محمود محمد علينعود ونختتم حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في فلسفة العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن موقف فلاسفة العلم من تجارب الفكر كان إرنست ماخ يري أن الـ " Gedankenexperimente" تشير بشكل حصرى إلي المنتج المتخيل imaginary conduct  لتجربة واقعية يمكن أن تشكل من خلال تلامذته (حيث يظهر التعارض بين التجريب الفيزيائي والتجريب الذهني) ؛ حيث سأل ماخ تلامذته أن يزودوه بتفسير عما إذا كانت نتائج التجربة العملية اختلفت عما كانوا قد تخيلوه في عقولهم أو متخيلاً عنها من خلال تجربة في الذهن، ولذلك فإن تجارب الفكر تشكل تكنيك مميز للبحث العلمي، كما أنها تمثل منهج رئيسي في تاريخ العلم وتوظيفه الحذر، يقول ماخ " يؤدي إلي تغييرات هائلة في تفكيرنا ويعبد طرق جديدة هامة للبحث

كما أكد ماخ :" أنه لا توجد هناك أفكار تبرهن عما هو فطري لدي الإنسان بقدر ما توجد هناك نزعة نحو التجربة . بينما كل التجارب تكون موجهة بالنظرية وليست كل التجارب تتطلب المعمل . فبعض التجارب تقوم بشكل خاص علي الخيال حتي وإن كان دورها يتحقق بشكل زائد عن الحاجةُ . ماخ أكد علي أن قيمة تجارب الفكر تمثل تقنيات للكشف techniques of discovery (دائرة كورنو Carnot`s Cycle) كأدوات نقدية للبحث (نقد جاليليو لديناميكا أرسطو) من خلال استخدام أفكار الـ Gedankexperiment المختبرة في الفكر قبل اختبارها في المعمل " .

إلا أن التجارب من خلال الخيال كما يقول ماخ :" قد أجيزت في قرون عديدة قبل ماخ، ولذلك قال ماخ أنه رغم كونه تجريبي، إلا أنه أدرك المغزي الخاص للعلم . وتجارب الفكر مع تمثيلاتها وترتيباتها التجريبية الفرضية غالبا ما تتطلب برحيل جذري عن التمسك بالوقائع . فالعقل أو الفكر يتطلب قفزة، ليس فقط بمساعدة النتائج التجريبية ولكن ربما يكون من خلال الخيال فقط ".

وفي كتاب العلم والرياضيات أفرد "ماخ" بعض الصفحات لتحديد معنيGedankenexperimente، حيث كتب يقول :" نحن نلاحظ أن كل شئ يطبع نفسه بشكل غير مفهوم وغير محلل في تصوراتنا وأفكارنا  والتي تقوم بعد ذلك بتقليد عملية الطبيعة وفي أكثر وأعظم ملامحها المميزة . وفي تلك الخبرات المتراكمة فإننا نمتلك منجم الذي يقترب من جهة والذي منه فقط يكون الجزء الأصغر متجسد بوضوح في الفكر الواضح المفصل . الظرف يكون من السهل عليه اللجوء إلي تلك الخبرات من الطبيعة نفسها، وأنه بالرغم من هذا فله الحرية أن ينزع إلي كل ذاتية تَستثمرُهم بالقيمةِ العاليةِ

ومن ناحية اخري أكد ماخ أن :" تجربةَ الفكر تسبق التجربة الطبيعية وتمهد الطريق أمامها. وفي الواقع فإن أبحاث أرسطو الفيزيائية انبثقت معظمها من التجارب الفكرية التي فيها تتجسد مخازن الخبرة الباقية في الذاكرةِ، وخصوصاً في اللغة المستعملة. ومع ذلك فإن تجارب الفكر أيضا ضرورية كشرط سابق للتجربة الفيزيائية . كل مخترع وكل مجرب لا بد وأن يكون في عقله الأمر المفصل قبل أن يتحقق منه .

ثم يؤكد ماخ بأن "تجربة الفكر ليس لها نتيجة محددة، بمعني أنها ليست مرتبطة بتصور ظروف معينة واضحة وتوقع محدد للنتيجة . ثم في اللحظة التي تكون بين التجربة العقلية Intellectual Experiment، والتجربة الفيزيائية فإننا في العادة نعيش لحظة التخمين . ولهذا يقال بأننا نفترض عن طريق التخمين التحديد الأقرب والحاسم للنتائج. وهذا التخمين غير علمي ميثودولوجيا methodologically .ويمكن أن نوضح هذه العملية الطبيعية بأفضل الأمثلة الكلاسيكية. وعن الفحص الأقرب فإنه يصبح من الواضح بالنسبة لنا أن التخمين هو غالبا ما يمثل طريقة متفردة لتجنب الشكل الذي يأتي من خلال التجربة الفيزيائية . (الاستمرار الطبيعي لتجربة الفكر) . لقد إتجه جاليليو للتنظير (يعني هنا تجربة الفكر) قبل أن يبرهن تجريبيا علي حركة سقوط الأجسام . لقد فهم جاليليو ذلك فقط من خلال الاستبصار أو الانعكاس وذلك من خلال زيادات السرعة.وتجربة جاليليو فقط أصبحت ممكنة من خلال اختبار الفرض . وفي مثل حالة قانون Richmann الأخلاط Mixtures كان من خلال التخمين الذي ثبت من بواسطة إختبارِ تجريبيِ، وهناك جداً العديد مِنْ أمثلةِ هذا النوعِ.

ويري ماخ أن:" إن حصيلة هذا المنهج القائم علي التخمين هو ترتيب تجريبي معطى له إذا يمثل أيضاً قيمة تعليمية عالية. كما أن القواعد الذي يتعلمها تلميذ مدرسة كانت بالنسبة لي متمثلة منذ فترة قصيرة المعلم الذي يضع هذا المنهج ويعرف كيف يقيس مستوي الطالب pisko الذي جاء بمناسبة زيارته لمدرسته كان أحد المعلمين الممتازين الآخرين، وقد حذوت نفس هذا المنهج . ليس فقط الطالب ولكن حتي المعلم يكسب صفقة عظيمة من هذا المنهج . ومن خلال هذا المنهج يكون المعلم علي ما يعرفه تلميذه . بينما بعض التلاميذ يخمن الخطوة التالية من نتائج تخمين الآخرين الذي أصبح مألوفا بشكل عام . ومن الواضح بشكل حدسي أن ما يعتمد علي التخمين هو الذي سوف يكون هو المتاح . كما في قصة العبد في محاورة مينون لأفلاطون والذي أعتقد أن تضاعف لجوانب المربع الذي يضاعف أيضا منطقة المربع . وعن الاستماع بسهولة من طالب المرحلة الابتدائية بأن مضاعفة طولِ البندولِ تضاعف فترة التذبذب. الطالب المتقدم سيصل إلي حد ما إلي الابداع ولكن بأخطاء مماثلة. حتى هذه الأخطاء ستققل تدريجيا من حدة التعاطف مع الامتيازات بين ذلك المحدد خلال الارتباط  أَو التخمين . الطالب سيتعلم أن يميز بين القابل للحل من غير قابل للحل عموماً .

كما رأي ماخ بأن تجربة الفكر تمثل التحولات العظمي لتفكيرنا وتكشف الطرق الأهم للبحث ؛ ولذلك لكونها تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي . علاوة علي أنها مطلوبة في تعليم العلم .

وفي الوقت الذي يعلي فيه ماخ من شأن التجارب الفكرية، كان هناك بعض الفلاسفة ينتقدون بشدة التجارب الفكرية، ومن هؤلاء الفلاسفة،:  العالم والفيلسوف الفرنسي "بيير دوهيم" Pierre Duhem  (1861-1916)، حيث نظر إليها بأنها "مزيفة ومضللة bogus and misleading  ؛ وأكد أنه لكي نشهد هذه التجربة لا بد أن تعمل التجربة عملها من خلال الوقائع التي يمكن التنبؤ بها بالفعل وفي هذا يتساءل دوهيم بتهكم :" ما الذي تكونه التجربة الفيزيائية علي وجه الضبط ؟ لاريب أن هذا السؤال سوف يثير دهشة أكثر من قارئ . هل ثمة حاجة لإثارته ؟ أليست الإجابة عنه بينة بذاتها ؟ ما الذي يمكن للتعبير  " القيام بتجربة في علم الفيزياء " أن يعنيه بحيث يتسني ملاحظتها بدقة باستخدام أجهزة مناسبة ؟ اذهب إلي المعمل واقترب من هذه المنضدة المكتظة بالأجهزة : نضيدة كهربائية، سلك نحاسي ملفوف بالحرير، أنابيب مليئة بالزئبق، ملفات، قضيب حديدي يحمل مرآة . يدخل الملاحظ ساق قضيب معدني مغطي بالمطاط في ثقوب صغيرة، فيتذبذب القضيب الحديدي ويرسل عبر المرآة شعاعاً يسلط علي مسطرة سيلولوز، فيتابع الملاحظ حركة الضوء الساقط . لا شك أن لدينا هنا تجربة، فيتذبذب بقعة الضوء يلحظ العالم الفيزيائي تذبذب القضيب الحديدي . اسأله عما يقوم به، فلن يخبرك بأنه يدرس تذبذب قضيب الحديد الذي يحمل المرآة، بل سوف يقول إنه يقيس درجة مقاومة الكهربائية . إذا سألته عن معني ما يقول وعن علاقته بالظاهرة التي ادركتماها معا في نفس الوقت، سوف يخبرك بأن سؤالك يستدعي تفسيرات مطولة وقد ينصحك بدراسة إحدى مواد علم الكهرباء . صحيح أن التجربة التي شاهدتها لتوك، كأي تجربة فيزيائية أخري، تتكون من جزأين . إنها تتكون من ملاحظة حقائق بعينها، وللقيام بهذه الملاحظة يكفي أن تكون يقظً ومنتبهاً إلي حد كاف بإحساسك . لا حاجة لك بالدراية بالفيزياء، وقد يكون مدير المعمل أقل مهارة في هذا الخصوص من مساعده من جهة أخري، فإنها تتكون من تأويل الحقائق الملاحظة . فللاقتدار علي إنجاز هذه المهمة لا يكفي أن تكون منتبها وأن تكون لديك عين مدربة، بل يتوجب أن تكون علي دراية بالنظريات التي تم التسليم بها وبكيفية تطبيقها . " .

ويستطرد دوهيم :" هناك أشياء أسوأ تمثلت في أغلب الأحيان التجربة الخيالية ليس فقط ليست مدرَكة، لكن عاجزة عن أَن تدرَك، يَفترض وجود الأجسامِ ليس مصَادَف في الطبيعةِ ومِنْ الخصائص الفيزيائية الذي ما سَبَق أَن لوحظ"

وعلي هذا الأساس صنف دوهيم تجارب الفكر علي أساس أن التجربة الفعلية المطابقة هي تجارب مستحيلة وغير فعالة وغير مؤدية للغرض والتجربة الفكرية بالتالي هي  التي لا يمكن أن تكون مؤدية بدقة وغير دقيقة فيزئائيا وهي تتميز بالسخف .

وننتقل إلي الحديث عن موقف كارل بوبر من تجارب الفكر ؛ حيث ذكر من قبل أنه قد خصص جزء للحديث عنها في رائعته الفلسفية " منطق الكشف العلمي "بعنوان" حول استعمال وسوء استعمال التجارب المتخيلة ولا سيما في نظرية الكوانتم On the Use and Misuse of Imaginary Experiments " ؛  فبوبر قد أثبت ثلاث استخدامات للتجارب الخيالية imaginary experiments ''  في الفيزياء : - المساعد علي الكشف النقدي critical  heuristic،  ويعطينا بوبر مثال لذلك تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، حيث يعتبرها بوبر بأنها " واحدة من أعظم التجارب المتخيلة الهامة في تاريخ الفلسفة الطبيعية وواحدة من أبسط وأعظم الحجج  المتخيلة في تاريخ الفكر العقلاني بشأن عالمنا الكوني الذي تشكل من خلال نقد جاليليو لنظرية الحركة عند أرسطو .

ويشرح بوبر محاوره تلك التجربة فيقول:" إن تفنيد الافتراض الارسطوطاليسي يقوم علي أن السرعة الطبيعية للجسم الأثقل أكبر من السرعة الطبيعية للجسم الأخف . ولو أخذنا حركة جسمين كما برهن علي ذلك جاليليو من خلال فكرة الشخص الناطق فإن ذلك يعني أن السرعات الطبيعية لهذين الجسمين تكون غير متكافئة ولتوضيح ذلك إذا ربطناهم معاً فإن الجسم الأبطأ والأسرع سوف سوف يجعل الأخير وهو الأسرع جزئياً سوف يتجه ناحية الأبطأ، والأبطأ جزئيا سيزداد سرعته بواسطة الأسرع . ولذلك مثلا لو تحرك حجر كبير بسرعة ثماني خطوات وحجر آخر أصغر يتحرك بسرعة أربع خطوات فإن بعد التحاقهما مع بعض فإن النظام المركب سيتحرك بسرعة أقل من ثماني خطوات. ولكن الحجرين الملتحقين مع بعض يصنعان حجر أكبر من الأول والذي يتحرك بسرعة ثماني خطوات. ولذلك الجسم المركب (رغم أن الجسم المركب أكبر من الأول لوحده) ومع ذلك سوف يتحرك بشكل أبطأ من الأول لوحده، والذي علي عكس ما افترضت . ومنذ ذلك أضحي هذا الافتراض الارسطوطاليسي من الحجج التي بدأ تفنيدها وبيان تهافتها " .

ويعلق بوبر علي كل ذلك فيقول :" وأري أن في التجربة المتخيلة عند جاليليو نموذج متقن للاستخدام الأحسن للتجارب المتخيلة . إنها تمثل استخدام نقدي . ومع ذلك فإنني لا أرغب في أن أقترح أنه لا توجد طريقة أخري لاستخدام تلك التجارب .ولاسيما وأنه يوجد هناك استخدام كشفي heuristic use يكون متاحا . ولكن يوجد هناك استخدامات أقل قيمة أيضاً.

ثم يتنقل بوبر للحديث عن التجارب المتخيلة بشكل تبريري ومتعذر، فيؤكد أن تلك التجارب قام بها اصحاب تفسير كوبنهاجن the Copenhagen Interpretation، حيث أساؤا إستعمال التجارب المتخيلة :"   إن الغرض الأساسي من هذه الملحوظة، هو أَن يصدر تحذير ضدّ ما يمكن أن يسمي بالاستخدام التبريري للتجارب المتخيلة . وهذا الاستخدام يرجع فيما اعتقد إلي المناقشة لسلوكِ قياس القضبانِ والساعاتِ  measuring rods and clocksُ من وجهة نظر النسبية الخاصة . وفي البداية فإن تلك التجارب قد استخدمت  بطريقة إيضاحيِة وتفسيريِة – استخدام شرعي بشكل متقن . إلا أنه بعد ذلك وبالذات في مناقشة نظرية الكوانتم والتي كانت قد استخدمت في ذلك الوقت كحجج متمثلة في مزاج نقدي وفي مزاج دفاعي أو تبريري .(في هذا التطور فإن الجزء الهام قد برز من خلال الميكروسكوب التخيلي imaginary microscope عند هيزنبرج خلال الميكروسكوب الذي يمكن أن يلاحظَ الألكترونات .

وننتقل إلي الحديث عن مفهوم التجارب الفكرية عند توماس كون، حيث كتب سنة 1977، بحث بعنوان "وظيفة لتجارب الفكر"، وفي هذا البحث حاول تحليل الدور الذي تقوم به تجارب التفكير أو التجارب المتخيلة في توضيح مظاهر اللبس في معني المفاهيم والنظريات القائمة، وبالتالي تمهيد الطريق أمام ظهور مفاهيم جديدة غيرها .

وتجارب الفكر في نظر هي تلك التجارب التي تبدأ في الظهور عندما يتعرض النموذج الارشادي لأزمة أثناء فترة العلم القياسي، فتنشأ أسئلة عن التقنيات التجريبية الأساسية "منهجية النموذج الارشادي"، وعن الفروض الأساسية للبنية النظرية للنموذج الارشادي،وغالبا ما تنشأ الأسئلة الميتافيزيقية التي لم ترد أبدا صراحة في فترات العلم القياسي، فتكثر تجارب الفكر، التي تلعب دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي – كما يقول كون – لذلك يبدأ كون مقالته" وظيفة لتجارب الفكر " بعرض المواقف العلمية التي لم تفحص في المعمل، كما هو الحال مع قطار أينشتين المنطلق بسرعة الضوء، وميكروسكوب بور – هيزنبرج . فتؤدي هذه الحالة إلي إحداث سلسلة من الارتباطات، يفحص منها كون ثلاثة في (بحثه) ويبدأ في صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، السؤال الأول هو : بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة فكر لا يمكن أن يكون تحكمياً بشكل واضح فما هي شروط رجحان صدقه؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحدا، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره، أو سبق أن استحضرته في الواقع؟ ويؤدي هذا إلي سؤال ثان هو: " كيف يمكن، بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة، أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة؟ " ويؤدي هذا بدوره إلي إثارة السؤال الثالث وهو: "ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجديد الذي يمكن اكتسابه هذا؟ وما الذي أن يأمله العلماء، إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟ "ويجيب كون عن هذه الأسئلة من خلال توضيحات استقاها من التاريخ وعلم النفس معاً .

وهنا يناقش كون إحدى تجارب جاليليو المتخيلة التي انبثقت عن مظاهر اللبس التي تحيط بمفهوم السرعة في فيزياء أرسطو، ويستعين في التمهيد لتلك المناقشة بأحد أبحاث جان بياجيه عن تطور مفهوم السرعة عند الطفل .

ويشير كون إلي بياجيه أجري تجربة في معمله عرض فيها للأطفال عربتين من لونين مختلفين إحداهما حمراء والأخري زرقاء . ومن خلال كل فترة عرض تحركت كلتا العربتين بسرعة مطردة ف خط مستقيم، لكن في بعض المناسبات ستقطع كلتاهما نفس المسافة في فترات زمنية مختلفة . وفي بعض العروض الأخري كان الزمن المطلوب واحدا لهما، لكن إحدي العربتين ستقطع مسافة أكبر . وأخيرا كانت هناك تجارب قليلة كان فيها الزمن والمسافة مختلفين بالنسبة لهما . وبعد كل دورة سأل بياجيه الأطفال ما هي العربة التي تحركت أسرع وكيف عرفوا ذلك؟

لقد وصف الأطفال العربة التي تصل إلي الهدف أولاً أو التي تستبق الأخري في معظم فترة الحركة بأنها " الأسرع" . وهم يستمرون في هذا الوصف رغم أنهم يدركون أن العربة " الأبطا" قطعت مسافة أكبر من " الأسرع" . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم الوصول للهدف goal- reaching . لكن هناك تجارب أخري تثبت وجود معيار آخر . فعندما بدأت العربة الحمراء متأخرة جداً عن العربة الخري وتحركت بسرعة كبيرة كي تلحق بها عند الهدف فقد اعتبرها الأطفال هي الأسرع . وعندما سألهم بياجية كيف عرفوا هذا أجابوا بأنهم شاهدوها . وتبين هذه الإجابة أنه عندما تكون الحركة سريعة جداً . فإن من الممكن إدراكها مباشرة . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم " اللاتحديد الإدراكي perceptual blurriness . ويتعلم الأطفال شيئاً جديداً عن السرعة إذا اضطروا إلي تطبيق هذين المعيارين، كما أنهم سيضطرون إلي ذلك إذا عرضت الطبيعة موقفاً يصل فيه جسم ما إلي الهدف أولاً رغم أن سرعته المدركة علي نحو مباشر أقل . وفي تلك الحالات سيحدث صراع بين المعيارين، وبالتالي سيقول الأطفا أن كلا الجسمين أسرع وأبطأ في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن الأسرع .

إن كون يطبق هذه التجربة علي فيزياء أرسطو، فيري أنه يعالج السرعة كفعل مكتمل ويصفه في إطار نقاط البداية والنهاية . ولهذا يشبه المفهوم الذي يقدمه عن السرعة ما نطلق عليه حالياً "متوسط السرعة average speed أي نسبة المسافة الكلية علي الزمن المنقضي . ويشبه هذا المفهوم معيار الوصول إلي الهدف لدي الأطفال . لكن بعض كتابات أرسطو تحتوي علي مفهوم تحتوي علي مفهوم آخر يدرك فيه أرسطو السرعة بصورة مباشرة بدون اعتبار نهاية النقطة، أي ما يمكن أن نصفه بالسرعة اللحظية instantaneous . ولذا فمن الطبيعي أن مفهومه عن السرعة كان يمكن أن يواجه مفارقات، مثله في ذلك مثل مفهوم الأطفال . وقد استعان جاليليو بالفعل بإحدى التجارب المتخيلة كي يعزل مظاهر الشذوذ هذه، فقد عرض لمحاوريه من أتباع أرسطو إحدى التجارب المتخيلة واضطرهم إلي استنتاج نتائج متناقضة حول مفهوم " السرعة" ولم يكن بالإمكان رفع هذه التناقضات إلا عن طريق التمييز بين معدل السرعة والسرعة اللحظية، فقد يكون الجسم أسرع إذا طبقنا أحد هذين المعنيين وأبطأ إذا طبقنا المعني الثاني . وبناءً علي هذا فإن هذه التجربة ساعدتهم عل تعديل مفهومهم عن السرعة . لكن هل معني هذا أن مفهوم أرسطو كان متناقضاً – ذاتياً؟

إن كون يرفض وصف مفهوم أرسطو عن السرعة بالتناقض الذاتي . فهذا المصطلح قد يصدق علي الدائرة المربعة . فالدائرة مربعة متناقضة ذاتياً بمعني أنه لا يمكن تمثلها في أي عالم ممكن، أما مفهوم أرسطو فيختلف عن ذلك . ويكمن الاختلاف في أن مفهوم أرسطو للسرعة، بما يحتويه من معيارين متزامنين، يمكن يحتويه من معيارين مترامنين، يمكن تطبيقه بدون صعوبة علي معظم الحركات التي نراها . ولا تظهر المشكلات إلا من تلك الفئة من الحركات – وهي الفئة النادرة جداً – التي يقود فيها معيار السرعة اللحظية ومعيار معدل السرعة إلي استجابات متناقضة في التطبيقات الكيفية . ولذا يرفض كون أن يصفه بأنه متناقض ذاتياً . ويبرر كون موقفه بأننا لا ينبغي أن نطالب مفاهيمنا بأن تكون قابلة للانطباق علي كل موقف يمكن أن يظهر في أي عالم ممكن . فلو كانت كل الحركات تحدث بسرعة مطردة، لكان مفهوم أرسطو صحيحاً تماماً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعيإن الأستعمال الأيديولوجي الفاقع وما يرايفقه في غالب سائد ثقافتنا من تسيب واضح في أستعمال المصطلحات وعدم الأنضباط المنهجي في وصف وتحليل وقائع إجتماعية - سياسية ومجريات تاريخية يضلل العقل ويزيف الحقيقة، لذا تجدنا نلتجأ لهذه الطريقة لمقاربة الحقيقة بطريقة دقيقة ومثالنا هنا وهو علة ماتقدم من قول: الديمقراطية. أيً سنتناول إبستيمولوجيا الديمقراطية .

نظرية المعرفة الاجتماعية ومبرر الديمقراطية

بدأت المناقشات الحديثة داخل الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) من خلال ممارسة تقييم التسـويغ أو التبرير الإبستيمولوجي (المعرفي) للديمقراطية. لقد تم مناقشة  هذا الموضوع من قبل فلاسفة السياسة في المقام الأول، كشرط مسبق ضروري للشرعية الديمقراطية التي يجب أن تنظم إلى صفوف التبرير الأخلاقي والسياسي. لقد ظل فلاسفة السياسة يرون منذ زمن طويل أن الديمقراطية، بالإضافة إلى تبريرها كنظام عادل سياسياً وأخلاقياً، ينبغي أن تكون نظامًا اجتماعيًا مبررًا أيضًا، أي نظامًا ينتج قرارات بأعلى جودة معرفية. اكتسبت مسألة السمات الإبستيمولوجية (المعرفية) للديمقراطية، على الرغم من كونها موضوعًا معرفيًا واضحًا، مؤخرًا زخمًا باعتبارها مهمة مشروعة للإبستيمولوجيا الاجتماعية. وإن النهج التوسعي للإبستيمولوجيا الاجتماعية واضح في تقييمه السمات المعرفية لإجراءات اتخاذ القرارات الديمقراطية وتأثير النظم الاجتماعية على النتائج المعرفية.[1] على الرغم من أنه ليس من الضروري مناقشة الطبيعة متعددة التخصصات لهذا الموضوع - والتي تشمل الاعتبارات المعرفية والفلسفية والسياسية والأخلاقية - فإن الدافع الأولي لإدخال موضوع الديمقراطية في الإبستيمولوجيا الاجتماعية هو جوهري للإبستمولوجيا ايضاً. تتمثل مهمة الإبستيمولوجيا الاجتماعية في الاستكشاف النقدي للخصائص المعرفية للمؤسسات والنظم الاجتماعية من أجل تقييم وتحسين أنظمة تكوين المعتقدات ومراجعتها، وإصدار الأحكام والقرارات والسياسات. إنها تشجع، بالتالي، نتائج معرفية أكثر مسؤولية، وعقلانية ومبررة وصادقة، أو على الأقل يهدف إلى إعاقة تلك التي هي غير مسؤولة وغير عقلانية وغير مبررة.

إن ضرورة تحليل الديمقراطية من وجهة نظر إبستيمولوجية تجعل من غير الممكن أو المرغوب فيه إجراء تحقيقات معرفية مجردة ومعزولة. فأرى إمكانات أكبر بكثير في النقاش الذي يفترض منظوراً  مختلطاً متشابكاً ويتعامل مع تبرير الديمقراطية من خلال تقييم انسجامها مع القيم الأخلاقية / السياسية والإبستمية (epistemic) (المعرفية). وفي سياق مماثل، تتطابق الاتجاهات الحالية في الفلسفة السياسة والإبستيمولوجيا الاجتماعية التي طورت بدورها ممارسة لتقييم التأثير الإبستمي-المعرفي للديمقراطية يتوافق  تمامًا مع السمات الأساسية للمنظور المختلط.[2] إذا كان يجب أن تكون الديمقراطية أو نماذج من عملية صنع القرار الديمقراطي مبررة أخلاقيا / سياسيا وإبستيمولوجيا على حد سواء، فإن أي مبرر يمكن اعتباره ذا معنى وفعال يتطلب: الأنسجام بين الإبستمي (المتعلق بالمعرفة أو الى درجة التحقق من صحتها) والرغبات والفضائل الأخلاقية / السياسية.

سأبدأ بافتراضين لا يتطلبان حاليًا شرحًا مفصلاً، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يمكن مناقشتهما بشكل مثمر في سياقات أخرى. يتعلق الأول بضرورة  التسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية، أو الموقف القائل بأن شرعية جميع المؤسسات والأنظمة - وخاصة الديمقراطية كترتيب  اجتماعي شامل - يجب أن تستند إلى أدلة كافية على أنها تلبي، كبنية اجتماعية، إلى الحد الأقصى تشكيل معتقدات أو قرارات  عاليًة الجودة ابستميا (معرفيا). بمعنى آخر، أن تكون هذه المعتقدات أو القرارات صحيحة أو موصلة الى الحقيقة أو لها ما يبررها وفعًالة في حل المشكلات أو تصحح أو تستمد من الحجج / الأسباب، المسؤولة عن المعرفة أو ما شابه.[3] والافتراض الأولي الثاني هو أن الديمقراطية التداولية، على عكس الديمقراطية التجمعية (التي تعتمد حاصل جمع الأصوات)، لها فوائد إضافية لتشجيع النقاش العام باعتبارها تمتلك صفة مثلى أخلاقياً وسياسياً ومعرفياً للديمقراطية.[4] يستلزم هذا الافتراض طرح هو أن التركيز على المناقشة الملازمة للديمقراطيات التداولية يتضمن بالفعل على ميزة أولية معرفية تتطلب مزيدًا من الفحص و التدقيق. أيً، تعتمد الديمقراطية التداولية على فكرة، أن شرعية المواقف السياسية الأساسية يجب أن تستند إلى مناقشات عامة بين المواطنين لأن هذه الممارسة يمكن أن تحسن اتخاذ القرارات السياسية والمعرفية، مما يسهل تحقيق المثل العليا مثل التشريعات العقلانية، السياسات التشاركية، الإدارة المدنية الذاتية والاستقلالية العامة المستمدة من المداولات المدنية. باختصار، لأن هدفي ليس مناقشة شرعية الديمقراطية كنظام سياسي أو مقارنة الديمقراطيات التداولية والتجميعية، سأفترض أن الديمقراطية التداولية هي أحتمالاً- على الأقل بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى المتاحة - لإنتاج قرارات ذات جودة معرفية عالية. هدفي الأساسي هو تحديد أي أشكال من الديمقراطية التداولية ومن النقاش العام يدعم بشكل أمثل إنتاج القرارات المرغوبة معرفيًا وتكون مبررة أخلاقًا / سياسيًا.

 إنه من المفتراض، قبل كل شيء، أهمية التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية، ولكن نلاحظ أن العديد من فلاسفة السياسة يتجاهلون أو حتى يعارضون أهمية أي تبرير معرفي في تحديد الشرعية الديمقراطية. يعود موقفهم هذا الى حقيقة أنهم لا يقيّمون الشرعية من ناحية عملية صنع القرار، بل يركزون بدلاً من ذلك على تبرير الدول الديمقراطية والحكومات المنتخبة ديمقراطياً.[5] مع افتراض أن المفهوم السياسي للعدالة هو المبرر للمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمع ديمقراطي تعددي.[6] من ناحية أخرى، يعتبر بعض المُنظرين أن التبريرالإبستيمولوجي (المعرفي) ذو صلة  بما تقدم، لكنهم يركزون على توضيح السمات المعرفية للديمقراطية التجميعية. يمكن توضيح ذلك من خلال مناقشات واسعة حول نظرية كوندورسيه الشهيرة،[7] أو الرأي القائل بأنه يمكن التوصل إلى القرارات الصحيحة من خلال تجميع المواقف المختلفة بشكل ديمقراطي.[8] أنا أعتبر، بأي حال من الأحوال، أن هذه المواقف لا أساس لها أو يمكن دحضها بسهولة. ومع ذلك، على الرغم من أنني سأنظر أحيانًا في حججهم، فإن افتراضاتي الأولى هي أن (1) المبررات الإبستيمولوجية/ المعرفية للديمقراطية ضرورية لضمان شرعيتها وأن (2) الديمقراطية التداولية، بسبب احترامها للأسباب والنقاش، من الأرجح أن يكون مبررًة معرفيًا. من أجل توضيح هذه الافتراضات، أريد أن ابدأ في شرح المبادئ التاريخية الأساسية للديمقراطية التداولية وتبريرها المعرفي ثم أنتقل، بعد ذلك، الى التوترات المحتملة بين التبرير المعرفي و التبرير الأخلاقي / السياسي كتحدي رئيسي للتقييمات المختلطة للديمقراطية التداولية.  وفي ذهني  أنهي هذه الدراسة بتحديد ثلاثة مقاربات ممكنة للتبرير المختلط للديمقراطية التداولية: الإجرائية والتوافقية وديمقراطية الموثوقية ( reliability democracy ).

لذا أريد أن اتناول  في المقال القادم التسـويغ الإبستيمولوجي (التبرير المعرفي) للديمقراطية التداولية

 

 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Goldman, Alvin I2010b. 'Epistemic Relativism and Reasonable Disagreement', in Feldman, Richard and Ted A. Warfield (eds.), Disagreement (Oxford: Oxford University Press), pp. 187-215

[2] Estlund, David. 2008a. 'Epistemic Proceduralism and  Democratic  Authority',  in Geenens, Raf and Ronald Tinnevelt (eds.), Does Truth Matter? Democracy and Public Space (Springer: Dordrecht), pp. 15-27

Fricker, Miranda.2007. Epistemic Injustice (Oxford: Oxford University Press)

وأنظر ايضا، توماس كريستينو، "المداولات العقلانية بين الخبراء والمواطنين"،في:

 Mansbridge Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge: Cambridge University Press), pp- 27-51

[3] إن تحديد القيم المعرفية التي يجب أن تحظى بالأولوية عند تقييم الجودة المعرفية للقرارات الديمقراطية أو التبرير المعرفي للديمقراطية يتجاوز نطاق اهتماماتنا الحالية. من الواضح أن المنظور الإبستمي- المعرفي يتطلب مقاربات مختلفة للدفاع عن أطروحة أن النظام الديمقراطي شرعي طالما أنه يحل مشاكل مواطنيه بكفاءة (هذه الأطروحة البرغماتية- العملية مدعومة، على سبيل المثال من قبل، فيليب كيتشر الذي سأذكر مصدره لاحقا)، مدعيا أنه لا يمكن أن تكون شرعية الا إذا اتخذت قرارات على أساس آليات موثوقة وحساسة تجاه الحقيقة (كما اقترح جولدمان وكريستيانو) أو اقترحت، كما اعتزم، أن يكون الإطار المعياري المناسب لتقييم الديمقراطية مرتبطًا على الأقل بنظرية المعرفة بالفضيلة. ومع ذلك، تعتمد هذه الدراسة على الموقف الذي مفاده أن تقييمات المؤسسات الاجتماعية يجب أن تنطوي على قيم معرفية. لا يمكننا المضي قدمًا في تحديد المعايير المعرفية والقيم والواجبات ذات الصلة إلا بعد  الأتفاق مبدئيًا على أهمية تقييم التبرير المعرفي للمؤسسات والممارسات والنظم. من الأهمية بمكان ملاحظة  أن أي مقاربة سابقة للقيم المعرفية لا يمكن أن تتعلق بمناقشتنا للتبرير المعرفي للديمقراطية إلا إذا التزمت بالادعاء الأساسي بأن القيم المعرفية تمتلك صلاحية موضوعية معيّنة. لمعرفة المزيد، راجع:

Goldman, Alvin I. 2010a. 'Why Social Epistemology is Real Epistemology?', in Haddock, Adrian, A. Millar and D. Pritchard (eds.), Social Epistemology (Oxford: Oxford University Press), pp. 1-29.

Kitcher, Philip.201la.  Science in a Democratic Society (Amherst, NY: Prometheus Books)

Christiano, Thomas. 2012. 'Rational Deliberation between Experts and Citizens', in Mansbridge

Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge, MA: Cambridge University Press), pp- 27-51

[4] يصو أنصار الديمقراطية الجماعية عملية التصويت على أنها ميزة فريدة وأهم من سمات صنع القرار الديمقراطي، بحجة أن دمج التفضيلات الفردية يتوافق بدقة أكبر مع الخيار الجماعيأنظر على سبيل المثال: Arrow, Kenneth J. 1963. Social Choice and Individual Values, sec. ed. (New York: Wiley)،

 بينما يرى أنصار الديمقراطية التداولية أن عمليات صنع القرار أكثر تعقيدًا. يجب أن تضمن مسؤولية متابعة التصويت بمناقشات عامة، وبالتالي تشجيع المشاركة المدنية المتساوية والعادلة للمواطنين في التعبير عن مواقفهم الفردية. للمزيد، انظر :

Manin, Bernard. 1987. 'On Legitimacy and Deliberation', Political Theory,15:338-368.

 Peter, Fabienne. 2008. Democratic legitimacy (New York: Routledge).

 [5] ماكس فيبر على سبيل المثال:

Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization (Basingstoke: Macmillan)

[6] John Rawls. 1993. Political Liberalism (New York: Columbia University Press).على سبيل المثال:

[7] نظرية كوندرسيه عن المحلفين هي نظرية في العلوم السياسية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح.  عبر ماركيز دي كوندورسيه عن هذه النظرية أول مرة في مقالته عام 1785 حول تطبيق التحليل على احتمال قرارات الأغلبية. أيً، إنها نظرية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح. ... إذا كانت p أكبر من 1/2 (من المرجح أن يصوت كل ناخب بشكل صحيح)، فإن إضافة المزيد من الناخبين تزيد من احتمال أن يكون قرار الأغلبية صحيحًا.

https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcets_jury_theorem

[8] على سبيل المثال:

Christian List and Robert E.Goodin. 2001. 'Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem', The Journal of Political Philosophy 9(3): 277-306; Robert E. Goodin. 2003. Reflective Democracy (Oxford: Oxford University Press).

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن تجربة عفريت ماكسويل  Maxwell's demon وهي تجربة فكرية أوجدها الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل عام 1871م، "لإثبات أن القانون الثاني الخاص بالديناميكا الحرارية ذو حقيقة إحصائية فقط". توضّح التجربة الافتراضية وجهة نظر ماكسويل عن طريق وصف كيفية نقض القانون الثاني. تعتمد التجربة على تقسيم وعاء متخيل إلى جزئين عن طريق جدار عازل، يحوي الجدار بابا يمكن فتحه وإغلاقه بواسطة ما أطلق عليه لاحقا "عفريت ماكسويل". يستطيع العفريت الافتراضي أن يسمح لجزيئات الغاز "الساخنة" فقط بالتدفق إلى جانب مفضل من الغرفة مما يسبب ارتفاع حرارة ذلك الجانب تلقائيا فيما يبرد الجانب الآخر.

إن تجربة ماكسويل كانت تهدف إلي طرح تساؤلات حول إمكانية خرق القانون الثاني في الترموديناميك. ينص القانون الثاني في الترموديناميك على منع إمكانية (بناء على استحالة إحصائية) أن يقوم جسمين ذوي درجة حرارة واحدة، عندما يكونان على اتصال ليشكلا جملة أو نظام معزول عن الكون المحيط بهما، فإنه من المستحيل أن يتطورا مع الزمن لحالة جديدة يكون فيها أحدهما أعلى حرارة من الآخر. بهذه المقولة يؤكد القانون الثاني في الترموديناميك أنه في نظام معزول isolated system، لا يمكن للإنتروبية أن تنقص. عنونة أغنية في ألبومه رؤى باسم: "عفريت ماكسويل.

وقد صف ماكسويل المفهوم بأنه "كينونة محدودة" عند تقديمه له في رسائله إلى زملائه وفي كتابه نظرية الحرارة. ظهرت التجربة الفكرية أول مرة في رسالة كتبها ماكسويل إلى بيتر غوثري تايت في الحادي عشر من ديسمبر عام 1867. ومن ثم ظهرت ثانية في رسالة إلى جون ويليام سترت في عام 1870 قبل أن تقدم الفكرة إلى العموم في كتاب ماكسويل نظرية الحرارة الذي نشر في عام 1871 وكان موضوعه الديناميكا الحرارية. كان ويليام ثومبسون (لورد كالفين) أول من استخدم كلمة "عفريت" لوصف مفهوم ماكسويل في مجلة "طبيعة" في العام 1874، وضمّن المقال بأنه قد قصد الجانب الروحي للكلمة وليس جانب الأذى الذي قد توحي به.

وقد كان القانون للديناميكا الحرارية (عبر الاحتمالية الإحصائية) يضمن أن يتطور جسمان بحرارة مختلفة عند وضعهما في حالة احتكاك مع بعضهما وعزلهما عن باقي الكون إلى توازن ديناميكي حراري بحيث يصبح لكلا الجسمين ذات الحرارة تقريبا كما ويعبر عن القانون الثاني عن طريق التأكيد أن الإنتروبي لا يتناقص أبدا في نظام معزول .

تصوّر ماكسويل تجربة فكرية كوسيلة تعزز فهم القانون الثاني حيث وصف التجربة كما يلي:

...إذا ما تصورنا كائنا ذا قدرات مشحوذة جدا بحيث يمكنه تتبع كل جزيء في مساره، فإن مثل هذا الكائن-ذي الصفات المحدودة أساسا كصفاتنا نحن-لا بد سيكون قادرا على فعل ما هو مستحيل بالنسبة لنا. وذلك لأننا رأينا أن الجزيئات في وعاء مملوء بالهواء وذي حرارة منتظمة تتحرك بسرعة غير منتظمة بأي حال من الأحوال، برغم أن السرعة المتوسطة لأي عدد كبير منها-عند اختيارها عشوائيا-هي منتظمة تقريبا. والآن فلنفرض أن مثل هذا الوعاء مقسّم إلى قسمين: أ وب عن طريق حاجز يحوي ثقبا صغيرا، ولنفرض أيضا أن الكائن الذي بمقدوره أن يرى الجزيئات المفردة يقوم بفتح الفتحة وإغلاقها بحيث يسمح للجزيئات الأسرع فقط بالمرور من أ إلى ب وللجزيئات الأبطأ بالعبور من ب إلى أ. لذا سيقوم هذا الكائن-دون أي جهد يذكر- برفع حرارة ب وخفض تلك في ب مما يناقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية....

وبعبارة أخرى، يتخيل ماكسويل وعاء واحدا مقسما إلى جزئين (قسمين)، أ وب. كلا الجزئين يملؤه نفس الغاز في درجة حرارة متساوية ووضع الجزءان بجانب بعضهما. يقوم عفريت خيالي بحراسة باب مسحور بين الجزئين ومراقبا الجزيئات في كلتا الجهتين. عندما ينطلق جزيء أسرع من المتوسط نحو الباب المسحور يقوم العفريت بفتحه وهكذا يحلّق الجزيء من الجزء أ إلى الجزء ب. سيتزايد متوسط السرعة للجزيئات في الجهة أ بينما يتباطأ في الجهة ب. بما أن متوسط سرعة الجزيء تتوافق مع الحرارة فإن الحرارة ستتناقص في الجزء أ وتتزايد في الجزء ب على نحو يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية .

وقد لقيت تجربة ماكسويل انتقادات عديدة منها :- أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية فعليا إذا ما أجري تحليل أكثر اكتمالا لكل النظام بما في ذلك العفريت. تتأتى أهمية هذا البرهان الفيزيائي من واقع إثبات أن أي عفريت يجب أن ينتج اعتلاجا (انتروبي) أكثر يقوم بفصل الجزيئات أكثر مما يستطيع إبعادها بواسطة الطريقة الموصوفة. بمعنى أنه تلزم طاقة أكبر لقياس سرعة الجزيئات والسماح لها بالمرور انتقائيا عبر الفتحة بين أ وب من كمية الطاقة التي يوفرها اختلاف الحرارة الناتج عن هذا الانتقال.

أحد أشهر الردود على هذا السؤال تم اقتراحه من قبل ليو سزيلارد في عام 1929 وبواسطة ليون بريلون فيما بعد. أشار سزيلارد أن عفريت ماكسويل لا بد أن يمتلك بعض الطرق لقياس سرعة الجزيء في الحياة الواقعية وأن فعل اكتساب المعلومة يتطلب بذل الطاقة. ينص القانون الثاني على أن الانتروبي الكلي لنظام معزول لا بد سيزداد. بما أن العفريت سيتفاعل مع الغاز فلا بد أن نأخذ باعتبارنا الانتروبي الكلي للغاز والعفريت مجتمعين.ستكون الطاقة التي يبذلها العفريت سببا في زيادة الانتروبي الخاص بالعفريت، والذي سيكون أكبر من خفض الانتروبي بواسطة الغاز. على سبيل المثال، إذا ما كان العفريت يقوم بتفقد مواقع الجزيئات بواسطة مصباح يدوي فإن بطارية المصباح هي جهاز ذو اعتلاج ضئيل وينتظر حدوث تفاعل كيماوي. فيما تُستهلك طاقة البطارية لبعث الفوتونات (والتي سيتم الآن احتساب الاعتلاج الخاص بها هي أيضا)، فإن رد الفعل البطارية الكيماوي سيستمر وبذلك سيزداد اعتلاجها بأكثر من تعويض النقص في اعتلاج الغاز.

في العام 1960، قدم رولف لانداور استثناء لهذا الإثبات فقد أدرك أن بعض عمليات القياس لا تحتاج إلى رفع اعتلاج الديناميكا الحرارية طالما كان بالإمكان عكسها بواسطة الديناميكا الحرارية. اقترح لاندوار أنه بالإمكان استخدام هذه القياسات "المعكوسة" لفرز الجزيئات مما ينقض القانون الثاني. على أي حال وتبعا للعلاقة بين اعتلاج الديناميكا الحرارية واعتلاج المعلومات، فإن هذا يعني أيضا أنه لا يجوز محو القياسات التي تم تسجيلها. بعبارة أخرى، لتحديد جانب البوابة الذي يجب أن يتواجد عنده الجزيء فعلى العفريت أن يكتسب معلومات عن حالة الجزيء ومن ثم يقرر نبذها أو تخزينها. سيؤدي تجاهلها إلى زيادة فورية في الاعتلاج ولكن لن يستطيع العفريت تخزينه إلى أجل غير مسمى؛ في عام 1982 أثبت بينيت أن مهما كان استعداد العفريت جيدا فلا بد أن تنفذ المساحة التي يخصصها لتخزين المعلومات في النهاية ولا بد أن يبدأ بمحو المعلومات التي جمعها قبلا. محو المعلومات هي عملية لا يمكن العودة عنها بالديناميكا الحرارية والتي ستزيد من اعتلاج النظام. (يواجه الكثير من الناس هذه المشكلة المتمثلة في نفاذ مساحة التخزين على حواسيبهم ولكن لحسن الحظ يتوفر حل بسيط ألا وهو مسح بعض البيانات غير الضرورية).

يمكن لعفريت ماكسويل أن يقوم بالمثل ألا وهو شطب البيانات السابقة. ولكن عملية الحذف من الذاكرة هي عملية لا يمكن التراجع عنها تحديدا. بمجرد أن تحذف البيانات الموجودة على جزء من الذاكرة معيدا جميع البيتات إلى حالة الصفر سيصير من المستحيل إعادة تجميع البيانات الأصلية من سلسلة الأصفار هذه. تزيد هذه العملية التي لا يمكن عكسها من الاعتلاج بمقدار س لن2 لكل بت (بالإنجليزية: Bit). أدرك بينيت أن كل دورة من دورات سزيلارد تحتاج إلى وحدة تخزين واحدة. الاعتلاج الذي يتزايد عند مسح هذه الوحدات (البتات بالإنجليزية: Bits) يعوض نقص الاعتلاج الذي يتسبب به العفريت. ولذا فإن الاعتلاج لا ينقص حين ننظر إلى النظام ككل مما يعني أنه قد تمت المحافظة على القانون الثاني. على الرغم من أن بينيت قد توصل إلى الاستنتاج عينه الذي ذكره سزيلارد في ورقته العلمية وهو أنه لا يمكن لعفريت ماكسويل أن ينقض القانون الثاني وذلك لأنه سيتم إنشاء الاعتلاج فلا بد أنه قد توصل إلى هذه النظرية بأسباب مختلفة والأسباب لها نفس أهمية النتائج في العلم.

ومع ذلك، ناقش كل من جون إيرمان وجون نورتون توضيحات سزيلارد ولاندوير لعفريت ماكسويل ابتداء بفرضية أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية وبهذا قدما إثباتهما على أن ليس بمقدور عفريت ماكسويل أن ينقض مسار القانون الثاني.

ب- : أهم تجارب الفكر في فلسفة العقل :-

1- تجربة كواين دعوي اللاتحديد في الترجمة

عرض كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة " في غير موضع من كتاباته، مثل مقال " المعني والترجمة "، عام 1959، وكتاب " الكلمة والشئ " عام 1960، وكتاب " النسبية الانطولوجية  ومقالات أخري " عام 1969، ومقال " في أسباب اللاتحديد في الترجمة " عام 1970، ومقال " اللاتحديد في الترجمة مرة أخري، عام 1987، وكتاب " ملاحقة الصدق "، عام 1990،وكتاب من المثير إلي العلم، عام 1995، وفي ردوده الكثيرة علي نقاده، وتتخذ دعوي اللاتحديد في الترجمة عدة صور جاء في طليعتها " تجربة الفكر " المتمثلة في الترجمة الجذرية radical translation . والترجمة الجذرية هي ترجمة لغة لبشر لم يتصلوا بغيرهم حتي اليوم . وإليك خلاصتها : هب أنك عالم لغة ذهبت بصحبة صديق فيلسوف إلي قبيلة من العصر الحجري تعيش في غابة معزولة تماماً . وتسعي إلي ترجمة لغة هذه القبيلة إلي اللغة العربية . وما دامت لغةهذه القبيلة خاصة بها، فلن يكون في مقدورك الاستعانة بمعاجم أو الاستعانة بالبني النحوية المشتركة بين هذه اللغة والعربية . ولن يكون في مقدورك أيضاً الإفادة من الدراسة التاريخية للأصول المشتركة بين اللغات، ما دامت لغة هذه القبيلةلا صلة لها بلغات أخري . وفي صباح اليوم التالي خرجت وصديق مع بعض الصيادين من أفراد هذه القبيلة للإستماع إليهم ومشاهدتهم وهم يمارسون جانباً من الحياة ويستعملون اللغة التي تبغي تعلمها وترجمتها إلي لغتك . وبينما تسيرون في الغابة، وثب أرنب بعيداً عن الأشجار والحشائش حتي صار في مجال الرؤية الواضحة . وهنا أشار أحد الصيادين قائلاً لزميله من أبناء القبيلة بهدوء (Gavagai)، وفتحت دفتر ملاحظتك وكتبت gavagai = أرنباً . وشاهد صديقك الفيلسوف ما شاهدته، ومع ذلك تساءل : هل أنت متأكد من gavagai تعني أرنباً ؟ وكان جوابك : بكل تأكيد . وهل يمكن أن تعني شيئاً آخر ؟ ورد صديقك : ألا يمكن أن تعني " جزءً غير منفصل من الأرنب " " أو " الذبابة التي تلازم الأرنب " ؟ ولعلك تميل في بادئ الأمر إلي رفض رد صديقك باعتباره يمثل نوعاً من الجدل الذي يفتن به الفيلسوف، ولكنك عندما تفكر علي مهل يتبين أن صديقك ربما يكون محقاً فيما قال . إن المعطيات الوحيدة المتااحة أمام عالم اللغة هي القوي التي تصطدم بحواس الصيادين (أبناء القبيلة الأصليين)، وسلوكهم القابل للملاحظة سواء كان لغوياً (متمثلاً في الكلام) أو غير لغوي (متمثلاً في الإشارة). والاعتماد علي هذه المعطيات وحدها هو ما تؤكده السلوكية عند تفسير السلوك اللغوي . والرأي عند كواين أنه لا يوجد شئ في سلوك الصيادين أو البيئئة المحيطة بهم يمكن أن يجيب إجابة محددة عن السؤال عما إذا كان الصياد يعني بكلمة Gavagai " أرنباً " أو " جزءً غير منفصل من الأرنب ".

