علي المرهجفي الدين إجابة عن أُحجية الوجود في الحياة، بل وإجابة عن وجود آخر أبهى وأجلى وأشف من وجودنا الواقعي، ولكن في التعقل بعض من نزوع أهوج نحو فك مغاليق أُحجية الحياة والموت، وفي كل رؤى الفلاسفة والمفكرين ما يُزيد هذه الأُحجية تعقيداً، ولكن عند المُعتقدين جواب جاهز مُطمأن لهم، يحل مُشكلة وداع من نُحب بشكل مُفاجئ، بل ووداع من نُبغضهم، "فأنت تُريد وأنا أُريد والله يفعل ما يُريد"، ولكن عند المُتعقل (أنا أريد) هذه ممارسة لفعل الإرادة فيها بحسب ما يروى الفلاسفة الوجوديون كوني حُر، فكوني حُر فهذا يقتضي أن أكون "أنا" خارج مُهيمنات المنصوص الغيبي، لأن هذا من مُقتضيات وجودي "أنا" الإنسان بوصفي كائناً حُراً، ولكن هل تُحل بهذا أُحجية هذا الوجود الذي فسره اللاهوتيون بأنه وجود ممُكن مُرتبط بواجب الوجود بعبارة الفارابي؟.

مُشكلة الحياة أنك تعيش فيها وتشغل نفسك بأفاعيلها، ولكنك لا بُد، بل ومن المحتوم أنك مُغادرُ لها، فوجودك يُنبئ عن عدمك القادم.

وبعض ممن لم يؤمنوا بالعيش في الحياة الدنيا ممن آثروا الموت عليها، عملوا على تفعيل الخطاب الوجداني والشاعري عند من سحرته نصوص السماء وتصويرها المُلذ لمن لا حياة له ولا فعل ولا تأثير عقلي، لأنه وهب ما وههبه الله من قدرة على التعقل ليجعلها أدة طيعة لمن فاقه في التفكير والتحوير لنصوص المقدسة، فآثر هو الإسترخاء وجعل التفكي من مهمة الأولياء، فأغلب من منح عقه الرواحة وعاش في فضاء الراحة والاستراحة هم ممن يعتقدون بأن في مُغادرتهم لهذه الحياة وتفضيلهم للموت، إنما هو إتباع وإيمان لمُبتغى الديانة، ألا وهو "الموت" بلغتنا نحن الذين نبتغي العيش في الحياة الدنيا، لكنها "حياة" أخرى لمن ملَ العيش في دُنيا ملؤها النفاق، فحينما تجف بساتين المحبة الإنسانية، فعند هؤلاء حياة الآخرة أجدى وأحلى، وعند من ظن أن مهمته القصاص من الذين في اعتقاده أنهم خالفوا أمر الله والسماء خيار في القضاء عليهم وعلى دُنياهم التي لا تساوي عنده "عفطة عننز" بالمُقارنة مع ما سيحصل عليه وما هو مُتاح في عوالم الآخر التي وعد الله بها من آمنوا به!!، وبين من جعل من مشكلتي الحياة والموت من المفكرين والناس البسطاء من الساذجين أمواج مُتلاطمة وبحور واسعة لا يابسة نرتجي التلاقي بينهما عليها، فهناك مفكرون ممن عشقوا الحياة الدنيا وتماهوا مع مُعطيات الصراع فيها، مثل (ماركس) و(فرويد) و(نيتشه)، وهناك فلاسفة ومفكرون حالمون ممن تماهوا وعشقوا وهاموا في "الوجود الآخر" (الحياة الأخرى)، فلم يجدوا في هذه الحياة الدنيا غير مثالات لما في عوالم المثال بلغة إفلاطون، فالحياة الحقيقية هي حياة النفس لا الجسد، بينما كان أصحاب ذاك الفريق يعتقدون بأن الحياة الحقيقية هي الواقع المُعاش بكل مخاضاته والصراع الذي فيه، وما الحياة "الطوباوية" سوى وهم صنعه اللاهوتيون من شتى الأديان وشاركهم فيه الفلاسفة المثاليون، أو العكس، وهم صنعه الفلاسفة المثاليون، فأُعجب به اللاهوتيون، فصنعوا وأبدعوا له عوالم خاصة هي عوالم المُتمنى الجميل العادل الحكيم غير المُتحقق في عالمنا الأرضي، لكنه جليَ بهيَ في عوالم المثال. فهل هناك من حل لأُحجية جدلية "الحياة والموت"؟، فما هي الحياة؟ هل هي العيش والتماهي مع مُعطيات عالمنا الأرضي في الحياة الدنيا؟، أم هي "الحياة" بلغة أخرى وبمعاني مُضادة للمُعتاد من التداول النظري والمُعطى العملي في الحياة الدنيا ليكون معناها ومبناها هو "حياة الأنفس" أو الأرواح بعد تململها من العيش وسط حياة زائفة مليئة بالصراع والخلاف والصراع، للننتقل لـ "حياة" أخرى مليئة بالتوادد والتراحم والمحبة، كما رغب اللاهوتيون من الفلاسفة والصوفية ومن سبقهم من الأنبياء.

وما "الموت"؟، فأما الموت في الحياة الدنيا عند من تماهوا مع دُنيا الواقع وعشقوا العيش فيها، فهي مُغادرة للوجود المادي "الحقيقي"، ولكن الموت عند من تماهوا مع رؤية اللاهوتيين من الأنبياء والفلسفة والصوفية فهي حياة أخرى لـ "أولي الألباب" من المؤمنين بالحياة الآخرة ويوم الحساب.

أما عند بُسطاء الناس من هؤلاء ومن سبقهم، فهم في "كل واد يهيمون"، وكل منهم يفهم مُشكلتي "الحياة والموت" بحسب المُهيمنات والمقولات السائدة في مُجتمعه وبيئته الثقافية، فحيثما ساد إتجاه في تفسير المشكلتين في مُجتمعه ولا معارض لهذا التفسير ولا ناقد سوى القلة القليلة من الناس، فهو حتماً ولا بُد متوافق ومؤيد ومُنافح ومُتبني للتفسير السائد اجتماعياً وثقافياً ودينياً في البيئة التي هو جزء منها، ولكن أسئلة من قبيل لماذا أنا أحيا؟ وهل في الحياة ما يستحق أن أعيش من أجله؟، وما هي مُبررات الوجود فلسفياً؟، وهل للحياة معنى من دون وجودنا نحن البشر؟ وهل الإنسان هو "الوجود الأقصى" بلغة بول تيليش؟، أو هل هو "خليفة الله" في الأرض وفق رؤية وتفسير فلسفي عقلاني لا ديني؟. هذه أسئلة لا يقترب ولا ولن يسأل عنها بُسطاء الناس، ولكن من يسأل عنها هم الفلاسفة، ولكن ما هو مقدار وقيمة ما طرحوه من أجوبة لحل مُشكل العلاقة بين الحياة والموت؟، وهل لهذه الأجوبة قيمة معنوية وعقلانية من حيث التداول في الفضاء أو المجال التداولي العام؟، أم أن هذه الأجوبة بقية حبيسة التداول الخاص في فضاء مُقيد بنُخبة مُعينة؟ ولم تلق أذن صاغية تُنصت لها داخل الفضاء الاجتماعي العام؟.

لذلك أنا أختلف مع زكريا إبراهيم بقوله في كتابه "مُشكلة الحياة" "أننا جميعاً نعرف قيمة الحياة"، فالحياة على عكس ما يقول:"أنها تحمل في ذاتها، أو من تلقاء نفسها مُبررات وجودها"، إنما الحياة تحمل في ذاتها مُبررات بؤسها وعدمها، فأنا لليوم لم أعرف "قيمة حياتي"!، فحياتي كفرد مُتفرد ـ ربما ـ تُخالف حياتي كفرد داخل جماعة، ووجودي الاجتماعي الذي لم أختره بنفسي ـ ربما ـ هو كل أو بعض من شقائي وبؤسي ورغبتي باللاوجود رفضاً لوجود لا كينونة ولا حضور ولا تأثير ولا فاعلية لي فيه، ولم يكن لي دور في قبوله أو الرفض.

العدم ليس هو الموت، إنما هو لاحق له، لأن الموت هو الذي يمنح للحياة بعض من بهاء حضورها وفاعليتها في الوجود الواقعي، أما العدم فهو الذي يصنع حياة حُرة لكائن حُرة تُصارع فكرة الموت لتبني فكرة جديدة تُعبر عن كينونة الإنسان الصانع للصيرورة، صيرورة الوجود المؤثر لا في حياة الإنسان أو موته، إنما في إعلانه الدائم عن كينونته "الوجود الدائم أو المُستمر" بعيداً عن التصور الساذج للجدل بين مقولتي الحياة والموت، لأن كينونة الإنسان الحُر صناعة لحياة جديدة خارج منطقي التصورين المادي والروحاني. هو تصور لصراع وتوتر مستمر بين أسبقية الوجود الإنساني "الكائن" و "ما ينبغي أن يكون"، والكائن هو وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا، و "ما ينبغي أن يكون" هو مرتبط بقدرة الإنسان على ملأ فراغات أسئلة الوجود "الميتافيزيقية" بحضوره المستمر وكينونته الفاعلة.

ومثلما أكد زكريا ابراهيم فهناك "سعادة بلا وعي" و "وعي بلا سعادة"، ولم يضع زكريا إبراهيم ثُنائية التقابل بين وجودين كلهما حلو، أو ربما مُر، ألَا وهما تقابل "السعادة مع الوعي" أو "تقابل والوعي مع السعادة"، والتقابل هنا بمعنى التساوي أو التعالق والتماثل في الحضور!. وكأن الفكر رديف للشقاء، أو ألَا حضور للوعي خارج الشقاء، والعكس صحيح، أي لا شقاء لمن لا وعي له، فكلما حضر الوعي شخص ما إزداد شقاءً، وهو ما يُمكين تسميته بـ "الوعي المُستكين" الذي يُقابل بالتساوي وعي العبد الغائب عن الحضور بفعل الممارسة الإقصائية للسيد.

أما ما أسماه (هيجل) بـ "الوعي الشقي" فهو المُضاد لفعل العبد المُغيب لدوره وحضوره، هو فعل للفيلسوف الواعي الذي أدرك مُتغيرات الواقع الحال وسعى لتغيير المُحال، فشقي من كُثر ما عانى من تحمل أعباء الإصلاح والتغيير رهن العبد لها نفسه (العامل) بلغة ماركس فقبل في أن يكون حاله كحال الآلة يقبل أن يغيب بها بوصفه إنسان ليحضر كآلة لا فعل له ككائن البشري إلَا حينما يكون ذاتاً فاعلة ومؤثرة في إعادة إنتاج الوجود ليكون الموت مُرادفاً لفعل الاستلاب هذا، والحياة فعل وجود مُرادف لشعور الإنسان بكينونته بوصفه مُشاركاً في تشغيل النتاج وسبباً في زيادة الإنتاج بلغة ماركسية كمرادف لكسر نمطية الصراع بين "الحياة والموت" وفق الرؤية الماركسية الناقمة على تشكيل "الحياة" الرأسمالية على غرار تصميم لا "حياة" له إلًا على غرار تصميم لـ "موت" "البروليتاريا" التي لا حياة للرأسمالي ولا وجود (موت) إلَا بفاعلية رأسمال حر لا صديق له وخليل، سوى القبض من فائض رأس المال، الذي صار اليوم هو الذي يضبط "هرمونية" النغم وزُحافه.

ولا حل لأُحجية العلاقة أو جدلية "الحياة" و"الموت" لا غرار "هرمونية" نسقية تضبط علاقة العدد بالنغم، ولا خارج هذه الهرمونية، بـ "الزُحاف" وعزف النشاز خارج "هرمونية" النسق المُعتاد الذي تصورناه أنه صورة مُفارقة لنمطية النسق وخرق ونقض وتفكيك للسائد المألوف منه، ولك من السائد والمُفارق أُحجية في الإستبدال وتبديل المواقع بين المألوف منه والمُفارق، فكم من مألوف اعتقدنا به، ففُجئنا بخطل تصوراتنا عنه، لأنه من عالم المفارق لا المألوف كما تصورنا، وكم من مُفراق تصورنا أنه خارج المألوف، فوجدنا أنه قريب لنا بعد حين، فهذه هي جدلية "المرغوب المحبوب" (الحياة)، كما تصونا في زمن، ولكننا ـ ربما ـ سنجد بديلاً له فيما تصورنا أنه من (المكروه) (الموت) حل لمشكل العجز والخوف والفشل الذي يُمكن أن يكون من سُبل البحث عن نجاحات لتجاوز ضعف الذات، "فمن لا يموت، لا يُمكن أن يكون قد عاش"!.    

 

د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

علي رسول الربيعييتبى عبد الله العروى المنهجية التاريخانية التي يعود أصلها الأصطلاحي إلى العقيدة التى تقول بأن كل شىء أو كل حقيقة تتطور مع الزمن، وهى تهتم بدراسة الأحداث في ارتباطها بالظروف التاريخية. لقد كان أوج الاهتمام ﺑالتاريخانية كعقيدة ومنهج فى الدراسات التاريخية إبان القرن التاسع عشر الميلادي حيث ارتبط صعودها بانتشار الفلسفة الوضعية الكونتية، تتبنى "التاريخانية" فرضيات فلسفية وأيديولوجية بغية التسويغ لأفكار قد تكون دينية أوقيم أخلاقية أو سياسية أو حتى ثقافية، من خلال توجيه التاريخ كخط مستقيم ومتواصل؛ وهي تنطوى على رؤية للتاريخ تقول بالتقدم المتدرج (مع الزمن) انطلاقاً من أصل (أولي) نحو نهاية أرضية أكثر أكتمالاً باستمرار وهذا هو موقف الفلسفة الوضعية.

إن التحليل التاريخانى عند العروي (العرب والفكر التاريخى ، دار الحقيقة ، بيروت 1973م )عديد من معطيات أولية تسيره بكيفيات واعية أو لا واعية وهي عبارة عن فرضيات تتمثل في:

1- وجود مرحلة متقدمة فى تطور التاريخ، بالنسبة لظروف مجتمعه الأصلى.

2- وجود وحدة سياق ووحدة سير فى التاريخ.

3- سطحية التاريخ (أى تقدم التاريخ على سطح واحد أو فى بعد واحد).

4- إمكانية الطفرة فى التاريخ.

أما "التاريخانية " الماركسية فلا تعد مرحلة تاريخية من تطور الفكر الماركسى بحسب ما يرى العروي، بل هى متجددة دائماً ومتطورة وفق أربع مقومات هى:

1- ثبوت قوانين التطور التاريخى (حتمية المراحل) .

2- وحدة الاتجاه (الماضى والمستقبل) .

3- إمكانية اقتباس الثقافة (وحدة الجنس).

4- إيجابية دور المثقف والسياسى (الطفرة ، واقتصاد الزمان).

وتبعاً للعروى فإن الماركسية مفهومة على ضوء العقل الشمولى ، وهو بذلك يعتبرها ـ متعرفة بالتاريخ باعتباره هو تاريخ الإنسانية المعاقة لا حينما ترقص بكيفية عمياء طبعا ـ بل عندما تقبل أن تتجه وجه التقدم البديهى فى طريق سيرها الذى يتم بالخضوع للفكر التاريخى ومقوماته التى تحدد فى :

1- صيرورة الحقيقة .

2- إيجابية الحدث التاريخى .

3- مسئولية الأفراد (بمعنى ان الفرد هو صانع التاريخ) .

ويرى العروى أن الماركسية فى تأولها التاريخانى تعد أفضل مدخل وأحسن مدرسة للفكر التاريخى يمكن أن يجدها العرب اليوم، لأن الفكر التاريخانى هو الذى يحرر المرئ من الأوهام ويوجهه نحو الواقع والإنجاز وكذلك هي مقياس المعاصرة ، فيحتاج العالم العربي في ظروفه الحالية إلى ماركسية " تاريخانية " يتوحد فى اطارها الثقافى نواة حركة تحديثية فى المجتمعات العربية. فالماركسية التاريخانية الموضوعية كما يرى العروى هى الأكثر ملائمة لمتطلبات الواقع العربى وأن الأيديولوجيا العربية المعاصرة عليها باعتماد الماركسية لا أن طريق التعليل المجرد ولكن على من منطلق المنفعة. وعليه يعتقد بضرورة مرور العالم العربي في المرحلة " التاريخانية " أى كتابة التاريخ بشكل قومى ووطنى ومركزي كما حدث فى أوربا إبان تشكيل القوميات فى القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين.

يحاول العروى (بتاريخانيته) تجاوز كل من الشرق والغرب بمرجعية يراها جديدة ولا يغير من الأمر شيئاً إذا كانت غربية المنشأ، حيث لابد من اعتماد الماركسية (التاريخانية) التي يربطها باستيعاب الثقافة (الليبرالية)، وكذلك على ضرورة المرور بمرحلة النقد الأيديولوجى حتى نتخطى الفجوة بين العمومية الفارغة والخصوصية النسبية بشىء من التطلع والاستشراف. إنه يريد أن يغير التاريخ أساسا بقانون المتصل والاستمرارية، لكنه هذا المأزق النظري المأسور فى الميتافيزقيا هو الذى جعله قريباً من الماركسية، غير أن الماركسية فى أحد أشكالها الأكثر صرامة ترفض تاريخانية الفكر الليبرالى (القرن الثامن عشر الأوربى) التى أوجدت بدائل تحل محل مطلقات التعالى وهى بدائل معلمنة: العقل ، الفرد ، الحرية ؛ رغم أنها في الحقيقة ظلت تقوم على الترية الميتافيزيقية ذاتها ورغم التحول الأيديولوجى الحاصل في أوربا والغرب عموما. إن التوسير مثلا يدعي أن التاريخ وصراع الطبقات بلا باعث ولا غائية، لقد غير موقف الماركسة النظرى دفعة واحدة وفى تجاوز هذين النوعين من (التاريخانية)، وهنا نجد أن عمل العروى يبقى معلقاً بينهما.

تريد هذه التاريخانية أن تعيد التفكير فى (الوعى التاريخى) بالنسبة إلى الأيديولوجية العربية مؤكدةً على معنى الاستمرارية التاريخية، وعلى الدور الموجه للحقب ذات الزمن الطويل، حتى يتمكن من إعادة تخلفنا الثقافى كله إلى مجال التاريخ. ولكننا، بالمقابل، نجد أنفسنا غير ملزمين باتباع المسيرة ذاتها ونجتاز من جديد المراحل التى اجتازها الغرب ،لابد أن ننطلق مباشرة وأن نبدأ من الموجود، أن ندخل إلى الحداثة فوراً من القائم هنا كمسألة؛ وخلاصة القول لا توجد أى ضرورة أو حتمية تقول لكى تتحقق الحداثة في عالمنا العربي لابد أن نرجع إلى نقطة معينة فى التاريخ الأوربى ثم نسلك المسار نفسه، ، وكذلك ما يقوض تاريخانية العروى هو خلطها بين (الآخر) و(الغير) بين الأنثوروبولوجيا الثقافة وفكر الاختلاف بين التاريخى والتأريخى إضافة إلى ذلك نجد أراءه حول الواقع العربى تتساقط من تلقاء نفسها ومثال على ذلك تجده يقول " منذ ثلاثة أرباع القرن يطرح العرب على أنفسهم سؤالا وحيدا واحداً: من الآخر ، ومن أنا " (العروى : الأيديولوجية العربية المعاصرة ) إن هذا القول يلغى البعد التاريخى لحقيقة السؤال ذاته، لأنه سؤال لا ينفك يطرح وباستمرار من قبل فكر الوجود ، لكن العروى يغيب هذا السؤال الجوهرى عن الوجود والموجود ، المؤتلف والمختلف كما يطرح فى الفلسفة اليونانية والفلسفة العربية ، إن أيديولوجية العروى منهارة فى أساسها ولا قيمة لها.( الخطيبى ، عبد الكبير : النقد المزدوج )

أما بخصوص التراث فهو يعنى عند العروى مجموعة الأشكال الكلامية والسلوكية التى انحدرت إلينا من الأجيال السابقة وفى نطاقه يطمس التعاقب الزمنى والتمايز الاجتماعى حيث إن رباطنا بالتراث العربى الإسلامى فى واقع الأمر قد انقطع نهائياً فى جميع الميادين وأن الاستمرار الثقافى ما هو إلا خدعة وسراب ، فقراءتنا للمؤلفين القدامى لا تؤدى إلا إلى عدم رؤية الانفصام الواقعى لأن الذهن يكون مفصولاً عن واقعه متخلفاً عنه بسبب اعتبارنا الوفاء للأصل حقيقة واقعية مع أنه أصبح حنينا رومانسيا منذ أزمان متباعدة . فالانبعاث لا يعنى إحياء إنجازات الماضى بقدر ما يعنى استعادة العرب للمركز الحضارى الذى احتلوه فيما سبق بين الأمم . فالعروى يعتقد أن الثقافة العربية المطلوبة ستكون بالطبع متشابهة للثقافة القديمة من جوانب شتى ، لكنها ستكون بالطبع مخالفة لها فى المضمون من حيث كونها فى مستوى الثقافات المعاصرة ، وهذه نظرة للثقافة والتقليد لا تنبع من داخل التقليد ، إنها تستقل عنه لتعود إليه ثم تحكم عليه وتستغله ، فهى نظرة خارجية موضوعية تستخدم منظور التاريخ عنصرا معرفياً وأساساً لتكوين المعرفة العلمية .

لا يستطيع عرب اليوم، كما يرى العروي، أن يقولوا إن لهم حضارة وثقافة بالمعنى الدقيق إلا بإن تكون انجازات اليوم بمستوى إنجازات الأمس، وفى الوقت ذاته متميزة عن إنجازات الأمس وبالتخصيص الأوربية التى تدعى الكونية، فربط الأصالة بإنجازات الأمس فقط يشير إلى تاريخ بائد، وكذلك الربط بإنجازات الحالية تكون كلاماً فارغاً لأن ثقافتنا الحالية مقتبسة فى معظم مظاهرها، والحل المعقول هو أن نربط الأصالة بطموح العرب وما يرغبون فى تحقيقه مستقبلاً، فتكون الأصالة عبارة عن مشروع ثقافى. ولذلك يؤكد العروى على أن مفهوم الأصالة غير مستقر، يرمز إلى الدين مرة ومرة إلى الثقافة، يشير مرة إلى واقع انثروبولوجى ومرة إلى اختيار تاريخى. إن السؤال حول الأصالة لا يتعلق بمفهومها وشرعية الدعوى إليها، بل بالأحرى حول من له مصلحة فى نشرها، وكيف يفهم الأصالة ويستغلها؛ ولكن فى الوقت نفسه يدرك العروى أن هناك من يعطى لكلمة الأصالة مفهوماً لا يتجانس مع مفهوم الانبعاث إلى حد أن المفهومين يصبحان متناقضين، وذلك لظهور طرفين أحدهما يركز على الأصالة والآخر على الانبعاث عن طريق الاغتراب، وما هو مهم بالنسبة لنا هل التناقض الحاصل بين الطرفين ناتج عن اختلافات مصلحية فقط ، أم هو تعبير عن مفارقة تاريخية تكمن فى صلب مفهوم الانبعاث بوصفه مشروعاً إنسانياً عاماً ؟ أى هل مسألة الانبعاث تؤدى بالضرورة إلى التناقض بين الأصالة والمعاصرة؟ ( العروى : ثقافتنا فى ضوء التاريخ ).

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروي يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة.

وبناء على كل ما تقدم نلاحظ أن العروى يذهب إلى أننا إذا فهمنا الأصالة بكيفية مطلقة بأنها تعنى أن يضاهى أهل اليوم أهل الأمس نجد فيها نوع من التعجيز الذى يولد المحافظة على الأوضاع الفكرية السائدة وتكون الأصالة وسيلة لرفض الاقتباس من الخارج والحوار معه حتى يمكن المحافظة على التشكيلة الاجتماعية القائمة ، وأما أصحاب الموقف المعارض فيدعون إلى تقليد الغرب والأخذ من حضارته بهدف الخروج من وضعنا البائس ، وهكذا يوجد على الساحة الثقافية اليوم طرفان يتفقان فى الهدف ويفترقان فى الغاية. وهذا التعارض بين الطرفين يوجب علينا النقد المفهومى حتى يمكن إدراك الاختيار الذى يمثل الخطوة الحاسمة لتحقيق قفزة نوعية تجعل منه مجتمعاً تاريخيا وبوعى تاريخى حتى يمكن تجاوز هذه المفارقة بعملية جدلية مرتبطة بالتاريخ الوقائعى نفسه .

ولكي نعيد تقويم العروي نلاحظ أنه يؤسس خطاب السؤال من خلال قضية مشروعية تدور حول إشكالية: لماذا لم تجسد العقل عندنا فى نظام اجتماعى موظفاً فى ذلك أدوات معرفية ومفاهيم رئيسية موجهة لخدمة قضايا (الديمقراطية) و(التحرر) بطريقة منهجية ذات دلالة قوية على الفعالية والاستمرار، و على النقد والتأويل ومحاولة إقناعنا على أن واقعنا ليس الحاضر وإنما المستقبل، فمشكلة التأخر نجد حلها فى المستقبل الذى هو عنده، أوربا عصر الأنوار ( العروي :أزمة المثقفين العرب) فمنهجية العروى ترفض الفصل بين الغرب والشرق، وكذلك نجده يحاول فهم الأحداث فى مضمونها التاريخى والاجتماعى من خلال تأكيده على ضرورة تحقيق وحدة الاتجاه التاريخى وبالقول بأن لكل شىء معنى في التاريخ، لهذا يتطلب استيعاب مفهوم التاريخ لتجاوز تأخرنا الثقافى، ونقيم دولة المعاصرة التى توحد بين المجتمع المدنى والدولة(العروى: مفهوم الدولة )، هذه "التاريخانية " تنير المستقبل أكثر ما تنير الماضي، فتكون الرد على دعوات تأصيل التراث، فالذى يخرجنا من تخلفنا هى العلاقة العقلانية المرتكزة على دولة معاصرة ليبرالية تربطنا مع عصر الأنوار، لكن المشكلة هنا هي أن الاستمرارية عند العروي ليست استمرارية مع الماضى التراثى العربي الإسلامي ولكن استمرارية مع ماضى آخر هو عصر الأنوار الأوربي.

تقوم منهجية العروى على العالمية أى التسلم من الثقافات المغايرة وعليه لايمكن النظر الى منهجيته من زاوية منطق الهوية بل أنه يرد التاريخ إلى شمولية ميتافيزقية، نسيجها الاستمرارية والعقلانية والميل إلى النظام والإرادة كما لو أن (عامل التاريخ) عقل مطلق أن يسيطر على العصر. والأمر فى تاريخانيته يتعلق بمنهج فني (تكنيكى) يكتفى بتسجيل الوقائع التاريخية وترتيبها فى خط زمنى متواصل تقرأ فيه البدايات والأصول والتاشيرات والأحداث من كل نوع وبالتالى فإن الرأى الذى يقول بأن العروى يقول بالقطيعة التاريخية غير مقبول، فالتاريخ عنده هو النظرة الشاملة الى مجموعة حوادث الماضى، إنها نوع من فلسفة المتصل التاريخى التى رفضتها طروحاتها مدرسة الحوليات الفرنسية والمنهجية الحفرية لاحقاً.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعيتكشف تاريخيًة العقل عن تعدد العقلانيات في الفلسفة الأغريقية والرومانية والعربية -الاسلامية والمسيحية، وفي الفلسفة الحديثة مثل العقلانية الديكارتية، والتجريبية الأنجليزية والجدلية الهيجلية، والمادية الماركسية، والبرغماتية والوضعية المنطقية وغيرها التي تجلت عمومها في مسارها التاريخي عن أن تعدد العقلانيات هو نتاج العقل في سياق حركة التاريخ. لقد قدمت الفلسفةُ العقلانية ابان عصر التنوير وامتداداتها حتي مابعد القرن التاسع عشر تصورا أيديولوجيا للعقل قوامه أن هناك مفهوما واحدا وثابتا للعقل يستغرق كل أنماطه ومعانيه؛ وأن هذه العقلانية التي يمكن تسميتها اصطلاحا "العقلانيًة الكلاسيكية " تعتبر أي فهم للأفكار خارج نطاق نظامها لا يكتسب صفة المعقولية بشكل كامل؛ لكن البحث الجينالوجي- النسابي يُبين أن كل نمط من أنماط العقلانية هو أحد انظمة العقل في مرحلة فكرية تاريخية معينة.

يَكْشفُ المنهج الجينالوجي عن شكلِ العلاقةٍ بين مفهومِ للعقل ونـمط من العقلانية تدعي تمثيلها لهذا العقل بشكل كامل، بوصف الجينالوجيا تهتم بالبحث عن أصل ونسابية وجذر الفكرة و / أو الحدث ليس طبقا للمنهج التاريخي الذي يتابع نشاة الظاهرة ومسارها اللاحق وتطورها، ولكنها، أي الجينالوجيا تلاحق من موقع الحاضر في ماوصلت اليه الفكرة / الحدث و تكشف التاويلات التي مرت بها والاقنعة التي تلبستها في مسارها التاريخي، أي تعود الجينالوجيا من الحاضر الى الماضي لا تاريخيا من الماضي الي الحاضر في متابعة تطور الأفكار في سياق كورنولوجي؛ فالجينالوجيا تكشف العلاقة الموًحٍدة والاستغراقيًة بين مفهومي العقل والعقلانية من خلال العودة للنظر في المسارِ التاريخي المُشَكْـل لنظام تأسيس مقولات هذه العقلانية وابنيتها النسقية التي تدعي الثبات والوحدة، وتكشف،أيضا، كيفية تلبًسها مفهوما معينا للعقل يتمتع بالثبات والوحدة، وتقوم بأبراز مواقعيًتها ونسبيتها. ولا يمكن بالتالي أعتبار أن هناك أتجاها واحداً لمنطق العقلنة لاسيما بعد الصدمات التي أخترقت صميم منظومات العقلانية، والزحزحات التي اصابت مدلول العقل نفسه.

منطقية العقل العقلاني

تعبر الأنظمة العقلانية عن نظرة نمطيًة لمفهوم العقل حيث تعتبر العقل الذي ينتج عقلانيات متعددة في تاريخه له صيغة وشكل واحد طول مراحل التاريخ، وأن هناك نظاما فكريا عقلانيا يعد نفسه هو العقل عينه في خط متواصلا طوال تاريخ الفكر (الفلسفي) ويري أن هناك اتجاها آخر بخط مناقضا له لاعقلانيا، فيعد هذا النظام العقلاني بصيغته" العقلانية الكلاسيكية " أنه يمثل العقل بشكل كامل و مطلق يقابله اللاعقل ويحاول أن يفسد عليه حضوره الكلي في التاريخ، منطلقا من خطاطة تاريخانية هي نوع من القراءة الأيديولوجية التي تقيم معنىً للعقلانيًة وفق قوالب جاهزة للتصنيف.

تصور عصر التنوير الغربي للعقل

تُقَدمٌ العقلانية الكلاسيكية تصورا مسبقا عن العقلِ يحدده كمفهوم ثابت وشكلانيًة سكونية تطبعٌ أفكارأ معينة، في حين أنً هناك أفكار أخرى تعدها مناقضة لهذا التصور؛ أنها تعتمد هذا التصورَ كمعنى عام للعقل؛ لكن الكشف عن اصلِ هذا التصور للعقل يبين انه وليد عصر التنوير الأوربي الذي يعد العقل ( المستقل) جوهرا حاملا كل الصفات والخصائص المطلقة. فترسم العقلانية الكلاسيكية تصورا للعقل بوصفه العقل الناميً في سياق تاريخي متصل، ويٌطبق على تاريخ للعقلانية بوصفها دأب دائم لبلوغ الحقيقة والصواب وتجاوز الخطأ. انه يحكم على أنظمة الفكر وفقا لمنطق ثنائي القيمة وأستراتيجية في الفصل بين " المعقول" و " اللامعقول "، مستعملا مفاهيم كـليًة ميتافيزيقية لاتاريخية يُصدر طبقا لها أحكامه القيميًة.

تعبرهذه العقلانية عن التفكير بميكانزم (آليًة) أحد أنظمة الفكر الغربي مضفية على العقل معنىً وحيدا ويسلك دروب مرسومة ؛ أنها تفصل بين تاريخ مستمر للعقلانية عن آخر مختلف للاعقلاني. لذا لايمكن لهذا التصور القبول بنسبية المعني الواحد للعقل والأشكال المتعددة للعقلانية؛ فـتستمر عنده نـظرة الموازاة والصراع بين خطين فكريين عقلاني ولاعقلاني؛ معتقدا أن هناك عقلانية نقيًة تُقابلها وبجمعِ عامِ فلسفات الشك بالعقل والإيمان بقوى أخري. غير أن الشك بالعقل شئ والشك بعقلانية معينة شئ آخر؛ أما الايمان بقوى أخري فشئ مختلف لايناقض العقل وليس في عداء معه، ولكن أبستمية (نظام الفكر) " العقلانية الكلاسيكية " تتبني مفهوما للعقل هي العقلانية العلمويًة الباترة التي فهمت منطق العقل على أنه يُمثلٌ اتجاها ماديا وضعيا الحاديا ضد الدين؛ والحقيقة هذا فهم واحد من أنواع متعددة للعقلانية طوال تاريخ الفكر الفلسفي.

اتجاهات تاريخ الفكر الفلسفي

يُهَيمن على نظام العقلانيًة الكلاسيكية تصورا مسبقا لاتجاهين متناقضين في بنيتهما و متخالفين في حركتهما طوال تاريخ الفكر الفلسفي، الاول مادي الاتجاه والثاني مثالي الهوية والتفسير. أنً هذا التصور ناتج عن نظرة تعميمية تبسيطية لتاريخ الفكر الفلسفي ظهرت في القرن التاسع عشر بتأثير فلسفة للتاريخ ذات التقسيم الثنائي، سلالة مادية عقلية وأخري مثالية لاعقلية،وتعرض هذه النظرة مفهوما للتقدم بوصفه سلسلة من التطور والنمو الذاتي طول مراحل التاريخ.

أن التفلسـف وفقا لرؤية العقلانية الكلاسيكية لا يكون عقلانيا الا بصروح كليًة متماسكة البناء الشكلي؛ وكذلك لابد ان يخضع القول الفلسفي لنسق متماسك على طريقة المذهبية الفلسفية التي تقدم تفسيرات شاملة حتى يحوز على معنى المعقولية ويكون دليلا عليها؛ ثم تتجه هذه العقلانية الي اصدار احكام قيميًة تَصفُ بعض الفلسفات. وهنا نضرب مثلا على تلك الفلسفات التي تعتبرها لاعقلانية كفلسفة نيتشه غير النسقية والتي لاتخضع لتلك الشروط فتصفها بالاعقلانية.

