسّعها الى كل الوجود. هو جادل بان التعددية والحركة والتغيير هي مجرد مظاهر. ايضا عُرف عنه استخدامه الاصلي للجدال المنطقي في الفلسفة. عاداته كانت ان يرفق كل بيان عقيدي بنوع من الحجة المنطقية تبيّن سبب ذلك. هذا كان يشكل ابداعا فكريا ولهذا اُعتبر ابو الميتافيزيقا وكمساهم اساسي في تطور الفكر العلمي. عقيدة بارمنديس في الوحدة المطلقة واستمرارية الواقع هي حقا راديكالية ، حتى وفق المستويات الحديثة. هو أكّد بان الكون في الاصل واحد ولا يتغير. غير ان عقلانيته اجبرته للاعتراف بان المظاهر هي عكس ذلك، حيث انه انكر بوضوح وجود التعددية والتغيير، هو اعترف بمظهرية هذه الاشياء. اصر بان هذه هي مجرد تصورات وافكار، يجب ان لاتلتبس مع "ما هو كائن". ولا غرابة في ان بارمنديس نال السخرية على معتقداته. احد طلاب بارمنديس كان زينون الذي اشتهر بسلسلة من الحجج في الدفاع عن الفلسفة الايلية باستخدامه وسائل منطقية في اثبات ان الحركة والتغيير والتعدد هي مستحيلة. ينبغي الاشارة ان لا شيء من كتابات زينون بقيت حية، كل ما وصلنا جاء بشكل غير مباشر من خلال افلاطون وارسطو و سمبليكس و بروكلس والذين لم يكن اي منهم متحمسا لأفكار زينون الفلسفية.

من بين اربعين جدالا نُسبت الى زينون كانت هناك اربع مفارقات هامة تتعلق بموضوع الحركة وهي:

1- مفارقة السباق: وتؤكد ان ليس هناك اي حركة، لأن من يتحرك يجب ان يصل الى المنتصف قبل الوصول الى النهاية، وهكذا الى ما لا نهاية. في هذه المفارقة يبيّن زينون ان الحركة ليست الاّ وهما. هو يقول لنفترض انك كنت في سباق، انت ترى نهاية خط السباق امامك، لكي تصل الى نهاية الخط لابد ان تصل اولا الى نقطة المنتصف. ولكن قبل وصولك الى نقطة المنتصف، عليك ان تصل الى منتصف نقطة المنتصف، وهذه النقطة الاخيرة لا يمكنك بلوغها قبل الوصول الى منتصف منتصف النقطة الاولى وهكذا الى مالانهاية. زينون يعتقد بوجود عدد لامتناهي من نقاط الوسط بين اي موقعين. قبل امكانية ان تصل الى موقع معين عليك ان تصل الى منتصف المسافة اولاً. ولكن اذا كانت هناك اعداد لا متناهية من نقاط الوسط ، كيف يمكن لنا عبور الأعداد اللامتناهية للمواقع، وبهذا الحركة اذاً مستحيلة.

2- مفارقة اخيل Achilles paradox: وهي تشبه المفارقة الاولى من بعض الوجوه ، الأسرع في السباق لا يمكن ان يتغلب علي الأبطأ لأن المتسابق يجب اولاً ان يصل الى النقطة التي بدأ منها الآخر بالسباق، وبهذا فان الابطأ يجب ان يكون دائما متقدما بمسافة الى الامام. طبقا لزينون، اخيل (بطل اليونان في اليادة هوميروس) يتسابق ليمسك متسابق بطيء كالسلحفاة التي تزحف في خط بعيد عنه. السلحفاة مُنحت مسافة في الامام(لنقل 100 متر) ، لذا اذا كان اخيل يأمل بالفوز في السباق يجب عليه الركض الى المكان الذي فيه السلحفاة حاليا، ولكن في الوقت الذي يصل فيه الى هناك تكون السلحفاة قد زحفت الى مكان آخر جديد، وبهذا يجب على اخيل الركض الى هذا المكان الجديد، لكن السلحفاة تكون زحفت الى الامام وهكذا، اخيل سوف لن يتمكن ابدا من الامساك بالسلحفاة حسب زينون، اي ان المتسابق الأسرع لا يمكنه غلبة المتسابق الأبطأ وهو ما يعني عدم حدوث اي نوع من الحركة. زينون هنا يدافع عن استاذه بارميندس القائل بان الحركة ليست الاّ وهما.

3- مفارقة السهم : هذه المفارقة وردت في فيزياء ارسطو، V1: 9, 239b5

يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغيّر الموقع الذي يشغله. هو يعطي مثالا عن السهم.  يذكر انه في اي لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة اخرى، في اي لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك . اذا كان كل شيء ساكنا في اي لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات، عندئذ تكون الحركة مستحيلة. اذا كانت المفارقة الاولى تقوم على تجزئة المكان فان هذه المفارقة تعتمد على تجزئة الزمان.

4- مفارقة المكان

مفارقة زينون في المكان تجعلنا نتسائل كم عدد الاشياء التي تشكل الكون. يبدأ زينون بالقول ان كل ما موجود في العالم مثل الكلب او الكرسي او غيره يشغل حيزا. اذا كانت تلك الاشياء تشغل حيزا فلابد ان تكون في مكان. هذا يعني ان المكان هو ايضا شيء يأخذ حيزا، والذي يجب ايضا ان يكون في مكانه الخاص الذي يأخذ حيزا وهكذا . ولذلك، طبقا لزينون يجب ان يكون هناك عدد لا متناهي من الاشياء والامكنة والفضاءات. هذا المفهوم لـ اللانهائية كان يصعب فهمه في اليونان القديمة.

المفارقتان الاولى والثانية جسدتا نقدا لفكرة الحركة المستمرة في مكان وزمان منقسم الى ما لانهاية. في هاتين الحجتين كان هناك تقليدا بين مدرّسي التفاضل والتكامل في المدارس الثانوية لعرض هاتين الحجتين لزينون ومن ثم العمل على حلّهما طبقا للافتراض بان السلسلة اللامتناهية يمكن ان يكون لها مجموع متناهي. هذه قد تكون وسيلة تعليمية مفيدة لطلاب الرياضيات المبتدئين لكنها تتناسى النقطة الفلسفية الهامة والأكثر اثارة في مفارقات زينون هذه.

نقد ارسطو لمفارقات زينون

آراء ارسطو حول مفارقات زينون وردت في الفيزياء، الكتاب الرابع، الفصل الثاني، وفي الكتاب السادس الفصلين الثاني والتاسع. في نقده لزينون يرى ارسطو انه لا يجب على زينون ان يفترض ان مسار المتسابق يعتمد على اجزائه، بدلا من ذلك، المسار هو موجود سلفاً، والاجزاء تأسست من جانب الملاحظ. كذلك هو يرى ان زينون يجب ان لا يفترض ان الخط يحتوي على نقاط غير قابلة للقسمة. كذلك أنكر ارسطو وجود لانهائية حقيقية actual infinity لا في عالم المادة ولا في الرياضيات، بل انه اعتقد بلانهائية ممكنة Potential infinity. فكرة اللانهائية الممكنة لأرسطو ظلت مهيمنة طوال 1500 عام وبدعم من الكنيسة التي ترى اللانهائية الحقيقية هي للّه وحده وليس للاشياء.

غير ان نقد ارسطو لزينون تعرّض للنقد ايضا لكونه غير منسجم مع المستويات الحالية للتحليل المرتكزة على نظرية zermelo fraenkel وفرضياتها في اللانهائية الحقيقية. 

ومنذ ارسطو حاول كل الفلاسفة والرياضيون توضيح هذه المفارقات، هيوم كتب بان وحدات العالم المادي غير قابلة للقسمة، لكنه تردد في تفسيره لأسباب اللاقسمة هذه. الانسكلوبيديات المعاصرة حققت في تفكير هيوم ، والادّعاء بان الخط لا يتألف من نقاط لا متناهية وانما من نقاط متناهية منضغطة بقوة لدرجة تكون فيها المسافة بين واحدة واخرى غير موجودة. هذا التوضيح الذي صاغه سلفا بعض اتباع افلاطون هو مضلل: الافتراض بان هناك وحدات لاتقبل القسمة في العالم المادي وان المسافة بين نقطتين ستختفي في لحظة معينة غير مقنع للعقل. زينون يدعونا لإعادة انتاج لانهائي لهذا التقدم الرياضي. المكان منقسم الى اجزاء جديدة دون توقف. اذا كان فهمنا يتطابق مع العالم الملموس، فان السلحفاة ستبقى متفوقة بلانهاية والسباق سوف لن ينتهي.

غير ان المشكلة قد تُحل لو اختزلنا اللانهائي الى مجرد انتظام في فهمنا. كانط افترض هذا واقتنع بان المكان والزمان ليسا كينونات مادية وانما مبادئ عالمية لبداهتنا. هدفه كان توجيه تأملاتنا نحو الظاهرة المتناهية والفورية، رافضا الاستنتاج الميتافيزيقي لإفلاطون. لسوء الحظ ان كانط في محاولته اعطاء تماسك لأفكاره، أخضع الواقع لفهمنا. نحن لا نعرف الشيء ذاته وانما فقط تجسيداته الظاهرية. تناقض كانط واضح، كما يشير هيجل: كانط يؤكد لنا اننا لا نستطيع مناقشة وجود الاشياء خارج حدود تفكيرنا، لكنه يذهب فوراً لإفتراض وجود مثل هذه الاشياء.

مشكلة زينون تحدث في العالم المحدود المتناهي الذي نتصوره. اللانهائية عُرّفت وتجسدت في فهمنا. بمحاولته نفي الحركة، اثبت زينون أبدية المكان والزمان. 

