محمد كريم الساعديهل الانسانية بحاجة الى مفهوم جديد في صياغة مفهوم للعقل بعد كل هذه الازمات؟ وهل الانسان أصبح أمام أعتاب مرحلة جديدة من التغييرات بحيث لابدّ من تغيير مفاهيمه السابقة عن العقل؟ . في ظل المتغيرات الكونية الحالية على مستويات عدة منها أقتصادية ملحة وصحية حرجة وسياسية متصارعة وتقنية منطلقة بقوة نحو تغير مفاهيم عديدة ومنها الزمان والمكان والافعال التي كلها دخلت في مجال الافتراض، وفي مجال الرقميات التي أصبحت لا غنى عنها في الحياة البشرية اليومية، فهل كل هذه المتغيرات يجب أن نعقلها بعقل يمتلك نفس صفات المراحل السابقة التي كانت تدعي مرة أن كل شيء يحصل على وفق قوى غيبة ميتافيزيقية؟، أم على وفق عقل يدعي مركزية الثقافة العالمية، ولأنا المتمركزة في طرف من العالم على حساب الطرف الأخر؟، أم عقل عمل على نقد الذات وجلدها واشرك الاخر فيها؟ . الأخر الذي أصبح فيما بعد شريكاً في كل هذه المتغيرات، لكن شراكته أصبحت تأخذ صيغ أخرى في ميزان التقلبات الكونية اقتصاديا وصحياً وسياسياً وغيرها . فإذا كان للعقل وظيفة فهي استيعاب الآخر وفهمه، وهذا الآخر سواء أكان غيبياً ميتافيزيقياً، أو كان منفياً عن الذات المتمركزة، أو كان حاضراً بعد غياب قسري عن الذات وشريكاً بالتدريج وصولاً الى القوة المشاركة في صنع الكيان الكلي للنظام العالمي .

فالعقل في مفاهيمه المتعددة والمتغيرة مرحليا ًيعني عَقَلَ (ما هو المخفي فيما وراء الطبيعة)، و(عقل الذات)، و(عقل الآخر)، على أعتبار أن العقل وظيفته عقل الشيء في كل وجوداته وموجوداته ومراحله، وعقل كل أمكنته،وأزمنته، وأسباب وجوده في هذه الحياة . وهل هذا الشيء هو المعادل الموضوعي للعقل حتى يختبر وجوده في الحياة ؟، ويسيطر على كل التغيرات والتغييرات التي تحصل بإرادته ؟، كما هي في مرحلة الانتقال الى عصر الأنوار من بعد أن جعل العقل (الفيلسوف الألماني عمانوئيل كنط 1724م – 1804م) المسيطر في هذا العصر، بعدما كانت السيطرة للميتافيزيقية في صورتها الدينية على الرغم من أن العقل ومنذ (الفيلسوف اليوناني ارسطو طاليس) الذي عده في كتاب (النفس) هو مستوى من مستوياتها، وكما يقول في مفهوم العقل:" ولننظر الآن في جزء النفس الذي به تعرف وتفهم سواء أكان هذا الجزء مفارقاً أم لم يكن مفارقاً من حيث المقدار، بل حسب العقل فقط . وعلينا أن نفحص ما يميز هذا الجزء وكيف يحصل التعقل . إذا كان التعقل إذن شبيهاً بالإحساس، فيكون التفكير إمّا انفعالا عن المعقول، وإما أمراً آخر من هذا الجنس، يجب إذن أن يكون هذا الجزء من النفس لا ينفعل مع قدرته على قبول الصورة، وأن يكون بالقوة شبيهاً بهذه الصورة دون أن يكون هذه الصورة نفسها، وأن يكون العقل بالنسبة الى المعقولات كنسبة الحس الى المحسوسات. يجب إذن أن يكون العقل بالضرورة من حيث إنه يعقل جميع الأشياء"(1)، هذه الخيارات التي حددها (ارسطو طاليس) في مفهوم العقل وفهم طبيعة الاشياء جعلها في ذلك الوقت الصورة للعقل الكلاسيكي على وفق مبادئ المنطق الصوري الذي اتي به لدعم مفهوم العقل وأشتغالاته، التي سيطرة على البناءات الفكرية للفترة الميتافيزيقية التي صمد فيها هذا المفهوم الى بدايات عصر الأنوار . وبعد ذلك اتى (عمانوئيل كنط) بمفهوم مغاير جعل من العقل هو المركز في فهم العالم وليس تابع الى أي جزء آخر، أو صيغة أخرى تفسر العالم، لذا فقد نقل السيطرة اليه،خلال هذه الفترة التي امتدت مع الحقبة الصناعية وصولاً الى منتصف القرن الماضي، إذ رأى (كنط) في كتابه (نقد العقل المحض) بأن " العقل هو القدرة التي تمنحنا مبادئ المعرفة القبلية، فإن العقل المحض هو ذاك الذي يتضمن مبادئ شيء ما على نحو قبلي تماماً . وأن (أورغانوناً ) للعقل المحض سيّكُون مجموعة المبادئ التي بموجبها يمكن للمعارف القبلية المحضة أن تُكتسب أو تقوم حقاً . والتطبيق المفصل لمثل هذا (الأورغانون) سيعطي سِستاماً للعقل المحض"(2). لذلك أنتج مفهوماً جديداً للعقل في مرحلة سميت بالحداثة، أو سلطة العقل المطلقة،وعَقَلَ فيها العقل ما حوله،وانتج سلطة مارست من خلالها نظاماً خاصاً في استغلال الاشياء في الصناعة، واكتساب المعارف بعدما أبعدت سلطة العقل كل منافس لها من الساحة العالمية، وعملت على ايجاد المعارف وبناء النظم في مختلف مجالات الحياة، ودجنت الكثير من (الطبيعة والبشر) وجعلت هذه السلطة العقلية نسقها في مستويين هما: (الانسان الآخر الذي يقع خارج حدود العقل الغربي ونظامه القائم على الثنائيات، والمستوى الثاني إخضاع الطبيعة وأستغلالها لصالح التطور الذي أنشده  العقل الغرب الذي استعمر الاراضي في سبيل استغلالها وتقديم ما يعتقده الافضل للذات الغربية)، حتى وأن كان على حساب الآخر (اللاشريك) في مفهوم هذا العقل وسلطته المطلقة . لكن ما انتجه هذا العقل في هذه المرحلة جعل من هذين المستويين منافس أساسي له، حتى أنتهت مرحلة الهيمنة، وأصبح الآخر شريك في التقلبات التي فرضت على أيجاد مفهوم جديد للعقل، في مرحلة ما بعد الحداثة وتفكيك المفهوم السابق للعقل وسلطته المطلقة في أطار آليات بناء جديد ومعارف أخرى جديدة في كافة المستويات، وهذا العقل الجديد المشارك للآخر في بناء المعرفة، هو العقل المضاد للسلطة ومركزها، " فهذا العقل مطالب من حيث المبدأ، بعدم ممارسة أي رقابة، وعليه الأنفلات منها، (..) هذا الحد بين العقل الذي يمارس الرقابة والعقل الغريب منها"(3)، عمل هذا (العقل الغريب) عن الحداثة والرقابة والسلطة في ظل المتغيرات الجوهرية لتشكيل اليات البحث في الغياب ومرمزاته وبعث الحياة من جديد في الآخر وتوسيع مشاركته في القيادة المعرفية العالمية، على الرغم من آثار سيطرة (عقل الحداثة وسلطته) التي لم تنتهي، ومارست الكثير من الجهود في بقاء استمرار العقل بصيغته السابقة، مما أوجد هذا صراع وتنافس بين الأثنين خلق فوضى في العديد من المفاهيم على كافة المستويات، ومنها الصيغ الجديدة في مفهوم البناء الأسري من خلال القبول بزواج المثليين، والتي فقدت العائلة على إثره ترتيبها المتكون من (أب وأم وأولاد)، أصبحت الآن متكونة من (رجل ورجل آخر وأولاد يتبناهم المتزوجون)، أو امرأة وامرأة أخرى ويتبنين أولاد) في الدول التي أقرت هذا الزواج لتصبح الأسرة مفككة بالأصل، كونها لم تأتي عن طريق التكوين الطبيعي للأسرة، وأدخلت مفاهيم أخرى غريبة في حقل ما بعد الحداثة في كل قطاعات الحياة، أذا أصبحت مفاهيم العولمة ودمج العوالم، وفقدان الثقافات الوطنية، والعمل وقوانينه وغيرها كلها تخض الى مبدأ التصارع الذي حمل معه تدمير غير مبرر للطبيعة والبيئة، وازدادت الحروب الجانبية على أساس الطائفة والعرق والقومية، وأصبح البحث في تجزئة المتجزأ هو الشغل الشاغل للإنسان في صورته الحديثة، هذا الكائن الضعيف أمام التقنيات المسيطرة على كل تفاصيل حياته وجزئياته .وبذلك  وصل العالم الى مرحلة الانغلاق التي تصاحبها الفوضى والتغير في كل المفاهيم، أصبح الإنسان بعقله (الما بعد حداثوي) في أماكن كثيرة من العالم وبتعدديته المفرطة يبحث عن تحول كيفي في أنتاج عقل جديد، عقل يرى في الأخر شريك لكن هل هذا الأخر الشريك هو الشريك الافتراضي كما في (دمى المعاشرة الجنسية) الجديدة التي ليست من صنف البشر فقط في شكلها الخارجي؟، أم في الصورة المرئية في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح فيها الفرد أكثر عزلة عائلية؟، وأصبح لا يستطيع مفارقة أجهزته الرقمية التي يراها أكثر من أن يرى عائلته حتى وهو في البيت، أو مع زملائه في العمل، أو مع أصدقائه في الشارع؟ . وعلى الرغم من توفر المعلومات حد التخمة في برامج البحث الألكتروني مثل (google) وغيرها لكن الفرد يبقى عاجز عن تثقيف نفسه، وتطوير مدركاته العقلية، ويفشل في اغلب الأحيان في أول اختبار الكتروني كما هو في أنظمة (التعلم عن بعد)، والفشل يصيب حتى مؤسساته الصحية في أول اختبار حقيقي أمام (جائحة) عالمية، اصبح ضحاياها بالملايين .

إذن، فما هو مفهوم العقل الجديد الذي يحتاجه الإنسان حتى يعقل الآخر الجديد بصيغه الأخرى مثل (الرقمية،والتقنية،والافتراض) . فهل من الممكن أن لا يخضع هذا العقل في الفترة الافتراضية لتحديدات (ارسطو، وكنط، وجاك دريدا)؟، أم أن هذا العقل لابدّ أن يكون خاضع المفهوم المناصفة بين عالمين هما الافتراض والواقع ؟ . وهنا من الممكن أن نتنبأ بصراع جديد قد يكون أكثر دمار للإنسان نفسه، يكون بين المساحتين المعرفيتين (الواقع، والافتراض) مما يجعل الإنسان ذاته ممزق بين هاتين الصورتين . هذا على مستوى الفرد . أما على المستوى العالمي، فقد بانت ملامح هذا الصراع وخاصة على العالم الافتراضي الرقمي بين القوى العالمية مثل (أمريكا، والصين)، وبين الشركات العاملة التابعة اهما في هذا القطاع الحيوي الذي بدأ يدر ارباحاً هائلة على الجهة التي تسيطر عليه، من مبدأ أن أغلب سكان العالم أصبحت تستخدم هذه التقنيات بشكل يومي ودون انقطاع .

ونعود الى التساؤلات حول ما نوع العقل الجديد المطلوب إيجاده في هذه المرحلة بعد خيار العقول الثلاثة (الكلاسيكي، والحداثوي، وما بعد الحداثوي)، هل هو مفهوم العقل المشترك بين (الواقع والافتراض)، فالرقمية أصبحت ضرورة في الحياة، فهل ينتج لنا العالم الجديد بعدما قدم مفاهيم جديدة في مجالات الشريك (اللاأدمي، أو الدميوي) كما في (المرأة الدمية)، وليس من الصعب أن ينتج لنا عقل رقمي ليسحبنا من الواقع المعاش، الى عالم افتراضي قدموه لنا صناع السينما في العديد من أفلام الخيال العلمي وغيرها من التي تناقش الإنسان الرقمي الذي يمتلك معرفة رقمية من خلال (شرائح) توظف في جسم الإنسان حتى يكون أكثر معرفة وتقنية من الأنسان العادي . كل هذه الخيارات في مفهوم العقل الجديد مطروحة، لكن نتائج ما قد تصل اليه الأمور قد تكون غير مسيطر عليها، وستكون مدمرة تماماً لمفاهيمنا الإنسانية ولطبيعة كوكب الأرض .

 

أ.د محمد كريم الساعدي

...................

الهوامش

1- ارسطو طاليس: كتاب النفس، ترجمة: أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015، ص108 .

2- عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، بيروت: مركز الانماء القومي، ب، ت، ص54.

3- جاك دريدا: عن الحق في الفلسفة، ترجمة: د. عز الدين الخطابي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010، ص385.

 

حاتم حميد محسنان المشروع الفلسفي لافلاطون ونيتشة هما على طرفي نقيض كما هو في أي من المشاريع الفلسفية المتضادة. هذا الانطباع له ما يبرره. افلاطون هو فيلسوف العالم الآخر جادل بأن حواسنا لا تكشف اية حقائق ثمينة او اساسية. نيتشة هو المضاد للفلسفة الافلاطوية، منكرا ورافضا كل ما هو خالد وتام ومتجاوز. غير ان هناك بعض التشابه المتجاهل بين افلاطون ونيتشة في افكارهما الجمالية يبيّن انهما لديهما بعض الارضية المشتركة غير المتوقعة.

هما كلاهما يهاجمان اصنافا واسعة من الفن، جادلا بان مثل هذا الفن مثير للإشكال اجتماعيا. المشكلة لدى كل منهما هي ان الفن يمكن ان يؤثر سلبيا على تطور الانواع العليا من الناس.

ولكن ربما هناك من يقول "اننا نتذكر موقف افلاطون المضاد للفن ولكن ألم يكن نيتشة مؤيدا للفن، حتى انه في اوقات معينة وضعه فوق العلم؟

نعم. نيتشة، طوال عمله يشجع الفن كواحد من أهم النشاطات الانسانية، وان بعض الناس الذين اُعجب بهم كثيرا هم من الفنانين. غير ان علاقات نيتشة مع الفن هي اكثر تعقيدا من مجرد القول نعم او لا. هذا يبدو حتى اثناء لحظة خاطفة لكتاباته الناقدة لحياة وموسيقى صديقه السابق ريتشارد واغنر(Richard Wagner). الهجوم الاخير لنيتشة على واغنر هو جزء من تفسير واسع لطبيعة وقيمة الفن وهو ما يعطي معيارا للتمييز بين الفن الثمين وغير الثمين. وكما في فلسفة افلاطون الجمالية، هذه المعايير تتصل وبعمق بالاهتمامات الميتافيزيقية والاخلاقية الأوسع. سوف ننظر بالكيفية التي ينظر بها كل من الفيلسوفين للفن وما هي اوجه التشابه والاختلاف بينهما في سياق فلسفتهما الواسعة.

نيتشة وافلاطون ضد الفن

معظم جدال نيتشة الذي سوف نستخدمه يتخذ شكله الواضح في القول رقم 370 من (العلم المرح). ونفس القول مع تعديل بسيط هو ايضا في نيتشة المضاد لواغنر. الجدال كان موجها ضد الفن الرومانسي والمسيحي، وفي جوانب معينة، انه يشبه بعض حجج افلاطون ضد الشعر في حوار أيون (Ion) وفي (الجمهورية).

يرى نيتشة ان جميع الفن يساعد في تخفيف المعاناة الناتجة اما عن عدم كفاية الحياة underabundance ( "عدم كفاية الفن والموسيقى").او من فائض الحياة overabundance . ان وفرة او فائض الفن هو محايد اجتماعيا او مفيد، لكن عدم كفاية الفن عادة ما تتجلى في احدى طريقتين سلبيتين. هذا الشكل من الفن اما ياخذ شكل انتقام مدمر من العالم او يجعل عدم الكفاية مثالا. كلا هذين التاثيرين يكبحان انتاج وازدهار الناس العظماء، والذي هو الهدف النهائي لنيتشة.

جدال افلاطون هو معاكس، لكنه يصل الى فكرة ان الفن ممتع لكنه مضلل وبالتالي خطير . في حوار (أيون) هو يرى ان الفلاسفة وليس الشعراء يجب ان يكونوا معلمي الاغريق طالما ان عبقرية الشاعر تأتي من الجنون الموحى دينيا بدلا من ان يأتي من المعرفة، والناس العارفين يجب ان يكونوا هم المعلمين. بكلمة اخرى، الشاعر الموحى والجاهل يجب ان يصمت ولا يحاول تعليم اي شخص اخر من خلال الانشاد. في (الجمهورية) هو يجادل ان الشعر يجب ان لا يُسمح له في المجتمع المثالي لأنه يحفز الناس على محاولة تبنّي ادوار اجتماعية لا تتناسب معهم، وهذا يؤدي الى عدم انسجام اجتماعي.

جدال نيتشة

معظم الافكار الهامة والشهيرة لنيتشة وُجدت اولاً في (العلم المرح). الاقسام الأربعة الاولى من هذا العمل كُتبت في العام 1881-1882 كنضج لعمله السابق (الفجر) وتشكل بدرجة ما الازدهار الاول في افكاره التي سوف يطورها في اعماله اللاحقة، بما في ذلك الرغبة بالقوة، موت الاله، العودة الأبدية، إعادة تقييم كل القيم، وطبيعة وقيمة عظمة الانسان. القسم الاخير كُتب لاحقا، نُشر في الطبعة الثانية عام 1887، ويحتوي على افكار حتى اكثر من افكار نيتشة الناضج.الأقسام المبكرة تحتوي على سلسلة من الأقوال او الحكم aphorisms)) خاصة في الفن(76-107)، لكن القول (370) جاء من القسم الأخير، وبهذا فهو يأتي من ذهن نيتشة فقط قبل سنوات قليلة من انهياره نحو الجنون، وبعد انفصاله عن واغنر (وربما كما يُقال، بعد وفاة واغنر عام 1883).

هذا هو جدال نيتشة ضد الفن الرومانسي والمسيحي، المرتكز على القول (370) وعدد آخر من الأقوال:

1- كل الفن يُنتج في خدمة الحياة، للتخفيف عن بعض انواع المعاناة او المرض.

2- الفن – كدواء – يمكنه علاج اما الوفرة المفرطة في الحياة overabundance والتي يجب تصريفها، او نقص الحياة underabundance والتي يجب ان تُستكمل.

3- الفن الذي هو علاج لنقص الحياة عادة يجسد نفسه كانتقام من الحياة: اما كتدمير انتقامي للعالم الذي هو مصدر معاناة الفنان، او في تخليد معاناة الفنان كمُثل.

4- استهلاك اي نوع من الفن الناقص الحياة له تأثيراته على المستهلك، بالذات في منع ازدهار الارواح العظيمة.

5- الارواح العظيمة هي ثمينة، لذا عندما شيء ما يمنعها من الازدهار فان ذلك الشيء يجب ان لا يُنتج.

6- لذلك فان الفن الذي يُصنع كعلاج لنقص الحياة – والذي يتضمن الاوبرا الوارغانية، والفن التشاؤمي الرومانسي والفن المسيحي – يجب ان لا يُنتج.

الأقوال الثلاثة الاولى اُخذت مباشرة من (370). هنا يقول نيتشة:

"كل فن ربما يُنظر له كعلاج ومساعد في خدمة نمو وصراع الحياة، هو دائما يفترض سلفا المعاناة والمعانين.ولكن هناك نوعان من الذين يعانون:

اولا، اولئك الذين يعانون من الوفرة المفرطة للحياة هم يريدون فنا ديونيسيا Dionysian art و رؤية تراجيدية للحياة، وثانيا اولئك الذين يعانون من فقر الحياة، ويبحثون عن الراحة، الهدوء، البحار الهادئة، خلاصهم من انفسهم من خلال الفن والمعرفة، او التسمم، التشنجات، التخدير والجنون. جميع الرومانسية في الفن تمتثل للحاجات الثنائية للنوع الأخير الذي يتضمن شوبنهاور بالاضافة الى ريتشارد واغنر .. اولئك الذين يعانون كثيرا والأفقر في الحياة سيحتاجون قبل كل شيء الى الاعتدال، الهدوء والخيرية في الفكر والفعل ايضا. باختصار، ضحالة معينة تُبقي الخوف بعيدا وتحيط الفرد بإفق متفائل.. (المقدمة الثالثة). ان الرغبة بالتحطيم، التغيير، والتحول يمكن ان تكون تعبيرا عن طاقة فائضة حاملة للمستقبل، ولكن يمكن ان تكون ايضا كراهية من هو سيء التكوين، المحروم من الحقوق، المفتقر للامتيازات، الذي يحطم ويجب ان يحطم لأن الوجود وكل ما يوجد حقا، يثير الغضب والتحريض .. الرغبة بالخلود تتطلب ايضا تفسيرا مزدوجا. انها يمكن تعزيزها اولا بالامتنان والحب .. لكنها يمكن ايضا ان تكون رغبة استبدادية لمن يعاني بعمق، المكافح، المعذّب، ويرغب تحويل الشخصي والضيق، وخصوصية معاناته، الى اكراه و قانون ملزم، شخص كما كان، ينتقم لنفسه من كل الاشياء بفرض رمزيته، رمزية المستقبل، عليها، وطبعها بها. هذه النسخة الأخيرة هي رومانسية تشاؤمية بشكلها الاكثر تعبيرا، وسواء كانت فلسفة شوبنهاور بالرغبة او موسيقى واغنر- التشاؤمية الرومانسية، هي الحدث العظيم الأخير في مصير ثقافتنا".

فائض الحياة مقابل فقرها

ماذا يعني ان تكون ممتلئاً بالحياة او مفتقرا لها؟ استعمال ما قبل نيتشة "للحياة" يفترض ان كل شيء حي هو ممتلئ بالحياة : لكي تكون مملوءاً بالحياة هو ان تكون حيا، ولكي تكون ناقص الحياة هو ان تكون ميتا او تموت. لكن هذا بالتأكيد لا يقصده نيتشة، ولا يقصد المعنى العامي لعبارة "مملوء بالحياة" الذي يشير الى الناس المتحمسين رغم ان هذا المعنى ربما أقرب الى نيتشة.

يرى نيتشة الناس يتشكّلون من مختلف الدوافع والقوى التي تعمل دون مستوى الوعي والتي تجسد ذاتها في الشخصية والميول والسلوك. ما يسمى "الرغبة الواعية" لا تعمل اي شيء سوى توفير توضيحات زائفة للفعل بعد حدوثه . الدوافع اللاواعية تتنافس مع بعضها وهي مختلفة القوة، الدوافع المنتصرة تجسد نفسها في الميول والفعل.

تطوّر قوة الدوافع يحدث من خلال الصراع الداخلي بين الدوافع ذاتها، والتي هي قوة مؤلمة. عبر النظر من خلال هذه العدسة، سنرى ان الناس المفرطين بالحياة هم مكوّنين من قوى داخلية قوية، وهذه القوى يجب ان تعبّر عن ذاتها احيانا في فن مفرط بالحياة.

الناس الناقصو الحياة هم مشكّلين من قوى داخلية ضعيفة، لذا هم يحتاجون اماكن راحة روحية ومفاهيمية ليستريحوا من الفعالية، او تحفزهم و تُسكرهم كي تمنحهم مؤقتا المزيد من الطاقة. يرى نيتشة ان نقص الحياة هو عادة ما يُعبّر عنه فنيا كانتقام من العالم، او تمجيد واضفاء المثالية على المعاناة ونقص الحياة. (من غير الواضح من كتاباته ما اذا كانت هناك اية طرق مفيدة اجتماعيا للناس ناقصي الحياة لعلاج نقصهم الحياتي).

بالاضافة الى تأثير الفن، يهتم نيتشة عموما بالظروف التي تنتج اناسا عظماء. الغذاء هو مجال متكرر للاهتمام. فمثلا، هو يسأل، "هل قام أي شخص بدراسة لمختلف الطرق في تقسيم اليوم او لنتائج جدول منتظم للعمل، او للاحتفالات، وغيرها؟ ما هي التأثيرات الاخلاقية لمختلف الأطعمة؟ هل هناك اي فلسفة للتغذية؟ (العلم المرح، قول 7). اجزاء كبيرة من مشروع نيتشة الجمالي والسايكولوجي يتألف من مخطط لفلسفة الاستهلاك هذه. هو يبحث عن وسائل لغاية ما يعتبرها الاكثر قيمة في حياة الانسان:ليس المتعة او غياب الألم، ليس الفضيلة، ليست العقلانية، وانما العظمة . هنا نتّبع تفسير Brian Leiter  لفلسفة نيتشة الاخلاقية (2008). بموجب هذا التفسير، يكون نيتشة ذرائعيا، يحكم على القيمة الاخلاقية للحدث تبعا لتأثيره. هو ايضا كمالي او منشد للكمال، يعتبر الشيء ذو قيمة فقط عندما يساهم في تطوير عظمة الانسان. حماسة نيتشة لعظمة الانسان تربط كليا مشروعه الاخلاقي والجمالي والسايكولوجي. هو دائما يحاول تحديد الظروف التي تشجع او تثبط العظمة. التعامل مع الفن والموسيقى كاشياء للاستهلاك، والتي لها تأثيرات لاواعية وسايكولوجية على المستهلك، هو منسجم مع انكار نيتشة لفكرة اننا نستطيع بوعي اختيار او تقرير شخصيتنا وسلوكنا.

ما هو الدليل لدى نيتشة بان استهلاك الفن الناقص الحياة يمنع تطوير عظمة الانسان؟ هذا هو نيتشة الذي يقول "من لم يقتلني يجعلني أقوى"، والذي عادة يبدو كأنه يزعم نوع من المحنة كشرط مسبق لإزدهار الانسان. هل هو يعتقد ان الظروف الثقافية السلبية التي تخلق السحر المغري والفخ للضعفاء، هي حقا جيدة لتطوير الناس العظماء؟

الموقف من واغنر(1888) يجعل من الواضح انه لا يعتقد بهذا. الموسيقى غير التامة تشجع وتثري الارواح النابضة سلفا بالحياة. وحول موسيقى بيزيت هو يقول، "هل لاحظ اي شخص ان الموسيقى تحرر الروح، تعطي اجنحة للفكرة، وانه كلما اصبح المرء موسيقيا كلما اصبح فيلسوفا اكثر"(CW1). يبدو ان نيتشة يعتقد بانه على الاقل بعض قيمة الموسيقى المفرطة بالحياة تنبثق من الكيفية التي تثير بها التغيرات المفضلة لدى المستمع.

وهناك الكثير ما يقوله نيتشة حول التأثير المفسد للموسيقى الناقصة الحياة، مستهدفا واغنر:"انا لا اظن اوافق على هذا السلب المنحط لصحتنا. هل ان واغنر انسان؟ الم يكن مرضا؟ هو يلوث كل ما يلمس. هو جعل الموسيقى مريضة .. ولا احد يحترس ضده. قوته بالاغراء نالت مدى وحشيا .. وهو بالتأكيد لم يحوّل فقط فقير الروح لجانبه.. فن واغنر مسبب للمرض .. واغنر اكبر مفسد للموسيقى"(CW5). من الواضح ان نيتشة لديه مشكلة معينة مع واغنر، لكن هذه الاقتباسات تشير ايضا الى قلق عام حول الفن وتأثيره. الموسيقى يمكن ان تكون مرضا تفسد المستمع، يتضرر بها ليس فقط فقير الروح وانما ايضا القوي والصحي سيُصاب بهذا السم المغري.

نيتشة يعتقد ايضا ان الفن الناقص الحياة هو ضار حتى اجتماعيا لأنه يمنع ازدهار الانسان العظيم، وهذا لا يعني بالضرورة ان مثل هذا الفن لا يجب ان يُنتج، والذي هو المقدمة الخامسة في الجدال. ربما الفن الناقص الحياة يعمل ضد تطوير الناس العظام، ولكن فيه سمات ايجابية اخرى تجعله ذو قيمة؟ نيتشة ايضا الفيلسوف الذي يقول "انا اريد اتعلم الكثير والكثير لأرى كجميل ما هو ضروري في الاشياء .. انا لا اريد الحرب على ما هو قبيح، انا لا اريد ان اتّهم، انا لا اريد اتّهم اولئك الذين يتّهمون" (GS276) . ايضا: "انا امقت كل تلك الاخلاق التي تقول :"لا تفعل هذا، تنازل، اهزم نفسك"(304). الدعوة لوضع نهاية للفن الناقص الحياة تبدو تماما مثل اخلاقية التنازل. مع ذلك، في موقف واغنر من الواضح انه يعتقد ان الفن الناقص الحياة خاصة فن واغنر يجب ان لا يُنتج: "انه ثمن باهض يدفعه التابع لواغنر. ماذا صنعت عبادة واغنر للروح؟ .. يعود له كل ذلك الغموض والمراوغة وكل الصفات الاخرى التي تقنع المقابل دون ان تجعله واع بما يقتنع به . بهذا المعنى، يكون واغنر مغر من الحجم الكبير. لا شيء هناك مستنزف، لا شيء عقيم، لاشيء خطير على الحياة، لم يجد غطاءً له في فنه .. هو يمدح كل غريزة عدمية (بوذية) ويطلقها في الموسيقى، هو يمدح كل شكل للمسيحية، كل تعبير ديني للانحطاط الاخلاقي ...هو يسرق شبابكم، نساؤكم ايضا ويجرهم الى زنزانته. CW postcript. اذا لم تكن هذه دعوة لقمع موسيقى واغنر فماذا ستكون؟

تصور افلاطون للعظمة

حتى الان فحصنا الاسس التي اعتمدها نيتشه في جداله ضد الفن الناقص الحياة دون ان نتطرق للعلاقة بين هذا الجدال وافلاطون. دعنا اولاً نتطرق لموقف الفلاطون من الفن.

في كتاب (الجمهورية) يحاول افلاطون تحديد ماهية الدولة المثالية. طبقة الحراس، التي تضم الحاكم الفيلسوف في مدينة افلاطون المتخيلة، يجب ان تتلقى تعليما جيدا لكي تطور الجزئين الروحي والمنطقي من روحها، طالما انه من الضروري لأفراد الطبقة انجاز مهامهم الاجتماعية المنوطة بهم، ويكونون مجهزين للعدالة. الشعر خصوصا الشعر الذي يصف الآلهة وهم يقومون بأشياء مثل القتال، الاغراء، الكذب او التغيير كل ذلك يؤذي تعليم الحراس من خلال تلقينهم اشكالا مثالية تنقل دروسا سيئة. الموسيقى او الرقص تشجعان الطموحات او المشاعر التي لا ينبغي للحراس امتلاكها (الحزن مثلا) وهي ايضا تُعتبر مؤذية. لكن الجزء الأكثر اهمية في القصة هو رؤية افلاطون للنوع الأعلى من الناس وكيف ترتبط هذه الرؤية بمشروعه الجمالي. هنا يتضح الكثير من الشبه او عدم الشبه مع نيتشة .

مختلف حوارات افلاطون تضع تمييزا بين الأنواع العليا والدنيا من الناس. في حوار (فيدو)، يصف افلاطون مخططا من تسعة اجزاء يجب ان تقع فيه الروح، حيث ارواح الفلاسفة في القمة وارواح المستبدين في القعر. اذا كان نيتشة يتفق مع هذا الموقف، فلابد من ملاحظة ان الفيلسوف الحقيقي بالنسبة لنيتشة هو الخالق للقيم الجديدة، وليس من يحدد المفاهيم الثابتة كما بالنسبة لافلاطون. منْ يقرر موقع الروح في مخطط افلاطون هو درجة اطلاع الروح على الأشكال قبل ان تهبط الروح في البدن، بالاضافة الى مقدرة الروح على تذكّر تلك الاشكال عند تجسيدها. اشكال افلاطون هي قصة اخرى، ولكن باختصار، كل الاشياء التي نتصورها من خلال حواسنا هي ضلال للجواهر الابدية التي يمكن معرفتها بالعقل وحده. هذه الجواهر هي الاشكال المحبوبة لافلاطون. الهيكل التراتبي للارواح هو مشابه للهيكل التنظيمي للحكومات والناس في الكتاب التاسع من الجمهورية، لكن معظم كتاب الجمهورية لا يعطي الكثير من التفاصيل حول الفروقات، مقدما فقط ثلاثة اصناف عامة ينتمي لها الانسان، تتطابق مع الاجزاء الثلاثة للروح وهي الراغبة، والروحية، والمنطقية. وهكذا، المجتمع المثالي فيه ثلاث طبقات اجتماعية. الناس الراغبون هم الناس العاديين والفلاحين والحرفيين والتجار والعمال الذي يشغلون ادنى طبقات المجتمع، يقومون بجميع العمل المألوف تحفزهم الرغبة بالمتعة والنقود. الناس الذين هم اكثر تحفزا هم العسكريون الذين يحمون المدينة. واكثر الناس منطقا هم الحراس الذين يحكمون المدينة. الحراس هم الطبقة العليا لدى افلاطون وفيهم الملك الفيلسوف . هم حكماء، شجعان، معتدلي المزاج، عادلون، من خلال امتلاكهم معرفة عميقة بالأشكال. هذه المعرفة يجب ان تُغرس. الكثير من كتاب الجمهورية يتألف من تحليل للتعليم الذي يجب ان يتلقاه الحراس. اذا كان الحراس غير سعداء بالدور الموكل اليهم، او ليس لديهم الشجاعة الكافية، عندئذ هم سيكونون غير قادرين على التفوق في فن العدالة. هم يجب ايضا ان يمتلكوا معرفة حقيقية بالاشكال الافلاطونية، طالما ان هذه المعرفة يجب ان تتحكم بالقرارات التي يجب ان يتخذونها. قدرة الحراس على التذكّر وفهم الأشكال تتطور وتُربّى من خلال التعليم. الشعر والقصة لايقدّمان معرفة، وكما يجادل افلاطون في حوار (ايو)، ان الشعراء يتأثرون بجنون ديني ولا يمتلكون المعرفة التي يستطيعون نقلها وبهذا يجب ان لا يتأثر بهم الحراس. يرى افلاطون ان الآلهة كائنات تامة، ولهذا هم يصبحون اقل كمالا خلال التغيير، وسوف لن يختارون ابدا تغيير انفسهم. سيكون من السوء للحراس استبطان الاخلاق التي تصبح شيئا اقل مما يتناسب معهم، مثلا، ان يصبح الحارس اسكافيا. الالقاء الشعري والدراما يستلزمان التقليد من جانب المنشد او المسرحي، وهو سيء لأنه يوحي ان الشخصية ليست ثابتة، وان التغيير مقبول وممكن. في جوهر هذه الجدالات تكمن الحاجة الى الاستقرار. الدولة العادلة هي مستقرة وسعيدة كنتيجة لكونها منظمة طبقا للأشكال المثالية الأبدية اللامتغيرة. الفيلسوف يتحلّى بالفضيلة نتيجة لمعرفته بتلك الاشكال. كونك فيلسوف هي حالة باطنية قيّمة للفرد، وهي وظيفيا ضرورة لعمل المجتمع المنظم جيدا، ذلك لأن الفلاسفة وحدهم يدركون الواقع الحقيقي الكامن وراء المظاهر، ولذلك يفهمون عالم الاشكال بما فيه شكل الخير الذي تُشتق منه العدالة.

مقارنة بين تصورات نيتشة وافلاطون

النوع الأسمى من الناس لدى افلاطون هم الذين يشتقون فضيلتهم من معرفة الأشكال وقادرين على ان يطبّقوا عمليا المعرفة لجعل المجتمع اكثر انسجاما واستقرارا. ولكن ما هي قيمة الرجل العظيم لدى نيتشة؟ الجواب عن هذا السؤال يكشف عن النقطة الجوهرية في الخلاف بين افلاطون ونيتشة. الانسان العظيم لدى نيتشة هو الذي يحتضن ويسهّل التغيير، ويتحرك بقوى عنيفة وغير عادية (CF GC 26,55). هو يقبل ويؤكد الحياة والعالم بعد الاعتراف التام بموت الاله وفقدان أي نظام متجاوز للعالم. هو شخص ممتلئ بالحياة، واذا كانت حوافزه القوية تقف بالضد من معتقدات المجتمع وقيمه فهو سيحطم تلك القيم القديمة ويخلق قيما اخرى جديدة، هذا الاختراع للقيم يشكّل قيمهُ الاجتماعية (Gs4,10,39,50). لذا فان طبيعة وقيمة عظمة الانسان هي في تضاد مع افلاطون . العظمة لدى افلاطون تُشتق من العلاقة مع الخالد واللامتغير، بينما العظمة لدى نيتشة تأتي من احتضان الفرد للمؤقت والتغيير من خلال الامتلاء بالحياة. كلا الفيلسوفين لديهما انواع معينة ضارة من الفن لأنها تكبح خلق وازدهار الأنواع العليا من الناس. خلافهما يكمن كليا في الطريقة التي نفهم بها عظمة الانسان. هذا التقييم المختلف للعظمة يقود الى تقييم مختلف لما هو مضر في المجتمع.فن الحياة الناقصة لدى نيتشة يتبنّى الانتقام من العالم المؤقت ويصف المعاناة كمثال خالد، بينما الشعر لدى افلاطون يحرّض على التغيير وعدم الامتثال للمواقع والهياكل الاجتماعية. لذا علينا الانتباه قبل شراء بطاقة للحفل القادم، ان نتأكد أي نوع من العظمة نسعى اليها.

 

حاتم حميد محسن

 

عامر عبدزيد الوائليتصدير: ولعل هذا يظهر في التعريف لـ"فلسفة الدين Philosophy of religion" هي الدراسة العقلية للمعاني والمحاكمات التي تطرحها الأسس الدينية وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وما وراء-الطبيعية مثل الخلق والموت ووجود الخالق أن البحث الجنالوجي في المفهوم والغاية تظهر تباينات باختلاف المقاربات التي تناولت البحث في المفهوم من الأفكار والإشكالية التي ولد داخلها على مستوى الحقل المعرفي والوظيفة الإيديولوجية من هنا ثمة تاصيلات متداخلة ومتباينة إذ يعتبر الفيلسوف والمِؤرخ الفرنسي جان كرايش ان مرحلة التأسيس لفلسفة الدين، هي مابين سنة 178 و1821، حيث أنه كانت هنالك حوارات عنيفة صاحبت هذه الفترة. كانت عبارة عن حروب فكرية مثل ما هو الحال حول "وحدة الوجود" التي تعتبر بان الله والطبيعة هما شئ واحد. وكذلك نجد هناك محاضرات ألقاها هيجل حول فلسفة الدين؛ إلا انه أمام ما خلقه هدا المفهوم فلا ينبغي الخلط بينه وبين الثيولوجيا الطبيعية وفلسفة الدين. فهذه الأخيرة مستوحاة من الدين، اما الثيولوجيا الطبيعية فهي تهتم بمسالة اللألوهية، وكانت أولها ما قدمه أفلاطون في" اله الخالق". وبعده أرسطو في "المحرك الذي لا يتحرك". إن فلسفة الدين تحاول وضع الافتراض من اجل تقديم قراءة نقدية للنص والمقارنة بينها وبين نصوص الديانات الأخرى، كي يتم الإطلاع علي مفهوم الدين، الذي ليس هو فقط فهم الإلوهية بل فهم النصوص الدينية. ففي القرن 17م وقع تطور في قراءة النصوص المسيحية واليهودية والمقارنة بينها مما أدى إلي نتيجة وجود فلسفة الدين فكان معها طرح مسألة الفرق بين التاريخ الحقيقي والتاريخ –الدينى-. ومعه أيضا انبثقت جملة من الإشكالات من قبيل ما معني وجود الإعجاز؟..  وذلك لإنقاذ روح الأديان من النقد التاريخي وخاصة بعد ظهور مبحث الهيرمونيطيقا، والتي هي إمكانية فهم النصوص الدينية كنصوص لغوية ومعرفة مقاصدها أي فهم الدين والله كخطاب ديني يمنح لنا الفهم، بوجود آليات تساعدنا على الفهم الحقيقي لهذه النصوص وبالتالي الدخول نحو التأويل.

أول من ألف في اللغة العربية عن فلسفة الدين بمعناه الاصطلاحي الدقيق هو أ. د. محمد عثمان الخشت في أطروحته للكتوراة "المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة" سنة 1993، وتم طباعة هذه الأطروحة في نهضة مصر 2006. وأيضا له مدخل إلى فلسفة الدين" 1998، والدين والميتافيزيا في فلسفة هيوم سنة 1999. والعديد من المؤلفات الأخرى التي أسست لهذا الفرع المعرفي من حيث المنهج والموضوع. ويتضمن هذا الفرع علم أصول الدين والأديان المقارنة. ومن بين مؤرخي الأديان العالميين العلامة ميرسيا الياد.

 أهمية وميدان فلسفة الدين

:تعد الممارسات الاجتماعية والشخصية جزءا لا يتجزأ من فلسفة الدين التي هي ذات الصلة بتلك الشواغل العملية؛ على أساس موضوعي وليس فقط بوصفه نظرية مجردة. ومرد ذلك الى إلى النسبة العظمى من سكان العالم الذين لهم صله واهتمام بالدين أو المتأثرين به، من هنا فان فلسفة الدين لها دور في درسه وتناول للقيم التي تمثل آمن الناس الفعلية والالتزامات. وهناك نقطة مرجعية رئيسه في فلسفة الدين أنها مرتبطة -من حيث الشكل والمضمون -بالتقاليد الحية المرتبطة بالحياة اليومية ألمعاشه للناس. بهذه الصورة، قد تكون "فلسفة الدين " من الاختصاصات التي على تماس أكثر من التخصصات الأخرى التي دراسة الحياة الدينية.

 سبب آخر وراء أهمية الحقل هو اتساع نطاقها. هناك مناطق قليلة في الفلسفة التي هي محروم من الآثار الدينية. التقاليد الدينية بحيث تكون شاملة وتشمل جميع في مطالباتهم التي يمكن استخلاصها تقريبا في كل مجال الفلسفة عليها في التحقيق الفلسفي على التماسك وقيمة ومبرر.

 والسبب الثالث هو تاريخي. وقد تناولت معظم الفلاسفة عبر التاريخ من الأفكار والموضوعات الدينية شرقا وغربا،. لا يمكن للمرء القيام تاريخا للفلسفة ذات مصداقية دون أن يأخذ فلسفة الدين على محمل الجد. هنا من يرصد فلسفة الدين من خلال علاقته بالفلسفة تعنى فلسفة الدين عناية رئيسة بالمبررات العقلية للإيمان بالإله والكفر به . وتختلف عن اللاهوت Theology ان هذا العلم ينطلق من معتقد ديني معين أو من مجموعة من المعتقدات ويحاول فهم مسائل في الدين واستكشافها من نقطة الانطلاق هذه . لكن دراسة فلسفية من المواضيع والمفاهيم المركزية التي تشارك في التقاليد الدينية. فإنه يشمل جميع المجالات الرئيسية للفلسفة: ميتافيزيقيا، نظرية المعرفة والمنطق، والأخلاق، ونظرية القيمة، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلوم والقانون وعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ، وهلم جرا. وتشمل السمات العامة للكون (مثل قوانين الطبيعة، وظهور الحياة واعية، وشهادة على نطاق واسع من أهمية دينية، وهلم جرا). القسم الأول يقدم لمحة عامة عن هذا المجال وأهميته، مع أقسام اللاحقة التي تغطي التطورات الحاصلة في هذا المجال منذ منتصف القرن العشرين. ويرى أن وظيفته تقوم على استكشاف الفلسفية من المعتقدات والممارسات الدينية واضح في فلسفة في والشرق والغرب، في جميع أنحاء الفلسفة اليونانية والرومانية والعصور الوسطى، والتفكير الفلسفي على الله، أو آلهة، والعقل والايمان، الروح، الآخرة او يقارن بينها وبين الدين العقلي فيرى: كانت فلسفة الدين عنصر واحد من بين العديد من المشاريع الفلسفية متشابكة. أن فلسفة الدين تبحث الأديان كلها بما فيها الأديان الفلسفية التي تكون عادة من مباحث ذروة الميتافيزيقا. (لذلك فقد عدها فلاسفتنا جزءا ما يسمونه الإلهيات. ولعلنا نجد في مقالة اللام من ميتافيزيقا أرسطو أو في المقالة العاشرة من كتاب أفلاطون في الشرائع نموذجين تعامل معهما فكرنا في تجربة التفلسف الأولى من تاريخ فكرنا الفلسفي والديني. فلا يكون الدين الفلسفي إلا أصل المنظور الذي يقول به صاحب البحث في فلسفة الدين إذا كان فيلسوفا. لكنه غير فلسفة الدين التي هي أحد فروع البحث الفلسفي أحد فروعه الذي من المفروض أن يكون ما بعدًا لعلم موضوعِه أعني علم الأديان الوصفي والوضعي والتاريخي).

 في حين أن هذا الحقل الحيوي للفلسفة، فلسفة الدين قد اسهم أيضا إسهاما أساسيا للدراسات الدينية واللاهوت. الدراسات الدينية غالبا ما تنطوي على افتراضات هامة حول المنهجية التاريخ وحول طبيعة وحدود التجربة الدينية. هذه دعوة تقييم الفلسفية والمناقشة. اللاهوت قد تستفيد أيضا من فلسفة الدين في منطقتين على الاقل:

1- تاريخيا: على مستوى تناولها الكثير من الأحيان المفاهيم اللاهوتية والبعد التاريخي لها .

2- والفلسفة: سواء كانت الأفلاطونية والأرسطية، فقد كان لها تأثير كبير على صياغة العقيدة المسيحية التقليدية، واللاهوتيين في العصر الحديث قد رسمت في كثير من الأحيان على أعمال الفلاسفة (من هيغل إلى هايدغر ودريدا).

 فائدة أخرى تكمن في المهام الفلسفة توضيح وتقييم ومقارنة بين المعتقدات الدينية. التقييم قد تم في أوقات حرجة للغاية ورافض، ولكن هناك فترات وفرة في تاريخ الأفكار عند الفلسفة ساهم إيجابيا في ازدهار الحياة الدينية. لا يقتصر هذا النوع من التفاعل البناء في الغرب. لقد كان دور الفلسفة البوذية وجهات النظر بشأن مميزة من المعرفة والنفس وذات أهمية كبيرة. ، فقد ربطت فلسفة "الحقيقة: مع مفهوم أخر مركزي هو مفهوم الله .

 في بداية القرن 21، يجب أن يكوم لفلسفة الدين إطار منطقي اعم مما كانت عليه سابقا إطار يمكنها من أن تعزز الحوار بين الثقافات. فلاسفة الدين غالبا ما يسعون إلى إيجاد القواسم المشتركة بين الأديان، وكذلك يجاد التمييز بين العقيدة والممارسة الدينية. هذه الدراسة يمكن تعزيز التواصل بين التقاليد، وبين الأديان والمؤسسات العلمانية.

 التجربة العرفان وأثرها في فلسفته الدينية

 وسط ذلك الإرث القديم ألصفوي القاجاري وتحديثات بهلوي الممتزج بصيحات الثورة المعادية للغرب والمطالبة بالإصلاح والعدالة جاء صوت عبد الكريم سروش الاسم المستعار لـ "حسین حاج فرج دبّاغ" (ولد 1945)، مفکر إيراني، متأله، فیلسوف، شاعر ومترجم. یدرّس الإسلام والفکر السیاسي في جامعة جورج تاون بالولایات المتحدة حالياً. أسس قسم فلسفة العلم في إيران لأول مرة ویسمّي نظریاته الکلام الجدید ویعد نفسه معتزلي. عدته مجلة الفورين بوليسى ضمن المفکرین الکبار العشرة في سنة 2009. .

لقد انتشر اتباع سروش والمعجبين به الذي يرون فيه ذلك المفكر الإيراني صاحب أكبر ثورة في تجديد الخطاب الإسلامي، في ميال المقاربة والموائمه بين الحراك الفكري العالمي من حركات فكرية وثقافية تحاول ان تتصاهر وتتحاور منتجة حالة من الائتلاف بين النقائض في صيرورتها نحو التناسل الفكري والتحول الاجتماعي الذي يمنح الفكر المقدرة على خلق أفكار قادرة على إزالة الاغتراب والقهر الذي يتعرض له الإنسان في ظل هيمنة الشموليات والأفكار القهرية التي تريد أن تصير الحياة بالكيفية التي يشتهي أصحابها فالحركات الفكرية والثقافية في العالم تعيش حالة من التواصل والتداخل رغم اختلاف الواقع؛ إلا أنها مشاريع إنسانية هدفها معالجة حالة انصهار الأفاق بين الثقافات وانصهارها بأفق العصر الذي نعيش، عن تجديد الإسلام وملاءمته للتحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة، عن أفكار عبد الكريم سروش التي امتلكت بعدا ضرامي المذهلة لدى الشباب وتعالقها مع مصالح طبقات من المثقفين والتجار أي مع الخطاب المدني للإسلام الذي يعبر عن الإسلام المدني والبعد الذي منح الغرب له من خلال حصوله على جائزة أرازموس الكبيرة في الغرب مع فاطمة المرنيسي وصادق جلال العظم، أي مع أسماء تسعى إلى خلق تأويلات توسع من أفق التحرير والتغير في العقل الأبناء هذه المنطقة من العالم اذ ثمة مشتركات متداخل لدى هؤلاء المثقفون الذين لهم هموم ومشتركات تدفعهم في إيجاد معالجات للتراث وعلاقته بالمعاصرة لان الأمر يتعلق باعادت امتلاك ذلك الرسمال الرمزي الذي ترك ظله على الواقع من قراءات فكرية توصيف نفسها انها هي الاكثر دراية في ادراك مقاصد الشريعة من غيرها وبالتالي هي المؤتمنة على الشرع الالهي هذا يعني احتكارها المشروعية وبالتالي في تحول الى حالة من الاغتراب عندما تفرض نفسها على الاخر وتجبره على تلقي تاويلها الذي لم يعد معرفة قابله للنقد بل اصبح سلطة تحتكر الحقيقة وتطالب الآخرون بتلقيها واستهلاكا هنا ينشا الاغتراب الذي يجعل السلطة بيد منتجي ذلك التأويل ويغدو المخالفين مطرودين ومنبوذين تأتي كتب تلك الفئة ومنها كتب الذي كتب في تجديد وإصلاح الإسلام، وهو بهذا تتقاطع أفكاره مع أفكار داريوش شايغان الذي يريد تجديد الفكر الإسلامي عبر تطويعه مع الحداثة الغربية، عن محمد أركون وتجديده الميثادولوجي في قراءة الظاهرة الإسلامية، هكذا لم تعد فكرة الاصلاح او تاويل المتحرر امرا ثقافيا فحسب بل غدا امرا ضروريا في ازالة اغتراب الانسان وعادت امتلاكه لمصيره من خلال اعادة فهم الحقيقة التي هي محض تاويل يريد ان يحتكر ويمارس الاكراه .

هذا المنهج الذي داع إليه في الغرب هابرماس هاهو يدرك وجوده عند سروش اذ كان هابرماس معجب بسروش وعبر عن هذا الاعجاب من خلال ألقى محاضرة رائعة في جامعة طهران.

أفكار تعبر عن حالة من الاغتراب تعيشها أجيال من المثقفون الذين يرون التحولات ودور الإنسان الفاعل فيها والذي دائما ما تسعا القراءات المهيمة ان نمارس الاقصاء بفرضها تاويلها بوصف الحقيقة مما جل الكثير من المثقفين يعيشون مشاعر متناقضة تتحمس الى تناج تاويل تحرري تحقق فيه فكرة بمقتضاها الإسلام المتحرر الذي يعيد اكتشاف البوصلة التي تدرك افق التغير الذي اكتنف عالمنا وما خلقة من قطائع فكرية مع حضارة شكلتنا وكونتنا بشكل جماعي وبالتالي لا يمكن ان نرفض المنجزات الجديدة للثقافة ونعود الى نمط من القراءة فقدت قدرتها على التواصل مع الواقع وبالتالي يغدو أمر مستحيل، والعودة لأسس الشريعة القديمة أو القراءة البشرية التي كانت تقرءا ضمن افقها التجربة الإسلامية وتتحاور معها نسخا وتوظيفا مما يضفي تأويلا معينا يتفق مع الحاجة القراءة والموظفة لفهمها للشريعة .

بالتالي ثمة حاجات جديدة الأجيال وقوى جديدة تريد أن يكون لها فرصة في المشاركة في إدارة الشائن العام وبالتالي ثمة حاجة إلى قراءة جديدة تعيد تأويل الأشياء والنص ضمن أفق القارئ

إذا ثمة حاجه إلى نمط جديد من القراءة التي لا تكتفي بتهيج الجماهير به تريد التأسيس لفضاء معرفي واجتماعي جديد يريد المشاركة في امتلاك الرأسمال الجمعي أي الدين وإعادة تأويله لكن هذه المرة سوى تجديد الإسلام من داخل الإسلام. . الثورة البروتستانية في الإسلام كما سمى هابرماز أفكار عبد الكريم سروش بحق، الذي امتك موقعا تحرريا في الثقافة الإسلامية شعبي من جهة والعالمة من جهة أخرى، لقد حاول وبقوة دمج مسارات الفلسفة الإسلامية مع فلسفة وعلم الاجتماع الغربيين، وقد لقبه الفلاسفة الغربيون ب" لوثر الإسلام" وبإرازموس الإسلام أيضا، كانت صيحته الشجاعة هي مصالحة الإسلام مع الأفكار الغربية الحديثة، ولاسيما الديمقراطية وحقوق الإنسان.. فلسفة سروش هي نصوص فذة ومختلطة بحقول متعددة في نسيج خطابي فكره وكتبه تجمع التاريخ مع الفلسفة مع العلوم مع تفسير القرآن مع الشعر الفارسي.. وهو أول من جعل من الشعر واسطة وميثادولوجيا في قراءة الظاهرات.. شيء من الهرميونطيقية. . والإيمانية. . والواقعية. . والشعرية في نص واحد."

يقدم لنا د. "عبد الكريم سروش" في كتابه المثير للجدل "العقل والحرية" أن معرفة الإنسان بشؤون دنياه قابلة للتغيير، فإن معرفته بشؤون دينه تتغير أيضاً. لهذا يرى ان "لا التشيع هو الإسلام الخالص، ولا التسنن، ولا الأشعرية هي الحق المطلق، ولا الاعتزال، لا الفقه المالكي، ولا الفقه الجعفري، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطباطبائي، لا الزيدية، ولا الوهابية، لا كافة المسلمين في معرفة الله وعبادته عارون وخالون من الشرك، ولا قاطبة المسيحيين إدراكهم الديني خال منه، كلا، بل لقد ملأت الدنيا الهويات غير الخالصة، فلم يتربع الحق في جهة من الجهات دون جهة أخرى لتكون باطلاً محضاً، وعندما نذعن لهذا الأمر فسوف يتسنى لنا هضم الكثيرة بشكل أفضل".

يحتوي كتابه "العقل والحرية" على ستة مقولات هامة تبحث في قضايا تتصل بالعقلانية والحرية والدين والنبوة، ففي "المقالة الأولى" يسلط الضوء على مقولتين "العقل والحرية" يبحث فيها بالموانع التي توضع في طريق الانفتاح على الحرية باسم الدين والتدنين بتوهم أن الحرية تتنافى مع الالتزام الديني، أو أن العقل البشري قاصر عن إدراك ملامحات الأحكام الشرعية.

فتبحث في طبيعة العلاقة والنسبة بين العلم والدين في مجال النزاع بين قضايا الدين ومعطيات الحضارة البشرية وما استجد من متغيرات في منظومة القيم والمفاهيم الجديدة، ويجيب على أسئلة تتصل بالهوية الدينية ومقولة العلمانية ويتعرض لبحث المتصوفة في مقولاتهم الثلاث: الشريعة والطريقة والحقيقة.