إن هذا الحكم هو نتيجة للوقوع في دائرة الفهم الكلاسيكي للعقل وغير المتمثل للفكر النيتشوي المُـعَرًي في منهجيتهِ الجينالوجية لميتافيزيقا نماذج الأحكام الاخلاقية المشكلة لهرم البناء الفكري ــ المذهبي والتقييم(الغربي)، وكشف محجوب هذا النمط من المعقولية وأصول تكوينها؛ فقد ضرب نيتشة الثنائيات الوجودية والفكرية التي تمثل دعامة وسندا للقول الفلسفي التقليدي، مثل المقابلة بين الحقيقة والخطأ، والحسي والعقلي. اما فرويد بكشفه عن منطقة اللاوعي فلم يكن لاعقلانيا على ماتحكم هذه العقلانية، بينما قلبت تحليلاته النفسية مفهوم الشخصية قلبا جذريا من خلال ابتداعه لمفهوم اللاشعور الذي يعد عنده اساس التحكم في السلوك الواعي للشخصية وبموجب ذلك لم يعد يتحدد الانسان بوصفه وعيا وإرادة حرة بقدر ما اصبح يتحدد بوصفه خزانا لا شعوريا تعتمل فيه طاقة متفجرة من الرغبات الحيوية التي تفوق سلطة الوعي وضوابط العقل ذاته. لقد وطأ أرضا بكرا وسع بها من جغرافية العقل الى مساحات جديدة لم تكن متعقلة من قبل، وفتح ريادة للعقل بابراز المؤثرات الفاعلة في حقيقة فهم منطق الوعي واقامة تعقيل ما كان لامعقولا، مبينا في هذا المجال أنً المرمي باللامعقول ما هو الا إمكان عقلي يعيد بناء مفهوم العقل ودلالاته.

وقد كشف عن هذا هايدجر حينما شرع في ارجاع التحولات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي الى مجرد تحول في كيفيات تأويل الوجود ونمط الحقيقة ضمن الخط العام لجوهر (الميتافيزيقا) الذي شهد تعديلات مهمة مع ديكارت ثم نيتشة لاحقا، ولكن دون أن يمس ذلك جوهر (الميتافيزيقا) ؛ (وحول تفصيل هذا انظر كتاب هايدجر بعنوان نيتشة والفلسفة ، الجزء الأول). وكذلك تابعه ما يعرف بفلاسفة الاختلاف على هدم التراث العقلي للفكر الغربي على النحو الذي أقام أسسه تقليد عصر التنوير منذ القرن السابع عشر. فقد وجه فوكو ضربات قوية وصارمة في كتابه " الكلمات والاشياء " و " حفريات المعرفة " لادعاء هذه العقلانية الامتداد على مـسار التاريخ بشكل متصل وتكاملي مبرًزا الانفصال بين انظمة الفكر في سياق اختلاف مراحل التاريخ، و أيضا، أبرز القطائع في اسس ابنية العقل ذاته. فقد قام في تقويض مرتكزات النزعة الانسانية وبدهياتها ومختلف المفاهيم التي تسندها مثل العقل والوعي والإرادة الحرة ، والفاعل التاريخي الخ، بالاضافة الى جاك دريدا في " الكتابة والاختلاف "،"صيدلية أفلاطون " و " هوامش الفلسفة " حيث قوًض بناء العقلانية الكلاسيكية الميتافيزيقية من الداخل، وكشف الصفة النسبية لها والتي تُـعدالعـمود الفقري للفلسفة منذ افلاطون وحتى هايدجر، وأصبحت الحقيقة وفقا للمنهج التفكيكي فاعلية للدلالة اللغوية، وفنون البلاغة التي لا تربطها أية علاقة بمدلول أصلي ثابت ونهائي، لأنه ما من دلالة عنده إلا وتفضي الى دلالة أخرى الى ما لا نهاية له. و كذلك بحث دولوز في " الف سطح وسطح " عن منطق جديد يكسر مركزية العقل خارج اطار ثنائية ال " أما.. أو ".

وعليه فان القول بدخول الفلسفة الغربية في اللامعقول هو مظهر لانتكاس العقل والعلم معا، من قبل بعض حراس العقلانية الكلاسيكية الارثوذكسية، يدل على اختلاف دلالة اللامعقول، حيث ان اللامعقول وفق نظام هذه العقلانية مُبـعد بتضييق معني المعقولية وتسوير حدودها؛ ولكن هناك اكثر من هذا المعنى ومجال مختلف للامعقول.

أيديولوجيا العقلانية

تعبر هذه العقلانية الكلاسيكية عن موقف ايديولوجي من حيث صرامته التقيميًة وواحديته للمعنى والحقيقة، وتُصَنف الأفكار في خانات محددة سلفا برسم مصادراتهاالأولية وأحكامها الكلية. انه موقف يضع عقلانيته كممثلة للاتجاه التقدمي بشكل دائم. في حين أنً هذا التساوق الذي تقيمه بين " العقلانية " و " التقدم " ماهو الا مقدمة ايديولوجية ومصادرة أوليًة، فليس هناك أيً تلازم منطقي أو تاريخي بين الطرفين. وهذا الفصل الذي يٌرفع الى مستوي القطيعة النهائية بين العقل والاعقل لا يعبر الا عن منهجية ترسيمية لتاريخ الفكر بطريقة مانوية ونظرة معيارية بأحخكام مسبقة.

وهذا التصور نتاج مفهوم المتصل التاريخي الذي يـُضفي على حركةِ التاريخ معنى التوالي الضامن لمعرفة تقوم على التسلسل السببي فيكون السابق المُفَسْر والـمولًـد لـلاحقِ، من خلالِ تَبَنيه مفاهيم الكليًة، والتطوًر، والاستمرارية، والوحدة والتناقض.

العقل والأزمة

اما ما يثار من جانبِ ممثلي هذا التصور الأيديولوجي للعقل بخصوص أزمة العقل الغربي واعتبارها ازمة عند الطرف المتشكك وغير الواثق بالعقل يُطرح السؤال التالي: ألًم تَكنْ الازًمة طوال تاريخ العقل سببا في كسر دوغمائياته وخلخلة قوالبه وثوابته حتى لاتتحول العقلانية الى منظومة مفاهيم ارثوذكسية ومجموعة مبادئ قارة تحاصر المعني تحت بناء مقفل يكرر المقولات والمقدمات نفسها ؟ اولم تحدث القطائع الأبستيمولوجية بسبب الازًمة؟ فلابد اذن من توطين العقل في الازمة، فانجازات العقل الغربي لم تحصل الا نتيجةَ لأزماتهِ. الأزمة تحدث بفعلِ محاولاتِ ادخالِ التحولاتِ المعرفيةِ والانجازاتِ العلميةِ في عرباتِ البناءِ التقليدي للعقلانيةِ.

أنً الترهـيفَ المستمر للمفاهيمِ والقطائعِ الأبستيمولوجية داخل سياق النظريات العلمية يـُظهر عـَجزَ هذه العقلانية ومحدوديتها التفسيرية؛ فعلى سبيلِ المثالِ عجزت فيزياء نيوتن عن تقديمِ تفسيرِ مطابقِ لبعضِ الظواهرِ الطبيعيةِ مما أدى الى حصولِ ازمة في الفيزياءِ ما كانَ منها الًا أن أحدثتَ القطيعةَ والانفصال وَطٌـرِحتْ على اثرِها اسس ومفاهيم جديدة ذات تفسير أشمل مع النظرية النسبية. أنها ازمـة في الأسسِ والأصولِ والمُقَوماتِ لنمط معين من العقلانيات، وهي ناتجةَ عن فهمِ تعميمي لهذا النمط.

زحزحات في مدلول العقل

لقد حدثت زحزحات عديدة بالمعنى الفلسفي والمنهجي لمفهوم العقل وقطائع ابستيمولوجية مع نظام العقلانية الكلاسيكية على أثر انقلاب السياقات المعرفية التي حصلت في اللسانيات والتحليل البنيوي لمنطق اللغة؛ والتحولات الأبستيمولوجية، وإعادة تقيـيم النظام العقلاني السائد من موقع التفسير البنيوي اللغوي للاوعي (جاك لاكان) الذي اعاد صياغة الرابطة بين بـنية اللاشعور وكـلام اللـغة الترميزي، حيث تتم قراءة ظاهرة اللاشعور كما لو كانت تماثل بنيويا الظاهرة اللغوية نفسها، أو قل هي اللغة ذاتها، أين يكون المعقول طريقا " للامعقول " والوعي طريقا للاوعي، وأفـتتاحات مناهج تحليل الخطاب والتاويل(الحقيقة والمنهج و" صراع التفسيرات عند غادامير وريكور). و فلسفة المنفصل التاريخي (مدرسة الحوليًات، بروديل (البحر المتوسط في عهد فليب الثاني)

تاريخ ايديولوجي للعقل

العقلانية الكلاسيكية حصيلة مٌرَكَبة وتصْنيفيًة لتاريخِ ايديولوجي للعقلِ أٌعيدَ بناؤه طبقا لتصورات مسبقة مثلتها عقلانية عصر التنوير والعقلانية العلموية الدوغمائية السائدة في القرن التاسع عشر والتي رسمت الحدود القارة لجغرافية العقل وفصلت بشكل قاطع بين " المعقول" و " اللامعقول ". ان هذه العقلانية الكلاسيكية تُقصًي اللامعقول بعيدا عن دائرة العقل بدلا من معاينته والتفكير به واستحضاره الي دائرتها بوصفه لامفكرا فيه بعد. فغالبا ما تضع العقلانية مقولاتها الجاهزة بشكل متعالي لاصدار احكامها القطعيًة بين العقلي واللاعقلي. فمن اللامفكر فيه بالنسبة لهذه العقلانية هو أن ما من فكر الاً وله معقوليته، ولا يوجد خطاب يخلو تماما من منطوق العقل، فـلكل خطاب أدواته المعرفية ومفاهيمه الاجرائية التي يستعملها في التحليل والتفسير.

ميتافيزيقا العقل

لا يكترث نظام العقل الكلاسيكي لتحولات أبستيمولوجية عديدة ترفض هذا الفصل الصارم والقاطع بشكل مسبق بين العقل واللاعقل. وكان الأحرى بهذه "العقلانية الكلاسيكية ان تحدد نمط كل معقولية في فضائها المعرفي وتضعها على محك المساءلة في ما اذا كانت تدعي انها التعبير الوحيد عن حقيقة مطلقة لمفهوم العقل حتى تصل لاكتشاف وجود انماط عديدة من المعقولية لاتمثل أيً منها حقيقة نهائية او مقياسا لكل تعقل، فبعض الانساق الفكرية التي تعتبر ممثلة لمعني العقلانية ما هي الا منـظومات تاويًل كبري، بحسب بول ريكور.

ان مثل هذا الفهم يجعل العـقل يفتح امكان على اللامعقول ولا يوصد الدروب لعقلنته ويعيده بوصفه لامُفَكَرا فيه بعد. فارتياد اللامفكر فيه يوسًع من مجالِ العقلِ ويضعه امام مهمة المراجعة الدائمة لأسسه ومقولاته و أطره المعرفية التي تتبدل بأستمرار ؛ فكل توسع لمجال العقلنة هو انفتاح علي ما لم يعقل بعد. لقد حدثت خلخلة شديدة لأصول ونظام العقل الكلاسيكي كشفت عن ميتافيزيقا معنى هذا العقل، و أظهرت أن لكل عقلانية منظومتها وسلطتها، ولكن لا كما يطرح وفق نظام العقل العقلاني من حصر التاثير في العوامل اللاتماثلية في الاتجاهات اللاعقلانية.

يعطي نظام العقلانية الكلاسيكية مدلولا ثابتا لمفهوم العقل يستبعد كل ما لا يتوافق مع تناسباته ومغالقاته مما يـُضيًق ويفقًر مفهوم العقل ذاته. أن العقلانية الكلاسيكية لاتنظر الى ما تسميه " اللامعقول " بوصفه الامكان المفتوح أمام العقل والذي لم يمارس عليه العقل حضوره بعد؛ في حين هو اللامفكر فيه بعد الذي كلما دخل بعضاً منه الى دائرة المفكر فيه توسعت حدود العقل، وانتقل العقل الي آفاق أبعد واكتشف مجاهيل جديدة لم تكن مكتشفة من قبل أو كانت تعد في مايقع في " اللامعقول "، اذن انتهاك حدود " اللامعقول " يوسع من أقطار دائرة العقل ويمدد أسواره الى مساحات جديدة لم تكن معروفة من قبل؛ ووفقا لرأي " غرانجيه "في دراساته عن الابستيمولوجيا ولاسيما كتابه عن "اللامعقول" لايوجد فصل نهائي بين منطق التشارك وآخر قائم على منطق العقل والطرفان يرجعان الى الاصل نفسه.

مطمح العقلانية

ليس العقل بناءا قارا له شكل تام ونهائي أو بنية تمـثليًة ثابته، بل له مستويات مختلفة؛ فلا يوجد عقل تصنيفي واحد ذو مركزية منطقية.إن تشكل المعارف ونمط المعقولية هو دائما تعبير عن نظام فكري قائم في مرحلة تاريخية معينة يتحول أو يتبدل في مرحلة لاحقة؛ وعليه ضرورة التمييز بين طموح العقلانية الكلاسيكية للكلية والشمولية ومواقعيتها التاريخية النسبية. وهذاالطموح دفعها الي نقل مفهوم المطلق واللامتناهي من الألوهية واضفاءه على مفهوم الانسانوية.

بعد تعريًة الجذر المكًون لتصورِ العقلانية الكلاسيكية الى مفهوم العقل، يكشف النقد الجينالوجي نسابية هذه العقلانية وأفتراضها المضمر للمماثلة والتطابق بين دال العقل ومدلوله، وهو مايؤدي الى اختزال مفهوم العقل وتحجيم المعرفة ومحاصرة مغامرة الاكتشاف. ويقويض هذا النقد مقولة كل ماهو واقعي عقلاني، فتكشف الجينالوجيا أن العقلنة قائمة على مفهوم واسع من الأسطرة، و ان العقلانية في قمة تجريداتها تبقي موشحة بالمخيال. ان نقد مفهوم العقلانية الكلاسيكية للعقل يغيير علاقاتنا مع مفهوم العقل ذاته عندما نكشف صلاته باللامعقول.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

زهير الخويلدي"نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بالحوار مع الآخرين. وما إيقاظ العالم سوى شجاعة الوجود في أن نوجد ونعمل ونبحث ونخترع ونبدع ونخلق"

– غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة.

تطرح المعرفة العلمية الكثير من القضايا والانشغالات من جهة المناهج والمفاهيم والقيم التي تبشر بها وتنتج هذه الاشكاليات من خلال احتكاكها بأنماط المعرفة الأخرى سواء المنتشرة في المجتمع أو في دوائر الثقافة والدين والسياسة وتتنزل ضمن إطار تاريخ الأفكار والتجارب الصناعية والأدوات التقنية. فماهي طبيعة العقلانية العلمية؟ وما الفرق بين التناول الابستيمولوجي والتناول الفلسفي للمعرفة الواقعية؟ وكيف وضع غاستون باشلار الخطوط العريضة للابستيمولوجيا؟ وما المقصود بالفلسفة الصامتة عند دسانتي؟ وأين يمكن تنزيلها ضمن النشاط العلمي؟ لماذا اشتغل غرانجي على صلة الواقعي الافتراضي؟

1-   ابستيمولوجيا باشلار:

يعد غاستون باشلار 1884-1962 من أهم أعلام الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين الذي مازلت تأثيراته الفكرية في العقل الفلسفي متواصلة الى اليوم وذلك بعد أن ترك بصماته بصورة لافتة في الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم والفنومينولوجيا والجماليات والنقد الأدبي وعلم النفس وفتح الطريق في اتجاه قيام ابستيمولوجيا تاريخية تدرس المعرفة العلمية في علاقة بالثقافة الرمزية والتراث المادي.

لقد بدأت حياة باشلار الأكاديمية بحصوله على التبريز في الفلسفة وممارسته التدريس كأستاذ لفلسفة العلوم في مدينة ديجون وبعد ذلك التحق بجامعة السوربون الشهيرة. ولقد ألف منذ 1934 الروح العلمي الجديد وفلسفة الرفض وأضاف إليهما سنة 1938 كتاب تكوين الفكر العلمي والعقلانية التطبيقية الذي أصدره سنة 1948 وأردفه بكتاب آخر في نفس الاختصاص بعنوان المادية العقلانية عام 1953. من جهة مقابلة عمل باشلار على التأليف في المجال الإنشائي والجمالي والتخيلي والتحليل النفسي وبدأ مشواره ببحث حول التحليل النفسي للنار سنة 1937 وعد ذلك أصدر كتاب الماء والأحلام عام 1941 والهوى والرؤى وكذلك التراب وأحلام الإرادة وأيضا التراب وأحلام الراحة سنة 1948 وفي سنة 1957 أصدر كتاب جماليات المكان وأضاف إليه كتابه شاعرية أحلام اليقظة عام 1960 ثم اصدر سنة 1961 شعلة الشمعة.

لقد نظر باشلار إلى الثقافة العلمية بوصفها السلاح المضيء للظلام وراهن عليها من أجل تحقيق التقدم وحسم المعركة مع الماضي وجعل من تفكيره النقدي للعلم محاولة جديدة من أجل فهم العقل والطبيعة والعلاقة الممكنة بينهما وركز بالخصوص على مصطلح القطيعة الإبستيمولوجية لكي يبين بأن العلم لم يكن البتة جديا بل هو ضارب في القدم وله عمر أحكامه المسبقة ويتطور في كل حقبة عبر تحطيم الفكر اللاّعلمي وإحداث انكسارات في تاريخه وبطريقة انفصالية من خلال استثماره للأزمات التي يتعرض لها.

لق دافع باشلار على الأطروحة التي تعول على العقل في مواجهة تعقد الظواهر الطبيعية من أجل فهمها وفي نفس الوقت التغلب على التصورات المبتسرة والآراء الزائغة التي ينتجها العقل عن ذاته وتجاربه.

كما يعانق الفكر العلمي عند باشلار الخيال الخلاق والفعالية الإنشائية من خلال وصفه للصور الأساسية التي يعبر بها عن العالم في لغة رمزية بأسلوب شاعري وضمن رؤية أنطولوجية مصغية لنداء الكائنات.

2- فلسفة العلم الصامتة عند دسانتي:

جان توسنت دسانتي 1914-2002 هو ابستيمولوجي فرنسي وفيلسوف اشتغل على قيمة وأسس مختلف المشاكل التي يطرحها النشاط العلمي . ولقد اهتم بالخصوص بابستيمولوجيا الرياضيات والفنومينولوجيا.

بدأ دسانتي حياته الاكاديمية سنة 1956 بتأليف كتاب مدخل إلى تاريخ الفلسفة ولكنه ما لبث إلى الاهتمام بالجانب العملي وأصدر كتاب فنومينولوجيا البراكسيس سنة 1963 وانعطف إلى التفكير في العلوم وكتب المثاليات الرياضية في عام 1968 وبعد ذلك أخرج للنور مؤلفه الشهير الفلسفة الصامتة ونقد فلسفات العلم سنة 1975 وبعد ذلك عاد إلى الاهتمام بالفنومينولوجيا وأصدر كتاب مدخل إلى الفنومينزولوجيا في عام 1976 وفي سنة 1982 ظهرت له كتب أخرى بعنوان المصير الفلسفي وأفكار حول الزمن سنة 1992.

عكست حياته الأحداث الصاخبة التي شهدها في القرن العشرين وانخرط في مقاومة النازية وتبنى أفكارا شيوعية ومارس التدريس بالسوربون والمدرسة العليا الممتازة وكانت علاقته بموريس مرلوبونتي وجان كافياس لها تأثير في مسيرته الفكرية وتكوينه الفلسفي واختياراته الوجودية حيث حاول التقريب بين الفنومينولوجيا والرياضيات والابستيمولوجيا ولم يبعده تعمقه الكبير في فهم المثل الرياضية عن تعقل الممارسة والمشاركة في تدبير المدينة من الناحية الإيتيقية من حيث هو شاهد على عصره ومن حاول إيجاد غاية نبيلة لوجوده ولذلك نبه كثيرا الفلاسفة من فخاخ الاعتقاد وأوهام اللغة ومخاوف من التقنية.

3- الابستيمولوجيا المقارنة عند غرانجي:

جيل غاستون غرانجي المولود سنة 1920 فاعل في الحياة الفلسفية الفرنسية في المنتصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وأستاذ مميز في جامعة بروفانس وأستاذ كرسي في الابستيمولوجيا المقارنة من عام 1986 إلى عام 1991 قبل أن يتحول إلى أستاذ زائر بالمعهد الفرنسي.

لقد انخرط غرانجي في التفكير المعمق في العلوم ولذلك كان حريصا على وضع تحليلا للاقتصاد في المعرفة العلمية والمنهاجية التابعة لها في بداية كل مؤلفاته وأعماله ومحاضراته ولقاءاته ومداخلتها.

لقد بدأ غارنجي رحلته الاستكشافي في المعرفة سنة 1955 بتأليف كتاب العقل ثم أصدر عام 1960 مؤلف الفكر الصوري وعلوم الانسان بعد ذلك ألف كتابا حول فنتغنشتاين سنة 1969 بنفس العنوان وأعلن تخصصه في الابستيمولوجيا سنة 1979 باصدار كتاب بعنوان الأقوال والابستيمولوجيا ثم أضاف سنة1987 كتاب من أجل معرفة فلسفية وألف حول التحقق عام 1992 وشارك في كتب جماعية هي العلم والعلوم سنة 1993 والكلام في الفلسفة اليوم عام 1994 والأشكال والإجراءات والمواضيع وأصدر كتاب المحتمل والممكن والافتراضي عام1995 ثم كتاب اللامعقول عام 1998 وألف كتاب فكر المكان سنة 199 وكتب سنة 2001 العلوم والواقعة وكذلك أصدر سنة 2003 كتابا حول الفلسفة والكلام والعلم.

لقد حاول غرانجي تقديم دراسات عامة حول النشاط العلمي وحرص على التبسيط والربط بين التقدم العلمي والثقافة العامة ولكنه اشتغل على تقديم دراسات تحليلية تاريخية وفلسفية عن العلوم وعلوم الإنسان وأنجز بعض الترجمات للرسالة المنطقية والفلسفية لفتغنشتاين وقام بتوقيع مفهوم الإبستيمولوجيا المقارنة التي تتوزع بين نظام عمودي تواجه فيه مختلف أوضاع المعرفة ونظام أفقي أوجد فيه قرابة بين ميادين من العلوم المعاصرة تبدو مفترقة ومتباينة وتفسير العلاقات المعقدة بين المحتمل والافتراضي والواقعي. لكن ماهي الأحداث التاريخية والتغيرات المنهجية التي دفعت الإبستيمولوجيا المعاصرة إلى تغيير بنيتها؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

علي رسول الربيعييناقش علي حرب قضية التراث العربى الإسلامى من منظور للأصول بداية من السؤال: كيف ننظر إلى التراث، ونقرأ النصوص ونتعاطى مع الأصول؟ فيقدم قراءة تأويلية للأصول بوصفها إمكاناً للفهم وحقلاً للدرس ومجالا للكشف فيما يتجاوز تماسكها الشكلي ومنطقها الصارم وبنيانها المحكم؛ أًيً فيما يتعدى القضايا التى تبرهن عليها والأنساق التى تنظمها والمذاهب التى تحيل اليها بصرف النظر عن العوامل التى تسهم فى تكوينها أو العناصر التى تتشكل منها والمصادر التى تنهل من معانيها؛ وتعد هذه الأصول بمثابة التأسيس الفكرى الذي يفلت من الحصر والتقييد ويحض الفكر على التنقيب والكشف، بحيث تبدو مجالاً لما لم يقال أو يُعقل بعد (حرب: التأويل والحقيقة،دار التنوير، بيروت،1985).

وتتم العودة للتراث عن طريق القراءة التى هى فى حقيقتها نشاط فكرى / لغوى مولد للتباين منتج للاختلاف سواء أكان تفسيرا أم تأويلاً، حيث يجرى القارئ فيها على النص لغته ويشغل مخياله، أنه يعيد إنتاج المقروء بمعنى ما من المعانى، والقراءة تتباين بطبيعتها عما تريد بيانه، وتختلف بذاتها عما تريد قراءته، ومن شروطها، بل وعلًة وجودها أن تكون كذلك، ولا تطابق فى الأصل بين القارئ والمقروء، إذ يحتمل النص أكثر من قراءة، وكل قراءة هى حرف لألفاظه وإزاحة لمعانيه؛ أنه يشكل كونا من العلامات والإشارات ويقبل دائماً صراع التفسيرات وأختلاف التأويلات، ويستدعى أبداً قراءة ما لم يقرأ فيه من قبل، ومن هنا تختلف قراءة النص الواحد باختلاف العصور والعوالم الثقافية، بل تتعارض بتعارض الأيديولوجيات والاستراتيجيات. تهتم هذه القراءة فى محاورة واستنطاق النصوص التى تشكل دوما عند قراءتها مجالا لانتظام التناص وتأويل المعنى وفى استثمار الأفكار وتطبيقها (كذلك) .

ومن هذا المنظور يستهدف التفسير شرح المعطى بإيضاح بنيته دون اللجوء إلى مبدأ خارج عنه، فتكون وظيفة التفسير هى الكشف عما يحتجب بذاته ويراهن عليه بتبيان أشكال ظهور وإيضاح معناه، فمثل هذه القراءة لا توصف إلا باختلافها عن النص لاهتمامها بما تظهره قراءة النص من التعدد والتنوع، والاختلاف والتعارض؛ فالنص حيز مقالي تتعدد معانيه وتتفاضل دلالاته، فيبقى مجالاً مفتوحاً لما فيه من اشتراك فى اللفظ وفائض فى المعنى (كذلك). إننا، مثلاُ، إذا نقرأ فلسفة المعلم الثانى، الفارابي ليس للكشف عن أوجه التشابه والتباين بينه وبين المعلم الأول لأن فى ذلك تجريد لهذا الفيلسوف الإسلامى من أصالته الفكرية، فما يهمنا من تلك القراءة الوقوف على نظرته إلى (الوحى) وكيفية فهمه له وعما إذا كان هذا الفهم يتيح لنا إعادة فهم الصلة بين العقل والوحى، بل إعادة فهم العقل نفسه، وما يثير الأهتمام في نصوص الفارابى هو ما يحث الذهن على البحث والتنقيب لإعادة تأمل الثقافة الإسلامية برمتها؛ وكذلك لو قرأنا للفقيه الماوردى فما يجذبنا ليس آراءه السياسية إنما الأقوال التى يسوقها فى تضاعيف نصائحه للملوك حول التأويل وحقيقته وصلته بالاختلاف، وهو كلام يفتح الباب لإعادة عقل مسألة الاختلاف فى الإسلام؛ وعندما ننظر فى أعمال ابن رشد الفلسفية لا يهمنا أن نعرف أين مواطن الصواب والخطأ فى جدالاته ومعرض توفيقه بين الحكمة والشريعة، وإنما نهتم بكيفية تأويله للمسألة التى تظهر فيها، وبالكشف عن القواعد التى يستخدمها فى تأويلاته (كذلك) .

لا ينظر المنهج التأويلى إلى تاريخ الفكر الفلسفى والديني خاصة من منظار الخطأ والصواب، فليس الفكر الفلسفى تصحيحا ًمتواصلاً للأخطاء وإنما هو منظومات تأويليًة متصلة ومتلاحقة خلالفا للمنهج التاريخانى الذى يقرأ تاريخ الفلسفة كأنه تدرج نحو الحقيقة من الأدنى إلى الأعلى ومن الأبسط إلى الأعقد .

تكشف القراءة وفق المنظور التأويلى عن شروط إنتاج الحقيقة والمعنى؛ والقواعد التى بموجبها يتشكًل الخطاب؛ فلا تبحث عن معنى أصلى أو أجلاء لمعنى خفى لأن المعنى هو تأول ينصب الإنسان بواسطة ذاته مصدراً للمعرفة ومولداً للدلالة، فيتسلل إلى فجوات الخطاب ويقرأ فى لا معناه وفراغاته. إنه يؤوله ليكتشف دلالات ما اكتشفت من قبل، ويقرأ فى الأصل ما لم يقرأ سلفه، فيعقل ما لم يعقل ويولد المعنى من حيث يظن اللامعنى ويستنبط المجهول من المعلوم، أنه أنبجاس فى صميم الأصل الذى يعد إمكاناً عقليا مفتوحا؛ وعلى هذا النحو ينبغى قراءة الأصول ومساءلتها فهى لا تستنفذ وتحتاج دوما إلى أن تٌكشف من جديد، وإعادة تأويل التراث لا تكرر التأسيس ولا تشكل ملحقاً على النص يكشف عن أشكال التماثل معه، بل هى عودة لا تتوقف عن اكتشاف النص للعثور على إمكانات بكر للمعرفة وتكوين ميادين علمية جديدة (كذلك). فالأصل كالمعنى، هو محصلة ونتاج، أى أنه يتحدد بتاريخه وصيرورته، وبنسبه وصلاته، فلا وجود لأصل نقى، والأصل من دون تاريخ ولذا فانه لا يتكرر بل يضاعف ويستعاد، أنه أساس يقاس عليه، وقد يستعاد لكى يحتج به وينصر الرأى بواسطته لأنه مرجع وكل مرجع سلطة (حرب: الفارابى بين الانحياز للفلسفة والانحياز للحقيقة، الفكر العربى المعاصر، العدد 68 ـ 69، 1989م).

ينحو التأويل إلى تحرير التصورات بالكشف عن أسسها اللغوية كما ينحو إلى تجاوز مقولات المنطق الشكلية بالنظر إلى المنطق نفسه كلغة لها نحوها ووظيفتها ، لذلك اعتبر هايدجر المعرفة الحقة هى معرفة تأويلية، ومن هذا المنظور فإن تأمل ثنائية العقل والنقل فى الفكر العربى الإسلامى يقود إلى استكشاف معقولية النقل ولا معقولية العقل، إذ لا وجود لعقل خالص كما لا وجود لنقل خالص، بل ثمة انماط المعقولية، وإذا كان الفكر الإسلامى قد انطلق من أصل نبوى فإن لهذا الأصل معقوليًته الخاصة وهو ما ينبغى البحث عنها واستكشافها، كما أن الأصل العقلى يبطن بالمقابل لا معقولية ما، حيث إن الصراع والتوتر بين النزعة الأسطورية والمعرفة العقلانية البرهانية اخترق تاريخ الفكر الفلسفى والفكر الدينى كله وهو لايقف عند الانقسام الظاهرى للمعارف إلى عقلية / ونقلية فقط بل يموضع بشكل أعمق على مستوى العلاقات بين والفكر والتاريخ.

إن النظر عمل العقل والتأويل نهجه واستطلاعه، ولا يحصر التأويل كى لا تنعدم الدلالة، فالنظر يحتاج دائما إلى معاودة ما يعقله وكان الأشياء تفلت من المعقولية باستمرار والتباين لا حدود له لأن كل تأويل مظهر من مظاهر الحقيقة ووجهه من أوجه الحق .

إن التأويل يعنى أن الحقيقة لم تقل مرة واحدة، وأن الأصول لا يستنفدها تفسير واحد شامل ولا يمكن حصر معرفتها عن طريق واحد بعينه أو يتوقف النظر إليها على مذهب مخصوص، وإذا كانت النصوص تشكل قيوداً على العقل وحدوداً له فلكل عقل قيوده ولكل فكر مسلًماته ومصادراته، وما عمل العقل فى النهاية سوى التحرر من قيوده، وإذا كان العقل العربى تقيًد بالنص فإنه كان يرتد عليه وينظر فيه، ويتدبر أقاويله ويتأمل معانيه ويقلب دلالاته فيتأول ما شاء له أن يتأول (حرب: الحقيقة والمجاز، نظرية عربية فى العقل والدولة، دراسات عربية، 1983م، ص 53).

لقد مثل التأويل نافذة العقل العربى إلى الحقيقة وهو يعنى أولاً: أن الدلالة أغنى وأوسع من أن تحصر وتضبط، وثانياً: النفاذ إلى الباطن والعمق من خلال الظاهر والسطحى، وثالثا: استكشف الأصل من جديد على نحو جذرى، إن النص أو (المنقول) الذى شكل منطق العقل العربى تجسد أصلاً من خلال دور التأويل فى سرورة هذا العقل الذى كان يستبعد النقد والنقض؛ ولذلك يتبين لمن يستقرئ تاريخ العقل العربى أنه بدأ كضرب من التأويل وإعادة التأويل، فإذا كان الوحى مصب المعقولية العربية فالمجال المتاح أمام العقل هو التفسير والتأويل.

أن نقدنا لعلي حرب يأتي من الصعوبات التي تثيرها الفقرة أعلاه، فهناك الكثير من النقد والجدل بين مختلف المدارس والمذاهب فى الفكر العربى الإسلامى؛ فنساءله ألم تختلف المذاهب الفقهية وينقد بعضها البعض، ألم يحصل نقد بل ونقض بين الأشاعرة وأهل الاعتزال، ثم ألم يحصل صراع تفسيرات بين أهل الظاهر وأهل الباطن فى التفسير والتأويل؟ إن حرب إذ يستبعد النقد والنقض من ساحة الثقافة العربية الإسلامية، فإنه يبدو منزلقاً إلى تكريس الرؤية الاستشراقية منذ رينان وكذلك تاثره اللاحق بطروحات غارودي حيث مثلت له هو ذات جاذبية في في تصنيفها، التصنيف الذي طرحه غارودي في كتابه " وعود الإسلام" من   أن العقل الغربى هو عقل نقدي بينما العربى الإسلامى هو عقل نبوى.

يعتبر حرب مصطلح التأويل ليس بجديد على الفكر العربى الإسلامى، بل من المصطلحات الرئيسة فى الفهم والتفسير، فقد قام علم الكلام على التأويل ونهجت الفلسفة خاصة مع ابن رشد منهجا تأويلياً فى تفسير النص وإعادة قراءتها لذا كان نشاط العقل الإسلامى عبارة عن رحلة تأويلية فى مجازات اللغة ودلالاتها.

ونقول هنا مع حرب ابتداءً نعم إن الحالة التأويلية ظاهرة موجودة فى الفكر العربى الإسلامى لكن ليس من أمثلتها البارزة مناظرة ابن رشد و الغزالى، فقد كانت هذه المناظرة ذات منحى تحليلي تفسيري أكثر مماهو تأويلي حيث قام الأول بتفنيد طروحات الغزالى بخصوص موضوع قيمة المعرفة المكتسبة عن طريق العقل الفلسفى، وأن القول يكشف تفحص الحجج التى أثارها الطرفان (حجج الفلاسفة العقلانيين وحجج الفقهاء والثيولوجين) يبقى مقبولا من ناحية أنه يمكننا من القبض على رهانات آفاق وأسس تشكل المعنى داخل الوعى الإسلامى، وهذا هو الموضوع الضخم المتعلق بمسألة التفسير والتأويل.

