علي رسول الربيعييبدأ لغز عاطفة الحب من رغبتنا بأن نحب ونكون محبوبين، وأن نعتز بما نحن عليه من هوية لا يمكننا وأن يُنظر الينا على أنه لا يمكن تعويضنا في الوقت نفسه. وينشأ اللغز ايضا عندما نسأل ما هو أساس هذا الحب. يقول الذين يشعروننا أنا محبوبين أنهم يحبوننا لأننا “مميزون” ولأن “لا يوجد أحد مثلنا تمامًا”؛ ويقولون أيضًا إنهم يحبوننا لسمات معينة فينا مثل: ملامحنا، أو مزاجنا الفكاهي، وما إلى ذلك. قد يبدو من الطبيعي أن نستنتج أن حب الآخرين لنا يعتمد على خصائصنا الشخصية ذات القيمة الفريدة.

ومع ذلك، لا يبدو هذا صحيحا. أولاً، لأن الأشخاص أنفسهم الذين يقولون أنه لا يوجد أحد مثلنا يعترفون أيضًا بأن كل شخص بذاته هو فريد من نوعه، وهذا ما يجعل من الصعب رؤية كيف أن مجرد التفرد يمكن أن يجعلنا ذا قيمة خاصة واستثنائية عندهم عندما يكون هناك عدد لا يحصى من الآخرين الذين ليسوا أقل منا تميزًا.

ثانيًا، إذا كانت القيمة التي يضفيها علينا من نحبه مبنية على اساس خصائصنا وشمائلنا فيمكن له أن يفضل أو يتبع شخص آخر يتمتع بشمائل “أفضل” – فشخص أكثر مرحًا، على سبيل المثال، أو يمتلك سمات او ملامح أكثر جمالا أو حيوية- سيكون أكثر جدارة بحبه منا. لكن وجود شخص متفوق علينا من هذه النواحي لا يجعلنا أقل جدارة بالحب؛ إذا كان حبيبنا يحبنا حقًا ولا يتطلع إلى “المقايضة أو الترجيح” بالأفضلية تلك.

ثالثًا، يجب أن يكون الحب مستقلًا إلى حد ما عن سماتنا. فمثلا من المتوقع أن يحب الآباء أطفالهم “بغض النظر عن كيف تكون ملامحهم”. ينعكس هذا الاستقلال أيضًا في الافتراض بأن يظل الحب ثابتًا في مواجهة التغيير في سمات الحبيب وحتى في مواجهة اكتشاف صفة غير مرحب بها عند الحبيب.

رابعًا، قد تبدو السمات التي يدعي الآخرون أنهم يحبوننا من أجلها غير مهمة نسبيًا لما نحن عليه حقًا. فالشخص الذي يقدّرنا فقط على أساس ملامحنا أو وروح الدعابة لدينا، على سبيل المثال، سيركز انتباهه في المكان الخطأ. (يمكن قول الشيء نفسه عن شخص يتهدد حبه لنا اكتشافه لما يعتبره صفة تافهة.

أخيرًا، فكرة أن الشخص عزيز لأن صفاته تجعله ذو قيمة فريدة لا تتناسب مع تجربة حب شخص ما. لأنه يمكن للمرء أن يحب صديقه دون التفكير في أنه “مناسب” له كصديق أفضل من الآخرين الذين ليسوا أصدقاءه حيث يمكن أن يكونوا كذلك؛ ويمكن للمرء أن يعتز بأطفاله قبل كل شيء، ولكن يظل يعتقد أنهم ليسوا أكثر استحقاقًا للحب من الأطفال الآخرين.

إذن، هناك لغز حول الحب هو: ما هو أساس حب الآخرين لنا إن لم يكن يتعلق بصفات أو خصائص معينة؟

هناك لغز آخر عن الحب يتصل بالعلاقة بين الحب والأخلاق. تتطلب الرؤية الأخلاقية المحايدة أن ينظر الشخص الأخلاقي إلى جميع الأشخاص الآخرين بالقدر نفسه من الأهمية. ومع ذلك، يبدو أن كونك محبوبًا ينطوي على تقديرك أكثر من الآخرين. لذلك قد يبدو أن الشخص الأخلاقي حقًا غير قادر على أن يحب شخصًا ما بصدق، لأن تحيزه لحبيبه سيتعارض مع التزامه بالتفكير والتصرف من وجهة نظر أخلاقية محايدة. أوضح الفيلسوف برنارد ويليامز هذه الصعوبة في قضية رجل يمكنه إنقاذ شخص واحد فقط من بين عدة أشخاص في خطر ويختار إنقاذ زوجته، فقط لأنه يعتقد أنه يجوز في مثل هذه المواقف إنقاذ الزوجة ”.

يبدو أن الحب يلعب دورًا أساسيًا في تعليمنا الأخلاقي على الرغم من هذا الصراع الروحي الواضح بين الحب والأخلاق. لقد تم تعرفنا على الأخلاق من خلال تجربة طفولتنا مع المحبة؛ وقد منحتنا علاقات المحبة مع الأشخاص المقربين والأصدقاء في وقت لاحق من حياتنا وعيًا أعمق واستجابة للاهتمام بالآخرين، بما في ذلك أولئك الذين هم خارج دائرة علاقاتنا. اللغز الثاني إذن هو: كيف يمكن لعاطفة تبدو متعارضة جدًا مع روح الأخلاق المحايدة أن تؤدي هذا الدور؟

يتعامل ديفيد فيليمان، أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، مع هذه الألغاز حول الحب في عدة مقالات في كتابه ( Self to Self). يتناول الكتاب مفهوم الذات، ذاتنا من وجهة نظرنا في سياقات مختلفة: سياق الذاكرة والسيرة الذاتية والتوقع، حيث نبدو مستمرين مع أنفسنا في الماضي والمستقبل؛ سياق صورتنا الذاتية، حيث نأخذ في الاعتبار دوافع معينة كجزء من “من نحن” أو “ما ندافع عنه”؛ سياق الذات المستقلة حيث نعتبر أفعالنا محكومة من قبلنا؛ وسياق المشاعر مثل العار والحب، حيث نشعر بالخجل من أنفسنا ونريد أن نكون محبوبين لأنفسنا. تثير طبيعة هذه الذوات المتنوعة اهتمام فيليمان النظري، ويستخدم أسئلة عنها كأساس لإثبات الأفكار المستمدة من فلسفة كانط الأخلاقية ونظرية التحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي.

إن ما لفت تفكيري في عاطفة الحب هي الرغبة في أن نكون محبوبين. وقد حاولت فهمها من خلال حالة التنافس بين الأشقاء. إن مسألة التنافس بين الأشقاء هي: كيف يمكن لأبي وأمي أن يحبونني بالطريقة التي أريد أن أكون فيها محبوبًا ويحبون أطفالهم الآخرين أيضًا؟ بالنظر إلى أنني أريد أن أكون أعز بشكل خاص، كيف يمكن أن يكون هناك أبناء بجانبي يتم تقييمهم بالطريقة نفسها ؟ تؤدي هذه الأسئلة إلى التنافس لأني أعتقد أن ما أريده هو نوع من المقارنة الإيجابية مقابل إخوتي، ومن ثم نتنافس جميعًا للحصول على هذا التقييم.

يبدو لي أن هذا مثل مشكلة الصراع المفترض في الروح بين الحب والأخلاق الكانطية. يطرح الفلاسفة الذين يعتقدون أن هناك صراعًا من منظور شخص يريد أن يكون محبوبًا السؤال التالي: كيف يمكن لشخص ما أن يحترم جميع الأشخاص بالقدر نفسه بالطريقة التي تتطلبها الأخلاق الكانطية ولايزال يقدرني بوصفي لي خصوصية بالنسبة له. لأنه إذا كان شخص ما يخشى أن تمنعه الأخلاق من أن يكون محبوبًا بالطريقة التي يريدها، فإن ما يزعجه حقًا هو المقارنة بين جميع الأشخاص بوصفهم متساوين أخلاقياً حيث ستهدد تقييمه على أنه له محبة ومكانة خاصة ومميزة عن الآخرين.

لذلك، ما لم نتمكن من معرفة مسألة التنافس بين الأشقاء، فاذن هناك مشكلة عميقة في الوضع البشري. ولابد أن يكمن حل مشكلة التنافس بين الأشقاء في معرفة سبب عدم إجراء مقارنة، لماذا لا يعتمد حب والديك على رؤيتك أفضل أو أغلى من إخوتك. هذا يعني أننا نتعامل مع أسئلة حول القيمة: ما الذي فيك يجعلك غاليًا ولا يمكن استبدالك بآخرين؟ أي نوع من القيمة يتطلب التقدير في حد ذاته، والابتعاد عن المقارنة بالآخرين؟ أعتقد للإجابة عن هذه الأسئلة، أننا بحاجة إلى فهم فكرة كانط التي تقول: أن الأشخاص، كغايات في حد ذاتها، لديهم قيمة لا تُقاس بالقيم الأخرى، ولا تضاهى أو تقارن مع قيمة الأشخاص الآخرين.

نحتاج لفهم وجهة نظر كانط عن قيمة الأشخاص أولاً، إلى فهم فكرة كانط عن الشخصية. فبالنسبة إلى كانط، إن كونك إنسانًا يعني أن تكون مخلوقًا عقلانيًا، سواء على المستوى المعرفي أو العملي. يقدم فيليمان في كتابه Self to Self، تفسير لهذه الفكرة: إن جزءًا مما يجعل شخصًا ما عقلانيًا هو إمكانية تراجعه عن دوافعه والتفكير فيما يجب فعله. لذلك، على سبيل المثال، عندما يكون الشخص متحيرا بين رغبته في البقاء في السرير ورغبته في الالتزام بنظام التمرين، يمكن للفاعل العقلاني أن يسأل، في هذه الظروف، ما إذا كان الشعور بأن البقاء في الفراش والراحة سبب وجيه كافٍ لعدم ممارسة الرياضة. ليس هذا مجرد سؤال حول هذه المناسبة بالذات، فالأسباب التي تدفعه لاتخاذ القرار سوف تنطبق على جميع المناسبات المماثلة. علاوة على ذلك، لكي يكون هذا قرارًا صحيحا في كل الأوقات، يجب أن ينظر إلى الأمور على أنها ثابته حتى يكون لديه سبب لإعادة النظر. وقد كتبت فيليمان أنه بمجرد أن يدرك الشخص قدرته على تبني هذا النوع من المنظور المستمر لرغباته، فإنه سيكون متحفز بشكل لا مفر منه للقيام بذلك والتصرف بناءً على ما يعتقد أن لديه أكثر الأسباب للقيام به. بعبارة أخرى، سوف ينجذب إلى الاستقلال الذاتي حتمًا.

لكن، كما يوضح فيليمان، تتضمن فكرة كانط عن الشخص شيئًا أكثر من مجرد قدرته واستعدادته لتكوين منظور فردي ثابت ما لديه من سبب للقيام بالفعل؛ حيث تتمتع المخلوقات العقلانية بإمكانية الوصول إلى منظور أكثر شمولاً تمكنها من رؤية أشياء معينة، وترى أن هذه الأشياء كافة المخلوقات العقلانية. فعلى سبيل المثال، ليس فقط الشخص الذي يقوم بالحساب يرى أن مجموع 2 و 2 هو 4 ولكن أي شخص يضيف 2 و 2 سيرى أن المجموع 4. يعتقد كانط أنه مثلما تمتلك جميع الكائنات العقلانية منظورًا مشتركًا للحساب، يمكن أن يكون لديهم منظورا مشتركًا حول ما يمكن اعتباره أسبابًا للفعل من قبل أي فاعل عقلاني. يدعي كانط أن بإمكانهم تبني مثل هذا المنظور من خلال التساؤل عما إذا كانت مبادؤهم للفعل قابلة للتعميم. هذا يعني، السؤال عما إذا كانت أسباب تصرفهم من النوع الذي يمكًنهم من السماح بها للجميع باستمرار واعتبارها صالحة في ظروف مماثلة.

إن التصرف وفقًا لأسباب يمكن أن تكون قابلة للمشاركة عالميًا هو ما اعتبره كانط القانون الأخلاقي أو الواجب الأخلاقي المُلزم أو غير المشروط في جميع الظروف ولا يعتمد على ميول الشخص أو غرضه، ايً تصرف وفقًا لطريقة ثابتة يمكن أن تكون قانونًا عالميًا. كان يعتقد كانط أيضًا أنه بمجرد أن يدرك شخص ما إمكانية التصرف وفقًا للقانون الأخلاقي، فسوف ينجذب إلى القيام بذلك. كان لدى كانط عدة أسباب للتفكير في هذا. إحداها، أن التصرف لأسباب يمكن أن تقبلها جميع الكائنات العقلانية أمر جذاب لأنه طريقة لاستقلالية الشخص، بمعنى أن حكم المرء على ما يعتبر سببًا للفعل يصبح القوة الوحيدة التي تتحكم في أفعاله. يرى كانط أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتكون مستقلًا تمامًا. وهناك طريقة أخرى، هي أن يقوم المرء، ومن خلال التصرف لأسباب يمكن للجميع قبولها عقلانيًا، بدوره في إقامة علاقة متناغمة معهم، حيث يمكنهم بعد ذلك تأييد الطرق التي ينظر بها المرء إليهم ويتصرف تجاههم. ومن ثم تنطوي النتيجة المذهلة لتعريف كانط للشخصية بالضرورة على طموح للتصرف بشكل أخلاقي.

 

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

هلال محمد الجهادتفاعلاً مع مقالتي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حول (سلطة الفصاحة والنحو)[1]

"يتعين استغلال الفرص العديدة التي يتيحها مجتمع المعرفة لمواجهة التحدي الراهن الذي يفرضه الإفراط المعلوماتي المعاصر، وهو تحد لغوي في المقام الأول، وتفجير الطاقات الكامنة في اللغة العربية". تقرير التنمية الإنسانية العربية، UNPD، 2003، ص 121.

هذا التقرير الذي لم تنتبه السلطات صاحبة القرار في البلدان العربية إلى خطورته ومصيريته في حينه، انتهى إلى هذه النتيجة وهو يدق ناقوس الخطر إلى المصير الذي ينتظر العربية والعرب في عصر الثورة المعلوماتية. بعد سبع عشرة سنة، تبدو هذه الخلاصة متفائلة أكثر من اللازم حين تتحدث عن "تفجير الطاقات الكامنة للغة العربية" لأنها لم تذكر ماهية هذه الطاقات ولا كيفية "تفجيرها"، والأهم هو أنها لم تحدد من سيقوم بالتفجير. هذا التفاؤل يندرج ضمن نظرة العرب المثالية إلى لغتهم، التي تضفي عليها قدسية متوهمة، تجعلها أشرف اللغات وأجملها وأفصحها، بل يشتط البعض في المثالية ليقول إنها ستكون لغة العالم كله في النهاية.

على الطرف النقيض، ومنذ أكثر من قرن، ظهرت الطروحات التي تكشف عن عجز اللغة العربية عن اللحاق بالتطور المعرفي والعلمي في القرن العشرين، وأنها ليست أكثر من لغة دينية- شعرية- خطابية، وأن عليها لذلك التراجع إلى مكانيها الطبيعيين (المسجد والمنبر)، فظهرت دعوات التغريب والفرعنة والأشورة والفينقة إلى آخره.

كلا المنظورين يعكس تطرفًا في النظرة إلى اللغة العربية؛ فالطرف الأول يجعلها لغة مثالية متعالية تعالي القرآن الكريم والحديث وغيرهما من النصوص الدينية المؤسسة لمنظومة الفكر الديني العربي الإسلامي، وبالتالي تتحول إلى لغة منفصلة عن الواقع متعالية حتى على متكلميها، والطرف الثاني يحمّل العربية في ذاتها مسؤولية العجز عن الإنتاج المعرفي ما دام أعرابي محمد عابد الجابري، البدوي الشاعر الخطيب يكمن في أعماقها. لكن هذين التطرفين يعكسان أيضًا أن العربية كانت وما زالت تواجه أزمة مصيرية متفاقمة. لذلك ظهر طرح آخر حاول أن يقدم حلاًّ ما، فذهب إلى الدعوة إلى تخليص اللغة العربية من أعبائها التقليدية وتسهيل قواعدها الكثيرة (لم يذكر أحد كيف سيتم ذلك)، وتفعيلها في متابعة التطورات العلمية والمعرفية عن طريق تعريب العلوم والمعارف الحديثة. لكن هذا الحل -رغم الجهود الكبيرة والمنجزات المتحققة- انتهى إلى التراجع والانكفاء كما يبدو، أمام عجزه عن متابعة التسونامي المعرفي ولاسيما في عصر الثورة المعلوماتية.

لنواجه الواقع: اللغة –أية لغة- لا توجد بمعزل عن متكلميها، وبالتالي قيمتها الحقيقية تأتي من قيمتها في اقتصاديات المعرفة. يحيلنا هذا إلى المبحث الرئيس في فلسفة اللغة المتمثل بعلاقة اللغة بالفكر التي درسها وأكد أهميتها الحاسمة بعض علماء اللغة مثل يوهان هيردر وفيلهلم فون همبولدت وإدوارد سابير وتوشيهيكو إيزوتسو وغيرهم، من أن اللغة تؤثر بعمق في رؤية متكلميها للعالم ومفهمته وبالتالي في تفكيرهم. لكنها من جهة أخرى، إيجابية، هذه العلاقة بين اللغة والفكر ذات أهمية حاسمة في الإبداع الفكري والمعرفي، لأن اللغة حسب مفهوم تشومسكي قدرة متأصلة تتيح للإنسان اداء ما لانهاية له من الجمل اللغوية للتعبير عن أفكاره. هذه الفكرة اهتم بها الظاهراتيون، بدءًا بإدموند هوسرل ثم مارتن هايدجر وجعلوها أساس تطوير اللغة والفكر والتعبير لكن بالمعنى الإبداعي: التعبير يعني الوعي باللغة وممكناتها، والإنسان يعبرّ عندما يجعل اللغة تقول ما لم تكن قالته سابقًا. (موريس ميرلوبونتي، تقريظ الفلسفة، 1983، ص 74- 75).

المشكلة إذن ليست في قواعد النحو العربي وشواذها، ولا في أعرابي الجابري الكامن فيها، ولا في قدسيتها المتوهمة، بل في وعي متكلميها وإرادة المعرفة لديهم. وإذا كانت أزمة اللغة العربية في القرن العشرين عبرت عن نفسها في المراهنة على قدرتها على استيعاب المستجدات المعرفية والتعبير عنها من عدمها، فقد فرض القرن الحادي والعشرين تحديًا جديدًا أكثر خطورة وجدية بكثير، هو قدرتها على المشاركة في إنتاج المعرفة في عصر الثورة المعلوماتية.

"لحاقًا أو انسحاقًا"، هذا هو النداء الذي أطلقه نبيل علي خبير المعلوماتية العربي قبل حوالي ثلاثين سنة، لينبه العرب إلى طبيعة الثورة المعلوماتية المقبلة التي ستكتسح المعرفة التقليدية وتدخل البشر إلى عصر جديد لا حدود لإمكاناته ولا رادّ لتحدياته وضغوطه التي سيفرضها على اللغات المحلية. يبدو أن الرجل مات كمدًا وهو يرى تبدد ندائه في مؤلفاته الأربعة عن العرب وعصر المعلومات بين عامي 1993- 2009، في عراء الإصرار العربي على العزلة والإحجام عن المشاركة الفاعلة في الثورة المعرفية العالمية مما شهدنا مظاهر عديدة له لاحقًا، مثل التراجع الحاد في مؤشرات التنمية المعرفية في العالم العربي على كل المستويات (التعليم الأساسي والعالي والبحث العلمي والنتاج الثقافي)، والأهم هو التأثير المعرفي العربي في العالم. ورغم أن نبيل علي حاول تشخيص مظاهر الأزمة المعرفية العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه أولى اللغة اهتمامًا خاصًا بوصفها المكون الأهم في نشوء الأزمة، وبداية الحل الجذري لها. لكن الظاهر أن الأزمة تتفاقم والحل ما زال بعيدًا.

دعمًا لنداء نبيل علي، شاركت في مؤتمر المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا (دمشق، آذار، 2006) ببحث عنوانه (الطاقة المعرفية العظمى) بينت فيه أن أية محاولة لتوطين التكنولوجيا في العالم العربي وتفعيلها تبدأ وتنتهي باللغة العربية نفسها، وكانت إحدى توصيات البحث تأسيس المجمع العربي الإسلامي لبحوث اللغة وتكنلوجيا المعلومات، يكون من أولوياته إطلاق مشروع حوسبة اللغة العربية بوصفها قائدة لغات العالم الإسلامي. لكنه كان نداء آخر ضاع في واد التجاهل وعدم الوعي بالموجة الكاسحة التي بدأت تغرق كل شيء.

لنواجه الواقع مرة أخرى: تمثل شبكة المعلومات العالمية المظهر الأبرز للثورة المعلوماتية المعاصرة، وتتسابق الشعوب على احتلال أكبر مساحة ممكنة من هذا العالم الافتراضي عن طريق إنتاج المعرفة وتسويقها وبالتالي فرض الهيمنة اللغوية بوصفها أداة للتعبير عن هذا المحتوى. والحقيقة أن ما نشهده عبارة عن ساحة معركة كونية يستميت فيها الجميع من أجل الحفاظ على موطئ قدم على الأقل دائم وقابل للتطوير. قياس نسبة المحتوى العالمي على الإنترنت وتصنيفه لغويًّا وموضوعيًّا أمر يشغل منظمات وجهات عديدة في العالم منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا، ذلك لأن هذا المحتوى يعكس تحولاً هائلاً في نمط السلوك المعرفي الإنساني يقارن بالثورة الصناعية التي غيرت تاريخ البشر جذريًّا، وخلال هذه السنين لوحظ أن منتجي المعرفة في العالم المعاصر يتنافسون على مضاعفة نسبة حصتهم من محتوى الإبداعي.

أين العرب والعربية من ذلك؟

مع أن عدد العرب يزيد على 400 مليون حاليًّا، والمتكلمون بالعربية في العالم يزيدون هذا الرقم كثيرًا، فإن نسبة المحتوى العربي الرقمي على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) يتراوح حول نسبة  3%،[1] وهذه النسبة على ضآلتها لا تعني أن المحتوى الرقمي العربي يعبر عن اهتمام العرب بالثقافة والبحث العلمي والترجمة والتحليلات النقدية والنصوص الأدبية التي عادة ما تشكل حوالي نصف ما ينتجه العالم المتقدم من المحتويات الرقمية، بل يعكس ظاهرة تسود الواقع العربي عمومًا وهي التبعية والتكرار، فنسبة 80% من هذا المحتوى هي عبارة عن (نسخ ولصق وإعادة نشر ومشاركة)، أي أن النسبة ستنخفض إلى 6. 0%. وإذا أضفنا إلى ذلك الكم الهائل من الصحافة الإلكترونية الصفراء والبروباغندا الإعلامية، والجدل حول قضايا سياسية واجتماعية طائفية عقيمة وتعليقات المجاملة والمتابعة على منصات تويتر وفيسبوك، فسينخفض المحتوى العربي الرقمي الجيد الأصيل إلى أقل من ذلك بكثير.

تكشف موسوعة ويكيبيديا (بوصفها الموقع الأبرز لوجود المحتوى الرقمي العربي الجيد نسبيًّا) عن نسبة مساهمة العرب في النتاج الفكري بلغتهم، حيث تضعنا المقارنة أما حقائق أقل ما يقال عنها أنها صادمة: في الويكيبيديا هناك (2,567,509) مقالة بالإنكليزية، مقابل (77,444) بالعربية، ومع ذلك هناك شعوب عددها أقل من العرب بكثير لكن لديها مقالات أكثر من المقالات العربية (تسلسل المقالات العربية 27 من 40 لغة، وتسبقها مثلاً الأوكرانية (127,309 مقالة) والهنغارية (106,219) والتشيكية (107,973 مقالة) والسلوفاكية (101,135) والفنلندية (179,520) وحتى الكتالانية التي هي مجرد لغة محلية إسبانية (133,214 مقالة).[2] وكل هذه الشعوب لا يبلغ تعدادها تعداد متكلمي العربية في بلد مثل العراق أو السعودية أو الجزائر مثلاً.

تتأصل هذه المشكلة الأساسية مرة أخرى، في علاقة اللغة بالفكر التي تكلم عنها عدد من اللسانيين المحدثين، وينبني على ذلك أن أية لغة تتقدم وتفرض نفسها بمقدار ما ينتجه متكلموها من منتجات فكرية نظرية وتطبيقية، وإذا أخذنا الإسهام في ويكيبيديا معيارًا، فهل يعقل أن ينتج متكلمو الكتالانية الذين لا يزيد عددهم عن أحد عشر مليونًا، مقالات علمية ضعف مما ينتجه العرب مجتمعين؟

هذه الإحصائيات تكشف عن أن العرب أنفسهم يفتقرون إلى إرادة المعرفة والمشاركة الفاعلة في تسويق لغتهم. ولا يرجع السبب في ذلك إلى رؤيتهم للعالم التي أسهمت لغتهم نفسها في مفهمته وبالتالي تأسيس علاقة متكلميها به، ولا إلى نحوها وفصاحتها وبلاغتها الرنانة، بل إلى معوقات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ومحدداته التي تنعكس على سوق المعرفة العربي، وتحد من طلب العرب على المعرفة، والامثلة على ذلك كثيرة، منها تردي التعليم الأساسي والجامعي وتحول الأساتذة والباحثين إلى مجرد موظفين قتل الروتين فيهم أية رغبة في التفكير والإبداع، والتراجع المستمر للإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي، والعجز عن استثمار كفاءات خريجي الجامعات وإلقائهم إلى هوة البطالة، والإهمال المتعمد للخطط التنموية الراهنية والمستقبلية، فضلاً عن العجز عن حوسبة اللغة العربية وتوظيفها في سوق المعرفة الرقمية بكفاءة.

هناك عامل آخر يسهم بقوة في تفاقم أزمة العربي في عالم اليوم، فمع ما فرضته العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية من انفتاح اكتسح الحدود التقليدية، كان رد الفعل العربي يميل إلى العزلة أكثر فأكثر، بذريعة الخوف على الثوابت الدينية والقيم والأخلاقيات المثالية التي يتصور أنه يمتلكها، ولكن النزوع إلى التبرير أفرز نفورًا –على الأقل في الخطاب المعلن- من كل ما يحدث في العالم وتفسيره على أنه محاولة من العالم كله لتهديم آخر المعاقل التي يتحصن بها وهو اللغة العربية نفسها. وفي هذا السياق تأتي التوجهات المحزنة للمنادين بـ "حماية اللغة العربية" بذريعة الخوف عليها من الضياع. هذا الشعور المركّب بالاضطهاد المفضي إلى مزيد من العزلة جعل الواقع العربي يبدو زقاقًا موحشًا في القرية العالمية التي أنشأها عصر المعلومات.

فلو أخذنا واقع الترجمة باعتبارها قناة التفاعل بين الثقافات المتنوعة في العالم وسوقًا لتبادل الإنتاج المعرفي، لوجدنا فقرًا مدقعًا في الإنجاز الترجمي العربي. فعدد ما ينشر من الكتب والمقالات المترجمة في العالم العربي سنويًّا يساوي ما تترجمه ليتوانيا التي يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة. ومجموع ما ترجم إلى العربية من عصر المأمون إلى الآن تقديرًا، يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة. ومعدل الكتب المترجمة 4 فقط لكل مليون عربي، بينما يصل المعدل إلى مئة ضعف هذا في إسرائيل، وما يقرب من أربعمئة وخمسين كتابًا لكل مليون نسمة في هنغاريا مثلاً. ناهيك عن اليابان التي تترجم إلى لغتها ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة كل سنة (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003، ص. 67). بينما يعتمد سوق الترجمة العربي إما على مؤسسات الوجاهة لدى الدول العربية المترفة، أو محاولات فردية لمترجمين تبتزهم دور النشر ولا تدعمهم إلا بالفتات. بينما بعض النقاط المضيئة في هذا الزقاق الموحش (مثل دار المأمون في العراق والمنظمة العربية للترجمة في لبنان) أغلقت أبوابها وانطفأت بعد أن قطعت شوطًا معرفيًّا متقدمًا، إما للتغيرات السياسية العنيفة أو شحة التمويل.

هذه المقارنة تعكس فرقًا جوهريًّا بين الشعوب الحية التي تتعامل مع عصر المعلومات بواقعية وتحاول أن تنافس في سوقه دون خوف على ثوابت أو مثاليات، وبين شعوب أخرى ترفض الاستجابة للواقع الذي أظهر نمطًا جديدًا من الإمبراطوريات والدول هي الإمبراطوريات والدول اللغوية المسلحة بعتاد معرفي متطور كل يوم، وينفتح في الوقت نفسه على ما يستجد لحظة بلحظة.

والحل؟

كثيرة هي المؤتمرات الخاصة باللغة العربية التي تنعقد هنا وهناك وتطرح أوجهًا متنوعة لأزمتها ثم تخرج بتوصيات وحلول نظرية سطحية لا تنفذ إلى جوهر المشكلات والمعوقات والمحددات، والأهم أنها لا تملك سلطة اتخاذ القرار ولا تنفيذه. فتتحول إلى حفلات علاقات عامة باذخة غايتها الترويج الإعلامي لا غير. والمؤسي في الأمر كله أن الأكاديميين العرب من ذوي الأسماء الكبيرة والصغيرة يتسابقون للمشاركة في حفلات الزيف المترفة هذه لعلهم يحظون بشيء من فتات سلطات سياسية وثقافية ليست معنية بالأزمات الطاحنة ومنها أزمة اللغة، التي تسحق العربي المعاصر، بل هي السبب الأول لها.

لا أزعم – ولا يستطيع غيري أن يزعم- أنني أستطيع تقديم حل من أي نوع لما تعانيه لغتنا بسببنا نحن، وبسبب قصورنا عن فهم دورنا في العالم المعلوماتي وفقر بضاعتنا في سوق المعرفة، فعلى امتداد الثلاثين سنة الماضية، كان أكثر من فرصة متاحة لنا لفعل شيء ما، لكن الآن هناك شك كبير في أن تطرق فرصة أخرى أبوابنا المغلقة. لنتذكر فقط أن القضية التي نطمح إليها ليست قضية تسهيل النحو، ولا حل مشاكل الإملاء العربي المعقدة مثل كتابة الهمزة، ولا قل ولا تقل، ولا الخلاص من ركام الطنطنة البلاغية علمًا وتعبيرًا، فليس لأحد في ذاته مهما كانت سلطته أن يصدر قرارًا بذلك ليطبق على الفور، وإنما القضية هي إن كان لدينا نحن العرب الشجاعة لتغيير النظرة إلى لغتنا، من كونها مقدسة ذات علوم (نضجت واحترقت) إلى كونها مجرد أداة للتعبير عن الفكر وتنميته وتحفيزه على الإبداع والتفكير فيما لم يفكر فيه بعد، مهما كان ذلك غريبًا أو صادمًا أو مخلخلاً للثوابت المعتادة الراسخة. ومرة أخرى؛ اللغة العربية مثل غيرها من اللغات، ليست كيانًا مجردًا قائمًا بذاته، بل هي وسيلة إنتاج، وهي لذلك تتطور وتؤثر وتنتشر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية أهمها فعل التفكير الذي يوظفها للتعبير عن منجزات المعرفة. بكلمة أخرى إن قيمة أية لغة تأتي من قدرتها على إنتاج المعرفة في عالم يتسابق إلى فرض الهيمنة اللغوية مصاحبةً للهيمنة المعرفية. وفي هذا السياق لا يبدو أن متكلمي اللغة العربية يعون حقًّا ما الذي يجري في العالم اليوم. ولعل هذه المقالة ربما تساعد قليلاً في الكشف عن شيء يقود إلى إدراك الأزمة والوعي بها بشكل واقعي بعيدًا عن التطرف في المثالية أو التعجيز أو العزلة.

يضاف إلى ذلك عاملان جوهريان سيكونان كفيلين بإعادة الحياة إلى لغتنا:

الأول: هو أن نكف عن خوفنا المزمن من الفلسفة وكرهنا لها، والسعي إلى تشكيل رؤية فلسفية عربية تتعمق في دراسة علاقة اللغة بالوعي الذي ينتجها وبالواقع الذي تؤثر فيه؛ فكل المنجزات في ميدان علم اللغة مثلاً تستند إلى أساس صلب من التفكير الفلسفي والعتاد المصطلحي الذي يحدد المفاهيم الأساسية ويجددها، ودون ذلك يصبح أي كلام في اللغة هشيم تذروه رياح الواقع العنيف.

العامل الثاني: هو المنهج؛ ان على العرب التفكير في إنجاز مشروع التحليل المنهجي الشامل للعلاقة بين منظومة اللغة ومنظومة المجتمع ومنظومة الثقافة. المنهج هو المصباح الذي سيضيء الجوانب المعتمة من أنفسنا وواقعنا ودورنا في عالم المعلوماتية ويكشفها لنا لكي نفهمها ونفهم فقرها وفقر رصيدنا من التفكير المنهجي المنظم وفقر رؤيتنا الفلسفية، وبالتالي ضعف إرادة المعرفة العربية. هذا الذي سيطور لغتنا حقًّا ويغنيها ويعيدها إلى الحياة. وقديمًا قيل: الفقر لا يصنع الثورة؛ الوعي بالفقر هو الذي يصنع الثورة.

 

د. هلال محمد الجهاد

أستاذ الأدب العربي في جامعة الحمدانية في العراق

....................................

* المقالة الأولى للدكتور عبد الجبار الرفاعي منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 12 تشرين الثاني، 2020 ، والمقالة الثانية حول الموضوع منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 19 تشرين ثاني 2020.  [1]

[1] https://mawdoo3.com/arcontent/

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Wikipedia:Multilingual_statistics هذه الإحصائيات مأخوذة من موقع ويكيييديا نفسه وفيه تفاصيل:

 

 

علي محمد اليوسفوجهة نظر: نتيجة متابعاتي المحدودة حول فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في بحوث ودراسات تخص المنحى الذي ذكرته البعيد جدا تصنيفه انه فلسفة مركزية محورية في فهمنا قضايا الانسان والعالم من حولنا في تاكيد هذه المركزية اللغوية الافتعالية الخالية من اي شكل من التفلسف الهادف او المعرفي.

نستطيع الجزم من دون تحفظ استثنائي لا معنى له، ان فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ادخلت اللغة كعلم له كامل الاستقلالية والتعالق العضوي بالفلسفة في نوع من الاستشكال الفلسفي هو (تفلسف في نحو وقواعد اللغة) يقوم على تقطيع العبارة او الكلمة وتحميلها دلالات من النحوية والقواعد البلاغية الفارغة من المعنى المضموني كمعرفة فلسفية، بل كانت توظيفات لغوية ادخلت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات المتعالقة بها في عنق زجاجة لا يمكن خلاص الخروج  منها اساءت الى اللغة بما هي لغة اكثر من اساءتها للفلسفة بما هي فلسفة.

عالمنا اليوم تتقاذفه الامواج العاتية السياسية الاقتصادية المضطربة، وتفشي الفقر والاوبئة وشتى انواع الاستلاب الانساني، وتلاعب حفنة من الدول في مصائر أمم وشعوب مقهورة لا تمتلك أدنى أمكانية في خلاصها، لتأتي فلسفة اللغة بتطرفها الشاذ في صرف انظار بعض الفلاسفة والمفكرين عن معالجة هموم الانسان المسحوق عالميا، في الغوص والاهتمام المبالغ فيه حد التخمة على أن مركزية حل مشكلة المعنى باللغة هو مفتاح الحل والتصحيح لكل من مشاكل تاريخ الفلسفة، وحل مشكلة الانسان المصيرية كموجود أصبح لا يقوى على فهم ابسط الاشياء التي يجري تسويقها من حوله وهو صاغر مطيع مسلوب الارادة في تقرير مصيره.

أعتقد حان الوقت اليوم الخروج من مركزية هيمنة فلسفة اللغة وتوابعها المنبثقة عنها المتجذرة فيها مثل نظرية المعنى والتحول اللغوي، بعد أولوية الخروج من التبعية المركزية السياسية الاقتصادية التي تحكم العالم، فالتفلسف النحوي اللغوي القائم على اشكال من التجزيء لمفردات ومرموزات ومعادلات تمسخ معنى اللغة وتدّمرها قبل اساءتها الاكبر في تدمير مستقبل الفلسفة. توضيح فهم المعنى اللغوي لا يمكن أن يكون بهذه الاشكالية الغريبة التي أدخلت مباحث الفلسفة في متاهة من الضياع التي ركنت الاهتمام جانبا قضايا فلسفية لها ارتباط وثيق بهموم ومصير الانسان.

بمجمل الاختصار في خلاصة التعبير أن المنحى الفلسفي اللغوي المتطرف الذي تسلكه تيارات فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات قضى على آخر أمل يرتجيه الانسان أن تكون الفلسفة أحدى وسائل تامين مستقبله امام تجذير فلسفة اللغة بعمى التجريد النحوي فيها حد الامتعاض. التحول اللغوي وفلسفة اللغة والتيارات المتعايشة عليها ومعها لم ولن يخدم تاريخ مستقبل الفلسفة، بل العكس وضع مباحث الاهتمام الفلسفي على سكة طريق لا يؤمن للفلسفة تحقيق ابسط اهدافها بمقدار أن تلك المباحث وضعت الفلسفة في متاهة من الضياع والتيه الذي لا يضع أمامه أهدافا واضحة تخدم الحياة والانسان.

بيركلي والادراك

لعل المثالية الابتذالية التي دافع عنها بيركلي أفضل تعبير في أسوأ تناقض هو قوله (يمكننا تحديد المقصود بالوجود دون اللجوء الى ادراكات لغوية، فوجود الشيء هو وجود ادراكه)1، هل الوجود الادراكي يقوم على تفكير خيالي بوجود شيء غير موجود واقعيا؟، ثم أن الادراك يقوم على الاحساسات وتعبيرات اللغة سواء صامتة أو مسموعة مقروءة. والادراك لا ينوب عن وجود المادة في حال ادراكها بل هو يعبّر تجريديا لغويا أستبطانيا أو أفصاحيا عن ذلك الوجود.

أما الادراك في مواضيع تبتدعها المخيلة من معين الذاكرة مستودع المعلومات تبقى مواضيع خيالية استبطانية لا يقدر العقل التعبير عنها لغويا تجريديا، ثم أن الخيال لا يصنع مواضيع لها وجود واقعي لم يكن قائما انطولوجيا قبل الادراك التخييلي له كموضوع.

وتعقيبنا على هذه المثالية الفجّة أكثر مما ذكرناه نجده في:

- الوجود سابق على أدراكه، وأسبقية الوجود هي التي تعطي الحواس الادراك به. ولا يحل الادراك البعدي محل الوجود القبلي، من حيث الوجود يدرك بموجوداته التي هي مادة يدركها الحس، بينما الادراك المجرد عن موجودية المادية السابقة عليه هو وهم فكري تجريدي لوجود غير موجود أو غير متحقق ادراكه حسيّا.

- لا يمكن تأكيد أدراك موجود خارج تعالقية اللغة به في تصوره والتعبير عنه. ادراك شيء بالفكر لا يجعل منه مدركا ماديا بالحس. وقابلية العقل على ادراك الموجودات الشيئية حسّيا لا يقوم بغير تمثّل صوري لغوي تجريدي لتلك الاشياء.

- ادراك الوجود ادراك عقلي داخلي مادي منظم وليس ادراك الوجود خارج العقل بمنظومته البيولوجية، لذا يكون الوجود هو مصدر أدراك العقل للاشياء، ولا يكون الادراك الوهمي لموضوع خيالي يجعله مصدر تحقق موجود مادي. ادراك الشيء بالفكر يختلف عنه ادراك الحواس له وكلا الادراكين المادي والخيالي هما تجريد لغوي يفهمه العقل في تعبيره عنهما. ولا يمتلك الادراك التعبير عن نفسه الا بوسيلة تجريد اللغة فقط التي ينكرها بيركلي، كذلك الاهم لا يمكن تفكير العقل المجرد بوسيلة اللغة يجعل الافكار تخلق موجوداتها المادية بالواقع .

- لعل طرافة وبساطة مقولة بارمنيدس البديهية تعبيره " الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود" بمعنى أنت لا يمكنك ادراك شيء أنت تخلق وجوده المادي بخيالك الفكري كي تدركه بغير دلالة تعبيرية عنه ولا بدلالة حسّية له.. فالمدرك موجود واقعيا، وغير الموجود لا يمكن ادراكه.

- أبتداع مخيلة العقل لموضوع لا ينتج عنه وجودا ماديا انطولوجيا، المخّيلة تفكير تجريدي محض في حال تعبيره عن موضوع لم يكن له وجودا انطولوجيا. والتجريد الادراكي لا ينتج عنه ادراك انطولوجي لشيء.

- ادراك الشيء بغياب وجوده المادي لا يجعل الادراك له معنى ينوب في غياب الموجود، واستحالة تحقق ادراك من غير موضوع او شيء مادي موجود يسبق وجوده ادراكه والتفكير به ما عدا مواضيع المخيلة خياليا...

الانطولوجيا واللغة

يعتبر أفلاطون الموجودات (الوقائع المعينة هي أفكار، أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس)2، لو نحن أخذنا المقصود المباشر لتفسير العبارة نجدها هي تفريق بين الشيء المادي كموضوع للعقل وتعبير اللغة عنه، وبين الموضوع الذي مصدره مخّيلة الانسان والذاكرة الخيالي - المفاهيمي وتعبير اللغة عنه مثل مواضيع الاخلاق والقيم والعواطف والنفس وضروب الابداع الادبي والفني وغيرها.

فهذه مواضيع مستمدة من تمازج الخيال مع المعرفة المفهومية المجردة. كون المفاهيم ليست مواضيع ادراكية لا يستطيع العقل التعبير عنها والاحاطة بها الا بوسيلة التجريد الخيالي لغويا خارج الادراك المادي، المفاهيم مباحث مطلقة التجريد غير محدودة لذا لا يمكن معرفتها بغير دلالة موجوداتها المتعالقة بها. فمثلا مفهوم الوجود المطلق ميتافيزيقيا لا يمكن ادراكه الا ضمن علاقة موجوداته التي يحتويها داخله. وبدون محتوى الوجود تبقى اللفظة خالية من معنى الدلالة لا قيمة معرفية لها. مثال آخر مفهوم الزمان فهو مفهوم مطلق لا يدرك معرفيا الا بدلالة غيره من موجودات يحتويها في ادراك مقدار حركتها فيه. ومثال ثالث الطبيعة لا يمكن ادراكها الا بدلالة موجوداتها التكوينية التي تحتويها.. المفهوم كمطلق ميتافيزيقي تجريدي هو ليس موجودا ماديا يمكن ادراكه بالحواس عقليا وهو يختلف عن الادراك التجريدي ايضا لمواضيع واشياء حسّية موجودة واقعيا يمكن ادراكها.

أن الموضوع الخيالي أو الموضوع المفاهيمي لا يمتلكان كيانا موجوديا ماديا في الواقع، بل هما فكر تجريدي في الذهن لا يعبر عن موجود مادي بعينه موجودا واقعيا انطولوجيا. وما سبق لنا مناقشته في عبارة بيركلي ينسحب على مثالية أفلاطون ايضا ونجد بذلك انتهينا منه. لكن السؤال الباقي معلقا بماذا يختلف ما هو موجود مادي في تعبير اللغة عنه؟ عما هو غير موجود ولا مادي بالنسبة للفكر واللغة؟

الموجود المادي هو لغة قائمة انطولوجيا في تعبيرها عن مدلولها الواقعي المادي في حال الادراك الحسّي للموجود. وعندما نقول الموجود المادي هو لغة فهو تعبير صحيح تماما كون ادراك العقل لكل محسوس هو لغة تصورية تجريدية، لكن هذا التعبير لا يخلو من تناقض ازدواجي في معناه. فادراك الشيء حسّيا هو ادراكه لغويا لا خطأ فيه يدينه ويسمح مناقشته، وعندما نقول حسب تعبير افلاطون الوقائع المعنية هي أفكار لغوية  صحيح ايضا فأين الخطا أذن،؟

مسألة بديهية أن كل مدرك حسّي عقلي أو مدرك كموضوع خيالي هما ادراك بوسيلة الفكر واللغة المجردين ولا فرق بين وسيلة التعبير عن الادراكين. فألادراك الحسّي هو تجريد لغوي،كما أن ادراك موضوع مصدره المخيّلة يكون تجريدا لغويا أيضا. لذا يكون الادراك في كل الاحوال وفي أختلاف وتنوع مواضيعه الادراكية هو ادراك تجريدي لغويا.... ولا يمتلك الادراك الحسّي العقلي في التعبير عن مواضيع وموجودات ادراكه سوى تفكير العقل تجريدا لغويا.