ويتناول دور النبي في حركة الحياة والمجتمع البشري، وأن الإيمان بالنبي هو ضرورة لا في دائرة القيم والمعارف الدينية بل في تفسير التجربة الدينية للإنسان المؤمن؟ وهنا فالنجاة والسعادة لا تتيسران إلا من خلال الإيمان بالنبي والسير على هداه، وتكون ممارسة الشعائر من أجل تقوية وترشيد التجربة الدينية، في وجدان الأفراد.

لهذا فهو يسلط الضوء على ماهية عمل الأنبياء في تغيير واقع الإنسان وكيانه الروحي، أي أن عمل الأنبياء ليس إرشادي فقط وإنما يتمحور في إيجاد تحول وجودي لا معرفي. وهذا هو مضمون قول أرباب المعرفة الدينية "أنا أؤمن لكي أفكر".

لهذا يقدم توصيف إلى عمل الأنبياء والبشر في واقع التاريخ البشري وهل أن مسيرة البشرية تتجه نحو الكمال أو الانحطاط؟ وهل نجح الأنباء في مهمتهم الرسالة، أم أن قوى الشر كانت أقوى منهم؟ ثمن انه يتناول الدين ويفرق بين أنماط الإيمان والتدين، فيقسمه إلى: إيمان مصلحي، ومعرفين وتجريبي، مع شرح مفصل لكل نمط من تلك الأنماط.

فهو هنا يتعامل مع فكرة الدين تعاملاً نقدياً وعقلانياً، لتغدو معها المعرفة الدينية متغيرة ومتجددة وبذلك يتجاوز الكاتب المعرفة الكلاسيكية الجامدة إلى معرفة متغيرة ونسبية تحتمل الخطأ والصواب.

تلك القراءة جاءت بعد سعيه الى التجديد والحوار مع الجديد إذ يتكلم عبد الكريم سروش في كتابه التراث والعلمانية عن المفكر بحيث لا ينحو منحنا أفلاطونيا وذلك من خلال رفضه للفيلسوف السلطوي . الرئيس لان مقعد المفكر معنوي فهو رئيس بفكره وعلمه وعندما تجد مواقفه مكانا في المحيط الاجتماعي وكذا السلطوي وهجرة المفكر التي يتحدث عنها عبد الكريم سروش ليست هجرة جغرافية فهي هجرة لا زمنية ولا مكانية بوصفها هجرة فكرية ابستملوجيا منهجية فهي هجرة المفكر لأفكاره وإيديولوجيته واطلاعه على معارف وأدوات غيره وانفتاحه عليها وتفاعله معها بغية إثراء رصيده وتقوية دلائله وفعلنا أحيانا.. . عليك أن تفقد ذاتك حتى تجدها،فا الهجرة سروشيا ليست تماهي بقدر ما هي بناء للذات حضاريا وهجرة المفكر قد تكون برانية أو جوانية ولا فائدة في الأولى إذا لم ترتبط بالثانية وحديث سروش قادني إلى طرح أسئلة معرفية من حيث المبنى ابستمولوجية من حيث المعنى وكلها تتعلق بالهجرة وفق دلالتها السروشية هل كانت هجرة مفكرينا استلابية واغترابية أم أنها معقلنة وممنهجة هجراتهم هل كانت من الأنا إلى الأنا أو من الأنا إلى الأخر وهل كان هناك انفتاح جوانى وبرانى معقول ومقبول ومعتدل وما لا يدرك كله لا يترك جله.

تلك الهجرة هي ارتحال لذات عبر الارتشاف من ينبوع المعرفة التي لا تتقيد بالعقل دون النص ولا بالنص دون العرفان أنها انفتاح لدلالة عبر تعدد التجليات الإلهية التي تجعل من التجربة الدينية تقوم على التعدد والتاريخية من هذه التجربة يبزغ العلم الذي هو بنظره (مجموعة من الآراء تتحاور وتتجادل بأنغام وايقاع خاص).

ثم انه يتناول إشكاليات معاصرة، يتخطى إطار الفهم التقليدي للدين، الذي ظل مسيطراً على الخطاب الكلاسيكي قروناً طويلة، إلى آفاق أكثر رحابة وقضايا أشد ارتباطاً بهموم الإنسان المعاصر والمجتمعات الإسلامية الحديثة وجوداً ونمط تفكير وأسلوب حياة.

وما يسبغ على هذه الموضوعات نكهتها الخاصة أنها تعبر عن قراءة معاصرة وعميقة للدين ومفاهميه ودوره وقدرته على استعياب المصطلحات الحديثة ذات المنشأ الغربي التي لم يألفها المسلمون من قبل ومنها: الحداثة والحريات العامة والمرأة والانتخاب والديمقراطية وحقوق الإنسان الخ..

ولعل من يتابع آراء الباحث الأكاديمي والمفكر د. عبد الكريم سروش يدرك ما يميز محاوراته وكتاباته من عمق وتمحيص وقدرة على الغوص وراء المعاني، ومدى اهتمامه بالدين من منطلق استجابته لحاجات المجتمعات الإسلامية إلى التطور وعدم الانغلاق أو الانحباس في قمقم التقليد والطقوسية الدينية التي كانت وراء تقهقر المسلمين وتخلفهم عن ركب العصر.

 1- الاهتمام بالعرفان

الذي اقصده من هذا العنوان ان الحفر بالفلسفة الدينية جاء من اهتمامه بل والنهمامه منذ البدء "العرفان "اهتمام جعل منه يرصد بعين العارف روح الشريعة وبالتالي جاءت تلك البداية رهينة اهتماماته التي تركة ضلها ممتد على كل تجاربه الروحية التي غدت هي الأخرى فيما النبع الذي يرتشف منه .

(يقول سروش عندما كنت في ريعان شبابي اطلعت على مصدرين في علم الأخلاق الإسلامي والسلوك العملي، الأول (جامع السعادات)، للملا مهدي النراقي والثاني كتاب (المراقبات في إعمال السنة) للميرزا جواد اقا ملكي التبريزي (لم اكتفي بقراءة كتاب المراقبات بل التهمته التهاما والى ألان عندما أتذكر هذا الكتاب تأخذني حالة من الهيبة والرهبة في أعماق وجودي، إذ أودع المؤلف المبدع نوعا من الأمل والرجاء في هذا الكتاب القيم ).

بعد هذه المقدمة هل يمكن أن نقول أن سروش خرج من عباءة العرفان والسلوك والتصوف الإسلامي، فاهتزت روحه اهتزازا عظيما قبل أن يهتز عقله، كيف لا وقد وقع سروش تحت مساقط ظل كلمات العارفين وأهل القلوب. ولكن يبقى السؤال قائما بشأن العلاقة بين القلب والعقل، بين إصلاح الروح وسمو العقل؟

وهل يمكن أن نجد تماهيا واضحا بين جرأة العارفين وأطروحات سروش في الإصلاح الديني وتفوق هذه الأطروحات؟ كيف لا وهو القائل (في عام 1972 عندما كنت عازما للذهاب إلى بريطانيا لإكمال الدراسة الجامعية اصطحبت معي أربعة كتب: الإسفار الأربعة(العقلية)لصدر الدين الشيرازي، والمحجة البيضاء للملا محسن فيض الكاشاني، والمثنوي المعنوي لجلال الدين البلخي ــ الرومي،وديوان شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، الأول كان غذاء لعقلي والأخريات كن غذاء لروحي) وعلى الرغم من وجود سروش في لجة الغرب وفكره وحضارته؛ إلا انه كان متسلحا بحكمة الشرق وعقله وروحانيته بمواجهة مادية الحضارة الغربية،وكان الغزالي حاضرا بكتابه (إحياء علوم الدين) ولكن لسروش موقف من الغزالي،اذ يقول سروش (لا يمكن المقارنة بين حرارة ولهيب (مولوي) وبرودة ولطافة الغزالي، كنت افر من حرارة مولوي الى برودة الغزالي.. شاهدت جرح روح الغزالي لشدة خوفه من سوء العاقبة. . وبسبب الجراح الكثيرة في مواقع الفكر الغزالي لا يمكن مشاهدة بسمة واحدة في أجواء هذا الفكر،كانت جروحه تبتسم بدلا عنه، الغزالي العارف الخائف وصاحب الروح الجريحة يملك هيبة لاتطاق، اله الغزالي عبوس يملك قلبا من حجر، غضبه غالب على عطفه وقهره على رحمته، كنت ابحث عن اله رحمن رحيم، له قلب واسع، لا حدود له، وجدت هذا الإله عند مولوي، وجدت مولوي العارف العاشق الذي يحلق في سماء الوجدان وأجواء العشق وآفاق الحب.

2 - البعد النقدي في فهم الدين

بالجرأة والجدة المعرفية كما يرى السيد احمد القبانجي(فالقول بان المعرفة الدينية معرفة متغيرة ونسبية وتحتمل الخطأ والتناقض، أو بشرية وتاريخية، وان الوحي والرسالة تابعان لشخصية النبي، يخالف الرأي السائد لدى أكثرية علماء الإسلام الذين يرون أن معارفهم الدينية هي معلومات صادقة وتامة،بقدر ما هي صحيحة وضرورية من حيث علاقتها بالأصل والنص، مما يجعل كل فريق يدعي أن فهمه للإسلام هو الفهم الأصولي الصحيح، وان خطه هو الخط المستقيم، مستبعدا بذلك سواه من حظيرة الإسلام او من دائرة الإيمان.

يرى سروش أن الفقهاء ما لم يجتهدوا في دائرة المباني والأصول ويطرحوا معرفة جديدة في إطار علوم الانسنة والوجود فأنهم لا يتمكنون من الاستجابة لتحديات الواقع وحاجات المجتمع البشري المعاصر. لان الفقه الكامل لا يوجد على سطح الأرض بل هو عند الله،ولكن علم الفقه علم بشري، وكل العلوم البشرية تتحرك في صراط التكامل.

ولعل هذا التصور وان كان يبدو علمي الا انه محض ميتافيزيقا أي انه انطلق في معظم أطروحته من التصور الكانتي للمعرفة بمقولاتها القبلية ومقولاتها البعدية فجعل المعرفة الدينية تنقسم إلى تنقسم كاملة وأخرى تاريخية أي انه اعتمد تقسيم "كانت" بين الشيء في ذاته الذي هو مجرد ميتافيزيقا والشيء لذاته حتى يبدو وكأنه لا ينتقد الدين في حين هو يحوله إلى محض ميتافيزيقا خارج حدود العلم تهربا من الاتهام،في حين يستفيد من هذا يمارس نقده الشديد لكل القراءات الدينية من خلال قوله: اذ كانت كل المعرفة الإنسانية عن الدين معرضة للخطأ، فلا أحد يمكنه أن يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية باسم الله، ولا حتى رجال الدين. يوضح سروش في "بسط التجربة النبوية" أن رؤيته لعدم معصومية المعرفة الدينية تنطبق إلى حد ما أيضا على القرآن. فهو ينتمي، مع مفكرين من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، إلى مجموعة صغيرة من القراءات الراديكاليين تدعو إلى مقاربة تاريخية للقرآن. وان كان يعتمد على بالبعد ألعرفاني والخلفية الاعتزالية إلا انه ينتمي إلى التصورات المعاصرة بكل عدميتها وان كان يعمل على تبيئتها، وكأنها عرفا نية وحتى هذا يعود إلى هيك الذي كان يشير إلى النصوص العرفانية، إلا أن سروش في كتابه الجديد يخطو خطوة أبعد من كثير من زملائه الراديكاليين. بل انه يحدد لدين إبعاد دنيوية محدده وان كان يشير إلى البعد الروحي والتجربة الإيمانية؛ إلا انه يحدد وظيفة الدين بكونه( الغاية من الدين هي تعليم الناس على النظافة والالتزام بالقيم الاخلاقية والتحرك في خط العدل وأمثال ذلك وبذلك تكون الحياة الدنيا عامرة وسعيدة، أي يكون الدين خادما والحياة الدنيا مخدومة، وهذا هو معنى الدين العلماني) نعم الدين مهتم بالحياة لكن فقط هذه وظيفته فقط انه يحاول تحجيم وظيفة الدين فهو لا يدعي هذا فقط بل أن القرآن نتاج للظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل هو نتاج أيضا لروح النبي محمد بكل محدوديته البشرية. هذه الفكرة ليست جديدة، حسب سروش، لأن مفكرين عديدين في القرون الوسطى لمحوا إلى ذلك من قبل. وهذه استعاره أخرى أيضا مضلله فهو ينطلق من اللادرية والنسبية الغربية ويتمركز حول مقولاتهم في تاريخية القراءة الدينية ويتخذ من التجربة بمعياريتها التي طرحتها الليبرالية عند جون هيك والقراءات العدمية التي تعامل مع الواقع الدينية من خلال كونها محض تجربة دينية وهنا تظهر المشتركات بين أركون ونصر حامد من خلال تعاملهم التاريخي ألعدمي مع النص المقدس وهو امتداد للقراءات الاستشراقية ذات الإرث العلماني ألعدمي ولعل هذا يظهر بوضوح في هذا اللقاء مع سروش يمكن أن نركز على ابرز أرائه من خلال الحوار التالي:

- كيف يمكننا في عالمنا المعاصر المحرر من السحر أن نفهم شيئا مثل الوحي؟

’الوحي" هو "الإلهام". هو نفس التجربة التي يخضع لها الشعراء والمتصوفة. الاختلاف هو أن الأنبياء يقفون فيه في مستوى أعلى. وفي عصرنا الحديث يمكننا فهم الوحي على الأرجح عن طريق مقارنتنا إياه مع الشعر. قال فيلسوف مسلم ذات مرة أن الوحي شعر من نوع أسمى. فهو مصدر للمعرفة يعمل بشكل يختلف عن الفلسفة أو العلم. يشعر الشاعر أنه يتلقى الزاد من مصدر خارجي عنه. يشعر أنه يتلقى شيئا ما. فالشعر، مثل الوحي، موهبة. قد يفتح الشاعر آفاقا جديدة ويجعل الناس ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة .. ’النبي يشعر، مثله في ذلك مثل الشاعر، أنه يُمسـَك به من قبل قوة خارجية عنه. ولكن في الواقع - أو بالأحرى في الوقت نفسه – يكون هو الخالق والمنتج. هنا في هذا الحوار الذي عرضنا إلى أجزاء هامه منه يكشف الموقف النقدي له من فهمه لتجربة النبوية والنص وهي مواقف تظهر في بسط التجربة النبوية .

-  تم –

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

محمد حسين النجمهزيود كصدى للشرق

لعل من الاهمية بمكان ان نحاول الحديث عن المقترب الذي كان قد ساهم في انبعاث التفلسف في بلاد اليونان وهو الفكر اليوناني المتفاعل مع الفكر الشرقي، فمن الصعب في اطار التطور الفكري للمجتمعات ومع ازدياد الدراسات والبحوث الاجتماعية والنفسية والانثروبولوجية، ان نبقى في اطار النظرة القديمة المرتبطة بالمركزية الاوربية التي تحاول ان تصور الظهور الفلسفي اليوناني بانه معجزة ظهرت فجاة في تلك البلاد مقطوعة الصلة بما سبقها من مخاض فكري محليا او عالميا .

فحين نتحدث عن الفكر والفلسفة اليونانية، فاننا نتحدث عن واسطة العقد بين الشرق والغرب . فالفكر اليوناني كان المنفذ الذي دخل منه الفكر الشرقي الى اوربا القديمة، مثلما صارتفلسفهم، لاحقا، المصدر الذي استمد منه الفلاسفة العرب المسلمون بواكير تفلسفهم ليكونوا الجسر الذي تعبر عليه الى اوربا الحديثة .

لا يخفى ان الشرق الادنى القديم كان، ومنذ بواكير الالف الثانية قبل الميلاد، يمور باسس الحضارة والفكر، في الوقت الذي كانت فيه ما تسمى ببلاد اليونان  ليست سوى مستنقعات تشغل يابسها قرى بائسة، وهي الصورة التي نراها واضحة من خلال الكتابات التاريخية وكذلك في الحكايات الشعبية اليونانية، مثلما هو الحال بالحكايات المتعلقة بهرقل، مثلا . فلو عدنا، مثلا، الى  صور المهام التي تم تكليف هرقل بها من قبل الملك اوجياس لانكشف لنا مدى التخلف والبؤس وانتشار المستنقعات وما تشكله من اخطار بيئية على سكانها، بالاضافة الى الوحوش التي تصول وتجول في انحائها، والتي لم يجد كاتب الحكايات مخرجا لتحقيق امنيته بالتخلص منها، الا ان يتصدى لها ابن اله، تعبيرا عن صعوبتها .

ازدهرت حضارة العراق القديم منذ نهايات الالفية الثالثة قبل الميلاد، مترافقة مع حضارة وادي النيل في مصر، ليشع نورهما على ما حولهما، فبدأت تظهر باثر منهما، او باحتكاك، الحضارة الفينيقية، ضمن ما يسمى الان بلاد الشام، والحضارة الحيثية في الاناضول (او تركيا الحديثة)، والتي كانتا الاقرب جغرافيا الى اليونان، وهو ماساهم بنقل اسس الحضارة والفكر الى هناك . ولهذا نلاحظ ان بواكير الازدهار الفكري كان ضمن هذا الجوار والذي لم يكن ضمن اليونان الكبرى وبقي كذلك .

ان اللقى والاثار المكتشفة في قبرص وكريت تؤشر مصادر استمدادها، وتبين بوضوح الاسهام الشرقي هناك . كان الفينيقيون، آنئذ، سادة البحر المتوسط الذين نقلوا اليه منتجات الحضارة الشرقية وكذلك الفكر، مما ساهم بانبعاث اقدم مانعرف هناك من حضارات وهي الحضارة المسينية او الموكينية في كريت وقبرص خلال منتصف الالف الثانية قبل الميلاد و التي تعد الخلفية الفكرية للثقافة والفكر اليوناني الذي ستبدأ بواكيره بعد ما يقرب من نصف قرن، فلو اننا قرأنا الالياذة والاوديسة لهوميروس لوجدنا صدى تلك الحضارة يثوي بين سطورها، وهكذا نلاحظ ان  البحر المتوسط بات يتقدم رويدا رويدا للارتقاء الى مستوى حضاري عالي، في الاجزاء المحاددة او القريبة لذلك الشرق .

كان البدء انتقالا لنمط التفكير الشرقي الذي اعتاد الباحثون على تسميته بالفكر الاسطوري، مع تحفظنا هنا على النظرة القاصرة لهذه التسمية والتي ربما تشي ببدائية التفكير وفجاجته . فواقع الحال ان الاسطورة لم تكن سوى الثوب الذي ارتداه الفكر ابان تلك الفترة، فمثلما يتوسل الكتاب في عصرنا وسائلهم المختلفة من مقالة، او رواية او قصة او مسرحية لايصال افكارهم، فان الانسان القديم في الشرق الادنى اعتمد اسلوب التفكير المتاح لايصال افكاره وهو الاسطورة، ولهذا نلاحظ ان المحتوى الفكري العالي سرعان ما يستبين حين ننزع هذا الثوب، والذي لايختلف كثيرا عن نمط تفكيرنا، مع الاخذ بالاعتبار مستوى التقدم الفكري والثقافي . ولهذا نلاحظ اشتراك العالم القديم بشرقه وغربه بذات النمط الاسلوبي وهو ما اتاح للفكر الشرقي ان يجد له حاظنة في بلاد اليونان .

وعليه فان دراسة الاساطير بين الشرق الادنى وبلاد اليونان تعد مفتاحا مهما لفهم التنافذ والتثاقف بين الجانبين .

واذا كان هوميروس بالاضافة الى هزيود سدنة الثقافة اليونانية حينما صارت اعمال الاول تحديدا اشبه ما تكون بالكتاب المقدس هناك، فان هذه الاعمال لم تعكس فقط اثر الحضارة المسينية المتاثرة بالشرق فقط، بل وانطوت على شفرات فكرية لايمكن فهمها بوضوح الا حين نفتش عنها في فكر الشرق، كما سنرى .

فالفينيقيون، بعد ارتقائهم في سلم الحضارة وامتلاكهم القوة المؤهلة لهم للهيمنة على البحر المتوسط،  تذرعوا باكذوبة تسمح لهم بغزو البحر هي الادعاء باختطاف (اوربا) ابنة ملكهم، وانهم اقتحموا البحر بحثا عنها، والغريب ان اليونانيين حين استكملوا قوتهم واستمدوا اسس حضارتهم من الشرق لم يهملوا استعارة هذه الاكذوبة بل اتخذوها ذريعة ايضا للحرب حين حاربوا طروادة الشرقية وتجييش الجيوش ضدها، بدعوى اختطاف (باريس) ابن ملكها لـ (هيلين) زوجة منيلاوس وهو اخ اجاممنون الذي سيكون قائد تلك الجيوش في الحرب  .

هوميروس والشرق:

ان اي قاريء لالياذة هوميروس واوديسيته لا يمكنه الا ان يلاحظ الكم الهائل من الاستعارات لافكار الشرق، العراق القديم تحديدا، بدءا من استهلال الالياذة وليس انتهاءا بالصور المتعددة التي تتناثر بين سطور ملحمتيه  . ولعل ما يلفت النظر ان الالياذة تستعرض مجريات الحرب اليونانية الطروادية التي حدثت نهايات الالفية الثانية قبل الميلاد، وكان المفترض ان تكون، كالسياق المعتمد في الاساطير القديمة بالتغني بالموضوعة التي يريد المنشد ان يركز عليها وهي الحرب، الا اننا نلاحظ ان هوميروس يستهل ملحمته بالتغني بحدث لا قيمة كبرى له تضارع الموضوعة التي يريد الحديث عنها، فهو يتحدث عن نزاع جرى بين قائد الجيوش اليونانية (اجاممنون) وبين احد قواده (اخيل) حول سبية من سبايا الحرب التي صارت حصة (اخيل) واعجب بها  ذلك القائد وارادها له، لينطلق من هذه (الثيمة) ليعرض لنا صورا شتى، عن البطولة ومسلك البطل وعلاقاته باقرانه من الابطال، وصداقاته وعواطفه، ومن خلال استقراءها نجدها لا تبتعد عما يتردد في اذبيات العراق القديم، بل لعل صلة (اخيل) بـ (باتروكلس) صديقه الحميم لا تبتعد في تصوير علاقتهما عن علاقة (جلجامش وانكيدو)، وكأن المنشد ابتدع هذه (الثيمة) لينهل مما وصل اليه من صور ابطال الشرق وعلى راسهم جلجامش، والتي ستسيطر بظلالها على مجريات الحدث حتى ختامه .

ان استهلال الاوديسة اكثر كشفا لمصادر الاستمداد، فنحن نقرأ: (حدثيني ايتها الربة عن الرجل الكثير الحيل الذي اخذ يجول في كثير من مناكب الارض، فقد شاهد بلاد رجال كثيرين وتعلم ارائهم، وكثيرة هي الويلات التي عاناها في قلبه وسط البحار)، وهي لا تختلف كثيرا عن استهلال المنشد العراقي، قبله بما يقرب الالف سنة وهو يتغنى بـ (جلجامش) اذ يقول: (هو الذي راى كل شيء فغني بذكره يابلادي، وهو الذي عرف جميع الاشياء وافاد من عبرها، وهو الحكيم العارف بكل شيء: لقد ابصر الاسرار وكشف الخبايا، لقد سلك اسفارا بعيدة متقلبا ما بين الراحة والتعب) . ان الوقوف عند الاستمداد الاسطوري لبيان الصلة بين الشرق والغرب تعد ركنا اساسيا لفهم الاثر الشرقي في انبعاث التفكير الفلسفي ايمانا منا بان الفلسفة اليونانية، في بواكيرها، لم تبتعد عن محيطها الثقافي بل سعى الفلاسفة الاول لازالة الثوب الاسطوري او جزءا منه .

هزيود والشرق:

ولكي نقترب قليلا من الاستمداد الاسطوري اليوناني على مستوى التفكير الذي سيصير فاعلا منذ بواكير التفلسف الاولى، يمكننا ان نستهدي بهزيود، وهو ثاني اعمدة الثقافة والفكر اليوناني بعد هوميروس وتعاطيه مع القضية التي ستصبح الشغل الشاغل للفلاسفة الاول وهي مشكلة الوجود، فالمعروف ان هزيود قد وضع عملا اسماه (ثيوغونيا) الذي يترجم عادة بـ (انساب الالهة)، وبعيدا عن فكرة المشروع الذي تبناه هزيود وهو تنظيم مجلس الالهة اليوناني (البانثيون) بالشكل الذي سيستقر عليه لاحقا، والذي كان الرادة فيه العراقيون القدامى وحاكاه الشرقيون وانتقل منهم الى اليونان، فاننا نجد ان الفكرة الاساس التي اعتمدها هزيود في تنظيمه هي علاقة الابوة والبنوة بين الالهة المتعددة، مما سمح لليونانيين بالتعرف على الهتهم وعلاقاتها، كما سيرى هيرودوت .

والمعروف تاريخيا بان العراقيين القدامى هم اول من نظم مجلس الالهة بالصورة التي سوف ينسخها هزيود، وهي تستند الى معطيات واقعية لم تتوفر له، فبعد ان هيمنت بابل على دول المدن العراقية المتنازعة وفرضت سيادتها عليها، كان لابد من تثبيت الوحدة السياسية في هذه الامبراطورية،بوحدة روحية  وحيث ان دول المدن تلك كان لها الهتها ايضا، فان معلم الهيمنة الرئيسي في الفكر الشرقي كان الهيمنة على الالهة تثبيتا للهيمنة على دول المدن التي تعبدها وهكذا تم رفع منزلة اله بابل (مردوخ) الذي كان الها من الدرجة الثانية الى مقام السيادة على اقرانه من الالهة،ولاجل تعزيز هذه الوحدة تم وضع رابطة نسبية بين الالهة المتعددة تلك لكي تحققها، ولم تتوفر في بلاد اليونان، زمن هزيود ولا بعده، مثل هذه الظروف التي تدفع لما قام به.

والذي يعزز هذا الامر قراءة متمعنة لبرنامج هزيود بالتقابل مع البرنامج العراقي القديم، كما يتبدى في ملحمة الخليقة البابلية  (الاينوما ايليش) او كما تترجم عندما في العلى حيث نلاحظ ان هناك ثغرات في برنامج الاول (انساب الالهة) تفضح مصدر استمداده مثلما تكشف عن اثر فعل الانتقال للبرنامج العراقي والذي يبدو انه لم يكن مباشرا، بل عبر حضارة شرقية اخرى هي الحضارة (الحيثية):

برنامج هزيود:

يتكون برنامج هزيود من عناصر اساسية هي:

1 - انساب الالهة

2 - تشكيل النظام الكوني

3 - سيادة الالهة على جبل اولمبوس وسيادة زوس عليهم .

لو قابلنا هذه العناصر عند هزيود بمثيلتها عند العراقي القديم، ونحن هنا نستند بشكل رئيس على (الاينوما اليش)، مع نتف اخرى من ذلك الادب لتوضيح الصورة، لوجدنا انهما لا يختلفان الا بالترتيب حيث تكون سيادة الالهة (3) سابقة لتشكيل النظام الكوني(2) عند العراقي القديم، وسوف نبين السبب لاحقا، كما ان الانشودتين يتسمان بانهما ترتيلة لتمجيد زوس عند هزيود و مردوخ عند العراقي، وهما يستعرضان الصراع العنيف الذي دخله الالهان لادخال النظام في الفوضى الكونية العامة حين واجها انواعا متعددة من (التنانين) و (التيتان) و (الوحوش)، وهما يعبران عن قوة الصراع باسهاب، والذي تسبب باسقاط اجيال من الالهة حيث نجد (انو) و (ايا) يخران راكعين امام ابنهما مردوخ، تماما مثلما ستخر الهة هزيود امام زوس، كما يتفقان في مبررات تلك الحرب حين يؤشران (الحقد) و (الكره) الذي اعتمل في صدور الالهة كون الابناء قد بزوهما عظمة وجلالا .

ان العنصر الطبيعي يشف كثيرا حتى يكشف عما تحته على الرغم من ستار الالوهية الفضفاض، فليس (اورانوس) جد الالهة الاغريقية الا (انو) جد الالهة العراقية، وليس هما سوى السماء التي كانت مع الارض رتقا ولابد من فتقهما، وهو ما حتم اشتداد الصراع ليذهب ضحيته اورانوس حين يتم اخصائه من قبل ابنه (كرونوس)، وهو ذروة ما يتصعد اليه الحدث تعبيرا عن اسقاط العظمة في مجتمع زراعي يحركه دافع (الخصب) مثله مثل المجتمع العراقي القديم، الا ان الملحمة العراقية تكتفي بالاعلان ان (انو) قد خبت سطوته منذ امد بعيد .

واذ تتساوق الانشودتان في مجراهما، فان المنشد الاغريقي يحاول ان يستكمل بعض الثغرات، وفي عمله هذا يكشف عن حقيقة استمداده، فالذي يبدو ان هذا المنشد قد استمد برنامجه بشكل غير مباشر، وهو السبب فيما يعانيه من بعض الارباك، كما سنرى، واذا شئنا معرفة مصدر الاستمداد فيمكننا هنا بالذات الاستدلال عليه .

ان سيادة الثقافة والفكر العراقي القديم في انحاء الشرق الادنى القديم امر يحظى باجماع الباحثين، الا انه لا يعني ان الشعوب التي ساد فيها لا تمتلك ثقافتها الخاصة بها، وعليه فان مرور هذا الفكر بها يمكن ان يعدل او يغير بعضا من معالمه، وهكذا يمكننا ان نستدل على ان المنشد الاغريقي القديم كان لديه امشاج لصور متعددة وصلته من محيطه حاول ان يسد الثغرات من خلالها، فنجد في قصة الخليقة الحيثية ان الاله (كوماربي) يقوم باخصاء الاله (اوليكومي) بان ينشب اسنانه في اعضائه التناسلية، واذا كان كوماربي قد حقت عليه اللعنة بان تنبت في احشائه انسال اوليكومي الذي يسعى جاهدا للتخلص منها، فان الاغريقي وهو يستفيد من الاستعارة يسعى لتوظيفها لخدمة الهه وعليه فهو يستبعد الاسنان ليستعيض عنها بالمنجل ليحقق (كرونوس) من عمله ذات النتيجة التي حصل عليها (ايا) العراقي وهي السيادة . ان دور (ايا) في المداخلة بين جيلين من الالهة، جيل غاب وانتهى (انو) وجيل حاز السيادة (مردوخ) يبدو محاولة لتصعيد الحدث الدرامي لبيان بطولة الاله الذي انتصر.

كما نلاحظ ان القصتين، الاغريقية والعراقية تتساوقان في تاشير دور الام بصفتها محركة للصراع باستخدام ادوات مختلفة تمثلت بجمهرة واسعة من الوحوش، فـالالهتان  (جيا) ومقابلتها العراقية  (تيامت) تفعلان، من وراء الكواليس، باعنف ما يكون الفعل، تحرضان ابنائهما وتهيئان لهما ادوات الجريمة واخيرا تفشلان، وهما اذ يمثلان الفوضى فان النظام لا يقوم على اكتافهما .

ان التساوق على مستوى الشخوص والدوافع والاهداف والنتائج الذي مر بنا بقدر ما يكشف احتمالية تاثير القصة الاقدم بالاحدث، بقدر ما يكشف، عند الدخول بالتفاصيل،  مدى التشويه الذي عانته القصة القديمة في رحلة العبور من العراق القديم الى الثقافة الاغريقية مرورا بالحيثية .

ارتباك برنامج هزيود:

قلنا ان ترتيب الاحداث الكونية عند هزيود يختل فيقدم ماتاخر في الملحمة العراقية وبؤخر ما تقدم ومثل هذا الفعل ينتهي الى اختلال التماسك المنطقي عنده، وتصبح الاحداث مشوشة بل وعبثية . لنعود الى الملحمة العراقية، نجد ان مردوخ يقوم بعد انتصاره على تيامت بان يشطر جسدها  ليكون الاعلى سماء والاسفل ارضا، اذن فهو هنا يهييء المسرح للقادم الجديد، الانسان، على الارض، مثلما يهييء موطنا للالهة في السماء . اذن نلاحظ هنا فجوة انفتحت بين السماء والارض وهي شرط ظهور الانسان، وهزيود من جانبه لا يغفل هذه الفجوة، الا انه يستبق او يشوه الحدث ليجعلها امرا قديما لانعلم شيئا عن من فعله، في البدء كان (الكاوس) او الفجوة، هنا يسحب هزيود البساط من تحت اقدام البطل، وان مسارا صعبا وظفه الكاتب العراقي لاجل الوصول الى هذه النتيجة بوصفها فعلا اجترحه اله فائق البطولة (مردوخ)، سرعان ما يضيع عند هزيود، وهو ما يدفعه لان يبحث عن نهاية مناسبة يمجد بها (زوس) الذي قامت الترتيلة لاجله، فلايجد . وبدلا من انتصار مردوخ على الوحوش التي تالبت عليه، نجد زوس مشلولا عاجزا لايدري ما يفعل حتى ينقذه (هرقل) الانسان مما هو به، فيضيع الهدف ولاندري هل اراد هزيود تمجيد زوس ام تمجيد الانسان . ولكن كيف هيأ زوس مكانا لهذا الانسان ؟ كان تمهيد الارض ورفع السماء عملا بطوليا لمردوخ، في حين نجد هزيود يسلب زوس هذا الانجاز ليتحدث عن ظهور الفجوة (الكاوس)، ثم ظهرت الارض الرحيبة (صدر جيا)، فالارض ظهرت والسماء ارتفعت ابتداء لتاتي الاحداث بعدها مما يجعل هزيود يتيه في سرد احداث لاقيمة لها من ناحية الاهداف التي كان سلفه العراقي قد رسمها وسار بها الى نهايتها التي حددها بدقة .

يمضي هزيود في سرد احداثه فيقول بان الارض ولدت ابنا بهيا هو اله  السماء (اورانوس) ليكتنفها ويلبث للالهة مقرا وطيدا، هنا تبدو الفجوة سابقة لفعل ولادة السماء، فمن اين جاء بها ؟ ان قراءتنا لملحمة الخليقة البابلية تشير الى ما يمكن ان يوضح الصورة، فـ (الكاوس) او الفجوة اذا ما تم فهمها بصفتها العماء الكوني البدئي والاختلاط فمن الممكن ان يكون هزيود قد استنتج من الملحمة العراقية ما لم تصرح به ولكن يمكن فهمه ضمنا، ذلك ان (تيامت) تُفهم بانها الاختلاط والمزيج من المياه المالحة والعذبة، وهي صورة طبيعية حين يتم شطرها نصفين، السماء المانحة للمياه العذبة والارض بمياهها المالحة، الا ان هزيود يصرح بان ولادة الارض للسماء التي اشار اليها هي محض كناية، فكيف قامت السماء اذن ؟

يواكب هزيود احداث الملحمة العراقية التي نجد فيها (ابسو) وهو يهم باهلاك نسله من الالهة كونهم اقضوا مضجعه وحرموه من النوم حيث تبقى تيامت على الحياد، الا ان مقتل (ابسو) يغير موقفها فتحرض احد ابنائها (كنغو) على التمرد والاخذ بالثار، وتسلحه بكل ما لديها من اسلحة رهيبة يتهاوى امامها (ايا) وجميع من معه من الالهة، مما يتطلب ظهور (مردوخ)، وهو البطل الذي يهزم الالهة المتمردة، بل ويمسك تيامت ليشطرها شطرين فتكون السماء والارض، اذن فمن اقام السماء فوق الارض هو بطل يستحق ان تترنم الملحمة بانجازه، في حين نجد عند هزيود يظهر (اورانوس) مثالا للاب السييء كذلك، الفاقد للعقل حين يبتلع ابنائه ليس لشيء الا القول بانهم هائلون لم يعرف الكون لهم مثيلا، اما (جيا) فقد اثار فعله بغضها وحفيظة ابنائه، لماذا ؟ في الملحمة العراقية نجد الام (تيامت ) حريصة على ابنائها، بل تنهر ابسو حين يسعى لاهلاكهم، فهم في جوفها، اما هزيود فيختل عنده الحدث حين ينتقل من ابتلاع (اورانوس) لابنائه الى الحديث عن ان (جيا) ضاقت ذرعا بابنائها في جوفها مما دفعها للانتقام من زوجها . من الطبيعي ان يختل السياق هنا، فهزيود المعروف بعقده النفسية تجاه المرأة، لايمكن ان يتقبل عواطف الام العراقية وحنانها على ابنائها وغضبتها على زوجها كونه يريد اهلاكهم، فالمرأة عند هزيود هي (باندورا) حاملة الشرور الى الارض حين ارسلها (زوس) عقابا على سرقة (بروميثيوس) النار وخدع الالهة، وهكذا فهي اذ تامرت على اورانوس واعانت كرونوس لاخصائه، فهي هنا ايضا تثبت عدم وفائها حين تخدع كرونوس وتتذرع الامومة للابقاء على (زوس) لاسقاطه . تدخل جيا المسرح ابتداء وهي تحمل انانيتها وحقدها لتهييء المنجل اداة الجريمة ضد زوجها (اورانوس)، لاخصائه، مثلما تخدع (كرونوس) وهو مقبل على ابتلاع ابنه الاخير (زوس) لتخدعه بقطعة حجارة ملفوفة يبتلعها ظنا منه انها ابنه، والذي سيكون سببا باسقاطه . ان اخصاء اورانوس تسبب بسقوط قطرات من دمه على جيا فولدت ابناءا منه جعلتهم سلاحها الذي عادت وشهرته ضد (زيوس)، ليتحول المسرح الكوني الى حرب لاهوادة فيها بين زوس رب الالهة وابناء جيا من زوجها السابق، حرب لاموجب لها ولا مبرر الا تحقيق ما يحمله هزيود من الحقد على المراة، ان اعتساف الاحداث هنا واضح، فصراع مردوخ انتهى الى اقرار النظام الكوني وتاكيد معقوليته، و بعد اقرار النظام الكوني يحثه قلبه على ان يخلق اشياء عجيبة كان الانسان احدها لكي يفرض عليه عبادة الالهة لكي تستريح، في حين انه عند هزيود ينتهي الى فوضى لم يخلصه منها الا الانسان حين قام هرقل بدوره بالدفاع عن السماء ضد (العماليق)، فهل الانسان قبل الالهة؟.

 

د . محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (10)

إن الفكرة الجوهرية الكبرى والعميقة التي أسس لها ابن خلدون بصدد الحضارة هو النظر إليها باعتبارها مرحلة في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من جهة، وارتباطها بصيرورة الدولة وتطورها من جهة أخرى. وظهور الدولة بدورها هو انتقال من البداوة إلى الحضر، أي من حالة اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة إلى أخرى أكثر رقيا، أي الانتقال من البداوة إلى المدنية. من هنا تحديده لماهية وحقيقة البدو، باعتبارهم أولئك الذين "يعيشون في الجبال والقفار وأطراف الرمال". أما الحضر فهم "أولئك الذين يعيشون بالأمصار والمدن"

[1]. من هنا يتضح بأن البداوة بالنسبة لابن خلدون هي حالة اجتماعية اقتصادية متعلقة بالإنتاج وأسلوبه. فكل ما هو قبل العمران المدني (الحضاري) هو حالة همجية. ذلك يعني انه ليس حكما قيمييا أو أخلاقيا. لهذا نراه يشدد على وجود الكثير من الصفات الأخلاقية عند البدو (الهمج) أكثر رقيا من حالة المدنية مثل قيم المروءة والكرم والسؤدد والفروسية، وأنهم "أقرب إلى الخير من الحضر، وكذلك في فضائل أخرى مثل الشجاعة"[2]. وضمن هذا السياق يمكن إزالة سوء الفهم المترتب على بعض أحكامه التي تدخل فيها كلمة "العرب". فهو يتناولها بالمعنى الاصطلاحي وبالمعنى القومي الثقافي. وكلاهما ضمن سياق منهجه التاريخي الفلسفي بوصفهما مصطلحات اجتماعية تاريخية ثقافية، ومفاهيم منهجية لا علاقة لها بالمعنى القومي أو الإثني.

فبالمعنى الثقافي كان المقصود بكلمة "العرب" عند ابن خلدون يعادل معنى البدو والبداوة. من هنا قوله على سبيل المثال "العرب هم أهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي"،  و"العرب هم أشد الناس توحشا، وينزلون من أهل الحواضر منزلة التوحش"، وفي معرض حديثه عن التمسك بالأنساب يقول، بأن الصريح من النسب إنما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم"، وأن "جيل العرب طبيعي لابد منه في العمران"[3]، أي أن جيل البداوة هو المقدمة الأولية التي يظهر على أساسها العمران، بوصفه نفيا لها. وهي اشارات مفهومية دقيقة عن أن كلمة "العرب" هي مصطلح اجتماعي اقتصادي ثقافي ضمن منظومته الفكرية التاريخية. بمعنى انه لا علاقة لهذه الكلمة بالقومية والإثنية، بل بالحالة الحضارية. ومن ثم تعامل مع هذا المصطلح بمعايير الرؤية العلمية وليس القيميية. اما بالمعنى القومي المباشر فنعثر عليه في مواقف معينة مثل حديثه عن الإنسان، كما في قوله بأن العرب فقط من يحافظ على أنسابه، بينما عرب حمير وكهلان (مثل لخم وجذام وغسان وطي وقضاعة) فقد اختلطت أنسابهم. وهي عبارة تختلط فيها الأبعاد المنهجية للمصطلح والتقريرية للواقع. وضمن هذا السياق يمكن فهم ما كتبه عن إن العرب "أبعد الناس عن الصنائع" على خلاف العجم وأهل الصين والترك والروم. بينما نراه يتكلم عما اسماه بصنائع العرب القدماء في اليمن وعمان والبحرين)[4]. اما في حال تفسيرها بمعايير الفكرة القومية فإنها تتنافى مع الواقع، وذلك لأن اغلب إن لم يكن جميع الانجازات الحضارية المكبرى في صور ومراحل الخلافة كانت أما عربية او مطبوعة بالعربية. فقد كان العرب هم مادة الحضارة الإسلامية وحملة لوائها، ولكن ليس بالمعنى القومي بل الثقافي. وضمن هذا السياق لا يستقيم حكمه القائل، بأن أغلب علماء الإسلام من الأعاجم. والعرب فيهم قليل، وذلك بسبب كون الدولة ورئاستها بأبديهم[5]. وهو تفسير سياسي لا واقعية فيه. بمعنى انه حكم ليس دقيقا. والقضية هنا ليست فقط في ضعف معارف ابن خلدون بثقافة المشرق كما هو جلي في الأمثلة التي يوردها عن مختلف العلوم، التي يشكل أهل المغرب والأندلس مادتها الأساسية، بل وفي كون العرب هم من وضع أسس الحضارة الإسلامية. من هنا دورهم الجوهري. وأغلب إن لم يكن جميع علماء الأعاجم أو من أصول أعجمية هم عرب بالثقافة والتربية. وهذا يتطابق مع مفهوم العربية بوصفها كينونة ثقافية وليست اثنية. كما إن الحضارة الاندلسية التي ينتمي إليها ابن خلدون نفسه كانت عربية شبه خالصة. وفي ما لو جرى إهمال أو طرح هذه الأحكام عند ابن خلدون، باعتبارها أمثلة عرضية بالنسبة لفلسفته عن التاريخ والحضارة، فإن ما هو جوهري في فلسفته يقوم في رسم ملامح وآلية ظهور الدولة والحضارة في مجرى الانتقال من البداوة إلى الحضر.

انطلق ابن خلدون من أن الشيء الطبيعي في صيرورة الدولة هي الغلبة بالعصبية. فالدولة تشكل بداية نفي البداوة ووضع أسس الحضارة. من هنا قوله، بأن "طور الدولة من أولها بداوة. ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال. والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والابنية وسائر عوائد المنزل واحواله"[6]. وبالتالي، فإن "طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرفه للملك. وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة"[7].

إن جوهرية الدولة ودورها التأسيسي بالنسبة للحضارة عند ابن خلدون يكمن في كونها القوة الضرورية لتنظيم حياة البشر وإيقاف النزعة الحيولنية (البهيمية) عند حدودها والاستعاضة عنها بقوة القانون. من هنا اعتباره للمك "منصب طبيعي للإنسان". وذلك لأن البشر لا يستطيعون العيش إلا باجتماعهم وتعاونهم على سبل تحصيل قوتهم وضرورات الحياة. من هنا ظهور أساليب المعاملة أولا والسلطان ثانيا من أجل تنظيم الحياة لما في "الطبيعة الحيوانية من الظلم والجور"[8]. وذلك لأن وجود البشر فوضى وحرب ودمار بدون الحكم. والحاكم يزع بعضهم إلى بعض. فالحكم والحاكم هو الوازع الأكبر. والحاكم بمقتضى "الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"[9]. وقد حددت ماهية الدولة ووظيفتها الأسس الأولية الضرورية لتنظيم الحياة بمختلف ميادينها ومستوياتها،مع ما يترتب عليه من توسيع الأسس المادية والمعنوية والقانونية للاستقرار والإرتقاء الثقافي والحضاري. ووضع لهذه الفكرة مقدمة نظرية فلسفية عامة تقول، بأن "الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة. وهو الشكل الحافظ  لوجودها. وقد تقرر في علوم الحكمة (الفلسفة) انه لا يمكن إنفكاك أحدهما عن الآخر. فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دون الدولة والملك متعذر لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك أما الشرعية أو الملكية وهو معنى الدولة. وإذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما يؤثر في اختلال الآخر، كما أن عدمه مؤثر في عدمه. والخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل دولة الروم والفرس والعرب"[10].

ومن هذه المقدمات النظرية العامة والنقدية وضع فكرته الفلسفية عن العمران والحضارة أو الثقافة والحضارة. ومن هنا أيضا مقدمته النظرية العامة القائلة، بأنه "متى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل" بمعنى إن التنوع والتوسع الثقافي هو أساس الحضارة النوعية المتكاملة بذاتها. وإن هذا التكامل النوعي للحضارة واكتمالها مرتبط بصيرورة وتطور الدولة وتكاملها. تماما كما إن انهيار الحضارة مرتبط بانهيار الدولة. وهو استنتاج استمده من تأمل ودراسة وتحليل تاريخ الدول والحضارات والأمم جميعا. غير أن هذا الترابط أقرب ما يكون إلى ما يمكن دعوته بسريان الزمن وانهيار التاريخ. ووضع هذه الفكرة في عبارة دقيقة تقول، بأن "الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة". وهي الفكرة التي سيقول بها شبنغلر أيضا في معرض تحليله لعلاقة الثقافة وأرواحها الحية بموت الحضارة. فالحضارة تبقى شامخة وقوية في مظاهرها حتى بعد موت أرواحها كما هو الحال بالنسبة للأشجار الكبيرة. غير أن الفرق الجوهري بينهما بهذا الصدد يقوم في أن الفكرة الجوهرية بالنسبة لابن خلدون لا تقوم في البحث عن خلل الفكرة الثقافية واستنفاذ طاقتها، كما يقول به شبنغلر، بل ربط هذه الحالة بالدولة. وهو فرق جوهري. وهذا بدوره مرتبط في فلسفة ابن خلدون الثقافية والحضارية بالعلاقة الجوهرية بين فكرة التاريخ الثقافي والعمران الحضاري وفكرة الدولة. فالحضارة بالنسبة لابن خلدون ترتبط بالدولة ورسوخها. وكتب بهذا الصدد يقول "إن الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتا غير منحصر"[11]. ولهذه الحالة مقوماتها المادية التي يربطها ابن خلدون بالإنتاج والسوق. ووضع بهذا الصدد إحدى الأفكار العميقة القائلة بارتباط الدولة والحضارة. وكتب يهذا الصدد يقول: "إن السلطان والدولة سوق للعالم. فالبضائع كلها موجودة في السوق وما قرب منه. وإذا بعدت عن السوق افتقدت البضائع جملة. ثم انه إذا اتصلت تلك الدولة وتعاقب ملكوها في ذلك المصر واحدا بعد واحد، استحكمت الحضارة فيهم وزادت رسوخا"[12]. وحاول الكشف عن ذلك، أو انه قدّم أمثلة تؤيد هذه الرؤية على مثال الحضارات القديمة لكل من العراق ومصر واليونان والروم والفرس، وكيفية ومدى ديمومة الحضارة فيها. واعتبر حضارة الإسلام من بين أعظمها بسبب ارتباطها بمن قبلها في العراق والشام ومصر وفارس. وقد كانت الحضارة الإسلامية من حيث الجوهر الموضوع المباشر لتأمل الفكرة التاريخية والحضارية عند ابن خلدون. بمعنى انه كان يتناول إشكاليات الوجود التاريخي المباشر رغم تأملاته العميقة بتاريخ وتجارب الأمم الأخرى. وليس مصادفة ألا يترك ابن خلدون جانبا مهما من جوانب الحياة العلمية والأدبية والروحية والسياسية والثقافية والفنية للحضارة الإسلامية دون أن يتناولها في الشرح والتعليق وإبراز أهم المؤلفين وأثرهم والاعتناء بما كتبوا سواء من جانب المشرقيين والمغاربة (بشكل خاص) كالتفسير والحديث والفقه وغيرها من الجوانب. ونعثر في رؤية ابن خلدون هذه على بعدين ثقافي - تاريخي وسياسي. والأول يقوم في ما يمكن دعوته بتأسيس قيمة وجوهرية التمثل الثقافي واستمراره "العالمي التاريخي" بالنسبة لبقاء الحضارة (الكونية) وانهيار وتلاشي أشكالها الخاصة والجزئية منها كما سيقول به لاحقا ارنولد توينبي. أما الثاني (السياسي) فيقوم في تحديده الدقيق لما يمكن دعوته باستخلاص العبرة التاريخية، التي نجد تعبيرها الدقيق في استنتاجه القائل، بأنه "على نسبة حال الدولة يكون يسار الرعايا، وعلى نسبة يسار الرعايا وكثرتهم يكون مال الدولة. وأصله كله العمران وكثرته"[13]. وهو استنتاج فكري تاريخي سياسي وحضاري عميق يقوم في تأكيده على ربط يسار المجتمع بحال الدولة، أي أن حال الدولة مرتبط بكيفية حلها للمشاكل الاجتماعية. كما أن قوتها وديمومتها مرتبط بمدى قدرتها على توسيع الرفاهية الاجتماعية. فهي العلاقة التي تؤدي إلى توسيع الثروة (المال) ومن ثم إمكانية استعماله بما يتوافق مع الغاية التي صنع لأجله، أي توسيع الحضارة والرفاه الاجتماعي. وهذا كله مرتبط بالعمران، أي العمل الدائم من اجل تعمير الدولة ومكوناتها والمجتمع وقواه، والاقتصاد وسوقه.

ووضع هذه الفكرة المنهجية في أساس نقده للنظريات الفلسفية السابقة المتعلقة بفكرة التاريخ والحضارة، أو بفكرة المسار التاريخي للعمران. فقد وجد في الفكرة التي سعت لإرجاع وتفسير الانجازات الكبرى للماضي إلى ضخامة أجسام صانعيها وما شابه ذلك من تفسيرات، مجرد خرافات لا غير. واعتبر إن النظر إلى ما بقي من آثارهم يكشف عن زيف هذه التصورات، مثل النظر إلى أبواب بيوتهم وارتفاعها وما شابه ذلك لكي نرى أنهم لا يختلفون عنا بهذا الصدد. كما انتقد فكرة الضعف والانحطاط الإنساني مع مرور الزمن، أو فكرة التدهور المحتوم في المسار التاريخي (فكرة هزيود). والتي اطلق عليها ابن خلدون عبارة "أفكار تحكمية هي في أغلبها نتاج التصورات الخاصة لبعض الفلاسفة وليس فيها دليل واقعي ولا برهان". وكتب بهذا الصدد يقول، بأن هذه الأفكار والأحكام هي نتاج "استعظامهم آثار الأمم، ولم يفهموا حال الدول في الاجتماع والتعاون". من هنا انتقاده أيضا للفكرة القائلة، بأن الله خلق الإنسان في أفضل تقويم من حيث القوة والجسم لكنه مع مرور الزمن تذهب قواه، والشيئ نفسه طبقوه على الدول والحضارات. واعتبر هذه الأفكار منافية للمنطق والواقع والمسار الفعلي لنشوء الحضارة وموتها. لقد رفض ابن خلدون فكرة مطابقة الصيرورة التاريخية للحضارة وموتها مع ما هو مميز للإنسان. إذ اعتبر أن لكل منهما حالته الطبيعية وضرورته الخاصة[14]. وينطبق هذا على موقفه من تنوع واختلاف الحضارات. وإن ما يميز بعضها من انجازات كبرى أقرب إلى الخيال، لا ينبغي نفيها من دون تمحيص. وذلك لأن أحكام من هذا القبيل هي نتاج رؤية تطابق تصوراتها مع ما هو مألوف أو مع ما يدركونه من معالم العمران في حالاته الأولية أو الوسطى[15].

إن الحضارة بالنسبة لابن خلدون هي كائن حي أو كينونة تاريخية ثقافية سياسية. فهي كالإنسان كيان حي وطبيعي. ووضع ابن خلدون هذه الفكرة في مقطع دقيق يقول، بأن "العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكونات عمرا محسوسا. وتبين في المعقول والمنقول، أن الأربعين للانسان غاية في تزايد قواه ونموها. وأنه إذا بلغ سن الأربعين وقفت الطبيعة عن أثر النشوء والنمو برهة ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط. فلتعلم إن الحضارة في العمران أيضا كذلك. لأنه غاية لا مزيد من وراءها. وذلك لأن الترف والنعمة إذا حصلا لأهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار إن "الحضارة هي التفنن في الترف وإستجادة أحواله، والكلف بالصنائع"[16]، من هنا يمكن توقع مآلها النهائي. ومن بين أكثر هذه النتائج وأعمها في تاريخ الدول والحضارات هو بداية انحطاط القيم والأخلاق. تماما بالقدر الذي بصبح انحطاط الأخلاق السبب الجوهري في انحطاط الحضارة. بمعنى إن باعث العمران وتقوية الدولة من خلال إرساء أسس الرفاهية الاجتماعية العدالة. وفي الوقت نفسه يعتبرها عملية طبيعية، تماما كما هو الحال بالنسبة للإنسان. فهو ينطلق بتفسيره هذا ليتوصل بأثره إلى أن التأنق المفرط بالحياة المنزلية (الاقتصاد والمصالح المادية) يؤدي إلى إتباع الشهوات والانقياد لها "فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها. أما دينها فلإستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها. وأما دنياها فلكثرت الحاجات والمؤنات التي تطالب بها العوائد ويعجز الكسب عن الوفاء بها"[17]. انه يقصد بهذه الحالة على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع والدولة. وهو حكم دقيق في ما يتعلق بموقفه الملموس من حضارات الماضي وما عايشه. لكنه حكم يتمتع براهنيته أيضا. فالإفراط في الحضارة ومستلزماتها يضع البشر أمام مهمة "عجز الكسب عن الوفاء بها". مع ما يترتب عليه من غزو وحروب ودمار قد يؤدي في نهاية المطاف ليس فقط إلى زوال الحضارة، بل وزوال الأرض ومن عليها. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عن أن الحضارة تعادل من حيث حتمية سقوطها تحلل الأخلاق وفسادها.