ما من فكر إلا وينطلق من الأسس ويعود إلى البدايات، أن العقل لا يغفل عن ماضيه والتأويل رجوع إلى الأول، لكنه رجوع يقصد من وراءه اجتراح المعنى وإعادة التعرف بالأشياء وبالعقل ذاته لكن هذا الرجوع لا يعنى اصطناع تاريخ لتراثنا بما يتلائم ومقتضيات الحاضر (أيديولوجى) ولا هو محاولة للكشف عن أفكارنا فى مقالات الأسلاف، لأننا بهذا لا نقوم إلا بأدلجة التراث بدلاً من تعقله (علي حرب: الماركسية ودراسة التراث العربى الإسلامى، في: ياسين، أبو على (وآخرون): الماركسية والتراث)

إن الأهمية التى ترتديها مسألة التجديد والتأويل فى الثقافة العربية الإسلامية تنبع من نوع العلاقة التى تقيمها المجتمعات العربية الإسلامية مع ماضيها الذى شكل شرع ومثل رؤية، فهو المكون لجذور الوعى العربى لأن الماضى جزء من صيرورتها وبالتالى لا سبيل إلى تحديث العقل دون استيعاب تاريخه وتمثله، وإذا كان الفكر أى فكر ينزع دوما إلى التجديد، فإن التجديد يقتضى إعادة النظر بالأسس التى يقوم عليها القديم والموروث، وعلى هذا فإن علاقة الفكر العربى بماضيه تحتل أهمية استثنائية، حيث كان هذا الفكر يبحث على الدوام فى ماضيه عما يبرز تطلعه إلى الإصلاح والتحديث أو نزوعه إلى التجديد والتغيير فما من معيار تستلهمه المجتمعات العربية فى تنظيم شؤونها إلا ويثير مسألة الموقف من التراث .

ومن هذا المنظور لا ينبغى أن نفهم الدعوة إلى التجًديد بوصفها عودة إلى صفاء أصلي أو محاكاة للغرب، بل ضرورة يفرضها التطور الداخلى للمجتمع العربى، ومحاولة تصقل تجربتة، وهى لن تتم دون استلهام قيم جديدة (جمعيط، هشام: أوربا الإسلام)، تمكننا من إعادة القول فى الأشياء التى قيلت من قبل بكل ما تنطوى عليه الإعادة من إعادة اكتشاف وبناء وتجديد للتأويل .

 

د. علي رسول الربيعي

 

خديجة ناصريتحفل الفلسفة المعاصرة بالعديد من الخامات والكوادر الفلسفية المتميزة، والتي ساهمت في تقديم فكر أصيل يمزج بين قوة الفكرة وحلاوة الكلمة، ولعل من أبرز فلاسفة هذه الحقبة وأكثرهم شهرة بين الأوساط الفلسفية والأدبية على السواء نجد الفيلسوف الفرنسي "جون بول سارتر"الذي يمثل أحد أقطاب الفلسفة الوجودية إلى جانب مؤسسها "سورين كركيجارد" وروادها الذين تتردد أسماءهم وأفكارهم مقترنة ببعضها في شكل بناء فكري متصل الحلقات، إذ نجد أن كل واحد من هؤلاء وضع حجر أساس لهذه المدرسة الفلسفية والتي لا تكتمل إلا بالتحامها وهم "غابريال مرسال"، "كارل ياسبرس"، "مارتن هيدغر". والنقطة المفصلية التي تلتقي عندها فلسفات هؤلاء المتباينة في المظهر والمتلاحمة في الجوهر هي فكرة "الوجود أسبق من الماهية" وهي حقيقة لا تحتاج للكثير من البيان فهي تعترض كل مطلع على الفكر الوجودي مفادها أن الإنسان يخلق أولا ثم يختار مصيره بنفسه، فحياته ليست عبارة عن خطة جاهزة تتحدد ملاحها سلفا بل هي عبارة عن مشروع يتوجب العمل على بنائه بالاجتهاد في نسج كيان ذاتي مستقل يتماشى مع جوهر الذات الحقة التي يفترض أن تكون حرة، واعية، فاعلة، مدركة لحقيقتها، ومسؤولة عن خياراتها.

ومما لا يخفى على كل المهتمين بالشأن الفلسفي أن الفلسفة الوجودية تمحورت جل موضوعاتها حول الوجود الإنساني، وهو موضوع يبدو للوهلة الأولى اجتراري تكراري من حيث كونه الموضوع الأثير الذي تناوبت عليه معظم الفلسفات عبر الأطوار الزمنية المختلفة، بداية من الفلسفة اليونانية إلى أعقاب الفلسفة المعاصرة. ولأن الفلسفة الوجودية لاقت رواجا وقبولا جماهيري واسع يكاد ينعدم إيجاد فلسفة تضاهيها في ذلك، الأمر الذي يوحي أنها تتميز بالفرادة وروح التجديد، وواقع الحال يطلعنا أن هذه الفلسفة هي أقوم الفلسفات وأقدرها على تقديم تشخيص دقيق عن الواقع الإنساني وما يكابده الفرد من عناء في رحاب وجود يعتمر بالمصاعب والمشاق. ولعل من بين القراءات الوجودية التي تنم عن عمق الرؤية ودقة في التحليل نجد فلسفة سارتر وهي فلسفة مكتملة الأجزاء تحتاج لتخصيص قدر يسير من الدراسة حتى يتسنى الإلمام بها، ولهذا نقتطع من هذه الفلسفة جزء بسيط يتمحور حول فكرة التجمع والجماعة وفق الرؤية السارترية.

إن أي محاولة لفهم المضمون المعرفي لفكرتي التجمع والجماعة، لا يكون من المتيسر بما كان إلا بالعودة إلى التمييز الذي حدده سارتر عن مستويات الوجود، والتي قدمها بشيء من الإسهاب والتفصيل في كتابه الأعظم على الإطلاق "الوجود والعدم" وقد أدرجها ضمن أنواع ثلاث وهي:

الوجود في ذاته: ويقصد به عالم الأشياء والظواهر الخارجية التي يمكن ملاحظتها ومن ثمة دراستها علميا بحكم أنها تخضع لمبدأ الحتمية مع إمكانية تقييدها بقوانين، ومما يترتب عن ذلك أن جميع الأشياء تتحدد ماهيتها منذ وجودها وهذا ما يكسبها صفة الثبات والاستقرار.

الوجود لذاته: وهو الوجود الإنساني الذي يختلف عن عالم الأشياء الخارجية والتي تتحدد ماهيتها منذ وجودها، وجوهر الاختلاف يكمن في أن ماهية الذات البشرية لا تتحدد قبلا، إنما يسعى الإنسان باستمرار لإكمال ذاته والتعبير عن نفسه بما يلائم رغباته وحاجياته، فهو ليس عبارة عن معطى ثابت ونهائي بل حياته عبارة عن مشروع تتكفل الذات بهندسته على نحو متميز يكسبها صفة الاستقلالية والاختلاف عن غيرها من الذوات. ومن هنا رفض الوجوديين الصورة المثالية عن الإنسان التي تنسج على منوالها كل الذوات البشرية أو تروم كل نفس تحقيقها، فلا وجود لطبيعة بشرية تفرض منذ الأزل إنما الوجود الحقيقي للإنسان كونه حر في تصرفاته وخياراته.

الوجود الاجتماعي: حيث يفترض سارتر أن وجود الغير شرط لوجود الذات التي يتعذر عليها العيش في معزل عن الآخرين لأن ذلك بحسبه يعني الهلاك، وهو بذلك يؤسس لفلسفة "النحن" التي تلغي الحدود الفاصلة بين الأنا والغير ويرفض التسليم بالأنا وحدية المنعزلة عن الآخرين فوجودي العميق كما يقول يوجد "خارج ذاتي فلست أنا نفسي غير إحالة خالصة للغير، فذاتي تفر مني صوب الآخر وبذلك أكون مفصول عن ذاتي بعدم لا أستطيع ملأه إلا بالغير"، وبذلك يكون مناقضا لفلسفة "الهم" عند هيدغر الذي يميز بين الوجود الذاتي والوجود الجمعي هذا الأخير الذي يستغرق الذات ويحول الفرد إلى ذلك الواحد الذي هو لا أحد وهو ما يؤدي في نظره إلى سقوط الذات في العالم. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا السياق أن سارتر يعتبر الآخر جحيم يسلب الذات حريتها ويحيلها لموضوع له، فالآخر بحسبه "يعريني ويفضح وجودي ويمزق كياني" وهذا كله لا يلغي حقيقة حاجة الأنا للآخر حتى يكتمل وجودها ووعيها بذاتها، وهذا الاتحاد بين الذوات يفرز لنا تكتلات وتجمعات بشرية قد تكون في شكل تكتل قومي أو حزبي أو وطني أو رياضي ...الخ ويميز سارتر في هذا المقام بين نوعين من الوجود هما: الوجود مع الغير ويقابله التجمع، والوجود للغير ويقابله الجماعة، وهذا ما نفصل فيه فيما يلي:

أولا: التكتل التجمعي:

وهو الوجود الذي يكتفي فيه الفرد بالوجود مع الغير أو إذا شأنا تقريبه بصيغة مفاهمية مغايرة بالقول التواجد مع الغير، وهي عبارة تحيلنا إلى المستوى الأنطولوجي حيث يكتفي الكائن البشري بالعيش وسط أقرانه مع انتفاء وجود رابطة علائقية اتصالية تواصلية تفاعلية تتجاوز حدود الواقع اليومي، والحياة الجارية بمشاكلها الجزئية وطابعها البليد الرتيب الخالي من روح التأمل والتدبر، والساعية لتبني أهداف أبعد من توفير متطلبات الحياة اليومية. وهذا النمط الحياتي الدائر في حلقة مفرغة تكتمل دورتها عند حد الحياة البيولوجية للكائن بتوفير ما يحقق له البقاء في عالم الأحياء، هو ما يسميه سارتر بالتجمع أو السلسة (léçollectif) وهذا الشكل من الوجود يقابله فكرة الحشد عند كيركجارد أو الجمهور عند هيدغر أو القطيع عند نيتشه. والتجمع كما يورده سارتر هو عبارة عن مجموعة من الأفراد لا تربطهم أية أهداف مشتركة بعيدة المدى، بل يجتمعون للحظات مؤقتة ولظروف طارئة ومتغيرة، مثل طابور الأتوبيس أو الميترو فالكل يجتمع في فضاء موحد، غير أن كل واحد منهم يجد في الآخر منافسا يحاول استبعاده ليحل محله وفي النهاية كل سيتوقف عند محطة معينة ويسير في اتجاه مغاير للآخرين، مما يجعل هذا التجمع آني سلبي غير فاعل وغير واعي وقد أفرد سارتر جملة من السمات والخصائص التي تطبع هذا التجمع وهي العزلة، الهوية الآخرية، والتبادلية.

أما العزلة في هذا الشكل الاجتماعي فهي تلك الحالة التي يعيش فيها الأفراد وهم عبارة عن ذرات منفصلة، كل منهم يتقوقع في عالمه الخاص، والناس في عملية التذري (atomisation)هذه وهو الاسم الذي يطلقه سارتر على الحالة البشرية مشتتة الأواصر متناثرة الأطراف، يكونون أشبه بالأدوات التي توضع جنب إلى جنب في صندوق واحد، يمكن أن تستخدم كلها لتصليح وترقيع أشياء كثيرة أي تغيير العالم المحيط بها لكن هي نفسها غير قادرة على القيام بشيء أو الشروع في أي عمل، وبذلك تكون الخاصية الجوهرية للتجمع أن الناس يوجدون جنبا إلى جنب دون أدنى إحساس بالاجتماع أو بالرابطة الجماعية (communate) ، فهم ليسوا إلا مجموعة من الأفراد المنفصلين يجسدون مبدأ التخارج أي الوجود خارج الذات (etre horde soi) والمقصود هنا الفضاء العام الذي تتشارك فيه الذات وجودها مع الغير باعتباره شرط ضروري حتى يحصل للذات إدراكها ووعيها لذاتها، لكن هذا التلاقي بين الذوات في هذه الحالة يأتي في شكل انعزالي تفردي يفتقر لروح الاتحاد الإيجابي، فالأفراد هنا كما يشير سارتر يكونون متوحدين في الانفصال، وفي موضع آخر يطلق عليها العلاقة التسلسلية في الغياب وقدم بشأن ذلك مثال توضيحي لتقريب الفكرة و اختار عينة من التكتلات التجمعية من قبيل مستمعي الراديو أو متصفحي جريدة، فهم يتلقون خبر موحد لكن في أماكن مختلفة ووفق فهم مختلف يتحدد بمستواهم الثقافي والسياسي والاقتصادي ...الخ وتبعا لذلك تكون ردود أفعالهم متباينة تتماشى ومستوياتهم أو ظروفهم أو قدراتهم العلمية والعملية.

في حين تأتي سمة الهوية الآخرية أو الهوية الغيرية إذا شئنا التنويع في التوصيف، مكملة لفكرة العزلة وتصب في ذات المعنى، حيث يحدد سارتر مدلولها في القول بأن الناس وفق هذا الوضع الساري والذي أصرفنا الجهد للتدليل على ماهيته يكونون متحدين في انفصالهم ولكل منهم غايته الخارجية، واستتبع سارتر حديثه في هذا الشأن بالتأكيد على أن المجال لا يتسع في هذا النوع من التجمع البشري للفروقات الفردية، فالامتياز في التجمع لا يعد ذات قيمة، وملكة الذكاء وروح التفرد ليس مما تستدعيه حالة التجمع، فكونك ذات مستوى معرفي مقتدر أو فاقد لأبسط أبجديات المعرفة لا يشكل أي فارق ولا تعطى له أي أهمية. وهذا ما أشار إليه و أمعن النظر فيه في كتابه "جلسة سرية"، وطبعا قد تبدو الفكرة مما يستسيغه الطبع البشري الميال لإفشاء المساواة بين البشر والاذعان لروح الجماعة والتماهي الكلي فيها، وهذا ما يرفضه سارتر ويعتبره سلب للحرية الفردية واستلاب للذات الإنسانية ،وقد يبدو هذا الغشاء الهلامي الذي يكون وجهه بارز على الجهتين والذي يغطي فلسفة سارتر مداعاة للتشكيك فيها لما يبدو عليها من تناقض وتلاعب فكري، إلا أن الأمر أبسط مما يبدو عليه من تعقيد، وهو أن الفروقات الفردية في تجمع يغيب فيه الاتحاد بين الذوات ويفتقر لهدف جامع بينها لن تكون ذات فاعلية وتكون أقرب لشخص يدق مسمار في الهواء. وهنا تكون الفوضى هي التي تسود وتأطر الكيان الوجودي العام لهذا النوع من التكتلات المجتمعية.

وكنتيجة حتمية لهذه الفوضى تصبح سمة التبادلية أو ما يسميه إمكان التغير المتبادل ذات مشروعية وتدخل حيز التنفيذ بشكل تلقائي بحيث يكون هناك إمكانية للتبادل والتغير المشترك بين أعضاء التجمع دون أن يحدث ذلك أي اختلال طالما أن كل واحد في هذا التجمع ينظر إليه على أنه زائد بما أن حضوره أو غيابه ليس بالأمر الذي قد يخرب النظام العام الذي ليس له وجود من الأساس. كما أن الإنسان هنا هو ذلك الفرد العام (individu général) أي أنه فرد ليس له أي خواص نوعية شأنه شأن غيره من الأفراد، ولا أهمية للفرد هنا إلا بوصفه جزء من كل يمكن استبداله بغيره دون شرط أو قيد، وذلك مما تفرضه روح التساوي التي تسود التجمع، وإلغاء للقدرات الفردية المتميزة، والتخندق في جوف الذهنية الجماهرية العاطلة عن الإبداع والتميز، التائهة في رحاب عالم ليس له آخر، والفاقدة لبوصلة تحدد لها الوجهة وترشدها لبر الأمان، فالشمس لا تعود ذات قيمة بالنسبة لشخص معصوب العينين.

وهنا تستوقفنا فكرة قد تبدو غير مفهومة بين دعوة سارتر للاتحاد بين الذوات كشرط لازم لتحقيق الوجود الفعلي للأنا من جهة، وتشديده على ضرورة التعميق من الفروق الفردية من جهة أخرى، أي أن الفردانية وفق هذا الطرح هي السمة البارزة التي تسهم في تشكيل تكتلات تكون ذات فاعلية، والأصح هنا أن الفردانية ذات المشروعية بالمعنى الذي يقصده سارتر تلك التي تتجاوز الأنانية الشخصية، ولا يكون لها مدلول مغاير غير ذلك الذي يصب في جعلها ذات قيمة إذا ما حرصنا على التنويع في القدرات وإثراء الإمكانيات بغية تحقيق المصلحة العامة.

هذا التقديم التفصيلي الذي أورده سارتر لحال الشعوب الفاقدة للفاعلية يحيلنا على سبيل الإسقاط إلى المجتمعات العربية وما شهدته في الآونة الأخيرة من حراك شعبي وصف على أنه ثوري، اعتبره البعض ربيع عربي واستفاقة عربية من سبات عميق طال أمده للاندماج مرة أخرى في الدورة الحضارية والصيرورة التاريخية، في حين اعتبره البعض الآخر ارتطام بجدار أحلامنا وأوهامنا المتكدسة الذي عليناه لحد تعذر علينا تجاوزه. فهذه الثورات العربية هي أقرب إلى حالة التجمع التي قدمها سارتر، وتنطبق عليها جل سماته، لكونها جاءت كمحاولات منفصلة غير مبنية على فكرة التشاركية في الأهداف والمقاصد، فالهم الأوحد الذي استعبد الجماهير هو تحسين الظروف المعيشية وتحقيق الحد الأدنى لمتطلبات المواطن البسيط، وكل ذلك يفترض الرفع من مستوى الدخل الفردي ورفع سقف العائدات الفردية، أي أن القوى الدافعة للثورة تتوزع على نحو عشوائي يتماشى ومتطلبات الفرد والتي لا تتجاوز حدود ظله. مما يجعل هذه الثورات تتبنى رؤية أحادية تختزل مقاصدها في التصور الفرداني الشكلاني، بتركيزها على الفرد لا الجماعة، وانشغالها بالمستوى المعيشي لا الفكري، والانصراف لتحقيق أهداف وقتية ترتبط بالمسار العام للحدث أكثر مما تخدم المحدث لها نفسه.

ثانيا: التكافل الجمعوي:

لم يتوقف سارتر عند حد الهدم دون البناء، ولم يكتفي بنقد الحالات التجمعية التي يغيب عنها الوعي وتفتقر للفاعلية، بل قدم قراءة تجديدية تحمل معها تصور فلسفي يتلاءم والنسق المجتمعي المعاصر، فقد صرح بوجود إمكانية لتجاوز الوضع الجاري حيث أكد أن التجمع قد يتحول للجماعة متى أبدى الشعب رغبة في ذلك، ومتى تسلح بالإرادة والقوة لمجابهة القوى التي تزعزع تكتله وتفرق شمله، الأمر الذي يؤدي إلى إبدائه لآراء وتبنيه لمواقف منعزلة فاقدة للفاعلية، كما ويعجز عن الفهم العميق للسياسات المبطنة الحاملة لمساعي مستترة تفرضها دواعي ربحية، والتي كثيرا ما تلهيه وتختزل وجوده في حيز ضيق وهو الانهماك في حيثيات الواقع اليومي والسعي لتحقيق القدر المتيسر من الرفاهية والاستقرار، والتي غالبا ما يتلقاها في شكل ذبذبات متقطعة لا يتسنى له وصلها وفهم فحواها إلا في ضوء رؤية شاملة تتحد فيها القوى العامة للشعب. وللتدليل على ذلك استشهد بالثورة الفرنسية حينما تحولت الجموع إلى هيجان ثوري واتحدت أهدافهم وغاياتهم لإسقاط الحكم الملكي الذي كان ينتهج سياسة تسلطية قمعية أنهكت كاهل الفرد، فشعور الناس بالضعف إزاء النظام الحاكم وبخطر يهدد وجودهم يدفعهم إلى تشكيل جماعات سياسية لها أهداف مشتركة قد تقوم بثورة لتحقيق مطالبها وتلبية حاجاتها، وقد نسوق على ذلك العديد من النماذج الثورية التي عرفها التاريخي الإنساني، التي استطاعت أن تقف في وجه كل صنوف الاستعمار المباشر منها وغير المباشر، المادي منها والمعنوي، وما كان لها تحقيق ذلك إلا بتوحيد القوى الشعبية بتوحيد الأهداف والغايات.

ومن هنا تبرز فكرة سارتر عن الجماعة التي يقصد بها ذلك الاتحاد الذي يحتضن مجموعة من الأفراد المنتمين لشرائح مجتمعية متباينة على أنهم يمتلكون هدفا مشتركا ويجمعهم ذات المصير مثل أي تكتل حزبي أو طبقي، وهي آلية وجودية تنقلنا للمستوى الثاني المقابل للمستوى الأنطولوجي وهو المستوى الإبستيمولوجي الذي يتجاوز حقيقة الوجود مع الغير إلى الوجود من أجل الغير، أو ما يمكن تسميته إذا ما حاولنا إعطاء المصطلح صبغة وجودية تحاكي النسق العام للفلسفة السارترية، وهو التوجيد للغير بمعنى السير في سياق مغاير للمستوى الوجودي الأدنى، حيث ينتقل الفرد إلى مستوى وجودي أعلى أي الانتقال من وضعية العيش مع الغير إلى التعايش معه، من العزلة إلى الاتحاد، من مجال الحياة اليومية المنغلقة إلى مجال الحياة الفكرية المنبسطة، من الوجود الأقرب إلى الوجود الأبعد، من التجمع إلى الجماعة وكل ذلك يشترط توفير فضاء عمومي يتشارك أفراده ذات المصائر والمصالح.

وما يدفع الناس لهذا الاجتماع حسب سارتر فكرتين أساسيتين هما: الندرة ويستخدم اللفظ هنا بمعنى الحاجة والخطر أي أن الإنسان مفروض عليه خلق جو من العيش المشترك، بحكم أن وجوده لا يكتمل إلا وهو مقرون مع وجود الآخر. والأكيد أن هذا الوجود ليس بالمعنى السطحي الوقتي كما اعترضنا ذلك مع فكرة التجمع بل يكون أعمق من ذلك وأبعد مدى، فالإنسان الذي يعرف على أنه كائن مدني بالطبيعة يعيش في جماعات لا يأتي من قبيل سرد لصفات مجردة بل يدخل في عمق التجربة الوجودية له، فهو في حاجة دائمة لوجود الآخر الذي يثري وجوده بتلبية حاجاته وإعطاء المعنى لحياته، والأهم من ذلك يوفر له الحماية مع ما يستتبعها من شعور بالأمان والاستقرار. ونظرا للأهمية التي يعطيها سارتر لفكرة الجماعة فإنه مما يفرضه المنطق العقلي أنها لا تقوم على فراغ، إنما تتأسس على مقومات لخصها سارتر في صيغ ثلاث هي: العهد (assermentation) ، العنف، الرعب (terreur).

بحيث أن الجماعة تتأسس في الأصل حين يتعهد كل فرد أن يصبح عضوا فيها، ولا يخرج عليها ويخون عهده، هذا العهد أو ما يمكن تسميته أيضا بالقسم هو أشبه بتأشيرة تتيح للفرد الانضمام للجماعة، والأكيد أن هذا العهد لا يكون على هيئة موحدة عند كل جماعة وغالبا ما يكون لكل واحدة منها طقوس خاصة تلتزم بها دون سواها على أن وظيفته ثابتة والغرض منه مما تتفق عليه كل جماعة. وهو حسب سارتر من الأمور الأساسية الغير قابلة للاستبدال أو الاستغناء، فهو ليس بذلك الإجراء الروتيني أو الخاصية المتوارثة التي تسري عليها الجماعة بحكم العادة أو تجميد مفعوله بتحويله لمراسم شكلية، بل هو برتوكول رسمي لا يمكن خرق بنوده أو المساس بها لأن ذلك مما يضعف الجماعة وينذر بزوالها.

أما العنف فهو من الآليات المشروعة المتبعة من قبل الجماعة لتضمن استمرار هذا العهد وبالتالي استمرارها، فالعنف هنا يأتي بالمعنى الإيجابي، أي عدم اللجوء للعنف من أجل العنف وذلك بالتعدي على الأشخاص إن كان معنويا أو ماديا بهدف التسلط عليهم، أو أن يكون مجرد حالة طبيعية ناتجة عن الدور القيادي الذي يتبناه بعض الأطراف، والذين يخولون لأنفسهم التصرف بحرية وعلى نحو اعتباطي في اتخاذ قرارات تعسفية في شأن بعض القضايا أو التحكم في مصير بعض الأفراد. إنما دور العنف في هذا المقام ردعي يساهم في الحفاظ على تماسك الجماعة بضمان عدم التعدي على أفرادها أو التمرد على قوانينها، في مقابل ضمان الانصياع لأوامرها والالتزام بتعاليمها. وهذا النوع من العنف يتجسد في أسمى تجلياته في الدولة التي يكون من مهامها الحفاظ على كيانها وفي سبيل تحقيق ذلك تلجأ لاستخدام العنف بنوعيه الرمزي والمادي، والأكيد أن تشديد سارتر على العنف كوسيلة ناجعة تضمن بقاء الجماعة ليس من باب التحريض عليه أو تبرير العنف الإجرامي الذي ينتهج سبل وحشية ويميل للتعذيب غير المبرر فيؤول بذلك إلى حالة مرضية مستعصية يفترض علاجها، والأصح أنه أسلوب ردعي قمعي يسعى للحد من الخروقات والتجاوزات اللانظامية.

أما الرعب أو الخوف فهو ليس أكثر من نتيجة حتمية للسياسة المنتهجة من قبل الجماعة القائمة على الصرامة في اتخاذ الإجراءات الردعية في حق الخارجين عنها، وبالعودة إلى نقطة البدء التي ينطلق منها التأسيس الفعلي للجماعة، والتي تشكل في الوقت عينه أحد الدوافع الأساسية لقيامها نجد أن الخوف هو الذي أنشأ الجماعة وهو الذي يحافظ على استمراريها، فالخوف وفق المعنى الأول أي باعتباره منشئ للجماعة يأتي كمرحلة قبلية أي قبل الدخول في نظام الجماعة، ويقصد به تلك الحالة الشعورية التي يحملها كل فرد في ذاته والتي تختلف درجاتها بحسب الأحوال والأغراض، أي تلك الحالة من التوجس الدائم الذي يرافق نمط الحياة المنعزلة بالانكباب الأعمى على الذات وترك مجالسة الناس والتعايش معهم، لأن هذا النوع من الوجود يؤدي إلى اندثار الذات على المدى البعيد، فعندما أحيا منعزلا مسجونا داخل الوعي الذاتي "أصاب بالعفن والإهمال والإحساس بالهلع، ولا أشعر إلا بالبلاهة والتفاهة والسطحية" كما عبر عن ذلك "هيغل". وهذا ما يدفع بالأفراد إلى تكوين كيانات مجتمعية للتخلص من هذه الحالة التي تورث القلق والخوف من الوحدة وخوض غمار الحياة دون مساندة الآخرين. أما الخوف بالمعنى الثاني أي باعتباره محافظ على استمرارية الجماعة والذي يأتي كمرحلة بعدية أي بعد الدخول في الجماعة، هذه الأخيرة التي تمارس ضغط على الأفراد بفرض عقوبات صارمة في حق من ينقض العهد الذي سمح لهم أن يكونوا أعضاء فيها إذا ما تم تجاوز الضوابط التي تحكم النظام العام لها، الأمر الذي يولد الخوف والذعر لديهم نتيجة التفكير المستمر في العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن الإخلال بقوانين الجماعة، مما يجعل الولاء لها أمر مطلق مسلم به بشكل قطعي، لأن الخروج عنها يعني الانتقال إلى عالم الأموات بطريقة آلية.

وما وصل إليه سارتر بعد عملية تشريحية لجسد المجتمعات البشرية، هو تأكده على أن أكثر هذه المجتمعات وعيا وفاعلية هي تلك التي تحقق التوحد بين الجماهير، وذلك بالانتقال من براديغم التجمع إلى براديغم الجماعة التي تتأسس كما تبين لنا ذلك فيما تقدم من تحليل على مجموعة من المقومات، والتي قد تبدو مغالية في الصرامة وقد تعتبر لدى البعض منافية للطبيعة الإنسانية التي تنفر من استخدام العنف بما يحمله من ترعيب وتخويف، وقد تدعو بعض الأصوات المنددة لفكرة الجماعة بالمعنى السارتري إلى انتهاج سياسة مغايرة تمكننا من تحقيق الوحدة وذلك من خلال استدراج الجماهير واستمالتهم بطرق سلمية تبتعد عن الخشونة وتميل لليونة التي تلائم الطبع البشري، إلا أن إمكانية بناء مجتمعات متماسكة مؤهلة لدفع الأمة نحو التقدم والتطور لا تتحقق إلا في ظل الاتحاد بين كل الأطراف، وتظافر كل الجهود ، واتباع لسبل منهجية مدروسة تذوب فيها المصالح الشخصية لصالح الكيان المجتمعي العام، الأمر الذي يقضي على العديد من الظواهر الاجتماعية مثل المحسوبية والرشوة التي أرقت المجتمعات العربية وكانت سببا في اخفاقها الحضاري وذلك راجع إلى توكيل المهام لغير أهلها ومنح السلطة والقرار في يد جهالتها. وكل ذلك كان نتاج لغياب الصرامة والقوة التي تتكفل بتنظيم المجتمع والتحكم فيه وتوجيه أفراده بما يحملونه من مؤهلات ومقدرات إذا ما تم استغلالها وضبطها بالشكل الصحيح يتحقق للأمة التطور والازدهار، وذلك كله لا يكون متاح إلا في ظل ما يسميه سارتر بالجماعة المنصهرة (le groupe en fusion) أي العمل على صهر كل الإمكانيات في بوتقة واحدة تشكل توليفة مجتمعية واعية وفاعلة تسير بالأمم نحو التقدم والتطور.

 

بقلم: ناصري خديجة – الجزائر

 

 

علي رسول الربيعيالكلاسيكية المحدثة هي التسمية الشائعة في الأوساط الفكرية لمدرسة فلسفية جديدة أو لاتجاه فلسفي معاصر يعتبر الفيلسوف الفرنسي ألآن باديو أبرز ممثليه حاليا. وتعد الكلاسيكية المحدثة اتجاها مختلفا في طريقة تناوله ومعالجته لقضايا ومشكلات الفلسفة المعاصرة عن المدرسة التفكيكية (جاك دريدا)، والأركيولوجية الحفرية (فوكو)، والتأويلية (ريكور). ومعروف أن باديو أخذ شهرته الفلسفية الواسعة من خلال كتابه بيان من أجل الفلسفة ، الصادر عام 1988 ؛ إذ حاول فيه إرساء تقاليد البيان والتبيين والإبانة عن استقلالية النص الفلسفي رغم كل محاولات إدماجه في العلوم الاجتماعية أو السياسة والأدب.

لقد حاز باديو علي موقع بارز في خريطة الفلسفة المعاصرة عموما، وفي المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر، خصوصاً، ممثلاً في كبار فلاسفته أمثال جيل دولوز وفرانسوا ليوتار وآخرين، من خلال كتابه الأخير ''الكينونة والحدث'' الذي يعدُّ نسقاً فلسفياً قائماً علي الرياضيات حيث اعتبر في الأوساط الفكرية حدثاً فلسفياً هاماً لما يحمله من جدة وطرافة في الطرح الفلسفي والطريقة الجديدة في مقاربة المقولات والأفكار الفلسفية المتداولة علي ساحة الفكر الفلسفي؛ إذ انخرط باديو في بحثه الفلسفي عن مجريات وطرق ريضنة الكينونة والانفكاك، في الوقت نفسه، عن كل نمذجة يمكن أن تكون لاهوتية أو مفارقة تعد ميتافيزيقية، وكذلك لدخوله النقدي المتميز علي تراث الفيلسوف الألماني مارتن هُُيدجر.

الهذيان الأخلاقي

لقًد تجاوز باديو في كتابه ''الكينونة والحدث'' الكثير من حالات التأرجح والتضارب التي لازمت فلسفة هيدجر، خصوصاً في بنية مؤلَّفه الأساس والضخم ''الوجود والزمان''؛ ولكن رغم ذلك تظل فلسفة باديو ذات أسلوب فلسفي صعب من الناحية المضمونية وشكل كتابي وعر من الناحية الفنية حتي للمتخصصين.

إن ما يعطي طروحات باديو الجدَّة والابتكارية هو ما طرحه في كتابيه الآخرين والمؤسسين أيضا للكلاسيكية المحدثة وهما ''صخب الوجود'' و''ضد الهذيان الأخلاقي''؛ الناتجة عن تحليلاته الذكية لنص دولوز الشهير ''ما هي الفلسفة؟''، بطريقة جمعت منهجياً مجمل فكر دولوز.

ومعروف أن دولوز أعتبر، في هذا الكتاب، التفلسف فن اجتراح المفاهيم والقدرة علي ابتكارها. لقد أعطت هذه القراءة شهرة واسعة لباديو وزوَّدته بمفتاح الدخول لنصوص دولوز وتفكيكها؛ ثم إن موت دولوز، بعد فترة صداقة قصيرة بين الفيلسوفين، فتح الباب واسعاً لبروز باديو، ولاستثمار كامل لمشروعه الفلسفي ومفارقاته المترادفة. وعموما يمكن القول إن باديو ينتظم في خط الفلسفة الحيوية من نيتشه إلي دولوز. ويمكن إجمال فلسفته في مفهوم ''الكلاسيكية المحدثة'' وذلك من خلال وضعها بصيغة معادلة تعطينا صورة عن موقع تفكيره الفلسفي في سياق تاريخ الفلسفة، وهي: هيدجر ـ دزاين + رياضيات = باديو. وهذا ما يكشف مقدار وعمق الصلة التي تربط باديو بالفلسفة الهيدجرية.

إن مفهوم باديو للإشكالية الفلسفية المعاصرة، وطريقة تعامله مع القضايا المطروحة علي الفكر الفلسفي المعاصر، تظهره ولأول وهلة وكأنه مجرَّد أرثوذكسي هيدجري؛ فهو يدافع عن أطروحة هيدجر الأساسية نفسها، والتي تعتبر التفلسف هو ما يتعلق أساساً بالقدرة علي تحديد وتعيين السؤال الانطولوجيا. لكن التمعُّن والفحص الدقيق لفلسفة باديو يكشف لنا أوجه الاختلاف والتمايز بين هذين الفيلسوفين. ففي طرحه للسؤال الأنطولوجي لا يكرِّر باديو طريقة هيدجر نفسها في معالجة سؤال الوجود في صيغته: ماذا يعني الوجود كوجود؟ إذ يحاول، ومنذ بداية كتابه ''الكينونة والحدث''، أن يميز نفسه عن أسلوب وطريقة هيدجر رغم التشابه الظاهري بينهما واشتراكهما في البحث عن الوجود من خلال البدء بالسؤال الأنطولوجي.