وهذه التجربة وجدت أعتراضات من قبل بعض الفلاسفة، فنجد جون سيرل يرد علي كواين في مقال " اللاتحديد والتجريبية والمتكلم " (الذي نشر أولاً في "مجلة الفلسفة "عام 1987، وأعاد سيرل نشره في كتابه الوعي واللغة عام 2002) ليوضح أن دعوي اللاتحديد في الترجمة لا تثبت غموض الإشارة كما أراد كواين، وإنما تثبت أن السلوكية مخفقة في دراسة علم النفس واللغة . صحيح أن كواين لا ينكر وجود الحالات والعمليات العقلية الداخلية، ولكنه يعتبرها غير مفيدة وغير ملائمة لتطوير نظرية علمية تجريبية في اللغة .

2- تجربة الحجرة الصينية عند جون سيرل

وضع سيرل حجة الحجرة الصينية علي هيئة تجربة فكر (وتجربة الفكر بصفة عامة هي طريقة يمارسها الفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف وما يقال عنه) وتقول تجربة الفكر : هب أنك قد حجزت في حجرة، وفي هذه الحجرة سلات عديدة ممتلئة بالرموز الصينية (قاعدة البياناتdatabase ) . ولنتخيل أنك (مثلي) لاتفهم كلمة من اللغة الصينية، ولكنك أعطيت كتاباً للقواعد باللغة العربية لتعالج هذه الرموز الصينية (البرنامج) . وتحدد القواعد عمليات معاجة manipulation الرموز بطريقة صورية خالصة، وفي حدود تركيب Syntax هذه الرموز وليس دلالتها semantics . ولنتخيل أيضاً أن بعض الرموز الصينية الأخري قد أرسلت إلي الحجرة، وأنك قد أعطيت قواعد إضافية لرد الرموز الصينية إلي خارج الحجرة . وهب أنه من غير المعروف بالنسبة لك أن الرموز التي أرسلت إلي الحجرة يسميها الناس خارج الحجرة باسم "أسئلة" (المدخل input) وأن الرموز التي التي رددتها خارج الحجرة تسمي " إجابات علي الأسئلة" (المخرج output) . ولنفترض بالإضافة إلي ذلك أن المبرمجين كانوا جيدين جداً في وضع البرنامج، وأنك كنت جيدا جدا في معالجة الرموز، وان إجاباتك التي جاءت بسرعة بالغة يتغذر تمييزها من إجابات المتكلم الأصلي للغة الصينية . وها أنت محجوز في حجرتك تعدل رموزك الصينية وترسل رموزا صينية في الرد علي الرموز الصينية الواردة . وعلي أساس الموقف الذي وصفته لا تستطيع أن تتعلم علي الإطلاق أي رموز صينية عن طريق معالجة الرموز الصورية .

ويؤكد بعض الباحثين أن الفكرة الأساسية في هذه الحجة هي : إذا كان الشخص الموجود في الحجرة لا يفهم كلمة واحدة من اللغة الصينية علي أساس تنفيذ برنامج الكمبيوتر المناسب لفهم اللغة الصينية، فمن الطبيعي ألا يفهم الصينية أي كمبيوتر رقمي آخر علي هذا الأساس، والسبب بسيط للغاية، وهو أن الكمبيوتر لا يملك شيئاً أكثر مما يملكه الإنسان داخل الحجرة الصينية . وهذه الحجة ذات بنية منطقية شأنها في ذلك شأن أية حجة أخري، وتتالف هذه البنية من ثلاث مقدمات تلزم عنها نتيجة علي النحو التالي:

1- البرامج تركيبية بكل معني الكلمة .

2- العقول تملك دلالة.

3- التركيب ليس هو نفس الدلالة ولا يكفي بذاته للدلالة .

وبالتالي، فإن البرامج ليست عقولاً، وهذا هو المطلوب إثباته .

ومن الناحية المنطقية فإن بيان بطلان أية حجة يتطلب أمرين: إثبات كذب إحدي مقدماتها أو إثبات أن نتيجتها لا تلزم عن المقدمات . وفي رأيي أن الجدل الذي يدور حول هذه الحجة لا يتعلق بصدق المقدمات ولا بصحة النتيجة، وإنما يتعلق بما يمكن فهمه من الحجة، وليس أدل علي صواب ما نذهب إليه من ان أحداً لم يستطع تفنيدها حتي الآن .

3- تجربة الأرض التوأئمية لبوتنام

تجربة الأرض التوأمية هي تجربة فكر قدمها هيلاري بوتنام في كتابه " المعني والإشارة " عام 1973،  ثم ذكرها أيضا في كتابه معني المعني  وتقوم التجربة علي فكرة أنه إذا افترضنا بأنه يوجد في مكان آخر في الكونِ كوكب بالضبط  يشبه كوكب الأرضِ في شئ ، فالكوكب يدور حول نجم كما تدور الأرض حول الشمس، وفي هذا الكوكب أشخاص نفس الأشخاص الموجودين علي الأرض، وهذا ما نطلق عليه الأرض التوأئمية. بيد أن الكوكب يتشابه مع الآرض في كل شئ ما عدا شئ واحد وهو أنه ليس هناك ماء على الأرضِ التوأميةِ ويعني هنا الكوكب المشابه للأرض ويوجد بدلا من الماء سائل liquid وهو شبيه بالماء لكن كيميائيا لا يشبه الماء، فإن كان الماء علي أرضنا يتكون من (يد2أ)، أما السائل الشبيه الماء فيتكون من صيغة معقدة (س ص ع). والأرض التوأئمية والتي أشرنا والتي استخدمت السائل (س ص ع) هذا السائل شبيهه بالماء. أخيراً، وإذا ما حددنَا التأريخَ مِنْ تجربةِ فكرِنا فلنقل أنها وقت منذ عدة قرون في الماضي، وعندما سكّان الأرضِ والأرضِ التوأميةِ لا توجد لديهما وسائل معرفة بأنّ السوائلَ التي تسمي بالماء (يد2أ) و(س ص ع) على التوالي. خبرة الناسِ على الأرضِ فيما يتعلق بالماءِ،وخبرة الناس علي فيما يتعلق بالسائل تكاد تكون مماثلة .

والسؤال الآن هو : متي نتوصل إلي فكرة أن الماء علي أرضنا والسائل علي التوأئمية يعنون نفس الشيء؟ . افترض بوتنام أن هناك شخص يدعي أوسكار علي أرضنا ويوجد له توأئم شبية علي الكوكب المقابل ويدعي أوسكار، وعندما يقول أوسكار ماء علي أرضنا يشير (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم فيشير إلي أن الماء هو (س ص ع). إن نتيجةَ هذه بأن محتويات a دماغ شخصِ ليست كافيةَ لتَقْرير إشارةِ شروطِ يستعملونَ، كما أن المرء يَجِبُ أيضاً أَنْ يَفْحصَ التأريخَ السببيَ الذي أدّى إلى هذا الفردِ يَكتسبُ التعبيرَ. (أوسكار، على سبيل المثال، تَعلّمَ 'ماءَ' هو (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم تعلم أن الماء هو (س ص ع) . إذن (يد2أ)  تساوي (س ص ع).

هذه هي الفكرة الأساسية للنزعة الخارجية السيمانطيقية. لخّصَ بوتنام هذه النتيجة بشكل مشهور ليعلن أن" المعاني فقط لَيستْ في الرأسَ." (بوتنم 1975/1985, p. 227). بوتنام في مقالتِه الأصليةِ أكد أن إشارةَ التوائمِ للماء  تَفاوتتْ بالرغم من أن حالاتهم النفسية كانت هي نفس الشئ. وتيلر بورج Burge برهن بعد ذلك في "أجسام أخرى" (1982) علي أن الحالات التوائمَ العقلية مختلفة: أوسكار عِنده المفهوم (يد2أ)، بينما التوأم أوسكار عِنده المفهوم (س ص ع). بوتنام منذ  ذلِك الحينِ قَد أعربَ عن الإتفاق مع تفسيرِ Burge لتجربةِ الفكرَ. (أنظر مقدمةَ بوتنام لـ Pessin وGoldberg 1996, xxi.).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها" .. بول ريكور.

على الرغم من أن هذه المقابلة مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور قد أجريت منذ سنة 1976 إلا أنها مازالت راهنة وتطرح قضايا تعاني منها الفلسفة الى اليوم وتقترح مقاربات ومخارج ممكنة للانتقال من الوضع المتأزم والاستفادة من الاكتشافات الكبيرة التي تقترحها العلوم الإنسانية.

الترجمة:

"يبدو أن الفلسفة" هذه الطريقة في التفكير التي تقع بين الدين والعلم" - كما يقول برتراند راسل - قد دخلت في أزمة أساسية، وهي الأخطر في تاريخها. لقد تم مهاجمتها من جميع الجوانب من مختلف التخصصات العلمية، وهي كانت قد رفضت المجالات التقليدية التى تم منحها لها من الإغريقيين. وهي بدورها تتحول إلى حقول بحثية جديدة: الأساس المتين للقدرة الكلية العلمية، دلالة التاريخ، والتفكير في السيميولوجيا والألسنية، والاستيطيقا ... لقد استجوبنا البروفيسور بول ريكور لكي نسأله عما إذا كان انحطاط الفلسفة من حيث هي مؤسسة سوف يتطابق مع انحطاط في العمق.

 

- يبدو أن الفلسفة في الراهن معزولة، منفصلة عن الاختصاصات الأخرى ...

بول ريكور: الواقعة حديثة نسبيا. في القرن الثامن عشر أصبحت الفلسفة جامعية. في القرن السابع عشر، لم يكن ديكارت ولا ليبنيز ولا سبينوزا أكاديميين. أعطت بعض الوظيفية للفلسفة إطارًا مؤسساتيًا، نوعًا من الوجود الاجتماعي. هذا يمكن أن يخفي، في بعض الأحيان، عدم وجودها. يتم تدريس الفلسفة بغض النظر عن ما يحدث. لا يتزامن مصير الفلسفة مع تعليم الفلسفة. لذلك أود أن أفصل بالكامل مصير الفلسفة عن مصير تدريسها.

 

- ما الذي تغير منذ وفاة هيجل، أخر فيلسوف نسقي كبير؟

بول ريكور: أعتقد أنها إمكانية إنشاء نسق. جمع هيجل كل ثقافتنا. وهذا يعني ليس فقط الفلسفات المختلفة للغاية مثل الفلسفات القديمة والوسطية والحديثة، ولكن أيضًا اللاّفلسفة. يبدو أن الفلسفة تجمعت لأول مرة في نفس النسق: الحق، الاستيطيقا، السياسة، الخبرة القانونية، إلخ. قدم لنا هيجل تراثنا بأكمله، ووضعه في شكل، وفكر فيه. والواقعتان المهيمنتان هما الآتيتان: (1) اليوم، لا أحد في أي حال من الأحوال يمضي قدما في هذا التجميع؛ 2. الميراث الذي جمعه هيجل قد ابتعد عنا. هذه الظاهرة الثانية هي الأكثر إثارة للإعجاب. نحن بعيدون تمامًا عن أفلاطون أو أرسطو أو حتى ديكارت أو كانط كما لو كانت ظواهر غريبة. هذا النوع من المسافة من جذورنا هو أصل ما أطلق عليه نيتشه "العدمية". يجب ألا نفكر في هذا المفهوم بعبارات عاطفية (مملكة المدمرين ...) ولكن كعملية تاريخية شاسعة بعيدة عن جذورنا الثقافية. بالنسبة للفلسفة، إنه قدر كبير بشكل خاص: نحن موجودون كفلاسفة فقط إلى الحد الذي نواصل فيه نوعًا معينًا من الأسئلة التي افتتحها الإغريق. ما تم القيام به في الصين والهند ليس فلسفة، إنها طريقة أخرى للتفكير. السؤال الذي يطرح نفسه لذلك بقدر ما ابتعدنا عن محتويات الفكر اليوناني. دخلنا بعد نيتشه في فترة يمكن أن يطلق عليها "نقدية".

نحن نشهد، كما يقول البعض، تفكيكًا لهذه الموروثات، التي يمر بها نيتشه نفسه أو ماركس أو كيركيجارد. ليس لدينا سوى أجزاء من التراث العظيم والتمارين النقدية حول الدلالات التي تبتعد عنا.

 

- هل يمكن أن نجد من ناحية أخرى التجميع الهيغلي لتراثنا، وهو مصدر للفلسفة؟ ما هي علاقة الفلسفة بالعلوم؟

بول ريكور: جميع الفلاسفة العظماء في الماضي كانوا مؤهلين في علم واحد، وفي الكثير من الأحيان في عدة مجالات: كان أفلاطون هندسيا، وديكارت عالم رياضيات، وهكذا لم تقتصر الفلسفة بالتالي على النقاش مع نفسها. في كثير من الأحيان، يتحدث الفلاسفة، اليوم، فقط مع فلاسفة آخرين.

 

- هل هناك اليوم، وخاصة في العلوم الإنسانية، مواجهة تسمح بإحياء الفلسفة؟

بول ريكور: أود أن أقول إن الفلسفة لا يمكنها البقاء إلا إذا احتفظت، من جهة، بذاكرة ما اختفى. لا توجد فلسفة بدون تاريخ الفلسفة. يجب، من ناحية أخرى، الحفاظ على النقاش مع علم أو مع علوم. العلوم الإنسانية هي محاورها المتميز: فهي الوحيدة التي يكون فيها الموضوع هو نفسه كما في الفلسفة. في علوم الطبيعة، الموضوع هو المغاير لنا (الأشياء، الحياة ...). والسؤال، الداخلي في العلوم الإنسانية، هو ما إذا كان بإمكانها أن تتعامل مع موضوعها مثل العلوم الطبيعية تمامًا. ربما هذه هي وظيفة الفلسفة في الصعود المستمر "لجسر" المنهج. إذا ذهبنا إلى أسفل جسر المنهج وأعدنا باستمرار العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية، في تلك اللحظة يتم نسيان الموضوع، يعني الإنسان. إذاً، لتذكير العلوم الإنسانية بموضوعها، أن تصعد جسر المنهج وفقًا لطلب كائنها، الإنسان، إنه الشغل الأساسي.

يبدو هذا الشغل، في بعض النواحي، وكأنه مهمة هيجلية، والتي وصفتها في وقت سابق بالتجميع. مثل العلوم الطبيعية، العلوم الإنسانية هي مجزأة (الألسنية، علم الاجتماع، التحليل النفسي..). إنها تعاني من قانون تقسيم العمل وانهيار جميع العلوم الأخرى. ثم هناك مشكلة ليس في تجميع النتائج أو المناهج فقط، ولكن مشكلة العودة إلى الأسس التي تسبق انفجار المناهج والنتائج. في اعتقادي، هذا هو مشكلة الأنثربولوجيا الفلسفية. أعتقد أن إحدى الطرق للقيام بذلك هي تجربة تمرين التجميع على مستوى الكلام. كلامنا هو أيضا كلام متفجر. إنه لواحد من طبيعة منطقية أو رياضية أو علمية؛ لكن لدينا أيضًا كلام للحياة اليومية، وكلام الشعار والدعاية، وكلام العمل السياسي، وكلام شعري، إلخ. أليست واحدة من مهام الفلسفة أن تحاول هذه الفلسفة العظيمة للكلام التي يفهم المرء فيها أنه باختصار نفس الإنسان الذي يتحدث؟

 

هل تريد التحدث عن كلام يمكن للمرء أن يسميه علميا أكثر سيميولوجيا؟

بول ريكور:  نعم، بالطبع.

لقد صدمت، بدراسة القواميس، لأرى أنه لا توجد طريقة للقيام بذلك. هل لدينا انطباع بأن الكلام يهرب في الوقت الحالي من المنهج العلمي؟

ربما لأن القاموس لا يعبر حتى الآن عن الثورات المنهجية التي حدثت في الألسنية. إنه ببساطة التمييز بين طريقتين لمعالجة الكلمة. قد يتساءل المرء عما يعنيه بلغة ما أو يحاول معرفة ماهية الأشياء التي يتم التحدث عنها. تمزج قواميسنا بين الأمرين. تتحدث عن الأشياء المسماة وتتحدث أيضًا عن مكان الكلمات في النسق المعجمي للكلام. قواميسنا هي نوع من التسوية بين، من ناحية، سيمونيطيقا حقيقية للكلمات، وهذا يعني إنشاء كلمة فيما يتعلق بجميع الكلمات الأخرى، دون الاهتمام بالأشياء نفسها. ومن ناحية أخرى، وصف الأشياء المطابقة. ربما لم نتمكن بعد من كتابة معجم سيكون معجما سيميولوجيا بحتا لأن المستخدمين لديهم طلب آخر. يريدون أيضًا أن يكونوا على اطلاع بالأشياء ؛ إنهم يريدون أن يكون القاموس عبارة عن موسوعة صغيرة، وملخص صغير للمعرفة حول الأشياء: ما هذا الشيء؟ ... لا: ماذا تعني هذه الكلمة؟

 

- هناك نوع من المعارضة. من ناحية، يقول لك الناس: الحياة، التي تخلق المعجم، أغنى بكثير من أي نظام يمكن تطبيقه على المفردات. من ناحية أخرى، يعتمد البعض على المنطق، على افتراض أنه يمكن للمرء أن يبدأ من كيان عام سيتم تقسيمه إلى كيانات أكثر فأكثر تحديدًا.

بول ريكور: أكثر ما يهتم به الفلاسفة هو العلاقة بين عمل الكلام العادي والكلام العلمي. لأن الكلام العادي لا يعمل وفقًا لمتطلبات الكلام العلمي، فهو يعمل إما بالتنقيص أو بالزيادة. إنه يفتقر إلى الدقة، ما يسمى الوحدانية، أي أنه لكلمة هناك معنى واحد فقط. ولكن على وجه التحديد، إذا كان الكلام كله أحادي المعنى، فلن نتمكن من استخدامه. لا يمكن أن يتم إلا التعامل مع أنواع معينة من المشاكل التي تتطلب هذه الوحدانية . لكن المحادثة العادية حول أشياء الحياة تفترض كلاما من المرونة غير العادية. الكلمة نفسها لها معان مختلفة حسب السياق. هي قدرتنا على تحقيق معنى كلمة مناسبة في سياق فن الكلام. أقول فنًا وليس علمًا على الإطلاق.

 

- ماذا سيكون دور الفلسفة فيما يتعلق بهذا المعيار؟

بول ريكور: أعتقد أنه سيضفي الشرعية على كل استخدام للكلام في بعض الوظائف المناسبة. سيُظهر شرعية، على سبيل المثال، الخطاب الشعري أو الخطاب العادي أو الخطاب العلمي فيما يتعلق بمشروع معين لاستخدام الكلام. كنت أتحدث إليكم في وقت سابق عن الكلام المتفجر. لقد كشف هذا التفكك عن الثراء الهائل للكلام والطريقة التي تستجيب بها بمرونة غير عادية للاحتياجات التي ربما لا يمكن تعدادها. هذا تعلمنا بشكل خاص من فيتجنشتاين في فلسفته الثانية. قال: "ألعاب اللغة هي أشكال من الحياة وهي لا تعد ولا تحصى، وهذا يعني، لا تحصى. ترى الجولة صغيرة جدًا نحو "الحنين الهيجلي" التي تستغرقها محادثتنا. بدلاً من الأسف على التأليفات العظيمة في الماضي، قد نضطر إلى رمي أنفسنا في التنوع الآن. لن يكون بالضرورة موت الفلسفة، ولكن طريقة أخرى في الفلسفة. سوف يولي اهتمامًا أكبر للاختلاف في استخدام الكلام وأيضًا للتنوع الهائل للتقدم البشري الذي يتم التعبير عنه في العلوم وكذلك في التقنية والشعر والسياسة وما إلى ذلك. باختصار، يجب علينا استعادة التنوع والاختلاف.

 

- إذا أردت، سننتقل إلى علاقة الفلسفة بالتاريخ. بعد اللقطة الألسنية، يمكننا دراسة الديناميات الزمنية فيما يتعلق بالفلسفة.

بول ريكور: أعتقد أن هذا مجال مهم للغاية. التاريخ، أيضًا، يخضع لما أسميته سابقًا ميل الأسلوب. يجب أن تكون التاريخ علميا أكثر فأكثر. يستخدم الإحصائيات، وفحص المستندات، وما إلى ذلك. محاولته هي خلق تاريخ موضوعي. مهمة الفلسفة هي أن تقول أن هذا لا يمكن أن ينجح بالكامل، لأننا نحن المؤرخون، للتاريخ الذي نرويه. في كل حقبة جديدة، نجد أنفسنا في علاقة أخرى، علاقة جديدة، مع الأحداث التي يرويها شهودها، مؤرخيها. هذه العلاقة مع ماضينا، التي تسبق تأريخ المؤرخ الحالي للوثائق، هي ما أطلق عليه بعض الفلاسفة التاريخ. لذلك هناك شرط تاريخي للوجود الإنساني يسبق المعرفة التاريخية. المشكلة الفلسفية هنا هي العلاقة بين الحالة التاريخية للإنسان والمعرفة التاريخية التي تصور كجهد لمعالجة التاريخ علميا وموضوعيا. خذ المشكلة التي تركناها في بداية هذه المقابلة. كانت بالضبط مشكلة الحالة التاريخية: ما هي درجة بعدنا عن جذورنا؟ هذا النوع من التباعد، هذا التموضع البعيد، هو دراما تقع، ليس على مستوى التاريخ التي نرويه، ولكن التاريخ التي نعيشه ونفعله.

 

- عندما تتحدث عن "الجذور"، هل تفكر فقط في مجرى التاريخ أو في العلاقات بين الدين والفلسفة؟

بول ريكور: عندما أفكر في "الجذور" أفكر في مورثنا اليوناني والمسيحي المزدوج أو الثلاثي. هل نحن قادرون على تحديث هذه الموروثات إلى أجل غير مسمى أم أنها قد جفت؟ هذا هو واحد من أكثر الأسئلة الأساسية في الزمن المعاصر. ويسمى "العدمية" الاعتقاد بأن الميراث قد جف، وأن قوتها الرمزية قد استنفدت. أنا من بين أولئك الذين يعتقدون أن مهمة الفلسفة هي تحديثها الموروثات، وأنه لم يتم فقدان أي شيء على الإطلاق.

الجهد سيكون مكلفا للغاية. إنها ليست مسألة تكرار، ولكن إعادة اختراع. هذا ما أسميه الهرمينوطيقا.

 

- ألا ينبغي أن يكون موضوع الفلسفة الأكاديمية "تفكيرًا في الأفكار والفئات" التي تستخدمها كل من الأنشطة العلمية والعملية (السياسية والاجتماعية والفنية وغيرها) ؛ بمعنى آخر، ألا ينبغي أن يكون ذلك تفكيرًا لأننا قد نسميها "درجة ثانية" أو "متعالٍ" في الأنشطة العلمية والعملية؟ بأي معنى يمكن أن يكون للفلسفة وظيفة اجتماعية؟

بول ريكور: هنا أيضًا، أعتقد أن الفلسفة لها مهمة أساسية. خذ السؤال السياسي. العلوم السياسية تفكر في مستوى متوسط. يفترض أن الإنسان متورط بالفعل في المؤسسات، وأن هذه المؤسسات لها تاريخ. مشكلة الفيلسوف هنا هي معرفة ماهية الدخول إلى مؤسسة. هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج البيئة المؤسساتية؟ السؤال ليس نظريا على الإطلاق. هذه واحدة من القضايا الرئيسية التي لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرتها سابقًا: وهنا مرة أخرى، يجب علينا أن نفحص الإرهاق المحتمل لموروثنا الثقافي. تأليف الحرية والمؤسسة قد انهارت. تبقى العديد من المؤسسات على قيد الحياة: إنها ميتة ومحرومة ومتروكة. انها تشتغل لذاتها. من ناحية أخرى، يسعى كثير من الناس إلى حريتهم خارج البيئة المؤسساتية تمامًا. هذا صحيح بالنسبة للزواج، كما ينطبق على العلاقة مع العالم الصناعي والتكنولوجي. أرى كم من الشباب، الفتيات الصغيرات، يحلمون بنوع من الحرية البرية. يمكن للحركة الإيكولوجية أن تساهم كثيرًا في إيجاد علاقة ما قبل المؤسسات بالأشياء، مع الحياة، والطبيعة. تتمثل إحدى الأفكار الأساسية، التي ستجعلنا نتفهم قليلاً من الجانب اللغوي في النقاش السابق، في تناول مشكلة الدخول إلى مؤسسة. كيف يمكن للإنسان أن يكون حراً دون أن يكون لديه ما أطلق عليه روسو على نحو مناسب "الحرية المدنية التي سيتبادلها مقابل حريته البرية"؟ كيف يمكن للمؤسسات أن تعكس حاجتنا للحرية؟ كيف يمكن تجنب ظهور أي مؤسسة الآن كإطار خارجي، كإطار يجب قبوله بالتوافق؟

 

- لكن لا أحد يبدو أنه يقترح بديلاً؟

بول ريكور: هذا يأتي أيضا من أن الأشخاص الموجودين في المكان ليس لديهم أي أغراض، ولم يعد لديهم مشروع. ما يدهشني هو أننا نعيش بدلاً من ذلك في مجتمع بلا مشروع والذي يدوم بالسرعة المكتسبة. المجتمع التكنولوجي هو مجتمع سرطاني، مثل النسيج الذي يتغذى من نفسه. نحن نوبخ الشباب على رغبتهم في التدمير وعدم اقتراحهم أي شيء. ينبغي القول، على العكس، إنه المجتمع الذي ليس لديه مشروع. مشروعه كله هو مواصلة نفس الشيء، وخاصة بالنسبة للمجتمع الصناعي. هذا واحد ليس له هدف آخر غير نموه. إن فكرة النمو بمعدل 4 أو 5٪ كل عام، بحيث تتضاعف كل 20 عامًا، ليست مشروعًا. هذا هو أيضا جزء من "العدمية". مثل هذا المجتمع لا يعيش على شيء. إن العدمي ليس هو الشخص الذي يتحدث عن العدمية، إنه هو الذي لا يتحدث عنها، الذي لا يعرف أنه في العدمية، ولا يعيش شيئًا!

 

- هل أزمة الفلسفة أزمة شاملة في الثقافة الغربية أم هي المحرك الذي سيدفع هذا النشاط الفلسفي نحو حل هذه الأزمة؟

بول ريكور: أنا لا أتفق مع العديد من الفلاسفة الشباب حول موت الفلسفة. على العكس من ذلك، أعتقد أن العدمية تتيح لنا أن نلاحظ بوضوح الفقر، والضيق الذي يعيشه هذا المجتمع الذي استنفد أغراضه، الذي استنفذ مُثُله العليا. لكن للاعتراف بذلك، إنه عمل من الأمل: إنه لحفر العديد من الأنسجة الميتة للانضمام إلى الأنسجة الحية. من لا يعرف أنه يتحرك في بيئة نخرية لا يحمل الأمل ؛ انه ببساطة يتمسك بالموجود. من ناحية أخرى، فإن القدرة على الحفر تحت الأنقاض وتحت الحطام هي فعل إيجابي. إن نيتشه، بإرادته إلى السلطة، الرجل الخارق والعودة الأبدية، ألا يقدم لنا حلاً، لا أعتقد ذلك. ما أعطانا إياه للتفكير هو ضرورة ربط العدمية بتجاوزها. إن مشكلتنا هي أن نجد في الحياة والفكر موارد التغلب على العدمية. هذا كل ما أخبرتك به أنني أفصل نفسي عن العديد من الفلاسفة الشباب المتشائمين الذين ما زالوا في العدمية. سأقول إن المورد الوحيد هو تجاوز المسافة الفاصلة لإعادة تنشيط الموروثات من الماضي. أؤمن إيمانيًا كبيرًا بإمكانية تجديد الموروثات القديمة للعصور القديمة، لأنه لا يمكن للمرء أن يكون له "مستقبلا" إذا لم يكن له "ماضيا". لا يمكننا أن نأمل إذا لم يكن لدينا ذاكرة. ولكن يجب علينا إعادة تشكيل ذاكرة، لم تعد تكرارية ولكنها إبداعية. هذا هو أحد أهداف الفلسفة.

 

هل يمكن القول أن الدين الحديث عانى من نفس الظاهرة: نوع من التبلور المؤسساتي؟

بول ريكور: نعم، لكن يجب أن يكون لديك رؤية عالمية أكثر بكثير. بقدر ما هي الفلسفة ظاهرة غربية، الكثير من الدين هو ظاهرة عالمية. سيكون من الضروري العثور على الأعماق القديمة الأسطورية والرد عليها مع إلياد لإثرائنا بالتقاليد الشرقية وإعادة التفكير في نفس الوقت في البوذية والمسيحية واليهودية والإسلام ... كما أنها واحدة من مهام الفلسفة استعادة كامل تراثنا الديني ثم الخروج من التقسيم ليس فقط المذهبي، ولكن حتى الطائفي.

 

- نعم، لأن سمات الأديان المختلفة، على سبيل المثال، ينظر إليها اليوم على أنها تتناقض مع الدين نفسه...

بول ريكور: نعم بالتأكيد. لكنني لا أعتقد أننا يجب أن نسأل الدين عن التماسك الواضح للعلم. يجب ألا نعامله كعلم، ولكن نحترم تنوعه الرمزي الكبير، الذي يوفر أقطاب تحديد هوية مختلفة تمامًا. حتى ضمن التقاليد المسيحية، فإن قطب تحديد الهوية الذي يمكن أن يمثل السيدة العذراء ليس هو نفسه قطب المسيح المنتصر في طبلات الكاتدرائيات. أعتقد أننا يجب أن نحافظ على هذا النوع من التناقض الرمزي ضد تحديد الهوية، يعني ضد الاختزال إلى المتطابق.

 

- هل ستذهب إلى أبعد من القول بأن تحويل الدين إلى نوع من الفلسفة سيكون خطأً كبيراً؟

بول ريكور: نعم. هناك، أنا قريب جدًا من فيتجنشتاين، لأننا يجب أن نحترم تنوع الألعاب اللغوية حتى يستعيد الجميع حقوقه. ربما في يوم من الأيام سيكون بمقدور هيجل الجديد أن يعيد التأليف، لكن عصرنا على العكس من تأليف الاختلاف، واحترام الاختلافات في أشكال الكلام، وأشكال الحياة. نأمل في هذا السماد. سيدفع زهرة ! كان خطؤنا هو الخلط بين الله وفلسفة مهيمنة. على هذا، أتفق بشدة مع نيتشه، عندما قال إن جعل الله مثاليًا، وحدة عليا، كان مصدر العدمية. لقد فعلنا شيئًا لا يقبل للتغيير، في حين أنه قد يكون من الضروري احترام الاختلاف الأولي للعبرية والقول اليوناني.. قد يكون هذا التأليف ميتًا ثقافيًا.

 

- هل يمكننا طرح السؤال عن مستقبل الفلسفة؟

بول ريكور: هذا هو المكان الذي أعود فيه إلى التمييز الذي قمت به سابقًا: مستقبل مؤسساتي أو مصير الفلسفة. في الواقع، تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها. أود أن أقول إن الفلاسفة، بدلاً من اتهام الآخرين، ينبغي أن يتهموا أنفسهم بالتحدث إلى أنفسهم بدلاً من الاستماع إلى العلم. أما بالنسبة لمصير الفلسفة خارج المؤسسة، لأنها يمكن أن توجد خارج المؤسسة، فأنا أرفض أي نوع من النبوءة النيتشوية أو الهايدغرية أو نبوءة أخرى. يكفي أن يظهر فيلسوف عظيم حتى تكون جميع توقعاتنا خاطئة. هل يمكن للمرء أن يتوقع هيجل من القرن الثامن عشر؟ هناك خلق الفكر التي لا يمكن برمجته. هناك الكثير من الناس الذين يقومون بالفلسفة، ولكن القليل جدا من الفلاسفة العظماء. مهمتنا، في الفترة الفاصلة بين اثنين من الفلاسفة العظماء، هي الحفاظ على الذاكرة والعمل، وأود أن أقول، بأمانة وجدية، مع ما أطلق عليه نيتشه "الاستقامة الفكرية"."1

 

ترجمة: د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...........................

مقابلة مع بول ريكور حول ما يسمى أزمة الفلسفة. نشرت في: فلسفة اليوم (مكتبة لفونت). لوزان - برشلونة: Editions Grammont-Salvat Editores، 1976. (II.A.314a)

الرابط:

 http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/articles_pr/la-philosophie-aujourdhui.pdf

 

علي محمد اليوسفسانتيانا والفلسفة النقدية

جورج سانتيانا (1863- 1952) فيلسوف أمريكي من أصول أسبانية، أتسمت آراؤه الفلسفية النقدية بالاستغلاق العميق في تعبيره عن المعرفة والعقل والطبيعة والانسان والجوهر، ويشوب تفلسفه تعابير متطرفة وغريبة من حيث الغموض الذي يكتنفها كقوله (المعرفة هي وهم اليقين الحيواني).(1) وقوله أيضا: بأي معنى أنا موجود؟ الوجود لا ينتمي الى مجرد معطى، وأنا لست معطى لذاتي .

أنتظم سانتيانا مع فلاسفة النقدية سيلارز، رورتي، وسيرل، وآخرين عديدين في نقد آراء وليم جيمس في الذرائعية معتبرين (الاشياء ليست كما تقدمها التجارب لنا)(2) وهو الطعن المباشر العميق في النيل من فلسفة وليم جيمس تحديدا أكثر منها أستهداف بيرس وديوي، في تأكيد فلاسفة النقدية أن حقيقة الاشياء ليس نتيجة وثمرة التجربة، فالتجربة غير كافية لاستنتاج أهمية وصلاحية وصواب الافكار التطبيقية كما تذهب له ذرائعية وليم جيمس..

وفعلا فأن الاشياء في العالم الخارجي هي قطعا غير الاشياء المعبّر عنها بالتمّثلات الذهنية وتصورات العقل وأختبارها في مصانع التجريب التطبيقي..ودائما ما تكون التجارب وغيرها من وسائل التعبير عن الاشياء في وجودها المادي عاجزة عن أيفاء تلك الاشياء حقيقتها الماهوية، أن دلالة الاشياء في واقعيتها الحسّية قبل الادراك المعرفي لها هي أكثر غنى وحقيقية وأمتلاءا منها بعد تناولها في كل وسائل المعرفة الانسانية ومنها التجربة العلمية، ومثال ذلك هو الطبيعة في كل ما تحويه من مكونات في نسقها التنظيمي المعجز الذي تعجز عنه الوسائل المعرفية ليس في تقليد ذلك النظام وحسب وأنما في العجز عن مجاراته في الواقع الطبيعي للاشياء..وكما يقول سانتيانا عن هذه الحقيقة (أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة، فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة).

كما وصف فلاسفة النقدية (الادراك بأنه خلاص وليس قبضة) (3)، أي أنهم أرادوا أن يكون الادراك الفكري التمّثلي للاشياء، أي معرفة مضمونها كموضوع هي رفع حمولة وتحرير الادراك من أسر وقبضة موضوعه.. والادراك المعرفي لموضوعه ليس أكتشاف فكري – عقلي (قبضة) متحصّلة بل هو تحرير للفكروتحرير الموضوع من حمولته في سطوة وهيمنة الادراك العقلي ..

وشكك فلاسفة الواقعية النقدية بأن تكون التمّثلات تشي عن معرفة جوهر المدرك (الموضوع) في مقولتهم (كيف يكون الموضوع المعروف جوهرا لشيء غير معروف ؟).(4) وفي هذا التشكيك نستشّف الاقرار الواضح أن معرفة موضوع ما لا يعني أدراك جوهره الحقيقي ولا يصح الاستدلال به في معرفة جواهر مواضيع أخرى غيره... الموضوع المعروف لا يكون جوهرا لذاته ولا جوهرا لشيء غير معروف، بعبارة ثانية الافصاحات المعرفية حول جوهر الموضوع ليست كافية أن تمنح الاشياء المواضيع جواهرها الاخرى غير المعروفة .

كما طرحت الفلسفة النقدية جملة من التساؤلات التي أرادت من خلالها وضع الفلسفة الذرائعية في زاوية حرجة مثل (لا يوجد أطلاقا حقيقة عقلية لشيء بذاته، فالجوهر الموضوع هو الجوهر الكلي للموضوع ).(5)

وهذا تعبير فلسفي سليم من حيث أن حقيقة الوجود المادي لشيء أو اشياء لا تنقسم قسمة أبتذالية على ذاتها الى صفات ظاهرية كلية وعلاقات فيزيائية من جهة يمكن أدراكها بمعزل عما يمكن أن تحمله وتحويه من جواهر لا تدرك حسيا خفيّة مستترة خلف الصفات الكليّة للاشياء من جهة أخرى..

وجوهر الشيء لا يدرك حسّيا مباشرا كما لايدرك كموضوع غير مادي (خياليا) من الذاكرة في تمّثلات الذهن له..ولا يعني عدم الادراك المباشر له الجزم القاطع أن الجواهر غير موجودة في حال أدراكنا كليّات الاشياء في صفاتها الظاهرة.. فقد تكون معرفة الكليات هي معرفة أستبطانية حدسية في معرفة جوهر الشيء المدرك في كليته، وقد يكون الأمر ليس كذلك فادراك الكليات كاف لمعرفتها من دون جواهر تختزنها في ذاتها، أذ لا تكون الكليّات في غالبية الاشياء بمعنى آو آخر هي أدراك عرضي في معرفة جواهرها.. وهو ما تذهب له الفلسفات التي تنكر وجود الجواهر في ما يسمى الشيء بذاته وينكرون وجود شيء في ذاته، وأن معرفة الكليّات يغني عن لا جدوى البحث عن الجوهر ومعرفة الكليّات المادية حسّيا، ومعرفة كليات الاشياء المدركة هو كاف لمعرفة حقيقة الشيء وهذا ما تأخذ به الفلسفات المادية منها المادية الديالكتيكية الماركسية..

عبارة الفلسفة النقدية المار ذكرها تنكر وجود حقيقة عقلية لشيء في ذاته أطلاقا كما مرّ بنا، ولا يصبح من السهل معنا الجزم بصحة هذه المقولة، كونها مشروطة بتحفظ أن عدم أمكانية وقدرات العقل الوصول الى الاشياء بذاتها في جواهرها ليس كافيا أن يمنحنا القطع الجازم بعدم وجودها وعدم حاجة التفتيش عن أشياء لا يدركها العقل حسيا ظاهراتيا، فما لا يدركه العقل غير موجود هي مقولة مثالية تحتاج الى برهان وألا تكون سذاجة في التعبير لا معنى لها..

كما أن معرفة الكليات عند الفلاسفة النقديين تمثل تفويضا تعويضيا مقبولا في عجز العقل أمكانية فهم الاشياء بذاتها، لذا يكون معرفة الكليّات الصفاتية الفيزيائية التكوينية للاشياء هو معرفة الجواهر، وهي وجهة نظر لا ميتافيزيقية ولا مثالية بل تأخذ بها الفلسفات المادية كما كنا أشرنا له سابقا.. رغم أنها وجهة نظر تحمل علامة أستفهامها معها بأن معرفة كليات الاشياء وعلاقاتها التكوينية الداخلية والخارجية منها لا يعني القطع الجازم بعدم وجود شيء يحمل جوهرا ماهويا الذي هو الشيء بذاته..

حين ننتقل الى سيلارز وهو من أقطاب الفلسفة النقدية نجده يعبّر عن هذه الاشكالية الفلسفية بفجاجة تلغي معنا المناقشة الجدية لها، يقول سيلارز ( غير متاح لنا أمكانية بلوغ الجواهر الخاصة الخاضعة لأدراك الحواس)(6) غريبة أن يكون الجوهرموضوعا غير مدرك من الحواس ولا نقّر لا أمكانية أن يدرك الجوهر من العقل!! وهو لغز عصّي على العقل كما مر بنا؟؟ الجوهر ماهية ذاتية لا تدرك لا من الحواس ولا من العقل.

الجواهر ليست ماهيات يمكن أن تكون خاضعة لأدراك الحواس وألا لما كان هناك معنا سببا وجيها يقودنا التسليم بآراء فلاسفة لا يستهان بهم تأكيدهم أن الوجود بذاته هو ماهية وجوهرلا يمكن ولا بمستطاع العقل أدراكهما في وحدتهما المتداخلة، هذا على الاقل ماكان كانط دعا له وأيّده من بعده كلا من هيجل وماركس وهوسرل وهيدجر وسارتر ما ألجأهم جميعا أنكار شيء يتوجب معرفته أسمه الوجود (بذاته).. أن الوجود بذاته ليس عدما ولكنه ماهية جوهرية لا يدركها العقل والقول بعدم وجودها مسألة لم تستوف الحسم القاطع..

أن ما تدركه الحواس أحدى منظومات العقل الادراكية هو كليّات الاشياء الخارجية في تمظهراتها الحسّية فقط، ولو شئنا التوضيح أكثر في مراجعة مقولة سيلارز لوجدنا الامر معكوسا عما قال به، فأمكانية معرفة الوصول لأدركات كليّات الاشياء التي هي الصفات الفيزيائية والعلاقات الخارجية تكون أكثر جدوى متاحة لنا وميّسرة من البحث عن جواهرلا تخضع لأدراك الحواس، فجواهر الاشياء الخاصة التي هي ماهيات مدّخرة في الاشياء بذاتها التي لا يمكن أدراكها وبلوغها بالحواس،  هي ليست موضوعات يمكن أدراكها حسّيا كما في أدراك كليات الاشياء، فالجوهر ليس موضوعا ماديا تدركه الحواس ولا تدركه منظومات الادراك العقلية مثل الوعي والجهاز العصبي والذهن..الجوهر هو ليس عدما لكنه حدس العقل الماثل في أمكانية وجوده وفي أحتمال وعجز العقل عن أدراكه..

كما يطرح سيلارز مقولة فلسفية أخرى (أنه من حيث المبدأ يكون موضوع المعرفة – وفي آن واحد - وجودا عقليا، ووجودا- خارج – العقل)(7) تعبير سيلارز هذا هو الوضع الطبيعي المقبول لموضوع المعرفة الذي يجب أن يكون واقعيا مستقلا في عالم الاشياء المادية كوجود قائم بذاته سواء أكان موضوعا ماديا أو مجموعة علاقات فيزيائية تمثل صفاته الخارجية المدركة، وفي نفس الوقت يكون موضوع المعرفة هو وجود خارج العقل، فالعقل بهذا المعنى لا يدرك سوى المواضيع المنفصلة عنه، حتى أدراكات العقل لمواضيع الخيال التي مصدرها الذاكرة أنما هي مواضيع منفصلة عن العقل وليست جوهرا متداخلا عضويا معه في أدراكه لها ومعرفتها، والاختلاف في عبارة سيلارز هو أختلاف في لغة التعبير الفلسفي وليس أختلاف في (المعنى)... قوله أن موضوع المعرفة وجود عقلي في نفس وقت أنه وجود خارج العقل.. فهو وجود مادي مستقل من جهة، وموضوعا لادراك العقل من جهة اخرى وفي كلتا الحالتين يبقى موضوع المعرفة قائما في أنفصاله عن العقل.. موضوع المعرفة هو مادة تفكير العقل به لكنه لا يمّثل كل مقولات العقل..

ولا أهمية لموضوع المعرفة في وجوده الانطولوجي مالم يكن مدركا عقليا داخل تمّثلات العقل، ومواضيع المعرفة هي وجودات مادية أو علائقية خارج العقل منفصلة عنه، وألا كانت في موضع أستحالة أدراكية.. وهذا لا يتماشى مع رأي بعض الفلاسفة أعتبارهم الذات والموضوع شيء واحد لا يمكن الفصل بينهما..فوعي الذات هو في المغايرة الادراكية لموضوعه وليس في التطابق التام معه.

كما أن موضوع المعرفة في الوقت الذي يكون فيه ماديا مستقلا أو خياليا مستمدا من الذاكرة فهو خارج العقل في كل الحالات وألا أستحال أدراكه عقليا، وليس موضوع المعرفة الخيالي جزءا عضويا من تكوينات العقل بل هو موضوع معرفي للعقل ومادة تفكيره .. خلافا مع حال الاحساسات أو الوعي فهذه تكوينات لمنظومة عقلية عضوية وظيفية في تداخلها مع العقل وليست مواضيع أدراكات عقلية له.

وبهذه الضرورة الادراكية المتعالقة يكون موضوع المعرفة عقليا على الدوام. وموضوعات المعرفة لا يدركها العقل الا بأشتراط أن يكون أدراكه لها قصديا بمعنى وهدف يراد بلوغه والوصول أليه، وألا كانت موضوعات المعرفة لا أهمية حقيقية لها، فمواضيع المعرفة هي وجود عقلي قبل وجودها الذاتي الحسّي المستقل لذا فارتباطها بالعقل لا يكون مسوّغا ألا بأدراكية قصدية معرفية هادفة.

الواقعية النقدية والمنهج الطبيعي

أرتبط المذهب الطبيعي في الفلسفة الامريكية ب (سانتيانا) الذي (هو نمط الفلسفة التي لا تقبل بأية حقيقة مطلقة سوى الطبيعة فقط، وتعتبرالطبيعة مبدأ كل وجود وكل معقولية وكل قيمة)(7) كما ويرفض المنهج الطبيعي الثنائيات مثل: عقل – طبيعة/ روح – مادة، معتبرين الثنائيات عقلية وليست فعلية، ذلك أنه (يطبعن) الانسان العقلاني، ويروحن المادة، والعقل لا يناقض الطبيعة، فالعقل موجود في الطبيعة )(8)

عرض وتحليل المنهج الطبيعي

بضوء العبارات السابقة تكون كل ثنائيات الوجود هي وحدة أدراكية واحدة ولا فرق بين أحد قطبيها في نفي الاخر بل في التعايش معه والاقتران الضروري به، ولا معنى لأحدهما بغياب حضور الآخر، الثنائية بعد أدراك أحد قطبيها يكون حضورالغائب الثاني معياريا تضادا، ولا تتّعين الثنائية الا بعد أمكانية تعيّنها وجودا مدركا كموضوع أو على الاقل مقاربة حضورها كحدس قابل التحقق في الادراك...

والطبيعة لا يمكنها أن (تطبعن) الانسان العقلاني من دون أرادته وقرار مسّبق منه أنه جزء من الطبيعة متمايز عنها ويعلو عليها ولكنها لا تعلو عليه ولا تتبعه، الطبيعة ليست تابعا للانسان ألا بمقدار تبعيته هو لها.. والانسان لا يعقلن الطبيعة قبل طبعنتها له أولا.. أنسنة الطبيعة وعقلنتها لاحق على طبعنة الطبيعة للانسان.. الانسان وجد نفسه في الطبيعة مرضعته قبل تفكيره تطويع الطبيعة لحاجاته ورغائبه..

وكل مكتسب يحققه الانسان العقلي مصدره الطبيعة يكون من صنع الانسان العقلي وليس من صنع الطبيعة، الطبيعة لا تصنع الانسان في وقت هو يحاول تصنيعها، كما أن الانسان العقلي لا يناقض الطبيعة لأنه بحاجة ماسّة لمعرفة حقيقتها وحل الغازها والاستفادة منها، والعقل موجود في الطبيعة ليس بمعناه البيولوجي العضوي كجزء منها متداخل بها ومتمايز عنها.. والانسان العقلي موجود بالطبيعة في صورة تابع لفهم تنظيمها المعجز وليس دليلا من أجل أعادة تنظيمها المتقن بما لا يقوى الانسان مجاراته.