كل ذلك يكشف عن أن ابن خلدون يفسر الانحطاط الأخلاقي والمعنوي الذي يلازم التطور الحضاري مع ما هو ملازم وتلقائي للحضارة نفسها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "غاية العمران هي الحضارة والترف. وانه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم كالأعمار الطبيعية للحيوانات. بل نقول إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد"[18]. لقد ربط ابن خلدون هذه الحالة والخاتمة بالأسس المادية التي تقوم عليها الحضارة. فهي تؤدي بالضرورة إلى تطوير مختلف الملكات الإنسانية وتزيد بها وتفرط في كل شيء. وبالتالي، فإن الحضارة بالنسبة له هي الصيغة الملازمة للإفراط والخروج على الاعتدال. ولا يمكن التحكم به بالعقل، لأنه يصبح جزء من حال طبيعية وثقافة عامة شاملة تمس كل أسس الوجود الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والأخلاقي والروحي والسياسي. فالسعي المحموم للرفاهية واللذة المادية يدفع البشر إلى التنافس لبلوغ غاياتهم. من هنا تفننهم بالوسائل من أجل بلوغ الغاية. ويصبح الغش والكذب والخداع والرذيلة أساليب الوصول إلى الغاية. وهذا يشمل كل شيء، الفرد والعائلة والجماعة والمجتمع والسياسة والدولة، والعوام والخواص. بحيث يصبح البشر لاحقا أكثر تفننا في الفسق والجريمة والإدعاء والمجاهرة به حتى يصير "ذلك عادة وخُلقا لأكثرهم، إلا من عصمه الله". ويترتب على ذلك أن "يموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم... وإذا كثر ذلك في المدينة أو الأمة أدى بالضرورة إلى هلاكها واندثارها"[19]. من هنا حكمه القائل، بأن الحضارة هي نهاية العمران. بمعنى تحديده لماهية وطبيعة المسار التاريخي الملازم للعمران، بوصفه مسارا ثقافيا مبدعا. ووضع استنتاجه هذا بعبارة دقيقة تقول "إن الحضارة هي نهاية العمران، وخروجه إلى الفساد، ونهاية الشر والبعد عن الخير"[20]. وسوف يقول بشي ما شبيه ويقترب من مضمون الفكرة الخلدونية بهذا الصدد كل من روسو وشبنغلر. إذ نعثر في هذه الفكرة على صيغة مكثفة لما سيطرحه كل من جان جاك روسو حول العلاقة بين التطور الثقافي الحضاري وانحطاط الأخلاق، وكذلك على فكرة اوسفالد شبنغلر عن إن الحضارة هي نهاية أو جفاف الثقافة وأرواحها. اما ابن خلدون فقد توصل قبل ذلك بقرون عديدة للقول، بأن "الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره، وإنها مؤذنة بفساده"[21]، وأن "الحضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة"[22].

غير إن ابن خلدون يتناول ظاهرة الانحطاط المعنوي والأخلاقي في مجرى تطور الحضارة بمعايير فلسفته الخاصة عن وحدة الدولة والحضارة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحضارة تفقد المرء الجرأة والشجاعة بفعل وجود السلطة والجيش والشرطة،أي بفعل وجود قوة القمع والقهر، التي تأخذ على عاتقها حمايته الخارجية بينما تسلبه في وقع الأمر قواه الداخلية"[23]. بعبارة أخرى، إن سبب الفساد والانحطاط التاريخي للحضارة من وجهة نظر ابن خلدون يكمن أساسا في خلخلة وانحطاط النظام السياسي مع ما يترتب عليه من انحطاط اجتماعي وأخلاقي. بمعنى انه وجد السرّ الأعمق لهذه الظاهرة التاريخية في إشكالية النظام والحرية أو صيغتها الملموسة آنذاك في علاقة السلطة بالاستبداد. وبالتالي، فإن موقفه الشخصي أيضا مبني على أساس رؤية التطور الموضوعي الطبيعي للحضارة. بمعنى انه يقف بين إدراك مسارها الطبيعي بما في ذلك انهيارها وموتها شأن كل كائن طبيعي وحي. وفي الوقت نفسه ينظر إليها، باعتبارها سبيل وطريق الوجود التاريخي الإنساني نفسه في تذليل الخشونة والهمجية والبداوة والسير نحو الصيغ الأكثر رقيا في الحياة. من هنا تعظيمه وتقديره الكبير والعميق للحضارة وإبداعها.

إن هذا التقييم بشقيه مبني أساسا على رؤية فلسفية للتاريخ تقوم في أن الحضارة هي النتاج الطبيعي لتطور الإنسان والجماعة. ويرتبط هذا التطور بتطور أدوات العمل والإنتاج ووفرة الثروة والفائض الاقتصادي، أي كل ما يدخل ضمن مفهوم وفكرة العمران، أي الإرتقاء الثقافي للإنسان والجماعة والأمة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص32.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص97-100.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص96-97.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص320-321.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص 451-.452

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص136.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص 136.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص298-299.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص292-293.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص293.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص295.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص140-141.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص143

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص295.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص295.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص297.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص296.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص98.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص295

[22] ابن خلدون: المقدمة، ص297.

[23] ابن خلدون: المقدمة، ص99.

 

 

علي رسول الربيعيربما ليس التحدي الرئيس الذي تواجهه الديمقراطيات في هذا العصر هو خطر الشمولية بقدر هو ما تنتجه التعددية، ووجود مجموعة من الولاءات الثقافية غير المتوافقة داخل هذه المجتمعات التعدية. كيف يمكنها النجاة من انقسامهم إلى جماعات لم يعد الكثير منهم يشاركون في المتطلبات الأخلاقية الأساسية لنظام ديمقراطي: الاعتراف بحرية الضمير، والمساواة في الحقوق، وما شابه ذلك؟

يبدو أن هناك نظريتان رئيستان تقدمان الحل، الجمهورية من ناحية، والليبرالية من ناحية أخرى، ولكن قد يبدو أنها بعيدة عن ملامسة لوضع الحالي. ومع ذلك، هل سيساعد المسح التاريخي والمفاهيمي لهذين الخيارين المختلفين في تسليط بعض الضوء على القضايا المعنية؟ ما هو فهمهم للتنوع وهل يمكن لكل منهم أن يتعلم شيئًا من الآخر؟ الهدف من هذه الدراسة هو كشف أن هذين الردين أو الأستجابتين لا يزالان على قيد الحياة إلى حد كبير. أنهم أكثر تشابهًا مما قد يظن به المرء؛ وأن فحصها يظهر بوضوح شديد أن جذر المشكلة يكمن في مضمون المواطنة والكرامة المرتبطة بها، وليس في التنوع في حد ذاته.

لذلك، سأحاول،(1)، شرح السمات الرئيسية للرؤية الفرنسية النموذجية بشأن التنوع والاعتراف بها، والطريقة التي وفرت بها الجمهورية موارد التكامل الثقافي الناجح. سأقوم بعد ذلك (2) بتأكيد أوجه التشابه مع جوانب المفهوم الراولزي لليبرالية السياسية،[1] التي قد تظهرفي البداية بعيدة جدًا ولكنها في الواقع أقرب بكثير عند دراستها بالتفصيل. سأختتم (3) باقتراح موجز لإعادة تقييم المواطنة يتجاوز بمعناها المعنى الاجتماعي في التقليد الجمهوري الفرنسي، ومع ذلك يتجنب مخاطر "سياسات الاعتراف" النموذجية لليبرالية المعاصرة.

السمات الرئيسية للنموذج الجمهوري الفرنسي: الاندماج كـ "استيعاب"

إن الملامح الرئيسية للنموذج الجمهوري الفرنسي هي: الاندماج كـ "استيعاب" فرنسا كأمة، كانت نتيجة مشروع سياسي وتشكيل مجتمع لا يقوم على "الدم"، ولكن على المواطنة بوصف الأمة مجتمع من المواطنين. لقد تم التعبير عن هذا المشروع بقوة من قبل الثورة الفرنسية، لكن له جذور أعمق، لا يمكنني تفصيلها هنا. إن العمليات المزدوجة للتحديث والشمولية العالمية خلال وبعد الثورة الفرنسية تعني أن تصبح فرنسيًا ليس مجرد دخول جماعة أو أمة عرقية معينة، ولكن أن تصبح فاعلًا في دراما أوسع، تلك العملية التحررية التي كانت ستؤدي في نهاية المطاف إلى اتحاد قوميات بطريقة ديمقراطية وسلمية، إلى ملائمة وتسوية الخلافات بطريقة شاملة، وحل الخصوصيات والتماييزات بوصفها مصادر للصراعات، وإلى الاعتراف بنوع من الأخوة العالمية أو المواطنة العالمية. وقد كانت هذه الفكرة، على سبيل المثال، مصدر إلهام لـكانط.[2]

يقوم الدستور الجمهوري على ثلاثة مبادئ: أولاً مبدأ الحرية لجميع أفراد المجتمع؛ ثانياً، مبدأ اعتماد الجميع على تشريع مشترك واحد؛ وثالثًا، مبدأ المساواة القانونية لجميع المواطنين ... وأن الجمهورية تقدم احتمالا لسلام دائم ... كما هو الحال بموجب هذا الدستور، وإن موافقة المواطنين مطلوبة لتقرير ما إذا كان سيتم إعلان الحرب أم لا، وسيكون لديهم تردد كبير في الشروع في مشروع خطير للغاية.

يبدو أن تصور أو مثال الجمهورية كدولة مدنية هي أفضل حماية ضد الصراعات العرقية أو الطوائفية أجمالا وضد الحربايضاً. كان للثورة الفرنسية امتياز كونها المحرك الأساسي في هذه العملية من خلال تحرير الناس من جذورهم وروابطهم الخاصة و"إعادة إنشائهم" أو تشكيلهم كحاملين حقوق مجردة: لم يعد هناك ألاً مواطن فرنسي له حقوق وكرامة متساوية مع المواطنين الآخرين. لذا، أن تكون فرنسيًا، فإن المسؤوليات الضمنية، تشبه إلى حد كبير تلك التي يحملها المفهوم الأمريكي للمواطنة فيما يتعلق بفوائد المواطنة الحرة والمتساوية، بما يتجاوز الاختلافات بين الطبقات والأصول العرقية واللغة والدين. لقد اخترعت فرنسا مفهوم "الأمة المدنية"، ومثال معين من "الجمهورية العالمية".

دعونا نفكر أولاً في المعنى الدقيق للأمة المدنية للجمهورية كمجتمع من المواطنين متحد ومتكامل على الرغم من أصولهم الثقافية المختلفة. على النقيض من "الأمة العرقية"، المجسدة في ألمانيا الموحدة المعاصرة، على سبيل المثال، فإن المشروع السياسي للأمة المدنية لا يأخذ "التجانس" السياسي باعتباره "نوعًا من الظواهر الطبيعية، طبيعة ثانية، كما كانت، لكنه يرى ذلك نتيجة الولاء الطوعي والواعي. إن الأمة لا تُعطي على هذا النحو من قبل الماضي أو الثقافة أو التقاليد، ولكن هذا لا يعني أن البنية الفوقية السياسية تركب  بالأكراه من فوق على مجتمع مدني منقسم ومجزّأ. تم إنشاؤه من خلال التحام المواطن بمؤسساته السياسية: الأمة، كما قال إرنست رينان في مقولته الشهيرة، أنها استفتاء يومي. هذا هو أفضل تعريف للجمهورية على أنها خلق سياسي طوعي، نتيجة لميثاق اجتماعي متجدد إلى ما لا نهاية أو" جمهورية الميثاق". وبالتالي، فإن التعددية الثقافية وتفكك المجتمع إلى جماعات مختلفة متمايزة عن بعضها يهدد مثل هذا المشروع. ستبقى المكونات المختلفة العديدة على حالها في العقد الاجتماعي. سيظلون كما كانوا في البداية: مجتمعات وأفراد معينين بدون مشروع سياسي مشترك. لهذا السبب، إذا كانت فرنسا مجتمع متعدد الثقافات بشكل فعال مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة، فإنها لا ترى نفسها على هذا النحو، ولكن لديها مهمة استيعاب هذا التنوع في جمهورية واحدة وغير قابلة للتجزئة، لتحويل هؤلاء الأفراد إلى متساوين ومواطنين متماثلين، وأدخال المجتمعات المحلية الصغيرة المتبقية في الهيئة السياسية غير المتمايزة.

لدينا إذن قراءتان محتملتان لنموذج جمهورية عالمية. فإما أن نرى النموذج الفرنسي للاندماج على أنه قومي وغير ليبرالي، حيث أن نيته الحقيقية، أبعد من خطاب المساواة، وهي "فرنسة" سكانه، وفرض ثقافة واحدة، لغة واحدة، طريقة تفكير واحدة، بغض النظر عن هوياته المميزة المختلفة وكل هذا باسم التحرر. والأهم من ذلك، يمكننا أن نراها على أنها ترغب في تهيئة الظروف اللازمة لممارسة هيمنة سياسية مركزية قوية.  فهي تعتبر وبشكل واضح، من وجهة النظر هذه، أداة للاستعمار والإمبريالية الداخلية والخارجية، أو يمكننا رؤيتها كطريقة فعالة لتجنب القومية -العرقية، بسبب الطبيعة السياسية للأمة، وقوة لأمة  موًحدة واحدة. وأن المجتمع يأتي من مؤسساته السياسية، وليس من نقائه العرقي. هذه ميزة مهمة للغاية على المرء أن يأخذها في الاعتبار قبل أن ينتقد نموذج الجمهورية، خاصة عندما يفكر في محاولة صياغة مفهوم مماثل لألمانيا المعاصرة، مفهوم"الوطنية الدستورية '' الذي طرحه الفيلسوف يورغن هابرماس وفشلها الأخير في الفوز على نطاق واسع القبول، منذ إعادة توحيد ألمانيا وصعود القومية الألمانية في التسعينات. يمكن أن يكون الحفاظ على التوازن بين العالمية والخصوصية أحد مزايا هذا النموذج؛ ويمكن تجنب مركزية العرقيات إذا نُسبت العالمية فقط إلى المؤسسات السياسية للدولة وليس إلى التقاليد الثقافية التي نشأت فيها.

لقد تم اعتبار الاستيعاب، منذ ظهور "سياسات الاعتراف"،  أنه يؤدي الى فقدان الهويات تقاليد وقيًم ثمينة لا يمكن تعويضها، ونُظر اليه بهذا المنظار غير الجذاب. لكن  طالما كان، اعتمادًا على سمات السكان المهاجرين، وعلى ميزان القوى، وفي الغالب، على مدى الحقوق والمزايا المرتبطة بالمواطنة، مرادفاً لنوع من التحرر والتحديث وخلق مساحة تنفس جديدة لتطويرها في لغة جديدة. من هذا يمكن أن نجد العديد من الأمثلة البليغة. واحدة من هذه هي لليهود والثورة الفرنسية التي منحتهم، في عام 1789، وضع المواطنة المتساوية لأول مرة. وهذا يعني مكسبًا كبيرًا في الأمن والكرامة وآفاق الحياة الأساسية. وهذا يعني مكسبًا كبيرًا في الأمن والكرامة وآفاق الحياة الأساسية. على سبيل المثال، حق الملكية الكاملة للممتلكات التي حرمت على مدى قرون لغير المسيحيين في البلدان المسيحية. كما شهد ذلك القول الشهير: "سعيد كالله في فرنسا!". هنا، لدينا حالة من التأقلم بدون خسارة الهوية بشكل عام (على الرغم من أن هذا الادعاء يحتاج بوضوح إلى تحليل دقيق لمفهوم الهوية الدينية  مسلمة أو يهودية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى السمات الخاصة للدين الإسلامي، وجزئياً بسبب محتوى حقوق المواطنين. وبما أن المواطنة تضمنت الحق في العبادة، فقد سمحت بإمكانية الاستمرار في كون الشخص مسلما أو يهوديا  كمواطن فرنسي . كان القيد الوحيد الذي فرضته الجمهورية العلمانية على المواطنين وحقهم في العبادة هو أن ممارسة الدين يجب أن تبقى خاصة، حتى لا تغزو المجال العام.

وبالتالي، يجب على المرء ألا يستهين بجاذبية الاستيعاب عندما يعني مجموعة واسعة من الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية تنمية الهوية الشخصية والحصول على الاعتراف بها واحترامها في إطار وقيود المواطنة. لقد تم الأستياء من سياسات الاستيعاب في الغالب عندما أصبح مضمون المواطنة ضعيفًا، وعندما تآكلت قيمة الحقوق الأساسية كما هو الحال في حالة المهاجرين من شمال إفريقيا في فرنسا. يمكن أن ينظر إلى الاستيعاب من الخارج على أنه عملية غير ليبرالية للغاية، ولكن بالنسبة للسكان يمكن أن تكون الفوائد هائلة طالما أن القيمة السياسية والاجتماعية للمواطنة مستدامة. أطروحتي هي أن قيمته الأخلاقية يجب أن تؤخذ في الاعتبار أيضًا.

كانت الأداة الأساسية والأكثر وضوحًا لسياسات الاستيعاب هذه هي الدولة الفرنسية القوية والمركزية. لا يجوز الخلط بين الدولة والأمة. الدولة أداة الأمة .. كانت أولاً أداة إنشائها ثم توطيدها. انها تؤمن ديمومة الأمة حيث تواجه الأخيرة أخطار داخلية وخارجية. تقوم شرعية سلطة الدولة على مثال او تصور تجريدي للأمة المدنية. المطلوب أن تكون الدولة قوية لأنه، نظرًا لأن الأمة لا ترتكز على مجتمع "طبيعي" أو عرقي، على النقيض من الأمة المدنية أو "الثقافية"[3]، فإن عوامل الأنحلال متعددة. يمكن للمرء أن يشرح بسهولة  حالة "الدولة" في فرنسا من خلال إعطاء أسباب تاريخية، ولكن أيضًا بالإشارة إلى أهمية عوامل زعزعة الاستقرار وعدد المجتمعات الإقليمية المتنوعة التي كان يجب استيعابها و "فرنستها" من خلال نوع من الاستعمار الداخلي منذ العصور الوسطى. وعلى النقيض من ذلك، كانت عملية الاستيعاب في بريطانيا الحديثة، بشكل عام، أكثر سلاسة وأقل استبدادًا باستثناء أيرلندا.

يرى المرء بوضوح، لماذا كان إنشاء الدولة لنظام تعليمي عام وإلزامي وعلماني ومجاني بالكامل بين عامي 1880 و 1905 ضرورة مطلقة للجمهورية: كان أفضل طريقة لاستيعاب السكان المتنوعين وخلق أساس متين للأمة المدنية. ولكن، مرة أخرى، يمكن تفسير هذه السياسة أيضًا على أنها تهدف إلى الهيمنة السياسية، وليس إلى إنشاء دولة مدنية. إن دور النظام المدرسي، وفقًا لوظيفة الدولة، كان بلا شك تشكيل عقلية وعواطف الناس العاديين من أجل إنتاج "مواطنين صالحين".

يجب على المرء أن يتوقف هنا ويفكر في سمة ملفتة للنظر في المثل الجمهوري، وهي الصراع الدائم بين الفرد المستقل والمواطن أو، في مصطلح روسو، بين الإرادة الخاصة والإرادة العامة. إن معنى هذا الصراع هو أكثر تاريخية حتى مما تنقله المفردات الروسوية. إنه في الواقع صراع بين الخصوصيات الإقليمية والاجتماعية التي كانت السمة المميزة للنظام القديم وتفاوتاته العميقة من جهة، والوحدة المجردة للأمة المدنية من ناحية أخرى. إن الخلط بين التنوع  أو الأختلاف وعدم المساواة، حيث يصبح الأول مرادفاً للاستعباد، هو مفهوم سخيف، ولكنه مع ذلك له جذور تاريخية عميقة للغاية. إن الإنسان، الذي يتميز بولاءاته، ويعرف نفسه بمجموعات معينة من مصالح جماعية أو مصالح فردية، لا يمكن أن يكون مواطنًا صالحًا. المواطن الصالح، أولا وقبل كل شيء، لا ينتمي إلى أي  من هذه الولاءات. لكن هل المواطن يصنع الجمهورية أم أن الجمهورية هي التي تصنع المواطن؟ إن الارتباط المتبادل لا يمكن تحقيقه إلا من خلال المدرسة والتربية، بما له أولوية أو يتجاوز أي احترام العائلة أو الروابط المجتمعية، وحتى بالنسبة للتقاليد، مهما كانت عظيمة. فالمدرسة ليست في خدمة الأسرة ولا أرباب العمل. وظيفتها الوحيدة هي تشكيل العقل، دون أي اعتبار للمصالح أو المعتقدات وإحضاره إلى أعلى مستوى من الحرية. تعترف الجمهورية بالمعتقدات الفردية، ولكن فقط لما هو مستحق لأي إنسان، ليس باسم التعددية؛ فهذا من شأنه أن يتعارض مع الاندماج ويؤدي إلى التمييز عندما يتم الإشارة إلى الأصول الدينية أو العرقية من قبل المؤسسة، حتى من خلال بطاقة الهوية![4]

هناك الكثير للتعليق عليه هنا. ما وراء النغمة الاستبدادية: "المدرسة لديها صلة أساسية بالحقيقة"[5] يجب على المرء أن يدرك الإرادة لخلق نوع جديد من البشر، المواطن، الذي لم يعد فردا يُحدد بئانتماءاته. هذا، بالطبع، أكثر الاختلافات اللافتة مع التقليد الليبرالي البريطاني حيث يتم التركيز على الفرد وعلى "ثقافة الذات"، كما يظهر  من بلاغة جون ستيورات ميل في كتابه " الحرية". يتعلم المرء كيف يصبح فرنسيًا من خلال دراسة  المفكرين والكتاب العظماء والشخصيات المهمة التي لعبت دورا في تاريخ الأمة، وليس من خلال الاكتشاف الذاتي  والتعلم التوليدي السقراطي. وهذا يفسر لماذا ينصب التركيز، في مناهج المدارس وطرق التدريس، على المعرفة والكفاءة، وليس على الخبرة الشخصية للفرد التي تتعلق بالتنوع، وعدم التجانس، والفوضى، وربما، على أي حال تحديا لقوى التوحيد. أنها تقول الكثير عن إيديولوجية التحرر وفقًا للجمهورية وأن المؤسسين للنظام التعليمييجب أن يكونوا تلاميذ أوغست كومت، وليس جون ستيوارت ميل.[6]

ولكن مرة أخرى، لا ينبغي للمرء أن ينظر إلى الجمهورية باعتبارها عدوًا للحرية الشخصية "السلبية"، ولكن  كأداة سياسية للتكامل داخل دولة مدنية وليست عرقية، حيث المواطنة هي البديل عن التجانس الثقافي. ولادة مجتمع ديمقراطي أصبحت ممكنة بفضل أيديولوجية استبدادية على ما يبدو. السؤال هو إلى أي مدى هو غير ليبرالي.

القضية الأكثر حساسية، حتى الآن، هي بالطبع قضية السلام الديني في فرنسا. هذا سؤال صعب للغاية لأن نوع العلمانية التي تطورت في فرنسا كان لها جوانب متناقضة. هناك علمانية براغماتية تقوم على حل وسط مستمر بين الكنيسة والدولة يحاول تلبية المطالب الأساسية المتناقضة. وهناك أيضًا لائكية عدوانية، تريد "تحرير" الناس من ارتباطهم بالكاثوليكية والقوى الظلامية. تصبح هذه العلمانية بكل سهولة صورة كاريكاتورية للدين المدني الذي حلم به، على سبيل المثال، روسو.[7] إن القصة بين المشاعر والتنازلات هي القصة الحقيقية للعلاقات بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية، أنها قصة ظهور الحياد فيما يتعلق بالمعتقدات المختلفة المعترف بها على أنها "شخصية وحرة ومتغيرة".

الجمهورية والليبرالية السياسية

نجد بعيدًا عن التناقضات، إن أوجه التشابه بين مذهب الجمهورية بالمعنى الفرنسي والليبرالي السياسي هي حقيقية وينبغي أن تقودنا إلى النظر إلى كلاهما كإجابات متشابهة عن التحدي نفسه . يشترك المفهومان تاريخياً في المشروع نفسه لإنشاء دولة أمة تجسد المثل الأخلاقية وتؤدي إلى التعايش السلمي، على الرغم من أن تجسيد المشروع اتخذ أشكالًا مختلفة. أنها تنشأ من الناحية المفاهيمية، في مجموعات مماثلة من الأفكار تعود إلى عصر التنوير مثل : فكرة العقد الاجتماعي. مفهوم العدالة الإجرائية ؛ أولوية الحق على الخير ؛ أولوية الحريات الأساسية على المنفعة؛ تعريف الاستقلالية كمصدر لادعاءات التحقق الذاتي؛ التوتر بين المساواة والحرية ضمن التقليد الليبرالي للحقوق الطبيعية؛ الفصل بين المجالين العام والخاص. من المثير للاهتمام التأكيد على أن المشاكل التي واجهتها الليبرالية في الآونة الأخيرة هي أيضًا مشاكل الجمهورية.

أفترض أن الليبرالية السياسية تعني ما أكد عليه جون راولز في كتابه الأخير،[8] أي المفهوم السياسي للعدالة الذي يمكن أن يكون بمثابة أساس لتوافق الآراء بين وجهات النظر المنقسمة بشدة والمتضاربة حول الخير الذي يمتلكه المواطنون المعقولون والمتعاونون. هدفها هو مقارنتها مع الليبرالية الشاملة. إن الليبرالية الشاملة، كما هي عند كانط أو جون ستيوارت ميل، هي منظور ليس لأساس الارتباط السياسي فقط، ولكن لكل الحياة البشرية. إن تأكيدها على أولوية الحرية له أسس مادية في مفهوم فردي للعقلانية والإرادة. إن التأسيس الفلسفي  لمؤسسات مجتمع تعددي ديمقراطي على مثل هذا المنظور سيكون غير عادل وغير فعال لأن الناس الذين لا يتشاركون في العقيدة العلمانية الفردية سوف يكرهون بشدة تأثيرها على المؤسسات الرئيسية التي تشكل حياتهم وحياة أسرهم. فماذا عن التعليم الليبرالي، إذا كنت شخصًا متدينًا تقليديًا بعمق؟ قدم رولز إجابة الليبرالية السياسية على هذا السؤال: لليبرالية السياسية هدف مختلف ومتطلباتها قليلة. تطلب أن يشمل تعليم الأطفال أشياء مثل معرفة حقوقهم الدستورية والمدنية بحيث، على سبيل المثال، يعرفون أن حرية الضمير موجودة في مجتمعهم وأن الردة ليست جريمة قانونية.[9] هذا يعني أن الليبرالية السياسية تهتم بالمواطن فقط في المجال السياسي، وليس بما يحدث في المجال غير العام  طالما تم الامتثال لمبادئ العدالة الأولى. وبهذا المعنى، فإن الليبرالية السياسية أقرب إلى الجمهورية من ما يُعرف بالليبرالية الشاملة.

تدعي الليبرالية والجمهورية على حدٍ سواء أن للمواطنة مضمون أخلاقي، وكرامة مرتبطة بها، ولكن مضمون "رقيق"، ولا يتضمن أي وجهة نظر دينية أو فلسفية. يكمن هذا المضمون الأخلاقي "الرقيق" في الاعتراف بحكمة الفرد المعقولة وهو ما يسمح بإمكانية الحصول على موافقة سياسية. ومع ذلك، يؤدي تفسير هذه المعقولية إلى إجابات مختلفة. يقسم الجمهوريون أنفسهم بالنسبة للجمهورية، في السياسة كما في الأمور التربوية، إلى المتدينين الذين يرغبون في تعليم التعليم  الديني الجمهوري، والمعتدلون الذين يرغبون في احترام حرية الضمير. لدينا، من ناحية أخرى، تقليد اليعاقبة وتأثير واسع النطاق لشك روسو في الفرد؛ حيث إن المواطن فقط، الذي تلقى تعليمه من قبل الدولة ويبدي الألتزام بالفضائل المدنية اللازمة للإرادة العامة، على خلاف الرغبات  الخاصة، هو الذي يمكن الوثوق به في "طاعة العقل وليس الغريزة". يكون الفرد كائنًا تقدميًا واجتماعيًا و، طبقاً لوجهة نظر أوغست كومت بشأن التحديد الاجتماعي للطبيعة البشرية؛ وإن المعقولية ليست تعبيراً عن الفضيلة، بل هي نتيجة التعليم والحياة الاجتماعية.[10] ليست هذه الصيغة في جوهرها غير ليبرالية مثل اليعقوبية حتى لو وجدنا فيها ميلًا إلى الاستبداد، كما تظهر مقالات كومت وميل بطريقة مضيئة للغاية ولا تعارض على الإطلاق السمات الرئيسية لليبرالية السياسية.[11]

تجعل ما يسمى بالتعددية المعقولة،[12] من الممكن للدولة ومواطنيها احترام تعددية الآراء المتضاربة التي تشكل ثقافة الديمقراطيات المعاصرة. إذا كان الناس قادرين على إدراك أن الآخرين قد يكون لديهم معتقدات مختلفة عنهم  ويظلون معقولين، فيمكنهم جميعًا أن يشكلوا "مجتمعًا للتبرير" على الرغم من اختلافهم لأنهم جميعًا يدركون حدود ما يمكن تبريره، وهو ما يطلق عليه راولز"أعباء الحكم"،[13]هذا الموقف هو جزء مما يسميه راولز "واجب الأدب".[14] ينطوي هذا الواجب على الرغبة في الاستماع إلى الآخرين والعقل العادل في تقرير متى يجب أن يتم التوافق بشكل معقول مع وجهات نظرهم".[15]

وقد وصفها سكانلون بأنها مبدأ الدافع الأخلاقي فيما يتعلق بالعقلانية قائلاً: لدينا "رغبة أساسية في أن نكون قادرين على تبرير أفعالنا للآخرين على أساس أنه لايمكنهم رفضها بشكل معقول".[16] إن هذه القدرة على التعرف على أسباب أخرى غير أسبابنا المقبولة، حتى لو لم نتمكن من مشاركتها، هي أساس المشاركة الأخلاقية في الأتحاد السياسي. يقع مفهوم التسامح هذا في قلب الليبرالية السياسية. أنه يعني بدون وجود مجتمع التبرير، لا يمكن أن يكون هناك ارتباط سياسي. ولكن لا يجب أن يكون هذا المجتمع موحدًا من خلال رؤية مشتركة للمصالح، لأن هذا من شأنه أن يؤثر على حرية اختيار غاياته الخاصة التي يمكن لكل عضو أن يدعيها حقًا. يجب أن يقتصر الإجماع باسم العدالة، على وجهة نظر المبادئ المنظمة للتنظيم السياسي على هذا النحو، ولا يجب أن يتجاوزه.

تجعل النظرة إلى الاحترام كأساس معقول لتوافق أخلاقي مشترك في المشروع السياسي لليبرالية والجمهورية العدو المشترك لكليهما هو مفهوم يعتبرالعضوية السياسية على أساس الولاء الثقافي. يمكن بسهولة، في مثل هذه النظرة، التضحية باحترام الذات لتحقيق الأهداف الأعلى للمجتمع، فعلى المرء أن يضع في اعتباره أنه في معظم الأحيان كانت التجسيدات التاريخية لمشروع أمة مدنية مختلفة للغاية لدرجة أنها كانت تميل إلى إخفاء الأرضية الأيديولوجية المشتركة. إن الانقسام الحقيقي بين الأمة المدنية والعرقية، وليس بين الجمهورية والليبرالية اللتين تشتركان في الواقع في مفهوم مشترك للمواطنة والكرامة المرتبطة بها.

دمقرطة الجمهورية وإعادة تقييم المواطنة

الفكرة الرئيسة التي أود أن أشدد عليها بإيجاز هنا هي أن هناك حاجة لإعادة تقييم مفهوم المواطنة داخل كل من التقاليد الجمهورية والليبرالية ليس  لتطور "سياسات الاعتراف" من أجل تقديم إجابة مناسبة لتحديات التعددية؛[17] لكن سيؤدي مثل هذا التحول في مضمون المواطنة إلى ديمقراطية أكبر، أي، كما يوضح راولز عن حق، إلى مزيد من الاحترام لاحتياجات ومصالح وتنمية المواطن كشخص أخلاقي.

رأينا أعلاه  أن أحد الفوائد الرئيسية للاندماج  وفقًا للمفهوم الفرنسي للأمة، هو التعليم والقيمة الاجتماعية المرتبطة بالمواطنة. يعوض ذلك فقدان الهويات المحلية باسم الوصول إلى منزلة جديدة. كانت القصة الفرنسية أكثر من حركة اجتماعية، والوضع الاجتماعي المكتسب من خلال المواطنة أكثر من قصة تطورأخلاقي شخصي. يتحدث النموذج الجمهوري، المستوحى من العصور اليونانية واللاتينية، عن الفضائل المدنية وقيمة المشاركة السياسية كمصدر للكرامة. لكن هذا يعتمد على المزج بين احترام الذات الذي ينتج بشكل أساسي من خلال الاعتراف العام واحترام الذات الذي يضيف إلى هذا البعد التقدير الداخلي. [18] وعلى النقيض من ذلك، لا يعتمد النموذج الليبرالي للمواطنة والكرامة المرتبطة بها، وخاصة تلك التي يمتلكها جون ستيوارت ميل، على المشاركة السياسية بقدر ما يعتمد على التنمية الذاتية وعلى الاعتراف العام بها. إن احترام الذات والاعتراف بالشخصية القيمة لحياتنا وأنشطتنا لا تنبع بالضرورة من العمل مع الآخرين، ولكن من القيمة المعترف بها للسلوك المستقل في مجتمع حر. وهكذا، فإن المؤسسات السياسية، ولا سيما تلك المعنية بحماية حرية الضمير، يُدعمها مواطنون أحرار ومتساوون ليس فقط كأدوات لتحسين عضويتهم، ولكن أيضًا لأنها تحمي تنميتهم الأخلاقية الشخصية.

عندما تحدثت جوديث شكلار[19] عن ضرورة فصل الإنتاجية أو العمل أو المنفعة، من ناحية، والمواطنة، من ناحية أخرى، وفقًا لمفهوم راولز للمواطنة، قصدت تقييم المواطنة كوسيلة للتوفيق والوفاء الأخلاقي والمكانة؛ تتمتع بها ليس لأنك مفيد للمجتمع، ولكن لأنك جزء منه متساوٍ مع اي جزء اخرومُنحت الحقوق نفسها لتصبح شخصًا مستقلاً وعليك الواجبات نفسها مثل أي عضو آخر مفيد أو أقل فائدة. قصدت ذلك بالضبط ؛ يجب تقييم المواطنة كوسيلة للمثابرة والامتثال الأخلاقي والمكانة؛ تستمتع به ليس لأنك مفيد للمجتمع، ولكن لأنك جزء متساوٍ مع الاجزاء الأخرى منه ومُنحت الحقوق نفسه لتصبح شخصًا مستقلاً ونفس الواجبات مثل أي عضو آخر، موظف أو عاطل عن العمل، مفيد أو أقل فائدة. هذه هي القيمة السياسية الأخلاقية المركزية لاحترام الذات التي يتم تدميرها إذا تم قياسها مقابل السلع التي تنتجها أو تمتلكها أو غيرها، تمامًا مثل تدميرها إذا تم رؤيتها فقط من حيث الحالة الاجتماعية.

تجيب  كل من الحركة السياسية الليبرالية والجمهورية على تحديات التعددية من خلال التركيز على قيمة المواطنة. تتمثل إحدى طرق تعليم التسامح واحترام الآخرين في التأكيد على الكرامة المتساوية للمواطنين كأشخاص مستقلين ومعقولين: هذا هو الحل الليبرالي. طريقة أخرى هي التأكيد على الكرامة المتساوية التي خلقتها المشاركة السياسية: هذه هي كانت الإجابة الجمهورية. يشتركان كلاهما في الهدف الطويل الأجل للأمة المدنية كمجتمع للمواطنين، بغض النظر عن أصولهم الثقافية وانتماءاتهم. يجب أن يكون هذا الهدف قابلاً للتحقيق إذا تم التركيز على المشكلة الرئيسة، وهي التركيز على القيمة الحقيقية للمواطنة والمساواة في الحقوق. إن الرغبة في التمايز والانفصال الثقافي ناتجة عن عجز في المواطنة والكرامة المرتبطة بها، وليس وليس برغبة شائعة مفاجئة لا يمكن تفسيرها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Rawls, J. 1993. Political Liberalism. New York: Columbia University Press.

[2] Kant, I. 1991. Kant: Political Writings, ed. Hans Reiss, Second enlarged edition. Cambridge: Cambridge University Pres. 99-100.

[3] Anderson, B. 1983. Imagined Communities: Reflections on the Organ and Spread of Nationalism. London: Verso.

[4] Muglioni, J. 1994. 'The Republic and the School', Political philosophy, no. 4., 73-87. p. 75.

[5] المصدر نفسه، ص 77

[6] Kriegel, B. 1985. 'Founding citizenship', in Storti and Tarnero (eds.),

The French identity. p. 84.

[7] Rousseau, J. J. 1991. Social Contract (1762), trans. C. Betts. Oxford: Oxford University Press., IV, eh. 8.

[8] Rawls, J. 1993. Political Liberalism. New York: Columbia University Press.hs. IV and VI.

[9] Rawls, J. 1993. Political Liberalism. pp. 199-200.

[10] Condorcet, A. 2012, Political Writings (Cambridge Texts in the History of Political Thought

[11] Mill, J. S. and Comte, A. 1899. letters from J. S. MiLL to Auguste Comte, 1841-1847, ed. Levy-Bruhl.

[12] Cohen, Joshua. 1993. 'Moral Pluralism and Political Consensus', in D.  Cop, J. Hampton and J. Roemer {eds.), The Idea of Democracy. Cambridge: Cambridge University Press., pp. 281-282.

Rawls, J. 1993. Political Liberalism, p. 36.

[13] Rawls, J. 1993. Political Liberalism, pp. 54-58.

[14] Cohen, Joshua. 1993. 'Moral Pluralism and Political Consensus', 284.

[15] Rawls, J. 1993. Political Liberalism,, p. 217.

[16] Scanlon, T. M, 1982. 'Contractualism and Utilitarianism', in A. Sen and B. Williams (eds.), Utilitarianism and Beyond. Cambridge: Cambridge L'niversity Press. p. 117

[17] Taylor, C. 1994. 'The Politics of Recognition', in A. Gutman (ed.), 1994.37.

[18] Sachs, D. 1981. 'How to Distinguish Self-Respect from Self-Esteem', Philosophy and Public Affairs 10, 346-360.

[19] Shklar, J. I 991. American Citizenship. The   Quest for Inclusion. Cambridge, Mass. Harvard University Press., p. 96.

 

 

علي المرهجيُشكل الفرد مقولة أساسية في الفلسفة الوجودية، فالفرد في الفلسفة الوجودية مسؤول عن نفسه وأفعاله والتحكم بجسده ووجوده في العالم، لكن يبقى هذا الوجود الفردي مُرتبطاً بالوجود داخل الجماعة والوجود معهم والوجود في العالم بوصفه تشكيل وتنويع لموجودات لك أن تصفهن بأنهن آخر، فالوجود العيني هو "وجود مع الآخرين"، بمعنى آخر: إن الجماعة تُمثل عُنصراً جوهرياً وأصيلاً في تكوين الموجود البشري. فرغم أن لكل شخص حريته في بناء تصور خاص وممارسة أخص له إلَا أن فكرة العالم، أي وجود الفرد في عالم (وجود جماعي) = (وجود الأشياء) و (وجود الآخرين) تقتضي بالضرورة "اعتراف" "الأنا" بأهمية الوجود مع "الآخر" في عالم مُشترك، لأن الوجود الفردي لا معنى لـ "الاعتراف" بفردانيته إن لم يكن هُناك "آخر" يتحسسه ويُشعره بقيمته كذات لها وجود.

من مظاهر وجود "الآخر" الأصيل هو حياتنا الجنسية، وتماسنا الجسدي "الإيروتيكي" مع "الآخر"، فاللحظة (الايروتيكية) هي وجود مع آخر، وفناء، أو عدم، فأن توجد مع آخر تشعر به أنه كلك ويُبادلك الشعور ذاته، فيشعر بك بأنك كله، فتلك لحظة تجلي للاحساس بالوجود الفرداني، ولا ينتفي عنها صفة أنها (فناء) للذاتت بمعنى "الوجد" حينما يكون "الوجدان" هو اللغة الأمثل لمعرفة "الوجود".

ومن مظاهر الشعور بالوجود هي "اللغة" بوصفها وسيلة التعبير عن "الأنا" بنزوعها الفرداني أو بتواصلها مع "الآخر" للإعلان عن وجودها المُتفرد الذي لا معنى له من دون وجود "آخر" يعترف" بقيمة هذا النزوع "الكينوني" أو "الوجودي"، وهذا من معاني جملة "هيدغر" (الوجود ـ مع ـ الآخرين) لأن الذات لا تشعر بوجودها بمعزل عن الآخرين، وكل شعور فردي يُمكن أن يُوهمنا بأننا موجودون وحدنا دون الآخرين، إنما هو نوع آخر من الشعور بالوجود لا يُغادر منطقة الشعور الجماعي، كما يؤكد "هيدغر" لأن "الوجود من دون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين"، "وحين يُدرك الإنسان أنه لا يعمل بذاته ولذاته فحسب، بل هو يعمل بغيره ولغيره أيضاً، فهُناك قد يصبح في استطاعته أن يفهم بأنه "يملك" الوجود"، ولكن لا يعني هذا أن "الوجود ـ مع ـ الآخرين" تنازل الفرد عن وجوده الخاص، فالذات الحُرة هي التي لا تخضع للوجود العيني "الزائف، وهي التي تأخذ على عاتقها تحقيق وجودها الفرداني المُفارق للوجود الجمعي المُبتذل الذي يتماهى بعض الأفراد معه فيكونوا كالقطيع لا يعون أهمية وجودهم كذات فاعلة في الوجود الجمعي، وكل ذات تعي كينونتها وتحملها المسؤولية عن أفعالها إنما هي ذات تعي قيمة "وجودها الأصيل"، فـ "كل فرد هو بذاته عالم، له قُدس أقداسه الذي لا يُمكن أن تنفذ له يد أجنبية".

يقول "سارتر" في كتابه (الوجودية مذهب إنساني): "الإنسان يختار نفسه باختياره لجميع الناس". لأن في اختياري دعوة للآخرين االمُعجبين بي وبأفعالي وآرائي للتمثل بيَ، وتلك مسؤولية مُلقاة عليَ، "وهكذا فإني مسؤول أمام نفسي وأمام الجميع. وأنا لا أقوم إلَا بخلق صورة للإنسن الذي أختاره".

لكل من "الإرادة" و"العاطفة" و"التألم" و"القلق التوتر" أو "الكآبة" وتبادل الأدوار مع "السرور" ساعة "الاختيار" الذي لا معنى له من دون شعورنا بـ "المسؤولية" وارتباط هذه التكوينات وتداخلها مع مقولة "الحُرية" وهي المقولة التي تُبنى عليها مقولة الوجودية الأساس "الوجود يسبق الماهية" إنما يتم الكشف عنها في مقولة ثالثة ألا وهي "العدم".

في الوجودية "عدم" أو "افناء" للروح في حال نزوع البعض لافناء الجسد أو المادة، "فكل محاولة تهوين للمادة هي تهوين للروح في الوقت نفسه" كما يرى سارتر، إذ لا روح بدون جسد.

إذا كان الإنسان فَلاح، فهو موجود لأجل ذاته، بعبارة سارتر، وهي طريقة الوعي بالذات لا بالعالم أو بالوجود، وهي أصل الشعور بالوجود المُتعين كذات لتحقيق الفرادنية، ولكن بناء وعي الذات يقتضي التفكير، والتفكير لا يكون محدوداً بالذات وحدها، ولو كان كذلك لبقيَ مجرد وعي، ولكن "وعي التفكير" هو كمادة "الوعي بالوجود" وجود الذات ووجود الآخر سواء أكان هذا الآخر فرد مغاير يعي ذاته، أو موجود من الموجودات في هذا العالم، فمن دون الآخر أنا أعي ذاتي كما أنا، ولكن تجسيد الوعي بوصفه فكر لا يتحقق من دون هذا الآخر، سواء بقبوله أو برفضه، ولكنه يبقى وجوداً آخر ـ ربما ـ أعي تفردي بوجوده، أو أعي أنني كائن لي وجود تحكمه "نظرة" الآخر.، فـ "أنا أرى نفسي لأن شخصاً يراني"، لذا فمقولة سارتر "الآخر هو الجحيم" فُهمت خطأ على أنه يرفض الآخر، بل هو يعترف بوجوده، وإن شعر بأن في وجود هذا الآخر تهديد أو تقزيم لوجود الذات بتفردها، وإلَا فماذا تقول عن مقولة الإرادة أو الاختيار عنده، لأن في الاختيار تفضيل لمعنى "واقصاء" لمعاني أخرى، وسيتخذه الآخر أنوذجاً للرفض أو القبول، لذا ـ أظن ـ أن مقولة الاختيار ستفقد أهميتها في حال تغيب الآخر، ورفض مقبولية وجوده.

 

ا. د.علي المرهج

...................

مراجع المقال:

ـ جون ماكوري: الوجودية، تر: إمام عبدالفتاح إمام، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد (58)، ص147ـ 179.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحرية، مكتبة مصر، بلا، ص165ـ 197.

ـ زكريا إبراهيم: مُشكلة الحياة، مكتبة مصر، بلا، ص193ـ 195.

ـ كتاب "معنى الوجودية"، بلا مؤلف، منشورات مكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، ط1، 1964.

ـ سارتر: الوجودية مذهب إنساني، تقديم: كمال الحاج، منشورات دار ومكتبة الحياة، بيروت ـ لبنان، بلا تاريخ.

 

حيدر جواد السهلانيولد فردريك فون هايك في 8 مايو 1899 في فيينا وتوفي في 23 مارس 1992 في فرايبورغ، وقد كان فيلسوفاً واقتصادياً ومنظراً سياسياً، عرف في دفاعه عن الليبرالية والرأسمالية القائمة على السوق الحر ونقده للفكر الاشتراكي. وقد عمل هايك في الحكومة النمساوية في ميدان الأبحاث والتدريس في جامعة فيينا، ثم أنتقل إلى لندن منذ عام 1931 استاذاً للاقتصاد وحصل على الجنسية البريطانية، ثم أنتقل بعد ذلك إلى جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل هايك على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974 لأعماله في ميدان النقود والأسعار والدورات الاقتصادية، ومن أعماله في فلسفة القانون والدولة، وهي الطريق إلى العبودية 1944 دستور الحرية 1960 والقانون والتشريع (الحرية في ثلاثة أجزاء  1973- 1979) والغرور القاتل(أخطاء الاشتراكية 1988). يمثل هايك أحد أعمدة الفكر الليبرالي، والذي طالما ناضل من أجل نشر أفكاره الليبرالي في وقت سادت فيه الاشتراكية والشمولية، ويعتبر هايك من أوائل المفكرين المعاصرين الذين ناقشوا قضية النظم الشمولية، ويبدأ هايك بتعريف النظم الشمولية بأنها تستند جميعاً، بلا استثناء إلى نوع من البحث عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، وقد ربط بين محاولة تحقيق هذه المدينة الفاضلة وبين فكرة تنظيم المجتمع، بما عرف بأسم الهندسة الاجتماعية، وهي الفكرة التي تناولها أيضاً كارل بوبر صديق هايك واوضح بوبر أن محاولات إخضاع تطور المجتمعات لتطور مسبق كما يقوم المهندس بتصميم آلة، لا تؤدي إلا إلى تشوهات اجتماعية، فالمجتمعات ليست مواد صماء يتم تشكيلها وتصنيفها وفقاً لإرادة حاكم أو مفكر، وإنما الجماعات كائن متطور بقوى ذاتية، وناقش هايك هذه القضية عن تطور المجتمعات، مبيناً أنه ليس صحيح أنه بالعقل وحده يتم تغيير النظم الاجتماعية، فهناك بين العقل والغريزة منطقة هامة تخضع لمؤثرات أخرى للتغيير وهي تلك الناجمة عن التطور الثقافي.(1)

يعرف هايك الليبرالية، بأنها نظام قادر على أن يخلق نفسه بشكل مستقل، نظام قادر على أن يستثمر معرفة أفراده ومواهبهم وكفاءاتهم إلى الحد الذي لا يجاريه فيه أحد، أي نظام آخر تابع من التوجيه المركزي. الليبرالية في صميمها دعوة إلى التجديد المستمر حتى ولو لم نستطع التنبؤ سلفاً بما سوف يقودنا إليه التجديد في نهاية المطاف، ويجب على المذهب الليبرالي أن يعتمد إلى حد كبير على الزيادة التدريجية للثروة التي أحدثتها الحرية، وأن الليبرالية التي يدعو إليها هايك تختلف أختلافاً كبيراً عما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، أذ الليبراليين الأمريكيين المعاصرين ينظرون إلى الحرية باعتبارها نوعاً من المشاركة والاختيار الفعال، وهم في هذا أقرب ما يكونون إلى فولتير وروسو، في حين أن هايك يضع حدوداً واضحة للحكومة، وهو في نفس الوقت لا يخفي شكه وتوجه من مغبة تزايد سطوة الحكومة، والليبرالية الأمريكية المعاصرة ماهي إلا ليبرالية الدولة، لا ليبرالية المجتمع ذلك أنها ترمي إلى إرساء الحكومة الديمقراطية من أجل التقدم  الاجتماعي وعدالة التوزيع، أذاً الفارق بين المفكرين الليبراليين الأمريكيين وهايك، الأمريكيون يأملون في إعادة بناء المجتمع وصياغته من جديد في حين أن هايك يؤكد على أهمية التطور التلقائي للمجتمع.(2) أما موقف هايك من الاشتراكية التي قامت بالضد من الليبرالية، أذ كان الليبراليون يرون بالاشتراكية هي محاولة لإنهاء الثورة، فقد بدأت الاشتراكية تستخدم الوعد بحرية جديدة بشكل متزايد، وهي وحدها القادرة على إحداث إكمال الصراع السرمدي من أجل الحرية الذي يعتبر بلوغ الحرية السياسية فيه مجرد خطوة أولى. ويرى هايك أن الاشتراكية التي تعطي وتوعد بالحرية ماهي إلا طريق للعبودية وليس للحرية، فالاعتقاد بأن الاشتراكية سوف تجلب الحرية هو اعتقاد حقيقي وصادق، ولكن هذا سوف يزيد المأساة ويؤدي إلى العبودية. (ونحن نتفق مع هايك في هذا الصدد أذ حقيقة أن الاشتراكية أدت إلى العبودية أو تقليص حرية الفرد ولعل من أهمها حرية طرح أفكار سياسية، وقد أدت الاشتراكية إلى ظهور الكثير من الانظمة الدكتاتورية، و إلى الآن الدول التي تحكمها الاشتراكية فيها نوع من الدكتاتورية أن لم تكن الدكتاتورية نفسها). أما موقف هايك من الديمقراطية فيرى أن الديمقراطية أساساً وسيلة وأداة منفعية لحماية السلام الداخلي والحرية الفردية، وهي في حد ذاتها غير معصومة أو مؤكدة على الإطلاق، كما أننا يجب ألا ننسى أنه كان هناك في كثير من الأحيان حرية ثقافية وروحية أكثر بكثير تحت حكم مطلق مما كان في ظل بعض النظم الديمقراطية، ومن الممكن أن نتصور على الأقل أنه تحت حكم أغلبية متجانسة ومذهبية للغاية، قد تكون حكومة الأغلبية الديمقراطية مستبدة مثل أسوأ دكتاتورية، وينشأ الصدام بين التخطيط والديمقراطية ببساطة من حقيقة أن الأخيرة عقبة لكبت الحرية التي يتطلبها توجيه النشاط الاقتصادي، ولكن طالما تتوقف الديمقراطية عن أن تكون ضمانة للحرية الفردية، فإنها قد تبقى في شكل ما تحت نظام شمولي ودكتاتورية البروليتارية الحقيقية، حتى أذا كانت ديمقراطية في شكلها، فإنها إذا تولت توجيه النظام الاقتصادي بصورة مركزية، فإنها سوف تدمر الحرية الشخصية على الأرجح تماماً مثلما يفعل أي نظام. إن التركيز الرائج على الديمقراطية باعتبارها القيمة الأساسية المهددة أمر لا يخلو من الخطر، فهو مسئول إلى حد كبير عن الاعتقاد المضلل والذي لا أساس له بأنه طالما كان المصدر الرئيسي للسلطة هو إرادة الأغلبية، فإن السلطة لا يمكن أن تكون تعسفية، والتأكيد الزائف الذي يستمد أناس كثيرون من هذا الاعتقاد، هو سبب هام لعدم الوعي العام بالأخطار التي نواجها، فليس هناك ما يبرر الاعتقاد، بأنه طالما أن السلطة منحت بإجراء ديمقراطي، فإنها لا يمكن أن تكون متعسفة والعكس الذي يوحي به هذا القول زائف تماماً، فليس مصدر السلطة، بل بتحديدها هو الذي يمنعها من أن تصبح متعسفة، فإن الرقابة الديمقراطية قد تمنع السلطة من أن تصبح متعسفة، ولكنها لا تفعل ذلك بمجرد وجودها وإذا قررت الديمقراطية أداء مهمة تتضمن بالضرورة استخدام سلطة لا يمكن توجيهها بواسطة قواعد ثابتة، فإنها لا بد أن تصبح مستبدة.(3)

يعتبر هايك من أنصار مذهب (دعه يعمل) وهو شعار المذهب الداعي إلى أطلاق الحرية الفردية في كافة المجالات، وأصبحت هذه العبارة شعار الليبرالية، وتتمثل في الحجة بأطلاق الدفاع عن الحريات الفردية، ذلك أن الفرد أقدر من سواه على تحقيق مصالحه متى كفلت له الحرية اللازمة، وهو الأمر الذي سيترتب عليه مصلحة المجتمع باعتبار أن  المصلحة الاجتماعية ماهي في جوهرها إلا مجموعة مصالح الأفراد، والحرية عند هايك تعني هي ألا يكون الإنسان مكرهاً على الإذعان لإرادة غيره. والحرية على ثلاث معان، وهي مشاركة الإنسان في اختيار حكومته ومشاركته في وضع التشريعات، وفي عملية الإدارة، والحرية في معنى آخر هي المدى الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه في القيام بفعل معين مدفوعاً بإرادته الخاصة، لا بدافع طارئ أو ظروف وقتية معينة، والحرية في المعنى الثالث هي مدى قدرة الفرد على اشباع رغباته، أو هي النطاق الذي يمكن أن يمارسه الإنسان في الاختيار. ويرى هايك أن من واجب الدولة أن تتدخل وأن تكون لها فاعليتها الايجابية في أمور معينة، فهي أولاً وقبل كل شيء ينبغي أن تتدخل لكي تضمن حرية مسار التطور التلقائي، وأن تتدخل لتوفر الحد الأدنى من المعيشة لأولئك الذين يعجزون عن الكسب شريطة ألا يكون هذا التدخل جزء من تصور عالم لما ينبغي أن تكون عليه الفوارق في الدخول والثروات، أنها تتدخل فقط لكي تضمن لهؤلاء حد أدنى من الحياة الكريمة. وعند هايك الحرية هي ليست تخطيط مسبق، ذلك أن البشر لم يتنبأوا سلفاً بالمزايا التي سوف تحققها الحرية لهم ومن ثم أن تكون هي طريقهم، على العكس فهي قد نشأت الحرية من الناحية التاريخية بشكل مختلف نتيجة لفقدان الثقة في الحكام مما ترتب عليه وضع القيود على سلطاتهم، ومن مزايا الحرية عند هايك هي السبيل إلى التقدم المادي والثقافي، وأيضاً الحرية هي السبيل إلى التقدم باعتباره عملية يتم من خلالها تشكيل وتعديل القدرات العقلية للبشر، وأن القيمة الحقيقية في الحرية تتمثل في أنها تسير لنا سبيل مواجهة ما لا تراه وما لا نستطيع أن نتنبأ به، أن الحرية ليست قيمة نهائية في حد ذاتها، وإنما هي مستمدة قيمتها من كونها قوة تدفع إلى الأمام، وعلى هذا فنحن لا نستطيع أن نفاضل في مجال الحرية بين مجتمعين على أساس عدد الأفراد الذين يتمتعون بها في كل مجتمع، ذلك أن الحريات اللازمة للتقدم بشكل حيوي وملح قد لا تكون هي ذلك النوع من الحريات الذي يطلبه عامة الناس لأنفسهم، ومع هذا فإن المجتمع الذي يشتمل على عدد من الأفراد يتمتعون بالحرية خير في رأي هايك من ذلك الذي لا يوجد بين مواطنيه أحد على الأطلاق متمتع بالحرية، كذلك فإن تمتع عدد كبير من أفراد المجتمع بالحرية الكاملة خير من تمتع كل أفراد المجتمع بالحرية في حدود معينة، ويعتبر هايك الحرية قيمة جوهرية ينبغي أن تكون مطلوبة لذاتها، ويعتبرها أيضاً أداة للتقدم.(4) وقد كانت الحرية تعني لرواد الحرية السياسية، التحرر من السلطة التعسفية، والتحرر من القيود التي لا تترك للفرد أي خيار إلا إطاعة أوامر رئيس يرتبط به، غير أن الحرية الجديدة الموجودة ستكون حرية من الحاجة، وتحرراً من إكراه الظروف، التي تحدد حتماً مجال الاختيار لنا جميعاً، وإن كان ذلك للبعض أكثر بكثير مما هو بالنسبة للآخرين، وقبل أن يتمكن الإنسان من أن يكون حر، يجب كسر طغيان الحاجة المادية، وهنا يربط هايك الحرية بالاقتصاد، أذ الحرية مجرد اسم آخر لتوزيع الثروة، والحرية السياسية لا معنى لها بدون حرية اقتصادية، ويرى هايك أن الحرية الاقتصادية هي الحرية الأولى، وهي شرط أساسي للحرية، والحرية هي السياسة التقدمية الوحيدة من أجل مستقبل أفضل وضروري أن نركز على الطاقة الابداعية للأفراد بدلاً من ابتكار أجهزة لإرشادهم وتوجيههم والتخطيط لتقدمهم.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش

1- ينظر فردريك فون هايك: الغرور القاتل(اخطاء الاشتراكية)، ترجمة محمد مصطفى غنيم، دار الشروق، القاهرة، ص5- 6- 7- 8.