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسف(الانسان هو المكان الوحيد الذي يتجمّع فيه الأله) ماكس شيلر

تعريف: ماكس شيلر (1874 – 1928) أحد فلاسفة الحياة في بداية نشأته، وفي مرحلة لاحقة أشتغل على فلسفة فينومينالوجيا هوسرل محاولا تطويرها بمفهومه الفلسفي الخاص به. وفي سنوات شبابه وقع شلر تحت تأثير أستاذه (أيكن) أحد فلاسفة الحياة الذي كان أهتمامه منصّبا حول حياة العقل، بأختلاف عن فلاسفة الحياة مؤكدا على مركزية العقل ومحوريته في الفهم المعرفي والوجود الذي ينكرونه عليه فلاسفة الحياة. كما تأثر شيلر لاحقا بكل من نيتشة ودلتاي وبرجسون، ما جعل (ترولتش) ينعته ب (نيتشة الكاثوليكي) فقد كان شيلر أحد المتأثرين بالقديس أوغسطين أيضا. وبحسب المعنيين بتاريخ الفلسفة الاوربية الحديثة في القرن العشرين، فهم يرونه يستحق الاهتمام الخاص به لأنه أهتم بقوة وحماسة على كينونة الشخص والعودة الى الانسان والاهتمام بقضاياه.(1)

وما يهمنا في هذه المداخلة السريعة هو التعريف بمفهوم شيلر عن العقل والمعرفة بمسح أجتزائي مقتضب غير مخّل، من حيث أن شيلر لديه أهتمامات فلسفية عديدة، يحتاج كل مبحث منها الى دراسات مستفيضة معمّقة، فمثلا هو أهتم بعلم الرياضيات وله كتاب فيه، وأهتم بالمنطق ايضا، وبمثالية كانط وكتب فيها، وكتب في الاخلاق، والفينامينالوجيا، وكذا في موضوعة الحب، وفي المعرفة، والبنية الماهوية لكل ماهو موجود منتقدا كانط فهمه الادراك العقلي للوجود، في وجوب معرفة (ما) الاشياء قبل تساؤلنا كيف نعرف الاشياء كما ذهب له كانط وفلاسفة الحياة.

شلر والعقل

قبل دخولنا معترك بعض أفكار شلر لا بد لنا من عرض بعض تحقير فلاسفة الحياة للعقل فقد ورد على لسان كلاجز:(أن العقل خصم للنفس وخصم للطبيعة وخصم للاخلاص ولكل ماله قيمة، لذا علينا رفض العقل وأن نعود الى تصور العالم على ما كان عليه عند البلاجيين، أي الى الحياة المتحررة من العقل تماما التي تتمتع بالروح البدائية بغير وعي منها)(2)

ينتقد ماكس شيلر كانط في منهجه الاستقرائي في المعرفة قوله :(أن ميدان القبليات- البديهية لا علاقة لها على أي نحو مع ما هو صوري، كما كان يرى كانط. فهناك – والقول لشيلر- ما هو مادي، وهي مضمونات مستقلة عن الخبرة وعن الاستقراء، ويرفض شيلر بشدة متكافئة كلا من الاتجاهين التصوري، والاتجاه الاسمي الوصفي) (3)، هذا التوصيف لايمّثل سوى أتجاه مثالي واحد هو قابلية العقل التجريدية في التعبير عن الوجود بالفكر واللغة، ولا يمثل أية آلية جديدة غيرها في تعبير العقل عن مدركاته وعن المعرفة أيضا.

وأن مثالية شيلر هنا هي نسخة متقدمة عن مثالية كانط، والاثنتان تدوران في حلقة مثالية دائرية واحدة في فهم الوجود والمعرفة. كونهما يفترضان وجود مدركات قبلية بديهية معطاة للعقل. وهذا مايرفضه جون لوك صاحب الوضعية المنطقية التجريبية الجديدة وفلاسفة آخرين تماما معتبرا أن الخبرات القبلية العقلية أن وجدت فهي تكون مكتسبة بالتجربة العملية والخبرة المتراكمة، وليس بالمعطى الفطري الجيني الوراثي لها، والخبرات العقلية لا يكون مصدرها سوى التجارب الحياتية و العلمية، وبغير ذلك فلا وجود حقيقي لها.

فهي أي الخبرات القبلية مكتسبة وليست خبرات جينية بيولوجية موروثة تولد مع الانسان مزوّدا بها. وفي عبارة جون لوك الشهيرة أن الانسان يولد طفلا وعقله صفحة بيضاء، هو رد مباشر شبه يقيني في دحض الخبرات القبلية عند الانسان.

ومن الجدير ذكره أن من بين المنادين بالخبرات القبلية ديكارت وهيوم وجون ديوي وغيرهم من فلاسفة الخبرات القبلية الموجودة في عقل الانسان بالفطرة كمعطى تتشارك به بيولوجيا الجينات الوراثية مع هبة الخالق لها للانسان..

كما أن التفريق بين ما هو مدرك تصوري مثالي وما هو أسمي وضعي وعلاقة العقل بهما مسألة محسومة تماما في صالح العقل وليس في صالح التجزيءلادراكات لا تحصى فهي تكون جميعا مصدرها الادراك العقلي الواحد، وليس معنى هذا أن العقل يدرك المعطيات المادية والمعرفية والانطباعلت النفسية، والحب، والعواطف والاخلاق والجمال والقيم وغيرها بآلية أدراكية واحدة يقوم بها العقل...وأنما تقوم بهذا التنوع الكثيرجدا من المدركات الواردة بشكل حزم لا نهائية ترد العقل وتستقبلها وتعالجها مليارات الخلايا العصبية الموزعة في القشرة الدماغية، وفي تخصصات غاية في التعقيد والتنظيم والاعجاز التنفيذي لمخرجات العقل في جدلها التخليقي مع العالم الخارجي ومع موضوعات الذاكرة أيضا.أي الموضوعات التي تستحدثها الذاكرة التخييلية وتضعها أمام العقل للنظر بها وأعطائه ردود الافعال عنها.

ثم أن حصيلة أدراك الواقع المادي، هي ذاتها حصيلة العقل الذي يخلق التصورات العملية المادية لها، والتصورات المثالية التجريدية الصورية.فكلتا الفعاليتين هما أدراك عقلي واحد في تخليقه وتعبيره عن المدركات والوجود كوحدة واحدة يقوم العقل بالبت في أمر أصدار الايعازات الانعكاسية الجوابية الارادية منها وغير الارادية المتنوعة العديدة بشأنها...ولا مجال في الفرز والتفريق لوظائف العقل الادراكية من خلال تجزئتها الى مادية أو مثالية تجريدية أو غيرهما في أكتساب المعرفة. لأن مثل هذا التجزيء في وظائف العقل يقودنا الى ما لا يمكن حصره من أنواع الادراكات التي يستلمها دماغ الانسان من الطبيعة والمحيط والاجابة عنها خلال ساعات فكيف يكون الحال مع الايام والاسابيع والشهور والسنين الخ.؟؟

ويرى شيلر:(أن الذي يمّيز العقل الانساني تمييزا قاطعا هو نشاط الافكار التصورية، أي ملكة فصل الماهية عن الوجود، وبالتالي فأن العقل موضوعي، وأمكانية يحددها شكل او هيئة الاشياء ذاتها) (4)

أن عبارة شيلرهذه التي مررنا عليها، هي أن العقل يتميز تمييزا قاطعا في نشاط الافكار التصورية صحيحة لكنها لا تقوم على فصل الماهية عن الوجود بل لأن قدرة العقل تقف عند حدود معرفته ظواهر الوجود الذي يمكن التعبير عنها تصوريا باللغة، أي في تعبير العقل عن مدركات الظواهر بالفكر التجريدي واللغة، وما لا يمكن التعبير عنه بالفكر واللغة الصورية غير موجود، بمعنى غير مدرك عقليا لأن العقل عاجز عن أدراك ماهيات الاشياء ولا متاح للعقل التعبير عنها بنشاط صوري كما في التعبير عن الاشياء في ظواهرها.، لذا يكون العقل في حّل من أمر فصل الماهية عن الوجود للاشياء.وليس كل الاشياء في العالم الخارجي تمتلك ماهيات هي غيرها المدركة في صفاتها وظواهرها الخارجية المدركة.

وهي مسألة غاية في الدقة وصواب التعبيرفي توصيف ظواهر الاشياء التي يتعذر على العقل التعبير عن ماهياتها، من حيث أن وسيلة العقل في أدراك الاشياء في الطبيعة وعالم الموضوعات الخارجية المستقلة منها في وجودها الطبيعي، أو الموضوعات التي تبتدعها الذاكرة المخيلة العقلية في الذهن والتفكير العقلي الصامت ومعالجتها، أنما تكون غاية العقل من ذلك ليس الاقتصار على فهم الظواهر وتفسيرها أو تحليلها فقط، بل أن فاعلية ونشاط الافكار الصورية أي التعبير بالفكر واللغة عن مواضيع الادراك العقلي، أنما هي في حقيقتها تخليق العقل للاشياء المدركة ومحاولة تغييرها نحو الافضل، وبما يخدم حياة الانسان وليس الاكتفاء بمعرفتها تجريدا سلبيا.

ولو نحن أقتصرنا على أدراك العقل للاشياء من أجل معرفتها وتفسيرها فقط وليس من أجل خدمة حياة الانسان نحو الافضل لكنا الى يومنا هذا نعيش في عصور الكهوف البدائية.

أن أدراك الاشياء في الطبيعة هو قوة مادية يمتلكها الانسان من أجل سد حاجاته وليس من أجل التعبير المجرد عنها كمدركات لا أهمية لها في حياته. كما أن الافكار التصورية للعقل، أنما هي أنعكاس جدلي حيوي غير ميكانيكي في تعالق المادة والفكر على مستوى الادراك العقلي للاشياء وأدامة حيوية تطورها.

والافكار التصورية في التعبير عن الوجود، أنما هي تمثل مرحلة ثانية تلي مرحلة الادراك العقلي للاشياء من حيث أهمية أجراء عملية تحليلها وتخليقها في الذهن أولا... فالعقل يدرك مواضيع الوجود المادي والخيالي معا في كل تنوعاتهما واختلافاتهما كحزم لا تحصى من الادراكات التي ترد العقل عن طريق الحواس والذاكرة، بعدها يقوم العقل بتخليق دينامي حيوي لها قبل التعبير عن مواضيع الادراك بالفكر واللغة التجريدية الصورية داخل وخارج العقل في مجمل موضوعات الادراك وتنوعاتها وتوقيتاتها الزمنية في وصولها كمعطيات ادراكية للعقل... وبهذا يكون العقل (موضوعيا) كما يصفه شلر وليس ذاتيا فقط، بمعنى أنه مادي فاعل ومؤثر بالوجود وليس مدركا هامشيا محايدا ذاتيا في تدبيره حياة الانسان...

والعقل في الوقت الذي يعي نفسه أو ذاته، هو عقل موضوعي في مهمته أدراك عالم الاشياء الخارجي أيضا. والعقل يدرك وجود الاشياء ومحاولة أعطائه الفهم التحليلي والتفسيري لها بالفكرالجدلي، قبل أهتمام العقل التعبير عنها صوريا تجريديا باللغة. أما الشيء الذي نجده يستحق فعلا الاهتمام الجاد والكبير به ومناقشته هو أعتبار شيلر أن العقل يمتلك (ملكة) فطرية يستطيع تمييزه بها نوعية الشيء المدرك من حيث امكانية العقل فصل ماهيته عن مظاهره وظواهره الخارجية.وبذلك يسبغ شلر على العقل أمكانية لا يمارسها العقل وعاجز عنها ولا هي من اختصاصه القيام بها ونعني بها قيام العقل فصل الماهية عن الوجود كما يرغب شلر.