فرق الادراك بين الحسّي والمتخيّل

لم نقل لا فرق بين الموضوعين المدركين أحدهما الموضوع المادي الحسّي والآخر موضوع المتخيل الذهني الذي لا وجود له على ارض الواقع. بمعنى الاول يمتلك وجوده الانطولوجي وتعبير الفكر واللغة عنه، وهذا ما لا يتوفر عليه الثاني موضوع المخيلة الخيالي الذي يمتلك ايضا لغة التعبير عنه تجريديا لكنه لا يمتلك وجوده الانطولوجي الواقعي بل هو من صنع مخيّلة الانسان.

اللغة في تعبيرها عن موجود متعيّن انطولوجيا هو دلالة قطعية على وجود موجود مادي سابق في وجوده المادي على لغة التعبيرعنه. وعلاقة الموجود المادية مع التعبير اللغوي عنه متطابقان تماما في عملية الادراك.

أما وجه التحفظ المثالي في ملابسة هذا الطرح هو الذي يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة بالذهن في تعبيرها عن موجود غير موجود ماديا ويريد الفكر واللغة خلقه واقعا ماديا وهو استحالة لا يمكن تحقيقها مطلقا.

بمعنى تعبير الفكر واللغة التجريديين عن موضوع لامادي وغير موجود واقعيا يبقى موضوعا تصنيعيا من أبتداع المخيلة وعمل الذاكرة ولا يمكن معاملة ذلك الموضوع وجودا ماديا. الفكر واللغة لا يخلقان اشياء مادية واقعية. وفي كل الاحوال يبقى تعبير اللغة عن الاشياء المادية والمتخيلة هو تفكير لغوي تجريدي.

فلسفة الوجود قبل سقراط

ينسب الى أحد تلامذة جورجياس انتستين قوله " انا لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء، وأنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يملكها هذا الشيء، وهناك ما هو اسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن اقول غير موجود." 3

ما اشار له انتستين قوله لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء أنما كان بذر البذرة الاولى في تاريخ الفلسفة حول قضية الماهية أو الجوهر بشكل دقيق لم يسبقه غيره به، التي أصبحت قضية فلسفية محورية اكدها كانط وهيجل ومن بعدهما الفلسفتين الماركسية والوجودية بخاصة في الفينامينالوجيا عند هوسرل، وكنت تناولتها في اكثر من مقال أن ماهية الشيء هي ليست صفاته الخارجية، ومجموع الصفات في الاشياء المدركة من غير الانسان تكون معرفة كافية للماهية أو الجوهر تعويضيا عن عدم معرفة ماهياتها كجوهر متمايز عن الصفات. لكن هذا لا ينطبق على الانسان الذي يمتلك ماهية هي غير صفاته التي يشاركه بها غيره من البشر. الماهية عند الانسان هي تحقق الذات، هي الضمير الذي يقود سلوك الانسان، هي الجوهر الذي يمتاز به الانسان عن غيره من نوعه وعن غيرة من الكائنات في الطبيعة. والماهية هي تصنيع الانسان لذاتيته الموجودية المتمايزة.

فلاسفة الماركسية أدانوا مقولة الاشياء تمتلك ماهيات أو جواهر هي غير صفاتها الخارجية المعلنة المعروفة. ولا هناك حاجة للبحث عن ماهية الشيء بعد معرفتنا صفاته الخارجية. وبقيت مسألة هل تمتلك الموجودات في الطبيعة ماهية أو جوهرا خاصة بها كنوع أم لا تمتلك بقيت بدون حل. وفلاسفة الوجودية كانوا مؤيدين للمنهج الماركسي حول هذه القضية باستثناء سارتر حيث كان له رأيا منفردا عن بقية فلاسفة الوجودية في النقاط التالية:

- الانسان فقط هو من يمتلك ماهية أو جوهرا من بين جميع كائنات الطبيعة الحية وغير الحية منها.. التي لا تمتلك جوهرا مثل الانسان.ماهية الحيوان والكائنات الحية الاخرى صفاتها الخارجية تكفي لمعرفة ماهيتها. لذا الحيوانات لا تمتلك ذاتية تعي نفسها وفقدان الوعي بالذات لا يترتب عليه امتلاك ماهية أو جوهر هو غير الصفات الخارجية يقوم الحيوان تصنيع ماهيته كما يفعل الانسان تصنيع جوهره ذاتيا والسبب أن الانسان يمتلك الوعي الذكي في ادراك ذاته وادراك كل موجودات الطبيعة من حوله..

- ليس مؤكدا وجود الجوهر من عدم وجوده في جميع الكائنات بالطبيعة ما عدا الانسان فهو يمتلك ماهية متفردة في غنى عن تجربة التأكد منها.أشار سارتر أيضا الى أن الانسان هو الوحيد من الكائنات في الطبيعة يمتلك جوهرا أو ماهية كونه الوحيد الذي يدرك ذاته ويعي وجوده الفردي ووجود العالم الخارجي والطبيعة من حوله. وماهية الانسان ليست مجموع صفاته الخارجية التي يتساوى فيها مع غيره من الناس. كما أن ماهية الانسان أو جوهره هي عملية تصنيع ذاتي فردي، وهي بنية متطورة يقوم الانسان ببنائها في داخله بعد أحساسه التام بوجوده القبلي الذي يسبق ماهيته أو جوهره. فالماهية بنية يحتويها الوجود المادي للانسان هي صيرورة دائمية من تراكم الخبرة الشخصية المكتسبة من الحياة. وهي تابعة لوجود الانسان القبلي عليها.

دلالة الوجود

التاكيد الارسطي الذي يعتمده العديد من الباحثين في علوم اللسانيات أحداها" الوجود- حسب ارسطو – ليس فقط أن نقول ما هو موجود، وأنما أن نقول من أي نوع من الوجود، فكل عنصر من المقولات العشر – المقصود مقولات ارسطو – هي نوع من الوجود." 4

نفهم الوجود هو مفهوم مطلق يتعين موضوعيا بدلالة موجوداته الداخلية ونوعها وخصائصها ومميزاتها. لذا يوجد تفريق مهم ذهب له باسهاب كبير مارتن هيدجر في كتابه الكينونة والزمان تفريقه الملتبس بين الوجود والموجود. بين الوجود كمفهوم لا يمتلك تعيّنا انطولوجيا وبين الموجود الذي هو شيء متعيّن وجوده الانطولوجي كونه أحد مكونات الوجود.

اختلاف الوجود كمفهوم فيزيائي يختلف نوعيا بدلالة اختلاف موجوداته، لذا لا يمكن تصنيف الوجود كمفهوم الى نوعيات من الوجود. الوجود كمفهوم كلي شمولي لا يقبل القسمة ولا يقبل التقطيع نوعيا بغير دلالة موجوداته التي هي متعينات موجودية داخل الوجود يمكن ادراكها ويمكن تصنيفها نوعيا كما نشاء.

عليه يكون أختلاف الوجود هو في حقيقته أختلاف محتوياته الموجودية داخله، لذا تكون نوعية الوجود تقوم على نوعية موجوداته ولا يتقبل الوجود التوصيف النوعي بغير دلالة تصنيف نوعية محتوياته من الموجودات داخله. ولا يمكننا معرفة نوع الوجود وادراكه الا بدلالة محتوياته. والوجود كمفهوم ميتافيزيقي كما هو مفهوم الزمان حتى وأن جرى تمييزه نوعيا بغير دلالة موجوداته فهو يبقى بلا معنى ولا أهمية له. بمختصر العبارة يعرف الوجود بدلالة موجوداته، لكن هذه الموجودات لا تعرف بدلالة الوجود الذي يحتويها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش:

1- سيليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت: بسام بركة ص209

2- نفسه ص 213

3- نفسه ص 210

4- نفسه ص 224

 

 

حاتم حميد محسنمقارنة إفلاطون مع اوغستين

من المألوف ان نجد في المراحل الاولى من التعليم، يبدأ الأطفال عادة استجواب آبائهم وذويهم الكبار بالسؤال "لماذا؟"، وعادة يكون مثيرا للقلق لو ان الطفل لا يبدي نوعا من الفضول في حياته المبكرة. هذا الفضول الطبيعي او البحث عن المعرفة ينبثق اساسا من الطبيعة العقلانية للانسان – كبرياء وفرح الانسانية – اللذان يميزانه عن الحيوانات. عبارة ارسطو "كل الناس يرغبون بالمعرفة" (ارسطو، الميتافيزيقا 1.980a) اصبحت حجر الزاوية في توضيح الطبيعة الانسانية. الايبستيمولوجي يركز على جوهر هذه الرغبة من خلال اهتمامه بطبيعة ونطاق المعرفة. ان البحث الايبستيمولوجي بدأ منذ بداية الزمن من خلال الثقافة. وهو نفس السؤال الذي يثيره الأطفال: لماذا؟ لماذا نأخذ البحث الابستيمولوجي بهذه الدرجة من الاهتمام؟

هناك شيء ما يحفز البحث الابستيمولوجي على مر الأزمان والثقافات، شيء يقود رغباتنا عالميا لإمتلاك المعرفة. نعم، كل الناس يرغبون بالمعرفة، يتبع ذلك ان من واجبنا الاساسي هو ان ننمو في المعرفة ومن ثم نتعلم الحقيقة. نحن مسؤولون عن تربية ذكائنا العقلي الذي يميزنا عن البهائم. هذا المبدأ الاساسي لمسؤوليتنا الفكرية هو الذي يحفز البحث الابستيمولوجي ويوحّده على مر التاريخ.

المسؤولية الفكرية هذه تغيرت عبر مختلف الازمان والثقافات. بالنسبة للعديد من الفلاسفة القدماء مثل افلاطون ، ترتبط هذه المسؤولية بحياة ارضية جيدة وكذلك تعني حياة جيدة لما بعد الموت. بالنسبة للعديد من الفلاسفة المسيحيين في القرون الوسطى وعصر النهضة، مثل توما الاكويني و القس اورلينوس اوغستين وغيرهم، اُعتبرت المعرفة – وبطرق مختلفة – هي الوسيلة الى الله. اثناء عصر التنوير كان للتعليم والفلسفة أهمية سياسية معينة.

وفي العصور الحديثة، قامت غالبية دول العالم الأول بتأسيس نظام تعليم ابتدائي إلزامي لكي تخلق مجتمعا جيدا. مرة اخرى، في مختلف الأديان اُعتبرت المعرفة شيئا ثمينا جدا، في المسيحية، كان التوازن بين الايمان والعقل هاما جدا، وفي الاسلام، تؤثر كمية ونوع المعرفة المتحصلة في هذه الحياة على مكان المرء في الحياة الاخرى. وبصرف النظر عن الحافز المعين لهذه المسؤولية، فان الحافز الدائم وراء البحث الابستيمولوجي هو المسؤولية عن شيء ما كأن يكون أمل او إيمان او سعادة او تحسين الجماعة وغيرها. هذه الورقة تستكشف الدوافع وراء ابستيمولوجيا كل من افلاطون واوغستين.

المسؤولية في ابستيمولوجيا افلاطون

ان البحث الابستيمولوجي للمعرفة والحقيقة له أهمية كبيرة في حوارات افلاطون، حيث يخصص وقتا طويلا في نقاش طبيعة ونطاق المعرفة. (مينو) هو حوار اساسي لفهم الرؤية الابستيمولوجية لإفلاطون حول طبيعة المعرفة بينما اساطيره ومقارناته يمكن استخدامها لفهم أفضل لرؤيته حول شكل ونطاق المعرفة. في (مينو)، يقول سقراط ان من الضروري للناس على الأقل الايمان انهم يستطيعون معرفة الحقيقة لكي يعيشوا حياة جيدة: "انا سوف اكافح مهما كلف الثمن بالقول والفعل بمقدار ما استطيع واننا سنكون افضل الناس واكثر شجاعة واقل كسلا، لو اعتقدنا انه يجب على المرء البحث عن الاشياء التي لا يعرفها"(86b-c).

في حوار (مينو)، بينما سقراط ومينو يناقشان طبيعة المعرفة، يقوم مينو دون قصد بمناقشة ما يسميه سقراط "حجة المناظر" debater’s argument، (80e)(1) وهي، مفارقة تستجوب الكيفية التي نصل بها لمعرفة الاشياء. الحجة تضع العارف في مأزق لا يستطيع الخروج منه: "هو لا يستطيع البحث عما يعرف – طالما هو يعرفه، لا حاجة هناك للبحث ولا يستطيع البحث عما لا يعرف، لأنه لا يعرف ما يبحث عنه"(80e ). هذا الجدال يبدو يدفع البحث الابستيمولوجي نحو الشك والذي هو امر خطير لو اعتقدنا بضرورة البحث الابستيمولوجي. سقراط مع ذلك يقول ان "حجة المناظر" ليست سليمة (81a). حلّه للمأزق هو في اقتراح نظرية التذكر recollection theory. هذه النظرية ترى انه خلال عملية التناسخ، تكون لدى ارواحنا سلفا معرفة من حياتنا الماضية التي "نسيناها" عندما تكررت ولادتنا في أجسام جديدة. التذكر هو ببساطة تذكّر الحقائق المعروفة سلفا والتي لا تتميز مباشرة. المسؤولية الابستيمولوجية لإفلاطون لها هدف في حياة ارضية مثمرة ولكن بالنهاية ستصبح منقادة بالأمل في حياة اخروية جيدة او الأمل بمكافأة أبدية في حياة اخرى. اسطورة افلاطون في (Er) تلقي الضوء على نظرية سقراط في التذكر والتناسخ وتأثيرها على البحث الابستيمولوجي. في الاسطورة ينتقل الجندي (Er) الى ما بعد الحياة بعد موته في احد المعارك لكنه عاد الى حياته الحالية مرة اخرى كجندي. هو يقص لرفاقه انه بعد موته في المعركة، استيقظ ليجد نفسه في وادي عظيم مملوء بالارواح القادمة اما من الجنة او من النار. هذه الارواح أمضت آلاف السنين اما في مكافأة او في عقوبة على حياتها الماضية. الارواح القادمة من الجنة تتدفق من فجوة عملاقة في السماء وهي تأخذ طريقها بهدوء نحو الوادي. في مدخل الجحيم (فجوة عظيمة في الارض) هناك حرّاس. الارواح القادمة من الجحيم كانت اكثر قلقا وعادة لا يسمح الحراس لأرواح معينة للدخول. هذه الارواح كانت من أسوأ الانواع في حياتها الماضية: مجرمون، طغاة، سراق وما شابه. كل الارواح التي سُمح لها بالدخول تلتقي هناك، تتحدث مع بعضها، يتبادلون تجاربهم في الحياة بعد الموت.

وبعد عدة ايام، كان على الأرواح ان تسافر بعيدا جدا حتى تصل الى مغزل الربة ضرورة spindle of necessity (2) حيث تجلس السيدة ضرورة وبناتها الثلاث. كل الارواح ما عدى روح (اير) ، الذي عليه ان يستمر في حياته السابقة، مُنحوا حظا من قبل الضرورة، بموجبه تتقدم كل روح الى الامام وتختار حياتها القادمة. يحكي (Er) ان اول ما تختاره الروح جعلها تعيش حياتها السابقة بفضيلة"بالإعتياد وبدون فلسفة".(619d). هذه الروح تختار دون عناية، تختار حياة الطاغية السلطوية دون اعتبار للمصير المفزع الذي سيكون فيه في تلك الحياة. الارواح تأتي وتذهب، البعض يتأملون قراراتهم اكثر من الآخرين. الروح الاخيرة في عمل القرار كانت اوديسوس Odysseus. يقول (Er) ان اوديسوس تجول باحثا عن حياة خاصة جدا:حياة "فرد خاص انجز عمله الخاص"(10.620). حالما اختارت جميع الارواح حياتها، فان مصيرها تقرر من قبل الضرورة. الارواح جاءت الى مكان قاحل وجاف وحار سمي وادي النسيان، ثم تابعت مسيرها الى نهر اللامبالاة، حيث كل روح – عدى Er- شربت من النهر، فنسيت كل شيء وذهبت للنوم.

في منتصف الليل نُقلت الأرواح النائمة بعيدا "كشهب النجوم"(10.621b) لمولد حياتها الجديدة. عندما استيقظ Er ، وجد نفسه على الرصيف بتذكّر كامل لكل شيء رآه. ان اسطورة Er جرى تفسيرها بطرق عديدة جدا لكي يمكن الحصول على رؤية عن مختلف مظاهر الفلسفة الافلاطونية ولكي تعمل كمثال فعال لأهمية المعرفة. وبقدر ما يتعلق الامر بالمسؤولية الابستمية، فان أهمية هذه الاسطورة تكمن ضمن الخيارات التي قامت بها الارواح التي ستتقمص من جديد. وعلى الرغم من ان كل روح تختار حياتها القادمة، لكنها اُعطيت نصيبا معينا تتحدد به قراراتها. اول ما تختاره الروح يتضمن مختلف الاشياء التي يمكن الاختيار منها، لكنها مع ذلك هي تختار بلا مبالاة. يقول Er ان هذا الانسان كان في السابق يعيش حياة عادلة بدون فلسفة، لأجلها كوفئ الف سنة. الخيار الطائش للانسان العادل بالاعتياد يجسد اهمية المعرفة بدلا من مجرد العمل. لو امتلك الانسان في حياته السابقة فلسفة وعرف العدالة الحقيقية، عندئذ لكان اعترف بان حياة الطاغية لم تكن عادلة، ولما اختارها. و ربما فكّر بعناية بنتائج عيش حياة دكتاتورية وادرك مصيره المفزع. (مارينا ماكوي) تزعم انه "رغم ان هذا الانسان كان في الجنة وشهد المكافئات المخصصة للانسان العادل ، هو لايزال يفتقر للإعداد الكافي للفهم، اي انه غير قادر على "النظر في ما حوله" وادراك الحياة الكلية للطاغية ، في خسارتها بالاضافة لإغراءاتها الظاهرة. هو لا يعرف كيف يرى(136)". وبينما كانت روح الانسان العادل بالعادة جرى مكافئتها لكونها عاشت حياة جيدة، لكنه يفتقر للمعرفة الضرورية ليختار حياة قادمة جيدة.

ومن جهة اخرى، اوديسوس هو آخر روح تختار ومع ذلك هو يختار بعناية شديدة حتى من بين خياراته المحدودة. اوديسوس كان في العديد من المغامرات الكبرى في حياته الماضية وتعلّم عدة اشياء، ويمكن اعتبار خياره ذروة الاسطورة. لكي يفهم اهمية الحياة هو يبدو يبحث بعناية شديدة عن حياة الانسان الخاص التي يستطيع بها متابعة الفلسفة. اوديسوس مستعملا عبارة (ميكوي)، يعرف كيف يرى، هو يفهم اننا مسؤولين عن متابعة المعرفة لكي نكافأ ابديا. ذلك يعني ان، اوديسوس يختار حياة الفيلسوف بأمل ان يكون قادرا على ان يبقى مكافأ ابديا في ما بعد الحياة طالما هو يتابع المعرفة بأتم ما يمكن في حياته التجسيدية القادمة. عندما تأتي الارواح الى نهر النسيان، يوضح Er ان الارواح"عليها ان تشرب مقدارا معينا من الماء، لكن اولئك الذين لم ينقذهم العقل شربوا اكثر من ذلك، وعندما شرب كل واحد منهم، نسوا كل شيء وذهبوا للنوم"(10.621). ان الارواح التي لم ينقذها العقل في حياتها الماضية شربت اكثر مما يُفترض ، وبالنتيجة سوف لن تمتلك الكثير لتتذكره في حياتها القادمة. ان اسطورة Er تجسد كيف ان المعرفة في ابستميلوجيا افلاطون هي ضرورية لننجح ونزدهر في دورة الحياة.

ابستيمولوجيا اوغستين

تطغى ابستيمولوجيا اوغستين على معظم أعماله. انها واسعة وتتغير بشكل كبير في اطار تحوّله الى المسيحية ولذلك فهي تتغير تبعاً لزمن تطوره النظري الذي كتب به كل أعماله. بدأ اوغستين عمله كأفلاطوني راسخ ولكن عند تحوّله الى المسيحية تغيرت ابستيمولوجيته بعيدا عن الوثنية. وبصرف النظر عن المدى الذي وضع فيه اوغستين نظرياته بعيدا عن نظريات افلاطون، بقي معه نفس المأزق في مفارقة مينو. في الكتاب الاول من اعترافاته ، يثير اوغستين مفارقة مشابهة لمفارقة مينو: في الصلاة، يسأل اوغستين كيف يبحث المرء عن الله بدون معرفة سابقة به، ولماذا يحتاج المرء للبحث عنه اذا كان المرء عرفه سلفا(الاعترافات1.1). اوغستين مبعدا نفسه عن افلاطون، يجد بالنهاية جوابه كشيء مشابه للتذكّر لدى افلاطون، مع ذلك لايزال يختلف كثيرا: الذاكرة الالهية. اوغستين يعترف بان الله عارف بكل شيء ويؤكد اننا نستطيع الحصول على المعرفة والحقيقة من خلاله الذي هو الحقيقة. في الكتاب (X) من اعترافاته يعلن اوغستين بوضوح ان كل الناس يرغبون بالسعادة:"انها شيء معروف للجميع، وهل يمكن سؤالهم بصوت واحد ما اذا كانوا رغبوا ليكونوا سعداء، بدون شك هم سيجيبون انهم سيرغبون ذلك"(10.29). ولكن طالما ان الذاكرة تحتفظ بكل شيء فيجب ان يكون هناك شيء ما في الذاكرة بواسطته نعرف ماهي الحياة السعيدة. في الكتاب (X) يصنف اوغستين مختلف اجزاء الذاكرة وفق مختلف وظائفها: الاحتفاظ بصور الاشياء الفيزيقية، وتصوّر الاشياء غير الفيزيقية مثل الارقام والاشياء المجردة التي نمتلكها مثل البلاغة او الفطنة ، والعواطف التي نستطيع تذكرها بدون الشعور بها مثل المرح والحزن والغضب. السؤال اذاً يصبح، في أي جزء من ذاكرتنا تقيم الحياة السعيدة؟ هو يستنتج انها يجب ان تكون من نفس الجزء من الذاكرة الذي نحتفظ به بالمرح: لأن الحياة السعيدة ليست مادية، ولا هي تشبه الارقام طالما اننا عندما نعرفها لانزال نشتاق لها، ولا هي تشبه البلاغة لأننا نستطيع معرفتها بدون حيازتها. مع ذلك نحن نستطيع معرفة المرح بينما لانزال نشتاق له وبدون حيازته حاليا، والذي هو نفس الطريقة التي يتم بها تذكّر الحياة السعيدة(10.30).المرح والحياة السعيدة مرتبطان بالضرورة. يقول اوغستين، ان المرح الحقيقي هو في معرفة الحقيقة التي هي الله ذاته. لذلك، فان الله هو الهدف الابستيمولوجي لاوغستين. من خلال الله نحن نكون قادرين على معرفته ومعرفة انفسنا التي صُنعت في صورته. وفق هذا المنظور، لكي نمتلك السعادة هي ان نعرف، وطالما كل الناس يرغبون بالسعادة، فهم يرغبون بالمعرفة. المسؤولية الابستيمولوجية لاوغستين تكمن ضمن اكتساب الحياة السعيدة، الحياة التي تمتلك معرفة الحقيقة التي هي الله.

كل من البحث الافلاطوني والاوغستيني منقادان للواجب. هما يختلفان كثيرا نتيجة لثقافتهما وزمانهما لكن حافز المسؤولية يبقى ثابتا. كلا الرجلين يعتبران البحث الابستيمولوجي مفيدا للحياة الارضية بمقدار ما يزرع السعادة والشجاعة والانتاجية. المعرفة لأجل هذه الحياة مفيدة وهي ضرورية للحياة القادمة . اسطورة افلاطون في (Er) تبيّن انه بدون العقل والمعرفة ، ستلتصق الارواح في حلقة مفرغة من اختيار الحيوات السيئة وسوف لن تبقى ابدا في الجزاء الأبدي. ابستيمولوجيا اوغستين تشير للمعرفة كونها هدية تيليلوجية من الله تأتي من خلال ذاكرتنا الالهية، الهدف من حياتنا هو لكي نعرف الحب ونخدم الله وان مكافأتنا ستأتي.

هذان فقط مثالان عن الكيفية التي يمكن ان يتحفز بها البحث الابستيمولوجي من خلال المسؤولية. وكما ذكرنا أعلاه، العديد من الفلاسفة الآخرين لهم افكارهم الخاصة حول هدف وحافز البحث الابستيمولوجي، وقد تجسد ذلك خلال الثقافة الحديثة والأديان المنظمة حول العالم ايضا. المسؤولية الابستمية هي عامل رئيسي لبقاء البحث الابستيمولوجي سواء اُعترف بها بوضوح ام لم يُعترف. وبفضل المسؤولية الابستمية استمر البحث عن الحقيقة من العصور القديمة واصبح للرغبة بالمعرفة هدفا.

Intellectual Responsibility and the Epistemic search: comparing Plato and Augustine, inquiriesjournal.com

 

حاتم حميد محسن

........................................................

الهوامش

(1) في مأزق المتعلم لـ (مينو) لا يمكن للانسان البحث عن ما يعرفه ولا عن الشيء الذي لايعرفه. هو لا يستطيع البحث عن ما يعرف طالما هو يعرفه سلفا، فلا حاجة للبحث فيه، وهو ايضا لايستطيع البحث عما لا يعرف لأنه لايعرف عن ماذا يبحث ، ومهما بحث فلن يصل الى ما يريد لأنه لايعرفه. يقول مينو لسقراط كيف يمكنك البحث عن شيء لا تعرفه ابدا؟ لو انت تلتقي به كيف ستعرف انه الشيء الذي لم تعرفه من قبل ؟ وبالنتيجة يستنتج ان المتعلم سوف لن يتعلم اي شيء.

(2) ذُكر مغزل الضرورة في اسطورة(Er)، وعلى خلاف تركيز كتاب الجمهورية على العدالة والانسان العادل، نجد الكتاب (X ) ينظر في نظام الكون. اسطورة (Er) تنظر ليس فقط في طبيعة العالم السفلي والأرواح غير القابلة للفناء وانما تنظر ايضا في نظام الكون. الربة ضرورة هي ربة القوة والحتمية والقيود، هي تجسيد للقدر . هي تستعمل المغزل لنسج خيوط الحياة والوجود وتسيطر بالكامل على عمليات القدر. في اليوم الثاني عشر من رحلته يرى (Er) وزملائه عمودا من رامبو ملون يمتد من الارض الى أعماق السماوات. وبعد يوم آخر من السفر سيجدون الربة ضرورة تجلس في شعاع من الضوء ممسكة بمغزلها . الكون يتمثل بمغزل الربة ضرورة وبناتها الثلاث ويُطلق عليهم جميعا بالأقدار، حيث يتولون مهمة تدوير المغزل. الأقدار والمغزل تُستعمل في الجمهورية لتوضيح الكيفية التي تتحرك بها الأجرام السماوية حول الارض طبقا لكون افلاطون.

 

 

محمد همامتفاعلا مع مقالة الدكتور عبد الجبار الرفاعي: سلطة الفصاحة والنحو

كتب المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي مقالة في صحيفة (الصباح) العراقية بعنوان: سلطة الفصاحة والنحو، بتاريخ الخميس12( نوفمبر) تشرين الثاني2020، دعا فيه إلى تجديد اللغة العربية، من حيث معجمها وقواعدها وأنظمتها وطرق تعليمها. واعتبر التجديد في اللغة هو محطة أساسية في تجديد العقل، وتلمس  طرق جديدة للتواصل مع العصر العلمي الذي نعيشه. وهي دعوة قديمة  بالمناسبة في الدراسات العربية، أكاد أزعم أنها ابتدأت مع ابن جني الموصلي ( 941-1002 م)؛ منذ أن ألف مدونته النحوية التي يتضمنها كتاباه: الخصائص، وسر صناعة الإعراب. وهو الذي عرف بالتخصص الدقيق في شرح شعر المتنبي. وأتصور بأنه أدرك البون الشاسع بين لغة المتنبي وبين قواعد النحو وسلطة النسق اللغوي، ودوره في إفقار اللغة الشعرية. وجاء بعده كثيرون، في مختلف مراحل تطور الدراسات اللغوية العربية. وساهم في هذه الدعوات التجديدية لغويون ونحاة وبلاغيون وفقهاء وفلاسفة ومتكلمون وعلماء اجتماع، قديما وحديثا. وبرغم ذلك وقع لبس كبير في تلقي مقالة المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، وفهمت على أنها دعوة للتحلل من اللغة العربية ومن قواعدها ومن أنظمتها، ما اضطره إلى كتابة مقالة توضيحية في الموضوع، بعنوان: توضيحات على مقالة سلطة الفصاحة والنحو، نشرت بصحيفة الصباح، بتاريخ 19 (نوفمبر) تشرين الثاني2020. والحقيقة أن من يطلع على المشروع الفكري الواسع لعبد الجبار الرفاعي، ومن يتابع دراساته ومقالاته ومحاضراته سيلحظ بسهولة أن الرجل يكتب بلغة راقية وبعربية فصيحة، ونادرا ما يعترضك خطأ لغوي في متنه. ثم إن دعوة الرفاعي لتجديد اللغة العربية لاتنفصل عن الإطار العام والفلسفي الذي يؤطر مشروعه الفكري، بنزوعه التنويري والنقدي، كما تجسده مدونته النقدية: الدين والظمأ الأنطولوجي،والدين والاغتراب الميتافيزيقي، وإنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ومؤلفات كثيرة، و72عددا مرجعيا متخصصا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، من أعداد مجلة قضايا إسلامية معاصرة التي يديرها منذ 23 سنة ولم تتوقف.

في هذا السياق ارتأيت التفاعل مع ماكتبه أستاذنا الرفاعي بخصوص تجديد اللغة العربية، من خلال دعم علمي ومنهجيلمقولته، في بعض جوانبها، من خلال أطروحة المفكر المغربي محمد عابد الجابري في التجديد اللغوي، وفي دعوته إلى تجاوز سلطة الأعرابي الذي صنع العالم العربي, وهو موضوع شيق وجذاب لكن تتخلله ألغام معرفية ومنهجية كثيرة، يحتاج بحثه إلى دربة وإلى إطلاع واسع وإلى شجاعة فكرية، من دون أن ينقص ذلك من قيمة لغتنا ومن قدرتها على التجدد والتوليد الذاتيين والموضوعيين، وهو صلب دعوة أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.

يبرر الجابري، رحمه الله، الاهتمام باللغة العربية في مشروعه الفلسفي، والقائم على النقد، من منطلق أن العربي يحب لغته حد التقديس، كما يستمد قوته من سلطتها عليه. وهو القادر على التعبير بها بأسلوب بياني راق ورفيع. وغير العرب، بنظره، أعاجم؛ لا يفصحون ولا يبينون.( تنظر المدونة النقدية للمرحوم الجابري: نقد العقل العربي، خصوصا الكتاب الأول: تكوين العقل العربي.)

فالتعبير باللغة العربية، هو تعبير عن إنسانية العربي؛ إذ بالفصاحة والبلاغة تتحدد ماهيته، وليس بالعقل! هذا من الجانب السيكولوجي الذاتي، أما من الجانب الحضاري، فيرى الجابري أن اللغة والدين هما أهم ما قدمه العربي للحضارة الإنسانية التي أصبحت حضارة إسلامية، قبل أن تحدث تحولات أخرى. فالدين جاء في كتاب عربي مبين، وجعل علماء أصول الفقه، وهم المنظرون المنهجيون والمعرفيون للعقل المسلم، اللغة العربية جزءا من ماهية الدين. لذلك أضحت هذه اللغة أساس الجدل المذهبي والكلامي والفقهي، بما تتوفر عليه من "فائض" في الألفاظ، وبما يتوفر عليه اللفظ العربي من "فائض" في المعنى، وبما يميز التركيب اللغوي العربي من تنوع. كما وجدت الخلافات السياسية والاجتماعية التي وقعت في بداية تشكل دولة الاسلام، بعد وفاة الرسول (ص)، أرضية خصبة في اللغة العربية، بمطاوعتها وانفتاحها، بما يسند الرأي ويوفر له غطاء من البلاغة والاستدلال والدعم. ولا تقف أهمية اللغة العربية عند هذا الحد، بل كان العمل اللغوي أول عمل علمي منظم مارسه العقل العربي، بنظرة الجابري؛ أي "جمع اللغة وتقعيدها." هذا المجهود العلمي هو الذي أفرز "علم اللغة وعلم النحو." وتحول هذان العلمان إلى "بارادييغم" (نموذج معرفي)، للعمل العلمي اللاحق؛ أي الإنتاج العلمي وفق منهجية اللغويين والنحاة، من خلال مفاهيمهم وآلياتهم الذهنية، والتي أصبحت "أصولا" في النظر والمنهج، لتأسيس العلوم الإسلامية الأخرى، كعلوم الدين.

لذلك كله، تصبح اللغة العربية، مدخلا أساسيا في فهم العقل العربي، والذهنية العربية، بل والدين، والإنسان العربي، والواقع العربي. يدعم هذا، بنظر الجابري، ما تؤكده الدراسات المعرفية واللسانية الحديثة، من أن اللغة تساهم، بشكل أساس، في "تحديد نظرة الإنسان إلى الكون، وتصوره له ككل وكأجزاء." لذلك كان للغة العربية أثر كبير على العقل العربي، بل أثر خطير، خصوصا وأنها بقيت الوحيدة تقريبا، من بين اللغات العالمية الحية، محافظة على منظومتها، من حيث الكلمات والنحو والتركيب، منذ عصر التدوين. كما ظلت اللغة العربية إلى اليوم تجر معها تراث عصر التدوين ومفرداته. ومن خلال هذه الزاوية (اللغة العربية) تحددت أسس التفكير العلمي وأدواته، بنظر الجابري، في الثقافة العربية، فهي بذلك "محدد حاسم" للعقل العربي في بنيته ونشاطه.

ودعم الجابري، رحمه الله، هذه الأطروحة باجتهادات الفيلسوف اللساني الألماني هردر (1803 – 1744) Herder،والذي يلح على دور اللغة في تشكيل نظرة الإنسان إلى الكون؛ وبذلك تصبح اللغة ليست مجرد أداة الفكر، بل القالب الذي يتشكل فيه الفكر. لذلك ربط هردر بين خصائص اللغة وخصائص الأمة التي تتكلمها، وخلص إلى أن "كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم" بل إن اللغة، في هذه الحالة، هي خزان تجارب الأمة بصوابها وخطئها، وتألقها وانحطاطها، تنقله الى الأجيال. وعندها تصبح أخطاء الأمة وانحطاطها من التراث الذي تنقله اللغة إلى الأجيال اللاحقة. بل تساهم تلك الأخطاء والانحطاطات في تحديد نظرة تلك الأجيال إلى الكون وإلى متعلقاته من خير وحق وجمال وعلم وواقع ... ولم يخف الجابري تضجره المعرفي من نتائج أطروحة هردر التي تقود إلى نزوع قومي مغلق، يعطي للقيم المجردة العليا بعدا قوميا، لارتباطها باللغة القومية، ولارتباط هردر ،نفسه، بظروف ألمانيا في القرن التاسع عشر لا يمكن تعميمها. وتبقى اللغة، وفق أطروحة الجابري، القالب الذي تفصل على أساسه المعرفة، كما يفصل الخياط الثوب؛ فاللغة ترسم الحدود لكل معرفة بشرية.

وهو نفسه ما أكده الباحث اللغوي والإثنولوجي إدوارد سابير( 1884-1939)E. Sapir، أحد المراجع المهمة في أطروحة الجابري؛ إذ توصل إلى أن أية جماعة تفكر داخل لغتها التي تتكلم بها، هذه اللغة هي التي تنظم تجربتها، بل وتصنع عالمها وواقعها الاجتماعي؛ وهو الإطار نفسه لأبحاث هردروهمبولد؛ أي أبحاث القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحتى العشرين؛ والتي لا تخرج عن أطروحة أن اللغة التي تحدد قدرتنا على الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا على التفكير. وعليه، فبقدر غنى معجمنا بقدر غنى رؤيتنا، وبقدر فقره بقدر محدودية رؤيتنا وفقرها؛ فاللغة لا تعكس الظروف الطبيعية فحسب، بل تحمل معها هذا الانعكاس نفسه لتنشره على أمكنة وأزمنة مختلفة، وتكون حاسمة في تأطير نظرة أصحابها إلى الأشياء؛ لذلك، يرى الجابري أن قاموس (لسان العرب) وهو الأضخم في اللغة العربية والحاوي لحوالي ثمانين ألف مادة، لا ينقل لنا، على ضخامته هذه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية، ولا المفاهيم النظرية وأنواع المصطلحات التي عرفها عصره، أي القرنين السابع والثامن للهجرة. فمادة هذا القاموس الضخم لا تخرج عن مفردات وحياة ذلك (الأعرابي) القح، الذي لم (يتعكر) صفو لسانه، ولم يخالط أهل المدن والحضر. لذلك كان ذلك (الأعرابي) بطل عصر التدوين. وهو الشاهد في اللغة، و يضع نفسه فوق القواعد اللغوية والأنظمة التعبيرية. فارتهان قاموس ضخم من حجم (لسان العرب)، لمفردات "خشونة البادية"، سد الطريق إليه أمام كلمات وتعابير ومفاهيم فلسفية ومصطلحات علمية، وأخلاقية، لا يراها الإطار المرجعي لعصر التدوين، وهو (الأعرابي)، صالحة لتدرج ضمنه، وهو الذي يضم لغة (الأعراب الأقحاح)! فوجب تركها وإهمالها.

ومازال هذا المبدأ المرجعي يؤطر حتى القواميس المعاصرة، فجاءت فقيرة بل ومشوهة للمعاجم القديمة. فاللفظ العربي الذي يعبر عن "صفاء الهوية العربية" وعن أصالتها، هو الذي اعترف له عصر التدوين بذلك؛ أي اللفظ الذي تكلم به (الأعرابي). وجمد هذا المعيار اللغة العربية وحنطها، فلم تساير الحياة الاجتماعية المتطورة والمتدفقة. فصنعت هذه الحياة لغتها،أو قل انتقمت من الفصحى بـ (الدارجة) والتي أضحت أغنى كثيرا من اللغة الفصيحة، مما أحدث تمزقا رهيبا في عقل العربي وفي وجدانه؛ إذ يتوفر على لغة عربية للكتابة والتفكير على درجة عالية من الرقي، من حيث آلياتها الداخلية، لكنها لا تسعفه للتعبير عن قضايا العصر من حيث المفاهيم والمصطلحات، خصوصا في الجانب العلمي والصناعي والتقني، وبعض الأحيان في الجانب الحضاري والفكري، في المقابل نملك قاموسا غنيا بالمفاهيم والمصطلحات التي عبر بها قدماء العرب عن قضاياهم أو القضايا المنقولة إليهم، مما يطرح سؤال التجديد اللغوي بإلحاح اليوم!

لذلك تمدنا (الدارجة) بألفاظ ومصطلحات نعبر بها في مجال الأشياء الحضارية والتقنية، وفي غالبها مقتبس من لغات أجنبية أخرى مع بعض التكسير و(التحوير)؛ إلا أن هذه الألفاظ العامية لا تتيح لنا فرصة التعامل بها فكريا؛ إذ رغم غنى (الدارجة) من هذه الناحية، فهي لا توفر لنا الأدوات الضرورية للتفكير، إذ ليست لغة ثقافة وفكر. من هنا نجد أنفسنا أمام معادلة متناقضة: فصحى غنية داخليا، وفقيرة ظاهريا، و(الدارجة) فقيرة فكريا وداخليا، وغنية ظاهريا. لذلك يجد المثقف والطالب والأستاذ والباحث نفسه، بصفة عامة ، يعيش عالمين في الوقت ذاته، وجدانيا وعلميا، لكل عالم لغته الخاصة به. أما غير هؤلاء، أي غير المتعلم، فهو مسجون في (دارجة) ويتعامل مع أشياء لا يسميها أصلا، وإذا سماها فبألفاظ لغات أخرى أجنبية، محورة، تترك أثرا عميقا في عقله وفي بنيته الفكرية. وأما الذي يتكلم لغات أجنبية أخرى، فتتعدد عوالمه بتعدد لغاته، ويعيش معذبا داخل (ثلاثية تصورية) رهيبة؛ يفكر بلغة أجنبية ويكتب بلغة عربية فصحى، ويتواصل في المجتمع؛ في  البيت وفي الشارع، وحتى في المدرسة وفي الجامعة بالدارجة.

وعليه، تبقى المادة اللغوية محددا أساسا لنظرتنا إلى العالم من حيث قوالبها الصرفية والنحوية، وكذا أساليبها البيانية. كانت علوم العربية (معجزة) العرب، بنظر الجابري، من حيث العمل الضخم الذي أنجز عصر التدوين، جمعا للغة وتقعيدا لها؛ إذ تم الانتقال بلغة كانت تقوم على الفطرة و"السليقة" و"الطبع"، لغة يصعب تعلمها خارج فضاء لغوي مثالي،بمصطلح اللسانيين، يشكله الأعراب والقبائل الذين يتكلمونها، إلى لغة، مضبوطة تتعلم وتكتسب بالطرق نفسها التي يكتسب بها العلم؛ من مبادئ ومقدمات ومنهج صارم.

فلقد نقل العمل الضخم لمدوني العربية، هذه اللغة من مستوى اللاعلم إلى مستوى العلم؛ إذ تم إنشاء علم جديد هو "علم اللغة العربية"، أبرز علاماته: جمع المفردات وإحصاؤها، وضبط طرق اشتقاقها وتصريفها، ووضع قواعد تراكيبها واختراع علامات رفع اللبس عن كتابتها... فنشأت لغة جديدة هي (اللغة العربية الفصحى). فورثت الأجيال لغة مضبوطة ومقننة وقابلة للتعلم، وقادرة على حمل الثقافة والعلم عبر الأجيال. وقد تميز العمل التدوينيوالتقعيدي الضخم للغة العربية، بنظر الجابري، بالمنهج الصارم المتبع والذي كان له تأثير كبير على كيان اللغة العربية الداخلي، حتى زاحمت الصنعة والدقة السليقة والفطرة. هذه الصرامة، والتي مثل لها الأستاذ عبدالجبار الرفاعي بالفصاحة والنحو، وأمثلتها كثيرة، هي المسؤولة، إلى حد ما، عن تحجيم اللغة العربية وتضييق قدرتها على التطور والتجدد، ولكنه يبقى منهجا دقيقا وسليما في منطقه الداخلي وفي خطواته. ويمكن التمثيل لهذه الدقة بعمل الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه (العين)؛ والذي عبر من خلاله عن عقلية رياضية فذة تناغمت مع حس موسيقي مرهف مكنه من استنباط أوزان الشعر العربي، وتأسيس (علم العروض)، مع ابتكار ترتيب حروف الهجاء انطلاقا من حروف الحلق إلى حروف الشفتين، مجسدا الارتباط التاريخي والعلمي والوجداني بين الموسيقى والرياضيات؛ الموسيقى التي كانت فرعا من الرياضيات. فقد وظف الخليل بن أحمد معرفته الموسيقية لاستخلاص القوالب – الخفية واللامرئية التي يصب فيها الشعر العربي، كما وظف تكوينه الرياضي لوضع قوالب نظرية وافتراضية، لها ارتباط بواقع اللغة، ووزع عليها النطق العربي، في إطار (الإمكان الذهني)، ولو لم يسعفه (الإمكان الواقعي)، إلا عند التحقق والتجريب؛ أي عند الانتقال مما هو صوري إلى ما هو واقعي، مستثمرا (نظرية المجموعات) في الرياضيات في مفرداتها الأولية قبل تطورها مع البحث الرياضي المعاصر.

وعليه، فمن الناحية العلمية الصرف، يرى الجابري أن منهج الخليل يضعنا أمام عمل علمي صارم ومنهجية منطقية وعقلية ورياضية راقية، ولكن من الناحية الواقعية، والواقع شيء والمنطق شيء آخر، فإن ذلك المنطق الصارم يقتل الحياة في الواقع، ويكون مدعاة إلى التحجر والجمود والتوقف عن النمو. فبقدرما كانت تلك المنهجية الصارمة "معجزة" حقا، بقدرما جعلت اللغة العربية (عاجزة) عن النمو والتطور. فقد حول ذلك المنهج الصارم اللغة العربية إلى صناعة تقوم على قوالب ثابتة وصلبة، ولكنها مفتقدة لإمكانية التطور والتجدد.