إن أي موقف تقييمي لفلسفة باديو يكشف لنا أنه لا يمكن تحديد مكانتها من خلال مجريات نقده العميق لأُسس فلسفة هيدجر متمثلة بالسؤال عن الوجود، ونسيان الكينونة، وخصوصية الوجود الأنطولوجي للدزاين ''الموجود ـ هناك'' فقط ؛ بل من خلال السعي الدائم والبحث المتواصل عن إمكانات أخري وطرق مختلفة للتفكير الفلسفي، مثل استعادته وتجديده للأسس العقلانية للفلسفة بواسطة التفكير الرياضي.

الكينونة

يقدِّم باديو، إذن، نظاماً فلسفياً ينطلق من مقدمة أولية وأساسية هي أن الأنطولوجيا ليست إلا رياضيات، وأن الرياضيات هي علم التعددية؛ والوجود ليس إلا تعددية محضة فعليه الرياضيات هي علم الوجود.

وأن الرياضيات في نظر باديو ذلك العلم الدقيق المعبر عن الحيادية المطلقة التي تتمتع بها الكينونة؛ ومن هنا يأتي سياق اهتمامه الدائم وتحليلاته المستمرة للأفلاطونية التي يعدّها أول فلسفة وحَّدت الكينونة بالرياضيات وأيضاً، ظلَّت معينهُ الأول الذي تجد فيه معاني الكينونة والفكر، والرياضيات نفسها أشبه بتنويعات علي الوحدة الأنطولوجية المأمولة دائماً؛ فباديو، وفي قراءته لأفلاطون، يرفض الرأي القائل بأن الأفلاطونية مهَّدت لحصول المفارقة اللاهوتية، من خلال فكرة المُثٌل المفارقة للفكر الذي يتأمَّلها حيث يقول في كتابه (بحث مقتضب حول أنطولوجيا انتقالية ،1989): إن الهمَّ الأساسي لأفلاطون هو الإعلان عن الهوية المحايثة والانتماء المشترك لكل من المُدرِك والفكر الُمدرَك، وعن تناسقهما الأنطولوجي جوهرياً، وأن العين أو (ذات النفس) هي في الوقت نفسه التفكير والوجود، وبقدر ما تلامس الرياضيات الكينونة فهي جوانياًتعدُ فكرا، وبالتبادل بينهما، في حال أعتبار الرياضيات فكراً، فإنها تلامس الكينونة عينها.

ما يمكن أن نصل إليه من قراءة نصوص باديو إنه يُعد هيدجر آخر فيلسوف يقدِّم رؤية كلية. وأن الرياضيات والمنطق هما ما يحفظا شكل العقلانية العلمية، وإن الفلسفة الكلاسيكية الجديدة هي فلسفة ما بعد ديكارتية، وما بعد كانتورية، ويمكن تشكيلها بالطريقة التالية : الحداثة + الكلاسيكية = الكلاسيكية المحدثة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنيشير مصطلح الغائية (Teleology) الى سبب او توضيح لشيء ما في انجاز هدفه او غايته. انه مشتق من كلمتين يونانيتين هما تيلوس (الغاية) و لوغوس (السبب او التوضيح). الغاية التي تُفرض عبر استعمال الانسان تسمى غاية خارجية extrinsic مثل استخدام الكأس . اما الغائية الطبيعية فهي شائعة في الفلسفة الكلاسيكية لكنها مثيرة للجدل اليوم وهي تزعم بان الوجودات الطبيعية ايضا لديها اهداف باطنية او داخلية intrinsic بصرف النظر عن رأي الانسان فيها او استخدامه لها. فمثلا ارسطو ادّعى بان الغاية الباطنية لجوزة البلوط هي ان تصبح شجرة بلوط كبيرة.

ومع ان الذريين القدماء رفضوا فكرة الغائية الطبيعية لكن التفسير الغائي للطبيعة اللا انسانية او اللا شخصية جرى استكشافه والقبول به في الفلسفة القديمة وفلسفة القرون الوسطى، غير انه جوبه بالرفض في العصر الحديث (1600-1900). وفي اواخر القرن الثامن عشر استخدم عمانوئيل كانط مفهوم التيلوس كمبدأ تنظيمي في كتابه (نقد الحكم)، كذلك كان التيلوس اساسيا في فلسفة هيجل التأملية.

لازال الفلاسفة والعلماء المعاصرون يناقشون ما اذا كانت قصة التيلوس مفيدة ودقيقة في عمل الفلسفة والعلوم الحديثة. فمثلا، في عام 2012 اقترح توماس ناجل تفسيرا غير داروني للتطور يدمج قوانين تيلولوجية طبيعية في تفسير وجود الحياة والوعي والعقلانية .

في الفلسفة الغربية نشأ مفهوم التيلولوجي في كتابات افلاطون وارسطو.الأسباب الاربعة لأرسطو تولي اهمية خاصة لـ "السبب النهائي" او الغاية لكل شيء. هو هنا يتبع افلاطون في رؤية الهدف في كل من طبيعة الانسان وما دون الانسان.

افلاطون

في حوار فيدو لافلاطون، يجادل افلاطون من خلال سقراط بان التفسيرات الحقيقية لأي ظاهرة فيزيقية يجب ان تكون غائية. هو يأسف على اولئك الذين فشلوا في التمييز بين الاسباب الضرورية للشيء والاسباب الكافية وقد اطلق عليهما تباعا بالاسباب المادية والنهائية(فيدو، ص 98-99).

هنا يجادل افلاطون بان المواد التي يتركب منها الجسم هي شرط ضروري لحركته وفعله بطريقة معينة لكن تلك المواد لا يمكن ان تكون شرطا كافيا لحركته وفعله(الشرط الضروري يجب ان يكون حاضرا في الحدث لكي يحدث لكنه لا يزود سببا كافيا لحدوث الشيء، اما الشرط الكافي هو الذي يصنع الحدث) . فمثلا اذا كان سقراط جالسا في احد سجون اثينا فان مرونة الاوتار المربوط بها هي التي تسمح له بالجلوس، وبهذا فان وصف فيزيقي لأوتاره يمكن طرحه كشرط ضروري لفعل الجلوس الذي كان فيه (فيدو، ص996). غير ان هذا الشرط هو فقط شرط ضروري لجلوس سقراط. لكي نعطي وصفا فيزيقيا لجسم سقراط هو ان نقول بان سقراط جالس، لكن هذا الوصف لا يعطينا اي فكرة لماذا الجلوس وليس عدم الجلوس في المقام الاول. لكي نقول لماذا هو كان جالسا بدلا من عدم الجلوس علينا ان نوضح ما هو الشيء الخير او الجيد في جلوسه. لكي نعطي توضيحا لشيء ما علينا ان نقرر ما يتعلق بخيريته. خيرية الشيء هي سببه الحقيقي او غرضه (Timaeus 27d 8-29a ).

ارسطو

بنفس الطريقة، جادل ارسطو بان ديمقريطس كان خاطئا في محاولته اختزال كل الاشياء الى مجرد ضرورة لأن عمل كهذا يتجاهل الهدف او النظام او السبب النهائي الذي خلق هذه الشروط الضرورية:

ديمقريطس يتجاهل السبب النهائي، يختزل كل عمليات الطبيعة بالضروري. الان هي ضرورية، ذلك صحيح، ولكن لاتزال هي لغرض سبب نهائي ولأجل الأحسن في كل موقف. وهكذا، لا شيء يمنع السن من ان يتشكل بهذه الطريقة ولكن ليس بسبب هذه الاسباب وانما بسبب الغاية ... (ارسطو، اجيال الحيوانات V8,789a8-b15).

في الفيزياء رفض ارسطو افتراض افلاطون بان الكون خُلق بمصمم ذكي مستعملا اشكالا خالدة. ارسطو يرى ان الغايات الطبيعية يتم انتاجها بواسطة "الطبيعة"(مبادئ التغيير هي داخلية للكائن الحي)، والطبيعة كما يرى ارسطو لا تتأمل .

هذه الآراء الافلاطونية والارسطية هي في تصادم مع تلك الاراء المبكرة لديمقريطس ولاحقا للكروتوس اللذين كانا يؤيدان ما يسمى حاليا بالمصادفة accidentalism:

لا شيء في الجسم يُصنع لكي نستعمله. ما حدث لما يوجد في الجسم هو سبب استعماله (Lucretius. on the nature of things.,IV,833)

المعارضون

منذ فرنسيس باكون، جرى عمدا تجنب التفسيرات التيلولوجية في علم الفيزياء لمصلحة التركيز على التفسيرات المادية والفعالة. السببية النهائية اعتُبرت زائفة او ذاتية جدا.

بعض الحقول خاصة ضمن البايولوجيا التطورية تستمر باستخدام لغة تيلولوجية عندما تصف الميول الطبيعية نحو ظروف غائية معينة. وبينما يجادل البعض بان هذه النقاشات يمكن التعبير عنها في اشكال غير تيلولوجية، آخرون يرون ان اللغة التيلولوجية لا يمكن منعها من طرح اوصافا في علوم الحياة.

الاقتصاد

لعبت غايات الانسان التيلولوجية دورا حاسما في عمل الاقتصادي لودوج فون مايسس Ludwig Von Mises خاصة في تطوير علم الباروكسولوجي. هو اعتقد بان افعال الانسان والسلوك الهادف هي افعال تيلولوجية مرتكزة على افتراض مسبق بان افعال الفرد محكومة او تنشأ عبر غاياتها المختارة، وبعبارة اخرى، ان الفرد يختار مايراه الاكثر ملائمة لتحقيق ما يسعى اليه من هدف. مايسس اكد ايضا على ان التيلولوجي المتعلق بفعل الانسان ليس مستقلا عن السببية كما يقول "لا يمكن تصميم فعل بدون فكرة محددة عن العلاقة بين السبب والنتيجة، التيلولوجي يفترض السببية سلفا".

التاريخ

عندما عرّف ارسطو التيلوس ذلك كان في سياق من الجدل الطويل في السياسة والتي كانت تشير الى الهيكل السياسي والاجتماعي لدولة المدينة. ارسطو ادّعى ان السياسة هي الميدان الاساسي لخلق السعادة الانسانية – اي ان الفرد يمكنه خلق تيلوس فقط بالمقدار الذي تسمح به بيئته السياسية والاجتماعية. هذه الفكرة كانت اساسية لدى الآباء الامريكيين المؤسسين الذين كتبوا اعلان الاستقلال القائل بان كل انسان ولد ومعه الحق في الحياة والحرية ومتابعة طريق السعادة. فكرة التيلوس اصبحت ايضا اساسية في معظم الدول الحديثة خاصة دول اوربا التي توفر الآن لمواطنيها تعليم مجاني ورعاية صحية ومساعدات اخرى.

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه تلك الدول تطور انظمة لترسيخ وتعجيل التيلوس لدى مواطنيها، برزت ثورة اخرى اعطت معنى جديدا للتيلوس وهي ثورة شارلس دارون الذي طور في القرن الثامن عشر نظرية التطور عبر الاختيار الطبيعي التي توضح بالضبط كيف ان الكائنات الحية تبدو تيلولوجية. كيف يبدو كل نوع وكل عضو في الكائن الحي يعمل لأجل انجاز هدفه الخاص.العين لكي ترى، القلب لكي يضخ الدم، الدماغ لكي يفكر، وكامل اعضاء الجسم لكي يتكاثر الكائن الحي وهو الهدف الطبيعي النهائي.

هل نظرية التطور توضح التيلوس ام تتعارض معه ؟

اذا كان هناك من يرى ان نظرية دارون توضح الغائية في الكائنات الحية فان آخرين يؤمنون بعكس ذلك بقولهم ان التطور يعمل من خلال عمليات عشوائية غير مصممة. بعض العلماء يرون ان نسبة التيلوس للكائنات الحية تشكل سوء فهم كبير للتطور وخطر جسيم على العقلانية. نسبة التيلوس للكائنات الحية يمكن استخدامها لتبرير التصميم الذكي الديني وهو انكار للعلم باعتباره الطريقة الوحيدة لإشتقاق الحقيقة الموثوقة.هم يؤكدون ان الاحياء ليس لها تيلوس، فمثلا، انت لا يجب ان تمتلك القدرة على التفكير لكي تكون ممتازا في جهودك المهنية وانما بسبب ان اسلافك تغيروا بما يكفي لتكون اكثر عقلانية من الاخرين وهذا الحدث ساعدهم في البقاء اطول ولديهم اطفال اكثر من غيرهم . امكانية العقل لخلق العلوم والتكنلوجيا او اي شيء اخر لم تكن السبب في تطورها . كل شيء تم مصادفة بفعل العمليات الميكانيكية العمياء للاختيار الطبيعي .آخرون لاحظوا بانه على الرغم من ان وظائف التكيف التطوري (مثل القلب او الدماغ) لم تتطور لتعمل كما تقوم به، لكنه من المستحيل الحديث عنها او فهمها بدون الاشارة الى التيلوس الخاص بها. لا معنى للحديث عن قدرتنا على التفكير بدون ذكر ما ننجزه لأن التطور رغم انه تصادفي واعمى لكنه يقود الى أحياء لها امكانات طبيعية معينة. فمثلا العقل يعطينا القدرة على حل المشاكل وهو ما ساعد اسلافنا على البقاء، لذا من الصواب ان يكون لدينا عقل بسبب غايته حتى لو كانت تلك الغاية ليست السبب المباشر لتطور ذلك العقل .

الفلسفة الحديثة وما بعد الحديثة

تاريخيا، يمكن تعقب التيلولوجي الى الفلسفة الارسطية.عقلانية التيلولوجي جرى استكشافها من جانب عمانوئيل كانط كما انه كان اساسيا في فلسفة هيجل التاملية ومختلف صيغ المدارس الهيجلية الجديدة والتي اعتبرت تاريخ الجنس البشري في تضاد مع دارون وايضا مع المادية الديالكتيكية لكارل ماركس وانجلس ومع ما يسمى الان الفلسفة التحليلية. نقطة الانطلاق لم تكن حول المنطق او الحقيقة العلمية وانما حول "الهوية". وعي الانسان الفردي هو في عملية من السعي لتحقيق الاستقلالية والحرية، وهو ليس لديه خيار سوى التعامل مع الحقيقة الواضحة وهي ان الهويات الجمعية مثل التعددية في الرؤى العالمية والاخلاق والهويات القومية والثقافية تقسّم العرق الانساني وتضع مختلف الجماعات في تضاد مع بعضها.هيجل تصور "الكلية" في المنافسة المتبادلة بين الجماعات في الرؤى واشكال الحياة في التاريخ كونها "انسياق نحو هدف"موجّه نحو نهاية التاريخ. التناقضات الموضوعية للموضوع وللذات سوف تتراكم بالنهاية الى شكل من الحياة يترك صراعات العنف في الخلف . هذه الفكرة التيلولوجية ذات الهدف للعملية الكلية للتاريخ تتجسد لدى العديد من كتّاب القرن العشرين رغم خفوتها الواضح بعد الحرب العالمية الثانية.

بالمقابل، التيلولوجي المرتكز على "القصص العظمى" جرى التخلي عنها من جانب الموقف الما بعد حداثوي واعتُبر التيلولوجي كاختزال واستبعاد وضرر للذين تضاءلت قصصهم او جرى تجاهلها.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي رسول الربيعيينطلق صفدي في تصوره للحداثة من مقارباتها لكينونة التراث ومحاورة ثقافته، فيري أن الحداثة في تعاطيها مع الماضي بوصفه تراثاً تضعه داخل موضوعه وخارجه في آن واحد، ذلك عندما تتجول بداوة الحداثة بين تحف التراث تلمس بعضه وتكتشف فيه راهنية ما وتأصيلاً لمقومات العقلانية الحديثة. فيتحرك جينالوجيا، أي من الحداثة إلي التراث، أبتدأٌ من مواجهة السؤال العربي للفلسفة بوصفه سؤال الكينونة والوجود وهو يدخل المجتمعات العربية من خلال هذه الكينونة (صفدي: من تأويل القراءة إلي تمعين التأويل، الفكر العربي المعاصر، العدد 54) أو من خلال العلاقة بين فكر الاختلاف والحداثة التي ترتبط في لفظتها العربية بما يحدث ويثبت بمواقعيته. تقام علاقة السؤال بالتراث من توجهه إلى استنطاق خطاب الماضي بوصفه لا يزال قادراً علي الكلام، فهو تراث وليس ميراثا، أنه ليس العودة للأصول ولكنه استنهاض لكل تلك القوة الخالقة للأصول؛ وهنا يحضر التأويل كمثاقفة حيث يتوجه السؤال إلى الأصل ليكتشف عن الفعل والقوة الخارقة التي عملت على خلق ذلك الشيء الذي صار اسمه الأصل؛ فالمثاقفة هي مساءلة التراث عن فعل الكينونة التي صيرته تراثاً من خلال استحضار القوة الخالفة له (صفدي : استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء القومي، بيروت 1986)، والتساؤل، أيضاً،ً عن معنى هذا الاستحضار لحدث انقضى وينتمي إلي الماضي والتاريخ، وعن مكانته على خارطة المعرفة، و ماذا يعني القول بأنه كان بالنسبة لحدث لا تزال نستمر في الحديث عنه؛ أن موضوع الرهان هنا هو المكانة الانطولوجية للماضي بصفته ماضياً علي حد تعبير ريكور.

جاهزية الفكر

أن أهم ما في التاريخ هي مواقعيًته وليس مجرد ماضية، "علم المواقعيًة " هذا يقدم للتاريخ أرضا لم تكن لها من قبل؛ وجاهزية للفكر هي ذلك الجسر الذي انشغلت فيه الفكرة وتم أشتغالها فيه؛ وقراءة التراث من هذه المواقعًية تعني إعادة تاريخيتة وجعله يأتي للحاضر ويلج العصر، فيجد التراث نفسه حيث انت، فالتراث لا يستطيع أن يعيد نفسه إلا مختلفاً ( صفدي: مدخل إلي علم مواقعية التراث، الفكر العربي المعاصر، العددان 68 ـ 69 ) والعودة إلي الأصول لا تعني الا تأتي بها إلى مكانك فهي تعود ولا تتكرر، وبهذا يكون للتراث جوهره الخاص ويشغل موقعاً خاصا به، وبالتالي فالسؤال عنه يتطلب الكشف عن تاريخ إقامة التراث في موقعه ذاك، واشتغاله كهاجزية في ذلك الموقع بالذات .

مواقعية التراث

يتطلب " علم مواقعًية التراث " التعامل مع الشيء حضوريا حتى يكتشف عن موقعه. أيً يتوجه السؤال العملياتي لعلم مواقعية التراث إلى حضور الشيء بالذات وكيفية تمثيل هذا الحضور الذي بدونه يسقط كل القول عن الموضوع في الأيديولوجيا ؛ فدور السؤال العملياتي الجاهز للتراث يأتي في إثبات أن موضوعه يظل عصيا علي كل تأويل مهما حول هذا التأويل أن يكون تراثاً أو يكتشف الأسئلة التراثية المناسبة لأجوبتها الكامنة في الجسد التراثي ذاته لأن التعامل مع التراث سواء كان تأويلاً أو قراءة ظاهرية فإنه تعامل يقع على روايات (صفدي : م .ن).

إذن ما معني هذا التراث ؟ هل هو الماضي كله أو بعضه ؟ أو أنه ذلك التاريخ الذي تحدده الوقائع أو تلفظه الثقافة، طبعا لا هذا ولا ذاك ليس لأن التراث نبع من المعاني لا ينضب، أو أنه قابل لتعدد الرؤي فيه، أولا يزال ما لم نفكر فيه بعد، فقد يكون كل ذلك من ممكنات معني التراث لكن يظل سؤاله يناظر أو يأتي ظلالأ لعودة ذات النفس (صفدي : م . ن). إن دور التأويل أن يعيد مساءلة التراث عما يمكن أن يعنيه من داخل الزمان الكينوني للمشروع الثقافي للأمة، فبدون هذه العلاقة لا يمكن استحضار التراث، وحتى يصير الماضي تراثا والحاضر وطنا للتراث لابد أن يأتي الماضي في الحاضر ويكون قادراً على النطق بما يعده الحاضر قابلا لسؤال الفهم ( صفدي: استراتيجية التسمية)

وهنا نصل إلى علاقة السؤال بالتأويل، فالسؤال هو المنهج والتأويل هو الرؤية التي تستخدم السؤال لاستعادة موضوعها، وباختلاف السؤال يتعدد الجواب وتقام التأويلات ويستعان بالمقاربات لتتجدد القراءة، بل تتناقض وتتصارع لتأسيس خطابها، وعلى هذا يكون موقف صفدي، هو أن سؤال المؤول عن تراثه موضوعا كينونيا لا يقتصر على جانب معرفي أو إجرائي؛ فالمؤول لا يرث ميراثاً ولكنه يستحضر تراثاً والاستحضار لا يأتي إلا نتيجة كون السؤال هو التفكير، أي تجاوز حدود الميراث وأطره نحو آفاق التراث الذي صنعه وجعل الطريق مفتوحا في الوقت ذاته نحو تجاوزه، أن الميراث يطلب الاقتداء به والانتماء إلى الاستراتيجية التي صنعته وسمًت عناوينه، فالميراث يأمرك أن تكون متقبلا له كما هو، وكمثال على الاستلهام التراثي لا الميراث هو موقف عمر بن الخطاب عندما أوقف فعالية بعض التعاليم القرآنية في قانون العقوبات الإسلامية خلال عام المجاعة، عندما منع قطع يد السارق، كان يستعد مشروعيته من التراث ولا يطبق ميراثا، كان يقيم حكومة المجتمع وشئونه، لم يكن يفرض سلطاناً للأسماء خارج استراتيجية التراث.

وعلى صعيد آخر من توظيف المفاهيم يطرح صفدي مفهوم "جدلية الانبناء" في أحد جوانب نظرته للتراث، فهناك " الانبناء للمغيوب" و" الانبناء للمجهول" كانت العلاقة مع الأول، في الفكر الإسلامي، عائقاً أمام نمو العلاقة مع الثاني، باعتبار أن الانبناء للمجهول يستفز العقل ليتحول إلي معلوم، وهذه العلاقة هي أسس البحث عن المعرفة الإيجابية في حين أن الانبناء للمغيوب يضعك خارج المعرفي، فهناك اختلاف أساسي في استراتيجية التسمية حيث صار الغيب في الفكر الإسلامي هو الذي يسمي الأشياء، ويقيم العلاقات ( م . ن)

مشروع ثقافي

ومن هنا لم تكن العلاقتان متتابعين فيما بينهما، فالانبناء للمجهول ليست مرحلة تؤدي إلي مرحلة الانبناء للمغيوب إذ هناك فارقا في الطبيعة وليس في الدرجة بين العلاقتين، فلا تندرج أحداها في الأخرى، كما أن المغيوب لا يستوعب المجهول لذلك تقف الأولي حائلة دون بلوغ الأخرى، وحين يوضع المشروع الثقافي لأمة على طريق هذا النوع المعرفة فإنها تقصي من زمن التاريخ كما حكمت علي وعيًها بالخروج من زمن المعرفة، فليس عجبا أذن انتصار التصوف في المشروع التفافي العربي الذي كان يعني إيذانا باستقالة الوعي من دوره في تكوين الثقافة ( م . ن).

وإذا كان لنا أن نضع أيدينا حقاً على مدخل أبستيمولوجي، وفقا لصفدي، لفهم الأسس العقلية للمشروع الثقافي العربي فلابد من البحث عما يكوًن علاقة الصراع بين المجهول والمغيوب؛ تبدو هذه العلاقة واضحة في محاولة الإسلام الأولى لإعادة أنسنة المغيوب عن طريق تشريع استراتيجية متكاملة في تسمية ظواهره وأفعاله؛ فالقرآن بهذا المعني إلغاء للمغيوب وتشخيص حيً أخلاقي للمجهول، أنه طريق لإعادة الحوار مع الأسم المجهول القادر على مكالمة الوعيً عبر رموزه الإنسانية، فإن شخصية الإله المطلق،عن طريق تسمية ميزاته وأفعاله تجعل له حضوراً حيا فاعلاً بين الناس، أنه حضور لكل لحظة ودورها المرسوم من المشروع الثقافي، لكن مشكلة المغيوب يبقي لها حضورها داخل استراتيجية التسمية في القرآن واتجاهها إلى قلب المجهول إلى معلوم، ومنع المغيوب في الوقت ذاته، يبقي من خلال التحول الخطير في المشروع الثقافي العربي من الانبناء في صيغة المجهولـ المعلوم إلي صيغة الحاضر الغائب مع الصوفية.

لقد أنشدًت أواصر المشًروع الثقافي العربي في لحظة وعي لإنتاج التجربة الإسلامية على مدي خمسة قرون بين قطبين، بين منطق الكليات والاتجاه العلمي الذي ساقها فيه ابن رشد بعد أرسطو أو بين قانون العصبية على صعيد نظرية تكًون المجتمعات وانحلالها، كما وعاها ابن خلدون، وفسر بها التاريخ الذاتي للمجتمع العربي.

المشرًع والتشريع

لم يعد من الممكن، وفقاً لصفدي، فهم التاريخ العربي ومشكلة السلطة في سياقه إلا عبر جدلية (العصبية) (الأيدلوجية) كقطب، والرسالة (المشروع الثقافي) كقطب مقابل، وهي الجدلية التي راح بجسدها الصراع الداخلي في شخصية التجربة العربية الإسلامية، بين ما يصطلح عليه الصراع بين سلطة المشرًع والتشريع، بين التاريخ كتحقيق للمشروع الثقافي العربي، وبين "علم العمرن" الخلدوني بوصفه العلم الذي يعترف بقوانين العصبية كحاكمة لهذا العمران البشري وأحواله مع إمكانية قيادة هذه القوانين بما يجعلها تدنو أو تبعد عن هيمنة الرسالة وِمشروعها الثقافي للعرب والعالم في آن معاً.

تكشف هذه القراءة الجذور النسبية التكوينية بين السلف والخلف حيث يلعب فيها حد الماضي دور المنتج والمرجع والمكون( صفدي : السلف / الخلف . الفكر العربي المعاصر . العدد 47، 1987) مما ندفع بالتراث إلى تجاوز تطابقه مع نفسه، أو تقوقع فكره على ذاته، أو تماثل مقولات وعيًه مع بعضها؛ أنه السؤال الذي يفجر الاختلاف في التراث (بن عرفه، عبد العزيز : التفكك والاختلاف المرجاء، الفكر العربي المعاصر العدد 48 ـ 49 )، الذي يمكن اعتباره أحد مصادر التاريخية التي تستخلص العناصر المتكررة في شروط تحقق التاريخ وإمكاناته الحقيقية حتى تصلح مادة لصياغة قوانين مشروعنا الثقافي (صفدي: استراتيجية التسمية).

تبقي منهجية مطاع صفدي مختلطة في رؤيته وموقفه من التراث من جهة، ومن جهة أخري ظل اشتغال المفاهيم التي يوظفها ضعيفا. وعندما يتناول مسألة قراءة التراث وتاويله يشير اليه بشكل شذرات بدون القيام بجهد منهجي لتحليل النص التراثي؛ يتحدث عن مواقعيته ولكن بدون الكشف عن سياقات ومجريات هذه المواقعية ؛ ولانجد جهدا لتمييز هذه " المواقعية" عن التاريخية أو التاريخانية، ولا كيف تنظر في التراث. كلامه عن العلاقة بين التراث والمنهج من جهة تاويله تبقي عمومية وفضفاضة لانه لايطبق المفهوم علي نصوص تراثية مشخصة. يريد ان يقرأ التراث بطريقة تستفيد من الانجاز المنهجي المعاصر ومختلفة عن القراءات السالفة ولكنه لاينتج هذه القراءة حيث يظل في حدود رسم المفهوم وشكلانيته ولا يختبره في مدي قدرته الاجرائية وفاعليته المنهجية .

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

................

المصادر

بن عرفه، عبد العزيز : التفكك والاختلاف المرجاء، الفكر العربي المعاصر،1989. العدد 48 ـ 49

صفدي، مطاع: الفكر العربي ومعركة المنهج، العدد 8-980-1981.

المشروع الثقافي العربي بين المشاكلة والمثاقفة، مجلة الفكر العربي المعاصرة، العدد 8-9-80-1981.

كلام الكتابة بين الميراث والتراث، مجلة الفكر العربي المعاصر، العددن 3-1984، هامش، (19).

استراتيجية التسمية في نظام الأنظمة المعرفية، مركز الإنماء االقومي، ط1 بيروت1986،.

الذاتي، التاريخي، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 39-1986.

النمذجة بين التأويل والتغيير، مجلة الفكرة العربي المعاصر العدد، 40-1986          

السلف، الخلف، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 47-1987.

القوة القوية، التاريخ المختلف، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 3، 1987.

مدخل على علم واقعية التراث ن مجلة لافكر العربي المعاصر العدد 68-69-1989.

خطاب التناهي، مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 60-61-1989.

 

 

زهير الخويلدي"إذا حاول العقل أن يقرر فيما إذا كان العالم محدودا، أو لانهائيا من حيث المكان، فسيقع حتما في تناقض وإشكال، فالعقل مسوق إلى التصور بأن وراء كل حد شيئا أبعد منه، وهكذا إلى ما لانهاية له. ومع ذلك فإن اللانهاية في حد ذاتها شيء لا يمكن إدراكه"

كانط، نقد العقل المحض،

يطرح كانط الإشكال التالي:هل العالم أزلي أم له سبب أحدثه؟

في البداية العالم من حيث هو نسق مكتمل من الواقع هو وهم من أوهام العقل يصعد بشكل غير مشروع من خلاله من الشرطي المعطى إلى اللاّشرطي المفترض أي بعبارة ابن رشد يقيس الغائب على الشاهد.

العالم لا يمكن معرفته بطريقة استدلالية بالانطلاق من مبادئ ميتافيزيقية لأن ما يمكن معرفته هو الكون أي الظواهر المكانية والزمانية غير المعروفة التي يوحدها الذهن بواسطة مقولاته القيلية دون أن يصل بها إلى الوحدة النهائية. لكن اذا جاز الحديث عن عالم فيزيائي ومقاربة معرفية للعالم في الفلسفة النقدية عند كانط التي تحاول التأليف بين مقولات الذهن ومعطيات التجربة،

من جهة أخرى يخضع كانط في كتاب نقد العقل المحض ظاهرات العالم بماهو فكرة كوسمولوجية الى المعالجة الريبية التي تطرحها الأفكار الترسندنتالية الأربع ويظهر وقوعها في جملة من النقائض المحتمة.

" تلك هي حقا الحالة مع مفاهيم العالم ولعلها لهذا السبب بالضبط تدفع العقل، طالما هو معلق بها، الى نقيضة محتمة:

أولا- لو افترضنا أن العالم ليس له بداية فإننا نقوم بتراجع متتال يبلغ الأزل المنقضي، ولو سلمنا بأن له بداية كان من الضروري أن يفترض البدء زمنا يتقدمه . أما من جهة السؤال عن كم العالم فإن القول بكونه لامتناهي ولامحدود يفضي إلى الإقرار بأنه كبير جدا بحيث يصعب على الذهن البشري تصوره، ولو قلنا بأنه متناهي ومحدود لكان صغير جدا وقريب من المكان الفارغ والمانع لكل تجربة ممكنة.

ثانيا- إذا كانت كل ظاهرة في المكان أي كل مادة تتألف مما لا يتناهى من الأجزاء فإن تراجع الانقسام هو أبداء كبيرا جدا على الأفهام. وإذا توقف الانقسام المكاني عند نقطة بسيطة فإن هذا التراجع سيكون صغيرا جدا على فكرة اللاّمشروط التي يتميز بها العالم وبالتالي يفسح المجال للتراجع نحو عدة أجزاء كامنة فيه.

ثالثا- اذا سلمنا بأن ما يحدث في العالم هو نتيجة قوانين الطبيعة، فإن سببببية السبب هي بدورها شيئا يحدث، وسنرغم على الصعود أثناء التراجع ضمن سلسلة الشروط حتى أسباب أعلى من دون توقف. أما إذ قلنا بأن العالم يتكون من مجموعة من الأحداث تكون محدثة بحرية وتلقائيا، فإن العقل البشري سيهتم بالعثور على سبب وفق حتمية وجود قانون للطبيعة ولو جاء في صورة الاقتران الضروري بين الأحداث.

رابعا- لو سلمنا بكائن ضروري إطلاقا سواء كان العالمَ نفسه أو شيئا في العالم أم علة للعالم، فإننا سنضعه في زمن بعيد بلانهاية وإلا خضع لوجود آخر أقدم عصي عن الفهم ولا يمكن قط الوصول إلى إدراكه. من جهة مقابلة لو كان كل ما ينتمي الى العالم (مشروط أو شرط) حادثا، فإن كل وجود معطى سيكون صغيرا جدا ولا يمكن إدراكه بالفهم البشري وسيضطر إلى البحث عن وجود آخر يخضع له. الخلاصة: أن فكرة العالم هي، في جميع الحالات، هي صغيرة جدا على التراجع الخبري وعلى كل مفهوم ذهني.

النتيجة: التجربة الممكنة هي وحدها قادرة أن يعطى لمفاهيم (العالم) واقعا ومن دونها ليس أي مفهوم سوى فكرة دون حقيقة واقعية وليست له أي صلة بأي موضوع خارجي. كما أن الأفكار الكسمولوجية هي مؤسسة على مفهوم فارغ ومتخيل وحسب وعن الطريقة التي بها يعطى لنا موضوع هذه الأفكار.

(عمانوئيل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، دار الانماء القومي، بيروت، طبعة، صص253-254-255.

"إن كل شيء في العالم المحسوس ذو وجود مشروط تجريبيا، وليس فيه أي محل بالنظر الى أي خاصية أي ضرورة لامشروطة...لا يتضمن العالم الحسي سوى ظاهرات، لكن هذه مجرد تصورات هي بدورها أبدا مشروطة حسيا، وبما أنه ليس لدينا البتة أشياء في ذاتها كموضوعات، فانه ليس مخول لنا القفز إلى الخارج والمغادرة للبحث عن علة لوجودها... ولا يؤدي إلى تراجع تجريبي يعين الظاهرات." ص284.

لقد عمل كانط على التقليل من قيمة الخلق الالهي للعالم والرفع من شأن الخلق الاستيطيقي للأعمال الفنية وذلك في كتابه نقد ملكة الحكم بعد أن بين في كتاب نقد العقل المحض المزاعم الخاطئة التي تمسكت بها الكوسمولوجيا والتيولوجيا العقلانية واستحالة اعطاء مضمون ايجابي الى فكرة الخلق وتعذر الصعود الى مفهوم الاله الخالق والاكتفاء بفكرة مهندس العالم architecte du monde أي الاله المنظم أو الموجه.