كما نجد أن تخطئة كانط في أصراره عدم امكانية العقل فصل ماهيات الاشياء عن ظواهرها الخارجية المدركة، أن تكون مصادرة رأيه بهذا المعنى والتعبير الفلسفي الاجتهادي المقبول، هو في مصادرته دونما أعطائنا شيلر بديلا فلسفيا مقنعا في كيفية أمكانية العقل فصل الماهية عن الوجود وكيف؟

بالحقيقة أن وجود الاشياء والمواضيع المستقلة في الطبيعة، وتمايز ماهياتها عن ظواهرها أو ظاهرياتها، هو في تعبير الوجود عن ذاتيته المستقلة بالطبيعة (ذاتها) كماهية غير مدركة وظواهر متعالقة بها قابلة هي وحدها لادراك العقل لها...، والعقل في أدراكه الشيء يدركه كوحدة واحدة من المكونات الظاهرية والماهيات المغلقة غير البائنة ادراكيا، ولا يستطيع العقل فصل معرفة ماهية الشيء عن ظواهره الخارجية لا في أدراكه ولا في أعادة تخليقه له.، فماهية الاشياء وعدم أدراكها حدسا عقليا أو تجريبيا أنما هي من خصائص الطبيعة غير العاقلة وليس من مهامها البيولوجية وظائفيا، التي هي الاخرى كما العقل لا تستطيع فرز ظواهر الاشياء عن ماهياتها بالادراك المباشرلها.

فالطبيعة هي موضوعات أدراكية للعقل لكنها لا تمتلك أدراكا ذاتيا ولا موضوعيا جدليا متخارجا كما هو عند الانسان... وليس من مهمة العقل المدرك للطبيعة والاشياء في ظواهرها البادية للمعطيات الادراكية الحسّية فقط التعبير عما يعجز عن أدراكه وهو ماهيات الاشياء وكيفياتها...الماهيات ألعصيّة على ألادراك العقلي وليست ظواهر الاشياء...

فالعقل يعجز فصل الماهية عن الوجود مثلما تعجز الطبيعة فعل ذلك أيضا، لكن بفارق جوهري كبير هو أن العقل يدرك عجزه كونه يعي ذاته والموضوع، بينما الطبيعة لا تدرك هذا العجز لعدم توافر الادراكين الذاتي والموضوعي عندها ناهيك عن أنعدام امتلاك الطبيعة خاصيتي الفكر واللغة اللتين يتمايز بهما الانسان عن الطبيعة في التعبير عن ادراك الاشياء ذاتيا وموضوعيا معا..

والحقيقة أن الادراك العقلي المادي للاشياء لا يدرك ماهياتها منعزلة كما لا يدرك ظواهراها ألبادية منعزلة عن أرتباطها الوثيق بجواهرها الكامنة فيها، ولا ينفصل العقل عن أدراكه الاشياء في ظواهرها من حيث أن المدرك الظاهري للشيء هوغير مدرك في ماهيته، ليس بالمعنى النوعي للادراك، بل بالقياس الكمّي الذي لا تنفصل فيه ملازمة ظواهر الاشياء المدركة عقليا بكيفياتها غير المنكشفة لادراك العقل، كما هو الحال مع الظواهرالمتعالقة مع كيفياتها الماهوية في غالبية الموجودات.بتعبير آخر فان الماهيات تتعالق في تبعيتها أدراك العقل لظواهرها، أي أن ظواهر الشيء المدرك تبقى في ملازمتها ماهيتها غير المدركة وترافقها معها، العقل وأن كان يدرك ظواهر الاشياء فهذا لا يعني مكنة وقدرة العقل التمييز الادراكي بين الظواهر والماهية في أدراك الوجود.

لكن تبقى محدودية ألادراك العقلي في عدم معرفة ألماهيات، وفي قدرته تفسير ظواهر الاشياء فقط ليست حيادية عقلية بل في تداخل وتفاعل تخليقي متجانس ومنظّم للظواهر وليس الماهيات، العقل لا يعرف ماهية الشيء المدرك في ظواهره، كي يتمكن فصل الماهية عن ظواهرها كما يرغب شيلر.

وليس في قدرة العقل الادراكي القيام بمهمة الفصل تلك، لذا عمدت الفلسفتان المادية والمثالية في أعتبارهما أدراك الاشياء في ظواهرها المادية الوجودية المستقلة، هو أدراك كاف للعقل في معرفة الاشياء من حيث هي موجودات الطبيعة...وأن مجموع الصفات والظواهر للشيء هي ماهيته غير المنظورة للحواس ولا المدركة للعقل، وكل تغيير في الظواهر والصفات الخارجية المدركة للاشياء، أنما يستتبعها تغيرات جوهرية في حقيقة الاشياء كيفيا ماهويا رغم ألزعم القائل أن الماهيات جواهر ثابتة لا يمكن تغييرها.فالتغيير في صفات الشيء يقود حتما الى تغيير بعض ماهياته الثابتة التي في حقيقتها غير ثابتة وانما تعيش حركة تضاد حركي بداخلها، وتعيش جدل متخارج مع صفاتها.أضافة الى أن ماهية الشيء هي في مجموع صفاته وظواهره المدركة حسيا وعقليا ومعرفتها في خواصه هذه يعني معرفة ماهيته.

الماهية البيولوجية والماهية الرياضية

ونجد هنا أهمية التفريق مابين معرفة ماهية الشيء رياضيا علميا عنها في معرفته البيولوجية الطبيعية عقليا، أن الادراك في كلتا الحالتين واحدا في الاحتكام النهائي لمرجعية العقل، أذ لا يمكن ادراك أو معرفة ماهية شيء بغير العقل. لكن أدراك ماهية الشيء رياضيا، أي معرفة حقيقتة الرياضية أنما تتم باعتماد رموز المعادلات الحسابية المختبرية التجريدية، وهو ما لا يتوفر عليه العقل أدراكه ماهيات الاشياء في وجودها البايولوجي الحي في الطبيعة التي تفترض معرفة ماهيتها حدسا أدراكيا مباشرا من العقل القاصر معرفتها حسيّا، ولا يحتاج العقل مرموزات المعادلات الرياضية، بل يحتاج أفكار اللغة في التعبير عن معرفة كيفيات الاشياء في حال أمكانية كشفها ومعرفتها.

كما تذهب فينامينالوجيا هوسرل أنها تلتقي بالعلوم الرياضية في معرفة الماهية لكن بطريقة الحدس العقلي، اذ حسب زعمهم أن الفينامينالوجيا هي مثل علوم الرياضيت لا تعالج وقائع عابرة، أي لا تعالج موجودات الاشياء في الطبيعة، وانما تهتم بماهياتها فقط، ولكن بأسلوب غير منطق الرياضيات في المعادلات، بل في أسلوب الحدس العقلي للماهيات.

من الواضح أن خطأ الفينامينالوجيا زعمها أنها تلتقي مع علوم الرياضيات في معرفة ماهيات وحقائق الاشياء غير ممكنة، فالمنهج المنطقي الرياضي الذي يعتمد معادلات تجريدية في الوصول الى حقائق وماهيات المواضيع، لا تتوفرعليها الفلسفة الفينامينالوجية في أعتمادها الاستدلال الحدسي العقلي غير اليقيني الثابت في الوصول الى ماهيات الاشياء في حال أفتراض وجودها الثابت...ولا يمكن معرفة الماهيات في حدسها عقليا ظاهريا، لأنه في حالة افتراض التسليم بهذه الامكانية الفينامينالوجية في الحدس العقلي، فأن هذا الحدس يستلزم خبرة أدراكية قبلية موجودة في العقل عن الشيء المراد معرفة ماهيته حدسيا.ثم والأهم من هذا أن المواضيع المراد معرفة ماهياتها رياضيا مختلفة جدا عن مواضيع معرفة ماهيات الاشياء فينامينالوجيا.

أذا ما أخذنا بالاعتبار أن ماهيات الاشياء البايولوجية في الطبيعة هي في حالة من الاحتجاب الكامن خلف ظواهرها، ولا يمكن للعقل أدراكها أو معرفتها بالمباشر الحسي أو الحدسي. نجد ومن هنا نقول أن الشيء الذي يعجز العقل عن أدراكه ماهويا لا يمكن التعبير عن ماهيته بأي نوع من التعبير الذي يمكننا فهمه.

أن عبقرية العقل وأعجازه تتمثل في أن أدراكه الاشياء ليس فقط لفهمها، بل في وجوب القيام بمهمة تفسير الادراكات بهدفية قصدية تغييرية للاشياء في ظواهرها فقط أي في تخليقها وتجديدها وتغييرها وليس في خلقها.

أما أن يتداخل ما هو ظاهري مدرك عقليا للشيء في جدل متخارج مع ماهو ماهوي كيفي غير مدرك لنفس الشيء، فلا يكون هذا من مهمة العقل وأنما من مهمة الطبيعة المحكومة بالجدل وبالحركة الدائمية والتغييرالمستمر في الزمان والمكان....تغييرات الاشياء في الطبيعة أنما يحكمها قانون الطبيعة في الديالكتيك الذي يعمل باستقلالية تامة عن أدراك أو تدّخل عقل الانسان بها ولا تستجيب لرغائب الانسان...الانسان منذ وجوده في الطبيعة يشكل جزءا متمايزا عنها فهو يقوم فقط بمعرفة ظواهر الاشياء فيها ولا يتدخل بقوانين الطبيعة سوى فقط التي يجري اكتشافها من قبله، أما القوانين الطبيعية التي لم يكتشفها الانسان لحد الآن فلا سيطرة له عليها ولا معرفة له بها ولا تداخل معها لا بالحواس ولا بالعقل...لذا تكون قوانين الانسان المخترعة عقليا تسري على الطبيعة في الظواهر المكتشفة منها فقط ولا تسري على قوانين الطبيعة غير المكتشفة للانسان من ضمنها قانون كيف يدرك العقل الانساني الوجود في كيفيته وجوهره.

كانط وشيلر والمعرفة العقلية

أن فصل الادراك الماهوي للشيء عن وجوده الظاهري المادي المستقل في الطبيعة، كان أشار له كانط في أن العقل عاجز عن معرفة ماهيات الاشياء، في نفس وقت وآنية أدراكه المادي لها في ظواهرها فقط. والعقل لا يمكنه التمييز بين الشيء في ماهيته والشيء في ظاهرياته. وكما ذكرنا سابقا أن العقل يدرك الاشياء في وحدة وجودية ويتعامل مع ظواهرها تخليقيا جدليا، ولا يخلق وجودها المستقل من جديد، فالافكار لا تخلق الوجود بل الوجود هو مصدر خلق الافكار.