2- ينظر أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج: أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة ودراسة نصار عبدالله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص37- 38.

3- ينظر فردريك فون هايك: الطريق إلى العبودية، ترجمة محمد مصطفى غنيم، دار الشروق، القاهرة، ص46- 47- 86.

4- ينظر أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج: أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ص35- 36- 40- 41- 42- 43.

5-  ينظر فردريك فون هايك: الطريق إلى العبودية، ص48- 49- 109.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (9)

إن مفهوم العصبية عند ابن خلدون هو المفتاح المنهجي لفهم أسباب وآلية ومقدمات ظهور الدولة والتطور الحضاري، أي مفتاح فهم التاريخ الفعلي. فمن حيث أصله اللغوي وثيق الارتباط بالعصب والأعصاب. ومنه العصبة والعصابة. إننا نعثر فيه على الجذر الطبيعي الفاعل في الحركة والإرادة. كما انه مصدر الألم والفرح، ومفتاح الحياة العملية والذهنية. وبدونه يجف وييبس كل ما في الإنسان، جسده وروحه وعقله. الأمر الذي يشير إلى الدفة العميقة بل المذهلة التي بحث فيها ومن خلالها ابن خلدون عن الصعب الذي تتحرك له كافة جوارح الإنسان والجماعة (القبيلة والإثنية الأولى) وعقلة وروحه من أجل بلوغ المرام. وبالتالي يمكننا رؤية العلاقة الخفية والمرنة لوحدة الوجود الطبيعي والماوراطبيعي في مفهوم العصبية وقيمته المنهجية العميقة بهذا الصدد.

فالعصبية هي التعبير النفسي والعملي عن الوجود الطبيعي (البيولوجي) للإنسان والجماعة، وحالما تبلغ مرامها في السلطة والدولة، فإنها تضمحل وتتلاشى في بنية وأنساق الإبداع الثقافي والحضارة، أي أنها تتحول إلى ميدان الماوراطبيعي. وبهذا المعنى، فإن العصبية هي القاعدة المادية والاجتماعية الأساسية لقوة الروح الجماعي والأخلاقي والمعنوي للأتباع. من هنا توكيد ابن خلدون على أن الذين يفقدون عصبيتهم عادة ما يكونوا سريع الانقياد والخضوع[1]. بمعنى إنها طبيعية ومكتسبة. إنها ليست شيئا ما أو حالة معطاة منذ البداية. وبالتالي فهي صيرورة. كما يمكن صنعها من جديد. وقدم ابن خلدون مثالا تأويليا بهذا الصدد استند فيه إلى القصة القرآنية للتيه اليهودي بقيادة موسى. إذ نشأ فيه جيل لا يعرف القهر والمذلة، فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى[2]. بينما تتحول العصبية في مجرى صيرورة الدولة إلى مؤسسة قائمة بذاتها يربطها ابن خلدون بالجيش والعسكر. من هنا قوله، بأن "الشوكة والعصبية هي الجند"[3]. وبالتالي، فإن العصبية صيرورة وكينونة وليست كيانا معطى منذ البدء ومرة واحدة وإلى الأبد.

ويربط ابن خلدون أصل العصبية وظهورها بأسلوب العيش البدوي. انها تظهر بوصفها المناعة الداخلية ضد العدوان الخارجي. وبالتالي تستلزم الخضوع الطوعي أو ما يعادل الطاعة القبلية. كما أنها بالضد من الفردية وذلك بسبب كونها مبنية على النسب الواحد[4]. وكتب في معرض حديثه حول ارتباط العصبية بالنسب والأرحام بأن "العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه".

إن النسب بالنسبة لابن خلدون، لا يعني مجرد الاسم الخارجي. إذ "النسب أمر وهمي لا حقيقة له، إنما نفعه هو في الوصلة والالتحام"[5]. وبالتالي، فإن العصبية التي هي ثمرة الانساب كما يقول ابن خلدون، إنما وجودها مرتبط بالوجود القبلي، الذي يحدده مستوى التطور الاجتماعي الاقتصادي. وهو الطور الأدنى في التطور. فالقبيلة، وبالأخص في بدويتها تحافظ على "الصريح من النسب". غير أن هذا الصريح من النسب وهمي في مرحلة تهشم الأسس القبلية، إي في مرحلة بلوغ المدنية حالة الحضارة. فالحضارة التي تظهر بأثر التطور القبلي تؤدي بالضرورة إلى اندثار القبلية والعصبية[6].

ذلك يعني، إن القاعدة المادية للعصبية مرتبطة بنمط بالبداوة بوصفها حالة اجتماعية وثقافية تاريخية محددة.. وهو ما اكد عليه ابن خلدون عندما تكلم عن استحالة تصور العصبية دون أنساب، وأن كثرة الانساب بالنسبة لها ضرورية[7]. غير أن فائدة النسب تكون أوضح حالما تكون العصبية مرهوبة ومخشية[8]. أما امتدادها التاريخي فيعثر عليه ابن خلدون في ما اسماه بالحسب والشرف، بوصفهما مكونات أصيلة في أهل العصبية. وذلك لأن وجود ثمرة النسب وتفاوت البيوت في هذا الشرف مرتبط بتفاوت العصبية لأنه سرّها[9]. وبالتالي، فإن سرّ العصبية هو ثمرة النسب وتعدد الآباء[10]. وبالتالي، فإن نسبة الولاء التي يكمن فيها سرّ العصبية هي القائمة على البيت والشرف[11]. ذلك يعني، إن الشرف بالأصالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية[12]. ولا يفصل ابن خلدون العصبية عن النسب، لكنه يتتبع عملية فصلها التي تجري موضوعيا بمرور الزمن. ففي معرض حديثه عن زوال العصبية مجرى أربعة آباء، فإنه يتكلم عن الرابع، الذي يتوهم بأن النسب هو الذي يرفعه فيربأ بنفسه عن أهل العصبية[13]. والخلاصة هنا تقوم في إننا نقف أمام دورة تاريخية ومعنوية في صيرورة العصبية تبلغ أوجها في البنية الاجتماعية النفسية التي تجعلها قادرة على خلفية البداوة، بوصفها نمطا حياتيا في الإنتاج والعيش والقيم، إلى الخروج منه إلى ميدان الحرب وعبره إلى السياسية والاستحواذ على الملك ومن ثم بناء الدولة.

إن ارتباط العصبية بالبداوة بالنسبة لابن خلدون هو ارتباط عضوي. فعندما يقارن بين أحياء العرب، فإنه يرى في القبائل التي لم تصل إلى الملك (السلطة) كيف امسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيهم[14]. من هنا مقارنته بين عصبية الملك والعصبية البدائية قائلا، بأن الجمهور داخل المدينة مقهور بسلطان الحاكم، بينما تقيه الأسوار الخارجية من العدوان الاجنبي. في حين يكون دفاع البدو عن مشايخهم بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والإجلال[15].

تستمد العصبية، حسب اراء ابن خلدون، طاقتها الذاتية من النعرة. وهذه بدورها ليست معزولة عن النسب. حيث يؤكد أيضا على أن النسب والنعرة ليست امورا معطاة مرة واحدة وإلى الأبد، وأنهما عرضة للتغير والتبدل. انهما متحركان ومتغيران. إذ ليس النسب أو صلة الرحم سوى الجانب الذاتي في صيرورة العصبية. فالعصبية من وجهة نظر ابن خلدون مرتبطة في أولى مراحل تطورها بالنسب والنعرة. وان الرياسة الملازمة لها تستلزم في البداية نسبا صريحا يستمد اصالته من القبيلة. ذلك يعني وجود علاقة جوهرية بين الرياسة والقبيلة والعصبية، أي السلطة والبنية الاجتماعية والعصبية. لكنه يعتبر هذا الترابط جزء من صيرورة السلطة والدولة والحضارة. ومن ثم هي عملية مستمرة. وبالتالي قابلة للتغير في مختلف جوانبها، بما في ذلك من حيث أصولها وقاعدتها المادية الاجتماعية والمعنوية. لهذا نراه يورد بعض الأمثلة التي تؤكد على أهمية الانتماء القبلي الأصيل ودور القبيلة في إعلاء شأن الرياسة والخضوع لها بمعايير الفكرة المعنوية للنسب من جهة، لكنه من جهة أخرى يشير إلى ظاهرة الانتقال الفردي الجماعي من قبيلة إلى أخرى. وفيها تنعكس حالة التفتت النسبي للقبيلة والفكرة القبلية. وعوضا عنها تبرز وتزداد تأثيرا وفعالية مفاهيم وقيم الكرم، والمروءة، والدخيل، والحماية، إلى جانبها أو عوضا عن مفاهيم وقيم القرابة والدم.

مما سبق يمكن رؤية مساعي ابن خلدون لتحديد نماذج المنحى "الطبيعي" أو "البيولوجي" في الكشف عن سرّ العصبية. لكنه يربطها اساسا بمستوى محدد من العلاقات الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي. لكن التعقيد الأكبر والمتعلق بفهم المضمون الفعلي للعصبية عند ابن خلدون يقوم في كونه لا يكشف عن كيفية التأثير المتبادل بين العصبية والرياسة، وأسباب نشوء الأخيرة. إذ لا نعثر في ما كتبه عن منهج واضح بهذا الصدد، لكننا نعثر عنده على اشارات متفرقة مثل أن "الرياسة قد تأتي بأثر الشجاعة، أو الكرم (الثروة) أو السيف، أو العلم والدين[16]. وهي محددات معقولة ومستمدة من تأمل صيرورة الخلافة الكبرى ودولها الصغيرة اللاحقة. غير أن الفكرة العامة المنهجية بهذا الصدد تبقى ثابتة ألا وهي تقرير فكرة تلقائية الرياسة من القبيلة وارتباطها بالعصبية.

غير أن هذه العصبية حالما تستفحل وتنتصر فإنها تصبح القوة القادرة على الإمساك بالملك ومن ثم تتوفر لها إمكانية بناء الدولة. من هنا قوله، بأنه إذا حصل التغلب بفعل عصبية ما معينة، فإن ذلك يستلزم بالضرورة، انطلاقا من طبيعة العصبية نفسها، السير نحو السيطرة والغلبة على عصبيات القبائل والأماكن الأخرى. ذلك يعني، إن العصبية بطبيعتها قوة تسعى للسيطرة. إنها عامل محرّك للنزاع. وهي في الوقت نفسه قوة موِّحدة. وبالتالي، فإن العصبية قوة موِّحدة-مفرِّقة. بمعنى أنها تمتلك طاقتها الذاتية. ومن ثم، فإن غلبة الجانب الموِّحد أو المفرِّق، هو مجرد لحظة في التطور التاريخي للعصبية. فانتصار جانبها الموِّحد يعني ويعادل معنى التهام العصبيات الصغيرة الأخرى أو الأضعف. وهنا يكمن معنى التفرقة ولكن على أسس أخرى جديدة تعادل معنى القهر بوصفه القوة الضرورية والملازمة لظهور واستتباب الملك. وتؤدي هذه العملية بالضرورة إلى ظهور قوة الدولة. الأمر الذي يجعل من العصبية القوة المحركة لصيرورة الدولة.

مما سبق يتضح، بأن العصبية بالنسبة لابن خلدون ليست فقط عرضة للتغير والتبدل، وبل وللزوال أيضا، شأنها بذلك شأن القبيلة، أي شأن كل ما هو موجود. غير انه يشدد في الوقت نفسه على أن هذا الانحلال والزوال لا يجري دون أثر وبقايا ومعنى. فالتاريخ بالنسبة لابن خلدون ليس عشوائيا، كما انه ليس عقليا وعقلانيا بذاته. ولا يحتوي أيضا على عقل ذاتي خاص به (قارن بهيغل). إننا نعثر فيه على "قانون" أو "سنّة" تتحول أو تصبح فيها حالات الانحلال والاندثار عملية وظاهرة طبيعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "العالم العنصري بما فيه كائن فاسد. وكذلك ما يعرض من الأحوال وخصوصا الإنسانية. فالعلوم تنشأ ثم تدرس، وكذا الصنائع وأمثالها. والحسب من العوارض التي تعرض للآدميين. فهو كائن فاسد لا محالة"[17].

ووضع هذه المقدمة العميقة عن العصبية في أساس تحديده لأثرها التاريخي في نشوء الدولة وقوتها ثم ضعفها وانحلالها وموتها. كما وضعها في أساس تحديده للمراحل "التاريخية" لاضمحلال العصبية من خلال دمجها فيما أسماه بمراحل الآباء الأربعة، أو فكرة الأجيال الأربعة، التي لا تتطابق بالنسبة لابن خلدون مع معناها الوجودي، بل مع المعنى الذي يتماشى أو يوازي ظاهرة صعود العصبية في مجرى صيرورة الملك والدولة واضمحلالها. وينطبق هذا في الوقت نفسه على الحضارة. فالحضارة بالنسبة له وثيقة الارتباط أو ترتبط بصورة عضوية بالدولة. ووضع هذا التسلسل للمراحل الاربع كما يلي:

المؤسس: ويعرف معاناة البناء؛

الابن: مقّصر كالسامع بالشيء عن المعاين؛

الثالث: تقصير المقلد عن المجتهد؛

الرابع: مقّصر عن الجميع... مهّدم. وسبب ذلك يكمن في انه "يتوهم بأن صلته بالنسب هي الأعمق، وليست العصبية".

إننا نقف هنا أمام صيغة تتوازى فيها حياة الإنسان ونمط الدولة القائم والسائد آنذاك. لكن الجوهري فيه ليس واقعيته بل مضمونه المنطقي والفلسفي التاريخي. وقد شدد ابن خلدون نفسه في استنتاجه وتعميمه للفكرة العامة عن مسار العصبية والملك والدولة بالشكل التالي: "اشتراط الأربعة في الأحساب إنما هو في الغالب. وإلا فقد يدثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى ويهدم. وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس. إلا انه في انحطاط وذهاب"[18]. ذلك يعني، إن الشيء الثابت والجوهري في هذا الحكم يقوم في اندثار العصبية والملك. وما عدا ذلك مجرد زمن قابل للتمدد أو التقلص، لكن تاريخ الظاهرة يقوم في كونها عرضة للزوال المحتوم. وبالتالي، فإن الدولة والحضارة هي كيان حي وكينونة تاريخية قابلة للانحلال والاضمحلال شأن كل ما هو موجود وحي.

وعندما يتكلم ابن خلدون عن حتمية زوال العصبية في وقت لاحق لهيمنتها وسيادتها وقوتها في تأسيس الملك، فإن الإشكالية النظرية المترتبة على ذلك تقوم في كيفية حله لها. فالعصبية ضرورية. أنها مقدمة التطور السياسي والاجتماعي، لكنها عرضة للزوال. وزوالها هو نفيها، ومن ثم هو البديل المتكرر، كما هو الحال بالنسبة للدولة والحضارة. فالدولة هي ذروة تجسيد العصبية ومن ثم فهي نفي لها. بمعنى إن العصبية تذوب في الدولة بوصفها رحيق الصيرورة التاريخية السياسية وجذرها الاجتماعي النفسي الأول. لهذا يتوصل في موقفه من الغاية التي تجري إليها العصبية إلى أن "العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر مجمع عليه"[19]. لكنه يجد في تلقائية تحولها إلى وسيلة نفي لها بفعل تحولها إلى ملك.

إن زوال العصبية واندثارها بهذا المعنى يعادل نفي المكونات الضرورية والتأسيسية لما اسماه ابن خلدون بالمجرى الطبيعي للانتقال من العمران البدوي إلى العمران الحضري. فهي المقدمة المادية والطبيعية والتاريخية لصيرورة المجتمع والسلطة والدولة والحضارة. من هنا أهمية ما يدعوه ابن خلدون بالوازع والحاكم، اللذان يستمدان وجودهما من الطبيعة الإنسانية للآدميين حال اجتماعهم. لكن هذه الصورة أو الصيغة التي يضعها ابن خلدون هي التعبير التاريخي عن الحالة الفعلية لهذه الصيرورة والطبيعة. فالطبيعة الإنسانية التي يتكلم عنها ابن خلدون لها خصوصيتها الجوهرية في منظومته الفكرية وتحليله النظري. فهو يؤكد على حتمية السيطرة التي يفرضها صعود احدى القبليات التي تؤدي بدورها إلى الملك[20]. ولا تحدث هذه العملية دفعة واحدة، بل هي نتاج سلسلة من تطور واضح وجلي في مراحله وهي الرياسة(السؤدد) والملك(السلطة). فالعصبية غايتها الملك. لكن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء الدولة. ووضع ابن خلدون هذا الاستنتاج كما يلي:"الملك غاية العصبية. وإنها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلة الملك أما بالاستبداد أو بالمظاهرة"، أي بالمعاونة والمناصرة[21]. ذلك يعني، إن العصبية ضرورية للملك لكنه ليس كل عصبية تؤدي إليه بالضرورة. فهناك جملة من العوائق التي تحول دون ذلك من بين أهمها، حسب ابن خلدون، عائقان هما كل من ترك منازعة الملك والتوجه صوب الحصول على الشرف والانغماس في النعيم، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف العصبية وانقراضها لاحقا. والثاني هو ما يتفرع عن ذلك من الاستعداد للذلة والانقياد للأمر. غير أن العصبية تبقى مع ذلك القوة الداخلية المحركة للتجمعات البشرية (القبائل). بمعنى إنها تساعد على بلورة قوى متمايزة داخل القبيلة، كما تفترض استمرار وتوسع التمايز المؤدي إلى صراع مع القوى(العصبيات) الأخرى. ومن ثم تكمن فيها ما يدعوه ابن خلدون بالقوة الجاذبة تجاه الغلبة والملك.

فالعصبية تنجذب نحو الملك انجذاب نشارة الحديد للمغناطيس. إنها تحيط به لتستكمل ابهتها وكامل "روحها" الجديد. والمقصود بذلك هيكلها السياسي الجديد ونمط حياتها، الذي يشكل نفيا لكل من البداوة والعصبية. فالاستقرار السياسي بأثر نشوء الدولة يؤدي بالضرورة إلى إزالة العصبية. وعوضا عنها تصبح السياسة القوة الحاكمة والتي يصبح فيها "الانقياد والتسليم للملوك الشيئ الراسخ في العقائد". بينما يصبح استمرار الدولة اختزالا ونفيا للعصبية ولكن بقوى خارجية. ويرتبط هذا الاستنتاج في فكر ابن خلدون بتحليله للحالة الفعلية والواقعية للدولة والعصبية و"القوى الخارجية" بالنسبة لصيرورة الدولة العربية(الخلافة). من هنا اشارته إلى دور "الموالي" من العجم والترك والديلم والسلاجقة وغيرهم. لكن الجوهري بالنسبة له يبقى مع ذلك هو أن انتفاء أو اضمحلال العصبية يؤدي بالضرورة إلى ظهور حالة المرتزقة[22].

وعندما حلل ابن خلدون هذا التغير في ميدان السياسة، والعقائد، ونمط الحياة، فإنه توصل إلى استنتاج محدد وهو إن نشوء الدولة واضمحلالها هي عملية طبيعية. وإن هذا الطابع الطبيعي، الذي يقارنه احيانا بظواهر الطبيعة والإنسان، لا يغير من محتواها وأشكال تمظهرها سواء كانت بيئة دولة دينية أو غير دينية. وحتى حالما نعثر على عبارة مثل "جمع القلوب وإلفتها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دولة دينية"[23]، فإنه يؤكد مسبقا على أن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب يحصل بالعصبية. فالدولة الدينية أو دور الدين فيها هو مجرد عامل إضافي مساعد. لكنه قد يكون حاسما في حالات أخرى. وحتى في حكمه هذا ينطلق من الواقع للحكم به عليه. فالدين حالما يكون حاسما هو مجرد فكرة وعقيدة متسامية "للعصبية". بمعنى انه عامل أيديولوجي روحي. وإنها القوة الروحية التي تحول "بطش" و"عفوية" هياج العصبية واندفاعها إلى نشاط هادف بفعل ما يدعوه ابن خلدون "بالاستبصار المتأتي على اساس الوجهة إلى الحق"، أو ما وضعه بعبارة "لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم"[24]. وقدم الكثير من المعطيات التي تؤيد هذه الفكرة واستنتاجها انطلاقا واستنادا إلى مختلف الأحداث الكبرى في تاريخ الخلافة، بدأ من صعود الإسلام وانتهاء بدولة الموحدين التي عاصرها.

وعلى هذا الأساس والموقف المنهجي حلل مختلف الحركات والشخصيات وحدود تأثيرها ونجاحها وفشلها. وقد افرد الكثير من الصفحات للكشف عن موقفه ورؤيته هذه على مثال ظهور ونشاط "الحركات المهدية"(الشيعية). فعلى الرغم من أن فكرة المهدي جذابة بالنسبة للغوغاء والسفهاء، كما يقول ابن خلدون، إلا أنها غير كافية لإحراز النصر. وعندما يحلل ابن خلدون جملة من الامثلة الواقعية بهذا الصدد يتوصل إلى ثلاثة استنتاجات. الأول منها هو انه عادة ما يقف وراء الادعاء بالمهدي "أما موسوسين مجانين أو ساعين إلى الرياسة والملك"؛ والثاني، إن دعوة الفاطمي المنتظر تثير مخاوف الطبقات السائدة، مما يؤدي بهم في حالات عديدة على قتل من يدعي بها؛ والثالث، والمتعلق بسبب فشل هذه المحاولات، هو كونها تتميز "بالغفلة عن اعتبار العصبية"[25].

أما إلى أية درجة تلعب العصبية والنسب في قيام الملك، فقد سعى ابن خلدون للكشف عنه والبرهنة عليه في الفصل المتعلق بان "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم"، والذي خلص فيه إلى حصيلة مكثفة تقول، بأنه حتى الأنبياء لا تفوز ما لم بكونوا في منعة من قومهم. وبالتالي، فإذا "كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم". وكشف ذلك على مثال ابن قسي (ت-546 للهجرة) شيخ الصوفية وصاحب كتاب (خلع النعلين)، الذي ثار بالأندلس داعيا إلى الحق وسمي أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي فاستتب له الأمر قليلا، لكنه لم يستطع الصمود طويلا بدون عصائب وقبائل يدافعون عنه أمام موجة الموحدين. فلم يلبث حين استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم ودخل في دعوتهم وتابعهم من معقله بحصن أركش وأمكنهم من ثغره وكان أول داعية لهم بالأندلس وكانت ثورته تسمى ثورة المرابطين. وضمن هذا السياق اورد ابن خلدون الكثير من الأمثلة الملموسة بهذا الصدد ليتوصل إلى استنتاج مفاده، انه لا يمكن الفوز بالملك وبناء الدولة دون سند اجتماعي ومعنوي كبير. وإلا لأدى ذلك إلى هزيمة بالضرورة وخسارة لا معنى لها بمعايير الفكرة السياسية وحتى الحق. بمعنى انه كان إلى جانب فكرة التغيير بالقوة، ولكن في حال توفرها لكي لا تكون مجرد نزوة أو مغامرة.

إن ازاحة الملك أو الدولة والاستعاضة عنهما بأخرى يفترض وجود قوة اجتماعية وسياسية ومعنوية قادرة على التفوق وإحلال نفسها بالقوة. وما عدا ذلك مجرد مغامرات تنتهي بالفشل الذريع. من هنا موقفه السياسي والفكري المعارض لفكرة المهدي المنتظر والفاطمي "المنتظر" وما شابه ذلك، أي تلك الصيغة الشائعة الانتشار، والتي وجد فيها نماذج لهذا النوع من المغامرة. إذ وجد فيها مجرد صيغة أيديولوجية مفتعلة لا علاقة لها بمجريات الواقع ونشوء الدول. وكشف عن ذلك في الفصل المتعلق بقضية الفاطمي، والذي استعرض فيه تاريخ القضية وآراء مختلف الاتجاهات والتيارات بهذا الصدد. وكشف عن أن الشيعة يتباينون في مواقفهم الجزئية، لكنهم موحدون بصدد من هو المهدي. أما أهل السنّة فيفسرونها بطريقة أخرى. بينما لم يهتم أوائل المتصوفة بهذه القضية لكنها دخلت ضمن تصوراتهم وأحكامهم السياسية والروحية والأخلاقية كما هو الحال عند ابن عربي وابن سبعين وابن قسي. أما الحصيلة الفكرية والتاريخية لموقفه من ظاهرة المهدي والفاطمي فتقوم في ما وضعه من استنتاج دقيق يقول، بأن "أحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها وهدم بناؤها الا المطالبة القوية التي من وراءها عصبية القبائل والعشائر"[26].

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص 112.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص 112.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص233.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص101.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص 102.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص 103.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص 106.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص 108.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص107.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص 109.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص 101.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص 105-106.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص 108.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص 109.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص 110.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص111.

[22] ابن خلدون: المقدمة، ص122-123.

[23] ابن خلدون: المقدمة، ص 121.

[24] ابن خلدون: المقدمة، ص 125.

[25] ابن خلدون: المقدمة، ص127.

[26] ابن خلدون: المقدمة، ص126.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (8)

إن أحد المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذه بدورها ليس إلا الوجه الناصع منها، والذي يكمن خلفه عدد هائل من صفات الرذيلة. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يفرز في إحدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، الذي يقرّ بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة أساسا بفكرة الإكراه. فالإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. غير أن للإكراه في الدولة، عند ابن خلدون بعدا ايجابيا. فحالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. وبالتالي، يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[1]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يكمن سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ.

إن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هو فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية. وهي الحالة التي وقف أمامها ابن خلدون وحاول تفسيرها على أساس تحديد طبيعة العلاقة بين الجهل والمعرفة والإكراه. إذ نراه يعطي لها بعدا فلسفيا على مثال علاقة الخير والشر القائمة في الوجود. فالخير، بالنسبة لابن خلدون، هو من العناية الربانية بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي". فوجود الكثير من الخير يلازمه شرّ قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[2]. وبالتالي لا يمكن للتعاون أن يحصل بين البشر دون الإكراه وذلك لجهل اغلب الناس "بمصالح النوع"[3]. وسبب ذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدتهم إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود. أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[4]. إذ كل ما في الوجود جزء منه، وبالتالي يخدم ضمن سياقه وإمكاناته الذاتية والفعلية حركة المسار التاريخي بوصفه تاريخيا طبيعيا. وضمن هذا السياق اعتبر الاختلاف والتباين بين طبقات المجتمع أمرا طبيعيا وضروريا للتعاون. انه ينظر إليه ضمن سياق المسار التاريخي والحالة الواقعية للتطور التاريخي. من هنا تقريره حالة التركيبة الطبقية السائدة آنذاك عن أن الملوك في قمة الهرم وفي الأسفل من لا حول لهم ولا قوة. وما بينهما طبقات متعددة تنتظم بها الحياة، وذلك لأن النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون[5]. وهذا التنوع الذي يبدو قاسيا ومريرا ولا أخلاقيا في بعض مظاهره هو فضيلة اجتماعية واقتصادية وعلمية ومن ثم تاريخية. ففيه تكمن أيضا القوة الدافعة للإنتاج والتطور، والذي يجد تعبيره المناسب في زيادة عدد السكان، واشتراكهم في العمل الاجتماعي، وتحسين شروط الحياة وما شابه ذلك.

من هنا انطلاق ابن خلدون في تتبعه لآلية التطور الثقافي من خلال دراسة التطور الاقتصادي والعلمي وأثره في توسع الدولة والحضارة. فالفكرة الاقتصادية عنده تشكل الحلقة الرابطة بين العصبية والدولة من جهة، والحضارة من جهة أخرى. لكنهما في الوقت نفسه حلقات أو كل مترابط وواحد. لكن الاقتصاد والحياة الاقتصادية يشكلان القوة المؤسسة والمتغلغلة في كل نسيج الوجود الإنساني وتاريخه. وليس مصادفة انطلاق ابن خلدون من مهمة تحديد معنى ومضمون المصطلحات الاقتصادية مثل الرزق، والكسب، والذخيرة، والقنية، والمعاش، والعمل. وهذه جميعا مرتبطة بحياة الإنسان وسعيه للعيش والوجود. وبالتالي، هي أمور طبيعية. وقد حدد ابن خلدون الرزق على انه كل ما "عادت منفعته على الإنسان وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته". أما الكسب فهو كل ما يجري الحصول عليه بدون عمل (منتج) كالإرث وما شابه ذلك. لكنه يتحول إلى رزق حالما يجري استعماله للفائدة. أما الذخيرة فهي المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة. أما القنية فهي كل ما يفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات. فإن كانت من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله، وهو المقصود بالقنية، إذ ليس هناك إلا العمل، وليس بمقصود بنفسه للقنية. وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل التجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما أكثر، فقيمته أكثر. وإن كان من غير الصنائع فلابد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به. إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها"[6]. أما المعاش فهو مكاسب الإنسان كلها. مما سبق يتضح بأن كل هذه الجوانب الملازمة للحياة الاقتصادية هي أما نتيجة مباشرة للعمل أو مرتبطة به بشكل ما من الأشكال. من هنا قوله، بأن "المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الأعمال"[7]. وبهذا يكون ابن خلدون قد شدد على أولوية وجوهرية العمل في الحياة الاقتصادية والثروة والدولة والعمران ككل. من هنا قوله "لابد من الأعمال الإنسانية في مكسوب ومتمول لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلابد فيه من العمل الإنساني كما نراه. وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع". وبالتالي، فإن كل شيء في حياة الإنسان مرتبط بالعمل. بل أن وجود الآبار والينابيع بل حتى ضروع الحيوان (انباط وامتراء) تنضب بدون العمل الإنساني، كما يقول ابن خلدون.

لقد اعطى ابن خلدون للعمل قيمته وأثره الجوهري بالنسبة لحياة الإنسان والمجتمع والدولة، كما انه مصدر العمران والحضارة. فالحضارة غناء وثروة وترف ورفاهية. وهذه كلها نتاج العمل الإنساني. بل إن العمل هو الذي يحدد قيمة الأشياء والثروة. من هنا حكمه على أن قيمة العمل عرضة للتلف والزوال بزوال العمران، لأنها نتاج العمران. كما أن القيمة المنتجة لا تذهب وتزول بصورة كلية، وذلك لأنها تنتقل أما من جيل لآخر، أو من بلد ودولة إلى أخرى. وما يجعلها مستمرة متزايدة هو العمل والعمران. وما عدا ذلك مجرد أشياء أيا كان شكلها ونوعها من ذهب وفضة وجواهر وأمتعة. فهي لا تختلف عما غيرها من حديد ونحاس ورصاص[8].

ودفع ابن خلدون فكرته عن العمل إلى مداها الأبعد بوصفه القوة الطبيعية للوجود الإنساني، بل والقوة التي تختمر فيها قوة العقل المنطقي والروح الثقافي بمختلف أشكاله وأصنافه ومستوياته. من هنا نقده اللاذع لمساعي الأفراد بالحصول على الثروة خارج اطار العمل المنتج. من هتا قوله، بأن الفلاحة والتجارة والصناعة هي وجوه طبيعية للمعاش. أما ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز فإنه لا يدخل ضمن المعاش الطبيعي[9]. وبالتالي، فإن عدم طلب المعاش بدون الوجود الطبيعي له كالصناعة والزراعة والتجارة يجبر المرء، كما يقول ابن خلدون، على سلوك طرق يؤدي به في نهاية المطاف إلى مصاعب وتعب أشد من وجود الكسب الطبيعي، كما يمكن أن يعرضه إلى العقوبات (بأثر الجريمة). ووجد في الظاهرة الأخيرة صفة مميزة "للمترفين من أهل الدولة، ومن سكان الامصار الكثيرة الترف"[10]. فالعمل هو المصدر الفعلي والحقيقي للثروة. من هنا نقده للكسل والسعي للحصول على الثروة بدون جد وكد، أي بدون جهد دءوب ومتواصل. لاسيما وأن ظاهرة الكسب بما يخالف الحالة الطبيعية يؤدي إلى تصنيع مختلف الخرافات والحيل، أي ما يشابه في عالمنا المعاصر الاهرامات الوهمية ومختلف المضاربات وأمثالها. من هنا اشارته إلى مظاهر الخبل والجنون بهذا الصدد بحيث يمكن رؤيته على مثال أولئك الذين يقومون ببناء مبان مغلقة والحفر فيها أو الهيام في البراري ومما شابه ذلك. واعتبر هذه "الأعمال" جزء من التخريف والخرافة والكذب. وإذا حدث في بعض منها "فهو في حكم النادر على وجه الاتفاق لا على وجه القصد"[11].

من هنا تقيمه العميق للعمل المنتج في ميادين الزراعة والصناعة والتجارة. إذ نعثر عنده على تقييم ثقافي وأخلاقي لهذه الميادين من جهة، وتحليل عميق اقتصادي اجتماعي وتاريخي بالنسبة لأهميتها الجوهرية بالنسبة للتطور الحضاري للأمم والدول. فقد اعتبر الصناعة ملكة في العمل الفكري والجسدي. ففي مجال الملكة الجسدية اعتبر ترتيبها اسهل من الثانية وذلك لارتباطها اليومي يتهذيب وتطوير الملكة الجسدية والمهنة. بينما يختلف الحال بالنسبة للفكر. فهو أصناف وحرفته في تراكمه، وبالتالي لا يحصل دفعة واحدة "وإنما يحصل في أزمان وأجيال" كما يقول ابن خلدون. وينطبق هذا أيضا على عموم الأمور الصناعية. إنها تحتاج إلى وقت زمن وتراكم المعرفة والعمل[12]. بينما وجد في التجارة وحياة التاجر حالة مرتبطة بمعاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح مما يضطره إلى المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج وما شابه ذلك. مما يؤدي إلى صنع أخلاق تناسبها. وهذه بمجموعها "نقص من الذكاء والمروءة"[13].

وفي مجرى توسعه لتأسيس افكاره، وبالأخص ما يتعلق منها بارتباط تطور وتوسع الصنائع بتطور الحضارة وعمرانها، يقسم ابن خلدون الصنائع إلى ثلاثة أصناف وهي كل من "الضروري وغير الضروري"، و"صناعة الأفكار"، و"السياسة". وأدخل ضمن الأولى (الضروري وغير الضروري) كل من الحياكة والنجارة والحدادة. أما ضمن (صناعة الأفكار) فقد أدخل فيها الوراقة والاستنساخ والتجليد، بوصفها خاصية الإنسان، كما يقول ابن خلدون. وأخيرا السياسة، التي أدخل فيها الجندية[14]. غير أن ذلك لا يعني استنفاذ كل الصنائع الواقعية والممكنة، بقدر ما تشير إلى ما هو أساسي آنذاك. وإلا فإننا نعثر عنده على وعي دقيق يقول بإمكانية الصناعات المستحدثة. وذلك بسبب ارتباطها بالعمران. فكمال الصنائع بكمال العمران كما يقول ابن خلدون. بمعنى إن التطور العمراني يلازمه بالضروري الانتقال المستمر من الضروري إلى الكمالي. ومن ثم ازدياد الاحتراف والدقة في الصناعات مما يستجلب يدوره وينتج عنه صناعات أخرى[15]. ومع ذلك فإنه يقدم تصنيفه الخاص لما اسماه بأنواع الصناعات أو أمهاتها، حيث يقسمها إلى الصناعات الضرورية والصناعات الشريفة. وضمن الضرورية يدخل كل من الفلاحة، والبناء، والخياطة، والتجارة، والحياكة. أما الصناعات الشريفة فهي كل من التوليد، والكتابة والوراقة، والغناء، والطب[16]. ويضع ابن خلدون هذه الصناعات ومهامها المتنوعة في صلب فكرته عن العمران والمدنية والحضارة[17]. حيث يتناولها بالشرح والتعليق من خلال ابراز أهميتها بالنسبة للتطور الحضاري. بمعنى النظر إليها باعتبارها وسيلة العمران والحضارة وتجليها في الوقت نفسه. فإذا كانت التجارة على سبيل المثال قد لعبت دورا كبيرا في تطور العلوم النظرية والعملية مثل صناعة السفن والهندسة ومعرفة الطرق والجغرافيا والمناخ والهندسة، فإن التوليد هو المهنة الضرورية بالنسبة لحفظ النوع الإنساني، بحيث نراه ينتقل إلى الجدل الدائر بين الفلاسفة المسلمين بهذا الصدد. ويقف بالضد من آراء الفارابي القائلة، بأنه في حالة انقطاع النوع الإنساني فإنه يستحيل ظهوره من جديد (ذلك يعني لا إله يصنع). بينما نراه من جهة أخرى يوافق آراء ابن سينا عن إمكانية ظهور النوع الإنساني بعد انقطاعه وذلك لإرتباط هذه العملية بمجرى الكون وتأثيره لاقتضاءات فلكية وأمور غريبة، كما نرى بعض أمثلتها أيضا في (رسالة حي بن يقظان) لابن طفيل. ويوافق ابن خلدون على آراء ابن سينا فقط في ما يتعلق بعدم انقطاع النوع أو إمكانية ظهوره من جديد[18]. بينما نراه في مجرى تناوله أهمية وقيمة الخط، تأكيده على ما للخط العربي من تقاليد عريقة. وقد بلغ مستوى رفيعا عندما بلغت الحضارة والترف مستواها كما نراه في الخط الحميري. واللغة الحميرية هي المسند وحروفها منفصلة. بينما يختلف الحال بالنسبة لمضر. عرب الشمال. وهو أمر جلي في الصيغ الأولى لكتابة القرآن. وخلاصة ما توصل إليه ابن خلدون بهذا الصدد عن أن "الخط من جملة الصنائع المدنية... والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق". وليس لهذا علاقة بالدين والأخلاق، بل مرتبط "بأسباب المعاش والعمران"[19]. ونعثر على نفس الموقف من الغناء والجمال. فهو ينطلق من أن تناسب الأوضاع في أشكالها وكيفياتها هو أنسب عند النفس وأشد ملائمة لها، وهو ما يعادل معنى الجمال[20]. إذ أن "كل ما سوى المرء في حال النظر إليه وتأمله يكشف عن وجود اتحاد بين الإنسان وغيره كما هو الحال في الكون ككل. وذلك لأن "الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء، فتود أن تمتزج بما شاهدت فيه الكمال لتتحد به. بل تروم النفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة التي هي اتحاد المبدأ والكون. ولما كان أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الإنساني، فكان إدراكه للجمال والحسن في تخطيطاته وأصواته من المدارك التي هي أقرب إلى فطرته"[21]. بينما نراه يتناول أهمية الكتابة والحساب للعقل. وانطلق بذلك من أن للكتابة والحساب أثرا كبيرا في تطور العقل الإنساني. وذلك لأن "النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة، وإن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا..... كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا. والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة، لهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا، والحضارة الكاملة تفيد عقلا.... وإن زيادة العقل من تضافر مختلف العلوم والصناعات والتجارب."[22].

ووضع هذه المقدمة في أساس موقفه التاريخي الثقافي من العلم والتعليم من جهة، وفلسفته الخاصة بهذا الصدد من جهة أخرى. فقد اعتبر ابن خلدون العلم والتعليم في العمران البشري جزء من الصنائع. وهذا بدوره مرتبط بخصوصية الإنسان باعتباره كائنا مفكرا. فالإنسان، كما يقول ابن خلدون، في عملية تفكير دائم. وعن هذا الفكر تنشأ العلوم. مما يدفع به أما لتأمل تجارب الأسلاف أو المعاصرين أو الإبداع الذاتي. الأمر الذي يجعل من "العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري"[23]. والتعليم بالنسبة للعلم "من جملة الصنائع". فالحذاقة في العلم والتفنن به "إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن حاصلا"[24]. ذلك يعني، إن ابن خلدون يضع أربعة شروط للاحتراف في ميدان العلم والمعرفة. وهي شروط تتمثل الفكرة الجوهرية في العلم الدقيق بوصفه استمرار وإبداعا. وطبق هذا الموقف العام تجاه ما اسماه بالملكات الجسمانية، وذلك لأن كل الملكات جسمانية كما يقول ابن خلدون. من هنا فهي بحاجة إلى العلم والتعليم. ووضع هذا الموقف العلمي الدقيق في أساس نفي كل أنواع الخرافة والإلهام المزيف وما شابه ذلك. وذلك لأن أساس هذه العلوم وتطوير ملكاتها مرتبط حسب رؤية ابن خلدون بكثرة العمران. ومن هذا الموقف العام قدّم تقسيمه الخاص والجديد للعلوم إلى صنفين هما الصنف الطبيعي، والصنف النقلي. والصنف الطبيعي هو كل ما يهتدي الإنسان إليه بفكره، أي كل ما يتطابق مع معنى الاجتهاد والاكتشاف العلمي. وأدرج ضمنها أساسا "العلوم الحكمية الفلسفية". فهي العلوم التي يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها، ومسائلها، وأنحاء براهينها، ووجود تعليمها حتى يوقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر[25]. لقد عظّم ابن خلدون الفلاسفة والفكر الفلسفي والعلوم الفلسفية من خلال مطابقتها مع جوهر وحقيقة الإنسان، بإعتباره كائنا مفكرا. فهي العلوم التي تتراكم في مجرى بحثه وتأمله لإشكالات الوجود والبراهين المنطقية لكي يكون بإمكانه التفريق بين الخطأ والصواب، ومن ثم بين الحق والباطل، والخير والشر. أما الصنف الآخر  (النقلي) فهي المعارف التي يحصل عليها الإنسان بالنقل أو الإيمان. من هنا قوله، بأنه لا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول.

من هنا يمكن التوصل إلى أن ابن خلدون يجعل من العلوم الحكمية (الفلسفية) أساس المعرفة العقلية والمنطقية، أي العملية التي تتطابق مع حقيقته بوصفه كائنا مفكرا. وبالتالي، ليست حقيقة العمران سوى النتاج الذي يرافق تأمله العقلي وإبداعه النظري والعملي من خلال تطوير وتهذيب ملكاته الجسمانية. والأخيرة هي الصيغة العامة لمعنى المعارف البشرية كلها واجتهاده النظري والعملي التاريخي. ووضع هذا المدخل العام في تعريفه وتقييمه للمعارف والعلوم التي ترافق العمران وترتبط به ارتباطا عضويا. الأمر الذي نعثر عليه في تتبعه وتحليله ونقده وتقييمه لعلوم عصره الكبرى، وبالأخص تلك التي ارتبطت بالعمران الإسلامي. فعندما يتناول علم الفقه وعلاقته بالعمران نراه يلاحظ طبيعة ونوعية الترابط بين انتشار الآراء والمذاهب ومستوى التمدن. فعندما يتناول انتشار المذاهب الفقهية، فإنه يلاحظ انتشار الحنفية في العراق والمناطق الثقافية العريقة، بينما يجد في انتشار المالكية في المغرب والاندلس آنذاك بسبب ما اسماه بغلبة البداوة عليهم[26]. وفي موقفه من علم الكلام نعثر عنده على إدراك واضح وجلي لمهمته باعتباره علم الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على "المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السّنة"، وبالأخص عقيدة التوحيد[27]. وبالتالي، فإن مهمته ضرورية. والسبب يكمن في أن ميزان وأحكام العقل سليمة لا لبس فيها في كل ما له علاقة بالوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان كما يقول اين خلدون. لكن العقل يقف عند تخوم القضايا المتعلقة بالإلهيات من توحيد ونبوة وحقائق الصفات الإلهية وما شابه ذلك[28].  من هنا انتقاده لآراء ومواقف وأحكام المجّسمة والحشوية بسبب تحجيمهم التام للعقل، بينما ينتقد المعتزلة بسبب مواقفها من قضية الصفات وخلق القرآن. في حين ينتقد الإمامية بسبب موقفها من قضية الإمامة. وذلك لأنهم "اعتبروا الإمامة من عقائد الإيمان، بينما الإمامة قضية مصلحية اجماعية ولا تلحق بالعقائد"[29]. ومع ذلك توصل ابن خلدون إلى أن "علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم. إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنّة كفونا شأنهم"[30]. وحسنا انه لم يقل كفونا شرهم! لكن المحتوى العقلي لموقف ابن خلدون وحكمه حول علم الكلام يقوم في عدم جدواه الآن. والقضية لا علاقة لها بالدور الذي لعبه "أهل السنّة والجماعة" بهذا الصدد، بقدر ما أن اضمحلاله كان مرتبطا بالهيمنة النقلية وعقائد الإيمان الميتة واضمحلال وتلاشي الدور التاريخي الثقافي للعقل النقدي والعقلانية.

بينما نراه ينظر إلى التصوف بمعايير الرؤية الثقافية والأخلاقية. من هنا قوله، بأن التصوف هو من العلوم الحادثة في الإسلام، وأنه استمرار لطريقة السلف الكبار (طريق الحق والهداية)، وأصله العكوف عن الدنيا والانقطاع إلى الله. فقد اشتق المتصوفة لأنفسهم، كما يقول ابن خلدون، طريق الأحوال في المعرفة وليس طريق الشك والبرهان واليقين العقلي. وبالتالي، فإن طريقتهم محاسبة النفس، والذوق والوجد، ولهم آدابهم الخاصة واصطلاحاتهم. وفي مجرى استعراضه لمختلف نماذج التصوف، أشار ابن خلدون إلى تعقد رؤيتهم مع مرور الزمن. كما إن كثير منهم أخذ يقول بالحلول، كما هو جلي في كتب ابن عربي وابن سبعين وأتباعهم. والسبب، من وجهة نظر ابن خلدون، هو أن اسلافهم كانوا "مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة"[31]. وبالتالي، فإن أغلب ما قاله المتصوفة المتأخرين مأخوذ من الشيعة. وعموما إن كلام التصوف يدور أساسا حول أربعة مواضع وهي المجاهدات والمكاشفات، والحقيقة، والكرامات، والشطحات[32]. إننا نعثر في موقفه وأحكامه هذه على رؤية تتصف بالاعتدال والنزعة العقلية والقبول بالمعنى الجوهري للتصوف. مع إن تفسيره ليس دقيقا ومليء بالأخطاء سواء ما يتعلق منه بابن عربي وعلاقة التصوف بالتشيع، ومواضيع اهتمامه. ومع ذلك، فإن ما يقوله بهذا الصدد معقول ضمن سياق رؤيته التاريخية والثقافية للعلوم والمعارف.

وضمن هذا السياق أيضا يمكن رؤية تفسيره لظهور وقيمة وأهمية ما اسماه بالعلوم العقلية وأصنافها. فهي علوم ملازمة للوجود الإنساني والعمران كما يقول ابن خلدون. ومن ثم لا تختص بكائن أو شعب أو ملة دون غيرها. إنها موجودة في النوع الإنساني منذ كان عمران الخليقة. وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة[33]. لقد نظر إلى العلوم الفلسفية بوصفها الصيغة التي تتطابق مع ماهية العلوم العقلية. وبالتالي، إتصافها بالعموم للّكل الإنساني بغض النظر عن العقيدة والدين والقومية. إنها الصيغة الأولية والكبرى والأصلية للعلوم العقلية في النوع الإنساني. وهي فكرة لا تخلو من نقد غير مباشر لما هو شائع آنذاك عن تمايز الشعوب أو احتراف البعض وتخصصه بصفات مميزة بحيث جعلوا الفلسفة خاصة باليونان. بينما يزيح ابن خلدون هذه الرؤية، وذلك لأنه نظر إلى مختلف مظاهر الوجود الإنساني العقلي والمادي على أنها أمور طبيعية وجسمانية. ومن ثم تلازم الوجود الإنساني في عملية العمران أو التمدن الثقافي والحضاري. ووضع ابن خلدون في اصناف هذه العلوم العقلية (الفلسفية والحكمة) كل من المنطق والعلوم الطبيعية، والعلوم الإلهية وعلم المقادير. ومهمة علم المنطق تقوم في كونه يعصم ذهن الإنسان عن الخطأ. أما مهمة العلم الطبيعي فتقوم في دراسة كل ما له علاقة بالأجسام والطبيعة. أما العلم الإلهي فيقوم في النظر في قضايا ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا). أما علم المقادير فيدخل فيه كل من الهندسة والحساب والموسيقى وعلم الهيئة[34].

فمن الناحية التاريخية، كان الاهتمام بهذه العلوم عند الأمم الحضارية مثل الفرس والروم. أما الكلدان والسريان والقبط فقد كان اهتمامهم موجها صوب السحر والنجامة والطلاسم! بينما حرق العرب المسلمون كتب اهل فارس بأثر سياسة عمر بن الخطاب بعد ان استشاره سعد بن ابي وقاص، قائلا له "إن الله أهدانا بأفضل منها"[35]. وأيا كان مصداقية هذه الحكاية، إلا أن التطور اللاحق وبالأخص زمن الدولة العباسية وبأثر تطور العمران والسلطان، كما يقول ابن خلدون، قد أدى إلى بداية الاهتمام بهذه العلوم، كما نراه على مثال ابو جعفر المنصور ثم المأمون. ذلك يعني، إن تطور العمران يؤدي بالضرورة إلى إعارة الاهتمام بالعلوم العقلية مع مرور الزمن، بغض النظر عن الأرضية الأولية الدينية أو العقائدية ومواقفها الأولية بهذا الصدد. وبالتالي، فقد وقف العمران الإسلامي أو الثقافة الإسلامية أمام مهمة تأسيس العلوم العقلية بمختلف ميادين المعرفة النظرية والعملية. من هنا استعراض ابن خلدون لمختلف العلوم في الثقافة الإسلامية، بحيث لم يهمل أي منها على امتداد القرون العديدة للحضارة الإسلامية التي كان هو نفسه شاهد بلوغ ذروتها ومن ثم معالم انحطاطها وسقوطها[36]. بحيث نراه يتوصل في نهاية مباحثه بهذا الصدد، أي في مجرى تتبعه وتحليله ونقده الخاص لتاريخ العلوم الطبيعية، إلى حصيلة دقيقة تتعلق بالاسئلة الجوهرية للعلوم الطبيعية ألا وهي: هل تكون؟ ومن أيِّ تكون؟ ومن أيِّ كيف تكون؟[37]. وهذه بدورها ليست إلا الأسئلة الجوهرية للعلوم الطبيعية المتعلقة بالماهية والكيفية والسببية.

فنراه يتطرق إلى ما هو معرف ومشهور وما هو جزء من "طلاسم" الثقافة مثل علم السيمياء، أو علم الحروف وأهميتها عند مختلف المدارس وبالأخص عند المتصوفة. والشيئ نفسه يمكن قوله عن علم الكيمياء. فنراه يتأمل تطوره وخصوصيته وإشكالاته العصية بالنسبة لغيرهم، حيث يتتبع تاريخه وشخصياته ومقدماته العلمية كما وضعها ابو بكر بن بشرون في رسالته بهذا الصدد إلى أبي السمح. فقد اعتقد ابن خلدون، بأن "الكيمياء إن صحّ وجودها، كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة المجريطي وأمثالهم، فليست من باب الصنائع الطبيعية، ولا تتم بأمر صناعي، وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات، إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق"[38]. وعلى هذا الأساس استنتج وقدّم نصيحته القائلة:"من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله وعمله". إذ أن "تدبيرها الصناعي تدبير عقيم"[39]. وليس هذا الحكم في الواقع سوى تعميم "لتجارب" البحث عن "الحجر السحري" على حقيقة العلم، بمعنى تغليب "ترهات" العلم على محتواه الحقيقي. لقد تتبع ابن خلدون ماهية علم الكيمياء لكنه لم يفهم حقيقته وقيمته العلمية والعملية. من هنا موقفه السلبي منها، شأن أغبياء الحنابلة وتنابلة "العقول" السلفية، رغم عقلانيته الكبيرة والعميقة في مجال التاريخ والعمران. وهو تناقض غريب يكرره في موقفه من الفلسفة أيضا، رغم انه اعتبرها العلم الأول العقلي للوجود الإنساني.

فقد اتسم موقفه من الفلسفة بتناقض كبير بين الشكل والمضمون، وبالأخص ما يتعلق منه بماهيتها وكيفيتها وسبب نشوها ووظيفتها العلمية والعملية. بحيث نراه يضع لما كتبه حول الفلسفة عنوانا يؤسس فيه لإبطالها وتبيان "فساد منتحليها". إذ اعتبرها من العلوم العارضة في العمران، الكثيرة في المدن. وهو "تدقيق" متاقض. لكنه محق في ما يخص كثرة "ضررها في الدين"[40]. فالفلسفة هي رؤية عقلية صرف بينما الدين إيمان. والخلاف بينهما جوهري، ولا يمكن التوفيق بينهما إلا حالما لا تكتمل الرؤية الفلسفية بمعايير العقل المنطقي والإيمان بمعايير التزمت التقليدي. واعتبر "من نواقص الفلسفة" والفلاسفة المسلمين بشكل خاص هو إتباعهم "الإغريق حذوا النعل بالنعل إلا في القليل". بمعنى أنه لا أصالة فيهم وعندهم. وهو حكم، كما هو الحال في الجانب الأخرى تجاه الفلسفة، يستعيد ما قاله الغزالي في (تهافت الفلاسفة). مع ان (تهافت الفلاسفة) كتاب جدلي أقرب إلى ما هو مميز لجدل علم الكلام، أي كل ما لا علاقة له بالمنطق والبحث عن الحقيقة كما قال الغزالي نفسه في وقت لاحق من تطوره الشخصي. أما "خطأهم الأساسي" فيقوم في تطبيق تصوراتهم وأحكامهم التي يستخرجونها من المنطق وأقيسته على الطبيعة والوجود. بينما هو أمر لا يستقيم مع الحقيقة، "لأنها أحكام عامة مجردة بينما الوجود الطبيعي متشخصة بموادها"[41]. وهذه ملاحظة دقيقة وعميقة في ما يخص الأبعاد التأملية في الفلسفة آنذاك. بمعنى إن للعلوم الطبييعة استقلالها الخاص. وإن الاكتشافات العلمية ينبغي أن تكون من خلال العلم التجريبي الخاص وليس بحدس التأملات العقلية المجردة والعامة. لكنه يضع هذه الفكرة السليمة والدقيقة في أساس الاستنتاج الخاطئ عن انه "ليس للطبيعيات علاقة بنا"، بمعنى لا علاقة لها بالدين والمعاش، وبالتالي لا وجوب بمعرفتها! وهو استنتاج خاطئ ومصيب في الوقت نفسه. خاطئ في ما يتعلق بأثره بالنسبة لمعاش. بل العكس هو الصحيح. أما كونه لا علاقة له بالدين فهو حق. ويكرر نفس الخطأ في موقفه مما اسماه بجهود الفلاسفة المعرفية. إذ توصل إلى استنتاج مفاده، انه إذا كانت جهود الفلاسفة في نهاية المطاف، بعد الجهد والجد والتعب، بلوغ الظن وليس اليقين، إذن يكفينا ما عندنا من الظن قبل ذلك! وسوء الفهم هذا مبني على عدم أو ضعف رؤيته للفرق بين ظنون التفكير اللاهوتي وذهنية العوام عن ظنون المعرفة الفلسفية وعقولها النظرية. فالظن الفلسفي هو نفي الإيمان التقليدي والجمود العقلي كما انه باب الانفتاح غير المتناهي أمام المعرفة والبحث عن الحقيقة وتأسيسها وتطويرها وتهذيبها وتدقيقها وتحقيقها المستمر.