وإذا تذكرنا دور اللغة في بناء العقل وهيكلة الفكر، أمكننا إدراك خطورة منهج الخليل، ومن أتى بعده، وقد كانوا، تقريبا، عالة عليه، خطورة على العقل العربي؛منهج ينطلق من الإمكان الذهني، ويتعامل مع الحروف تعاملا رياضيا صرفا، فأصبحت اللغة صنيعة ذهنية وليست معطى واقعيا، بل تحولت المنهجية الصارمة، عند الممارسة، من جمع اللغة الى التماس الشواهد الواقعية للفروض النظرية، فاختلط ما نطقت به العرب مع ما لم تنطق به، وتزايدت شهوة الولع بالغريب، وحل القياس محل السماع، وأصبحت الألفاظ صحيحة لأنها ممكنة وليس لأنها واقعية؛ ممكنة ترد إلى أصل عبر (آلية القياس)، وغير واقعية لأن "الفرع" فرض نظري وليس معطى من معطيات التجربة الاجتماعية. هذه العملية، أي غلبة الممكن على الواقعي في اللغة، هو الذي ضخم اللغة العربية وجعلها ذات فائض من الألفاظ بالنسبة للمعنى، مما أثر على طريقة تعامل العقل العربي مع اللغةّ ذاتها؛ لغة هي التي صنعته، لغة جمدتها القوالب الرياضية والمنطقية التي اصطنعها الخليل ولم يطورها من أتى بعده، فأصبحت اللغة العربية محصورة الكلمات ومضبوطة التحولات، لغة لا تاريخية.

أكيد أن جمع اللغة العربية وتقعيدها تحكمت فيه الرغبة في محاصرة اللحن الذي تفشى في مجتمع أصبح فيه العرب أقلية، وسبب اللحن اختلاط الحواضر في العراق والشام بين العرب والموالي، فكان ضروريا طلب "اللغة العربية الصحيحة والفصيحة"، من الأعراب المحتفظين بفطرتهم وسليقتهم وسلامة نطقهم. كان هذا مبررا لسانيا وعلميا للتوغل في البوادي وطلب اللغة من "الأعرابي" القح. لكن هذا الأعرابي أصبح المتحكم في العلماء وينفذون مشيئته! وأصبح هذا الأعرابي هو الحكم في الخصومات والخلافات. ( ينظر: محمد عيد: الرواية والاستشهاد باللغة). بذلك بدأ يشعر الأعرابي بقيمته وأهميته، فاحترف بيع الكلام، ورحل الأعراب إلى المدن رواة للغة بثمن، خصوصا رواية اللفظ الغريب والموحش والقديم والنادر؛ إذ كلما كان الكلام قديما كان مقبولا ومطلوبا، فأصبح كل قديم علامة على الجودة عكس الحديث. بل كان ينظر إلى حالات التطور الطبيعي الذي تعرفه اللغة العربية، بما هو ضرب من الخطأ والانحراف، فحددوا الاستشهاد زمانيا بمنتصف القرن الثاني الهجري، وألفوا المصنفات في ( لحن العامة)، وفي ( لحن الخاصة).

كل هذا حول اللغة العربية، بنظر الجابري، كما ذكرنا إلى لغة لا تاريخية محصنة ضد التطور والتغيير الذي يقترحه التاريخ؛ فبقيت هي في نحوها، وفي صرفها، وفي معاني ألفاظها وكلماتها، بل وفي طريقة توالدها الذاتي؛ إذ رفعها الخليل، بمنهجه الصارم، والأعرابي بمعيارتيه المتعالية، فوق التاريخ! ثم إن الاقتصار على الأعراب في جمع اللغة ملأها بخصائصهم الذهنية وخصوصيات معاشهم الطبيعية والحسية لتفكيرهم ورؤاهم، وتسييجها بحدود عالمهم الإدراكي والواقعي المحدود أصلا، وزمانهم الممتد كالصحراء، زمن التكرار والرتابة. لذلك جاء قاموس اللغة العربية فقيرا بالمقارنة مع قاموس القرآن الكريم؛ هذا الأخير الذي همشه جامعو اللغة لصالح لغة الأعرابي! لذلك جاءت قواميس العربية القديمة أقل اتساعا ومرونة وتحضرا من لغة القرآن. وكان النص القرآني دائما أوسع وأخصب من المعاجم، وهي التي بخلت علينا بذكر أسماء الأدوات وأنواع العلاقات الاجتماعية التي عرفها مجتمع مكة والمدينة، وعرفها مجتمع دمشق وبغداد والقاهرة والغرب الإسلامي، وقد كانت مجتمعات حضرية وراقية.وليس غريبا إذن أن نجد من ألف في: (نحو القرآن)، وفي: (بلاغة القرآن)... بعيدا عن لغة الأعرابي؛ هذه اللغة التي أهدرت الكثافة الدلالية والمنفتحة والمطلقة للفظة القرآنية، هذه اللفظة التي تندرج ضمن الاستخدام الإلهي للغة في القرآن، وليس الاستخدام البشري (الأعرابي). (يمكن التوسع في هذه الفكرة الأخيرة ضمن المشروع الفكري للمفكر السوداني المرحوم أبي القاسم حاج حمد، خصوصا في كتابه: العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ( 2004م)، وإبستمولوجيا المعرفة الكونية، ومنهجية القرآن المعرفية (2004م)؛ وهذا المشروع مدونة فكرية ونقدية أشرف الدكتورعبد الجبار الرفاعي على نشرها ضمن منشورات مركز دراسات فلسفة الدين، ببغداد، وسلسلة كتاب قضايا إسلامية معاصرة.)

إن الرغبة في (تحصين) اللغة العربية من اللحن، أدى إلى تثبيتها في مرحلة حضارية وتاريخية بدائية وفقيرة، على قاعدة معيارية يتحكم فيها (أعرابي) جلف ومنغلق في عالم حسي ومحدود. فورثنا لغة فقيرة حضاريا وغنية بدويا؛ فقر تجسده المترادفات المرتبطة بالاشتقاق الصناعي على منهج الخليل بن أحمد الصارم، وبالسماع من القبائل المختلفة. فأصبحت لغة الأصل والمشتق أوسع من لغة الواقع. لذلك ظلت اللغة العربية تنقل إلينا، في معاجمها، عالما يزداد بعدا عن عالمنا، عالما بدويا نعيشه في أذهاننا وفي خيالنا وفي وجداننا، عالم يتناقض، يوما عن يوم، مع العالم الذي نعيشه، والذي يزداد غنى وتعقيدا، والحل أن نخرج (الأعرابي) منا، ونفتح الفرصة للغتنا للتجدد والنمو الذاتي والتطور؛ وهذا هو صلب دعوة أستاذنا الرفاعي ومغزاها.

 

د. محمد همام: أكاديمي وباحث مغربي، أستاذ اللسانيات القانونية والحجاج القانوني، ونائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أيت ملول، في جامعة ابن زهر،أكادير، المغرب

....................

للاطلاع

سلطة الفصاحة والنحو / د. عبد الجبار الرفاعي

***

سلطة الفصاحة والنحو: إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

علي رسول الربيعيإن مساهمة مايكل ساندل الرئيسة الأولى في النظرية السياسية، "الليبرالية وحدود العدالة"[1]هي نقد نظرية العدالة الليبرالية  كما طرحها الفيلسوف الأمريكي  جون راولز. فالتشخيص النقدي لليبرالية، بالنسبة لساندل، ليس مسألة مجردة بل هو أمر ذو أهمية حيوية للديمقراطية الحالية:  تناول ساندل في عمله اللاحق، أزمة الديمقراطية الناتجة إلى حد كبير عن تآكل الشعور بالانتماء المشترك بين المواطنين وقدرة الحكم الذاتي الجماعي، واخذ  الولايات المتحدة مثالاً لذلك.[2].يرجع الخلل الديمقراطي الحالي، بالنسبة إلى ساندل، إلى التحول الليبرالي ومثال ذلك ما شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. ينطوي هذا التحول على تغيير من التقليد الجمهوري للآباء المؤسسين إلى رؤية مشوهة للجمهورية إلإجرائية التي يدعو اليها مفكرون مثل راولز. لقد أختزلت الفلسفة الليبرالية المهيمنة، في ما يتعلق بالشأن العام والخير العام، السياسة إلى إجراءات وقطعتها عن المشاركة في القضايا الجوهرية للخير والصالح العام. وبذلك، تقوض الليبرالية ما يُقصد به من بناء وحماية لمجتمع المواطنين الأحرار. علاوة على ذلك، كان للمنطق الرأسمالي الليبرالي الذي يسعى وراء الربح تأثير مشوه على ممارسة المواطنة.[3] إن "دواء" هذه العلل هو الديمقراطية الجمهورية كفلسفة عامة.  تهدف"الجمهورية" التي هي " نشاط  يغذي الروح ويشكل جوهر الفرد" إلى توليد ممارسة سياسية مجتمعية كسعي وراء الصالح العام من قبل المواطنين المشاركين والمتفاعلين فيه. يلعب الدين في مفهوم ساندل الغائي للسياسة دورًا حيويًا: فالدين يوفر المصادر لتوضيح الخيرات والغايات في المجال العام. فيتطلب ،وهوعلى هذا النحو، حماية وتكييف خاص.

ساندل والفلسفة الليبرالية العامة

تجمع حجة ساندل النقدية بين الاعتراضات الوجودية والمعياريًة للاتجاه الليبرالي الذي يمثله أو يتميز به راولز. هناك ثلاثة عناصر متشابكة ذات صلة بتفسير ساندل للفلسفة الليبرالية: أنطولوجيا  الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية؛ موقف محايد يفصل السياسة عن الدين؛ التقليل من الواجبات الدينية تجاه الاختيارات وكذلك الحرية الدينية في حرية الاختيار.

أولاً، إن وجهة النظر الليبرالية، بالنسبة لساندل، متجذرة في أنطولوجيا الذات الحرة المستمدة من الديأنطولوجيا الكانطية (أخلاق الواجب والألتزام عند كانط) والذات الترستندالية (ما يفترض سابق وضروري للتجربة في فلسفة كانط). بُنيت فلسفة كانط على نظرة ثنائية تفترض العالم في ذاته ( noumenal world )- حيث تتجذر الحرية والعقلانية والأخلاق - ضد العالم التجريبي، الذي يتميز بالسببية والحتمية.[4] ينتمي البشر إلى هذين العالمين: الحرية، بوصفهم كائنات أخلاقية. والسببية التجريبية، ككائنات طبيعية. تنجم الكرامة والأخلاق، وفقًا لـكانط، عن ممارسة العقل العمومي والإرادة الحرة مستقلة عن أي رابط جماعي محدد، أو أو هدف نهائي، أو مقاربة محددة للخير.[5]

ورثت الليبرالية (بما في ذلك صيغة راولز منها)، بالنسبة لساندل، وجهة النظر هذه عن الذات بوصفها تمارس إرادتها وعقلانيتها بشكل مستقل عن خيرات محددة للمجتمع. يفسر ساندل الليبرالية بأنها ترى "ما هو أكثر أهمية بالنسبة لشخصيتنا ليس الغايات التي نختارها ولكن قدرتنا على اختيارها."[6] تكون الذات الليبرالية حرة طبقًا لمصطلحات ساندل، أيً الـ"أنا" ذات سيادة قادرة على اختيار حقوقها وواجباتها دون اعتبار للولاءات الجماعية وأنتماءاتها الخاصة. فتعني الحرية في هذه الانطولوجيا، أولاً وقبل كل شيء، اتخاذ خيارات حرة يُنظر إليها على أنها ذات قيمة لأنها ناتجة عن ممارسة الإرادة وليس من قيود غير متجانسة (التقليد، العادات، الله).

الافتراض الثاني لليبرالية، عند ساندل، هو إعادة بناء نموذج فيما يتعلق بحياد السياسة والقانون والدين (وبشكل أعم، مفاهيم الخير).[7] يرى ساندل أنطلاقاً من فرضية الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية، أن النشاط القانوني السياسي لليبراليين  يتركز على إطار محايد للحقوق والإجراءات. لا يقف هذا الإطار ضد أي من الخيرات والغايات المتنافسة في المجتمع. تضمن السياسة والقانون لكل فرد الحرية نفسها في متابعة تلك الغايات التي يختارها بشكل مستقل عن الواجبات والالتزامات الدينية وغير الدينية. يكون في هذه الرؤية لـ "جمهورية إجرائية" كما يطرحها ساندل، للحق الأسبقية على الخير: فمجال السياسة هو مجال الحقوق والإجراءات، وهو منفصل عن السعي وراء خيرات وغايات محددة .

يصبح الدين، من وجهة النظر المحايدة هذه، الحالة النموذجية لأستبعاد الليبراليين المفاهيم المثيرة للجدل عن الخير العام من المجال العام.[8] فيؤدي لجوء الليبرالية إلى الحياد إلى تجاهل المشاركة الجوهرية في القضايا الأخلاقية والدينية في المجال العام. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الفكرة الليبرالية للحرية بوصفها خيارات غير مقيدة إلى رؤية الحرية الدينية كمثال خاص لمبدأ حرية الاختيار. يتم تقليص السعي الديني، في الجمهورية الإجرائية، من أجل الخير إلى إظهار خيار فردي دون أي تأثير على النشاط السياسي. ويجب أن تكون الحكومة محايدة في المسائل الأخلاقية والدينية" للسماح لكل فرد بحرية اختيار "مفهومه الخاص عن الحياة الخيرة".[9]

(ب) نقد ساندل والبديل الجمهوري

يثير ساندل اعتراضات أنطولوجية وعمليًة ومعياريًة على الفلسفة الليبرالية. فيرى أن اساسها الأنطولوجي مضلل لأنه يتصور الذات منفصلة ومعزولة عن المجتمع، بينما الحياة الأجتماعية هي التي تعطي الذات شكلها وجوهرها. لا تختار الذات هويتها بشكل مستقل عن سياق اندماجها في المجتمع: فليس الغايات والخيرات مسألة اختيار، أنها مُنشأة مسبقًا ومكونة للذات. وبعبارة أخرى، النفس مرهونة دائمًا بحياة المجتمع: يتم تعريف وجودها من خلال الارتباطات والواجبات والغايات والأهداف التي تقدمها للأسرة والجماعات الدينية والوحدات المحلية والإقليمية والوطنية. يفتقد المفهوم الليبرالي، إذن، أن هناك مجموعة واسعة من الواجبات التي لا تنشأ عن الاختيار ولكن خارج الارتباطات المجتمعية والمسارات التاريخية الخاصة (خذ في الاعتبار، مثلاً، الواجبات الخاصة تجاه الآباء أو الأطفال أو المواطنين). وينطبق هذا على الواجبات الدينية بشكل خاص. تصبح الليبرالية، من خلال اختزال الحرية الدينية إلى حرية الاختيار، غير قادرة على إعطاء تفسير مناسب للتجارب والممارسات الدينية. إن تصوير الدين كمسألة تفضيل أو اختيار أسلوب حياة تختاره الذات سيتجاهل الدور الذي يلعبه الدين في حياة أولئك الذين لا غنى عن واجباتهم الدينية لهويتهم وضميرهم.

لا تنكر هذه الحجة الساندالية أنه يمكن للشخص أن يختار كيفية التعامل مع واجباته الدينية. ولكن حتى التحليل السريع للممارسة الدينية يشير إلى أنه في كثير من الأحيان لا تنشأ الواجبات الدينية من قرارات الذات السيدة. لا تحترم معاملة الأشخاص "كمصادر قائمة بذاتها للمطالبات الصحيحة" أولئك الملتزمين بواجبات مستمدة من مصادر أخرى غير أنفسهم.[10] يتم النظر إلى الواجبات الدينية بشكل أكثر دقة على أنها مسائل تتعلق بالضمير وليس بالاختيار. يرى ساندل: "هذا بالتحديد لأن الإيمان لا تحكمه الإرادة القائلة بأن حرية الضمير غير قابلة للتصرف... حرية الضمير وحرية الاختيار ليست هي نفسها؛ حيث يملي الضمير، يقرر الاختيار".[11] عندما تكون حرية الضمير على المحك، فإن العامل الأخلاقي الذي يستحق الحماية هو الشخص الذي يؤدي واجبًا، وليس اختياره الطوعًي.

بالنسبة لساندل، لهذا الخط من النقد عواقب مهمة على الموقف المحايد تجاه الدين. كما أن الذات ليست قابلة للانفصال عن غاياتها والتزاماتها، لا يمكن فصل السياسة والقانون عن مفاهيم الخير. ليست الحقوق قبل الخير: يحتاج المواطنون، من أجل تحديد وإعطاء محتوى لحقوقهم وواجباتهم، إلى الإجابة على أسئلة جوهرية، بما في ذلك الأسئلة الدينية. بالإضافة إلى ذلك، تُوًلد الفلسفة الليبرالية، من خلال محاولة إبعاد السياسة الديمقراطية عن المجتمع والدين، الاغتراب ونقص الدافع للمشاركة في الشؤون العامة. تفتقد وجهة النظر الحيادية حقيقة أن "الإنصاف ليس كل شيء"؛ إنها لا تجيب على التوق الأساس، أي الحافز لحياة عامة ذات معنى أكبر. وهكذا فشلت الفلسفة الليبرالية في ربط "مشروع الحكم الذاتي برغبة الناس في المشاركة في مصلحة مشتركة أعظم من أنفسهم".[12] يكون الحُلم الديمقراطي نتيجة هذا الفشل عرضة للأصولية الدينية. يندفع الأصوليون إلى حيث يخشى الليبراليون من السير فيه، أي في عالم الخير. عندما يفتقر الخطاب السياسي- كما هو الحال في الولايات المتحدة كما يرى ساندل- إلى صدى أخلاقي وروحي - ديني، يتطلب التوق إلى حياة عامة ذات معنى أكبر تعابير إشكالية تقوض مشروع مجتمع حر.

قد يوقف إحياء القيًم الجمهورية " تيار" الأصولية[13]عن طريق إعادة ربط السياسة بمصادرها الأخلاقية والروحية والدينية. يدعم هذا التحول في الفلسفة من الليبرالية إلى الجمهورية المشاركة في الأمور الأخلاقية الدينية الدينية في المجال العام بالإضافة إلى الحماية الخاصة للدين.

يتخذ دفاع ساندل عن دور الدين في بناء مجتمع من المواطنين شكلاً غائيًا. يبرر تعزيز المظاهر الدينية في المجال العام وتوفير حماية خاصة للحرية الدينية من حقيقة أن الدين يخدم غايات قيمة في حد ذاته أو مفيد للمشروع الجمهوري. يستمد الوضع الخاص للدين من الافتراض الغائي الذي يقول أن المعتقدات الدينية، كما تمارس في مجتمع معين، تنتج طرقًا للوجود والفعل تستحق التقدير- إما لأنها مثيرة للإعجاب في حد ذاتها أو لأنها تعزز صفات الشخصية التي تجعل المواطنين صالحين.[14]

قد يتناغم  المفهوم الغائي الذي ينتقد الحياد الليبرالي، بالنسبة لساندل، مع الوضع الخاص للدين (  ويضرب مثالا عن ذلك دستور الولايات المتحدة كما صممه الآباء المؤسسون). يتعارض الحياد الليبرالي مع الآباء المؤسسين من الجمهوريين، ويجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل، على القضاة التمييز بين التفضيلات العلمانية العادية والواجبات الدينية للضمير التي تستحق حماية خاصة. لاتقدر الليبرالية على معالجة مشكلة الصراع بين الواجبات الدينية والالتزامات المدنية الحرة غير المثقلة بواجبات الأنتماء وارتباطاته: عندما يُنظر إلى المعتقد الديني على أنه خيار، تظهر الحرية الدينية بوصفها "حق خاص في تجاهل القوانين المعمول بها بشكل عام" التي تسمح لكل شخص "بأن يشرع قانونًا لنفسه"؛ فيؤدي هذا النهج الى الفوضى.[15]

وعلى النقيض من ذلك، فإن النظرة الجمهورية لحرية الدين بوصفه حرية الضمير التي يدعمها الآباء المؤسسون "عالجت مشكلة النفوس المرهقة، التي تطالب بواجبات لا يمكنهم التخلي عنها، حتى في مواجهة الالتزامات المدنية التي قد تتعارض معها". [16] عندما تحدث مثل هذه التعارضات أوالتضاربات بين الضمير الديني والواجب المدني، يفترض أن تكون المحاكم ملزمة باستيعاب الدين من خلال منح إعفاءات فرعية أو توسيع القواعد القائمة.

طبقًا لمفهوم ساندل الغائي، يجب أن يتولى النشاط السياسي دوره كنشاط يشكل روح الفرد وجوهره مسترشداً بالفلسفة  الجمهورية.[17] يقدم ساندل رؤية تعددية ولا مركزية الجمهورية: والنشاط  الذي يشكل روح الفرد هو الفن السياسي لرعاية الفضائل المدنية و"عادات الذاكرة والعاطفة" التي يلعب الدين فيها دوراً هاماً. يفترض ساندل في جمهوريته المفعمة بالحيوية أن المواطنين مثقلون في ارتباطهم بشبكة من الواجبات والالتزامات المجتمعية. يخلق ذاك النشاط الروح السياسية للمواطنين الفاضلين الذين يشاركون في صنع السياسة والقانون، ويوحدون قواهم في المجال العام، ويتبادلون الآراء حول الحياة الخيرة.

(ج) الروح المشكلة  للجمهورية؟

تؤكد جمهورية ساندل على أهمية المشاركة العامة للمواطنين في زمن الديمقراطية. يتغاض الصعود العالمي للنيوليبرالية الفردية، وقوى السوق، عن الدور الحاسم للمشاركة النشطة في المجال العام للحفاظ على الحرية الفردية والجماعية. وكما يؤكد الجمهوريون مثل ساندل، فإن ممارسة الحرية لها بعد جماعي يتناسب بشكل سيئ مع رؤية فردية واقتصادية صارمة للحرية. الجمهوريون مقنعون أيضًا في انتقاد صيغة متطرفة من مبدأ الحياد. إن عداء الحياد الأقصى تجاه التعامل مع القضايا الجوهرية في المجال العام غير قابل للاستمرار عمليًا وغير مرغوب فيه بشكل معياري. إن لممارسة الحرية الدينية بُعد عام حيث يمكن أن تساهم المظاهر الدينية بشكل إيجابي في المجال العام النابض بالحياة في الديمقراطية المعاصرة.[18]

لكن تواجه صيغة ساندل عن الجمهورياتية صعوبات تتعلق بـ: أنطولوجيا الذات المثقلة بالارتباطات الاجتماعية، والنهج الغائي للجمهورية كفلسفة عمومية، والدعوة المرتبطة بالحماية الخاصة للدين ورفض الحياد. بادئ ذي بدء ، يفترض الانقسام  الذي يقول  به ساندل بين الليبرالية والجمهوريّة تمييزًا اصطناعيًا بين الذات الحرة والذات غير المثقلة بارتباطاتها، لكن الليبرالية في حد ذاتها ليست ملتزمة بالضرورة ولا تعتمد على أنطولوجيا الذات غير المثقلة. فعلى سبيل المثال، لا يدعم راولز  مثل هذه النظرة المتطرفة للذات غير المثقلة بارتباطاتها كما يفترض ساندل.[19] والأهم من ذلك، أن الذات الحديثة تُعطى وتُنتقى في وقت واحد، ومُثقلة وغير مُثقلة، ويتم اكتشاف الذات، والتأمل فيها، وانتخابها بدرجات مختلفة. ويلاحظ  كاميلكا أننا نفهم أنفسنا قبل أهدافنا، بمعنى أنه لا توجد غاية أو هدف مستثنى من إعادة الفحص المحتملة؛ وبهذا المعنى نفسي، قبل أهدافها، أي يمكنني دائمًا تصور نفسي دون أهدافها الحالية. لكن لا يتطلب هذا أن أستطيع أن أتصور ذاتاً غير مرتبط تمامًا بأي غرض.[20]

بينما لاتشكك الذات في  كل غاياتها دفعة واحدة، (بما في ذلك تلك المتعلقة بواجبات الضمير) إلاً أن أيًا منهم  لايُعفى من المداولة والنقد بمجرد أن نكون في المجال العام الديمقراطي. لا تتوافق الأنطولوجيا السانديلية للذات المثقلة بأرتباطاتها وغاياتها مع التعددية والنقاش حول التقاليد الدينية في الديمقراطية المعاصرة.[21]

نظرة ساندل إلى الذات كما تشكلها أهدافها هي لبنة بناء مفهوم غائي إشكالي للقانون والسياسة. يجادل ساندل على النقيض من ليبرالية راولز، بأن " مبادئ العدالة تعتمد في تبريرها على القيمة الأخلاقية أو الخير الجوهري للغايات التي تخدمها".[22]  بينما يكون الحق قبل الخير في راي راولز من ناحيتين: (i) الحق قبل الخير، بمعنى أن مجموعة من الحقوق الفردية "مفضلة" أو تفوق الاعتبارات المتعلقة بالصالح العام؛ (ii)  أن الحق يسبق الخير من حيث أن مبادئ العدالة التي تحدد حقوقنا لا تعتمد على أي مفهوم معين للحياة الخيرة لتبريرها. يتبنى راولز (i) و (ii)، لكن لا يتبنى كل الليبراليين ذلك: فيتبنى جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، استراتيجية غائية نفعي: الحقوق هي طرق لمتابعة مبدأ المنفعة (تعظيم السعادة). ترفض بدورها استراتيجية ساندل الغائية (i) و (ii) ، وتفترض أن "الخيرات الجمهورية" الأهداف النهائية أو الغايات القصوى للمشاريع السياسية مثل: الروابط العائلية، والتضامن المجتمعي، والوطنية، والبحث عن معنى أعلى في حياتنا، وما إلى ذلك. ومع ذلك، فإن صعوبة وجهة النظر الغائية هذه هي خضوع الحقوق الفردية، من حيث المبدأ، للصالح الجماعي. ولكن إذا لم تكن هناك حقوق لا يمكن اشتقاقها مباشرة من مفهوم محدد للصالح ( كما مثلأ في المسيحية، الإسلام، النفعية)، فلا توجد مكابح لاستخدام سلطة الدولة لمتابعة الخير كما تتصوره الأغلبية. تقوض استراتيجية سانديل الغائية الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحرية الدينية الحريص على الدفاع عنها للغاية. لا نحتاج، لتوضيح هذه النقطة، إلى التفكير في الحالات القصوى ( وجهة نظر طالبان للخير)، لكن التفكير في وجهات نظر زملاء ساندل الجمهوريين. لنأخذ الجمهورية اللائكية الفرنسية؛ استناداً إلى المفهوم العلماني للخير، فإنه يقيد الحرية الدينية ويفتقر إلى الاعتراف الكافي بالأقليات الدينية.[23]

إن ساندل محق في انتقاد وجهة نظرة الواجبات الدينية كخيارات والدين بوصفه مجرد أسلوب حياة. لكن لا تعتمد الليبرالية في حد ذاتها على وجهة النظر الاختزالية: يفسر مجموعة متنوعة من المفكرين الليبراليين حرية الدين من ناحية حرية الضمير.[24] والأهم من ذلك، يمثل اقتراح ساندل أن الدين يجب أن يتمتع بحماية خاصة إشكالية. من المهم الفصل بين حجتين مختلفتين قدمهما ساندل لصالح أطروحة الحماية الخاصة، حيث يمكن أن تؤدي إلى آثار معاكسة: (i) حجة حرية الضمير، و (ii) حجة فوائد الدين لبناء مجتمع جمهوري.

أولاً، بالتأكيد هناك فرق بين مجرد التفضيلات الشخصية وواجبات الضمير. لكن كذلك أن شرط منح حماية خاصة على أسس دينية لا ينتج عن فكرة حرية الدين كحرية الضمير: يمكن أن يكون للمؤمنين والملحدين واجبات وقناعات لا بد منها على حد سواء. لا يأخذ ساندل في الاعتبار حقيقة أن ادعاءات الضمير يمكن أن تكون علمانية أو دينية؛ والأكثر من ذلك، أنه يتجاهل إمكانية أن تكون الخيارات نفسها مهمة للغاية لدرجة أنها قد تستحق الحماية. باختصار، فشل ساندل في اشتقاق الحماية الخاصة للدين من حرية الضمير. وحتى إذا كان الدين لا يزال يلعب دورًا خاصًا في التشريع القانوي ( كما في الفقه الأمريكي)، فقد أدرك البعض يمكن أن تكون المطالبات العلمانية للضمير مقنعة مثل تلك المتعصبين.[25]

وثانيًا، ربما لا يزال يرغب ساندل في الدفاع عن أطروحة الوضع الخاص للدين من خلال دفاعه عن الحجة القائلة بأن الدين مفيد لبناء مجتمع من المواطنين يبحثون عن الصالح العام. يبدو أن هذا يؤكد أطروحة توكفيل القديمة حول الارتباطات الإيجابية بين المشاركة الدينية والمشاركة السياسية والمعتقد الديني والمواطنة النشطة. ومع ذلك، نرى: يحتاج التحليل الواقعي الدقيق إلى أن يوضع في سياق وأن يقترن بأسئلة حول طبيعة وعواقب تعبئة المؤمنين. الدين كقوة اجتماعية ليس بالضرورة دعماً لبناء روح المساواة الديمقراطية، ويمكن أن يتحول بسرعة إلى أداة للتلاعب السياسي. وعلى عكس الأشكال الأخرى من الجمهورية، فإن ساندل غير معني إلى حد كبير بإمكانية أن يكون الدين أداة هيمنة على الأقليات أو النساء. في الواقع ، يتجاهل ساندل الدور الذي قد يلعبه الدين في تعزيز علاقات الهيمنة في المجالين الخاص والعام. وهو يحدد صعوبة العلاقة المتناقضة بين الدين والحرية عن طريق التمييز بين الأصولية والدين السائد.[26] لكن ليس دور الأديان في التاريخ إيجابياً وغير إشكالي كما يوحي ساندل. إن الافتراض الذي يقول بأن إعطاء صوت أكبر للدين في المجال العام السياسي يمكن للمرء أن يساهم في الحرية الجماعية ومحاربة الأصولية، لا يمكن تبنيه دون مزيد من التفكير والنقاش. يشير التاريخ الحديث في عديد بلدان العالم  إلى أن تسييس الدين يمكن أن يؤدي إلى أنقسام عميق بين المواطنين واستبعادهم واستقطابهم بدلاً من تعزيز السعي وراء خير مشترك من خلال الحوار والتوفيق أو التسويات. وبالنظر إلى العلاقة المتناقضة والمثيرة للجدل بين الدين والمواطنين الفاضلين، فمن الصعب تبرير الحماية الخاصة للدين كمسألة مبدأ. علاوة على ذلك، حتى لو كان للدين دور مهم في توليد المشاركة الديمقراطية، فإن منح المزيد من الحماية للمعتقدات الدينية على المعتقدات العلمانية المماثلة قد يكون موضع تساؤل: الحماية الخاصة للدين قد تقوض التعددية وتولد التمييز.

من الجدير بالذكر أن هناك توترًا لا جدال فيه بين الطريقتين التي يدافع فيها ساندل عن حجة الوضع الخاص للدين: حماية الضمير الديني يمكن أن تقوض هدف بناء دنيا عامة نابضة بالحياة.

وأخيرًا، إن وجهة نظر ساندل في التعامل مع الأمور الجوهرية في المجال العام غير واضحة بشأن الفرق بين النقاش والقرار. تكمن قوة صيغة ساندل من الجمهوريات في المشاكل التي تطرحها (المشاركة؛ الحماسة العامة؛ الدور الإيجابي للدين؛ الخير، أكثر من الحلول التي تقدمها.[27] لا تمثل استراتيجية ساندل الغائية أساسًا قويًا للتفكير في حرية الضمير والدين. وتتعارض صورة النشاط السياسي كنشاط يغذي روح الفرد  مسترشد بفلسفة عامة واحدة - الفكر الجمهوري "الصحيح" مع حقيقة التعددية في الديمقراطيات المعقدة. إذا كان هناك "شغف من أجل معنى أعلى"، فإن تحقيقه عن طريق دولة تشكلها "الفلسفة العامة" الصحيحة هو في أفضل الأحوال فكرة خيالية وفي أسوأ الأحوال وصفة للأبوية القوية. ساندل، كما أشرنا، صامت بشكل عام حول مسألة الهيمنة. وبالمثل، حتى لو تعاملت مع روسو وتوكفيل، فإن الدين المدني لا يظهر حتى في أهم أعمال سانديل في النظرية السياسية الجمهورية حتى الآن، استياء الديمقراطية.[28]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[2] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Sandel, M. (2012) What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets. New York: Farrar, Straus and Giroux.

[3] م، ن

[4] إمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل ، ترجمة ، فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع ن بيروت ، الفصل الأول.

[5] Kant, I. (1997) Practical Philosophy. The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant, ed.Mary J. Gregor. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice.19.

[7] Sandel, M. (1996) Democracy's Discontent.290-291.

[8] م ، ن .

[9] م، ن

[10] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. 67.

[11] م، ن، 66.

[12] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. Cambridge, MA: Harvard University Press.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent.322.

[14] Sandel, M., (2009) Justice: What's the Right Thing to Do? New York: Farrar, Straus and Giroux.257.

[15] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent70 .

[16] م، ن .

[17] Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Discontent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[18]Weithman, P.J. (2002) Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge, UK: Cambridge University Press: Chapters 1- 3.

[19] Seleme, H.O. (2007) "The challenge of the liberal Catholic", DOXA Philosophy of Law Notebooks

30: 471-490.

[20] Kymlicka, W . (1989) Liberalism, Community and Clutter. Oxford: Clarendon Press. 52-53.

[21] Dagger, R . (1999b) "A Rejoinder to Michael Sandel" , Review of Politics 61(2): 215-218.188.

[22] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. 105.

[23] أنظر:

Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy.

[24] Nussbaum, M. (2003) "Rawls and Feminism", in Freeman, S. (ed.) The Cambridge Companion to Rawls. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 488- 520.

[25] Dworkin, R. (2013) Religion without God. Harvard, MA: Harvard University Press.

[26] Okin, S.M. (1997) "Review of Michael Sandel's Democracy's Discontenf', American Political Science Review 91 : 440-442.

[27] أنظر:

Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Disco11tent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[28] م.ن .

 

 

عبد الجبار الرفاعي

إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

بعد نشر مقالتي: "سلطة الفصاحة والنحو" في صحيفة الصباح ببغداد، الصادرة في 12 تشرين ثاني 2020، تداولتها لاحقا عدةُ صحف ومجاميعُ في وسائل التواصل. واختلفت المواقفُ حيالها، ففيما أثنى عليها وتحمّس لها بعضُ الخبراء والقّراء، امتعض منها آخرون، وزعموا أنها تتنكر لضرورة وجود قواعد للغة العربية، واتهم غيرُهم كاتَبها بـكلمات غير مهذبة. أشكر كلَّ قرّاء المقالة، سواء من كان معها أو ضدّها، وأتمنى على بعض القرّاء ألا يلجأ للهجاء والكلمات المنفعلة، لأن النقدَ العلمي يهتمّ بتمحيص الآراء قبل أن يتهم كاتبَها.

لم أنكر ضرورةَ وجود قواعد للعربية، واحدةٌ من البداهات المعروفة أن كلَّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد لاسيما العربية، ولا يصح إهمالُ تلك القواعد كليًا في التحدّث والكتابة.

المقالة السابقة ترى أن قواعدَ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة، يستقيها الإنسانُ من بيئته اللغوية، ويتيسر له تعلّمُها وإتقانُها. قواعدُ العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعّبة، متعارضةٌ أحيانًا، تتنوّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل، ومن تأخر عنهم. هذه القواعد صعبةُ الإتقان لمن يتخصّص بها، إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها، غير أنه ربما لا يتقنها، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يتسع عمرُه لإنفاق سنوات في تعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بالعربية من أبنائها.

اللغةُ ‏بدلا من أن تكون أداةً مرنة طيّعة ديناميكية في التواصل الاجتماعي، تحولت الى قيدٍ يقيّد العقل، ينهك التفكير، يرهق النطق، وتتعسّر به الكتابة. في العربية نحن نتحدّث بلغة هي اللهجة السائدة في مجتمعنا، ومع الناطقين باللهجات العربية الأخرى نتحدّث بلغة، ونفكر بلغة، ونكتب بلغة. وربما نرى من يتقن عدةَ لغات لا تكون أحيانًا مصدرَ ثراء وخصوبة لديه، بل تشتبك هذه اللغاتُ في بعض الحالات مع مجموعة العربيات: لهجة يُنطق بها، لغة يُكتب بها، لغة يُفكَّر بها.

أعرف الفارسية، وترجمتُ عدةَ كتب منها إلى العربية، لم أجد فجوةً واسعة بين الشفاهي والمكتوب، المسافةُ فيها ليست شاسعةً بين لغة الكتابة ولغة المحادثة كما العربية، حتى أن مجموعةَ مؤلفات علي شريعتي مثلًا أغلبُها محاضرات شفاهية، كُتبت على الورق، ونُشرَت ‏بتحرير بسيط، هذا ما رأيتُه في بعض مصورات تحريرها. وهكذا الكتابات المنشورة لأكثر المؤلفين المعروفين اليوم بالفارسية.   تلك مشكلةٌ يواجهها الناطقون بالعربية تدعونا لتيسيرِ قواعد النطق بهها، وإثراءِ معجمها، وتضييقِ الفجوة بين الشفاهي والمكتوب. أدعو لتيسير القواعد، وليس الاستغناء عنها كلّها، أعني تيسيرَها بالشكل الذي يجعل تلقي أبنائها لقواعدها من عوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. لا أدعو لاعتماد اللهجات المحلية بديلًا عن الفصحى. أدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. وهذا ما نراه في قواعد ومعجم اللغات الحية، مثل: الانجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والفارسية، وغيرها.

هذا ليس رأيي فقط، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المتقدمين والمتأخرين، فمثلًا ينصح الجاحظ ت 255 هـ المعلّم بقوله: ""وأما النحو، فلا تُشغِل قلبَه[1] منه إلا بِقَدْر ما يؤدِّيه إلى السلامة من فاحش اللَّحْن، ومن مقدار جهل العوامِّ في كتاب إن كتبه، وشِعْر إن أنشدَه، وشيء إن وصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلةٌ عمَّا هو أَولى به، ومذهل عمَّا هو أراد عليه منه، ومن روايات المثل والمشاهدة، والخبر الصادق، والتعبير البارع"[2]. ويكشف الجاحظ عن الدوافع غير المعلنة لبعض النحاة الأوائل، إذ يقول: "قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلّها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدّم بعض العويص وتؤخّر بعض المفهوم؟! قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه للّه، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلّت حاجاتهم إليّ فيها، وإنّما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنّما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسّب ذهبت"[3].

وكان ابنُ مضاء القرطبي ت 592 هـ ألف كتابًا بعنوان: "الرد على النحاة" دعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بدافع تيسير تعليمه.كما يصرّح بذلك في مقدمة كتابه بقوله: (قصدي في هذا الكتاب أن احذف من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما اجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا "ضرب زيدٌ عمرًا" أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرب)[4].

وقد روى السيوطي: "أن الكسائي قد مات وهو لا يعرف حد نعم وبئس، وأن المفتوحة، والحكاية. وأن الخليل لم يكن يحسن النداء. وأن سيبويه لم يكن يدري حد التعجب. وأن رجلاً قال لابن خالويه: أريد أن أتعلَّم من العربية ما أُقيم به لساني، فأجابه ابن خالويه على البديهة: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، وما تعلَّمْتُ ما أُقيمُ به لساني!"[5].

وأشار علي الطنطاوى إلى أن ما: (زاد النحو تعقيدًا وإبهامًا وبعدًا عن الغاية التي وضع من أجلها، ما صنعه الرماني من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر من بعده على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي وهو معاصر له: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء. فخرج النحو بذلك عن الجادَّة، ولم يعد واسطة لفهم كلام العرب واتباع سبيلهم في القول، بل غدا علماً مستقلاً معقداً مضطرباً لا تكاد تثبت فيه مسألة. ورضي النحاة عن هذا التعقيد ووجدوا فيه تجارة وكسباً، حتى أن السيرافي لما ألف كتابه الإقناع "الذي أتمّه ولدُه يوسف" وعرض فيه النحو على أوضح شكل وأجمل ترتيب، فأصبح مفهومًا سهلًا، لا يحتاج إلى مفسر، ولا يقصر عن إدراكه أحد، حتى قالوا فيه: وضع أبو سعيد النحو على المزابل بكتابه الإقناع. ولما ألَّفه قاومه النُحَاة، وما زالوا به حتى قضوا عليه، فلم يعرف له ذكر، ولم نعرف أنه بقي منه بقية! وزاد النحو فساداً على هذا الفساد هذا الخلاف بين المذهبين "أو المدرستين على التعبير الجديد" المذهب الكوفي، والمذهب البصري، وما جرَّه هذا الخلاف من الهجوم على الحق، والتدليل على الباطل، والبناء على الشاذ، قصد الغلبة وابتغاء الظفر، كما وقع في المناظرة المشهورة بين الكسائي وسيبويه"[6].

ودعا جماعةٌ من علماء اللغة والنحو في العصر الحديث إلى تيسير النحو وتحديث اللغة، منهم: الأب أنستاس ماري الكرملي ت 1947 م، الذي ألف في هذا الموضوع: "أغلاط اللغويين الأقدمين"، صدر ببغداد سنة 1932م، وكتاب: "نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها"، صدر في القاهرة سنة 1938م.

ويشرح أمين الخولي "صعوباتنا اللغوية اليوم" فيقول: "ان أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء: الأول: فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في الافتراض والتعليل. والثاني: اسراف في القواعد، نشأ عنه اسراف في الاصطلاحات. والثالث: إمعان في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب... إننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، وافرة الحظ من الاعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغة أجنبية وصعبة، إذ أننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقفونا بهذه العامية، ثم هاهي العامية تتابع زحفها الجرئ على مجال تلك الفصحى... إن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل اعرابها علينا، لا يسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدد قواعده وتتضارب... إن هذه الفصحى، فيما وراء اعرابها المضطرب، وسعتها، وانتشار قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز فيه الرفع والنصب والجر جميعا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ويزداد التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة، أو التعبير الواحد بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد"[7].

هناك مجموعة علماء لغة ونحو آخرون كتبوا نقدًا لقواعد النحو والإعراب، ودعوا إلى تيسيره، مثل: ابراهيم مصطفى الذي ألف "إحياء النحو"، صدر سنة ١٩٣٧، ويلتقي في كتابه هذا مع ابن مضاء القرطبي بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، فيقول: "وتخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها هو عندي خير كثير وغاية تُقصد، ومطلب يسعى إليه، ورشاد يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادا، وكاد يصد الناس عن معرفة العربية وذوق ما فيها من قوة على الأداء ومزية في التصوير".

وقد ألف شاكر الجودي كتاب: "تشذيب منهج النحو"، سنة 1949، وأحمد عبدالستار الجواري: "نحو التسير"، سنة 1962م، ومهدي المخزومي: "في النحو العربي: نقد وتوجيه"، سنة 1964م. كما صدرت لعلماء لغة ونحو غيرهم عدةُ مؤلفات مماثلة تدعو للتيسير، غير أن دعوتهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلّطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا.

لم يكن علي الوردي مسكونًا بـ "الفصاحة"، كما اشتهرْت عند اللغويين منذ عصر التدوين، ولم يكترث بالنحو وقواعده كثيرًا في كتاباته، بل كان يسخرُ من تشديد أهل اللغة على ذلك. لم يعبأ الوردي بكلِّ ذلك الاهتمام المبالَغ فيه بالفصاحة والنحو، بل كان يهمّه إيصالُ أفكاره بأية وسيلة، مهما كانت طريقةُ إبلاغه عنها، لذلك ظلّ يحذِّر النقادَ المتحذلقين من تسقّط الأخطاء النحوية في كتاباته، وينفر ممن يلاحقون الإعرابَ في أعماله، ويتهكّمون على ما يحسبونه عثراتٍ إعرابيةً في كتاباته. بلا تردّد أو حذر أو خجل يعترف علي الوردي بكثرةِ الأخطاء النحوية في كتاباته، ويعلن بأنه لا يعتذر من ذلك، إذ يقول في سياق بيان موقفه من النحو: "أودُ أن أنتهزَ هذه المناسبة لأُشير إلى أمر ربما لاحظه القاريء في جميع كتبي، هو كثرة الأخطاء النحوية فيها. وهذا أمرٌ أعترفُ به ولا أعتذر عنه. لا أكتمُ القاريء أني اعتبر النحو بلاءً أبتليت به الأمةُ العربية. وأنا على يقين أن الأمةَ العربية في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل سوف يأتي عليها يومٌ تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء النحو كلّه من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل... مشكلة النحو العربي أنه ذو قواعد كثيرة ومعقدة، دون أن تكون له أية فائدة عملية، ولم نحصل من النحو إلا على أفراد من الناس دأبهم البحث عن الأخطاء النحوية في خطب الناس وكتاباتهم لينتقدوا أصحابها بها، ويشنوا عليهم الهجمات الشعواء"[8].