ولا يتساوى العقل الانساني والطبيعة من حيث أنهما معطيان متلازمان لا يفترقان، فالطبيعة وجود ألهامي ومعطى ميتافيزيقي لا يحتاج الى أثبات وجود من الانسان العقلي الذي تربطه بالطبيعة علاقة عضوية كسبب ونتيجة في تخارجهما المشترك.. والعقل معطى طبيعي للانسان قبل أن يكون معطى تعالقي بالطبيعة.

الطبيعة كيان مادي مقولة قارة لا تحتاج البرهنة على صدقيتها، الا أنها – أي الطبيعة – خارج الآلية المادية التي تحكم موجوداتها ومكوناتها، فالطبيعة نظام كلّي وليس نظاما تجزيئيا، على شكل قطوعات ومدركات لا ينتظمها نسق متكامل من الكلية الطبيعية في نظامها وقوانينها العامة، أنها بتعبير سانتيانا (الطبيعة هي المجموع الكلي لشروطها الخاصة )(9)، أي شروط خصائصها الذاتية في نظامها وفي قوانينها التي من غيرها لا تكون بمواصفاتها التي ندركها كحقيقة ثابتة..

مادية الطبيعة ليست حقيقة مكتسبة يمنحها الانسان العقلي لها وأنما هي مادية كمعطى يحاكم الانسان وجوده المادي بضوئها وفي أقترانه بها، مادية الطبيعة معطى متعال على الطبيعة الميتافيزيقية ذاتها وكذلك على الانسان العقلي الميتافيزيقي، ولا يمكننا فهم الطبيعة على حقيقتها علميا فقط من حيث أن نظام الطبيعة المتماسك لا يخضع دوما لتجارب العلم قبل عجز العلم أحتواء قوانين الطبيعة بكل مكوناتها الملغزة.. ومعرفة الطبيعة بمعنى أدراك حقيقتها فهما علميا لا يمكن تحديده في أكتشاف قوانينها العامة وأنما في محاولة معرفتها كوجود مادي غير عاقل يجعل من الانسان العقلي تابعا لها.. وما تدركه عقولنا من الطبيعة ليس أكثر مما تعطيه لنا مدركاتنا العقلية القاصرة عنها، ، حدود معرفتنا الطبيعة هي حدود مدركاتنا القاصرة عن فهمها..وهنا يكون عالمنا الحقيقي الذي نعيشه.

سانتيانا والطبيعة

يقول سانتيانا (كما هي الروح بالنسبة للجسد كذلك هو العقل بالنسبة للطبيعة، الذي هو كمالها الثاني.)(10)

كمال الطبيعة الاول هو بما أكتسبته الطبيعة ما ورائيا ميتافيزيقيا - روحيا من نظام وقوانين عامة، أي بتعبير ميتافيزيقي ديني (الله) هو الذي أكسبها هذا النظام العجيب الذي يقف أمامه العقل الانساني لا يقوى على التفكير في معرفة السبب ولا كيف ومتى.. والكمال الثاني هو الذي أكتسبه الانسان العقلي من الطبيعة ولم تكتسبه هي منه.. أن الطبيعة تفرض على العقل الانساني كمالها المنتظم بلا حدود لا يدركها العقل ولا قدرة الأحاطة والألمام بها...ويعبّر سانتيانا عن هذا أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة.

الطبيعة لم تكن يوما أفرازا بيولوجيا أو ولادة قيصرية تلدها الحياة التي هي ناتج الطبيعة ولم تكن الطبيعة ناتج الحياة، فالحياة والانسان هما توأم المولود قيصريا من الطبيعة الأم.. والطبيعة أشمل من الحياة في كل المقاييس فاذا ما كانت الحياة بالنسبة للانسان فضاءا لا يحد فأن الطبيعة بالنسبة للانسان والحياة فضاء لا يمكن أدراكه.. ألا أذا أعتبرنا الطبيعة كينونة مادية مخترقة ميتافيزيقيا بالصميم من قبل الحياة أي من الانسان...الحياة نظام مصنوع أنسانيا، والطبيعة نظام مصنوع ألهيا..

وفهمنا للحياة أنها فائض معنى في تداخلها مع الطبيعة ولا يمكنها مجاراتها ولا حتى التمرد عليها، فالطبيعة سر الحياة ولا وجود لحياة أنسانية لا تلوذ بالطبيعة كملجأ آمن لها... الطبيعة هي علة الحياة وفهمنا لها والتعايش الضروري معها هو لا يشكل أضافة للطبيعة بمقدار ما يشكل وجودا ما هويا للانسان العقلي في ألأخذ منها على الدوام....وعقلنة الانسان للطبيعة هو أضافة لها قبل أن تكون مكسبا انسانيا على حسابها..

الفكر ومضمونه في الفلسفة النقدية

يطرح فلاسفة الطبيعة ومنهم سانتيانا سؤالا على جانب من الاهمية والوجاهة ( كيف يمكن للفكر أن يخلص من مضمونه؟)(11)..،

الفكر هو حمولة مضمونه والوعي القصدي به، والفكر بلا مضمون هو وعي زائف غير متحقق، والفكر في حمولة مضمونه (الموضوع) هو ألزام العقل الاستجابة له في تناوله كموضوع..أن تحوّل المضمون الفكري الى تكوينات وتمّثلات علائقية أدراكية في الذهن يزيح عن كاهل الفكر حمولته ويجرده منها، ، لذا تكون مسؤولية الفكر تجاه موضوعه هي ألزام عقلي له يحرر الفكر من حمولته..

والسؤال هل يستطيع الفكر أن يمنح الاشياء ماهياتها أو جواهرها؟

الفكر في حقيقته طاريء على الماهية والجوهر من حيث أن الفكر وسيلة معرفية من وسائل العقل الادراكية، وتبقى حمولة الفكر لمضمونه حمولة وظيفية يراد أيصالها وأيداعها العقل، والفكر في تعالقه مع العقل داخل المنظومة الادراكية العقلية التي تبدأ بالحواس...، والفكر ليس كيانا مستقلا ولا موضوعا يمكن أدراكه من غير الاستدلال على وظيفته المعرفية في تنفيذ تعبيرات العقل الفكرية اللغوية عن الاشياء من خلال الوعي والفكر..

الفكر جوهر عقلي لا وجود له من دون العقل. ومن المتعذر جدا الجزم الكامل أن حمولة الفكر هي (ماهيات ) جرى تصنيعها في مصنع الحيوية العقلية.. فالعقل يعجز عن صناعة الماهيات التي هي معطى وتكوينات تدخل جوهر الاشياء بما هي خصائص تكوينية قابلة للنمو والصيرورة الدائمة.. فالماهية تشكيل دائمي مستمر وليس وجودا ماديا يمكن التعامل معه حسّيا أدراكيا كموضوع معرفي..

الماهية جوهرغير منظور مستقل والفكر وسيلة أدراك وظيفية عقلية.. ولا يمكن للفكر صناعة ماهيات الاشياء التي لا يستطيعها العقل أيضا، فالماهية وجود بذاته وهي جوهر داخلي مكمّلا كينونة وجود الشيء.. والفكر والعقل كلاهما لا يفهم من الماهيات ومعرفتها أكثر مما يعطيهما الموجود الكلي لهما..

وأكثر من هذا مما لا يدركه العقل ويعجز معرفته يكون هو الماهيات وجواهر الاشياء التي لا يمكن للعقل تصنيعها في أمتلاكه معرفة الصفات الكليّة في موجوداتها..الماهية أو الجوهر وجود مادي يكتسب ماديته من كونه جزءا عضويا ملازما لكل موجود مادي في الطبيعة وبالخصوص الانسان وعالم الانسان والحياة..لذا تكون الماهية عجزا عقليا أدراكها لأن الماهية ليست موضوعا للادراك العقلي..

يعبّر سانتيانا عن مقاربة هذا المعنى قوله ( أن نظام الماهية محايد من حيث تعريفه، ولأنه يضم كل شيء، الى ما لا نهاية فليس له سلطة على العالم الموجود وليس بمقدوره أن يحدد طبيعة الصفات التي تظهر في الحوادث ولا نظام ظهورها .(12) – أحيل القاريء الى مبحثي المنشور على موقع المثقف بعنوان (هوسرل وماهية الانسان)، فقد وضّحت فيه معنى الماهية بما يغني من تكراره هنا بما لا يحتمله الموضوع......يتبع

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة الامريكية، جيرار ديلودال، ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 147

2- المصدر اعلاه ص 148

3- المصدر اعلاه ص 150

4- المصدر اعلاه ص 152

5- المصدر اعلاه ص 154

6- المصدر اعلاه ص 159

7- المصدر اعلاه ص 161

8- المصدر اعلاح ص 163

9- المصدر اعلاه ص 166

10- المصدر اعلاه ص 167

11- المصدر اعلاه ص 169

12- المصدر اعلاه ص 170

 

 

محمود محمد علي(نماذج من علوم الفيزياء)

نعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث يمكن القول: لقد لعبت تجارب الفكر،ولأكثر من مرة دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي . ويجدر بالمؤرخ، علي أقل تقدير، أن يتعرف عليها بوصفها أداة فعالة في بعض الأحيان لزيادة فهم الإنسان للطبيعة . ومع ذلك، فليس من الواضح تماماً كيف صار لها مثل هذه التأثيرات الهامة . فهي تتعامل غالباً مع مواقف لم تفحص في المعمل.

وهناك العديد من التجارب الفكرية التي قام بها العلماء والفلاسفة علي مر الزمن،منها تجربة سقوط الأجسام عند جاليلو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship،وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend ، علاوة علي أن هناك تجارب فكرية حدثت في الفلسفة اليونانية مثل تجربة Plato`s Theory of refraction، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة Mary`s room"  حجرة ماري"، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat . علاوة علي تجارب أخري لم نذكرها هنا وتوجد في الكتابات الواردة عن تجارب الفكر، ويطول بنا السرد إذا ما تكلمنا عن تلك التجارب، ونقتصر علي ذكر أمثله منها، ونذكر من تلك التجارب الفكرية سبعة تجارب ؛ أربعة في العلوم الفيزيائية مثل تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، وتجربة البرق والقطار لأينشتين وتجربة قطة شرودنجر وتجربة عفريت ماكسوي، وفي فلسفة العقل نذكر نسرد أربعة تجارب أيضاً وهي،  تجربة كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية لسيرل، وتجربة الأرض التوأئمية لبوتنام:-

أ-: أهم تجارب الفكر في العلوم الفيزيائية:

1- تجربة سقوط الأجسام لجاليليو:

ونبدأ بتجربة جاليليو في سقوط الأجسام، فقد حاول جاليليو Galileo Galilei  (1564-1642)، أن يثبت بطلان رأي أرسطو في أن الأجسام تسقط نحو الأرض بسرعة تنتاسب ووزانها . وقد أثبت جاليليو في تجربة فكرية علي أنها جميعاً تسقط في وقت واحد إذا منعت عنها مقاومة الهواء . ولما لم يصدقه معاصروه جمع رجال جامعة "بيزا" وصعد إلي قمة برجها المائل، وأجري أمامهم تجربة دلت علي صدق زعمه.

وهنا قد يتساءل القارئ وما قصة التجربة الشهيرة التي ألقي فيها جاليليو كرتين مختلفتين في القدر والوزن من قمة برج "بيزا "المائل ؟ لعله ألقي فعلاً في مكان ما وفي وقت ما وزنين مختلفين ووجد أن تنبؤات أرسطو القائلة بوجود اختلاف كبير في لحظة وصول كل منهما إلي الأرض، غير حقيقية .

وتصور لنا الفقرات الآتية من كتاب جاليليو " حوارات حول النظامين الرئيسيين للكون النظام البطلميوسي والنظام الكوبرنيقي "، الذي نشر عام 1632، في فلورنسا، الموقف تصويراً واضحاً . وقد اقتفي جاليليو كتاب قدماء الأغريق في إخراج كتابه علي صورة حديث بين ثلاثة أشخاص من فينيسيا مدينة العجائب: سالفياتس الذي يأخذ دور المؤلف نفسه، وساجريدس وهو من العامة الأذكياء، وسمبليسيوس الذي لا يتوافر له الفهم الكافي لمدرسة أرسطو التي يمثلها ؛ وهاك الحديث الذي دار بينهم في الحركة حول دراسة علاقة السرعة التي يكتسبها الجسم إذا تحرك إلي أسفل مستوي مائل، بالسرعة التي يكتسبها إذا هوي رأسياً إلي أسفل  .

وفي بداية اليوم الأول في محاورة جاليليو المتعلقة بنظامين رئيسيين للعالم، إذ يسأل سالفياني الذي يتحدث نيابة عن جاليليو، محاوريه أن يتخيلوا سطحين مستويين، السطح الأول ج ب عمودياً، والسطح ج أ مائلاً، ومقام علي نفس المسافة العمودية سطحاً أفقياً أ ب . وحتي يساعد سالفياني محاوريه علي التخيل رسم رسماً تخطيطياً يفيد ذلك . وعلي إمتداد هذين السطحين تخيل جسمين ينزلقان أو يتدحرجان دون احتكاك من نقطة بداية مشتركة في ج . وأخيراً يسأل سالفياني محاوريه أن يسلما بأنه عندما يصل الجسمان المنزلقان إلي أ أو ب علي التوالي سيكونان قد اكتسبا نفس كمية التحرك، أي السرعة الضرورية لايصالهما مرة أخري إلي الارتفاع العمودي الذي بدأ منه . وبتلبية ذلك الطلب أيضاً، يتقدم سالفياني فيسأل المشاركان في الحوار أياً من الجسمين يتحرك أسرع . ودافعه إلي ذلك هو أن يجعلهما يدركان أنه باستخدام مفهوم السرعة الجارية حينئذ، فبالإمكان ارغامهما علي الاعتراف بأن الحركة علي طول العمود يمكن أن تكون أسرع لحظياً من، ومساوية في السرعة لـ  وأبطأ من الحركة علي الطول المائل . أما دافعه الأبعد فهو أن يجعل محاوريه وقراءه يتحققون من تأثير هذه المحالية، في أن السرعة لا ينبغي أن تعزي إلي الحركة كلها " .

لقد وصل جاليليو إلي آرائه المتعلقة بعلم الفيزياء عن طريق التفكير، عن طريق التدليل السليم والرياضيات لا عن طريق الاستنباط من التجارب . لقد كتب الكلمات التالية في أثناء وجوده في بيزا قبل ذهابه إلي بادوا: " غير أننا كالعهد بنا دائماً، نستخدم أكثر مما نستخدم الأمثلة (ذلك أننا نبحث وراء أسباب الآثار التي نراها، والتجارب لا تكشف هذه الأسباب ) . كان جاليليو يركن إلي استخدام ما يمكن أن نسميه " التجارب الفكرية "، وذلك بأن يتصور النتائج أكثر مما يشاهدها مباشرة .

وهو عندما يصف حركة الكرة الساقطة من قمة قلع المركب المتحرك في " حوار حول النظامين ..." يجعل سمبليسو الأرسطي يسأله هل قام بتجربة ما ليتحقق من ذلك، ويبادر جاليليو بالإجابة التالية: " كلا، لست في حاجة إلي تجربة فإنني أستطيع بدونها أن أؤكد أن الأمر كذلك لأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك" .

ويمكن أن نوضح ذلك بتفصيل أكثر من خلال الحوار الذي جري بين سالفياتي وسيمبليسيكو، حيث يقول جاليليو:-

سالفياتي: والآن فلتقولوا لي: لو أن الحجر الساقط من قمة الشراع عندما تكون السفينة مسرعة في الحركة قد وصل إلي نفس الموضع الذي يصل إليه في حالة سكونها،فإي قيمة تأخذها هذه التجربة بالنسبة للسؤال حول سكون أو حركة السفينة ؟

سيمبليسو: لا قيمة إطلاقاً، تماماً مثلما أن دقات النبض لا تقرر ما إذا كان الإنسان نائماً أم مستيقظاً، وذلك لأن النبض يدق بنفس الطريقة في الحالتين .

سالفياتي: تماماً جداً . هل قمتم بإجراء التجربة في حالة السفينة .

سيمبليسيو: إنني لم أقم بها، ولكنني أعتقد أن المؤلفين الذين ذكروهما قد قاموا بها بعناية تامة . وفوق ذلك فإن سبب الاختلاف في الموضع يوجد بوضوح بين أيدينا بحيث لا يكون هناك مجال للشك .

سالفياتي: إنكم أنفسكم تمثلون في الواقع شاهد عيان علي أن هؤلاء المؤلفين قد ذكروا التجربة دون القيام بإجرائها فعلاً . وذلك لأنكم تذكرون أقوالهم بكل ثقة دون أن تقوموا شخصياً بعمل التجربة، وقد اعتمدتم بقلب صاف علي أقوالهم . كذلك فمن المحتمل، بل ومن الضروري أن يكون هؤلاء المؤلفون قد تعرفوا مثلكم، أي أنهم قد اعتمدوا علي أقوالهم علي مؤلفين سابقين دون أن يخطر ببال أحدهم القيام بإجراء التجربة فعلاً، لأن كل من يفعل هذا سيصل إلي نتيجة عكسية تماماً لما كتب . إن المرء سيجد أن الحجر يصل دائما إلي نفس الموضع، سواء أكانت السفينة ساكنة أم متحركة باي سرعة وبما أنه ينبغي علي الرض والسفينة إظهار نفس التصرف، فإن السقوط الراسي للحجر عند قدم البرج لا يمكن أن يؤدي إلي نتيجة محددة بصدد حركة أو سكون الأرض .

سيمبليسيو: لو لم توجهوا نظري إلي طريقة التجربة، فإن حديثنا المتبادل سوف لا ينتهي قريباً، ذلك أن هذه القضية – تبدو لي بعيدة عن التأملات الإنسانية بحيث لا يستطيع أحد هنا التجرؤ علي اعتقاد شئ معين أو تخمينة .

سالفياتي: ومع ذلك فإني أتجرأ علي القيام بهذا .

سيمبلسيو: إنكم لم تقوموا بإجراء التجربة مائة مرة، بل حتي لم تقوموا بإجرائها مرة واحدة . ومع ذلك فأنتم متأكدون من نجاح ما تقولونه، إنني أعود الآن إلي عدم اعتقادي وإلي اقتناعي الابتدائي بأن المؤلفين الرئيسين الذين ذكروا التجربة قد قاموا بها فعلاً، وذلك بالنجاح الذي ذكروه .

سالفياتي: إنني متأكد دون تجربة ان النتيجة ستكون هكذا كما قلت لكم وذلك لأنها لا بد وأن تكون هكذا . بل إنني أزعم أكثر من هذا إنكم أيضاً تعرفون بأنفسكم أن النتيجة لا يمكن أن تكون سوي ذلك حتي لو كنتم تتصرفون – شعورياً أو لا شعورياً – كما لو كنتم لا تعرفون هذا.

وقد تعمدت ذكر هذا النص بالتفصيل لإثبات مدي اهتمام جاليليو بتجربة الفكر حين يتعذر القيام بالتجربة المعملية، وأنه لكي نؤدي تجربة فكر يكون ذلك من خلال عقل، هذا العقل يقوم بسيناريو متخيل يهدف إلي إثبات أو تأكيد فرض ما أو نظرية .

2- تجربة البرق والقطار لأينشتين:

حين أقام أينشتين نظريته في النسبية، أكد أن الحركة النسبية بين جسمين تقتضي في بعض صورها أن يكون أحد الجسمين متحركاً بفعل التحريك، والاخر ليس معرضاً لنفس مقدار فعل التحريك، في حين أن النسبية تجعل المتغيرات جراء الحركة واقعة بمقدار واحد في الجسمين جميعاً في كافة صور الحركة النسبية بينهما .

ولهذا أقام أينشتين نظرية النسبية علي فرضين: -

1- الفرض الأول: وينص علي أنه لا يمكن تحديد حالة الجسم، إن كان ساكناً أو يتحرك حركة مستقيمة منتظمة، من خلال تجارب ميكانيكية أو كهربائية أو ضوئية تجري فيه، لأن قوانين الطبيعة تبقي هي هي في كل المراجع التي يتحرك أحدها بالنسبة لآخر حركة مستقيمة منتظمة .

2- الفرض الثاني: وينص علي أن الأثير فرض لا مبرر لوجوده، وسرعة الضوء ثابتة في الخلاء، سواء أكان المنبع الضوئي ساكناً أم متحركاً، وسواء أكان الراصد ساكناً أم متحركاً .

ونجد أن اجتماع هذين الفرضين لا يمكن أن يتحقق ما لم يحدث تغييرات جذرية لبعض المبادئ الأساسية في المفاهيم العلمية السائدة والمعمول بها، وهذا ما دفع بأينشتين إلي ابتكار تجارب فكرية لتقرير وتثبيت المفاهيم الجديدة التي ينطوي عليها هذان الفرضان مجتمعين . وما كان العلماء آنئذ ليلتقوا إلي شئ من ذلك، لو لم يكن أينشتين منطلقاً في وضع واستنتاج كافة ما جاء به في نظريته من خلال نتائج تجربة ميكلسون مورلي علناً أو ضمناً .

وعندما نظر أينشتين إلي ذلك كله بدا له أنه، لما كانت تجربة ميكلسون مورلي التي أقيمت لإثبات حركة الأرض بدلالة الأثير الساكن، دلت علي أن حركة الضوء لا تصلح لإثبات حركة الأ{ض المنتظمة، فهذا يعني إثبات الفرض الأول للنسبية .كما بدا له،أن حركة الأرض لا تؤثر في حركة الضوء، أي لا يتغير مقدار حركة الضوء بالنسبة للأرض في حركتها بدلالة الشمس، فلو افترضنا عدم وجود الأثير، وهذا يعني عدم وجود التيار الذي يؤثر في حركة الضوء، لحصلنا علي النتيجة نفسها، مع افتراض التقلص بإتجاه الحركة . فلما كانت التجربة التي أقيمت علي الأرض المتحركة، أظهرت عدم تأثر حركة الضوء بحركة الأرض، فإن الأثير فرض لا مبرر له كما أبان الفرض الثاني للنسبي.

وللموائمة بين هذين الفرضين ودمجهما في بوتقة واحدة، وتقرير ما ينتج عنهما من مفاهيم جديدة، وضع أينشتين التجربة الفكرية الشهيرة (ضربتي البرق والقطار ) التي أوجزها في  التالي:

لنتخيل مراقباً يجلس في محطة القطارات في منتصف قطعة مستقيمة (أب) يحمل معه مرآتين تعكسان له ما يحدث في (أ) و (ب) دون أن يحرك رأسه . ولنفرض قطاراً يتحرك يتحرك حركة مستقيمة منتظمة بموازاة القطعة (أب) سرعتها (سر) ويجلس مراقب في منتصفه يحمل مرآتين تعكسان له أيضاً ما يجري في (أ) و(ب) في وقت واحد بالنسبة للمراقب في المحطة، وذلك لحظة وصول المراقب في القطار إلي محاذاة المراقب في المحطة، فهل سيسجل المراقب في المحطة؟ الجواب لا، لن يسجل ذلك، لأنه إذا افترضنا أن القطار كان يتحرك مقترباً من (ب) ومبتعداً عن (أ)، فإن الإشارة القادمة من (ب) تصل إليه قبل القادمة من (أ) فتكون الحادثتان المتواقتتان ( تحدثان في وقت واحد) بالنسبة للمراقب في المحطة، غير متواقتتين (تسبق إحداهما الأخري) بالنسبة للمراقب في القطار .

وكذلك لو افترضنا أن ضربتي البرق وقعتا داخل القطار، احداهما في مقدمته والأخري في مؤخرته، في وقت واحد بالنسبة للمراقب في القطار لحظة محاذاته للمراقب في المحطة، فإن المراقب في القطار سيسجل وقوعهما في وقت واحد، في حين أن المراقب في المحطة لن يسجل وقوع الحادثتين في وقت واحد . فتكون الحادثتان المتواقتتان بالنسبة للمراقب في القطار، غير متواقتتين بالنسبة للمراقب في المحطة .وفي هذا دليل واضح علي أن التواقت نسبي وليس مطلقاً ( أي: أن لكل جملة حركية زمناً خاصاً بها .

ومن هنا يخلص أينشتين من تلك التجربة الفكرية ، إلي  أن الزمن نسبي ويعتمد على محاور إسناد المراقب بالنسبة للحدث كما وان المراقب المتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء بالنسبة للحدث يجد أن الزمن المقاس يتباطأ عنه بالنسبة للمراقب الثابت بالنسبة للحدث. وهذا يعود إلى الفرضية الثانية للنظرية النسبية في ثبات سرعة الضوء في كافة الاتجاهات.

3- تجربة قطة شرودنجر:

هي تجربة فكرية قدمها الفيزيائي النظري النمساوي " إرفين شرودنجر"، ليبين فيها المشاكل التي رآها بتفسير كوبنهاجن وتأثير الوعي الإنساني في عملية الرصد والقياس الفيزيائي خصوصا في الحالات الكمومية. تخيل شرودنجر تجربة فكرية تم فيها حبس قطة داخل صندوق مزود بغطاء, وكان مع القطة عداد " جيجر"، وكمية ضئيلة من مادة مشعة بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنا. إذا تحللت ذرة فان عداد جيجر سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض الهدروسيانيك الذي يسيل ويقتل القطة فوراً. والآن يقف المشاهد أمام الصندوق المغلق ويريد معرفة هل القطة حية أم ميتة ؟ (من وجهة نظر ميكانيكا الكم، توجد القطة بعد مرور الساعة في حالة مركبة من الحياة والموت). وعندما يفتح المشاهد الصندوق يري القطة إما ميتة أو حية وهذا ما نتوقعه في حياتنا اليومية، ولا نعرف حالة تراكب بين الحياة والموت. تنطبق ميكانيكا الكم فقط على الجسيمات الأولية والذرات، وهي تصف هذا العالم الصغير بدقة لم تستطيعها الميكانيكا الكلاسيكية التي كانت معروفة قبل ابتكار ميكانيكا الكم عام 1923 - 1929. وتعتمد ميكانيكا الكم على وصف الجسيمات وحركتها بدوال موجية. ولدراسة نظام يحتوي على جسمين أو ثلاث، تفترض ميكانيكا الكم دوالا مختلفة لحالات يمكن للنظام أن يتخذها. وتفترض أن تلك الدوال الموجية عبارة عن تراكب مجموع الدوال الموجية لجسيمات النظام. وتعبر عن الحالات التي يمكن للنظام اتخاذها باحتمال تواجد كل منها. وتعرض هذا المنطلق لميكانيكا الكم لنقد كبير وقت ابتكار النظرية، ولا نعرف تماما عما إذا كان شرودنجر يريد بيان انطباق ميكانيكا الكم أيضا على الأجسام الكبيرة (القطة) بفكرته هذه، أم أراد القول بعكس ذلك. فبتطبيق ميكانيكا الكم على نطام يجمع الذرة(جسيم صغير) والقطة (جسم كبير) تفترض ميكانيكا الكم تراكب موجتين: الأولى (الذرة لا تتحلل /القطة حية) والدالة الموجية للحالة الأخرى (الذرة تتحلل /القطة ميتة). وتقول أنه في لحطة فتح الصندوق والمشاهدة تنخزل تلك الحالة المتراكبة فورا، فنري القطة إما حية وإما ميتة. من العلماء الذين رفضوا ميكانيكا الكم وحلولها التي تنتج احتمالات كان أينشتاين الذي أعطى مثالا آخرا في هذا الصدد. وتساءل عن الدالة الموجية التي من المفروض أن تصف منظومة حفنة من البارود بأنها في حالتي تراكب متساويتين، أحداهما البارود السليم والأخرى الإنفجار، وكيف يمكن لهذان أن يجتمعان في تراكب واحد ؟ وظل أينشتاين حتى وفاته يرفض ميكانيكا الكم. ولكن كما قلنا أعلاه لم تستطع الميكانيكا الكلاسيكية حل معضلة تركيب الذرة واستطاعت ميكانيكا الكم ذلك، وفسرت ميكانيكا الكم الطيف الصادر عن الهيدروجين تفسيرا كاملا لم تستطيعه أي نظرية أخرى. ولا يقتصر نجاح ميكانيكا الكم فقط على تفسير الذرة بل أيضا تفسير تركيب الجزيئات والنشاظ الإشعاعي وتحلل ألفا وتحلل بيتا وظاهرة الموصلات الفائقة. ويروى عن ستيفن هوكنج أنه قال:" إذا جاء إليّّ أحد وأراد ذكر قطة شرودنجر فسأرفع عليه بندقيتي !!". موضوع التراكب معروف بالنسبة للذرات، أما بالنسبة للقطة، فإذا نظر ملاحظ خارجي إلى الصندوق بعد انقضاء الساعة فإنه سيجد إحدى النتيجتين: القطة ميتة، أو حية.

لا توجد ملاحظة فيزيائية لجسم كبير معروفة تناظر حالة التراكب، أي أن حالة التراكب ليست حالة مميزة أو ذاتية لأي كمية واقعية يمكن تخيلها ورصدها. ذلك أن الملاحظ لا يستطيع سوى التفريق بين حياة أو موت القطة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليتجربة الفكر Thought Experiment بصفة عامة هي طريقة يمارسها العلماء والفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف ما وما يقال فيه، ويرجع مفهوم تلك التجربة إلي العالم الفيزيائي الدنماركي هانز كرستيان أورستيد Hans Christian Ørsted،  الذي استخدم لأول مرة كلمة " تجربة فكرية " سنة 1812، تحت المسمي الألماني mit Gedanken experimentieren ، والذي يقابل المسمي الإنجليزي experiment with thoughts ؛ أي التجربة من خلال الفكر .

بيد أن تجربة الفكر ارتبطت بشكل رائج بالفيزيائي والفيلسوف النمسوي "إرنست ماخ" في نهاية القرن التاسع عشر، وذلك في مقالته الشهيرة التي نشرها بالألمانية سنة 1897، تحت عنوان  Gedankenexperiment، أي تجربة فكر ؛ حيث أن الـ Gedanken بالألمانية تعني الفكر أو الذهن أو المتخيل، والـ experiment أي تجربة ؛ وهنا دمج ماخ الكلمتين في كلمة واحدة لتفيد تجربة الفكر .

ولذلك فإن الـ " Gedankenexperiment " هو مصطلح مركب من اللغة اللاتينية واللغة الألمانية، والذي تعني في اللغة الانجليزية Thought Experiment ، فقد نظر إليها علي أنها تمثل جزء مهم من مراجعته وتنقيحه للميكانيكا، وهو المجال الأكثر تَأسيساً للمعرفةِ الفيزيائية في ذلك الوقت. إن تجربة الفكر قد أعانت ماخ علي تَزويد الميكانيكا بأساس تجريب (بدلاً من الأساس الغيبي) .

إذن مصطلح " تجربة الفكر" يمثل تكنيك مميز للبحث العلمي، وهذا التكنيك يمثل نظير عقـلي   a mental analogue للتجربة الفيزيائية التي أطلق عليها لقب  Gedankenexperiment . وهذا التكنيك قد لعب دور رئيسي في تاريخ العلم - وبالأخص علم الفيزياء؛ فقد مارسه بشكل عظيم كل من أرسطو وجاليليو وأينشتين وغيره من العلماء.

وبعد ظهور مقالة " ماخ " عن " تجارب الفكر " سنة 1897م، أخذ مصطلح " تجربة الفكر" Thought Experiment  ينتشر في أدبيات الدوائر العلمية ؛ حيث وجدنا عدد كبير من العلماء والفلاسفة والمفكرين، يقبلون بشغف للكشف عن معناها وأهميتها في مضمار البحث العلمي؛ فنجد مثلاً الباحث " اجيل جاليلي "  Igal Galiliيقول أن :" تجربة الفكر هي أداة علمية مميزة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال المحاكاة العقلية mental simulation . إن توضيح معني لتجربة الفكر يتطلب تعلم العلم .وسنتابع الأحداث التي لها العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يولي عناية للقيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر هي مقترحة واستعمال تحليلي يبرز الاختلاف التصوري الثنائي الأبعاد ؛ ولكن الباحث " إرفين " Irvine  في وصفه لقيمةِ تجاربِ الفكرِ في علومِ الفيزياء قال :"إن تجارب الفكر تفهم علي أنها حجج تتعلق بأحداث افتراضية معيّنة أَو حالات  لشئون .

بينما ذهب الباحث " أثانيسيس فيلينزاس " Athanasios Velentzas وآخرون إلي أن " تجارب الفكر تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحونَ علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء" .

أما الباحث " ميرامريبر" و" ليورم بورك" Miriamreeiber and Liorm.Burk فقد رأوا أن تجارب الفكر لعبت دوراً مهما في الفيزياء الحديثة، هذا الدورِ ينطلق في الغالب من الفيزياءِ المعاصرةِ في الأنظمةِ بعيدة المنالِ، والتي يصعب تحقيقها في التجاربِ الحاليةِ، مثل فيزياءِ مِقياسِ بلانك .. على الرغم مِن أنها تمثل الأداة التي لا يمكن أن يستغني عنها الفيزيائيين، ولكن تجارب الفكر تمثل الثمار ليس فقط للظاهرة الفيزيائية، ولكن أيضاً خيالِنا وإجحافنا يعد أكثر خطورة. وهذا الخطر سائد لدرجة أكبر بالنسبة للطلابِ.بينما الفيزيائين يشيدون تجاربهم المتخيلة طبقا للفيزياءِ التقليديةِ المتماسكة، والمتعلمون السذج، فقط بدأ مؤخراً في الفيزياء الاهتمام بإكار الفكر.

بيد أن الباحث "ك.ف فيلكز " Wilkes K.V." يؤكد أن " تجارب الفكر تمثل غزواتَ الخيالِ. . . لبيان أن الإطروحة الفلسفية معقولةُ أَو غير قابلة للتّصديقُ.. الذي يَطِيعُ العديد مِن القيودِ على التجريبِ "

كما ذهب الباحث "ج. براون" Brown G.، بأن تجارب الفكر تنجز في معمل الذهن، حيث يصبح تجريب الفكر هو عملية تستخدم لمواقف متخيلة imaginary situations تعيينا علي فهم طريقة الأشياء فهما حقيقياً، والفهم يأتي من خلال انعكاس علي هذا الموقف المتخيل . تجريب الفكر قبلي ؛ وبالأحري عملية تجريبية تعول علي أن التجارب تجري ضمن الخيال ( وكما يقول براون ) علي أنه يمثل معمل الذهن، وهذا المعمل لا يجري مطلقا في الواقع لأنها تعتمد علي الخيال .

وبالتالي تجري التجربة الفكرية " بالخيال القائم علي استنتاجات بعينها بغض النظر عن الصعوبات العلمية التي تحول دون إجرائها الفعلي" ؛ وذلك لكونها تهدف إلي إعطاءنا معرفة قبلية للعالم الطبيعي ؛ علاوة علي أن "الإنسان والطبيعة طرفان لجسر واحد، وما الأجهزة العلمية إلا وسائط نقل لعبور هذا الجسر، تارة تبدأ من الطبيعة نحو الإنسان، وتارة تبدأ من الفكر نحو الطبيعة مكونة الجزء المهم في التجربة العلمية الحديثة، ولكن هناك تجارب فكرية ليست لها أجهزة كما في التجارب الفكرية التي استخدمها أينشتين" .

وهنا نتساءل ما هي المشكلات الرئيسية التي تثيرها تجارب الفكر داخل منظومة البحث العلمي ؟

ويجيبنا فيلسوف العلم الأمريكي " توماس كون " Thomas Khun، علي ذلك ؛ حيث يحدد لنا صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، ويبدأها " كون "،  أولاً، بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة الفكر ؛ حيث أنه في نظره لا يمكن أن يكون الموقف تحكمياً بشكل واضح، فما هي شروط رجحان صدقه ؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحداً، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره أو سبق أن استحضرته في الواقع ؟ إن ذلك التعقيد، إنما يشير بدوره إلي تعقيد ثان . فإن سلمنا جدلاً بأن كل تجربة فكر ناجحة تتضمن في تصميمها معلومة قبلية ما عن العالم، فإن تلك المعلومة ليست في حد ذاتها ثمرة التجربة . بل علي العكس من ذلك، إذا تعاملنا مع تجربة فكر حقيقية،فإن المعطيات التجريبية التي تعتمد عليها لا بد أنها كانت معروفة تماماً، ومقبولة بصفة عامة حتي قبل تصور التجربة . كيف يمكن إذن بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة ؟

ثم يتساءل كون قائلا:" ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجدي الذي يمكن اكتسابه هكذا؟ وما الذي يمكن أن يأمله العلماء إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟

ويجيب كون قائلاً"  بيد أنها، فيما اعتقد، ليست صحيحة تماماً، وإنما توحي بأن الفهم الجديد الناتج عن تجارب الفكر ليس فهما للطبيعة، وإنما بالأحرى أداة تصورية للعالم . وبهذا التحليل فإن وظيفة تجربة الفكر هي المساعدة في استبعاد الاضطراب السابق، وذلك بإجبار العالم علي أن يتعرف علي التناقضات التي كانت ملازمة لطريقة تفكيره منذ البداية . وعلي خلاف الكشف عن معرفة جديدة، فلا يبدو أن استبعاد الاضطراب الموجود يتطلب معطيات امبريقية إضافية . كما أننا لسنا في حاجة إلي موقف متخيل كأحد المواقف التي توجد في الطبيعة بالفعل . بل علي العكس من هذا،  فإن الهدف الوحيد لتجربة الفكر هو استبعاد الاضطراب الخاضع لشرط واحد فقط محتمل أن يكون صحيحاً . إذ ينبغي أن يكون الموقف المتخيل واحداً بحيث يمكن للعالم أن يطبق تصوراته عليه بالطريقة التي سبق أن استخدمها في العادة .

وينتهي كون إلي القول:" إن تجارب الفكر تساعد العلماء علي التوصل إلي قوانين ونظريات تختلف عن تلك التي كانوا يتمسكون بها من قبل، وفي تلك الحالة يمكن أن تكون المعرفة السابقة " مضطربة " و" متناقضة" فقط بمعني خصوصي ولا تاريخي تماماً، سيعزي الاضطراب والتناقض إلي كل القوانين والنظريات التي أجبر التقدم العلمي المهنة علي نبذها . ومع ذلك، فمن المحتم أن يوحي الوصف بأن تأثيرات تجربة الفكر حتي علي الرغم من أنها لا تقدم معطيات جديدة إلا أنها تكون أقرب كثيراً إلي تلك التأثيرات الخاصة بالتجربة الفعلية مما كان مفترضاً  عادة " .

مما سبق فإن تجربة الفكر تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي .ولتوضيح معني تجربة الفكر لكونها مطلوبة في تعليم العلم، فعلينا أن نتابع الحوادث العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يدفعنا لمعرفة القيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر تعريف مقترح ومعناه استخدام يحلل الاختلاف التصوري الثنائي . هذا المنهج يسمح للمرء في أن يضع تجربة الفكر في مقارنة مع التركيبات التصورية المعرفة أيضاً . والنظرة المعروفة المستخدمة لتصنيف استخدامات تجارب الفكر وبشكل رئيسي لأغراض منهج العلم.

وبعد أن عرضنا لمفهوم تجارب الفكر، نود أن نشير أن هناك نوعين من تجارب الفكر : تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، ومن تجارب الفكر العلمية  ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة سقوط الأجسام عند جاليليو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship، وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend  .

أما تجارب الفكر الفلسفية فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة Plato`s Theory of refraction عند أفلاطون، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة حجرة ماري Mary`s room"  "، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat .

وهنا نتساءل ما الفرق بين تجربة الفكر العلمية وتجربة الفكر الفلسفية؟

تجارب الفكر العلمية هي ببساطة تلك التي تتعلق بمادة موضوع علمي في حين تجارب أن الفكر الفلسفية فهي عكس ذلك تتعلق بمادة موضوع غير علمي . وقد حاول George Bealer، أن يميز في تجارب الفكر الفلسفية وتجارب الفكر العلمية بين مادة الموضوع العلمي والغير العلمي ، فقد ميز بين الحالات المتخيلة التي تكون مستعملة لاستدعاء الحدوس الفيزيائية من تلك التي تكون مستعملة لاستدعاء حدوس بشأن تطبيق المفاهيم الغير فيزيائية . الأول يتضمن سؤال القارئ في أن يحدد ما يحدس في السيناريو المتخيل المعطي، والذي يفترض أن القوانين الطبيعية تكون ثابتة، والثاني يتضمن سؤال القارئ في أن يقرر فيما إذا كان السيناريو المحدد هو ممكن منطقياً أو ميتافيزيقياً أو فيما إذا المفهوم المعطي ينطبق علي هذا السيناريو. وقد أثبت Bealer مصطلح تجارب الفكر يجب أن يكون محجوزاً لحالات النوع الأول، وتقريبا الفئة التي تشير إلي تجارب الفكر العلمية.

وقد اقترح Tamar Szabo Gendler (2000، ص 25-27) تصنيف مختلف بين تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، فقد ميز بين تجارب الفكر المتصنعة factive والتصورية، والتخمينية valuational ؛ حيث يكون السؤال المثار طبيعياً وموصوف من خلال ما الذي يحدث؟ وتجارب الفكر المتصنعة تتضمن مادة موضوع علمي، في حين تكون تجارب الفكر التصورية والتخمينية تتضمن مادة موضوع فلسفي.

وقد قدم جيمس روبرت براون James Robert Brown (1991) تصنيفا لتجارب الفكر العلمية . فقد ميز بين تجارب الفكر التدميرية destructive وتجارب الفكر البنائية constructive وينقسم الصنفِ الأخيرِ إلى توسطيِ وتخميني ومباشر. وتجارب الفكر التدميرية تتضمن أمثلة متخيلة مصممة للكشف عن الصعوبات عن طريق نظرية معينة،وأما تجارب الفكر البنائية فتهدف إلي إقامة نتائج إيجابية. وداخل صنف تجارب الفكر البنائية فإن تجارب الفكر التوسطية هي التي تسهل رسم خاتمة مِن نظرية معينة موضوع بشكل جيد، وتجارب الفكر التخمينية هي التي تهدف إلي التفكير بشأن سيناريو متخيل للأمور التي تجعلنا ونحن ندرس الظاهرة بأن نتجنب نوعا ما التفسير النظري، وأما تجارب الفكر المباشرة فهي لنظرية مؤسسة جيدا . وتجارب الفكر التدميرية والبنائية أطلق عليها براون بأنها أفلاطونية حيث علق عليها قائلا أنها تمدنا بمعرفة قبلية عن الطبيعة .

حين ظهر العلم الحديث، في حوالي عام 1600م بدأ المذهب التجريبي يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية قائمة علي أسس متينة، يمكن ان تدخل في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي . وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب "فرنسيس بيكون F.Bacon (1561-1626) وجون لوك J.Locke (1632-1704)، ويفيد هيوم D.Hume (1711-1776)، وجون ستيوارت مل J.S.Mill (1806-1873) ؛ حيث كان الاهتمام الرئيسي لدي هؤلاء جميعاً، ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، قد حاولوا  تشييد منطق للكشف موازياً لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة ؛ فالعالم لابد أن يقوم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة، مقصودة، منتقاة، وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق . وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها، عن طريق مجموعة من العمليات التي يتم بمقتضاها إحداث ظاهرة ما في المختبر، بهدف دراستها والوصول إلى بناء معرفة حولها . فالفيلسوف التجريبي " لا يزعم أنه كشف نوعاً جديداً من المعرفة يعجز العالم عن الوصول إليه، وإنما هو يقتصر علي دراسة المعرفة المستمدة بالملاحظة وتحليلها، سواء أكانت معرفة علمية أم معرفة عادية، ويحاول فهم معناها ومضموناتها ".

بيد أن هذا التصور للتجربة والتجريب، قد تغير تماماً مع التطور الذي عرفه العلم على جميع مستوياته النظرية والعملية في القرن العشرين، بحيث أصبح موضوع العلم، لا يتمثل في التجربة الحسية المباشرة، بل يبنى عقلياً؛ فالكون الماكرو- فيزيائي Macro physique باعتباره واقعاً، هو بدرجة هائلة من الكبر والاتساع، يعجز معه العلم - بأدواته وتقنياته المتطورة، الإحاطة به في شموليته، كما أن عالم الذرة اللامتناهي في الصغرMicro physique، قد برهن هو أيضاً على صعوبة التقيد بالتجربة بمعناها التقليدي . فأي " تجربة تلك التي يمكن أن تجري علي المجرات أو الكواركات وعلي العكس من ذلك نشأ ما يعرف بالتجريب الذهني أو التخيلي Imaginative Experiment والأهم من ذلك، إعادة النظر في كثير من المصطلحات المنهجية والفلسفية التي ولدت واستقرت وتشربت بروح فيزياء نيوتن".

ولذلك وجدنا معظم علماء الفيزياء وفلاسفة العلم في القرن العشرين، قد أدارو ظهورهم لمنطق اليقين التجريبي، واستحدثوا معايير أخري غير المعايير التي اعتادوا عليها في ظل فيزياء نيوتن التي سيطرت علي العقل العلمي، بسبب اكتشاف زيف فرض الاثير، وأنه فرض ميتافيزيقي، ولا يمكن أن يبني منطق التحقق المعاصر علي ردود الأفعال، بل علي الفهم الصحيح لمنطق العلم . إذ كيف أتحقق مما لا أراه. إذن في ظل التطورات العلمية المعاصرة ليس هناك تجارب حسية - ذات واقع تجريبي في تاريخ العلم، فهل عندما نادي ديراك بنظريته عن الوجود السالب ( البوزيترون   Positron) كان يتكلم عن الواقع التجريبي، أو بالأحري عن عالم ما وراء الخبرة .

فلنقارن مثلاً بين كل التجارب المعملية التي كان العلماء يجريها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبين تجربة المصعد عند " أينشتين Einstein " ( 1879 م– 1955م) علي سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الفرق شاسع، لأنه فرق بين عصرين، عصر كان يعاني من أزمة قديمة، فألقي بكل ثقله علي التجربة الحسية المباشرة، ورأي فيها القول الفصل في صدق أية قضية علمية، وعصراً آخر لا يري بأساً من الاعتماد علي التجربة الفكرية Thought Experiment  بعد أن أفلت الواقع من مصداقية الخبرة .

فكما نعلم أن التجربة كانت فيما سبق تتم عن طريق توفير الشروط اللازمة لحدوث الظاهرة المدروسة، حيث يعاد إحداثها ثانية في المختبر، ولما كانت هناك تجارب يصعب إجرائها في المعمل لجأ العالم إلي التجربة الفكرية الذي أضحي الخيال من خلالها يمنح الواقع غنى لا يمكن الوصول إليه بالتجربة بمعناها الكلاسيكي، وهو الذي لا يشكل المقوم الرئيس لهذا المنهج العلمي المعاصر. خاصة إذا علمنا أن حيثيات التجربة العملية وشروطها ليست دائما ممكنة، فاللجوء إلى التجربة الفكرية- المتخيلة أمراً ممكناً وضرورياً خصوصاً عندما يشتغل العالم علي موضوعات خارج الماكروسكوبية، وهذا ما يمنح للتجربة الفكرية قوة اقتراحيه في بعض الأحيان وإجرائية في بعض المجالات، مما يطرح العديد من الإشكالات على نظرية المعرفة التقليدية التي ترى التجربة بمعناها الضيق مصدراً لجميع المعارف.

لذلك فالتجربة الفكرية تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحون علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء في العشرين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن مبدأ اللايقين عند مدرسة كوبنهاجن فنقول: في الوقت الذي يدافع فيه هيزنبرج عن فكر وتوجه مدرسة كوبنهاجن، نجده يقدم عرضا لمفهوم السببية في ضوء ميكانيكا الكوانتم، حيث نراه يقول عن مبدأ السببية: " لقد درج الناس علي القول ن خلال السنين الأخيرة، أن العلم الذري قد أبطل مبدأ السببية أو علي الأقل، أفقده قسطا من سلطته، وذلك إلي درجة أنه لم يعد من الممكن الحديث عن ضبط عمليات الطبيعة، بالمعني الدقيق لكلمة ضبط، بواسطة قوانين . وأحيانا يقال فقط إن مبدأ السببية لا يسري مفعوله إلي علم الذرة الحديث "؛ ويستطرد هيزنبرج فيقول: "لقد عمل العلم الذري منذ بداية نشأته علي صياغة وتطور مفاهيم لا تتفق، والحق يقال، مع هذه الصورة التي رسمناها عن مبدأ السببية . ولكن هذا لا يعني أن هذه المفاهيم الجديدة تناقض الأسس التي قامت عليها تلك الصورة . فكل ما في الأمر هو أن طريقة التفكير الخاصة بالعلم الذي كان شائعا، لا بد أن تتميز منذ البداية، عن أسلوب التفكير الذي تقوم عليه الحتمية . لقد سبق لعلم الذرة القديم أن بني تفسيره للكون علي أساس فكرة الترابط الإحصائي بين العديد من العمليات الصغيرة المزولة، فعمم هذه الفكرة وقدم لنا صورة عن العالم، قوامها أن جميع الكيفيات الحسية التي للمادة، يرجع السبب فيها بكيفية غير مباشرة، إلي وضعية الذرات وحركتها، يقول ديموقريطس " لا يكون الشئ حلواً أو مراً إلا في الظاهر. أما في الواقع فلا وجود لشئ آخر غير الذرات والخلاء "، فإذا فسرنا هكذا الظواهر الحسية بواسطة تضافر العديد من العمليات الصغيرة المعزولة نتج من ذلك ضرورة، أننا نعتبر قوانين الطبيعة إحصائية لا غير . والحق أن هناك قوانين إحصائية .