ويبقى أدراك الماهويات عقليا مرتهن بمدى تعالقها مع أدراك العقل لظواهرها، والتخليق العقلي لا يمس كيفيات أو ماهويات تلك الاشياء لأنه لا يدركها، لذا نؤكد أن كل تغيير يطال الاشياء في ظواهرها لا يحتّم بالضرورة تغييرا ملازما في كيفياتها وماهياتها الثابتة، بنفس وقت أمكانية حصول تغيير في كيفية ما عند تغيير العقل ظواهر ذلك المدرك أو غيره...أذ ربما يحصل نوع من التبادل الجدلي التغييري في الشيء المدرك ظواهريا مع ماهيته التي تكون في حكم الثبات بالنسبة لأدراك العقل لها في وجودها الطبيعي المستقل، لكن بعد تدّخل العقل معالجة ظواهرها ربما يستتبع هذا تغيير في كيفياتها غير المكشوفة للعقل.

من جهة أخرى نجد شيلر في معرض أدانته لكانط في منهج الاستقراء المعرفي، وأتهامه له بالخلط ما بين العقلي والقبلي، وهو خلاف ما سعى له كانط أنه أراد تأكيد تداخل العقلي والقبلي بما لا يمكن للعقل الفصل بينهما، فكل ما هو عقلي يصبح قبلي في المراكمة من الخبرات، عليه يكون العقل قسمة مشتركة بين المفهومين في أدراك المعرفة، كما لا يوجد خبرات قبلية ولا ماهيات يختزنها العقل كمعطى ألهي أو هبة طبيعية في العقل. وأنما كل الخبرات تصبح بديهيات وحقائق عقلية بالتراكم المعرفي التجريبي، التي مصدرها الوجود، ويعجز العقل تخليقه الوجود وأن يجعل من الخبرات القبلية غير الموجودة في حقيقتها بديهيات مسّلم الأخذ بها.

قوانين الطبيعة وقوانين العقل

يذهب ماكس شيلر الى أنه ( لا يوجد عقل يفرض قوانينه على الطبيعة، واننا لا نستطيع أن نثبت الا ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح، أما القوانين فلا أحد يستطيع فرضها) (5) لم يوضح لنا ماكس شيلر لماذا لا يستطيع العقل فرض قوانينه على الطبيعة التي نحاولها في توضيحنا التالي، على حد فهمنا لعبارات شيلر الغامضة خاصة قوله ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح وما المقصود منهما:

- أن العقل الانساني محدود جدا في فهمه لا متناهي قوانين الطبيعة وقدراتها الفائقة التي تحكم الوجود الانساني بما لا يعرفه الانسان عنها الا في القليل منها، والقول بأن الانسان سيد الطبيعة مصطلح غائم غير صحيح بالنسبة للطبيعة وقوانينها، لكنه ربما يرضي غرور الانسان في محاولته وطموحه السيطرة على الطبيعة في أكتشافه قوانينها الثابتة كاملة...الطبيعة هي مرضعة الانسان والحيوان والنبات وجميع الموجودات في تأمين بقائها وأدامة حياتها في توفير الغذاء لها، وأن كانت لا تعي ذاتها لكنها لا تسّلم قيادها بيد الانسان، لأن ذلك خارج عن أرادتها الصماء الثابتة أيضا...والطبيعة تعرف بقوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي بضمنه الوجود البشري، وليس فقط بالاشياء المادية الظاهرة والبائنة لادراك الحواس والعقل المباشرمن كائنات حية وغير حية تشاركه الطبيعة.

الانسان بقدر أحساسه الكبير جدا أنّه لا يستطيع الاستغناء عن الطبيعة، ألا أن الطبيعة لا تدرك حاجة الانسان لها ولا تستجيب هي لرغائبه أكثر مما تجود به هي على الانسان والحيوان والنبات من أسباب البقاء والحياة بلا ادراك منها.

- إن الطبيعة هي مصدر خلق قوانين العقل وليس العكس. بمعنى عجز العقل أن يكون مصدرا مهيمنا باختراعه قوانين تمكنه من هيمنته على الطبيعة، فالوجود الطبيعي للاشياء هو الذي يخلق قوانين العقل، وبقوانين الطبيعة القبلية الثابتة التي تمتلكها الموجودات والتي يفتقد العقل أمتلاكها أو بعضها هي التي تحكم الوجود.

وقوانين الطبيعة قبلية متعالية على الوجود والانسان في غموضها وعدم قابلية العقل البشري أدراكها أو أكتشافها كاملة الا في بعضها، وليس بمقدور العقل أختراع قوانينه ذاتيا، قوانين يحكم بها الطبيعة ألا في أضيق نطاق ومجال هو ما يخص الطبيعة في ظواهرها وبعض القوانين المكتشفة من قبل الانسان عنها...لذا يتعذّر على الطبيعة أستقبالها قوانين العقل التي تكون هي مصدرها الحقيقي وليس العقل.القوانين الطبيعية المكتشفة منها وغير المكتشفة، هي التي تحكم الوجود، وقوانين الانسان المخترعة لا تحكم الطبيعة ولا الوجود بقدر تاثيرها الضئيل في تسخيرها الطبيعة لصالح بقاء الانسان وادامة حياته على الارض ومعه جميع الكائنات الحية.

- قوانين الطبيعة لا تستمد مشروعية قبولها من وعي الانسان بها أو حاجته لها، ولا تعمل أو تعي تلبية رغائب الانسان منها، ويمكن لموجودات الطبيعة أن تتقبل قوانين العقل التي تتدخل في ظواهر الاشياء فقط وليس بماهياتها التي يعجز العقل ادراكها.كما أن أختراع العقل لبعض قوانينه، فهو لا يمتلك بها أمكانية ابطال فاعلية قوانين الطبيعة الثابتة أو تحكمّه بها..

- ان القانون المستمد عقليا من أدراك الطبيعة لا يتعامل بحيادية التعبير عن تلك الادراكات بلغة التصورات المثالية التجريدية في حيادية زائفة تنسب للعقل، بل أن العقل يتداخل بالفكر والتجربة العلمية في تخليق مدركاته المادية والمثالية على السواء ليس من أجل معرفتها وتفسيرها المجرد، بل من أجل تطويعها لخدمة الوجود الانساني... أن ملكة العقل الادراكية النقدية تتداخل حتما في تعديل واكتشاف العلل السببية السلبية التي تعمل بالضد من تسهيل حياة الانسان وصعوباتها، والا فلا معنى أن يدرك العقل الانساني الطبيعة واكتشاف قوانينها الثابتة الفاعلة من أجل فهمها وليس من أجل تسخيرها في خدمة الحياة والوجود الانساني.

لذا فأن الطبيعة في الوقت الذي تكون أرهاصا أوليا للعقل في أدراكه الموجودات واكتشافه بعض قوانين الطبيعة، فهي عاجزة غير مكترثة عن أستقبال رغبة العقل الانساني فرض قوانينه المخترعة على الطبيعة ذاتها. وأن ملكة العقل الاعجازية تكمن في أكتشافه قوانين الطبيعة الثابتة التي تعمل بمعزل عن أرادة الانسان، بنفس وقت أن العقل يخلق قوانينه الجدلية الخلاقة التي يتبادلها في التأثير والتأثر بالطبيعة من جانب أحادي فقط هو الانسان.

الطبيعة في الوقت الذي تحكم الوجود الانساني بقوانين ثابتة مستقلة عن وعي وادراك ورغبة الانسان، رغم كل هذا فالطبيعة لا تعي استقبالها القوانين الانسانية المخترعة في تطويعها لرغائب الانسان وحتى العبث بها.

 

الباحث علي محمد اليوسف/الموصل

.......................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنكي، الفلسفة المعاصرة في اوربا، سلسلة عالم المعرفة، ترجمة د. عزت قرني ص 192-193

2- نفس المصدر ص 196

3- نفس المصدر ص 197

4- المصدر نفسه ص 198

5- المصر نفسه ص 199

 

علي رسول الربيعيالإجراء والجوهر: كما ذُكر أعلاه، يقترح رورتي أن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يمكّن التداول و"المحادثة" الأستمرار في الديمقراطية الليبرالية من دون مبرر فلسفي. ولتوضيح ذلك، استعار رورتي فكرة السوق، حيث يجتمع الناس من مختلف الاديان ويتعاقدون بخصوص أجراء أعمالهم، على الرغم من أنه قد يكون هناك خلافات فلسفية عميقة عنيفة بينهم.[1] يمثل هذا، بالنسبة لرورتي، الحل الوحيد لمشكلة انهيار إيماننا بالمعايير الأساسية للتنوير، وضرورة وجود إطار عمل يتم من خلاله إجراء "المحادثة" المستمرة حول الديمقراطية الليبرالية.

يصر رورتي على أن هذا الإطار الإجرائي يمكن أن يقف بذاته دون الحاجة الى مبرر فلسفي. بدلاً من الاعتماد على فلسفة التطمين، يحاجج رورتي بأن المجتمع الديمقراطي يحتاج فقط إلى عملية "توازن مناسب".[2] يستعير عبارة "التوازن المناسب" من جون راولز، الذي يعرفها بأنها "التعديل المتبادل للمبادئ والنظر في الأحكام".[3] إنها عملية ضمان توافق المبادئ والأحكام، وأن مصدر هذه المبادئ كان موضوعًا للتاملذ وللتفكير. ويحاجج رورتي ايضا بأن ما تحتاجه الديمقراطية ليس "إطارًا فلسفيًا" للمفاهيم [4]، بل إطار إجرائي، مثل التوازن المناسب، بدون محتوى حقيقي.[5] يبدو أن اعتراض رورتي على تسمية "أهداف جوهرية" هو فقط لأنها تقود إلى تبرير الأشياء أو ألأمور أو الوقائع باستعمال الفلسفة. فيأتي أعتراضه من موقفه الذي يعتبر هذا النوع من التبرير، كما أشرت سابقًا، بلا معنى أو، أو كإرباك ضار.[6] فيمكن فهم مفاهيم العدالة الإجرائية والمساواة، بالنسبة لرورتي، على أنها "تطورات ثقافية ضيقة وحديثة "تستحق المحافظة عليها.[7] ويجب الدفاع عنها عن طريق مقارنات مع البدائل الملموسة، وعلى أساس عملي برغماتي يدلل أن هذه المفاهيم تساعدنا على فهم وتحقيق نوع المجتمع الذي نريده، وليس من خلال اللجوء الى مفاهيم الأساسية أو حقائق العالمية.[8]

يعترف رورتي بأن حجته لإطار إجرائي مناسب تشبه نموذج هابرماس للفعل التواصلي. إنه يعتقد أنه يتفق مع هابرماس في أن "المجتمع الليبرالي هو مجتمع يرضى بتسميته الفعل" صواب "(أو" حق "أو" عادل ") مهما كانت نتيجة التواصل على أن لايكون مشوًه، وأيا كانت وجهة النظر التي تربح لكن على شرط أن تكون بطريقة حرة ومفتوحة.[9] يرى رورتي هناك القليل للاختيار او التفضيل بين موقفه وموقف هابرماس، على الأقل فيما يتعلق بالشكل الإجرائي الذي يجب أن يتخذه المجال العام. وتكمن نقطة الاختلاف الرئيسة، وفقًا لرورتي، في حقل "الفلسفية فقط"، لأن هابرماس ملتزم بوضع معايير عالمية وعقلانية.[10] يكتب رورتي أنه يجد أنه من الممكن "التوافق مع هابرماس الى أن يصل الى النقطة التي تتعلق بالعالمية، فينحرف عن الأتفاق معه".[11] أما بخصوص اختيار هابرماس لنمط العقلانية التي يتبناها، فأن رورتي يبدي رضاه عنها بوصفها توجها موضوعيا لكن يرفض أو يختلف منها في أدعائها العالمية، اي يتفق مع هابرماس في العقلانية ويختلف في العالمية لهذه العقلانية.[12] ويقول إن الأمر بكل بساطة، هو عدم قبوله فكرة أن الفلسفة في حد ذاتها لها صلة بالسياسة، في حين أن الجماعات والمجتمع وعلاقاته له هذه الصلة.