إن هذه التناقضات في آراء ومواقف وأحكام ابن خلدون في ما يتعلق بالعلوم الطبيعية كالكيمياء وغيرها، والنظرية كالفلسفة هي الصيغة المحيرة التي يقف أمامها الفكر النقدي المعاصر ألا وهي كيف يمكن ذلك بالنسبة لمفكر أسس لفكرة العمران أو التطور الثقافي والحضاري باعتباره نتاجا للكينونة الإنسانية وملازم لمساره التاريخي. لكننا نستطيع فهم هذا التناقضات على أساس إدراكه للخطورة الكامنة في التفكير الفلسفي بوصفه أسلوبا مختلفا ومناقضا من حيث الجوهر للتفكير الديني. ووضع هذا الإدراك المبطن في مطالبته المرء عدم الخوض في الفلسفة لمن لا أساس له وعنده من العلوم الشرعية والفقه. لإنه سيصاب بعدواها، وانه "قلّ من يسلم" من أثرها. لكن ثمرتها الوحيدة الجيدة في الوقت نفسه، كما يقول ابن خلدون، هي "شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين"[42]. كما نعثر في استعراضه لعلومها ومناهجها على إدراك لقوتها وقيمتها العلمية، كما انه من المؤيدين الأشداء للمنطق (الفلسفي). بل نراه، كما جرى الحديث أعلاه، يطابق بين ما اسماه بالصنف الطبيعي في الملكات، أي كل ما هو جوهري ومبدع في العلوم، مع الفلسفة والعلوم الفلسفية.

وشكلت رؤيته أو فلسفته عن التعليم ذروة تصورته بصدد أهمية العلوم وتربيتها، باعتبارها إحدى الصفات الجوهرية للحضارة. وانطلق في موقفه هنا من مقدمة فكرية عامة تقول، بأن الإنسان قادر على بلوغ المعرفة بالطبيعة، لكنه يحتاج إلى تعلميه للمنطق، مع إن هناك الكثير من الأئمة الكبار لم يدرسوا المنطق في حال سلامة السليقة والإخلاص للحقيقة. كما عارض فكرة وأسلوب الشدة على المتعلم. فالشدة على الأطفال تفسد عقولهم وأخلاقهم. بل نراه يعتبر ما اسماه بانحراف أخلاق اليهود وكونهم أقرب إلى التخابث والكيد بفعل تعرضهم للشدة والاضطهاد[43].  كما طالب تشجيع الترحال من اجل طلب الحقيقة. أما مضمون وحقيقة التعليم بحد ذاته، فإنه اعتقد بضرورة الاكتفاء بما هو أساسي وجوهري في قواعد العلوم أو الكتب المدرسية. ولا معنى للاستفاضة فيها. ففي علم العربية يمكن الاكتفاء بكتب سيبويه ولا معنى لإضافة كافة كتبهم ومدارسهم وتواريخهم، كما إن الاختصار الشديد مخلّ بالتحصيل العلمي. إن أفضل طريق للتعليم هو التدرج في المعارف والفنون والعلوم، وتبيثت المعارف الأساسية على الأمثلة الحسية في البداية قبل الانتقال إلى مستوى أعلى (عقلي).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[2][2] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص309.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص303.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص303.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص208.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص305.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص306.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص307.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص317.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص 316.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص317.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص318.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص322.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص322-340.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص328.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص331-332.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص336.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص337.

[22] ابن خلدون: المقدمة، ص339-340.

[23] ابن خلدون: المقدمة، ص340.

[24] ابن خلدون: المقدمة، ص341.

[25] ابن خلدون: المقدمة، ص354.

[26] ابن خلدون: المقدمة، ص356.

[27] ابن خلدون: المقدمة، ص363.

[28] ابن خلدون: المقدمة، ص364.

[29] ابن خلدون: المقدمة، ص368.

[30] ابن خلدون: المقدمة، ص370.

[31] ابن خلدون: المقدمة، ص375.

[32] ابن خلدون: المقدمة، ص375.

[33] ابن خلدون: المقدمة، ص379

[34] ابن خلدون: المقدمة، ص379.

[35] ابن خلدون: المقدمة، ص380.

[36] ابن خلدون: المقدمة، ص381-399.

[37] ابن خلدون: المقدمة، ص421.

[38] ابن خلدون: المقدمة، ص441.

[39] ابن خلدون: المقدمة، ص441.

[40] ابن خلدون: المقدمة، ص 428.

[41] ابن خلدون: المقدمة، ص430.

[42] ابن خلدون: المقدمة، ص433-434.

[43] ابن خلدون: المقدمة، ص499.

 

علي المرهجفن التشكيل يُجمل الابداع في التصوير والرسم والنحت والعمارة وفن التصميم وفن السيراميك والرسم على الزجاج والرسم على الملابس أو تصميمها، وفيه وله مدارس عدة، انطباعية، ورمزية، وتعبيرية، وسوريالية، وتجريدية، ولكل مدرسة من هذه المدارس فلسفة تأسست عليها رؤية الفنان، وهي ليست حدوداً عقائدية أو (دوغمائية) مثل الأيديولوجيات، لا يصح لصاحبها التشكيل والرسم إلّا وفق ما عُرف عنه بوصفه مجال للابداع في هذه المدرسة أو تلك، ولا تمرحل زمني كبير بينهما على الرغم من وجود هذا التمرحل، ولكنه يبقى تحديد اجرائي أكثر منه زمني، فللفنان التشكيلي أن يُبدع في ذات الزمن تشكيلاته على اختلاف منابعها ويتضاد معها ويُناقضها ولا يعنيه كثيراً ادراج اسمه وتوثيقه في أي مدرسة هو من مدارس التشكيل.

يستطيع الفنان التشكيلي أن يتنقل في الابداع ويخترق الزمن التاريخي ليُنتج لوحته، وللناقد الحق في تصنيفها في أي مدرسة هي.

المدارس في الفن تشكيلي منابع يستقي منها الفنان بعض أو جل رؤيته التشكيلية مُضافاً لها تجلياته الابداعية بوصفه ذات خلَاقة، لذا تجد أغلب الفنانين التشكيليين لا يتمترسون عقائدياً، ولا يقبلون بكبت ابداعهم وفق تمذهب مدرسة تشكيلية بعينها.

مدارس التشكيل والفن هي مدارس لتعليم طلابها مقدار الانفتاح على مدارس الحياة ليختار الطالب فيها تجربته الفنية، فله الحق في التنقل بين حدائق وبساتين الابداع الجمالية في مدارس التشكيل، لأنها ليست مدارساً كلامية أو أيديولوجية تختم على عقل الطالب لتجعل منه نسخة من أستاذه أو شيخه، وهي ليست مدارساً حزبية.

إن وجدت في الفن توظيف للسياسة، فتلك من زلات الفنان إن كان مبدعاً - حينما يجعل من نفسه أداة بيد السلطة - سياسية كانت أو حزبية، وأن وجدت وكشفت عن فنانين تماهوا مع السلطة، فهم قلّة بالقياس لعدد الفنانين في كل مجتمع.

أقول لكم أن من دخل يلتحف جلباب حزب أو سلطة ما، فبعضهم منافق وآخر محتاج والقلة منهم ـ إن كانوا مبدعين ـ تماهوا مع حزب أو سلطة أو عقيدة أو مذهب أو دين، لأن طامحون لمنصب ما او كسب ما.

إن لغة الفن لغة انسانية عالمية، وإن كان فيها خصوصية فهي خصوصية البعد التاريخي والحضاري للأمة أو المجتمع الذي ولد أو نشأ فيها الفنان.

لنأخذ مثلاً على ذلك: (القيثارة السومرية) أو (الأسد البابلي) أو(الثور المجنح الآشوري)، وجميع هذه الأعمال لها طابع الخصوصية الحضارية التي عبر عنها الفنان التشكيلي العراقي القديم، ولكنها اليوم ـ لا بوصفها أعمالاً تشكيلية ولا بمضامينها الفكرية ـ يختص بها الفن العراقي والفكر العراقي، لأنها تحولت لأيقونات (نتاج عبقرية فنية عراقية) لتكون نتاج حضاري (إبداعي) إنساني.

لا أظن أن كل فنان مبدع معني بمعرفة تاريخ تطور المدارس الفنية، وإن كانت من مستلزمات استكمال معرفته التاريخية، ولكنها ليست شرطاً من شروط فعل الابداع التشكيلي عنده.

حضرت مرة من المرات محاضرة للنحات الكبير (محمد غني حكمت) في المجمع العلمي العراقي في بداية تسعينيات القرن الماضي، ولم أجده خبيراً لا في التاريخ العراقي القديم ولا في التشكيلات الحروفية (المسمارية) في الألواح الطينية، ولا في مدلولات المنحوتات الآثارية العراقية القديمة، ولكنه كما ظهر لي يمتلك موهبة تقترن بالعبقرية، يستطيع التعبير عنها بعمل تشكيلي نحتي، ولا أظنه بحاجة لتفسيره، لأن عمله (تجليات) روحية ومعرفية بآن واحد، وهو من قبيل "الومضة" الابداعية حينما يختلط البعدين الجمالي بالمعرفي، ليُنتج لنا عمله النحتي الابداعي في التشكيل.

وستظل مهمة الناقد ـ بين قدح وذم ـ يتأول ليكشف عن أخطاء العمل النحتي ـ مثلاً ـ في منحوتته بغداد التي ضيَعها طول العمود الذي وضعت عليه بغداد بوصفها إمرأة مُترفة، وهل هو من أشرف على تنفيذه؟!.

ارتبط التشكيل بالجمال، لأنه من معطيات الفن، وارتبط الفن بالسعادة، وكأن مهمات الفنان التشكيلي، بل وغيره هي صناعة البهجة واتقان التعبير عن السعادة، ولكن هذا من ـ الشائع ـ ولا أصل له في انتاج العمل الفني، بل ربما يكون العمل الفني الذي يستفز به الفنان شجون الناس، سواء أكان عمل درامي أو مسرحي أو موسيقي أو تشكيلي، يُعدَ من الأعمال الناجحة، فليست من أساسيات عمل الفنان اسعاد الناس، بقدر ما تكون مهمة تنمية الشعور بالحياة وتحديها سواء بعمل ابداعي يُثُير الحُزن في فيُبكيك أو آخر يُبهجك.

ولا أظن أن منتج النص التشكيلي ـ تحديداً ـ مشغولاً في أن يُبكيك أو يُبهجك، بقدر ما هو مشغول بأن تكون منبهراً بعمله فتقول عنه (الله ـ الله) باحساس صادق، ولربما هذا النبهار يكون بجزئية من العمل كأن تكون أبهرتك ألوانه وطريقة استخدامه لريشته ومزجه للألون، أو ربما تكون موضوعته وذكاء الفنان في اختيار للموضوعه، أو كلاهما معاً، ويبقى العمل الفني التشكيلي رهين بمقدار ثقافة مُنتجه وثقافة مُتلقيه.

يحتاج الفن التشكيلي الابداعي ـ من وجهة نظري ـ لثقافة التلقي، فهو ليس كالموسيقى أو الغناء بوصف أغلبها تراث الشعوب، لأنه يحمل بين طياته تعبير عن ثقافة شعب، ومحاولات تجريبة (ابداعية) لفنانين كسروا حواجز "التراث الفني، و العمل على تجسير الثقافات، لا بالقفز والتنكر لقيمة الموروث الفني بقدر ما هي محاولات للكشف عن مناطق بكر للإبداع.

أغاني داخل حسن تُشجيني وتُشجيك، وجداريات فائق حسن تُبهرني وتُبهرك، ولكن شتان بين الحسنين، فداخل يستفز فيك إرثك الحضاري السومري (المشحوف) و (الهدل)، و (البحة) بصوته تُعيدك لتغوص في ذاتك وتعود لتكشف عن جماله التراثي، أما فائق حسن فهو لا يحتويه التراث ولا يتجاوزه، فهو يكشف عن مواطن قوته، وينقلك لعوالم الحرية.

داخل حسن ابن الفطرة "التراث" ينفذ صوته لأذنيك، كأنه صوت أمك، أما فائق حسن التشكيلي فهو ابن التجديد والثورة، يبحث عن السلام في خضم (الصراع الثوري) ليكشف لنا عن قيمة السلام في التعاون بين طبقات الشعب المختلفة، ليرسم لنا معاني فيها بعد أيديولوجي وظفه أو وظفه الماركسيون، ولكنه يبحث عن المساوة والحرية، وتلك كانت مقولات الحداثة ومنطلقات العصر.

تجليات الفنان بوصفه ابن العصر وابن زمنه، ليس مسؤولاً عنها حينما يفهما المؤدلجون على أنها تشكيلات فنية تُمثل رؤية حزب أو عقيدة ما.

 

ا. د. علي المرهج

 

حاتم حميد محسنتفيد نظرية العودة الأبدية بان الكون وكل الوجود والطاقة كان في حالة تكرار، وسوف يستمر بالتكرار، بشكل مشابه لذاته، وبعدد لا متناهي من المرات وعبر زمان ومكان لا متناهيين.

المنطلق الاساسي للنظرية يبدأ من الافتراض بان إحتمال ان يأتي عالم الى الوجود تماما مثلما هو عالمنا الآن هو احتمال لا يمكن ان يكون صفراً. اذا كان المكان والزمان غير متناهيين، يتبع ذلك منطقيا ان وجودنا يجب ان يتكرر بعدد لا متناهي من المرات.

في عام 1871، وبالاستناد الى فيزياء نيوتن وحيث المكان والزمان غير متناهيين، ادّعى Louis Auguste Blanqui العودة الابدية كيقين رياضي. فكرة العود الابدي هذه تعتبر من الافكار الاساسية في كتابات نيتشة. ظهرت هذه الفكرة في عدد من أعماله خاصة (العلم المرح) ص285، 341 وفي (هكذا تحدّث زرادشت). لكن العلاج التام للموضوع ظهر في عمل بعنوان (ملاحظات حول العودة الابدية) وهو العمل الذي نُشر عام 2007 الى جانب النسخة الخاصة بكيركيجارد حول العودة الابدية. يلخّص نيتشه افكاره بايجاز عندما يخاطب القارئ:"كل شيء قد عاد. النجم اللامع في السماء، والعنكبوت، وافكارك في هذه اللحظة، وهذه الفكرة الاخيرة لي بان كل الاشياء سوف تعود". هو ايضا يعبّر عن فكرته بشكل مطوّل عندما يقول للقارئ:

"مهما كان الذي اقابله هنا لأول مرة، غريبا محبوبا، امتّع نفسي بهذه الساعة السعيدة من الهدوء حولي، وفوقي، ودعني اخبرك شيء ما عن الفكرة التي سطعت فجاة أمامي كنجمة تلقي بشعاعها عليك وعلى كل شخص آخر، كما هي طبيعة الضوء. زميلي الانسان، حياتك كلها تشبه ساعة رملية، دائما ترتد وترتد مرة اخرى الى الأبد، سيمضي وقت طويل حتى تعود جميع تلك الظروف التي تطوّرت انت منها في عجلة العملية الكونية . حينئذ كل ألم وكل سعادة، كل صديق وكل عدو، كل أمل وكل جهد، كل عشبة وكل شعاع من الشمس، ونسيج كل الاشياء التي تشكّل حياتك سوف تجدها مرة اخرى. هذا الخاتم الذي انت فيه ليس الا ذرة ستبقى تشع حيّة الى الأبد. وفي كل واحدة من هذه الحلقات من حياة الانسان ستكون هناك لحظة، يتصور فيها انسان لأول مرة ومن ثم آخرون، الفكرة العظيمة بالتكرار الأبدي لكل الاشياء".

يؤكد Walter Kaufmann ان نيتشة ربما وجد فكرة العود الابدي في أعمال Heinrich Heine الذي كتب:

(الزمن غير محدود، لكن الاشياء والاجسام المادية في الزمن هي محدودة. هي في الحقيقة تتشتت الى اجسام صغيرة جدا او ذرات، لكن هذه الذرات لها عددها المحدود، وعدد الصور والتكوينات ذاتها التي تشكلت منها هو ايضا محدّد. الآن، وبعد ان يمر وقت طويل، طبقا للقوانين الازلية التي تحكم مكونات هذه اللعبة الابدية من التكرار، فان جميع التكوينات التي كانت موجودة سلفا على هذه الارض يجب ان تلتقي، تنجذب، تتصادم، وتفسد بعضها البعض مرة اخرى.)

غير ان التعامل الكامل مع فكرة العودة الابدية عرضه نيتشة في كتابه (العلم المرح، 1882):

"ماذا لو في يوم او ليلة وانت في وحدتك يقول لك كائن اسطوري مختبئ خلفك :"هذه الحياة كما عشتها وتعيشها الآن، عليك ان تعيشها مرة اخرى وبعدد لا متناهي من المرات، وسوف لن يكون هناك شيء جديد فيها، بل ان كل ألم وكل متعة وكل فكرة وكل شيء صغير او كبير في حياتك سيعود لك في نفس التعاقب والتتابع، ونفس الشيء بالنسبة لهذا العنكبوت وهذا ضوء القمر بين الاشجار، وكذلك بالنسبة لهذه اللحظة ولذاتي انا ايضا. ساعة الوجود الابدية ستعود مرة ثانية وثانية، وانت معها كذرة غبار.

هل سترمي نفسك ارضاً وتلعن الشيطان الذي تحدّث لك بهذا؟

ان تيتشة لم يخترع فكرة العود الأبدي. بل ان فكرة الحياة الدائرية، وان الموت يتبعه ولادة جديدة، وُجدت في العالم القديم ليس فقط لدى فلاسفة الشرق وانما ايضا لدى المفكرين الاغريق مثل Empedocles والرواقيين. تجدر الاشارة ان هناك اختلافان هامان في عرض نيتشة للفكرة. في المكان الاول، هو اشار الى ان كل عودة للتاريخ ستكون متشابهة في جميع الجوانب نزولا الى اصغر التفاصيل. حياتك لن تتغير ابدا. وهكذا نيتشة نفسه، الذي امتلك حياة غير سعيدة، مليئة بالمعاناة، شهد فيها موت ابيه واخيه عندما كان طفلا صغيرا، مرضه المزمن، آلام الصدر، الصداع النصفي، الأرق، حبه الفاشل، ضعف بصره، فقره ونقص المكانة، وفي النهاية انحداره نحو الجنون، كل ذلك سيحدث له مرة اخرى واخرى الى الابد.

وفي المكان الثاني، في أعماله المنشورة لم يطور نيتشة نظرية كادّعاء واقعي حول الكيفية التي كانت عليها الاشياء حقا. ولكن طبقا لـ Kevin Hil الناشر والمترجم لـ (العلم المرح)، تشير البيانات في المذكرات الشخصية لنيتشة الى انه بالفعل اعتقد ان الفكرة حقيقية مع صعوبة ذكر الدليل. لأنه سيكون من المستحيل اختبار الادّعاء باستخدام الوسائل العلمية طالما يجب على المرء ان يكون خارج الزمن لكي يسجّل الملاحظات الضرورية. ولكن لا يجب علينا اتّباع المذكرات الخاصة بنيتشة. سيكون من المفيد التفكير بالعود الابدي كتجربة فكرية thought experiment لكي نقرر كيف يكون رد فعل المرء لو اعتقد انها حقيقية. هذا بالضبط ما يعرضه نيتشة في العلم المرح.

الغاية من التجربة الفكرية هي نوع من الاختبار لعلاقة المرء بحياته. هل انت تفرح بكونك حي، هل تتذوق كل لحظة، حتى اللحظات الاكثر ألما؟ اذا كان الامر كذلك فان كلمات الشيطان ستكون اخبارا رائعة: انت ستكون قادرا على تذوقها مرة اخرى واخرى الى الابد. ولكن ماذا لو كانت استجابتك هي الشعور بالرعب المطلق؟

نيتشة يقدّم فقط هذين الخيارين: الرعب او السرور. من الواضح انه ينصح بالخيار السار. هذا مرتبط بفكرته عن حب المصير. في قسم 276 من العلم المرح هو يذكر:"انا اريد ان اعتبر كل ما هو ضروري جميلا، لكي اصبح واحدا من اولئك الذين يجعلون كل شيء جميلا، حب المصير". ولكن هناك جواب آخر ممكن. الجواب الثالث والذي لم يأخذ به نيتشة هو عدم الشعور بالفرح ولا بالخوف من الفكرة، وانما الّافرق. ولكن في النهاية، عندما يعيش المرء هذه الحياة عدة مرات، وفي كل مرة يشعر دائما كأنها المرة الاولى، وحيث لا ذكريات تنتقل من شكل الى آخر، فما الفرق الحاصل في العملية؟

دعنا نتصور ان الشيطان يظهر لك الليلة ومعه اخبار عن عودتك الابدية. كيف سيغير هذا شعورك عن الماضي؟بالطبع، ان سنوات ما قبل الشيطان لا يمكن تغييرها، لكن معرفة المرء بان عليه ان يعيشها مرة اخرى واخرى، بدون تغيير، سوف حتما تغير الطريقة التي ينظر بها . ان الذكريات المؤلمة ستصبح اكثر ايلاما. يبدو ان نيتشة يشجع موقف القبول بالمعاناة الذي يكون جذابا. ان ما يصعب القبول به هو أخطائي السخيفة، المخجلة والاشياء التافهة التي عملتها او قلتها. سيكون من السيء جدا لو ان المرء عرف انه يتحتم عليه عملها مرات ومرات. من جهة اخرى، هناك الكثير من اللحظات في معظم حياة الناس يكون من الرائع استعادتها: ذكريات العائلة والصداقة والحب الاول، ذكريات السفر والحفلات، المرة الاولى التي اكتشفت بها مؤلف مفضّل او فنان او موسيقي سيكون من الرائع التفكير لو تعود تلك مرة اخرى. لذا فان النتيجة ستكون تكثيف لكل مشاعر المرء حول الماضي، الجيدة والسيئة .

التكثيف ينطبق ايضا على الذهاب الى الامام. نحن سنكون واعين بان كل تجربة هي امتلاك دائم، وهذا بالتأكيد سيجعلنا اكثر تحفزا بتجاربنا ونعيش حياة اكثر حيوية. ولكن هناك فرق بين الحياة بعد الشيطان والحياة قبله . في حياة ما بعد الشيطان، انت تستطيع تعديل مواقفك واختياراتك وسلوكك. ربما تحاول بوعي بناء حياة تكون من الآن فصاعدا تستحق العيش. بهذا المعنى، ستكون العودة الأبدية عقيدة ايجابية ورائعة جدا وان لم تكن بالطريقة التي قصدها نيتشة. نيتشة اراد ان يكون قادرا على ان يحب مصيره مهما كان ذلك المصير، لا ان يختار المصير الذي يستحق ان يُعاش.

الحتمية والجبرية

المعارضون هنا يقولون ان اي فكرة حول الاختيار ستكون وهماً، بما ان المستقبل تحدّد مسبقا باعتبار انا عشت عدد لا متناهي من المرات من قبل، وهو دائما متشابه، عندئذ فان أفعالي ومواقفي ستكون كما كانت عليه دائما. مستقبلي سيكون قدرا محتوما. لكن هذا لا يحتاج ان يجعل المرء جبريا fatalistic . هناك فرق بين الحتمية determinism والجبرية fatalism. في الاولى، كل ما اقوم به نشأ بسبب معين، وطالما تبقى الاسباب ثابتة فسوف لن يكون بوسعي ابدا ان أعمل خلافا لما اقوم به حقا. هذا لا يعني انا موجّه. لا يعني انا ليس لدي قوة او تأثير. اهدافي وارادتي هما ذاتهما جزء من العوامل المسببة لمواقفي واختياراتي وسلوكي. اما فكرة الجبرية، فانا اكون فيها دمية يائسة المصير، وليس لدي اي وسيلة ابدا. يبدو ان التفسير الحتمي يعمل افضل هنا. انه ليس المصير الذي يشكل المستقبل، وانما القوانين اللامتغيرة للكون. اعتمادا على المعرفة التي جلبها لي الشيطان، انا استطيع اتخاذ القرارات حول الكيفية التي اريد ان تسير بها حياتي مثلما انا أعمل دائما، لكي أتأكد انها حياة تستحق العيش .

مشكلة الزمن

لو توقفنا عند هذا الحد قد تكون المحصلة مقنعة. لكن هناك فكرة تبدو تسير بالضد من الاتجاه الذي سلكناه حتى الآن. دعنا نعيد التفكير في مدى صحة العود الأبدي. هناك نتيجة هامة تترتب على صحة الفكرة لم يستطلعها نيتشة، والتي تبدو تبطل التفسير السابق. ان الطريقة التي نمارس بها الوقت تشكّل فهمنا للحياة. كل قيمنا واهدافنا، الطريقة التي نتصور بها المتعة والمعاناة، الكسب، التعلم، البناء، التقدم، التضحية، الانجاز، التحسين، الخسارة، الانحلال، كله يعتمد على مفهوم الزمن المتدفق الى الامام، الذي يبرر فيه الحاضر او المستقبل للماضي . لم يعد هناك اي قبل او بعد. في العود الابدي، فقدان شيء ما ينطوي على ايجاده مرة اخرى، الموت ينطوي على الولادة، التجربة تتضمن الجهل او النقاء. اذا كنا حقا نأخذ العود الابدي كمسلمة، فهل سنكون قادرين على عمل أي معنى للحياة؟ هل ستكون لدينا أية قيم؟ هل سيكون هناك شيء ما افضل من الآخر؟

نحن هنا نكون في مأزق. هل العود الابدي فكرة تمنحني سببا جيدا لكي أجعل بقية حياتي شيئاً يستحق العيش والحب، ام انها ببساطة تجعل كل شيء بلا معنى؟

 

حاتم حميد محسن

............................

المصادر:

1- Nietzsche Past and Future, Eternal Recurrence, Philosophy Now April/May 2020

2- Wekipedia,The free encyclopaedia

 

 

علي رسول الربيعيدافع ج. ل. ماكي بشكل مشهور عن ما أسماه "الشكية الأخلاقية" في الميتا-أخلاق، ووصف وجهة نظره  أو سماها بـ "نظرية خطأ"، لأن "الإيمان بالقيم الموضوعية مبني على الفكر الأخلاقي واللغة العاديين."[1] ومن الأفضل اعتبار الأخلاق العادية كنوع من "النظرية الشعبية" التي تبين أنها خاطئة. إن القيم الأخلاقية – طبقاً لهذه النظرية- ليست في الحقيقة موضوعية، بل إبداعات ذاتية. على الرغم من أن مصطلح "نظرية الخطأ" يرتبط عادةً بـ ماكي، فمن المهم أن ندرك أن وجهة النظرهذه تصف بدقة موقف عدد من الفلاسفة أو وجهات نظرهم، كنيتشه مثلأً، الذين يعتقدون أن الأخلاق هي اختراع إنساني، لكنهم يسلمون بأن هذا ليس هو الكيفية التي تقدم فيها الأخلاق نفسها لمعظم الناس.

يقدم ماكي عددًا من الحجج  تأييدأ لوجة النظر هذه.[2] فيدعي:

أولاً: تظهر الأخلاق على أنها ذاتية  فتعطي تفسيراً جيداً للنسبية والتغيرات التي نراها في المعتقدات والممارسات الأخلاقية.

ثانياً: كما يقول- ستكون القيم الأخلاقية الموضوعية "غريبة  أو متفردة" بمعنى أن لها وجودها وأطوارها الخاصة ولاتشبه اي شئ موجود أخر، وليس لها  أساس في العالم كما هو موصوف من قبل العلم، ويزعم ماكي حتى لو كان لهم جذور في الحقائق العلمية، فأنه من الصعب أن نرى كيف يمكن لهذه الحقائق الموضوعية أن تكون محفزة بشكل جوهري.

ثالثًا: يعتقد ماكي أنه من الصعب أن نرى لماذا يجب أن تقع وتتبع القيم الأخلاقية كما في الخصائص الطبيعية للعالم.

رابعا: من الصعب معرفة كيف يمكن معرفة هذه القيم الموضوعية حتى لو كانت حقيقية. وأخيراً، يدعي ماكي أن التفسير المختزل للمعتقدات حول القيم يقوض أي ادعاء بالموضوعية؛ حتى إذا لم تكن هناك قيم موضوعية، فيمكننا سرد قصة مقنعة حول سبب اعتقاد الناس بوجودها، مما يجعل من غير المقبول فرض أي قيم موضوعية فعلية لتفسير مثل هذه المعتقدات.

كيف يستجيب المدافع عن نظرية الألهية لهذه الحجج؟ ألاحظ أن المدافع  عن نظرية الأوامر الالهية قد يرغب في التعاون مع المدافعين عن وجهات نظر أخرى، بما في ذلك وجهات النظر العلمانية، للرد على  بعض حجج ماكي. يمكن القول، على سبيل المثال، لا تقوض النسبية موضوعية الخير من خلال القول بأن النسبية ليست كاملة (وهناك أيضًا قدر جيد من التوافق بين الثقافات البشرية المتنوعة حول قيمة أشياء مثل الصدق، الصداقة، والضيافة، وما إلى ذلك)، وكذلك من خلال الجدل بأن "التنوع في المعتقدات الأخلاقية متوافق مع الموضوعية الأخلاقية، على حد سواء. لا يحتاج المرء إلى إنكار الحقيقة الأخلاقية الموضوعية "لمراعاة" التنوع الموجود، على اساس قد يكون لدى  بعض الثقافات فهم أفضل للحقيقة الأخلاقية من البعض الآخر، وقد يكون بعض البشر داخل ثقافات معينة في وضع أعلى من الآخرين في تلك الثقافات . فلا يجب أن تكون التبصرات أو الأفكار الأخلاقية موزعة بالتساوي تمامًا حتى تكون حقيقية. مثل هذه الحجج لموضوعية الخير ضد النسبية هي معروفة ومتداولة بين النفعيين (على الأقل بين أولئك الذين يرفضون وجهة نظرذاتية أو تفضيلية للخير)، و"العاطفيين"،وعلماء الطبيعة الأختزاليين، الكانطيين، ومنظري القانون الطبيعي، ويمكن أن ينظم المدافعين عن نظرية الأوامر الالهية الى هذا المجموعة.

أرى أنه من المثير للاهتمام بدلاً من مجرد انتقاد موقف ماكي أن ننظر في حججه، المعاد وضعها في سياق، يمكن اعتبارها فيه تقدم دعماً لنظرية الأوامر الإلهية. حجة الغرابة أو الفرادة المذكرة سابقا، على سبيل المثال، يمكن أن ينظر إليها على أنها تقطع طريقتين. إذا اعتقد المرء، كما فعل ماكي ، أنه ينبغي فهم العالم بطريقة طبيعية، فإن القيم والخصائص الأخلاقية الأخرى قد تبدو أجنبية أو غريبة حقًا. فللتركيز على الخصائص الأخلاقية (أو المتعلقة بالواجب والالتزام كمفاهيم أخلاقية) التي هي شاغلي الرئيسي، كيف يمكن للمرء أن يعتقد أو يفسر وجود التزامات أخلاقية حقيقية إذا كان الكون يتكون من جسيمات دون ذرية مكونة بطرق مختلفة فقط ؟ بينما لا تبدو القيم أو الالتزامات غريبة في  الكون الالهي، ففي مثل هذا العالم أساس كل الواقع الملموس هو كائن أخلاقي خير محض، وبالتالي ليس من المستغرب أن يكون العالم الذي خلقه الله تكون فيه الخصائص الأخلاقية "عميقة" وليست مجرد ظواهر سطحية. ويمكن إبداء ملاحظات مماثلة حول الحجة الإبستيمولوجية (المعرفية) التي يطرحها ماكي. إذا اعتقدنا أن البشر هم نتاج عملية تطورية غير موجهة ليس لها غايات في أفق  الحياة والعالم، فمن المؤكد أنه قد يبدو من الغريب أن البشر لديهم قدرات إدراكية تتيح لهم معرفة وفهم الخير والشر، والصواب والخطأ.[3] ومع ذلك، حتى عندما يقبل المرء التفسير العلمي للبشر كنتاج لعملية تطورية، تبدو الأمور مختلفة في عالم ثيولوجي- ايماني. فمن المعقول في مثل هذا العالم، أن نفترض أن الله قد خلق البشر ومنحهم مهمة أخلاقية. أن تكون إنسانيًا هو أن تشارك في رحلة، والهدف من الرحلة يتطلب التحول الأخلاقي. إذا كان هذا صحيحًا، فليس من المستغرب أن يتطور البشر بطرق منحتهم القدرات على تمييز ما هو صالح وما هو شر. في الخلاصة، إن حجة الغرابة التي يتبناها ماكي فعالة ضد وجهات النظر الميتا-أخلاق الطبيعية فقط. إن كل من الخصائص المعيارية والقدرات المعرفية البشرية لفهم مثل هذه الخصائص أمر متوقع إذا كان الله قد خلق العالم وابقاه.

ومن المثير للاهتمام أن ماكي نفسه يقدم رسمًا تخطيطيًا للدور الذي قد يلعبه الله في الأخلاق والذي يوازي بشكل وثيق  للتفسير الذي قدمنا عن نظرية الأوامر الالهية.[4] وقد كنا ناقشنا في  دراسة سابقة ( منشور في  صحيفة المثقف)  اعتراض أيوثيفرو القياسي على نظريات الأخلاق التي  تربط جذر الأخلاق بالله، يقترح ماكي  في هذا السياق أنه يمكن حل المعضلة التي يطرحها هذا الاعتراض إذا "فككنا أوفصًلنا" الصفات الأخلاقية ورأيناها مرتبطة بالله بطرق مختلفة.  يقول ماكي، قد نعتقد أن الله قد خلق البشر بطريقة تشير الى أن "هناك نوعًا واحدًا من الحياة هي الأنسب لهم، وأنها وحدها ستنمي قدراتهم الطبيعية ومن خلالها فقط يمكن أن يجدوا الرضا الكامل والأعمق".[5] تعني مثل هذه الحقائق و المواقف المتعلقة بالازدهار البشري ضمناً أن "قواعد  معينة من السلوك والتصرفات هي الأنسب والأكثر ملاءمة للحياة البشرية. ويبدو أن ماكي يأخذ في ألأعتبار نظرية القانون الطبيعي التي توفر سندا لنظرية الأوامر الالهية.[6]

ثم يواصل ماكي في الإشارة إلى أن أوامر الله قد تضيف بُعدًا جديدًا مهمًا لهذه الصورة: قد يطلب الله من البشر أن يعيشوا بهذه الطريقة المناسبة، وقد يفرض عليهم الطاعة للقواعد ذات الصلة. وهذا من شأنه أن يضيف عنصرًا أرشاديا موضوعيًا إلى الحقائق  في الواقع بطريقة غير غامضة تمامًا، وهي أوامرً صادرًاةعن سلطة محددة بالمعنى  الحرفي.[7]

بالطبع كان ماكي نفسه ملحدًا ولم يعتقد أن هذا التفسير صحيح، لأنه بالنسبة له ليس هناك إله يخلق نظاماً يرتيب وينمي الخير أو يقدم الأوامر التي توفر قوة ممهدة  لقواعد حول كيفية عيش متأصل فيه الخير. ومع ذلك، من المهم، كما أعتقد، أنه يعترف بأن مثل الرأي الذي يقول بوجود اله وأحكام الهية هو راي متماسك، وأن يصادق على أنه إذا كان هذا صحيحًا، فإن "المعضلة التي يمثلها اعتراض إيثيفرو سوف تنهار.[1] أيً يمكن للمرء أن يقول إن ماكي يقدم حجة مفادها أنه إذا كان هناك إله فإن نظرية الأوامر الالهية ستكون وجهة نظر قوية ومعقولة.

يمكن للمرء أن يرى أيضًا الطريقة التي توفر بها نظرية الخطأ نوعًا من الدعم غير المباشر لـنظرية الأوامر الالهية من خلال النظر في آراء نيتشه. أعلن نيتشه "موت الله"، وبالتالي قد يبدو حليفا للمدافع عن نظرية الأوامر الإلهية للألتزام الأخلاقي وذلك لأن نقد نيتشه للفلسفة الحديثة يأتي ، وخاصة الفلسفة الأخلاقية الحديثة من اقتناعه بأن النظام الأخلاقي الموضوعي، ولا سيما النظام الذي يعطينا التزامات لإظهار التعاطف مع الآخرين، سوف يتطلب وجود الله كأساس له معبرا عن ذلك في رايه :

تمتد كذبة "النظام الأخلاقي العالمي" عبر تطور الفلسفة بالكامل، وحتى الفلسفة الحديثة. وجواب السؤال ما معنى "النظام الأخلاقي العالمي"؟ هو أن هناك إرادة واحدة لله وثابته الى الأبد  فيما يتعلق بما يفعله البشر ومالا يفعلونه؛ ويمكن أن تقاس قيمة الفرد اي فرد من الناس بالمقدار الذي يطيع به الله.[8]

إن الأعتقاد بأن الله اساس الأخلاق (كما تم تصوره في الغرب)، ادى الى أن يقدم نيتشه نقدا قاسياً للأخلاقيين العلمانيين في عصره، الذين يعتقدون أنهم يستطيعون التمسك بأخلاق موضوعية بدون الله. والملاحظة التالية حول النفعية هي نموذجية في هذا السياق: تنقد النفعية أصل التقييمات الأخلاقية، لكنها تصدقها مثلما يفعل المسيحيون. كما لو أن الأخلاق يمكن أن تنجو عندما يكون الله الذي يفرضها غير موجود، أن الله  ضروري للغاية إذا كان الإيمان بالأخلاق هو الأساس.[9] يؤكد نيتشه هذه النقطة مشيرا الى أنه : "عندما تتخلى عن الإيمان المسيحي، فإنك تسحب البساط من تحت حقك في الأخلاق المسيحية أيضًا. [10]  لايعني نيتشه بالأخلاق المسيحية مجرد الأخلاق التي يدافع عنها المسيحيون، فمن وجهة نظره، إن الآراء الأخلاقية التي دافع عنها الأخلاقيون العلمانيون الأوروبيون في عصره ، بما في ذلك الماركسيون، هي في الأساس أشكال من الأخلاق المسيحية.

من الواضح أن نيتشه، مثل ماكي، كان ملحدًا وكان مجرد صديق لنظرية الأوامر الإلهية للأخلاق. فمن وجهة نظره، جذور معتقداتنا حول التزاماتنا الأخلاقية هي أوهام، أنها كاذبة تماماً. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك غير القادرين أو غير الراغبين في التخلي عن الإيمان بالالتزامات الأخلاقية الموضوعية والراغبين في أخذ إمكانية وجود الله بجدية، يقدم نيتشه شهادة "شهادة غير ودية" تتطلب الألتزامات الأخلاقية الموضوعية الله ولا يكون لها معنى إلا إذا كان الله موجودًا. هنا أود فقط أن أشير إلى أن نيتشه يبدو مؤكدا  للأدعاء الشرطي القائل: لا يمكننا أن نفهم مثل هذه الالتزامات إلا إذا وجد الله.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[*] كنا قدمنا عرضا لهذا في مقال في صحيفة المثق وكذلك في دراستنا:  الربيعي، علي رسول، كيف يضمن الله الأخلاق،  مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد69-70، 2018، 140- 158.

[1] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong (London: Penguin Books,1977), pp. 48-9.

[2] للأطلاع على حجج ماكيMacki ، انظر الفصل الأول ، والملخص الذي يقدمه في الصفحة. 49.

[3] قدمت  Sharon Street حجة متطورة مفادها: يتعارض التفسير التطوري للنشوء البشري مع الواقعية الأخلاقية.  أنظر: "معضلة الداروينية لنظريات القيمة الواقعية".

Street, Sharon, "A Darwinian Dilemma for Realist Theories of Value," Philosophical Studies 127 (2006), 109--66.

وقدم David Enoch ردًا على Street من منظور طبيعي. أرى ربما يجعل السياق الإيماني رد اينوك اقوى بكثير.

Enoch, David, Taking Morality Seriously: A Defense of Robust Realism (Oxford: Oxford University Press, 201I).

[4]   د. الربيعي، علي رسول، كيف يضمن الله الأخلاق،  مجلة قضايا إسلامية معاصرة ، العدد69-70، 2018، 140- 158.

د. الربيعي، علي رسول،الأوامر الالهية والقانون الطبيعي والفضيلة الأخلاقية، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد، 71-72، 2020، 170-191.

[5] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong,  pp. 230-2.

[6] د. الربيعي، علي رسول،الأوامر الالهية والقانون الطبيعي والفضيلة الأخلاقية، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد، 71-72، 2020، 170-191.

[7] Mackie, J. L., Ethics: Inventing Right and Wrong,  p.231.

[8] Friedrich Nietzsche, The Anti-Christ (published with Twilight of the Idols), ed. Michael Tanner (London: Penguin Books, 1990), section 26.

[9] Friedrich Nietzsche,The Will to Power, trans. Walter Kaufmann and R. J.Hollingdale (New York; Random House,1968), p.147. Passage is from Book II, part II, section 253.

[10] Friedrich Nietzsche,The Antichrist, section l O.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (7)

إن العلاقة بين الملك والنظام السياسي بالنسبة لابن خلدون تنبع من كونها علاقة عضوية متماسكة. من هنا قوله بأن "الملك هو الدولة"[1]. والملك هو السلطة والسلطان بوصفها مظاهر تاريخية للدولة والنظام السياسي. فالسلطان هو أيضا السلطة أو نمط النظام السياسي. وهذان بالنسبة لابن خلدون كلّ واحد بسبب طبيعة النظم السياسية والدولة آنذاك التي تتوحد فيها السلطة والنظام السياسي والدولة. أما صيغتها الملموسة فيمكنها أن تتخذ ما سبق وأن جرى الإشارة إليه عن أنماط السياسة (الشرعية والعقلية والمدنية). وليست فكرة السلطان بوصفها نموذجا للسلطة والنظام السياسي سوى الصيغة التاريخية التي لازمت تطور فكرة ونظام الخلافة الإسلامي، ومن ثم هي الصيغة المدنية للخلافة أو الصورة الواقعية للغلاف التقليدي أو "الشرعي" للخلافة.

ووراء كل هذه الصيغ المتنوعة والمختلفة من حيث أساليبها وغاياتها، يكمن القاسم المشترك بينها ألا وهو سعيها لتحقيق فكرة الخير وقيمه، ولكن كل بطريقته الخاصة. فهو يبدو هنا كما لو انه يكرر الفكرة الجوهرية التي وضعها افلاطون عن ماهية السياسة وحقيقتها بوصفها فضيلة عملية وحكمة عقلية، وكذلك الحال بالنسبة للدولة. غير إن ما يميز موقف ابن خلدون هنا هو نظرته إلى كافة هذه الجوانب بمعايير فلسفته للتاريخ والدولة والحضارة. فقد سعى هو لإضفاء الصفة الإنسانية على طبيعة الملك. انه يؤنسن الملك والسياسة بعد إضفاء الطابع البشري الطبيعي عليها. فالملك طبيعي للإنسان بسبب طابعه الاجتماعي. والإنسان، حسب ابن خلدون، أقرب إلى الخير من الشر. فالخير يكمن في أن الملك والسياسة إنما له بوصفه إنسانا، بينما الشر هو نتاج الغريزة الحيوانية فيه. بمعنى إن كل ما هو عقلي خير، وكل خير عقلي. وهي نتيجة مبنية على اساس تأمل التاريخ الفعلي للوجود الإنساني، مع أنها فكرة معتزلية خالصة.

إن كون الملك تجل للخير يستند عند ابن خلدون على موقفه من أن صفات الخير تتناسب مع الملك والسياسة، أو كما قال إن "الخير هو المناسب للسياسة"[2]. ووضع هذه الفكرة الجوهرية في أساس رؤيته للنظام السياسي وقيمته بالنسبة للدولة والتاريخ على السواء. لكن معنى الخير بالنسبة لابن خلدون يرتبط بمهمة ووظيفة السياسة بالنسبة للوجود الإنساني. من هنا تناوله لماهية الملك والحكم السلطان من خلال تناول العلاقة بين الحاكم والمحكومين وأهمية السلطان. إذ اعتبر "إن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه، من حسن شكله وقوته وعلمه وما شابه ذلك، وإنما مصلحتهم فيه من حيث اضافته إليهم. فإن الملك والسلطان من الأمور الاضافية". وهنا نقف أمام فكرة مهمة وعميقة، تقوم في ربط ابن خلدون فكرة وضرورة الدولة والحكم ليس بالإنسان الفرد أيا كان نوعه، بل بضرورته الطبيعية من اجل تنظيم الوجود البشري وتذليل الطبيعة الحيوانية فيه (الغريزة)، بوصفها المقدمة الضرورية للتجمع البشري والعمل والعمران، ومن ثم والانتقال من البداوة إلى المدنية والحضارة.

وحدد ذلك بدوره موقفه مما دعاه بضرورة الاعتدال في السياسة ونقد الاستبداد وتقاليده. ففي نقده لتقاليد الاستبداد، اعتبر ابن خلدون أساليب البطش والإفراط فيها والترهيب البحث عن عورات الناس وما شابه ذلك يؤدي إلى فساد الحكم. وذلك لأن انتشار أساليب الإكراه يؤدي بالناس إلى استعمال أساليب الكذب والخديعة وغيرها من أصناف الرذيلة بحيث تصبح من صفاتهم. أما نتيجتها فهي خذلان الحكام في الحالات الصعبة مثل الحرب[3]. لهذا نراه يعتبر الاهتمام بالرعية ومداراتهم ومستوى معيشتهم أصلا كبيرا في ثبات الحكم وازدهاره. وادخل فكرة ونموذج الاعتدال باعتبارها الصيغة العقلانية لفكرة الخير السياسية. من هنا اعتباره الاعتدال في شخصية الحاكم ضرورية، انطلاقا من أن أفضل الفضائل هي الاعتدال والوسطية. لهذا اعتبر إن الاذكياء وذوي العقول الكبيرة لا يصلحون، كالأغبياء، لإدارة شئون الحكم. فإفراط عقولهم يجعلهم بعيدون عن الناس والتعامل معهم على قدر ما فيهم من ذكاء ومعرفة. وليس في هذا الحكم تجن على الواقع أو العامة، لكنه يحتوي على نقد مبطن أو غير مباشر لفكرة الفلاسفة عن أن الفيلسوف هو الحاكم الأفضل. فالعامة هي عامة على الدوام. وقد أسس ابن خلدون واستنبط أغلب احكامه النظرية والعملية من خلال تأمل حياة رجال الحكم والدولة وما يناقضها. وكشف عن مضمون الفكرة المذكورة أعلاه على مثال موقف عمر بن عبد العزيز من زياد بن ابي سفيان، الذي استغرب عزله، فسأل عمرا "لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أم لخيانه؟" فأجابه عمر: "لم اعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن احمل فضل عقلك على الناس".

إن كون الخير مناسب للسياسة هو التعبير العملي الدقيق للحكمة التاريخية والفعلية للفكرة السياسية، التي وضعها ابن خلدون ضمن سياق الفكرة الهادية أو المنهجية الضرورية بالنسبة للعمران وديموته، من ثم ديمومة الدولة ونظامها السياسي. وشكلت هذه المقدمة النظرية منطلق تفسيره للتاريخ السياسي والفكرة السياسية الإسلامية وعلاقتها بالدولة ونظامها السياسي. فعندما تناول معنى الخلافة والإمامة، فإنه انطلق من فكرته عن أن السياسة والفكرة السياسية ضرورية لتنظيم الوجود البشري. فبدونها حرب وفوضى. من هنا "وجوب الرجوع إلى قوانين سياسية مفروضة يسلم بها الكافة وينقادون إلى أحكامها" كما كان ذلك عند الفرس وغيرهم. ووضع هذه المقدمة العامة في تناول ما اسماه بأنواع هذه القوانين السياسية. ونعثر في موقفه هذا على رؤية منهجية عامة حاول من خلالها الكشف عن ظهور وتنوع أنماط الفكرة السياسية والنظام السياسي. فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية، وإذا كامن مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا الآخرة. ذلك يعني، إن ابن خلدون يفرز نوعان من السياسة: العقلية والشرعية، أو الدنيوية والدينية. ولم يضع أحدهما بالضد من الآخر بقدر ما انه أشار إلى تجارب الأمم التاريخية وكونها جميعا تندرج ضمن سياق الفكرة السياسية وضرورتها بما يتوافق مع تجارب الأمم نفسها. وأشار هو إلى ذلك بدقة تامة عندما اكد على أن "الكلام في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع... إنما نتكلم في ذلك على مقتضى طبيعة العمران في الوجود الإنساني"[4].  وفي مجرى تعميمه لتجارب الأمم بصدد أنواع الملك أو طبيعة النظام السياسي العام نراه يفرز ثلاثة أنواع، وهي كل من الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة. ولكل منه مهماته وغاياته ووسائله. واعتبر مهمة الملك الطبيعي حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة؛ ومهمة الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار؛ أما مهمة الخلافة فهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الآخروية والدنيوية الراجعة إليها، استنادا إلى فكرتها الجوهرية عن أن كل مصالح الدنيا من أجل الآخرة.

وجعل ابن خلدون من دراسة وتحليل تاريخ الفكرة السياسية للخلافة موضع اهتمامه الأساسي. ومن خلالها حاول الكشف عن منهجه الفلسفي التاريخي والبرهنة عليه تجاه فكرة الدولة والنظام السياسي وتطورهما وانحلالهما بما في ذلك في مجال العمران أو الثقافة والحضارة.

وانطلق من المهمة الأولية هنا والمتعلقة بتحديد حد وحقيقة وشروط الإمامة والاختلاف حولها. فمن الناحية الشكلية والأولية البسيطة ظهر مصطلح الإمام من إمامة الصلاة، أما الخلافة فمن خلف النبي في أمته الدينية والسياسية. وبما أن الناس لم تترك فوضى في عصر من الاعصار، من هنا استقرت فكرة الخلافة بوصفها قوة روحية وسياسية بحيث حصلت على إجماع دال على وجوبها ونصب الإمام. أما الاختلافات فقد جرت حول ما إذا كانت الإمامة أمر وجوبه بالعقل أم بالشرع. وعموما إن فكرة الإجماع نفسها هي بأثر الإدراك العقلي. بينما قال بعض المعتزلة بأن وجوبه لا بالعقل ولا بالشرع، كما هو الحال عند الأصم وبعض الخوارج، الذين قالوا، بأن الواجب عندهم هو إمضاء الشرع. وفي حال بلوغه لا يحتاج البشر والأمة الى إمام وخليفة. أما الشيعة فقالوا أن الإمامة هي ركن من أركان الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز لنبي اغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام ويكون معصوما من الكبائر والصغائر. واعتبر ابن خلدون هذه الفكرة فاسدة ومحمولة على التأويل ولا علاقة لها بالعقل والواقع. كما انه لا شيء يدعمها غير وجود أو انعدام العصبية. اضافة لذلك إن الشرع، كما يقول ابن خلدون، لم يذم الملك السلطان والإمامة، بل ذم خروجها عن الحق[5]. من هنا يمكن فهم وجهة نظره عن أن المقصود بالشرع هنا هو الإجماع. بمعنى النظر إلى فكرة الإمامة والخلافة على أنها فكرة سياسية بحت، ومحكومة من حيث قوتها وفاعليتها وإمكانية بلوغها بأثر العصبية أولا وقبل كل شيء، أي بأثر القوة الاجتماعية والنفسية (الروحية والأيديولوجية). من هنا يمكن فهم موقفه مما يسمى بشروط الإمامة، أي تلك الصفات الضرورية بالنسبة للإمام أو الخليفة لإدارة الدولة وشئونه. لهذا نراه يركز على أربع صفات اساسية وهي العلم، والعدالة، والكفاية، وسلامة الحواس والأعضاء من بين تنوع واختلاف المواقف بهذا الصدد. بينما اعتبر ما يسمى بشرط النسب القرشي مجرد حالة طارئة ولا علاقة عضوية له بالإمامة والخلافة. وذلك لأن الصفات العامة الأولى ضرورية، بينما النسب القرشي هو نتاج حادث عرضي ألا وهو "حادثة السقيفة". ذلك يعني، إنها ليست صفة ذاتية للإمامة، بل حالة سياسية عابرة. لهذا نرى تلاشيها واضمحلالها حالما اضمحلت العصبية القرشية والعربية وجرى الاستعاضة عنها بالأعاجم. بعبارة أخرى، إن مبدأ أو قاعدة أو فكرة القرشية هي من حيث الجوهر قاعدة العصبية، كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فإن العصبية هي مقدمة الإمامة. وهذه بدورها النتيجة المنطقية المترتبة على مسار الفكرة الفلسفية والتاريخية لابن خلدون في النظر إلى الإمامة باعتبارها قضية سياسية واجتماعية صرف. وذلك لأن حقيقتها مرتبطة بفكرته عن ماهية وفاعلية العصبية في نشوء واستتباب الدولة وضمورها[6].

ووجد في ما اصطلحت عليه الثقافة الإسلامية وفكرها السياسي والتاريخي عن انقلاب الخلافة إلى ملك الميدان والحركة التي تتكشف فبها صيرورة الدولة والنظام السياسي بأثر فاعلية وجوهرية العصبية ومسار العمران. إذ يتناول ابن خلدون هنا الحركة التاريخية التي رافقت التحول النوعي الكبير في فكرة السلطة والنظام السياسي. فهو ينطلق بهذا الصدد من مقدمة عامة تقول، بأن "الملك غاية طبيعية للعصبية، ليس وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة الوجود"[7]. ففي هذه العبارة المقتضبة نرى ملامح مكونات إحدى أهم وأعمق الأفكار السياسية التاريخية. ومنها يمكن اشتقاق واستنباط الفكرة القائلة، بأن العصبية ضرورية أيضا لانتصار الديانات والشرائع. وبدونها لا يتم ذلك. أما ذم الإسلام للعصبية الجاهلية، فإن المقصود به هو ذم جوانبها السلبية وليس ما فيها من قوة وحمية لنصرة الحق، كما وضعها في العبارة القائلة، بانه "إذا كانت العصبية في الحق وإقامة امر الله فأمر مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع، اذ لا يتم قوامها الا بالعصبية"[8]. وفي هذا الاستنتاج نعثر على تأسيس عميق ودقيق للفكرة السياسية كما هي انطلاقا من الواقع والضرورة. لهذا نراه يقف من حيث الجوهر إلى جانب معاوية بن ابي سفيان حالما التقى به عمر بن الخطاب وهو بهيئة أبهة هائلة. وعندما انكر عليه عمر هذا السلوك، اقنعه معاوية بأنه في صراع مع الفرس والبيزنطيين، وهذا يحتاج بدوره إلى هذه المظاهر لكسر هيبة ملوكهم.