ويشرح هيزنبرح الطابع الإحصائي لنظرية الكوانتا قائلا: " علي الرغم من لأن المعرفة الناقصة بمنظومة ما كانت، منذ الاكتشافات التي توصل إليها كل من " جيبس " و " بولتزمان "، مندرجة في الصياغة الرياضية للقوانين الفيزيائية، فإنه لم يقع التخلي عن مبدأ الحتمية إلا بعد ظهور نظرية الكوانتا علي يد بلانك . لم يجد بلانك في البداية سوي عنصر واحد يدل علي الطابع المنفصل لظواهر الإشعاع التي كان يدرسها . لقد أثبت أن الذرة المشعة لا تصدر الطاقة بكيفية منفصلة علي شكل صدمات . إن هذا الانفصال في إصدار الطاقة الذي يشبه تتابع الصدمات، قد أدي، مثله في ذلك مثل جميع المفاهيم المتعلقة بنظرية الذرات، إلي القول بالطابع الإحصائي لظاهرة الإشعاع . ومع ذلك كان لا بد من مرور خمس وعشرين سنة علي اكتشاف الكوانتا حتي يصبح في الإمكان إثبات أن نظرية كوانتا، تحتم، في الواقع إعطاء الصبغة الإحصائية للقوانين الفيزيائية، والتخلي عن مبدأ الحتمية . فمنذ أن ظهرت أبحاث أينشتين وبور وسومر فيلد بدا واضحا أن نظرية الكوانتا هي المفتاح الذي يفتح باب الفيزياء الذرية علي مصراعيه . وكان النموذج الذري الذي قال به روتر فورد وبور خير مساعد علي تفسير العمليات والتفاعلات الكيماوية مما سمح منذ ذلك الوقت بدمج الفيزياء والكيمياء والفيزياء الفلكية في واحد منصهر، وحتم التخلي عن مبدأ الحتمية المحض عن صياغة القوانين الرياضية للظواهر الطبيعية حسب نظرية الكوانتا .

ومن هذا المنطلق شرع هيزنبرج في عقد مقارنة مذاهب كانط بالفيزياء الحديثة، حيث يقول: "... من اللحظة الأولي سيبدو مفهومه المحوري عن الأحكام التركيبية القبلية، وقد محقته اكتشافات هذا القرن ( يقصد القرن العشرين). غيرت نظرية النسبية رؤيتنا للمكان والزمان، بل لقد كشفت في الحقيقة ملامح جديدة للزمان والمكان، ليس بينها ما نراه في صور كانط القبلية للحدس الخالص . لم يعد قانون العلية يطبق في نظرية الكم ولم قانون حفظ المادة صحيحا بالنسبة للجسيمات الأولية . الواضح أن كانط لم يكن له ليتنبأ بالاكتشافات الحديثة . لكن لما كنت مقتنعا بأن مفهوماته ستكون الأساس لأي ميتافيزيقيا مستقبلية يمكن أن تسمي علما، فمن المشوق أن تري أين كانت حججه خاطئة .

ويستطرد هيزنبرج: " دعنا نأخذ قانون العلية كمثال يقول كانط إنه حينما نلاحظ واقعة فإننا نفترض أن ثمة واقعة سبقتها لا بد للأخرى أن تنتج عنها حسب قاعدة ما . وهذا كما يقرر كانط أساس كل العمل العلمي . أما إمكانية أن نجد دائما هذه الواقعة السابقة من عدمه فهو أمر لا يهم بالنسبة لهذه المناقشة . والواقع أننا نستطيع أن نجدها في الكثير من الحالات . لكن حتي لو لم نستطع، فليس ثمة ما يمنعنا من نسأل عما قد تكونه، وأن نبحث عنها . وعلي هذا فقد تم تطويع قانون العلية إلي منهج البحث العلمي . إنه الشرط الذي يجعل العلم ممكنا، ولما كنا نطبق هذا المنهج بالفعل فإن قانون العلية قبلي ولا يشتق من الخبرة . فهل هذا صحيح في الفيزياء الذرية ؟ فلنأخذ ذرة راديوم يمكنها أن تطلق جسيم ألفا لا يمكن أن يتنبأ بالوقت الذي سيطلق في المتوسط في نحو ألفي عام . وعلي هذا فعندما نلاحظ الانطلاق فلن نبحث عن مثل هذه الواقعة، ولا يلزم أن تثبطنا حقيقة أن أحداً لم يلحظ حتي الآن مثل هذه الواقعة . لكن لماذا تغير المنهج العلمي بالفعل في هذه القضية الجوهرية بالذات منذ كانط .

ثم يتساءل هيزنبرج: " ثمة إجابتان محتملتان لهذا السؤال . الأولي منهما هي: لقد أقنعتنا الخبرة أن قوانين نظرية الكم صحيحة، فإذا كانت كذلك، فإننا نعرف أننا لن نجد واقعة سابقة تعلل انبعاث الجسيم في وقت معين . أما الإجابة الثانية فهي: إننا نعرف الواقعة السابقة، لكن ليس بشكل دقيق تماما . إننا نعرف القوي في النواة الذرية المسئولة عن إطلاق جسيمات ألفا . لكن هذه المعرفة تحمل اللامحققية الناجمة عن التفاعل بين النواة وبين بقية العالم . فإذا أردنا أن نعرف السبب في إطلاق جسيم ألفا في ذلك الوقت المعين فمن الضروري أن نعرف التركيب الميكروسكوبي للعالم بأكمله بما فيه أنفسنا، وهذ أمر مستحيل . ولهذا فلم تعد حجج كانط للصفة القبلية لقانون العلية قابلة للتطبيق هنا .

إن قول هيزنبرج باللاحتمية والذاتية في الفيزياء الحديثة استنادا إلي احتمالية هذه الوقائع وإحصائية قياسها، قد فتح باب الاجتهاد لوضع تفسيرات ميتافيزيقية للكون الذري، وأول هذه التفسيرات هو القول بنظرية في الحرية الإنسانية استناداً إلي فكرة اللاحتمية . والعلماء الذين يذهبون هذا المذهب يحددون المسألة علي هذا النحو: لا يمكن أن توجد سيطرة حتمية كاملة علي الظواهر غير الحتمية ما لم تكن الحتمية مسيطرة علي الذهن نفسه، وعلي العكس من ذلك لو أردنا أن نحرر الذهن فينبغي إلي حد ما أن نحرر العالم المادي كذلك .

ويبرر هؤلاء العلماء موقفهم هذا من خلال مقارنتهم بين ميكانيكا نيوتن وميكانيكا الكوانتم، فالأولي قد ضربت علي الكون ستارا حديديا من الحتمية الألية الصارمة، التي تعبر عن سيطرة الضرورة العقلية علي الطبيعة والإنسان علي السواء . فكل شئ مقدر له سلفا وبنوع من الضرورة، ماذا سيكون عليه في المستقبل . وهكذا عاش الإنسان في ظل حتمية نيوتن أو السببية الضرورية كما لو كان يختنق . فكل ما يحدث لا بد له من سبب . فإذا عرف السبب كان كالقضاء المبرم الذي لا راد له، بحيث يتحتم علي الشئ أن يحدث . وقد أحسن كل من اسبينوزا وكانط التعبير عن هذه الحتمية كل بطريقته الخاصة . وبينما كان كانط علي استعداد للتضحية بالضرورة الابستمولوجية من أجل الأخلاق، كان ديكارت قد سبقه إلي ذلك، حينما قرر أن الإرادة أوسع من الذهن . أي أن الإرادة الحرة لا تخضع لمنطق التفكير الرياضي .

وكان العكس من ذلك، جاء مبدأ اللاتحديد عند هيزنبرج ليفك الحصار الذي ضربته حتمية نيوتن علي الكون بما في ذلك الإنسان . والأساس المنطقي الذي يعتمد عليه هذا اللاتحديد هو نظرية الاحتمالات بمعني أن حتمية نيوتن قد قامت علي فكرة المسار الثابت والذي تحتم الجمع بين الموضع والسرعة بالنسبة للشئ المتحرك . ولكن بناء علي معادلة هيزنبرج علي هامش الخطأ، فمن المستحيل الجمع بين الدقة الكاملة في قياس الموضع والسرعة بالنسبة لحركة الإلكترون . فيقول ويلر: " إن تركيب الأجهزة لقياس إحداثيات الإلكترون ( أي موضعه المكاني ) يحول أليا دون وضع المعدات المطلوبة لقياس سرعته في المكان نفسه، والعكس صحيح، فعملية القياس ذاتها تحدث في وضع الإلكترون تغيرا لا سبيل إلي التنبؤ به . وهكذا حاول البعض استثمار مبدأ اللاتحديد بطريقة ميتافيزيقية ليؤكد بها حرية الإرادة الإنسانية بالرغم أن منهم علماء يعرفون حدود العلم وبالرغم من أن هيزنبرج لم يترق ببحوثه إلي الإنسان . فقد ذهب " بافينك " و "إدنجنتون "، كل منهما علي حدة، إلي تفسير عجز العلماء عن التنبؤ بأي الإلكترونات هو الذي سيقفز من مداره، وإلي أي المدارات سيتجه، نقول تأولوا ذلك بأن الإلكترون " حر " في أن يقفز متي وأني شاء . أفيكون الإنسان وإرادته أقل حرية من الإلكترون .

ولكى نفهم وقع نظرية الكم على تصورنا العام للكون فهما واضحاً، فقد يحسن بما ألا نسأل الفلاسفة والعلماء، وأن نسأل الكتاب الأدباء، الذين عبروا عن مشاعر القرن العشرين . كتب جورج برنارد شو يقول: "إن العالم الذي بناه استحق نيوتن والذي ظل القلعة المنيعة للمدينة الحديثة على مدى ثلاثمائة عام قد تهاوى أمام نقد أينشتاين كما تهاوت جدران المعبد . كان عالم نيوتن يمثل معقل المذهب العاقل للحتمية: فالكوكب فى مداراتها تخضع لقوانين ثابتة لا تتغير، وكذلك تخضع الالكترونات فى مدارها فى الذرات لنفس القوانين العامة إن كل لحظة من لحظات الزمن تحكم اللحظة التى تليها . . . إن كل شئ يمكن حسابه: وكل ما وقع كان حتما أن يقع: لقد أزيلت الأوامر من فوق مائدة القوانين وحل محلها علم الجبر الجارى: معادلات الرياضيين .

ويصف برناردشو بعد ذلك الإنسان الحديث، حيث أصبحت لديه فيزياء نيوتن بديلاً للدين التقليدي . ويستطرد شو قائلا: " هنا كان إيماني، وهنا وجدت عقيدتي فى العصمة من الخطأ . وأنا الذى ازدريت الكاثوليكى وهو يحلم هباء بالإرادة الحرة المسئولة، مثلها ازدريت البروتستانتى بتظاهره بالحكم المتميز . ويصف " شو " بعد ذلك كيف تهشم هذا الدين البديل بواسطة الفيزياء الذرية ونظرية الكم فى القرن العشرين . يستطرد " شو " قائلا " والآن، - الآن – ماذا يبقى من ذلك ؟ إن مدار الإلكترون لا يخضع لقانون، فهو يختار مسارا وينبذ مسارا أخر . فكل شيء يسير على هواه، والعالم الذى كنت تستطيع الاعتماد عليه فيها مضى لم يصبح موضعا للاعتماد عليه " .

ولكي نفهم علي نحو أكثر تحديداً الفائدة من استخدام تماثلات الفطرة السليمة في التفسيرات الميتافيزيقية لمبدأ اللايقين في الفيزياء الذرية ، يجب أن ندرس مثال ورد في كتيب لبرنارد بافنك وهذا المثال يعود إلي القوانين التي تحكم انتقال الإلكترون من أحد المدارات حول نواة الأيدروجين إلي مدار آخر . وتحدد لنا قوانين ميكانيكا الكم ما هي المدارات التي يمكن أن يتحرك فيها الإلكترون حول النواة، غير أنه إذا كان هناك إلكترون معين يدور حول نواة الذرة، فليس هناك قانون يحدد لنا تحديدا دقيقاً، وفي كل لحظة، ما الذي سيفعله هذا الإلكترون في اللحظة التالية – هل سيقفز إلي مدار آخر أم لا يفعل ؟ وتستطيع النظرية أن تحدد فقط متوسط عدد الإلكترونات التي تقفز في الثانية التالية، ولكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كانت إلكترون معين سوف يقفز أم لا . ويعطي فانك تفسيرا لهذا الوضع: " يجب أن نتذكر أولا أن الفعل الأولي المفرد (القفزة) لا يمكن حسابه علي هذا النحو، ولكنه يترك حرا ؛ وأن نتذكر ثانيا أن الجوهر الحقيقي لهذه الحرية ربما كان حدثاً فيزيائيا ... وبعبارة أخري، إن الاختيار " الحر " للفعل الأولي، والذي لا تحدده الفيزياء، لا وجود له في الواقع إلا كجزء من " خطة" أو " هيئة " ؛ أو هو جزء من مجموعة متسلسلة من الهيئات والأشكال الأرقي يمتص دائما الشكل المختلف ليصنع منه تركيباً أعلي ... والجديد في الأمر هو أن الفيزياء تقترح اختبار هذه الفكرة .

وتتضح الخاصية التماثلية لهذا التفسير في هذه الحالة . فبما أن قواعد ميكانيكا الأمواج لا يمكن صياغتها بلغة الفطرة السليمة، فإن المؤلف يقارن سلوك الإلكترون بسلوك الكائن الحي " الحر " في اختيار ما يفعله في اللحظة التالية . وقد استخدمت كلمة " حر " هنا في لهجة الفطرة السليمة الغامضة التي بمقتضاها نصف ما يفعله الكائن الحي بأنه فعل " حر " لأننا لا نعرف القواعد التي نستطيع أن نحدد بها ما سوف يفعله في اللحظة التالية . وبعد أن ترسخ وجود الحرية " الحرية " في العالم الفيزيائي فإن المرء يستخدم هذه " الحقيقة " لكي يصبح من المعقول أن تكون القرارات البشرية قرارات " حرة " . فمن المؤكد أن لا يمكن أن يكون أقل تحرراً من الشيء الفيزيائي غير الحي . وقد كان تبرير مذهب الإرادة الحرة بواسطة الفيزياء لذرية واحداً من الاسباب التي أعلن من أجلها مراراً أن الفيزياء قد صارت اليوم أكثر تآلفاً مع الدين التقليدي عما كانت عليه لقرون مضت .

وبطبيعة الحال، يجب أن نذكر أن نصوصاً مثل " أدخلت التقدمات الأخيرة في الفيزياء عوامل عقلية في العلم "، أو " إن العلوم الحديثة تبرر مذهب " الإرادة الحرة " هي نصوص لا تتحدث عن الفيزياء من " الوجهة العلمية " . إنها في الواقع تتناول التفسيرات الميتافيزيائية للنظريات الفيزيائية الأخيرة . ولكي نحدد المعني الدقيق لهذه النصوص يجب ان نقول: إن الفيزياء المعاصرة قد تعرضت لتفسير ميتافيزيائي، وطبقا لهذا التفسير يعتبر الإلكترون ناتجا عن قوي روحية، كما أنه في قفزة من مدار إلي مدار، إنما يمارس عملاً من أعمال الإرادة الحرة . ومن ثم فإن علينا أن نتساءل عما إذ كانت الميكانيكا النيوتونية لا تستطيع أن يكون لها تفسير ميتافيزيائي يرخص بإدخال القوي الروحية والإرادة الحرة إلي الفيزياء . وبما أن كل هذه التفسيرات هي في الأساس عرض لتماثلات من الفطرة السليمة للنظريات الفيزيائية فيمكننا فقط أن نتساءل عما إذا كان من الأقرب إلي " الطبيعة " أو إلي " الفطرة السليمة " أن نفسر ميكانيكا الكم بواسطة القوي الروحية وألا نفعل ذلك بالميكانيكا النيوتونية .

والحقيقة، أن هؤلاء الذين دافعوا عن الحرية الإنسانية بمنطق العلم سيان من العلماء أو الفلاسفة أو حتي من رجال الدين، لم يكن هدفهم هدم الحتمية في العلم أو التهليل للاحتمية، يل فقط تأكيد أن الظواهر لها قوانينها الخاصة المختلفة عن قوانين المادة الصماء . وإنه إذا كانت هناك حتمية فمحلها العالم الفيزيائي . ولا تسري علي الباطن الإنساني . وإنه لجدير بنا عدم الخلط بين حقائق العلم المتغيرة وحقائق النفس الثابتة . فها هو فالتون شين (أحد رجال الدين الكاثوليك) يقول إن القديس توما الأكويني يؤكد أن التغير في العلم التجريبي لا يستتبع تغيرا في الميتافيزيقيا التي تحكم هذا العلم، ما دامت الفلسفة مستقلة عن العلم . ونحن لو نظرنا للنتائج التي انتهت إليها نظرية الكوانتم ومبدأ اللاتحديد، فلن نجد فيها ما يبرهن علي عدم خضوع الحوادث الفيزيائية لمبدأ السببية . أي أن المدافعين عن الحرية الإنسانية استثمروا جهل العلماء بالظروف المحيطة بالإلكترون والتي تدفعه لتغيير مداره في تأكيد اللاحتمية .

من أجل ذلك من العبث أن نبحث عن سند فيزيائي لحرية الإرادة لأنها مشكلة الفلسفة في المقام الأول، وليست مشكلة الفيزياء . وهو ما أكده أحد الفلاسفة الهنود كانتا براهما N. K . Brahama وبنفس حجة شين عن استقلال الميتافيزيقا عن الفيزيقا . فيقول معقبا علي المحاولات الخاطئة لاستخلاص الحرية الإنسانية من نتائج العلم " ثم ماذا يمكن أن يحدث فيما لو فاجأتنا تجارب المستقبل بأن اللاحتمية التي يفترض وجودها في حركة الإلكترون، لا وجود لها حقيقة، ألن تجد الفلسفة نفسها عاجزة عن تبرير موقفها، فيما لو أخذت الآن برأي أدنجنتون ! إن الحرية وسائر الحقائق الميتافيزيقية الأخرى لا يمكن البرهنة عليها في عالم الظواهر الذي تسيطر عليه مقولات المكان والزمان والسببية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد مبدأ اللايقين من أهم المبادئ في نظرية الكم بعد أن صاغه العالم الألماني هايزنبرج عام 1927 وينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد أحد الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيم أولي. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة 100%. ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه.

وقد انقسم العلماء في مناقشتهم لمبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة بين كونه يمثل صفة موضوعية أم صفة ذاتية، فالقائلون بالصفة الموضوعية يؤكدون أن هذا المبدأ ناتج عن عمليات موضوعية خالصة . فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد. أما القائلون بالصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة فيعولون علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وان عملية القياس تعد تأثيرا ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

والقائلون بالصفة الذاتية يقفون طويلا أمام مبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم متخذينه مثالاً نمطياً لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع " الملاحظ "، ودليلاً علي ذاتية الفيزياء الحديثة بوجه عام، وفيزياء الكم بوجه خاص . ولهذا يرون أن فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف مظهر هذا العالم كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل تجريبية معينة .

وأصحاب هذه الصفة ينتمون إلي مدرسة كوبنهاجن Copenhagen School، وهذه المدرسة مكونة من جماعة من الفيزيائيين الألمان الذين تتلمذوا علي يد نيلز بور (مدير معهد الفيزياء النظرية في كوبنهاجن) في العشرينات ؛ وكان "جان لويس ديتوش" (Jean Louis Destouches) وهيزنبرج من أحد أقطابها . نزعت في أول عهدها منزعاً وضعيا منطقيا في أول عهدها ؛ علاوة علي إيمانها العميق باستحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات اللايقين، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي للظواهر الكوانطية أساساً لنظرية تنكر الوجود المادي الواقعي علي الجسيمات الذرية، وتلجأ كما تلجأ الوضعية المنطقية الجديدة في الدفاع عن وجهة نظرها إلي تحليل اللغة، وكأن الوجود الواقعي يتوقف فقط علي المفاهيم اللغوية .

كما أثارت مدرسة كوبنهاجن مجموعة من القضايا الابستمولوجية منها قضية الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية، وبالأخص فيما يتعلق بالعالم المتناهي في الصغر . إن عدم الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق كما كشف عنه مبدأ اللايقين يرجع فيه إلي تداخل آلات القياس تدخلاً يجعل من الصعب الفصل في نتائج القياس بين ما يعود إلي الموضوع الملاحظ وما يرجع إلي عملية القياس وأدواته . هذا معطي من معطيات البحث العلمي في مرحلة معينة من تطوره، وبالتالي فلا يمكن إهماله . غير أن فكر مدرسة كوبنهاجن قام علي فهم العلاقة بين الذات والموضوع فهما وحيد الجانب؛ حيث أكدوا دعاة تلك المدرسة علي الصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة، كما عولوا علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وأن عملية القياس تعد تأثيراً ذاتياً أو انعكاساً إنسانياً علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطراباً في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

وبالتالي أنكرت مدرسة كوبنهاجن الصفة الواقعية – الموضوعية للشئ الفيزيائي الكوانطي (الدقائق الصغري كالإلكترونات مثلا) نكراناً كلياً أو جزئياً ؛ وذلك بعد أن ركزوا علي أن الظواهر التي يدرسها العالم لا تملك أي واقع فيزيائي موضوعي قائم بذاته وباستقلال عن طريق اختبارها وملاحظتها والقياس عليها، أي أنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها .لذا فالقضايا العملية لا تشير إلي الواقع الموضوعي، بل إلي إجراءاتنا وطرقنا التجريبية، أي أن الظواهر لن يكون لها وجود موضوعي مستقل عن من يدركها، وهي في الأخير ليست سوي مركبات ذهنية من الإحساسات . وبهذا يعيدون ماخ الذي يميز بين المعرفة الحسية، أي معرفة الواقع مثلما تمدنا به حواسنا، ومعرفة الواقع في ذاته التي هي معرفة مستحيلة .. وبالتالي يعيدون المثالية الكانطية والتي لم يعمل ماخ سوي علي تنقيتها وتطهيرها من الشوائب الميتافيزيقية العالقة بها كفكرة الشئ في ذاته حتي تمتزج بآراء هيوم وبركلي وتتفق معها ؛ وفي هذا يؤكد " هيزنبرج " أنه :" يجب أن نلاحظ أن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس علي الإطلاق وضعيا . فبينما تركز الوضعية علي أن عناصر الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية أساسا لأي تفسير فيزيائي .في نفس الوقت سنلاحظ أننا لا نستطيع تجنب الطبيعة الإحصائية لقوانين الفيزياء الميكروسكوبية، لأن أية معرفة عن الواقعي هي بذات طبيعتها معرفة ناقصة بسبب قوانين الكم النظرية .

ومن ناحية أخري فقد تمكنت مدرسة كوبنهاجن بزعامة بوهر وهيزنبرج أن تروج لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في الوجود المادي الواقعي والموضوعي للجسيمات الذرية، وبهذا المعني يغدو من الصعب، في نظرها، الحديث عن (واقع) لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف اختلافا أساسيا عن الواقع في الميدان الماكروسكوبي، أي في مستوي الظواهر التي نتعامل معها في حياتنا اليومية الاعتيادية . وانطلاقا من نفس الاعتبارات، نفوا أن تكون نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوي الذري نتائج موضوعية، نتيجة ما يؤدي إليه تدخل آلات القياس من تأثير علي الظاهرة الملاحظة نفسها تأثيرا بارزا، حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة واقع فيزيائي إلا بالنسبة للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه .

وكان معظم ممثلي مدرسة كوبنهاجن يرفضون الحتمية بالمعني الكلاسيكي الذي أرساه لابلاس، ويقولون بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطاء مفهوم اللايقين ؛ إذ أضحي جل فكر معظم العلماء والفيزيائيين المتخصصين في ميكانيكا الكوانتم منقادين وراء التفسير الفلسفي الذي اقترحته مدرسة كوبنهاجن لعلاقات اللايقين ولازدواجية الجسيم والموجة والتداخل القائم بين آلات القياس والظواهر، معتبرين أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانطية، وأن التداخل ينزع كل  صبغة موضوعية عن الظواهر التي ندرسها وعن النتائج التي نحصل عليها من دراستنا . لهذا فإن الشئ أو الموضوع في نظرهم، لم يعد بالنسبة لنا سوي مجرد تركيب من الانطباعات أو الإحساسات التي يتدخل فيها عنصر الاعتباط والاختيار والذاتية، وهم يعتقدون انطلاقا من ذلك أن الاستمرار في القول بأن هدف العلم هو الاطلاع علي حقيقة العالم الواقعي ليس سوي وهم أصبح يكذبه العلم الكوانطي.

ويؤكد تفسير كوبنهاجن علي أن الملاحظة الإنسانية تؤدي إلي عدم يقين في قياس الظواهر الفيزيائية . وهي كما يبدو دعوي بالذاتية في القياس العلمي بشرت به مدرسة كوبنهاجن (هيزنبرج- بور) التي لا تنتبه إلي أن التداخل الموضوعي بين عمليات القياس وبين الظواهر الفيزيائية يحدد بتحديد كمي لعدم التحديد أو عدم اليقين .

وهنا يذهب ديتوش وهو أحد المناصرين لفكر مدرسة كوبنهاجن يؤكد " إن التصورات الديكارتية هي التي قادت إلي تلك الحتمية التي عرفها العلم الكلاسيكي . وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلي تناقضات وأن التمسك الصارخ بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب، لكي تكون محددة بالفعل، القيام بعمليات لا يمكن انجازها، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقاً، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في الإمكان قياس "حالة" منظومة ما بالمعني الذي يفهم به القياس في الفيزياء الكلاسيكية، الشئ الذي يعني أنه لا يمكن تحويل "علاقات اللايقين" تحويلا عكسياً، ومن ثم التسليم بوجود لا حتمية أساسية .

لهذا تنتهي مدرسة كوبنهاجن إلي  إبطال صلاحية التصور الكلاسيكي للواقع علي أنه أجسام والقول بأنه تصور محدود بحدود ظواهر العالم المرئي الذي كانت تدرسه الميكانيكا ولا يمكنه أن ينطبق علي الميدان الميكروفيزيائي. كما تقول بضرورة إبطال صلاحية المنطق الأرسطي الذي نشأ في أحضان نظرة فلسفية جوهرية باعتباره منطقا يعجز عن استيعاب المظهر التكاملي للظواهر الذرية كازدواجية الجسيم والموجة التي تظهر وكأنها تناقض . وانطلاقا من التأثير الذي تمارسه أدوات وأجهزة قياسنا علي الظاهرة المدروسة، قالت بضرورة الإقلاع عن إعطاء الآلة نفسها أو الظاهرة واقعا فيزيائيا قائما بذاته .

ولم تكتفي تلك المدرسة، بذلك بل راحت تعلن رأيها حول الأحداث في العالم الصغير، وذلك علي النحو التالي :

1- أن جسيمات العالم الصغير لا تكتسب صفة الواقع الموضوعي إلا حينما تسجل بواسطة جهاز مختبري، ويحس بها إحساسا ميكروسكوبيا (القياس أو الرصد).

2-  لا يمكن الفصل فصلا واضحا بين الراصد (الإنسان أو الجهاز) والمرصود (الدقيقة، الذرة)، أي بين الذات والموضوع، وأن المرصود ليس له واقع موضوعي مستقل عن الراصد .

3- التفاعل بين الجسيم الصغير (الدقيقة الميكروسكوبية) وجهاز القياس يخلق اضطرابا في الجسيم لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته مقدما .

4- للراصد إمكانية الاختيار الحر بين ترنيبين مختبرين مختلفين يؤدي كل منهما إلي معلومات عن الجسم الميكروسكوبي تتنافي مع ما يؤدي إليه الترنيب الآخر، إلا أنهما تكملان بعضهما (مبدأ التكميلية) وفسر ذلك بأن الخواص التكميلية (الدقائقية أو الموجية) للدقائق الصغري تتولد بتأثير الذات علي الموضوع، ولذلك لا يستطاع معرفة الشئ (الموضوع9 في جوهره . وبهذا كانت ثنائية الدقيقة – الموجة وعلاقة اللادقة تفسر أن تفسيرا لا ادرديا .

4- الإحصاء والسببية أو الاحتمال والحتمية نقيضان يتنافي احدهما مع الأخر تناقضا مطلقا . ولا يمكن التوفيق بينهما . وأن قوانين الميكانيك الكوانطي الإحصائية تعني اللاحتمية واللاسببية في أحداث العالم الصغير (الميكروسكوبي) .

5- واجب الفيزياء ينحصر في وصف الروابط بين الإحساسات وصفا شكليا . أما الواقع الموضوعي الذي هو مصدر تلك الإحساسات، وإمكان معرفة هذا الواقع، فينبذ من تفكير البعض باعتباره تأملات " غير ذات معني " .

وما يمكننا استخلاصه من هذه الاعتبارات التي قالت بها مدرسة كوبنهاجن، هو أن تقدم العلم جرد المادة من كيفياتها المادية، كما سلخ عنها الصبغة الواقعية  التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان تحديدها بالشكل والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين . لقد تغير مفهوم النقطة المادية في الفيزياء الحديثة إذ لم تعد نقطة معينة في المكان تعيينا سكونيا، بل غذت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها . وأن محاولة تحديد موقعه أو سرعته تقتضي إنشاءه ذهنيا بحيث أن صفاته يكتسبها من هذه المنظومة ذاتها . لهذا نقول بأن محاولة التغلب علي الصعوبات التي طرحتها الإشكالية الكوانطية (في المرحلة الأولي) أدت إلي انفتاح آفاق جديدة للتفسير أمام العلم تثبت كلها الطابع الإنشائي التركيبي للعلم وتؤكد علي الصبغة الطرائقية لمفهوم (الشئ) إذ الجسيم الملاحظ لا يعرف إلا في علاقته بالملاحظة وأداة الملاحظة . ومن نتائج ذلك أن بنية التفسير الماكروسكوبي استبعدت صلاحيتها، بل ظهر فشلها كأداة للتفسير في هذا المستوي الجديد من الظواهر وبالتالي انهارت النظرة الكيميائية للذرة التي اعتبرتها جسيمات صلبة يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالشكل والحركة . وفي نفس الوقت الذي تنهار فيه المقادير الديكارتية أمام علاقات الارتياب تؤكد نزعة العلم الطرائقية نفسها وتبين عن جداراتها خصوصاً وأن مفهوم الموقع والسرعة يتحول إلي مفهوم طرائقي وكأن تحديده ينتج عن علاقة الجسيم بمنظومة الملاحظ .

ويعتبر هيزنبرج من أقطاب مدرسة كوبنهاجن، والمتحدث الرسمي عن فكر مدرسة كوبنهاجن، بل والمدافع عن فكر تلك المدرسة ؛ حيث راح يعلن أن:" الوصف الموضوعي للوقائع في الفضاء والزمان غير ممكن كما أنه :" لا يمكن أن توجد " فيزياء موضوعية "، أي أن من الممكن وضع حد فاصل واضح بين الموضوعي والذاتي، وأن الفيزياء الذرية لا تعالج بنية الذرات، بل أحداثاً نحس بها عند الرصد، وليس من الممكن جعل الرصد عملية موضوعية، ولا يمكن اعتبار نتائجه شيئا واقعيا بصورة مباشرة . وكتب :" تنحصر مهمة الفيزياء في وصف الترابط بين الإحساسات وصفاً شكلياً ققط وبإمكاننا إيجاز الواقع الحقيقي كما يلي : بما أن جمع التجارب تخضع لقوانين الميكانيك الكوانطي، أصبح خطأ قانون السببية مثبتا إثباتا قاطعا ".

ومما يجلب الانتباه أن هيزنبرج لم يكن له موقف واضح ثابت من " الواقع الموضوعي " . فهو يكتب عن الذرة مثلاً : " في الجوهر نجد أن الدقيقة الأولية ليست جسيما ماديا في الفضاء والزمان، أنما هي بشكل من الأشكال مجرد رمز تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلاً سهلاً واضحاً ... إن خبرات الفيزياء الحديثة تبين لنا أن لا وجود للذرات كجسيمات بسيطة . إلا أن تقديم مفهوم الذرة يمكننا من صياغة القوانين التي تحكم المعطيات الفيزيائية والكيميائية صياغة سهلة . ولكنه يكتب في نفس المقال :" إن الشرط المسبق للتدخل الفعال العلمي في العالم المادي والموجه لأغراض عملية هو المعرفة الواعية بالقوانين الطبيعية المصاغة بقالب رياضي " . وكتب في مكان آخر :" العلم يسأل بشكل من الأشكال محاولة لوصف العالم بالمدي الذي يكون فيه هذا العالم مستقلا عن فكرنا وعملنا . أما حواسنا فليست سوي وسيلة محدودة الكمال ـ تمكننا من اكتساب المعرفة عن العالم الموضوعي".

لكن هيزنبرج في كتابه الفيزياء والفلسفة يقدم لنا بعضا من أصرح ما رأيت من تأكيدات لهذا الموقف الذاتي الغير موضوعي ؛ فهو يقول :" في التجارب التي تجري علي الوقائع الذرية علينا أن نتعامل مع الأشياء والحقائق، مع ظواهر لها نفس واقعية الحياة اليومية . لكن الذرات أو الجسيمات الأولية ذاتها ليست واقعية مثلها، إنها تشكل عالما من الإمكانات أو الاحتمالات لا عالما من الأشياء والحقائق، توسم آراء أينشتين بأنها واقعية دوجماطيقية، وهي تمثل موقفا طبيعيا جداً فى رأى هايزنبرج . والحق أن الغالبية العظمى من العلماء يدينون به . هم يعتقدون أن أبحاثهم تشير فعلا إلى شئ واقعى " يوجد هناك " فى العالم المادى، وأن الكون المادى الشرعى ليس مجرد ابتكار من خيال العلماء . إن النجاح غير المتوقع للقوانين الرياضية البسيطة فى الفيزياء يدعم الاعتقاد بأن العالم إنما يطرق واقعا خارجيا موجودا بالفعل . لكن هايزنبرج ينبهنا إلى أن ميكانيكا الكم قد بنيت أيضاً على قوانين رياضية بسيطة ناجحة تماماً فى تفسير العالم المادى، غير أنها لا تتطلب أن لا يكون لهذا العالم وجود مستقل، بالمعنى الذى تقول به " الواقعية الدوجماطية " . وعلى هذا فإن العلم الطبيعى ممكن بالفعل دون أساس من الواقعية الدوجماطية .

وهنا يعلن هيزنبرج عن موقف مدرسة كوبنهاجن من الواقع فيقول :"  إن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم يبدأ بمقارنة . إنه يبدأ من حقيقة أننا نصف تجاربنا بلغة الفيزياء الكلاسيكية، بينما نعرف فى نفس الوقت أن هذه المفاهيم لا تلائم الطبيعة بدقة، والتوتر بين نقطتى البداية هاتين هو أصل الطبيعة الإحصائية لنظرية الكم . وعلى هذا فلقد اقترح أحيانا أن علينا أن نهجر المفاهيم الكلاسيكية تماما، وأن تغيرا جذرياً فى المفاهيم المستخدمة لوصف التجارب قد يرجع بنا إلى وصف للطبيعة غير إحصائي، وموضوعى تماما . على أن هذا الاقتراح يبنى على سوء تفهم . إن مفاهيم الفيزيقا الكلاسيكية هى مجرد تهذيب لمفاهيم الحياة اليومية، وهى جزء أساسي من اللغة التى تشكل الأساس لكل العلوم الطبيعية. إن موقفنا الواقعى فى العلوم هو أننا نستخدم بالفعل المفاهيم الكلاسيكية لوصف التجارب . ولقد كانت مشكلة نظرية الكم هى أن نجد التفسير النظرى للتجارب على هذا الأساس. لا فائدة ترجى من مناقشة ماذا يمكن عمله لو كنا كائنات أخرى غيرنا نحن . وهنا يجب أن ندرك – كما قال فون فايتسيكر – أن " الطبيعة أقدم من الإنسان، لكن الإنسان، أقدم من العلوم الطبيعية " . والفقرة الأولى من الجملة تبرر الفيزياء الكلاسيكية ومثلها الأعلى هو الموضوعى الكاملة . أما الفقرة الثانية فتخبرنا عن السبب فى أننا لا نستطيع أن نهرب من مفارقة نظرية الكم، نعنى حاجتنا إلى استخدام المفاهيم الكلاسيكية " .

ومن الملاحظ أن هيزنبرج هنا يعتبر الحديث عن عالم موضوعي واقعي تتمتع فيه أصغر الجسيمات بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه للأجسام الميكروفيزيائية حديثا مستحيلا وغير مقبول .  إذ الظواهر الميكروفيزيائية  لا توجد إلا بالنسبة لذات تدركها وبالنسبة لآلة تقيس عليها . فوجودها يكمن في كونها مدركة ومختبرة من طرف عالم، ومن طرف منظومة بين الذات والموضوع الملاحظ نتيجة التداخل والتفاعل بينها، أي يعدو من غير الممكن اعتبار الظواهر تتمتع بوجود واقعي فيزيائي مستقل وموضوعي بالمعني الاعتيادي للكلمة . بل تخلقه خلقا إراديا حرا تلعب فيه مبادرة العالم دورا أساسيا . كما يشكل فيه الاختيار عنصرا رئيسيا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنكيف نعرف ما ستكون عليه حالة الطقس غدا؟ او ماهو عمر الكون؟ كيف نعرف ان كنا نفكر بطريقة عقلانية؟ هذه وغيرها من اسئلة "كيف نعرف؟"هي مهمة الابستيمولوجي، ذلك الفرع من الفلسفة المتعلق بفهم طبيعة المعرفة والعقيدة. الابستيمولوجي هي حول فهم الكيفية التي نعرف بها ان شيء ما هو صحيح سواء أكان من الحقائق مثل "الارض تزداد سخونة" او مسألة تتعلق بالقيم مثل "الناس لا يجب ان يُعاملوا فقط كوسائل لغايات معينة". انها ايضا حول التحقيق في المعلومات الرئاسية المثيرة المنشورة في تويتر للتأكد من مصداقيتها. ابستيمولوجي ليست فقط اسئلة حول ما يجب ان نعمل لنتعلم، تلك مهمة جميع التخصصات الى حد ما. فمثلا، العلوم، التاريخ والانثربولوجي كلها لديها طرقها في الملاحظة والتعلّم.

الايبستيمولوجي تتولى مهمة جعل تلك الطرق ذاتها هدفا للدراسة. انها تهدف لفهم كيف يمكن النظر لطرق التحقيق كمحاولة عقلانية. لذلك، فان الابيستيمولوجي تهتم بتبرير ادّعاءات المعرفة.

الحاجة الى الابيستيمولوجي

مهما كان الميدان الذي نعمل فيه، يتصور بعض الناس ان العقائد حول العالم تتكون ميكانيكيا من تفكير مباشر، او انها تأتي كليا الى الوجود كنتيجة للتصورات الواضحة والمتميزة عن العالم. ولكن اذا كانت مهمة معرفة الاشياء بهذه البساطة، فلماذا لا نتفق على الكثير من الاشياء التي لانوافق عليها حاليا مثل كيف نعامل بعضنا البعض، او أي قيمة نضعها للبيئة وما هو أفضل دور للحكومة في المجتمع. ما لانتفق عليه يعني ان هناك شيء خاطئ في ذلك الشكل من تكوين العقائد. من المفيد ملاحظة اننا كأفراد نميل للتفكير في انفسنا كمفكرين واضحين ونرى اولئك الذين لا يتفقون معنا مضللين بمعلومات خاطئة. نحن نتصور ان الانطباعات التي لدينا حول العالم تأتي الينا سليمة وغير منتقاة. نعتقد اننا نمتلك القابلية على رؤية الاشياء تماما كما هي عليه، وان الآخرين هم الذين لديهم تصورات خاطئة. وبالنتيجة، نحن نعتقد ان مهمتنا هي ببساطة الاشارة الى المكان الذي اخطأ فيه الاخرون في تفكيرهم، بدلا من الانخراط بحوار عقلاني يسمح في امكانية ان نكون حقا على خطأ. لكن دروس الفلسفة والسايكولوجي وعلم الادراك تعلّمنا شيئا آخراً. العمليات العضوية المعقدة التي تطبع وترشد تفكيرنا ليست خالصة اكلينكيا. نحن لسنا فقط خاضعين لحجم هائل من مجموعة معقدة من التحيزات الادراكية والميول وانما نحن عموما جاهلون في دور تلك التحيزات في تفكيرنا وصناعة القرار. ترافقْ هذا الجهل مع الايمان بتفوقنا الابستمي، يجعلنا نستطيع رؤية حجم المشكلة. اللجوء الى "الفطرة السليمة" للتغلب على عدم اتفاق الرؤى سوف لن يحلّ المشكلة. نحن لهذا نحتاج لطريقة منهجية لإستنطاق تفكيرنا، ونماذجنا العقلانية، وحسّنا الخاص بنا في كل ما يمكن ان يشكل سببا جيدا. يمكن استخدام تلك الطريقة كمعيار اكثر موضوعية لتقييم قيمة ادّعاءاتنا المعلنة في المحيط العام. هذه بالضبط مهمة الابستيمولوجي.

الابستيمولوجي والتفكير النقدي

احدى أوضح الطرق لفهم التفكير النقدي هي كابستيمولوجيا تطبيقية. قضايا مثل طبيعة الاستدلال المنطقي، لماذا يجب علينا قبول خط معين من التفكير دون آخر، وكيف نفهم طبيعة الدليل ومساهماته في صنع القرار، كلها اهتمامات ابستمية. الفيلسوف الامريكي Harvey Siegel يشير الى ان هذه الاسئلة وغيرها ضرورية في التعليم لأجل التفكير النقدي.

"بأي معيار نقيّم الاسباب؟ كيف يمكن ان تُقيّم تلك المعايير ذاتها ؟ كيف يمكن تبرير الفعل او العقيدة؟ ماهي العلاقة بين التبرير والحقيقة؟ ... هذه الاعتبارات الابستمية هي جوهرية للفهم الكافي للتفكير النقدي ويجب التعامل معها بوضوح في كورس اساسي للتفكير النقدي".

بمقدار ما يتعلق التفكير النقدي بتحليل وتقييم طرق التحقيق وتقييم مصداقية الادّعاءات الناتجة، هو سيكون محاولة ابستمية .

ان الانخراط بالقضايا الأعمق حول طبيعة الإقناع العقلاني يمكن ايضا ان يساعد في عمل الأحكام حول الادّعاءات حتى بدون معرفة تخصصية. على سبيل المثال، تساعد الابستيمولوجي في توضيح المفاهيم مثل "برهان" "قوانين" و "فرضية" التي هي عموما تُفهم بطريقة سيئة من جانب عامة الناس ومن العلماء ايضا.

بهذه الطريقة تفيد الابستيمولوجي ليس للحكم حول مصداقية العلم، وانما لفهم افضل لقوته ومحدودياته ومن ثم جعل المعرفة العلمية اكثر سهولة.

الابستيمولوجي والصالح العام

احدى السمات الدائمة للتنوير -الحركة الفكرية التي بدأت في اوربا خلال القرن السابع عشر هو الالتزام بالعقل العام (public reason) او الاستخدام العام للعقل في مناقشة القضايا الحيوية ذات الاهتمام العام. هذه الفكرة تعني انك لايكفي ان تحدد موقفك فقط، بل يجب ان تعطي ايضا دفاعا عقلانيا لماذا يجب ان يقف الآخرون معك، هذا الالتزام يوفر او يجعل بالإمكان ايجاد طريقة موضوعية لتقييم الادّعاءات باستخدام معيار ابستيمولوجي لدينا دائما القول في تشكيله . ذلك اننا نختبر كل تفكير للآخرين وبالتعاون نصل الى مستوى من المصداقية الابستمية ترفع فن التبرير الى ما وراء قيود الاذهان الفردية، وتضع له ارضية في الحكمة الجمعية لجماعات التحقيق المفكرة والفعالة . استقامة عقيدة اي شخص، حجمها وتكرارية قولها، او تأكيد عبارة "صدّقني" يجب ان لا تكون مقنعة عقلانيا بذاتها. اذا كان ادّعاء معين لا يمتثل لمعيار ابستيمولوجي متفق عليه عموما، عندئذ فان ضرورة الشك تتطلب تعليق العقيدة، وسيكون من الضروري استسلام الايمان المبني على فرضيات لا يدعمها الدليل.

دفاع ضد التفكير السيء

هناك طريقة للحماية من التفكير السيء- حولنا وحول الآخرين - التي تنطلق ليس فقط من التنوير وانما ايضا من التاريخ الطويل للتحقيق الفلسفي. لذا فانك عندما تسمع ادّعاءً مثيرا للخلاف من شخص ما، انظر كيف يمكن تأييد ذلك الادّعاء اذا عُرض منك او من غيرك امام فرد غير مهتم او غير متحيز:

1- حدّد الأسباب التي يمكن ان تُعرض لدعم الادّعاء.

2- وضّح كيف يمكن ان تكون تحليلاتك وتقييماتك وتبريراتك للادّعاء هي معيار يستحق الاستثمار الفكري.

3- اكتب هذه الاشياء باكبر قدر ممكن من الوضوح و عدم الانحياز العاطفي.

بكلمة اخرى، إلتزم بالعقل العام. واطلب من الآخرين القيام بهذا ايضا، بالتجرّد من العبارات التحفيزية والاطار المنحاز.

اذا كنت انت او غيرك لا تستطيعون إعطاء سلسلة دقيقة ومتماسكة من التعليل، او اذا بقيت الأسباب تعاني من تحيّز واضح، اوعندما تتخلى انت عن الجدال بحالة من الاستياء، فان ذلك سيكون اشارة جيدة بوجود عوامل اخرى في اللعبة. انه التزام بهذه العملية الابستمية بدلا من اي محصلة معينة، انها الطريق السليم للدخول لحقل عقلاني.عندما تتسم البلاغة السياسية بعدم العقلانية، ويُنظر الى المعرفة بأقل مقدار كوسيلة لفهم العالم وبمقدار اكبر كأهلية يمكن ازاحتها جانبا حينما تقف في طريق التمنيات، وحين يسحب القادة السلطويون الجموع الغفيرة للناس، فلابد حينئذ من الاهتمام بالابستيمولوجي.

How do you know that what you know is true? The conversation, Aug4.2017

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: يبدو أن طرح تساؤل كيف يفهم الفلاسفة المثاليون الواقع المادي أصبح من مباحث الفلسفة الكلاسيكية التي أشبعت شروحات وأستنفدت الجديد الذي يمكن أن يقال عنها لكثرة المعالجات والتنظيرات الفلسفية التي تناولت المثالية الفلسفية من زوايا رصد ومعاينات مختلفة عديدة منذ قرون طويلة.. لكن مع هذا تبقى النزعة المثالية في الفلسفة تستحدث نفسها بصيغ وتعبيرات متنوعة على الدوام بأعتبارها رؤى متعددة لفهم وتفسير الوجود الانساني والعالم بالضد من المنهج المادي..

وما نتناوله في هذا المبحث المختصر هو النزعة المثالية في الفلسفات الامريكية المعاصرة وتحديدا الذرائعية والواقعية الجديدة والواقعية النقدية، ورغم الاختلافات غير الجوهرية بينها الا أنها تلتقي بنوع من الافصاح المباشر عن منطلقاتها الفلسفية المثالية وهو ما نحاول تسليط الضوء على بعض منه ومناقشته.. وقبل الدخول في تفاصيل نجد وجوب التنبيه العرضي الى أن مفاهيم الفلسفة المثالية في مختلف تنوعاتها حاضرة اليوم لم يتجاوزها الزمن لسبب مجمع عليه في الفلسفات الاوربية المعاصرة أن قضايا الانسان في جوهرها الانطولوجي - الانثروبولوجي هي واحدة لم تتغير وتتبدل، فالانسان منذ العصور البدائية هو الانسان اليوم رغم كل مظاهر التقدم العلمي والحضاري، وقضايا الوجود والطبيعة والادراك والزمان والمكان والتساؤلات الدائمية المتناسلة عن معنى الحياة والمصير وغيرها من تساؤلات بقيت تؤطر الوجود الانساني التاريخي على مر العصور....