يعترف رورتي أن هناك خطراً وهو أن نتائج الإجراءات المتسامحة والعقلانية قد لا تكون هي نفسها متسامحة دائمًا. لكنه يرى أن الديمقراطيات الليبرالية لديها الوسائل لتجنب ذلك الخطر عن طريق "الأصغاء الى المتخصصين".[13] يزعم رورتي أن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية يمكنها أن تطمن نفسها من خلال توظيف ما يسميه "خبراء التنوع أوصياء العالمية أو رعاتها".[14] قد يبدو "التطمين" اختيارًا فريدًا للكلمة، يستعملها رورتي للإشارة إلى نوع من التبرير الأخلاقي للمجتمع الذي لا يرتبط بالقيم العالمية. يحدد "المتخصصين،ممثلي الرقابة " (عن سبيل المثال، علماء الاجتماع والصحفيون وعلماء الأنثروبولوجيا، ولكن كما هو متوقع، وليس الفلاسفة) الذين يجلبون التنوع إلى أنتباه وأهتمام "ممثلي العدالة". يحاجج رورتي بأن الديمقراطيات الليبرالية تشتغل بالفعل من خلال الالتزام بمبادئ العدالة الإجرائية، ولكن أيضًا من خلال توظيف "متخصصين على وجه التحديد ... [مهمتهم هي] ... مواصلة المشاركة في توسيع نطاق خيالنا الأخلاقي".[15] هدفهم هو تحقيق التوازن بين الطابع العالمي للعدالة الإجرائية، من خلال تذكير المجتمع بوجود التنوع وأهميته.

العرقية المتعمدة

يدعي رورتي بخصوص الإثنية المتعمدة التي يتبناها أنها تعطي أولوية للتسامح الليبرالي، أو على الأقل القيام بذلك حتى يظهر معجم مفردات أخرى تبدو أكثر فائدة من إجراءات الديمقراطية الليبرالية. تشير كلمة "مفيدة"، في هذه الحالة، إلى قدرة معجم المفردات المعينة على خدمة مصالح الناس. وفقًا لطريقة "إعادة الوصف" لرورتي، سيسعى مؤيدو المفردات الجديدة إلى إعادة وصف الإجراءات الليبرالية الحالية والمفاهيم الماضية والمستقبلية للتمثيل والمشاركة والعدالة. عن سبيل المثال، يمكن تحديد أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسائية، وفق تعبير رورتي، باعتبارها الحاجة إلى إعادة تعريف فهمنا للانقسام بين المجال العام / الخاص، لتمكين النساء من أن ينظر إليهن كمواطنات كاملات المواطنة.

ولكن حتى لو تم إجراء مثل إعادة التوصيف هذه، فإن العملية برمتها لا تزال إجراءً ليبراليًا أساسيًا. يمكن أن يُجبر نموذج رورتي للديمقراطية الناس على الخضوع بتسامح وصراحة لكل محادثة تهدف إلى إقناعهم باستخدام مفردات أخرى، سواء كانت مقدمة من قبل ليبرالية رورتي أو من قبل النسوية. لذلك، لم يبتعد رورتي أبداً عن هذا الإطار الإجرائي الليبرالي الذي يكمن في كونه أهم ضامن للنقاش الحر في المجال العام. يحاول رورتي الهروب من الانتقاد الذي يوجه له بأنه : في الواقع، يضفي الطابع العالمي على القواعد والإجراءات الديمقراطية الليبرالية، حيث يقول أن نموذجه يجب أن يقرأ على أنه إثني متعمد.

يجادل رورتي أن الليبراليين الغربيين الذين لم "يتبنوا ( طروحات) ما بعد الحداثة" يُجبرون فعليًا على أن يكونوا من عرقيين، لأن مفهوم المساواة الإنسانية، الذي يستند إليه نقد العرقية، هو" مركزية غربية مختلفة" أو أخرى .[16] بمعنى آخر، غالبًا ما يقوم أولئك الذين يحاججون ويقفون ضد المركزية الإثنية على أساس مجموعة من المفاهيم الأخلاقية هي نفسها نتاج ثقافة معينة ولحظة تاريخية بعينها. وفقًا لرورتي، يمكن لليبرالي ما بعد الحداثة أن يقبل أن الإجراءات الليبرالية تعبر عن مركزية عرقية، لكنها تبقى توفر أفضل إطار لجميع ثقافات العالم المختلفة حتى تتعايش، حتى تلك التي ترفض مبادئ الليبرالية المتسامحة.

نقد

تفتقد النظرية الديمقراطية التي تطرحها أعمال رورتي الأنسجام والتماسك وهي غير مقنعه في اغلب الأحيان . وقد اثارت الكثير من الانتقادات، سواء بسبب التناقضات الملحوظة في مقاربته المناهضة للأسسية الإبستيمولوجية (المعرفية)، أو لما يعتبره البعض ايديولوجية محافظة في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية. برنشتاين، عن سبيل المثال، يجادل بأن عمل رورتي هو "اعتذار أيديولوجي عن نسخة قديمة من ليبرالية الحرب الباردة مرتدية خطاب" ما بعد الحداثة "المعاصر.[17] على الرغم من أن بيرنشتاين يحفاظ على نقد قوي لنظرية المعرفة والسياسة عند رورتي، إلا أنه في مقال لاحق أعترف بأن عمل رورتي يشكل تحديات مهمة، ويساعد أسلوبه المثير للجدل على إحياء انضباط الفلسفة من خلال التشكيك في بعض معتقداتنا العزيزة.[18] يرى وولين، في مقال نقدي خلاف ذلك، فيقول أنه ربما هناك ميزة وجدارة في عمل رورتي تنبع من تداخل نظرية ما بعد الحداثة مع مفاهيم الديمقراطية. كما يرى وولين، إن المعالجة الواضحة للقضايا الديمقراطية هي نظرية نادرة الحدوث في طروحات مابعد الحداثة.[19]

لسوء الحظ، لا يوضح رورتي أيًا من الأشكال المختلفة للديمقراطية التي يدعم، باستثناء المؤسسات الأساسية مثل "التصويت، الصحف، المنظمات المجتمعية" لأهميتها.[20] وكما يقول برنشتاين، يبدو  رورتي وكأنه يفتراض بأن معنى "الديمقراطية الليبرالية" واضح إلى حد ما بالنسبة للجميع.[21] ويشير رورتي في بعض الأحيان بشكل منفصل إلى الليبراليةذ والى الديمقراطية ولكنه بشكل عام يجمع بينهما كنموذج سياسي واحد.[22] ليس هذا بالأمر غير المعقول، لأنه يوجد تقارب قوي بين الليبرالية والديمقراطية الغربية.[23] ومع ذلك، فإن الاثنين ليسا متطابقين، وتبقى الاختلافات بينهما مصدر خلاف. يرى وولين، عن سبيل المثال، أن تركيز رورتي على خصخصة الفلسفة ليس ديمقراطياً على الإطلاق، ويجادل بأن التمييز الصارم بين المجالين العام والخاص "ليس ما تدور حوله الديمقراطية"، مستشهداً بدلاً من ذلك بـ "المساواة والاعتقاد بأنه يجب ان تكرس السلطة العامة للمساعي المشتركة.[24] على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يرفض منظرو اليمين الجديد مثل فريدريك هايك ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية والليبرالية، من منظور أن قيمة الحرية يجب أن تكون لها الأسبقية على الديمقراطية، بمعنى ان يكون لإرادة الناس الأولوية.[25]

إن نظرية رورتي حول الديمقراطية الليبرالية لها نمطها الخاص. وإن مفهومه للحرية مفهوم سلبي، حيث يتم الحفاظ على دور المجال العام إلى الحد الأدنى عن عمد. ولأنه- كما يرى رورتي- لا يمكن أن يكون هناك معرفة يقينية، فإن التدخل في الشأن العام له دائمًا القدرة على تدمير حرية الفرد دون داع. ومع ذلك، ليس من الواضح سبب رفض رورتي الادعاءات الجوهرية لصالح إطار إجرائي. مع أن فلسفته تتضمن وتؤكد، في الواقع، على التزامات جوهرية بمبادئ التسامح وتسوية الخلافات، ومناهضة القسوة والمساواة الإنسانية.