وطبق هذا الأسلوب تجاه كل مظاهر وحوادث التاريخ السياسي العربي الإسلامي حتى عصره. معنى انه نظر إلى الأحداث والصراع المتنوع حول الإمامة والخلافة (حول السلطة) باعتباره صراعا سياسيا، وانه أمر ملازم بالضرورة لصيرورة الدولة والعمران. ومن ثم لا معنى للتعامل معه بمعايير الرؤية الاخلاقية والوازع الديني وما شابه ذلك. من ها نظرته إلى الصراع التاريخي المشهور بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان بمعايير فلسفته التاريخية والسياسية. من ها تفسيره إياه وكذلك نتائجه من هذا المنطلق. إذ نراه يشير قبل التطرق إلى هذه القضية من مقدمات نظرية عامة تقول، بأن الانتقال من البداوة إلى المدينة والعمران وانتشار وتوسع الملك زمن الخلافة الأولى كشف عن حالات الثراء الفاحش عند الصحابة. وقدم امثلة على ذلك من خلال تناوله وجرده لثروات عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. واعتبر ذلك عملية طبيعية تلازم الملك بالضرورة ولا يمكن تذليلها، إلا حالما تبلغ غايتها. وبالتالي، فان الصراع بين علي ومعاوية هو اجتهاد سياسي كل منهما يرى الحق في ما يقوم به، مع إن علي كان على الصواب. وعندما انفرد معاوية لاحقا بالملك، فإن مساره كان طبيعيا بفعل تأثير العصبية وانتصاره فيها. وقد فهم بنو امية هذه الحالة وعاضدوها. وبدونها لتفرقت كلمتهم وخسروا. وإن تقليد يزيد ابنه للخلافة كان بأثر العصبية وتأثيرها لكلي لا تنفرط الوحدة العصبية. وهو المسار الطبيعي الذي أدى لاحقا إلى ما آلت اليه الأمور في مسار الملك والدولة، أي إلى الضعف والتحلل. ذلك يعني، إن تحول الخلافة إلى ملك أمر طبيعي وضروري. من هنا قوله:"ذهبت معنى الخلافة ولم يبق إلا أسمها، وصار الأمر ملكا بحتا، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها... وأسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب. والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض. ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب"[9].

من هنا يتضح، بأن مسار الخلافة، شأنه شأن كل مسار للدولة يتعرض مما تتعرض له من صعود بالعصبية وتكامل لها ثم تلاشيها واضمحلالها، وبأثر ذلك اضمحلال الدولة، أي سقوطها التاريخي. وهي عملية اقرب ما تكون بالنسبة لفلسفة ابن خلدون التاريخية والسياسية إلى قانون صارم وحتمي بقدر واحد. من هنا تتبعه لظهور وتطور الخلافة. فقد أدى تطو الدولة إلى التباس معنى الخلافة، بمعنى تأرجحها بين تأثير الفكرة الأخلاقية الإسلامية ومبادئها العامة وبين تكامل الدولة بمختلف مؤسساتها وازدياد الثروة وتطور العمران. ومع كل خطوة كبيرة بهذا الاتجاه يأخذ الملك بالإنفراد حيث "افترقت عصبيته من عصبية الخلافة". ذلك يعني إن الخلافة حالة أولية للملك ذات نظام سياسي خاص له عصبيته الذاتية (العرب والدين). بينما تحولت لاحقا إلى ملك مخلوط ببقايا وشكل الخلافة الظاهري. ثم تحولت إلى ملك خالص (نموذج وفكرة السلطان). الأمر الذي يعني بالنسبة لابن خلدون إن الخلافة الأولى ليست نموذجية بل مرحلة وحالة معينة وخاصة لصيرورة الدولة. وبالتالي لا قدسية فيها. وهي الحالة التي حاول الكشف عنها على مثال نمو الثروة الفاحشة عند الصحابة والتابعين، بوصفها الحالة الأولية للانتقال من العمران البدوي، بوصفها حالة العرب في الحجاز، إلى العمران الحضاري بوصفها فكرة الدولة.

وتتبع ابن خلدون نمو هذه الحالة والتحولات التي جرت داخل بيتها السياسية من خلال تحليل المفاصل الأساسية فيها وهي كل من ظاهرة ومؤسسة البيعة أولا والتوريث لاحقا. فمن حث مفهومها ليست البيعة سوى "العهد على الطاعة". وقد كانت في البداية تجري عبر مصافحة بالأيادي، ولاحقا بالإكراه. والتاريخ السياسي الإسلامي في أغلبه هو تاريخ البيعة بالإكراه، والاستثناء الوحيد فيها هو مبايعة الخليفة علي بن ابي طالب. وهو السبب الذي يفسر إنكار الولاة جميعا للفتوى القائلة بسقوط يمين الإكراه. إذ وجدوا فيها تهديدا لشرعية الحكم، كما يقول ابن خلدون[10]. أما فكرة التوريث أو ولاية العهد، فقد ارتبطت بصعود الأموية. وفسر ابن خلدن هذه الحالة بوصفها المرحلة الملازمة لصيرورة الملك - الدولة. واعتبرها حالة طبيعية مرتبطة بحالة العصبية القرشية وقوتها وهيمنتها آنذاك. من هنا قوله، بأن توريث معاوية كان مرتبطا بإسناد "عصابة قريش وأهل الملة وأهل الغلب. وسكوت وحضور اكابر الصحابة دليلا على ذلك". ذلك يعني، إن التوريث، بالنسبة لابن خلدون، ليس رذيلة أو خطأ. ولا معنى بالتالي لجعل فترة حكم الخلفاء الراشدين أمرا ملزما كما يستنتج ابن خلدون. فاختلاف الأزمان والأجيال بالنسبة له يغير هذه الحالة. فخلافة الراشدين هي حالة أولية لم تبلغ حالة الملك. ففي زمن الخلافة كان الوازع الأكبر هو الدين، بينما لاحقا أصبح الوازع الأكبر هو السلطان والعصابة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "العصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح. ولكل واحد منها حكم يخصه"[11].

وبأثر هذا الاستنتاج تناول ابن خلدون مختلف مظاهر ومؤسسات الدولة الناشئة، وتتبع مختلف مظاهرها كما لو انه يرصد تطور الحضارة العربية الإسلامية وخصوصية مكوناتها وإرثها الثقافي من خلال موشور الفكرة التاريخية السياسية. فهو يتناول على سبيل المثال قضايا ولاية العهد أو التوريث[12]، و"الخطط الدينية" أو دور الدين في السياسة من خلال توحيد الجماعة والأمة وربطها بقواعد روحية وعقائدية وعملية شرعية مثل الصلاة والقضاء بوصفه فريضة، وأحكام القضاء وكيفية تطورها وانتقالها من مهمة الخلفاء إلى استقلالها اللاحق والذي يمكن تتبعه من خلال كتب الأحكام السلطانية، وكذلك مؤسسة الشرطة والحسبة والسّكة[13]. ثم يتناول القضايا المتعلقة بالألقاب مثل الخليفة والإمام وأمير المؤمنين والجدل حولها[14]، ثم تناول ألقاب السلطان ومراتب الملك، وكشف عن كيفية تغير وتبدل الوظائف والسلوك في كل شيء على مقتضى العمران[15]، ثم مختلف جوانب وظائف ديوان الأعمال والجبايات، بحيث نراه يتناول أصل كلمة الديوان عن الفارسية التي نطق بها كما تنقل الروايات كسرى في إحدى ملاحظاته لسلوك الكتاب عنده، فاطلق عليه كلمة ديوانه وتعني المجانين. ثم جرى حذف الهاء، ويقال أنها تعني الشيطان لسرعة نفاذ ما يكتبونه. باختصار لقد تحول "المجانين" إلى أهم الموظفين في الدولة! وجرى تطبيق مهمات الديوان في زمن عمر بن الخطاب ثم تطور من الحساب إلى الجباية التي دخلت فيها مختلف مصادر الثروة التابعة للدولة في مجرى الانتقال من البداوة إلى الحضر كما يقول ابن خلدون، أي من خلافة الراشدين إلى الملك الأموي وبالأخص زمن عبد الملك[16]. ثم تناول الكتبة والكتّاب، والشرطة، وقيادة الأساطيل، والرايات والأبواق والبيارق ورتب السيف والقلم والشارات والختم التي يتخذها الملوك[17]، والفساطيط والمقصورة للصلاة والدعاء والخطبة وكثير غيرها[18].

إن كل هذه الشروح والواقف المتعلقة بمختلف مظاهر الدولة وتطورها في مختلف المجالات تسعى للبرهنة على أن كل ذلك مرتبط بالعمران، أي بالتطور التاريخي الطبيعي لجماعات والأمم والدول والثقافة. لهذا نراه يشدد على أن ما يكتبه ليس تفصيل الأحكام الشرعية بهذا الصدد، بل ل-لكشف عن المسار التاريخي للعمران في بنية الدولة ومؤسساتها ومراتبها وأشكالها، كما في قوله: "إن الكلام في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع. إنما نتكلم في ذلك على مقتضى طبيعة العمران في الوجود الإنساني"[19]. من هنا موقفه وحكمه التاريخي السياسي القائل، بأن تاريخ الخلافة ودولها ونظمها السياسية في نهاية المطاف يعيد أو تكرر أو يحذو حذو النعل بالنعل ما هو مميز لظهور الدولة وانحلالها.

فانتقال الخلافة في مجرى تطورها من الصيغة أو الهيئة الدينية - السياسية إلى السياسية يعني تطبعّها بالضرورة بطبائع الملك. وطبائع الملك هي كل من الإنفراد في المجد، والترف، والدعة والسكون[20]. وهي طبائع تستمد مقوماتها من طبيعة العمران نفسه. ومن ثم تكمن فيها أجنة الانحلال اللاحق للدولة وموتها، أو ما اسماه ابن خلدون أحيانا بحالة الزحزحة التي تسبق سقوط الدولة. ولا تحدث هذه الزحزحة التي تكلم عنها ابن خلدون قبل أن تبلغ الدولة مرحلة النضوج. فتطور الدولة ونضوجها يعادل معنى الموت، كما هو الحال بالنسبة لكل وجود طبيعي! غير أن هذا الاستنتاج لا يستند في منظومة ابن خلدون الفلسفية عن التاريخ إلى معطيات الطبيعة والإنسان (الحيواني)، بل يستنبطها من الآلية الداخلية لظهور وتطور الدولة على مثال مختلف نماذجها وتواريخها، كما نراه على مثال تجارب الدول في اليونان والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم. وذلك لأن استحكام طبيعة الملك، كما يقول ابن خلدون، يؤدي بالدولة إلى الشيخوخة والهرم. وعندما يقارن ذلك بحياة الإنسان وعمره، فإنه لم يقصد بذلك مقارنتهما الحرفية أو انه يضع علامة مساواة بينهما، بقدر ما انه يشير إلى شكل ومظهر المقارنة الممكنة بهذا الصدد. وبما أن الدولة من الناحية المجردة تمر بأطوار أربعة أو أجيال أربعة أشبه ما تكون بحياة الإنسان، من هنا عادة ما يكون عمرها بحدود مائة وعشرين سنة. وتعادل هذه الفترات هيمنة العصبة وانحلالها ومن ثم دولها الخاصة كما هو الحال بالنسبة للخلافة الأموية والعباسية.

إن هذه الخاتمة الحتمية من وجهة نظر ابن خلدون تكمن في آلية ونتائج العملية الطبيعية المرافقة لاستحكام ما اسماه بطبيعة الملك التي ترافق انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة. واعتبر "هذه الأطوار طبيعية للدول"[21]. فالملك يؤدي إلى توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وزركشتها. وقدم ابن خلدون كمثال زواج وعرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل استنادا إلى ما اورده المسعودي والطبري. وهي أقرب إلى الخرافة من حيث سعة الإسراف والترف وفيها. إذ ما جرى تبذيره يكفي لبناء مدينة عظيمة أو دولة جيدة بمقاييس العصر آنذاك. وإذا كانت هذه الظواهر ليست سلبية على الدوام، إذ ينزع ابن خلدون في تفسيرها منزعا واقعيا وعلميا، بوصفها حالة طبيعية ملازمة للعمران الحضري المتطور.، من هنا يمكن فهم تقيمه إياها بصورة إيجابية، على الأقل في مراحلها الأولى، بوصفها قوة دافعة للإنتاج والتطور، والذي يجد تعبيره المناسب في زيادة عدد السكان، واشتراكهم في العمل الاجتماعي، وتحسين شروط الحياة وما شابه ذلك. غير أن تطورها وازدياد كميتها والإفراط فيها يؤدي إلى انحلال الدولة وسلطتها السياسية والقيم والعقائد. وإن كل ذلك يجري على مراحل أو أطوار حصرها ابن خلدون في خمس هي كل من طور الظفر بالبغية (الاستيلاء على الملك)؛ وظهور الاستبداد (الإنفراد في الحكم، وظهور المؤسسات وقوى القهر من جيش وشرطة)؛ والفراغ والدعة (الزركشة والافراط في الزينة، والذي يدعوهة ابن خلدون "بآخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة"؛ والقناعة والمسالمة (التقليد في الحكم وضمور ومن ثم إنعدام الاجتهاد والبحث)؛ والإسراف والتبذير (الهرم والهدم).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص233

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص113.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص149.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص186.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص151-152.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص153-154.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص159.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص160.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص164.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص165.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص167.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص166-172،

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص173-179.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص179-182.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص187-192.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص192-193.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص198-211.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص 212-214.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص186.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص131-132.

[21] ابن خلدون: المقدمة، ص135.

 

 

زهير الخويلدي"لا يمكنك التغلب على الطبيعة إلا بطاعتها"[1].

ولد فرانسيس بيكون في لندن عام 1561. أصبح محاميًا بالتدريب، حارسًا لأختام الملك جيمس الأول، لكن تمت إزاحته من منصبه في عام 1621 بسبب الفساد. ثم تحول إلى البحث العلمي وتوفي عام 1626.

الغريب هو كيفية تمكن فرانسيس بيكون من تجسيم وعده الذي أعلن فيه بأن الطريق التي تسير عليها العلوم لازالت عقيمة ولا يبدو الوعد له قيمة ما لم يدر ظهره للفلسفة الماضية بشكل كلي لكن إذا كان الأمر بهذه الكيفية قد يجد المرء صعوبة في ضمان إمكانية المعرفة وبيكون نفسه قد يسقط في الريبية ويجب إعادة تأويل طموحه نحو التجديد وإعلان القطيعة مع فلاسفة الماضي القدامى والوسيطيين على حد سواء.

لقد اعتمد بيكون على استراتيجية خطابية تهدف إلى منع المرء من الاكتفاء بالمعرفة الجاهزة ودفعه إلى البحث عن معرفة جديدة عبر تغيير المنهج القديم بآخر جديد والاقتناع بأن التقدم يجب أن يكون مهمة لا نهاية لها ولا يمكن تحديد الطريقة التي ينبغي إتباعها بصورة قبلية من اجل إنتاج معارف علمية جديدة. ولذلك يكتفي بيكون ببعض الإشارات والتوصيات التي يتسنى له التخلي عنها عند التقدم في البحث لأن المرء لا يمكنه أن يتوقع أنه يتقدم وأنه بصدد تحقيق المزيد من الاكتشافات ولا أن يقول ما ستكون عليه المعرفة في المستقبل وبهذا المعنى كان الهدف الأساسي من فلسفة بيكون هو تحرير عملية الاكتشاف.

العلم يجب أن يأخذ نهجا واقعيا. يقدم فرانسيس بيكون منطقًا جديدًا في Novum Organum بالإضافة إلى برنامج العلوم الطبيعية. إنه يسلط الضوء على الحاجة إلى معرفة أسرار الطبيعة، أي تنظيمها، من أجل النهوض بالعلوم الإنسانية ولاحقًا إتقان السيطرة على الطبيعة من خلال تفسير الظواهر والتحكم فيها.

فرانسيس بيكون هو رائد الأسلوب التجريبي في العلوم الطبيعية. لقد رأى أنه يجب على الإنسان اكتشاف النظام الطبيعي للأشياء لتوسيع معرفته وتدعيم قوته في العمل. من هذا المنطلق اعتمد على المعرفة العلمية التي تستند إلى الملاحظة والتفكير معا وذلك لأن أدوات العقل واليد ضرورية في البناء المعرفي. كما أصر بيكون من وجهة نظر منهجية على دور الحدس المدعم، والذي ينبني على توسيع جملة من الملاحظات في بعض الحالات المعينة ووضعها في نوع معين من القاعدة العامة. بعد ذلك نجده يجعل منهج الاستقراء القاعدة التي من الممكن الانطلاق منها في صياغة القوانين العامة من الملاحظات.

يتطلب تأسيس العلم الجديد التحرر من الأوهام التي تضلل الذكاء البشري. يؤكد بيكون أن الإنسان لا يستطيع أن يبحث عن المعرفة العلمية دون أن يحرر عقله أولاً من عقبات معينة، "الأوثان".

 "هناك أربعة أنواع من الأوهام التي تحاصر الفكر الإنساني". من أجل التوضيح، قدم بيكون أسماء مميزة: من جنس الأول بأوهام القبيلة، وأخرى أوهام الكهف، والثالثة أوهام الساحة العامة، ومن جنس الرابع أوهام المسرح ".

- تحدد أوهام القبيلة أولاً الكسل الطبيعي للروح الإنسانية، لا سيما ميلها إلى التعميم بطريقة مسيئة من الحالات المواتية للتحيز الأولي - مثل الظاهرة المعرفية في أصل الخرافات مثل علم التنجيم.

- بعد ذلك، تتوافق أوهام الكهف، التي سميت باسم قصة أفلاطون، مع ثقل العادات والتقاليد التي تسجن الفكر الإنساني.

- أوهام المكان العام هي أنها شكل من أشكال السجن العقلي، والتي تشكل الأحكام المسبقة، في بعض الأحيان مشوشة أو غير واقعية، والتي تحمل معها اللغة المتداولة.

- أخيرًا، تستمد أوهام المسرح من المكانة المسببة للعمى للنظريات الفلسفية الأكثر شهرة، والتي تمثلها كل من نظريات أفلاطون وأرسطو.

يعيد بيكون تركيز العلم على الخبرة والكفاءة التقنية ويعلن تقدم العلم من خلال الملاحظة. بيكون هو واحد من أوائل المفكرين الذين يثبتون الفضيلة الإيضاحية والعلمية للتجربة. عند القيام بذلك، أراد استبدال المنطق الاستنتاجي (من العام إلى الخاص) لمنهجيات أرسطو بمنطق استقرائي جديد (من الخاص إلى العام). لذلك يجب على رجل العلم السعي لتجميع وتصنيف الحقائق وبالاشتغال على الفرضيات المبنية على الملاحظات، والتي يجب بعد ذلك اختبارها في مبارزة (فرضية ضد الفرضية المعاكسة).

يستفيد هذا العمل من عمليات التحقق المتعاقبة من الديناميكية الجماعية للمجتمع العلمي، حيث يمكن للجميع تكرار التجربة. ومع ذلك، يجب أن يتم تنفيذها دائمًا بدقة: كل التجارب دون خطة أو نية دقيقة ليست كافية للحصول على قيمة علمية. يقول بيكون: "إن أفضل برهنة، هي إلى حد كبير بعيدة عن التجربة، طالما أنها تتمسك بالشيء الذي يتم تجربته". وبالتالي، يشترط الفيلسوف أن تكون التجربة العملية أو النظرية كاملة الصلاحية التجريبية لاختيار وسيلة معينة ونهاية محددة. يكون المنهج التجريبي عمليا مثمرا عندما يحدث تأثيرا على الواقع ولما يتمكن من تحسين حياة الإنسان؛ ويتحول الى نظرية شاملة عندما يكون له تأثير على العقل البشري الذي يتقدم العلم المشرق القادر على استيعاب الطبيعة.

العلم يبحث عن المعرفة من أجل الكفاءة التقنية. يقول بيكون إنه لا ينبغي أن يظل نظريًا، لأن مهنته هي بالضرورة عملية وميدانية: الغرض منه هو ممارسة القوة على الطبيعة. من وجهة النظر هذه، ينتقد البعد التأملي البحت، أي أن يقول دون اهتمام فيما يتعلق بالعالم الحقيقي، خطب فلاسفة العصور القديمة، الذين حبسوا حكمتهم في الكلمات في كل شيء والأعمال العقيمة. لذلك يجب فهم المعرفة كوسيلة لتحقيق الكفاءة التقنية. إنها بالتحديد مسألة اكتشاف خصائص الطبيعة من أجل إعادة إنتاجها في أجسام معينة. "علم الإنسان هو مقياس قوته، لأن تجاهل السبب هو عدم القدرة على إحداث التأثير. هكذا ينتصر المرء على الطبيعة فقط عن طريق طاعتها؛ وما يصعب على التأمل، يحمل اسم السبب، ويصبح قاعدة في الممارسة. يبدأ الفيلسوف من مبدأ أن كل خاصية للطبيعة (على سبيل المثال، الكثيفة، الساخنة، الباردة، الثقيلة، الضوء، وما إلى ذلك) هي تعبير عن جوهر؛ الآن، من خلال أن يصبح سيد هذا الجوهر، سيصبح الإنسان سيدًا للعمل المبدع الذي ينتج عن ذلك ؛ هذا هو السبب في معرفة قوانين الطبيعة ضرورية لإنتاج الخصائص في الإرادة. لذلك يقارن بيكون العالم بالعالم الكيميائي الذي يحول المادة.

لكن لماذا اختار بيكون المراهنة الجذرية على المنطق الاستقرائي؟ وماهي قيمة المعرفة التجريبية؟

خلاصة القول أن بيكون جعل من الانفصال عن الماضي أهم شرط لتحرير الاكتشاف العلمي وأراد تطهير المعرفة من الجدل العقيم والمناقشات الخاطئة التي أضرت بها، وخاصة من تراث أرسطو وأفلاطون. يجعل المعرفة أعلى مهنة للإنسان. إن المعرفة تعطي قيمة أخلاقية وسياسية وتلهم الشكوك المفيدة وتجعل المظاهر تنمو. قارن بيكون، قبل ديكارت، المعرفة بالشجرة التي ستكون فلسفتها هي الجذع. كما رأى أن العلوم الطبيعية تنقسم إلى الفيزياء والميتافيزيقيا. يعرّف الأخيرة أي الميتافيزيقا بطريقة جديدة: إنها تدرس المبادئ أو البديهيات المشتركة التي تعتمد عليها العلوم المختلفة بدورها.

من جهة ثانية يؤمن بيكون بالمعرفة من خلال التجربة ويجعل من التجربة طريقة رائعة للمعرفة. كما يتمثل الهدف أولاً وقبل كل شيء في إعداد الإنسان قائمة يجرد فيها كل ما يعرفه بالملاحظة، مع الحرص على التجارب المنعزلة، التي ستأتي عن طريق الصدفة، أو التي لن يكون لها سوى فائدة فورية. من المستحسن تمييز التجارب التي "تستخلص النتيجة" وتسمح باختراع تجارب أخرى جديدة. كما يميز بيكون بين الاستقراء والتجريب. في الاستقراء العادي، ننتقل من الملاحظة إلى المبادئ الأخيرة الأكثر عمومية، بينما، في الاستقراء التجريبي، يجب أن نتقدم خطوة بخطوة، من خلال التمشي التدريجي، وليس نحو الأفكار العامة، ولكن نحو المبادئ التي تتيح للفكر من أن يمسك بطبيعة الأشياء".

من جهة مقابلة يجب أن تقوم التجربة أيضًا بتصحيح الخطأ الذي لا مفر منه الذي تسببت به الحواس، ولكن لهذا يجب تنقيته مسبقًا. في هذا الإطار انتقد بيكون الأوهام ورفض المفاهيم الخاطئة التي يتم تدريسها ودعمها ويسمي هذه الأفكار "بالأوهام" أو الأصنام . اذا كانت الأوهام الأولى متجذرة في طبيعة الإنسان وكان الإنسان أولاً وقبل كل شيء يتصور رغباته وليس وفقًا لقواعد الكون واذا كانت الأصنام الثانية متأتية من الكهف – وهو المكان الرمزي للظن عند أفلاطون – ويغمره الخطأ والظلام واذا كانت الأوهام الثالثة صادرة عن الساحة العامة فإن الأوهام الرابعة تنحدر من المسرح وهي مكرسة من قبل التبجيل الذي أُنجز لأعمال الماضي: خرافات، وقصص خيالية، تزدهر على بعض الملاحظات المجزأة. إن قلة البيانات وكذلك الميل إلى التطور الفلسفي بشكل سريع، ومزج اللاهوت معها، وخلق السفسطة، والتجريبية الساذجة والخرافة. على هذا الأساس يرفض بيكون التجريبية الأرسطية التي تسعى نحو معرفة الأسباب التي تتحكم في ظواهر الطبيعة. بهذا المعنى لا يهتم بيكون فقط بأسباب الظواهر، فهو ينتقد كل السببية ويبتعد عن النظرية الأرسطية للأسباب الأربعة، وعن الأسئلة التي تطلبها وهي كالآتي: "ما هي هذه الظاهرة؟" "،" ما هو شكلها؟ "،" ما هو السبب الفعال لها؟ "،" لأي غرض تحدث؟ ".

كما يرفض بيكون فكرة السببية الغائية، ويؤكد أن السببية الرسمية غير مجدية، ويذهب إلى حد النظر في البحث عن السبب المادي والسبب الفاعل ويقول بعدم الجدوى من الخوض فيهما. لقد رفض بيكون المخطط التوضيحي الكامل لأرسطو ورأى بأنه لا يزال هناك فقط طبيعة بسيطة قيد الفحص وأوصي بإتباع الطريقة الحقيقية من أجل تشكيل دراسة استقصائية واحدة وعامة حول طرق نقل المعرفة التجريبية. غاية المراد من استخدام المنهج التجريبي أن اكتشاف المعرفة الجديدة يتطلب أيضًا أن يقوم الفيلسوف بالبحث والتحقق من المعلومات الواردة من الواقع وحساب المعطيات وقياس ما تعلمه من التجربة لتحديد المعلومات وبمجرد تجميع هذه الجملة من الملاحظات الخاصة، فإنه من الضروري ترتيبها وتنسيقها.لكن كيف عمل بيكون على التمهيد لقيام الفلسفة التجريبية على أسس معرفية صلبة؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.................................

المصادر:

 فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد، إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017.

  • Novum Organum (1620), édition PUF, Paris, 1986,
  •  Essais de morale et de politique (1597)
  • De la dignité et de l’accroissement des sciences (1623)

هامش

 

 [1] Francis Bacon , Novum Organum, édition PUF, Paris, 1986,p.101.

 

 

صلاح الدين اشرقيمقدمة: لقد تعرض الدرس اللساني إلى مجموعة من التحولات، حيث تعطلت الكثير من الأطروحات التي كانت تُعتمد بوصفها أساسا معرفيا لحل الإشكالات التي عرفتها العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم اللغوية الأدبية بصفة خاصة، لذا كان من الضروري البحث عن بدائل معرفية تُواكب المستجدات التي طرأت في مجال العلوم الإنسانية التي عانت كثيرا من الجُمود الذي فُرض عليها من قِبل مجموعة من المفاهيم المنطقية الثابتة التي أغفلت الكثير من الجوانب في الخطاب، أبرزها الطابع التفاعلي الذي يمتاز به.

وبناءً على ما سبق، ظهرت تصورات جديدة تستحضر أبعادا أخرى في الخطاب، مثل: السياق، والذات، والقصد وغير ذلك من العناصر التي تمنح الخطاب بُعدا تداوليا تواصليا، وما يجب الإشارة إليه هنا الاتجاه الذي برز مع الفلاسفة التحليليين  لا نقصد هنا الفلسفة التحليلية في مراحلها المتقدمة، بل المقصود " الفلسفة التحليلية الجديدة "  التي درست الخطاب في التواصل، ومن أبرز رواد هذا الاتجاه الجديد في الفلسفة التحليلية، "أوستين" الذي اقترح أطروحة جديدة تُعتبر من الأطروحات الأولى التي أحدثت انعطافا في مسار الدرس اللغوي، وهي " نظرية الأفعال اللغوية " التي نظرت إلى اللغة من زاوية مغايرة، إذ ربطت اللغة بمستخدميها.

 إرهاصات أولية:  انعطاف الفلسفة التحليلية:

لقد اهتمت الفلسفة التحليلية في مراحلها المتقدمة بإشكال عام وهو المتعلق ب " فلسفة اللغة " التي تعتبر مؤسس الفلسفة التحليلية، غير أن مختلِف النظريات التي قاربت اللغة نظرت إليها من زاوية منطقية صورية، وقد نتج عن هذا " التوجه المعرفي " نتائج سلبية، أبرزها جعلُ اللغة مثل المنطق الرياضي دورها ينحصر في " وصف الأشياء " فحسب، وفي هذا التصور انتزاع للخاصية الجوهرية التي تميز اللغة، وهو التفاعل والتواصل من جهة، ومن جهة ثانية عزل اللغة عن الخطاب وبذلك تبدو اللغة غير قادرة على احتواء هذا الخطاب، لذلك كان من الضروري " تطوير " هذه الفلسفة من خلال ابتكار نظريات جديدة تدرس اللغة بما هي تحقق في الواقع أي في التواصل باستحضار أبعاد مقامية سياقية، وكذلك الأخذ بنظر الاعتبار العلاقات التي تربط المتخاطبين بالأقوال التي ينتجونها، وقد ظهر هذا النوع الجديد من الدراسات في الفلسفة التحليلية مع " أوستين " الذي يعتبر أحد أبرز رواده، ومن أهم ما سعت إليه الفلسفة التحليلية الجديدة " تجاوز " التصور القائل بنموذجية اللغة، بمعنى وجود نوع واحد من اللغة، وتم تعويض هذه الفكرة ب " التعدد اللغوي "، وبما أن هذا الاتجاه الجديد يؤمن بالتعدد اللغوي، فإنه من الطبيعي سيتم إدراج اللغة العادية ضمن الدراسة والتحليل، بل إن هذا النوع من اللغة هو الأكثر خضوعا للتحليل في الدرس التداولي عامة، وفي نظرية الأفعال اللغوية خاصة، وانطلاقا من هذه الانعطافات التي طرأت على الفلسفة التحليلية، ظهرت نظرية الأفعال اللغوية من خلال رائدها أوستين كرد فعل طبيعي لتلك المُستجدات.

 نظرية الأفعال اللغوية (أوستين):

لقد أسس أوستين نظرية الأفعال اللغوية العامة من خلال نقده لموقفين اثنين، وهما:

 الموقف الفلسفي التقليدي الذي نظر إلى اللغة من زاوية ضيقة، إذ حصر وظيفتها في " وصف " حالة شيء ما، أو إثبات واقعة عينية  انطلاقا من معيار الصدق والكذب، وقد أغفل هذا الموقف أنواعا أخرى من الجمل، مثل: (الاستفهام، الأمر...) واعتبر أن جميع الجمل خبرية وعليه فهي وصفية بالدرجة الأولى.

 الموقف النحوي التقليدي الذي أشار على وجه مطرد أنه ليست جميع الجمل تفيد بالضرورة الخبر أو تنتج أحكاما، بل هناك جملٌ تفيد الاستفهام والتعجب والأمر...، لكنهم لم يربطوا هذه الجمل بقائليها وبالأفعال الناتجة عنها، لأنهم تناولوا هذه الجمل في ذاتها وهذه هي طبيعة النموذج الوصفي حيث يعزل الظاهرة عن التحقق، ولم يكتف أوستين بنقد هذين الاتجاهين فقط، بل اقترح " بديلا معرفيا " يتمثل أساسا في اعتباره اللغة ليست وسيلة للوصف ونقل الخبر فحسب، وإنما هي أداة لبناء العالم والتأثير فيه، وعليه تحولت اللغة مع أوستين من مطابقة الواقع ووصفه كما هو، إلى البحث عن ما نفعله بالتعابير التي ننطق بها وكذلك البحث عن سياقات الكلام أو استعمالاته.

 الملفوظات الإنجازية:

من أهم اقتراحات أوستين في نظرية الأفعال اللغوية ما أسماه ب  " الجمل الإنجازية " وتعتبر هذه الجمل بمثابة بديل معرفي لتلك الأفكار التي كانت سائدة في الموقفين التقليديين الفلسفي والنحوي، حيث كان يُنظر إلى الجملة على أنها خبرية تصف الأشياء فقط، في حين أن أوستين يذهب عكس هذا التوجه ويرى أن العبارات المُتلفظ بها "لا تصف ولا تُخبر بشيء ولا تثبت أمرا ما على وجه الإطلاق، ومن ثمة فهي لا تدل على تصديق ولا تكذيب"  فالنطق بالجملة  في نظر أوستين  هو إنجاز لفعل أو إنشاء لجزء منه، مما لا يعني أننا (...) نصف بقولنا شيئا ما على وجه الضبط، فما فعله أوستين هو إخراج الملفوظات من الأفق الضيق الذي وُضعت فيه والمتمثل في " وهم الوصف " وتحويلها إلى جُمل إنجازية تُحيل على فعل معين، وقد قدم أوستين بعض الأمثلة لتجاوز المغالطة الوصفية، وهي:

 نعم أقبل أن تكون هذه المرأة زوجتي الشرعية.

 أترك هذه الساعة ميراثا لأخي.

 أراهنك على أن السماء ستمطر غدا

ويرى أوستين أن هذه الأمثلة لا تُحيل على وصف المتكلم لحال قيامه بالفعل، أو إثبات كونه قائما بذلك الفعل، بل إن النطق بالجمل السابقة يعني إنجاز فعل معين، غير أن السؤال الذي يمكن أن يُطرح هنا هو، هل التلفظ بشيء ما يترتب عنه بالضرورة إنجاز فعل ما، أو بعبارة أخرى، هل يعني قول شيء ما إنجازه؟ وقد حاول أوستين الإجابة عن هذا الإشكال من خلال تمييزه بين الجمل الإنجازية وظروف الإنجاز أو " الاستعمالات الإنجازية "، ويولي أوستين للتلفظ دورا مهما في الإنجاز، إذ يعتبر النطق بالألفاظ يشكل الحدث الرئيسي في إنجاز الفعل، لكنه لم يقف عند هذا الحد بل رأى أن المناسبات التي حصل فيها التلفظ يجب أن تكون ظروفا مناسبة للفظ ومخصوصة له، وعليه يقول أوستين، " حتى أتزوج على الطريقة المسيحية، فإنه يلزم أن لا أكون قد سبق لي أن تزوجت بامرأة لا تزال موجودة على قيد الحياة "، وبشكل عام فإن أوستين وإن كان يمنح النطق بالألفاظ قوة إنجازية، بمعنى مجرد النطق بقول ما يعني إنجاز الفعل، إلا أنه لم يغفل ما يتعلق بسياقات التلفظ أو استعمالاته.

 الوصف / الإنجاز:

لقد عَمِدَ أوستين إلى ترسيخ ثنائية وصف / إنجاز، حيث فصل بينهما انطلاقا من مجموعة من المحددات أبرزها، أن الجُمل الوصفية تلك التي تصف حدثا أو حالة معينة دون فعل فهي تقف عند الوصف فقط ولا تتعداه إلى إنجاز الفعل، أما  الجمل الإنجازية فتجمع بين القول والفعل  بمعنى أنها ذات قوة إنجازية تتجاوز الوصف إلى الفعل، وقد ميَّز أوستين بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية من خلال مجموعة من القواعد تنقسم إلى ما هو مقامي وما هو مقالي، فأما القواعد المقالية تتمثل في الجانب الشكلي للخطاب، فحتى نكون بإزاء جملة إنجازية:

 يجب أن تكون الجملة مشتملة على فعل من النوع الإنجازي

 يجب أن يكون زمن الفعل هو زمن التلفظ أي الحاضر

 يشترط في الجملة أن تكون مبنية للفاعل

 يجب أن يكون قائل الجملة المتكلم المفرد

وأما المعايير المقامية فقد حددها أوستين في ثنائية صدق / كذب، التي تخص الجمل الوصفية، حيث تكون الجملة صادقة إذا كانت المطابقة بينها وبين ما تصفه، وتكون كاذبة إذا لم تحصل المطابقة بينها وبين الموصوف، فشرطها الأساس هي المطابقة، فمثلا قولنا: الجو صحو هذه الجملة  بحسب معيار الصدق والكذب  صادقة إذا كان الجو في الواقع صحوا بالفعل، وتكون كاذبة إذا لم يكن الجو كذلك، أما الجمل الإنجازية فإنها لا تخضع  في نظر أوستين  إلى معيار الصدق والكذب، فهي لا تصف، ورأى أن المعيار المناسب للجمل الإنجازية هو، نجاح / فشل، وقد ميَّز أوستين في هذا المعيار بين الجمل الإنجازية ذات القيد القوي والجمل الإنجازية ذات القيد الضعيف، فالأولى تخضع في إنجازها لعادات ثقافية محددة، مثل: " أنت طالق " هذه الجملة تكون ناجحة إذا كانت مناسبة للعادات الثقافية المعروفة في مثل هذه المواقف، إذ يجب أن يكون المتلفظ بهذه الجملة الزوج وأن يكون ذلك أمام عدلين، أما الجمل الإنجازية ذات القيد الضعيف فإنها لا تخضع لمحددات ثقافية عرفية، ومن أمثلة هذا النوع من الجمل الإنجازية: " أوصي بما أملك من مال لابني الأكبر " فهذه الجملة ناجحة إذا كانت الوصية مكتوبة على الطريقة المألوفة والمتعارف عليها داخل الجماعة اللغوية، وعليه فإن هذا الشرط لا صلة له بأي قيود ثقافية، فشرطها شكلي فقط.

لقد حدد أوستين بعض الشروط التي يجب مراعاتها لضمان نجاح الفعل وهي:

 يجب أن تكون هناك مؤسسة متعارف عليها، وأشخاص مشاركون في عملية التواصل اللغوي، داخل سياقات معينة.

 يتعين أن تكون الظروف ملائمة والمشاركون مقبلون على ما وافقوا عليه لكي يتم إنجاز ما تَنص عليه تلك المؤسسة.

 يجب أن يتم إنجاز الفعل من قِبل جميع المشاركين بصورة صحيحة.

 يتعين أن تتوفر لدى المشاركين نية إنجاز الفعل

فهذه هي الشروط التي وضعها أوستين لضمان نجاح الفعل، أما إذا لم يتم التقيد بهذه الشروط فإن الملفوظات الإنجازية تكون فاشلة، وقد قسَّم أوستين الجمل الإنجازية الفاشلة إلى نوعين: الخلل والإخفاق، فالخلل ناتج عن عدم الالتزام بالقاعدتين الأوليين مما يؤدي إلى فشل الفعل، أما الإخفاق فينتج عن خرق القاعدتين الأخيرتين مما يؤدي إلى الإساءة لفحوى المؤسسة، ومشروع أوستين في البداية تركز حول ترسيخ ثنائية وصف / إنجاز، حيث ميز بين الجمل الوصفية التي تكتفي بالوصف ولا تتعداه إلى إنجاز فعل ما، أي أنها لا تحمل " قوة إنجازية "، وبين الجمل الإنجازية التي تجمع بين القول والفعل، كما تجاوز أوستين أيضا معيار الصدق والكذب الخاص بالجمل الوصفية، بمعيار آخر وهو، نجاح / فشل، واعتبر أن معيار الصدق والكذب لا يمكن تطبيقه على الجمل الإنجازية لأنها لا تصف فعلا ما أو تثبته بل هي إنجاز للفعل، فعندما نتلفظ بكلام ما فإننا نكون بإزاء إنجاز فعل معين وهذه هي الفكرة الأساسية لدى أوستين التي تجاوز من خلالها الجمل الوصفية.

 إعادة النظر في ثنائية وصف / إنجاز:

بعد أن فصل أوستين بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية بتقديمه مجموعة من الأدلة التي دعَّم بها اقتراحه، عاد بعد ذلك إلى مراجعة هذا الإجراء الذي قام به، حيث انتقد المعايير التي وضعها للتمييز بين الوصف والإنجاز، فقد اتضح له أن تعويض صدق / كذب ب نجاح / فشل غير فعَّال، لأنه  وبحسب  أوستين بإمكان توظيف معيار النجاح والفشل لتقويم الجمل الوصفية، وكذلك يمكن أن نطبق معيار الصدق والكذب على الجمل الإنجازية، وهذا التصور شكل مرحلة تطور أو " انعطاف " في نظرية الأفعال اللغوية لدى أوستين، حيث إن ثنائية الوصف والإنجاز التي ألحَّ عليها أوستين في المرحلة الأولى لم تعد قائمة انصرمت، ولم يكتف أوستين بالتخلي عن وصف / إنجاز، بل اقترح تصورا بديلا يتمثل في إدراجه جميع الجمل اللغوية ضمن وصف وتنظير عام شكل ما سمي ب " نظرية الأفعال اللغوية "، فالجمل المتلَفَّظ بها هي جملٌ إنجازية بامتياز، غير أن هذه الجمل تنقسم إلى ضمنية وصريحة :

 فالأولى (الضمنية) لا يتم التصريح فيها بالفعل المنجز، مثل قولنا: (المستشفى ضروري)، فهي في جوهرها تشير إلى فعل معين لكنه مضمر أو غير مُصرح به، وعليه فهي عبارة صريحة في القصد أو الإعلان عن العزم  وليست صريحة من جهة الإنجاز الفعلي أو الواقعي.

والثانية (الصريحة) يُصرَّح فيها بالفعل المنجز، نحو: (أحذرك من أن السماء ستمطر) فهذه الجملة يظهر فيها الفعل بشكل واضح.

بعد أن انتقد أوستين المعايير التي وضعها للتمييز بين الجمل الوصفية والجمل الإنجازية، استدرك هذا الأمر من خلال اعتباره الجمل التي نتلفظ بها جملٌ إنجازية بالدرجة الأولى، وقد قاده هذا التصور إلى القول بأننا عندما نتلفظ بكلام ما نكون بإزاء إنجاز الفعل، ومن ثمة فإن المتلفظ بأية جملة تنتمي إلى اللغة الطبيعية يقوم بأصناف ثلاثة من الأفعال اللغوية:

 فعل القول: يتشكل من ثلاثة أفعال فرعية، (الفعل الصوتي، الفعل التركيبي، الفعل الدلالي).

 الفعل الإنجازي: وهو الذي يقوم به المتكلم في تلفظه، ويرتبط بالقيمة التي تعطى للكلام.

 الفعل التأثيري: ويُقصد به الأثر الذي يُحدثه الكلام في المُخَاطب .

وانطلاقا من هذا الاقتراح البديل الذي قدمه أوستين انتقلنا إلى نظرية الأفعال اللغوية العامة، إذ أصبح كل تلفظ هو إنجاز للفعل يخضع للأفعال الثلاثة التي ذكرناها آنفا، وعليه فإن نظرية أوستين لم تأخذ منحى أفقي، أو بمعنى أوضح فإن بداية مشروع أوستين تختلف عن نهايته، حيث طرأت على نظريته تغييرات منحتها قوة ونضجا نظريا ومنهجيا أيضا.

 خاتمة

لقد بدأ أوستين نظريته من خلال انتقاده لموقفين، هما: الموقف الفلسفي التقليدي، والموقف النحوي، إذ من خلال هذا الانتقاد أسس نظريته المسماة ب: " نظرية الأفعال اللغوية "، وقد كان هاجس أوستين في البداية هو التمييز أو فصل الجمل الوصفية عن الجمل الإنجازية كما سماها، فالجمل الوصفية لديه تكتفي بوصف الأشياء انطلاقا من مدى مطابقتها للواقع، وبذلك فهي تخضع لمعيار الصدق والكذب، أما الجمل الإنجازية فهي على عكس ذلك، حيث تتضمن قولا وفعلا، بمعنى أنها ذات قوة إنجازية، وقد ميَّز أوستين هذين النوعين من الجمل انطلاقا من مجموعة من المعايير، أبرزها تخصيص معيار الصدق والكذب للجمل الوصفية، أما الجمل الإإنجازية فقد خصَّصَ لها ثنائية أخرى، وهي نجاح فشل، غير أن أوستين سيعدل عن هذا التصنيف في مرحلة لاحقة، إذ اعتبر أن معيار نجاح فشل يمكن أن يُطبق على الجمل الوصفية أيضا، وأن معيار صدق / كذب يمكن أن نُقوِّم به الجمل الإنجازية، وعليه فقد خَلُص في مرحلة ثالثة من نظريته إلى تصور شامل أو إلى "نظرية الأفعال اللغوية العامة"، حيث رأى أن المُتلفظ بأية جملة تنتمي إلى لغة طبيعية فإنه يقوم بثلاثة أنواع من الأفعال، وهي: (فعل القول، وفعل الإنجاز، والفعل التأثيري)، ويمكن القول إن أهم خاصية ميزت نظرية أوستين، هو " التَّجاوز " حيث كان في كل مرة ينقد فكرة ويأتي ببديل لها.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه - المغرب

.........................

الهوامش

1)  الاستلزام الحواري في التداول اللساني: من الوعي بالخصوصيات النوعية للظاهرة إلى وضع القوانين الضابطة لها، العياشي أدراوي، دار الأمان، الرباط، ط1، 2011م، ص: 74

2) نفسه، ص: 75

3) نظرية أفعال الكلام العامة: كيف ننجز الأشياء بالكلام، أوستين، ترجمة، عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، 1991م ص: 13

4)  الاستلزام الحواري، ص: 77

5) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 16

6) نفسه، ص: 16

7) نفسه، ص: 16

8) الاستلزام الحواري، ص: 79

9) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 19

10) الاستلزام الحواري، ص: 82

11) نفسه، ص: 82

12) نفسه، ص: 83

13) نفسه، ص: 84

14) نفسه، ص: 85

15) نفسه، ص: 85

16) نفسه، ص: 85

17) التداولية: أصولها واتجاهاتها، جواد ختام، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، سنة، 2016م، ص: 89

18) نظرية أفعال الكلام العامة، ص: 87

19) الاستلزام الحواري، ص: 86

 

علي محمد اليوسفتصدير: حين سعى العديد من الفلاسفة تخليص الفلسفة من مستنقعها الميتافيزيقي التجريدي التي غرقت فيه قرونا طويلة فهم قاموا بنفس الوقت تحاشي عدم رميها في مستنقع الايديولوجيا السياسية المبتذلة المعاصرة كما يراد لها اليوم.

الوجود والصيرورة

اذا كان تعبير هيراقليطس كل شيء في الوجود محكوما بالصيرورة، فلماذا تحكم الصيرورة الاشياء التي هي موجودات الوجود وتكويناته المادية ولا تحكم الوجود ذاته كمفهوم ميتافيزيقي لامحدود لامتناهي لا يمكن أدراكه بكليته؟

للأجابة من المرجّح أنه لم يكن غائبا عن تفكير هيراقليطس أن الوجود كمفهوم ميتافيزيقي لا يحد بمحددات زمانية ولا مكانية أدراكية تعّينه كموجود أنطولوجي ولا مفهوم فلسفي – معرفي يمكن أدراكه بمنطق العقل المادي غير المجرد، ولا يمتلك الوجود كمفهوم حضورا ماديا كمثل باقي الموجودات الحسية في الطبيعة..

والوجود كمفهوم شمولي ميتافيزيقي تجريدي يختلف تماما عن موجوداته التي هي متعينات أنطولوجية مستقلة مادية أوخيالية مصدرها الذاكرة يمكن أدراكها والتعامل معها على أساس هذا التفريق أن الموجودات هي مكونات ومحتويات كل وجود مجرد لا يدرك عقليا الا بمحتوياته الموجودية انطولوجيا..

والمحتويات الموجودية لا ينوب أدراكها أو عدمه عن لا أمكانية أدراك الوجود كمتعيّن مفهومي لا انطولوجي ذي دلالة عقلية فكرية واضحة يمكننا معرفتها أبستمولوجيا كحقيقة واقعة كما هو الحال في تعاملنا الحسّي مع موجودات الوجود التي لا حصرلها.. ولا ينوب الوجود في تمثيله موجوداته بغير أستقلالية منها تمّثل الموجودات نفسها ولا تمّثل الوجود من خلالها وبها..

فالوجود مفهوم شمولي ميتافيزيقي مجرد غير محدود بخلاف موجوداته من الاشياء المحدودة المتعينة أدراكيا عقليا والتي هي بمجملها تكوينات الوجود ومحتوياته.. الوجود لا يدرك سوى بموجوداته فقط والا فهو مفهوم مجرد لا قيمة حقيقية يمتلكها في عالم الاشياء.

ويعّبر هيدجر عن عدم التفريق هذا بين الوجود والموجود حين يستعمل لفظة وجود بمعنى الرديف الذي يعطينا نفس معنى الموجود قائلا: (أن الوجود أي الموجود ترك كل الصيرورة خلفه اذا كان في الواقع قد كان في أي وقت مضى كان ممكنا أن يكون.. أن ما يعنيه الوجود بالمعنى الاصيل يقاوم أيضا كل عمليات الصيرورة ) 1، وسرعان ما سنرى تنازل وتراجع هيدجر عن صواب وصحة هذه المقولة التي هي مأخوذة عن هيراقليطس فحواها معنى الوجود يقاوم كل عمليات الصيرورة كونه مفهوما ميتافيزيقيا مجردا لا يحده الادراك والمعرفة..

وبخلاف رأي هيراقليطس عن تقاطع (الوجود) مع الصيرورة نجد هيدجر يرّوج لعبارة بارمنيدس (أن وجود (الموجود) يكون بالتضاد مع الصيرورة)2،

من الجلي الواضح أن بارمنيدس قال (وجود الموجود) يتقاطع مع الصيرورة ولم يقل (الوجود) يقاطع الصيرورة كما عبر هيراقليطس صحيحا عن ذلك..علما أن هيراقليطس هو الشهير بمقولته الصيرورة تحكم كل الموجودات بما هي متعينات مادية غير ثابتة متطورة على الدوام ولم يقل تحكم الوجود بما هو مفهوم ميتافيزيقي شمولي غير ممكن تحديده ماديا بالزمان والمكان الا من خلال موجوداته المكوّنة له..

ونخلص من هذا رغم الاختلاف الكبير بين الفيلسوفين الذي يرى أحدهما العالم بتكويناتها جميعها وعلاقاتها البينية في الطبيعة ومع الانسان تحكمه الحركة والصيرورة والتغيير (هيراقليطس).. ويرى الآخر بارمنيدس العكس من ذلك أن عالم الاشياء من حولنا يحكمه الثبات المطلق في كل شيء بدءا من الموجودات وليس انتهاءا بالوجود الميتافيزيقي لكل ما هو وراء الطبيعة..

لكن الشيء الذي يدعو للانتباه جيدا أن كليهما يعتبران (الوجود) كمفهوم تجريدي لا أنطولوجي هو غير موجوداته التي تكون مدركة ماديا عقليا.. فالوجود لا ينوب عن موجوداته في أدراكها كمتعينات موجودية لها أستقلالية تامة عن الوجود حتى وأن أنضوت تحت عنوانه الاسمي فقط كقولنا موجودات الوجود..فالموجودات التي هي الاشياء من حولنا في العالم محكومة بالصيرورة والحركة والتغييرحسب هيراقليطس، أو على العكس يحكمها الثبات حسب (بارمنيدس) وهنا يتضح معنا أن الوجود المجرد من تكويناته وموجوداته لا يطاله التغيير والحركة والصيرورة كمفهوم مثالي ميتافيزيقي لغوي مجرد خال من مضمون الحياة من غير محتوياته الموجودية التكوينية كما لا يحكمه الثبات أيضا لأنه غير متعيّن موجودا فيزيائيا مدركا خارج أدراك موجوداته فقط ..

لذا يكون الوجود المجرد كمفهوم بما هو تعبير خال من المعنى وميتافيزيقي لا يكون ولا يستمد قيمته المعرفية الا من خلال معرفة موجوداته أنطولوجيا.. وخطأ بارمنيدس الذي يعتمده هيدجرأنه لا يقّر أن الموجودات متعينات أنطولوجية واقعية تحكمها الصيرورة كما يحكمها العدم حتما.. على خلاف الرأي الفلسفي المجمع عليه أن الصيرورة تقاطع الوجود من حيث كونه مفهوما ميتافيزيقيا تجريديا لا يدرك انطولوجيا ويقاطعه العدم أيضا لنفس السبب..

فالعدم يفني ويعدم موجودات متعينة حيّة ولا يعدم مفاهيم مجردة مثل الوجود أو الماء أو الهواء أو النار وغيرها.. والصيرورة فعالية لا تعمل الا من خلال موجودات واقعية مدركة حسيا أيضا تمتلك حضورها المادي ولا تعمل مع مفاهيم مجردة ، لذا فالصيرورة الحياتية والعدم الافنائي لا يطالان الوجود كتجريد معرفي بل يطالان الموجودات الحيّة المدركة واقعيا التي هي موجودات الوجود المدركة المستقلة ماديا عنه في انفراداتها الموجودية التكوينية له..

واضح من هذا أن الصيرورة مجال أشتغالها ليس الوجود بما هو مفهوم ميتافيزيقي مجرد لايدرك خارج متعيناته الموجودية، وأنما الصيرورة تشتغل على موجودات مادية متعيّنة أدراكيا كمواضيع أنطولوجية معرفية واقعية توجد من حولنا التي تكّون بمجموعها الوجود.. ولا صيرورة تحكم الوجود الذي هو تجريد أدراكي ومفهوم غير محدود الاحاطة والالمام به كمصطلح متحقق في وجود أنطولوجي متفق عليه كي يمكن أدراكه ومعاملته بالصيرورة التطورية التي تطال وتحكم موجودات الوجود المادية ولا تحكم الوجود غير المتعين أدراكه ماديا.

بتعبير هيدجر (الوجود كل متماسك من الحضور) 3،لا يمكننا تفسيرمعنى هذه العبارة الا في الذهاب الى أن الوجود في حضوره المتماسك المدرك لا يكون بغير تجليّات ومدركات موجوداته التكوينية المتماسكة كمواضيع واشياء واقعية أو كمواضيع للادراك العقلي خياليا..

والوجود بالمعنى الميتافيزيقي لا يمتلك حضورا حقيقيا متمايزا مجردا أدراكيا عن مجمل مكوناته من الموجودات كأنطولوجيا متناثرة لاشياء واقعية عديدة متنوعة.. موجودات الوجود هي الاشياء العديدة المختلفة والمتنوعة التي يكون وجودها بأستقلالية مادية تامة عن الوجود في أكتسابها الحضور المدرك المتماسك حسب تعبير هيدجر.. وكان من الممكن أن تكون عبارته صحيحة هو قوله الوجود بموجوداته كل متماسك الحضور.. فالوجود حضوره المادي كموجود بلا موجوداته هو أستحالة وجودية أدراكية للعقل..عندما نقول (وجود القلم) فهذا لا يترتب عليه أن الوجود أصبح ماديا باضافة القلم له بل القلم هوشيء موجود مادي واقعي يدرك حتى لو لم نضف له كلمة وجود..

هل نستطيع الجزم القاطع أن هيراقليطس في فهمه الصيرورة والتغيير في الموجودات وبالتضاد مع بارمنيدس صاحب نظرية ثبات العالم بمحتوياته كانا كليهما أكثر دقة من هيدجر في التعبير عن فهمهما أن الصيرورة تغييرمستمر يطال الموجودات المادية في وجودها ولا يطال الوجود في تجريده المفهومي الميتافيزيقي؟؟

قول هيراقليطس كل شيء في حالة تغيير مستمر، يقصد به تغيرات الاشياء كموجودات أنطولوجية متحركة ولم يقل ويقصد الوجود كمفهوم مطلق ميتافيزيقي غير محكوم بالتغّير والصيرورة،بما هو مفهوم تجريدي وليس بما هو مدرك موجود أنطولوجيا كالاشياء في وجودها المادي المستقل كينونة..