لقد رفض كانط كليا مسألة خلق العالم والإله الخالق في الجدلية المتعالية وخاصة في لعبة النقائض وكان الحل الذي ارتضاه لمشكل الخلق يرتكز على تفسير السبب الذي يجعل المشكل لا يملك أي حل وبالتالي يدعو إلى إتباع الاستعمال المشروع للعقل الذي يسند له وظيفة توجيهية للبحوث التي يقوم بها الذهن.

من تبعات النقد الكانطي هو بروز النظريات التطورية والمادية والوضعية وتأكيدها بصفة مجتمعة على أن مسألة خلق الله للعالم اتضح أنها غير صالحة من الناحية التاريخية وغير ممكنة من الناحية النظرية.

فهل يمكن اعتبار الخلق الفني للعالم الذي ينسب إلى الله بالمعنى الكانطي هو بمثابة خلق نسبي للعالم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...................

المرجع:

عمانوئيل كانط، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، دار الإنماء القومي، بيروت، طبعة 1989.

 

 

حاتم حميد محسنفي الفكر الابيستيمولوجي هناك ثلاث نظريات في معرفة الحقيقة او ما اذا كانت الفكرة صحيحة او زائفة، سنحاول التعرف عليها تباعا:

1- نظرية المطابقةThe correspondence Theory

وهذه النظرية هي الاكثر شهرة والاوسع انتشارا في معرفة حقيقة الشيء من زيفه، وهي ترى بان الشيء الصحيح او الحقيقي هو مدى مطابقته للواقع. الفكرة التي تتطابق مع الواقع هي فكرة صحيحة بينما الفكرة التي لا تتطابق مع الواقع هي فكرة غير صحيحة او زائفة.

من المهم ملاحظة ان الصحيح"truth" هو ليس الحقيقة "fact" . قد يبدو في هذا نوع من التناقض، لكن التمييز هنا يتم بين الحقائق والمعتقدات. الحقيقة هي مجموعة من الظروف السائدة في العالم بينما العقيدة هي رأي حول ماهية تلك الحقائق. الحقيقة لا يمكن ان تكون اما صحيحة او زائفة ذلك لأنها ببساطة هي الطريقة التي يكون فيها العالم. العقيدة يمكن ان تكون صحيحة او زائفة لأنها قد تصف او لا تصف بالضبط ذلك العالم.

في ظل نظرية المطابقة، السبب الذي يجعلنا نصف عقائد معينة بانها "حقيقية" هو لأنها تتطابق مع تلك الحقائق حول العالم. وهكذا، الايمان بان السماء زرقاء هو ايمان "حقيقي" بسبب حقيقة ان السماء زرقاء. الى جانب العقائد، نحن نستطيع اعتبار البيانات والفرضيات والجمل يمكن ان تكون حقيقية او زائفة.

فكرة ان الحقيقة تعتمد على مطابقتها للواقع يمكن تعقبها الى افلاطون وقد وردت ايضا في فلسفة ارسطو. غير انه منذ وقت ليس ببعيد وجد النقاد مشكلة ربما افضل ما يمكن التعبير عنها في تناقض او مفارقة ايوبلدس Eubulides، التلميذ في مدرسة ميغارا للفلسفة والتي كانت دائما في تضاد مع الافكار الافلاطونية والارسطية.

طبقا لايوبلدس، فان نظرية المطابقة تتركنا في حيرة عندما نواجه اقوالا مثل "انا اكذب" او "ما اقوله هو زائف" . تلك الاقوال يمكن ان تكون زائفة. فهي اذا كانت صادقة بسبب مطابقتها للواقع، عندئذ فانها كاذبة واذا كانت زائفة لكونها تفشل في المطابقة مع الواقع، فلابد اذاً ان تكون صادقة. وهكذا، لا يهم ما نقوله حول الحقيقة او الزيف في هذه الاقوال، فنحن ندخل في تناقض مباشر مع انفسنا.

هذا لا يعني ان نظرية المطابقة هي خاطئة او بلا فائدة، في الحقيقة انه من الصعب التخلي عن هذه الفكرة الواضحة بديهيا وهي ان الحقيقة يجب ان تطابق الواقع. مع ذلك، فان الانتقادات اعلاه يجب ان تشير الى ان هذه الفكرة ربما لا تعطي تفسيرا شاملا لطبيعة الحقيقة. انها وصف معقول لما يجب ان تكون عليه الحقيقة، لكنها قد لا تكون وصفا كافيا للكيفية التي تعمل بها الحقيقة في الذهن الانساني وفي المواقف الاجتماعية.

نظرية الانسجام The coherence Theory

وهذه النظرية هي الثانية من حيث الشهرة بعد نظرية المطابقة، وهي عادة تبدو كوصف دقيق للكيفية التي يعمل بها تصورنا للحقيقة. الايمان يكون حقيقيا عندما نكون قادرين على دمجه ضمن اسلوب منطقي ومنتظم مع نظام من العقائد اكبر حجما واكثر تعقيدا، اي ان العقيدة هي حقيقية عندما تنسجم مع مجموعة عقائدنا الاخرى بدون اي تناقض. احيانا قد يبدو هذا طريقة شاذة لوصف الحقيقة. العقيدة يمكن ان تكون وصفا غير دقيق للواقع وتنسجم مع نظام اكبر واكثر تعقيدا لأوصاف اخرى غير دقيقة للواقع، طبقا لنظرية الانسجام، ان العقيدة غير الدقيقة لاتزال تسمى حقيقية حتى عندما لا تصف بالفعل الطريقة التي فيها العالم حقا. فهل هذا يخلق اي معنى؟

ربما نعم والسبب هو لأن الاقوال لا يمكن اثباتها في مناخ من العزلة. فنحن حين نختبر الفكرة انما نختبر في نفس الوقت مجموعة كاملة من الافكار. فمثلا، عندما نلتقط كرة في يدنا ثم نلقي بها نحو الارض فهي ليست ببساطة ايماننا في الجاذبية التي تم اختبارها وانما ايضا ايماننا بمجموعة من اشياء اخرى من ضمنها احساسنا البصري . لذا، اذا كانت الاقوال تُختبر فقط كجزء من مجموعة اكبر عندئذ يمكن للمرء الاستنتاج بان القول يمكن تصنيفه كحقيقة ليس بسبب انه يمكن التثبت منه امام الواقع وانما لأنه يمكن ان يتكامل مع مجموعة من الافكار المعقدة، عندئذ كامل المجموعة يمكن اختبارها امام الواقع. في هذه الحالة تكون نظرية الانسجام ليست بعيدة عن نظرية المطابقة والسبب هو انه بينما الاقوال الفردية يمكن الحكم عليها كصادقة او كاذبة بناءا على قابليتها للانسجام مع نظام اكبر، فانه يُفترض بان ذلك النظام هو نظام يتطابق بدقة مع الواقع. وبسبب هذا، فان نظرية الانسجام تنجح بالفعل في الامساك بشيء ما حول الطريقة التي نتصور بها الحقيقة في حياتنا اليومية. ليس من الغريب ان نرفض شيء ما باعتباره زائف لأنه يفشل في الانسجام مع نظام من الافكار نثق بصحتها . قد يكون النظام الذي نفترض ان يكون حقيقي هو تماما غير صحيح، ولكن طالما يستمر بنجاحه و قادر على اجراء التعديلات البسيطة في ضوء البيانات الجديدة، فان ثقتنا به تكون معقولة.

النظرية البرجماتية في الحقيقة

هذه النظرية تقرر ما اذا كانت عقائدنا صحيحة ام زائفة بناءاً على ما اذا كان لها تطبيق مفيد في العالم. اذا لم تكن لها فائدة فهي ليست حقيقية. كما في نظرية الانسجام، الحقيقة بهذا المعنى لا علاقة لها بالطريقة التي يكون فيها العالم حقا وانما هي فقط وظيفة حول ما اذا كانت الفكرة يمكن استخدامها كنموذج لعمل تنبؤات مفيدة لما سيحدث في العالم. وبالنتيجة الحقيقة البرجماتية يمكن تعلّمها فقط من خلال التفاعل مع العالم: نحن لا نكتشف الحقيقة بالجلوس وحيدين في غرفة والتفكير بشأنها.

هناك بالطبع عدد من المعارضات الواضحة يمكن ان تبرز ضد النظرية البرجماتية . فكرة "ما يعمل" هي غامضة. ماذا سيحدث عندما العقيدة تعمل بمعنى معين لكنها تفشل في معنى اخر؟ فمثلا، الايمان بان المرء سينجح قد يعطي الفرد قوة سايكولوجية لانجاز الكثير ولكن في النهاية هو قد يفشل في هدفه النهائي. فهل عقيدته حقيقية؟

كذلك، عندما تعمل العقيدة بهذا المعنى، لماذا نسميها حقيقية؟ لماذا لا نسميها شيء مفيد؟ المفيد ليس هو نفس الايمان الحقيقي، والشيء الاسوأ هو ان الناس لا يستعملون كلمة حقيقي في محادثاتهم العادية لتعني مفيد. فمثلا، بالنسبة للفرد العادي، مقولة "من المفيد الايمان بان زوجتي هي مخلصة" لا تعني ابدا نفس القول "من الحقيقي ان زوجتي مخلصة". ربما العقائد الحقيقية هي ايضا العقائد المفيدة، ولكن ليس دائما. كما يقول نيتشة، بعض الاحيان الغير حقيقي ربما اكثر فائدة من الحقيقي.

اذاً البرجماتية ربما هي وسيلة ملائمة للتمييز بين الحقيقي و غير الحقيقي. الاشياء الحقيقية يجب ان تنتج نتائج يمكن التنبؤ بها في حياتنا. لكي نقرر ما هو الحقيقي وما هو غير الحقيقي فمن المعقول التركيز بشكل اساسي على تلك الافكار التي تعمل( لها فائدة عملية).

 

حاتم حميد محسن

 

علي رسول الربيعيتعد الفلسفة الافلاطونية المحدثة المصدر الأهم لأفكار ما يسمى بالافلاطونية العربية المحدثة. لقد كانت في ما عرف بـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس"، وهي النسخة المعدلة لتاسوعات افلوطين التي نسبت خطأ لارسطو، ذات تأثير كبير على طريقة تفلسف وتفكير الفلاسفة المسلمين من الكندي الى ابن سينا وما بعده.

يقدم كتاب "الافلاطونية العربية" لبيتر أدمسون الصادر عن دار ""دك ورث" دراسة للتغيير والتحول اللذين خضعت لهما اعمال أفلوطين عندما نقلت الى اللغة العربية. لقد انتجت مقاربة المترجم لـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس" والتي تعود لافلوطين فاصلاً تاريخياً حاسماً في مسار وتوجه التفكير الفلسفي العربي ـ الاسلامي. فقد حاول المترجم ان يجعل الفلسفة الافلاطونية المحدثة منسجمة مع مبادئ الدين المسيحي والاسلامي، كذلك مشابهة لفكر ارسطو الاصلي. جاء كتاب "الافلاطونية العربية" كأول دراسة مفصلة لنص "ثيولوجيا ارسطوطاليس" حيث كرس لفهم افكار وحوافز المترجم في تعزيز صورة معينة، تلقى من خلالها الفلاسفة ولقرون طويلة الفكر الاغريقي.

عند قراءة أي كتاب يتعلق بتاريخ الفلسفة العربية الاسلامية كثيراً ما يطالعنا ذكر لما يسمى "ثيولوجيا ارسطوطاليس" التي كما ذكرنا هي الرواية العربية لنص افلوطيني أُنتجَ في القرن الثالث الميلادي، حيث تأتي أهميته لما يسد من فجوة في المنظومة الارسطية. انه المصدر المباشر لافكار ومفاهيم الافلاطونية المحدثة في العالم الاسلامي التي تقدم عقيدة شاملة حول الخالق وعن الايمان الاخروي. إن التقسيم الممكن للخطأ في عزو هذا النص لارسطو، هو انه جاء من مقدمة المؤلف للثيولوجيا حيث عرضها على اساس انها النص المكمل للمنظومة الارسطية غير المكتملة، لكن الناسخ اللاحق اعتبرها جزءاً من اعمال ارسطو. ويرى مؤلف كتاب "الافلاطونية العربية" ان اهمية دراسة نص "الثيولوجيا" لا تأتي فقط من جانب كيف نسب تاريخياً لأرسطو ونتائج تأثيره على تقاليد ممارسة الفلسفة لاحقاً، ولكن كيف، في الواقع، اصبح افلوطين ارسطو المنحول، وكيف قدمت تاسوعاته. لقد ضخمت اهمية بعض اغراض النص الاصلي لافلوطين، ونسجت مع بعض افكار فلاسفة الاغريق في بنية التاسوعات وقدمت كموقف فلسفي له موقعه الخاص في تاريخ الفلسفة. وشرع الباحث في انجاز دراسته عن هذا النص الافلوطيني المعدل والمكيف والمنسوب خطأ لارسطو لسببين: الاول، كشف التغيير الذي ادخل عليه عند انتقال فلسفة افلوطين الى اللغة العربية، حيث كان هذا التغيير هادفاً وذا مغزى فلسفي وتاريخي. وذلك يعني لكي نفهم ذلك المغزى وفلسفة ذلك الشخص الذي قام بعملية التغيير والتعديل في النص لا بد ان ننظر في فكره ككل. الثاني، كانت "الثيولوجيا" المفتاح الاساس للعديد من الفلاسفة المسلمين اللاحقين من الكندي حتى الفارابي وابن سينا ليصل لاحقاً الى مدرسة الاشراق. فيرى الباحث اننا نقوم بتفسير خاطئ لهؤلاء الفلاسفة اذا افترضنا ان انشغالهم بـ"الثيولوجيا" فقط كان نتيجة للقاء غير مباشر من افلوطين كما هو متعارف عليه عند الكثير.

ويحاول أدمسون ان يسد الفجوتين في فهمنا للافلاطونية المحدثة العربية. وهذا في الوقت نفسه يفسر لنا لماذا نجد متن الكتاب يهتم بأفكار معينة على حساب أخرى في ما يتعلق بقضايا النص واشكالاته. ان الفصول الاساسية والتي تمثل قلب الكتاب تمتد من الثالث وحتى الخامس، اذ يحاول المؤلف ان يقدم فيها بنية منظومية للفلسفة العربية ـ الاسلامية في صورتها الافلاطونية المحدثة. فقصد الباحث هو فلسفي بالأساس وليس دراسة فيلولوجية (Philological). وقد فحص الباحث، ايضاً، مسائل اصول وتركيبات الافلاطونية العربية في الفصل الأول، والثاني والسادس لدورها الاساس والضروري في التحليل الفلسفي الذي يقوم به.

وعلى رغم من ان هناك باحثين عديدين ناقشوا هذه المسائل، اعتمد عليهم الباحث في صياغة حججه وكذلك للوصول للنتائج التي استخلصها، حيث جعلوا من البحث في هذا الموضوع ممكناً، وهو بالفعل يشير الى دراساتهم كلما استدعى الأمر ذلك، لكن يبقى لأدمسون اسهامه الخاص الذي عرضه في مجرى معالجة الموضوع. ان وظيفة هذه الدراسة تأتي بوصفها وسيلة مفيدة لفهم أعمق للافلاطونية المحدثة العربية. اضافة الى المقصد التاريخي الذي يظهر من خلال وضع نص "الثيولوجيا" في السياق التاريخي الذي انتج فيه، وهو حلقة الكندي الفلسفية في بغداد في القرن التاسع الميلادي. فدائرة الكندي هذه كانت نشطة وفعالة في مجال الانتاج العقلي وفي تفسير وتأويل الأصول والمصادر اليونانية. ان هذا العمل الذي شرع به الكندي ومريدوه كان جزءاً من استراتيجية كبيرة للسلالة العباسية في مواجهة القوى المعادية ومنها الارستقراطية الفارسية. وعلى رأي استاذ جامعة "يال" الاميركية ديميتري كوتس: ان الفلسفة العربية ـ الاسلامية في صورتها الافلاطونية المحدثة جاءت كجزء سياسي وايديولوجي من حركة الترجمة. لقد كان غرض حركة الترجمة تقديم الفلسفة اليونانية ككل موحد، وأن توضع بالضد من المنافسين الفكريين الآخرين في ذلك الحين. حيث تعد الفلسفة اليونانية نتاجاً مختلفاً بالنسبة لهم، بدأ يشغل اهتمام مؤرخي الفلسفة من خلال التعرف الى التوترات والمناقشات التي جرت داخل الفكر الاغريقي. وكانت حركة الترجمة، ايضاً، جزءاً من محاولة لتقديم اجوبة عن الاسئلة والمشكلات الضاغطة والملحة التي تشغل أولئك الذين يقومون بعملية الترجمة.

ان الاصرار على الوحدة الجوهرية للحقيقة الفلسفية، وعلى الانسجام والتوافق بين مذهبي افلاطون وارسطو الفلسفيين دلالة على موقف التسوية والتوسط. ان هذا الموقف يروم ان يجعل الفلسفة كحقل معرفي مهيأة ومستعدة لتتناسب وتتماثل ولو في مطافاتها الأخيرة مع التفسير الديني التوحيدي. وهذا يعني ان الكندي وحلقة المترجمين من حوله كانوا تواقين لتقديم الفكر الفلسفي بوصفه حاملاً للأجوبة عن الاسئلة التي كانت مطروحة في ذلك المناخ الفكري. وانه ـ أي الفكر الفلسفي ـ يمكن ان يعطي جواباً واحداً متماسكاً منطقياً متى كان ذلك ممكناً. ويبرز هذا بشكل واضح في ميل المفسرين لوجهة النـظر الثيولوجية في تفسيرهم لنص "ثيولوجيا ارسطوطاليس" ليستجيب وطروحات الفكر الكلامي ـ الاعتزالي. والحقيقة يعد هذا من الأدوار المهمة التي لعبتها الافلاطونية المحدثة العربية في الوضع الفكري للقرن التاسع الميلادي.

ان المقصد المحوري للباحث هو فحص المذاهب الفلسفية التي قدمت في نصوص الافلاطونية المحدثة العربية. ومن أجل انجاز هذه المهمة المعقدة، يقوم الباحث باستيفاء مجموعة من شروط التحليل المنهجي التي تمكن من مناقشة طبيعة هذه النصوص والسؤال المعقد والمركب عن أصولها. ثم ان هذه الدراسة أصبحت ممكنة، أيضاً، لمرور عقود عدة حملت دراسات مختلفة قلبت هذه المسألة، على رغم هذا لا يدعي الباحث بتقديم جواب نهائي عن الاسئلة المهمة والكثيرة التي تحيط بالافلاطونية العربية المحدثة.

ان فائدة هذه المناقشة للفلسفة الافلاطونية العربية تأتي مما تكشفه من نقاط لم يسلط عليها الضوء، وكذلك في ما تتطلبه من تكرار الرجوع الى المرجع والعودة للاصل، اضافة الى الاهتمام بالوضع الحالي والراهن للنصوص. ففي الفصل المعنون بـ"نصوص الافلاطونية المحدثة واصولها" يقدم الباحث وصفاً تفصيلياً لمجموعة من نصوص الافلاطونية المحدثة العربية. كذلك يناقش بعض اهم المشاكل التي تحيط بأصول هذه النصوص. ثم اخيراً يوجز وبشكل مكثف تأثير الافلاطونية المحدثة العربية على الفلسفة الاسلامية اللاحقة.

ان ما يسمى بالافلاطونية المحدثة العربية يتأسس على مجموعة نصوص، وهي اولاً: النص المعروف بـ"ثيولوجيا ارسطوطاليس"، ثانياً: "رسالة في العلم الالهي"، وثالثاً: مجموعة اجزاء من نصوص تُعزى للشيخ اليوناني (افلوطين). انها جميعاً تعرّف اذن بنصوص الافلاطونية المحدثة التي مثلت في ما بعد قوام الافلاطونية المحدثة العربية.

انها دراسة متماسكة في طرح المقدمات والنتائج التي تؤدي اليها، كذلك انها دراسة جديدة ومهمة لأنها توسع من فهمنا لكلا السياقين الفلسفي والتاريخي للافلاطونية المحدثة العربية.

 

 

علي محمد اليوسفالطبيعة ونزعة التدّين: ان (جثري) في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس، (يذهب ان الانسان البدائي والذي بدا له ان كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوّده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته).1

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها ، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرّد به عن باقي المخلوقات والكائنات (عقليا - روحيا) وفي خياله التأملي الميتافيزيقي في تطلعّه الدائم الى ماوراء ظواهر الطبيعة.

(ان مصير الانسان هو أرادته وتفكيره،وبمجرد أن يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على أسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وأرادته وتأثره بهما).2

وحين يرتقي الانسان بفكره وأرادته فوق الطبيعة، فأنه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الأله أيضا خارقا للطبيعة.3 هنا يتوجب التنبيه أن لا الأله يخرق قوانين الطبيعة حقيقة ولا بمقدور الطبيعة خرق قوانينها أيضا من أجل ألانسان،لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من أجل رغائبه وأشباع حاجاته وملذّاته الحسيّة والروحية معا.

كنا اشرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة أن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، الى الحالة العقلانية هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، أي (الطبيعة). وحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصّيتي الذكاء والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة.وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية أحتدامية متصارعة مع الطبيعة. وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه.

واكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا(أن التأليه أوالتوحيد انما ينبعان فقط من ربط الانسان ألطبيعة بنفسه،لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها).4 كما أن الطبيعة غير ملزمة ولا بمقدورها خرق القوانين الطبيعية من أجل تحقيق رغائب الانسان كما أشرنا سابقا. فهي غير عاقلة حسّيا.

وبحسب فيورباخ أيضا (فأن الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى أنها تطيع وتلبّي قوانين قلب الانسان، ومثل قلبك يكون الهك، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس). 5 هذه العبارة لا تقول أكثر من أن الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه ، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق الحقيقي الواقعي، يعيشها الانسان لوحده ولا تشاركه الطبيعة ولا الأله بها، ولا فارق بين العلاقتين من الناحية العملية لأن مصدر خلقهما هو الانسان فقط. فهي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة ترتبط بالمحسوسات. ولتأكيد ما ذهبنا له ومن جهة ثانية في تفسيرنا العبارة، فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي يشير لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي أيضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط.ومتى ما تعاملت الآلهة بالمحسوسات كما يفعل ويفهم البشر، تتوقف ان تكون آلهة تعبد تمتاز بخصائص ايمانية غيبية تخييلية غير منظورة ولا محسوسة.

اذا ما علمنا أن فيورباخ فيلسوف وشاعر أيضا، أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفّافة موحية تتوارى خلفها المعاني.فقد وضع نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا، خاصّة في التديّن التصوّفي، او التديّن الفطري فلا فرق الا بوسيلة التعبّد الايماني. فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية لا يستعمله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده،وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي فقط ، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموّحدين لله.كما يوجد اجماع فلسفي على صحة هذه الفرضية.فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا تجريديا، بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا حسّيا فقط وعلى نطاق محدود جدا قياسا بالانسان، وليس ادراكا عقليا تامليا ذهنيا مجرّدا كما يفعل الانسان، ولا يمتلك قابلية ولا قدرة اعمال العقل خياليا.لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بأنه كائن ديني او متديّن، وفي تمايزه ايضا بخصائص نوعية تطرقنا لها في الجزء الاول من دراستنا هذه .

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ (ان الانسان يفعل من خلال الله،ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96. هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل أكثر من تأويل أوحد وحيد يمثّل المعنى، لما كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان واعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خيالا انطولوجيا، ويحمل جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه، على الهه.

ان عبارة فيورباخ السابقة هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتّخفى المعنى فيها خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بأن الاله والانسان هما وجود أنطولوجي واحد هو الانسان فقط في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا.

أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى أن بداياته حتى الديانات الوثنية منها قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية والطوطمية الى بلاد العالم المأهول آنذاك، وكذلك أنتقل بعضها الى بلاد اليونان والرومان الى ماقبل ظهور اليهودية والمسيحية.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ (انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني،اما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الالهة ). ص 100 من الكتاب00 طبعا في هذا مغالطة آرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فان الاغريق كانوا يضّحون بالاطفال قرابين للآلهة زيوس وجوبيتير او غيرهما من الأرباب ولم تكن تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن أيضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكونغ تضّحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للأله (أيتش). واخلافهم اليوم من أرقى وفي مقدمة دول العالم حضارة وانسانية.

المعجزة والانسان

ولمّا وجد الانسان الطبيعة عاجزة عن اجتراح المعجزات في مساعدته سد احتياجاته،ومنعها ضرر الظواهر الطبيعية التي تحدق به أو تستهدفه،أحال هذا العجز الطبيعي الى الآلهة في اجتراح المعجزات فأصبحت (المعجزات جزءا لا يتجزأ من الحكم الالهي والعناية الالهية) وتلك المعجزات آيات برهانية قاطعة في ترسيخ المعتقد والايمان بالمعجزة كمسلمّات ترسيخ الايمان الغيبي، وقدرتها الاعجازية في تغيير حياة الانسان بالدعاء الخالص. وفي انكار المعجزات يعني انكار الآلهة.

وخلود الآلهة وفناء الانسان يعبر عنهما فيورباخ (يعيش البشر وتتسم حياتهم بالالوهية، ولكن للاسف لا تستمر حياتهم الى الابد، فهم يموتون، وتبقى الآلهة خالدة). ص 103

ان امتلاك الانسان للخير والصفات الاخلاقية والنظم النفعية له، التي يستمدّها من الصفات الالهية في محاولته محاكاتها انما هي حتما تكون وبالضرورة الايمانية ناقصة ومحدودة حسب قدراته. في حين تكون تلك الصفات مطلقة وسرمدية عند الأله. والانسان يموت وتموت معه كل قدراته الخيرية المحدودة، والآلهة تبقى خالدة وتبقى معها جميع الصفات الحميدة المطلقة، التي تترنّم بها الاجيال جيلا بعد جيل.

بحسب فيورباخ (الاله هو الكائن الاول في النظرية، لكن الانسان هو الكائن الاول في الممارسة، وهو الهدف في هذا العالم، والطبيعة لا تمثل شيئا بالنسبة للالهة، وما هي سوى لعبة بيدها،ولا يمكن ان تفعل شيئا للانسان.) ص 117

ان (المعجزة تحقيق هدف الدين بطريقة محسوسة معروفة، هي محاولة سطوة وفرض هيمنة الانسان على الطبيعة، وبذلك تصبح قدرات الانسان واقعية حقيقية، والالهة تصنع المعجزات لتلبية رغائب الانسان) ص 115

ويضرب فيورباخ مثلا سارة زوجة زكريا التي تنجب ثلاثة انبياء بعد زيارة الملائكة المرسلين اليه، وهي أمرأة طاعنة بالسن وعقيم وزوجها كهل، فهنا تتحول المعجزة من القدرات الألهية الأعجازية الخارقة الى ان يكون الانسان اداة ووسيلة وغاية تحقق المعجزة ،(لذلك فان الرغبات الحسية تتعرض للسخرية اذا تعارضت مع العقل، لان التناقض يصبح واضحا لا يمكن انكاره، وهذا السبب يجعل العقلانيين المحدثين يخجلون من الايمان ان الله في الجسد) ص 118

ويمضي فيورباخ متوعدا (انه سيأتي اليوم الذي يعتبر فيه الاعتقاد في الارادة الالهية العقلانية نوعا من الخرافة كما كان الحال في الاعتقاد بوجود الاله المعجز المسيحي في الجسد)ص119

ويختم فيورباخ كتابه مؤكدا ان الانسان ليس خياليا خصبا وحسب، وانما الخيال الانساني اعجازي ابداعيا ليس على صعيد الانتاجية الادبية والثقافية والفنية، وانما على صعيد الايمان الديني (الانسان الخالد موضوع للدين وموضوع للايمان، والحقيقة العكس من ذلك، فالانسان ليس خالدا – هنا فيورباخ يقصد أمنية الانسان الخلود بالآخرة – بل هو فان، وان تؤمن معناه ان تتخيل ان صورة ما انبعثت بها الحياة) ص120

اغتراب الذات

لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا،، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.،لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية،هي تراكم معرفي وحضاري تأريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما أعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ. كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

واذا سمحنا لأنفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ،فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ،ومن جهة أخرى فأن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص.وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا(ان بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة،ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة).

 

علي محمد اليوسف / الموصل

...............................

الهوامش: 1، 2،3،4،5 وجميع الاقتباسات بين هلالين هي من كتاب فيورباخ/اصل الدين/ ترجمة احمد عبد الحليم عطية/ القاهرة 1991

• ملاحظة: لقد حاولت في الجزئين من قراءة كتاب فيورباخ اصل الدين بامانة وحيادية الباحث، ولم اكن في معرض تطابق رؤاي معه، لكني لم اشأ تشويه افكار الكتاب الفلسفية.

 

 

 

محمد كريم الساعديلقد ظهر عدد من النقاد الذين أسهموا في حركة النقد ما بعد الكولونيالي، مستفيدين من دراسات (سعيد) وما أثاره حول مصطلحي (الأنا) و(الآخر) أو (المركز والهامش)، ومن هؤلاء الفاعلين في حركة ما بعد الكولونيالية الناقدة (سبيفاك) التي ركزت في دراساتها على عدد من المفاهيم ومنها (المهمش، والتابع، والآخر) إذ أسهمت بشكل فعال في تأسيس دراسات (التابع)، حيث انخرطت في جدل معمق حول تبعية الهويات الثقافية، ومفهوم الهيمنة الاستعمارية والطبقية والجنسية، ولعل بحثها (هل يستطيع التابع أن يتكلم ؟) إذ ارادت الوصول الى اجابات محددة الى ان الشعوب التي خضعت للإستعمار سلب منها حق تمثيل نفسها، وبالتالي سلبت منها حق التعبير عن ذاتها، وجاء التعبير عن الذات الأصلانية بواسطة من يمثلها وليست بواسطتها، فتبعيتها الثقافية تقع تحت تأثير الخطاب المسيطر (الكولونيالي) الذي تغلغل في كل مفاصلها الثقافية، ملغياً ملامح الآخر الثقافية، وجاعل منه تابع له، وحتى إذا تكلم فيكون الصوت ممثلاً بخطاب غير حقيقي عن ذاته، بل بخطاب صيغة له على وفق متطلبات العمل الكولونيالي، التي ترى فيه (سبيفاك) أن وعي التابع تمثله النخبة وتأثيراتها التي توصف الثقافة العامة. فتلك التأثيرات تم توجيهها وبثها في الثقافة التابعة من قبل الاستعمار، الذي سيطر على ذلك الوعي الأصلاني وصورته الحقيقية ؛ لأنه مستعاد عبر تمثيل قوة النخبة وثقافة الاستعمار . وهذه التأثيرات النخبوية هي من طبق الخطاب الكولونيالي، وخاصة في عهد الاستعمار البريطاني الذي صاغ ثقافة جديدة في الهند كمثال أول وحاول تطبيقه على الشعوب التي وقعت تحت الاستعمار البريطاني، إذ تكمن ملامح هذا المشروع في جعل النخب الثقافية الهندية، تتمثل بهويتها الهندية ولكنها بثقافة كولونيالية وتصبح ناطقة باسم الخطاب الثقافي الكولونيالي، وليس بالخطاب الثقافي الهندي الاصلاني. مما يجعل الخطاب الكولونيالي هو الخطاب الرسمي الممثل للثقافة الهندية وبذلك تم إعادة كتابة تاريخ الهند على وفق نظرية النخب الثقافية.

استخدمت (سبيفاك) في مفهوم (التابع) منهج (دريدا) التفكيكي كإطار تحليلي للخطاب الكولونيالي، حيث تأثرت بـه وبمصطلحاته وخصوصاً (الاختلاف)، يتضح ذلك التأثير من خلال ترجمتها وتقديمها لـ (علم انساق الكتابة) لـ(دريدا)، التي عدت من أفضل المقدمات التي يقرأ بها النص تفكيكاً، وتناولت من خلالها مفهوم (الاختلاف) حيث توضح ذلك في النص الآتي: في أثناء قيامنا بفك شفرة نص ما على نحو تقليدي، ولو صادفتنا مفردة يبدو أنها تضمر تناقضاً غير قابل للحل فإننا نمسك بهذه المفردة. ولو بدأ أن مجازاً يطمس ما ينطوي عليه من تضمينات فسوف نمسك بهذا المجاز. وسوف نقتفي أثر مغامراته عبر النص، فنرى النص في طريقه إلى أن ينحل من حيث هو بنية إخفاء كاشفاً انتهاكه لنفسه وكاشفاً عدم قدرته على الحسم.

ان غاية النظرة التفكيكية عند (دريدا) هي مهاجمة التمركز الغربي حول الذات، الذي استفادت منه (سبيفاك) في نقدها ما بعد الكولونيالي ونقدها للثنائية التي تقابل بين المركز والهامش، لذلك عملت على اقتفاء أثر مفاهيم (دريدا) ونقده (للوغوس) الغربي أو ما يطلق عليه (العقل الميتافيزيقي)، الذي يرى فيه (دريدا) أن هذا العقل ليس سوى نظام أنظمة معرفية واحد تجدده منظومة معينة من القيم قدست إنتاجه وأضفت عليه صبغة العقلانية التي لم تتخلص من قاعدة الثنائيات التي أخذت أشكالاً تقابلية : الخير / الشر، الرجل / المرأة، الدال / المدلول، الكلام / الكتابة... الخ. هذا ويقوم العقل الفلسفي النقدي التفكيكي على قدر كبير من التشكك في اللغة بصفتها أبعد ما تكون عن التعبير الموضوعي.

لقد ركز (دريدا) في تفكيكه على (الكتابة) بدل (الكلام)، ومصوراً بأن عملية التركيز على (الكتابة) قد غيرت من مفهوم التمركز حول اللغة التي ترتبط بالفكر الغربي، وما أنتجه من تصورات بالأفضلية والتعالي ضد الآخر، دون مناقشة الفجوات في داخل (الأنا). أنَّ مفهوم الكتابة عند (دريدا) صيغ على وفق ثلاثة من المصطلحات التي تعمل في المفهوم الجديد للكتابة وهي (الاختلاف والأثر والكتابة الأصلية (الأولى).