يشير رورتي أن المضمون الجوهري للديمقراطية سيتم إعداده في مجريات النقاش العام، لكنه لايلتفقت الى أن مثل هذا النقاش يفترض مقدما وجود مساحة عامة شاملة ومتساوية للجميع . تستند نظرية رورتي للديمقراطية على افتراض أن المواطنين متساوون، وأن المجال العام الليبرالي شامل كليًا لجميع المشاركين. لكن ولين يشكك في التمييز بين القطاعين العام والخاص في عمل رورتي، ويرى أنه يحمي التمييز بين القطاعين العام والخاص من المنافسة والاحتمالية.[26]

إن حجة رورتي أن الاختلافات بين المشاركين في المجال العام يمكن اختزالها إلى مجرد "فلسفية" ومن ثم أنزالها إلى المجال الخاص هي في الواقع تهرب منه من مواجهة مسألة ما إذا كانت العدالة الإجرائية والمؤسسات الليبرالية قد تتضمن على تحيزات. يرى رورتي أن هذه الإجراءات محايدة ازاء جميع المقاصد والأغراض، وبالتالي هي مطالب مفتوحه لحق الأختلاف والنقاش حولها. لكن مثل هذا الافتراض يمكن أن يؤدي إلى خطورة تتمثل في رضا المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عن أوضاعها. وهذا الشعور بالرضا ستكون له عواقب سياسية هي: أنه طالما كانت المتطلبات الإجرائية للمناقشة تحدث، فلا داعي لمعالجة التفاوتات الواسعة النطاق. ثم أن هناك أنواعًا أخرى من النظريات التي لا تتوافق مع أيٍّ من هذين التوصيفين. فالمنظِّرون النسويون، عن سبيل المثال، يسعون إلى فحص علاقات القوى القائمة على النوع الاجتماعي( الجندر) المتضمنة في المجالين العام والخاص.[27] يفرض رورتي انفصالاً صارما جامداً بين الفيلسوف العقلاني التنويري من جهة، وليبرالي ما بعد الحداثة في ساخريته من ناحية أخرى. وكلاهما مدعوان إلى حصر اهتماماتهما الفلسفية في المجال الخاص، وترك المجال العام حرا لتحقيق العدالة الإجرائية الليبرالية. لكن لسوء الحظ، ما يبدو أن رورتي بسبب فلسفته هذه قد ضاع فرصة نقد حقيقي لتلك الإجراءات والمؤسسات، والقيم الجوهرية التي تشكلها. فطبقًا لرورتي، لا يمكن لأولئك الذين يرغبون في تقديم وجهات نظر نقدية حول الإجراءات والقيم الأً أن يفعلوا ذلك في المجال الخاص غير السياسي، أو سيكون عليهم الانخراط في عملية "إعادة الوصف" بشكل مقنع بما يكفي لضمان حدوث تحول في "المفردات" لهذا المجتمع بالذات.

ينتقد وولين مفهوم إعادة الوصف- الذي يقول به رورتي- باعتباره يفتقد العمق السياسي المطلوب، مجادلا أن رورتي يؤيد نظرية للتاريخ تنسب كل تغيير اجتماعي إلى التلاعب في اللغة.[28] الادعاء بأن اللغة لها وظيفة بناءة ليس فريدًا من نوعه ولم يقل به أحداً غير رورتي. فيمكن القول أنها واحدة من السمات المميزة القليلة لنظرية ما بعد الحداثة ككل. لكن وفقًا لنموذج رورتي للديمقراطية، يبدو أنها عملية حميدة نسبيًا. يصفها رورتي بأنها أحدث طريقة فلسفية حيث يحدث التغيير من خلال إعادة وصف الممارسات التوافق بشكل صحيح مع الصورة الذاتية للمجتمع. يستعمل رورتي مصطلحات مؤرخ العلوم توماس كون، الذي حدد الاختراقات الثورية في العلوم بأنها "تحولات نموذجية". اقترح كون أنه بمجرد حدوث هذا الاختراق، لن يكون هناك عودة إلى الطريقة السابقة لمشاهدة أو ملاحظة شيء ما.[29] وبأستعمال مصطلحات رورتي، تتغير "مفردات" العلوم بشكل دائم. ه تصبح ذه المقارنة إشكالية عندما يسحب رورتي نظرية كون لتفسير التحولات في تصور الذات للمجتمع وتطبيقها كنظرية للتغيير الاجتماعي.

لأن – أيً رورتي- يتجاهل الصراعات السياسية الفعلية والعميقة، سواء المادية أو الأيديولوجية، التي تصاحب هذه التحولات. أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسوية، عن سبيل المثال، نشأت عن الصراع الذي يهدف الى حق توضيح تجارب النساء. كان جزء من المشروع هو الكشف عن الثغرات في النظرية السياسية والمعرفية الناجمة عن الإهمال المسبق لهذه التجارب.[30] هذا أكثر من مجرد مناورة لغوية. هناك قوة حقيقية على المحك في هذا النوع من إعادة الوصف. إذا نظرنا إليها فقط على أنها تحولات في المفردات، يتم تجريد هذه الصراعات من أهميتها السياسية، وتأثيراتها على السلطة في المجالين العام والخاص.

الاستنتاج والخلاصة

لقد ناقشت: أن اهتمام رورتي بالديمقراطية هو، في معظمه، اهتمام بانتقاد كيف عامل وتناول الفلاسفة والمنظرين السياسيين الديمقراطية. وبمصطلحاته، إنها نظرية تدور حول معجم مفردات الديمقراطية. وهي بهذا تقدم نقد سلبي إلى حد كبير. لكن، من جهة أخرى، يقدم رورتي بعض الوصفات الإيجابية لنظرية أو ممارسة الديمقراطية مستشهدا ببعض الكتاب والروائيين ومواقفهم، مثل أوريل، أو القادة السياسيين الشعبيين مثل مارتن لوثر كنج، ولكن ليس الفلاسفة.

يشير نورمان جراس أنه بسبب الأهمية التي يضفيها رورتي على النقاش واستمراريته، فإن ليبرالية برجوازية ما بعد الحداثة تكون أكثر راديكالية وأكثر إنسانية من الأشكال السابقة لليبرالية. بمعنى آخر، على الأقل في المدينة الفاضلة الليبرالية حيث يكون كل شيء تقريبًا مشروطًا، فهذا يعني أن كل شيء متروك للمناقشة العامة.[31] لكن عمل رورتي يعتمد بوضوح على بعض الادعاءات التي لا تنشأ بوصفها مشروطة ببعض التزاماته الأخرى. وليس كل شيء متروك للسؤال. عن سبيل المثال، يعطي رورتي الأولوية لإجراء محادثة متسامحة، وهو إجراء تواصلي غير مباشر بدون أسس. إنه غير مستعد لدراسة أي من القيم الجوهرية الأخرى التي تشكل جزءًا من هذا التقليد الديمقراطي نفسه، أو التعرف على بعض التقاليد المنافسة أو التكميلية الأخرى. إن رغبة رورتي في القضاء على القسوة والمعاناة أهداف جديرة بالثناء، ولكنها لا يمكن أن تكون أكثر من التزامات تعسفية. يشير رورتي أننا يجب أن نقبل هذه الالتزامات لأن لديها صدى داخل المجتمعات الليبرالية. حتى بمصطلحات رورتي الخاصة، فإن معجم مفردات الديمقراطيات الغربية، ناهيك عن تلك الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، تبدو أكثر ثراءً وتعقيدًا من هذا الذي يطرحه رورتي.

رغم الأنتقادات التي قدمتها لعمل رورتي لكن لا يجب أن تنتقص هذا كليا من أهمية عمله بخصوص الديمقراطية. قدمت ما بعد الحداثة تحديًا كبيرًا للطريقة التي يتعامل بها المنظرون مع قضايا أسس النظرية والممارسة السياسية. غالبًا ما يتم اعتبار ادعاءات ما بعد الحداثة حول أحتمالية وعرضية المعرفة بأنها الخطوة الأولى على طريق النسبية، مما يؤدي إلى عدم القدرة على الفعل والتصرف سياسياً. إن دفاع رورتي القوي عن "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية" هو محاولة للتوفيق بين ما يُعتبر غالبًا المواقف المتعارضة بين السياسة وما بعد الحداثة. تتحدى نظرية رورتي للديمقراطية الحكمة التقليدية المتمثلة في أنه لا يمكن أن تكون هناك سياسة قوية دون التيقن من أسس ابستيمولوجية (معرفية) تقوم عليها. إن نقطة النهاية في نموذجه السياسي هي: يتم إعادة تعريف ممارسة السلطة على أنها تحول لغوي، ويتم نقل جميع فرص النقد والتغيير في الديمقراطية الليبرالية تقريبًا إلى المجال الفردي الخاص، حيث تختفي فعليًا. لسوء الحظ، يذهب معهم الفرصة لاستجواب حقيقي للقيم الإجرائية والموضوعية والفلسفية التي تشكل مفهوم رورتي للديمقراطية الليبرالية المعاصرة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 209.

[2] Rorty, Objectivity, Relativism, and T ruth, p. 184.

Rawls, A Theory of justice (Cambridge, MA, Belknap Press of the Harvard University Press, 1971), p. 20 [2]

[3] جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، الهيئة السورية العامة للكتاب، دمشق، 2011، ص 32.

[4]

[5] Rorty, 'Posties', p. 12.

[6] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

[7] Rotry, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 208.

[8] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 211.

[9] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[10] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[11] Rorty, 'Posties', p. 12.

[12] Rorty, 'Posties', p. 12.

[13] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 201.

[14] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 206.

[15] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[16] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[17] Bernstein, 'One step forward', p. 556.

[18] R. J. Bernstein, 'Rorry's liberal utopia', Social Research, 57:l (Spring 1990), 31-72.

[19] شيلدون ولين، "الديمقراطية في خطاب ما بعد الحداثة"، مجلة البحوث الاجتماعية، العدد، 57 (صيف 1990)، 5-30. ولمزيد من النقاش حول مقاربات ما بعد الحداثة للديمقراطية، بما في ذلك أراء Rortyذ وHellerذ وFeherذ وLaclauذ وMouffe، راجع M. Saward، "ما بعد الحداثة، البراغماتيون ومبرر الديمقراطية"، الاقتصاد والمجتمع، 23: 2 (1994)، 201 -16.

[20] Rorty, 'Intellectuals in policies', p. 489.

[21] Bernstein, 'One seep forward', p. 547

[22] Bernstein, 'One seep forward', p. 547.

[23] D. Held, Models of Democracy (Cambridge, Policy, 1987), p. 5.

[24] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 25.

[25] Hayek in Held, Models of Democracy, p. 248.

[26] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 14.

[27] N. Fraser, 'Solidarity or singularity, in her Unruly Practices: Power, Discourse and Gender in Contemporary Social Theory {Cambridge, Policy, 1989), p. 104.

[28] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', pp. 19-20.

[29] توماس كون، بُنيَة الثورات العلمية، ص123 فمابعد.

[30] N. Hartsock, Money, Sexand Power: Toward a Feminist Historical Material­ ism (New York, Longman, 1983).

[31] N. Geras, Solidarity in the Conversation of Humankind: The Ungroundable Liberalism of Richard Rorty (London, Verso, 1995), p. 88.