وتشّبث بارمنيدس بمذهبه الثابت عن الوجود بما هو مجموع مكوناته من الموجودات وليس كمفهوم غير متعيّن فيزيائيا حاله حال الزمان والمكان والماء والهواء والنار وغيرها التي هي كلها مفاهيم تجريدية وليست متعينات مادية يحكمها الادراك المباشر كون تعبير الوجود شموليا مجردا عن محتواه في متعينّات لا تحمل غير تجلّي صورة واحدة من التجريد اللغوي في الذهن وأدراكها ليس أكثر من لفظ لغوي بخلاف لفظة وجود التي هي من دون تجليّات آثارها موجوديا ماديا لا قيمة ولا معنى مادي لها.. ولا تمتلك دلالة حقيقية واقعية نعيشها. فماذا توحي لنا لفظة وجود من تجريدها عن المضاف لها؟ وجود ماذا أو أي شيء؟ لكن عندما نقول وجود كتاب فالفهم يكون أن الكتاب امتلك وجوده ولا يمتلك الوجود وجوده باقترانه بالكتاب. فالكتاب موجود مادي في الذهن التصوري سواء اقترن بلفظة وجود أم لم يقترن.

ولا تفهم تلك المفاهيم المجردة من المعنى الانطولوجي المحدد للفظة (وجود) وأنما تفهم بما تحويه وتشتمله تلك المفاهيم من محتوى لخواص وأستعمالات وعلاقات بغيرها من موجودات الاشياء الاخرى التي بها تعرف تمايزاتها عن غيرها.. وبخلاف هذا الرأي نجد هيدجر ينعت الوجود وليس الموجود بالتالي: (الوجود تتعين حدوده من خلال شيء آخر، ومن خلال هذا التعيّن يمتلك تحديده وتعريفه)4. الوجود في أعتباره مطلقا لامحدودا يتعذر علينا تحيده بمطلق بآخر هو جزء منه ولا يتمايز عنه كي يتسنى لنا تحديده بمثله من وجود كلاهما واحد مطلق وجودي.. ولا نجد حاجة التذكير أن هيدجر يستخدم لفظة وجود وهو يقصد بها الموجود.

الموجودات وليس الوجود هي المتعينات الانطولوجية القابلة للادراك المتضاد مع غيرها بالمقايسة المقارنة بالنوع وليس الوجود الذي يحتويها فلا تتوقف معرفته وأدراكه بأختلافه عن شيء آخر كون الوجود مفهوم شمولي ينطبق معناه اللفظي على أصغر الاشياء وأعقدها بما يجعل من تفريق الوجود بتضاده مع وجود آخر لا يتسنى الا من خلال تمايز واختلاف موجودات كل وجود مع غيرها من موجودات تماثلها ماديا وليس مع وجود تتعين حدوده من خلال شيء آخر كما عبر عنه هيدجر في عبارته الخاطئة السابقة.فالوجود بعكس الموجودات لا يتعين انطولوجيا ادراكيا ولا تحده حدود والا أصبح موجودا وليس وجودا.. بهذا التفريق بين لا متناهي الوجود ومتناهي الموجودات تكون أمكانيتنا تحديد الموجودات كونها متناهية في أمكانية أدراكها من قبلنا وليست مثل (الوجود) في مطلقه اللانهائي غير المحدود الميتافيزيقي الذي لا يمكننا أدراكه لاننا لا نعرف ماهو وماذا يحتوي وما هي محددات وجوده الانطولوجية..

بعبارة ثانية الوجود مفهوم شمولي كلي غير قابل للتجزئة على صعيد الادراك المثالي المجازي له.. كما لا يمكننا مقايسة أثبات حضوره موجودا متعينا من خلال مقارنته بشيء آخرمن نوعه لأن الوجود هوكل شيء ولا شيء في وقت واحد وهو الوجود الميتافيزيقي وهو الآخر الوجود الواقعي لموجوداته أي لمكوناته في وقت واحد..

فالوجود مفهوم كلي واحد ميتافيزيقي لا يقبل القسمة على نفسه ولا على التجزئة كما هو الحال مع موجوداته المادية المكوّنة له التي يمكننا أدراكها مقسّمة مجزأة كونها أشياء يمكن أدراكها وليست مقولات ميتافيزيقية يجمعها لفظ وتعبير لغة واحدة خال من محتواه المادي التي هي محتوياته الموجودية من اشياء.. طالما كان الوجود مفهوما مطلقا غير متعيّن انطولوجيا يصبح فهمه كموجود مادي يدركه العقل مستحيلا كونه مفهوما وليس شيئا ماديا أو موضوعا محددا.

هذا الفهم يعطينا مؤشرا واضحا أننا يجب التعامل مع الوجود كونه لا يمتلك تعّينه الانطولوجي الا من خلال مجموع وكليّات مكوناته ومحتوياته من الاشياء والموجودات وليس من خلال فهم أمكانية تحديده كمفهوم شمولي بالمقارنة مع موجودات لا تجانسه وجودا من حيث أن الوجود مفهوم لا يمكننا تحديده بأية وسيلة معرفية مدركة عقليا مثلما يجري سريانها على الموجودات كانطولوجيا تدرك محدداتها عقليا ولا ينطبق هذا على الوجود كمفهوم ميتافيزيقي مطلق غير محدود بمعنى مادي ولا يمتلك غير اللفظ المجرد في الدلالة عليه..

فمفاهيم مثل الزمان أو المكان أو الماء أو الهواء أو النار أو الضوء لا تعطي معناها ألا بمعرفة مقصود محتوياتها التكوينية لتلك المفاهيم في زمن ومكان معين، ودراسة علاقاتها وأستعمالاتها وأهميتها ليس للانسان وحده وأنما للطبيعة بمجملها كوجود شمولي وتبقى تلك المفاهيم مرموزات لغوية وعلامات من التعبير مجردة لا قيمة ولا مدلول تعرف به بغير معرفة محتوياتها وعلاقاتها بالانسان والموجودات الاخرى المكوّنة لها وادراكها.. أما التعبير عنها كألفاظ عمومية لا تخرج عن كونها الفاظا لغوية مجردة لا يكتمل معناها الا بدلالات ما تحويه من خصائص موجودية تكوينية فيزيائية لوجودها التجريدي.. فالوجود المجرد هنا يمكن تشبيهه أنه (شكل) لا يفهم ماذا يعني من دون الوقوف على معرفة تداخل مضمونه بما يحتويه.. فلا موجود من دون شكل ولا موجود بلا مضمون، وفصل الشكل عن مضمونه محال.. كما أن ادراك الشكل خال من مضمونه محال كذلك محال أدراك مضمون لا يؤطره ويحويه شكل.. وبهذا المعنى يكون الوجود شكلا لاشياء يحتويها هي مكوناته المادية المدركة.

هيدجر ومعنى الوجود بذاته

أنه لمن الغريب حقا أن نجد هيدجر يحاول أضفاء مسحة مادية على الوجود الميتافيزيقي عندما يعتبر كلمة (الوجود) يتطابق مدلولها اللفظي مع مدلولها المادي ويعتبر هيدجر (الوجود بذاته) ليس كما نفهمه في معناه الظاهراتي في الوجودية ومنهج الفينامينالوجيا، وأنما بمنهج هيدجر الفلسفي الخاص به الذي يحاول أثباته أن الوجود بذاته ليس الوجود غير المدرك ماهويا المجمع عليه فلسفيا كمصطلح معروف، وأنما هو الوجود المدرك مباشرة بمحتوياته الداخلية وتكويناته من الاشياء المادية بما فيها الماهوية.. والموجود بذاته هو وجود متعين يمكن أدراكه ماهويا على حد تعبير هيدجر.. هنا هيدجر يردد نفس المنطلق المادي الماركسي في أعتباره ماهية الشيء هي مجموع صفاته الخارجية المدركة حسيا ولا وجود لماهية محتجبة خلف هذه الصفات..

وهذا من وجهة نظر هيدجر التهكمّية دليل كاف في أثبات دمغ وعدم دقة عبارة نيتشة قوله الوجود كلمة لا تحمل دلالتها المدركة المتعينة وهي خالية من المعنى وفارغة في حقيقتها التي يحاول هيدجر دحضها رغم أنها تمثّل الحقيقة بعينها خارج تفكير هيدجر المنغلق الذي يحاول تجيير المفاهيم الفلسفية لمنظوره الخاص به رغم عدم توفر أسباب هذا التجيير المقنعة..

الذي يراه هيدجر أن الوجود بذاته هو جضور واقعي متعيّن أنطولوجيا يمكن أدراكه، وهو رأي يخالف كانط والوجودية والماركسية وفلاسفة عديدين من تيارات فلسفية مادية أخرى غادروا مناقشة الشيء بذاته معتبرينه مفهوما ميتافيزيقيا معّلقا هو أقرب للمعنى الافتراضي منه للوجود المادي الواقعي فهو لا يدرك ولا يمكن معرفته أبتدعه كمصطلح فلسفي كانط وأخذه عنه هوسرل في منهج الفينامينالوجيا وأعتبراه كانط وهوسرل أنه وجود أفتراضي معياري لا يمكن أدراكه ماهويا ويكفي معرفة الصفات الخارجية له..

وبضوء نظرية الوجود بذاته الهيدجرية نجبر الذهاب الى تقسيم الوجود بذاته الى نوعين :الاول هو الوجود بذاته الذي تحاشاه هيدجر الذي يمثل المحتوى الماهوي (ماهية الوجود بذاته) التي من غير الممكن تعيين هذا النوع من الوجود كمدرك عقلي وكينونة معرفية يمكن بلوغها أو الاستدلال بها كونها لا تمتلك وجودا أنطولوجيا متعينا يمكننا معرفته وأدراكه لا بالحس ولا بالعقل خياليا كموضوع مستمد من الذاكرة.

أما النوع الثاني فهو الوجود بذاته حسب الفهم الهيدجري الذي يرى فيه هو ذلك الوجود المدرك بمحتوياته من الاشياء والمكونات المادية له بضمنها الماهية والجوهر..

وهذا الخطأ يقودنا مجبرين توضيحه في مثال قولنا وجود بناية او مؤسسة أو فندق وغيرهما،فهي دلالات تعبيرية لغوية مجازية لمعاني تكتسب الوجود التجريدي بلفظ اللغة لمعناها قبل بحثنا أكتساب موجوداتها في وجودها المتعين أدراكيا كواقع حقيقي ماثل في معرفتنا.. وتكون تلك الموجودات ليست وجودا بذاته طالما يتيّسر لنا أدراك ومعرفة محتوياتها التكوينية لها.. وتبقى لفظة بناية وغيرها تجريد معرفي لا يعطي معناه خارج فهم مكوناته ومحتوياته ومن أي الاشياء يتكون كي تعرف خصوصيته في مجمل علاقاته بالحياة والانسان..

أن حل هذا الالتفاف على المفهوم المصطلحي المجمع عليه فلسفيا والذي يخالفه الفهم هيدجر(الوجود بذاته) الذي ليس له معنى يمكننا تفنيده، أننا حين نقول بناية فندق فهو (وجود مجرد) لكن يصبح موجودا حقيقيا حين يصبح معنا متاحا معرفة اسمه وموقعه وهيكلية بنائه ومحتوياته من الموجودات والاشياء العديدة المختلفة التي لا يشكل أحداها منفردا بل محتوياتها مجتمعة وجودا بذاته لبناية الفندق، و تبقى مكونات البناية موجودات مادية يمكننا أدراكها حسّيا أنفراديا والتأكد من وجودها المادي وتبقى لفظة فندق لفظة تجريدية ومفهوم لغوي مطلق لا نستطيع معرفتها كوجود بذاته وأنما كموجودات تكوينية مادية لها تحتويها في داخلها تتمايز بها عن غيرها من مئات البنايات.. الوجود بذاته هو المفهوم اللفظي المجرد عن مكوّناته المادية التي يمكن أدراكها.. ولا يمكن للوجود بذاته الأبانة والكشف عن نفسه في توفر الادراك المعرفي له وأثبات أنه وجود حقيقي يدرك.. فهو وجود أفتراضي لشيء يمكن أن يكون موجودا أولا موجودا.وتبقى جميع الوجودات مفاهيم لفظية مجردة لا رصيد لها في الواقع العياني بلا موجوداتها التكوينية لها.

والأهم من ذلك أن بناية فندق تبقى موجودا واحدا من بين عدد لامتناه لا يمكن أحصاؤه من البنايات التي تعرف موجوداتها التي يحتويها الوجود كمفهوم غير محدود الدلالة ولا يمكننا الاحاطة بمعرفته لفظيا ولا معرفيا أدراكيا في وجوب تطابق معنى اللفظة بمدلولها المقصود غير المدرك.. فالوجود مجاز لفظي للدلالة على شيء لا ندرك ماهية محتوياته وتكويناته ولا يمكن معرفة ماتعنيه أية لفظة مادية لشيء من غير معرفة مكوناته وعلاقة الانسان بها.

العودة الى هيراقليطس وبارمنيدس

وبالعودة الى مفهومي هيراقليطس في الصيرورة والتغيير المستمر، وبارمنيدس في ثبات الاشياء في الوجود، نجد صواب ماذهب له هيراقليطس وأثبته العلم أن كل الاشياء في حالة من الصيرورة الدائمة وهو يفرق بين الموجودات التكوينية للوجود وبين الوجود كمفهوم ميتافيزيقي تجريدي غير محدود لا يدرك، وبذلك يلغي هيراقليطس أن يكون للوجود كيانا ماديا مستقلا يدرك خارج مدركات موجوداته التي يحتويها، والوجود يتشتت ويتلاشى كيانه في تعدد وتبعثر موجوداته المكوّنة له.. وما يدرك منه هو موجوداته فقط.

أما العكس من ذلك فأن بارمنيدس يؤكد الوجود كيانا قائما بذاته من خلال الثبات الذي يحكمه بغّض النظر عن أدراكنا موجوداته الثابتة داخله وهي وجهة نظر فلسفية لا يدحضها أن الاشياء والعالم دائبة الحركة وفي تغيير مستمر وحسب بل لأن الوجود لا يوجد كينونة مادية من خلال ثبات موجوداته، والقول بذلك نظرة مثالية غير واقعية بداياتها كما وجدناها عند بارمينيدس لا غيره..

الوجود المجرد كمفهوم ليس كيانا ماديا مثله مثل الموجودات التي يحتويها ويكون أدراكها متاحا منفردا لوحدها.. كلمة وجود لا تعيّن ولا تحدد موجودية الشيء أو الاشياء ، فهي موجودة قبليا كاشياء سابقة في وجودها المادي المتعيّن قبل وصفنا لها بكلمة وجود التي هي تعبير مجازي لفظي لا يعني أن موجودات الاشياء أصبحت موجودة عند أقترانها بلفظة وجود والا لما كنا أستطعنا أن نفهم كلمة شيء تعني شيئا موجودا ماديا ولا كنا أستطعنا أن نطلق على الشيء والاشياء لفظة شيء بمعنى موجود..

وينحاز هيدجر الى بارمنيدس الذي يلغي أن يكون هناك تعارضا متضادا بين الصيرورة والوجود كما يرى هيراقليطس تلك الحقيقة، ويرى هيدجر وجوب التسليم بأن لا وجود لمثل هذا التعارض بين الفيلسوفين، وهما يقولان نفس الشيء فالصيرورة حسب تعبير هيدجر تطال الوجود كشيء طبيعي تماما في حقل الفلسفة وتاريخها.. ولو لم يقل هيراقليطس بما جاء به بارمنيدس لما كانت له تلك الشهرة على حد تعبيره.. لذا يقترح بضوء نجاحه في هذا الدمج الافتعالي بين رأيين مختلفين متوازيين لا يلتقيان لفيلسوفين متعاصرين تقريبا أن نتجاوز هذا التنوع بالافكار والمذاهب والتعقيد في تاريخ الفلسفة، وأن يكون ثمة فلسفة واحدة كافية جدا بدلا من هذا التنوع والتعدد الذي لا فائدة منه.. 5

موضعة الوجود

ينسب لفلاسفة الاغريق قولهم الواضح الصائب (الموجود هو الصحيح الحقيقي بقدر ما هو موجود، فالحقيقة والصحيح على هذا النحو هو الموجود) 6

من الواضح الذي لا لبس فيه أن فلاسفة الاغريق القدامى فهموا (الوجود) كمطلق لا نهائي ولا يمكنهم تحديده بتفريقه عن (الموجود) الذي هو مدرك انطولوجي متعين بمواصفات فيزيائية يمكن ادراكها.. وأعتبروا الوجود يكون واقعا أنطولوجيا فيزيائيا متحققا في تحقق مجمل مدركاته من الموجودات وأعتبروا الموجود الحقيقي بقدر ما يكون مدركا عقليا في وجوده الانطولوجي المتعّين.. وهذا ما لا ينطبق على الوجود أن يوجد بذاته في التجريد كمفهوم بمعزل عن موجوداته المدركة الحقيقية..

أما موضعة الوجود التي يرغبها هيدجر على طريقته أنما تقوم على المرتكزات الهيدجرية الاربع التالية :

- تتعين حدود الوجود من خلال اربعة جوانب هي (الوجود والصيرورة) و (الوجود والظهور) و(الوجود والتفكير) و(الوجود والواجب) وهذه الجوانب متداخلة بالاندماج الذي تمتلكه ضرورة الوجود . 7

- وبناءا على تلك التضادات الاربع التي تبدو لاول وهلة مثل نمط الصيغ لا تنبثق ولا تقوم صدفة وتجد طريقها من خلال اللغة ورموز الكلام. وتعتبر ذات أهمية حاسمة وفاصلة (لتاريخ الغرب).8

- أن هذه التمايزات بقيت سائدة ومسيطرة ليس فقط في وسط الفلسفة الغربية التي ظل مستغلقا عليها سؤال الوجود. 9

- النظام الذي تدرج من خلاله عناوين التمايزات الاربعة يزودنا بذاته بأشارة أو علامة الى النظام الذي من خلاله ترتبط هذه العناوين فيما بينها داخليا والى النظام التاريخي التي تتشكل من خلاله.10

من خلال هذه التنويعات الاربع التي يحددها هيدجر في محاولته سحب الوجود من عالم الميتافيزيقا الى عالم المدركات ضمن مبحث الفلسفة، نجده يحاول الذهاب أبعد في محاولته سحب الوجود كمفهوم ايديولوجي سياسي وأسقاطه على التاريخ كمبحث يهم فلسفة التاريخ أكثر منه مبحثا فلسفيا قائما بذاته أبستمولوجيا.. وبالذات تحديدا المعني به عند هيدجر التاريخ الاوربي تحت قيادة الهيمنة الالمانية النازية..

أن بول ريكوركان دعا الى ضرورة تضمين الفلسفة وتطعيمها بجرعة ايديولوجية كي لا تكون الفلسفة تجريدا محضا لا فائدة عملانية مباشرة منه لكن ليس بالمعنى الفلسفي الذي ذهب له هيدجر في محاولته أنقاذ وتلميع تاريخ المانيا المحتضر نازيا وبعث الحياة فيه من خلال أسقاط الوجود كمبحث فلسفي شائك عالق على التاريخ السياسي الحديث تحديدا.. دعوة ريكور التاويلية في تطعيم الفلسفة بجرعة ايديولوجية أنما سببها فزعه مما ذهبت له البنيوية وبعدها التفكيكية في أعتمادهما مفهوم التحول اللغوي الذي ركن مباحث الفلسفة في متاهة اللغة في الغائها الانسان من مركزية الحياة..

لذا فمناقشة هذا الترابط الافتعالي بين الوجود كمفهوم فلسفي متعالق حسب رغبة هيدجر مع السياسة كايديولوجيا لا قيمة حقيقية فلسفية له سنتجاوزه لسبب انه يمثل اشكالية تاريخية مستمدة من الماضي ثبت خطأها القاطع في أندحار النازية الالمانية أربعينيات القرن العشرين.. فقد كان سبق لهيجل أن حاول مناقشة هذا الاسقاط الفلسفي – السياسي على واقع حال (بروسيا) في المانيا المجزأة عصر ذاك في القرن التاسع عشر وفشل بذلك في محاولته أبتداع مثالية الروح المطلق الذي يهتدي بالعقل في صناعة صيرورة التاريخ في تصاعده الخّطّي المحكوم بقوانين الديالكتيك التاريخية أي في تجريد هيجل لمنهجه في الديالكتيك من ماديته التي حاول فيورباخ تدارك أستحضارها في منهج أيضا مثالي تصوفي في أسقاطه التأريخ الطبيعي على نشوء الاديان في حياة الانسان في مؤلفيه الرائعين(أصل الدين ، وجوهرالمسيحية)، مؤكدا أهمية التأريخ الانثروبولوجي الاسطوري البدائي في نشأة الاديان وعلاقة الطبيعة والانسان بتصنيع معتقداته الدينية الاسطورية،..

بمجيئ ماركس وضع حدا لديالكتيك هيجل المثالي ومادية فيورباخ الصوفية.. أذ سحب تاريخ الفلسفة الى واقع الانسان انثروبولوجيا اقتصاديا سياسيا في تقسيمه الطبقي الاجتماعي الذي يوزع الغنى والفقرعالميا بأجحاف مزري بعيدا عن نزعة التدين المادية التي زرع بذورها فيورباخ بما من شأنه نسف مادية التاريخ القائمة على التفاوت الطبقي لدى ماركس الذي يرى لا أهمية للدين في تطور حياة الانسان تاريخيا انثروبولوجيا ومن هنا كان هجوم ماركس على مادية فيورباخ الصوفية.. لذا نحاول التركيزهنا على مناقشة محددات الوجود التي أدرجها هيدجر كمبحث فلسفي لا علاقة تربطه ضرورية بالسياسة والتاريخ السياسي حصرا..

الجوانب الاربعة التي أدرجناها سابقا نقلا عن هيدجر التي تجعل من الوجود ضرورة وجودية حاضرة حية تستلهم التاريخ حسب أجتهاده نعيد قراءتها نقديا وهي كالتالي :

- علاقة الوجود بالصيرورة وناقشنا بتفصيل خطأها في سطور سابقة من هذه المقالة، فالوجود يقاطع الصيرورة ولا يلتقي معها بأي نوع من العلاقة الترابطية، كون الوجود مفهوما ميتافيزيقيا مجردا لا يمتلك واقعية انطولوجية يمكن أدراكها ويمكن للصيرورة التحكم في تلك الواقعية .. فالصيرورة كما مر بنا ذكره تشتغل وتحكم موجودات الاشياء في وجودها المادي ولا تشتغل على مبحث الوجود كمفهوم ميتافيزيقي مطلق غير متعيّن ولا مدرك ماديا..

- الثانية التي هي علاقة الوجود بالظهور كما ذكره هيدجر أنه وجود حضوره مرهون بالحاجة له متجاهلا حقيقة أن الوجود لا تحكمه فيزيائية الموجودات الواجب حضورها كظاهرة محددة معروفة يمكن ملاحظة صفاتها وتاثيراتها وعلاقاتها بغيرها ومجالات توظيفها معرفيا أذا احتاج الامر ذلك..

فالظهور والغياب لا يحكم الوجود بما هو مفهوم كما يحكم الموجودات بما هي واقع مادي مدرك، والغياب والحضور سمة خاصة تحوزها الموجودات كمتعينات فيزيائية مادية لها حضور واقعي في الحياة والعالم من حولنا.. ويبقى الوجود فارضا حضوره من خلال ميزته أنه مفهوم لا تدرك أهمية حضوره عن أهمية غيابه علما أن الوجود دائم الحضور بالطبيعة كمعطى غير محدود لا يخضع الى تنظيرات فلسفية تستقدم ظهوره أو تأجيله بالغياب حسب الحاجة..

- الثالثة الوجود والتفكير حتى العقلي والفلسفي لا يجعل من التفكير محايثا سببيا في تحويله الوجودالميتافيزيقي الى واقع انطولوجي والوجود لا يمتلك هذه الخاصية المادية أساسا.. فالتفكير ممكن له تحديد الوجود ومناقشته كمفهوم تجريدي معرفي فقط... وتكون الافكار عاجزة أن تمنح الوجود حضورا أنطولوجيا واقعيا ولا حتى أن تجعل منه ايديولوجيا سياسية يكون بمقتضاها حاضراوجودا.. فالوجود قيمة ناجزة من الحضور المفهومي الميتافيزيقي، ولا يكتسب التاريخ من خلاله وبه قيمة من حضور الوجود المجازي على أنه ملهم التاريخ، فالتاريخ واقع اسطوري - عقلي أكتسب حضوره الدائم كصيرورة لأحداث ووقائع كانت متحركة بأستمرار، وبهذا المعنى يكون التاريخ محكوما بالصيرورة التي تقاطع الوجود تماما فيكون الوجود والتاريخ وجودان متقاطعان من حيث المعاني المختلفة ومحمولاتهما المتباينة لكل منهما كحامل موجودات تطالها الصيرورة ولا تطال الوجود كمفهوم دلالي مجازي يحتويها، وهو ما ينطبق على التاريخ أيضا.. فالتاريخ حكمته الصيرورة التطورية في الماضي ولا يشترط أنسحاب فعل الصيرورة بتأثيرها على التاريخ الحاضر والمستقبل غير الناجزين.. فالصيرورة لا تدرك في حضورها الآني المؤقت كحاضر الا بعد أن تكون أصبحت الصيرورة تحقيبا مزامنا لماضي الاشياء في وجودها..

- أما الرابعة الوجود والواجب التي هي بحسب هيدجر تمتلك خاصية متفردة وأهمية حاسمة فاصلة لتاريخ الغرب ويقصد اوربا بالذات، فنجد في أسقاط الوجود كمعطى فلسفي مفهومي على التاريخ بشكل مفتعل لا يمكن جني والحصول منه على مبتغى تحقيق صلة له بتوثيق أن الوجود المتحصّل عن طريق الاسقاط التنظيري سياسيا له كمادة فلسفية لا يكون لاعبا أساسيا في صنع تاريخ مغاير حسب الرغبة الشخصية لهيدجر..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

... ... ... ... ... ... ... ..

الهوامش:

1- مارتن هيدجر، مدخل الى الميتافيزيقا، ت: د. عماد نبيل ص 104

2- المصدر السابق ص 104

3- المصدر السابق ص 105

4- المصدر السابق ص 101

5- المصدر السابق ص 106

6- المصدر السابق ص 112

7- المصدر السابق ص 101

8- المصدر السابق ص 102

9- المصدر السابق ص 102

10- المصدر السابق ص 102

.

 

علي رسول الربيعيسنتناول تحت هذا العنوان:

- استكشاف مقدار الحرية التي نحتاجها لفهم الأخلاق

- كيف يتحدى الاختزال الحجج الأخلاقية

- كيف عالج الفلاسفة قضية الحرية والحتمية.

أي نوع من الحرية؟

لا أحد يتمتع بحرية تامة في فعل أي شيء قد يرغب فيه. الحرية محدودة بطرق مختلفة:

قد أقرر أنني أرغب في إطلاق نفسي في الهواء وأنشر ذراعي وأطير. ربما حلمت بفعل ذلك. قد يكون لدي شغف بأفلام سوبرمان، وأشعر أنه بطريقة ما يجب أن يكون ممكنًا. لكن جسدي المادي، وسيظل دائمًا، عاجزًا عن التغلب علىهذا القيد لا بد لي من اللجوء إلى التكنولوجيا.

- قد أرغب في أن أكون فنانًا أو موسيقيًا أو لاعب جمباز مشهور وموهوب للغاية، لكن حريتي محدودة مرة أخرى. قد لا يكون من المستحيل ماديًا تحقيق هذه الأشياء، لكن الأمر يحتاج إلى مثل هذا المستوى من الخبرة والتدريب والقدرة الطبيعية، مما يجعل فرصي في تحقيق ما أريد مقيدة بشدة.

- قد أرغب في الذهاب إلى لندن واستعراض نفسي عارياً أمام قصر باكنغهام. ليس هناك قيود جسدية تمنعني ولا تتطلب مهارة كبيرة، لكن من المحتمل أن يتم اعتقالي.

حرية الارادة

حرية الإرادة قضية تتدخل في المياتفزيقا والأخلاق والدين ايضا . وفيها مشكلات معقدة سأتناول ذلك بتفصيل تعقيده وتحليل تركيبه لكني أرتأيت أن ابدا بمقدمة تبسيطية للقارى غير المختص حتى تكون التفسيرات والشرح لاحقا مفهوما ومبسطا.

من المهم التمييز بين الحرية بشكل عام وحرية الإرادة. فقد ألقي نظرة على خيارات مختلفة، وأعتقد أن لدي حرية الاختيار بينها. قد يقول شخص يعرفني عند سماع قراري للقيام بفعل ما: "علمت للتو أنك ستختار القيام بذلك !" هل من الممكن أن تكون إرادتي حرة، وأن أتمكن من تقييم جميع العوامل المعنية والوصول إلى خيار حر حقيقي، ويمكن لشخص آخر في الوقت نفسه أن يتنبأ بدقة بما سأفعله؟ (ولن يكون هناك أي فائدة من تغيير رأيي في اللحظة الأخيرة، لأنه يمكن توقع هذه الأشياء أيضًا).

هناك شيء مزعج للغاية بشأن الأشخاص الذين يقولون أنهم يعرفون بالضبط ما ستختار القيام به بحرية. هذا لأننا في لحظة الاختيار نعيش الحرية. قد تكون الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر قابلة للتنبؤ بها تمامًا، ولكن معظم البشر مقتنعون بأنهم ليسوا كذلك.

أنظر في حالات القتل التالية:

 1 - يقوم أحد اللصوص بإطلاق النار على موظف مصرف وقتله أثناء غارة للسرقة.

2 - يقتل الزوج أو الزوجة شريكها بعد سنوات من الاستفزاز والحزن.

3- شاب يغتصب ويقتل فتاة لم يلتقي بها من قبل بسبب دوافعه الجنسية العنيفة.

4 - مريض نفسي، خرج بشكل غير حكيم من مستشفى آمن للعيش في المجتمع، ويقتل شخصًا دون سبب واضح، ولا يحاول إخفاء الجريمة، ولا يظهر أي ندم عند القبض عليه واتهامه بالقتل.

لقد قتل الأربعة جميعهم إنسانًا آخر. ولكن هل جميعهم مذنبون بنفس القدر بالمعنى الأخلاقي؟ هل لدى أي منهم تنازلات حقيقية لتخفيض تهمة القتل العمد إلى تهمة القتل الخطأ، على سبيل المثال؟

1 - من المفترض أن لص المصرف يختار بحرية حمل سلاح. حتى لو كانت فعل اطلاق النار ناتج عن دهشته من حركة مفاجئة لموظف المصرف، على سبيل المثال، لا ينتقص ذلك بشكل كبير من الرأي القائل بأن فعله كان القتل، لأنه مارس حرية الإرادة في تقرير حمل سلاح محشي.

2 - مع القتل المنزلي، قد يكون هناك عنصر كبير من الاستفزاز. إذا حدث القتل في هذه الحالة، خاصةً أثناء جدال محتدم، يمكن القول إن الضحية ساهمت في الوضع الذي تسبب في الجريمة، أو أنه (إذا استفزت بما فيه الكفاية) وقعت الجريمة أثناء يكون الشخص المعني مختل أو مضطرب مؤقتا. وقد يتم اتهامه بالقتل الخطأ على أساس تناقص المسؤولية.

3- القضية في قضية القتل الجنسي هي واحدة من حرية القاتل أن يقرر ما إذا كان سيعمل وفقا لدوافعه الجنسية أم لا. إذا كان يمكن إثبات أن الحالة هي أن الشخص لا يسيطر على نفسه في مواقف معينة، فإن التقارير النفسية ستكون بمثابة أدلة ذات صلة لتقديمها إلى المحكمة.

4- لا يتحكم السيكوباتي في أفعاله، ولا يستجيب للموانع الطبيعية والقيود العقلانية التي تنطبق على أولئك العقلاء.

من المؤكد أن السيكوباتي ليس حرًا في اختيار كيفية التصرف. ولكن ماذا عن الشخص الذي لديه رغبة جنسية لا يمكن السيطرة عليها؟ أم الزوج المحرض؟ في كل حالة علينا دراسة العوامل الشخصية والنفسية والاجتماعية.

لنفترض أنه تبين أن هناك المزيد من التخريب في مناطق البطالة المرتفعة. هل هذا يعني أن العاطلين عن العمل هم أقل قدرة على اختيار ما يفعلونه بحرية؟ هل الضغوط الاجتماعية تكفي لتبرير التصرفات التي يمكن أن يعتبرها الآخرون خطأ أخلاقيا؟

المواقف المتطرفة، الضغط على شخص، لدرجة أنه يشعر أن كل الحرية في اختيار ما يجب فعله لم تعد متاحة امامه. على عكس السيمكولباثي الذي يدرك تمامًا تداعيات ما يتم فعله، لكن الحاجة إلى التصرف بهذه الطريقة بالذات لأنه واقع تحت انفعال ساحق. هذه خسارة للحرية، لكنها ليست حرية الإرادة. والمثال المتطرف على ذلك هو أن الموت هو البديل الوحيد لمسار معين من الفعل.

أحد الأمثلة المثيرة للاهتمام بشكل خاص على الطريقة التي يمكن بها تقييد الحرية هو الابتزاز أو أخذ الرهائن.

في حالة الابتزاز، قد تكون هناك ثلاث حالات أخلاقية مختلفة تتعلق:

- يحاول المبتز تقييد حرية ضحيته، وهو في حد ذاته عمل غير أخلاقي.

- قد يُطلب من الشخص المبتز القيام بشيء يعتبره خطأ أخلاقيا.

- لكن الشخص الذي يتم ابتزازه قد يتصرف أيضًا خوفًا من كشف بعض الأفعال الأخرى من ماضيه إذا لم يمتثل لمطالب الابتزاز - قبول المسؤولية عن هذا يخلق معضلة أخلاقية ثالثة.

وبالتالي، فإن لضحية الابتزاز ثلاثة خيارات:

- الاعتراف بأي عمل سابق يهدد المبتز بالكشف عنه.

- النشر العلني للابتزاز، والذي قد يتضمن أيضًا قبول الفعل الذي يتم ابتزازه من أجله.

- يفعل ما يقوله المبتز.

عندما يؤثر أخذ الرهائن أو الابتزاز على حياة الآخرين، فقد يكون الضغط للامتثال لمطالب الابتزاز أكبر، كما هو الحال في الحالة التالية.

الابتزاز، سواء كان تنوعًا عاطفيًا أو بدنيًا، هو محاولة تغيير ما يتوقع من الشخص القيام به وفقًا لإرادته الحرة. لا يزال الشخص الذي يتم ابتزازه حراً في اختيار ما إذا كان يجب أن يتوافق مع متطلبات المبتز أو لا، ولكن الآن هناك عوامل جديدة جذرية يجب مراعاتها.

في الحالة المذكورة أعلاه، إذا لم يكن هناك أي تهديد، مدير السوبرماركت في وضع يمكنه من تحقيق التوازن بين فائدة الحصول على مبلغ كبير من المال مقابل احتمال السرقة المتجره، وإحساسه بالصدق والولاء لشركته. في مثل هذه الظروف، ربما يختار عدم السرقة. ومع ذلك، إذا كان الاختيار بين وفاة الزوجة والأطفال من جهة، والسرقة من الشركة من ناحية أخرى، فعندئذ - حتى إذا تم القبض عليه، ولومه واودع بالسجن لفترة طويلة - فقد يحكم عليه انه قام بالشئ الصحيح الذي يجب القيام به.

بشكل عام، نحن بحاجة إلى أن ندرك أنه لا يوجد شخص حر تمامًا، لأننا جميعًا نتصرف ضمن قيود جسدية أو عاطفية أو اجتماعية أو قانونية أو سياسية. من ناحية أخرى، لا تزال مثل هذه القيود تتوق إلى نطاق حرية الإرادة. إذا قمنا باختيارات، إذا قررنا ما إذا كان علينا الامتثال لقاعدة ما أم لا، فإننا نمارس ما يبدو أنه حرية شخصية. السؤال الأساسي هو ما إذا كانت تجربة الحرية حقيقية أم وهمية. وإذا كان من الوهم - إذا كان يمكن إثبات أن كل شيء مصمم وقابل للتفسير- فهل يأخذ ذلك كل المسؤولية الشخصية؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (5)

التاريخ بالنسبة لابن خلدون هو العلم حول المجتمع الإنساني. انه ليس تاريخ الملوك والأفراد والجماعات والأديان والعقائد، بل تاريخ العمران. وبهذا يكون ابن خلدون قد نقل فكرة التاريخ إلى الميدان الواقعي بمختلف مكوناته ومستوياته ومساره التاريخي. ومن ثم نقل هذه الفكرة إلى مستوى الرؤية النظرية ومن بعدها إلى مستوى الرؤية الفلسفية. واشتق مصطلح "العمران" الذي يعادل معنى القوة الفاعلة في الصيرورة التاريخية للأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم والدول وإبداعهم المادي والروحي، أي المصطلح الذي يحتوى على كل المكونات الجوهرية للوجود الإنساني. من هنا حديثه عن إن حقيقة التاريخ هو "خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم"[1].

ذلك يعني، إن التاريخ بوصفه علما هو خبر عن الاجتماع الإنساني بوصفه عمرانا، أي أن حقيقة الوجود الإنساني بالنسبة لابن خلدون مرتبط بحالة العمران التي ترتقي به من مصاف الحيوان إلى مصاف الإنسان. وبالتالي، فإن التاريخ هو أيضا صفة ملازمة للوجود الإنساني وإبداعه النوعي.

تحتوي الفكرة التي بلورها ابن خلدون عن إن التاريخ هو العمران على أبعاد كبيرة وعميقة بصدد فهم محددات التطور التاريخي للوجود الإنساني. وذلك لأنها تفرّق بين الزمن والتاريخ. فالأحداث ومجراها وما شابه ذلك هو زمن. بينا تتحول إلى تاريخ في مجرى العمران، أي في مجرى البناء والإنتاج والتطور العلمي والعملي والحفاظ عليه بهيئة بشر وعوائد. ولا يعني ذلك سوى الحفاظ على تراث الأسلاف الثقافي، أي على مجمل الانجازات الكبرى للثقافة التاريخية وتجارب الأمم في إبداعها.

فالعمران بالنسبة لابن خلدون هو ليس البناء والإنتاج فحسب، بل ومعنى تشكيل المجتمع الإنساني وقدرته على حفظ النوع واستمراره. وبهذا المعنى يصبح العمران حاجة وضرورة حياتية. عندها تصبح فكرة الإنسان بحد ذاته الأساس الجوهري في فكرة العمران، أي انه يتكلم عما يمكن دعوته بالعمران البشري. وانطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن ميزة الإنسان عن سائر الحيوانات هو اختصاصه بخواص منها العلوم والصنائع[2]. ذلك يعني، إن الصفة الجوهرية للإنسان التي تميزه عن عالم الحيوان هو تمكنه من الصنائع والعلوم، أي القدرة على الانتاج والتفكير. ووضع هذه الفكرة في أساس مقارنته بعمل الحيوانات الأخرى. فعندما قارن بين ما اسماه بالعمل الالهامي المميز للنحل والجراد، وبين الفكر والروية المميزة للإنسان، فإنه توصل إلى أن التمايز والخلاف الجوهري بينهما يقوم في أن تفكير الإنسان ليس معزولا عن عمله غير المتناهي وتطوره العمراني (الحضاري). حيث نعثر على بلوغ الفكر والروية، كما يقول ابن خلدون "في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه"[3]. وبالتالي، فإن امتلاك الإنسان لطرق ووسائل العيش والعمل بمستويات وأساليب مختلفة مرتبط بافتقاره للغذاء في حياته وبقائه. بمعنى إن الإنسان قادر على البقاء في حال قدرته على انتاج غذاءه فقط. وإذا كان الحيوان يواجه الطبيعة بقدرات وأطراف خاصة به، فإن الإنسان أكثر كمالا وقوة بفعل فكره ويديه وآلاته، بوصفها امتدادا للبدن. فاليد مهيئة للصنائع. وبخدمة الفكر والصنائع تحصل للإنسان الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح وغيرها[4]. وهذا كله مرتبط بالفكرة العميقة التي بلورها ابن خلدون عن أن "الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة"[5]. بعبارة أخرى، إن حقيقة الإنسان في صيرورته التاريخية الثقافية التي تجعل منه إنسانا بالمعنى الدقيق للكلمة كل من تجاربه الثقافية وبأثر العادة والتقاليد وليس بأثر طبيعته التي لا تختلف عما هو مميز للحيوان. وبالتالي، فإن حقيقة الإنسان تقوم في كونه كينونة ثقافية حضارية صرف.

وضع ابن خلدون هذه الحصيلة في أساس فكرته وتفسيره عن العمران البشري. فهو ينطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن العمران ضرورة حياتية. وانه يرتبط بالاجتماع البشري ارتباطا عضويا. وإن الذي يحدد طابع هذا الاجتماع ومقدماته هو ظروف الناس المادية وتركيبتهم بوصفهم كائنات حية. فالاجتماع الإنساني (العمران) يقوم من وجهة نظر ابن خلدون بأثر الضرورة الحياتية، أي بسبب الحاجة لاستمرار وجودهم الإنساني وصيرورته الدائمة. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى وجوده الذي يستلزم الغذاء من اجل ديمومته واستمرار النوع. ففي موقفه هذا وتفسيره لهذه الظاهرة الضرورية للوجود الإنساني، تضمحل وتتلاشي الأفكار اللاهوتية والدينية، وعوضا عنها تأخذ بالتأطر فكرة علمية وواقعية دقيقة تقول، بأن القوة والمقدمة الملازمة والجوهرية بهذا الصدد تقوم في علاقة العمل والإنتاج، بوصفها علاقة انتاج اجتماعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء الضروري لوجوده. إذ "لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ". وكل هذا يحتاج "إلى ادوات والآت لا تتم الا بصناعات"[6]. بل حتى في حالة كون هذا الإنسان يأكل أكله دون أن يعالجه، فهو يحتاج في تحصيله إلى أعمال أخرى كالزراعة والحصاد والدراسة، وهذه الأعمال بدورها بحاجة إلى الآت متعددة وصنائع"[7]. فالإنسان يصنع الآلة ويستخدمها في نشاطه. والآلات هي امتداد لليد البشرية. وعندما يؤكد ابن خلدون، مستندا إلى آراء جالينوس حول أهمية الأعضاء للإنسان الفرد، فإنه يتوصل إلى استنتاج اجتماعي مفاده، إن "الواحد من البشر لا تقاوم قدرته واحد من الحيوانات العجم ولاسيما المفترسة منها. فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة. ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المتعددة للمدافع لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها. فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته"[8]. وليست هذه الحصيلة سوى التدقيق والتحقيق المباشر للموقف أو المبدأ العام الذي قال به عن الترابط العضوي والضروري بين اليد والآلة والفكر بالنسبة للاجتماع الإنساني.

أما تأسيس فكرته العامة والخاصة عن "العمران البشري"، فقد استندت إلى مقدمتين، الأولى نظرية عامة تتعلق بمضمون العمران، والثانية تتناول علاقة العمران بالجغرافيا[9]. فاختلاف العمران بأثر الجغرافيا (الأرض) بالنسبة لابن خلدون أقرب إلى الحقيقة الجلية. لكنه تأثير يقترن بما يمكن دعوته بفضاء الوجود العمراني. من هنا اهتمامه بالدور الذي تلعبه الجغرافيا في العمران. واعتبر ذلك من الأمور الجلية في حياة البشر ونمط حياتهم وبشرتهم وأمزجتهم وما إلى ذلك. بحيث نراه يفرد لهذه الجوانب ما يقرب الخمس وثلاثين صفحة[10]. ثم يفرد ثلاث مقدمات أخرى لدراسة تأثير الهواء (الجو) في ألوان البشر وأخلاقهم وأبدانهم[11]. لكنه توصل في مجرى دراسة أثر الأرض والمناخ إلى أن قوة الإنسان وذهنه ولونه وصفاء بشرته مرتبط بنوعية الاغذية. فمثلما نجد الحيوانات تتباين في أشكالها بفعل تباين الطبيعة، فإن ذلك يجد انعكاسه في الإنسان أيضا[12]. بمعنى أن الطبيعة تتحكم بمظاهر الوجود بما في ذلك الإنساني. وذلك لأن الإنسان حيوان وابن الطبيعة. غير إن هذا الاستنتاج يمس ظاهر ومظاهر الأثر الطبيعي في طبيعة الإنسان ومن ثم العمران. أما الجانب الباطن لهذه الظاهرة فيقوم في تحديد الصفات والآثار المعنوية للوجود الإنساني وقيمه. من هنا قوله بأن البلادة من التخمة، والحسن من الاعتدال. ومن ثم يمكن تطبيق ذلك أو رؤيته في أخلاق الناس على العموم. وبأثر ذلك توصل إلى استنتاج عميق من الناحية العقلية والأخلاقية يقول، بأن من "يهلك في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعهود السابق، لا الجوع الحادث واللاحق"[13].

إن استعمال ابن خلدون لمصطلح العمران عوضا عن الاستعمال الشائع لمصطلح المدنية السائد عند الفلاسفة يعكس دقته في التعبير والرؤية. إضافة إلى المضمون الجديد الذي يتضمنه هذا المصطلح. إذ وضع في أساس فكرة العمران بوصفه القوة الدافعة للتطور الإنساني مفهوم "وسائل العمل" وأدواته، ودورها الحاسم بالنسبة لفكرة العمران نفسها. فالإنسان لا يمكنه القيام بشيء دون إنتاج وبدون آلات كما يقول ابن خلدون. فهي المقدمة الأولية والضرورية والجوهرية بالنسبة للوجود الإنساني والعمران البشري. الأمر الذي يجعل من العمران فكرة تحتوي على معاني القوة الابداعية للرقي الإنساني، والمدنية، والثقافة، والحضارة. بمعنى جمعه إياهم جميعا تحت مظلة العمران. غير أن المعنى الذي يرتقي إلى مصاف الرديف الفعلي لمعنى العمران هو الإبداع الثقافي المادي والروحي، أي انه يعادل معنى الصيرورة النشطة في الوجود الإنساني وتطوره. وهو استنتاج مبني على أساس ما وضعه ابن خلدون من جوانب ثلاثة في صلب معنى أو مقدمة فهم ظهور وتطور العمران وهي كل من الكينونة الاجتماعية للإنسان (الإنسان كائن اجتماعي)؛ والطابع الضروري والطبيعي للاجتماع الإنساني؛ وإن الاجتماع هو العمران. وهو المنهج الذي ميز رؤيته التاريخية عن غيره ممن سبقه.

إن العمران بالنسبة لابن خلدون، هو أحوال الناس ومستوى تطورهم، والدولة والسلطة والنظام السياسي (الملك)، ومراتب تطور الدول، وطرق الحصول على وسائل العيش، والصناعة والزراعة. من هنا حديثه عن العمران البدوي والعمران الحضري، والذي يطابق فيه بين العمران الحضري والمدنية. من هنا يمكن التوصل، إلى أن أحد معانى العمران يعادل معنى الثقافة في اللغة المعاصرة، والعمران الحضري يعادل معنى الحضارة. ذلعن، أن العمران يشكل المعنى الجوهري في فلسفة التاريخ الخلدونية. وفيه ومن خلاله يجري الكشف عن مهمة علم التاريخ وفلسفته. وهي الفكرة التي يمكن استمدادها من آراء وأحكام ابن خلدون عن أن صحة أو سلامة الحقائق التاريخية المعروفة تقوم في مدى مطابقتها للواقع. فهو المحك الذي يبرز الصحيح من الخطأ أو الحق من الباطل. أما ميدانه فهو العمران، والذي يقصد فيه ابن خلدون مختلف جوانب الوقائع والحقائق ذات الأهمية بالنسبة للتاريخ والعقل النظري. إذ إنها تبلغ هذا المقام حالما تكون جزء من العمران، أي من التاريخ الحقيقي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان أو الاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته، وبمقتضى طبعه، ما يكون عارضا لا يعتد به، وما لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان لنا ذلك قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق والكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه"[14].

لقد حاول ابن خلدون البرهنة على ضرورة المعيار الحق والصحيح الذي ينبغي للمؤرخ الاعتماد عليه، أي كل ما يتطابق مع كمية ومنظومة القواعد والمبادئ الضرورية التي تعادل معنى المنهج الضروري لفلسفة التاريخ. وهي قضية كان ينبغي لها أن تثير العقل النظري عند القدماء في مختلف الحضارات السابقة، إلا انه لم ير منها شيئا، ولم تصل إليه، كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فإن ما يضعه هنا هو من إبداعه الذاتي الخالص وقريحته العلمية. ومن ثم أصالة ما في فكرته أو فلسفته للتاريخ، رغم "أن العلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون"[15]. وينطبق هذا على حصيلة الفكر اليوناني. إذ أن إلقاء نظرة على ما في كتبهم بهذا الصدد يشير إلى أنهم نظروا إلى فن التاريخ بوصفه ثمرة، وأن هذه الثمرة هي الأخبار وتصحيح الأخبار، كما يقول ابن خلدون. من هنا مناقشته للمناهج أو الأفكار الكبرى الثلاث بهذا الصدد وهي كل من الفكرة الدينية، والسياسية (الوضعية الدنيوية)، والفلسفية.

فالفكرة الدينية التي يمثلها الفقهاء تستند الى "أن البشر متعاونون في وجودهم، فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع". و"أن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع". بمعنى أنها تشدد على أولوية الحاكم والوازع.

أما الفكرة الدنيوية (السياسية) فيقدمها على ما هو مشهور في الثقافة الإسلامية آنذاك على نموذج بهرام، مستندا إلى ما أورده المسعودي في تاريخه عن حكاية البوم والتي تقول:"ايها الملك! إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه. ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عزّ للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة الا بالعدل...". بمعنى تركيزها على أولوية العدل. أما على نموذج انوشروان، فإنها تشدد على هذا الترابط يالشكل التالي: "الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج،، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل".

أما الفكرة الفلسفية كما نراها عند ارسطو في كتابه (السياسة) فيجري عرضها بالشكل التالي:"العالم بستان سياجه الدولة. الدولة سلطان تحيا به السنّة (قانون الحياة). السنّة سياسة يسوسها الملك. الملك نظام يعضده الجند. الجند أعوان يكفلهم المال. المال رزق تجمعه الرعية. الرعية عبيد يكنفهم العدل. العدل مألوف وبه قوام العالم، والعالم بستان...". وقد انتقد ابن خلدون آراء ارسطو بصدد التاريخ، رغم ما في كتاب (السياسة) نفسه من آراء يمكنها أن تخدم في هذا المجال، إلا أن ما فيه حسب عبارة ابن خلدون "غير مستوفي، ولا يعطي حقه من البراهين"، وذلك لأن مفاهيم ارسطو تدور في حلقة مفرغة، لا يمكن الاستناد إليها وعليها في ما يخص تفسير التاريخ والعمران فيه.

ولم يقف ابن خلدون عند هذا الحد بل يتعداه في تناول مختلف النظريات والمواقف والآراء في مجرى اشاراته إلى الكتب الموسوعية التي حاولت الاجابة على القضايا المتعلقة بالتاريخ من حيث كونه علما أو فنا أو إشكالية، كما هو جلي في موقفه من كتاب ابو بكر الطرطوشي (سراج الملوك). وذلك لأن جميع هذه الكتب، كما يقول ابن خلدون "لم تصب الشاكلة، ولا استوفت المسائل، ولا أوضحت الأدلة. إنما بوبت الباب للمسألة ثم استكثرت الأحاديث والآثار، ونقل كلمات الحكماء"[16].

يحتوي مصطلح وفكرة العمران على جوانب إضافية وفرعية مهمة من اجل فهمه بوصفه فكرة منظومية، منها تفريقه وتدقيقه لمفاهيم العمران البدوي، والأمم الوحشية، والقبائل، وتقسيم العمل الذي يتناول بالأساس مهنة الفلاحة والرعي، وفائض الانتاج. فهي المفاهيم المفصلية الأولية لإدراك حقيقة العمران بوصفه ظاهرة تاريخية ثقافية ملازمة وموافقة للوجود الإنساني.

ينطلق ابن خلدون من أن البدو والبداوة درجة ضرورية وطبيعية في تطور الإنسان ونوعية تعامله مع الطبيعة. وفيها وضمنها تولد وتعيش القبائل و"الأمم الوحشية". وهذه بدورها ليست أحكاما قيميية بل مفاهيم اجتماعية وثقافية. من هنا فكرته عن أن البداوة هي الدرجة الأولية والضرورية للعمران أو للمدنية والحضارة. أما فكرة "فائض الإنتاج" فإنها تتحول إلى المعيار الأكبر لمستوى التطور الثقافي والحضاري وأسلوب العيش. فازدياد الثروة أو "الثروة الزائدة عن الضروري" حسب عبارة ابن خلدون هو الذي يحدد مدى الابتعاد عن البداوة.

وجعل ابن خلدون من مفهوم "فائض الإنتاح" المفتاح المنهجي لرؤيته عن التاريخ والحضارة. إذ يشكل الإنتاج المقدمة التي على أساسها بنى ابن خلدون فكرته عن طابعه الجوهري بالنسبة لبناء صرح تعايش البشر وعلاقاتهم، وكذلك نمط حياتهم. فاختلاف حياة الأجيال يتحدد أساسا بأساليب عملهم وبطريقة حصولها على وسائل العيش. بل ونراه يؤكد على أن هذه العلاقات التي تنشأ بين الناس تحددها الضرورة الحياتية نفسها. وذلك لأن "اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نِحَلهم في المعاش. فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه قبل الحاجي والكمالي"[17]. فالقائمون على الزراعة والرعي كما يقول ابن خلدون "تدعوهم الضرورة ولابد إلى البدو، لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع"[18]. بعبارة اخرى، حالما يتحدث ابن خلدون عن انعكاس الضرورة الحياتية بأثر شكل الإنتاج، فإنه يحدد هذا النمط ويستخرجه من أرضية وأسبقية الطبيعة ومستوى التطور. فالعلاقات الجماعية بين البدو يحددها مستوى تطور الإنتاج ومقدار الفائض الشحيح فيه. لكنها علاقة قابلة للتغير بالارتباط مع زيادة الإنتاج. وهي الأفكار التي وضعها في تقريره عن أن "اختصاص هؤلاء البدو أمرا ضروريا لهم. وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم في القوت والسكن والدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك".

تتبع ابن خلدون العملية الضرورية في تطور الإنتاج الاجتماعي. واعتبر انتقال المجتمعات البشرية من حالة نوعية إلى أخرى عملية اجتماعية اقتصادية حضارية. ولا يحدث هذا التحول ما لم تبلغ القوى المنتجة حدا معينا تتجاوز فيه خضوعها المباشر للطبيعة، أي من دون أن تنتج فائضا عن حاجتها، بحيث تبرز معها إمكانية مناسبة ووقت اضافي لتطوير الإنسان والمجتمع، مع ما يترتب عليه من تفاضل المجتمع وتخصصه، بوصفها مقدمات ظهور الحضارة. وكتب بهذا الصدد قائلا "إذا اتسعت الأحوال بالنسبة هؤلاء المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة"[19]. وقد استفاض نسبيا بصدد هذه القضية في أحد فصول (المقدمة) تحت عنوان "في أن من طبيعة الملك الدعة والسكون"، حيث أوضح فيه، بأن الحصول على الملك يؤدي إلى توحيد القوى صوب المسكن والمأكل والفنون والعلوم. ولا تعني الدعة والسكون ضمن مفاهيم ابن خلدون الكسل والخمول، على العكس، إنها تعادل معنى النشاط الحضاري الأرقى. فهو الأسلوب الذي يتطابق مع ظهور الحضر (بدو الأمس). انه الشكل الحضاري العملي الذي يلازم تطور الاقتصاد والقوى الاجتماعية ذاتها في عملية تطورها التاريخي.

غير أن ابن خلدون لا يضع علامة مساواة بين البدو - الضروري والحضر - الكمالي، رغم دقتها العلمية، بل يشير إلى أصل وجذر ومقدمة وأولوية الضروري على الكمالي. فالحضارة استمرار للبداوة ولكن على نحو أرقى. وأفرد لهذه القضية أحد الفصول النظرية في (المقدمة) ووضعها في صورة بيانية استنادا إلى البيت الشعري القائل

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها   فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر.