ومحاولة الأجابة عن التساؤلات الفكرية الفلسفية المسكون بها الانسان قرونا بقيت متواترة تدور في حلقة مغلقة غير مكسورة هي أن قضايا الوجود الانساني والرؤى الفلسفية والمعرفية في حل أشكاليات حياته كانت في حقيقتها هي واحدة في جوهرها المحوري الراكز كتساؤلات عن قضايا معنى الحياة ومصير الانسان وما يتفرع عنها فلسفيا لم يتم حسمها على أمتداد مراحل التاريخ البشري، لكن الذي تغيّر ويتغيّر على أمتداد التاريخ ويتبّدل  بأستمرار هو تفريعات طرق وسبل السعي نحو هدف أمكانية حل تلك القضايا الانسانية الجوهرية، والذي يتبّدل هو طرق التفكير الفلسفية وسبل المعالجات لمواضيع تبدو مستجدة ومستحدثة بحكم التطور التاريخي الانثروبولوجي لكنها هي واحدة في حقائقها الجوهرية التي بقيت تساؤلات معلقة لم تحل، وهذا ما أكده أقطاب الفلسفة البنيوية شتراوس، وفوكو، والتوسيروآخرين غيرهم، مما حدا بشتراوس الذهاب الى دراسة تاريخ وعادات ولغات المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ (الاثنولوجيا) التي يمكن بضوئها أستخلاص معارف جديدة منها يمكنها أن تكون أسقاطا مباشرا لفهم الكثير من قضايا الانسان المعاصر..لذا طالما هناك حياة أنسانية متجددة متطورة تاريخيا فأن وسائل التعبير عن مشاكلها المستحدثة بأستمرار ستبقى ملازمة لها ولا خلاص منها..

النزعة المثالية في تيارات الفلسفة الامريكية

تذهب النزعة المثالية في الفلسفة الواقعية الجديدة: (الى أن الجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء التي ليست سوى أشياء مادية)(1) وهذه العبارة تغنينا عن تسويد عشرات الصفحات كلها تدور حول مركزية حقيقة المثالية في الفلسفة الغربية عموما التي ترى في الفكر هو البداية والنهاية في محاولة فهمنا أسرار الحياة وحقيقة الوجود ..

من حقائق تاريخ الفلسفة التي أصبحت لا معنى ولا جدوى من التذكير بها هي أن الرؤية المثالية الفلسفية كانت ولا تزال تنكر أسبقية المادة والواقع على الوعي والفكر، وأن كل شيء هو أولا واخيرا نجده في تصنيع الذهن لتمّثلاته.. وجوهر الاشياء أنما يكون في تمّثلاتنا الفكرية الذهنية لها وليس في كينونتها الماهوية، والمادة خلو من الجوهر الممكن أدراكه أو المتعذر تمّثله بتصورات الذهن والذي ندركه من المادة هو جوهرها وليس صفاتها وعلاقاتها عليه لا يتبقى في المادة ماهو جدير بالاهتمام المعرفي..

الفلسفات المثالية بخلاف المادية لا تعترف بوجود واقع مادي مستقل في وجوده عن الانسان، مستقل عن وعي الانسان به وأدراكاته ورغباته، منكرين أن وجود الطبيعة بمكوناتها من ضمنها الانسان وما يحيط به من أشياء وموجودات وظواهر لا يتوقف تأكيد البرهنة على وجودها وعي الانسان بها ومعاملتها وعيا أدراكيا تمّثليا لها.

النزعة الفلسفية المثالية في الواقعية الجديدة وفي قبلها وبعدها من تيارات فلسفية أمريكية أنما تعتبر الجوهر هو خاصية الفكر وليس خاصية المادة، والجوهر مكمنه الفكر وليس في المادة التي لا قيمة لها من دون أحاطة الوعي الفكري بها والتعبير عنها.. ومعارفنا المستمدة من الفكر في تفسير وفهم الواقع المادي هي التي تمنحنا جواهر الاشياء التي لاقيمة حقيقية من غير أدراكاتنا وتمثلاتنا لها، وخارج هذه الآلية في التمثل الانطباعي للاشياء في الذهن لا يبقى هناك وجود لعالم خارجي يحكمه الوجود المادي..

هذا بأختصار رؤى الفلسفة المثالية التي تضع العربة أمام الحصان، ولنرى كيف؟

أن أي تفكير فلسفي وغير فلسفي علمي مادي أو مثالي على السواء ولا فرق بينها يذهب الى أن أدراك الواقع المادي لا يكون بغير آلية التصورات والتمّثلات الانطباعية لصور الاشياء بالذهن وبغير هذه الآلية لا يمكن أدراكنا الاشياء والموجودات وهو مبدأ سليم صحيح لا نقاش فيه من حيث أن الفكر وسيلة معرفية للاشياء وليست الافكار هي ذاتها الاشياء في وجودها المادي الخارجي المستقل، فعندما نقول جبل فلا يعني أدخال الجبل بالذهن بل أدخال مدلول تجريد كلمة جبل في الذاكرة لا غير... وكذلك فالادراك وعدم الادراك للاشياء والموجودات المادية لا يلغي وجودها من عدمه ولا يقرر الفكر وجود الاشياء من عدمه بل الفكر يلغي عدم أمكانية الوعي الحسّي بها وأدراكنا لها تماما كاملة..وفي الوقت التي تذهب أليه المثالية أن كل شيء يكون وجوده التصنيعي بالذهن وحتى جواهر الاشياء، فأن الوجود المادي للاشياء المستقل لا يتوقف على تمّثلات الذهن البشري له، فالوجود معطى كما هي الطبيعة والانسان والكون أيضا.. والوعي بالواقع المادي مصدره الوجود الواقعي، والفكر لا يخلق وجود الاشياء لكنه يساعد في فهمها وتفسيرها والتعبير عنها وملاحقة تطويرها..

جوهر الاشياء في المادة أم في الفكر؟

الفلسفات المثالية ترى أن الجوهر يكون في تمّثلات الفكر ولا يوجد جوهرمادي خارج مدركات الفكر، لذا فالجوهر فكرمعرفي وليس تكوينات وعلاقات ماهوية مادية موجودة في الاشياء ، الجوهرفي المثالية هو مدركات العقل وليس وجوده المادي في الاشياء.. أن ماتنكره الفلسفة الواقعية الجديدة الامريكية شأنها مثل جميع الفلسفات المثالية هو أعتبارها الواقع المادي من أشياء وموجودات وظواهر في الطبيعة وما يحيط بنا، لا تحمل صفات مدركة ولا جواهر مدّخرة فيها، أكثر مما ندركه عنها كصفات تمّثل العلاقات الخارجية التي تكون كافية لمعرفة وتمثل كليّات الاشياء..وهذه الرؤية تجعلنا منقادين التسليم بخطأ وضع العربة أمام الحصان بأن مواضيع الادراك التي هي الاشياء المادية الواقعية أنما هي موجودات (قبلية) في الذهن قبل أن تكون موجودات مستقلة (قبلية) في العالم الخارجي والواقع..بمعنى تأكيد المقولة الاقنومية المثالية الجاهزة الثابتة أن الفكر قبلي سابق على المادة وليس بعديا لها..

نجد أننا ملزمين ألتأكيد على مسألة طالما أكدّنا عليها أن الفكر مهما بلغ من قوة وقدرة ألادراك والاستيعاب التمّثلي والتمثيلي في النيابة عن الاشياء فهو يبقى في النهاية تجريدا غير مادي عاجزا عن التعبير التام والاحاطة المعرفية الكاملة بتلك المدركات كما هي في حقيقتها تماما..ليس بصفاتها وعلاقاتها الفيزيائية الخارجية وحسب وأنما في أستحالة معرفته جواهر تلك الاشياء والاستئثار بحيازتها في تعبيرالفكرعنها وألغائها وجودا من قلب تلك الموجودات والاشياء..ولا يمكن للفكر أن ينوب عن الموجودات الواقعية في تمثلها كتصورات ذهنية تحاول الألمام بكلياتها،...الموجودات والاشياء في العالم الخارجي هي مصدر الافكار وهي مادة التفكير والتصورات والتمّثلات الذهنية البعدية لها وليست قبلية في سبق الفكرعليها،،وهذه الاشياء تبقى متناقضة مع الفكر المعّبر عنها بغير ألمام كاف يظهر ما تختزنه دائما من معرفة تمتلك جوهرا ومعرفة تمتلك مدّخرا من فائض المعنى الذي تعجز الافكار التعبير عنه بصدقية تماما..ويبقى دائما تضاد غير معلن خفي بين المدركات الواقعية وفكر اللغة المعّبر عنها في أستحالة تطابقهما..

كيف تدافع الواقعية الجديدة عن مثاليتها؟

أن محاولة مطابقة تصوراتنا في التعبير مع الواقعة المادية في وجودها الانطولوجي تكون صحيحة بالنسبة لمعيارية محدودية مدركاتنا العقلية عنها.. فما ندركه منها نتصوره الالمام الكامل بها، وتبقى الموجودات والاشياء المادية من حولنا تحتفظ بالكثير مما نجهله عنها في مغاليق كينونتها العصّية على الادراك المباشر، لذا يكون كل تعبير عن تلك الاشياء في حقيقتها متعّذرا لا يمكن بلوغه لما تدّخره بذاتها من أستعصاء فك رموزها التكوينية والوصول الى جواهرها..وما نتصور بلغناه في مطابقة التعبيرمع الاشياء والاحاطة التامة به لا يمنح أفكارنا تمثيلها حقيقة الاشياء موضوعة الادراك والتعبير عنها.. أمام هذا المأزق الحقيقي نجده في تعبير الواقعية الجديدة عن تساؤلها ماهي طبيعة الاشياء والواقع؟ وكيف لنا معرفته أذا كانت وسائل تلك المعرفة لا تمنحنا حقيقته؟

عن هذا التساؤل الفلسفي العميق يجيب فلاسفة الواقعية الجديدة وفلاسفة النقدية على السواء أجماعهم (كان علينا القول ماهي هوية الموضوع المعروف، أي الشيء بوصفه شيئا، وما هي هوية العقل العارف، وكان الأجدر أن تقول الواقعية الجديدة وبوضوح كاف كيف يمكن للتمثل – الموضوع المعروف - أن يكون جوهرا لشيء غير معروف؟)(2)

نستشف من التساؤل والاجابة عليه أنه رغم الاعتراف الضمني بأن الشيء بوصفه شيء مادي فهو يبقى محتفظا بكينونته الهووية بمعزل تام عن أرادة الوعي الادراكي الذي يعجز الاحاطة بكليّة الاشياء صفات وجواهر..

وحين تريد الواقعية الامريكية الجديدة بمثالية سمجة واضحة الغاء الوجود المادي أن يكون مصدرا مباشرا بدئيا لكل تفكير ذهني، نجدها توقع نفسها بوهم أخطر أن تعتبرالجوهر هو ما نستطيع أدراكه ومعرفته والالمام به، ولا توجد جواهر عصّية تمتلكها الاشياء خارج حدود الالمام الفكري في التعبير عنها..وهذه الحقيقة بالنسبة للمثاليين تمنح الافكار(حقيقة) وجود الاشياء وحقيقة أمتلاك تمّثلات الفكر (جوهرها) أيضا...ولا تبقى لأشياء أو للموجودات المادية في العالم الخارجي أية قيمة خارج مدركات العقل في تمّثلاته لها..فما لا تدركه تلك التمثلات لا يحمل قيمة حقيقية له.

المثاليون الفلاسفة يعتبرون الفكر سبب ونتيجة معا في معرفة الواقع المادي، بينما الصحيح أن الواقع المادي هو سبب أن يكون للفكر معنى معرفي يقودنا لادراك الاشياء في وجودها المادي.. ويترتب الخروج على هذا الخطأ القول أذا ما كان سهلا علينا ألغاء أفكارنا أو تبديلها وتغييرها، لكن من العجز تماما ألغاء حقيقة الوجود المادي الذي لا يتحقق في رغبة أدراكاتنا وتمثلاتنا الذهنية له، وأنما هي موجودات مستقلة لا تكترث بمن يدركها أو لا يدركها..

وبحسب الواقعية النقدية الامريكية المثالية (ولأن المعرفة لا تقدم لنا مادية الواقع، فمن الضروري بمكان أن تقدم لنا الجوهر، ومعرفة الجوهر كموضوع يكون كل شيء متحققا، وفيما يتجاوز الموضوع المعروف لا يبقى وجودا لحقيقة عقلية مطلقا فالجوهر المعروف هو الجوهر الكلي للموضوع.)(3)

واضح من غير المجدي هروب الواقعية النقدية الى أمام في عجز معرفة حقائق مادية الواقع، أن تجعل المثالية الامريكية تعويضها عن عجزها أدراك مادية الواقع في تعويضها أمتلاك الاصعب وهو الجوهر، فمعرفة الموجودات في كلياتها لا يمكن مقارنة أمكانية تحققها وتحصيلها لمن يرغب ويريد أمام صعوبة أمتلاك معرفة جواهر الاشياء، كما أن وضع العربة أمام الحصان في تبريرات الفلسفة المثالية، تضعنا أمام بديهية أن معرفة الخصائص المادية للاشياء في وجودها الخارجي هو مرحلة بدئية أولى تمّهد لنا سبيل الوصول لمعرفة جواهر تلك الاشياء..

أما تعبير المثالية الامريكية أنه بغياب موضوع أدراك الجوهر لا يبقى هناك حقيقة عقلية، فهوتعبير دوغمائي محتضر فالكلية المعرفية للموجودات المتكونة من صفات وجواهر لا تكفي الاحاطة بها أن تكون غير ناقصة أذ من الصعب أدراك جواهر الاشياء قبل معرفتنا مدركاتها الصفاتية الوجودية كليّة، كما أن وسائل تحقيق معرفتنا الكليات المحسوسة لا تكون كافية في معرفتنا جواهر الاشياء كما وليست كافية لمعرفتها كصفات وعلاقات حقيقية ايضا..

 

 

تمثلات الذهن وتعبيرات اللغة غير كافيين

لا يزال هناك ثغرة تتجاهلها الفلسفات المثالية هي أن تمثلاتنا الفكرية أو التعبيرات اللغوية عنها حتما تكون عاجزة في محاولة التعبير المتكامل عن الاشياء في حقيقتها الواقعية،واللغة في تعبيرها الفكري عن الاشياء والموضوعات دائما ما تكون قاصرة عن الاحاطة والتطابق التكاملي مع ما يدركه الوعي والفكرمن تلك الموضوعات في وجودها ، والفكر والموجودات يبقيان مختلفان من حيث علاقة التفاوت في ترابط الفكر- اللغة بالموجود في حقيقته المادية...ويبقى الفكر الأدراكي عاجزا عن أستيعاب الوجود تماما الذي يبقى على الدوام محتفظا بما يراه مدّخرا فيه كفائض معنى غير مكتشف ولا مدرك في العديد من الجوانب المحجوبة عن الادراك الحقيقي للموجودات والظواهر..الوعي الادراكي الحسي للموجودات وتناول العقل لاحساسات تلك الموجودات الواصلة اليه ليس شرطان كافيان للتسليم بحقيقة الاحاطة والالمام الكامل بتلك الموجودات الواقعية والطبيعية..فالواقع الحقيقي للاشياء يختلف عن الوعي الادراكي لها والتعبير عنها بمنطق ولغة العقل..

القديس أنسلم 1033 – 1109 كان وصف هذا التفاوت في القرن الحادي عشر بين تعبير اللغة القاصر عن الاحاطة بالاشياء المدركة قائلا (أن وجود شيء ما في الذهن فقط هو أدنى من وجوده في الواقع) وهو تعبير دقيق في تشخيصه الحالة التي تكلمنا عنها، فالعقل لا يستطيع أدراك الوجود على حقيقته في تطابق الشيء مع دلالة الفكر - اللغة التعبيرعنه تماما..فالعالم المدرك بمكوناته الجوهرية وظواهره التي لا تحصى ولا تحد لا يقف الوعي بها وأدراكه لها عند حدود تفكير العقل وتعبير اللغة عنها أو بالاحرى بعضها. فالعالم بلا محدوديته ولا نهائيته كفضاء سديمي مفتوح في المكان والزمان يستوعب الطبيعة والانسان أكثر مما يستطيع الانسان والعقل واللغة أستيعابه والأحاطة به..

والعالم بما يحتويه من موجودات لا حصر لها هو فضاء لا متناه لا تحّده عقولنا المحدودة الادراك ولا اللغة المعبّرة عنه في كل أشكال تمّثلاته الذهنية.. ويعتبرلودفيج فينجشتين أن حدود اللغة عند الفرد التي يعبّر بها عن العالم هي ذاتها حدود أدراكه وفهمه عالمه بما يستطيع الأحاطة به من خلال تعبير الفكر - اللغة عنه....لذا فهو لا يستطيع فهم وأدراك العالم ليس على حقيقته التامة وحسب وأنما حتى على صعيد عدم معرفة مكوناته وظواهره اللامحدودة.

ونخلص أن أدراك موجودات العالم بتصوراتنا وتمثلاتنا الانطباعية الذهنية اللغوية عنها هي وحدها تكون حدود معرفتنا العالم ولا يمكننا الاحاطة التامة بحقائق موجودات العالم من خلال لغة التعبيرعنها فقط....وما يخرج عن هذا الألمام المعرفي المتقّطع المجتزأ من مدركاتنا لبعض موجودات وظواهر العالم الذي لا ندركه كاملا بمجمله تماما يكون العالم غير الذي ندركه هو الوجود الحقيقي الذي نجهله في معظم تجلياّته المحجوبة عن الأحاطة بها أدراكيا من قبلنا....ويبقى عالم الموجودات محتفظا بحقيقته الجوهرية التي لا تدركها محاولاتنا معرفتها مرارا وتكرارا..ولا يعني هذا أن ما لانستطيع أدراكه بالفكر والتعبير عنه باللغة غير موجود فهذه أبتذالية ساذجة في التعبيروالفهم قبل أبتذالية أسوأ من عدم أدراكنا الوجود على غير حقيقته.

بهذا المعنى نجد نيتشة كان مصّرا على وجوب الاقرار بحقيقة أن اللغة لا يمكن أن تكون غير مجازية في تعبيرها عن المدركات الواقعية دائما.. عليه اللغة تعطينا صفات الاشياء المدركة خارجيا ولا تعطينا الواقع في حقيقته كما نرغب معرفته... لذا تكون أدراكاتنا للاشياء خادعة ليس من الاحساسات الواردة عن طريق الحواس وحسب بل خادعة منقوصة أيضا في لغة الادراك التعبيري عنها فكريا بالوعي..

وعلاقة اللغة بالعالم حسب فرديناند سوسير هي علاقة أعتباطية لا تدل على الواقع تماما.. ونفهم من هذا أن اللغة في الوقت الذي نجهد فيه أنفسنا أن تكون معبّرة تعبيرا صادقا عن مدركاتنا، نفاجأ أن اللغة لا تستطيع التعبير بأكثر مما هو متاح أدراكه لنا وتعبيرها عنه من تلك المدركات.. ومن أدراكنا بعض هذا العالم غير المحدود بمحددات مجتزأة وقطوعات غير مترابطة منه لا علاقة بينها تجمعها في أدراكاتنا لها..

أننا لا نستطيع أدراك موجودات العالم دفعة واحدة كما نرغبه كون الوجود فضاءا أكبر من مداركنا وحدود عقولنا..فمثلا بسيطا نحن نرى شجرة واحدة أو عدة اشجار في غابة لكننا لا نستطيع رؤية الغابة وأدراك موجوداتها من الاشجار وغير الاشجار من كائنات وموجودات دفعة واحدة من خلال حاسة البصر وحدها ونحن واقفين في مكان محدد من الغابة لا نبرحه ولا نغيّره.

أننا غالبا ما نتناسى حقيقة أن الافكار لا تأخذ كامل مدياتها في التعبير عن مدركاتنا الاشياء وتمظهرات العالم من حولنا كما هي على حقيقتها في الواقع بسبب محدودية أدراكنا لتلك المدركات ومحدودية التعبير عنها لغويا من جهة..وفي عجز العقل الألمام بها كاملة من جهة أخرى..لذلك تبقى حقائق الاشياء لا يمكننا أدراكها تماما.

الفيلسوف الانكليزي والترسكوت 815 - 877 يعتبر الواقعي ليس هو كل ما نستطيع التفكيربه أو حوله.. بهذا المعنى نذهب الى أن جميع أفكارنا عن الاشياء مجازات من التعبير اللغوي كما عبر عنه نيتشة لتصورات ذهنية بعضها مستمد من تمظهرات الواقع العصّي على أستيعاب اللغة له في حقيقته الماهوية الانطولوجية..

وبعضها الآخر يكون أكثر تعقيدا في عجز التفكير الذهني التعبير عن موضوعات أدراكه غير المادية في العالم الخارجي ونقصد بها مواضيع الادراك الخيالي المستمدة من خزين الذاكرة..فالخيال الذي هو نتاج الفعالية الذهنية الخيالية أوسع فضاءا من أمكانية اللغة التعبير عنه وأمكانية الفكر الاحاطة به... فعجز اللغة الاحاطة بالمدركات المادية في الطبيعة يكون مضاعفا مئات المرات في عجز اللغة التعبيرعن مدركات المخيّلة المستمدة مواضيعها من الخيال والذاكرة..خيانة اللغة في عجزها أو في مخاتلتها التعبير عن موضوعات الخيال العقلي هي أكثر بكثير من خيانة اللغة التعبير عن الواقع المادي المحسوس..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش:

1، ،3،2 الفلسفة الامريكية/جيرار ديلودال/ ت، د.جورج كتورة، د.الهام الشعراني ص 143

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: بدأت الفلسفة الذرائعية الامريكية ( (Progmatisim نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر على يد روادها الثلاث ريتشارد بيرس، وليم جيمس، جون ديوي، ثم تلاها بعد عقد من الزمن بدايات القرن التاسع عشر تيار فلسفي جديد يحمل اسم الفلسفة الواقعية الجديدة على يد أبرز فلاسفتها رالف بارتون، ادوين هولت، ب.مونتاغ، ت. مارفين، غ.سبادلينغ وآخرين. ثم تلاها في تزامن نفس العقد تيار فلسفي أطلق فلاسفته تسمية الفلسفة (النقدية) الامريكية التي لم تخرج عن الفلسفة الذرائعية الأم في مرتكزاتها القارة البراجماتية التي تقوم على مبدأ لا أهمية للافكار والنظريات ما لم تعبر تلك النظريات حاجز الفلترة التجريبية في التطبيق النفعي ومن أبرز فلاسفة النقدية الامريكية ديزان دراك، آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سيلارز، ريتشارد رورتي، وجون سيرل وغيرهم..الذين أتخذوا منفردين فيما بعد مناحي فلسفية مختلفة في التعبير عن رؤاهم خارج وحدتهم البدئية ضمن تيار الفلسفة النقدية..

هذان التياران الفلسفيان كما يتوّضح معنا لاحقا لم يكونا يحملان جديدا يتجاوز المنطلقات الذرائعية القارة في خطوطها العامة التي أرساها الثلاثي ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، لذا فالفلسفة النقدية التي تزامنت مع الواقعية الجديدة اللتين كلتاهما خرجتا من رحم البراجماتية كفلسفة أم، ، لم تجتهد فلسفيا أكثر من كتابة حواشي هامشية نعرض بعضها والتي هي كما ذكرنا تماشي الذرائعية تماما مع فارق النقد الهامشي للذرائعية والتلاعب اللغوي الفلسفي بمصطلحات عرضية... ومن المهم التنبيه أن فلاسفة النقدية أبرزهم، سانتيانا، سلارز، رورتي، وسيرل سلكوا منفردين طرقا متباينة في تعبير كل منهم عن فلسفته الخاصة وأصبحوا في تفردهم الفلسفي خارجين عن بداياتهم الفلسفية النقدية مشّكلين تيارا فلسفيا مجددا أطلقوا عليه ما بعد التحليلية الذي يقوم على خلفية أفكار فينجشتين وعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة..

الواقعية الجديدة

في العام 1912 نشر عدد من فلاسفة الواقعية الجديدة الامريكان الذين ذكرنا اسماؤهم سابقا كتابا مشتركا ضّمنوه أفكارهم الفلسفية التي لا تتقاطع مع الخطوط العامة والمنطلقات الجوهرية الراكزة في الفلسفة الذرائعية الأم وكان الكتاب بعنوان: الواقعية الجديدة: دراسات مشتركة في الفلسفة.

The new realisim:co-operative studies in philosphie

ومن ضمن محتويات الكتاب المذكور نقاط عديدة أخترنا بعضا منها في عرضها والتعليق عليها:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية ولا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة، ولا ترتبط الميتافيزيقا بالمعرفة.(1)

هذا التبشير الفلسفي الاميركي الواقعي بأن (المعرفة) الابستمولوجيا لم تعد مبحثا أساسيا في الفلسفة الغربية عموما والفلسفة الامريكية تحديدا، كان تبّناه فيما بعد بشدة فلاسفة علم نفس وتحليليين لغوين من المتعاطفين مع طروحات التحليلية اللغوية في القرن العشرين التي سادت فرنسا والمانيا وانجلترا، بما جاءت به فلسفتا البنيوية والتفكيكية الفرنسيتين والتحليلية الانجليزية مدرسة اكسفورد جورج مور وبراتراند رسل، ووايت هيد وأخيرا أنضم لهم فينجشتين، وظل الالمان مدرسة تمتلك عراقة فلسفية تاريخية لا يجاريها سوى فلاسفة الاغريق والرومان القدماء تتزعم بعض دول اوربا الغربية مثل النمسا والدول الاسكندنافية..والتي شكلت ما يعرف بحلقة فيّنا التحليلية أبرزهم فينجشتاين وكارناب.

وكان أشهر الفلاسفة الاميركان الذين أهتموا بدراسة اللسانيات وفلسفة علم اللغة هم فلاسفة تيار النقدية سيلارز وسيرل ورورتي وصولا الى نعوم جومسكي بتفرده المعهود عنهم، وليس من بينهم فلاسفة الواقعية الجديدة الذين سبقوهم.. فلاسفة النقدية ذهبوا بعيدا جدا في أستهدافهم مبحث الابستمولوجيا في تأكيد مناويء لفلاسفة الواقعية السابقين عليهم من الذين تماشوا مع منطلقات علم النفس التجريبي والنزعة العلمية بأن المعرفة لا تربطها صلة حقيقية بالميتافيزيقا، فعمد سيرل، رورتي، وسلارز فلاسفة النقدية بالضد منهم، الى التنظير الفلسفي المضاد بأن الابستمولوجيا هي مبحث ميتافيزيقي وداء مرضي أصاب العديد من الفلاسفة منذ قرون طويلة في أعتبارهم مبحث الابستمولوجيا هو أحد ثلاثة مباحث شغلت الفلاسفة منذ ماقبل التاريخ الفلسفي حوالي ستة الاف سنة قبل الميلاد...وحان الوقت الى ركنها بالظل كونها ميتافيزيقا لا جدوى من الاهتمام بها.

والابستمولوجيا كما ذكرنا مبحثا هاما في الفلسفة كان الاعتقاد وعلى أمتداد قرون طويلة يرى أن مبحث الابستمولوجيا قد يكون أقرب الى التفكير والمنهج العلمي منه الى أفكار الميتافيزيقا، ولا تربطه بالميتافيزيقا رابطة... وهو ما هاجمه رورتي بضراوة معتبرا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا لا جدوى من الاستمرار به، وقد آن الاوان شفاء الفلاسفة من مرضهم المزمن به.. ..وكان رورتي معتّدا بثقة مطلقة في أسناد المؤيدين له بشدة بهذا الطرح كلا من فينجشتين وسيلارز وسيرل وكارناب.. مما مهد لهم تشكيل تيارفلسفي عرف ما بعد التحليلية الامريكية في الهجوم الشديد على الابستمولوجيا كونها مبحثا في الميتافيزيقا.

الشيء الآخر أن فلاسفة الواقعية الجديدة طرحوا عدم أمكانية أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة؟ على أعتبار أن طبيعة الواقع لا يمكن معرفتها على حقيقتها بالافكار المجردة محاولين عدم الخروج عن الخطوط العامة العريضة للفلسفة الذرائعية ذات الهيمنة والنفوذ القوي في أروقة الجامعات ومراكز البحوث العلمية والفلسفية الامريكية..وهم بهذا الطرح لم يأتوا بجديد يتجاوز طروحات الفلسفة الذرائعية في العمق..كون الذرائعية الفلسفة الأم تؤكد قبلهم حقيقة أنه ليس كافيا محاكمة صحة الافكار المعرفية بقدر تعبيراتها الفكرية التنظيرية القاصرة عن الألمام بالواقع ومعرفته على حقيقته، والواقع الحقيقي لا يمكننا معرفته بالافكار المجردة والنظريات، بل نستخلص معرفتنا وفهمنا لظواهر وتجليات العالم بما يفيدنا في نتائج وضع الافكار والنظريات تحت مرشّح التجربة وفلترتها في أمكانية تزويدنا بنتائج يمكن أن تأخذ مجالها التطبيقي النافع بالحياة..

- أعتبرت الواقعية الامريكية الجديدة العلاقات الخارجية هي جواهر أو كليات موجودة، ولا تبعية الوعي لها، والتي لا يمكننا ملاحظتها تجريبيا، فالمعادلة الحسابية 5+7= 12أنما تمثل طبيعة الارقام وليس طبيعة الوعي بها.(2) صحيح أن العلاقات الخارجية التي تحكم الموجودات هي تجليات فيزيائية متغيّرة على الدوام وليست موضوعات مادية ثابتة أو كليّات موجودة بمعزل عن الوعي بها وأدراكنا لها، ألا أنه ليس كل تلك العلاقات هي من نوع الحقائق التي تمنحنا المعرفة بها دونما وعي نقدي يستقبلها من قبلنا.

ومن الواضح أن الفلسفة الواقعية الجديدة أنما تريد التسليم بيقين لا يحتاج الى تجربة أو برهان أن العلاقات بين الاشياء خارجيا أو العلاقات داخل الظاهرة القائمة بذاتها تمنحنا اليقين التسليمي بها حالها حال المعادلات الرياضية التي لا نحتاج الوعي التجريبي دوما للتدليل على صدقيتها بحكم تداوليتها غير المشكوك رياضيا علميا بها..والتي يكون الوعي النقدي أمامها محايدا أن لم يكن وكأن الأمر لا يعنيه..

لكن من المهم الاقرار أن بعض العلاقات الخارجية لحقيقة ما أو موضوع حسّي لا تحتاج منا صرف أنتباه الوعي لتأكيد صدقيتها فهي تحمل يقينيتها في القبول والتسليم بحكم رسوخ الثقة العلمية الناجزة التي لا تحتاج برهان كما في تسليمنا الثابت بمثال المعادلة الرياضية التي لا يمكن تغيير حقيقتها بعد ألف سنة أن 4+ 3 = 7.. لكن ليس كل تلك العلاقات التي تكون جوهرا متحققا كمعطى جاهز لنا حاله كما ذكرنا حال المعادلات الرياضية التي لا تحتاج الوعي البرهاني لأنها بحكم الاعتماد العلمي الرياضي التداولي لها أصبحت حقيقة يقينية قائمة تحمل صدقيتها البائنة لنا كمسلمة لا مجال الشك بها.. لذا من المحتّم علينا الأخذ بالنسبة لغير الحقائق الرياضية في العلاقات الفيزيائية التي تحكم الكثير من الظواهر والموجودات منطق الوعي النقدي منهجا، وليس منطق التسليم بها كجواهر ومعطيات لا تحتاج الوعي النقدي لها..فالحياة في جميع أفصاحاتها الانطولوجية والعلمية والمعرفية ليست جميعها صحتها وتحقق معرفتها مرهونة بمسّلمة التسليم بمنهج المعادلات الرياضية وأعتبارها المعيار العلمي الوحيد في فهمنا العالم...

فحقائق الحياة التي لا حصر لها لا تكون معرفتهاعلمية خالصة عندما تقتصرمعياريتها مقارنتها بالمنهج الرياضي كمعادلات تحكم علم الرياضيات والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء والفضاء وغيرها..فالحياة لا تقوم على معادلات رياضية وأرقام مجردة فقط حتى لو كانت وثوقيتها العلمية مطلقة في اعتمادها والتسليم بثباتها العلمي.

والشيء الآخر الجدير بالاهتمام هو أن ليس كل العلاقات الخارجية الفيزيائية التي تحكم الوجود والعالم من حولنا هي تجارب يقينية من نوع المعادلات الرياضية التي أكتسبت اليقينية القطعية في تسليم الأخذ بها..فعلاقات مواضيع المعرفة في مجالات لا حصر لها في الحياة والطبيعة هي ليست علاقات فيزيائية أكتسبت صحتها الثبوتية المطلقة بمنطق رياضي ولم تعد بحاجة أدراك الوعي النقدي تناولها..

- طرحت الواقعية الجديدة الامريكية :( حضورية المعرفة، فالمعرفة بوصفها علاقة لها مكانها في نظام الطبيعة، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، بعبارة أخرى أن الفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي (المعرفة) ليس فرقا بالكيفية أو في الجوهر بل فرقا بالدور، أو في الموقع، أو في التشّكل).(3)

المعرفة كموجودات وعلاقات لها حضورها الدائم في نظام الطبيعة، وبالتالي (لا) يكون كل موضوع الذي هو مجمل علاقاته الفيزيائية الداخلية والخارجية معا حاضرا بشكل مباشر في الوعي، فالوعي لا يستبق موضوعه معرفيا في تمثّله الادراكي للاشياء... كما أن مواضيع الادراك التي هي علاقات فيزيائية متغيّرة هي ليست مواضيع الوعي بها (قبليا) يشبه وعيها الذهني العقلي بها (بعديا)... بمعنى أن موضوع الوعي في وجوده المستقل عن الوعي به، لا يكون هو الموضوع نفسه بعد تناول الوعي القصدي العقلي له...والفرق بين (ذات الوعي) و(موضوع الوعي) هي خلاف ما تدّعيه الواقعية الجديدة الامريكية هو فرق قائم على الدور أو الموقع أو التشكل وليس قائما على الجوهرولا الكيفية ايضا....، أن هذا يشبه أمكانية فصل العقل عن تفكيره بموضوعه وكلاهما العقل وموضوعه جوهرا واحدا وليس كيفيتي أدراك مختلفة متباينة بينهما..

وعملية الافتراض التفريقي الفلسفي بين الوعي وموضوعه غير صحيحة، كون الأصح منها أن ذات الوعي تتطابق أغلب الاحيان مع موضوع الوعي لكن تلك المطابقة لا تحمل (معرفة) كافية عن حقيقة تلك المدركات، وعندها يصبح الوعي هو موضوعه ولا فرق بينهما، وليس الوعي علاقات مفارقة تحمل ذاتيتها وخصائصها المفارقة عن موضوعها.. كما وليس في أمكانية عزل علاقة الوعي بموضوعه المستقل بالعالم الخارجي.. والدور الذي يلعبه الوعي يختلف عن موضوع الوعي، بمعنى الوعي فعالية نوعية من علاقات يتداخل بها الموضوع مع مرجعية الذهن بأمتيازلا يتساوى فيه الوعي بموضوعه بالدور بل في الكيفية وفي الجوهر أيضا... فوعي الموضوع هو تمّثلات ذهنية وأنطباعات عقلية لموضوع مفارق في وجوده المستقل عن الوعي به..بمعنى موضوع الوعي محتوى (مادي أو خيالي) بينما الوعي هو تعبيرات وتصورات العقل عنها شكلا ومضمونا.

- تقوم الواقعية الجديدة على التفريق بين ذرائعية وليم جيمس بأعتبارها براجماتية (ذاتية- فردية) بخلاف كلا من ريتشارد بيرس وجون ديوي فعندهما الذرائعية (عامة – سيسيولوجية).. والسبب أن فردية فلسفة وليم جيمس مستمدة من خلفيته الفلسفية في علم النفس حيث بدأ أبحاثه العلمية فيها ، بينما وضع ديوي ذرائعيته المجتمعية العامة من خلال أهتمامه المبكر في التركيز على مباحث التربية والسلوك المجتمعي والاخلاق وكذلك الفن، ووصف ديوي منهجه المجتمعي الفلسفي بأعتزاز قائلا: (أنه المنهج المنظور عن الذكاء الكامن في روح الجماعة الامريكية)(4)، بما جعل تلك الروح مجسدة أبداعيا في وحدة التكيف المجتمعي الامريكي المتجانس تقريبا لا تهتدي بفلسفات ونظريات سيسيولوجية في تحقيق مثل هذه الوحدة بالتكيّف المجتمعي الخلاق القائم على خاصية الذكاء الامريكي كمجتمع وليس كافراد فقط..وهنا تكون خاصية الذكاء المجتمعية المتكيّفة أمريكيا هي التي تصنع نظرياتها وليس العكس..وهو ما أفصح عنه ديوي بجلاء خيولائي..

- من الاشكاليات الافتعالية التي طرحها فلاسفة الواقعية الجدد مثل بيري (كيف يمكن لأشياء مستقلة أن تصبح مضمونا عقليا؟وأن الواقع مادي وعقلي في آن واحد (حقل علاقات) فحين يعرف شيء ما فهو يدخل في علاقة مع العقل)(5)، ويطرح فيلسوف ثان كيف واقعي جديد (يكون الخطأ ممكنا، أذا ما كانت الفكرة والشيء واحدا) ويطرح ثالت (ليس للزمان والمكان وضعية وجودية نقر بها)... وهذه الافكار بحاجة الى مناقشة مستفيضة يضيق بها المجال.. لكننا في تعقيب سريع عليها نقول لمّا كان وجود الشيء مكانا لا يتم أدراكه ألا في تعالقه بأدراكه الزماني لذا يصبح كلا من المكان والزمان غير مدركان وجوديا وليسا محددان أدراكيا كموضوعين من الممكن أدراكهما بل هما وسيلتي أدراك موحدة تعمل في تلازم مكاني وزماني مشترك ومتداخل.. لذا وجدنا كانط كي يخلص من أشكالية الزمان غير المادي الذي يدرك المادي في معرفته الاشياء يلجأ الى حقيقة مثالية أبتدعها بذكاء أن الزمان والمكان معطيان فطريان داخل العقل وهما من مزاياه الجوهرية وليس لهما وجودا ماديا بأعتبارهما (وسيلتي) أدراك للعقل وليسا موضوعين يدركهما العقل بذاتهما بل يحدسهما بنتائج مدركاتهما التي يزّودان العقل بها.. ، والموجود مكانا لا يتحدد وجوده والوعي به ألا من خلال أدراكه زمانا..

ونختم هذه الاقتباسات مع مونتاغ أحد فلاسفة الواقعية الجديدة قوله (الموضوعات التي تظهر في أخطاء الحواس وفي حالات الهلوسة ليست سوى مجموعات قائمة من جواهر لا يمكن الاعتقاد بعد التفكير بها أنها موجودة في المكان)(6)..

أخطاء الحواس المميزة عن حالات الهلوسة بما لا يمكن تفسير بداهته، هما في حال الجمع بينهما أخطاء الحواس زائدا التصورات الهلاوسية فكلاهما لا يمتلكان جوهرا أو جواهرمستقلة بهما والا كانت وجودات محددة ومحكومة بزمان ومكان أدراكي لها كمواضيع..

وأخطاء الحواس أنما تقوم بالنسبة لمدركاتها الخادعة عن موجودات مادية لا تستطيع الالمام الكامل بها، ولا يمكن أن تكون التصورات الذهنية للاشياء تعني الالمام الكافي بها، أو بديلا واقعيا لها في وجودها الخارجي المستقل، التصورات الذهنية للواقع أنطباعات وتمّثلات لا تأخذ حيزا مكانيا مثلما هو الحال مع مواضيع الوعي المادية المدركة، فالتصورات هي مجموعة العلاقات الفكرية المجردة عن الاشياء والمواضيع المادية، فالمادة هي حيّز مكاني تدركه الحواس بينما تكون الافكار والتصورات المعبّرة عنها تجريد معرفي فكري لا مكان يحده غير أدراك العقل له تجريدا زمانيا.

أن العلاقات التي تربط مكونات المعرفة ليست مادية موضوعية في وجودها المتعذرأدراكه أن يكون ماديا متعينا بحيّز مكاني، كما هو الوجود الذي ندركه الذي يحكم الاشياء المادية سواء في علاقاتها الخارجية أو علاقاتها الداخلية التكوينية لها..فالتصورات الانطباعية التمثّلية للاشياء المادية المحسوسة هي وعي في تفكير العقل ونتائج ذلك الوعي الصادر عنه، لذا فتصوراتنا هي نتاج العقل وليس نتاج المعطى الانطولوجي لمكوناته الادراكية من الاشياء..فالتصورات هي تمثلات وعي الاشياء فقط وليس خلقها وجوديا بالفكر..

الواقعية النقدية وريثة الواقعية الجديدة

انبثقت الواقعية النقدية (critical realism) بعد مرور عقد واحد من الزمن على انبثاق الواقعية الجديدة (The new realism) في تداخل زمني تحقيبي واحد لا يتجاوز العقد الاول من القرن العشرين، كلتاهما ولدتا من رحم الفلسفة الذرائعية الأم، وأعترف فلاسفة الواقعية النقدية أن من سبقوهم حاربوا النزعة المثالية التي كانت تحتويها الذرائعية في تنظيراتها الفكرية الفلسفية وفي ميادين غير الفلسفة من منظور علم النفس عند وليم جيمس ومنظور التربية والسيسيولوجيا كما هي عند جون ديوي، وفي عام 1912 صدر كتاب مقالات في الواقعية النقدية (Essays in critical realism) ضم مقالات فلسفية نقدية لشبان منهم آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سلارز وريتشارد رورتي. ومن جملة منطلقاتهم الفلسفية:

- أن المعرفة قصدية وليست حدسية، وجود أشياء فيزيائية غير معروفة بصفتها أشياء فيزيائية لكنها تتمظهر بأفعالها على الاعضاء الحسية، والعالم الحسّي يكون مؤكدا وليس مستنتجا، والعالم الفيزيائي هو أدراك حدسي داخلي من جهة، وأنطباعات حسية تحدثها أشياء العالم الفيزيائي من جهة أخرى(7)

- الحدس يحيلنا على العالم الفيزيائي وأن ما نعرفه هو التمّثل المعياري للاشياء وليس الاشياء بذاتها، فالجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء، التي ليست سوى أشياء مادية.(8)

وتوضيحنا تلك الافكار بأيجاز قدر الامكان فأن المعرفة حين تكون قصدية وليست حدسية هي مقولة صحيحة كما تذهب له الفلسفة النقدية فهي لا تخرج أن تكون المعرفة قائمة بذاتها كجوهرمن العلاقات التي لا يمكن للحدس الالمام بها ....وأنما يكون الوعي بها قصديا معرفيا تجريديا، ثم أن الاشياء وأن كانت في وجودها المادي تحتوي علاقاتها الفيزيائية الداخلية والخارجية المتغيرة على الدوام التي تعتمل بكينونة الاشياء في تغيراتها المستمرة الممكن التعامل معها ادراكا معرفيا..فهي أي الاشياء تبقى كينونات مستقلة موحدة تختلف أساليب أدراك علاقاتها الخارجية عن أدراك مجمل علاقاتها التكوينية داخليا..ولا تفقد حقيقة كينونتها التكوينية المؤلفة من (جوهر) و(صفات) في حالتي الحدس الادراكي لها وفي حال معرفتها حسّيا..

وأن يكون العالم الحسّي علاقته بالاشياء فيزيائيا كظواهر دائمة التغير والتبدل والصيرورة المستمرة بعوامل لا علاقة تربطها بالوعي الحسّي المباشر لها لذا يكون هذا الوعي الحسّي دوره تأكيد تلك العلاقات في استقلاليتها، وليس في تمّثلها خالقا موجدا لها ولا مستنتجا أو متداخلا كعامل أو أكثر من عوامل التأثير بها في متغيراتها التي هي مجموعة أنطباعات حدسية عنها..ولا يمكن أن ينوب الفكر عن الواقع في ماديته الا بوسيلة التصورات والتمّثلات الادراكية له فقط..

وحين تكون جواهر الاشياء هي علاقاتها الفيزيائية التي تحكمها، وتكون وسائل تعاملنا معها حدسية، فمن الطبيعي أن جواهر تلك الاشياء أنما تكون في وجودها المادي وليس في وجودها الحدسي كعلاقات خارجية، فالحدوسات ليست منهجا موثوقا منه في المعرفة يمكن الركون الى سلامته..وأذا ما أعتمدنا الحدس تمّثلا معياريا في الذهن فهذا يؤكد لنا أن جواهر الاشياء تكون في وجودها المادي وليس بمحاولة الحدوسات معرفة حقيقتها بلا جدوى...(يتبع)

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 130

2- المصدر اعلاه ص 132

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه ص 134

5- المصدر اعلاه ص 137

6- المصدر اعلاه ص 143

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه ص 148

 

 

 

حيدر جواد السهلانيان هذا الثالوث (ماركس، نيتشه، فرويد) اجمعوا على امر واحد هو الشك في الوعي والطريقة التي يتكشف بها الواقع امامهم واتهامهم العقل والواقع الانساني بالزيف على الاقل في ظاهرهما، ومايجمعهم هو الارتياب ناحية كل مانسميه عقلاني ومنطقي وحقيقي، فقد نقدو الحداثة نقدآ جذريآ، وان كان نيتشة هو الاكثر جذريآ حيث طال تقريبآ كل الاسس التي قام عليها كل التراث الفلسفي، كما ان هذا النقد كان له الاثر في معظم فلسفات القرن العشرين.

1- ماركس(1818- 1883) يرى الان تورين ان ماركس اراد ان يقلب فكر هيجل لكي ينتمي الى مجال ثقافي مختلف عن خصمه ومعلمه، ولكن عملية القلب هذه  شكلت قطيعة مثالية مع فلسفات التاريخ، فلم يعد التقدم منظورآ اليه بأعتباره انتصارآ للعقل اوتحقيق الروح المطلق، ولكن تحرير لطاقات وحاجات طبيعية تقف في وجهها ابنية ومؤسسات ايديولوجية.(1) ولذلك يقدم ماركس نقدآ قاسيآ لكل الحلول المطروحة لمشكلة الوجود والمشاكل التي كانت مسيطر عليها في عصر التنوير.(2) ويعتبر ماركس اول مفكر كبير في مابعد الحداثة، لأنه يرى التقدم تحررآ للطبيعة، ويرى هابرماس ان ماركس نقد العقل الالماني، اما العنصر الاصيل يكمن في ان ماركس في نقده للدولة، وهذا النقد يتخذ موقعه في منظور نوع من التنظيم الذاتي للمجتمع.(3) ويعطي ماركس للحداثة مفهومآ سياسي بشكل اساسي لدرجة انه يحدد شكلآ للدولة كدولة موضوعية، وكذلك مخطط للعلاقة بين شكل الدولة وبين الحياة اليومية والممارسة الاجتماعية بوجه عام، فقد كان ماركس يفكر بالعالم الحديث سياسيآ بحيث كان يخضع المعارف الاخرى للمعرفة السياسية، وان نقد ماركس للحداثة والانوار هو نقد طبقي من وجهة نظر الاشتراكية العمالية، فماركس تجاوز الحداثة وليس هدمها واسقاطها كما فعل فلاسفة مابعد الحداثة، واخيرآ كان هدف ماركس هو تحرير الطبقة العاملة بواسطة فهم العلاقات الجدلية التي تسير العلاقة بين العمل والانتاج.