 

 

حاتم حميد محسنكارل بوبر (1902-1994) فيلسوف نمساوي المولد اكتسب فيما بعد الجنسية البريطانية، اشتهر بمبدأ التكذيب او التفنيد falsification principle(1) وهي طريقة العلوم في بيان زيف الفرضية العلمية، وبالتالي السماح بايجاد فرضية أفضل. الفرضية يمكن بيان انها زائفة حتى ولو بملاحظة مضادة واحدة. المثال الكلاسيكي على ذلك: افتراض "كل البط ابيض اللون" ثبت زيفه عندما لوحظ وجود بط أسود في استراليا. لكن مساهمات بوبر العظمى للفلسفة هي في هجومه على التاريخية historicism(2) وهي الفكرة بان التاريخ له اسلوب وهدف ونهاية، وانه يتحرك بلا توقف نحو تلك الغاية طبقا لقوانين معينة. بوبر درس بعناية التاريخية في كتابه (فقر التاريخية) الصادر عام 1957 وذهب بعيدا نحو الفلسفة السياسية والمجتمع في كتابه من جزئين (المجتمع المنفتح واعداؤه، عام 1962).هذا الكتاب العالي الاتقان في الفلسفة السياسية يمثل حالة دراسية نموذجية في فن النقد، ويجسد دفاعا حماسيا عن الديمقراطية الليبرالية. الأعداء الفلاسفة للمجتمع المنفتح، يرى بوبر، يدخل ضمنهم افلاطون وهيجل وماركس.

الجزء الاول من الكتاب يتعلق بافلاطون الذي رأى التاريخ ليس كتقدم وانما دائري، وهو في تراجع عن العصر المثالي الذهبي. افلاطون في جمهوريته حفز على النظام الاجتماعي المحكوم بالفلاسفة الملوك، المحميين بالنخب العسكرية وبمساندة طبقة كبيرة من العمال. بعض الخصائص الكريهة في نظامه الاجتماعي دفعت بوبر للهجوم عليه.

لكننا نهتم هنا بالجزء الثاني من كتاب بوبر الذي يناقش هيجل وماركس – خاصة ماركس، رغم اننا عند مناقشة ماركس والتاريخ لا يمكننا تجنب هيجل. في الحقيقة، كان ماركس قد تأثر بعمق بنظرية هيجل في التطور التاريخي. كلاهما اعتقد بان التاريخ له غرض وقدر محتوم، وان البشرية منذ البداية تحركت نحو مصيرها مندفعة بالصراع عبر سلسلة من المراحل المستمرة، كل مرحلة جديدة تأتي الى الوجود عبر الصراع الناتج عن التناقضات او النفي للمرحلة السابقة .وعندما تتحرك العملية التاريخية نحو الامام، فان الظروف تتحسن حتى يتم في النهاية حل التناقضات والوصول الى نوع من الحرية.

ولكن رغم هذا التشابه فان النظريتين في تضاد مع بعضهما. نظرية هيجل في التاريخ التي عرضها في فينومولوجيا الروح هي تجريدية، تتكشف دائما في الذهن. مختلف حركات الفكر او العقائد تتصارع مع بعضها مجتمعة لتعطي دفعا لظهور حركات جديدة تستمر بدورها بالصراع مع اخرى في عملية مستمرة تسمى الديالكتيك. تاريخ العالم هو انكشاف لما يسمى الذهن المجرد او الروح من خلال الديالكتيك. بهذا المعنى، يعتمد العالم على الذهن، على الافكار، وعليه تسمى نظرية هيجل بالمثالية الديالكتيكية. في اوج الحركة الديالكتيكية، يمارس الفرد التحرير من خلال علاقته مع الدولة التي يمجدها هيجل حين كتب "الدولة هي فكرة دينية كما تتجسد على الارض"(محاضرات هيجل في فلسفة التاريخ، جزء 41).(3)

فكرة هيجل عن العملية التاريخية – ديالكتيك التناقضات – بدون شك اثّرت على ماركس وانجلس. ذكر انجلس في وصفه ديالكتيكية هيجل بانها منطق جديد "لامع". لكن هذا المنطق فيه مشكلة. فكما ذكر ماركس "ليس وعي الناس منْ يقرر وجودهم، وانما وجودهم الاجتماعي هو من يقرر وعيهم" (نقد الاقتصاد السياسي، 1859).

نظرية ماركس، بالمقابل،  تنكشف في عالم العمل، لذا هو يسميها المادية الديالكتيكية. صراعها هو بين الطبقات الاقتصادية، وان ذروة حركتها تتمثل في بلوغ المجتمع اللاطبقي،  وبالنهاية زوال الدولة . كلا الرجلين تأثرا بقوة بهريقليطس الذي ذاع صيته في القرن الخامس قبل الميلاد. هيرقليطس قال بان كل شيء في حالة من التدفق او السيلان، يتغير الى الابد من خلال قوانين الطبيعة التي اسماها اللوغس او المنطق، يقوده التصادم بين الاضداد، ولكن بما ان هيرقليطس كان ماديا، لذا اعتبره ماركس مبشرا لماديته التاريخية.

بوبر حول ماركس والتاريخ

طوال تفحصه لماركس، اتّبع بوبر خطا رفيعا بين الاعجاب والخشية. هو يشعر بالاحترام لماركس، وجده صادقا في عقيدته، حاد الادراك في تحليلاته، متحمسا نحو المسحوقين. اعتقد بوبر ان ماركس ذاته "قام بمحاولة شريفة لتطبيق الطرق العقلانية على معظم المشاكل العاجلة للحياة الاجتماعية ... امانته واخلاصه في بحثه عن الحقيقة ومصداقيته الفكرية ميّزته دائما، نعتقد و من خلال العديد من اتباع بوبر " ... ان الماركسية هي التي ازعجت بوبر الذي اسماها" شكل التاريخية الأنقى والاكثر تطورا والاكثر خطورة".

يرى بوبر ان الاختلاف الاساسي بين ماركس وغالبية المؤرخين (بمن فيهم هيجل) هو ان الآخرين رأوا التاريخ "ومصير الانسان"يتقرر بالصراع بين الامم. ماركس رأى التاريخ يتقرر بالصراع بين الطبقات. وكما ذكر ماركس "تاريخ جميع المجتمعات القائمة حتى الان هو تاريخ الصراع الطبقي"(البيان الشيوعي). وكما يوضح بوبر "التفسير السببي الماركسي للتاريخ بما فيه الحروب القومية، هو ان مصلحة الطبقة يجب ان تأخذ مكان المصالح القومية المزعومة والتي هي في الحقيقة فقط مصلحة الطبقة الحاكمة في الامة".

طبقة المرء تتقرر بموقع المرء في نظام المجتمع لإنتاج السلع والخدمات. في الرأسمالية، البرجوازية هي من يملك وسائل الانتاج، وبهذا هي من يصنع الطبقة الحاكمة. اما اولئك الذين يقومون حقا بالعمل لإنتاج السلع والخدمات فهم يصنعون الطبقة العاملة او البرولوتاريا. المالكون يُجبرون لزيادة الانتاجية لكي يمكنهم التنافس، وبهذا هم مجبرون لإجبار العمال على انتاج المزيد وبكلفة اقل، وهو ما يعني اجور عمل قليلة. هم ايضا واعون تماما بان حريتهم تعتمد على انعتاقهم من العملية الانتاجية. هم يمكنهم "شراء مقدار اكبر من الحرية فقط على حساب استعباد اناس آخرين"، كما يذكر بوبر. "فقط عبر جعل الآخرين يقومون بعمل قذر يمكن للحكام ان يكونوا متحررين". ولكن مع استغلال العمال، هم يطورون وعيا طبقيا: نتذكّر ان ماركس اعتقد ان وجود الانسان الاجتماعي يقرر وعيه. وبهذا فان العمال يصبحون باستمرار واعين بان حاجتهم للحرية  تتقرر بموقعهم في وسائل الانتاج. الحكام ملزمون باستعباد المحكومين، والمحكومين ملزمين بالكفاح ضد الحكام. "وهكذا دائما، الحكام ومعهم المحكومين يقعون في الفخ، ويُجبرون للصراع ضد آخر"، يوضح بوبر."انها العبودية"، هو يضيف"هذه الحتمية في الصراع  ... نبوءة تاريخية علمية".يلخص بوبر حتمية ماركس بالقول ان علاقات الطبقة التي تميز النظام الاجتماعي هي مستقلة عن رغبة الانسان الفردية.

من المفزع ان كل هذا يبدو غير شخصي – ازيل من الواقع الوحشي للحياة اليومية. لكن ماركس رأى  القسوة المميتة للراسمالية في انجلترا في اواسط القرن التاسع عشر. ماركس يعطي هنا امثلة:

1- وليم وود شاب عمره 7 سنوات .. يأتي للعمل كل يوم من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة التاسعة مساءا .. "15 ساعة من العمل لطفل بعمر سبع سنوات، شيء مدهش حسب  تقرير رسمي للجنة استخدام الاطفال عام 1863".

2- ماريا آن والكلي شابة عملت دون توقف لمدة 26 ساعة ونصف، مع 60 من البنات الاخريات، 30 منهن في غرفة واحدة .. استدعي الطبيب لاحقا، شهد امام الطبيب الشرعي بان ولكلي ماتت بسبب ساعات العمل الطويلة في غرفة عمل مزدحمة".

النبوءة ومفارقة الحرية

يربط بوبر الظروف المزرية للرأسمالية المنتصرة بشيوع فكرة الحرية الاقتصادية :"هذا الاستغلال المخزي جرى الدفاع عنه وبسخرية من جانب المنافقين الذين لجأوا الى مبدأ الحرية الانسانية، لحقوق الانسان في تقرير مصيره، وللدخول بحرية في اي عقد يراه مفضلا لمصالحه".

مفارقة الحرية هو مفهوم يعود تاريخه الى افلاطون الذي يقول بوضوح ان "الحرية اللامحدودة تقود الى لا حرية". بوبر طبق هذه المفارقة على نوعين من الحرية هما الفيزيقية والاقتصادية. "الحرية في اي ميدان تهزم ذاتها اذا كانت غير محدودة"،  هو يكتب. الحرية الفيزيقية غير المقيدة هي حرية البلطجيين في ايذاء الضعفاء. ولكن بالنهاية، ذلك البلطجي سيأتي ضد بلطجي اقوى، وذلك البلطجي ايضا سوف يواجه آخر وهكذا. لذا من الضروري للدولة ان تقيد الحرية الفردية في طرق قانونية معينة لحماية حرية كل شخص. السلطة الاقتصادية غير المقيدة تقود الى نفس النتيجة في العالم الاقتصادي. " في دولة كهذه،  القوي اقتصاديا حر في ايذاء الضعيف اقتصاديا، وسرقة حريته"، يكتب بوبر. فمثلا، "اولئك الذين يمتلكون فائض من الطعام يمكنهم اجبار الاخرين الجياع على "عبودية مقبولة" بشكل حر".لذا من الضروري ايضا للحكومة ان تحمي الضعفاء اقتصاديا.