أحترم جهودَ الميسرين للغة والنحو، وأقدّر عقلانيتَهم النقدية. ليست كلُّ رؤية جديدة صحيحة، ولا كلّ رؤية قديمة خاطئة، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية، متحرّرةً من وصاية الماضي على الحاضر ومن وصاية الحاضر على الماضي. لا تتأسّس هذه الرؤيةُ إلا على فهمٍ وتمحيص للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

............................

[1] يقصد قلب الصبي.

[2] الجاحظ، الرسائل، 1: 171.

[3] الجاحظ، الحيوان، ص 62-63.

[4] ابن مضاء القرطبي، كتاب الرد على النحاة، نشره وحققه: د. شوقي ضيف، ص 85-86، 1947، دار الفكر العربي، القاهرة.

[5] السيوطي، ، جلال الدين، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 1964، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

[6] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 17، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[7] الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص 41-43، 1961م، دار المعرفة، القاهرة.

[8] الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بيروت، دار الراشد، ط 2، 2005، ج4: ص 5 – 6.

 

 

حاتم حميد محسنتركز العديد من نقاشات السياسة العامة على مفهوم الإنصاف fairness. هل الفعل الايجابي سلوك منصف؟ هل الدوائر البرلمانية اُعدت بطريقة لتكون منصفة؟ هل السياسة الضريبية الحالية عادلة؟ هل طريقتنا في تمويل المدارس عادلة؟

الحجج المتعلقة بالعدالة والانصاف لها تاريخ طويل في الحضارة الغربية. في الحقيقة، لا توجد فكرة في الثقافة الغربية ارتبطت بالأخلاق اكثر من فكرة العدالة. بدءاً من كتاب الجمهورية للفيلسوف اليوناني افلاطون، الى نظرية العدالة لفيلسوف جامعة هارفرد (جون رولس)، جميع الأعمال الكبرى في الأخلاق أكّدت على ان العدالة هي الجزء الجوهري للاخلاق.

تعني العدالة إعطاء كل ذي حق حقه. ان مفهومي العدالة والانصاف مترابطان بإحكام لدرجة يمكن استخدامهما اليوم بشكل متبادل. مع ذلك هناك فهم متميز للمصطلحين. اذا كان مفهوم العدالة يُستعمل بالاشارة الى مستوى الصواب ، نجد الإنصاف يُستخدم عادة ليشير الى القدرة على الحكم دون تأُثير  لشعور المرء او مصالحه. الإنصاف اُستخدم ايضا للاشارة الى المقدرة على عمل أحكام ليست مفرطة في العمومية وانما لحالات محددة وملموسة . وفي كل الاحوال، تُعد فكرة التعامل باستحقاق حاسمة في كل من العدالة والانصاف.

عندما يختلف الناس حول ايمانهم  بما يجب ان يُعطى، او عندما يختلفون على القرارات التي يجب ان تُتخذ حول كيفية توزيع المنافع والأعباء بين مجموعة من الناس، فان اسئلة العدالة والانصاف ستبرز حتما. في الحقيقة، معظم الأخلاق اليوم تؤمن بفكرة ان لا فائدة من الحديث عن العدالة والانصاف ان لم يكن حول التصادم في المصالح الذي ينجم عن ندرة السلع والخدمات وحول لمنْ الاولوية باستلام تلك السلع والمنافع. عندما تبرز مثل هذه الصراعات في المجتمع، سنحتاج الى مبادئ للعدالة يقبل بها الجميع كمستويات معقولة ومنصفة لتقرير ما يستحقه الناس.

لكن القول ان العدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحق لن يحل المشكلة. كيف نقرر ما يستحقه الناس؟ أي معيار وأي مبادئ يجب ان نستعمل لتقرير مقدار الحق لهذا او لذاك؟

مبادئ العدالة

المبدأ الأساسي للعدالة هو ذلك المبدأ الذي قبل به الناس على نطاق واسع والذي صيغ أول مرة من قبل ارسطو قبل الفين سنة وهو المبدأ القائل "يجب التعامل مع المتساوين  على قدم المساواة والغير متساوين بلا مساواة". في شكله المعاصر، هذا المبدأ يُعبّر عنه احيانا كالتالي: "الافراد يجب معاملتهم بنفس الطريقة، مالم يختلفوا بطرق ملائمة من حيث الموقف الذي يشتركون فيه". فمثلا، لو ان عامر وحنان يقومان بنفس العمل، ولا توجد هناك اختلافات ملائمة بينهما او في العمل الذي يقومان به، عندئذ فان العدالة هي ان يُدفع لهما نفس الأجر. اما لو دُفع لعامر اكثر من حنان فقط لأنه رجل او لأنه أبيض، عندئذ سنكون غير عادلين- نمارس شكلا من التمييز- لأن العرق والجنس غير ملائمين في آداء الأعمال العادية.

مع ذلك، هناك عدة اختلافات يمكن اعتبارها معايير مبررة للتعامل مع الناس بشكل مختلف. فمثلا، نحن نرى ان من العدل والانصاف ان يعطي الأب اولاده مزيدا من الانتباه والعناية قياسا بما يعطي للاطفال الآخرين، كذلك من العدل إعطاء بطاقة دخول مسرح لأول شخص من الحاضرين، وايضا نرى من العدل ان تعطي الحكومة مساعدات للمحتاجين قياسا بما تعطيه للمواطنين الآخرين الميسورين، كذلك من العدل معاقبة مرتكبي الجرائم دون غيرهم ، ونرى من العدل منح مزيد من المنافع لمن بذل جهدا كبيرا في الأعمال قياسا بالآخرين. هذه المعايير – الحاجة، الجدارة، المساهمات- هي تعاملات مختلفة مبررة.

من جهة اخرى، هناك ايضا معايير غير مبررة لإعطاء الناس تعاملا مختلفا. في عالم العمل، مثلا، نحن نؤمن انه من غير العدل إعطاء الافراد تعاملا خاصا على اساس العمر او العرق او الدين. اذا كان ابن اخ القاضي تسقط عنه عقوبة السرقة بينما سارق آخر لا علاقة له بالقاضي يذهب للسجن على نفس الجريمة، او ان اخ مدير الأعمال العامة يحصل على مليون دولار عقد لتأسيس مرشات في ملعب الجولف رغم وجود عروض منخفضة السعر من متعاقد آخر، نحن نقول ان هذا امر غير عادل.

كذلك نعتقد انه من غير الإنصاف معاقبة  فرد على شيء لا سيطرة له عليه ، او عندما لا يُعوّض على اذى عانى منه.

الأنواع المختلفة للعدالة

هناك انواع مختلفة للعدالة. العدالة التوزيعية Distributive justice تشير الى الطريقة العادلة التي تُوزع بها المنافع والاعباء بين اعضاء المجتمع. عندما توزع مؤسسات المجتمع المنافع والأعباء بطريقة غير عادلة ، سيكون هناك افتراض قوي بأن تلك المؤسسات يجب تغييرها. فمثلا، مؤسسة العبيد في امريكا قبل الحرب الأهلية في الجنوب اعتبرت غير عادلة لأنها كانت حالة واضحة للتعامل مع الناس بطريقة مختلفة على اساس العرق. النوع الثاني الهام للعدالة هو العدالة الجزائية او التصحيحية  retributive justice  . العدالة الجزائية تشير الى المدى الذي تكون فيه العقوبة عادلة ومنصفة. العقوبات تُعتبر عادلة حين تأخذ بالاعتبار معايير ملائمة مثل خطورة الجريمة ونية المجرم، واستبعاد المعايير غير الملائمة مثل العرق. سيكون من غير العدل مثلا، قطع يد الافراد لسرقة 10 سنتات،  او فرض عقوبة الموت على فرد جرح شخصا آخر دون قصد ودون إهمال. الدراسات تبين دائما ان السود عندما يقتلون البيض هم اكثر احتمالا ينالون عقوبة الموت مقارنة  عندما يقتل البيض البيض او عندما السود يقتلون السود. هذه الدراسات تشير الى ان عدم العدالة لاتزال موجودة في نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.

وهناك نوع ثالث مهم من العدالة هو العدالة التعويضية  compensatory justice. وهي تشير الى المقدار الذي يُعوّض فيه الناس بانصاف عن الأذى الذي حصل لهم بسبب الآخرين. هذا  النوع من العدالة هو السائد في الحوارات حول الأضرار التي تصيب صحة العمال في مناجم الفحم. البعض يرى ان مالكي المناجم يجب ان يعوضوا العمال الذين تضررت صحتهم. آخرون يرون ان العمال قبلوا بهذه المخاطرة طوعا عندما اختاروا العمل في المناجم.

ان اسس العدالة يمكن تتبّعها الى أفكار الاستقرار الاجتماعي والاعتمادية المتبادلة والاحترام المتساوي. وكما يشير الاخلاقي جون رولس بان استقرار المجتمع او أي جماعة، يعتمد على مدى شعور افراد المجتمع بالتعامل العادل. عندما يشعر افراد المجتمع انهم عرضة لتعامل غير متكافئ، فذلك يعني الاخلال بقواعد الاستقرار الاجتماعي والتأسيس لأجواء من الاضطراب والصراعات. ان أعضاء الجماعة، كما يقول رولس يعتمدون على بعضهم وهم سوف يحافظون على وحدتهم الاجتماعية فقط عندما تكون مؤسساتهم عادلة. كذلك، وكما يقول عمانوئيل كانط وآخرون ان البشر جميعهم متساوون في الاحترام: هم كلهم لديهم نفس الاحترام. متى ما عومل الافراد بلا مساواة على اساس خصائص عشوائية وغير ملائمة،  فان احترامهم الانساني الاساسي سيُنتهك.

العدالة اذاً جزء اساسي من الاخلاق ويجب ان تُعطى اعتبارات مناسبة في حياتنا الاخلاقية. عند تقييم أي قرار اخلاقي،  يجب ان نسأل ما اذا كانت أفعالنا تعامل كل الناس سواسية.ان كانت ليس كذلك ،  فيجب ان نقرر ما اذا كان الاختلاف في التعامل مبررا،  هل المعيار الذي نستعمله ملائم للموقف الحالي؟ غير ان العدالة ليست المبدأ الوحيد للدراسة في اتخاذ القرارات الأخلاقية. احيانا، ربما تبرز الحاجة لتجاوز مبادئ العدالة لمصلحة انواع اخرى من الادّعاءات الأخلاقية مثل حقوق رفاهية المجتمع. مع ذلك، العدالة هي تعبير عن اعترافنا المتبادل بالآخرين من حيث احترامهم الاساسي، واعتراف باننا لو كنا نريد العيش مجتمعين في جماعة ذات اعتماد متبادل فيجب ان نتعامل مع الآخرين بنوع من المساواة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسفينسب ريتشارد رورتي الفيلسوف الاميريكي لكانط أنه" قام بتحويل علم الانسان – نفهم يقصد علم المعرفة (الابستمولوجيا) وليس علم الانثروبولوجيا ، الاناسة – من علم تجريبي حسي الى مستوى (قبلي) سابق على التجربة، ويعتبر كانط أن تطابق معرفتنا الاشياء يتوافق مع الافتراض أن معرفتنا الاشياء قبلية"1 .

القول كل ماهو قبلي معرفي في الاشياء هو ميزة خصائصية معرفية ناجزة لا تحتاج العقل الادراكي لها، أمر يحمل الكثير من المجازفة الجدالية غيرالمحسومة نقاشيا، وهذا جلبرت رايل يقاطع هذا الفهم الكانطي قوله" الطبع – يقصد انطباع صورة الاشياء في الذهن - هو في جعل الحقائق مدركة حسيّا، هذا اذا كان لذلك من معنى، لأن طبع شيء على العقل من غير أن يدركه أمر غير مقبول."2، مقولة صحيحة كنت أشرت لها أكثر من مرة في بعض كتاباتي قبل أستشهادي الاقتباسي بها الآن في هذه المقالة.

لتوضيح بعض المعنى نقول محاولة كانط تحويل علم المعرفة من علم تجريبي حسي الى علم انساني معرفي قبلي موجود سابق على ادراك العقل، لا يمكننا تمريره الا بفرضية ومشروعية الخلط القائم الذي يرى في الاشياء المستقلة تمتلك حمولة خاصيتها المعرفة القبلية ذاتيا قبل ادراك العقل الحسّي المعرفي البعدي لها الذي لا حاجة ملزمة للاشياء ادراكه لها. من حيث وفق هذا المعنى تكون المعرفة القبلية بالاشياء التي يدركها العقل هي نفسها المعرفة البعدية التي ينشدها العقل من حيث الصفات الخارجية وليس الجوهرالجوّاني.

الفرق بين معرفة الشيء القبلية العقلية ومعرفته البعدية تقوم على التحولات والانتقالات في ذلك الشيء الذي يدركها العقل بعديا.أما في حالة أن تكون معرفة الشيء القبلية لا تختلف عن معرفته البعدية تحدده الموجودية الانطولوجية الساكنة لذلك الشيء الذي لا يتحرك ويتحول في ثبات صفاته الخارجية.

الادراك الحسي والتجريد

كيف يستقيم معنا تنحية العقل جانبا حين لا يمتلك حمولة معنى خاصية الادراك الحسّي للموجودات؟. لا تكون هناك معرفة قبلية للاشياء ولا معرفة بعدية لها بغير دلالة العقل الادراكية قبليا وبعديا لها. القبلية المعرفية في الاشياء كمدرك هي تصنيع عقلي فيها كخبرة مكتسبة مخزّنة تمتلكها الاشياء بواسطة العقل الادراكي لها، وليست المعرفة القبلية خاصية يكتشفها العقل بالاشياء تكوينيا بعديا فيها لم يكن أدركها سابقا باستثناء جواهرها سواء أكانت تلك الجواهر موجودة أو غير موجودة.

قبلية المعرفة المدركة بالاشياء هي المعرفة التي ادركها العقل وأصبحت مخزونا بالذاكرة التي يكون مخزونها المعرفي تحت وصاية وهيمنة العقل سحبها من الذاكرة في تفسيره المعرفة القبلية بالاشياء. بهذا المعنى تكون قبلية معرفة الاشياء هي خزين الذاكرة العقلية التجريدية عنها. ولا توجد معرفة قبلية بالاشياء هي جزء من تكوينها الانطولوجي الذي يدركه العقل ولم يسبق له ادراكه كخزين ذاكراتي.

هذا الفهم يلغي بحسب تعبير كانط أن العقل لا يدرك بالاشياء غير معرفته القبلية فيها، مما يرتّب عليه أن كل مدرك عقلي بعدي هو ليس تجاوزا تجديديا يستطيعه العقل. الحقيقة التي لا يمكننا الاعتراف بها فلسفيا أن جميع المعارف القبلية الموزعة التي تنسب للاشياء هي في حقيقتها معارف عقلية مجردة مخزنة بالذاكرة وليست خصائص تكوينية موجودة بالاشياء. أدراك العقل للاشياء هو خبرة تراكمية يمتلكها هو وليست تجديدا يخترعه العقل موجودا بعديا بالاشياء. مقولات العقل الصادرة عن الشيء بعديا هي تخليق مجدد لمدركات صفات الشيء التي تتغير ولا تتسم بثبات انطولوجي كما هو الجوهر.

نفس هذا المعنى نجده متحققا في فرضية تموضع اللغة في تكوين الاشياء، فادراك العقل لغة الشيءالقبلية الموجودة فيه هي لغة الذاكرة العقلية المخزونة عن ذلك الشيء التي تكون الذاكرة فيه هي بنك المعلومات العقلية في فهم العقل لموجودات ادراكه.. بمعنى الموضعة اللغوية بالاشياء هي الخبرة التراكمية التي اودعها العقل في الذاكرة في التطابق مع موضعة اللغة في الاشياء. بتعبير اوضح كما أن ادراك العقل لانطولوجيا الاشياء في وجودها الخارجي المستقل هو وعي لغوي تجريدي كذلك يكون الحال مع ادراك موضعة اللغة بالاشياء وعيا تجريديا ايضا.

بمعنى أفتراض أكتشاف قبلية المعرفة بالاشياء سابق على بعدية الادراك العقلي اكتشافها خطأ ورد نقرأه في عبارة كانط السابقة.أذ لا يمتلك العقل معرفة قبلية عن شيء ما هي بالنسبة لادراكها بعديا لا يضيف لها شيئا جديدا. واذا كانت قبلية المعرفة يعرفها العقل مسبقا فما الفائدة المرجوة من أدراكها المعرفي بعديا.؟ وما الجديد بها أو المضاف لها؟ تفكير العقل البعدي في شيء لا يكون تجديدا الا في حال أن يكون ذلك الشيء في حالة صيرورة من انتقالات متحولة يمكن تداخل العقل بها، وليست وجودا انطولوجيا محددا بابعاد هي من بديهيات العقل مثل الطول والعرض والارتفاع والزمن التي هي ثبات مواصفاتي لا يطاله التغيير.

المعرفة القبلية في الاشياء في حال تسليمنا الاقرار بصحتها الموجودية التكوينية فيها لا تحتاج العقل الادراكي البحث في معرفتها البعدية. المعرفة القبلية بالاشياء هي معرفة لا يدركها العقل بذاتيتها كخصائص مستقلة وجودا ولا يدركها العقل الا كموضوع معرفي في قبليتها وفي بعديتها معا وفي كلا الحالتين ما يدركه العقل هي صفات خارجية يكتشفها ولا تستطيع صفات تلك الاشياء الافصاح ذاتيا عن نفسها قبل ادراك العقل لها ومن غيره..

وهذا الافتراض الاستقرائي لا يلغي أحتمالية أن كل الاشياء تدّخر ذاتيا باستقلالية عن العقل في موجوديتها الانطولوجية معرفة قبلية هي (جواهر) لا يصلها العقل ولا تستطيع هي التعبيرعنها من غير دلالة العقل الافصاحية الادراكية لها، فلا يوجد معرفة قبلية لا تحتاج ادراك العقل الحسّي لها كصفات وألا انتفت عنها حقيقة كونها موضوعا يدركه العقل.. تذهب معظم الفلسفات منها الماركسية والوجودية باستثناء سارتر أن ادراك صفات الشيء الخارجية حسيّا يحمل معه ضمنا أدراك جوهره ويحتويه اذا كان موجودا أم غير موجود.وليس هناك جواهر لا يدركها العقل.

كل الاشياء والموجودات الموزعة في الطبيعة أنما هي معارف ساكنة لا تمتلك وسائل التعبير عن نفسها بقدراتها الذاتية المعطلة بمعزل عن الادراك الحسي لها والتعبير اللغوي التجريدي عنها الذي هو خاصية عقلية بعدية. العقل لا يقصد المعرفة البعدية في الاشياء في اقرارنا الافتراضي أنه يعرفها قبليا مسبقا حسب فرضية عبارة كانط. كون مطابقة المعرفة البعدية مع المعرفة القبلية المفترضة بالاشياء لا أهمية له ولا سبب يوجبه. فالادراك العقلي للاشياء هو كيفية (نوعية) وليس ادراك يسعى مطابقة الاشياء مع قصدية ساكنة، بمعنى الادراك الحقيقي للاشياء هو لماذا يدركها وليس كيف يدركها.

وفي التماهي مع عبارة كانط نجد أننا حصرنا قابلية العقل الادراكية تكون فقط في معرفته القبلية للاشياء وليس في معرفته البعدية لها كموجودات مستقلة في العالم الخارجي...حينها نقع في خطأ تكون فيه المعرفة القبلية هي منتجة لمعرفة العقل البعدية وليست ناشئة عنه وناتجة توليديا منه وهو ما لا يمكننا تصور حدوثه الحسي. العقل الادراكي للاشياء ومعرفتها لا تبنيه الخصائص الذاتية في الاشياء قبل تعبيره المعرفي عن ماهية موجوديته.

الاستعداد المعرفي القبلي الذي تدّخره الاشياء بكينونيتها الموجودية في وجودها الصفاتي لا يغنيها عن حاجتها لادراك العقل المعرفي الحسّي المجرد لها. ولا يلغي حاجة معرفة أدراك العقل لها مكتفية بخصائصها الوجودية المعرفية من غير دلالة العقل الادراكية لها..المعرفة القبلية في الاشياء لا يمنحها أمكانية أملاء شروطها على العقل من غير سطوة العقل الادراكية عليها، فالمعرفة القبلية تستمد حيويتها الوجودية من أدراك العقل لها حتى في حال فرضية أن العقل هو قدرة أستيعابية محدودة في الادراك الكلي الشامل للاشياء الواصل له عبر الحواس والاحساسات الناقصة في تمثيلها الاشياء الواردة اليه.كما أن المعرفة القبلية والبعدية كلاهما تصنيع عقلي. والخصائص الذاتية بالاشياء لا تملي معرفتها على تصنيع العقل الذي أوجدها فيها ليس بخلقها بل بتصنيعها كموجودات صفاتية.

حين نتصور أمكانية المعرفة القبلية في الاشياء الاستغناء عن أدراك العقل في خلعه عليها خصائص صفاتية جديدة يبتدعها لم تكن قبل الادراك العقلي تمتلكها فهنا يكون انتفاء الحاجة المعرفية (البعدية) للعقل التي تجعل من المعارف المستقلة عن العقل قبليا هي التي تقود العقل في أن تكون حقيقتها معارف تمتلك خصائصها الذاتية المكتفية بنفسها التي لا تحتاج العقل معرفتها بل العقل يحتاجها ولا يستطيع ادراكها. وبذا تكون تلك الاشياء لا قيمة معرفية أدراكية عقلية لها فهي اشياء لا تدرك المعنى الحقيقي من ادراكها العقلي لها...

كل معرفة قبلية أو بعديةهي تصنيع عقلي لا تمتلكه الاشياء كمعطى وجودي يلازمها من دون معرفتها العقلية وهذا ما لا ينطبق على التسليم بصحة عبارة أن العقل يستمد معارفه قبليا من الاشياء وليس بعديا لها. يعني ما يدركه العقل بعديا معرفيا يكون هو ما أدركه قبليا معرفيا فيها. فالعقل لا يدرك ما لا قيمة له زائفا غير حقيقي في وجوده ايضا. وفي هذا نتوزع في مفترق طريقين فحقيقة المعرفة القبلية في الاشياء هي الصحيحة تجعل من كل معرفة بعدية عقلية لها زائفة لا معنى لها، وبالعكس اذا أعتبرنا معرفة العقل البعدية عن الاشياء هي المعرفة الصحيحة الحقيقية عندها يكون معنا كل ما هو قبلي معرفي بالاشياء زائفا ولا معنى الاهتمام به. والخروج من هذا المفترق هو أن كل معرفة قبلية مشروطة بمعرفة بعدية لها وكلاهما تصنيع عقلي واحد. وهنا يكون العقل لا يناقض نفسه في ادراكه الشيء قبليا مختلفا عنه بعديا من غير امتلاك العقل طاقة ترابطية تجمعهما بمنطق نسقي نظامي موحد يكون فيه ادراك العقل سليما..

واذا نحن سلمّنا فرضا وجود معرفة قبلية في الاشياء سابقة على بعدية العقل أدراكها، فيكون معنا تحصيل حاصل أن كل معرفة قبلية سابقة على ادراك العقل بعديا أنما هي في جوهرها خبرة متراكمة جرى تنميتها التخليقية بجدلية الادراك العقلي لها وليس في أمتلاك الاشياء لها كمعطى تحصيلي بقواها الذاتية اكتسبتها كخصائص معرفية قبلية خبراتية خارج تداخل العقل الجدلي معرفيا معها..

المعرفة القبلية هي الاضافة الادراكية المستمرة العقلية التجديدية لها بعديا، فقبلية المعرفة المكتسبة كخبرة مخزنّة داخلها هي في حقيقتها خبرة مخزّنة بالذاكرة العقلية، ولا تصبح خاصية تكوينية للاشياء من غيرسابق تداخل جدلي عقلي معها في تخليقها، كل معرفة قبلية تحاول فرض نفسها سابقة على تداخل العقل الجدلي معها تكون بالضرورة لا تمتلك قدرة بناء معرفتها القبلية بخصائص ذاتية لها منفصلة أدراكيا ولم يكن للعقل أسهاما قبليا وبعديا في تخليقها. وهذا ينطبق حتى على الذاكرة التي هي خزّان المعارف المكتسبة كتخليق عقلي تجاربي خبراتي متراكم فيها وليست خصائص ذاتية موجودة فيها سلفا. بمعنى بنك معلومات الذاكرة من المجردات التراكمية المعرفية كخبرات هي حصيلة العقل لا معنى لها بغير الارتباط الدائم به.

القبلي بين الانسان والاشياء

لا يوجد ما هو معرفي قبلي في الاشياء يبني نفسه ذاتيا بقدرات غير مستمدة من جدل العلاقة مع المحيط بتوسيط العقل الذي يجعل ما هو قبلي في الاشياء والمعارف خبرة تراكمية مكتسبة وليست معطى فطريا يحوز ماهية منفردة وصفات خاصة به يجهلها العقل قبليا ليكتشفها بعديا. حتى جواهر الاشياء التي لا يدركها العقل كما يدرك صفات الاشياء الخارجية هي ليست طبيعة قبلية بالاشياء أذا كانت تمتلكها، فالوجود المادي للاشياء يسبق كل صفة ماهوية أو خاصية ذاتية كجوهر. العقل لا يستطيع الجزم بوجود جواهر بالاشياء لا يمكنه ادراكها غير مؤكد وجودها.

لاحاجة نجدها ضرورية تأكيد أن جوهر الانسان بمعنى تحقيق ذاته يقوم على تصنيعه بمتراكم الخبرة المستمدة من الحياة، أما القبلي المعرفي بالاشياء فهو الاخر ليس خارج تصنيع العقل في حقيقته قبل اكتسابه صفة المعرفة القبلية التكوينية في الاشياء، القبلي الذي لا يدركه العقل بالموجودات من الاشياء لا وجود له جوهرا ماهويا متحققا العقل من أدراكه، فالجوهر الماهوي بالاشياء لا وجود له سواء أدركه عقل الانسان أم لم يدركه كون وجود الجوهر غير مؤكد. الجوهر في حقيقته المعرفية هو حدس تخميني افتراضي لوجود لا يحمل وثوقيته كموضوع يدرك . لذا يكون الجوهر والماهية في الاشياء غير موجودة بدلالة العقل الذي لم يسهم تصنيعيا بها من تراكم الخبرات العقلية المكتسبة كما يفعل مع صفات الاشياء وتكويناتها المدركة خارجيا من قبله. ولا يمكن أثبات وجود معرفة قبلية لم يصنعها العقل في مدركاته سوى البناء التكويني الفطري الجيني الموروث في الكائنات الحية وليس في الموجودات غير العاقلة في الحيوان والنبات أو غير الحيّة في الجمادات.

الصفات الجينية الموروثة هي معطى فطري بالولادة لم يكن للعقل دورا في بنائها التكويني ولا في زرعها بالمخلوقات الحيّة ولا بالاشياء. ولو أجرينا تنقيبا حفريا بيولوجيا جينيالوجيا في البحث عن تلك الخصائص النوعية في الكائنات والموجودات لوجدنا في جينالوجيتها البيولوجية خبرة تراكمية مكتسبة قبل أكتسابها صفة التوريث الجيني الفطري وهي صفات مكتسبة من متراكم التجربة التي أستقرت أحقابا تاريخية تلازم الكائن الحي حتى أصبحت بحكم تكرارها الزمني موروثات جينية فطرية بأختلاف جوهري عن الانسان في علاقته مع بناء ذاته وتصنيع ماهيته الجوهرية..الانسان يدرك جوهره الذي هو ماهيته الذاتية التصنيعية لان العقل بانيها وموّكونها. جوهر أو ماهية الانسان هو صيرورة من تراكمات الخبرة البنائية في تكوينه الذاتي غير المنظور وغير الممكن اثباته بالتجربة العلمية.

العقل يدرك ما هو قبلي في الاشياء الصفات التكوينية الخارجية التي هي من أبتداع العقل ذاته في خلعه عليها محتوى وصفات تشكيله لكل معرفة قبلية بالاشياء، وما يكون موجودا قبليا بالاشياء لم يكن من تصنيع العقل يكون هو جواهر وماهيات تلك المدركات القبلية التي لم يقم العقل بتخليقها ولا يوجد ما يؤكد وجودها داخل تكوينات تلك الاشياء من عدمه.

كون الجوهر أو الماهية هي خاصية لايمتلكها الحيوان ولا الاشياء غير العاقلة لا بالفطرة التوريثية ولا بالاكتساب الطبيعي كون الجوهر تخليق ذاتي يعي كينونته الوجودية.. وتصنيع الماهية عند الانسان هي تراكم خبرة لا تسبق وجوده الانطولوجي أنما ترافقه في التكوّين بعديا حتى وصوله نهايته في مرحلة الفناء العدمي بالموت.

جواهر الاشياء غير العاقلة المشكوك بوجودها التي لا يدركها العقل هي ملازمات تلك الاشياء تتصف بالثبات كخصائص محجوبة عن ادراك العقل ولا تجري عليها قابلية التصنيع العقلي الانساني ولا الحيواني لها في متراكم الخبرة، بخلاف جوهر الانسان الذي يتصف بالنمو والتطور المستمر في اكتسابه الخبرة التراكمية بالوعي العقلي النوعي للانسان في سعيه بناء ذاتيته الماهوية التي يكون وجوده سابقا عليها. الجوهر عند الانسان هو تصنيع ذاتي يقوم به العقل الذكي، بينما نجد الحيوان لا يمتلك ذاتا تصنيعية يدركها عقله ولا يدركها عقل الانسان، وسبب ذلك فارق وعي الذات الذكي بين الانسان والحيوان .. الاختلاف بين جوهر الانسان عن جوهر الحيوان وغيره من الكائنات، أن جوهر الانسان هو مايمثل مجموع تصنيع صفاته بنفسه في طفرة مغايرة تدعى الضمير أو الماهية او الذات أو الوعي الذكي، بخلاف الحيوان فجوهره يكون مجمل صفاته البيولوجية الخارجية الثابتة التي تنعدم معها قفزة النوع كضمير ووعي وذكاء وشعور بالزمن. بمعنى صفات الحيوان المدركة خارجيا هي جوهره، بينما صفات الانسان الخارجية المدركة من غيره لا تمثل جوهره المحجوب خلف صفاته.

هل الجوهر مدركا موجودا؟

من الجدير ذكره أن قضية وجود الجوهر في الاشياء الذي لا يدركه العقل أنما هي مسألة خلافية قيد الجدل الفلسفي الذي لم يخرج منها بنتيجة، ولعل أبرز الفلاسفة الناكرين لوجود جوهر الاشياء هو وهيجل ونيتشة والفلسفة الماركسية وديفيد هيوم، أما أبرز مخترعي وجود جواهر الاشياء التي لا يدركها العقل هم كانط وديكارت واقطاب الفلسفة الوجودية هوسرل وهيدجر، باستثناء سارتر الذي أعتبر الجوهر هو ماهية يجري تصنيعها بالخبرة التراكمية المكتسبة من الحياة وليست الماهية أو الجوهر معطى انطولوجي جاهز يلازم الموجود الانسان (بذاته) حسب التسمية التي أطلقها كانط وتداولها هوسرل بالفينامينالوجيا.

سارتر لا يعتبر جوهر الانسان معطيات فطرية يولد الطفل مزودا بها، بل يعتبرها تصنيعا ذاتيا يتطور بمرور حياة الانسان.أي الانسان بجهوده بالحياة وسط مجتمع يحقق ذاته ويبني ماهويته بارادته الحرة المسؤولة..كما يميّز سارتر بين جوهر الانسان وجواهر الاشياء بغض النظر من عدم تاكيد وجودها أو وجودها. فجوهر الانسان صيرورة حياتية يصنعها الوعي الذاتي بفرادة الانسان كموجود.

قبلية المعرفة بين العقل والجسم

من المهم التنبيه كما يعبر توماس ريد أن عمل العقل يشابه عمل الجسم في ميكانيكية أداء وظيفته بمحرك سابق عليه كما يذهب له العديدون. وحسب تحليلنا العبارة نذهب الى أن بيولوجيا وظائف الجسم لا تكون قبلية في أكتسابها الخبرة التي تكون في كل الاحوال مستمدة من العالم الخارجي، فالجسم يفهم ما هو قبلي عليه لا يسبق أمكانية معرفته السطحية له بدلالة العقل الحسّي وليس بدلالة مدخرات الخصائص المعرفية القبلية في الاشياء. كذلك العقل يختلف بأن مجمل ادراكاته ليست مستمدة من قبلية الاشياء معرفيا في سبقها أمكانيته البعدية في تحقيقه تلك المعرفة وجودا أنطولوجيا حيّا بتصورات مضافة جديدة لكل ما هو مدرك قبلي شيئي أو معرفي كموضوع.

أدراك قبلية المعرفة هو نفسه أدراك بعدية المعرفة من حيث الآلية والادراك العقلي لها. ومن غير المعقول أن العقل يدرك المعرفة القبلية بالاشياء بمعزل عن معرفته الادراكية البعدية لها. وفي غير هذا المعنى نذهب نحو الخطأ الذي يرى المعارف القبلية بالاشياء هي التي تزود العقل بما يجب أن يكون هو عليه وليس مايجب أن تكون المعرفة القبلية هي عليه من حيث حقيقة انطولوجيا المواضيع التي يدركها العقل جدليا بعديا لا يكتفي بمعرفتها السطحية كصفات غير قابلة للتخارج الجدلي معها بغية تطويرها.. نؤكد مقولتنا السابقة ليس مهما معرفتنا كيف يدرك العقل الاشياء ونترك تساؤلنا الصحيح لماذا يدرك العقل الاشياء؟

مقولة جورج ريد الصحيحة التي مررنا بها كل مالا يدركه العقل لا يمكن تمرير التسليم به كمعرفة قبلية لا علاقة ادراكية تصنيعية للعقل بها، من حيث أن كل حلقة في منظومة الادراك العقلية هي أدراك حسي تجريدي، فالعقل اذا لم يدرك ما ينطبع بالذهن لا يستبقه ادراك بدئي بما تنقله الحواس من أحساسات عبر الجهاز العصبي وما ينطبع بالذهن يعطي معنى الوعي المرتبط بالعقل ويعطي دلالة الفكر واللغة حول موضوع الادراك في التعبيرعنه، وهذه السلسلة تأخذ معناها الفيزيائي الادراكي من خلال أرتباطها بتفكيرالعقل في تسيّده منظومة الادراك العقلية كاملة..

ودلالة العقل الادراكية الحسّية التجريبية تلغي تماما أن تكون المعرفة هي قبلية مستقلة بذاتها ولا تنقاد للعقل في الادراك والتفسير لها. كل ما هو قبلي غير مدرك لا أهمية يمتلكها ما لم يتوفر عليه ادراك عقلي بعدي على ماهو قبلي في الموجودات هو من صنع العقل في الاشياء. بمعنى أن الاشياء المدركة عقليا لا تمتلك معارفها القبلية من غير مرورها بمصفاة العقل التوليدية لها كصفات بالاشياء وليست جواهرا أو ماهيات سواء في أفتراض تلك الجواهر موجودة أو غير موجودة.. العقل في معرفته الادراكية للشيء أنما يخلع عليه مدركاته الصفاتية الخارجية عنه ولا يزرع الجوهر في باطنه الداخلي.

لا شيء أقرب للعقل من العقل.. ديكارت

هذه العبارة المكتنزة المعنى فلسفيا ترى في كل موجود يحمل قبلية معرفية أو لا يمتلكها لا يمكن تمريره كانطباع ذهني قبل معرفته بدلالة العقل ذاته في تمريره، وهي نفس عبارة جورج ريد التي سبق لنا الاستشهاد بها مع فارق تعبير اللغة.

وما يدركه العقل وما لا يدركه لا يكون بمعزل عن دلالة العقل له في تمريره كموضوع أدراكي.. حتى الاحساسات المنقولة عبر الحواس لا تمتلك جواز مرورها الا بعد ادراك العقل لها، وكذا نفس الحال ينطبق على الاحاسيس التي يستشعرها الانسان استبطانيا جوّانيا عبر أجهزة تكوين الجسم لا يمكنها أن تكون انطباعات ذهنية لتلبية استجابات غريزية لها من غير فلترة العقل أجازة مرورها ويصار تلبية اشباعها كما في شعور الانسان بالعطش او الالم او الرغبة الجنسية أو الجوع أو الافراغ وهكذا. ونفس التعميم مع كل حلقة ترتبط بمنظومة العقل الادراكية. فالوعي هو ادراك عقلي حدسي كونه غير موضوع يدركه العقل، ولا يستمد الوعي قدرته الادراكية من غير تعالقه بالذهن والذاكرة والمخيلة والجهاز العصبي الناقل لتفكير ومخارج العقل، وأخيرا يأتي تعبير الفكر واللغة في خلاصة تعبير العقل عن الاشياء وكل حلقة خارج هذه المنظومة العقلية لا معنى لها بغير دلالة العقل لها أدراكا حدسيا في انتظامها الادراكي وليس ادراكا حسّيا منفصلا كونها حلقات معرفية استدلالية مجردة مهمتها نقل تعبيرات وافصاحات العقل ولا تشكل موضوعات أدراكية متعينة مادية للعقل..

عليه يكون كل موجود معرفي مدرك وغير معرفي لا مدرك هو حالة قلقة في فرضية أمتلاكه معرفة قبلية مدخّرة مستقلة عن بعدية الادراك العقلي لها.. وقبلية المعرفة المستقلة ذاتيا يجعل العقل منها معرفة بعدية لذا لا تمر الانطباعات العقلية بالذهن الا من خلال المرور عبر حاجز الادراك العقلي الذي يكون مصفاة لما يمكن أدراكه من عدمه بما يستقبله من أحاسيس داخلية وأحساسات خارجية. ...

في عبارة ديكارت أقرب شيء للعقل هو العقل تعني لا يمكننا ادراك معرفة قبلية بمعزل عن بعدية تناولها العقلي. وأقرب رقابة على عمل العقل المعرفي الادراكي هو العقل ذاته. وعي العقل لذاته هو وعيه لموضوعه معا. وعي العقل قبلية المعرفة هي الوعي البعدي لها.

كما يشير ارسطو أن المعرفة تتمثل في التطابق مع الشيء المعروف الذي عبّر عنه فلاسفة العرب القدامى مطابقة ما في الاذهان مع مافي الاعيان. رغم أن تعبير ارسطو وقدماء الفلاسفة العرب لمعنى التطابق الادراكي مع الاشياء كما في العبارة السابقة هو فهم سطحي لا يحمل أكثر من دلالة حسيّة مباشرة في مطابقة دلالة المنطوق أو المعبّر عنه باللغة مع المدلول الشيئي الذي يعنيه ويقصده..

المهم ما نستقرؤه من فهم التطابق عند ارسطو أن كل مدرك معرفي تتوقف حقيقته الوجودية في تطابق العقل له كشيء معروف أي كموجود انطولوجيا في عالم الاشياء الخارجي... ولم يتطرق ارسطو لمصطلح المعرفة القبلية التي هي مقولة أبستمولوجية مستحدثة عصريا بالفلسفة أنوجدت مع كانط... والحقيقة التي لم يتطرق لها ارسطو ولا فلاسفة العرب القدامى أن مصطلح تطابق العقل مع الوجود الانطولوجي للاشياء ليس كفيلا أعطاء المعرفة الحسية حقيقيتها الخاصة بها. ، أنما هو تعبيرناقص ليس دقيقا فالعقل صحيح يعطي مدركاته حقيقتها الانطولوجية في تطابقه الشيئي معها ، لكن العقل لا يدرك الاشياء في قصدية التطابق الساكن معها لتعيين وجودها الانطولوجي الذي يتطابق فيه الفكر الادراكي الذهني مع الشيءالمتعين انطولوجيا فقط... بل في تخليقها العقلي الجدلي من جديد باضافات معرفية عليها صادرة عنه وبغير هذا الفهم لا يبقى قيمة لا للعقل ولا للاشياء المدركة اذا كانت مهمة التطابق تنحصر بين تكامل العقل مع الشيء بعلاقة ليست تخارجية جدلية تجعل فكر العقل والوجود يتطوران بديالكتيك من العلاقة المتبادلة المتطورة بينهما.. الادراك العقلي للاشياء هو تخليق أنبعاثي تجديدي جدلي غير ساكن لها ومعها. وبمقدار تحقق الادراك العقلي للاشياء يجعل كلاهما يتطوران جدليا كفكر تجريدي معبّر عن الشيء، والشيء كموجود انطولوجي أدركه العقل بالتغييروليس في قصدية المطابقة معه بما يمنحه وجوده الحسّي فقط. .

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..........................

الهوامش:

1- ريتشارد رورتي /الفلسفة ومرآة الطبيعة/ ت :د.حيدر حاج اسماعيل ص 212

2- المصدر اعلاه ص 218

 

 

علي محمد اليوسفربما يبدو غريبا القول لاول وهلة أن العشوائية التطورية لموجودات وظواهر العالم بنا ومن حولنا جدليا ماديا لا تأخذ لا بالحتمية التطورية، ولا بالقصدية، ولا بأهمية عامل الصدف المتتالية التي تحكم أبسط وأعقد ظاهرة في عالمنا الذي نعيشه على كافة الصعد والتنوعات الظاهرية العلنية والمستترة الخفية التي يتشكل منها عالمنا الارضي. وهذه النظرية يتشاركها المنهجين المادي والمثالي معا.

والمادية تلزم الصدف بالضرورة التطورية التي هي تقاطع قائم على كل انتظام يقود الى قصد تطوري مستقبلي هادف بعيدا عن حقيقة أن حركة المادة وحركة التاريخ تحكمهما العشوائية والصدف التي تقّر به الماركسية جدليا كما يتوضح معنا لاحقا. وهو نفس المذهب المثالي الذي يرى أن العالم لا يحكمه قوانين تطور المادة الجدلي بل يحكمه تطور الفكر أو الوعي في الاسبقية وتحكمه قوانين الطبيعة الثابتة وغير ذلك من عوامل لا يمكن التحقق منه وتلتقي المادية في عشوائية التطور.

وحركة كل شيء ندركه أنما هو سلسلة لا تنتهي من عشوائيات أعتباطية لا تروم تحقيق هدف قصدي تسعى اليه محكوم بقوانين طبيعية غير جدلية هي الاخرى تفقد السيطرة على انتظام التطور الذي هو في حصيلته انواع من العشوائيات والتوترات والصراعات المتناقضة الاهداف والاساليب.. هنا علينا التمييز بين الوعي الذي يلزم عنه أن يكون قصديا بالضرورة الادراكية، وبين حركة التطور العشوائية في المادة التي لا يلزم عنها ضرورة قصدية تروم وصولها مسبقا.

من المسلمّات التي كنا نتصورها حقيقة مطلقة أن الصراع المادي الجدلي هو الذي يستحدث الظاهرة الجديدة بكيفية مغايرة عن سابقتها بمحكومية الجدل بقوانين ديالكتيكية تحكم المادة كما تحكم التاريخ(المادية التاريخية) وهي قوانين وحدة صراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف نوعي، وقانون نفي النفي للظاهرة المستحدثة بأستمرار مخلية طريقها أمام جدل ديالكتيكي جديد يعتمل داخله تناقض بين ما يطلق عليه سلب وايجاب لا يتوقف ألا بازالة الموجب ضده السالب الذي يمثّل القديم بالظاهرة في منعها من الانحلال التطوري في أنهاء أنحلال ظاهرة قديمة يستبدلها قانون الجدل بظاهرة أخرى مستحدثة جديدة تنبثق عنها تعقبها وتليها. هذا على الاقل الجدل بصيغته التي بدأت كلاسيكيا بهيجل وأنتهت مستقرة بماركس.

وبهذه المنهجية التطورية تحدث التغيرات التي تتم بمعزل عن أرادة الانسان أو تدخله فيها الا في حال أتيحت الفرصة أمام الارادة التداخل مع الجدل كعوامل موضوعية مساعدة تدخل على عملية تسريع الصراع والتضاد الداخلي بما يحسم التناقض في ولادة الجديد المتطور. وهنا يكون دور الارادة الانسانية فقط في تداخلها مع جدل التناقض الاجتماعي في تطور التاريخ على صعيد التفاوت الطبقي وليس على صعيد جدل الصراع في المادة غير الحيّة. حيث في جدل المادة داخليا نجد العوامل الموضوعية المساعدة لتفعيل صراع التضاد فيها هي الظروف الخارجية وليس الارادة الانسانية.