2- نيتشه(1844- 1900) يرى فوكو أن نيتشه احد الثلاث الكبار الذين دشنو النقد الجذري للحداثة في الغرب وهم ماركس ونيتشه وفرويد، وان كان نيتشه هو الاكثر جذرية طاول كل الاسس التي قام عليها التراث الفلسفي الانساني، كما ان النقد كان له أبلغ الاثر في معظم الفلسفات في عصرنا الراهن، وبذلك ان الصلة بين نيتشه ومابعد الحداثة تتجاوز ذلك الى ماهو أعمق، وهي تكمن تحديدآ في مقطع (مابعد) وبهذا الصفة يمكن اعتبار نيتشه الاب الروحي لمابعد الحداثة.(4) فقد كرس نيتشه حياته لبيان آمال التنوير التي لم تكن الا اوهامآ، فالحقيقة التي هي مطلب العلم وغير العلم لم تكن في رأيه غير مجازات قديمة تحجرت، وقد اعلن موت الحقيقة.(5) ويعتقد نيتشه أن مفاهيم النقد والحرية والعدالة والعقل، هي قيم عدمية انحطت باالانسانية الى مرتبة كتلة متجانسة من الافراد الخاضعين المستعبدين المجردين من القوة والاستقلالية، وكشفت عن وجه اللاعقلانية فيها ولاشك أن هذا التصور للحداثة، هو التصور الذي يستهدفه نيتشه بالنقد والتشريح.(6) اذ يرى نيتشه ليس هناك ماهو اكثر حداثة من الكلمات الموجهة ضد كانت من اوجست كونت كمفكر يحتقر الميتافيزيقا، فلايمكن لنا أن نعيش اسرى عالم الظواهر، ويرى مايسمح بالتحرر هو التخلي عن المثل الاعلى، وهو انتصار ارادة الحياة على الرغبة في الموت.(7) وقد ذم نيتشه الحداثة واهلها، ويسميهم البرابرة المحدثين ويسمي الحداثة البربرية الحديثة.(8) وانطلق نيتشه من تدمير النظام الذي بناه هيجل، وهو تدمير مفهوم الحقيقة الماورائية.(9) اذ كانت مقولات هيجل لها الصدارة في الحداثة، قام بتحطيمها نيتشه، لذلك يرى فوكو ان نيتشه اول من رآى عكس الحداثيون، ان الحقيقة لعبة لاغير، يكون المراد منها الابقاء على سلطة الانساق الكبرى ضد الانسان الفرد لكبت رغباته  وتحويله الى آله يحكمها.(10) ان الحقيقة عند نيتشه هي ببساطة جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتجسيدات التي تم تعزيزها ونقلها وتجميلها شعريآ وبلاغيآ.(11) يقترب نيتشه في رؤيته للحقيقة من ماركس الذي رآى الحقيقة سلاحآ طبقيآ، لكن نيتشه يغيب العامل الاقتصادي لصالح البحث في السيكولوجية الانسانية، التي تسعى بأستمرار نحو التفوق وتحركها ارادة القوة. ومن ذلك ادرك نيتشه أن الانسان يجب ان يفهم بأن الحياة لاتحكم بالمبادئ العقلانية، الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة، ولاتوجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. لذلك يرى نيتشه ،اننا في حاجة الى نقد القيم الاخلاقية، لذا فعلينا اولآ ان نضع قيمة القيم موضع التساؤل، ومن اجل ذلك ان نعرف شروط نشأتها والظروف التي ساعدت على ذلك.(12) واخيرآ يرى نيتشه الحداثة عبارة عن هم ميتافيزيقي جديد اتت لتسد الفراغ الذي خلفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية وغياب معانيها الكبرى وغايتها النهائية، فليست الحداثة في المنظور النيتشوي غير هذا البعد الوهمي للحاضر الغربي، فالحداثة شأنها شأن العقلانية تقيم علاقة غير معقولة مع ماضيها، وهي علاقة اساسها الكبت والابعاد.

3- فرويد(1856- 1939) يقوم التحليل النفسي على نظرية مفادها ان كل مايبدو تافهآ وسخيفآ الى الدرجة لانعير معها اي اهتمام، قد يكون في حقيقة الامر ذا معنى، بل ربما الشطر الاعظم من المعنى احيانآ، وقد يكون له الاسهام الاكبر في علاج الامراض النفسية والحالات الهستريا، ينطبق ذلك في سياق التحليل الفرويدي على جميع اشكال زلات اللسان والايماءات والاحلام بشكل خاص. ويرى فرويد ان كل الظواهر تعبر عن آليات داخلية يسلكها الجهاز النفسي، ونظام من المعاني المكبوته داخل النفس الانسانية، ومهمة التحليل النفسي كشف تلك  المعاني الباطنة التي تتوارى وراء الوعي. وبذلك فرويد ركز على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان في فكره، والسلوك البشري ليس موجهآ بالعقل،(وهنا فرويد يركز على القوة اللاشعورية في تحريك الانسان، وهو بذلك بالضد من الحداثة التي رأت في العقل هو اعدل واقوى قوة فكرية عند الانسان) وانما هو اقوى من العقل واكثر تأثيرآ في السلوك البشري، انها الدوافع التي هي غرائز لاعقلانية تؤثر على حياتنا الاجتماعية وحضارتنا الانسانية. ويتفق فرويد مع ماركس بقوة التأثير الاقتصادي، لكنه مع ذلك لايسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الانسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لاتسلك الجماعات الانسانية المختلفة سلوكأ واحدآ، اذآ فالغلبة لايمكن ان تعقد الا للعوامل النفسية، تلك الظروف هي التي تحدد مسار العوامل الاقتصادية، لأن الانسان حتى وهو يتصرف بضغط من الظروف الاقتصادية، انما يتمثل لنزعات الغريزة.(13) وبذلك تعتبر كتابات فرويد أهم هجوم منهجي ضد ايديولوجيا الحداثة.(14)

 

حيدر جواد السهلاني

..................................

1- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص147.

2- ينظر اريك فروم: مفهوم الانسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، ص9.

3- ينظرهابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، ص99.

4- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعدالحداثة، ص125- 126.

5- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص58.

6- ينظر فيصل عباس: الفرويدية، ص114.

7- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص154.

8- ينظر محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص44- 45.

9- ينظر أمينة غصن: جاك دريدا، ص43.

10- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص43.

11- ينظرمحمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي: مابعد الحداثة، ص57.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعد الحداثة، ص152.

13- ينظرفرويد: الحب والحرب والحضارة والموت: ترجمة عبدالمنعم الحفني، ص6.

14- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص164.

 

علي محمد اليوسفالمفارقة التي غالبا ما يمرر الكثير من الافكار غير المستوفية شروطها المنطقية بنفس المنهج البراجماتي (الذرائعي) الذي يحاول تطويع وسائله التعبيرية لمقتضيات النتائج المتوخاة المطلوبة من حيث أن المنهج البراجماتي لا يهمه كيفية تناول الافكار بالفهم والمعرفة ماديا أو مثاليا بقدر أهتمامه بنتائج تلك الافكار عملياتيا في التحقق من صحتها بالتطبيق الذي يحقق منفعة.. وليس بما تحويه من أتساق نظري فلسفي منطقي متماسك ظاهريا بما نرضى عنه.. ..فالمنطق الفلسفي هو نظريات مجردة لا يمكن الركون لها والأخذ بصحتها ألا من خلال التطبيق العملاني لها بحسب المنهج الذرائعي في المعرفة..

وغالبا ما تكون الافكار المجردة النظرية موضع ريبة وشك لا تفي التعبير الفكري اللغوي حقّه من الاستقامة المنطقية والصدق والتي تحمل تناقضاتها بأحشائها الداخلية التي نلمس بعضها تصدر على لسان فلاسفة الذرائعية الامريكية وليم جيمس وتشارلز بيرس وجون ديوي وآخرين جاؤوا من بعدهم.. فتشارلز بيرس يبيح (أن يكون العلم يقبل المصادفات) وهو تعبير يمكن القبول المحدود به أذا ما أخذنا توالي بعض الصدف في سياقها العلمي الصرف وضمن أشتغالات العلم التخصصية التجريبية، ولكن يصعب تمرير هذا الفهم بمنطق المنهج الفلسفي البراجماتي الذي يرى صدقية وسلامة أفكارنا أنما تكون من خلال مرورها من مصفاة مرشّحات وفلترة التجربة العملانية في تحقيق النتائج المطلوبة المتوخاة من نتائج الافكار..،، والا كانت تلك الرؤى والنظريات والافكار لا قيمة ولا معنى لها..

الماركسية أرادت أنقاذ التاريخ الانثروبوجي للانسان من ورطة عشوائية الصدف الذي لا ينتظمها التفسير الواقعي المادي في صنع التاريخ فعمدت الى ربط الصدفة بالضرورة التطورية الحتمية التي تحكم مسيرة التاريخ حسب ما تذهب له..لذا حسب الماركسية تكون الصدف التي تحدث في حياة الانسان بما لا يحصى أنما تحكمها الضرورة والهدف المسبق الذي يعمل على تسريع تقدم التاريخ الى أمام بدلا أن ترجعه الصدف غير المتوقعة الى الوراء  أو الوقوف.. وهو ما يحتاج لتفسير يحدد لنا تأثير الصدف المتتالية في صناعة التاريخ من دون أي أرتباط لها بالضرورة. (نحيل القاريء الى مقالتنا المنشورة على موقع المثقف ومواقع أخرى تحت عنوان وهم نهاية التاريخ).

والمصادفات في التاريخ والسيوسيولوجيا هي وقائع ربما ندركها على نطاقهما الانثروبولوجي والمعرفي بأكثرأهمية ووضوح وجلاء عنه في مجال العلم التجريبي التخصصي من حيث صرامة التجارب العلمية في المعرفة بالقياس لانفتاح المجال السيسيولوجي المتاح لتمرير المصادفات على أنها من طبائع الامور بالحياة الاجتماعية التي تحكم الحياة وتحكم التاريخ الانساني معا،،...فالمصادفات هي وقائع ندركها في واقع الحياة اليومية على صعيد السيسيولوجيا ولا نتقبّلها أن تلعب دورا كبيرا في مجال العلم التجريبي بل ولا قيمة علمية لها – اي للمصادفات - بأعتبارها أستثناءا تشذ وتخرج عن القاعدة العلمية المستنبطة من سلسلة التجارب العلمية والنظرية في نسقها العلمي المتماسك،، والمصادفات لا تصلح أن تكون مواضيع غير حدسية قبل توّقع حدوث وقوعها..كما أن حياة الانسان يغلب عليها توالي الصدف التي لا يستطيع درءها أو معرفة زمن وقوعها ولا يمتلك أرادة دفعها عنه،، فالصدف تكون خارج التوقعات وخارج أرادة الانسان التحّكم بها... أن دور المصادفات العفوية اللاضرورية تلعب دورا كبيرا في تصنيعها لحياة الانسان والمجتمع من غير أرادتهما، وليس تصنيع الانسان لحياته بأرادته القاصرة التي تتلقى عشوائية الصدف بلا حول ولا قوة لمنعها أو أيقافها..فالصدف غالبا ما تقوم بصنع حياة الانسان ولا يتمكن من أيقافها بأرادته فهي تعمل بغير وبمعزل عن أرادة الانسان وتوقعاته لها..وكذا الحال مع المصافات غير المتوقعة التي تصيب المجتمعات وترسم الكثير من تاريخها دونما أرادة مجتمعية لها..

الميتافيزيقا والذرائعية

ونعود لنمضي مع بيرس الذي أعتبره وليم جيمس الاب الروحي للفلسفة البراجماتية التي أعتمدت كثيرا على أفكار دارون التطورية وأفكار لامارك في بيولوجيا تطور وظائف الاعضاء عند الحيوان والكائنات الحيّة في الطبيعة، أيضا على أعتبارقانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الاصلح نزعة علمية في تفسير الحياة على أسس من أستقراء بيولوجي - أنثربولوجي متماسك الحلقات تقريبا بالنسبة لعصره..

كما أعتمدت الذرائعية منجزات العلم التجريبي غير النظري والدفاع عنها رغم ما شابها الكثير من أفكار الميتافيزيقا عند بيرس - وليم جيمس..يوضّح بيرس قائلا: (الذرائعية أو البراجماتية ليست عقيدة ميتافيزيقية ولا هي تحاول أن تحدد حقيقية الاشياء، أنها ليست سوى منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة)(1)

هذه الافكار لبيرس على مقدار ما تحمله من فتح جديد في تأسيس الفلسفة الذرائعية الى أنها لا ترقى الى مستوى طروحات وليم جيمس الناضجة فهو لا ينكر أن تكون الذرائعية منهجا عملياتيا يلاحق الافكار كي يتحقق من جدواها بالتجربة والتطبيق وهي وأن التقت بتعبير بيرس وديوي عن الذرائعية منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة بالتجربة ونتائجها، ألا أن جيمس نجده يسقط بورطة ميتافيزيقية أكثر أستهجانا من بيرس قوله: (أن أرادة الايمان تشكل حاجزا على مبدأ الذرائعية التي يكون فيها الله وليس المنهج هو المبدأ الاول والاخير لمعرفتنا دلالة الافكار في تعالقها مع معرفة الاشياء)(2)... وهو تعبير ميتافيزيقي غيبي يحاول جيمس التشبث به لتحقيق ما يعجز أثباته بقواه وقدراته الفلسفية، كان بيرس حذّر منه قوله الذرائعية ليست ميتافيزيقا كما ذهب جيمس نفس المنحى لكنهما بالمحصلة لم يكونا كليهما حذرين بما فيه الكفاية من الانزلاق في التعابير الميتافيزيقية التي وقعا بها،وهوما يتعارض مع المنهج البراجماتي العملاني والنسق الواقعي للذرائعية بالصميم..

الحقيقة التي لا تقوى الذرائعية نكرانها أو التخلص منها هي رغم ما يبدو في صلب فلسفتها من منهج صارم يقوم على تجريبية واقعية تطبيقية ألا أن أفكار فلاسفتها الثلاث بيرس وجيمس وديوي لم يتخلصوا من نزعاتهم المثالية، فهم في الوقت الذي لا ينكرون وجود العالم الخارجي المستقل الا أنهم يلتقون مع المثالية الابتذالية في معالجتهم العالم المادي من منطلقات ميتافيزيقية مثالية هم أيضا..أن الشيء المهم الذي يحسب للذرائعية الامريكية هو تغطيتها نزعتها المثالية في تسويق مقولتها التي تقوم على أن صدق وصوابية الافكار والنظريات لا يتم ألا من خلال المرور بفلترة تلك الافكاربالتجربة والوقوف على نتائجها التطبيقية..

الحقيقة البراجماتية التي يجمع عليها جيمس وديوي ليست هي الفكرة المجردة التي لم تمر بمختبر مصفاة ترشّح وفلترة التجربة لها التي هي وحدها تجعل من الافكار وقائع ميدانية عملانية تعطي مردوداتها ونتائجها في تحقيق المنفعة وتخدم قيم تقدم الحياة العامة..فكيف يربط وليم جيمس بين وجود الله ومعرفتنا الاشياء كونه العّلة الاولى في معرفتنا حقائق الاشياء؟

كما أن الذرائعية تدين الاتجاه الذي يرى في الافكار المجردة أنها تعطي دلالاتها التامة من خلال أحالتها على أفكار أخرى مجردة هي الاخرى لم تكن أخذت فرصتها الاختبارية التجريبية للتأكد من صحتها كي تصلح أن تكون معيارا مرجعيا مقبولا لتجعل الافكار المجردة المضافة لها التي أكتسبت منها الخروج من خانة التجريد الفكري الى واقع التجربة العملية والتحقق من النتائج المتوخاة المطلوبة منها..

أن دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة من منظور ذرائعي لا تعطي دلالاتها الحقيقية بأحالتها الى أفكار مجردة غيرها، بل يتم ذلك باحألتها الى أفكار تطبيقية هي نتيجة تجارب أختبارية تؤكد حقيقتها وسلامتها في تحقيق المنفعة حسب ما تدعو له الذرائعية’ عندها تصبح الافكار المجردة متراجعة كمعيار في الحكم وهي قيد التجربة والامتحان..

الذرائعية واللاهوت المسيحي

يحشر بيرس اللاهوت المسيحي في بعض من مفرداته الاكثر ميتافيزيقية في هذا المثال الذي نورده على لسانه (أن الكاثوليك والبروتستانت يعرفون جيدا أن ليس للخبز ولا للخمر الصفات الطبيعية للحم ولا للدم، والمسألة تتعلق بتأثيرها على نفوس المؤمنين لذا – والكلام لبيرس – لا نفهم شيئا سوى ما يحدث بالحواس من آثار مباشرة وغير مباشرة، والتحدث عن غرض له كل الخصائص المادية التي للخمر كما لو كانت بالفعل دما، ماهي الا رطانة خالية من المعنى)(3)

على ماذا يحاول بيرس البرهنة عليه من مثاله اللاهوتي الميتافيزيقي الذي مررنا عليه وهو لا يحتاج الى جهد كبير في معرفة تأويله على المستوى العام قبل المؤمنين الذين قصدهم من الكاثوليك والبروتستانت المسيحيين..؟

من المفروغ منه أن مفاهيم الاديان جميعها وبلا أستثناء أنما تقوم على أفكارالميتافيزيقا التي لا تضيف مناقشتها رصيدا فلسفيا يمكن أعتماده.. لذا تكون أفكار اللاهوت الديني بعيدة عن محاكمتها بمنطق الفلسفة خاصة الذرائعية التي ترى أن كل المفاهيم والرؤى والتصورات لا قيمة حقيقية لها أن لم يجر(ي) تمريرها من مصفاة التجربة العملية، لذا نجد بيرس أقحم قضية دينية ميتافيزيقية في معالجات تنظيرية خاصة بالبراجماتية كفلسفة بعيدة جدا عن مناقشة قضايا دينية لا يجب معاملتها بمنطق الواقع.. هذه الافكار الدينية اللاهوتية جعلت وليم جيمس يقتفي آثار بيرس في مؤلفاته من منطلقات أيمانية دينية غيبية تتقاطع بالصميم مع التنظيرات الفلسفية البراجماتية في جوهرها العملاني الواقعي والا فما معنى ان يقوم جيمس في مناقشة كيفية الاستدلال على وجود الله من منطلق أخلاقي براجماتي قوله (أن الافكار الدينية تتيح لنا أن نحيا بشكل جيد، وأن الله وليس المنهج هو المبدأ الاخير لدلالة الاشياء) (4)..، لا تختلف هذه التعابير عما سبق لبيركلي القول به في أبتذاليته المثالية الذاتية الساذجة التي عزا فيها عجزنا أدراك أي شيء ليس مهما أذا ما علمنا أن الله يدركه بما لا ندركه نحن أنه موجود.وهل تكفي مدركات الله لمعرفة مدركاتنا التي تحتاج الى منظومة فكرية عقلية؟؟

والشيء الأهم أن وليم جيمس لم يكن الفيلسوف الوحيد الذي يكشف عن أيمانه الديني بوجود الله لكن أقحام الافكارالدينية الميتافيزيقية في تفسير قضايا فلسفية تقوم على مرتكزات منطقية لا يمكن تمريرها بسهولة في وقت نبحث فيه عن الاتساق النسقي الفلسفي في الذرائعية بمنهج التطبيق العملاني الواقعي...وفي وقت نجد البراجماتية في صلب توجهاتها أن لا هناك للكلمات والمفاهيم المجردة أية قيمة سوى ما تتركه من أثر ملموس في مفاعيل تلك المفاهيم على المتلقين لها من نتائج عملية بالحياة، وألا فهي لا تستحق الوقوف عندها..أين هذه التوجهات الذرائعية بضوء تناقضات بيرس حين يقول: ( الذرائعية منهج لا يستبق شيئا سوى نتائج تطبيقه) ومن بعده جون ديوي تأكيده (حين نريد أكتشاف دلالة الفكرة علينا التفتيش عن نتائجها في التجربة).. وكلها منطلقات واقعية صرف بعيدة جدا عن أي تفسير ميتافيزيقي أو لاهوتي ديني حاولت الذرائعية مزجه بما لا يمتزج مع أفكارها التي تقوم على التجربة التطبيقية النافعة في توظيفها بحياة الناس.

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الاميريكية، ت .دكتور جورج كتورة ود. الهام الشعراني ص 132

2- المصدر اعلاه ص 135

3- المصدر اعلاه ص 136

4- المصدر اعلاه ص137

 

 

حيدر جواد السهلانيكلمة الحداثة في اللغة العربية تعود في اصلها الاشتقاقي الى الجذر(حدث) وحدث الشيء يحدث، والحديث في اللغة العربية هو نقيض القديم ويرادف الجديد، اما في اللغات الغربية كلمة(modernity) مشتقة من جذر(mode) وهي الصيغة او الشكل الذي يبدو عليه الشيء.

الحداثة هي حالة ثقافية حضارية ومجتمعية، جاءت كتعبير عن حالة المجتمعات الصناعية الغربية، التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وهي في نفس الوقت امتداد لجهود حثيثة بدأت منذ القرن السادس عشر في اوربا، وتعد الحداثة نقلة نوعية بالفكر الغربي على كل المستويات (الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية) وهي ثورة معرفية ساهم بها كثير من الفلاسفة و العلماء ورجال الدين، وهي ضد الفكر السائد القديم، والحداثة ليست مذهبآ سياسيآ اوتربويا او نظامآ ثقافيآ واجتماعيآ فحسب، بل هي حركة نهوض وتطوير وابداع، هدفها تغير انماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة الى الاشياء والكون والحياة الى نظرة اكثر تفاؤلآ وحيوية.(1)

الحداثة ظاهرة متعددة الاشكال وسياقآ فكريآ متعدد المعاني، تلهث وراء الجديد وتتطلع الى اكتشاف فضاءات جديدة وعوالم مغايرة تتخذ من القديم نقيضها لأنها تعبر عن فضول غير متوقف وعن حساسية تختلف عن المقايس السائدة، انها تتشكل انطلاقآ ممايتم انجازه بالفعل ومايؤثر في الايقاع العميق للاجساد والعلاقات والمجتمعات والثقافات، لذلك فظاهرة الحداثة لاتتوقف عن خلق الأزمات، لأنها تتضمن كثيرآ من عناصرها، بل وتؤدي في كثير من الاحيان الى توترات وانفجارات قد تساهم في حلها واخمادها، اذ ماتم تبني منطقها وقد تبقى مصدر دائم اليقظه. والحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية، وبعبارة اخرى الحداثة وضعية اجتماعية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الاساس الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات واشكال التنظيم الاجتماعي التي لاتستند الى اسس عقلية وعلمية. ويعتقد بعض الباحثين بتطابق مفهوم الحداثة والنهضة، فتحقيق الحداثة يعادل تحقيق النهضة، ويعتمد هذا التجانس على تكافؤ مرتكزات المفهومين، فكلاهما الحداثة والنهضة يعرفان بهيمنة العقل والعلمانية والفردية والمدنية وحقوق الانسان، ومن يميز بينهما يرى في النهضة تؤكد على اولوية التغير والتحول، اي التغلب على الانحطاط، ويفترض التغير الثورة على الوعي القائم على منظومة القيم التقليدية السائدة، اما الحداثة تأخذ طابع الابداع والتجديد وعلى خلاف هذا يكون التقليد حالة من التكرار وهي انتاج واعادة انتاج ماهو قائم، فالحداثة تعاني ظهور الفردية والوعي الفردي المستقل. ففكرة الحداثة في شكلها الاكثر طموحآ هي التأكيد على مركزية الانسان، واعطت عدة مفاهيم منها الحرية والتقدم وذات الانسان ومركزية المعرفة. وبذلك ان فكرة الحداثة ترتبط ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة، فالعقل في الحداثة يمثل ثورة لايعترف بأي مكتسب من الماضي بل على العكس يتخلص من المعتقدات واشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي التي لاتؤسس على ادلة من النوع العلمي.(2)

 وقد اختلف الباحثون حول بداية ظهور الحداثة، فهناك من يرى ان الحداثة تشير الى فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها من حوالي 1850الى 1950 اي الفترة التي حققت انجازات صناعية وعلمية، ويقابله تصور آخروذلك بربطها بشارل بودلير(1821- 1867) الذي يعتبره بعض الباحثين اب للحداثة، لأنه اول من حاول صياغة نظرية للحداثة، ويرافق هذا التصور تصور آخر هو ان الحداثة بدئت مع مطلع القرن الخامس عشر ومارافقه من احداث مثل اكتشاف كولمبس سنة (1492) وسقوط بيزنطة (1493) وثورة كوبرنيكوس واكتشاف الدورة الدموية واطروحات لوثر وفي الفن والادب ظهور دانتي وشكسبير وظهور المقال في المنهج لديكارت (1637).(3) ومع اختلاف الباحثون حول بداية الحداثة ومتى بدأت، لكن الاكيد هو ان الحداثة هي ضد التفكير القديم الذي كان سائدآ في العصور الوسطى (اي على سلطة الكنيسة التي كانت مسيطرة على كل مفاصل الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفكرية، فالحداثة هي ثورة فكرية ومعرفية وعلمية وادبية ضد الكنيسة).

الحداثة هي محاولة للتجديد والابداع وتجاوز التقليد والتخلف، كما انها تعكس بأكملها التحول الهائل الذي غزا مجال الفكر والتقنية والمعرفة بصفة عامة، وقد عرفها جان بودريار(1929- 2007) " انها ليست مفهومآ سوسيولوجيا ولا مفهومآ سياسيآ، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، اي مع كل الثقافات السابقه عليه او التقليدية". ويرى علي حرب، ان الحداثة ليست مجرد دعوة او رسالة تبشر بها ولاهي مجرد استعراض لما انجزه الفكر الحديث، انها بحسب ماتفكر فيه، وان كل تعريف لها يقع خلفها او ماقبلها او يشكل انقلاب ضدها فهي تجربة لاتكتمل ومشروع دومآ قيد التأسيس. اما الان تورين(1925- ؟) "الحداثة هي اكثر من كونها مجرد تغيير او تتابع احداث، انها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمي والتكنولوجي والاداري، فهي تتضمن عملية التمييز المتنامي لعديد من بين قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدين والفن". ويتمسك هابرماس(1929- ؟) الى حد كبير بمشروع الحداثة الذي يراه غير مكتمل ويدعو الى عدم التخلي عنه ووجوب تقيمه تقييمآ موضوعيآ، ويرى انه بدل التخلي عنه، يجب علينا استخلاص الدروس من الضياع الذي مر به هذا المشروع. ويعرفه رولان بارت(1915- 1980)" انها انفجار معرفي لم يتوصل الانسان المعاصر الى السيطرة عليه".

مميزات الحداثة: كانت للحداثة دعوة شمولية لأكتشاف المجهول، بناءآ على لحظة وعي نهضوية، اذ كان خطابها يختصر في الاعلان عن ضرورة احداث القطيعة مع كل مايمنع العقل من بناء المعرفة الجديدة سواء كان المنع سلطة كنيسة او علاقات طبيعية او كان جهاز المعرفة نفسه الذي يتبناه العقل.(4) وبذلك تتميز الحداثة بتحولها الجذري في المجتمع، و ذلك على مستويات المعرفة وفهم الانسان وفي تصوره للطبيعة وفي معنى التاريخ، اذ انها بنية فكرية كلية، كما انها نمط من التحضر والتمدن يتجلى في الدولة الحديثة والتقنيات والفنون والاخلاق والعادات والافكار الحديثة والقطيعة مع الماضي. وقد طرحت الحداثة عدة مفاهيم من اهمها(العقل والحقيقة، بعدما كانت الحقيقة مسلم بها من قبل الكنيسة، اصبحت الحقيقة متغيرة وخاضعة للتجربة والفحص العقلي، وايضا الحرية والتقدم والليبرالية وحقوق الانسان والخ.....) وايضا الحداثة تحل فكرة العلم محل الاعتقادات الدينية المسلم بها، وتقصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاص بكل فرد. وترتبط الحداثة ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة والذات.(5) وقد عد مفهوم الذاتية اول المفاهيم التي شكلت قاعدة للحداثة في مجال الفلسفة، فالحداثة هي اولوية الذات وانتصار الذات ورؤية ذاتية العالم، فقد اصبح الانسان في العصور الحديثة يدرك نفسه كذات مستقلة، والايمان بأن العقل هو جوهر الانسان، والايمان بالتقدم المستمر للأنسانية، لذا تميز فكر الحداثة وثقافته بأيلاء الانسان قيمة مركزية.(6)

رواد الحداثة:

1- ديكارت (1596- 1650) يكاد يتفق معظم الباحثين على الدور الكبير الذي لعبه ديكارت في الفلسفة الحديثة، لما قدمه من رؤية اصلاحية وتأسيسة لمناهج الفلسفة واثر هذا التأسيس والتجديد المنهجي على التحولات التي طرأت على مواضيع البحث الفلسفي، لاسيما ما تعلق منها بالمعرفة واليقين، وهي المواضيع التي ترتب عليها نتائج اخرى امتدت الى جوانب ذات علاقة اكيده بالحداثة. فهو ابو الحداثة، لأنه فتح باب جديدآ على الحياة، في حقبة التبست فيه يقظة العالم ببقايا اللاهوت. وقد اسس ديكارت الحداثة الفلسفية بوضع مبدأ الذاتية كأساس للحقيقة واليقين.(7) فهو قد قدم الاساس الصلب لفكر الحداثة عبر الكوجيتو(انا افكر اذن انا موجود).(8) وبذلك مع ديكارت تغيرت وجهة التصويب والمعرفة البشرية، فلم يكن سهلا بالنسبة لديكارت ان ينقل المعرفة من الكونيات الى الفيزياء، وعليه استطاعت استراتيجية ديكارت ان تؤسس جدلية حوار منتجة بين العقل والعالم، وهذا يعني ان الحداثة تسيطر على الطبيعة وتستغلها لصالح الانسان وتضع كل شيء في خدمته ورغباته، وهذا فجر جديد برز لرائد من رواد الحداثة.(9) فهو قد اكد على التحرر من عالم الاحساسات، لأنه عالم خداع لايتيح الارتقاء من الوقائع والافكار الى اكتشاف نظام العالم، وهذا مادفع ديكارت الى اكتشاف مبدأ الكوجيتو.(10)

2- كانت (1724- 1804) ان مفهوم كانت للحداثة نجده من خلال تساؤله ماالتنوير؟ يجيب كانت بأن التنوير يمثل العصر الذي يخرج فيه الانسان من حالة الوصايا وحجر الماضي الى حالة الثقة والاعتماد على العقل.(11) ومن ذلك يؤمن كانت ايمانآ مطلقآ بالتقدم المستمر للانسانية، وهو يؤكد بأن الناس سيصبحون بملئ حريتهم اكثر تعقلآ، اذ يرى كانت ان العقل هو اسمى قوة من قوانا الفكرية، ويذهب فوكو الى ان كانت يمثل عتبة الحداثة، والتقاء العديد من مسارات الحداثة وروافدها، ويرى هايدجر ان كانت هو مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية، اما هابرماس يعتبر فلسفة كانت مرآة الحداثة.(12)

3- هيجل (1770- 1831) الحداثة عند هيجل هي فترة تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبر تأكيدها على القضية التي تفصلها جذريآ عن الماضي. واستعمل مفهوم الحداثة في سياقات تاريخية للدلالة على حقبة زمنية معينة، حيث ذكر بأن الحداثة بدأت مع عصر التنوير واستعمله ضمن اطار الازمنة الحديثة، وقد ذكر ثلاثة تحولات مهمة وهي اكتشاف العالم الجديد وعصر النهضة وعصر التنوير. وتبرز الحداثة من خلال تأكيده على ان الانسان عاقلآ يملك الارادة التي من خلالها يمكن له ان يحقق حريته على الواقع، لأن الارادة عند هيجل تعني الحرية والتحرر من كل الوقائع التي تسيطر عليه وتجعله خاضعآ للطبيعة. ويعتقد هيجل بأن الحداثة تمثل عصرآ جديدآ، فهي تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبرتأكيدها على القطيعة التي تفصلها جذريآ عن الماضي، واول مايظهر في نظريته هو الشكل المفهومي الذي يعيد تجميع الحداثة ووعي العصر وعقلانيته، ويتجلى وعي الحداثة بذاتها مع هيجل من خلال سعيه الى ان يمنح العقل الغربي شكلآ نسقيآ تنبثق دلالته الاولى مع الاغريق ومع الفلسفة القديمة وصولآ الى الدولة الحديثة، وقد اعتبر هيجل ان الدولة العقلانية هي التجسيد الكامل لعالم الروح.(13)

مابعد الحداثة

جاءت مابعد الحداثة لتحطم مقولات الحداثة كاللغة والهوية والاصل والصوت والعقل، وقد استعملت آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب، وتقترن فلسفة ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. ويشير مصطلح مابعد الحداثة الى مرحلة تاريخية مخصوصة، ويشير بصورة عامة الى شكل من اشكال الثقافة المعاصرة والتصورات الكلاسيكية كفكرة الحقيقة والموضوعية والتقدم، او الانعتاق الكوني والاطر اللامادية والسرديات الكبرى.(14) وهناك من يعيد مفردة مابعد الحداثة الى ارنولد توينبي (1889- 1975) واخرجه عام (1954) من المجلدين الثامن والتاسع من كتابه دراسة التاريخ، ويشير به توينبي الى الحقبة التي تبدأ في تاريخ الغرب من عام(1875).(15) ويعني توينبي بمصطلح مابعد الحداثة، الفوضى والاضطراب الاجتماعي وانهيار العقلانية التي قامت عليها الحداثة، فضلآ عن تهاوي قيم الحقبة التنويرية، ورافق المصطلح التحولات التي طرأت على المجتمع الغربي، وهي لاتقصر على ارض الواقع وانما تشمل ظهور تيارات فكرية اعادت قراءة اسس ومبادئ الحداثة، وايضآ ان المصطلح له مصطلحات اخرى مماثلة له مثل المجتمع مابعد الصناعي والمجتمع مابعد التكنولوجي. اما ليوتار(1924- 1998) وهو اول من ذهب الى موت الحداثة وميلاد عصر مابعد الحداثة وذلك في كتابه(الوضع مابعد الحداثي) ويرى ان عصر الحداثة هوعصر الحواديث الكبرى، فعصر مابعد الحداثة لن يصدق هذه الحواديث الكبرى.(16) ويرى ليوتار ان الحداثة تحمل في تكوينها وفي احشائها وبدون توقف مابعد حداثتها، ويعرف مابعد الحداثة" الحالة التي تعرفها الثقافة بعد التحولات التي شهدتها قواعد العاب اللغة الخاصة بالعلم والأدب والفنون منذ نهاية القرن التاسع عشر".(17)

سعت حركة مابعد الحداثة الى تقويض سلطة الانساق الفكرية المطلقة، والتي عاده ما تأخذ شكل المذاهب والايديولوجيات، ومن اهم الافكار التي يروج لها انصار مابعد الحداثة وهي ان الحقيقة وهم لاطائل من ورائه، وترتكز مابعد الحداثة على مجموعة من المرتكزات وهي:

1- التقويض، تهدف مابعدالحداثة الى تقويض الفكر الغربي وتحطيم اقانيمه المركزيه، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك.

2- التشكيك، اهم ماتتميز به مابعد الحداثة التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

3- الفلسفة العدمية، من يتأمل فلسفات مابعد الحداثة، سيجدها عدمية وفوضوية تقوم على تغيب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام.

4- التفكيك والانسجام، فلسفات مابعد الحداثة، هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية، وفي المقابل تدعو الى التعددية والاختلاف واللانظام وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه.

5- هيمنة الصوره، رافقت مابعد الحداثة تطور وسائل الاعلام، اذ لم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الانسانية، بل اصبحت الصوره هي المحرك الاساس لتحصيل المعرفي.

6- الغرابة والغموض، تتميز مابعد الحداثة بالغرابة والشذوذ وغموض الاراء والافكار والمواقف.

7- التناص، يعني التناص استلهام نصوص اخرى بطريقة واعية او غير واعية، بمعنى ان اي نص يتفاعل ويتداخل نصيآ مع النصوص الاخرى.

8-  تفكيك المقولات المركزية، استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى، كالدال والمدلول واللسان والكلام والحضور والغياب الى جانب انتقاد مفاهيم اخرى كالجوهر والحقيقة والعقل والموجود والهوية.

9- الانفتاح، اتخذت فلسفة مابعد الحداثة الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح.

10- قوة التحرر، تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الانسان من اوهام الايديولوجيا والميثولوجيا وفلسفة المركز.

11- اعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي، فلسفات مابعد الحداثة، اعادت الاعتبار للمؤلف والقارئ.

12- تحطيم الحدود بين الاجناس الادبية، فلسفات مابعد الحداثة لاتعترف بالحدود الاجناسية، فقد حطمت كل قواعد التجنيس الادبي وسخرت من نظرية الادب.

13- الدلالات العائمة، تتميز خطابات مابعدالحداثة عن سابقتها الحداثة بخاصية الغموض والابهام والالتباس.

14- الحقيقة، تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية.

15- التخلص من المعايير والقواعد، مايعرف عن نظريات مابعد الحداثة في مجال النقد والادب تخلصها من القواعد المنهجية.(18)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر محمد نورالدين افاية: الحداثة والتواصل(انموذجآ هابرماس)، ص120.

2- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، ص31.

3- عدي حسين مزعل:الحداثة ومابعد الحداثة من النقد الى نقد النقد، مقال منشور في مجلة الفلسفة، العدد السادس، 2010، ص34.

4- ينظرفيصل عباس: الفرويدية(ونقد الحضارة المعاصرة)، ص107.

5- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ص30.

6- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

7- ينظرمحمد الشيخ وياسر الطائي: مقاربات في الحداثة ومابعد الحداثة، ص13.

8- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

9- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص108.

10- ينظر رواء محمود حسين: الحداثة المقلوبة، ص47.

11- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص109.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: مابعد الحداثة والتفكيك(مقالات فلسفية)، ص11- ص37.

13- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص110- 112.

14- ينظر تيري ايغلتون: أوهام مابعد الحداثة، ترجمة ثائر ديب، ص70.

15- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص54.

16- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص40.

17- ينظر جان فرانسوا ليوتار: في معنى مابعد الحداثة، ترجمة السعيد لبيب، ص7- ص71.

18- ينظر جميل حمداوي: مدخل الى مفهوم مابعد الحداثة، بحث منشور على شبكة الانترنيت.

 

محمود محمد عليسارت فلسفة العلم بشكل عام في إطار منطق تبرير المعرفة العلمية على تحديد مبررات تميزها ووثوقها ومصداقيتها ونجاحها في أداء المهام المنوطة بالعلم، سواء استند هذا التبرير إلى معطيات التحقق التجريبي الاستقرائية أو إلى معايير البساطة والمواءمة الأداتية، وإن مالت كفة الطرح الأول الوضعي، في كلتا الحالين ثمة تبرير للنسق العلمي كمنجز راهن وراسخ يمكن أن يستوعب تطورات أبعد ن من هنا تمثل فلسفة الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (28 يوليو 1902 في فينا - 17 سبتمبر 1994 في لندن)، نقطة تحول حاسمة، مادامت فلسفة العلم قد انتقلت معها من منطق التبرير إلى منطق الكشف العلمي والمعالجة المنهجية له، على أساس من قابليته المستمرة للاختبار التجريبي والتكذيب، لتعيين الخطأ كي يحل محله يوما ما كشف أفضل وأكفأ وأقرب إلى الصدق.

ولذلك وضع كارل بوبر نظرية لتأسيس القضايا العلمية كرد فعل على تيار الوضعية المنطقية برفض التعويل على الدليل الاستقرائي في بناء هذه القضايا. إذ وضع بوبر منهجاً عدّه ليس من الدليل الاستقرائي بشيء، وأطلق عليه المذهب الاستنباطي، وذلك ليتخلص من الشبهة الهيومية في الدور والارتداد اللانهائي كما تقتضيه العملية الاستقرائية بوصفها عادة نفسية تقوم على التشابه المستند بدوره إلى الاستقراء، وهكذا، معتبراً ان ما سلكته الوضعية المنطقية من جعل الارتباط قائماً بين الاستقراء والاحتمال لا يغير من النتيجة شيئاً حيث الوقوع في الارتداد اللانهائي، الأمر الذي جعله يغير هذا المنحى بمنهج جديد لا يمت إلى العملية الاستقرائية (وذلك حسب قول يحيي محمد في مقاله نظرية كارل بوبر والقضايا العلمية) .

فهو يبتدئ بوضع فرض معين ذهنياً، وهو فرض مؤقت لا تقتضيه تلك العملية، لكنه يقبل الاختبار، وهو في حالة الاختبار لا يلجأ إلى مبدأ التأييد بالشواهد كما تفتضيها العملية الاستقرائية، إذ أي عدد يمكن استقراءه فإنه لا يكفي للبرهنة على صحة القضية الكلية. فمثلاً مهما رأينا من الحالات التي يظهر فيها البجع أبيض فإن ذلك لا يخولنا ان نعتبر كل بجع أبيض، ولقد ظل الاوروبيون قروناً عديدة لا يرون غير البجع الأبيض، مما جعلهم يتصورون ان كل بجع أبيض، حتى اكتشفوا - في يوم ما - البجع الأسود في استراليا، وبالتالي فقد أدى الاستدلال الاستقرائي إلى نتيجة زائفة ( وذلك حسب قول يحيي محمد- المرجع السابق).

وعلى هذا فقد لجأ بوبر إلى مبدأ التكذيب والبحث عن الحالة التي تظهر الجانب السلبي من الافتراض المطروح، فحيث ان الفرض لا يجد ما يدفع إلى تكذيبه فإنه يصمد بقاءً، والعكس بالعكس؛ ولذلك  يري كارل بوبر أن درجة القابلية للتكذيب (المرتبطة بالمحتوي المعرفي للنظرية) ترتبط أساساً ببساطة النظرية . فكلما كانت النظرية أبسط كلما كانت أكثر قابلية للتكذيب والعكس صحيح . وهذا يعني أن العبارة الأكثر عمومية تحل حل العديد من العبارات الأقل عمومية، لذلك تكون أكثر بساطة ... فالعبارات الأكثر عمومية هي الأكثر قابلية للتكذيب .

ويوضح بوبر ذلك مبينا أن هناك ارتباطا وثيقا بين البساطة والقابلية للاختبار والمحتوي التجريبي، فالنظرية تكون أكثر بساطة إذا كان لها محتوي تجريبي أكبر وإذا كان يمكن تكذيبها، أي يجب تفضيل النظريات الأكثر بساطة من الأقل بساطة، لأنها تمدنا بمعلومات أكثر، ولأن محتواها التجريبي أكبر، ولأنها أكثر خضوعاً للاختبار، ومثل بوبر لذلك بنظرية أينشتين العامة في النسبية التي رآها أكثر بساطة من نظرية الميكانيكا عند نيوتن، فالأولي تتضمن تصورات أقل وفروضا أقل وتستوعب مضمونا أكبر من الوقائع معرض مفاضلتهم بين نظريتين منطويتين علي القدر نفسه من الحقيقة يختارون النظرية الأبسط .

ويجعل بوبر فكرته من درجة البساطة كدرجة من درجات القابلية للتكذيب أكثر صراحة بمعيارين مختلفين وفقا لأحدهما الفرض القائل بأن مدار الفلك دائرة أبسط من الفرض القائل بأن اهليج (قطع ناقص) لأن الفرض السابق يمكن أن يكذب بتحديد المواضع الأربعة التي وجد أنها لا تقع علي الدائرة . (يمكن دائما لثلاثة مواضع وصلها بدائرة) . بينما يتطلب تكذيب الفرض الثاني  تحديد ستة مواضع للفلك علي الأقل . وبهذا المعني يكون الفرض الأبسط هنا هو الأكثر قابلية للتكذيب وهو الأقوى أيضا لأنه منطقيا يتضمن الفرض الأقل بساطة . يهم هذا المعيار بالتأكيد في تحديد نوع البساطة التي يهتم بها العلم .

ولكن بوبر يدعو أحد الفرضين أكثر قابلية للتكذيب . ومن ثم أبسط من الأجزاء إذا كان الفرض الأول يتضمن الفرض الثاني، وله محتوي أمبريقي أكبر بالمعني الاستنباطي الدقيق، إلا أن المحتوي الأكبر ليس بالضرورة مرتبطا بالبساطة الأكثر . فأحياناً ما تعتبر نظرية من النظريات التي لا علاقة لها بالنطاق المحدود الذي تتضمنه النظرية . علي أن النوع المرغوب فيه من التبسيط الذي تبلغه نظرية من النظريات ليس علي هذا النحو مجرد محتوي زائد لأنه إذا كان ثمة فرضين لا علاقة   بينهما (علي سبيل المثال قوانين هوك وسنل) ارتبطا فإن الارتباط  الناتج عنهما يخبرنا بما هو أكثر وإن لم يكن أبسط  من مكونات أيهما . لا يخبرنا أي م الفروض الثلاثة ف1، ف2، ف3 المختبرة قبلا بأكثر من أي من الفروض الأخري . ومع ذلك لا تعد بسيطة علي حد سواء . وهذا الفروض لا تختلف في درجة القابلية للتكذيب . فإذا كذبت أمكن بيان كذب الواحد منها بسهولة أعني بشاهد واحد مخالف وعلي سبيل زوج المعطيات 4، 10 يكذبها جميعها . وبينما ألقت الأفكار المختلفة التي قمنا بمسح وجيز لها ضوء علي معقولية مبدأ البساطة فما زالت مشكلات إيجاد صيغة دقيقة وتبرير موجز لها بغير حل حتي الآن .

ولم يكتف بوبر بذلك ؛ بل وجدناه يتساءل :"  ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي ؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

يري بوبر بأنه إذا ما تم لنا اختيار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي) . وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية .

والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب . في ضوء هذه العلاقة، يمكننا تفضيل نظرية أينشتين – مثلاً عن نظرية نيوتن، والسبب هو أن دلالة النظرية الأولي – النسبية – فيما يري بوبر دائماً ما تظهر في اعتمادها علي السياقات الأكثر شمولاً.

والمحتوي المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوي التجريبي Empirical Content والمحتوى المنطقى Logical Content  . والمحتوى التجريبى يعول على أن النظرية التى تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هى التى تمنع الكثير أيضاً من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث إذا صدقت من هذه الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور، ولا يعنى ذلك أن " بوبر " يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة وإنما يطالبنا بالبحث الدءوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة . ونجد عند " كارناب " قضايا من النوع نفسه، وإن اختلفت مشاربه عن "بوبر "، حيث يذكر، " كارناب " أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل فى استبعادها بعض الحالات الممكنة . وهذا يؤكد " بوبر " قائلاَ : إن ما يشير اليه " كارناب "، بالحالات الممكنة يعنى طبقاً لتصوره عن العلم نظريات أو فروض ذات درجة عالية أو ذات درجة منخفضة من العمومية .

وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التي يمكن أن تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانوناً أو نظرية . فى ضوء ذلك، فإن ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالي النظرية علمية أكثر من  غيرها .

ولذلك نجد بوبر في كتابه " منطق الكشف العلمي " يعقد مقارنة بين توجهه الفلسفي وتوجه بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين إزاء مبدأ البساطة ودوره في المفاضلة بين النظريات العلمية، فنجده يقول :" إن التفضيل لا يرجع بالتأكيد إلي شئ من قبيل التبرير التجريبي للقضايا المكونة للنظرية، ولا يرجع للرد المنطقي للنظرية إلي التجربة . إننا نختار النظرية التي تضع نفسها في منافسة مع النظريات الأخري، أي النظرية التي تبرهن علي أنها الأصلح للبقاء بالاختيار الطبيعي، وتكون هذه النظرية هي التي لا تتصدي فحسب لأعتي الاختبارات، ولكي تكون قابلة للاختبار أيضا بأشق الطرق . فالنظرية أداة نختبرها بتطبيقها وأداة نحكم ملاءمتها بنتائج تطبيقاتها . ومن وجهة النظر المنطقية فإن اختبار النظرية يعتمد علي قضايا أساسية يتوقف قبولها أو رفضها علي قراراتنا . ومن ثم فإن القرارات هي التي تقرر مصير النظريات . إلي هذا الحد تكون إجابتي علي السؤال " كيف نختار نظرية ؟" تشابه الإجابة التي يقدمها صاحب المذهب الاصطلاحي . ومثله أقول أن الاختيار في جانب منه يكون محددا باعتبارات المنفعة . ولكن علي الرغم من ذلك هناك فرقاً شاسعاً بين أرائي وآرائه، لأنني أقرر أن ما يميز المذهب الامبريقي هو ما يلي : أن القرار أو الاتفاق لا يحدد في الحال قبولنا للقضايا العامة ولكن علي العكس يدخل في قبولنا للقضايا أي القضايا الأساسية . وبالنسبة للاصطلاحي فإن قبول القضايا العامة يحكمه مبدأ البساطة وهو ينتقي النسق الأبسط . وعلي النقيض من ذلك، أقترح من جانبي أن الشئ الأول الذي يؤخذ في الحسبان هو صعوبة الاختبارات (وهناك ارتباط وثيق بين ما أطلق عليه البساطة وصعوبة الاختبارات، وعندئذ فإن فكرتي عن البساطة تختلف بشكل كبير عن فكرة الاصطلاحي) . وأنا اعتبر أن ما يقرر بشكل نهائي مصير النظرية هو نتيجة الاختبار، أي الاتفاق حول قضايا أساسية . وأقرر مع الاصطلاحي أن اختيار أية نظرية خاصة هو فعل، وأمر عملي . ولكن بالنسبة لي فإن الاختيار متأثر بشكل قاطع بتطبيق النظرية وقبول القضايا الأساسية في علاقتها مع هذا التطبيق، بينما بالنسبة للاصطلاحي تكون الدوافع الجمالية هي العامل الحاسم . ومن هنا أختلف عن الاصطلاحي في تقرير أن القضايا التي يقرها الاتفاق ليست قضايا عامة، ولكنها قضايا شخصية، وأختلف عن الوضعي تقرير أن القضايا الأساسية غير قابلة للتبرير بخبراتنا المباشرة، ولكنها من وجهة النظر المنطقية مقبولة بفعل ما أو بقرار حر (ومن وجهة النظر السيكولوجية فربما يكون ذلك له هدف ورد فعل جيد التطبيق) .