فالمصطلح الأول (الاختلاف)، الذي يشير إلى فعلين: الاول يقع في صيغة (أن يختلف differ)، اي لا يكون متشابهاً. اما الثاني فيأتي في صيغة (أن يؤجل defer). والأول مكاني والثاني زماني. ويرى (دريدا) أن كل علامة تؤدي هذه الوظيفة المزدوجة: (الاختلاف والتأجيل)، ولهذا السبب تكون بنية العلامة مشترطة من قبل الاختلاف والتأجيل، وليس من خلال الدال والمدلول، وإن العلامة التي تؤدي وظيفتها المزدوجة بين الاختلاف والتأجيل، هي أثر وليست تمثيل مرئي ومحسوس للكتابة، فهي تنطلق من كونها أثراً ثقافياً أو نفسياً أو روحياً أكثر من كونها طبيعة مادية أو بيولوجية، وبحسب مفهومي الاختلاف والتأجيل في العلامة وما ينتج عنها من أثر، أصبح للكتابة مفهوم آخر لدى (دريدا) تعني النقش عموماً، وليس فقط الكتابة الحرفية، إذ يشمل هذا المفهوم كل النتاجات الأدبية والفنية ومنها التصوير السينمائي، والرقص، والبالية، والموسيقى، والنحت، والعرض المسرحي، وجميعها كتابة.

إن فكر (دريدا) التفكيكي أصبح يبحث عن قلب المعادلة التي تؤكد فكرة (الحضور) الذي تبناه العقل الغربي، والبحث عن الغياب وما يخفيه من خلال النظر بفعلي الاختلاف والتأجيل في وظيفة العلامة، فالقول بالنقيض وتحويل التركيز اتجاه الغياب هو ما تمركز عليه التفكيك من أجل الوصول إلى غايات وراء ما هو حاضر. فالغياب يعني أن في الذات جانباً خفياً وسرياً لا يحضر في الوعي، ولا يمكن أن يتمثله ويعكسه، فيبقى دائماً غائباً.

لقد استفادت (سبيفاك) في عملها التفكيكي من مفهوم الغياب في إتباع ما يخفيه الخطاب الكولونيالي، وكذلك البحث عن صوت التابع في هذا الخطاب، فالصوت المستبعد صوت الآخر الذي مثل بخطاب المؤسسة الغربية، والذي ظهر في خطابها من خلال ما هو خفي فيه، أي عن طريقة الإشارات الكامنة وراء المعنى والدالة على صناعة الآخر. وهنا عملت (سبيفاك) في توصيف صناعة الآخر من خلال إشارتها إلى العملية التي يخلق بواسطتها الخطاب الامبريالي (آخرين) بالنسبة لذاته. وبينما يقابل (الآخر other) بؤرة الرغبة أو القوة التي يتم إنتاج الذات من خلال العلاقة بها. فان الآخر (other) هو الذات المستبعدة أو التي يتم التسيد عليها، التي يخلقها خطاب القوة. وتصف صناعة الآخر السُبل المتعددة التي يخلق بها الخطاب الكولونيالي تابعيه.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

علي رسول الربيعيفي نقد الحاجة الى النقد يعني في أحد أوجهه لثقافتنا العربية المعاصرة التأمل في نقد الآخرين من المتقدمين لثقافتهم وذاتهم والفيلسوف الالماني فردريك نيتشه من أبرز هؤلاء الآخرين الذين عبروا عن نقد الذات المنعكسة على ذاتها. ومن هنا راهنية تقليب النظر في هذا النقد الذي لايعني تتبعه النعل بالنعل حكماً ولكن درساً.

قد وجه نيتشه نقدا صارما لمشروع الحداثة الغربية مستهدفا في مطرقته النقدية أسس اليقين المعرفي وقيمه الكبري متمثلة في مفهوم العقل، وفلسفة الذاتية أو فلسفة الوعي، وايديولوجيا التقدم، وغائية التاريخ. لم يتوقف النقد النتشوي عند زعزعة القيم وخلخلة أسسها، بل تجاوزها الى كل بديهيات العقلانية الغربية. فقد رفض نيتشة القول بمنطقية الوجود أو أعتبار الحقيقة مطابقة بين الفكر والوجود استنادا الي منهجية الاستدلال المنطقي التي تعد تقليدا راسخا في الفكر الفلسفي الغربي. انه بهذا يروم الى اقتلاع الشجرة التي نما وتطور بها الفكر الغربي في كل فروعه، أي تدمير البناء الذي تأسس أصلا على مايطلق عليه القابلية للأنحلال و قيم الضعف والهشاشة.

كذلك قام نيتشه بقلب نسقية الفلسفة الافلاطونية بوصفها البنية الاساسية للفكر الميتافيزيقي والديني المسيحي القائم علي ثنائيات اخلاقية ومعرفية، وعلى اساس نظام القيم السائد. فلم يتردد من تفكيك مجمل الثنائيات الأخلاقية، وعلى رأسها قيمتي الخير والشر بوصفها من أساس الفكر الديني، بل والعمود الفقري للميتافيزيقا الغربية مقابل اعطاء الاولوية لشروط الحيوية في انتاج المعرفة متمثلة في "ارادة الحقيقة".

لقد خصص نيتشة لموضوعة "ارادة القوة" مؤلفا مستقلا بهذا الاسم مع عنوان فرعي هو " بحث في التجاوز القيمي لجميع القيم" رفض فيه كل مؤسسات القيم القائمة متمثلة في انظمة الاخلاق والفلسفة الميتافيزيقية والدين المسيحي، ودعى الى تأسيس قيم لم تؤسس بعد، قيم ارادة القوة بوصفها المبدأ الذي به يكون الكائن!

قامت مطرقة النقد النتشوي بتوجيه ضربات قوية وصارمة لدعامات الثنائيات الوجودية والفكرية التي تظهر في مقابلات مفهومية مثل: الحقيقة والخطأ، الحسي والعقلي، الجسد والروح، الظاهر والباطن، والفكر والوجود. لقد أتخذ نيتشة من الفلسفة الافلاطونية موضوعا مركزا للنقد والهدم بوصفها المرتكز والبنية الاساسية للفكر الميتافيزيقي برمته، كما عد المسيحية رمزا للعقيدة الدينية عامة، وذلك من خلال الكشف عن جذورهما الخلقية والنفسية. فــ"المنهج الجينالوجي" الذي ابتكره نيتشة تقوم مهمته الأساس في تتبع نشأة الميتافيزيقا الغربية كذلك أشكال تمثلها، والكشف عن منظومة القيم الخلقية الملازمة لها بالاحالة دائما الى الشروط الوجودية والنفعية المتأصلة في صميمها، أي الكشف عما يسكنها من رهانات ومصالح تكوًن الاسباب الفعلية المتجة لها. وأن المسيحية ليست الا افلاطونية كتبت بلغة مبسطة لاغير؛ وماهو مشترك بين الميتافيزيقا الافلاطونية واللاهوت المسيحي هو إقامة المتقابلات الثنائية الصارمة عن نظام الوجود والمعرفة، بالإضافة الى نظرة سلبية بل احتقارية لكل ماهو مادي ومتغير لصالح عالم أخروي ثابت وأزلي.

تتويجا لهذا المشروع النقدي، ينتهي نيتشة الي تأسيس نظرية جديدة في الحقيقة والمعنى استنادا الى مايسميه بـ"المنظورية المعرفية" التي يفقد معها الوجود كل مرتكزاته الماهوية والجوهرية، ويتحول الى ضرب من المجازات والأعراض، وأن فكرة التعالي لاتعد الاً هامشية وعديمة الفائدة ولابد من التخلص منها؛ فهي تشطر الوجود الي "عالم فوقي كامل وثابت" و"عالم دنيوي ناقص ومتغير"، وما يستتبع ذلك من مقابلات اخلاقية بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والصدق والكذب.

إن هذه المقابلات الاخلاقية، من وجهة نظره، ليست تحديدات وجودية ثابتة بقدر ماهي رموز تاويلية لها مسار وتاريخ. ولذلك عمل في مؤلفه "أصل الاخلاق وفصلها" على البحث عن الاصول التكوينية لمثالي الخير والشر كاشفا عن مسار تطورهما وتحولاتهما استنادا الى معادلة العلاقة بين الضعفاء والاقوياء.

الوجود الدلالة والغاية

مع تفكيك فكرة التعالي التي قام بها نيتشه يصبح العالم فاقدا لكل اساس اخلاقي ميتافيزيقي، والي كل مستند وجودي ضامن ويحال الامر مشهدا تأويليا منظوريا لاغير. إن عمل نيتشه هذا في تغييب فكرة التعالي يفقد الوجود الدلالة والغاية كما يقذف بالانسان في دوامة الفراغ العدمي. ففي مؤلفه الشهير "إرادة القوة" يصف نيتشه هذه العدمية بانها حركة الانسان من" المركز" باتجاه "المجهول" بما يشبه حركة التيه والضياع، فبغياب المركز المجهول تتداخل الاتجاهات والمسارات الى الحد الذي لم يعد من الممكن التمييز بين اتجاه فوقي وآخر سفلي، وما اذا كان تقدما أم تراجعا؟ يشبهه نيتشة هذا الامر بالاكتشاف الكوبرنيكي الذي افقد الانسان كبرياءه النرجسي عندما زعزعة نظرية "مركزيةالارض".

يري نيتشه ان كل معرفة بالوجود والحقيقة هي تاويلية من موقع العلاقة المنظورية. وخلاصة ذلك ان فلسفة نيتشة لم تبق من الوجود الا طابعه العرضي الزائل، نافية في الوقت نفسه، المقابلة بين العرضي والجوهري، ولم تستبق من المعرفة غير طابعها التأويلي النسبي، فالذات المؤولة ليست لها من معرفة الوجودغير ذاتها وشروطها الحيوية، ذلك أن الانسان لا يجد في الاشياء، في نهاية المطاف، غير ماصنعه هو بنفسه.

بناء على ذلك لا توجد ذات قصدية واعية تكون مرتكزا لعملية التاول، ولا توجد موضوعات خارجية مستقلة عن هذه الذات، فكل ماهنالك منظورات متباينة ومتزاحمة، أي عملية من التاويلات المستمرة والمتناسلة التي لانهاية لها، فما من تاويل الا ويؤدي الي تاويل آخر، وما من قراءة الا وسبقتها قراءات أخرى وهكذا؛ ذلك لان الوجود في نهاية المطاف ليس الا أعراضا وسطوحا لاماهية لهما. تمثل دعوة الغاء كل ماهو متعال التي اطلقها نيتشه تعبير عن تصدع جميع الضمانات التي كانت تسمح بتعقل العالم، وتطويحا بكل المرتكزات وجميع الماهيات، بما في ذلك الانسان نفسه الذي أصبح مجرد كائن يمزقه التشتت والاختلافات في وجود عرضي لاماهية له اصلا. بل ان القول بالغاء فكرة الكائن المتعالي سيفسح المجال أمام القول بموت الانسان نفسه، أي نهاية النزعة الانسانية التي كانت تعد الذات القصدية والواعية مصدرا ومرتكزا لإنتاج القيم والمعاني.

لقد اصبحت الذات في فلسفة نيتشة مفعولاً للعملية التاولية، وهي بهذا ليس الاً مجرد لحظة متلاشية وسط عالم لامرتكز له. وبذلك تنتهي الفلسفة النيتشوية بنزعتها الجامحة المتمردة على مواريث الفلسفة الميتافيزيقية الغربية الى إفراغ الوجود من كل اعماقه ودواخله؛ فلا بقي منه الا حركة اعتباطية لابداية لها ولانهاية، حركة يسميها نيتشه ب"العود الأبدي"ولاتبقي من معني الحياة والعالم الاارادة القوة المحضة، وقد صرح نيتشه بذلك في قوله: " هل تريدون أسماء لهذا العالم وحلا لجميع أسراره والغازه؟ إنها إرادة القوة ولاشي غيرها". وبذلك ينتهي المشروع النقدي لنيتشه، على ضخامته، الى فسح المجال أمام أخلاق العدمية واللامعني في عالم "كله بشاعة وفوضي وعبث" على حد تعبيره.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

خديجة ناصرييعتبر الفيلسوف الأمريكي صاحب النزعة المثالية جوزيا رويس من أكثر الفلاسفة تألقا في عصره، ويعتبر في الوقت عينه أحسن ممثل للحركة المثالية الأنجلو أمريكية من حيث كونه يتوسط النزعة المثالية المطلقة المتطرفة والتي يذهب مناصريها للتقليل من شأن الفردية في مقابل الانتصار للمثل العقلية المطلقة، وبين النزعة المثالية الشخصية التي غالت في تأكيدها على القدرات الفردية في مقابل التقليل من شأن القيم المجردة الكلية.

ويعد فكر رويس ذات الطابع الفلسفي الأدبي المتفرد الناتج عن جسارة عقلية نافذة، أحد الروافد المعرفية الخصبة ذات الرؤية الأخلاقية القيمية المتأنية للوجود متأثرا في مناحي كثيرة بالفلسفة الألمانية فقد وجد في فلسفة كانط الأخلاقية والمفكرين الذين جاءوا بعده نقطة انطلاق لتطوير مذهب يعترف بالمكتشفات الجديدة للعلم لكنه يتجاوز في الوقت ذاته قصوره ومحدوديته، من حيث كونه يقدم تفسيرا للواقع أكثر عمقا وشمولا، مع إفساح مجال أوسع للقيم الروحية الذابلة والفاقدة للمعنى والفاعلية في عالم يزداد إعجابا وانبهارا بالمستجدات العلمية وما حققته من أريحية وتيسير للشؤون الحياتية اليومية وما نتج عنه من سعادة آنية تلهي الإنسان عن مقاصده وتصرف نظره عن الحياة الفكرية النظرية في مقابل الانغماس المسرف في الحياة العملية والسعي الدؤوب لإرواء أوحال غرائزه المتصدعة وتحقيق مصالحه الشخصية.

ومن هنا جاءت فلسفته للتأكيد على البعد الأخلاقي للإنسان ورده لمنابع روحه الصافية التي عكر صفوها مغريات مادية جملت له الحياة وزينتها بغشاوة مزيفة حجبت عنه رأيت جوهر وعمق الحياة الحقيقية، وقدم لنا في كتابه الموسوم "فلسفة الولاء" أساس جديد لحياتنا الأخلاقية لخصه في "فعل الولاء" الذي هو في جوهره فلسفة حاضنة للإرادة والعمل الجماعي، فالولاء بتعبير رويس هو حب الفرد للجماعة واستعداده الفطري للانخراط في تجربة الحياة الجماعية بغية تحقيق ما يسميه "بالوحدة الأثيرة" أو "الجماعة المحبوبة"، فالإنسان في جوهره ذو تركيبة غرائزية تدفعه نحو التعاون الاجتماعي والميل للغيرية كما أشار إلى ذلك برغسون وعديد من الفلاسفة غيره من أمثال إميل دوركايم وماكس شيلر....الخ ممن نوهوا بأهمية الاتحاد البشري في تكتلات مجتمعية حتى ينمو فيه الاستعداد للعيش وسط جماعة سعيا لتحقيق الضبط الاجتماعي وبناء مثل قيمية مشتركة بين أفراد الجنس الواحد، فما نشهده في عالم اليوم من طغيان النزعة الفردية وارجاع قوام الحياة الإنسانية وأساسها للذات المتفردة المتميزة عن غيرها من الذوات بدعوى التحرر والتقدم لا يجد مبرراته في طبائع الإنسان الفطرية المتجذرة والمتأصلة في خلجات تجربته الشعورية، إنما مرد ذلك وأصله حصول الإنسان على قدر من الذكاء الاصطناعي ممثلا في المنجزات العلمية، ما جعله يتصرف بقوته العقلية على نحو أناني جرده من طبيعته الخيرة فأخذ يستخدم عقله المكتسب لأغراض تضر المجتمع وتواجه الإرادة العامة للمجتمع الإنساني.

وفعل الولاء كما بينه رويس ليس مجرد انفعال وإحساس عشوائي أو ردة فعل تصاحب أحداث خارجية متفرقة نابعة من شعور المرء بالخوف من فقدان مركزه ضمن الفضاء العام الذي يتواجد فيه، أو أنه حالة شعورية يبديها الإنسان بدافع الشفقة والتعاطف مع بعض القضايا ذات الحساسية في الشأن الإنساني أو مساندة بعض الأشخاص ممن يساهمون في الحفاظ على الصيرورة التاريخية وبناء مجد البشرية، أو التسليم بمبادئ عقلية تستدعيها الحياة الفكرية المنطقية للأفراد، أو السير على خطى الأولين وعلى هدى السابقين عملا بما يمليه علينا الضمير الجمعي أو الإرث العرقي المشترك...الخ، بل هو إمكانية إبداعية خلاقة يسهم في ربط مصير الإنسان مع مصير أقرانه في نوع من الوحدة والتكامل، تنصهر فيه مصالح الأفراد المشتركة في خدمة الصالح العام بحيث تصبح الغايات التي يبدي كل فرد الولاء لها نسقا يكون لكل واحد مكانه فيه في انسجام مع بقية الأفراد، ولا تتعارض أفعال كل شخص الموالية مع ولاء الآخرين لأغراضهم وغاياتهم، وذلك لا يتحقق إلا باتخاذ ما يمكن تسميته بالقاعدة الذهبية لرويس كموجه لكل سلوكياتنا وكضابط أخلاقي لكل آمالنا وطموحاتنا مؤداها "إبدأ بأن تكون مواليا للأشخاص وللغايات القرينة، ستجد أنك تنقاد بالتدريج إلى أهداف أوسع وأشمل"، وبذلك يتجرد الإنسان من أنانيته ويقتل في نفسه النزعة النرجسية بما تحمله من فرط حب الذات ويتخلص من النزعة السادية بما هي حالة مرضية تجعل الفرد يتلذذ بتعذيب الغير، في سبيل بناء مركب حضاري يتغذى بأسمى المشاعر الإنسانية وأكثرها رفعة تترجم حقيقة كون الإنسان كائن حاضن للقيم حامل في نفسه بذور التسامح والتضامن وتكريس الجهود للسير بالعالم نحو الأفضل

وبناء على ما وصل إليه رويس في تحليله للوضع الإنساني المعاصر وما لحق به من شتات وضياع وفقدان للمعنى وما يكابده الأفراد من قلق وجودي واحتضار أخلاقي وموت نفسي والذي أرجعه لغياب روح الولاء بينهم لقوله: "إن الحالة المفقودة للفرد هي حالة ألولئك الأشخاص الذين لم يجدوا ولاءهم، أو فشلوا في ولائهم بعد أو وجدوه"، يمكن التأكيد على أن عالمنا ليس بأفضل العوالم الممكنة إذا استعرنا المفهوم من ليبنتز كما يصغوه أنصار المذهب المثالي، الذين قدموا العالم على أنه خير مطلق وفي ذات الوقت تبرءوا من الشر وقدموا مبررا عقليا اعتبروا خلاله الشر جزء من خير أزلي متجاهلين بذلك الواقع العيني بما فيه من شرور، كما أن عالمنا ليس بأسوأ العوالم الممكنة كما احتضنته الفلسفات التشاؤمية التي بلغت مداها مع فلسفة شوبنهاور الذي تبرأ من الخير وقدم الكون كله على أنه شر مطلق لا يمكن تبديله أو تعديله أو اصلاحه لأن الشر هو أصل الوجود ومحركه ، إنما هو عالم قابل للتحسين كما وصفه وليام جيمس فهو يعتقد أن لدينا خيارات حرة ونعيش في كون متغير ويتخلق باستمرار وبذلك نستطيع أن نساعد بطريقتنا المتواضعة في أن نجعله أفضل وأحسن، فنحن لسنا بأشخاص عديمي الشأن والأهمية، ولسنا أفكار محددة منذ الأزل في عقل مطلق ولسنا أفراد عاطلين في إحباطات إرادة الاعتقاد، إننا أناس أحرار في عالم الجدة الذي نحاول أن نحسنه على الأقل.

وبالعودة لفعل الولاء الذي قدمه رويس كبديل عن الوضع المتشظي الذي وصل إليه عالمنا وكناظم يضبط سلوكات الأفراد ويعطيها بعد أخلاقي قيمي فإنه كما يعتقد رويس يمكن توقع ردة الفعل المباشرة لكثير من العقول المفكرة على هذه الأخلاق والتي تنحصر في القول بأن فعل الولاء ذو قيمة إنسانية متميزة يستميل النفوس ويوقد فيها شعلة لا تنضب لتحقيق التلاحم بينها، والعمل على تفعيل دوره في العلاقات الإنسانية واتخاذه منهج عملي تبنى عليه تعاملاتنا مع الغير، لكن صنوف الولاء متصارعة، فالأفراد غالبا ما يجدون غايات تجبرهم على ابداء الولاء لها، حتى أنه يتعذر في عديد المناسبات المصالحة والتوفيق بينها، فلكل جماعة بشرية أهداف تتعارض مع أهداف جماعات أخرى وهذه سنة رديئة عند الأمم المتناحرة. والإجابة التي يقدمها رويس للتخفيض من حدة الخلاف القائم بين الرأيين صياغته لمبدأ أخلاقي مفاده "فليكن لك ولاء من أجل الولاء"، فإيمانه هو أنه إذا كان الناس صادقين في مساعيهم الخاصة، ومتسامحين في الوقت نفسه مع تكريس الأناس الآخرين مجهوداتهم لمساعيهم المختلفة، وإذا كان الجميع ذوي عقول منفتحة، فإن كل صنوف الولاء تبرهن على أنها يمكن أن تتفق في نهاية الأمر.

إن القول بفلسفة الولاء عند رويس لا يأتي كمحاولة لتسليط الضوء على بعض المناطق المعتمة في فلسفات أجاد أصحابها نسج خيوطها لدواعي فلسفية تحتم علينا السبق في استثارة بعض المسائل المنسية لإثبات الجدارة الفكرية في الأوساط الفلسفية كما هو معمول به في وقتنا، إنما الدافع لذلك الإعلاء من قيمة الفلسفات الداعية للوحدة البشرية، المناضلة في سبيل تحسين السلوك الإنساني وتعديل مزاجه في تعاملاته مع الآخرين وبناء مجتمع أخلاقي قوامه التسامح والتعايش وقبول الآخر وفتح نوافذ الحوار الموصدة واحترام خصوصيات الغير بقدر يسمح باستيعاب فكرة أننا نتشارك ذات المصير في هذا العالم الذي شوهته أنانية البشر وأفقد جماليته الطمع المستبد بالنفوس المعتلة الساعية لتحقيق مجد مصطنع يشبع غرور بني البشر ويزيدهم استعلاء وقوة.

إن فكرة الولاء المشترك لا يعني قتل روح التميز والتفرد في مقابل الانتصار لفكرة التواري والانزواء تحت مظلة الجماعة المعتمة، إنما هو دعوة لخلق أسباب التنافس النزيه ورد الإنسان إلى طبيعته الخيرة التي جبل عليها في محاولة لإنقاذ المجتمع الإنساني الآيل للزوال، ومعالجة روحه المريضة التي أرهقها الصراع من أجل إثبات القوة والجدارة في عالم يقصي الضعفاء ولا يعترف إلا بمنطق المنافع الشخصية، وذلك كله بهدف بناء مجتمع حضاري يعطي للبعد الأخلاقي والقيمي والجمالي اعتبار في تكوينه لرؤية كونية عالمية مشتركة.

 

الباحثة: ناصري خديجة.

 ماستر 2 فلسفة القيم

 

حاتم حميد محسنالفيلسوفان مارتن هايدجر وجون ديوي نالا شهرتهما في الجزء الاول من القرن العشرين، لكنهما كانت لهما آراء مختلفة جدا حول البيئة. سنرى كيف يمكن تطبيق مفاهيمهما بشأن الطبيعة والطبيعة الانسانية وفلسفة العلوم على السياسة والفكر البيئي الحاليين. كان مارتن هايدجر عبّر في افكاره اللاحقة عن رفضه للعلوم الحديثة والتكنلوجيا والنزعة التجارية، بالاضافة الى ان مفاهيمه شبه الاسطورية مثل الوجود "BEING" اعتُبرت اقل فائدة للسياسة البيئية مقارنة بفلسفة ديوي الذي يمجّد هذه المؤسسات باعتبارها انتصار لكل من الامكانات الطبيعية والانسانية. غير اننا سنرى بانه رغم ان روح فلسفة ديوي قد تتناسب بشكل افضل مع الحاجات القصيرة الأجل المتعلقة بالقوانين والتعليمات البيئية والتكنلوجيا المحسنة ، لكن الرسالة الهامة لفلسفة هايدجر هي ما نحتاجه اليوم لضمان الالتزام الطويل المدى بالمحافظة على البيئة وحمايتها.

هايدجر، ديوي والسياسة البيئية

نالت المخاوف حول الاحتباس الحراري والمشاكل البيئية الاخرى اخيرا اهتماما كبيرا من الرأي العام. التقرير الصادر عن خبراء الامم المتحدة عن التغيرات المناخية في شباط 2007 يؤكد ما يقوله العديد من البيئيين حاليا: الكوكب يزداد سخونة، وهذه الظاهرة هي من صنع الانسان. الكثير من الجماعات العلمية تتفق على ان النتائج الطويلة المدى لهذه التأثيرات المناخية قد تكون كارثية لكل من البيئة الطبيعية والحضارة الانسانية. ولهذا فان صانعي السياسة البيئية يحاولون حاليا الاجابة على سؤالين رئيسيين:

1- ما هو سبب المشكلة"

2- ماذا يجب فعله نحوها؟

عرض العلماء اجوبة واضحة بهذا الخصوص، وهي ان الاحتباس الحراري نجم عن انبعاثات الغاز من البيوت الزجاجية، وان الحل للمشكلة يكمن في تقليل انبعاث الغازات عبر استخدام تكنلوجيا محسنة وسياسات وتعليمات جديدة.احدى الافكار الاخيرة في الولايات المتحدة هي إدخال تغييرات في الضرائب الفيدرالية لتشجيع الشركات على تطوير و استعمال طاقة بديلة.

بالطبع ، يميل الفلاسفة دائما للنظر الى كل من الاسباب والحلول لهذه المشكلة بطرق اكثر تعقيدا مما يقوم به معظم العلماء. الفلسفة البيئية تتضمن اشياءا مثل الاخلاق ، الميتافيزيقا وفلسفة العلوم.

واذا كانت الفلسفة البيئية الحالية تشكل حقلا ثريا ومثمرا للدراسة، فانه من المفيد احيانا ان نأخذ نظرة عن اصولها الفكرية. مع ان جون ديوي ومارتن هايدجر عاشا قبل ان تصبح مشاكلنا البيئية الحالية في الواجهة، لكنهما مع ذلك لديهما الكثير ما يقولانه حول العلم والطبيعة وعلاقات الانسان مع العالم الطبيعي.افكارهما حول هذه المواضيع وفّرت اساسا قويا يرتكز عليه الكثير من الفكر البيئي الحالي. الفلاسفة الحاليين امثال Michael Zimmerman و Bruce Foltz دمجوا افكار هايدجر مع الفلسفة البيئية ، بينما فلاسفة اخرون امثال Andre Wlight و Larry Hickman طبّقوا برجماتية ديوي على البيئة. وهكذا فان فحص بعض المفاهيم الاساسية لهايدجر وديوي يمكن ان يوفر افكارا هامة لبعض القضايا الفلسفية السائدة في نقاشات السياسة البيئية الحالية. في الحقيقة، رغم ان هايدجر وديوي يشتركان بافكار معينة ملائمة بيئيا لكن الاختلافات بينهما كانت اكثر وضوحا، خاصة تجاه قضايا مثل الاحتباس الحراري. مارتن هايدجر (1889-1976) كان مرتبطا بالحركة الفلسفية في القرن العشرين التي سميت بالفينومولوجي والوجودية . تفكيره، كما سنرى كان مضادا للحداثة مما قاده لنقد التكنلوجيا والتجارة والعلوم النفعية ، خاصة في كتاباته اللاحقة.وبما ان هذه الاشياء هي مكملة جدا للعالم الحديث فهناك احساس بشبه رفض للفكر اللاحق لهايدجر(رغم انه اعتبر نقده للحضارة الغربية كرؤية وتطلع الى الامام).

مقابل ذلك، نجد الفيلسوف الامريكي جون ديوي (1859-1952) قد تبنّى بحماس روح الحداثة . كان له ارتباطه القوي بالحركة الفلسفية المعروفة بالبرجماتية ، فلسفته سميت ايضا بالآداتية و التجريبية. على خلاف هايدجر، هو اعتبر العلوم، التكنلوجيا، التجارة تعبيرا خلاقا للطاقة الانسانية. لذلك هو كان داعما قويا لهذه المؤسسات وتأثيرها الثقافي مقارنة بهايدجر.

طبيعة العلوم وعلوم الطبيعة

كلا المفكرين وبدون شك آمنا بوجود ارتباط عميق بين المشاكل الحالية مثل الاحتباس الحراري والقضايا الاكثر تجريدية مثل فلسفة العلوم ، ميتافيزيقا الطبيعة، وطبيعة الانسان. لكنهما ايضا لا يتفقان على طبيعة هذا الارتباط. فلسفتاهما تتفقان بان العلوم والتكنلوجيا صاغتا علاقات الانسانية مع العالم الطبيعي ، لكنهما لا يتفقان على ماهية هذه العلاقة، وكيف حدثت وماذا تعني.

مفهوم هايدجر عن العلوم والتكنلوجيا هو مفهوم سلبي.في عمله اللاحق ، هو وصف الميراث العلمي كتجسيد لعدم احترام الانسانية للعالم الطبيعي وعزلتها عنه. هذا الميراث الذي يبدأ بفلسفة وثقافة اليونان القديمة ويتصاعد حتى يصل ذروته في العلوم وفلسفة الحداثة، هو من حيث الجوهر ظاهرة روحية. قبل سقراط أجاد الاغريق التساؤل الممتاز واسطورة الوجود ( Being) كما يسميه هايدجر، وبدأوا بتطوير الفلسفة والعلوم لوصف هذه التجربة. غير ان معنى التجربة كان رائع جدا وعميق، لذا بدأ مفكرون امثال افلاطون وارسطو بالاهتمام بكل من الفلسفة والعلوم كتفسير منطقي للعالم الطبيعي بدلا من الاحاسيس الشاعرية حول هذه التجربة الاسطورية للوجود. هذا التفسيرات جعلت العالم الطبيعي ممكن التفكير به عقليا، لكنها قامت بهذا عبر تجاهل الانكشاف الاصلي للوجود. هذا جعل اي اعجاب عميق بوجود الطبيعة مستحيلا، وقاد الى اغتراب متصاعد للانسانية عن الطبيعة في الفكر والثقافة الغربيين.

ان تطور العلوم والتكنلوجيا في عالم ما بعد التنوير هو تعبير عن هذا الاغتراب. العلوم والتكنلوجيا طبقا لهايدجر "اطّرت" حاليا العالم الطبيعي بتحويله الى مجرد شيء للدراسة التجريبية لغرض الاستغلال التجاري.اصبح العالم الطبيعي مستودعا احتياطيا للاستغلال التقني . "العلوم تهاجم الطبيعة.... الزراعة هي الان صناعة الطعام ميكانيكيا. الهواء الان يُستخدم لتوليد الاوكسجين، الارض تنتج اليورانيوم .. حتى نهر الراين ذاته يبدو كشيء تحت سيطرتنا... التجلي الذي يحكم في كل التكنلوجيا الحديثة له سمة الهجوم. (السؤال المتعلق بالتكنلوجيا، ص 320، 321).ومن هنا، يأتي ايمان ديكارت بان هدف العلم هو انجاز (الهيمنة وامتلاك الطبيعة) وان هذا الهدف انجز وظيفته الكاملة في الحياة الحديثة.العلم حوّل الطبيعة من تجلّي حي للوجود الى مصادر تجارية وفكرية.

يتفق ديوي مع هايدجر بان العلم الحديث له اصوله في الحياة الفكرية لليونان القديمة، ومنذ ذلك الوقت غيّر العلم علاقة الانسانية مع العالم الطبيعي. غير انه خلافا لهايدجر، يرى ميراث العلوم كمحرر وتنويري بدلا من الهيمنة والاغتراب. ورغم ان المؤسسين الكلاسيك للفلسفة والعلوم الغربية كانوا منخرطين في بحث عقيم عن اليقين، بحث عن المعنى الابدي والمقدس للطبيعة، فان العلم الحديث ومنذ التنوير اصبح وسيلة اكثر تطبيقية لتأطير الاسئلة اللامحدودة وايجاد فرضيات مؤقتة . على خلاف فلسفة العلوم وثيولوجيا العصور القديمة، فان العلم الحديث لم ير للطبيعة اي بناء ميتافيزيقي مقرر. الطبيعة كموضوع للعلم الحالي هي بناء ديناميكي تعاوني لذهن الانسان. طبقا لديوي، العلوم خلقت "عالم طبيعي لا يسعى لأجل ادراك مجموعة ثابتة من الاهداف"و "هو نسبيا مرن ومطاطي، يمكن استخدامه لهذا او لذاك".(البنيوية في الفلسفة، ص 70).

يتفق هايدجر مع ديوي بان هذا في الحقيقة هو ما حدث، لكنه يعتقد بان ذلك شيء سيء. مع ذلك، يرى ديوي فضل العلم الحديث كأكبر حدث محرر في تاريخ الافكار، ويمجّد امكاناته لتحفيز الطاقات الانسانية، داعيا الى "نقل الطريقة التجريبية من حقل العلوم الفيزيقية الى الحقل الاوسع لحياة الانسان". ديوي يستنتج بانه في العالم المعاصر :

"الطبيعة كما هي موجودة سلفا لم تعد شيئا يجب قبوله والخضوع له ، يستمر ويُتمتع به كما هو. انها الآن شيء قابل للتعديل ، ليكون بالامكان السيطرة عليه عمدا.انها شيء مادي نعمل تجاهه لكي نحوله الى اشياء جديدة تستجيب بشكل افضل لحاجاتنا" (البحث عن اليقين ص 80، 81).

في الحقيقة، هذا هو بالضبط ما يجب ان يكون، لأن الطبيعة مصدر القدرات الانسانية وان النتاج التطوري النهائي للطبيعة هو المقدرة الانسانية لتحويل الطبيعة ذاتها.مقدرتنا على تطويع الطبيعة لرغباتنا هو مظهر للطبيعة. ان تحسين ظروف الانسان عبر استغلال وتحويل العالم الطبيعي عبر العلوم والتكنلوجيا والتجارة والفنون هو الانجاز الاسمى للطبيعة.

بالمقابل، يميل هايدجر للنظر للطبيعة كـ"شيء يجب قبوله والموافقة عليه"كانكشاف لشيء مقدس وفوق الطبيعي (وجود) تفقد معه الانسانية الاتصال عندما يتم التعامل معه كشيء للمعرفة العلمية او الاستغلال التجاري. تحطيمنا للعالم الطبيعي هو مؤشر لاغترابنا الروحي عن المصدر النهائي للمعنى في حياتنا. كوننا اختزلنا الوجود الى عالم الاشياء العلمية التكنلوجية التجارية، فان الانسانية تجد ذاتها الان وحيدة في عالم تافه من الموارد والسلع. كوننا فصلنا الطبيعة عن ارضيتها المقدسة الباعثة للحياة تكون الانسانية قد سرقت القيمة الباطنية للطبيعة ولذاتها .الطبيعة الان تبدو بلا حياة و بلا معنى .