النقد المثالي الذي يتناول الجدل المادي بالنقد المنهجي الايديولوجي - الفلسفي أن ولادة الظاهرة الجدلية الجديدة ليس شرطا أن يلازمها تطورا متقدما في تلك الظاهرة كما يذهب له الجدل المادي، بمعنى ليست هناك قصدية هادفة ملزمة تجعل كل ما ينبثق عن جدل متضاد بين سلب وايجاب يحقق هدفا مرسوما سلفا يعمل الجدل تحققه ويتخلق عن صراع الاضداد فيه، بمقدار ما تكون الظاهرة المستحدثة الناتجة عن الجدل يتخلق عنها ظاهرة أخرى تطبعها العشوائية والتشتت والتوترات المتضادة والصراعات والصدف كما كانت في الظاهرة القديمة التي سبقتها دونما تحقيقها تطورا جديدا..

ولا يجزم حسب المنظور المنهجي المثالي أن يتخلق عن ديالكتيك المادي الجدلي بالضرورة حدوث طفرة نوعية متقدمة في تطور خطّي تاريخي الى أمام.. الجدل المادي الكلاسيكي في المادية التاريخية يذهب الى أن صراع أضداد مرحلة تاريخية معينة يحتم بالضرورة أنبثاق حالة جديدة متطورة لاحقة تاركة القديم وراءها كحتمية تلازم كل تطور جدلي. والجديد المستحدث جدليا ليس عشوائيا تحكمه الصراعات والتوترات والتناقضات التي تعمل على استحداث انواع عديدة من الظواهر والحالات غير التطورية في تحقيقها الجديد الذي من المفترض المأمول لا تربطه بالقديم الذي انتهى نفس العشوائية غير المنضبطة.. بمعنى الجدل المادي لا ينبثق عنه بالضروة نقلة تطورية تراكمية وليست نوعية مستقرة لا تستهدفها الصدف ولا تتناوشها العشوائية من كل حدب وصوب كم هو الحال في الظاهرة القديمة قبل تفعيل الجدل الديالكتيكي فيها.

لو نحن تماشينا مع هذا المعنى غير التطوري المادي التقليدي بأعتباره منهجا علميا أجتماعيا صحيحا فهو يكون بالضرورة ملبيا اربع مواصفات تجريبية في تطور الظاهرة، هي عدم العشوائية، والزامية الحتمية، وتحقق القصدية،والغاء الصدف، في بلوغ الهدف المرسوم المطلوب سلفا، هذه الميزات هي ليست قوانين منهجية ديالكتيكية ولا هي نواتج فاعلية عمل قوانين طبيعية مثالية في تحقيق التقدم التطوري بالحياة. التي تنبثق عن أي جدل مادي يتقدم الى أمام بنقلات على طريق تحقيق الطفرة النوعية التي هي نقلة تكون حصيلة انتقالات جدلية متعاقبة على طول مسار تاريخي طويل من التراكم التطوري الكمّي. بمعنى الجدل لا يحقق طفرات نوعية مصاحبة لكل ظاهرة جدلية الا بعد المرور بمراحل عديدة من جدل الانتقالات والتحولات التطورية المتصارعة التي تقوم على الكم التراكمي وليس على الكيف(النوع) كطفرة الا بعد وصول التراكم الكمّي ذروته في الانتقال الى نوع وكيفية أخرى مستحدثة جديدة.،.

أصبح الاعتقاد اليوم ليس هناك حتمية تاريخية طبيعية تلزم الجدل الديالكتيكي بقصدية هادفة بوجوب وصوله لها وتحققها في الظاهرة المستحدثة على صعيدي المادة والمجتمع، وهو ما يمثل نفس المنحى المثالي الذي يقر بعشوائية التطور وينكر الجدل المادي أن يكون هو المنهج الطبيعي الذي يعتبر المادة او الواقع تقود الفكر وتطويعه لها وهذا هو المنهج المثالي تماما الذي يعزو التحولات التطورية في الحياة برمتها تقوم بها قوانين طبيعية وليست جدلية لا يتاح للانسان التدّخل بها والتحكم بها، ولا وجود لقوانين جدلية مستقلة تقود الى تطورات حتمية تسمى قفزات نوعية. وكل تطور لا يكون نظاميا خاليا من العشوائية غير المنضبطة سواء تم بمنهج جدلي مادي أو بمنهج قوانين غير جدلية طبيعية.. فالنتيجة تكون واحدة على صعيد عدم حصول تطور نوعي في الظاهرة المستحدثة الجديدة التي أنبثقت عن القديم.

من المفارقات الغريبة أنه بمقدار عدم أنكار الماركسية للصدف العشوائية التي تحكم عالمنا في تطوره التاريخي الذي هو في حقيقته نفسها التي تنكرها الفلسفة المثالية ايضا ولا تقر بها أن الصدف التي تقاطع التطور على صعيدي المادة والتاريخ هي سلسلة من العشوائيات المتكررة المتوالية التي لا يحكمها ترابط سببي يقودها تحقيق قصدية هادفة مرسومة سلفا. كما لا توجد هناك ضرورة الزامية ترافق الصدف وصراع الاضداد في تحقيقها قفزات تطورية نوعية.

بمعنى أن الجدل المادي أصبح اليوم لا يلغي عشوائية المسار التطوري ولا يأخذ بالحتمية الالزامية الضرورية وهو مالا تنكره المادية الماركسية اليوم بعد أن كان من محرمات التحريف للمنهج المادي في التطور. وكذلك لا ينكرهذا التوجه المنهج المثالي الذي ينكر على المنهج الجدلي هو قانون التطور الذي لا بديل عنه، فكل جديد ينبثق من رحم القديم لا يحمل نظامية وقصدية هادفة يحققها التطور بل يتخلق عن الجدل وقوانين الطبيعة ظواهر مستحدثة يشوبها ايضا العشوائية والصدف والصراعات والتوترات والصراعات الاختلافية غير المنضبطة لتبدأ مرحلة جديدة من نشدان التغيير والتبديل وهكذا..أذن كيف يحصل التطور في الاشياء على صعيد المادة من جهة وعلى صعيد المادية التاريخية من جهة اخرى.؟ .

كيف يتطور العالم من حولنا؟

السؤال ماهي الاسباب التي تجعل المادية التاريخية بحسب الفهم الماركسي تقود التاريخ في مراحله التطورية الى أمام بمنهج خطّي منتظم لا تعرقله الصدف ولا عشوائية المسارولا حتمية موهومة تحقق الهدف التطوري المنشود؟ هل ما يحصل من تطور في عالمنا عشوائيا سواء يحكمه الجدل المادي أم لا يحكمه حسب المنهج المثالي ويصادر ارادة الانسان فيه التي تساير وتعمل بكل جهد على تسريع التطور الحاصل بالحياة كعامل موضوعي مساعد لا ينتج عنه نقلة تجديدية نحو الامام؟ بمعنى بأية أسباب ولا نقول بأية قوانين يحصل التطور بالحياة والتاريخ في ظل تعطيل كل من قوانين الجدل المادي وقوانين الطبيعة المثالي التي يلتقيان عندها المنهجين المادي والمثالي،في قراءتهما التنظيرية المتباينة حصول التطور في تفسيرهما الاختلافي.؟ بمعنى أن التطور بالمادة والحياة والتاريخ هي مراحل من العشوائية غير المنضبطة بقواني تحكمها، والتي تقع على مهمة الارادة الانسانية تصحيحها ووضعها ضمن المسار التطوري الصحيح الذي يخدم تطلعات الانسان بالحياة ولا يقاطعها بالصراعات العبثية العشوائية.

من المعلوم في حال أقرارنا الجدل المادي هو عشوائية من المسار التاريخي اللاحتمي الذي لا تحكمه قصدية ذاتية، من الممكن تعويضها بالعامل الموضوعي ارادة الانسان الذي يساعد التضاد الداخلي الجدلي أن يتطور أسرع بما يخدم الارادة الانسانية في تحقيق الهدف المنشود من عملية التطور التي تحضر الارادة بصفة عامل موضوعي خارجي مساعد في تسريع التناقض الجدلي الداخلي وليس عاملا يتداخل مع القوانين التي تحكم التطور. ارادة الانسان في محاولة تسريع حصول هدف التطور لا تكون قانونا يحكم التضاد والصراع في انتاج وتخليق الظاهرة التجديدية المطلوبة. فهذه مهمة قوانين تطورية داخلية مادية أو غير مادية طبيعية ليس بمقدور الارادة الانسانية التداخل معها وتوجيهها بما ترغبه. التطور بالاشياء يوازي ارادة الانسان بالتغيير في استقلالية ولا تكون هي سببا في حصول التطور.

بهذا المعنى تبقى الارادة الانسانية هي عامل تسريع موضوعي خارجي يوازي القوانين التطورية ولا يتمكن من التحكم بها والسيطرة عيها. عليه يكون ناتج أي تطور بالمادة أو التاريخ لا يلبي رغبة الانسان كما يريد، لذا نجد كل القوانين التطورية المتفق عليها سواء أكانت جدلية مادية أم قوانين طبيعية لا جدلية مادية لا ينتج عنها بالضرورة حالة تطورية خالية من العشوائية والتضاد المستمر والصراع والتوترات التي لا تختلف كثيرا عما سبق لهذه المرحلة التطورية الجديدة أن غادرته.

وهذا التوصيف المنهجي المادي ترفضه المثالية التي تعتبر تجريبية الافكار وامتحانها يجعل من التصورات النظرية صادقة صحيحة أم زائفة لا معنى لها. بالاضافة الى أن الارادة الانسانية لا تكون عاملا مساعدا في تسريع التضاد والصراع الداخلي الا فقط على صعيد تطور المراحل التاريخية أجتماعيا على مستوى صراع الطبقات الاجتماعية وليس على صعيد ديالكتيك المادة غير الحية التي يكون تضاد الجدل التحوّلي فيها خاصية ذاتية لا يمكن للانسان المداخلة معها..

يبدو غريبا أن الماديين الماركسيين ( ينكرون الحتمية التطورية ويستبعدون الصدفة أيضا، ويتبنون عوض ذلك التطور الذي تحكمه قوانين لها سيطرة كاملة على مجموع صيرورة الكل).1، دونما توضيح ماهي تلك القوانين المقصود بها غير قوانين الجدل الماركسي وهذا تناقض مبدئي في النظرية الماركسية بخصوص نظرية الجدل التطوري.. هذا يقودنا تأكيد أن الجدل لا يقود الى تطور خطي ملزم لتقدم التاريخ الى أمام على وفق المبدأ الكلاسيكي صراع الاضداد الطبقي الذي تتبناه المادية التاريخية. ولا يحقق للمثالية البديل الذي تعتمده في أنكارها قوانين الديالكتيك الذي يقود الى تطور مرسوم الاهداف والغايات سلفا.

بمعنى أشمل ليس هناك قوانين تطورية من أي نوع تكون سببا ومنهجا في تطور الحياة على صعيدي المادة والتاريخ. وكل ظاهرة عشوائية مستحدثة تقوم الارادة الانسانية تصحيحيها في وضعها ضمن بنية نسقية تصنعها مصلحة الانسان وتحسين ظروف معيشته وحياته وليس هناك قوانين تطور ذاتية مادية وغير مادية طبيعية.

القوانين العامة والتطور

ما هي القوانين العامة التي تحكم صيرورة الكل التطورية بدلا من قوانين الجدل الديالكتيكي؟ في غياب جدوى قوانين الديالكتيك التطوري وفي غياب جدوى تساؤل ماهي القوانين العامة التي لها سيطرة كاملة على الكل ولا نعرف ماهي ولا نعرف مصدرها،؟ الا اذا تقاطعنا مع التفكير المادي بتطرف وتضاد غير مألوف ولا مسموح به أطلاقا أن نقول القوانين الطبيعية التي تحكم العالم وكل الوجود من حولنا هي قوانين مصدرها ميتافيزيقي هو الله ولا دخل لااردة الانسان بحدوثها.

وهذه القوانين التطورية التي نجهلها هي تشبه القوانين الطبيعية العامة التي تحكم  الطبيعة في ثباتها النظامي. وعندما نقول قوانين طبيعية ثابتة أنما المقصود بها تلك القوانين الكونية مثل قانون الجاذبية والزمان وقوانين الفيزياء في حركة الارض وعلاقتها بالمنظومة الشمسية التي تحكم سيطرتها على الطبيعة، وتعالقها بقوانين طبيعية سواء أكانت متغيرة تطورية غير مكتشفة للانسان تقود نحو التطور غير الغائي كون الطبيعة وقوانينها المتعالقة بها لا تمتلك وعيا بذاتها ولا وعيا بالموجودات التكوينية لها المتعايشة مع بعضها كما ولا تمتلك عقلا تفكيريا يتحكم بمسار وعمل تلك القوانين التي تحكم الطبيعة واشيائها..أو كانت قوانين تحكم نفسها كموجودات في الطبيعة ثابتة ساكنة لا تتطور بخصائصها الذاتية التكوينية لها مثل الجمادات.

وهذا الاستنتاج الذي ذهبنا له يقاطع كلا من المنهج المادي والمنهج المثالي على السواء في عجزهما توضيح ما هي الاسباب وما هي الكيفية التي يتطور بها العالم بموجوداته المادية والتاريخ من حولنا. اذا قلنا أن الارادة الانسانية هي صمام الامان في تنظيم حركة التاريخ العشوائية فهو ليس كافيا، من غير وجود عوامل خفيّة تفعل فعلها التطوري داخليا تحكم المادة والظواهر الاجتماعية بدفع موضوعي مساعد خارجي هو الارادة الانسانية أو الظروف الموضوعية. الارادة الانسانية تدخل كعامل موضوعي مساعد في تسريع تضاد جدلي قائم داخليا في المادة أو في الظاهرة، بمعنى الارادة لا تخلق صراع الجدل بالاشياء وأنما تقوم تهيئة ظروف تسريعية مؤاتية في تفعيلها الجدل الذي يعتمل داخليا في صراع مستدام داخل ظاهرة مجتمعية يتوجب تغييرها نحو الافضل أو في مادة. بهذا الخصوص يطرح الماديون لا شيء يبقى خالدا بأستثناء حركة المادة، من حيث هي مادة تحمل قوانين تحولها أنها لا تفنى ولا تستحدث نفسها من عدم لكنها تبقى مادة تحكمها حركة مستمرة دائبة تتغير وتتطور.

الوعي المادي

تعتبر المادية الماركسية ( الوعي أو العقل ماهو الا ظاهرة تابعة، هو نسخة انعكاس صورة فوتغرافية للمادة حسب تعبير لينين، كما لا يعترفون بوعي لا يرتبط فيزيائيا بجسم لذا فالمادة هي الاصل وتبقى المعطى الاول، أما العقل أو الوعي ليس هو الذي يحكم المادة ويقودها، وأنما المادة هي التي تحكم الوعي وتوجهه، وبذا يكون علم النفس الماركسي علم مادي وحتمي معا.)2

ولنا المداخلات التوضيحية والنقدية التالية:

- الوعي ليس هو العقل كما ورد التعبير عنه في العبارة، كما ولا ينوب الوعي عن العقل في مهامه البيولوجية والتفكيرية، من حيث أن العقل (مادة) بيولوجية هي الدماغ ومحتوياته العضوية مصدر تفكير العقل وعنه يأخذ الوعي صفة التفكير، والوعي ليس مادة رغم حقيقته أنه نتاج تفكير الدماغ المادي، والوعي هو نسخة كاربونية من تفكير العقل التجريدي، لكنما يبقى الفرق بينهما لا يقبل الخطأ على صعيد أختلاف البيولوجيا بينهما.

- صحيح المادة وجود يسبق الفكر والوعي والعقل، فالمادة وجود مستقل بالعالم الخارجي، لكن فاعلية أسبقية المادة على الوعي والفكر لا يمنحها تفويضا بوصايتها أنها هي تقود الفكر والعقل وليس العكس، المادة كوجود مستقل هي مصدر الفكرلا نقاش على صحتها، لكن الفكر هو الذي يقود المادة وليس هو يختلقها وجودا ويتحكم بها. كما لا سلطة مهيمنة للمادة على الفكر. كون الفكر ناتج مصدر عقلي مفكر، بينما تكون المادة معطى موجودي لا عقل ذاتي له يتحكم بوجوده ويتحكم بعلاقاته مع غيره من الموجودات في المحيط والعالم الخارجي والطبيعة.

- المادة هي واقع مستقل خارج ادراك العقل لها ولا تعي ذاتها ولا تعي الانسان، لكن المادة لا تصنع العقل كموجود تابع لها. فالعقل بتعريفه البايولوجي هو مادة ايضا وليس تفكيرا مجردا فقط عن عضويته في الجسم كدماغ بما يحتويه من مكونات هي الاخرى عضوية مثل المخ والمخيخ والنخاع المستطيل وشبكة الجملة العصبية. ولا ترتبط المادة بالعقل سوى بالادراك من جانب واحد هو ادراك العقل للمادة وليس ادراك المادة للعقل فالمادة والطبيعة لا تدرك الاشياء.

- المادة بمقدار ماهي مصدر انعكاس الفكر عنها، لكنها عاجزة عن قيادة الفكر والوعي والعقل. كون العقل مادة مفكرة واعية ذكية تعي ذاتها وتعي الموجودات وعالم الاشياء والظواهر من حولها. بخلاف المادة غير الحيّة التي لا تمتلك عقلا ولا تعي تكويناتها ولا المحيط ولا تعي علاقتها بالانسان.

- عليه يكون العقل هو وعي مادي يقود المادة ومواضيع تفكيره ولا ينقاد لها وتقوده هي كمواضيع ادركها العقل، والمادة التي لا تمتلك عقلا أنما هي تكون مصدر أنعكاس أفكار الادراك العقلي لها، لكنها لا تعي ذاتها ولا تعي المحيط كما لا تعي علاقة الارتباط الادراكي لها بالعقل الانساني.

- ويعتبر الماديون الماركسيون المادة غير العاقلة غير العضوية تخضع لقوانين ميكانيكية – قوانين فيزيائية ثابتة تجريبية علميا – لا تخضع لها المادة الحية التي تحكمها قوانين حتمية وسببية جدلية. 3

في أسطر سابقة كنا اشرنا الى أن جدل الديالكتيك قد تكتسب الحتمية والسببية في التنظير الايديولوجي المادي الماركسي، لكن يجد غالبية المفكرين المثاليين أن الحتمية والسببية هما من القوانين الطبيعية التجريبية التي تدرك عقليا تجريبيا، وليسا من قوانين الجدل التي تعتمل داخل المادة أو بين صراع الطبقات بما لا يخضع للادراك المباشر التجريبي كما هو الحال في تجارب القوانين العلمية الثابتة. لا توجد قوانين جاهزة تقود الصراع الطبقي كما نجده في قوانين التجارب العلمية.

عشوائية التطور

من الغريب أن نجد الجدل الماركسي يذهب الى( أن العالم ليس له هدف ولا معنى اذا اردنا الدقة في التعبير، وهو يتطور على غير هدى تطورا أعمى خاضعا لقوانينه الدائمية الثابتة، ولا يوجد شيء ثابت لا يخضع للتطور الجدلي، وليس هناك ماهو خالد باق الى الابد سوى المادة ).4

كنا ذهبنا في أسطر سابقة أن الجدل الماركسي هو تطور خطي أفقي يحكم التاريخ قصديا وليس عشوائيا أعمى بخلاف القوانين الطبيعية التي تحكم التطور بلا هدف وقصد مسبق، كما وتلزم قوانين الجدل الفاعلة فيه الظاهرة التطورية المستحدثة كناتج جدلي أنها عملية تجاوز للقديم الذي انبثقت من رحم الصراع المتضاد داخل القديم الذي أستولدها.

السؤال الذي لابد منه مالفرق بين قوانين الديالكتيك التي تحكم المادة والتاريخ بضمنه الحياة التي نعيشها التي يقول بها الماركسيون حين يجدون التطور الحاصل ناتجها، وبين القوانين الطبيعية التي تقول بها الفلسفات المثالية هي تحكم التطور؟ اذا أخذنا بضوء ما طرحناه سابقا أن كل تطور حاصل بأي شكل من اشكال قوانين الطبيعة أو قوانين الجدل كلاهما يلتقيان بنتيجة واحدة هي أن التطور الحاصل على كافة الصعد والمستويات هو تطور عشوائي أعمى لا يحكمه هدف معين سلفا يروم الوصول له وتحقيقه...أذن بأي المعيارين المنهجيين نرجّح قوانين التطور الجدلي على قوانين الطبيعة في انتهائهم الى حصيلة واحدة يلتقيان بها أن ما ينبثق عن التطور هو حالة من العشوائية واللامعنى على صعيدي المادة والحياة؟ ومن له القدرة وبأية وسيلة يخلع نظام التطور العشوائي في جعله نظاميا يتقدم دوما الى أمام بدلا من استهداف التشتيت الفوضوي له؟ هل هي ارادة الانسان أم شيئا آخريجعل من عشوائية ناتج التطور نظاما يقود الى أستحداث أنماط تطورية جديدة؟

اذا ما ذهبنا الى أن المادة هي الموجود الوحيد الخالد الذي لا يفنى في وجوده كطبيعة ازلية تحكمها قوانين طبيعية ثابتة لا تخضع لمنهج التطور الجدلي، ولا لقوانين وضعية يستطيع الانسان خلقها بالسيطرة عليها، فالمحصلة اننا نجد انفسنا أمام حقيقة أنه ليس هناك تطور يناقض ويقاطع قوانين الطبيعة الثابتة التي تتحكم بكل شيء، كما لا تخضع لقوانين الجدل الذي يقود الى عشوائية تطورية، وان نظريات المنهج المادي والمنهج المثالي عاجزين عن أحكام السيطرة على نواتج أي تطور عشوائي يصبح معنا.. أن لغز التطور الذي يحكم الحياة المادة والتاريخ أمر مشكوك في حدوثه وحصوله بغياب تحقيق نتائجه في التطور المنتظم غير العشوائي.

المادية والميتافيزيقا

يرى الماديون الجدليون أن العالم الارضي الذي نعيشه وحدة كلية هي الحقيقة الوحيدة ولا شيء خارجها. أي كل ما يتعلق بقضايا الميتافيزيقا وسردية الدين منها على وجه التحديد لا علاقة تربطها بهذا العالم المادي المتجانس في جوهره الذي تحكمه قوانين محكمة داخلية كوجود قائم بذاته هو مجمل الطبيعة التي تحكمها القوانين الطبيعية الخاصة بها، ولا يدرك التطور بدلالة ماقبله ولا يمكننا تفسير ظواهره بدلالة مابعده خارجيا.

والقوانين العامة التي تحكمه في علاقاته الداخلية بما يحتويه من موجودات هي قوانين مستمدة من حركة محتوياته المستمدة من طبيعته التكوينية. وكل الاشياء خارج موجودية هذا العالم لا قيمة حقيقية لها وليست جديرة بالاهتمام. لكن الاستثناء الذي يمكن تثبيته وعدم مجاوزته، أن هذا العالم رغم أستقلاليته التامة ألا أنه جزء من عالم كوزمولوجي يؤثر به، فمثلا ارتفاع درجة الحرارة على الارض وتعالقها السببي بالكوزمولوجيا فيزيائيا لا يمكن التغافل عنه. كذلك العديد من القوانين الفيزيائية مثل قانون الجاذبية وقانون تعالق الزمان والمكان وقوانين الكهرومغناطيسية التي لا يمكن انفكاك تأثيرها على العالم الارضي . .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- ا.م. بوشنسكي /الفلسفة الاوربية المعاصرة /ت:عزت قرني ص 97

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 96

4- نفسه ص 96

 

 

 

عبد الجبار الرفاعي

اللغةُ كائنٌ تنطبق عليه القوانينُ التي يخضع لها كلُّ كائن حي،كلُّ كائن حي لا ينمو ويتطور يتحجر ويموت. اللغةُ كائنٌ اجتماعي حقيقتُه التغيّر والتحوّل. اللغةُ الحيّة ذاتُ ديناميكية داخلية، تولد فيها كلماتٌ جديدة وتندثر أخرى، تبعًا لديناميكية التطور الحضاري للمجتمع الناطق بها، لذلك تواصل كلماتُها باستمرار الولادةَ والنموَّ والشيخوخةَ والمرضَ والموت، وتبعًا لذلك تتجدّد أساليبُها البيانية، وطرائقُ التحدث بها.

كلُّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد، لا يمكن إهمالُ تلك القواعد كليا في التحدث والكتابة، قواعدُ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة من البيئة اللغوية، وسهلةُ التعلم والإتقان. قواعدُ اللغة العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعّبة، تتنوّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل ومن تأخر عنهم. قواعدُها صعبةُ الإتقان للمتخصّص، إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها ثم تدريسها ولا يتقنها أحيانًا، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يخصّص سنواتٍ لتعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بها من أبنائها. هذه مشكلةٌ مزمنة يعيشها الناطقون بالعربية، تدعونا لتيسير قواعد النطق بهذه اللغة.

استبدّت مقولةُ "الفصاحة" و"الإعراب" بالعربية، وتحولت "الفصاحةُ" و"الإعراب" بمرور الزمن إلى سلطةٍ صارمة، أعاقت الديناميكيةَ الذاتية لتحديث اللغة لنفسها، ومنعت اللغويين من تيسير قواعد النطق بها، بالشكل الذي يتمكن معه المتحدّث بها من مراعاتها بسهولة، ويتبادر إليه إعرابُها بعفوية يرثها من بيئته اللغوية، بلا تَعَلَّم وإتْقَان وتخصّص.

‏ مشكلةُ العربية تشبّعها بهالة المقدّس، بوصفها لغةَ القرآن الكريم والنصوص والتراث الديني، واستحواذ المدارسُ الدينية على تعليمها بالتدريج، وأفضى ذلك إلى أن يتولى حمايتَها رجالُ الدين ففرضوا سلطتَهم وسطوتَهم، إلى درجة صارت أيّةُ دعوة لإعادة النظر في قواعدها وأساليبها وتحديثها كأنها عدوانٌ على مقدّس.

يقول علي الطنطاوى: "أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كلّ مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولايقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول"[1].

حضرتُ مناقشةَ دكتوراه قبل عشر سنوات في تخصّص اللغة العربية، كان المناقشون خمسةَ أساتذة يحملون لقبَ أستاذ دكتور باللغة العربية، جلستُ نصفَ ساعة فخرجتُ لكثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم. عندما خرجتُ رأيتُ أحدَ المؤلفين المحقّقين المعروفين غادر القاعةَ قبلي، كان متذمرًا جدًا لفرط انزعاجه من أحد المناقشين الذي ماتت حروفُ الجرّ في حديثه وتعطلت وظيفتُها على لسانه.

لا يعود ذلك فقط إلى: تقصيرِ المعلمين في تعليمِ اللغة ونحوها، أو إهمالِ وعدمِ جدّية المتعلمين، أو ضعفِ وإخفاقِ المقرّرات الدراسية، بل يعود أيضًا إلى مشاكل بنيوية عميقة في تكوين وتدوين النحو، ومعاجم اللغة، وتسلّطِ الفصحى والنحو، وشحّةِ المراجعات النقدية للتراث المعجمي والنحوي للعربية، وعدمِ الانفتاح على المكاسب العلمية الحديثة في اللغة، ورؤية الآفاق المضيئة للألسنيات ومناهجها وأدواتها ومعطياتها الفائقة الأهمية، المتفاعلة بعمق مع الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم.

اعترف بعجزي عن إتقان النحو، ‏مع أني درسته عدةَ سنوات، فمضافًا إلى دراستي للنحو في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، درّستُ في الحوزة هذه الكتب: قطر الندى وبلّ الصدى، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وشيئًا من شرح ابن الناظم لألفية ابن مالك، الذي تتلمذتُ فيه على يد العلامة اللغوي المرحوم رؤوف جمال الدين في الحوزة. سرق من عمري تَعَلّمُ الصرف والنحو والإعراب والبلاغة عدة سنوات، تَعَلَّمته على يد شيوخ متمرّسين في تدريسه، ثم دَرَّستُه لمجموعة من التلامذة في مرحلة مبكرة من حياتي، لكني أخفقتُ في إتْقَانِه بدقة، والتخلصِ نهائيًا من أية أخطاء نحوية في الحديث والكتابة، ومازلت حتى اليوم أعود لمحرّر ٍكي يدقّقَ ما لا أتنبه إليه من أخطاء. وطالما تورطتُ في جدال، غالبًا ما يكون عقيمًا، لأن مَنْ يحرّر نصوصي يرفضُ بشدة استعمالي الجديد للكلمات، الذي لم يتداوله البدوي قبلَ تدوين المعاجم، وكأن اللغةَ وُلدت على لسان العربي الأول مكتملةً مقفلةً، أو مصابةً بعقم أبدي، وكأن توليدَ الاستعمال الجديد للكلمة خطيئة.

‏   كَبَّلت الفصاحةُ والإعرابُ العربيةَ وعطّلتها عن تجديد أساليبها البيانية قرونًا طويلة، إلى أن فرضَ العصرُ الحديث على المتحدّثين والكتّاب التناغمَ مع إيقاعِ التطور الحضاري، والانفتاحَ على التراكمِ المعرفي الواسع في مختلف العلوم البشرية، والإفادةَ من المكاسبِ المهمة في علوم اللغة واللسانيات، وما تتطلبه كلُّ لغةٍ تريد لنفسها مواكبةَ الحياة، وتلبيةَ احتياجات الناطق بها للحضورِ في زمانه وعصره، من الاغتناءِ بنتائج هذه العلوم ومكاسبها وأدواتها ومناهجها.

تمرّدت اللهجاتُ العربية على "الفصاحة" و"الإعراب"، وابتعدت بالتدريج عن العربية الفصيحة، ولم تأسرها قواعدُ النحو، بعد أن اتخذت لنفسِها مساراتٍ تستجيب لاختلاف المجتمعات، وتنوّعِ ثقافاتها، وظروفِ معاشها المتعدّدة، فصار كلُّ بلدٍ يتحدّث لهجَته الخاصة، وما فرضته متطلباتُ التواصل داخل عالَمه الخاص والعالَم من حوله.

اللهجةُ احتلت موقعَ اللغة الأم، قواعدُ اللهجة وأساليبُها البيانية ونظامُها التركيبي والصرفي والصوتي والدلالي لا تتطابق كليًا وأنظمة العربية الفصحى. وتيرةُ تطور اللهجة متسارعةٌ، حتى أن مدينةً مثل بغداد تتبدّل لهجتُها في قرن واحد بشكل كبير، لهجتُها في النصف الأول من القرن العشرين تختلفُ عن لهجتها في نهاية نصفه الثاني. اللهجةُ محكومةٌ بتحولات الأجيال، والتغيير الاجتماعي، ومختلف الأحوال السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية.كأن اللهجةَ تولدُ بولادة كل جيل ولادةً جديدة. إلا أن العربية الفصحى تظلُّ هي القاسم الحضاري المشترَك الذي يجب أن يحميه كلُّ الناطقين بهذه اللغة. ممانعة حرس الفصحى ورفضهم لتحديثها تفقدها وظيفتَها الحضارية العظمي بالتدريج.كلما أمتد الزمنُ بها ولبثت عصيةً على أية محاولة لتيسير نحوها وأساليب التحدث بها وكتابتها، يبتعدُ أكثرُ الناطقين بالعربية منها ويشتد عجزهم عن التحدث والكتابة بها.

يقول توشيهيكو إيزوتسو: "كلُّ واحدة من كلماتنا تمثّل منظورًا خاصًا نرى فيه العالَم. وما يسمّى مفهومًا ليس سوى بلورة لمثل هذا المنظور الذّاتي". وخصّص محمد عابد الجابري الفصلَ الرابع من كتابه "تكوين العقل العربي" لدراسة رؤية الأعرابي للعالَم، وكيف كان: "الأعرابي صانع العالم العربي"، يقول الجابري: "لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالَم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو مادامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين... أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة التاريخية عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت كأصل ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم"[2].

لبثت مجامعُ اللغة العربية تضيّعُ جهودَها في محاولاتٍ عقيمة، عندما انشغلت عشرات السنين بالعملِ على بعث ألفاظ متخشّبة مندثرة، بذريعة فصاحتها باستعمال البدوي لها قبل عصرِ التدوين، على الرغم من أن تلك الألفاظَ "الفصيحة" عكست رؤيةَ البدوي الضيقةَ للعالَم، وكانت مرآةً لمفاهيمه المحدودة، وأمّيته الثقافية، وأن العملَ على إحيائها وتوظيفها مجدّدًا كان مصيرُه الفشل، لأنه ينتهي إلى إرغامِ تفكير الناطق بالعربية على الارتهان لرؤية البدوي للعالَم، وتبنّي قيمه، والاحتفاءِ بمفاهيمه المحنّطة، وهي رؤيةٌ وقيم ومفاهيم يراد لها أن تأسرَ مصيرَ العربي اليوم، وتتنكّر لها اللهجاتُ العربيةُ المتداوَلة في الحياة اليومية على تعدّدها وتباعدها المتواصل بين مشرق الناطقين بها ومغربهم.كأن مجامعَ اللغة العربية تريد أن تشطب على كلِّ التطور الحضاري ومكاسبِ العصور الحديثة بالارتهانِ لرؤية العالَم القديم والانخراِط في مشاغله.

في مرحلةٍ لاحقة من نشأة النحو تشكلت قواعدُ اللغة العربية في ضوء قوالب المنطق الأرسطي، مثلما وقع غيرُها من علوم اللغة في هذه القوالب، وتحوّل هذا المنطقُ إلى بنيةٍ للتفكير في علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وغيرها من علوم الدين.كلُّ هذه العلوم أضحت يتحكّم بها المنطقُ الأرسطي، تفكّر في إطار قواعده، وتستدلّ بأساليب محاججاته، وتبرهن بطرائق استدلاله، وتتحدّث في سياق معجمه ومصطلحاته. انتهت علومُ الدين واللغة إلى أن تقع في مدارات مسدودة يبدأ التفكيرُ فيها من حيث انتهى وينتهي من حيث بدأ، وباتت مكبّلةً تعجز عن الإفلاتِ من هذه الحدود الصارمة، والبحثِ عن أفق بديل لمنطق التفكير وآفاقه. رسّخ هذا المنطقُ بنيةً للتفكير متجذّرةً يصعب جدًا التحّررُ منها، وكأننا نرى طفلًا ظلّ يتغذّى بالغذاء نفسِه الذي تلقاه في مرحلة الرضاعة، لم يغادره في فتوته ومراهقته وشبابه حتى شيخوخته، على الرغم من أن متطلباتِ الغذاء لكلِّ مرحلة من العمر تحتاج إلى عناصر أساسية لبناء الجسد ونموّه وتطوره.

أدعو لتيسير قواعد العربية وليس للاستغناء عنها، تيسيرها بالشكل الذي يجعل تلقي أبناء اللغة لها من أمهاتهم وآبائهم وعوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. وأدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات وتسميات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا.

هذا ليس رأيي فقط،كي يقال إنه نشاز، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المعاصرين، ممن كانوا يفكرون بذلك، وكتبوا فيه. هناك مجموعةُ علماء عملوا على تيسير النطق بالعربية غير أن دعوتَهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلّطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا. أصحابُ هذا الموقف هم جماعةُ الميسرين الذين دعوا لتيسير النطق باللغة وقواعدها من أبرز علماء اللغة والنحو، فمثلًا خصّص عضوُ مجمع اللغة العربية ابراهيم أنيس فصلًا بعنوان: "قصة الإعراب" في كتابه: "من أسرار اللغة"، كشف فيه كيفيةِ نشأة الإعراب، وكيف صار نظامًا صارمًا للسان العربي، واتخذ قيمةً عليا استأثر بها النحاةُ فصنعت لهم مكانةً استثنائة، ترسّخت من خلالها سلطتُهم المعرفية على العربية. يروي أنيس هذه القصةَ بقوله: "ما أروعها قصة! لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكت. تم نسجها حياكة محكمة في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل الثاني على يد قوم من صنّاع الكلام، نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية. ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعرابُ حصنًا منيعًا، امتنع حتى على الكتّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشق اقتحامه إلا على قوم سُمُّوا فيما بعد بالنحاة... ومع أن الإعراب ليس في حقيقته إلا ناحية متواضعة من نواحي اللغة، فقد ملك على الناس شعورهم، وعدوه مظهر ثقافتهم ومهارتهم الكلامية، يتنافسون في إتْقَانه، ويخضعون أقوال الأدباء لميزانه، فليس الفصيح في نظرهم إلا من راعى قواعده، وأخذ نفسه باتباع أصوله ونظامه... وصارت قواعده في آخر الأمر معقدة شديدة التعقيد، وقد تفنى الأعمار دون الإحاطة بها، أو السيطرة عليها سيطرة تامة. وصرنا الآن ننفر منها لما اشتملت عليه من تعسف وتكلف، بغّضَ إلى الكثيرين دراسة اللغة العربية في العصر الحديث"[3].

البعضُ يعتاش على سلطة الفصاحة والنحو، والدعوةُ للتجديد تناهضها دائمًا شبكاتُ مصالح متجذّرة متشعّبة معقّدة، وطالما خرجت من فضاءِ النقاش العلمي إلى ضجيجِ الجدل البزنطي.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..................

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص 78، ط13، 2017، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[3] أنيس، ابراهيم، من أسرار العربية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 4، 1972، ص 198 – 199.

 

 

 

هنا وفي قلب الآن، يعيش العقل العربي أزمة معرفية خانقة، نتيجة إنزلاقات وقع فيها وعجز عن النهوض والإنطلاقة في البناء الصحيح، فهو في تراجع يومي ويقترب أكثر فأكثر من دائرة الخطر الحضاري. ومن الرهيب فكريا أن أزمات هذا العقل لم تنحصر في مجال معين وإنما طالت جميع المجالات والحقول، خاصة تلك الحسّاسة منها والتي تمثّل رهانا بالنسبة للدول المتطلّعة للرقي، أي المجالات الفلسفية الحيوية حيث لانجد ولا إسهام عربي أصيل يُحتفى به في مثل هكذا مقامات التي تستلزم إستثارة الإبداع وتحيين قدرات العقل كأهم آلية للخوض فيها، إلا القلّة من العقول التي تعاني الحجب والجحود. وتختلف الأسباب وتتنوّع المبرّرات في تبرير عزوف العقل العربي عن التفكّر وفشله في اللحاق بالركب الحضاري الغربي المتقدّم، الذي لم يحصل له ذلك إلا لما كسر قيود التفكير وحرّر مكامن التجديد.

والملاحظ على مسوّغات العقلية العربية بشكل عام لانهزاماتها الفكرية، أنها مسوّغات ضعيفة الإقناع إذا ماارتبطت بالمنهج التفكيكي، فهي لاتفتح أبوابا كانت موصدة على العقل العربي وإنما على العكس من ذلك، تساهم أكثر في تضليله بايهامه بسبب على أنه حقيقة وماهو إلا بزيف.

وعليه، فإن الإشكال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة في خضم الحديث عن مثل هكذا معطيات، هو: عن طريق التعرية والكشف عن الحقيقة، ماطبيعة العقلية العربية؟ والأهم، ماهو السبب الحاسم في تخلّف العقل العربي عن منابر الإبداع والتعقّل؟

1- الإيمان بالتكفير والإلحاد بالتفكير

قياسا على عنوان مصدر المفكر المصري نصر حامد أبو زيد:" التفكير في زمن التكفير"، فإن حال واقعنا اليوم لأدلّ على هذا النهج من الممارسات القمعية، حيث تجد من يمتلكون السلطة وعلى اختلافها، يتحجّجون بالانفتاح على شخصية الآخر والاعتراف بفكره وذلك لكي يضفوا لمسة جمالية على لوحاتهم الإستبدادية.

تأكّد أنك كلّما نطقت بصوت العقل وتحدثت بكلمات الفكر وأنصت لوصايا الذهن فإن اتهامات التكفير والهرطقة ستطالك، والخروج عن حديّ الشرع والوضع سيكون حتما حكما تعسّفيا لك، أنظر جيدا كيف تم قمع التفكير على مدى عصور متلاحقة من أعداء الإنسانية والمعرفة (إبن حنبل - إبن رشد - صادق جلال العظم - محمد أركون - نصر حامد أبو زيد...) بصرف النظر عن حقيقة نوايا مشاريعهم، بحيث تمتهن السلطة الفكرية العربية حمل شعارات رنانة موزّعة على نقاط تدعو إلى الإيمان بالإختلاف والتصدّي للخلاف، تشجيع المبادرات، تثمين التغيير وتعزيز القدرات، ولكن كل هذا إستراتيجيات ماكرة، فهم ليسوا أوفياء لشعاراتهم وإنما أوفياء لتمويهاتهم وكما قال ميشيل فوكو: "السلطة بدون أقنعة لا تُطاق".

فالعقلية العربية وللآسف هي عقلية إقصائية، إمبريالية للفكر ودكتاتورية للرأي وقمعية للكفاءات، تسعى إلى طمس شذرات الإبداع حتى لاتلتحم وتتلاقح، فتصبح منظومة متكاملة، لايمكن لأيّ مستبد من التعدّي على قانونها العادل، وهو قانون التفكير. ثم إن هذه الذهنية التدميرية التي لاتؤمن بالفكر النقدي التنويري، خوفا على مصالحها فالأضمن لها أن تعمل على تنميط وضعية من دعائمها الإستقرار والإستمرارية  وتزييف الوضع ومحاولة تدجين الخارجون عن نظام الهيمنة وتطويق انتفاضاتهم وارفاقهم بمجموعة أولئك الخاضعون لرقابة التحريم والتقديس. وتحدث أن تحصل مثل هذه الممارسات لأن العالم البشري جيّاش بالإنجازات والإبداعات التي تشكّل خطرا على النظام القائم، فالحركة الإنسانية هي حركة مولّدة لاتثبت عند حالة معينة بل تهدف باستمرار لتغييرها خدمة للإنسان، وإن كنا نلحظ في الآونة الآخيرة أنها خدمة إنتصرت للبعد المادي فقط، بيد أن هذه الطبيعة الإنسانية الرائعة بتطلّعاتها التجديدية تتعرّض إلى كبح جماح وإلى تصدٍ قاسٍ في بيئة عربية لا تهتم إن تشوّهت جمالية أفكارنا وتعرّضت للتشظي المؤلم. فنوازع الأنانية والتسلّط والرؤية الشخصية النفعية الخالصة تسيّج هذه البيئة، وتمارس نقدا راديكاليا جذريا قطعيا لهذه التفكّرات والمفاتحات التحرّرية حتى قبل أن تتعرّف على خطوطها العريضة من مبادئ ومناهج وأهداف. متى تسمع بانبثاق فكرة جديدة أو بزوغ طموح معين، لم يصل بعد إلى مرحلة التقرير، فإنها تسارع إلى إخماده وتوهينه بالسؤال النقدي الجارح والهدّام التشريحي والتفكيكي دون التركيبي، لأن جاك دريدا والذي رمى إلى إحلال حركة لانهائية من الدلالات على الأقل آمن بمبدأ الإختلاف وإن كان بخلفية اليهودي الضائع، الموجود هناك وليس هنا....!، مما يؤدي إلى موت الأفكار في فترة المخاض رغم أن صاحبها عانى كثيرا من ألمه، جاعلا من فترة الولادة الطبيعية لا القيسرية أملا له وعزيمة للمُضي قدما وتحمّل ضربات جنين الفكرة.

للتنويه المستعّجل، نحن هنا لسنا بصدد الدعوة إلى ضدّية النقد والشك، فالسّمة الإنسانية لاتكتمل معالمها ولن تكتمل إلا بممارسة الأشكلة النقدية، للدلالة على ديناميكية فكرها في مقابل ستاتيكا القبول والتسليم المبتذل، كما أننا لسنا بعدو للفكر العربي بل بالعكس إنما نهدف من رؤيتنا أن نساهم في التعرّف على العلّة من أجل النهوض وولوج عالم التحضّر. لكن إن تتحوّل هذه الأشكلة إلى شفرة حادة تقطع الفكرة من جذورها، فهنا العطب الذي أفضى بكوارث معرفية أرّقت العقل العربي في متاهات الإزاحة والإقصاء. ومما يجب حصوله لكي يكون الموقف النقدي جريئ وبريئ، بنّاء ومؤسّس، أن نقوم في البداية بالتعرّف على الفكرة وجوهرها، قبل الإنتقال إلى إخضاها لقانون المؤاخذة، لأن الراديكالية المفرطة عمياء البصيرة في ولاء رهيب للنقد الوحشي. هذه الأدبيات الموجودة في فن التعامل مع المشاريع الفكرية، غائبة عن تسليمات العقلية العربية التي تجعل من التهميش بديهة ومن الإحتواء شذوذ، مما يجعل العقل العربي يعاني النكوص، فغاب عن المحافل الفكرية الكبرى وعن المواعيد الفلسفية الراقية، فلم نكد نعثر على إسهام عربي أصيل في فرع فلسفي ولو على سبيل المحاولة، بل ذهبت جلّ الكتابات إلى إعادة شرح وتفسير تراث الآخر أو كتابات السلف، بمنهج كرونولوجي سردي لم تتخلّله اللمسات النقدية والجماليات الفكرية التي لاتؤمن بمنطق المحاباة وإنما قانون النقد فوق الجميع، ولهذا نجد الكثير ممن يعترض على وسم الكتابات العربية بأنها فلسفية وإنما يقفون عند الإصطلاح عليها بأنها نمط معين من الفكر لا أكثر. مثل هكذا حُكم يثير حفيظة القلِق على المكانة الفكرية للعقل العربي، فاليوم وللآسف لم نعد نشكّل خطرا معرفيا، بل أصبحنا بلغة فيلسوف العلم غاستون باشلار عائق إبستمولوجي، من الضرورة تجاوزه حتى ندرك المعرفة الأصيلة.