باختصار ترتبط البساطة عند بوبر بمحتوي النظرية . ولما كان المحتوي الأكبر للنظرية هو المطلوب دائما لأنه يعرضها للاختبار أكثر، فإن النظرية البسيطة هي التي تتسم بالدرجة العالية من القابلية للأختبار إذا قورنت بنظرية أخري كانت أكثر تعقيدا. لكن سواء أكانت البساطة بالنسبة للنظرية أو القانون منصبة علي المنفعة، ألأكثر جمالا كما رأي بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين أو الأداتيين أو منصبة علي المحتوي التجريبي المعرفي الأكبر، ومن ثم القابلية للتكذيب الأعلى كما رأي بوبر سواء كان هذا الأمر أو ذاك، إن البساطة ما زالت غامضة  فبالإضافة إلي ما سبق من آراء حول البساطة، فربما نجدها أيضا مبنية علي الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة ولكن يبدو أن الدليل علي صدق هذا الاعتقاد لم يتضح بعد، ثم أن تاريخ العلم نفسه يشهد بأن أنساقا نظرية بسيطة قد تلاشت وقبلت المعقدة . إن هذا الاعتقاد يدل علي مجرد فهم اعتباطي أو علي أحسن الفروض حدسي للطبيعة وللبساطة . لذلك فهو ميتافيزيقي . لذا كان من الممكن أن يخدم كحافز للبحث لكن لا يقبل أي رفض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي وهذا ما يمكن غموض البساطة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفأصدروليم جبمس هذه المقالة بعنوان هل الوعي موجود؟ عام 1904 وكانت تمهيدا مباشرا لأنبثاق الواقعية الجديدة وريثة الفلسفة الذرائعية الامريكية التي قامت على مرتكزين:

الفكرة الاولى: لا وجود لمادة أو لكيفية أولى خاصة بالكائن تتميز عما به تكوّن الموضوعات المادية، بل ثمة وظيفة بالتجربة تؤديها الافكار، والوظيفة تكمن بالمعرفة (1).. ما نفهمه من العبارة أن الوعي بالمدركات الحسية تجربة معرفية محايدة، ووظيفة بمعنى الوسيلة أو الوسيط وليس كيانا جوهريا أستدلاليا معرفيا قائما بذاته يمكننا الاحتكام له كحقيقة منطقية متعالقة بالعقل من جهة وفي التعبير اللغوي والفكري عن مدركات الموجودات الحسية من جهة أخرى...فالوعي هو تصورات الافكار العقلية لمعرفة العالم والاشياء وليست موضوعا قائما بذاته مدركا من غير صاحبه وقد ناقشنا هذا الطرح في عدة مقالات سابقة لنا نوضّح جانبا منها لاحقا بضوء الفهم الذرائعي للوعي عند وليم جيمس.

الفكرة الثانية: التجربة الخالصة لا لزوم قسمتها الى وعي والى مضمون وعي، فتجاربنا ليست موجودة وحسب بل هي معروفة، والكيفية الواعية يمكننا تفسيرها من خلال علاقاتها المتبادلة.(2)،.

من الحقائق الفلسفية التي بدأها كانط وأعتمدها هوسرل بمنهجه الفينامينالوجي أن الوعي يحمل ويدّخر موضوعه أي (مضمونه) في المسكوت عنه الخفي في عجز اللغة الاحاطة به.. وليس هناك وعي سليم طبيعي لا يكون قصديا يحمل هدفه.. والوعي بلا مضمون ثرثرة وهراء لا معنى له، وقد أعتمد هذه المّسلمة الفلسفية كلا من هوسرل ومن بعده كلا من هيدجر وسارتر، والأهم أعتمدها جون سيرل وهو من فلاسفة الذرائعية الامريكان المعاصرين ألمتأخرين....

نحن مع أستحالة أن يكون هناك معنى حقيقي لقول فلاسفة الواقعية الجديدة (لا لزوم الى قسمة التجربة الى وعي والى مضمون وعي) فليس من الممكن حدوث مثل هذه القسمة التي تحذر الذرائعية منها؟؟ الوعي هو ادراك عقلي فكري واحد من التجربة المعرفية ذي وجهين، أي هو وعي بمضمون وألا وقعنا في أستحالة أدراكية من حيث أن الوعي بلا مضمون هو وعي غير ممكن عبثي عشوائي لا يحمل معنى الوعي الحقيقي ولا يمكننا التأكد من أمكانية حدوثه عند الشخص السوي في وعيه لذاته ولموجودات العالم...الوعي مضمون عقلي فكري مادي وليس تجريدا لفظيا لغويا فقط في التعبير عن المدركات...

لا يوجد وعي خالص كما أدانه سارتر بمعنى التجربة القائمة بذاتها التي ليس لها مضمون واقعي في عالم الموجودات بسبب أستحالة الفكر واللغة التعبير عن وعي خال من المعنى والمضمون....الوعي وظيفة العقل في نقل الفكر وهو جزء لا ينفصل متعالق مع العقل كجوهر... ومن غير المجدي أن نضع محددات الوعي على أنه تجربة محايدة فقط وليس جوهرا فاعلا مستمدا من تخارجه مع جوهر العقل..والوعي الخالص ربما يكون نوعا من التجربة الصوفية أبعد منه أن يكون وعيا وجوديا لا يمكن بلوغه ولا يمكن تحققه..

وعندما حاول ديكارت في كوجيتو أنا أفكر..أن يجعل الوعي تجربة ذاتية خالصة في أدراك الوجود أنهالت عليه الانتقادات الشديدة من كل حدب وصوب التي بدأها كانط ومن بعده هوسرل وهيدجر وسارتر ولم تقف عند حدود فلاسفة البنيوية أبرزهم شتراوس وفوكو ولاكان والتوسير وصولا الى كونديرا على وجه التحديد في أدانة مقولة ديكارت، معتبرين الوعي الفردي أو الخالص ذاتيا ليس كافيا لأثبات الوجود...فالوعي لا يتمكن التعبير عن نفسه الا بمغايرة وعيه لغيره من الذوات أو الموجودات من جهة وأرتباطه الجوهري بالعقل من جهة أخرى..وبغير هاتين الصفتين الملازمتين للوعي يتحدد أن يكون حقيقيا له معنى أو لا يكون.

ولم يخلص ديكارت حتى من أولئك الذين دافعوا عنه على أعتبار ديكارت قرن وربط الوعي الذاتي الانطولوجي بالفكر وهو ما لم يسبقه به أحد من الفلاسفة..

ما هو الوعي؟

الوعي الذاتي يكون فرديا شخصانيا ولا يمكن تحققه الا بتوفره على جملة أشتراطات ندرج بعضها بأقل الكلمات:

-  أن الوعي هو الوعي الذاتي بالآخر المفارق المختلف عنه، ويبقى الوعي منقوصا أذا ما كان وعيا ذاتيا مثاليا خارج الوجود- في – عالم. (مستفيد من تعبير هيدجر).

- والثاني لا وجود لوعي بلا مضمون قصدي يحركه كهدف يسعى له يريد بلوغه والوصول له.. (مستفيد من تعبيرات هوسرل وهيدجر وسارتر)

- والوعي لا يكون موضوعا لذاته، أي أن الوعي لا يعي ذاته كجوهر قائم منفصل عن مدركاته من جهة وتجريده من أرتباطه بالعقل من جهة أخرى..فمثلما لا يكون العقل موضوعا للعقل ذاته كذلك لا يمكن أن يكون الوعي موضوعا لوعيه.. ان العقل والوعي كلاهما وجهان لعملة واحدة يتبادلان الادراك ليس لمعرفة الموجودات والاشياء وحسب وأنما لمعرفة ذاتيتهما المتداخلة معا.... لذا يكون من الصعب الاستدلال على الوعي من دون تداخله بالعقل ومن خلال تعبير الفكر واللغة عنهما..

الوعي هو تفكير العقل بوسيلة اللغة

-  الوعي يعي ذاته في مدركاته المغايرة له...الوعي يتحقق حين يكون الوعي بشيء يدركه مغايرله... كما لايمكننا تصور وعيا بلا مضمون ..مضمون الوعي هو الوعي الحقيقي في مرجعية الاحتكام فيه للعقل.. والوعي بلا مضمون لا يمكن حصوله وحدوثه كونه مجردا عن مداخلة العقل في مدركاتهما الاشياء وفي التعبير عنها.

- والوعي تجربة شخصانية تسعى لأشباع هدفها فرديا ولا يمكن تعميمها، فلكل وعي أنفرادي هدفه المسبق المراد تحقيقه ولا وجود لوعي من دون قصدية...(مستفيد من تعبير هوسرل وجون سيرل)

- والوعي تتعّطل وظيفته حينما لا يكون تعبيرا عن معنى...أي بلا مضمون.

الوعي والفكر

الافكار هي معارف أدراكية يطلقها الوعي الذي هو وظيفة أنطولوجية - أبستمولوجية، ولا يمتلك الوعي قدرة الحكم على الاشياء منفردا كتجربة محايدة في أكتساب المعرفة التي هي من أختصاص العقل تحديدا قبل الوعي الذي غالبا ما يتجسّد بتعبيرالفكر واللغة عنه...

والوعي القصدي الهادف هو الذي نراه متشّكلا كموضوع في تعبير اللغة ويحمل أفكارا مصدرها تخليق العقل للاشياء ومدركاته بما يضفيه عليها من مقولات...من الخطأ أن نعامل الوعي على أنه تجربة محايدة في نقل أحساسات مدركاته عن الحواس بمعزل عن تداخله الصميم بمقولات العقل المعبّر عنها باللغة فالوعي هو العقل في تعبير اللغة.

الوعي الذاتي هو وعي الأنا الذي يسترشد بالعقل على الدوام في بيان حقيقة الاشياء والحكم عليها بمقولاته النقدية والتكوينية للمدركات. والوعي وظيفة عقلية ابستمولوجية لا يكون موضوعا لذاته ولا موضوعا لمدركاته من غيره..فهو وظيفة أدراك الاشياء والموضوعات المغايرة له..والوعي يعي ذاته كماهية جوهرية تخصّ الانسان الفرد ولا يكون الوعي الفردي موضوعا لغيره بمعنى لا يمكن تعميم ما يدركه الوعي منفردا على المجموع..فالوعي الذاتي هو ماهية الانسان التي لا يدركها غيره، والوعي خاصية أنسانية لا يمتلكها الحيوان ولا الطبيعة..

والعقل يعي ذاتيته وماهيته كموضوع تأملي صامت، ويدرك ذاتيته في وعيه وأدراكه لغيره من الاشياء والموجودات المغايرة له.

لا يمكننا تقسيم الوعي الى تجربة والى وعي بمضمون حسب تحذيرالفلسفة الذرائعية، فالوعي جوهر لا ينقسم على نفسه حاله كمثل حال العقل، وعي الذات هو مضمون الوعي الذي يدرك ذاته ويدرك موضوعاته على السواء ولا يكون الوعي موضوعا مدركا من غيره مالم يصدره العقل على شكل تعبير لغوي حسي عن الاشياء.. ومضمون الوعي هو الوعي الحقيقي ولا يمكننا تصور وعي لا يتعالق بموضوعه والا كان وعيا زائفا بلا معنى...بعبارة ثانية ليس هناك وعي لوحده كتجربة محايدة ولا هناك وعي بمضمون يختلف عنه بعد التجربة...

أن الوعي هو تصورات الذهن لمدركاته داخليا، والوعي فكر ولغة تعبيرواحد يصدره العقل خارجيا في معالجة مدركاته.. الوعي الذاتي بين أنسان وآخر- أي داخل النوع الواحد – هو وعي نوعي مفارق ومغاير لكل منهما تجاه الاخر المدرك كموضوع..وحين يجد كل منهما في الانسان الآخر موضوعا لوعيه وأدراكه، يكونان بهذه المغايرة التعالقية من الوعي المتبادل بينهما يعرف كلا منهما حقيقة وعيه الذاتي...وعي الذات لا يتم الا بوعي المغايرة عن موضوعه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش

* الاقتباسات المحصورة بين قوسين غير المشار لها بالهوامش مأخوذة من مصدر هذه المقالة كتاب /الفلسفة الاميريكية/ جيرار ديلودال/ ترجمة د. جورج كتورة ود.الهام الشعراني.

1- المصدر اعلاه ص 123

2- المصدر نفسه ص 121

 

 

 

علي محمد اليوسفالماهية الجوهر والصفات

نجد مهما تحضيرالانتباه قبل البدء بعرض فلسفة ادموند هوسرل(1859 – 1938) عن الماهية بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجيا) هو أن هوسرل يعالج ماهية الانسان وليس (ماهيات) الموجودات والكائنات والاشياء في الطبيعة غير العاقلة.

ويرى هوسرل أن ماهية شيء فردي هي ما تتكشف به حقيقته ومعناه، والماهية تتصف بصفة العموم خصوصا أن ما تنسبه الماهية لفرد يمكن أن يشترك به أفراد اخرون (1)

قبل دخولنا في مناقشة هذا الفهم الماهوي لهوسرل نبدأ بمسألة جوهرية هامة نعتمدها مرتكزا في هذه المقالة هي أن الماهية عند الانسان لا تتصف بالتعميم العام كصفات مشتركة بين الناس بل هي (جوهر) فردي متمّيز خاص، بل أهم خاصية للماهية عند الانسان هي أنها فردية غير مدركة دفينة وتجربة خاصة شخصية ذاتية تعني الفرد وحده ولا يصح تعميمها على المجموع من الافراد...

والصفات قد تكون مشتركات يمكن تعميمها بينما الماهية هي تفرّد متمايز يختلف من شخص لآخرلا يمكن تعميمه..وهو ما لانجده لدى هوسرل وأشياعه بأستثناء سارترالذي يخالفهم الرأي..ومن المهم التنبيه أن كانط يفرق بين الماهية والصفات على العكس من هوسرل الذي أراد الرد على كانط معتبرا الصفات هي تجليّات الماهية ولا فرق بين الاثنين من حيث المحتوى والمعنى...ونحن نرجّح فهم كلا من كانط ومن بعده سارترمع الفرق الكبير بينهما، أن الماهية تكوين ذاتي مدّخر عند الانسان وليست صفاته الخارجية المدركة...وبهذا الفهم تعتبر الماهية وجود بذاته (نومين)..وأوضح تعبير بهذا المعنى قول كانط: أن كل ما نستطيع معرفته هو عالم الظاهر الذي لا يشبه عالم الشيء في ذاته، فالله وحده يستطيع أن يرى ذلك – يقصد العالم بذاته -  لأنه غير مقيد بالزمان والمكان وقصور العقل البشري..

وهذا الفهم لماهية الانسان عند هوسرل كصفات مشتركة تجمع بين النوع الواحد أفقيا وبين الصفات والماهية عموديا في النوع الواحد أيضا الذي هو الانسان.. يختلف كليّا عن فهم تلميذه سارتر بأعتبار هذا الاخير يفهم الماهية أنها ليست كينونة ناجزة أو جوهرا مكتملا متداخلا مع وجود الفرد يحمله معه على الدوام كموضوع قابل للادراك في معاملته عقليا، بل يفهم سارتر الماهية عملية تكوينية تطورية ذاتية ينشؤها ويبنيها الانسان بنفسه طيلة سني حياته،وليست ماهيته معطى وجوديا يمتلكه الانسان بالفطرة كجوهرذاتي يلازمه متكاملا بمعزل عن صفاته الخارجية وحتى بالتكامل معها..

ونفهم بضوء سارتر أن (الوجود) هو الواقعة الانسانية البدئية الاساسية التي تسبق كل شيء آخرفي حياة الانسان والتي يمكننا فهمه في أسبقية الوجود الانساني كجوهر ماهوي أو كوعي قصدي أو كينونة فردية فهذه جميعها تأتي لاحقا للوجود الانساني السابق عليها جميعها أولا المتفرعة عنه..فالوعي والماهية والكينونة جميعها نواتج مصنّعة للوجود وتنفرع عنه ولا تكون مكتسبة صفة الموضوع المدرك منفردة أو مجتمعة قبل تحقق وجود الانسان أنطولوجيا بالحياة..فالانسان يوجد أولا وبعدها تتفرع عنه تبعات هذا الوجود في الوعي واللغة والماهية والكينونة والحرية والارادة وهكذا..

فالماهية الانسانية هي سيرورة حياتية متطورة نامية يكتسبها الانسان من الحياة بما يستطيع في سعيه أضافة مكونات جوهرية ذاتية خاصة به من تجاربه بالحياة هي ليست الصفات العامة التي يشترك بها مع غيره من الاشخاص من نوعه،..ومن المتعذّر أن نعثر على ماهية أنسانية ناجزة مكتملة ليست في مراحل من تكوّنها وتصلح أن تكون موضوعا متعّينا في أدراك العقل والتعامل معه..

كما والماهية عند الانسان الفرد هي وعي ذاتي بها وديناميكية متطورة من التكوين التراكمي الكمّي والنوعي المستمرين كوعي قصدي مصنّع في أمتلاك صاحبه عقلا تفكيريا نوعيا مفارقا لغيره من الاشخاص يستطيع به ومن خلاله بناء شخصيته وماهيته المتفردتين عن غيره كماهية ذاتية وليست صفات مشتركة موجودة عند عشرات من الناس.

والماهية عند الانسان الفرد خاصية لا يشاركه بها أحد أو مجموعة من الاشخاص، لذا تكون الماهية ذاتية فردية تحمل خصائص لا يمكن تعميمها على المجموع، فالماهية ليست مجموعة صفات خارجية يشترك الفرد بها مع مجموع من نوعه هم الافراد الاخرين..بمقدار ما هي تصنيع ذاتي لوعي قصدي متمّيزيمتلكه الانسان منفردا بأستقلالية تامة عن علاقات أرتباطه بالصفات التي تجمعه مع الاخرين من الاشخاص...

كما يعتبر هوسرل (الماهية نسق هرمي متسلسل يعلوها الأعم ويندرج تحتها الأخص ومن ثم فالماهية زمانية )(2)..

بالعودة الى الخطوط العريضة في المنهج الظاهراتي عند هوسرل الذي أعتمدته ورسّخته وجودية سارتر وهيدجر ومن قبلهما كانط أن الانسان وجود قبلي سابق على ثلاث نزوعات أقنومية قارّة تحكمه: هي وجود (لذاته) وهو الوجود الطبيعي السوّي للانسان، والوجود (بذاته) أو من أجل ذاته ويشمل هذا بعض صفات (ماهية) الفرد، وأخيرا وجود من أجل الآخرين، ولا يشترط أن تكون هذه الافصاحات  الانطولوجية الثلاث متحققة عند فرد أو مجموعة أفراد بل جميعها حالات من السيرورة الوجودية التي تحكم الانسان منذ الولادة وحتى الممات..

لذا وحسب المنهج الفينامينالوجي عند هوسرل والوجودية يكون الهرم الذي يحمل الصفات العامة التي يتشارك بها الفرد مع غيره من الاشخاص والتي لا تشكل (ماهيات) أنسانوية وأنما صفات وجودية عامة مشتركة قابلة للادراك العقلي المباشركمواضيع كما هو الحال مع كل موجودات وأشياء الطبيعة غير العاقلة..فالماهية عند الانسان وغير الانسان هو صفات مدخّرة في عمق الذات والوجود غير مفصح عنها ولا هي موضوعا في محل أدراك حسّي عقلي لها الا من قبل حاملها الانسان الفرد فقط الذي يستشعرها في كيانه كخصوصية يتفرد بها.بينما لا تعي الموجودات غير العاقلة بالطبيعة ماهياتها أو جواهرها الخفية عن صفاتها البائنة الخارجية..

وصفات الانسان الخارجية البائنة والمدركة التي يتقاسمها الفرد مع غيره من البشر لا تمثل ماهية الانسان كجوهرولا كينونته كوجود، بل هي صفات عامة تشير ألى أنسان معيّن بما هو موجود وبما هو كائن في تلك الصفات التي تكون موضوعات قابلة للادراك المباشر والتعامل معها حسّيا وعقليا لكنها في كل الاحوال تبقى هذه الصفات المدركة لا تشكل ماهية من المتعذر أدراكها حسّيا مباشرة أو أدراكها بتجريد ذهني أو حدسي، وصفات الفرد الخارجية ممكن أن تكون مواضيع أدراكية لكن بخلاف الماهيات عند الافراد التي لا يمكن أن تكون مواضيع أدراكية..فالماهية جوهرمكتسب ثابت نسبيا والصفات عرض متغّير يطاله الزوال والاضمحلال أغلب الاحيان...

والصفات مواضيع مدركة ولا تكون جوهرا ماهويا غير مدرك كما هو الحال مع الماهيات التي هي جواهر لا تدرك مباشرة حسّيا بل ممكن معرفتها علميا كمواضع أبستمولوجية، فمثلا طول الانسان ولون بشرته وتقاسيم وجهه ولون عينيه كلها صفات قد نجدها عند الفرد كما هي موجودة عند عشرات الاشخاص، وهذه الصفات لن تكون ماهيات أنسانوية.. وأذا نزلنا قليلا مع هوسرل من صفات رأس هرم الماهية المزعومة عنده لمعرفة ما يندرج أسفلها من صفات خاصة أكثر بفرد أو مجموعة أفراد فأننا سنتعرف بهذه الحال على صفات مشتركة لكنها لا تمثل ماهيات أيضا مثل ما يمتلكه شخص من نزعة دينية وقيم أخلاقية وضمير وطبيعة وسلوك،وعواطف وغيرها التي يمتاز بها الانسان الفرد وأمكان مشاركته الجماعية بها.. فالماهية شأن خاص جدا وليس شأنا عاما يسهل معرفته وأدراكه الا من صاحبه فقط...والماهية ليست موضوعا لأدراك حسّي أو عقلي وهذا ما يؤكده كانط... أن الموجود بذاته هو وجود ماهوي يتعذر علينا أدراكه والتعامل معه كموضوع مثلما نتعامل مع الاشياء وموجودات الطبيعة..

لنضرب مثلا حول الصفات والماهية في النبات ونقارنها مع الانسان، فمثلا نقول الشجرة تلتقي مع غيرها من الاشجار باللون الاخضر وكل الاشجار تتكون من جذور غائصة في التربة ومن ساق يتوسطها وأوراق وأغصان تعلوها لكن كل هذه الصفات المنفردة لشجرة أو المشتركة مع غيرها من الاشجار أنما تبقى صفات عامة وليست ماهيات خاصة متباينة للاشجار، وعند مغادرتنا الصفات العامة نحو الخصوصيات الصفاتية الاكثر أختلافا بين الاشجار فأننا سنجد هناك أشجارا دائمة الخضرة وأخرى نفضية تنفض أوراقها موسميا وأخرى غير مثمرة للزينة وبخلافها المثمرة وهناك أشجار معمرة وأخرى غير معمرة وهكذا مع صفات عديدة يمكن أدراكها ومعرفتها وربما كانت بعض تلك الصفات تدخل في تشكيل الماهيات للشجرة الواحدة لكنها تبقى في جوهرها صفات بائنة الادراك خارجية كمواضيع وليست ماهيات خالصة دفينة يمكن التعامل معها أدراكيا وأبستمولوجيا..فالماهية هنا ليست صفات بل جوهرا محتجبا خفيّا وراء الصفات الخارجية..

وأختصارا ربما يغنينا عن الاستطراد نقول ماهية كل شيء أو موجود في الطبيعة تتميز بخاصيتين:

الاولى أن الماهية لا تمثل موضوعا للادراك لأنها خاصية محتجبة خلف الصفات الخارجية البائنة للمواضيع المدركة أو المواضيع الخيالية التي يبتدعها العقل من الذاكرة..

والخاصية الثانية أن الماهية فردية شخصية لا يمكننا تعميمها حتى داخل النوع الواحد من جنسه الذي هو الانسان..فماهية كل فرد لا تشابه ماهيات آخرين غيره..

بقيت لدينا مسألة تعبير هوسرل أن الماهية (زمنية) فهي حقيقة لا غبار عليها لكن ليس بالفهم الذي أشار له هوسرل بأعتباره الماهية منجزا كموضوع يمكن التعامل معه أدراكيا كشيء مادي أو موضوع متعيّن.. ويمكن لتأثير الزمان عليه تغييره كمدرك خارجي كموضوع في حين يكون الفهم الصحيح أن الزمن عامل تكوين وأنشاء للماهية عبر المراحل العمرية للانسان وليس عامل تقويض لها كما يحذر هوسرل منه....فالزمان الذي هو عامل تغيير للاشياء والمواضيع في وجودها الادراكي الحسي أو الخيالي أنما يطال الصفات ولا يطال الماهيات كونها ليست مواضيع مدركة لا عقليا ولا زمانيا..

الماهية بهذا المعنى المختلف عن منهج هوسرل الظاهراتي هي أنها سيرورة دائمية في الزمن وليست صفات مكتملة كموضوع أدراكي في تداخلها العقلي مع الزمن والمكان حسب هوسرل..هنا تكون الماهية عند هوسرل هي مجموع صفات الشيء المدرك كموضوع وهذا ما لا ينطبق على الماهية لأنها ليست موضوعا للادراك  ألا في حالات أستثنائية جدا تشمل غير الانسان من موجودات تكون معرفتها من أختصاصات التجارب العلمية وليس من مباحث منطق الفلسفة الظاهراتية على وجه الخصوص..

الماهية والادراك

وفي متابعتنا آراء هوسرل حول الماهية عند الانسان بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجي) نجده يقول (الماهية ليست مدركة ولا متخيلة لأن كل معطيات التجربة الحسية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان)(3)

وأخيرا أقرّ هوسرل بما أردناه وشرحناه في السطور السابقة من أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا لأدراك عقلي يتحدد زمانيا ومكانيا ولنا توضيح أكثر بعد تكملتنا تثبيت عبارته الاستدراكية قوله (ومع ذلك لا ينبغي أن  يتطرق الذهن الى أن الماهية تجريد، والا اصبحت نتاجا للفكر واصبح هذا النتاج زمانيا اي متغيرا عرضيا، وهكذا يتبين انه اذا كان التجريد يوقظ الوعي بالماهية فانه مع ذلك لا يوّلد الماهية)(4)

ثمة ملاحظات توضيحية مفهومية نرى أهمية تثبيتها بضوء عبارتي هوسرل السابقتين :

- قول هوسرل الماهية ليست مدركة ولا متخيلة كموضوع لأن كل معطيات التجربة الحسّية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان أدراكي عقلي لها.. هو أعتراف صحيح جاء متأخرا خيرا من أن لا يأتي بما كنا سعينا توضيحه بسطور سابقة..وهذا يجنبنا الخلط بين أدراك العقل للاشياء كموجودات مادية من ضمنها الانسان..وبين الماهية التي هي صفات دفينة غير مدركة ولا واضحة تخص كل موجود لوحده في الطبيعة بذاته..لذا فالماهية ليست موضوعا لأدراك يحدّه الزمان والمكان..وهذا ما يؤكده كانط بالضبط.

- الماهية ليست موضوعا مدركا لا في الانسان ولا في باقي الاشياء المادية الطبيعية غير العاقلة كموجودات خارجية..كما أن الماهية هي أيضا ليست موضوعا متخيّلا يكون مصدره الذاكرة..وأنما الماهية تكوين أنشائي متطورعلى الدوام بالأضافات النوعية غير المنظورة ولا متاح أدراكها بسهولة من قبل الاخرين ما عدا الشخص ذاته منفردا لذا من المتعذر أن تكون ماهية أنسان موضوعا لأدراك غيره من أفراد ..ولا تكون بالضرورة موضوعا مدركا ألا من قبل كل شخص منفردا بذاته تلازمه ماهيته كصيرورة حياتية يصنعها هو بنفسه بمرور الزمن..فالماهية هي وعي الوجود الشخصي المتمّيز لكل انسان منفردا لوحده ..

- كل ماهو غير موضوع للادراك يكون متحررا من سطوة الزمان والمكان في تحديده وتعيينه كموجود..لذا تكون الماهية التي هي ليست موضوعا للادراك بعيدة عن سطوة الزمان عليها في أنحلالها وتقويضها، بل العكس الزمان غير المنظور تأثيره المباشر على ماهية الانسان يكون عاملا ضروريا في تشكيل ونمو وسيرورة ماهية الشخص المتكوّنة بأطراد مستمرداخليا بمرور الزمن..فالماهية جوهر حصيلة عمر الانسان بالحياة.

- تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر، لا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة  أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها مثلما يستشعر سريان الحياة في جسمه،،والماهية جوهر تبنيه الحياة ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأنها جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة..

- متى يكون الشيء أو الظاهرة موضوعا للادراك؟؟

وسيلة العقل في أدراك الاشياء في وجودها المادي المتعيّن في عالم الاشياء يكون بمنظومة العقل الحواس والجهاز العصبي والدماغ.. أما مواضيع الادراك العقلي المستمدة من الذاكرة ومعاملتها الادراكية بالذهن تجريديا فهي كل المواضيع والاشياء التي تكون خيالية من صنع خيال الانسان والذاكرة ولا وجود مادي حقيقي لها في عالم الاشياء، وفي كلتا الحالتين لا تنطبق حالة الادراك على الماهية أن تكون موضوعا لأدراك من غير الشخص حاملها فقط..لا كمدرك مادي خارجي ولا كمدرك تخييلي داخلي بالذهن مستمد من الذاكرة..

- لا أعرف أي تجريد يقصده هوسرل قوله (التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية ومع ذلك فهو لا يوّلد ولا يكون مصدرا للماهية..) وهنا نعيد ونكرر أن هوسرل لا يقر بحقيقة أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا للادراك لأنها جوهر خفي وليست صفات خارجية،، لذا في أستعمالنا مفردات تعبير هوسرل في التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية.. تعبير يتعامل مع الماهية كموضوع أدراكي في الذهن المجرد..في حين الماهية هي واقعة مادية دفينة يمتلكها الانسان من تجاربه بالحياة لكنها ليست موضوعا لادراك عقلي مادي ولا خيالي.. كما ليس بأمكان الوعي التجريدي خلق موجودات ماهوية.. الماهية تكون موضوعا أدراكيا تجريديا في ذهن الانسان الفرد حاملها ولا تكون الماهية موضوعا أدراكيا تجريديا من قبل غيره من الاشخاص الذين يشاركونه النوع بالصفات وليس النوع بالماهيات..وماهية الانسان هي تكوين الشخصية الذاتية التي لا تكون موضوعا أدراكيا  لغيره..

- الماهية عند الانسان هي صيرورة مادية تتم داخل الذات الانسانية المنفردة كجوهر ولا يتسنى لأحد أدراكها من غير صاحبها في بنائه وأنشائه المستمر لها.. والماهية لغير حاملها المعني بها ليست وجودا ماديا متحققا في أدراكها ولا موضوعا تخييليا يمكن معاملته تجريديا لا في أدراكه ولا في خلقه من غيره...

- الماهية موضوع ومدرك مادي ومدرك تخييلي للفرد فقط وليس من غيره ويستطيع الانسان التعبير عن ماهيته بالتجريد الذهني المفكر في حين يعجز عن ذلك غيره من الناس أيضا.فالماهية موضوعا للذات وليس موضوعا مدركا لغيرها..

- يؤكد هوسرل على أن الماهية ليست نتاجا للفكر نتوصل اليه بالتجريد بل هي أكتشاف وليست أختراعا.. وتعقيبنا صحيح أن الافكار لا تنتج ماهيات التي هي مواضيع تتسم بالمادية لذات الشخص، وهي تراكمات من الخبرة العملانية بالحياة وليست أكتشافا يدركها العقل تجريديا ولا هي أختراعا لا يدركها العقل، فالماهية جوهر موجود متعيّن يستطيع صاحبها التعبير عنها بلغة التجريد لأنها ليست موضوعا لغيره..

-  كل وعي وأدراك لشيء أو لموضوع هو فعل تجريدي في الذهن لا يمتلك العقل وسيلة أخرى غيرها في معرفته لأن أدراك العالم من أبسط ذرة الى أعقد شيء مدرك هو تجريد وتمّثلات صورية عقلية ، والا تعذر علينا أدراك الاشياء من حولنا أو المواضيع في مخيّلتنا من غير تجريدها فكريا ولغويا..حتى الادراك الحدسي للموضوعات لا يتم بغير تجريد صوري ذهني..

- ينكر هيجل عالم الوجود بذاته ويؤيده في هذا المنحى العديد من الفلاسفة من بعده، والسبب أن الشيء بذاته عند الانسان هو مجموع صفاته وعلاقات النتظمة الداخلية،غير المدركة أو المنظورة من غيره، فألانسان يدرك جيدا نقاط الضعف والقوة في شخصيته التي هي في أغلبها من صنعه هو ولا يعرفها أو يدركها غيره، بينما تكون الماهية أو الوجود بذاته عند موجودات الطبيعة غير العاقلة هي أفتراض حدسي من الاخرين في محاولة الوصول له ومعرفته.وماهيات الموجودات غير العاقلة لا تدرك ذاتيا من قبل حامليها بخلاف الانسان الذي يعي ماهيته منفردا..ومثلما لا يستطيع انسان حدس وادراك ما يفكر به غيره قبل تعبيره تواصليا بما يفكر به، كذلك هي الماهية الانسانوية لا تدركها غيرذات صاحبها..

- ماهية الانسان تبلور طبيعي نامي مستمر في البناء والتشّكل يزامن الانسان في جميع مراحل حياته، بينما تكون ماهيات الموجودات غير العاقلة ثبات من الصفات الداخلية لا تتطور ولا هي من صنع حاملها لأنها جزء من معطى وجودي لا علاقة لأحد غير الطبيعة في أيجاده..

الفهم الميتافيزيقي للماهية

يرى ميرلو بونتي أن الحدس هو الذي يوّلد الوعي بالماهية، وهذا الوعي بالماهية  لا يمكن أن يكون تمّثلا  حتى وأن كان موضوعه ملموسا، فالتمثل أنموذج أتوجه من خلاله الى الماهية، والماهية تبقى دائما وراء التمثلات..(5)،..

أننا نفهم الحدس منهجا أدراكيا ناقصا في الاحاطة والتعبيرعن موضوعه  وتبقى العلاقة التي تربط الحدس بموضوعه ضبابية غير واضحة ولا تشّكل معرفة يقينية حقيقية عن الموضوع المحدوس.. لذا حين يكون الموضوع هو الماهية التي يفهمها ميرلوبونتي فهما ميتافيزيقا عندما تكون الماهية حصيلة حدس وتمّثلات غير منهجية هي أقرب الى التفكير الميتافيزيقي منه للمنهج المنطقي الفلسفي المتمّكن من التعبير عن موضوعه بعلاقة أدراكية حسية أو خيالية عقلية سليمة..فكيف يستطيع الحدس أن يوّلد الوعي بالماهية كما ينّظر له ميرلوبونتي؟؟

الماهية كما سبق لنا فهمها هي تكوينات من السيرورة الدائمية التي لا تكون موضوعا للادراك الاستدلالي عنها ومعرفتها بمنظومة الاحساسات العقلية..فكيف يكون الوعي بالماهية دائما وراء التمّثلات الحدسية المتأرجحة بين التخمين وعجز التطابق الادراكي الواقعي مع الاشياء كمواضيع..كما أن الماهية سيرورة تكوينية وليست جوهرا ناجزا في أمكانية معرفته ولا تكون الماهية موضوعا لتمّثلات حدسية لموضوع أفتراضي غير موجود في التعامل معه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، عبد الوهاب جعفر، ص54 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 55 نقلا عن المصدر الاجنبي

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

5- المصدر اعلاه ص 62 نقلا عن المصدر الاجنبي

 

 

علي محمد اليوسفتعريف: العدم هو الوجه الآخر للوجود حسب ما تذهب له الموسوعة الحرة، وبذلك يكون العدم في علاقة متداخلة تشبه علاقة الفكر باللغة أوعلاقة الروح بالجسد فلا معنى لوجود أحدهما في غياب تعالقه المتداخل بالآخر.. والعدمية Nihilism المشتقة من العدم تذهب الى أن العالم كله بما في ذلك وجود الانسان بلا قيمة وخال من أي مغزى أو معنى حقيقي..وهو ما يرتّب على الانسان أن يستغل حياته من منطلق التسليم بهذه الحقيقة الحتمية التي لا يمتلك درءا لها ولا الأفلات منها..بما يتوجب عليه تنضيج تفكيره بأستمرار من أجل أن يسمو بحياته عن حياة الحيوان الذي لا يعرف ولا يدرك معنى العدم... كما أن على الانسان أن يدرك ويتصرف من خلال التسليم بحتمية العدم بأن الحياة الانسانية قيمتها الحقيقية أنها فانية ولها نهاية...

ويعرّف عالم الفيزياء النظرية لورانس كراوس أن العدم يتألف من لا زمان ولا مكان ولا مساحات ولا جزئيات ولا تنطبق عليه قوانين الطبيعة على الاطلاق.. وبناءا عليه نستطيع القول بأن العدم هو وجود حدسي غير موجود ولا مدرك، ولا يحده الزمان ولا المكان قانونا الطبيعة اللذان يحكمان الوجود في أدراكنا الاشياء بالطبيعة..وتجاهلنا القلق الوجودي للعدم لا يقدم ولا يؤخر من حقيقة أنه يحزم حياتنا بحتمية لاخلاص ولا فكاك منها هي الموت والفناء.

وبالعودة الى فهم كراوس للعدم من وجهة نظر فيزيائية نجده يقول اذا كان من الصعب علينا تخيّلنا العدم بأنه (لاشيء) وغير حقيقي ،فهناك العديد من الاشياء بالعلوم لا يمكنك حدسها لكن ذلك لا يعني عدم وجودها..ويختم تايسون وهو عالم فيزياء أيضا القول معضلة العدم لا تحل أبدا..

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء ،كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.. أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعر تقويضه الموجودات الحية وأفنائها،، لكننا عاجزين معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل والقرين المتداخل به.. وهو كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لها.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

العدم والقلق

يتحدث هوسرل عن العدم من منظور فلسفي فيعتبره لصيق القلق النفسي المتداخل في الوجود الانساني، ويأخذ القلق عنده دور العدم في حين نرى العدم ليس حالة من حالات القلق النفسي التي يمكن الشفاء منها بأنفصالها عن الوجود المادي للانسان فقط والقلق لا يشمل كافة أشكال الكائنات الحية الاخرى مثل الحيوان المحكومة هي الاخرى بالعدم فهي لا تشعر بالقلق من الموت الذي سيدركها..

فالعدم يطال الوجود كاملا برمته ويبقى القلق مرهونا بالموت الذي هو شكل العدم والفناء عند الانسان..وأنفلات السيطرة على العدم وأنعدام أمكانية الاحاطة به والتعبير عنه بالكلمات لا يجعل منه قلقا نفسيا يلازم الوجود بأنفصالية مستقلة والخوف منه.. بل بأعتباره وجودا متداخلا ملاصقا الوجود الانساني ويتهدده بالموت والفناء.وعندما نقول العدم هو الوجه الآخر للوجود فليس معنى هذا أننا نستطيع أدراك العدم كما هو الحال مع أدراكنا الوجود، فالعدم جزء متداخل بالوجود لكنه لا يمتلك وجودا متعينا بل هو أفتراض حدسي فقط نلمس نتائجه دونما أدراكه..

وعندما يعبر هيدجر (أن العدم مصاحب للوجود وليس نفيا للوجود) يكون وضع العدم في مفهومه وسياقه الوجودي الحقيقي الصحيح، فالعدم  ينفي الوجود لأنه جزء لصيق بهذا الوجود، ويتعذر على العدم بأعتباره وسيلة أعدام الوجود أن يعدم نفسه ولا نستطيع الجزم أن العدم يفنى بفناء الوجود..فالعدم ليس وجودا قبليا ولا وجودا بعديا يمكن حدسه كمدرك بعد فنائه موجوده المتداخل معه.. ولا نجد نفس الدقة السابقة في عبارة هيدجر التي مررنا بها قوله (فنحن يخرسنا القلق ويطوينا العدم فلا نقوى على نفي الوجود عنه ولا أثباته، ولا يعني هذا أن يكون في القلق فناء للموجود في مجموعه بل أن الموجود يترنح ويتأرجح ويغيب بسببه) 1، هنا هيدجر يجعل من القلق بداية العدم معتبرا القلق هو حالة نفسية لا تعدم الوجود بمجموعه بل تتركه مترنّحا؟؟ القلق ليس عدما ولا ينوب عن العدم في أستهدافه الوجود بالفناء.. القلق حالة من التهيؤ النفسي غير المجدي من العدم..لكن القلق ليس هو العدم بذاته بل مظهرا من مظاهر النفس والتحسّب له..

وفي تعبير برجسون (ان ما يسلب عنه الوجود بكلمات مثل العدم أو الخلاء لا يدخل في نطاق الفكر بل الوجدان، والعدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة ) 2، ونكمل مع هيدجر نفس المنحى قوله (اذا كان المنطق لا يوصلنا الى العدم فمن الممكن ان نلجأ الى لغة العامة، لأن العدم ينبغي أن يوجد بطريقة وأخرى والا ما كان موضوعا نبحثه هنا) 3 .

من الملاحظ في تعبيري برجسون وهيدجر على السواء في اختلاف بسيط فقط أن العدم في الوقت الذي لا تستوعبه اللغة ولا المنطق في تحديد ما هو.. يكون متوجّبا أستحضاره كموضوع فلسفي ميتافيزيقي يكون أرتباطه بالوجدان وليس أرتباطه بالوجود المادي للاشياء في فنائها الحتمي، لكن المنطق الفلسفي يقر بأن العدم قرين أفنائي للموجودات المادية والاشياء في الطبيعة من بينها الانسان كوجود يدركه الموت والفناء، وتعبير برجسون يدور في نفس الدوامة الميتافيزيقية بأعتباره العدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة حسب تعبيره..والدلائل الحقيقية تشير الى أن العدم في الوقت الذي لا يكون وجودا منفردا لوحده بل مصاحبا دائميا للموجودات المادية فهو بالضرورة الادراكية أن ما يقوم بنفي المادة لا يكون فكرا بل هو موجود يستمد ماديته من مواضيع أعداماته المادية.. والعدم بمعنى الفناء هو أكثر صيغة تجريدية مقبولة تمكنّه من أن يكون العدم المطلق ليس فكرة زائفة بل فكرة حقيقية يمكننا أن نجد حقيقتها في أقترانها بالوجود من حيث هو مطلق فاني ومعدوم على الدوام ولا يمكننا تصور موجودات لا يطالها العدم..فليس بمقدورنا القول أن الموت الذي هو عدم مطلق ليس مطلقا..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

هوامش

1- الفلسفة واللغة /عبد الوهاب جعفر ص 86

2- المصدر اعلاه ص84

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

 

زهير الخويلديمقدمة1[1]:

"ذاكرة الرهيب ضرورية للغاية

La mémoire du terrible nous est absolument indispensable "2[2[

لم يكن بول ريكور أول من حذر من إخفاق مشروع الأنوار في الحضارة الغربية ومجيء العدمية وبلوغ الإنسان زمن الخواتيم فقد تحسس ذلك بصورة جنيالوجية فيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه وسانده مارتن هيدجر ضمن رؤيته الأنطولوجية الأساسية وتفطن إلى المنحدر الخطر عالم الاجتماع ماكس فيبر وأدرك اقتراب النهاية كل من المؤرخين أرنولد توينبي وأوسفالد شبلنغر واتضحت الأزمة في العلوم الأوروبية مع أدموند هوسرل وانتبه يورغن هابرماس إلى مأزق الحداثة التقنية وسقوط العقلانية في مستنقع الآداتية.

بيد أن الطرافة التي ميزت بول ريكور هو كشفه عن حالة الإنهاك التي بلغها مشروع الأنوار وعن الأزمة التي يعاني منها الوعي التاريخي وتأخره عن الزمن التاريخي والتعارض بين فضاء التجربة وأفق التوقع واستشكاله الأزمة التي أصابت الحضارة الكونية من جهة القيم والمبادئ التوجيهية التي تحكم المؤسسات وطرقه أبواب الديمقراطية عبر الإنسية التعاونية وتطعيمها بالسياسة التي تراهن على الحريات الفردية.

من هذا المنطلق تبدو مسؤولية الفيلسوف كبيرة في المدينة حول مهام الانتقال من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الفوات والتأخر إلى اللحاق والتدارك وحول الأدوار التي يجب أن يقوم بها في الوساطة بين الأقطاب المتعارضة وفي رأب الصدع بين الذات والعالم وتخطي وضع الهشاشة وفشل العدالة ومفارقات السياسي.

مصادر الهشاشة حسب بول ريكور تنبع من النقائض التي تشق الواقعة الإنسانية بين الإرادي واللاّإرادي والمنزلة الوسطى التي يحتلها الكائن البشري وتجعله يتأرجح بين الكينونة والعدم وبين اللانهائي والنهائي وتظهر ذلك في التباعد بين المنطقي والمؤثري وبين المتعالي والعملي وحالة اللاّتنساب بين الذات وذاتها بسبب التناقضات بين الحرية والطبيعة وبين القرار والمشروع وبين الباعث والقصد وبين الطبع والأفق.

يتراوح الوجود البشري من وجهة نظر ريكور بين الهزل والجد وبين الكوميدي والتراجيدي ويستنجد بالطابع الملحمي لكي يتغلب في لعبته مع حركة التاريخ ويتحدى سلطة القدر المحتوم ويعلن انتصاره في معركة الحرية على العراقيل والضرورة والإرادة على التناهي واللاّعصمة ويجعل الإقرار شهادة للكائن البشري باللاّتناسب من جهة وقابلية الاقتدار من جهة أخرى ببناء الجسور وإبرام مصالحة بين الأضداد.

مفارقات السياسي التي أثارها ريكور تتوزع إلى ثلاث دوائر: تتعلق الأولى بالشكل العقلاني للدولة المدنية والقوة الفيزيائية المرافقة للقوانين والقرارات، الدائرة الثانية تقسم السلطة بشكل مغاير ضد نفسها وتعطب العلاقة بين البعد العمودي والتراتبي للهيمنة أولا والبعد الأفقي والتوافقي للرغبة في الحياة المشتركة ثانيا، أما الدائرة الثالثة فتتعلق بالنقد المعاصر لفكرة العدالة الواحدة واللاّمنقسمة والقول بوجود دوائر للعدالة تحتاج إلى تبرير من جهة وتوزيع منصف من جهة مقابلة بالنظر لأن الدولة الممسكة بالسلطة تظهر في ذات الوقت كدائرة مثل بقية الدوائر والهيئة العامة التي تحول دون اختراق الدائرة الأولى للدوائر الأخرى.

فشل العدالة الذي كشف عنه بول ريكور ناتج عن تعارض بين فكرة العادل من حيث هو مبدأ عال للحقل الإيتيقي والمعاناة التي تسللت من الخارج في الحكم الصادر من حقل العدالة الجزائية إلى الجاني المدان ويظهر إخفاق مؤسسة العدالة في مستوى التبرير العقلاني للعذاب الذي يعاني منه المتهم لحظة الإدانة.

أما عن المسؤولية فهي تشهد الكثير من المراوغات ومحاطة بالغموض والشبهات ويتم النصل منها في السر والعلن وتكثر التبريرات وتتزايد التسويغات ويقدم الفاعلون العديد من الأعذار وجملة من التعلات والخاسر الأكبر هو العزوف عن الفعل والإخلال بالوعود والتقاعس عن الواجب والتقصير في الالتزام.