وهكذا سيكون "التشرد" كما يسميه هايدجر هو مصير العالم (رسالة حول الانسنة، ص 243)، وان العلاج الوحيد لهذا المأزق والذي يشك فيه هايدجر رغم الدعوة اليه، هو ان ترفض الانسانية " جنون العقلنة"، والتكنلوجيا والتجارة لصالح الحرية". انها تستلزم موقف من السكينة والاحترام العميق والتقدير للطبيعة كشيء مقدس في احتفال الوجود. في مثل هذه الحالة سيتم الاحتفال بالطبيعة مرة اخرى كمصدر للتساؤل ولم تعد تُستعمل كشيء للاستغلال.

العلم، الطبيعة، السياسة البيئية

كوننا فحصنا الرؤى المتضادة لهايدجر وديوي حول الانسان والطبيعة فان اجاباتهما لأسئلتنا الاصلية بشأن الاحتباس الحراري قد تبدو واضحة. في ضوء قبوله القوي للروح العلمية "النشطة"، ديوي ربما يرى الاحتباس العالمي كنتيجة للحسابات الخاطئة لأهدافنا الجمعية والطرق المتعلقة بالتكنلوجيا والبيئة. الحل المحتمل لديه يستلزم تقييم الكيفية التي تأثرت بها تنميتنا(بعدة مستويات) بهذه الظاهرة، ومن ثم نعيد تقييم افضل طريقة لاستعمال التكنلوجيا المسؤولة عنها.

تصوره الراديكالي الديناميكي الغير مقيد لكل من الطبيعة والطبيعة الانسانية سيجعل هذه التقييمات شائكة جدا ، فاذا كانت الطبيعة والتطور الانساني في تدفق ابدي ودائم ، ليس لهما بناء متأصل ، وكانا يطوران باستمرار بيئة من علاقات متبادلة هما جزءا منها، عندئذ سيصبح من الصعب جدا حتى تعريف ماهية البيئة الطبيعية دعك عن معرفة ما هو مؤذي او غير مؤذي لها.لاشيء هناك باطني او ضروري للطبيعة وفق رؤية ديوي. انها خطة لا تنتهي ابدا حدودها لايمكن تعريفها و "هدفها" هو مسالة تفسير. مااذا كانت السياسات الحالية مفيدة او مؤذية للطبيعة هي مسالة تفسير ايضا. وان تفسيراتنا هي غير مؤكدة وتتغير مع كل تغيير مؤقت في القيم والحاجات والرؤى العالمية.في الحقيقة، ان روح برجماتية ديوي ترى ان هناك طرق لاتزال غير متصورة فيها قد يعمل الاحتباس الحراري العالمي فعلا على تعزيز طاقات الانسان وتحسين البيئة.

من جهة اخرى، جواب هايدجر ربما لا يمكن التنبؤ به لو انه اختار الاجابة. البعض اقترح انه لديه جذور واضحة في رفضه للعلم والتجارة والثقافة الحديثة عموما. اخرون ادعوا ان الافكار شبه الاسطورية مثل الحرية والوجود واللاشيئية التي سيطرت على كتاباته الاخيرة قادت الى عدم الاهتمام بالشؤون العالمية . اخرون اقترحوا وجود دوافع انانية خلف عدم رغبته بالدخول في هذه القضايا الشائكة. ومهما كانت الاسباب، فان هايدجر ادّعى بان الانسانية والطبيعة وصلتا الان الى نهاية امكاناتهما وان الانسانية لا يمكن ان تأمل في "صنع" طرقها في ظل الاستياء الروحي الناجم عن اغترابها عن الوجود بوسائل العلم والتكنلوجيا. الوجود استنزف الان امكاناته في لاشيئية، هذا يكشف ذاته في الثقافة المعاصرة كعدمية ولا معنى. الحضارة العالمية سُيطر عليها من جانب الفكر البرجماتي الذي لا شيء فيه ذو قيمة داخلية مقدسة. انحدار الطبيعة الى منزلة تكون فيها مجرد مصدر للتكنلوجيا والصناعة هو مثال لهذه العدمية. لسوء الحظ، هايدجر يقول ايضا ان اي محاولة لتصميم حل علمي آخر لهذا المأزق سيكون استمرارية للتفكير العدمي الذي هو سبب المأزق.السياسات العامة المتولدة علميا، المبادرات الايكولوجية والتعليمات البيئية هي جزء من نفس الذهنية التي تؤطر او تشيء الطبيعة عبر السيطرة واستغلالها بالعلم والتكنلوجيا.لا الانسانية ولا الطبيعة يمكن استعادتهما وحمايتهما بهذه الطريقة. في الحقيقة، طالما الأمل الوحيد لمواجهة اصيلة مع الطبيعة (الوجود) تستلزم الاعجاب بها بحرية ذلك يعني (تركها لتكون) بدلا من محاولة تغييرها او تحسينها.هايدجر يبدو انه يدّعي ان عدم التدخل وعدم الفعل هو احسن طريقة للعمل. نحن يجب كما يقول ان ننتظر بصبر الى صمت صوت الوجود ليكشف عن ذاته مرة اخرى. ولكن يجب ان يأتي الينا من خلال ممارسة نوع من السكون فيه يتوقف في نهاية المطاف "جنون العقلانية".

ان ترجمة هذا الى سياسة بيئية حقيقية هو مسألة تخمين لدى كل شخص. وان المفسرين المعاصرين لهايدجر هم بالتأكيد يقومون بالمزيد من التخمين لكن بعض الامكانات العامة تأتي الى الذهن. بيئيا، هايدجر هو وارث ميراث اسطورية مسيحية القرون الوسطى، المثالية الالمانية والرومانسية، وهو ملهم للكثير من التفكير المعاصر المرتبط بـ "الايكولوجيا العميقة". هو يشجع على الشعور القوي بالوعي وتثمين العالم الطبيعي كمكان اقامة للمقدس. مع هذا الوعي والتثمين ربما يأتي تحولا عاما في الوعي العام- تجلي متجدد للوجود – الذي يمكن ان يقود بدوره الى طريقة جديدة في اقامة حقيقية او العيش بانسجام مع العالم الطبيعي.

مثل هذا العيش سيقود بسهولة الى سياسات تحافظ على هذا الانسجام. غير اننا لا نستطيع عمل هذه السياسات ما لم يحدث اولا تحولا في الوعي.

ان آراء ديوي هي منسجمة مع روح العلم البرجماتي والتكنلوجيا والتجارة، وهي يمكن تطبيقها بسهولة على السياسات البيئية الملائمة مثل تكنلوجيا قليلة الكاربون في الصناعة، وتعليمات دولية بخصوص الانبعاثات الغازية من البيوت الزجاجية، ومعايير بيئية وفق بروتوكول كايوتو. هذه هي ابتكارات مؤقتة ومرنة صنعتها الاحزاب السياسية والتجارية ذات المصلحة وهي مرتكزة على استنتاجات مؤقتة وغير مؤكدة وعرضة للمراجعة. ديوي لا يشترك مع هايدجر في عدم تعاطفه مع الحداثة، وهو يرى المشاكل البيئية كحوافز لبحوث اخرى وتحسينات بدلا من ان تكون نهاية القدرات الانسانية.وبينما يوافق ديوي على الوعي الهايدجري والاعجاب بالعالم الطبيعي لكنه يرى هذا فقط مقدرة واحدة من بين العديد من القدرات التي يمكن استخدامها لحماية وتحسين البيئة الطبيعية التي تشكل الانسانية جزء مكمل لها. ان محادثات التغيرات المناخية القائمة في معهد الارض بجامعة كولومبيا والتي يبحث ويتبنّى فيها مختلف العلماء والشركات والمنظمات المدنية وجماعات الفعل السياسي من كل العالم بيانات شمولية حول العلم البيئي والسياسة، تبدو بالضبط نفس ذلك النوع من المبادرات التي يدعمها ديوي.

واذا كانت اراء هايدجر تبدو متطرفة من حيث ضرورات التطبيق في موقفنا الحالي، فان اتجاه ديوي الاكثر عملية هو حساس للنقد الهايدجري . هايدجر ربما يقول ان محاولة حماية وتحسين الطبيعة من خلال اللجوء الى العلم هي محاولة يائسة تجعل المشكلة اكثر سوءا.وقد يبدو بالفعل كل "حل" جديد للمشاكل الطبيعية في النصف القرن الماضي قد خلق مشاكل جديدة، آخرها فقط الاحتباس الحراري العالمي.(بعض الحلول العلمية المقترحة هي مثيرة للتشاؤم بدءا من مظلات عملاقة لحماية الفضاء او اطلاق مواد غازية في طبقات الجو العليا الى نشر غيوم مائية في الهواء من المحيطات). وهكذا فان اللاّ تطبيقية في افكار هايدجر العميقة تجعلها عمليا افكار تستحق الدراسة . من الواضح ان الانهيار البيئي هو نتيجة لتأثير التكنلوجيا والتجارة على العالم الطبيعي ، وان التقدير الذي يدعو له هايدجر سوف يخلق اهتماما واحتراما عميقين للطبيعة. ما نحتاج اليه لحماية البيئة في المدى البعيد هو ليس العلاجات القصيرة المدى وانما لنوع من التحول في الوعي العام العالمي بدلا من ابتكارات تكنولوجية ديوية اخرى.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسفبعدما جعلت الماركسية من الميراث المادي الهيجلي، فلسفة مثالية ابتذالية في تفسير المادة والتاريخ، وبعد ان اعتمدها ماركس بمنهج مادي جدلي مغاير محسّن، اطلق مقولته الشهيرة بانه – ماركس – اوقف التفسير المثالي الهيجلي للتاريخ على قدميه بعد ان كان اوقفه (هيجل) مقلوبا على راسه. مختتما ماركس وصف (هيجل) بعبارة لاذعة، اوردها المفكر المجري جورج لوكاتش في فصل الكتاب الذي نعرض فيه الافكار: (ان تنبيه ماركس كي لانعتبر (هيجل) كلبا فاطسا، ظل حرفا ميّتا للكثير من الماركسيين المخلصين)(1)، بهذه العبارة القاسية نعت ماركس الفيلسوف الذي انار له الطريق لاول مرة في التاريخ الفلسفي في تفسيره المادة والتاريخ ماديا جدليا، وساعد هيجل بمهمته الفلسفية الرائدة الخصبة ما اطلق على تسميتهم الشبان الالمان الهيجليين ماركس، انجلز، باور، شتيرنر، وابرزهم فويرباخ، الذي لم يخلص هو الآخر من شتائم ماركس.

يمكننا أن نقرر منذ الآن وهو ما سيتوضح معنا لاحقا بأن التوسير وما صدر عنه من افكار فلسفية وآراء، اعتمدناها من كتاب محمد علي الكبسي/ قراءات في الفكر الفلسفي المعاصر/ الفصل الأول: التوسير ومنطق الاختلاف. متعكزاً مسندا ظهره في الهجوم على مثالية (هيجل) المدانة منذ قرنين تقريبا، مقدّما قدما، مرجعا اخرى في الوثوب على كتاب راس المال الذي وصفه (ان راس المال لم يعد شيئا منتجا، بل حاملا لمفعولات العلاقات باعتباره بنية، فهو أبعد من أن يشير إلى الواقع لأنه منتج للواقع من خلال قوانينه)(2).

لا بد من التنبيه بأن مصطلح (بنية) لدى التوسير يعني حامل العلاقات المنفرزة عن واقع معين، أوعن فاعلية ذهنية معينة، وليست (البنية) كما نتداولها في ادبيات الايديولوجيات السياسية والفلسفة، انها تموضع اجتماعي في الواقع، فمرّة (البنية) عند التوسير تمّثل علاقات الانتاج وفي ثانية كما مرّ بنا هي مرادف (كتاب رأس المال)، وهكذا....

التوسير أحد اقطاب البنيوية الفرنسية، ليس الوحيد الذي يعتبر فلسفة (هيجل) أبتذالية، وانه كلب ميّت، وفخ يتوجب مجاوزته كما ورد في الكتاب على لسانه ص24، في هجومه الاستهدافي اللاذع على فلسفتي هيجل وماركس، والتشنيع بهما، كانت تلك أداته التي أعتمدها في محاولته كسر العمود الفقري للفلسفة الماركسية في ارثها المتبقي كتاب راس المال، والمادية التاريخية. وفي مسعاه هذا اراد ان يبني التوسير لنفسه فلسفة نظرية تعتمد اللحظة العلمية فوقع في مطّب الابتذالية هو الآخر، فهو اراد اقامتها على تصفية جدل (هيجل) ومصادرة ارثه الثقافي في التفسير المادي للتاريخ، طالما سبق وان اعطى ماركس الضوء الاخضر لمن يأتي بعده، وينعت هيجل بالكلب الفاطس، كما فعل هو من قبل، وحرف ساقط لدى الماركسيين المخلصين في تعبير لوكاتش!!.

التوسير كما يذهب المفكر محمد عابد الجابري اعتمد تطبيق (البنيوية) والاستعانة بعلم اللسانيات المعاصر، والانتروبولوجيا البنيوية في كتابيه (مفهوم القراءة)، و(القراءة الجديدة) في دراسة الارث الماركسي الفلسفي والايدولوجي، وهي دعوات – حسب الجابري – لايمكن ان تؤدي الا الى طرق مسدودة، الا الى تكريس الانحطاط والجمود بدعوى اخضاع المتغيرات الى الثوابت التي تحكمها، وذلك لان البنيوية باهتمامها بالكل اكثر من الاجزاء، وبنظرتها الى الاجزاء في اطار الكل الذي تنتمي اليه ضرورية لاكتساب رؤيا اشمل واعمق، لا تكفي وحدها، ويؤكد الجابري انه لا بد من المزاوجة بين البنيوية وبين النظرة التاريخية التي تتبع الصيرورة وتعمل جاهدة على ربطها بالواقع لاكتشاف العوامل الفاعلة فيها الموجهة لها .(3)

اعتبر التوسير: (ان هيجل حّول المادية التاريخة إلى نظرية لا انسانوية ولا تاريخانية)(4) معتمدا تعبيرا غير موفق ولا متطابق مع سياق تفكيره لماركس قال فيه: (الغاية النهائية لكتابي هذا رأس المال، انما هو الكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع) (5) وفعلا هذا ماحققه ماركس، فما علاقة (هيجل) بذلك!؟ والمادية التاريخية!؟ التي نزع عنها التوسير تاريخيتها وانسانيتها .

السؤال الذي يفرض نفسه، هل بامكان ماركس الاتيان بقانون اقتصادي يكشف به حركة المجتمع، يأتي به من فراغ انساني/ تاريخي، كما يرغب مقاس التوسير وذوقه!! فالتوسير لايعترف بواقع عيني بدليل قوله: (اذا كانت البنية هي الثابت الوحيد القابل للمعرفة باعتبارها علاقات انتاج، واذا كانت لاتتكوّن الا خارج كل صلة مباشرة مع العيني، فهي اذن ليست ترجمانا للواقع بل انتاجا يتحدد فقط من خلال التصورات والمناهج) (6) ويقول ايضا: (فالواقع ليس موجودا بل يتحول إلى موجود، والعملية الحقيقية، تتمثل في الممارسة النظرية، وهذا يعني ان هذه الاخيرة تعني تطورا لمجمل تاريخ المعارف، هذا التطور لا نبلغه الا بالابتعاد عن الزوج (راس المال/ تناقض) لان التناقض يجب فهمه نظريا على انه فعالية واسلوب تتمظهر فيه البنية ومن هنا جاءت ضرورة مصادرة الارث الهيجلي)(7).

ايهما اكثر مثالية ابتذالية التوسير صاحب العبارات الجوفاء المار ذكرها بين قوسين، ام مثالية هيجل في التفسير المادي للتاريخ!!؟ من المعلوم لابسط مثقف ان القوانين الاقتصادية في راس المال الذي ينكره التوسير مزاوجاً معه بالرفض ديالكتيك هيجل، ان ماركس توّصل لها من خلال ابحاثه الفلسفية ووقوفه سنين طويلة على دراسات معمقة موسوعية في الانثروبولوجيا، الاقتصاد، الاجتماع، الفلسفة، الادب، وكان نتيجتها ان بسطت امامه التطور الديالكتيكي البشري منذ العصور الحجرية وصولا إلى العصور الرأسمالية والامبريالية. واذا كان ماركس رأى في المادية التاريخية لهيجل لا انسانيتها ولا تاريخيتها، فلماذا اعتمدها ماركس في منهجه المادي واوقفها على قدميها بدلا من راسها!؟ وافاد منها كثيراً... ام ترى ان التوسير اكتشف ان ماركس في كتابه راس المال كان يدرس تطور التاريخ البدائي للحيوان مستفيدا من نظرية النشوء والارتقاء لداروين، بدءا من العصور الحجرية وانتهاءا باقفاص حدائق الحيوان في المدن !؟ كي يستنبط قانونا اقتصاديا للبشر وليس للحيوان!؟. محاولة التوسير بناء مثالية فلسفية هّشة، مستفيدا من الهراء الفلسفي الغربي يلصقه بالماركسية على اعتبار انها عاشت قرونا عديدة في وهم الايدولوجيا، والتقسيم الطبقي المتناقض للمجتمع(وكانما عالم اليوم خلوّا من التناقض الطبقي). كل الدلائل الواقعية التي تعيشها شعوب الارض اليوم تشير الى حقيقة التقسيم الطبقي المتناقض بين الاغنياء والفقراء في المجتمعات عالميا، وفي ضرورة وضع حلول معالجته عالميا.

ينسب د. محمد علي الكبسي معد فصل التوسير ومنطق الاختلاف عبارات الاطراء التي تقول: (رأى التوسير في كتاب راس المال مالم يره غيره – هكذا – وهو انه ليس افراداً متعينين، بل علاقات انتاج تتمظهر في شكل بنية وهذه الاخيرة هي الفعلة الحقيقيون في التحولات الاجتماعية)(8).

الملاحظ الغريب ان يصطدم القارئ مباشرة بتساؤل جوهري، هو كيف يتسنّى امكانية فصل علاقات الانتاج (كحامل) متمظهر لبنية طبقية مفروزة عن المجتمع، ؟! اشرنا سابقا بان مفهوم البنية الاجتماعية أو الطبقية لدى التوسير لاوجود حقيقي لها، بغير المنطلقات الفلسفية البنيوية، فجميع هذه المفاهيم ودلالاتها لدى التوسير (محمولات) نظرية لا أكثر يمكن ان نجدها في علوم المعرفة الحديثة. كما ان التوسير يتجنّب بشّدة ربط أي (بنية) التي هي مجرد (علاقات فقط في فلسفته) بالواقع وعلاقتها بشبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، السائدة في مجتمع ما معيّن. فهو يعتبر البنية لأي مدلول واقعي، يتحول إلى علاقات نظرية، وهي الحقائق والمحمولات التي يجب دراستها بمنظومة مفهومية. بتأكيده على (اللحظة العلمية)... كيف يتحقق ذلك، هناك في فلسفة التوسير الجواب!!؟.

كيف يمكننا السير مع نظرية التوسير بوجوب اعتبار (البنية) التي هي في تصديه لكتاب رأس المال، والمادية التاريخية، هي علاقات الانتاج فقط!! وهي وحدها تقوم بخلق راس المال، متجنبا الاشارة لقوى الانتاج وملكية وسائل الانتاج، وفائض القيمة وسخريته من التناقض في الطبقة والمادة، وينكر أي وحدة ترابط للبنية مع الواقع العيني للمجتمع.

كما اشرنا سابقا، التوسير يتعامل مع (البنية) كحامل علاقات يعاملها نظريا ومفهوميا، بضوء معطيات تطور علوم المعرفة، لذا فهو يسخر من التحليل المادي الجدلي. معتبرا اياه من مخلفات الوهم الايديولوجي ولايمكننا ان نجني جديدا من فلسفة التطور الابتذالي الهيجلي والماركسي، مثل قانون نفي النفي، وحدة وتناقض الاضداد في خلق الظاهرة المستحدثة... طبيعي القول التوسير من خلال آرائه الفلسفية لايتطرق للتقسيم الطبقي المادي للمجتمع ويتحاشاه بلغة فلسفية مثالية صرف. كما يتحاشى جدل العلاقة بين البنية التحتانية – بحسب المفهوم المادي الجدلي – للمجتمع مع البنية الفوقانية المفروزة عنها المتواشجة معها ودلالاتها مثل الوعي الفكري، الدين، الايديولوجيا، الثقافة، الادب، الفنون، فمثل هذا التصنيف الميكانيكي اصبح ارثا قديما، الغى الخصوبة التي تحتويها الفلسفة الماركسية على حد زعمه، وهذا التقسيم، غير حقيقي ولا وجود (عيني) له، ولا معنى له بوجود (بنية) التوسرية، هي حوامل نظرية تعوض عن كل ذلك.

يؤكد التوسير على لسان المؤلف الكبسي: (ان هدفه – التوسير – تخريج الانتاج النظري في جعل المادية التاريخية، ممارسة نظرية – هكذا – في تاريخ انتاج الممارسات النظرية، وذلك عن طريق تحويل مواضيع المادية التاريخية وفصلها عن جدل الواقع العياني، وتحويلها من مجرد مواضيع عاكسة للواقع إلى تصورات تنفصل عن الواقع لأنها تحولت إلى منظومة مفهومية)(9).

واضح اكثر من السابق منهجية التوسير الفلسفية المثالية، في تأكيدها التعامل المعرفي النظري، واسقاط علوم المعرفة الحديثة على موضوعات المادية التاريخية، وفصلها عن جدل الواقع والتاريخ، فقد اصبحت من وجهة نظره الفلسفية مفهومات كلاسيكية مبتذلة، تمثل فقط مجموعة من المعارف القاموسية، لانها جميعها من امراض اوهام اخطاء الايدلوجيا كما اسلفنا، واتحفنا به .

من اكبر الاخطاء التي وقع بها التوسير متعمّدا قاصدا، هي انه اكتفى بقراءة الماركسية على انها فلسفة تجريدية مهمتها تفسير العالم وليس تغييره، في حين هي ايديولوجيا ثورية مجتمعية سياسية تقوم على فرز مصالح الطبقات.

يؤكد التوسير ايضا: (اما الافراد والبشر الواقعيون وكل فعالياتهم، ليسوا سوى مشكلة زائفة تسربت من الارث الهيجلي، وهكذا يتأكد ان (البنية) وحدها تتمكن من العودة إلى (الكلية) بصيغة علمية) (10).

فقط البنية التي هي عند التوسير، كما اشرنا سابقا هي علاقات الانتاج، وهي حامل فعالية مستقلة في منهجه وهي كما قال وذكرناه (البنية) هي الثابت الوحيد القابل للمعرفة باعتبارها علاقات انتاج. ويجهر المؤلف الكبسي اكثر بهذه الطروحات حين يؤكد: (ان الشكل الأول لفعالية التوسير يتجسد في كونه يريد رفع محتوى الصراع الطبقي إلى المستوى النظري، فالمقصود لديه يتمثل في قطع كل تعامل مألوف وحسي مع نصوص ماركس من خلال انتظام عملي، يدحض اكبر قدر ممكن من المادية التاريخية، سلسلة المفاهيم الهيجلية، لا لكونها لاتكفي، بل لكونها توقعنا في الخطأ)(11).

التوسير في مواربة بائنة يريد استبدال و رفع محتوى الصراع الطبقي من الواقع الاجتماعي إلى مستوى الفلسفة النظرية، المعرفية التجريدية، المعزولة عن المتعارف والسائد والمألوف، وطبيعي هذه الرغبة لا تتاح لألتوسير ولا تتحقق من غير الاجهاز على سلسلة المفاهيم الهيجلية، في الحركة، والجدل، والتناقض، وحدة الاضداد وتطورها. يريد التوسير جعل كل هذه السلسلة وغيرها افكارا معرفية نظرية مجردة غير تطبيقية. لو جاز لنا التعبير عن المفاهيم الانسانية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها على وفق منطوق رياضي تجريدي، فهذا ايضا موصول بالواقع غير مقطوع ومنفصل عنه، ولاثبات صحة اية معادلة في مجال علوم الطبيعة في الفيزياء أو الكيمياءاو الهندسة مثلا، يلزمنا العودة إلى مختبر التجريب العلمي. فكيف الحال ونحن نتعامل مع افكار ومفاهيم وقوانين ومعطيات ونظريات كلها تدخل في الحقل الانساني للمجتمع في مجمل مناحي حياته. بشر تسودهم علاقات وضوابط اجتماعية وسلوكية وقوانين تنظيم الحياة، كلها مجتمعة مع غيرها مسرحها الواقع الميداني الحقيقي لوجود الناس .

يبني التوسير على ما مر ذكره، تجريديته الفلسفية المثالية في ما نصّه على الصفحة نفسها المذكور في الاقتباس السابق بين قوسين منها قائلا: (الاهمية هي ان تصبح حقيقة اسبقية العلاقة على الكينونة، هذه الاسبقية كان قررها ماركس في اطروحته السادسة حول (فويرباخ) حيث كان قد قال ماركس: (ان الفرد هو جملة (علاقاته الاجتماعية) ... من هنا يكون واضحا القول ان الطريقة الجديدة لقراءة راس المال تكمن في تسطير الحد الفاصل بغية استبدال موضوعات نظرية المعرفة المتعلقة بالبشر، بموضوعات تهتم بالعلاقات التي يظهرون عليها لان الفاعل الرئيسي والوحيد ليس سوى علاقات الانتاج فهي المولدة لرأس المال وليس التناقض أو تطور التناقض)(12) من هذه العبارات المارة الذكر نود تثبيت:

• الفرد هو جملة علاقاته الاجتماعية، بضمنها بالتأكيد العلاقات الاقتصادية والثقافية وغيرها، وهي عبارة صحيحة سليمة لماركس، أراد التوسير توظيفها في صالح افكاره فأخطأ الاختيار. ماركس لم يقل العلاقات الاجتماعية تسبق الكينونة او الوجود. فالوجود سابق على العلاقات الاجتماعية ومنتج لها.

• لا وجود لعلاقات اجتماعية بدون مجتمع بشري، ولا يمكن الفصل بينهما ولا احلال احدهما محل الاخرى، او عوضا عن الاخرى في تناوب وظيفة استبدالية نظرياوفلسفيا فقط، معزولة عن الحياة المادية الواقعية لمجتمع بشري.

• يفهم التوسير ان علاقات الانتاج وحدها فقط هي المولدة لراس المال، وليس التناقض الطبقي، أو تطور هذا التناقض على حد ماورد في عبارته، وفي هذا يرغب التوسير الغاء جدل وحدة الشغيلة الاجتماعية مع علاقات الانتاج وملكية وسائل الانتاج وناتج راس المال، وفي هذا التجزيء الالغائي تنتفي الطموحات الاقتصادية الطبقية المشروعة لأمم وشعوب تكافح من اجل حياة افضل.

• يلغي التوسير ابجدية الجدل الديالكتيكي الهيجلي، وما بني عليه ماركسيا معتبرا ان ما بني على خطأ، هو الاخر خطأ ايضا. والعكس المثبوت تاريخيا فلسفيا، هو العكس الصحيح فأن ما انجزه ماركس في فلسفته ماديا، لم يكن ليرى النور لولا اسهامات (هيجل) المثالية، التي اعتمدها ماركس بمنهج مادي محسن ومادية فيورباخ.

• معلوم لأي من قرأ شيئا بسيطا عن الفلسفة الماركسية، انه وجد فيها وفي ادبياتها المنوعة الكثيرة مسلمات قوانين طبيعية علمية، فهي تعمل في جدل علاقة الانسان والطبيعة باستقلالية عن ارادة الانسان، ويجد الانسان بعد اكتشافها وتسخيرها لصالحه انه من الصعوبة بمكان فرض دحضها والغائها والعبث بمعطياتها الانسانية التقدمية في مجرد افكار فلسفية صرف لاتعطي بديلا تطبيقياً مقبولا عنها.

• التوسير يريد بكل بساطة الغاء الصراع الطبقي من المجتمعات في العالم فهو لا يقرها، ويعتبر ان علاقات الانتاج، كمحمول نظري هي مولدة رأس المال وهو (بنية) تعويضية لكل مفردات المادية التاريخية يتوجب الاهتمام بها وحدها فقط، بضوء تطورات علم المعرفة والفلسفة.

• واذا نحن جارينا التوسير في تخريجاته المستمرة احداها قوله: علاقات الانتاج تسبق الكينونة. هل يصبح من الممكن الغاء حقيقة ان علاقات الانتاج هي جزء من وجود بشري فاعل سابق عليها، مفروزة عنه، متأثرة ومؤثرة فيه، ببساطة هي كينونة مجتمع انساني طبقي. العلاقات الانتاجية جزء عضوي منه، وتكون وحدة عضوية مع ملكية وسائل الانتاج ومن الرأس المال وبدون هذا التكوين العضوي فلا يوجد علاقات انتاج (بنية).لذا علاقات الانتاج لا تسبق الكينونة او الوجود، لانها علاقات تربط الناس اجتماعيا وطبقيا.

• من حق التوسير الاجتهاد لبناء فلسفي مثالي ابتذالي، لاينقص ولا يضيف للهيجلية ولا للماركسية اللتين يدينهما، ولم يسعفه تفكيره التوسل السليم بمقولة ماركس الفرد هو مجمل علاقاته الاجتماعية، ليس معقولا ان التوسير لم يلحظ ان ماركس لم يخلط مثله بين علاقات الانتاج التي هي كل شيء عند التوسير وبين العلاقات الاجتماعية التي قصدها ماركس، اذ تدخل علاقات الانتاج جزء عضوي من العلاقات الاجتماعية التي هي حصيلة وضع الفرد اقتصاديا، ثقافيا، سلوكيا، علميا، دينيا....الخ، كذلك من غير المرجح ان ماركس في مقولته تلك واستعملها التوسير عكازا بيده، ان تصلح استشهادا في سياق حديث التوسير بان العلاقات الانتاجية تسبق الكينونة، وكأنما اراد ان يقول بان ماركس اعتبر العلاقات الاجتماعية تسبق الكينونة فلماذا لاتكون علاقات الانتاج الجزء منها تسبق الكينونة؟ وهو مالم يحصل، ولم يقله ماركس.(حتى لو قال التوسير ان جوهر الشيء يسبق ماهيته لكنا وجدنا له العذر في سبق عديد من الفلاسفة مثل هذا القول).

وان استشهاد التوسير بعبارة ماركس في تخطئته لفويرباخ زلّة فكر فلسفية لاتدين فويرباخ بل التوسير ومن قبله ماركس الذي ربما ناقض نفسه بابجدية مادية. وكلمات التوسير في ابطاله قانون جدل الاشياء والمفاهيم والعلاقات، وتطور التناقض، مختزلا كل تلك الفلسفة، بان علاقات الانتاج هي مولدة راس المال!! محاولة غير سليمة لنسق جدلية التطور المادي التاريخي، وهي قوانين اثبت تاريخ البشرية التطوري الطويل انها لا تسّلم نفسها بسهولة، بعد اكتشافها وتفعيلها، في صالح مسيرة التقدم للانسان، ان يعبث بها الانسان بارادته ورغباته، كما لاتستطيع ارادات البشر بسهولة النجاح في مجاوزتها والغائها دونما دفع ثمن فادح وخسارة تصيب امما وشعوبا تشق طريقها نحو بناء مستقبل افضل تسوده الحرية والمساواة وتقليص فجوات التفاوت في مستوى المعيشة بين دول الشمال ودول الجنوب. القوانين التطورية التي يحاول التوسير الغائها من قاموس تاريخ البشرية، لها الباع الاطول والقدرة الاكبر على الاستمرار والبقاء كقوانين ضرورية لتلبية طموحات امم وشعوب ليست مثل فرنسا والولايات المتحدة ودول اوربا اليوم. فارادة الانسان المقهور البائس الفقير حلم عبر قرون طويلة وحلم اليوم وسيبقى يركض وراء حلمه المتحقق منه والذي لم يتحقق.

كما يرى معد فصل التوسير محمد علي الكبسي الذي كان سروره بلا حدود في تسويق افكار التوسير على صفحات كتابه فهو ينقل عبارات المفكر قوله: (ان المساهمة الالتوسرية لانقاذ الخطاب الماركسي من الابتذال والفجاجة، والبعدية، عن التسطيح والكليانية هو في ابراز الخطوط الخفية التي تحرك الصراع على المستوى (النظري) التي تمثل استنطاقا لمشروع ماركس الذي لم ينهه، في انشاء ماوراء الخطاب حيث يتحول الصمت إلى كلام أو بالاحرى يصبح صمتا متكلماً)(13).

اذن اصبح الصراع الطبقي الذي لايقّر به التوسير، اسبقيته واهميته (نظريا)، فقط مقتلعا من ارضية الواقع الاجتماعي الاقتصادي السياسي، وكي ينقذ الخطاب الماركسي من الابتذال والفجاجة نستعين بلغة الصمت المتكلم من خلف الكواليس النظرية، ليتحقق ابتذال مفهوم التناقض على الورق وسطور الفلسفة والنظريات التي تنطلق من ابراج عاجية تحرث في بحار بعيدة جداً عن احلام المسحوقين وبؤساء الارض، وغياب الارادات الانسانية الفاعلة الناشدة للتغيير في غد افضل لم يعد بعد اليوم حسب فلسفة التوسير صراع واضح أو خفي بين من يملكون كل شيء ومن لايملكون شيئاً. لذا فان مشروع ماركس لم ينته ولم يكتمل أو يتجدد الا بعد ان نقلب الصمت ونجعله متكلما، وبعد ان نمسك بالخيوط الخفية للتناقض مع الاعتزاز بمقولة عالم اللغات (فنغشتاين) "ما لايمكن توصيله باللغة يمكن توصيله بالصمت".فهذه العبارة مجال اشتغالها علوم اللغة وليس الايديولوجيا.

كلما تقّعرت لغة الفلسفة خارج حدود العقلاني المدرك، وساحت تهويماتها في متاهات البحث عن ملاذها الاخير، لاتجدها الا لغة معلقة بين الارض والسماء، وحيثما اصبحت طلاسمها النظرية العصية على التلقي والتوظيف قطع خشب انقاذ يتعلق بها الفيلسوف الغارق وسط امواج الهراء الفلسفي المتلاطمة، الذي لايقدم ولا يؤخر ولا دور حقيقي جاد له في معالجة معضلات العصر بوسائل علمية وحلول حيوية انسانية تعايش هموم العالم بمسؤولية وامانة، يبقى حاضر

في مقابلة مع التوسير اجرتها معه(فيرناندا نافارو) مكسيكية استاذة فلسفة، سالته عن اسباب هجومه الكاسح والفوضوي على الارث الماركس والمادية الجدلية، وهل لا يزال حقا يعتبر وصف رايموند اردن له بان ما جاء به في جميع مؤلفاته عن الماركسية، انه سعى لانشاء (ماركسية خيالية !!) اجاب التوسير ان رايموند لم يكن مخطئا بذلك التوصيف .

 

علي محمد اليوسف/الموصل

...................