يجادل بوبر ان الدولة يمكن ان تبني مؤسسات لتوفير هذه الحماية من خلال الوسائل القانونية. هو سمى هذه العملية "الهندسة الاجتماعية التدريجية"piecemeal social engineering(4). ماركس اعتبر السياسة والنظام القانوني خادما للطبقة الحاكمة. هو آمن بان الانظمة السياسية البرجوازية انكرت الحريات الاساسية للعمال والفقراء. ورغم انهم جرى التعبير عنهم في لغة العدالة والحرية، لكن هذا كان مجرد ديكور خارجي. بوبر في وصفه عقيدة ماركس في هذا،  كتب" هذا يبين ان الاستغلال ليس مجرد سرقة. انه لايمكن منعه فقط بالوسائل القانونية". بالنسبة لماركس، الخيار الوحيد هو الثورة.

طبقا للتاريخية الاقتصادية لماركس، النظام الاجتماعي لفترة تاريخية معينة يجب ان يزيل نفسه لينتج الفترة التاريخية القادمة. هذا يبين كيف ان الاقطاعية انتجت الرأسمالية. الراسمالية بدورها، تحتوي على بذور فناءها. تلك البذور توجد في ظروف الانتاج. في كتاب رأس المال،  ادّعى ماركس هناك تركيز متزايد للثروة بايدي القلة، وزيادة مماثلة في شقاء وتعاسة الطبقة العاملة المتزايدة. هذه اول خطوة من ثلاث خطوات في نبوءة ماركس بالثورة. هذه النزعة ستؤدي الى الخطوة الثانية، محتوية على نتيجتين. كما يوضح بوبر حول نظرية ماركس:"كل الطبقات ماعدى البرجوازية الحاكمة الصغيرة والطبقة الكبيرة  العاملة المستغلة ملزمة لتختفي او لتصبح بلا اهمية". وايضا، "التوتر بين هاتين الطبقتين يجب ان يقود الى ثورة اجتماعية" من خلال الصراع بين المالكين والعمال. اخيرا،  في الخطوة الثالثة، العمال سيبرزون كمنتصرين على المالكين ويؤسسون ما يسميه ماركس دكتاتورية البروليتاريا. بالنسبة لماركس هذه الدكتاتورية ضرورية للدفاع ضد الثورة المضادة ولخلق المجتمع اللاطبقي.

اعتقد ماركس ان هذه العملية التاريخية حتمية. هذه التاريخية وجدها بوبر خطيرة، ومن هنا هو  فصل نفسه عن ماركس. بوبر بوضوح شجع مفارقة الحرية لمواجهة الشروط الضرورية لثورة ماركس الحتمية:

"نحن يجب ان نبني مؤسسات اجتماعية، تُفرض بسلطة الدولة، لحماية الضعفاء اقتصاديا من الاقوياء اقتصاديا ..  يجب ان نطالب بان الرأسمالية غير المقيدة تسمح بالتدخل الاقتصادي. وهذا بالضبط ما حدث. النظام الاقتصادي الذي وصفه وانتقده ماركس لم يعد موجودا في اي مكان".

يعطي بوبر امثلة لما حدث في تحديد الحرية المطلقة للسوق مثلما كان ايام ماركس: تحديد ساعات العمل، الحماية ضد المرض والعجز والبطالة والضرائب التصاعدية  وظهور اتحادات العمال وغيرها. يذكر بوبر ان ماركس "لم يستوعب ابدا مفارقة الحرية، وهو لم يفهم ابدا الوظيفة التي يمكن لسلطة الدولة تأديتها في خدمة الحرية والانسانية". يجب التأكيد ان بوبر لم يكن ساذجا فيما يتعلق بسلطة الدولة وامكانية الاستبداد. "تدخّل الدولة"، هو يكتب "يجب ان يقتصر على ما هو ضروري لحماية الحرية". باطلاع تام على سايكولوجيا الانسان، شدد بوبر على اهمية السيطرة على المسيطرين. في الحقيقة، معظم الدول الغربية اسست اطارا قانونيا للفصل بين السلطات لتحديد سلطة الدولة بالاضافة الى الحرية المطلقة للسوق.

نهاية التاريخية

سبب فشل نبوءة ماركس " يكمن كليا في فقر التاريخية "يكتب بوبر: "في ابسط الحقائق حتى لو نلاحظ اليوم ما يبدو من نزعة تاريخية، نحن لا نعلم انها سيكون لها نفس المظهر غدا". بوبر ذكر ايضا ان الناس عندما يتحدثون عن تاريخ البشرية" ما يعنونه وما تعلموه في المدرسة هو تاريخ السلطة السياسية. لا وجود لتاريخ البشرية، هناك فقط اعداد لا متناهية من التواريخ ... وأحد هذه التواريخ هو تاريخ السلطة السياسية. هذا التاريخ رُفع الى مستوى تاريخ العالم. لكن هذا هو جريمة ضد كل تصور لائق للبشرية.. بالنسبة لتاريخ السلطة السياسية لاشيء عدا تاريخ الجريمة الدولية والقتل الواسع". لكي يوضح هذا يستشهد بوبر من الثورة الروسية وتأسيسها دولة صناعية باستخدام العمل الاجباري والقمع المفرط للمعارضين.

في نهاية المجتمع المنفتح واعداؤه، يعرض بوبر مرة اخرى غموضه نحو ماركس."ماركس أوهم الناس الاذكياء ليعتقدوا بان النبوءة التاريخية هي الطريقة العلمية في حل المشاكل الاجتماعية". مع ذلك، هو يسمي عمل ماركس "نظام فلسفي فخم، مقارنا او أرقى من الانظمة الكلية لافلاطون وهيجل . ماركس كان آخر العظام من مؤسسي الانظمة الكلية . نحن يجب ان نحرص على تركه هناك، ولا نستبدله بنظام آخر عظيم".

وهنا يجب ذكر ملاحظتين. اولا،  ان بوبر الذي مات عام 1994 ربما سيشعر بالقلق من  التصاعد الاخير للقومية المتشددة في اوربا والولايات المتحدة، وايضا سيلوم الفجوة الواسعة بين الاغنياء والفقراء. كلاهما يعزز انتعاش مفاجيءللماركسية او انظمة شمولية اخرى،  وهو موقف سيواجهه بوبر بمزيد من الهندسة الاجتماعية المتدرجة.

اخيرا، ملاحظة بشان هيجل وماركس. الفلاسفة الحديثين احيانا يبحثون عن دعم من اليونان القديمة لإعطاء نظرياتهم بريق الحكمة القديمة. هيجل وماركس كلاهما وجد ضالته في هيرقليطس. هيجل كان فخورا به :"لم توجد فرضية لهرقليطس لم اتبنّاها في منطقي .. كل الاشياء تمر طبقا للصراع"، بينما ماركس اعتبره سبّاقا في ماديته الديالكتيكية للتاريخ. وكما ذكر الفيلسوف وليم ساخان في تاريخ الفلسفة 1968: "هرقليطس اعتبر العالم كنظام يتغير بلا توقف، لا يكتمل ولا ينتهي ابدا في بلوغ اهدافه او التوقف في حالة من الكمال".

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) مبدأ التكذيب اقترحه الفيلسوف العلمي كارل بوبر. المبدأ يفترض بان الشيء لكي يكون علميا يجب ان يكون بالامكان تكذيبه. اذا كانت الاشياء قابلة للتكذيب او ممكن اثباتها كاذبة عندئذ يمكن استخدامها في التحقيقات والدراسات العلمية . مثال على البيانات القابلة للتكذيب القول بان جميع السيارات حمراء. هذا القول يمكن تكذيبه بسهولة عبر ملاحظة سيارة واحدة ليست حمراء. كل شيء لا يمكن اثباته كاذبا هو غير صالح للتحقيق العلمي. مثال على بيان لا يمكن تكذيبه هو وجود كائنات خرافية غير مرئية تسكن الكهوف والجبال وتسرق الاطفال لايمكن اكتشافها من قبل الانسان. هذا القول لا يمكن اثباته صحيحا او كاذبا، ولذلك هو لايمكن تكذيبه ولا يمكن استخدامه في التحقيق العلمي.

(2) التاريخية هي الاعتقاد بان التاريخ يتقرر وفقا لقوانين، وان فهم الناس والثقافات يتطلب فهم الاحداث  التاريخية. مثال على التاريخية هي الاعتقاد بان ما حدث في الـ 100 سنة الماضية سيقرر ما يحدث اليوم.

(3) يرى هيجل ان الدولة هي أعلى تجسيد للفكرة الدينية على الارض وهي الوسيلة الرئيسية التي يستعملها المطلق في تجسيد ذاته كما ينكشف نحو الانجاز التام. جادل هيجل بان الدولة هي أعلى شكل من الوجود الاجتماعي والمنتج النهائي لتطور البشرية، بدءً من العائلة ومرورا بالمجتمع المدني وصولا الى ادنى اشكال التجمعات السياسية. الدولة هي كل عضوي متسامي يتالف من تجمعات الافراد في جماعات محلية وجمعيات وغيرها. هذه الاجزاء ليس لها اي معنى عدى علاقتها مع الدولة التي هي غاية في ذاتها. الدولة يمكنها ان تطلب من اجزاءها التضحية لأجل مصالحها. كل انسان خاضع للكلي الاخلاقي.اذا طالبت الدولة بحياة فرد ما عندئذ يجب على الفرد التسليم. بما ان كل شيء بالنهاية هو واحد، فان الجماعي له السيادة على الفرد. دولة هيجل ليس فيها مكان لفكرة الحقوق الفردية او النظرية الليبرالية للدولة.

(4) في كتابه (فقر التاريخية، 1957) انتقد كارل بوبر التاريخيين ولاسيما الشيوعيين والفاشست في محاولتهم التنبؤ بالمستقبل، وجادل بان التجارب الاجتماعية الكلية المرتكزة على هذه النظريات محكوم عليها بالفشل، ذلك بسبب ان طريق التاريخ الانساني يتأثر كثيرا بنمو المعرفة، ونحن لا نستطيع ان نتنبأ عقلانيا ولاعلميا بمستقبل النمو في المعرفة العلمية. بدلا من ذلك، ومقارنة مع الدور المركزي للتجارب المتدرجة في العلوم، هو يرى ان الشكل الوحيد للتغيير الاجتماعي الذي يمكن تبريره هو ذلك الشكل الذي يكون على نطاق صغير، وسلس ومتدرج ويمكن باستمرار تعديله في ضوء التجربة. هذا الاتجاه يرتكز على التجربة والخطأ وليس على الرؤى التاريخية القبلية، وكما يقول بوبر"نحن نصنع التقدم فقط عندما نكون مستعدين للتعلّم من اخطائنا: نعترف باخطائنا ونستعملها نقديا بدلا من الاستمرار الدوغمائي عليها. الهندسة الاجتماعية هي إدخال لتصور بوبر للطرق العلمية في التخطيط والسياسة.