هنا ، فيما تتمثل مسؤولية الفيلسوف تجاه هذا الخطر؟ هل هي مسؤولية فردية أم مشتركة؟ وماهي أنواع المدائن الحضرية؟ ولماذا حدث النزاع بينها؟ ما طبيعة الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر ؟ هل هي أزمة تاريخية ناتجة عن الصراع بين الموروثات؟ وما المقصود بالمدائن المتصارعة؟ وكيف يتم الانتقال من المدينة إلى العالم؟ ومتى يتم بناء العوالم المشتركة بصورة تأسيسية؟ وماذا يتطلب الأمر من ناحية شغل الفيلسوف؟ وهل يمكن لإيتيقا المسؤولية التي تنبع من المصالحة مع الذات أن تكون بديلا عن إيتيقا الاقتناع التي تتشكل من خلال الفعل التواصلي في الفضاء العمومي؟ هل مسؤولية الفيلسوف تتعين من حيث هو مواطن حر أم تتنزل ضمن المؤسسات الرسمية التي يتحرك ضمنها ؟ ألا يُطالب بالمسؤولية الأخلاقية والوجودية إلى جانب المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ والى أي مقام جديد يتطلع؟ هل يقتصر دور الفيلسوف على ممارسة الحكم وتحمل المسؤولية؟ هل هو الحكم المعرفي ام الحكم السياسي؟

حري بالفكر الحاذق أن يقسم بحثه عند معالجة هذه الإشكاليات إلى جملة اللحظات المنطقية التالية وأن يقوم باستدعاء الأنثربولوجيا الفلسفية التي تجمع بين المجتمع والاقتصاد ضمن جدلية الإيتيقا والسياسة:

اللحظة الأولى: مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة وإخفاق العدالة والشر السياسي

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة : السياسي من حيث هو استكمال المقصد الإيتيقي

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف

ما يراهن عليه في الشخصية المفهومية هو تجنيب الحشود الالتجاء إلى العنف والنزاع واللاّتسامح والانزواء والاقتصار على التنظير والانتظار وانحيازه إلى قضايا المجتمع والتدخل في الفضاء العمومي والانتصار إلى المعية الوجودية بين المواطنين الأحرار على أرضية إيتيقية تشيدها إرادة الحياة المشتركة.

ما معنى قول يسبرس وأرندت "الفلسفة ليست بريئة"؟ هل هي مورطة بالضرورة وغير قادرة على إنتاج خطاب موضوعي؟ ما المقصود بفلسفة المدينة ومدينة الفلسفة؟ ولماذا نحتاج إلى التفلسف من اجل التمدن ونعتمد على التفلسف من اجل التمدن؟ ومتى كان التفلسف يساعد على فض النزاعات في المدائن وبناء المشترك؟ وأين يسكن الفيلسوف مدينته بالمعنى الأصيل للكلمة؟ وماذا عليه ينجز في المدينة لكي يصير فيلسوفا من جهة ومتمدنا من جهة أخرى؟ هل ينتصر للفلسفة إذا تصدت لها المدينة ام يحتمي بالمدينة بحثا عن ملاذ لا توفره الفلسفة؟ لماذا ينزوي الفيلسوف بصناعته بعيدا عن الأنظار ويخدم للسلطة؟ وهل يتحمل الفيلسوف مسؤولية كل ما يحدث في العالم ومطالب بتشييد المدينة؟ أليس من المطلوب أن يفكر الفيلسوف دون سلسلة مقيدة وخارج الصندوق ويسير في دروب جديدة ويساهم في صناعة العالم الإنساني؟ كيف يا ترى دور الفيلسوف في صناعة الأمل والتوقي بالثقافة والأدب والتاريخ من التطرف العنيف؟

ماهي خصائص الأزمة التي يعاني منها الإنسان في حياته العادية؟ وكيف تأثرت الحداثة بهذه الأزمة؟

1- مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم:

"الأزمة ليست حادثًا طارئًا، ناهيك عن مرض حديث: إنها مكون من الوعي"3[3]

لقد عرفت البشرية منذ التشكل الأول العديد من الأزمات وأوجدت الوسائل اللازمة لحلها تصديقا لقول ماركس بأن الإنسانية لا تطرح مشاكل لا تكون قادرة على حلها وبالنظر إلى العقل يجد لكل سؤال جوابا ولكل مرض دواء ولكل آفة علاجا ولكن الأزمة الحديثة التي طوقت الوضع البشري طالت واستحكمت ولم يجد الإنسان المعاصر لها مخرجا وتسببت في ظهور العدمية واللاأدرية والانحطاط والحيرة القيمية والفراغ الأكسيولوجي ودفعت بالناس إلى التحرك في الممكن وقبول بالواقعية والبحث عن بدائل مؤقتة.

بعبارة أخرى نحن لا نعيش أزمة لأول مرة في التاريخ، فالوجود البشري شهد ظهور الكثير من الأزمات ولكن ما نعيشه في الزمن الحاضر هي أزمة شاملة لا نظير لها في السابق لأنها تظهر أزمة دائمة ونهائية.

كما أنها طرحت في الميزان قيمة التقدم التاريخي الذي سار إليه البشر وأعادت التساؤل عن معنى الحداثة وتماسك الذات في مواجهة التحديات والعناصر التي تكونها وصلابة المؤسسات في ظل عنف التحولات. لقد تفطن بول ريكور إلى تعدد أسباب الأزمة في العالم وتوزعها بين وراثة العنف التأسيسي وهشاشة ثبت الهوية ومخاطر اللقاء بالآخر ونشر اللاّتسامح بين المجمتعات وإفساد المال للأخلاق والسياسة والاقتصاد.

اللافت للنظر أن الأزمة عامة ومعولمة من جهة وتشمل جميع القطاعات بشكل خصوصي من جهة مقابلة ويضع لها بول ريكور ثلاث أسباب:

1- إن مصطلح الأزمة مزروع في الجسد البشري بطرق متنوعة ومبهمة بما أنه يشمل القيم والوعي والحضارة ويمس المؤسسات والجمعيات والوزارات والأحزاب والمرافق العمومية والخاصة.

2- مرت الأزمة بسرعة من الطابع الجهوي والقطاعي والخصوصي إلى الطابع العام والشمولي والكلي واخترقت بصورة تامة الظاهرة الاجتماعية وبرز ذلك في مستوى تمثل المجتمع لنفسه.

3- أزمة الحداثة لم تعد تشير إلى ظاهرة من بين ظواهر أخرى وإنما صارت ترمز إلى حقبة كاملة ومساءلة جذرية للحاضر واستشكال للراهن بسبب الصراعات التي تخترقه والتي يتعذر حلها[4].

 لقد ترتب عن اشتداد الأزمة تزايد المشاحنات الإيديولوجية وبروز تمثلات عقيمة للمجتمع وغياب التقدير للأفكار القيمية وتزايد الاهتمام بالقيم المعولمة التي تدور في فلك المنفعة والإجراء والربح ومتعة الاستهلاك وتكاثر المشاكل في المجالات التي كانت مستقرة وتفاقم النزاع في الحقول التي كانت هادئة.

يتوقف بول ريكور عند الدلالة الطبية للأزمة ويرى أنها تشير إلى لحظة المرض الذي يختص بتغير في السير العادي للمريض ويرتبط بالمعاناة أو العذاب في وجود شيء كعلامة رئيسية على سياق باثولوجي وتستوجب إحداث قطيعة في الإيقاع الزمني للمرض من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي ومحاولة إيقاف المضاعفات وتنمية القدرات الدفاعية التي يختزنها الجسم وتقوية المناعة عبر العقاقير5[5].

القطاع النموذجي الثاني الذي يحلل فيه ريكور مصطلح الأزمة هو حقل التطور النفسي الفزيولوجي الذي يشير الى حالة من البؤس العميق التي يعيشها الكائن وتكون في ذات الوقت في المستوى الجسدي والنفسي وتؤشر على مرور من حقبة عمرية معينة إلى مستوى زمني آخر وتظهر بوضوح في اللاتوازن الذاتي.

النموذج القطاع النموذجي الثالث هو الإطار الكوسموبوليتي الذي كان عمونيل كانط قد اشتغل عليها في كتاباته عن فلسفة التاريخ والتي أقر فيها بإمكانية ملاحظة التطور التام على الصعيد النوعي وحجبها عن الصعيد الفردي بسبب لاإجتماعية الاجتماعي في الحالة الأولى ووجود استعدادات طبيعية لاستعمال العقل تظهر بشكل متأخر في الأجيال المتعاقبة التي تطور قابليتها للتحول إلى المجتمع المدني ودولة القانون6[6].

أما النموذج القطاعي الرابع الذي يشهد بشكل منتظم ميلاد أزمات هو تاريخ العلوم وكشف فيه توماس كوهن في "بنية الثورات العلمية" عن النموذج الإبستيمولوجي للأزمة والطابع المنكسر للإبداع العلمي وبيّن فيه أن التقدم يتم عن طريق سلسلة من الثورات والقطائع التي تحدث من خلال تغيير في النماذج وذلك بعد وقوع تشويهات في النظرية وتعقيدات في المعرفة واختلال في التوازن وبروز أزمات عابرة7[7].

في نهاية المطاف يصل ريكور إلى تحليل المفهوم الاقتصادي للأزمة ويعتبره مفهوما مشتركا ومهيمنا ويعد النموذج الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على النماذج الأخرى وينتشر في جل مجالات الحياة الإنسانية وذلك بالنظر إلى تأثير البنية التحتية المادية على البنية الفوقية الثقافية ومسه بقوة الحضارة الكونية وسلم القيم والمبادئ وشبكة المعايير الرمزية وتسببه المباشر في ظهور أزمات في مختلف الميادين الأخرى8[8].

يترتب عن اندلاع الأزمة في المجال الاقتصادي تشكل أزمة بالمعنى المنظومي النسقي واتخاذها الطابع المتنوع التتابعي وانتشارها السريع في المجتمعات المتقدمة والمتأخرة عن نمو أنماط الإنتاج الرأسمالية واكتساحها لكتل بشرية عريضة عوضت حالة الرخاء والرفاه والاستقرار بحالة الكساد والشقاء والعوز.

لقد تولد عن الأزمات القطاعية في المجال الطبي والنفسي الفزيولوجي والكوسموبوليتي والابستيمولوجي والاقتصادي تناقضات اجتماعية وعدة فوارق وعذابات واختلال في القيم وشرر سياسي وحروب متناسلة.

من هذا المنطلق تميزت الأزمة في العالم المعاصر بثلاثة خصائص أساسية حسب بول ريكور: التمكين9[9] والدورية 10[10] والعولمة11[11] ويؤدي ذلك إلى حصول تحولات كبيرة وتغييرات جذرية في مستويات الحياة للنوع. لكن ماهي المعايير التي يعتمد عليها ريكور أثناء تحليله لظاهرة الأزمة المعممة généralisée؟

اعتمد ريكور على عدد من المعايير أثناء دراسته للأزمة التي يعاني منها المجتمع الحديث ويراها تدور كلها حول المعيار الطبي والمعيار البيداغوجي والمعيار السياسي والمعيار الابستيمولوجي والاقتصادي. وكأن الحل في هذه الميادين يكون بالتخلص من المرض بالعلاج الكافي والدواء الشافي والخروج من الفشل المدرسي بالتربية المتكاملة والتعليم الجيد ومقاومة الشر والظلم بالحوكمة الرشيدة والسياسة العادلة والتغلب على الجهل الواعي والغباء المبرمج والخلط المتعسف بالنقد وتحصيل التنمية ضد الفقر12[12].

فكيف أدى التفاوت في امتلاك الثورة وفي درجة إنتاجها إلى ظهور فوراق اجتماعية ونزاع بين المدن؟

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة بين إخفاق العدالة والشر السياسي

" الآخر هو أقصر طريق بين الذات والذات عينها"13[13]

لقد تفطن ريكور إلى أن أزمة المدينة villeتعكس إلى حد كبير الأزمة الطارئة على السياسي والتي تعود هي بدورها إلى أزمة في المشاركة14[14] السياسية وقلة التدخل في الفضاء العمومي وعدم المحاسبة.

تعني المدينة Cité عند ريكور الجماعة السياسية بمختلف المؤسسات التي شيدتها وأعطتها شكل الدولة وتختلف عن المدينةville التي تشير إلى منطقة حضرية تكون في ذات الوقت وسطا فيزيائيا وبشريا يتركز داخله السكان وينتظمون وفق مساحة لها موقعها وبيئتها وفقا لاحتياجاتهم وأنشطتهم الاقتصادية.

المدينة في خطر هذا مؤكد والمهدد فيها هو الجانب الحضري والمدني والعمراني بسبب هبوب رياح العدمية والتوحش واشتداد عود الهمجية واتساع رقعة كثبان الرمال المتحركة القادمة من الصحراء والتي تهدد ما تبقى من مناطق خضراء وواحات ديمقراطية آمنة التي تنتشر فيها المحبة والتصافي والتعاون. ترصد أرندت تنامي ظاهرة فقدان العالم للتمدن وترى أن الواحات التي تستطيع توفير الحياة تم إبادتها عندما كنا نبحث عن ملاذ، يمكن أن يبدو في بعض الأحيان أن كل شيء يتآمر لتصبح الصحراء في كل مكان. لكن ليس هذا سوى خيال، في النهاية العالم دائما نتاج الإنسان، نتيجة حب الإنسان للعالم15[15].

بيد أن اللافت هو عدم الاكتفاء بالتحارب بين قوى الهدم وقوى البناء داخل المدينة بل نشوب نزاع بين المدائن في حد ذاتها وذلك ليس بسبب المشاريع التحديثية فيها والبرامج التنموية والمخططات السياسية ولكن بمفعول إخفاق العدالة16[16] ونتيجة اتساع الهوة بين المركز والأطراف والتناقض بين سكان المدن وسكان الأرياف وبعد استفحال التعصب والازدراء وتفشي التمركز على الذات والنزعة الفرادنية التملكية. من المفروض أن تحوز كل مدينة على مشتغلين بالفلسفة وتتوفر على منتجين للمعرفة وطلاب للحقيقة ومحبين للحكمة وعاشقين للمفاهيم ومناضلين من أجل المواطنة ومشاركين في الفضاء العمومي وبالتالي تبدو مسؤولياتهم مضاعفة في التصدي للانحراف ومقاومة التشويه وفي الانتصار للقيم الكونية والتربية السياسية للجماهير ويطلب منهم أن ينحازوا إلى قضايا الناس الجدية ويتحولوا إلى ناطقين بلسان الضمير.

والحق أنه توجد أنماط مختلفة من المدائن بحسب اختلاف النشاط البشري داخلها والمشروع الإنساني الذي يتم الانخراط فيه من طرف الكائنات البشرية المنتمية إليها وبحسب تأرجح العلاقات بين التنابذ والتعاون.

في هذا الإطار يستأنس بول ريكور بالتحليلات العميقة للوك بلتانسكي ولورنت تيفينو في كتابهما التسويغ : اقتصاديات العظمة17[17] ويحاول تحديد مكانة الفيلسوف ضمن النسق الوظيفي للمدائن المتصارعة ويرى أنه توجد مدينة للتسوق cité marchande حيث ندرة الخيارات تجعل الأشخاص يتنافسون على الحصول عليها ويخضعون ويتوحدون وهناك أيضا المدينة الصناعية cité industrielle التي تهيمن فيها القواعد الوظيفية الخاضعة للمبادئ العليا للمنفعة ومدينة الرأي cité de l'opinion التي تتحدد فيها الشهرة برأي الآخرين بدل الارتباط بالعظمة الحقيقية ويعيش فيها المشهورون من الرياضيين ونجوم الفن والمحترفون والمدينة الملهمة cité inspiré التي تتحدد فيها عظمة الأشخاص بالفضل وليس بالمال والمنفعة والمجد ، والمدينة المحلية cité domestique التي تشير إلى الموطن الأصلي ومسقط الرأس حيث تسود قيم الولاء والوفاء والإجلال والإكبار والرضوخ والانحناء للتقاليد تحت اسم قبول الإقامة المنزلية maisonnée والمدينة المتحضرة cité civique التي يتنازل فيها المواطنون عن مصلحتهم الشخصية لإرادة الجميع التي يعبر عنها القانون الوضعي ضمن الانتماء للمجموعة الوطنية، ومدينة المهمشين cité des marginaux والتي تضم الفنانين الهواة والتأمليين contemplatifs والمفكرين والفلاسفة ومعظم الحالمين من الشعراء والأدباء والنقاد واللاسلطويين والمحبطين والمنبوذين18[18].

هذا التعداد الفلسفي للمدائن يذكرنا بما قام به أفلاطون عند الإغريق وأبي نصر الفارابي عندنا في التفريق بين المدينة الفاضلة ومضاداتها من المدائن الضالة والجاهلة التي يفقد أهلها كل الأشياء المشتركة19[19].

 فكيف يتخطى الفيلسوف المنتمي إلى مدينة المهمشين وضع الهشاشة لكي يقتدر على تحمل المسؤولية؟

يبدو أن وجود المدائن في حد ذاته معرض للهشاشة ومداهم من طرف الشر السياسي وأشكال التراجيديا التي تظهر على مسرح التاريخ ويتطلب اتخاذ تدابير تتعلق باتخاذ القرار وممارسة الحكم والاقتدار على تبني جملة من الإجراءات والسماح للمواطنين بالمشاركة في تنظيم أنفسهم والمساهمة في إدارة الشأن العام وافتكاكهم لحقوقهم والتعبير عن أفكارهم الفلسفية الصامتة والوعي بالتصورات الإبداعية العفوية. كما تتعلق الهشاشة بالممارسة العمومية للفعل السياسي أكثر من تراجيدية الفعل الناتجة عن بروز صراع بين الكائنات البشرية المتناهية وعظمة التحديات التي تواجها على مسرح التاريخ والتحولات الهائلة.

علاوة على ذلك تشهد بعض المدائن تفكك الروابط الاجتماعية وعدم استقرار في شبكة التواصل بينها وغياب الاعتراف[20] بين الأفراد والمجموعات وتجاهل البعض للبعض بالنظر إلى الاختلاف في الانتماء اللغوي والديني والاجتماعي وصراع الأجيال والاحتدام بين الطبقات واندلاع حرب الجميع ضد الجميع.

 في الواقع يساهم تصاعد العنف داخل المدائن ونشوب الحروب الأهلية في الداخل وتعرضها للعدوان العسكري من الخارج والمشاركة في الحرب الشاملة في ظهور أزمات دورية في الحياة العامة ضمنها.

زد على ذلك انتشار التصور البراغماتي للحكم الذي يؤثر التبرير على العدالة والهشاشة على المسؤولية ويصعب عليه إرجاع المجتمع السياسي للمجتمع المدني وما يحمله معه من مصادر القسوة وتحميله للسلطة من مسؤوليات بخصوص منابع النزاع وجذور السياسي ويرى بول ريكور أنها متقدمة على التقاء خطان من القوة هما عنف السادة ومالكي الأراضي ومستولين على الموروث والمهيمنين على الأقليات الاثنية والثقافية والدينية وشرعنتهم للعنف ومأسسته تحت ضغط العقلانية القانونية ضمن التوازن الذي تقيمه دولة الحق عندما تقوم السلطة السياسية بتعريفه من حيث هو قوة تحتكر العنف المشروع وبوصفها شكل قانوني تخضع هي نفسها لقواعده المؤسساتية. لذلك تظل الدولة القانونية في حالة من التأرجح بين القطبين المتكونين من العنف البدئي المؤسس والعنف المشروع الردعي بقوة البوليس والجيش والأمن21[21]. هنا ترى حنة أرندت أن" إدارة الحرب مكنت مرة أخرى كما في القدم من إهلاك القسم الأعظم ليس فقط من الشعوب التي أصابتها بل حولت العالم الذي تسكنه هذه الشعوب إلى صحراء"22[22].

 في هذا الإطار إذا كانت السياسة هي مواصلة الحرب بوسائل غير عنيفة وإذا كانت الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل عنيفة فإن الحرية رهينة أسوار المدينة وتتحقق في الأغورا بالمطالبة بوقف الحرب23[23].

المصدر الثاني من الهشاشة يتمثل في التقاطع في مستوى السلطة بين العلاقة العمودية للهيمنة والخضوع التي تتحكم في الحاكم والمحكومين والعلاقة الأفقية التي ترسمها إرادة الحياة المشتركة للجماعة والتي يجعل الرابط السياسي الجامع للمواطنين هشا بالمقارنة مع الرابط الاجتماعي الممتنع عن الخرق24[24].

المصدر الثالث للهشاشة يعود إلى طبيعة الدولة الديمقراطية المعاصرة التي تستمد سيادتها من ابرام اتفاق افتراضي يترجم صيغة تمثيلية تشاركية، ولكن تبقى هذه السيادة منقوصة وتحت رحمة رضا المتعاقدين وتزعم أنها تؤسس ذاتها بذاتها وتخضع العالم السياسي إلى قانون جاذبية خاصة بالمجتمع الذي تحكمه25[25]. يمكن إضافة حالة المعاناة والعذاب التي يعاني منها المذنب والذي يظل يبحث عن إعادة الاعتبار ويهدد بالانتقام كرد فعل عن تأخر الصفح وفي المقابل تنتاب الضحية الذي تعرض للتعدي والإجرام مشاعر بالاهانة ويظل في حاجة إلى إنصاف ورد الاعتبار حتى يظل يحترم العدالة26[26].

يترتب عن هشاشة السياسي ضعف في مستوى الكلام السياسي وفقدانه إلى البرهنة المنطقية واشتغاله عن طريق المغالطة والحجاج والسفسطة والمجادلة ورغبته في الإرغام واستمالة الناس باللعب على العاطفة واصطدام الفعل السياسي بالتراجيدي الذي يظهر على مسرح التاريخ كقدر محتوم لا يمكن تغييره27[27]. أمام هذه الهشاشة المتعددة التي يعاني منها الفضاء السياسي يبدو تحمل المسؤولية الفردية والجماعية من أجل مواجهتها من الأمور الصعبة والتحديات الجسيمة التي تتجاوز اقتدار المواطنين والحكام على السواء.

لذلك تبدو مسؤولية المثقفين جسيمة في معالجة الهشاشة اللغوية للخطاب السياسي وتوضيح المصطلحات الغامضة وتقويم الخطابات المرتجلة وحملها إلى مستوى المفاهيم الدقيقة واستخلاص رهاناتها الأساسية وبيان الروابط الحاسمة بين الاختيارات السياسية للدولة والاختيارات التابعة للمجتمع المدني والصراع الناشب ضمن دوائر العدالة والتنافس بين المدائن والعوالم التي نسكنها على الأدوار والوظائف28[28]. لكن كيف يتم الانتقال من المستوى العنيف للمدائن المتصارعة إلى الأرضية التواصلية للعوالم المشتركة؟

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة بين حذر السياسي واستكمال المقصد الإيتيقي

" أن تكون موجودا في العالم يعني في العمق أن تكون منفتحا على الوجود ولكي تجد نفسك في ضياء الوجود" – مارتن هيدجر ، الوجود والزمان،

السؤال الذي يطرح هنا هو: ماهي الأشياء التي يعول عليها في المدائن المتنازعة لبناء عوالم مشتركة؟

المدينة هي تعدد محدود من النماذج القادرة على تأسيس اتفاق في حالات التقاضي وأنظمة فعل مبررة يسمح الانتماء إليها بانضواء الفاعلين إلى حقول من الأنشطة المتساوقة والتبادلات الضرورية29[29].

هناك مدائن مكتظة ومزدحمة ومليئة بالأنشطة والمشاكل والمخاطر ويصعب فيها العيش وهناك مدائن مهجورة ومتروكة وفارغة من كل حركة وتحولت إلى مقابر للحياة وهناك مدائن منظمة ومشيدة بطريقة عصرية ومتحضرة ومليئة بالحركة والإنتاج والوفرة والرخاء والناس فيها مقبلون على التمتع بالحياة. كما لا يجوز التكلم عن ضرورة الانتقال من المدائن المتصارعة إلى العوالم المشتركة إلا بعد استبدل التحليل الذي تؤمنه طيبولوجيا المواقع30[30] إلى الفهم الذي توفره فلسفة هرمينوطيقية سردية في مقصدها الإيتيقي. الأولى تقتصر على الكشف عن مواضع الصراع وأشكال الخلاف بين المدائن وصعوبة تجسير الهوة وتذليل الصعوبات التي تولد اللاّتفاهم بينما الثانية تبحث عن أسس الاتفاق وشروط إمكان التفاهم وتبني جسور التواصل وتصوغ نظرية التفاوض والتوافق وتتغلب على مواطن الهشاشة والضعف في المدائن.

الخروج من المدائن المغلقة المتزاحمة إلى العوالم المشتركة المفتوحة يقتضي استبدال نظرية في الصراع والتنازع غير المبرر بنظرية في التفاهم والاتفاق المفيد والتوقف عن الهدم والتحطيم وقبول لعبة الوجود معا والرضا بقواعد حسن الجوار وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة والانطلاق في البناء والتعمير.

إن القوانين هي المكون الأساسي للمدائن التي يتم احترامها من طرف المواطنين ولا معنى للقوانين خارج البوليس والخاصية المكونة للعالم هي العلائقية والارتباط والمعية التي تجمع بين الأفراد والجماعات31[31].

إذا كان النزاع على الحدود والبحث عن مشروعية داخلية من خلال التشبث بمؤسسات العظمة وفق مبادئ مثالية عليا هو الذي يتسبب في اندلاع الصراع بين المدائن فإن تحمل تراجيديا التاريخ يبدأ بعمل المكاشفة النقدية والاعتراف بالخطأ في حق الغير وطلب الصفح والاهتمام بالتبرير داخل العالم وفق قيمه ومبادئه.

إن التلاقي بين المدائن داخل العالم المشترك أمر ممكن وفق استراتيجية تواصلية مبنية على تقاسم المصير ضمن نظرة ايكولوجية تحترس من ما يتهدد مستقبل الحياة على الكوكب من مخاطر وتنذر بحلول الكارثة.

في هذا الإطار يتسلح الفاعل السياسي بالحذر والحيطة والتعقل والمداولة وجودة الروية في مستوى اختيار الوسائل الأنسب والأقل ضررا على الطبيعة والبيئة والمحيط والتي ترفق بالأغيار وتصون الحياة من كل تهديدات ومخاطر وتتبع منهجية متدرجة وسياسة مرحلية قصد بلوغ الأهداف المرتقبة والغايات المحتسبة.

يمكن للحاكم العادل أن يقوم بالتخطيط التعقلي للسوق الاجتماعي على المستوى الاقتصادي وان يتصرف في الحياة السياسية بشكل ديمقراطي بحيث يشجع على التعددية الحزبية ويصون التنوع والاختلاف ويقوي متانة الروابط الاجتماعية ويشيد إنسية تشاركية واعية بين الفاعلين المدنيين في الصعيد الثقافي والروحي.

من هنا يقترح ريكور التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ضمن ثلاثة حدود هي الأخلاق والإيتيقا والسياسة بدل الاكتفاء بالثنائيات القديمة: سواء أخلاق وسياسة أو إيتيقا وسياسة ويبرر ذلك بأن التمييز بين الأخلاق والإيتيقا لا يستمد مسوغاته من المستوى الشخصي وإنما من المستوى المؤسساتي السياسي32[32].

ينادي ريكور بأن يكون السياسي الوسط الذي يجد فيه المقصد الإيتيقي إكماله لأغراضه وانجازه لمهامه ويحدد السياسة بأنها تدفع الفرد لكي يحصل على السلطات التي يقدر عليها ويقتدر بها ضمن إطار الرغبة في الحياة الجيدة التي تحدد البعد الإيتيقي للفعل بينما يعتبر العدالة الفضيلة الأولى للمؤسسات التي تمارس فيها هذه القدرات وتتحقق ضمنها هذه الرغبات وذلك عندما يؤشر على المرور من الإيتيقي إلى الإلزام الأخلاقي وذلك من خلال التقيد بالجهاز المعياري والضوابط السلوكية للنسق الصوري للقيم التوجيهية ويبحث زيادة إلى ذلك وفق تمشي نقدي عن ضرورة ممارسة السلطة ضمن القواعد الإجرائية للعدالة.

إذا كان الأخلاقي يتحرك ضمن مدار الإلزام وإذا كان الإيتيقي يبحث عن الجيد وإذا كان الاقتصادي يوفر النافع فإن السياسي يفتش عن تسويغ قانوني لممارسة سيادية للسلطة بغية تطبيق القوانين والتدابير33[33].

على هذا الأساس ينبغي أن يكون الفاعل السياسي مسؤولا بالمعنى القانوني والأخلاقي على ما يحدث من جرائم وتعديات ويتحمل تبعات قراراته واختياراته والإجراءات التي اتخذها عند محاولته عقلنة المجتمع.

ينتبه ريكور إلى أن مفهوم المسؤولية تم استيعابه ضمن مفهوم العزو وتحمل تبعية الأفعال وضرورة جبر الإضرار والتعويض للضحايا وأنه آن الأوان لكي يقع التفكير فيه ضمن شروط إمكان جديدة ومختلفة34[34]

هكذا ترتبط مسؤولية السياسي باقتداره وعزويته ونسبة أفعاله اليه وحيازته على القدرة على اتخاذ القرار والحكمة العملية والحذر السياسي والاختيار التفضيلي والمداولة الحصيفة والتصميم على الانجاز والإتمام.

لكن المدينة الشمولية لا تمنح الفيلسوف فرصة للكلام ولا توفر له فرصا للفعل والمبادرة والتأثير واللقاء بالناس وتسطر له مجالات تحركه وترسم له حدود نفوذه وتحاصره وتصده إن قاوم وتمرد وثار عليها ولا مطمح له إلا السفر والاختلاء والهجرة من أجل بلوغ مدينة الحرية المفقودة والتشبث بالحلم اليوطوبي في الثورة والبحث عن سبل الخلاص واتخاذ مسافة نقدية من الواقع السائد والمرابطة في الأقاصي وملازمة الصمت الحكيم والاشتغال على إعداد البديل الحضاري وطي صفحات الجهل والخرافة والهمجية والظلم.

لكن هل تكفي إحالة السياسة على المقصد الإيتيقي لكي تصلح ما أفسده الاقتصاد الرأسمالي من هشاشة؟

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف:

" أي مسؤولية اليوم في العالم الذي نعيش فيه؟"35[35]

تحميل الفيلسوف مسؤولية مآل الأحداث في عصره هو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد ويقتضي التلاعب بالمسؤولية أكثر من التطرق إلى البحث في تاريخها عن تسويغ نظرا لحالة الإلقاء به في مدينة المهمشين واستحالة نسبة أفعاله وأقواله وأفكاره إليه من حيث وجوده في وضعية هشة ومحاصرته بالسلطة المقيدة.

بيد أن مهمة الفيلسوف لا تكمن في ممارسة الوعظ الأخلاقي والإرشاد التربوي ولا تقتصر على تقديم النصيحة بالمعنى الاجتماعي والاستشارة بالمعنى السياسي وتوفير المشروعية بالمعنى القانوني للحاكمين وإنما تتعدى كل ذلك إلى تعليم المواطن القيم المدنية والأنسنة الثقافية والتسامح الديني ويمكنه أن يصبح مهندسا معماريا للمدينة من حيث المساهمة في العقلنة والتنظيم والتحفيز والبناء المدني والتنضيد التقني.

من ناحية ثانية يظل الفيلسوف مطالب بالتفكير في أفق ثالث يوجد في خضم المواجهة بين المجتمع المدني والمجتمع الثالث ويلتصق بالفضاء العمومي ويسهل إبداع مؤسسات سياسية ضمن إطار مابعد وطني وفق رؤية اندماجية وحدوية مع الأقطار المجاورة على أساس الانتماء إلى المحيط الجيوسياسي وتقاسم فكرة الإنسانية التقدمية ويسهر على تغذية الخيال السياسي للمواطنين بجملة من التصرفات الإيتيقية والجمالية.

هذا المطلب لن يتحقق إلا من خلال إجراء تحويل في مفهوم السيادة وفق ديناميكية جديدة عابرة للحدود ومربكة للهوية الوطنية وللذهنية التقليدية التي تنتمي إلى سلوك سياسي حزبي ظل رهين مقولات تقليدية .

ان الخروج من منطقة الهشاشة ومجال النزاع والتراجيدي يشترط التزام الفيلسوف بنظام معياري وقيمي يضم مجموعة من النماذج الإدماجية التي تدفعه إلى تحمل المسؤوليات حول الانفتاح على المجتمع الدولي وتبادل الذاكرات بغية تصحيح السرديات وبلورة الضيافة بين الثقافات عبر توسط الصفح والرجاء والأمل.

يتم بناء العالم حسب أرندت بواسطة الفانين من أجل خلودهم المحتمل ولكنه يظل دائما مهددا من قبل الظروف المميتة التي تحيل الذين شيدوه والذين يولدون لكي يحيوا فيه إلى التقاعد والفناء36[36]. لذلك يبقى"العالم هو دائما صحراء في حاجة إلى أولئك الذين يبدؤون ليكون قادرا من جديد على الابتداء"37[37]

لا يتكون العالم المشترك من الذوات والمواضيع ولا يتوقف على الأبعاد الرمزية والأشياء المادية بل ثمرة فعل الجماعة ونتيجة تضافر الإرادات وتعاون الملكات وتقاطع الدوائر ويوجد في العتبات وعند بين بين.

العالم ليس مجال للتأويل والسرد فحسب وإنما هو كذلك مجال للتغيير وإعادة التشكيل وبالتالي لا يقتصر على تدبير الذوات ولا على التأثير في المواضيع بل يضم الحقول المشتركة لتخصيب المعنى والقيمة والأرضية العامة التي تتحرك ضمنها الإرادات لكي تقتدر على الفعل والتذكر والكلام والقص والوعد.

لا مفر أمام الفيلسوف من توقي مخاطر اللقاء بالغير والتخلص من ميراث العنف التأسيسي الذي تلوث به الضمير الإنساني وتسبب في أزمة في الوعي التاريخي سوى إعادة بناء مشروع الأنوار من خلال تبادل تجارب الذاكرة بين المدائن واعتماد نماذج الصفح واللاّعنف والتسامح والعدالة من منظور المحبة والهبة. " فالمسؤولية ليست فقط مسؤولية عدد من المثقفين : الأكثر أهمية هي المسؤولية عند كل مواطن"38[38].

الأمر يتعلق بتحمل الفيلسوف مسؤولية التغيير الجذري في مقامethos الأفراد والمجموعات والدول والذهاب إلى ابعد من ثنائية الأنا والغير ضمن أفق مابعد مقولي يحوز على كثافة روحية وطاقة عالية.

بعد البناء السردي للهوية الخاصة يجدر انتزاع الاعتراف المتبادل من خلال تثمين البعد السردي للعوالم المشتركة عن طريق حركات الترجمة من حيث هي أفعال مثاقفة وتبادل الذكريات وممارسة الغفران. بهذا المعنى يولد المقام الجديد من الفهم المطبق على التعقيد في بعضه البعض للقصص الجديدة التي تهيكل وتشكل هذا التقاطع بين الذكريات. لا يتخلى المقام الجديد عن الإحداثيات التاريخية الهامة وما رافقها من عنف تأسيسي وإنما يبذل جهدا تأويليا من أجل الانخراط في قراءات متعددة للتاريخ والذاكرة39[39].

بعد ذلك يجدر المعالجة من مرض التقاليد وجراحات الذاكرة الجمعية والاهانات التي خدشت الكرامة البشرية والشفاء من الإفراط في الإيديولوجيا والتفريط في اليوتوبيا ونفي عنف الحدث التأسيسي وإطلاق العنان للفاعلية النقدية للحاضر وتحطيم الأوهام المتعلقة بالوضع وتفكيك الاغتراب واستشراف المستقبل.

غني عن البيان أن استكمال المشروع الأنواري بالنسبة للحضارة الكونية لن يتحقق إلا بتغلب الذاكرة على النسيان ونبذ التمركز العرقي للثقافة الغربية التي تزعم الانطلاق البدئي من الإغريق والرومان واللاّتينين وإحراز التحديث من خلال الانتصار في المعركة مع الكهونت وتكريس النموذج العلموي التقنوي كمعاير للتمدن وإقصاء البعد الرمزي والروحاني والاعتراف بمساهمة كل الثقافات الشرقية والإفريقية والآسيوية وخاصة العلوم والفنون والآداب العربية والإسلامية في قيام حداثات متعددة للعالم المشترك40[40]. اللافت أن مسؤولية الفيلسوف في العالم المشترك ضمن الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد تتمحور حول استئناف المشروع الأنواري ضمن مقاربة تأصيلية حداثية تسعى إلى إعادة تملك التراث ضمن رؤية تأويلية ايتيقية تراوح بين النقد والتواصل وتعتمد المضيافية والمسلكية العبرمنهاجية والعقلانية المركبة.

من المفروض أن يتم التذكر السردي للتجارب الحضارية المشتركة الحاصل فيها تثاقف وترجمة واستفادة بين الشعوب وحوار بين المذاهب وتلاقي بين الأديان في الأندلس وصقلية والشام وبيت المقدس حيث يجب أن نمارس النسيان العلاجي للاضطهاد الديني والتمييز الهووي ونتحمل مسؤولية الغفران41[41].

كما يمثل باراديغم الاعتراف المتبادل بين الذوات والمجموعات والدول أكثر أرضية إيتيقية ضرورية لارساء عدالة اجتماعية خالية من الظلم والازدراء وتستطيع التنازل وتكف عن التعديات وتجبر الأضرار.

في هذا الصدد تصرح أرندت عن الحكم والمسؤولية "أنت طبيعي، شخص عادي ، لا مجرم ولا مؤدلج، ولا وحش مريض، في يوم ما تنهار كل المعايير التي اعتدت عليها. منذ ذلك الحين فصاعدا تواجه خطر التواطؤ مع الأشياء السيئة. كيف تتجنب ذلك كيف تميز الخير عن الشر؟ كيف تقول لا؟ - في محاولة تقييم الوضع- لذلك عليك التفكير والتفكير بنفسك، هذا الفعل ليس مقصورا على النخبة: إصدار حكم وتحمل المسؤولية ، يمكن للجميع أي كان يمكن أن يفعل ذلك ، لا تزال في حاجة إلى الإرادة..."42[42]

لكن كيف يستدعي اقتصاد العطاء شعرية الحياة الأخلاقية لكي تمنح الفعل السياسي ديناميكية وإبداعية؟

خاتمة:

"هل يمكننا أن نحيا دون أن يكون للتاريخ معنى؟"43[43]

الثورة في الخطاب الفلسفي تعني تشييد خطاب فلسفي في الثورة وبدل البحث عن موقع للفلسفة في مدينة الثقافة والنضال الثقافي في سبيل مكان للمدينة الفلسفية والاكتفاء باللاّمكان واللاتحدد والانحياز إلى المدنية وتثوير الذهنية النخبوية وتطهيرها من التعالي والنرجسية والتمركز على الذات وزرع التواضع والإيثار.

لقد ظلت المدينة عندنا أسيرة مفهوم أم القرى وغير بعيدة عن المخزون الرمزي للبادية بالرغم من التخلص من لفظ المدائن الكسروي واستنبات مفهوم الحاضرة والتصالح مع مفاهيم البيت والمنزل والساحة والأسوار والأبواب والأسواق والمخازن ولم يقبل الفارابي الاقامة بمدينة الحرية واعتبرها جالبة للفوضى والتخاصم وفضل عليها مدينة السعادة ولقد بقيت الثورة مجرد خروج مسلح على الحاكم ولم تتحول في لسان العرب إلى مشروع تحرري ومقام انعتاقي وطريق نحو الحرية وتدريب على الكرامة.

كما ارتبطت الثورة بالانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية ورفضتها الأحكام الفقهية في مختلف المذاهب وتم اعتبارها فتنة وردة وإضعاف للملة باسم المصلحة ولم يقع اعتبارها هي المصلحة العامة.

صرحت أرندت ما يلي:" أصبحت الثورات أمرًا مألوفًا ، بعد تصفية الإمبريالية ، ونهض الكثير من الناس ليأخذوا من بين قوى الأرض حقهم في المكان المنفصل والمتكافئ الذي تسنه قوانين الطبيعة والإله"44[44]، ولعل العلامة البارزة التي تسم الوضعية الراهنة بالنسبة إلينا هي سلسلة الثورات التي توالت في عالمنا.

لم يعد ممكنا السيطرة على المجال الحيوي من خلال اختلاق حروب أهلية داخلية بين الأشقاء المتجاورين ولا عن طريق شن حروب شاملة مدمرة تحت مسمى التدخل العسكري من أجل حقوق الإنسان ونشر ثقافة الديمقراطية وإنما مرت المبادرة الشعبية من الحرب إلى الثورة ومن المطالبة بالخبز والأمن والحماية إلى المطالبة بالاعتراف والعدالة وانخرطت الجماهير في النضال من أجل الحرية والانتصار للكرامة البشرية.

لقد شهدنا عدد من الثورات الناجحة ليس فقط بمجرد تمكن مكونات إراداتها الشعبية من مغادرة المدائن المتصارعة والتخلص من النظم الشمولية وإنما بفضل ما اقتدرت عليه من تشييد واحات العوالم المشتركة.

لقد تحولت الثورات من حيث هي الأحداث الأكثر دلالة في تشكيل العالم الراهن الى القوة الأكثر فاعلية في تغيير وجهة التاريخ وصناعة مستقبل الشعوب لما تمتلكه من قدرات تأسيسية للجمهوريات45[45].

بطبيعة الحال تتطلب كتابة سردية الثورة وفق المنوال الفلسفي الملائم استنطاق اللاوعي الجمعي للجمهور وإدراك المخيال السياسي للفاعلين الاجتماعيين وترجمة الشعارات المرفوعة وتطلعات الشبيبة وأمنياتها وتحويل انتظاراتها وتوقعاتها لبرنامج سياسي للقوي الثورية ومخطط استراتيجي قابل للتبلور والانجاز.

تكمن مهمة الفيلسوف في التحول إلى مهندس معماري يتقن فنون التخطيط والتصميم والتعمير والإسكان وينفتح على الوظائف العلاجية للأزمات والأدوار الجراحية للزوائد ويقوم بتنظيم علاقتها بالعالم46[46].

لا يجب تنظيف المدينة من الشخصيات المعارضة ومن الأفكار الثورية من أجل تدعيم السيستام وتركيز النظام ولا ينبغي الخجل من حركات التفكيك والخلخلة التي تحطم كل ما قائم وتجهز على القديم طالما أنها تمثل شرط إمكان بناء قويم ومناسبة ضرورية للتأسيس المختلف للمدينة الثورية والسيستام غير الشمولي.

لقد أخرجت الثورة الفيلسوف من دائرة الاتهام وجعلت من براءة الفلسفة والغفران والصفح مقاما جديدا بالنسبة إلينا وأوجد الربيع عالما مشتركا يضم الجميع من أبناء الوطن ويلوح بالتصافي والسلم في العقول.

لا مقام للفيلسوف دون مدينة ولا تعمر مدينة تجبر فيلسوفها على مغادرتها ولا يكون التفلسف الحق سوى تمدينا حقيقيا ولا يصل الناس إلى رتبة المدنية إلا بالعقل الفلسفي وإذا غاب تعطل منحى الإقامة في العالم.

 لقد ذكرت أرندت أن كلمة الثورة مهما كان القاموس السياسي الذي يستعملها تحوز على معنى عام بغض النظر عن مكانها وزمنها والقائمين بها والظاهرة السياسية التي عبرت عنها والذاكرة التي تريد احتكارها. غير أن العلاقة الملتبسة بين الثورات والحروب هي التي تستحق الدراسة والتحليل وإبراز مواطن التباين بينها والانتباه إلى المعنى السياسي النبيل الذي يرتبط بالثورات والإقرار باستهدافها للتشييد والتعمير47[47].

إذا كان الأيتوس القديم أصبح غير جدير بالسكنى ولا يصلح للعناية بالذات وتدبير المصالح العامة ويثير الاشمئزاز ويبعث على الغثيان والتمرد والعصيان فإن المطلوب من الفيلسوف هدمه وإقامة أيتوس مغاير. إن الانتقال من لحظة المدينة الشمولية إلى لحظة العالم الديمقراطي يقتضي مد جسور التواصل بين الفرقاء والإجماع على المشترك الثوري وترك الخلاف والتباغض والتكاتف على تأمين مصالح الناس والارتقاء بهم نحو مرتبة المشاركة الفعالة في الشأن العام والانخراط في العمل البناء والإنتاج المولد للتنمية والثروة.

من الطبيعي أن يتبوأ الفيلسوف مكانة هامة في المدينة وأن يكون ضمن القيادة الثورية ولا يقتصر دوره على التغريد خارج السرب والبقاء في حالة استنفار دائم ولا يتورط في مواقف مرتجلة ويقول الحقيقة في وجه السلطة ويشهد على العصر ويتمسك بالحلم وينقد الواقع ويعد الفلسفة سلاحا ثوريا وأن" الثورات تطرح مسألة الحرية السياسية على النمط الأكثر واقعية والأكثر جذرية، حرية المشاركة في الشؤون العامة، حرية الفعل- لما تخفق الثورات تصير كل الحريات السياسية والمدنية الأخرى مهددة"48[48].

مقتضى القول أن إيتيقا المسؤولية التي يلتزم بها الفيلسوف في تعامله مع الظاهرة المدينة تجمع بين تقدير الذات وتقدير الغير وتحرص على زرع الأمل والعلاج بالغفران وجدلية الحب والعدالة وتسعى إلى إنقاذ العالم من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الذوبان إلى إعادة الأعمار وتعيد كتابة التاريخ وفق رؤية تعددية تضرب الاحتكار والتمركز وتنفتح على المسكوت عنه والضمني والمبعد والمهمش والمقصي والمختلف. ولا يحوز التاريخ على معنى وتعود للفلسفة قيمتها في الحياة اليومية إلا إذا تخلص من الحلول النهائية وإذا تمكن العقل العملي من التعافي من أمراض الوعي التاريخي وتدارك آفات ونقائص النسيان المتعمد واقتدر على التغلب على الذاكرة الجريحة وأمراضها وجعل فضاء التجربة يتحرك ضمن أفق الانتظار وتحمل واجب قضاء الدين والوفاء بالوعد وجدارة الرد على السؤال الكانطي: ما الذي يجوز لي آمل؟49[49]. في هذا المنحى"إن جوهر الاحترام هو ما أحترمه في الآخر، وما أنتظره منه هو تكريس احترامي من قبله، هذا ما يسمكن أن نسميه وجودنا-قيمتنا، قيمتنا الموجودة، بهذا المعنى يقول كانط: الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا لأن طبيعتهم تعني أنهم غايات بذاته" وأيضا الطبيعة العاقلة توجد كغاية بذاتها."50[50]، فمتى يكف الناس عن التزاحم باسم التمدن على الكوكب ويعتصموا بالتراحم ليجعلوه عالما فسيحا؟ وأليس الأمل الذي ينشده الفيلسوف من المدينة هو الحرية في أن أصبح مواطنا حرا دون الحاجة إلى دفع ثمن الاستيعاب؟ وما المطلوب من الفيلسوف على المستوى الثوري والإيتيقي أن ينجزه لكي تتشكل المصالحة بين فضيلة العدالة ونعمة الحرية ويتم التحوط بالآفات المهددة للعمران ويقع التغلب على المخاطر المحدقة بالحياة المشتركة داخل المدينة الجامعة؟ وألا تكون المدينة الجامعة هي الأكثر دلالة عن المدينة المدنية؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................................

الهوامش والإحالات:

[1] مداخلة في ملتقى الفلاسفة ومدائنهم ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس أيام 24-25-26 أكتوبر 2019.

 [2] Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p20.

[3] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p300.

[4] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p166.

[5] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p167.

[6] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p169.

[7] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p173.

[8] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p174.

[9] autonomisation

[10] périodicité

[11] mondialisation

[12] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p184.

[13] Ricœur Paul, Soi-même comme un Autre, édition du seuil, Paris, 1990.

[14] Jérôme Porée, Paul Ricœur, le philosophe, l’architecte et la cité, in Revue juridique de l’ouest, Université de Rennes 1, Année 2008, n°3, pp301-320.

[15] Voir Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, les déserts et les oasis, texte établi par Jerome Kohn, édition française et préface de Carole Widmaier, édition du seuil, Paris , 2014.pp291-294.

[16] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, Cahier n°81, éditions de l’Herne, Paris, 2005.p07.

[17] Luc Boltanski et Laurent Thévenot, De la justification : les économies de la grandeur, édition Gallimard, 1991,

[18] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[19] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، طبعة2، 1986، ص131.

[20] Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.pp445-451

[21] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p124.

[22] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p237

[23] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p256.

[24] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p125.

[25] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p126.

[26] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, op, cit, pp30-31

[27] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[28] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[29] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[30] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p123.typologie des situations.

[31] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op.cit.p267.

[32] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p95.

[33] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p96.

[34] Ricœur Paul, le concept de responsabilité : essai d’analyse sémantique, revue Esprit, n 206 , 11, 1994, pp28-48.

[35] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p115.

[36] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op- cit, p293.

[37] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op-cit, p294

 [38] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[39] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p277.

[40] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p305.

[41] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p307.

[42] Voir Hannah Arendt, Responsabilité et jugement, traduit par Jean-luc Fidel, éditions Payot&Rivages, Paris, 2009.p205

[43] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p308.

[44] Hannah Arendt, la liberté d’être libre ,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.p17.

[45] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, pp22-23.

 [46] د زهير الخويلدي، تنظيم المدينة من خلال السياسة الاجتماعية عند أرسطو، مجلة النور، نشر بتاريخ 15، 06، 2019.

[47] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, p30.

[48] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit,pp83-84 .

[49] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p309.

[50] بول ريكور، فلسفة الإرادة ، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، طبعة أولى، 2003، ص185.