2- فلسفة الدين والكشف عن غياب العقلنة

بالعودة إلى المزالق التي وقع فيها العقل العربي، نتيجة عزوفه عن الخوض في مجالات حيوية بأعين التعقّل والتجديد، كانت الضمان للنهوض به على شاكلة العقل الغربي الذي راهن عليها وآمن في قدراته، فكان رهانه ضربة قاضية لغيره وناجحة له. ومن بين هاته المجالات النشِطة، المنتصرة منذ البداية للعقل والنقد، نجد مجال أو مبحث فلسفة الدينPHILOSOPHY OF RELIGION ، "وهي نوع من الفلسفة تعتمد العقل في بحث وتحليل المقدسات والمعتقدات والظواهر الدينية وتفسيرها... وبكلمة موجزة، فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي في كل مايتصل بالدين شرحا وتفسيرا وبيانا وتحليلا، من دون أن تتكفّل التسويغ أو التبرير أو الدفاع أو التبشير"(1)، أي أنها المُساءلة العقلانية لكل مايتصل بالدين، ثم إن مايؤكّد عراقة فلسفة الدين في الفلسفة الغربية، هو أن تأسيسها بالمعنى العقلي لها إنما ارتبط بالمحاولة الجادة للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، لأنه أول من قدّم صياغة فلسفية معمّقة حولها بمنهج عقلي، حيث زحزح الإشكاليات المطروحة في حقلها من دائرة اللاهوت إلى دائرة العقل والنقد. ومن جملة المميّزات التي تتمتّع بها فلسفة الدين  هي أنها ليست دفاعية ترمي إلى إضفاء المشروعية على دين معيّن، كما ينحو اللاهوتي أو المتكلّم، بل هي دراسة نقدية إبستيمية لكل مايختصّ بالدين، دون أن تتكفّل مهمة التزكية لأي دين، فهي تبدئ من نقطة موضوعية وتواصل المسار متحرّرة من تبعات الأطر الدينية وماتفرضه من وجوب إتّباع دين بذاته والموالاة له. بهذه الكيفية تفتح آفاق البحث أمام العقل الإنساني حول قضايا تتعلّق بالدين، ومادام شغف الفيلسوف لقراءة تاريخه الروحي قراءة نقدية لايتوقّف، فإن فلسفة الدين تتيح له ذلك وتضعه في قلب أنطولوجيا الكون ببعده الديني الأصيل. هاته الخدمة الفكرية التي تقدّمها لفيلسوفها حُرم منها العقل العربي، بفعل مناهج التكبيل وطرائق التسييج. وحتى لا أقول أن المكتبة العربية تُعاني عدما فيم يخص الإسهامات الرصينة والأصيلة التي تناولت بالبحث قضايا فلسفة الدين، فإنها على الأقل لاترقى إلى مستوى كتابات الفلسفة الغربية، التي كسرت حواجز التعقّل وموانع الفهم، وبطبيعة الحال فهذا راجع إلى كون المصدر الأساسي لتشريعاتهم(الكتاب المقدس) لم يعد كذلك بسبب تحويرات وتعديلات القلم البشري، فالمفكرون العرب حاولوا الخوض في مسائل فلسفة الدين، لكنها لاتعدو أن تكون تدوينا يفتقر إلى آلية النقد والتعقّل، كما ذهبت بعض الكتابات مذهب الدفاع ومنذ البداية وهذا مايتنافى وروح فلسفة الدين وبتحفّظ أشير إلى بعض الإسهامات المسجّلة في بحوث المفكر الهندي محمد إقبال في كتابه الموسوم ب: "تجديد الفكر الديني في الإسلام"، والمفكر السوري صادق جلال العظم، الذي أثار ضجة واسعة في مصدره: "نقد الفكر الديني"، لتبقى كتابات  المفكر الجزائري محمد أركون أكثر عمقا وأشد وقعا في تجييش المطارحات والسجالات والتجاذبات حول نيتها الأولى. إجتهادات فكرية لمسّنا من خلالها حضور دعامة النقد والتعقّل، لكنها محاولات يتيمة لم تلقى الدعم والتشجيع ولم تعزّز بمحاولات أخرى صحّحت أخطاءها وتداركت عثراتها والأهم ثمّنت نجاحاتها، وإنما بقيت حبيسة حيّز التنظير ولم تطل العقل العربي ولم تضمن مكانة مع بقية تصوّراته.

3- في المحاكمة النقدية لأطروحة صدام العقل والنقل

إن من أكثر الأمور التي تساهم في تأزيم وضعية العقل العربي اليوم، هي مسألة تقديم أسباب التراجع والأفول، بحيث توهمه وتجعله يتصوّر نقيض ماهو واقعي إلى ماهو سريالي، فالواقع العربي مصطنع ولكنه حقيقي، مفارقة عجيبة غير أنها هي مايحدث فعلا، فالعقلية الحاكمة هي من جعلته كذلك، ذلك أن التبرير والحجة التي تسوّغ بها إقرارت غياب العقل العربي عن مقامات فلسفة الدين، هي مصطنعة زائفة غير أنه ومتى كُتب لها الرواج والذيوع فإنها أصبحت حقيقة!، يتحجّجون بفشلهم عن تحرير كتابات وفية للعقل ومبادئه، وبنفورهم من البحث والتحليل والنقد لمواضيع فلسفة الدين، بأن قضية إتهام الفلسفة بالزندقة والإلحاد مازالت تُلقي بظِلالها لحد الساعة!! أيّ عقل يقِظ سيقبل مثل هكذا تبرير. أنا أقولها وبكل جرأة ليس هذا هو السبب الحقيقي أبدا وراء افتقار المكتبة العربية لإسهامات جدية وحصيفة فيم يخص مجال فلسفة الدين، فالقضية أعمق من ذلك بكثير وأخطر بمئات المرات، لأن إشكال وصف الفلسفة بأنها مدعاة للتكفير لم يعد أحد يصدق دعواه، حتى يطلق عليه إشكال من الأصل، فاليوم لم تعد القضية المطروحة هي قضية صراع بين الفلسفة والدين، وإنما على النقيض، تم الإيمان بشرعية العلاقة القائمة بينهما. بالإضافة إلى أن إشكالية العقل والنقل ومارافقها من جدالات كثيرة تم التخفيف من حدّتها والتهوين من وقعها مع جهود الغزالي وإبن رشد كما هو محفوظ في سجلاّت تاريخ الفلسفة فبات طرح مثل هكذا إشكال على أنه سبب وجيه والتهويل من مآلاته من المراوغات الذرائعية، التي تهدف إلى إيهام عقل عربي خامد بأن عجزه إنما يرتد إلى قضية تدافع الفلسفة والدين وماتطرحه من مشكلات فرعية، بالتالي تم تحريم العقل العربي من فرصة استنطاق دلالات النص الديني الخفية كما يدعو الدين نفسه، ومُنِع من التأويل الباطني للمعنى الظاهري، فتم تكريس عقلية السطحي والقبول، بدعوى التكفير لمن يتجرأ على ممارسة التفكير. ولهذا فإن التذرّع بالأطر الدينية ورفضها للعقل العربي بأن يُخضع نصوصها لمحك النظر والصدام بين الفلسفة والدين وماتبعث به من خوف على حدود المقدس، ماهي إلا تسويغات كاذبة، قضى زمن التفكير ولوغوس النقد ومتطلّبات العيش المتحضّر على مصداقيتها الهشّة. إذن نصل بعقلنا إلى البحث عن سبب أكثر قناعة وأشد فعالية وأحق بالإتّهام في أنه المسؤول عن انعطاف العقل العربي نحو التخلّف والانغلاق، نحو التنميط...نحو الغياب.

4- من الحُجب إلى اللاحُجب وتعرية المستور

فيم يتمثّل العامل المحوري في تكلّس التقليد والنمطية على طبقات العقل العربي؟ إنه التحالف والتكتّل بين السياسي ورجل الدين، فالإستبداد له أشكال متنوّعة، إذ تتعدّد صوره وطرق تبليغ مقصده، ولنا في اتفاق السياسة مع الدين حول إبطال مفعول العقل، لسبب مركزي في نتيجة خواء الساحة العربية من كتابات فلسفية راقية ومن أبرزها كتابات فلسفة الدين. فمن مصلحة السياسي وهي نفس مصلحة رجل الدين  أن يتم إسكات صوت العقل لكي يضمنوا بقاء مصالحهم، ولكي يؤسّسوا لقاعدة متينة نحو بناء مخططاتهم التدميرية للمشاريع النهضوية التي يُبدعها العقل الواعي، فهو خطر كبير على حياة المنفعة لهؤلاء القامعون، حيث ترفض العقول المتشبّعة بقيم التحرّر كل تنميط لحياتها ورتابة لوجودها ومصادرة لحقها في السؤال وإفشال لمسعى نهوضها، إذ تجدها ثائرة، تعارض كل أشكال التقييد الفكري. ولهذا الغرض يرمي السياسي ورجل الدين، المغلّف بالمصالح أن يُخرِس ضمير النقد لدى الشعوب وأن يوهمهم بأن قضية تخلّفهم إنما ترجع إلى تضارب العلاقة بين الفلسفة والدين، وأن التفلسف قد يُسقط حصانة التقديس لمصادر التشريع. لكن قد سئمنا من تشخيص الواقع العربي واقتراح حلول تبقى طوباوية مالم تنخرط في عالم الفعل، ثم إن عبارة: "ماينبغي أن يكون" من العبارات المُغرية للعقل الإستشرافي، لم تساهم في إنزال العقل العربي من محافل التدبير والتخطيط إلى معترك التنفيذ والمعايشة الموضوعية، بل تحالفت مع النظر اليتيم، الذي يحتاج إلى حيوية ماهو كائن. والأمر المٌتعب فكريا هو أن فحص حال الحياة العربية والمداومة على طرح الأسباب والحلول نفسها دون تفعيل، إنما يغدو ترف فكري لاغير ويُلقي تدريجيا بالتشاؤم من استحالة حصول التغيير. بيد أنه وبما أن القلم العربي يرفض الإستسلام ويصرّ على الكتابة من أجل الإقدام على خرق الطابوهات، فإنه وبدون تفاؤل ساذج أو رؤية فوقية، ستعمل الذات العربية على تنصيب خلية التحرّر ومن ثم الإبداع، لأنها سئمت من عزلة أنطولوجية فرضها وجود بشري ظالم لايعترف سوى بالمنفعة الشخصية كوسيلة وغاية، ولايقبل أن يعيش مع ذوات أخرى، بدعوى أن هذا العالم خُلق له، لتسكنه ذاته وفقط، أما بقية الذوات فلها الهامش أو مادونه. لهذا الأمر ستنهض الذات وتطالب بحقها في العيش في قلب الكون، ولن يبقى العقل العربي محاصرا، مقيّدا في دائرة التخلّف والرجعية، وإنما سيعمل على الخوض في مجال حيوي كفلسفة الدين وذلك بعقلنة الدين.

5- النهوض وسؤال إمكانية تغيير الأدوار

قد تدفعنا الحماسة إلى التفكير فيم يقع وراء المُمكنات والمحتملات، بل ستدفعنا إلى تجاوزها، غير أنه ومن أجل عدم الوقوع في ذلك وفي شراك اللاحسبان، فإننا نحتسب ونتوقّع ماهو خارج دائرة التوقّع، بغرض عدم تكرار الحاضر والتحوّل من مفعول به إلى فاعل، بحيث تتغيّر الأدوار وتبقى الروح القمعية حاضرة، وعليه: هل ستتحوّل الذات المقهورة إلى ذات قاهرة وتمنع حق المُساءلة والنقد وتكتب سيناريو جديد لتخلّف فكري للعقل العربي؟ أم أن الذي عانى القهر يوما لن يسمح للتاريخ بإعادته وسيكون حاكما عادلا وسيمنح حق الغير في التعبير عن آناه؟

 

شهرزاد حمدي من الجزائر

......................

هوامش المقال:

 (1) عبد الجبار الرفاعي، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، موسوعة فلسفة الدين_1_  ط1، مركز دراسات فلسفة الدين، دار التنوير للطباعة والنشر، بغداد، تونس  بيروت، مصر، 2014م، ص15.

 

 

علي محمد اليوسففي تعاطف مع ماذهب له رورتي في فلسفته السلوكية دأب فلاسفة اميركان مثل سانتيانا وكواين وسيلارز في أطلاقهم عبارات تهكمية لا تقوم على منطلقات فلسفية جادة بل تقوم على سخرية لغوية لا يتم توضيحها مثال مقولة سانتيانا" المعرفة هي وهم اليقين الحيواني " وتعبيرات كواين "كل البشر حيوانات" و"كان هناك بعض الكلاب بلون اسود". هل مثل هذه العبارات الحيوانية السائبة بلا توضيح المقصود ما تعنيه (فلسفيا) مقبولة لدى المتلقي حين يعمد الى فبركة يخترعها تصوره خوفا من اتهامه لايعرف مايقوله الفلاسفة؟.هل يعرف القاريء المتلقي أن هذه العبارات تقوم على مرجعية فلسفة اللغة والعقل وعلم النفس السلوكي عند هؤلاء الفلاسفة الاميركان.؟ الذين يتلاعبون باللغة تعبيرا هزليا بلا معنى لا يحمل دلالة فلسفية حتى اذا ما أخذت العبارات في سياقها داخل النص وليس في أجتزائها كعبارة.

يعبّر رورتي عن " شرح العقلانية والسلطة المعرفية بالرجوع الى ما يسمح لنا به المجتمع قوله، وليس العكس، هو جوهر ما سوف أدعوه والكلام لرورتي "المذهب السلوكي المعرفي" وهو موقف ديوي وفينجشتين المشترك."1

مؤكد لا يخوننا التعبير أن جون ديوي أحد اقطاب الفلسفة البراجماتية الاميريكية الثلاثة هو الوحيد الذي اراد علنا تطويع فلسفة العقل واللغة والتحول اللغوي لسلطة وهيمنة الذرائعية الاميريكية كمرجعية شائخة أصابها الانحلال المتقادم زمنيا عليها ومحاولة أعادة هيمنتها بلبوس فلسفي معاصربالتوازي مع فلسفة اللغة والعقل وتيارات علوم اللسانيات.. دأب كل من سانتيانا وسيلارز وكواين وسيرل يساندهم جون ديوي أختراع فلسفة ما يعرف الفلسفة السلوكية النفسية باللغة، مستغلين الثغرة الكبيرة التي تركتها فلسفة اللغة ونظرية المعنى في البنيوية والتاويلية في تنحيتها جانبا كل من الانسان والمجتمع وقضاياه وأخيرا تطرف التفكيكية في تغييب مركزية العقل والذات والموضوع والانسان في جعل مركزية نظام اللغة النسقي المنفصل عن قضايا الانسان المجتمعية هو الفلسفة الاولى الواجب الاهتمام بها والتركيز عليها.مؤكدين معنى الواقع في نسق اللغة ولا واقع خارج الكلمات اللغوية يكون مرجعية لما يقوله النص لغويا.. واعتبرت التفكيكية كل مرجعية ثابتة خارج توالي التفكيك والارجاءوحضور الغياب في تقويض النص هي ثوابت ميتافيزيقية يتوجب مجاوزتها. لقد اراد  فلاسفة  السلوك اللغوي الاجتماعي الاميركان سيلارز وسانتيانا وكواين وجون سيرل وسيلارز ومعهم جون ديوي تطويع فلسفة اللغة الاحتماء تحت مظلة الذرائعية المحتضرة بعيدا عن فلاسفة التحليلية المنطقية التجريبية الانجليزية يتقدمهم راسل ومور التي استنفدت فلسفتهم التحليلية اللغوية هي الاخرى طروحاتها في محاولة تطويعها مداخلة تلفيقية مصطنعة عقيمة مع علم المنطق والرياضيات بمعزل عن مواكبة التطور المحوري ممثلا في التحول اللغوي ونظرية فائض المعنى المدّخر لغويا الذي أستبعد مباحث الفلسفة الحقيقية التي كانت الفلسفة البنيوية فتحت ابوابها. وأراد فلاسفة التحليلية المنطقية التجريبية الانجليز تخليص الفلسفة من نفق الضياع التفكيكي الذي أدخلها دريدا فيه لكن موضة العصر الفلسفية الاستهلاكية كانت تركض وراء عماء تفكيكية دريدا التي ولدت مع تطرفها اللغوي في محاولتها تفريغ مباحث اللغة من أية فاعلية تهم الانسان والمجتمع والحياة.

من جهة أخرى أستغل فلاسفة السلوك اللغوي الاجتماعي النفسي الاميركان الذين حين وجدوا عجز التحليلية المنطقية التجريبية الانكليزية تراوح مكانها يتجاذبها احتمالان هما مفترق طريقين لم تكن ترغبهما هما ،أما التماهي التلفيقي بوجوب أدخال مباحث الفلسفة كليّة في المنطق والرياضيات والتاويل والتفكيك اللغوي، وأما التماهي مع المذهب الفلسفي المتفرد الذي رفعه بوجهم الفيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي معتبرا مذهب التوليدية في منهج تطور اللغة هو مبتدأ فلسفة اللغة ، وتحصيل حاصل أن اللغة هي خصيصة أجتماعية بأمتياز لم ينكرها جومسكي على فلاسفة السلوك الاجتماعي لكن هذه الخاصية الانفرادية لا تمثل منشأ اللغة وتطورها. ورغم الهالة الكبيرة التي أحرزتها الفلسفة السلوكية الاجتماعية الامريكية الا أن توليدية نعوم جومسكي وقفت بصلابة أمامها واستطاعت أن تجد لها فضاءا واسعا في علوم اللغة وتخصصات الادب وعلم النفس والسياسة.

كما والأهم لم يستطع الفلاسفة الاميركان المعاصرين انتشال الفلسفة الذرائعية من وهدة سقوطها التاريخي في تشظيتها الانحلالية الى عدد كبير من تيارات فلسفية امريكية متناسلة متداخلة مع بعضها..وكل واحدة من هذه التيارات الفلسفية تدّعي مهمتها أحياء الفلسفة الذرائعية في منهجيات معرفية جديدة.

المذهب المعرفي الاميريكي

أصحاب المذهب السلوكي المعرفي في فلسفة اللغة من الاميركان الفلاسفة رورتي ، وسيرل، سانتيانا، سيلارز، وكواين، ويسندهم جون ديوي ارادوا العودة لما يقوله المجتمع حسب تعبيرهم وليس ما تقوله فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات التي تحاول تمرير سيسيولوجيا فينجشتين الفلسفية اللغوية الخجولة التي اراد غلق الباب الذي فتحه لتدخل فلسفتي ريكور التاويلية ودريدا التفكيكية بتطرف من خلاله. لقد دعى فينجشتين الى تطويع فلسفة اللغة لاستجابة المنحى السيسيولوجي، ما اعطى الضوء الاخضر لفلاسفة السلوكية الاجتماعية الاميركان ظهيرا ساندا لطروحاتهم الفلسفية اللغوية. أعتمد فلاسفة السلوك النفسي اللغوي الاميركان في محاولتهم اللعب على ادانة النسق اللغوي المقفل لغويا الذي أعتمدته الفلسفتين التاويلية والتفكيكية الفرنسيتين في أبتداعهما نظام لغوي نسقي يقوم على محورية اللغة بما هي نص لغوي في معناه ولا شيء خارج النص بما هو منهج فلسفي بعيدا وبمعزل عن تعالقه بالمجتمع وقضايا الانسان الذي قتلته الفلسفة البنيوية عن خطأ ارتكبته ولم تستطع الخلاص منه. في تبنيها طروحات ما بعد الحداثة التي اراد ايقافها يورغن هابرماس فيلسوف الحداثة والنقد ونظرية التواصل  في عبارته الشهيرة ولكن الحداثة لم تستكمل أهدافها بعد وهي مشروع لم يفقد حيويته المعاصرة... ولم تفلح جهوده عن تراجع البنيوية بعدما أفقدها فلاسفة العقل ونظرية فائض المعنى زمنها التاريخي الذي كانت هيمنتها عليه مطلقة بفلاسفة عمالقة على مختلف الاصعدة والمباحث المتنوعة الغزيرة التي عالجوها بجدارة تحسب لهم منهم  سيوسير وشتراوس وجان لاكان ورولان بارت وجان بياجيه والتوسير وغيرهم.

رورتي وزملاؤه الاميركان في أختراعهم المذهب السلوكي اللغوي النفسي الفلسفي وقفوا من حيث ارادوا أو لم يريدوا امام فلسفتي التاويل والتفكيك الفرنسيتين. ونفذّوا هذه الاستراتيجية الفلسفية في منحى خدعت فلاسفة موضة تطرف اللغة من الفلاسفة الفرنسيين رغم ما يشوبها من نقاط أختلاف ليست جوهرية..

عمد الفلاسفة الاميركان بتنوع نظرياتهم الفلسفية الى أحتواء الفلسفة التحليلية التجريبية الانجليزية بزعامة راسل ومور وآخرين. يرافقهم فلاسفة التاويل وتفكيكية دريدا الفرنسية في تبئيت تلك التيارات الفلسفية على ارضية الذرائعية الامريكية. وقصدوا بذلك دعوة فلاسفة اللغة الفرنسيين مثل ريكور ودريدا دخول الفضاء الاميريكي باسترتيجية تطرف فلسفة اللغة ونظرية المعنى والعقل واذا بهم يتشتتون حين وجدوا انفسهم أن الارضية الاميريكية أحتوتهم كفلاسفة موضة استهلاكية في طريقها الى التلاشي الفلسفي، وزبدا طافيا على سطح استقرار أمواج بحر البراجماتية التي لفظتهم في عجزهم المساس الجوهري التاثير بها كفلسفة الأم بكل ما تحمله من عبء كلاسيكي تاريخي انتهى عصره خارج الولايات المتحدة الاميريكية...وبهذا الحسم أستلم الاميركان راية الفلسفة من أيدي الفلاسفة الفرنسيين الذين أرادوا تسويق تطرف فلسفة اللغة الموضة الفرنسية أمريكيا ليجدوا انفسهم خارج فلسفة العصر وليس خارج الفلسفات الاميريكية فقط.

الواقعية الجديدة وفلسفة الوعي

ظهرت الواقعية الجديدة (The new Relatism كفلسفة أمريكية خالصة شأنها شأن الذرائعية وأستعارت الواقعية الجديدة الامريكية وريثة الفلسفة الذرائعية عن وليم جيمس فكرة (أن الوعي ليس جوهرا بل وظيفة) والثانية (أن الوعي تجربة صرفة لا طبيعية ولا عقلية بل محايدة).. والعبارتان بما تخصّان (الوعي) تحتاجان الى مناقشات ليس لها بداية ولا آخر، وسنتناولهما هنا بما يسمح به المجال في عدم خروجنا عن متن الموضوع.

تعقيبنا على عبارتي وليم جيمس هي أن تكون الافكار معارف يستقبلها ويطلقها الوعي ليس كجوهر متعالق ومتداخل بها من جهة ومتعالق مع العقل من جهة أخرى، بل الوعي في المنهج البراجماتي وسيلة معرفية شأنها شأن اللغة في توصيلها المدركات، والوعي محور مركزي في وظيفة تمكين العقل معرفة الاشياء والمدركات، من حيث يتعذر علينا الفصل بين الوعي والعقل تجريديا كما يرغبه جيمس في الفصل قوله: الوعي تجربة محايدة وليست عقلية ولا طبيعية، والوعي في الوقت الذي يكون فيه وسيلة أستدلال معرفي وحلقة وصل وظيفية بين العقل ومدركاته لا يمكننا أعتباره وظيفة أو تجربة محايدة في عملية الادراك حسب تعبير وليم جيمس أيضا، فالوعي ليس (موضوعا) لأدراك عقلي كي يكون جوهرا منفصلا محايدا بل الوعي هو تفكيرمتداخل في صلب العقل المعرفي للاشياء، والوعي بدون ملازمته التداخلية الصميمية بالعقل لا يمكن أن يكون هناك أدراك سليم لموجودات العالم الخارجي في لا وجود وعي قصدي وأنعدامه،ولا حيادية قائمة يمكن الركون على سلامة الوعي بأعتباره تجربة صرفة قائمة بأنفراد ليست عقلية بل هي محايدة..الوعي ليس تجربة محايدة من خلال أعتباره وظيفة حسب الفهم البراجماتي، بل هو جوهر نافذ ومتنفذ بالقيام بدور معالجة المدركات الواردة ونقل مقولات العقل بشأنها أيضا في تداخله الصميم كحلقة وصل أيصال المحسوسات للعقل ونقل وأصدار ما يعطيه العقل من تفسيرات وعلاقات لها.. الوعي هو التجسيد الحقيقي لمنظومة الادراك بدءا من الحواس وصولا الى الذهن عبر الجهاز العصبي وأخيرا نقل الوعي أفكار العقل في تعبير اللغة عن الاشياء بالعالم.. بمعنى الوعي هو ناتج تفكير العقل المتعالق معه.

ربما تكون حيادية المحسوسات التي مصدرها الحواس في علاقتها الادراكية المعرفية بالعقل هي أقرب الى الاقتناع من قولنا الوعي تجربة محايدة لا طبيعية ولا عقلية حسب ما تقول به الذرائعية والواقعية الجديدة... والأنا كجوهر هو وعي ذاتي يسترشد العقل على الدوام في بيان معرفة حقيقة مدركاته ولا يمكن للوعي أن يكون تجربة محايدة في الادراك..وأذا جاز لنا التعبير أن (العقل) يكون موضوعا مدركا من العقل ذاته، عندها يصبح جواز القول أن (الوعي) هو موضوع محايد بمعزل عن العقل.. والعقل موضوع محايد عن الوعي....وهو ما يدخلنا في سفسطة لغوية منطقية تعبيرية لا معنى حقيقي لها بضوء عضوية سلسلة منظومة الادراك العقلي..فمثلما لا حاجة للعقل أن يعقل نفسه ذاتيا وتجريديا، كذلك لا يوجد وعي يعي ذاته بمعزل عن تداخله الوظيفي بالعقل الذي يمنحه حقيقته العضوية به وليس أستقلاليته عنه. الوعي حلقة في منظومة الادراك لا تستطيع التعبير عن نفسها منفردة ولا تستطيع الانابة عن العقل كمصدر للوعي التابع له.

تقوم أطروحات الواقعيين الاميركان الجدد الذين يرومون تطوير الفلسفة الذرائعية الأم على ثلاث مرتكزات في تداخلهما معا هي:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية، بعبارة أخرى لا يمكننا أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة.(2)

- لا وجود للقضايا الوجودية أو غير الوجودية تكون سابقة على فلسفة المعرفة )(3)

- المعرفة بوصفها علاقة فهي تنتمي للعالم نفسه الذي ينتمي اليها موضوعها، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، والفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي(المعرفة) ليس فرقا بالكيفية ولا بالجوهر بل فرقا بالدور أو في الموقع أو في التشّكل..(4)

يمكننا أستخلاص أكثر من ملاحظة فكرية بضوء ما أدرجناه عن افكار الفلسفة الواقعية الامريكية الجديدة:

- الواقعية الجديدة فلسفة تلتقي مع أنماط المفاهيم الوجودية عند (سارتر، هيدجر) بالمعنى المشترك بينهما كمفاهيم فلسفية مجردة وليس كمفاهيم خاضعة لحتمية التجربة الذرائعية..فالاشياء في فرادتها الانطولوجية تكون موجودة حتى لو لم يكن لدينا وعي بها وبأدراكها وهو ما تعمل به الفلسفة الواقعية في مرتكزها الفكري البراجماتي..

- مقولة الواقعية الجديدة لا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة مقولة تحتاج الكثير جدا من التوضيح للاقتناع والتسليم بصحتها..لما تحمله من تداخلات عديدة تشمل الوعي والتصورات والفكر واللغة وعلم النفس واخيرا وظيفة العقل...

- الكليات كمواضيع أدراك متعذر علينا الوعي بها ومعرفتها كاملة كما هي أنما هي تظل وجودا قائما بأستقلالية حتى حين يكون لنا وعي عاجز عن أدراكها أكثر من تجزئتها تحليليا لمعرفة بعضها .

- ميزة الواقعية الجديدة في خروجها على الذرائعية أنها أيّدت حقيقة الكليات التي تعارض كل من ديوي وجيمس وذرائعيي مدرسة شيكاغو أذ لا شك في وجود العالم الخارجي المستقل قبل كل شكل من أشكال المعرفة والوعي والادراك له.

- تعتبر الواقعية الجديدة الامريكية الفلسفة الامريكية الثانية وريثة الذرائعية التي حاولت أخراج الفلسفة الامريكية من المستنقع السايكولوجي الاستبطاني والحدسي والمنطقي الارسطوي الذي كانت قد أنزلقت اليه بهدف حملها الوقوف على أرض صلبة حسب رأي فلاسفة الواقعية الجديدة في انتقادهم الذرائعية .(5)

أن الوعي ليس جوهرا قائما بذاته كما هو ليس تجربة خالصة منّبتة محايدة منفصلة عن  جوهرالعقل،لذا فالوعي وظيفة مادية وعقلية ماهوية مستمدة من جوهر العقل في تعالقهما المشترك وتخارجهما معا في أدراك الاشياء وفهمها وتفسيرها..لذا يكون جوهر الوعي غير منفصل عن جوهر العقل ولا يمكن التفريق بينهما في محاولة اعتبار كل منهما جوهرا يمثل موضوعا قائما بذاته. الوعي بأختصار غير مخل المعنى هو وظيفة العقل، والوعي الذي لايعقله العقل لن يكون موجودا.. لا وجودا محايدا ولا وجودا وظيفيا..

أما أعتبار الوعي تجربة خالصة كما تذهب له الذرائعية الاميريكية فهو تعبير لا يحمل معه التفسير البراجماتي العملي والعلمي معا..لأننا لا يمكننا أعتبار الوعي تجربة خالصة محايدة حسب رغبة الفلسفة الذرائعية، في حين كل معطيات العلم والمعرفة تؤكد أن الوعي يتداخل مع العقل ويتكافل معه في معرفة وتفسير مدركاتهما.. وتجربة الوعي لا تكون تجربة خالصة لوحدها وهي تمثل تجربة العقل في الادراك والمعرفة وكما اشرنا له في أسطر سابقة الوعي والعقل تجربة واحدة لا أنفصال ولا تقاطع بينهما.. وتجربة الوعي وتجربة العقل واحدة لا يمكن الفصل بينهما من حيث أنهما أدراك مشترك واحد لشيء أو لمجموعة موجودات ومواضيع تتم معرفتها بتداخل الوعي والعقل.. ..

ومن الممكن أن نعتبر الوعي وظيفة أو وسيط في نقل مدركاته الحسية الى العقل وبالعكس في نقل مقولات العقل الفكرية لغويا عن مدركاته العالم الخارجي، وبهذا المعنى لا يكون الوعي وسيطا ناقلا محايدا بين مدركات الحواس ومدركات العقل، فالوعي هو حلقة متداخلة في منظومة معرفية متكاملة تبدا بالشيء كموجود بجوهر وصفات، ومن ثم بأدراك الحواس له، ومن ثم أستقراره كوعي في الذهن وأخيرا تأتي مقولات العقل النهائية بشأنه... لذا الوعي في حالة أدراكه الاشياء غير العاقلة في الطبيعة فهو لا يدركها ألا كوسيط بين الحواس والذهن..والوعي بلا منظومة التصورات والتمثلات الانطباعية للاشياء لا يكون له حضورا محايدا مستقلا مطلقا.

لهذا من الخطأ أعتبار الوعي تجربة خالصة لذاتها ومحايدة في أدراكها الموجودات في العالم الخارجي.. عندها يصبح تساؤلنا وجيها منطقيا بماذا نستدل على أن الوعي كاف أن يكون تجربة خالصة؟ وكيف؟ ألا أذا أخذنا الوعي هو وظيفة أبستمولوجية ليست محايدة ولا منفصلة وليست قائمة كتجربة لوحدها من دون أعتبار الوعي حلقة في منظومة معرفية متكاملة تبدا بالوجود ولا تنتهي بالعقل.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش

1- جيرار ديلودال، الفلسفة الامريكية، ت.جورج كتورة، الهام الشعراني ص 123

2- المصدر اعلاه ص120

3- المصدر اعلاه 120

4- المصدر اعلاه ص 124

5- المصدر اعلاه ص 132

 

رحيم الساعديموقع UKEssays البريطاني

ترجمة الدكتور رحيم محمد الساعدي


في كتابه الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي في عام 1902، قدم بالصدفة عالم الاجتماع الأمريكي الرائد تشارلز هورتون كولي، مصطلح "الذات الزجاجية". وأصبحت هذه الاستعارة بمعنى ضمني اوتصوري (منذ ذلك الحين) مفهومًا قياسيًا في علم الاجتماع الأمريكي بمعنى أكبر من كولي نفسه، وللمصطلح آثار مهمة في علم النفس وفي الدراسات الأخلاقية  ونظريات تربية الأطفال، ومجالات أخرى.

وقصد كولي بهذا المصطلح أن الأفراد إلى حد ما، يطورون هوياتهم أو مفاهيمهم الذاتية، ويتوصلون إلى فهم وتعريف أنفسهم، انما من خلال النظر في الأفكار وردود الافعال التي يكونها الآخرون عنهم، سيما المهمون في حياتهم. و في عملية التنشئة الاجتماعية، والتي تعد بالغة الأهمية بشكل خاص في المراحل المبكرة من الحياة، يصوغ الناس طبيعتهم وشخصياتهم وتتغير أدوارهم استجابةً لردود أفعالهم تجاههم في السياقات الاجتماعية. وبهذا المعنى، وفقًا لكولي، يمكن القول بأن "الذات" "تعكس" الجوانب الاجتماعية الموجودة خارج الذات . ويشير المفهوم في الواقع إلى وجود ثنائي متفاعل من المرايا.

أولًا، يتخيل المرء نفسه مُصورًا (ويُحكم على هذا التخيل) في عقل شخص آخر ؛ ثم يعكس المرء في ذهنه تلك الأحكام التي يتخيلها المرء، وبالتالي ينظم سلوكه ويحدد نفسه جزئيًا.

إن ما "ينعكس" في مرآة عقل الفرد يتضمن أنظمة القيم، وتعريفات الذات، وأحكام الآخرين في المجتمع المحيط. من وجهة النظر هذه، لا يعتمد التطور الذاتي للفرد بالضرورة على الحقائق الاجتماعية الموضوعية ؛ بل يحدث لأن المرء يدرك أو يتصور ردود الآخرين بطرق معينة. وبالتالي، فإن التعليقات التي يعتقد المرء أنه يحصل عليها من المجتمع قد تكون في الواقع أكثر أهمية من أي حقيقة موضوعية خارج الذات.

وقد لخص عالم الاجتماع جورج جيه ماكول وجيه إل سيمونز نظرية كولي في عام 1966، وفق انه "تعكس تخيلاتنا عن الذات اهتماماتنا الشخصية." تقول باتريشيا آر جيت، في كتابها المعجم الموسوعي لعلم الاجتماع (1986)، إن نظرية "الذات الزجاجية" تميز ثلاثة مكونات منفصلة تساهم في تطوير الذات: ان ردود الآخرين على الفرد انما تصور الفرد لماهية هذه الاستجابات (والتي قد تختلف عن الردود الفعلية) ؛ واستيعاب الفرد لهذه الاستجابات المتصورة قد يصبح جزءًا من مفهومه الذاتي والتركيب السلوكي. وفي هذه المرحلة الأخيرة، يقوم الفرد بصياغة الذات التي تعكس المحيط الاجتماعي والأشخاص الموجودين فيه كما هو أو كما أدركهم بشكل شخصي.

يمكن أن تساعد ملاحظة الطريقة الدقيقة التي استخدم بها كولي مصطلحه لأول مرة على تطبيقه بتفاصيله الأصلية،في الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي .

وظهر المصطلح في الفصل المعنون "معنى" أنا "، وهو فصل من فصلين عن" الذات الاجتماعية ". يوضح كولي، عند اقتراحه مصطلح " ذات المظهر الزجاجي"، أنه ليس المقصود منه أن يكون تعريفًا مطلقًا لطبيعة الذات ولكنه مجرد جزئية واحدة "كبيرة جدًا ومثيرة للاهتمام" تكون فيها الذات (أو "أنا" “) من خلال محيطها الاجتماعي. وفقًا للغة كولي الأصلية، يتخيل المرء نفسه وكانه يظهر في عقل آخر، ومن ثم فان "نوع الشعور بتلك الذات هو ما يحدده الموقف الذي ينسب إلى ذلك العقل الآخر. ويمكن أن يطلق على الذات الاجتماعية من هذا النوع الذات المنعكسة أو ذات المظهر الزجاجي ".

يمضي كولي ليقتبس مقطوعة شعرية مجهولة: "لكل منا زجاج ذا مظهر / يعكس الآخر الذي يمر " وهكذا فإن أول استخدام كولي للمصطلح يشير إلى أنه في أي تفاعل اجتماعي، يكون هناك عقلان الاول مرآة (عقل شخص واعٍ بذاته)، والثاني (عقل شخص آخر "مرآة" متفاعلة) .

وفي الحياة الواقعية، يمكن للمرء أن يتخيل بعض التغييرات، خاصة بين أقرانه الاجتماعيين، على أنها تعمل في كلا الاتجاهين، بطريقة متوازنة حيث يكون كل شخص في نفس الوقت ممثلاً واعياً بذاته ومنتقدا يقوم بالتقييم .

يؤكد علماء النفس الاجتماعي مثل تاموتسو شيبوتاني على أهمية أفكار كولي في عملية التنشئة الاجتماعية. فمن وجهة نظر شيبوتاني، فإن "الذات الزجاجية" تعني ببساطة أن "توجه كل شخص نحو نفسه هو انعكاس للطريقة التي يُعامل بها". لاحظ كولي ما أكده ريد باين في الثلاثينيات من أن الأطفال يعرفون الآخرين كأشياء، ويدعون الآخرين بأسمائهم، قبل أن يشعروا بأنهم كيانات منفصلة. ويتفق العديد من الخبراء على أن الأطفال يعتبرون أنفسهم متلقين للعمل قبل أن يعتبروا أنفسهم ممثلين. لذلك، فإن طبيعتهم المتطورة كذوات نشطة تكتسب شخصيات يرجح أنها تعكس الطريقة التي عومل بها الآخرون ؛ ويكتسبون الهوية الذاتية أولاً من التفاعل الاجتماعي.

استعارة كولي، كأي تشبيه، تتضمن كلاً من ميزة الوضوح وخطر التشويه.

وعلى الرغم من أن ماكول وسيمونز يطلقان على زجاج كولي صورة "الغائم إلى حد ما"، فإن هذا المصطلح يستخدم بشكل شائع من قبل علماء الاجتماع للمساعدة في شرح جوانب معينة من العملية التي يحقق بها جميع الأشخاص هوياتهم، وينظمونها ويضبطونها ويعدلونها و يعتقد معظم علماء الاجتماع أن فكرة كولي تحتوي على حقيقة مهمة.

التطبيقات

الأمثلة المعممة التي استخدمها كولي عندما ذكر لأول مرة الذات الزجاجية عام 1902 هي نقاط بداية جيدة لتوضيح كيفية تاثير المفهوم في الحياة الواقعية. ويقترح كولي، أولاً، أنه عندما نجتاز مرآة حقيقية و"نرى وجهنا وشكلنا وملبسنا" ينعكس، فإننا مهتمون بشكل طبيعي وبالمثل، عندما نلتقي بشخص آخر، فإننا نتخيل أنفسنا بسهولة كما ينعكس في عقل ذلك الشخص "مظهرنا، وأخلاقنا، وأهدافنا، وأفعالنا، وشخصيتنا، وأصدقائنا، وما إلى ذلك." في الخطوة التالية، نجد أنفسنا نتخيل كيف يمكن أن يكون حكم ذلك الشخص الآخر على أنفسنا "المنعكسة". المرحلة الثالثة الناتجة عن هذا التسلسل هي الشعور التأملي في أنفسنا "مثل الكبرياء أو الإهانة" عندما نتصور هذا الحكم.

يعترف كولي نفسه بأن استعارة منظر الزجاج ليست كافية لشرح العنصر الثاني من هذه المكونات الثلاثة، وهو التقييم الذاتي للمشاهد.

يقول كولي، بافتراض أهمية المتفرج (الاخر –المترجم-) في حياة المرء، سيخجل المرء من أن يبدو متحفظًا إذا علم أن المتفرج صريح ؛ ولن يرغب المرء في أن يبدو جبانًا إذا عرف أن المتفرج شجاع ؛ وقد يتفاخر المرء، في موقف اجتماعي معين، أمام أحد المتفرجين حول كيفية قيام المرء بصفقة تجارية حادة، ولكن مع شخص آخر يرى المرء أنه يمتلك قيمًا اجتماعية مختلفة، وقد يحاول المرء إخفاء نفس الحقيقة. وفي هذه الحواس، إذن، تحدد المرآة الخارجية لعقل المتفرج طبيعة الذات الاجتماعية للفرد، وتولد سلوك الفرد ودوره في بيئة ما .

على الرغم من أن أمثلة كولي لا تشير إلى أن الذات الكاملة لأي شخص يتم تحديدها من خلال تطبيق مثل هذه التفاعلات، إلا أنه يمكن للمرء أن يرى بشكل عام، من الطفولة المبكرة وما بعدها أنه من المرجح يقوم المرء بتشكيل نفسه ليلائم ما يتوقع منه الاخر أن يكون .

و في المواقف الفردية طوال الحياة، حتى بعد تكوين هوية الفرد بشكل كامل، يميل المرء إلى تبني الأدوار السياقية التي يعتقد المرء أنها مناسبة عندما تنعكس في أذهان الآخرين. وهكذا، في غرفة جلوس الجدة أو في خدمة الكنيسة، قد يكون المرء في الواقع شخصًا واحدًا، بينما في مباراة كرة السلة قد يكشف المرء عن نفسه تمامًا ؛ هذا هو سلوك لعب الأدوار. قد يناقش الآباء الفخورون أطفالهم بحرية مع الآباء الآخرين، ولكن مع درجة معينة من الوعي، قد يمتنعون عن ذكر أطفالهم عند التحدث إلى شخص ليس لديه أطفال أو فقد طفلاً مؤخرًا في حادث سيارة. في هذه الحالات، يشكل الزجاج المحيط بالمحيط الاجتماعي والجمهور هوية المرء المدركة.

على الرغم من أن كولي أوضح فقط التبادلات بين شخصين بالغين ولم يستكشف على وجه التحديد الآثار المترتبة على مفهوم التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة، فإن الذات، ذات المظهر الزجاجي تساعد في تفسير تطور الهوية المبكر: ويميل الطفل الصغير إلى أن يصبح مزيجًا من الخصائص التي تمت الموافقة عليها و مرغوبا فيه في المجتمع. والمجتمع يضغط دائمًا على الأفراد للتوافق مع قيمه وأحكامه من أجل الحصول على الموافقة ؛ وبالتالي، فإن البشر يسعون عمومًا إلى القبول ويريدون تفكيرا جيدًا في تشكيل أفعالهم الاجتماعية وفقًا للإشارات التي يتلقونها من المرآة الاجتماعية التي ينظرون إليها دائمًا. كما ان الأطفال يميلون إلى استيعاب ما يواجهون خارج أنفسهم والتصرف كما لو كان صحيحًا وصحيحًا

و من الواضح أن أولئك الذين يعاملون ككيانات جديرة بالاهتمام لديهم فرصة أفضل في أن يصبحوا منتجين اجتماعياً من أولئك الذين يعاملون بإساءة أو تجاهل. إن تطوير مفاهيم الذات السلبية عند الأطفال لا يشجع الأفراد على التصرف لاحقًا ولا يشجعهم لتقديم مساهمات إيجابية للمجتمع.