وقرر هنا وحدد استنتاجه بهذا الصدد قائلا بأن "البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما، لأنه أول مطالب الإنساني الضروري. ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها"[20]. وليس هذه الاستنتاج سوى الصيغة العامة التي تحدد فكرة الترابط التاريخي والانتقال العضوي في المسار التاريخي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص27.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص 32.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص32.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص99.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص33.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص35-38.

[10] ابن خلدون: المقدمة، انظر ص38-65. المعلومات التي يقدمها ابن خلدون عن جغرافيا العالم تكشف عن مدى تطور ودقة الرؤية الجغرافية في علوم الثقافة الإسلامية آنذاك.

[11] ابن خلدون: المقدمة، انظر الصفحات 65-73.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص70.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص71.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص30.

ابن خلدون: المقدمة، ص30.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص31.

[17] ابن خلدون: المقدمة، ص95.

[18] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

[19] ابن خلدون: المقدمة، ص95-96.

[20] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

 

 

زهير الخويلدي"إنه في الخيال أنني أحاول أن أبذل قصارى جهدي وأن أقيس قدر استطاعتي"1[1]

يعتبر الخيال من الطرائق الجديدة في المعرفة التي اتبعها الفلاسفة ويُعَدُّ بول ريكورهو واحد منهم إلى جانب أفلاطون وأرسطو وأبيكتات وديكارت وسبينوزا وكانط وجان بول سارتر وكارل يونغ وغاستون باشلار وجلبير دوران وكاستورياديس الذين اهتموا بأدوار التمثل والتصور والترميز والتخيل اجتماعيا.

لقد منح بول ريكور الخيال أدوار مهمة ليس فقط في المجال الاستيطيقي والانشائي وانما أيضا في المجال الألسني والدلالي وسدده وفق قصدية فنومينولوجية وأدرجه في التأسيس الأنطولوجي. لقد ظل هذا المفهوم الاجرائي حاضرا بقوة في كل النصوص الريكورية منذ البدايات الى حد الخواتيم وتجول به من حقول الارادة والرمزية والتاريخ والتأويل الى حقول اللغة والاستعارة والسردية والسياسة والإيتيقا والذاكرة والاعتراف والمجتمع والاقتدار والحرية والحياة والفعل واعتبره ليس مجرد وسيلة لإعادة تشكيل الواقع بخلاف ماهو عليه بل أداة للتدخل فيه وتطويره. لقد ساعد التعويل على الخيال والمخيال بول ريكور في تمثله للواقع بصورة مختلفة وإحداث المنعطف الافتراضي للفكر الفلسفي بالتفكير في الممكن والاحتمالي وإدخال مفهوم المخيال في المباحث الاجتماعية والعلوم السياسية والأدب والرسم والسينما والمنتجات السمعية البصرية. كما تفطن إلى المزايا التي يوفرها الخيال بالنسبة للتاريخ والذاكرة على الصعيد الفردي وفي المستوى الجماعي وبالتالي تعامل مع الخيال من حيث هو ملكة فردية ومع المخيال بوصفه ملكة جماعية وكذلك انتبه الى المراوحات بين المعطى والمبني وبين واقع الانعكاس والقدرة البنائية وتساءل عن إمكانياته في استجلاب ابتكارات جديدة ومعطيات متنوعة إلى الفعل البشري. لكن ما الفرق بين الخيال والمخيال؟ وما علاقة التخيل  بالواقع الافتراضي والعوالم الممكنة؟ بأي معنى يمكن اعتبار الخيال الملكة والموضوع الذي يسمح بتتبع وحدة العمل الفلسفي لريكور؟ هل المخيال يؤدي وظيفة شاعرية للكلام أن يسمح للذات بالتحول؟ لماذا يقحم ريكور مفهوم الخيال الاجتماعي ضمن الزوج المفهومي الايديولوجيا واليوتوبيا؟ وما المقصود عنده بالخيال السردي؟ وهل يسير على نفس درب الخيال الرمزي؟ وماهي الأدوار التي يؤديها في المسارات الاستعارية وقوة اعادة التشكيل السردي؟ من أي جهة يتدخل الخيال في الخطاب؟ ووماذا يفعل الخيال للواقع المعطى؟ وكيف يتدخل في عالم الحياة؟ ومتى يمكن التعويل علي الخيال في مجال الفعل البشري؟

ما يمكن المراهنة عليه ليس التعامل مع ملكة المخيال بوصفها تفكيرية في النموذج المعرفي الاختتامي بل التعويل على الخيال من حيث هو الملكة التأليفية القادرة على أعادة تشكيل الوساطات السردية اللازمة.

1- الخيال والمخيال  بين التحدي والاستجابة:

لقد قلل أفلاطون من قيمة الخيال eikasia ولقد حدده بكونه معرفة بالصور ولكنه اعتبره انتاج للمظاهر الخادغة ووضعه في أقل درجات المعرفة بالنظر لذمه للمحسوس واهتمامها بالمعقول2[2]. ثم واصلت الرواقية هذه النظرة السلبية حيث اعتبر أبيكتات الخيال مرض للنفس يضع الانسان خارج ذاته ويمنعه من استعمال عقله بالرغم من تمييز ادراكات الخيال عن الادراكات الحسية3[3]. اذا كان اللفظ اللاتيني imaginato يشير الى ملكة تكوين الصور فإن المعنى العام للخيال يدل على ملكة تكوين الصور من المدركات السابقة التي يقوم بها الفكر بتأليفات ويؤدي وظيفة أصلية. في الأزمنة الحديثة كان ديكارت أول من اهتم بأهمية الخيال حيث اعتبره ملكة تمثل للواقع بشكل حسي ولما كان متصلا بالجسم بصورة أساسية فهو يتحول الى مجال للخطأ والغلط ويدفع العقل الى الحياد عن طريق الحقيقة والافراط في الأهواء والتفريط في قواعده والوقوع في الزلل4[4]. أما كانط فهو يميز بين الخيال التكراري5[5] الذي يكتفي باعادة انتاج صور الادراكات الحسية ويمد الفكر بالحدوسات التجريبية السابقة والخيال المبدع6[6] الذي يحوز على قوة خلاقة للصور تسبق التجربة وتقوم بعرض أصلي للمواضيع وبين الخيال المتعالي من حيث هو ملكة تأليف تضمن الربط بين الحدوسات الحسية والمقولات الذهنية بواسطة الشامات التي تعمل على الجمع بينهما7[7]. من جهة أخرى يقوم الخيال في الحقل الاستيطيقي بدور محوري فهو ملكة تعبير من خلال التمثلات الحسية مثل الصور والأشعار على انتاج العبرقية من خلال لعلب حر منسجم للملكات، وتتجلى قوة الخيال في ديناميكيته وابداعيته وبالتالي لم يعد ملكة ثانوية وفرعية كما كان سابقا8[8].

اذا كان سارتر قد رأى في الخيال وظيفة غير واقعية للوعي تجعله يشهد على التعالي والحرية التي تدل على الكائن لذاته بواسطة ملكة النفي والتجاوز للمعطى9[9] فإن غاستون باشلار قد خالف التقاليد السابقة واعتبره ملكة تحريف الصور المتأتية من الادراك، أي الملكة التي تحررنا من الصور الأولى10[10].

اذا كانت الصورة منحدرة من اللفظ الاغريقيeikon واللفظ اللاتيني imago فإن المخيال ينحدر من الألفاظ الاغريقية Fantastikon وFantasiaوFantasma ويرجع أيضا دلاليا الى الألفاظ اللاتينية res fictae وimaginarius ويحيل على ما يوجد في الخيال من تمثلات لا تحوز على أصول في الواقع وانما هي مستعدة لكي تتحول الى اللاواقع. فإذا كان المخيال في ماهيته يقوم بانقاص المدرك ويتضمن انتاجات الخيال الابداعي ويغير المظهر ويبدل الواقع ويسمح بانبثاق عوالم لاواقعية مع باشلار11[11] فإن كارل يونغ وجلبير دوران اعتبراه حاضنة رمزية ولغة أصلية للرغبة واللاوعي ومخترق بواسطة مقصد تواصلي عاطفي يحتوي على ماهية استعارية ويتضمن بعدا كونيا ويترتب عن ذلك وجود رمزية عامة للمخيال تتعالى على الذاتية الفردية12[12]. بيد أن الخيال عند بول ريكور هو هذه القدرة على ربط الصلة بين التجربة والانتظار وهو كذلك هذا التوتر الضروري لتحريك التاريخ والذي يسمح بالوصل بين انتظارات متجهة نحو المستقبل وتقاليد موروثة من الماضي ومحاولات للبدء منفذة في الحاضر. ان الخيال هو منبت من الصور الحسية يدركها المرء اما بصفة فردية أو بصفة جماعية حينما يولد ويعيش في مجتمع معين. لكن هل الخيال هو أمر معطى أم هو عملية انتاج وابتكار؟ وماهي الشروط التي تجعله خيالا خلاقا؟

2- منزلة المخيال في الفلسفة السردية:

من هذا المنطلق يمكن تقسيم الفلسفة الريكورية حسب الشارح ميكئيل فاوسل الى ثلاثة أروقة13:[13]

- الرواق الأول: الكلام والعالم le langage et le monde

ينقسم هذا الرواق من جهة أولى الى اشكالية التأويل والفهم ويبحث في الذات المؤولة وكيفية فهمها لذاتها من خلال النصوص وعبر الوسائط الرمزية ويكشف عن محدودية التحليل البنيوي وينتصر الى حدث الكلام في مقابل بنية اللغة. من ناحية ثانية تبرز ثنائية الفنومينولوجيا والهرمينوطيقا وأهمية الطريق الطويل الذي سلكه ريكور لكي يتفطن الى الضمنيات الفنومينولوجية للهرمينوطيقا والعلاقة الجدلية بين التفسير والفهم وأهمية فعل القراءة. لكنه في مقام ثالث يركز على الاحالات الى الكلام ويدرس المرور من الخطابة الى الشعرية ويعدي بعدا أنطولوجي للاستعارة بالتركيز على المعنى ومنزلتها في الخطاب الفلسفي وعلاقتها بالتشابه ومصادرة الاحالة ومسألة الرجوع الى الأثر والمعنى من الوجود في العالم ومن شغل النص.

الرواق الثاني : هو الذات الساردة أو قصص الذات le sujet du récit

يتكون هذا الرواق أولا من معنى السرد في اطار الاهتمام بالصلة بين الفنومينولوجيا والتاريخ وأهمية الحبكة التاريخية في اجتماع الخيال العلمي بالتاريخ ويسلط الضوء على الحقيقة التاريخية في اطار تلاقي بين التواريخ. بعد ذلك في مستوى ثان تأتي ثنائية السرد الشعري والخطاب الانجيلي والجوء الى فن السرد من أجل التمييز بين الاعتقاد والنص والعمل على وصف التجربة الدينية وتسمية الله. غير أن الأهم هو تحديد طبيعة الذات التي يتجه اليها المشروع الفلسفي عند بول ريكور في مستوى ثالث والرد على التحدي السيميولوجي (علم العلامات)، هذا الى جانب الاستفادة من الرجة الهائلة التي أحدثها سغموند فرويد وعلم النفس التحليلي الذي أوجده. لقد ارتبط البحث في الذات بالخوض في مفارقة الهوية السردية ومسألة الانيةipseité  وغيرية الغير والإثبات الأصليAffirmation originelle  وتجربة الاقرارAttestation .

الرواق الثالث: يرتكز على الانتقال من الفعل الى الاقامةde l’action à l’institution

يتحدث بول ريكور هنا على المستطاعcapacité  الاتيقي ويبحث أولا عن شروط امكان الانتقال من الشر الى الأمل ويعثر عليها في الحرية باعتبارها خاصية اناسية فريدة وفي تأويلية رمزية الشر والقدرة على الاختيار الحر بعقلنة الإثمculpabilité  والذنب من خلال الاتيقا والدين والغفران والتصالح بواسطة الاعتراف بالعزويةimputation  وتحمل مسؤولية الأفعال.

ينتقل ريكور بعد ذلك وفي مستوى ثان الى الاهتمام بالعادل بين الشرعيlégal  والحسن ويدرس الفوارق بين الأخلاق والإتيقا ويبحث عن القاعدة الذهبية للحياة الجيدة وعلى الصعيد العملي ويضعها موضع مساءلة ويقوم بالتمييز بين اتيقا المحبة واتيقا القاضي ويحاول تحديد تجربة الحكم القضائي والتفريق بين العدالة والانتقام vengeance ويضع الصفح في مكانة مرموقة وعلو اتيقي ويخوض أيضا في مسألة الاستحقاق ومن هي الذات التي تمتلك أهلية بالحق.

في نهاية المطاف يركز ريكور ثالثا على تجربة الفعل ويفكر في المفارقة السياسية ويكشف عن أزمة في المشروعية légitimité ويخوض في التقاطع بين الإيديولوجيا واليوتوبيا ويركز على مهمة المربي السياسي في الحياة المجتمعية ويثمن دور المبادرةinitiative  الفردية والذاكرة المأمورة Obligée ويحاول الخروج من القبضة الهيجلية بالعودة الى كانط وأرسطو واسبينوزا وبطرح مشكلة الحرب والسلم وإمكانية أن يفعل الانسان غير العنيف في التاريخ14[14]. اذا انطلقنا بالتحديد من فكرة مساهمة الخيال في اعادة بناء معنى التجربة الانسانية فإننا نعثر على بينة واضحة وبرهان ساطع على وجود وحدة موضوعية وفكرة ناظمة في فلسفة بول ريكور. لعل الطابع غير المباشر للتحقيق الفلسفي الذي قام به ريكور لا يتعلق فقط بالمنهج ولا بفكرة التناهي التى زلزلت عرش الذاتية وإنما أيضا بوساطة انتاجات المخيال في الفكر الريكوري منذ التأويل الرمزي للشر الى حد التحليلات حول الذاكرة والوعد والصفح والاعتراف والنسيان. إن هذا التنصيص على أهمية المخيال نجده  بشكل واضح وبدئي في الفنومينولوجيا. هذه الأخيرة ليست مجرد منهج ينضاف الى مناهج فلسفية أخرى على غرار الهرمينوطيقا والفلسفة التأملية والتحليل البنيوي أو النحوي وإنما هي تشكل أفق كل مشروع فلسفي وكل تجربة فكرية. في الواقع لا يقترح ريكور فلسفة للمخيال تمكن الوعي من القدرة على التحرر والتخلص من العالم باحالته الى العدم مثلما فعل سارتر بل يجعل من المخيال الثيمة الفلسفية بامتياز أسوة بهوسرل الذي  جعل من "التخيل fiction يكون العنصر الحيوي للفنومينولوجيا"15[15]. لقد أخذ ريكور منهج التنوعات الخيالية وأسند له وظيفة انقاص الحقيقة التجريبية التي يقصدها وبلوغ ماهيتها. من هذا المنطلق يمثل المخيال استثمار الممكن وينتمي بحق إلى مسار البحث عن الحقيقة. المخيال ليس مجرد منطق واهم  بل هو قدرة وصفية للتنوع والدليل على ذلك أن شيئا معينا من العالم وهب نفسه للرؤية من خلال منتجات المخيال. المناسبة الثانية التي اهتم بهار يكور بنظرية المخيال كانت في فلسفة الإرادة 1950- 1960 حينما فكر لا فقط في تناهي الإرادة الإنسانية واعتباره فعل الإرادة غير قادر على خلق لا لامكانية وقوعه في الشر بل أثناء حديثة عن شعرية الإرادة وتمحورها حول القدرة الخالقة للوعي. يرفض ريكور تصور المخيال خارج إطار ممارسته الملموسة وينصص على ضرورة التفكير في المخيال من جهة حقيقته المتعينة والتعامل معه كبعد تكويني للذاتية Subjectivité . هذا الأمر ظهر بوضوح في كتابه الأخير مسار الاعتراف 2004 حينما اعتبر قدرة الذات على الاعتراف بالآخرين والتعرف على ذاته من خلال ترحيلها إلى الخيال. الغريب أن ريكور لم يخصص له سوى نصا واحدا هو " الخيال في الخطاب وفي الفعل" في كتاب "من النص إلى الفعل" وهو استعادة للاسم السحري لشعرية الإرادة.  هنا يتحول الخيال إلى مكان تلتقي في عدة أسئلة ومأوى للشر والاستعارة والزمن والسرد والذاتية والذاكرة. كما يساءل ريكور المخيال وينظر في الخيال في سياق معين ومن جهة أثره خطابا وعملا. في هذا المقال الذي كتبه عام 1976 أشار ريكور الى ثلاثة نقاط حول الخيال والمخيال:

1 - اعادة الاعتبار الى المخيال يعود الى تحرير الصورة واثبات الصلة بين الخيال واللغة. وبالتالي لا يتعامل مع الخيال كمعطى نفسي ولا يعتبر الصورة شيئا يتكون ذهنيا بل ينظر الى وظيفة الخيال خارج اطار نظرية الصورة كإدراك ضعيف.

2-    اذا كان المخيال كلاما فإن الصورة ليست فقط احساسا بل أيضا احالة ومرجعا وإن ما يطرح في انتاجات المخيال من وجهة نظر المقتضى الفنومينولوجي للوصف الذي يتبناه ريكور هو مسألة عالم بأسره  حتى وان كان في شكل تخيلا.

3-    المخيال هو تجربة بنائية وتكوينية للفعل والتي نتبينها في حرية الخيال الذي يمكن أن تكون خيالا للحرية. بناء على ذلك ليس الرمزي بعدا ثانويا للممارسة بل هو العنصر الذي يجعل الفعل في نفس الوقت ممكنا ومعقولا.

هكذا يكون الخيال ما يصبح بواسطته المعنى مفهوما compréhensible والعالم مقالاdicible  والفعل مطبقاpraticable . وتبعا لذلك يشكل كل من المعنى والعالم والفعل القدرات الثلاثة للخيال التي تعتني بها فلسفة ريكور.

أ- الخيال والمعنى l’imagination et le sens :

ربما تعود السمعة السيئة للخيال والتشويه النسبي الذي تعرض له في الفلسفة المعاصرة الى الوضع المتدني الذي تحتله هذه الملكة في نظرية المعرفة وارتباطه بالصورة والتصوير.

في حين أن الصورة التي تسمى بالاغريقيةeikon  وباللاتينية imago هي أقل من الاحساس ومن المفهوم، فهي ليست البداهة المباشرة للمدرك ولا دقة المصور غير المتعلق بالمحسوس.

هذا النقد البسيكولوجي لملكة الخيال يتأسس على النقد الأنطولوجي للصورة التي تعود جذورها الى فكرة المحاكاة imitation. ان الخيال هو مرتبط بالغياب الذي يحدثه في قلب الوجود وذلك لأنه يسمح لشيء معين غائب بالظهور في الحاضر ويعيد انتاج واقع الشيء بشكل يشوه حقيقته.

من جهة ثانية يتطرق ريكور الى مشكل تعدد المعاني polysémie ويهتم بتنوع تعريفات الخيال ويذكر تمييز الاغريق بين الخيال بوصفه نسخة واعادة انتاج eikon والخيال بوصفه phantasia أي خلق مصورcréation imagée ويرى أن هذا التمييز موجود في اللغة الألمانية بين phantasia وEinbildung . هكذا يعني الخيال في الآن نفسه عمل اعادة الانتاج وومضات العبقري ويمكن للمرء أن يرتاب من وحدة ملكة تعني في نفس الوقت الاظهار الاعتباطي للأشياء الغائبة والقدرة التخييلية على تشكيل كائنات غير موجودة والميل الى منح الوجود الى أمر زائف. لعل المجهود الفلسفي الريكوري ينصب حول نقطة الرد على هذا النقد المزدوج من ناحية بسيكولوجية وأنطولوجية الذي يرفض الخيال ويعتبرها قوة تضليل وخداع وملكة غير مهذبة. لقد عمل ريكور منذ الكتابات الأولى على توجيه الأنظار من بسيكولوجيا الصورة حاول بلورة الخيال عن طريق الكلام الحي ورأى أن الصورة المتخيلة تسمح بالتفكير والفهم علاوة على الرؤية والإدراك الحسي. في رمزية الشر 1960 يقترح ريكور هرمينوطيقا الاعتراف aveu   التي ترفض الوعي الآثم  الذي لا يقدر على الوصول سوى في الكلام الذي يقوله وحسب. بينما الكلام هو رمزي من هنا وهناك والشر الذي يعبر عنه في الدنسsouillure والذنبpéché  والاثمculpabilité  لا يقع تلفظه مباشرة وانما بواسطة الممثالة والتخييل والتشبيه والتناسب. كما أن الوعي بالخطأ هنا ليس مشهدا تنتشر فيه الصور والتصورات الضعيفة والمفاهيم التقريبية وإنما يصرح مباشرة بخيال رمزي الذي يضع على مسافة نقدية من ذاته. من هذا المنطلق يضع الخيال نفسه على ذمة الخطاب في سبيل أن ينقطع عن كونه مضاد للحق ليصير المثل الذي يدخل الاضطراب على التمييز بين الحق والباطل. في هذا الصدد تقبل الانتاجات الخيالية التأويل لمعنى لا يمكن التعبير عنه بوسائل أخرى غير التخييل Fiction . على هذا الأساس نظر ريكور الى قيمة التحليل النفسي في كتابه في التأويل. محاولة حول فرويد 1965 في منح الحلم والتوهم حقيقة نفسية  أكثر حتى من مخيال الدافعPulsion .

هكذا لا يقتصر الخيال على زخرفة الرغبة بل هو الذي يشكل منبع كل الرغبات ومصدر الذاتية نفسها وذلك حينما ينخرط في البعد الرمزي. كما أن المعنى الذي يجب على التحليل أن يعيد تكوينه ليس التعبير عن رغبة لاواعية بل هو المعنى المعيش للرمزي الذي يتلازم مع تجليه الخيالي. لكن كيف يمكن أن نعطي هذه القدرة في اعطاء المعنى الى الخيال ونحن نتعامل مع شيء يتهرب من كل معنى؟

في كتاب الاستعارة الحية الذي ظهر الى العموم سنة 1975 يوقع ريكور مفهوما جديدا هو الابداع الدلاليInnovation sémantique  لكي يصف به شغل الاستعارة أو المجاز ويرفض أن تكون مجرد شكل أسلوبي ويرى أنها أثر عن الخطاب يحمل الصورة الى المعنى واحالة غريبة وتحميل مشوه بالقياس الى كونه ينطبق على حد من المحمولات غير المناسبة وتنتج صدمة دلالية بالنظر الى كونها حدث داخل الكلام. بيد أن هذا الحدث ينبثق في صورة تقوم بتقريب عالمين دلالين متعارضين ويظهر ذلك حينما يقوم الشاعر بإحداث تمفصل بين المعنى والمحسوس. بناء على ذلك يمنح الخيال داخل الاستعارة معلومة غير منشورة ويبرهن بكون مهمته لا تقتصر على انتاج الأوهام بل وأيضا على توجيه الأفهام وذلك عن طريق شعرية القول وإعادة الاعتبار للمحاكاة. ألم يقل أرسطو في كتاب الشعر: "أن نقدم استعارة جيدة يعني أن ندرك التشابهات بشكل جيد"16[16]؟

والحق أنه لا يوجد قطيعة بين علم النفس والسمينوطيقا لأنه لا توجد هوة بين الخطاب والمخيال. هذه النتيجة يطورها ريكور في كتابه الكبير "الزمان والسرد" الذي ألفه من سنة 1983 الى سنة 1985 حين يعثر على المخيال التكويني imaginaire constiturif  ويسمي هذه العملية تشكيل الزمان بواسطة السرد الأدبي والسرد التاريخي. اللافت للنظر أن هذا الكتاب المسمى الزمان والسرد مبني من مفارقة أساسية حول طبيعة الزمان يذكرها أوغسطين من جهة النفس وكان أرسطو قد أثارها من جهة الكون. هكذا يجب القيام بدورة بواسطة السرد لكي يفهم المرء الزمان بما أن السرد يتمفصل على الزمان ويتيح له بأن يعطي للتجربة الانسانية شكلا معينا. كما أن التشكيلconfiguration  هو تركيب خيالي للتجربة الزمانية. على هذا الأساس يعيد ريكور الاعتبار للسرد في علم التاريخ والأدب ويجعل الذكاء السردي على رأس مشروعه الفلسفي.

ان الزمان الذي يأمل الفيلسوف فهمه هو الزمان المروي والمقصود هو أن السرد يعطيه منظورية لا يمتلكها عند التجربية العارية للوعي، زد على ذلك يطرح الخيال السردي شيئا آخر مغايرا لمضاعفة الواقع بما أنه يساهم في تصميم الوقائع التي تنير الشكل الزمني للتجربة.

لعل هذا التفكير في البعد الدلالي للخيال ينخرط في الاتجاه الكانطي خول النزعة التخطيطية. اذ ينتج الخيال داخل الاستعارة تحميلا جديدا وداخل السرد يدرك تمفصل الزمان مع أطر التجربة الانسانية. هكذا يعطي  الخيال الابداعي في الحالتين عند كانط وريكور صورة الى المفهوم ويشكل الوسيط الضروري لكي يتم تأويل المعنى وفهمه. من جهة أخرى يظل النقد الريكوري للبنيوية بعيداعن المحاولات التي تدرج المعنى ضمن الأنساق الرمزية الصورية وذلك لما تعانيه من نقص في عملية التخطيط schématisation. كما أن الهرمينوطيقا التي يحاول أن يجددها في هذا الكتاب ويعيد تعريفها لا تعني شيئا آخر غير تأويل شغل الخيال - بوصفه هذا الفن المخفي داخل أعماق النفس الانسانية- بالانطلاق من انتاجاته في القصيدة والسرد.

المفارقة التي تظهر هنا في آخر الكتاب تتمثل في أن الخيال يخططshématise  الزمان في حد ذاته داخل التخييلfiction  ويسمح في نفس الوقت بتقديم ترجمة حسية للذاتية في صورة الهوية السرديةidentité narrative. هذه الفكرة الجديدة المسماة الهوية السردية يتخذها ريكور كتاب "عين الذات غيرا" Soi même comme un autre الذي ظهر سنة 1990 وتختلف عن الهوية الشخصية وعن الهوية الثقافية.

غاية المراد أن ريكور يراجع الاتجاه المتمرد iconoclaste  الذي يميز الفلسفة المعاصرة ويتضرع الى المعنى الأيقوني ويبقي على  حضور منقوص للصورة في مقابل يلفت الانتباه الى قدرة التخييل ويسرع الى ابرام مصالحة في الفلسفة بين المحاكاةmimésis  والتوهم phantasia، طالما أنه لا توجد مراوحة بين الخيالimagination  الذي يعيد انتاج الواقع والمخيال imaginaire  الذي يعيد ابداعه وبما أن معنى الواقع هو مباشرة مودع في الصور17[17].

ب- عالم متخيلimaginé  وعالم مستعادretrouvé  :

الخيال عند ريكور لم يعد قوة تضليل وخداع والآن ينبغي البرهنة أنه لم يعد أيضا مبدأ الوهم. وما تقوله المقاربة الثانية هو أن الخيال لا يقتصر على تحريف الحقيقة بل يتعدى ذلك نحو اثارة مشكل التمييز بين الواقع واللاّواقع وذلك بتمكين غير الموجود من الظهور. بناء على ذلك نمر من مشكل المعنى الى مشكل الاحالة ونبحث عما اذا كان ما يقوله الخيال هو لشيء معين.

اللافت للنظر أن جواب ريكور عن هذا المشكل هو ثابت ويتمثل في أن الخيال يساهم في تحييد الواقع ويتيح أيضا امكانية تشييد احالات جديدة وادراك العالم في يوم غير معلوم وبشكل مختلف.

على هذا الأساس لا تكون اللغة الشعرية امبراطورية داخل امبراطورية بل لغة استثنائية تحيط بالكلام وبالتالي هناك كثافة véhémence  أنطولوجية للخطاب وبعبارة أخرى ثمة انتقالية transitivité للكلام تمنع كل بقاء في الفهم الذاتي. على هذا النحو تم التعامل مع الهرمينوطيقا بوصفها وثنية المعنى وعند ريكور تشهد صراع التأويلات وبالتالي توليد معان متعددة. دون أن ننسى أن الهرمينوطيقا عند ريكور هي فنومينولوجية بمعنى يتعلق الأمر بفعل الفهم بالقياس ما يسمح به الوصف وبالتالي يككون العالم هو أفق الكلام. لكن ما يعطى لللغة من قيمة يتم منحه الى الخيال أيضا. كما أن ريكور ظل وفيا لمصطلح هوسرل عن الانحرافات variations  بما أن الخيال يحوز على وظيفة يوتوبية وهي ملكة تسمح للذات بأن تنعتق من الواقع المدرك عاديا وبالتالي يعلق الخيال ديننا الخاص من خلال وصف داخلي ويكون أحسن مضاد للأفكار المقبولة بشكل مبتذل. بيد أن وظيفته لا تتوقف عند هذا الانسحاب بل هو يؤدي وظائف أخرى بحكم ارتباطه بالكلام والجانب النفسي ولذلك فهو لا ينتج صور فحسب وإنما أيضا معنى. لكن قدر المعنى أن ينحل في إحالة وتبعا لذلك يكون الخيال قدرة على إعادة الوصف الواقع فهو يقول الأشياء بطريقة مغايرة ويبتعد عن اقتطاع جزء من العالم ويحول إدراكنا ويزيد من رؤيتنا.  فماهو العالم الذي يوجد في أفق الخيال؟ أليس هو عالم الحلم الذي أخذ مكان العالم اليومي أم أنه العالم المستعاد بعد أن خضع العالم الواقعي لعملية التحييد الشعري ؟ ماذا لو كان يفيدعالم الحياة ؟

يثبت بول ريكور اصطباغ فكره بالفنومينولوجيا في كتاب جماعي شارك فيه عام 1986 عنوانه في مدرسة الفنومينولوجيا. ولكنه أصر على أصالة هذا الاتجاه عنده حينما بين أن الفنومينولوجيا لا تقوم بتحليل مباشر للإدراك بالانطلاق من العالم الراهن بل بمساعدة نظرية في الخيال والكلام الشعري. ويتمثل الأمر في القيام بخطوة إلى الوراء عن العالم المتصور نحو العالم المدرك وذلك عن طريق عملية يجريها الخيال باستثمار الكلام الشعري. هذا الأخير يتصف بكونه حر بالمقارنة مع القواعد النحوية ويقترب من اللغة العادية ولذلك فهو يسمح بمباشرة العالم بشكل مختلف. خير مثال على ذلك هو تحيل ريكور للاستعارة في مستوى دلاليتها ومن جهة إضافتها إلى الإحالة العادية إحالة من درجة ثانية واستدعائها القارئ لكي يرى الشيء كما لو لم يعهده من قبل وتشيدها لمعنى غير مألوف. لعل شجاعة ريكور تتمثل في إقراره بأن الإنتاجات الأدبية للخيال تسمح بتطوير إدراك الأشياء وتجعلها تقوم بوظيفة الكشف والإظهار للماهيات والجواهر.  بطبيعة الحال لا يبدع إن المخيال بكل تأكيد المتشابهات ولا يشيدها في عالم وهمي وإنما على خلاف ذلك يسمح بظهور الأشياء في يوم جديد ويعيد تنظيم الإدراك وفق معايير مغايرة عن قواعد المنطق الصوري. على هذا الأساس يوجد ريكور على مسافة قريبة من ميرلوبونتي الذي يشير الى أن من يرى هو في الحقيقة يرى بواسطة مبدأ لا يراه أي يدخل إلى قلب الكينونة المستترة. هذه الأخيرة هي التي تحيط بالمرئي وتعطيه عمقه الضروري وتمثل ما يسمى باللاّمرئي وتتمثل مهمة الخيال في اكتشافه ومنحه إلى الإدراك من أجل توضيحه والتعبير عنه بلغة المفهوم.

هكذا يوجد عالم النص في أفق المنطق الداخلي للنص. بناء على ذلك يستعمل ريكور في كتاب الزمان والسرد مفهوم اعادة التشكيل refiguration لكي يستكمل نظرية التشكيل الخيالي configuration imaginaire . لا يتدخل الخيال هنا في تكوين الزمان بواسطة السرد بل يشتغل أثناء تجربة القراءة ويثير الانتباه الى عوالم غريبة ويفتح قارات جديدة من المعنى. أن نقرأ هو أن نجسد مقصد الحقيقة الحاضرة في عبارة أو تخييل وذلك بأن نحسن الاصغاء لما يريده النص من قول. كما أن القارىء يجسد هذا المقصد عن طريق الخيال ويسمح بالالتقاء بين العالم المتخيل للنص والعالم الخاص لمن يقرأ وهذه المقابلة هي نوع من التقاطع ويسميها ريكور اعادة التشكيل وهي الحركة التي تعطي الى القارىء احالة الى النص ببناء العالم الذي يحمله. في الواقع أن نقرأ نصا معينا وأن نطلع على ما يتضمنه من صور شعرية ومعان وأفكار هو أن نتخيل عالما غير مألوف. لقد استعمل ريكور هذه النظرية حول تأثيرات واقعة المخيال في السرد لكي يرد على مزاعم ابستيمولوجيا التاريخ الوضعية وكشف الحقيقة الأنطولوجية للتاريخ الماضي.

في هذا الصدد يميز ريكور عندئذ بين التاريخ ومجرد نسخ المعطى ويعيد اظهار الماضي عن طريق الخيال التاريخي الذي يتبارى مع الوقائع في السرد ويعيد طابع الأحداث عبر القراءة.

يتموقع ريكور على نفس المسافة التي تفصل بين الواقعية التاريخية التي ترى وجوب قول التاريخ الأشياء كما حدثت بالفعل في الماضي والمذهب التخييلي الذي يدعي أن الماضي لا يوجد الا في السرديات المتعددة التي أنتجها كما هو عند بول فاين. أما عند ريكور فإن الخيال هو وسيلة للمعرفة بما كان. وهذا الأمر نجده واضحا للعيان في القسم الثالث من الزمان والسرد وفي كتاب الذاكرة، التاريخ، النسيان، وعبر عنه بمصطلح التمثيلانية représentance والتي قصد بها العلاقة بين السرد التاريخي والمرجع الذي يحيل اليه وجعلها تفترق عن التمثلreprésentation لأن الخيال التاريخي لا يظهر نسخة مطابقة للماضي بشكل تقريبي بل هو يمسك بهذا الماضي وينتج أثرا في حاضر القراءة ويتناول القارىء مجموعة الصور التي ترمز الى الماضي ويحرص على حكيها بطريقة مختلفة ومتنوعة مثلما يفعل المحلل النفسي مع أعراض المرض الذي يمسك بالرغبة المكبوتة ويساعد المريض على التحرر منها بتحليلها ومعرفة أسبابها ودواعي عملية الكبت. أما المؤرخ فلكي يشكل  الماضي يجب أن يستعمل الوثائق والأراشيف والنصب التذكارية. غاية المراد أن ريكور ينقد أوهام الاحالة والمرجع والاحداثية ويستميت في القول بأن الخطاب هو حمال لتأثير من الواقع حتى وان كان عالم النص مخربا بالمقارنة مع الحقيقة المدركة. في حقيقة الأمر بالنسبة الى ريكور إن " ما يحمله الخطاب الشعري الى الكلام هو عالم ما قبل موضوعي حيث نعثر على ولادة سابقة، ولكن نسقط فيها امكانياتنا الأكثر خصوصية"18[18]. على هذا النحو تذهب الأطروحة التي يدافع عليها بعيدا حيث العالم المدرك هو منذ الوهلة الأولى عالم مؤول وهذا الوجود المؤول ليس متضايفا مع المفهوم الذي يتمثله بل مع الصورة التي تتشكل حوله أو يشكلها بنفسه.  تبعا لذلك يكون تطعيم الفنومينولوجيا بالهرمينوطيقا وزرع الهرمينوطيقا في الفنومينولوجيا أمرا ضروريا داخل منظورية حيث يظهر العالم حسب معناه المطروح في الاستعمالات الرمزية والشعرية والتخييلية للكلام. على خطى هيدجر يسير ريكور حيث يصغي الى أنشودته :" نحن نرى ما نقوله عن الشيء"19[19].

لكن أليس ما نراه من الشيء عندما نقوله هو في الحقيقة ما كنا قد تخيلناه عنه؟

ث- الخيال في الفعل l’imagination dans l’action

يترتب من التحليل السابق أن الخيال ينتج معنى ويفتح الانسان على عالم أصلي ولكن دوره لا يتوقف عند هذا الحد بل يمكن أن يصبح مكونا جوهريا من مكونات ملكة الفعل. على هذا الأساس بذل ريكور جهدا كبيرا في سبيل تشييد أنثربولوجيا أخلاقية متمحورة حول فكرة الإنسان بوصفه كائن فاعل ومعذب وواجه النزعة البنيوية المعادية الإنسانية بتأكيده على فكرة الانسان القادر بديلا عن فكرة الإنسان الآثم أو الإنسان الخطاء ويعد فعل التخيل أحد القدرات المميزة له. بيد أن السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف يمكن أن نفهم هذا النماءpromotion الإتيقي للمخيال؟

يبدو أن الخيال هو الذي يشكل الفعل في مرحلة أولى بمعنى أنه هو الذي يُخبِرُهُ ويضعه في اطار  ويسمح له في مرحلة ثانية في بعض الاستعمالات أن يعيد تشكله عبر استعمال الرموز والسرد. ويترتب عن ذلك عدم وجود فكر لا يعتمد على الرمز وذلك لأنه لا توجد تعبيرات خالصة وغير إديولوجية للبراكسيس وأفعال البشر هي متمفصلة مع التمثلات والمشاريع والقواعد والمعايير. إن الفعل هو غير مفصول عن الخيال الذي يستبق الدروسcours، وان الذات لا تقدر على امتحان حوافزها واللعب مع الممكنات في المخيال وتصطبغ بالأنا أريد الذي يعلن عن قدرتها على الفعل. وكما ذكر ماكس فيبر ان التصرف البشري لا ينال درجة النشاط إلا إذا أعطى معنى لمن يفعل وأصبح شيئا اجتماعيا.  على هذا النحو تهتم هرمينوطيقا الفعل بتأويل معنى التصرف. غير أن هناك مفارقة تتمثل في أن الفرد يتعلق بما يريد فعله وقصده وفي نفس الوقت يتفق مع نسق القواعد التي يجعلها تشتغل ضمن العالم الرمزي الذي يطوره. يترتب عن ذلك أن الخيال يعني هنا القدرة التي تتيح ادراك الامكانيات التي وفرها المجتمع. أنا أفعل باندراجي داخل عالم رمزي لم أختره. من هذا المنظور تثمر المماثلة بين الفعل والنص وتشبه الدلالة الاجتماعية للحركة الى دلالة الجملة داخل النص. ان الفعل الانساني هو فعل رمزي بمعنى تعبره توسطات خيالية. ولهذا السبب يمثل الرمز الطريق المفضل للدخول الى الإتييقا. كما التحقيق في الوعي الآثم يبدأ بدراسة رمزية الشر. وحتى ان لم تكن الذات سيدة أفعالها فإنها تفكر في الفعل بمساعدة الرموز المتاحة في ذاكرة اللغة. أن يبدأ المرء في الفعل هو أن يواصل الفعل داخل تراث كان قد هو بدروه قد وضع بنفسه أسباب فعل. تبعا لذلك ليست الاتيقا الريكورية متمركزة حول مفهوم القانون ولا حول مفهوم العقل العملي الذي حقق استقلالا ذاتيا حيث يجب معارضته مطالب الرغبة الحسية. بل لا  يمكن لريكور البقاء أصلا عند حدود مصطلح الواجب ولذلك نراه يسعى الى بلورة مفهوم الحرية حسب الرجاء أو الأمل liberté selon l’espérance ويعني بهذه العبارة المستحدثة حرية حسب ما يعد به المرء وكل ماهو غير مفصول عما يلزمه من فعل.ان وعود الفعل هي اختراق الخيال للمعيار ولكي يفعل الانسان فهو مطالب بتمثيل المستقبل الذي يحلم به وهذا نما يقتضي احداث تغييرات في الحاضر. لكن هل ثمة ملكة تغيير أكبر من الخيال؟

عندما أسس ريكور في عام 1960 مفهوم اللاّعصمة Faillibilité عبر تأويل أساطير أصل الشر في التراجيديا وفي الإنجيل فإنه نَصَّصَ على القدرة الخاصة التي يتمتع بها الخيال لكي يفتح على إمكان غير معهود. فالأسطورة مثلا تبلور الخطأ كحدث يحصل في التاريخ الفردي. من هنا يعطي للشر امكانية الوقوع في عالم الانسان وجوازه في التاريخ ويبرر ذلك بأن الخطأ ليس شكلا من القدر وإنما لحظة في تاريخ الحرية. وبالتالي لا يمكن تصور عدم اقتراف الانسان للخطأ. لقد ترتب عن ذلك اصرار ريكور على الخروج من قبضة هيجل وفي كتابه الثلاثي الشهير الزمان والسرد وذلك حينما رفض فلسفة التاريخ التي أعلنت على انتصار زمن السرد وشكوى الضحايا. في السياق أن نتخيل هو أن نتخيل تاريخا مختلفا عن التاريخ الذي حدث والتشكيك في مشروعية الواقعة التامة وأن نمنح الى الخيال بعدا اتيقيا خاصا به وخاصة انهاء التمييز والعنف بالمصالحة. هكذا يرسم السرد الفريد دربا مختلفا عن مسار التاريخ الرسمي ويفضل حقل الامكانيات على مسرح يبدو مغلقا، ويؤدي المخيال في هذا الفيض دورا بارزا حيث لا يكتفي بإعطاء معنى للممارسة بل يعيد تشكيلها تماما على طريقة التراجيديا الأرسطية التي تعيد خلق الفعل في نفس الوقت الذي تقوم بمحاكاته. في كل الأحوال ينير السرد الفعل الانساني وشروطه في يوم جديد. على هذا الأساس يحبذ ريكور مرة أخرى القراءة حيث تذوب الذات في العالم الذي يقترحه النص. إن فعل القراءة هو تجربة الغيرية التي بواسطتها نتمرن على تجريب الاقامة في عوالم غريبة عن ذواتنا نفسها. لكن اذا كان التخييلfiction  يسمح بادراك العالم بشكل مختلف فإن القارىء يتم استدعائه نحو تنسيب الآراء الذاتية ويقع تهيئته قصد تخيّل أنماط أخرى للفعل. غني عن البيان أنه مهما كان العالم المتخيل جيدا أو سيئا المهم أنه ينتمي الى عالم مغاير والجوهري أنه يظهر كإمكان ويتجه نحو فرض جوازه على العالم الواقعي. في النهاية يشكل المخيال مكونا للحياة الجماعية ويسمح بإزاحة العقبات التي تفصل بين السياسة والإيتيقا ويقرب بين القوة والحق. لعل الدرس الذي قدمه ريكور في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1970 تحت عنوان " الايديولوجيا واليوتوبيا" هو تناوله كموضوع للبحث مجموعة من أشكال المخيال الاجتماعي، واقراره على خلاف الاستعمالات الماركسية بأن الايديولوجيا ليست التعبير المعكوس والزائف عن الممارسة العينية بل بالأحرى انتاج للمخيال تكون مهمته السماح للممارسة الفردية بالاندماج في السياق الاجتماعي. هكذا حينما يتعلق الأمر بذات فاعلة فإنها تبرر فعلها بالإحالة الى عالم رمزي من القواعد والقيم المفروضة من طرف التقاليد والتراث. والسبب أن الذات ليست الأولى التي تفعل ولا تقوم بذلك بشكل مفرد وخارج كل مؤسسة بل توجد تقاليد جماعية ومشتركة للفعل.

هذه الوظيفة الادماجية للايديولوجيا تناظرها وظيفة subversive تجاوزية استشرافية لليوتوبيا وتتمثل في تنسيب الانتماء الى العالم الاجتماعي بواسطة القدرة على الخلق بواسطة المخيال الجماعي. على هذا النحو يعارض ريكور بين التبرير الايديولوجي والقدرة الكشفية التي توجد لدى اليوتوبيا وتسمح لها بإظهار امكانية أخرى للعالم وتمثل دعوة الى تغيير العالم الذي نحيا فيه. كما أن المهمة النقدية التي ينخرط فيها ريكور تزيل التعارض بين الايديولوجيا واليوتوبيا وترتكز على التنوعات الخيالية حول قدرة التاليف التي تحوز عليها السرديات التي تعيد الاعتبار للحدثان وتقصد الزمان الراهن. عبر هذا الطريق نصل الى القناعة الأكثر عمقا لدى ريكور وهي أن " الوعي كائن في عالم رمزي يسبقه ولكنه وعي بكل شيء وقادر على تجريب الحرية في المخيال. لو أمكن للخيال أن يحتل مركز هذا التفكير فلأنه يكشف عن المفارقة في هذا الوضع. ان الذات تتخيل في لغة رمزية ويعزم على مواجهة السرديات التي يلم يؤلفها وذلك بضمان شرط الانتماء الى عالم خيالي. لكن نفس القدرة على التخيل تسمح بتطوير ادراكات الذات وتقييماتها بادراج الممكن في عالم يبدو مغلقا وهذا شرط الانتماء الى عالم حيث يشترط الانتماء الذاتي وشرط عدم انتماء الذات ويتوقف انتماء الذات الحرة على قدرتها على اعادة خلق حياتها بشكل مختلف"20[20]. فكيف ترسخ مفهوم المخيال ضمن الفلسفة السردية؟

خاتمة:

" لقد علمنا ريكور بأن الخيال يلعب دورا مركزيا"21[21]

يمكن إعادة تشكيل وحدة الفلسفة الريكورية عن طريق الفكرة الناظمة التي تطرح مسألة التخيل في إطار المنعطف الاستيطيقي وما تمخض عنه من حركة ابداعية جمالية تجلت في عدة آثار. في الواقع تتمثل خاصية ريكور في تعامله مع الخيال ليس ككلية نفسية، بل كقوة دلالية: اذ يرى بأن الاستعارة والسرد يجعلان من الممكن تصور الواقع بخلاف ما هو عليه، وبالتالي تخيله. إن  الصورة ليست أقل من الإدراك ولا أقل من المفهوم، إنها الأداة التي تتيح التعبير عنهها. لقد قام ريكور بتأكيد هذا الترويج للخيال إلى رتبة البعد العملي في نظرية للإيديولوجيا واليوتوبيا22[22]. إن التخيل هو بالأساس عملية لغوية في المقام الأول، لكنها عملية لا تزال لها مقصد فنومينولوجي، حيث يحدث فيها التفمصل الفنومينولوجي الهرمينوطيقي، بما أن الهدف باختصار هو السماح لأنفسنا بالوصول شعريا إلى معرفة الحياة أو العالم المحسوس الذي يقوم المخيال بمهمة تكوينه. كما تبدو اللغة الشعرية في هذا الاستخدام التخيلي للغة الذي يمكن أن يعلمنا المزيد عن ماهية الإنسان وما هو عليه العالم ولذلك ينبغي الاشادة بقوة الاستعارات وبالقراءة التي تحول النص إلى حدث. لكن ماهي المنزلة المعرفية والوجودية للعالم المتخيل؟ وإلى أي مدى يمكن للعالم الذي يرسمه الخيال أن يستمر؟ أي عالم يمكن للقارئ فيه أن يعرض كل إمكانياته التخيلية وقدراته العملية؟

لم يعد مجرد عالم خيالي، عالم وهمي بالمعنى الخاطئ للمصطلح، ولكنه عالمًا يتنافس مع العالم الواقعي، ولقد تولد عن هذه المنافسة بينهما طرق جديدة للإدراك والفهم ومسارات مختلفة للفعل. يمكن الاستنجاد بالخيال حسب ريكور بغية إيجاد حل للتردد القائم بين الطابع الكوني للمقصد الايتيقي والخصوصية التاريخية للقرار وتخطي النزاعات الناتجة عن تطبيق المعايير نفسها على وضعيات جزئية بالتعويل على الطابع الخلاق للايتيقا الشاعرية وجعل الخيال قوة مبدعة للفعل23[23]. إذا كانت كل من الايديولوجيا واليوتوبيا تعبيرتين رمزيتين من تعبيرات الخيال الاجتماعي فإن الخيال هو انتاج متواصل للدلالات والسرديات ويستمد منه الفكر المصادر الرمزية ويستند عليه الإنسان بغية الإندراج في النظام الاجتماعي وترتكز عليه المجموعة البشرية للتموقع التاريخي24[24]. أما الخيال السردي فهو الذي يسمح ببناء وسائط رمزية بين التراث المادي والراهن الواقعي عبر امتلاك تقاليد الحياة الجيدة وتكوين مواقف أساسية وقناعات موزونة وتعليم استعدادات إيتيقية. ان مشروع شاعرية الوجود سمح بالإشارة إلى الروابط المتينة بين الخيال والحياة الروحية وتأثر القارئ للبعد الشاعري من الخطاب وتملك الذات رمزيا قدرات تأويلية بوساطة الخيال السردي. هكذا يصبح الخيال هو المكان الذي تلتقي وتتقابل فيه التمثلات والعروض التي تسمح بالإلهام الأساسي للإنسان وتحويل الذات وتساعد على ابداع الكينونة وطريقة جديدة للوجود في العالم25[25]. علاوة على ذلك تعمل الوساطة التخيلية عبر التخطيط الاستعاري على حشد الفكر الموسع لكي يقوم بخدمة الخيال السياسي وينعش الإحساس بالصالح المشترك عن طريق الفاعلية الشاعرية ويساعد على تخيل أشكال جديدة من التضامن والتآزر بين الأفراد والجماعات وعلى ممارستهم للتآخي26[26]. لكن إلى أي مدى يؤدي تتابع الخيال الذي يجب اتخاذه بواسطة سلطة الحب إلى التغلب على العنف وتجنب الحروب وتمتين تلاحم الروابط الاجتماعية وتدعيم السلام الأهلي؟

  

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.......................................

الإحالات والهوامش:

[1] Ricœur (Paul),  du texte à l’action, essais d’herméneutique, t.II, édition du seuil, 1986,p225

[2] Platon, le Sophiste, in  Œuvres complètes, Pl Gal, t, II, 263d- 264b, p330-331.

La république, t. I ; li ;VI, 511a, p1100.

[3] Épictète, Entretiens II, in les Stoïciens, PL Gal, pp929-932.

[4] Descartes René, Méditations métaphysiques, in Œuvres, PL Gal, Méd. VI, pp318-319.

Les passions de l’âme, art.211,p794.

[5] Imagination reproductrice

[6] Imagination créatrice

[7] Kant Emmanuel, Anthropologie du point de vue pragmatique, édition Vrin, Paris ,1964, réédition 2008 , partie 1p47.

Critique de la raison critique,  1781, traduit par Tremesaygues et B. Pacaud, édition PUF, Paris,1965 p150-153.

[8] Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, traduit par Alexis Philonenko, édition Vrin, Paris,1979, §35, p122.

[9] Sartre J. Paul, l’imaginaire, édition Gallimard, Paris, 1940, réédition, collection folio essais, Gallimard,1986, pp23, 29,232.

[10] Bachelard Gaston, l’eau et le rêves, éditions Corti, Paris, 1965,pp23-24.

La terre et les rêveries de la volonté, éditions Corti, Paris, 1965, p3-4

L’air et les songes, éditions Corti, Paris,1965, pp118-119.

[11] Bachelard Gaston,  Poétique de l’espace, édition PUF, Paris, 1957, pp16-17.

[12] Jung Carl, les types psychologiques, éditions Georg et Cie Genève , p310sq

Durand Gilbert, les structures anthropologiques de l’imaginaire, édition Bordas,

[13] Ricœur (Paul), Anthologie, textes choisis et présents par Michael Foessel et Fabien Lamouche, éditions Points, 2007.431p.

[14] Michael Foessel, Penser l’imaginaire,

[15] Husserl Edmond, Idées directrices pour une phénoménologie, §70, Traduction de Paul Ricoeur, Paris , Gallimard, 1950.p.227.

[16] Aristote, Poétique, 1459 a.

[17] Michael Foessel , in Ricœur (Paul), Anthologie, op.cit. p.14.

[18]  Ricœur (Paul), la métaphore vive, Paris, Seuil, 1975. Reed, Points- Essais, 1997. P.87.

[19]  Martin Heidegger, Prolégomènes à l’histoire du concept de temps, GA 20, Francfort –sur-le- main, 1979. p.75.

[20] Michael Foessel , in Ricœur (Paul), Anthologie, op.cit. p.22.

[21] Alain Thomasset, l’imagination dans la pensée de Paul Ricœur, in revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80, pp525-541.

[22] Michael Foessel, Action, normes et critique, Paul Ricœur et les pouvoirs de l’imaginaire, in revue Philosophiques, volume41, Numéro 2, Automne 2014, pp241-252.

[23] A. Marcel Madila Basanguka, éthique et imagination chez Paul Ricœur, in Revue d’éthique et de théologie morale, 2005, 1, N°233,pages 113 à 134.

[24] Anne Dujin, l’imaginaire des inégalités, in Revue esprit, septembre 2018, N°447, p38.

[25] Alain Thomasset, l’imagination dans la pensée de Paul Ricœur, in revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80, pp525-541.

[26] Monteil Pierre-Olivier, Raviver le sens du lien social par la médiation de l’imagination. Schématisme métaphorique et jugement politique selon Paul Ricœur, in Revue philosophique de Louvain, Tomme 112, N°1, Février 2014, pp75-96

المصادر والمراجع:

Ricoeur (Paul), la métaphore vive, Paris, Seuil, 1975. Reed, Points- Essais, 1997.

Ricœur (Paul),  du texte à l’action, essais d’herméneutique,t.II, édition du seuil, 1986.

Ricœur (Paul), Anthologie, textes choisis et présents par Michael Foessel et Fabien Lamouche, éditions Points, 2007.431p.

Aristote, Poétique, 1459 a.

Platon, le Sophiste, in  Œuvres complètes, Pl Gal, t, II, 263d- 264b.

Platon, La république, t. I ; li ;VI, 511a, p1100.

Épictète, Entretiens II, in les Stoïciens, PL Gallimard.

Husserl Edmond, Idées directrices pour une phénoménologie, §70, Traduction de Paul Ricoeur, Paris , Gallimard, 1950.

Martin Heidegger, Prolégomenes à l’histoire du concept de temps, GA 20, Francfort –sur-le- main, 1979.

Descartes René, Méditations métaphysiques, in Œuvres, PL Gal, Méd. VI.

Descartes René, Les passions de l’âme, art.211.

Kant Emmanuel, Anthropologie du point de vue pragmatique, édition Vrin, Paris ,1964, réédition 2008 , partie 1.

Kant Emmanuel, Critique de la raison critique,  1781, traduit par Tremesaygues et B. Pacaud, édition PUF, Paris,1965.

Kant Emmanuel, critique de la faculté de juger, traduit par Alexis Philonenko, édition Vrin, Paris,1979, §35.

[1] Sartre J. Paul, l’imaginaire, édition Gallimard, Paris, 1940, réédition, collection folio essais, Gallimard, 1986.

Bachelard Gaston, l’eau et le rêves, éditions Corti, Paris, 1965.

Bachelard Gaston, La terre et les rêveries de la volonté, éditions Corti, Paris, 1965.

Bachelard Gaston, L’air et les songes, éditions Corti, Paris,1965.

Bachelard Gaston,  Poétique de l’espace, édition PUF, Paris, 1957.

Jung Carl, les types psychologiques, éditions Georg et Cie Genève , p310sq

Durand Gilbert, les structures anthropologiques de l’imaginaire, édition Bordas,

Revue esprit, septembre 2018, N°447.

Revue philosophique de Louvain, Tomme 112, N°1, Février 2014.

Revue Etudes théologiques et religieuses, 2005-4, Tome 80.

Revue Philosophiques, volume41, Numéro 2, Automne 2014.

Revue d’éthique et de théologie morale, 2005, 1, N°233