المصادر و الهوامش:

1- محمد علي الكبسي، كتاب قراءات في الفكر الفلسفي المعاصر، دار الفرقد، سوريا، الفصل الأول: التوسير ومنطق الاختلاف، ص20، نقلا عن التوسير .

L. Althusser: Ibid Tom lp، 12.13.21.22.

2- نقلا عن كتاب الكبسي، نقلا عن التوسير

L. Althusser: Ibid Tom lp، 170.

3- نقلا عن د. محمد الشيخ/ محمد عابد الجابري /مسارات مفكر عربي/ مركز دراسات الوحدة العربية/ 2011 ص 18 .

4- عن المصدر السابق، عن كتاب راس المال، مج1، ترجمة محمد عتياني، بيروت، 1982، ص7.

5- عن المصدر السابق، عن كتاب انجلز وفوير باخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية، دار التقدم، تونس، ترجمة محمد العربي، ص104.

6- نقلا عن كتاب الكبسي، عن التوسير.

L. Althusser: Ibid Tom lp، 236

7- نقلا عن الكبسي، مصدر سابق، عن التوسير.

L. Althusser: Ibid Tom lp، 12.13.21.22.

8- عن كتاب الكبسي، عن كتاب انجلز وفويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية، مصدر سابق، ذات الصفحة.

9- عن كتاب الكبسي، عن نفس المصدر السابق، ذات الصفحة.

10- عن كتاب الكبسي، نقلا عن التوسير.

L. Althusser: Ibid Tom lp، 209.

11- عن كتاب الكبسي، نقلا عن التوسير.

L. Althusser: lvid p10.12.

12- نفس المصدر السابق، الصفحات ذاتها.

13- عن كتاب الكبسي، عن التوسير.

L. Althusser: Lire le Capital Tom، p75.

 

 

علي رسول الربيعيتأتي أهمية الظاهرة التأويلية في توحيدها بين كل من ذلك المعني المجهول الذي نتوق لفهمه وهذا الذي نفهمه. فتظهر أهمية ودور التأويل في المواقع التي نواجه بها كل ما هو لامفهوم بذاته وبحاجة الي تفسير.

كان تأويل القرن التاسع عشر يقوم علي أن آفاق عالم المفسر تعمل علي تشكيل الجهود التفسيرية للتراث، لكنه لايعد هذه الآفاق ذاتها كمواضيع للفهم فقط انما عوامل لظروف حدوث الفهم. كذلك لم يكترث لمسألة البعد الإنعكاسي للفهم، مما ينتج عن ذلك رؤية بمنظور أحادي مرتبك للفهم. "غادامير" (فيلسوف التاويل المعاصر) في مهمته التأولية الكبري لاحظ أن هناك نقلة نوعية في هذا الإتجاه لدي" شلايرماخر" (أحد كبار فلاسفة التأويل في العصور الحديثة)، كان لها تبعات لاحقا في ما يتعلق بمشكلة الفهم. فلم يكن التأويل لدي كل من سبق "شلايرماخر" الا رد فعل علي تعصي عملية الفهم وحسب؛ أذ أنه مجرد فهم بسيط لموضوع النص يكون فيه التاويل عضيدا تربويا في حالات أستثنائية يتعذر فيها الفهم لسبب ما. لكن مع شلايرماخر لم يعد التاويل يدور عن مجرد اللافهم، انما أصبح يعتني بالسابقة الطبيعية لسوء الفهم الناتجة عن التغيير في معني الكلمة ورؤي العالم، كما أن هناك فترة بين زمن التأليف وزمن التفسير، وعليه فأن معني النص - لدي "شلايرماخر"- ليس هو ما يمدنا به النص من معني معروف لدينا، أنما هو المعني الذي لايمكن أن نصل اليه الا بإعادة ترميم وتركيب ظروفه التاريخية وحيثياته التي وجد وشكل بها؛ أي أن أستيعاب المعني يتم من خلال ترجمة نقدية منهجية مسؤولة.

علم تأويل منهجي

أن تشخيصا من هذا النوع نجده متضمنا في أعمال الفيلسوف الالماني" دلتاي" الذي كان يصبو الي إقامة علم التأويل علي أسس منهجية، أذا ما طبقت سيصبح بأمكان العلوم الإنسانية أن تدعي لنفسها مستوي من الدقة والصرامة يناظر ما للعلوم الطبيعية من مستوي. أن كلا من شلايرماخر ودلتاي قد عرفا المعني في النص وفقا لما أسمياه بالنزعة الموضوعية . وتكون مهمة الفهم هي أحياء "علوم الروح" في العالم، إضافة الي فهم الحدث التاريخي والمؤلف نفسه. فالفهم - علي حد تعبير دلتاي- عنصر مهم للتحول الذاتي أو لمشروع متخيل يضع المفسر بموقع يتجاوز فيه تلك المسافة الزمنية التي تفصله عن الحدث أو النص ليصبح معايشا له. أن زمن الحاضر لدي كل من "شلايرماخر" و"دلتاي" لايمتلك الا قيمة سالبة، حيث ما يتوجب علي المفسر فعله هو التعالي عن كل ما يدخل في عداد الحكم المسبق، وكل أرباك يحجب الفهم، ليكون الفهم - حسب نظرية دلتاي- هو الفعل المتاتي من الموضوعية المجردة والمنزهة عن كل ماهو مسبق، ويأتي ذلك من قدرة المفسر علي اقصاء آفاقه المعرفية الخاصة. لكن في الحقيقة؛ أن" شلايرماخر" و"دلتاي" قد صرفا النظر عن حقيقة تاريخية الإنسان ومحدوديته؛ وأنهما يعبران عن حنين ماضوي تجاه مثالية "ديكارت" وعصر الأنوار الذين سبق لهما وناقشا مسالة حكم الموضوع لنفسه وحيازته لاستقلالية تفصله عن كل ماهو تاريخي وتخلصه بالتالي من تبعات الحكم المسبق. ولم يعد ما علي المفسر فعله الا نفي الحاضر علي انه بُعد في الماضي.

وتجاه هذا الاستلاب المنهجي تنهض نقدية غادامير من خلال السؤال: هل يمكن للمفسر أن يتجاوز موقعه اللحظي لمجرد الرغبة في ذلك؟ فيجيب ان هذا السؤال يـُطرح في ما إذا كانت تاريخية الانسان حدثا عرضيا، أما وهي شرط انطولوجي فالأمر مختلف عندئذ، فآنية الانسان وتناهيه حالة تكوينية وسابقة الحضور في اي عملية تاويلية. يتناويل "غادامير" أرتباط الانسان بحاضره وبأفقه التاريخي علي انها معطيات أولية للفهم وليس عوائق له ينبغي تجاوزها. أنها احكامنا المسبقة التي لاتقطعنا عن الماضي، انما هي نقاط ابتداء تفتحه لنا وتطلعنا عليه، إنها ممكناتنا الايجابية للفهم. التاريخي اذا ما قورنت بمحدودية الانسان، أن تاريخية وجودنا متضمنة لأحكامنا المسبقة، كما أنها والمكون قابليتنا الأبتدائية في التجربة، وأن الحاضر يشكل الماضي بطرق لامتناهية؛ حيث يقول غادامير " أن تكون تاريخي لايعني ان تُستهلك بالمعرفة الذاتية". فلا يدهشنا أن تكون فكرة غادامير عن الحكم المسبق، أحد أكبر المفاهيم المثيرة للجدل في فلسفته؛ التي تصرح بتناهي ومحدودية الفهم لتستعرض دوره الإيجابي في كل معني تحولي أنساني. الماضي لدي غادامير يمتلك في طياته سابقة لظاهرة الفهم لطالما أفتقدت عند الفلاسفة ممن سيطروا علي المشهد الفلسفي قبل هايدغر. لايمكن تحجيم دور الماضي وتحديده بوصفه عنصر أضافي علي النصوص والاحداث التي تحتاج الي تفسير. أن مثل الماضي كمثل الحكم المسبق والتراث فكلاهما معطي أولي علي الأرضية التي يقيم فيها المفسر حينما يمارس عملية الفهم. وترجع هذه الفكرة الي دعوي "الكانطيين الجدد" و"الحركة التاريخية" في أواخر القرن التاسع عشر التي اكدت علي تاريخية ونسبية كل التعبيرات الانسانية التي وصلتنا من الماضي، لكنها وقفت عاجزة أمام معضلة تاريخية المفسر مع تاريخية الأشياء.

التصور المعياري للمعرفة

على الرغم من كثرة الاختلافات بين الفلسفات الا أنها جميعا التزمت تصورا معياريا للمعرفة العلمية، شكل بدوره حاجزا امام أدراك الدور التكويني للمفسر نفسه في عملية الفهم ومن أقامة وعي محايد خال من الحكم المسبق يضمن المعرفة الموضوعية للمعرفة. فكانت مشكلة التاويل علي ما يصفها غادامير: النتيجة الحتمية لهذا التكييف وهذا الاقصاء المشوه للتجربة الذاتية، وهذا ما حصل فعلا في التفسيرات التاريخية والجمالية. وهنا يتضامن "غادامير " مع تقويض "هايدغر" لمفهوم الموضوعية في الفكر الغربي. مايريد غادامير تاكيده هو: أن المثال الاساسي لهذه المعرفة قام بأقصاءالمكونات التاريخية للوعي الذاتي، لكن هذا بحد ذاته حكم مسبق طاغ لطالما سيطر علي عقول الفلاسفة منذ ديكارت. ويري غادامير تجاهل آنية الانسان يعني تجاهل الخصائص الآنية للتفسير . لقد كان لهذه الفكرة الأثر الفعال على نظريته التأويلية حيث تجاوزت كل نظريات التأويل التي تناولت الفهم ككيف تكراري وتخلَص من النيات والأحكام المسبقة. أن كل نظريات التأويل التي تعاطت مع الفهم علي أنه عملية لإعادة الانتاج وليس عملية منتجة تتضمن ذات الموقف التأويلي تجاه المفسر.

أن ماقام به "غادامير" هو مخالفته للآراء السابقة من خلال تطويره تصورا خاصا للفهم يأخذ بنظر الاعتبار المشاركة الحاضرة للمفسر ودوره الاساس في التاريخ. فالفهم ليس إعادة تركيب فقط بقدر ما هو تأمل يتضمن الماضي في الحاضر. وفي كل المحاولات الجادة التي تصبو لعناق الماضي بذاته وبمعزل عن كل ما سواه يبقي الفهم ابتداء حالة تأمل وترجمة لماضي الزمن في الحاضر. وهكذا ينظر غادامير الي التاريخ بوصفه الاستمرارية التي تستوعب الفعل الموضوعي والاشياء؛ ويكون الفهم ذلك الحدث وتلك الحركة التاريخية التي ما أعتبرت النص ولا المفسر أجزاءا قائمة بذاتها وتحكم نفسها. وعلي هذا الاساس لايسعنا أعتبار الفهم بحد ذاته فعلا من نتاج الموضوعية، أنما هو ذلك المدخل للحدث التحولي والذي يجتمع فيه كلا من الماضي والحاضر تأمليا، وهذا -حسب غادامير- مانجد له مصداقا في النظرية التاويلية.

الفاصل بين المفسر ومادته

أنصبت مهمة التفسير عند مدارس التأويل القديمة علي ملأ ذلك الفاصل التاريخي بين المفسر ومادته موضع التفسير لكنها لم تفلح في ذلك لأنها لم تنظر اليه بوصفه أستمرارية لكل من التقاليد والتراث في التأمل الحاضر الذي يحفظ للماضي وظيفته المستمرة في تشكيل أفق المفسر. فالماضي ليس مجموعة اشياء نريد التخلص منها أو أستنساخها، أنما هي - حسب وصف "غادامير"- داخلة بفاعلية في التاريخ الحاضر الذي يفتح أفق الحوار ويجعل الفهم ممكنا بين المفسر الجديد والنص القديم. أن كل من الذاتية والاحكام المسبقة التي تتصف بها مواقفنا التأويلية هي نتاج لحركة التراث فينا، نتاج تأمل الأوائل للنص، أنها تشكل صيرورة تدخلنا بهذه الفعالية التاريخية الحاضرة . وعليه ليس من المبالغة القول بأن مركب وجودنا هي أحكامنا المسبقة . قد يتسني لنا احاطة كاملة بأحكامنا المسبقة وقد نصححها اذا ما أصغينا لما يريد النص قوله لكن هذا التصحيح لايمكن اعتباره حالة متعالية عن كل الأحكام المسبقة عند ادراكنا للنص والحدث في ذاته. أن المحاولة التصحيحية ليست أكثر من أعراض تاريخيتنا، كما أنها محض انبعاث في فاعلية التاريخ الحاضر . هي أفاق ما وأن تحركت تبقي علي الافتراض المسبق لنهائية ومحدودية الفهم. أن الوعي النقدي الذاتي للمفسر يفرض عليه استيعاب شئ من استمرارية قوة التاريخ وفاعلية الحاضر في عمله، فالوعي بفاعلية التاريخ حالة لامفر منها.

يفقد المفسر، طبقا لرؤية "غادامير"، أمتيازه الذي منحته إياه فلسفات التاويل السابقة، ويبدو اشبه بحركة نسبية في حياة التاريخ الحاضر؛ ويصبح الفهم، هنا، خلقا لافق استيعاب تُفسر به الاحداث وتٌصهر برؤية حيَة للموضوع والمعني؛ وهي لحظات خلاقة - كما يراها "غادامير"- أذا ما انتهزها المفسر فسوف يستوعب أفق الحاضر ونختبر احكامه المسبقة؛ كذلك يتعايش مع الماضي وفهم التراث، حيث لايمكن لأفق الحاضر ان يتشكل بمعزل عن الماضي ويكون الفهم ربط لتلك الآفاق الموجودة بذاتها. أن كلا من الماضي والحاضر ينموا مجددا بقيم حية لاتعزل الحاضر تماما ولا الماضي كليا. فالفهم حالة أرتباط تزودنا بكل تحول يحصل في المعني.

لقد نجح "غادامير" في تغيير رؤيتنا لطبيعة الماضي من خلال إعادة النظر في وظيفة آفاق الحاضر بالنسبة للمفسر، أذ تظهر علي انها أستشراف لكل تضاعيف وأحتمالات المعني وليس استجوابا سلبيا للأشياء، وكمثال علي ذلك؛ فهم هايدغر للأخلاق النيقوماخية- الأرسطية، ومقال لوثر حول الرومان، والأعمال ذات التحليل الظاهراتي عند غادامير نفسه. لقد تناولت النظرية التاولية، التي حاول كلا من" شلايرماخر" و"دلتاي" بناءها عن النص بوصفه رمزا لشيء ما ثاو خلفه (مثال ذلك شخصية المؤلف الخلاقة أونظرته للعالم)، وهذا ما لم يوافق عليه غادامير، حيث كانت عنايته بموضوع النص نفسه، أي ما يفضي به الموضوع للمفسر. وتطبيقا علي هذا، النصوص الأدبية التي تتضمن مثالا للمعني منفصل عن الحيثيات التاريخية والسيكولوجية لمصدرها، فالأدب يحضر معناه في كل لحظة نقرأه فيها، ولكي نفهمه لا يتطلب منا العودة الي الماضي انما المشاركة الحاضرة مع ما قيل. أذن فالمسالة لا تعني العلاقة بين القارئ والمؤلف انما هي المشاركة التي في التواصل الذي يقدمه لنا النص، فحيثيات فهمنا لما يريد النص قوله مستقلة عن تصورنا للتراث وعن تفسيرنا التاريخي له. تتشوهه الحالة الحوارية لدي المفسر عندما تكون عنايته بالمؤلف وليس بالنص ذاته، عندما ينظر الي ما كان عليه المؤلف ويتجاهل ماكتبه. فيبدأ الحدث التأويلي عندما ينفتح المفسر تجاه النص؛ أي حينما يصغي له ويسمح له بتأكيد نظرته الخاصة به، وهي ها هنا بالضبط محاربة الشخص الآخر من خلال الاصغاء الي رؤيته لا الي ذلك التشويه المنهجي القبلي الذي قالت به نظريات التاويل السابقة. أما الأحكام المسبقة للمفسر (آفاقه الحاضرة) فتعالج بالوصول الي وعي ذاتي نقدي، يقيم مواجهة مع آفاق الآخر مما يمنحه القدرة علي استيعاب الأفتراضات والتي ستبقي مخفية عنه لو لم تكن هذه المواجهة. أن كل من استيعاب المفسر لتاريخيته ومحدوديته ووعيه بالتاريخ الحاضر يجعله علي عتبة جديدة من الأحتمالات، وهذا هو مهد الفهم الحقيقي.

أن مايحرك النص هو السؤال الذي يتضمنه والباحث عن أجوبة لدي المفسر. أن عملية التقاط سؤال النص تستثير المفسر الي فتح الحوار التأويلي. فالسؤال الخلاق قد يفتح او يغلق العديد من الأحتمالات لكل من النص والمفسر، حيث يتم فهم النص من خلال تحديد موقع السؤال فيه، وهذه العملية تجعل المفسر أمام حالة من التعالي المستمر علي الأفق التاريخي للنص مما يمكنه من أدماجه بآفاقه ويعيد صياغته. فأن يفتح المفسر أمكانية السؤال في سياق محاولة تأويل النص ذلك يعد من دواعي السعة الدلالية التي تدفعه لولوج الحوار الذي قد يجرفه الي أبعد من مواقعه تجاه اللغة والنص، ومجريات عملية الفهم أيضا؛ وبهذا يكون المفسر مشغولا بالسؤال حيث يكون هو والنص مقادين بالموضوع المهيمن عليهما.

لقد كانت جهود "غادامير" التأويلية موجه الي تحويل الانتباه في الحوار بعيدا عن تقنية وطريقة التفسير التي أفترضت الفهم كنتاج قصدي للوعي الذاتي، ثم توضح الفهم وتشرحه بوصفه حدث- عرضي تحولي- موضوعي. وعرضي تعني، هنا، في كل لحظة حية للفهم يكون كل من المفسروالنص أجزاء ثانوية، أما تحولي- موضوعي فنتيجة لما يحصل للفهم من تأمل وتحول للماضي والحاضر، ومن تعالي علي سلطة المفسر. أعتبر غادامير اللغة هي الوسيط الذي يخترق فيه الماضي الحاضر وبالعكس؛ أما الفهم فهو صهر لتلك الآفاق في العملية اللغوية . أن كل من هذين التصورين للغة والفهم لما لهما من تأثير علي تحول المعني فلا يعدا مجرد عمليات منفصلة، أنما هما شئ واحد؛ فالموضوع، واللغة، والواقع متصلة بعضها البعض، وحدود فهمنا مرتبطة بحدود لغتنا، وعلي هذا فلا عالم قائما بذاته بصرف النظر عن حضوره كموضوع في لغة ما.

والحقيقة أن هذه القوة الخلاقة لمفاهيم للغة، والحاضر، والحكم المسبق، والفهم في نظرية غادامير التأويلية فتحت الباب أمامه ووضعته في أعلي مراتب المثال العلمي لكل ماهو موضوعي ولامتحيز في التفسير.

 

د.عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

لقد نشر الدكتور فوزي الهيتي مقالاً في صحيفة "المثقف" (العدد 4270 الصادر في 15-05-2018)، يُستشف منه وكأن هنالك تعارض او عدم توافق بين فلسفة الوجود لدى ماركس، من جهة، وفلسفة الإنسان لديه ومجمل فلسفته الإجتماعية، من جهة اخرى. إذ بخلاف ذلك يفقد معناة القول الوارد في المقال ب"ان اغلب القراءات العربية لماركس كانت تنطلق من فلسفته الميتافيزيقية للوجود"، في حين "ان الثيمة والمحور الأساس الذي يصح اعتماده والانطلاق منه في قراءة فلسفة ماركس هو مفهوم الانسان ومن ثم تصوراته في الاجتماع والسياسة". وبالإرتباط مع ذلك اجد من الضروري التوكيد هنا على إن غالبية الماركسيين قد ظلموا ماركس ليس لأنهم إنطلقوا في قرائته، كما جاء في المقال، "من فلسفته الميتافيزيقية للوجود"، بل لأنهم، كما ارى، قاموا بتشويه هذه الفلسفة. كما وتجدر الإشارة إلى إنهم لم يكونوا الوحيدين الذين ظلموا ماركس بتشويه تعاليمه، فقد سلك المسلك نفسه المفكرون البرجوازيون، عندما إبتدعوا تعارضاً، بل وتناقضاً بين ماركس المبكر (الشاب) وماركس المتاخر (الشيخ)، مصورين الأول مفكراً ذي نزعة إنسانية ليبرالية، ومعتبرين الأخير فيلسوفاً شمولي التفكير. إن هذا التعارض هو مجرد بدعة مختلقة أُريد بها تسفيه الماركسية بدافع طبقي، لا اكثر. نعم، إن ماركس بدأ مشواره الفلسفي، كما هو معروف، هيجلياً، حين إنتمى وهو شاب يانع إلى حركة الهيجلين الشباب وهي حركة فكرية يسارية سعت إلى إستخلاص وبلورة إستنتاجات ثورية من الفلسفة الهيجلية. إلأ إن المقام لم يدم به طويلاً في صفوف هذه الحركة، إذ لا يلبث ان يترك صفوفها، متخلياً ليس عن مثالية هيجل المطلقة وحسب، بل وعن المثالية الفلسفية إجمالاً، بإنتقاله تحت تأثير لودفيج فويرباخ إلى مواقع المادية الفلسفية. غير إن إنبهاره بمادية فويرباخ الأنثروبولوجية هو الآخر لا يلبث ان ينتهي سريعاً. ومنذ لحظة تخليه عن فلسفة فويرباخ لطابعها الميتافيزيقي (اللأديالكتيكي) يأخذ ماركس ببلورة نظامه الفلسفي الخاص، والذي يشيد صرحه بالتعاون مع فريدريش إنجلس. إن الخطوط العريضة لهذا النظام يحددها ماركس في موضوعاته الشهيرة الإحدى عشر عن فويرباخ (1845)[1]. ومنذ ذلك الحين من الممكن ان نقول بان ماركس قد اصبح ماركساً بالفعل. وعليه، فعند الحديث عن ماركس ينبغي ان يكون المعني ليس ماركس الهيجلي، ولا ماركس الفويرباخي، بل ماركس الماركسي إن جاز التعبير. وعندئذٍ، سنجد انه ليس ثمة تناقض او اي تعارض بين ماركس (الماركسي) الشاب او المبكر وبين ماركس (الماركسي) الشيخ او المتاخر. فهذا وذاك لهما الموقف المبدأي نفسه من الوجود والإنسان والمعرفة والتاريخ..إلخ. فالنزعة الإنسانية لماركس والتي نجدها ماثلة في "موضوعات عن فويرباخ" هي نفسها التي نلقاها متجسدة في المجلد الأول من "رأس المال" (1967). إلا إن هذا لا يعني باي حال من الأحوال ان تصوراته لم تتطور. على الضد من ذلك نجد إن هذه التصورات والتي طرحت بشكل اولي، مجزء ومكثف في "نحو نقد فلسفة الحق الهيجلية" (1843)، "المخطوطات الإقتصاد فلسفية" (1844)، "العائلة المقدسة" (مؤلف مشترك مع إنجلس) (1844)، "موضوعات عن فويرباخ"، " الأيديولوجيا الألمانية" (مؤلف مشترك مع إنجلس) (1846)، "بؤس الفلسفة" (1847) وغيرها من المؤلفات المبكرة وجدت تدقيقها وتطويرها في الأعمال اللاحقة لماركس ولإنجلس.

اما الفلاسفة الماركسين، ففي غالبيتهم قد اساؤا ايضاً قراءة وفهم ماركس. ومن الملاحظ في هذا الخصوص إن تشويه الماركسية من قبل مفكرين عدّوا انفسهم ماركسين قد بدأ في حياة ماركس، الذي قال عن نفسه في سياق تعليقه على آراء "ماركسي" نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر الفرنسيين، وفق ما نقله إنجلس، ما يلي: "إنني اعرف شيئاً واحداً، الآ وهو إنني لست ماركسياً"[2]. إن العامل الأساسي، او واحد من العوامل الأساسية التي افضت إلى تشويه الفلسفة الماركسية يكمن، حسبما اعتقد، في السياسة عموماً وسياسة الدولة على وجه الخصوص. فالسياسة هي التي حاولت تدجين هذه الفلسفة التي اصبحت رهينة لديها. إنها هي التي حولتها إلى وسيلة مطاوعة تمكنها من الوصول إلى غاياتها وتحقيق اهدافها. وبالفعل، إننا نجد إن الحزب الشيوعي السوفياتي والدولة السوفياتية، وكذلك الدول التي كانت تٌدعى بالإشتراكية واحزابها الشيوعية والعمالية، بل ومجموع الحركة الشيوعية العالمية، قد حولوا الفلسفة الماركسية ومجمل النظرية الماركسية إلى مطية لتحقيق مآربهم وتبرير سياساتهم. إنهم مسخوا الفلسفة الماركسية بإلغاء وظيفتها كمرشد في العمل الهادف نحو تغيير العالم. إنهم إغتالوا الروح الثوري لهذه الفلسفة بتحنيطها، محولين إياها، وكذلك مجمل النظرية الماركسية، إلى نصوص جامدة، إلى مومياء، إلى أيقونة، إلى كتاب مقدس. هذا ما قامت به الفلسفة الماركسية الرسمية (السوفياتية وغيرها) والتي هي بعيدة كل البعد عن تعاليم ماركس وإنجلس، الفلسفة التي جند غالبية الفلاسفة الماركسين خلال القرن المنصرم انفسهم لصياغة تصوراتها وفبركة علاقتها بماركس. وفي ضوء ذلك استطيع ان اقول، بل وان اجزم بان ماركس (وكذلك إنجلس) بريء تماماً من اغلب ما أُلصق بإسمه من تصورات واحداث في القرن العشرين.

إن الفلسفة الماركسية هي نظام متسق من المبادىء والمفاهيم موحد على نفسه، بحيث لا يمكن إجتزاء ايا من مكوناته ومعارضته بالمكونات الأخرى. ومما لا شك فيه إن اساس هذا النظام يتمثل في المادية الديالكتيكية والتي تشكل في جوهرها التعاليم الماركسية عن الوجود (الأنطولوجيا الماركسية)، والتي تجد إمتدادها في التعاليم الماركسية عن الوعي (الجنوسيولوجيا او نظرية المعرفة الماركسية). إن بعض الفلاسفة الماركسين قد ذهبوا إلى نفي وجود انطولوجيا ماركسية بذريعة ان ماركس وإنجلس لا يستخدمون مصطلح الأنطولوجيا في مؤلفاتهم. وتحضرني الآن تلك المنافسة التي إحتدمت في سيتينيات القرن الماضي بين المدرسة اللينينغرادية (الأنطولوجية) في قراءة المادية الديالكتيكية والمدرسة الموسكوية (الجنوسيولوجية) في تمثلها. لقد بدت لي هذه المنافسة خالية تماماً من اي اساس الموضوعي، أكان من ناحية الشكل، أو من زاوية المضمون. فالمادية الديالكتيكية تشكل في الحقيقة وحدة لا يمكن فصم عراها للأنطولوجيا والجنوسيولوجيا، ولذا، فلا يمكن معارضة اي من هذين المكونين بالمكون الآخر، وإختزال مضمون هذه الفلسفة برده إلى اي منهما. اما غياب مصطلح "الأنطولوجيا" لدى ماركس وإنجلس فلا يمكن ان يفسر باي حال من الأحوال كغياب لنظرية الوجود في فلسفتهم. فاغلب الظن إنهم لم يستخدموا هذا المصطلح نظرأ لأنه كان يردد في زمانهم بمعنى مقارب لمضمون مفهوم "الميتافيزيقا" بمدلوله القديم، اي بمعناه التاملي المجرد، المفهوم الذي قاما برفضه بطبيعة الحال.

إن ما لا جدال فيه إن ماركس وإنجلس قد صاغا بوضوح تصوراتهم الخاصة عن المادة والحركة والتطور والزمان والمكان والرابطة العامة لظواهر الواقع..إلخ، التصورات التي تؤلف في وحدتها العضوية نظريتهم الفلسفية للوجود، او، بكلمة واحدة، انطلوجيتهم، التي تشكل بدورها النواة الأساسية للمادية الديالكتيكية. ومما لا جدال فيه ايضاً إن المادية الديالكتيكية هي التي تؤلف ذلك الأساس الذي على ارضيتة تقوم المادية التاريخية والتي لذلك لا تشكل في حقيقتها إلأ إمتداداً لها. وهذا يعني إن المادية الديالكتيكية هي التي مكنت ماركس وإنجلس من تعميم ونشر المبدأ العام للمادية الفلسفية على تفسير التاريخ وفهم الظواهر الإجتماعية. وعليه، فبدون المادية الديالكتيكية، و، إذن، بدون الأنطولوجيا الماركسية التي تؤلف نواتها المركزية، لا يمكن ان تقوم قائمة للتفسير المادي للتاريخ. وكل هذا يعني إننا بدون الرؤية الأنطولوجية لماركس لا نستطيع الولوج بشكل سليم إلى عالمه الإجتماعي ونتمثل بصورة صحيحة تصوراته الفلسفية عن الإنسان والتاريخ العالمي. والجدير بالملاحظة والتوكيد هنا هو إن انطولوجية ماركس لا يجمعها جامع مع الصورة الميكانيكية للعالم. مما لا شك فيه، طبعاً، إن ماركس وإنجلس قد إستخدما المنجزات العلمية لعصرهما، بما في ذلك المنجزات المشهودة التي حققتها الفيزياء الكلاسيكية (بما فيها ميكانيك إسحاق نيوتن)، معممين إياها عند بلورة وصياغة منظومتهما الفلسفية. ولكن لا يرقى الشك ايضاً إلى إنهما قد اخضعا تصورات ومفاهيم المادية الميتافيزيقية عموماً والمادية الميكانيكية خصوصاً لنقد قاسٍ في مؤلفاتهم المختلفة. فإن اخذنا، على سبيل المثال لا الحصر، مفهومي الضرورة والمصادفة، سنجد إن مادي ما قبل ماركس قد اضافوا طابعاً مطلقاً على الضرورة، ناكرين من خلال ذلك وجود المصادفة في الطبيعة. إنهم طابقوا في الحقيقة بين الضرورة والسببية، محولين بذلك المصادفة إلى مفهوم معبر ليس عن حالة الأشياء بحد ذاتها، بل عن حالة معارفنا عنها، او في الواقع عن غياب هذه المعارف. فالمصادفة وفق هذا التصور تصبح مفهوماً مجسداً للظاهرة التي نجهل اسبابها. وما ان نعرف هذه الأسباب حتى يتحول ما إعتبرناه قبل ذلك مصادفةً إلى ضرورة. فلا مصادفة في العالم الموضوعي، ومع المصادفة تختفي منة الحرية ايضاً. وقد افضى كل ذلك إلى بلورة مبدأ الحتمية الميكانيكية الذي وجد صياغته الكلاسيكية على يد العالم والفيلسوف الفرنسي بيير سيمون لابلاس. لقد رفض ماركس وإنجلس هذه التصورات جملةً وتفصيلاً. فالضرورة والمصادفة وفق رؤيتهم هي اضداد جدلية متلازمة مع بعضها، بحيث لا يمكن لأي منهما ان يوجد بمعزل عن الآخر. فلا ضرورة بلا مصادفة ولا مصادفة بدون ضرورة. وبهذا تصبح المصادفة كالضرورة قانوناً لوجود الأشياء بحد ذاتها، تظهر بحكمه هذه الأخيرة وتختفي. ومع المصادفة تصبح الحرية واقعاً موضوعياً قائماً في العالم نفسه. وفي ضوء ذلك تتم صياغة مبدأ الحتمية الديالكتيكية والذي بموجبه تصبح الضرورة واقعاً متحققاً من خلال سلسلة طالت ام قصرت من المصادفات.

و اخيراً، عن الموضوعة الحادية عشر عن فويرباخ. يقول ماركس في هذه الموضوعة المهمة "ان الفلاسفة فقط فسروا العالم بصورة مختلفة، اما المسألة فتكمن في تغييره"[3]. فهل يعني هذا إن ماركس ليس مع تفسير العالم، بل مع تغييره فقط. هل هذا يعني "ان حد الفلسفة وغايتها عند ماركس هي التغيير لا التفسير"؟ لا ابداً. إن الموضوعة المذكورة لا تعني سوى إن الفلاسفة السابقين فسروا العالم وتوقفوا عند ذلك، اي إكتفوا بذلك، في حين إن المهمة تتلخص في ضرورة المضي بعد ذلك نحو تغيير العالم. إن تفسير العالم، هو، إذن، نقطة الإنطلاق، نقطة البداية في المشوار الفلسفي، وليس نقطة النهاية فيه، والتي تتمثل في تغيير العالم. إلأ ان هذا يعني في الوقت نفسه إن تفسير العالم هو شرط ضروري لتغييره. وهذا امر مفهوم بشكل عام، لأن العالم لا يمكن تغييره وفق اهؤائنا ونزواتنا، بل إن ذلك من الممكن ان يجري فقط وفق قوانين العالم نفسه والتي لا يمكن لنا ان نفوز بها إلأ بتفسيرنا له. ولهذا بالذات يترتب علينا ان نفسر العالم بصورة سليمة اولاً، اي ان نفهم القوانين الفاعلة والمتحكمة فيه، ومن ثم نقوم بإستخدام معرفتنا هذه في مسعانا من اجل تغيير العالم. فالإنسان في الحصيلة يغيير العالم بواسطة العالم نفسه، وليس بالضد منه. ولهذ،ا فلا تغييرللعالم بدون تفسيره. وعليه، نستطيع ان نقول بان ماركس في موضوعته آنفة الذكر يعارض تفسير العالم من اجل التفسير فقط، مطالباً بتفسيره من اجل التغيير. وبهذا تصبح وظيفة الفلسفة، وفق رؤيته لها، هي تفسير العالم بغية تغييره، اي هي تفسير العالم وتغييره. وبالفعل، إن الفلسفة لا تقوى ان تصبح مرشداً في عملية تغيير العالم إلأ في حالة تفسيرها له تفسيراً سليماً.

 

نمير العاني

سانت بطرسبورج– روسيا

........................

[1] انظر: نمير العاني. القيمة العلمية لموضوعات ماركس عن فويرباخ. الثقافة الجديدة. العدد 51، 1973.

[2] إنجلس ف. رسالة إلى كونراد شميدت في 5 آب 1890 // ماركس ك. وإنجلس ف. المؤلفات. الطبعة الثانية. المجلد 37 ، ص. 370 (بالروسية).

[3] ماركس ك. موصوعات عن فويرباخ // ماركي ك. وإنجلس ف. المولفات. الطبعة الثانية؟ المجلد 3، ص. 2 (بالروسية).

 

للاطلاع

ماركس ضد الماركسية / د. فوزي حامد الهيتي