 

 

علي رسول الربيعيأريد أن اشير ابتداءً إلى أننا دائمًا نقدم اراء ونطرح قضايا ونتبنى أعتقادات ونلتزم بايمان. يبدو كل هذا طبيعيا وعاديا في مجريات الحياة اليومية . ندخل نقاشات وسجالات من اجل تأكيد أعتقاداتنا وغالبا ما ندعو الآخرين لتبنيها والالتزام بها. لكن حتى يكون ذلك مقبولًا او يتقبله الآخرون منا علينا اثباته بالتدليل على صحته وصدقيته وحقيقته. وإذا كان ذلك كذلك يتطلب منا أو تبريره عمليًا او منطقيًا او عقليًا، أيً حتى يمكن ان يكون معرفة لها العمومية والسبب الضروري أو الكافي للتعميم. وتتطلب هذه المعرفة أن تكون مسًوغة، وهذا التسويغ يسمى التسويًغ الإبستيمولوجي .

على الرغم من أن مفهوم التسويغ الإبستيمولوجي (أو التبرير المعرفي) epistemic) justification (قد احتل مركز الصدارة في الفكر الإبستيمولوجي المعاصر، الا إن الأسئلة التي تنطوي على طبيعة وخصائص هذا التسـويغ مازالت محل خلاف كبير. وقد تفاقم الوضع أكثر بسبب الجدل حول الطابع الداخلي / الخارج (internalist/externalist) للتسويغ بين كل من جانبي النقاش مع ما يعتبرونه طبيعة ذلك المفهوم.

عادة ما يُنظر إلى التسويغ الإبستيمولوجي على أنه نوع من التبرير يرتبط بالمعتقدات والأحكام. وهذا ما هو مطلوب، من بين أمور أخرى، لإثبات اعتقاد حقيقي في المعرفة. ولكي نسأل عما إذا كان الشخص يعرف شيئًا ما، فنحن في الواقع نتساءل عما إذا كان لديه أسباب كافية لإعتقاده. على الرغم من أن محاولات تفسير "المعرفة" لم تحقق نجاحًا، من خلال التوافق أو الإجماع العام، إلا أن علماء الأبستيمولوجيا ما زالوا يتحدثون عن التسويغ الإبستيمولوجي كخاصية معرفية ذات قيمة في حد ذاتها. إنها تختلف عن الحقيقة في كونها غير قابلة للتحقيق، وأنها مسألة درجة. ومرة أخرى، على عكس الحقيقة، فإن التبرير له طبيعة سياقية. لإن ما إذا كان هناك مايبرر أعتقًادا معينا لشخص ما فأنه دالة على الحالة المعرفية لهذا الشخص. وبالتالي ، فإن ما يبرره الشخص في وقت معين قد لا يكون له ما يبرره في وقت آخر. وعادة ما يتم تمييز ما يكمن وراء الاختلاف من حيث مجموعة الأدلة ذات الصلة التي يمتلكها الشخص في أوقات مختلفة. تقليديًا، تم وصف الاعتقاد المبرر على أنه نوع من الاعتقاد مسموح به معرفيًا لإبراز ما يسمى بالطابع "المعياري" على أنه يتضمن ما يجب علينا نعتقده أو لا. من ناحية أخرى، يُعتقد على نطاق واسع أن التبرير المعرفي يختلف عن الأنواع الأخرى من التبرير مثل التبرير الأخلاقي أو البراغماتي من حيث أنه يهدف إلى خدمة هدف تصديق الحقيقة وتجنب الزيف وهذا هو بالضبط سبب اعتباره ضروريًا للمعرفة .

ومع ذلك ، هناك سمتان متميزتان للتسويغ تهيمن على النقاش الإبستيمولوجي المعاصر وهما مسألة المنظور وتوصيل الحقيقة.. وبصفة عامة ، يمكن تشخيص كل موقف أبستمي (حالة معرفية) يتضمن تشكيل أعتقاد العارف من خلال بعدين: المنظور والموضوعية. يتميز بعد المنظور من ناحية ظاهر الموقف الابستمي للشخص العارف، ومن ناحية كيفية ظهور الأشياء من وجهة نظره . من ناحية أخرى ، يتم تفسير البعد الموضوعي من حيث كيف تكون الأشياء في الواقع مستقلة عن العارف. وبما يتناسب مع هذين البعدين، سيكون للتبرير دور في كيفية ظهور الأشياء من منظور الشخص العارف وكذلك كيف تكون الأشياء في الواقع الفعلي. إن هذا الأخير هو ما يكمن وراء حدسنا فيما يتعلق بالطبيعة المؤاتية للحقيقة التبرير المعرفي. من ناحية أخرى ، يتم تمييز الطابع المنظوري للتبرير من خلال حدسنا فيما يتعلق بالوضع التبريري للمعتقدات في مايسمى "سيناريوهات الشيطان" المزعومة. خذ في نظر الأعتبار مثلا في عالم ممكن لا يمكن تمييزه عن العالم الحقيقي فيما يتعلق بتجاربنا، ولكن رأى فيه الشيطان أن معتقداتنا الإدراكية الحسية خاطئة دائمًا. ونظرًا لأن عالم الشياطين لا يمكن تمييزه عن العالم الفعلي ، يجب أن تتمتع المعتقدات الإدراكية الحسية في هذا العالم بالقدر نفسه من التبرير كما هو الحال في العالم الفعلي على الرغم من كونها، من خلال الفرضية، خاطئة دائمًا. ما أريد اخلص اليه في هذه المقدمة المختصرة هو أن أي نظرية مناسبة للتبرير يجب أن تكون قادرة على استيعاب هاتين السمتين ل التسويغ الإبستيمولوجي. وما يتضمنه هذان المكونان من عناصر التسويغ بالفعل قبل الشروع في دراسة كيف تعمل بعض التفسيرات المعروفة عن التسويغ الإبستيمولوجي فيما يتعلق باستيعابهما.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

حاتم حميد محسنكان الاتجاه المفضل لدى الشكاك عبر العصور هو الاشارة الى ان تعدد الآراء بين الناس يكشف عن عدم وجود حقيقة واحدة. في الحقيقة، قام الشكاك الأصليين بصياغة هذا النهج في واحدة من الطرق التي استخدموها لتجاهل وإضعاف العقيدة الدوغمائية. هم أدخلوا الشك في بعض القضايا مؤكدين ان الناس لم يتفقوا حولها – على سبيل المثال، رغم ان معظم الناس يقولون ان هناك حركة، لكن برمنديس جادل ان الحركة ليست الاّ وهما. هم يرون ان الاعتبارات يمكن تقديمها من كلا الجانبين، وبالنهاية تقود الى مأزق.

في الحقيقة، ان تاريخ الفلسفة يبدو تاريخا للناس غير المتفقين مع بعضهم. ارسطو لم يكن مشككا، لكنه كان مفعما بتنوع الآراء الموجودة سلفا في زمانه (384-322 ق.م)، وايضا ادرك ان هذا وفّر وسيلة فعالة لتفنيد المعارضين. في عمله حول الديالكتيك (تقنيات الجدال)، هو اقترح ان المرء يمكنه إتّباع ما أسماه endoxa "آراء مقبولة" كمادة لبناء حجج في النقاش. جميع الآراء لـ "العديد من الناس والحكماء"ستكون لعبة عادلة، طالما ان مثل هذه الرؤى تكون لها مقبولية مبدئية، حتى عندما تفتقر للإتساق المتبادل.

ولكن في سياقات اخرى لم يكن ارسطو راضيا ببساطة في جمع عقائد متنوعة كنوع من المخزون الجدالي. هو بدلا من ذلك حاول تنظيم آراء المفكرين القدماء، ليس فقط لتلخيص ما اعتقدوا به، وانما ليبيّن أين أصابوا واين اخطأوا.هذا يوضح لماذا العديد من أعماله الهامة مثل الفيزياء و حول الروح، تبدأ باستقصاء لما قبل سقراط وفلسفة افلاطون. انها كانت من بين اولى المحاولات لكتابة تاريخ الفلسفة، لكن ارسطو لم يكتب كمؤرخ وانما هو أراد ان يأخذ دروس من أسلافه بحيث يستطيع استخدامها في فلسفته الخاصة. فمثلا، هو لاحظ ان بعض المفكرين المبكرين اعتقدوا ان "المتشابه يُدرك من قبل المتشابه"(لهذا فان العين يجب ان تُصنع من عناصر مشابهة للأشياء المرئية)، بينما آخرون يؤمنون ان "المتشابه يُدرك من قبل الغير متشابه (لأن ما يُدرك يجب ان يكون مختلفا الى حد ما عما يدركهُ، بحيث يمكن تغيير الأخير من قبل الأول). هنا ارسطو يفصّل الاختلاف: جهاز الادراك هو في الحقيقة "يشبه" موضوعه، ولكن بإحتمال فقط. ارسطو كان مهتما بالنظريات المبكرة لأنه افترض ان ما يقوم به الانسان من تحقيق لابد ان يصل الى الحقيقة، على الأقل جزئيا. في كتابه الميتافيزيقا، الفصل الاول من الجزء الاول، هو قارن الحقيقة بباب لا يمكنك طرقه بإطلاق النارعليه. حتى الان، لا احد سيكون قادرا على الوصول الى كامل الحقيقة وحده، ولهذا نحن نحتاج للعودة الى أسلافنا . وحتى لو ساهم البعض فقط بالقليل، عندما تجتمع الرؤى الى بعضها، ستكون النتيجة جيدة. ومع ان هذه هي مشاعر متفائلة، لكن ارسطو لايذهب بعيدا للقول من الحتمي ان تبرز الحقيقة كاملة، او ان نظامه الخاص كان نوعا من كشف ذلك الانبثاق. لذلك، نحن نحتاج الانتظار لحين مجيء هيجل، لما يقوله، طالما فقط في عصره اصبح الظرف ناضجا للتعبير الكامل عن الحقيقة في نظام منفرد واع بذاته كليا(نظامه). هيجل رأى التاريخ الكامل للفكر البشري كقيادة لا مفر منها عبر مراحل فكرية تؤتي ثمارها بالكامل وحيث تجد الفلسفة ذاتها "مكتملة سلفا".

لهذا، فان فهم هيجل لتاريخ الفلسفة كان معارضا تماما لفهم الشكاك الذين يشيرون الى عدم الاتفاق بين الفلاسفة ويجد ان رد الفعل المعقول هو فقط تعليق الحكم. وكما كتبت انجيلكا نوزو في مساهماتها بـ تاريخ هيجل للفلسفة: تفسيرات جديدة (D.A.Duquette,ed.,2003) سعا هيجل لإزالة الانطباع بان التاريخ نُظر اليه فقط "كتعدد للفلسفات جاءت كل واحدة ضد اخرى، كل واحدة تدّعي حيازتها على الحقيقة المتفردة، وكل منها تجسد "تفنيدا" للحقيقة المدّعاة من اخرى". بدلا من ذلك، جادل هيجل، اننا نحتاج لفهم كيف ان كل مرحلة من الفلسفة تشكل خطوة نحو إتمام الفلسفة ذاتها. هذا يفسر لماذا هو، لايقل عن ارسطو، في انه كان يتبنّى استكشاف تاريخ الفلسفة. هو حاضر في مواضيع عدة مرات: في جينا ثم في هايدلبيرغ ومن ثم في برلين لمدة عقد كامل حتى وفاته عام 1831. في محاضراته يوضح كيف تطورت الفلسفة "منطقيا"وفق فهمه للعبارة. وكما قال لطلابه في محاضراته عام 1820، "ان تعاقب أنظمة الفلسفة في تاريخها هو نفس التعاقب الذي يحدث في الاستنتاج المنطقي للتحديدات المفاهيمية للفكرة".

هذا يجعلها تبدو مثل فلاسفة كل العصور، غير معروفين لأنفسهم، يتخذون بطريقة ما حركات مقررة سلفا في تطور مفاهيمي اكبر. ولكن في الحقيقة لا شيء هناك اسطوري حول الفلسفة وفق رؤية هيجل. تفسيره يقوم على افتراض معقول بان الفلاسفة يجب دائما ان يتصرفوا تجاه العالم المحيط بهم، وبما ان الواقع ذاته يتغير، فان الفلسفة يجب ان تتغير لكي تتطابق مع ذلك الواقع. هذا هو ما يعنيه هيجل بملاحظته الشهيرة"الفلسفة هي زمانها المدرك في الافكار"(مبادئ فلسفة الحق، 1820). ومع ان تاريخ الفلسفة مرتبط بعمق بتاريخ العالم، لكن البعض لايرى ان تاريخ العالم ذاته يتجه نحو وجهة معينة.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفدائما ما نصطدم حين قراءتنا بعض مباحث الفلسفة الغربية بمفترق طرق موزع بين مفوهمين، الاول لا يتعلق بالمبحث الفلسفي الاجنبي في عدم امكانية تبيئته الظرفية الزمانية - المكانية السيسيولوجية عندنا، على أعتبار مفاهيم الفلسفة عالميا هي مفاهيم الشمولية الكليّة التي توّحد هموم الانسان أينما يكون ويوجد وما يشغل الانسان في قضية فلسفية أو فكرية في بلد ما نجدها هي نفسها واحدة فلسفيا تعني الانسان كوجود ارضي وقضاياه وهمومه وتطلعاته كلها واحدة. ويبقى الاختلاف بالمنهج وطرائق واساليب التناول.

القلق الذي يتوزعنا في علاقتنا مع الفكر الفلسفي المعاصر:

1- ان مباحث الفلسفة الغربية عموما هي مباحث يكون تعبير اللغة عنها هو اشكالية المعنى الفلسفي عندنا قبلهم، وقبل ولوج اشكالية مضمون المبحث الفلسفي الذي يهمنا كما هو يهم غيرنا من منطلق انساني، هنا لا يذهب بنا الاعتداد بالنفس المكابر الى أننا لا نحتاج مثل هذه التعبيرات اللغوية الفلسفية المترجمة أو في لغتها الاجنبية الاصلية، التي نحاول فهمها وتفسيرها ومناقشتها من منطلق خصوصية لغوية عربية فلسفية عاجزة حسب تصنيف الغالبية في التعامل مع اللغات الاجنبية الاوربية كترجمة رصينة تعنى بتوصيل محتوى الفكر قبل شكل اللغة. وعاجزة عربيا عن المجاراة الندّية التي تتطلبها لغة التفكير الفلسفي في النقد والمناقشة.

وأننا بحسب هذه الغالبية من المفكرين بيننا وهم على حق لا نمتلك مجاراة الفلسفات الغربية التي تجذرت لغتها الخاصة بها وقطعت مراحل فلسفية سبقتنا فيها قرونا طويلة بسبب تعطيل رغبة وأهمية الفلسفة في حياتنا المعدومة فيها ابسط مستلزمات العيش الذي يجعل من ميدان الفلسفة ترف فكري ليس له علاقة بواقع حال ثقافة مجتمعاتنا العربية ولا يعبّر عنها، وموعد حضوره قبل الحكم عليه أنه تعقيد لغوي نخبوي لا يفيدنا بشيء يغيّر تخلفنا الموروث الممنهج بأننا محكومون بما هو تحريم مشرعن مصدره نضح واقعنا المتردي في معظم مناحي الحياة قبل تدوين تخلفنا الفلسفي الذي يحكم تساؤلنا مباشرة بدلالة عميقة ماهي الفلسفة عندنا؟ وبماذا تعنينا؟ وما هو دورها في مجتمع يبحث الانسان فيه كيف يسد رمق جوع عائلته ويضمن لهم كرامة عيش يكفيهم مذلة السؤال؟. من الامور التي نحاول القفز من فوقها وتجاهلها أن الثقافة لا تزدهر مع الفقر والجهل والتخلف المجتمعي الذي يكون فيه البحث عن معنى الحياة والوجود بلا معنى. ظهور مبدع كبير من بيئة التخلف والفقر في مجال ثقافي أو أدبي معيّن لا يلغي حقيقة أن مئات العباقرة ماتوا ودفنتهم مآسي الحياة بتجهيلها وفقرها أن يأخذ اولئك العظام فرصة نبوغهم بالحياة عندما يعدم الفقر أمكانية تحقيقها أمامهم في تكملة التحصيل الدراسي والثقافي.

2- القلق الثاني لا نجده مجديا هنا بديل هذا التبرير الزائف في تعاليه، ولماذا لا يكون لنا لغة خاصة فكرية ثقافية بنا تفصلنا عن لغة غريبة في الاصل عنا قبل الترجمة وغريبة في الاصل عنا ايضا بعد الترجمة العربية الهزيلة فكريا لها؟ الجواب الذي يحمل مباشرة حقيقته تبدو فجّة يتمثل في التساؤل هو هل عندنا فلسفة خاصة بنا عربية ؟، وهل لدينا فلاسفة عربا غير منفصلين عن الاعتياش الفلسفي في كتابة هوامش وشروحات وعروض مقدسة في عبقريتها لآراء فلاسفة أجانب غيرنا ويطلق العديد عليهم القاب مفكرين وفلاسفة عربا؟. الجواب ليس في عجز مطاوعة اللغة العربية التكافؤ الندي مع غيرها من لغات أجنبية قبل مساءلة انفسنا توفير أين هي الفلسفة العربية الخاصة بنا التي لا تمّثل لغة تعبير الافكار لها عدم مجانسة مضمونية وشكلية بينها وبين لغة التعبيرعنها.؟

خلاصة القول كتاب ومفكري الفلسفة العرب عندنا هم مستلبي الانتماء الحقيقي بين مفاهيم فلسفية متداولة عالميا لا تجد لها ارضا عربية عندنا من منطلق حداثة فكرية نبتعد عنها ومسبوقين بها ازمانا طويلة، والذي يزيد المشهد الفلسفي ارباكا هو أن مباحث الفلسفة المعاصرة بدأت تأخذ منحى مغاير عن تاريخ الفلسفة المعهود تداوليا الذي نفهمه وندرسه تاريخا مقدسا في تعالقه مع الموروث الفلسفي العربي الاسلامي الذي أنتهت صلاحيته بخروج اوربا من تخلف العصور الوسطى ودخول المنطقة العربية فيه بلا خلاص ولا رجعة.

دخلت فلسفة اليوم الحداثة وما بعدها كما تردنا ترجمة في تداخل معرفي متشابك لم نعهده سابقا مثل محور اللغة وعلاقتها بكل من المعرفة بانواعها، علاقة اللغة مع علوم الطبيعة وعلم النفس والعقل، علاقة الفلسفة بتساؤلات الايمان الديني المعاصر، علاقة الفلسفة بالبيئة، علاقة الفلسفة بعلم التاريخ ولانثروبولوجيا وعلم الاساطير، علاقة الفلسفة بالحداثة، علاقة الفلسفة بالهوية، علاقة الفلسفة بالسياسة والاقتصاد الخ الخ. هذه المباحث غريبة عنا بين مزدوجتين ولا نجد لها حلا عربيا في ازدواجية غربتنا عن لغتها الاجنبية الخاصة بها في منهج تناولنا الفلسفي لتلك التداخلات الفلسفية، في منهج متقاطع معها سببه ازمة اشكالية الحداثة عندنا. وازدواجية قصورنا معالجة مضامينها الغريبة عنا  بنوع من الاحساس المتراجع دوما الى الوراء في عجزنا ممارسة نقد فلسفي يكون لنا فيه بصمة عربية تكافيء المنقود الاجنبي بسبب رغبتنا شد وأرجاع كل معرفة تردنا بمقايستها المعيارية بماضينا التراثي الذي يدور في فلك مفهوم تضاد الدين مجتمعيا مع العلمانية ممثلة بافراد قلائل.. حتى الذين كتبوا بالفكر والفلسفة محسوبين على العرب المغتربين في المهجر لم يكونوا يطمحون تاسيس انفرادية فكرية خاصة بهوية عربية مميزة حيث كانوا يقرأون الفلسفة الغربية بعيون أجنبية وليس بعيون عربية وبافكار دوغمائية تعيش الماضي مستقبلا وليس بافكار علمية عصرية تعيش الحاضر مستقبلا، ولم يكن واردا امامهم هدف تحديث اوطانهم التي تغربوا عنها بمقدار أهتمامهم جذب انظار من يزاملوهم في الجامعة الاجنبية أو في بلد المهجر كمفكرين اندادا لهم يبتغون شهادة الاعتراف بهم كفلاسفة ومفكرين بعد نيلهم الشهادة الجامعية ولا ضرورة تسميتهم باسمائهم لانهم اساسا لم يكونوا معترفا بهم من قبل مفكرين وفلاسفة أجانب داخل الكلية الواحدة أو الجامعة الواحدة في بلاد المهجر.

طبعا هذا التشخيص يستثني عديدين من فلاسفة مفكرين امثال محمد عابد الجابري وعشرات غيره من الذين استهدفتهم سهام القاطنين في باريس وعواصم عالمية أخرى بعدم انصافهم وهم لم يبرحوا مواطنهم وبلدانهم من قبل أجانب فلاسفة أهملوا باحثين عربا ممن يشاطروهم البلد في العيش أو الجامعة الواحدة التي تجمعهم. وهذا لا يشمل الجابري وآخرين على صعيد الاقطار العربية مثل مفكري المغرب، تونس، الجزائر، الاردن، لبنان، ومصر. فقد مارسوا وفكري هذه الاقطار بعضهم وبخاصة في مصر البحث الفلسفي باصالة فكرية وبصمة عربية تحسب لهم. والمفتقد المطلوب هو توحيد هذه الجهود الكبيرة في تأسيس بداية نهضة فكرية ثقافية فلسفية جامعة لها وزنها بين ثقافات شعوب العالم.

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

 

 

علي اسعد وطفةاللغة "مرآة الشعب ومستودع تراثه وديوان أدبه وسجل مطامحه وأحلامه وأفكاره وعواطفه، وهي فوق هذا وذاك رمز كيانه الروحي وعنوان وحدته وتقدمه وخزانة عاداته وتقاليده"  جميل صليبا .


مقدمة

تعد اللغة المنطلق الأول لعمليات التفاعل الإنساني، وتشكل في الوقت نفسه أحد أهم صيغ الوجود الإنساني  وواحدا من أبرز تجلياته. ويأخذ مفهوم الاتصال اليوم أهمية مركزية في علم النفس الاجتماعي وفي علم الاجتماع. فالاتصال على حد تعبير كولي Cooley " هو العملية التي تأخذ فيها العلاقات الانسانية مجراها وحركة تطورها "(1). وذلك يشير إلى العملية التي يتم فيها تحويل وتبادل الإشارات بين الافراد. إن إدراك عملية الاتصال أمر يتميز بالصعوبة إلى حد كبير. لقد بين جورج هيربارت ميد G.H Mead أن الاتصال يسعى إلى إيجاد إحساس مشترك بين الناس أي : بين الذي يتصل والذي يستقبل. ومما لا شك فيه أن حياة مجتمع ما غير ممكنة إذا لم يكن هناك اتصال، إذ لا يستطيع الناس تنظيم أفعالهم وفقا للسببية الفيزيائية: وهذا يعني ان كل تفاعل انساني يفترض بالضرورة تدخل أفكار اتصالية تحقق التواصل بين الافراد في واقع الامر. و يميز الباحثون في مجال علم النفس الاجتماعي بين نموذجين اتصالين هما: الاتصال الجماهيري اي تحويل الافكار إلى عدد كبير من الناس دفعة واحدة. ثم الاتصال الشخصي وهو الاتصال الذي يقوم بين شخص آخر وهي العلاقات التي يطلق عليها العلاقات الأوليّة الأساسية.

الاتصال من غير لغة:

تشكل اللغة من غير شك الوسيلة الراقية لتحقيق التواصل الانساني. ولكن يوجد هناك اتصال بين الناس لاتكون فيه اللغة هي الوسيلة الوحيدة. وهذا ما يمكن ان نلاحظه عند العميان: الذين يعانون من غياب امكانية قراءة التعابير التي تظهر على وجوه الاخرين. ومما لاشك فيه ان العميان يتواصلون بدرجة اقل من المبصرين وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات التي تقوم بين المحبين (2 ).

ونستطيع ان نحدد اركان الاتصال في ثلاثة جوانب اساسية هي: الحضور الفيزيائي، والاشارة ،وتعابير الوجه. وتلعب هذه العناصر دورا هاما في عملية الاتصال وينطلق من هذه الجوانب إلى تحقيق فعاليتين أساسيتين هما: تحويل الافكار والمشاعر إلى الآخر من جهة ومن ثم التمييز بين هذه الافكار والمشاعر وفهمها من جهة اخرى .

لا يملك العنصر الاول - الحضور الفيزيائي بالنسبة للشخص المعني - تأثيرا مباشرا على نفسه اي على جسده أو على سمات وجهه. ومع ذلك فان طريقة اللبس والزينة تعطي الشخص نفسه، إراديا أو عفويا، بعض الانطباعات وهي انطباعات حقيقية أو متوهمة فالمظهر الفيزيائي عنصر اساسي من عناصر وعي الشخص للأخر بشكل متبادل. ومع ذلك يجب ان نلاحظ ان غياب المظهر الخارجي لا يمنع ولا يقلل من اهميته الاجتماعية. فكل فرد، في اي مجتمع، يحول في اطار محيطه رسالة حقيقية أو وهمية عن نفسه وعما يملك وما يؤديه من عمل. والمظهر الفيزيائي يشكل مثيرا اجتماعيا يلعب دورا هاما في عملية الاتصال بين الاشخاص. وتستطيع الاشارة ونعني بها الموقف الجسدي ونسق الايماءات ونمط التعبير الحركي ان تؤدي دورا إتصاليا هاما لا يقل شأنه عن اهمية الحضور الفيزيائي. ومما لاشك فيه انه يمكن للفرد ان يكون سيد ايماءاته وحركاته وذلك بدرجة اكبر من قدرته على السيطرة على هيئته الجسدية الفيزيائية. ومع ذلك لابد من الاشارة إلى ان نظام الاشارات والايماءات عند فرد ما يرتبط إلى حد كبير بطبيعته النفسية الفيزيائية أو طبيعته الاجتماعية والثقافية وذلك بالقياس إلى الحرية التي يتميز بها سلوكه. فالحركات العادية التي يؤديها الشخص ويقوم بها مثل مظاهر الاحترام الدبلوماسي، حرارة المصافحة لرجل السياسة، عصا المعلم المرفوعة، هي حركات تعبر عما يريد ايصاله إلى الاخر.

الطابع الرمزي للغة:

فالإشارات الرمزية التي نعبر عنها عبر ايماءات الجسد مثل موافقتنا، اللامبالاة، الحماس، الرغبة في رؤية صديق ليست في نهاية الامر سوى عناصر لغة محددة ثقافيا. ولكن العنصر الاكثر اهمية ومحورية في عملية التفاعل والاتصال الاجتماعي هي تعابير الوجه. فالإيماءات تقوم بعملية تحريض واثارة الافراد الذين يتفاعلون.

والايماءات هي سلوك اجتماعي متبادل أو سلوك متبادل اجتماعيا مثل المناقشة والتي تمثل سلسلة من ردود الافعال القوية. فالمشاعر التي تقوم بين المتخاطبين تكون محدودة ، ولكن تعابير الوجه الخاصة بالمحدث تؤدي إلى عملية استثاره. اذ يلاحظ أن تعابير الوجه هذه توجه عملية التفاعل، وبالتالي فان تعابير الوجه هذه هي أفضل من الكلمات في تمكين الفرد من فهم غاية الذي يخاطبه ويمكن لهذه الايماءات الوجهية ان تقول للأخر اشياء كثيره مثل: أرجوك، أو لو سمحت، أو لطفك الخ. أو للدلالة على معنى مثل لهجة الامر والتأكيد والجدية والهزل والاثارة والاعتراف.

وفي هذا السياق يمكن القول ان اتجاه النظر يمكن له ان يحدد موضوع التفكير عند الشخص، على سبيل المثال : إن قدره فرد ما على تركيز نظراته باتجاه الآخر تحمل معنى أو دلالة النزعة العدوانية. ويمكن ان يستدل من هذه النظرات على ميل الانسان إلى الخضوع في احيان اخرى: إذ يلاحظ ان البائعين يركزون انظارهم على انف الزبائن. وتبين الدراسات المخبرية ان الافراد الذين ينجحون في تحقيق عمليات هندسية ناجحة من دون خفض انظارهم أمام الملاحظ هم اكثر عدوانية من غيرهم.

لقد تكونت ادبيات متكاملة تقليدية عند علماء النفس الاجتماعيين وهي تتضمن امكانية الادراك المباشر لتعابير الاخرين ومشاعرهم. وغني عن البيان ان تعابير الوجه " كالإشارة "، تشكل جانبا كبيرا من اللغة التي يتحدثها إنسان ما. وإذا كان من السهل ادراك هذه اللغة بسهولة وذلك لأن وظيفتها ان تكون مفهومة بصورة حدسية ، وبالتالي فان الانسان يستخدمها لأنها مفهومه، ومن أجل أن تكون مفهومة. ولكن وكما هو الحال في أي لغة من اللغات فإن دلالة إشارة ما ليست أكثر من دلالة كلمة ما، وهذا يعني ان دلالة إشارة ما يمكن ان تتحدد في سياق نظام من الدلالات الاجتماعية .

إن عملية الاتصال الاكثر اهمية تكمن في لغة الكلمات أو في اللغة الشفوية. ويمكن لنا في هذا الخصوص ان نميز بين اللغة العادية وهي اللغة الشفوية واللغة الادائية التي تتمثل في منظومة القواعد النحوية التي تنظم حركة اللغة .  ولهذا  يولي علم النفس الاجتماعي يولي اهميته كبيرة لدراسة جوانب اللغة المختلفة ويتمركز اهتمام علم النفس الاجتماعي في ما يسمى علم النفس اللغوي الذي يدرس اللغة كما هي وكما تستخدم في واقع الامر(3).

السياق اللغوي

إذا كانت اللغة اداة لتحويل المعلومات فما هي هذه المعلومات؟ حيث تسعى المعلومات هنا لتبديد الشكوك اي بمعنى خفض عدد الاحتمالات وامكانيات الخيار امام الشخص. ويجري تحديد وحدة المعلومات التي يمكنها ان تقلص امكانيات الخيار إلى اقل من النصف. يقول افلاطون في هذا الصدد ان الكلمة تعبير عن جوهر الشيء وهذا يعني ان الدلالة تتحدد في اطار العلاقة القائمة بين الشيء والكلمة. ولكن ماذا تعني كلمة مثل افلاطون Platon ؟ ان مثل هذه الكلمة لا يمكن لها ان تعطي دلالتها الا بالعلاقة مع كلمات اخرى متعددة. وهذا يعني ان دلالة كلمة ما لا يمكن ان تكون مستقلة بذاتها ومن هذا المنطلق يمكن القول ان دلالات الكلمات تشكل كلا متكاملا ويأخذ صورة نظام دلالي، وهذا يعني ان دلالة كلمة ما لا تكمن في العلاقة بين الكلمة والشيء المشار اليه بل في النظام الدلالي على وجه العموم . ومن الضرورة بمكان الاشارة إلى اهمية دلالة الكلمة التي تشير إلى العلاقة الرمزية القائمة بين الكلمة والشيء الذي يرمز اليه، وهذه العلاقة ليست بسيطة كما يبدو للوهلة الاولى.

وتأخذ النظرية السلوكيه في اللغة انطلاقا من ذلك خصوصية عملية كنظرية سكنر Skinner. وهي التي تبدو اكثر اتصالا بالواقع، ولكنها مع ذلك تبدو غير كافية أو مرضية إلى حد كبير. فمعاني الكلمات كما يقول سكنر تتحدد بعملية التعزيز Renforcement وذلك لأن الاستجابات الصحيحة لمثير ما تؤدي إلى عملية تعزيز ايجابي.

البعد السيكوسوسيولوجي:

ويمكن ايجاد التفسير الخاص بمسألة التباين اللغوي الذي يظهر في قطاعات اجتماعية مختلفة. وهذا يعني ان هذا التباين يعود إلى دور الثقافة والمجموعات الاجتماعية على وجه العموم. بعض الثقافات تغني مفردات اللغة في جانب من جوانب الحياة الهامة، وتهمل بعض جوانب الحياة الأخرى حيث يؤدي ذلك إلى الاقتصار على مفردات اولية فجة وخاصة في مجالات الحياة التي ليس لها اهمية كبيرة على مستوى الحياة الاجتماعية(4).

وعلى الرغم من الجهود التي يوليها علم نفس اللغة، ونظرية الدلالة اللغويه للجوانب الاجتماعية في اللغة، فان هذه الجهود ما تزال قاصرة عن دراسة كافة المسائل الخاصة باللغة والتي يطرحها علم النفس الاجتماعي. حيث يلاحظ ان الدراسات الراهنة تكرس نفسها لدراسة " اللغة " وليس لدراسة من يتحدثون هذه اللغة.

وتتضح هذه المسألة في مجال الاقتصاد، عندما يقال على سبيل المثال: إن نفقات المستهلك هي وظيفة لدخوله الاقتصادية. وهذا يعني اننا ابعدنا المستهلك نفسه عن اطراف القضية أو المسألة. فالتبادل الشفوي يشكل نسقا من السلوك القابل للدراسة وخاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يتبادلون اللغة، أو بالنسبة لمضمون الكلمات التي يتم تبادلها بين الافراد أو من خلال السياق الاجتماعي الذي تجري في اطاره هذه العلاقة اللغوية. ويمكن القول هنا إن هذه الفكرة الخاصة بعلم النفس الاجتماعي هي فكرة في غاية الاهمية وهي فكرة لم تأخذ ما تستحقه من الاهمية حتى اللحظة الحاضرة (5).

فاللغة كما تبدو للإنسان العادي هي استخدام وسائل لغوية من اجل تحويل الافكار وتبادلها بين الناس. والحق يقال ان استخدام اللغة في عملية التفاعل الاجتماعي يستجيب إلى ثلاثة انواع من الغايات. وهي غايات محددة ومحسوسة: استجرار استجابات شفوية وتبادل التحيات والمجاملات، نداءات، اجابات، ثم استجراء الفعل والنشاط مثل اعطاء الاوامر، واخيرا استثارة الانتباه الذي يتصف بالديمومة عبر تأكيدات افتراضية .

وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على اشكال واضحة ومتعارف عليها مثل: الصلاة والخطابة والتصريحات والمحادثات. وكل شكل من هذه الاشكال ينطوي تفرعات محددة فعلى سبيل المثال تتفرع احاديث الصالونات إلى انواع مختلفة مثل: الحديث السري، حديث الثقة، الحديث العابر، وحديث العشاق أو الغزل. ويضاف إلى ذلك مختلف الاساليب الجمالية والادبية والنكتة والاغنية والحكاية الشعبية، ويتضمن ذلك على التوالي على قواعد ومبادئ النشاط اللغوي المتعارف عليه .

وتنطوي اللغة بوصفها مؤسسة اجتماعية على اسقاطات رمزية تحدد شكل اللغة ومسارها. فالحديث على سبيل المثال لا يأتي من أجل التعبير عن شيء ما فحسب أو لأن أحدا يرغب بالحديث، إذ يتوجب على المرء أن يتحدث احيانا فيما لا يرغب فيه. في بعض الاحيان يوجد المرء في مواقف سلبية فالموظف لا يتحدث في حضرة رئيسه في العمل مالم يطلب منه ان يتحدث، وهو لا يتحدث لأن ذلك من مقتضيات احترام الذات. وعلى خلاف ذلك قد يقتضي الموقف من المرء ان يكون ايجابيا فهو قد يتحدث بغاية تحقيق التوافق مع الاخرين أو مساعدة الاخرين على تحقيق التوافق اي من اجل الحدٍ من المسافة الاجتماعية الفاصلة، اي من اجل وضع حد لتأثير الخجل. ويجب على المرء احيانا ان يتحدث لأنه المعني بإلقاء كلمة أو خطاب، إذ يوجد في اطار اللغة، كمؤسسة اجتماعية، تحديد اجتماعي تتباين فيه ادوار الافراد. ومثال ذلك الناطق الرسمي، والمحاضر في المحاضرة، ومدير الندوة الفكرية والمهرج .. الخ .

ويتمثل احد جوانب المؤسسة اللغوية في الموضوعات التي يتم طرحها في هذه المناسبة أو تلك أو في اطار هذا الدور أو ذاك. فاختيار الموضوعات عملية تتم تحت تأثير نسق من الواجبات والرموز والاعراف، وبالتالي فان مخالفة القواعد العامة أو احترامها من شأنه أو يؤدي إلى العقاب عن طريق الاستحسان أو الابتسامة أو الاهانة أو بالعداء الذي تظهره الجماعة فيما بعد للشخص.

ويمكن لنا أن نتحدث عن وجود بعض أشكال التنوع بنغمة الصوت " Les tons " ففي بعض الاحيان تأخذ هذه النغمة نمطا إداريا يعبر عن النسق الاجتماعية للعلاقة بين الموظفين وفق سلم التراتب الوظيفي. ويجب ان نعترف ايضا بوجود خصوصيات لغوية جغرافية واجتماعية في عملية اداء اللغة وفي استخداماتها. والتي شكلت مجال دراسة لعدد كبير من الباحثين والدارسين في هذا المجال.

يتنوع هذا النسق المتكامل من القواعد والاتفاقات والاستخدامات بتنوع الثقافات وفي داخل الثقافات الفرعية نفسها. فالمناقشات العامة تخضع في البلدان الغربية إلى قواعد محددة مكتوبة أو عرفية وهي قواعد لا نجدها في مجتمعات اخرى. فالخطابة عند هنود الأريزون ARIZON التي تتصف بأنها مطولة ومملة، والتي يستند فيها إلى خطباء سابقين يستشهد بهم، حيث تكرس نفسها لمعالجة مسائل سبق لها ان طرحت، وتبحث عن تفاصيل دقيقة مطولة تجعل من الشخص الذي يستمع لأول مرة إلى هذه الخُطَب يشعر ان هذه التفاصيل لا علاقة لها بالموضوع المطروح. إن انتخاب المرشحين أو اتخاذ القرارات يعد اختراعا جديدا أوجده البيض وهي عملية تقض مضاجع النافاجوز Navagos المعمرين وذلك لانهم اعتادوا اطالة مدة المناقشة من اجل الوصول إلى إجماع في اتخاذ قراراتهم أو من إجل ايصال الخصوم إلى قناعة بعدم اهمية أفكارهم والتوقف عن المطالبة أو التعبير .

ويجب في النهاية أن ينظر إلى اللغة من خلال الوظائف التي تؤديها بالنسبة إلى الفرد أو إلى الجماعة. فاللغة وفقا لذلك المنظور تعد أداة أساسية لابد منها كي يحقق الفرد تكيّفه مع الجماعة التي يعيش فيها: فاللغة هي التي تتيح للفرد أن يتمثل المفاهيم والافكار والتصورات الاجتماعية. وهي بالإضافة إلى ذلك تؤدي وظائف متعددة أكثر خصوصية. إذ هي بمثابة فعل اجتماعي يسعى إلى تحقيق غاية محددة تحقق للفرد هويته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص يرى علماء النفس الذين يعتمدون التحليل العاملي في أبحاثهم وجود عامل شفوي - V -إلى جانب عامل الذكاء - G - ويضاف إلى ذلك عامل اخر يطلقون عليه اليسِر اللفظي Aisance verbale. وهم في هذا السياق يعترفون بوجود استعدادات متباينة بين الأفراد.

لقد أكد برت Burt على أهمية وضرورة البحث عن عوامل اخرى، فأسباب الصمت الذي يوجد عند طفل قد تعود إلى انخفاض مستوى الاثارة العاطفية لديه أو لأنه يعاني من كبت شديد، وقلما يعود ذلك إلى وجود استعداد Aptitude شفوي منخفض. والطفل الثرثار من جانب آخر هو طفل تعرض للتشجيع وقلما تعرض لعملية الكبت .  فاللغة لا تعبر عن الشخص فحسب بل تمكنه من اكتساب قيمته الاجتماعية. وفي هذا الخصوص تبين الدراسات الجارية أن الأسئلة التي يطرحها الأطفال في عمر الخامسة من العمر لا تهدف إلى إشباع فضول الأطفال فحسب بل تسعى إلى إثارة اهتمام الراشدين.

خاتمة:

لاحظ ديرو Dirot ان  الناس يحبون الحديث وهنا يكمن جانب من جماليات الإنسان. فاللغة تتيح لنا أن نفرض وجودنا على الآخرين كأشخاص ونجعلهم ينصتون الينا ، وتمكننا من أن نستحوذ على اهتمامهم ، ونجعلهم  يستجيبون لنا. وندفعهم عن طريق اللغة ايضا إلى المشاركة في المسائل التي تشغلنا، والاستماع إلى ما نريد قوله. ومن هنا يمكن لنا أن ندرك الدقة النسبية للتنظيم الذي يوجه التبادل الشفوي بين الأفراد .  ويمكن لنا هنا أن نجد بعض الملاحظات تتعلق بالنموذج النفسي للمتحاورين: فالثرثار على سبيل المثال، مهما يكن أمره، يحاول أن يفرض نفسه على الأخرين لأنه يشعر بالحاجة إلى تأكيد ذاته الواهنة .

وتتضمن اللغة أخيرا وظيفة علاجية على المستوى النفسي، فعندما يكون العنف الجسدي ممنوعا، فإن السباب والشتائم تصبح بديلا عنه، فالثرثرة المنزلية والنميمة بين الناس وروح التمرد تشكل ضرورة اجتماعية غير معروفة، إذ تعيد إلى الشخص اعتباراته القيمية أمام أعين الآخرين، وتعزز تقدير الذات ، وهي تعوض أحيانا عن حاجات نفسية متنوعة. واللغات الخاصة مثل اللغات العامية تؤدي هذه الوظائف، فالعامية تؤدي وظائف علاجية نفسية واجتماعية، وهي في النهاية تستطيع أن تخفف من طاقة النزعة العدوانية عند الأفراد وتخفض مستويات السلوك المباشرة ، وتعزز وجود الجماعات المغلقة، وتسمح للشخص ان يعبر عن انتمائه وميوله ورغباته.

 

علي اسعد وطفة

كلية التربية – جامعة الكويت

..................... 

هوامش ومراجع

Charles Horton Cooly , " Social organization ; A study of the. 1909 , lagrge mind , New yourk , Scrib-ners

Pierre Henri , " Les aveugles et la societe", P.U.F., ,.1958 Paris

Geroge A.Miller, "Langage et communication",trad. fr., Paris. 1956 , .P.U.F

A.Meillet , "Linguestique historique et linguestique .1921 , generale , Paris , Champion

Marcel Cohen," Pour une sociologei du Langage,Paris,Allin. 1956 , Michel

 

 

محمد كريم الساعديإنَّ حقيقة اشتراك معارف أخرى في بعض حدود علم التاريخ لإيجاد مشتركات بحثية في حياة الأنسان، منها ما قدمته الفنون في بدايات التجارب الأولى، قد أستفاد منها المؤرخ في زوايا معينة من هذه التجارب لتدوين بعض الحقائق من جهة ودعم مفردات أخرى عاش عليها الأنسان قد تصلح في توجيه مسارات تاريخية متداخلة مع هذه المعارف، كذلك الأنثروبولوجيا وصيغها المعرفية واشتغالها في مفردات الحياة اليومية للمجتمعات البشرية الأولى،أو ما لحقتها من مفردات أخرى ساهمت في دعم صور التاريخ، على اعتبارها مشتركة أيضاً مع مسارات مهمة حددت حقائق تاريخية مثل الرسوم والكتابات الأولى على جدران الكهوف وطرق الصيد التي دونت في فجر بدايات التجارب الفنية البكر،أو ما انتج من طقوس فيها ملامح للفنون هي مشتركة بين المسارات الأنثروبولوجية والتاريخية، وكذلك فن السير وغيرها من المشتركات مع العلوم والفنون الأخرى، " فالتاريخ مثلاً لا يعني بتدوين جميع الحقائق الخاصة بالحياة البشرية . فهو يترك حقائق الحياة الأجتماعية في المجتمعات البدائية ليستخرج منها علم (الأنثروبولوجيا) قوانينه، ويتخلى الى (فن السير)،أو (التراجم) عن الحقائق الخاصة بحياة الأفراد – على الرغم من أن حياة الأفراد جميعاً تقريباً تتصف بالأهمية والقيمة اللتين تجعلانها تستحق التسجيل، لم يكن أصحابها قد عاشوا في المجتمعات البدائية بل في أحد المجتمعات المتحضرة التي تعدّ، كما هو المتعارف، ضمن دائرة التاريخ . هكذا فإن التاريخ يعنى ببعض حقائق الحياة البشرية وليس كلها "(1). غير أن المشتركات هي فعلاً تشكلت من حدث مادي في حياة الإنسان، مما جعلت الحوادث المادية تعطي لدراسة التاريخ بعدها الأنطولوجي الذي يحسم العديد من الرؤى، وقد تكون بعيدة عن التطبيقات الفعلية لفهم الأنسان والتجربة التاريخية معاً " وهكذا يصبح التاريخ حسب هذه النظرة، عبارة عن سلسلة من الحوادث الناتجة عن شروط الإنسان المادية، وموقفه منها، لأن هذه الشروط تتبدل وتتعدل تبعاً لإدراك الإنسان نفسه، كما أنه لا يجوز النظر الى الحياة والتاريخ من زاوية خارجية تقيد حرية الإنسان "(2) وتفرض عليه سياقات خارج عن ماديته التي أسهم بها الفن في شكل أساسي في تدوينها والتي شكلت منها أحداث التاريخ، والتدوين ليس فقط الكتابة، أي أدوات الكتابة، لكن مفهوم التدوين هنا يتعلق بالكيفية التي مارس بها الفنان صياغة الأحداث المختلفة التي انتجت تاريخاً كتب من خلاله الممارسات التي قام بها الفنان نفسه منذ اللحظة الأولى لتشكيل وعيه بالتاريخ وبالحياة بمختلف صورها .

إذن، من أجل أيجاد فهم للتاريخ، لابدّ أن يتكون أطار مفاهيمي لدى الفنان يكون فيه قادر على إيجاد صيغ تواصل مع أفق تشكيل المنظور التاريخي لكل الحوادث والأفعال التي شكلت وعيه وأساليبه في الحياة، من يدوّن التاريخ بشكل مباشر ليس كمن يكتبه عن بعد، وتقع على عاتق الفنان أن يكون واعياً ويمتلك فهماً لما سيدوّن عنه حتى لا يأتي من يكتب مسار أخر للوقائع أو يبدل صورها التي حاول الفنان تجسيدها من خلال عمله عليها، بل يبقى نتاجه من يعبر عن القيمة في الوعي الجمالي للتجربة التاريخية الدالة التي من الممكن أن تتكرر في صورتها الجمالية بوصفها مقياس نوعي في تجارب أخرى مشابهة من حيث الوعي الجمالي لكن بتفرد عن سابقاتها، أو ما يأتي في طريقة إنتاج العمل الفني ذات التجربة التاريخية بعمل الفنان ذاته كون " ما يعنيه تزامن الوعي الجمالي في هذا الصدد هو أن أعمال الحقب التاريخية المختلفة يمكن أن تكون موضوعاً لنفس التجربة الجمالية، لأن المسألة هنا تتمثل في أن نحيا مرة ثانية هذه الخبرة والتعبير"(3). من الضروري أن يتشكل الوعي الجمالي للفنان بآفاق معرفته ومرجعيات تشكيل وعي متقصد للتجربة الإنسانية التي عاشها، فالفنان بإعتباره إنسان له شخصية معنوية ولتاريخه ايضاً شخصية تكتسب وجودها من وجوده وتكاملها من فهمه، حتى لا يكون تدوّينها غير سليم من الذي يدوّن لهذه التجربة عن بعد،أي من خارج أطار التشكيل الذهني للتجربة، الذي يجزئها ويضيف لها ما يشاء من مفاهيم قد تبعدها عن حدودها وطبيعتها التي شكلت وجودها، فالأمانة تفرض على من يقرأها أن يفهمها على وفق أطارها الواقعي وفهمها السليم وتدوّينها على وفق تصورات واعيه بها دون اضفاء أمور أخرى عليها، هذه التجربة الفنية في أطارها التاريخي تصبح أشبه بالحادثة التاريخية، التي تفهم في ضوء فهم طبيعة التاريخ الذي ينطلق من معنى " فهم لكل حادثة تاريخية بعد أن نجمع أجزاءها، وندرس مناخها والعوامل المكوّنة لها والشروط الضرورية لبروزها . علينا أن نفهم معناها، دون أن نكتفي بالسرد، فالحادثة التاريخية هي بذاتها شخصية تاريخية متكاملة ولها وجودها وحياتها ومقوماتها، ولا يجوز تشويهها وتحريفها والحكم عليها بمفاهيم قبلية ومأخوذة من عصرنا نحن "(4)وليس من عصر الحادثة ذاتها . من يحاول أن يطبق مفاهيمه المعاصرة على أي حادثة في بعدها التاريخي وفهمه المعاصر لها سيكون هذا التطبيق محمل بانحيازيات ستغير من المضامين الحقيقة للواقع في أطارها الزمني، فالحادثة التاريخية لها شخصيتها وكيانها وواقعها الذي لابدّ من التعامل وفقه والتفاعل من خلال استحضاره في لحظة ممارسة التطبيقات التي تفسر شكل الواقعة ونظم تشكيل صورها الذهنية في عقلية المتفاعل معها، وليس على وفق ما يريده المتفاعل مع الواقع مما يسهم في الغاء الشكل التكويني لهذا الحدث التاريخي وتغيير ملامحه التي جعلت منه حدث مهم يراد مراجعته وفهم مضامينه وأثره في الوقت الحاضر.

إذن،فلا بد من توضيح الفرق بين ثلاثة اساليب من الممكن أن تغير تفسير الحادثة وتؤثر عليها، اذا لم نستخدم الاسلوب السليم في الفهم للحادثة التاريخية في هذا المجال، ويعطي (أرنولد توينبي ) في كتابه ( بحث في التاريخ ) تبيان لهذه الأساليب ويقول: " يوجد ثلاثة أساليب متباينة للنظر في أغراض تفكيرنا والتعبير عنها وعرضها، ويدخل ضمن هذه الأغراض ظواهر الحياة البشرية . فأول هذه الأساليب تمحيص الحقائق وتدوينها، والثاني توضيح هذه الحقائق بقوانين عامة يتوصل اليها بالبحث في تلك الحقائق بحثاً مقارناً، والأسلوب الثالث (إعادة خلق)، هذه الحقائق أو تجديدها تجديداً فنياً على هيئة قصة خيالية . والمفروض عموماً أن تمحيص الحقائق وتدوينها هو أسلوب التاريخ، وأن الظواهر ضمن هذا الأسلوب هي الظواهر الأجتماعية من الحضارات . وإن استخراج القوانين العامة وتفسيرها هو أسلوب العلم، وأن العلم المختص بدراسة الحياة البشرية هو (الانثروبولوجيا)، أما الظواهر الداخلة في منهجيه العلمي فهي الظواهر الاجتماعية في المجتمعات البدائية. وأخيراً فإن الخيال هو منهج (الدراما ) والقصة أو الرواية، وأن الظواهر الداخلة ضمن هذا المنهج هي العلاقات الشخصية بين الكوائن البشرية "(5). هذه الاساليب الثلاثة التي يشير اليها (توينبي) تحدد طبيعية الفهم في مجال التاريخ والتمييز بين الفهم التاريخي للتاريخ والحادثة التاريخية، وبين اسلوبين أخرين لهما تقارب مع هذا الفهم للأشخاص الذين يحاولون دراسة التاريخ دون تحديد الأسلوب المختص بالدراسة التاريخية، كون أن هذا التقارب يجعل من غير المختص في التمييز بين الأساليب الثلاثة يذهب الى تطبيق مفاهيمه القبلية على الحادثة التاريخية لاغياً شخصية الحادثة التاريخية لصالح ما يريد منها ذاتياً وليس الهدف الموضوعي الذي جعل من الظاهرة محل دراسة ونقاش في مجالها . يريد (توينبي) من المشتغل بهذا المجال أن يعمل مثلما يعمل صاحب الحفريات بدقة في استخدام الادوات البحثية والتفريق بين ما هو مادة أثرية لها عمقها في الدلالة التاريخية البعيدة، وبين ما هو مزيف من الممكن ان يقلد ويدفن في نفس المكان المراد تنقيبه، والتحديد والتمييز يأخذه المشتغل في فهم التجربة التاريخية والحادثة التي وقعت وابعادها من خلال (تمحيص الحقائق وتدوينها )، لأن العملية تكون الاسلوب الأمثل لدراسة الحادثة،أو تلك للوصول الى الفهم التاريخي لها .

وباختصار فأننا نحدد الآتي في هذا المجال من خلال الاقتباس السابق لـ(توينبي):-

  • التاريخ وأسلوبه هو التمحيص للحقيقة التاريخية من أجل الوصول الى تدوينها كما هي بكل موضوعية بعيداً عما يعد معلومات قبلية قد تفرض على هذه الحقائق فتبعدها عن مسارها الطبيعي الذي وقعت فيه الحادثة التاريخية.
  • العلم وأسلوبه في استخراج القوانين العامة وتفسيرها لتوضيحها من خلال اشتغال هذه القوانين في تفسير الحقائق للوصول الى المقارنات البحثية الداخلة في هذا التفسير العلمي . ويشير الى أن هذا العمل يدخل في دراسة الحياة البشرية حتى أن كانت بدائية وتعود الى أقوام سالفة على وفق العمل الأنثروبولوجي في هذا المجال.
  • الدراما،أو القصة،أو الرواية وأساليب إعادة الخلق لهذه الحقائق،أو تجديدها في أطار فني يعطي المشتغل في هذا المجال تحويل الحقائق الى خيال للوصول بها الى منهج في طبيعة فهم العلاقات الشخصية بين الكوائن البشرية.

إنَّ قراءتنا لأفكار (توينبي) وتفحصنا لها تشير الى حقيقة واحدة وقعت في التاريخ أشتغل عليها ثلاثة من العاملين في مجالات ثلاثة (التاريخ، العلم، الفن) فأنتجوا ثلاثة أساليب مختلفة:

- التمحيص للحقائق وتدوينها .

-  القوانين من أجل المقارنة.

- وإعادة الخلق والتجديد من أجل الخيال) .

وكلها اتت من الحقيقة التاريخية التي وقعت فأفرزت عدد من الأتجاهات البحثية المختلفة،وعلى المشتغل أن يفقهها حتى لا يخلط بين ما ينتج عن الحقيقة التاريخية من أشياء تجعل المتتبع يضيع في فهم مفرداتها وانتماءاتها لتلك الحادثة .

إذن، يحتاج المتخصص في تمحيص الحقائق وتدوينها الى وعي بالتاريخ ذاته وأشتغالاته المعرفية وأدواته حتى يصل الى وعي تاريخي ينتج فهماً سليماً لهذا الأفق الممتد لحقائق التاريخ، والكيفية التي نخرج بها من أطار الزيف، " فالوعي بالتاريخ هو تجنيد الوعي في مشروع تمثل العالم في مجمل تحققه الزماني، أي امتحان قدرة التفكير على تشغيل ملكة التدوين والتحليل والاستقرار والاستنتاج التي ينعشها كوقائع، يبدو التاريخ هنا نقطة أساسية يرتكز عليها كل وعي يروم العمق والشمول لأنه يغذي ذلك الوعي بالإحالات التي تسعف فيه المقارنة والتأمل وسائر العمليات المعقدة التي تنتج الفكر"(6). فالتدوين الذي يستند الى العمق التاريخي يفتح الوعي الى آفاق أخرى بعد أن تثبت التجربة التاريخية بوصفها حقيقة قائمة في ذاتها تدعم في تشكيل الوعي في الحادثة التاريخية ذاتها وتعطي العقل امكانية التحليل ولاستنتاج حتى يثبتها بوصفها وقائع تاريخية لها حدودها وتحويلها من ماضيها الى حاضر تكون فيه حية في بثها للتجارب التي يستفاد منها الأنسان في حياته وفي وعيه من خلال التأمل الذي ينتج فكراً، ومن خلال المقارنة التي ليس كما قلنا سابقاً في استخداماتها العلمية، لا بل في طبيعتها مع الأحداث التي تقع في وقتنا الحاضر وكيفية استلهام التجارب منها في استخلاص الجيد من الرديء من هذه التجارب التاريخية على وفق الوعي التاريخي بها وأهم ما يقدمه التاريخ من مداخيل معرفية لتطوير وعي الأنسان بماضيه وحاضره من أجل الأبتعاد عن الأخطاء التي وقع بها من هو قبله .

إنَّ صياغات الوعي بالتاريخ وأعادت بث التجارب تجعل من الفرد العامل في مجال التاريخ قارئاً يمتلك مقومات النقل الواعي بما هو منقول في الوقائع التاريخية، ومن الممكن أن يكون أيضاً فنان في عملية تقديم هذه الحقائق، فالفن صناعة الأحداث التي قد ترتبط بالخيال بشكل كبير، والمؤرخ قد يعطي للفنان ملكة المساحة الواعية بالتاريخ بوصفه حوادث لها أطرها في المجال المعرفي على المستوى الوعي، فكلاهما داعم للأخر من صنع الماضي في جزئه المتخيل هو الفنان ومن قدم المادة في شخصيتها الواقعية هو المؤرخ، وكلاهما يعملان في مجال أبداعي يتشابه في بعده الواعي في التجارب المعرفية المقدمة، لكن يبقى العمل في مجال التاريخ يصنع مبدعاً في ايجاد ارضية من الأحداث التي يستقى منها كل من الفنان والعالم وغيرهما، وبذلك يكون المؤرخ فنان ايضاً كونه يصنع هذه الارضية والمائدة المعرفية التي يمحصها من الماضي .

إنَّ التشابه بين النشأة الأولى بالنسبة التاريخ بوصفه مجال ابداعي للمؤرخ يكون قريباً الى نشأة مجالات ابداعية أخرى ساهمت في الاستفادة من التاريخ وأفادته أيضاً كونها أصبح وسيلة ناقلة أيضاً لهذه الوقائع التاريخية،أو داعمة لبعض من أحداثها التي قد تكون قد وقعت لكن الدهر قد شوه بعض من ملامحها، وكل من التاريخ بوصفه سرداً للوقائع، والملحمة بوصفها سرداً لأحداث يحتمل صحتها من جوانب أخرى فيها تدعم التاريخ، ويقع التشابه في النشأة، فنشأة " التاريخ مثل (الدراما) والقصة من (الميثولوجيا) (الاساطير)، وهي شكل بدائي في التعبير والإدراك يكون فيه الحد بين الحقيقة والخيال مختلطاً غير واضح (...) فمثلاً لقد قيل إن من يشرع في قراءة (الإلياذة) على أنها تأريخ يجدها ملأى بالخيال . ولكن يصح القول أيضاً أن من يشرع في قراءتها على أنها خيال يجدها ملأى بالتاريخ . وتشبه جميع التواريخ الإلياذة الى حد الذي لا يستطيع فيه (هذه التواريخ) أن تستغني عن عنصر الخيال بالمرة . وأن مجرد أختيار الحقائق وتنظيمها وعرضها لهو أسلوب يعود الى حقل القصة والخيال، وأن رأي الجماهير مصيب في تمسكه بأنه ما من مؤرخ يستطيع أن يكون (مؤرخاً) عظيماً إذا لم يكن كذلك (فناناً) عظيماً "(7)، في صنع مادة معرفية من يقرئها ويمحصها يكون قادراً على أن يقدمها من خلالها قيمة معرفية تضاهي عمل الفنان العظيم في مجال ابداعه . فالفنان مصمم مبدع في وعيه الإبداعي، والمؤرخ أيضاً صانع مبدع في وعيه التاريخي، بين الوعي الإبداعي والوعي التاريخي تشابه كبير في صنع التجارب المعرفية بين التمحيص لدى المؤرخ وإعادة الخلق لدى الفنان.

من طبيعة التواصل المعرفي بين القارئ سواء أكان مؤرخ أو فنان مع التاريخ يسير وفق حاجة قد تفرضها التجربة التاريخية،أو موقف الفرد من هذا التاريخ في أيجاد ما يتلاءم مع احتياجاته لتجربة تاريخية ما، وأن تنطبق على مواقف معاصرة من أجل الدلالة على من يؤيد مواقفه تجاه هذه القضايا المعصرة، أو قد تكون لحاجات أخرى يسعى من يعمل في مجال التاريخ الى ايجاد ضالته في البحث بالحقائق الماضية وكيفية صياغة تجارب جديدة تفيد في هذا المجال الذي يسعى من ورائه الى أثبات ذاته من خلالها، ولكن ليس على حساب موضوعية الحقيقة التاريخية . إنَّ الوعي التاريخي لدى الفرد لابدّ من الوصول الى ما يهمه من البحث في الحقائق التاريخية من أجل اثبات ما يريده،أو تقديم وجبة معرفية للقارئ من وراء بحثه في التاريخ . فالحياة هي تاريخ مسطّر لا ينتهي وكأن الحياة هي ماكنة لأنتاج التاريخ، والفرد يبحث فيها وفيما تنتجه من حقائق تاريخية لابدّ من دراستها . فالعملية لا تخلو من "أن الحياة بحاجة الى التاريخ: هذه الحقيقة لابدّ من الوعي بها، ولابدّ في نفس الوقت من الوعي بمبدأ (...) وهو أن الإفراط في التعلق بالتاريخ يضر بالأحياء. إنَّ التاريخ يهم الأحياء لأسباب ثلاثة: لأنهم أولا ناشطون وطموحون، ولأنهم ثانيا حريصون على المحافظة على الأشياء وعلى حب التقديس، والسبب الثالث لأنهم يتألمون ولابدّ لهم من الخلاص "(8)، وطبيعة الفرد يسعى الى العمل المستمر من أجل اثبات ذاته،مما يجد في التاريخ وحوادثه دفعة نحو العمل الطموح من خلال استلهام ما يمكن أن يفيد من التاريخ، كما هو الحال في الحوادث التاريخية التي تخص المفاصل العلمية من اكتشافات،واختراعات وغيرها في مجال الطب، أو الهندسة،أو الفيزياء،أو حتى العلوم الإنسانية .   وكذلك فإن البحث في اهتمام الفرد بالتاريخ قد يكون لحرصه على الرموز الموجود فيه،أو حوادث أعطته امتداد حقيقي لوجود عمل على أحياء التاريخ بجدية مستمرة حتى يؤكد وجوده في ظل العمل على التغيرات التي تحصل على مستوى أثبات أو محو الهويات المحلية، مثال على ذلك: في الوقت الحاضر نلاحظ ابناء الأمة العربية دائماً ما يتغنون بالماضي الذي كان قد جعلهم في وقت ما في ريادة العالم، مقابل ما يتعرضون له اليوم من محاولات لمحو الهوية العربية مقابل الهيمنة الغربية على العالم . وتوجد أمثلة أخرى كثيرة في هذا المجال من الممكن أن يسوقها من يعمل على تعميق هذا الموضوع على مستوى الفرد،أو الجماعة . أو قد يعمل الانسان على الهروب الى الماضي الذي يجد فيه مساحة جيدة لتجارب ناجحة قام بها أسلافه جعلته من الذين ينغلقون عليها بسبب أخفاقات الحاضر المعاش الذي قد يتسبب بأزمة أثبات وجود قد تزحزح عن جادة الصواب نتيجة للظروف التي يعيشها الأنسان في وقته الحاضر، ونلاحظ عند بعض كتاب القصة، أو الدراما، وغيرهم دائماً ما ينغلقون على الماضي للخلاص من الحاضر باستحضار الموقف التاريخية دائماً بوصفها نوع من الخلاص في هذا المجال، كاستحضار شخصية البطل الذي يعمل على تجسيد صورة المنقذ في مواقف معينة، وفي الأدب أمثلة كثيرة ومنها ما حفل بها الأدب اليوناني في الألياذة وحروب طروادة، لكن الانغلاق على حقيقة البطل اليوناني المخلّص جاءت نتيجة لغائية تاريخية عمل على الاستفادة منها في دعم اثبات الهوية على المستوى الثقافي في تأكيد تاريخية المرجعيات الغربية، وكذلك على البعد الجمالي للهوية الاغريقية باعتبارها الهوية المؤسسة للذات الغربية في هذا المجال، وكما سنتناولها في الفصلين القادمين .

 

أ. د محمد كريم الساعدي

............................

المصادر

1- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، ترجمة: طه باقر، بيروت: الفرات للنشر والتوزيع، 2014، ص104.

2- د . حسين محمد سبيتي: أعلام فلسفة التاريخ، بيروت: المكتب العالمي للطباعة والنشر والتوزيع، 1996، ص47.

3- هشام معافة: التأويلية والفن عند هانس جورج غادامير، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2010، ص176.

4- د . حسين محمد سبيتي: نفسه، ص59.

5- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، نفسه، ص 103.

6- د. عبد الله عبد اللاوي: حفريات الخطاب التاريخي العربي (المعرفة، السلطة والتمثلات)، الجزائر: أبن النديم للنشر والتوزيع، 2012، ص 19.

7- أرنولد توينبي: بحث في التاريخ، المجلد الأول، نفسه، ص 104.

8- د . الهادي التيمومي: المدارس التاريخية الحديثة، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2013،ص29.

 

 

حاتم حميد محسنان الطبيعة الكلية للعالم هي الفوضى الأبدية، ليس بمعنى افتقاره للضرورة، وانما في الافتقار للنظام، البناء، الشكل، الجمال، الحكمة وكل ما يمكن ان يمتلكه الانسان من افكار جميلة .. علينا الحذر من ان ننسب له القسوة واللامعقول او أضدادهما: انه غير كامل ولا جميل او نبيل، وليس لديه الرغبة ليصبح أي من تلك .. انه لايعرف أي قانون. لنحذر من القول ان هناك قوانين في الطبيعة. هناك فقط ضرورات. لايوجد هناك من يأمر، لا احد يطيع، ولا وجود للمتجاوز.. لنحذر من القول ان الموت هو المضاد للحياة. الكائن الحي  ليس الاّ نوعا من الموتى، وهو نوع نادر جدا.(نيتشة)

الاقتباس أعلاه يلخص النظرة الحديثة للكون ، وهي نظرة يشترك بها تقريبا الكثير من الناس اليوم. بالتأكيد جرى التعبير بصراحة كبيرة وقسوة أكبر مما يحرص الناس التعبير عنه. لكن هذه الرؤية الباردة والفارغة والفوضوية للطبيعة النهائية للأشياء هي الصورة الأساسية للعالم الحديث. انها الحجر الاساس الذي بنى عليه القرن العشرون رؤيته عن الكون، وانها توضح عدة أشياء حول الطريقة التي يشعر ويتصرف بها الناس في االغرب في القرن الماضي .

ان الطريقة التي نرى بها الكون هي ليست منفصلة عن الطريقة التي نرى بها أنفسنا. اذا كان كوننا فوضويا وبلا معنى، كيف يمكننا ان نكون منسجمين وتكون حياتنا ذات هدف؟ اذا كان كوننا باردا وفارغا،  كيف يمكن لنا ان نعيش بطريقة ذات معنى؟

كل الناس التقليديين رأوا الانسانية والكون باعتبارهما مترابطين راديكاليا، والراعية (maid) نفسها هي "كون جزئي" او "كون صغير" والعكس صحيح ايضا في ان الكون نفسه هو بالنهاية أقرب لأنفسنا. كلمة "عالَم" تعني بالأصل "الانسان العظيم"، وبالطبع، في الاوقات المبكرة، جرى تصوّر الراعية الكونية كأنثى. نحن والكون مرتبطان بفكر تقليدي، ومن نفس الجوهر ونفس المادة. كلانا مدركان وكلانا نعني نفس الاشياء.

الرؤية الحديثة

وعلى عكس ذلك، طبقا للرؤية الحديثة، نحن لسنا الاّ صدفة في اتساع الكون،  ربما لم نكن، او ربما كنا بطريقة مختلفة جدا. ضمن المجرات اللامتناهية  لسنا الا نقطة ضئيلة، وضمن الأفاق اللامتناهية للزمن الكوني، فان تاريخنا كله، والماضي ، والحاضر والمستقبل ، ليس الا لحظة، انه غريب بالنسبة لنا، لايعرف اي شيء عن قيمنا او طموحاتنا، لا يعرف اي شيء، هو في الحقيقة  ليس الاّ مادة عمياء عديمة الإحساس، وعرضي وبلا معنى كأنفسنا.

عندما تخسر الراعية اهميتها في الكون، ويخسر الكون اهميته تجاهها، فان العديد من الاشياء الاخرى ستضيع ايضا. وحتى وقت متأخر تجسدت الراعية ذاتها في معرفة انها كانت كون صغير، وان ذلك انعكس في كل حركة قامت بها، وكل كلمة نطقت بها، وكل ملابس ارتدتها وكل ما احاط بها من الاشياء .

إرسم الراعية في اللحظة الحاضرة، في ملابس فضفاضة ومرتخية، تكافح دائما لأجل الغريب والشاذ، او اي شيءآخر لأجل الطارئ واللامبالاة. الا تمثل تلك صورتها عن الكون؟ كونها بلا هدف، عرضية، فوضوية، بلامعنى؟ ربما قميصها يحكي بعض النكات المبتذلة أو يعلن عن منتج تجاري. لماذا لا؟ أي احترام هي تطمح اليه، نقطة طارئة عائمة للحظة قصيرة في عالم الغبار العشوائي؟

ملابسها هي ملابس الإحباط والسخرية من الذات. حياتها، تجردت من جميع مصادر المعنى والانسجام، اصبحت تجوالا دائما بلا هدف تتحفز فقط بالرغبات المصطنعة اللامتناهية التي يفرزها النظام التجاري، وبواسطة تلك الرغبات التي نشترك بها مع الكلاب والقطط،  رُفعت الى منزلة الكلاب وتحفزت بكل الوسائل المتوفرة للاتصالات الواسعة.

وعندما يتفكك كوننا من الكل الموحد والهادف، الى مجموعة من الأشياء المنفصلة بمسافات مبهمة في الفضاء الأسود البارد، كذلك نسيجنا الاجتماعي يكون مهلهلا، وروابط الولاء والحب و التقاليد والثقة تصبح رخوة، تاركة كل فرد في وحدة منعزلة باستمرار يدافع عن نفسه في عالم بارد ومنعزل.

العديد من النتائج الاخرى تبرز من هذه الرؤية الجديدة للعالم كشيء فارغ وبلامعنى أقلها فقدان إحساسنا القديم بالمسؤولية نحو العالم. اذا كنا لا شيء بالنسبة للعالم والعالم لا شيء بالنسبة لنا، اذا كانت الراعية ليست عالما صغيرا، ولا العالم راعية كبيرة، لماذا يجب علينا ان نتعامل معه باحترام؟ لماذا يجب ان لا ننهبه ونحطمه؟ عندما تتلاشى روابط المعنى والولاء ورقصة التناغم الأبدي، ستبدو حتى المحافظة على الذات ليست كافية لمنعنا من قطع الغصن الذي نجلس فوقه.

نحن ربما نظن انفسنا كحيوانات، والحيوانات هي مجرد مكائن مبرمجة لأجل البقاء،  لكن عندما يكون بقاء الحيوان هو كل شيء، وعندما تُنتزع منا عقائدنا وحوافزنا التي هي دائما خاصية انسانية ، سيتضح اننا لسنا جيدين جدا في كوننا حيوانات، ولا نهتم كثيرا حتى بالبقاء ذاته.

ولكن حتى لو اتفقنا اننا افضل حالا مع كون عاقل، كون يعكس الراعية ذاتها ذلك لن ينفعنا لو لم نستطع الايمان به كحقيقة.

العديد من الناس اقترحوا انه من الأفضل للانسانية الرجوع الى بعض اساطيرها ومعانيها المبكرة لكي تنهي فراغ وفوضى العالم العرضي العشوائي. هذه الاقتراحات هي ذاتها بلا هدف. نحن لا نستطيع اختيار الايمان بشيء  نحن نظن انه غير صحيح. لا نستطيع إمضاء حياتنا عبر ممارسة الكذب الجميل. انه ليس من طبيعتنا.

اولئك المفكرون الذين حلموا باستعادة عالم الاساطير الذي نُظر اليه بعيون الأنثربولوجيا الحديثة او علم النفس قد اخطأوا الهدف كليا. علم النفس الحديث والانثربولوجي وضعا نفسيهما فوق الاسطورة ، يسعيان لتوضيح الانسان المتفوق (السوبرمان) بلغة انسانية،  ليختزلا ما فوق الطبيعة الى ظاهرة ثانوية لها.

اذا كانت الرؤى الاسطورية صحيحة، عندئذ فهي تكون اساسية. اذا كانت صحيحة، فهي تعطي توضيحات للثقافة الانسانية والذهن الانساني وليس العكس . واذا كانت غير صحيحة، فهي تكون لا فائدة منها لنا ولا لأي شخص.

الصورة الحديثة للكون تعرض نفسها كحقيقة. ليست جذابة او هادفة لنا، ولكن ببساطة هي صحيحة. تلك قوة كلمات نيتشة المقتبسة أعلاه. هذه الرؤية تدّعي انها أبطلت الرؤية السابقة وأنزلتها الى عوالم الفنتازيا القديمة الطراز. الكون الذي صُنع في صورة الراعية (او حتى العكس) كان انانية طفولية لنا. الآن نحن نعرف الحقيقة، سواء كنا نحبها ام لا. الكون هو غير مرتبط بنا ما عدى بمقدار ما نكون احد حوادثه اللامعدودة والعشوائية. ليس فيه رسالة لنا ولا معنى كذلك. هو غير مدرك وغير مدرك.هو فقط كائن وليس اكثر. نحن نعرف هذا كنتيجة لمعرفتنا المتفوقة. علومنا أثبتت ان كل العصور الاخرى خاطئة ونحن على صواب.

تلك هي الحكمة المعطاة من العالم الحديث. ولكن هل هي صحيحة؟ هل الرؤية العلمية العالمية الحديثة أثبتت بطلان الصورة المبكرة للكون الذكي؟ ان لم تكن كذلك، نحن ربما نرتكب خطأً جسيما. ربما ننتزع انفسنا من دعاماتنا النفسية، نزيح انفسنا من مكاننا الطبيعي في الكون، نسبب ضررا نفسيا غير معلن ليس فقط لأنفسنا، وانما للعالم الذي حولنا . نيتشة رأى بوضوح النتائج السايكولوجية لمثل هذه الثورة الداخلية:

"منْ أعطانا اسفنجة لتنظيف كامل الافق؟ ماذا عملنا عندما حررنا هذه الارض من شمسها؟ الى اين هي تتحرك الان؟الى اين نحن نتحرك حاليا؟بعيدا عن جميع الشموس.. الم نكن تائهين في العدم اللامتناهي؟ الا نشعر بشهيق الفضاء الفارغ؟ ألم يصبح اكثر برودة؟ الا تأتي المزيد والمزيد  من الليالي في كل الأوقات؟"

بالطبع، اذا كانت هذه رؤية جديدة فهي ببساطة صحيحة، نحن لا نستطيع عمل أي شيء تجاهها. الرؤية القديمة التي أعطتنا مكانا في كون متناغم وعطوف جرى إبطالها. نحن يجب ان نعيش مع الحقيقة الجديدة حتى لو كانت تفرغ قلوبنا وأرواحنا، حتى لو تحطم الروابط بيننا وبين الراعية ، تقتل إحترامنا لأنفسنا، تزيل حبنا للجمال والشفقة واخيرا تطفئ الرغبة باستمرارية الحياة.

اذا كانت الرؤية صحيحة وأبطلت الرؤية المبكرة فهل حصل ذلك حقا؟ سنبيّن هنا ان الرؤية التقليدية للكون لم يثبت بطلانها. الرؤية التقليدية؟ قد يسأل البعض اي رؤية تقليدية. بالتأكيد هناك العديد من الرؤى والعديد من الميثولوجيا والأديان قبل الحاضر. اي من الرؤى التقليدية نسعى لعرضها؟ نحن سنعرض الرؤية التقليدية لأنها هي الوحيدة حقا. انها صيغت بمختلف اللغات الروحية والرمزية في مختلف الثقافات، ولكن في جوهرها، هي ذاتها دائما وفي كل مكان .

سنفحص الرؤية التقليدية بشكلها النسوي السابق للصيغة الذكورية المعروفة في الثقافات التاريخية الحديثة. سنقوم بهذا لسبين. الاول لأنها الشكل الاقدم  والبدائي للفكر الانساني الكبير وثانيا، لأننا نعتقد ان المزيد من مشاكل العالم اليوم بما فيها خسارة ذلك التقليد، يكمن في التقييم المفرط للذكورية كمضاد للنسوية. نحن نتذكر حقيقة ان العديد من النساء اليوم يبحثن عن اجوبة للاسئلة التي تحطم حضارتنا، اجوبة يمكن توفيرها فقط عبر الحكمة التقليدية. غير ان رسالتنا ليست فقط للمرأة. في عالم جائع جدا للانوثة مثلما هو جائع للأبعاد العليا للحقيقة الاسطورية والرمزية،  نعتقد ان الرسالة اللازمنية لتقاليد الانوثة العالمية ستأتي كبلسم شفاء لكل من هو مستعد لسماعها.

الرؤية التقليدية

لنعود الآن الى سؤالنا السابق هل الرؤية التقليدية للكون جرى إبطالها وحلت محلها الرؤية الحديثة؟ لابد هنا ان نبدأ بالسؤال: ما هي الرؤية التقليدية؟ هذه الرؤية لدى الغرب الحديث هي التي نالت القبول طوال فترة القرون الوسطى والفترة الكلاسيكية وصولا الى ثورة كوبرنيكوس في القرن السابع عشر. طبقا لهذا النظام ، الارض تقف في مركز الكون،  هي كرة دائرية، وما ورائها هناك سلسلة من افلاك متحدة المركز، شفافة وبلورية. في كل واحد من تلك الافلاك هناك كوكب هو بالضرورة اله او ملائكة. اول هذه الافلاك التي اقرب الى الارض هو القمر ثم تأتي الزهرة وصولا الى سابع كوكب وهو كوكب زحل. بعد هذا يأتي عالم النجوم الثابتة وعالم السماء ذاته. الآن، هل هذه الرؤية للكون صحيحة ام زائفة؟ C.S.Lewis يشرح بوضوح الصورة التقليدية للكون في كتابه (الصورة المهملة) Discarded Image The (1) وهو متحمس جدا لجمالها وتناغمها،  مع ذلك هو يشعر انه مجبر للاعتراف انها ترتكز على ما اسماه "علم الفلك الانفجاري" وعلى فهم زائف "ما قبل العلمي"لطبيعة العالم الفيزيائي. هذا بالطبع، كان الإجماع العام للعالم المتعلم الحديث منذ القرن السابع عشر. ان الصورة يجب ان لا تُهمل ابدا. الاسباب التي رُفضت لأجلها كانت اسباب زائفة. كامل العملية ترتكز على سوء فهم بسيط لكنه جوهري، وان الراعية الغربية كانت غريبة عن كونها، عالمها متجرد من العمق والأهمية نتيجة لخطأ التفسيرات والالتباس. الصورة التقليدية للكون ما كانت مرتكزة على "علم الفلك الانفجاري"، لأنها لم ترتكز على علم الفلك ابدا. ليس لها مشتركات مع علم الفلك بالمعنى الحديث للكلمة – وهي محاولات لفهم الكون الفيزيائي على مستوى فيزيائي خالص.

هذا في الحقيقة بعيد عن الكتابات التقليدية حول الكون. عالم القمر او الذي تحت مجال القمراو الارض هو عالم الاشياء المادية، عالم التغير والاضمحلال،  وبكلمة اخرى، الكون الفيزيائي. كل شيء في التجليات الفيزيائية، اي كل شيء يُفهم بواسطة علم الفلك الحديث وبالعلم الحديث ككل – من اصغر الجسيمات ما دون الذرة الى أبعد المجرات بعدد لامتناهي من السنوات الضوئية - هو جزء من اول حلقة من الكون التقليدي. حالما نصل الى اقرب مجال سماوي وهو مجال القمر، نكون سلفا وراء العالم المادي ووراء كل شيء متميز لدى العلوم الفيزيائية.

القول بان الكون التقليدي انفجر بواسطة علم الفلك الحديث هو مشابه لمستوى الاستنتاج غير المنطقي الذي نجده في الكتابات الالحادية :"انا كدكتور استطيع التأكيد لك بعدم وجود حياة بعد الموت". الدكتور ربما يدّعي معرفة كبيرة في جسم الانسان قياسا بالانسان العادي. ولكن في الاسئلة التي تتجاوز العالم الفيزيقي هو ليس لديه ادّعاء اكثر من اي شخص آخر، وان ادّعاءه بان معرفته بمجال معين هي ضمان لتأملاته في مجال اخر هي ليست اكثر من نكتة ساخرة. صحيح ان إزاحة الكون التقليدي كانت اقل خداعا من احتيال الطبيب الملحد،  لكنه كان مرتكزا على التباس حقيقي اكثر من ان يكون على خداع متعمد، و النتيجة تبقى هي ذاتها.

مع تزايد الوعي المادي للعالم الحديث، جرى وبسرعة نسيان ان دراسة الكون يمكن ان تكون حول اي شيء عدى المادة الفيزيائية . كان الافتراض ان العلم التقليدي كان يحاول القيام بنفس الشيء كالعلم الحديث، لكنه يقوم بذلك بشكل سيء. لا اتفاق على ان الحكمة القديمة لها اهداف مختلفة كليا عن تلك الاهداف في العلوم المادية، وانه حتى عندما تبدو ظاهريا كذلك، فهي لاتدرس في الحقيقة نفس الأشياء (2). صحيح ايضا ان معظم القدماء تصوروا بالفعل الكون الفيزيائي وبنفس المقدار الكون الميتافيزيقي، اي، انهم فشلوا في رسم تمييز كافي بين البناء االملموس للكون ورموزه الفيزيائية الخارجية. كذلك صحيح ايضا انهم عرفوا القليل عن التفاصيل العملية للكون الفيزيائي قياسا بما قام به العلم الحديث. كل هذه النواقص هي نتيجة لحقيقة ان مستوى الوجود الخالص فيزيقيا لم يكن يهمهم كثيرا وان اهتمامهم الرئيسي كان في الحقائق العليا التي ترمز لها ظاهرة العالم المادي. من الطبيعي لأي ثقافة ان تكون جاهلة بأشياء تعتبرها غير هامة. اذا كان العالم القديم عاجزا في اسئلة الفيزياء المادية والفلك، فان العالم الحديث هو جاهل وبنفس المقدار في مجالات الميتافيزيقا والحقيقة الروحية.

من المهم ان نفهم ان تصورنا للكون يتم عبر توسط الحواس الخمس. نظريا، تلك الحواس يمكنها ان تتعدد عدة مرات. لاحدود هناك لعدد الحواس التي نمتلكها مبدئيا. يتبع ذلك، ان نسبة الكون القابل للادراك لتلك الحواس الخمس هو فقط نسبة ضئيلة جدا من الواقع الكلي. اذا كانت حواسنا متعددة، نحن يجب ان نندهش بالضخامة المرعبة للكون: منسحقين، محطمين، مجتاحين بالاتساع الرهيب المتعدد الأبعاد غير القابل للتحمل"الكائن الانساني لايستطيع تحمل الكثير جدا من الحقيقة".

هذه النسبة القليلة الآمنة من الكون التي خُصصت لنا – هذا العالم من الحواس الخمس – هو في ذاته فعل للرحمة، تجسيد لشفقة امنا الكبرى. الطيبة والشفقة مندغمان في نسيج الكون، وان رؤية نيتشة للكون الفارغ والبارد والذي بلا معنى هي رفض سخيف لتلك الطيبة ، لأن فهمه ارتكز على سوء فهم عميق لمكاننا ضمن طبيعة الاشياء.

لو تصورنا مخلوقا صغيرا يمضي كامل حياته على طاولة في غرفة. سطح الطاولة هو خريطة للعالم. الطاولة، وكل الغرفة تمثل عالم الحواس الخمس. هذا المخلوق تعلّم منذ البداية ان الخارطة التي على سطح الطاولة هي صورة للعالم، وانه عبر دراستها هو ربما يعرف العالم وذاته. الآن لنتصور في يوم ما هذا المخلوق ينسى التقليد الأصلي ويقرر ان يتعلم اكثر مما تبيّن له الخارطة. هو يقوم بصنع  تلسكوبات ووسائل اخرى وحالا  يجد انه يستطيع النظر الى النهايات البعيدة للغرفة. هو يتعلم عدة اشياء لم تتضمنها خارطة العالم. هو يتعلم عن طاولات ومقاعد ، بساط وحتى من مسافة بعيدة يرى الشباك والباب، رغم انه غير متأكد تماما ماهية تلك.

هو الان يحتقر خارطته ويعتقد انه يعرف الكثير حول العالم قياسا بأسلافه السذج الذين آمنو به. هو اكتشف اشياء لا تُعد ولم يحلم بها ابدا. ولكن ما لا يعرفه هو انه وراء هذه الغرفة توجد غرف اخرى، وراء كل تلك الغرف بيت آخر وعدد من البيوت الاخرى في نفس الشارع ومئات من الشوارع الاخرى في المدينة، مئات من المدن الاخرى في البلد، ومئات من البلدان الاخرى في العالم – وليس فقط بلدان، وانما بحار واسعة وغابات وصحاري وكهوف تحت الارض  ومناطق قطبية والكثير. كل هذه الاشياء تُرى على الخارطة التي على سطح الطاولة،  الخارطة التي هو يعتقد الآن ان تكون "مطلقة" بسبب معرفته الجديدة المتفوقة المكتسبة عبر النظر الى غرفة منفردة من بين تلك الحصة من الكون المرئي للحواس الخمس.

 بالتأكيد هو يعرف اشياءً لم يعرفها اسلافه لكنها تشكيلة عشوائية من الأشياء – مثل الاشياء التي صادف حدوثها في تلك الغرفة المحددة، والتي هي قريبة بما يكفي لرؤيتها او سماعها بوضوح. انها ليس لها معنى معين لأنها اختيار عشوائي ولذا تبدأ رؤية نيتشة - الافتراض بانه، بسبب كون الاختيار المحدود للواقع المتاح لحواسنا الخمس عشوائيا، كذلك الكون ذاته بلا معنى وبدون نموذج. هذه الرؤية النيتشاوية، ذات الخواص المرعبة تدفعنا لنرى ان كانت حواسنا متعددة الى النقطة التي يمكننا ان نرى اي شيء. نيتشة ذاته اصيب بالجنون . معظم العقول الصغيرة تبقى عاقلة لأنها لا تواجه الآثار الكاملة لما تعتقد.

ولكن لماذا من غير الممكن لنا رؤية الكون الكلي؟ ذلك بسبب اننا في حالتنا الراهنة ضعيفين جدا لرؤيته. الراعية لديها القدرة لرؤية الكل، المطلق واللامتناهي – الاله، فيه الكون الكلي يمتلك وجوده. لكن رؤية الاله هو بالضبط ما ابتعدت عنه الانسانية . انكشاف الكون الكلي الآن سوف يعرّضنا الى حمولة هائلة من الطوارئ – شيء مثل كون نيتشة متعدد بملايين ملايين المرات اللامتناهية: فوضى بأبعاد متعددة لامتناهية لا تتوفر فيها الحماية لأرواحنا،  ذلك ليس بسبب ان الكون فوضوي وانما لأنه يُرى من جانب شخص لم يحصل على الادراك الروحاني الحقيقي، انه من الضروري ان يبدو هكذا.

هذا العالم اللطيف، المحمي، ذو الابعاد الثلاثة هو وقاء لنا وايضا مدرسة اُعطيت لنا من جانب الحب العالمي. اعطانا عالم آمن نكون فيه اكثر قربا من الادراك الروحاني الحقيقي وايضا نتعلم الكون الكلي في طبيعته الحقيقية عبر دراسة الخارطة التي أمامنا. ماهي الخارطة؟ غرفتنا المغلقة هي الكون المدرك لحواسنا الخمس، لكن ما هي بالضبط الخارطة؟ هي الكون المتجسد مباشرة لحواسنا الضعيفة في هذه الحياة،  الكون هو حيثما تشرق الشمس وتغيب، وحيث قبة السماء الزرقاء فوقنا و الكواكب السبعة تتحرك في مداراتها. كما في كل خارطة، نحتاج معرفة ماذا تعني رموزها واشاراتها قبل قرائتها بشكل صحيح، هذه المعرفة او الحكمة اُعطيت لنا منذ وقت طويل.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) كتاب الصورة المهملة للكاتب سي.اس. لويس،  صدر اول مرة عام 1964 عن مطبعة جامعة كامبردج في 242 صفحة واعيد طبعه في مارس 2012.

(2) يجب الانتباه  خصيصا الى رؤية المركزية التقليدية للشمس الخارقة او الام الشمسية، ان فكرة مركزية الشمس للكون تتطابق ايضا مع الرمزية الميتافيزيقية الظاهرة. في الحقيقة، ان فكرة مركزية الارض تكون صالحة فقط من منظور ارضي. دانتي كان يتبع تقليدا عندما يعلّم ذلك من منظور سماوي (او في لغة افلاطون، في كون مدرك وليس محسوسا) ان الارض لم تعد مركزا وانما هي الحافة الخارجية للوجود. كوبرنيكوس في جداله حول مركزية الشمس كان يؤكد الرؤية الميتافيزيقية او الثيولوجية المرتكزة على احياء نظام شمسي فلسفي للعالم الكلاسيكي. هو لم يكن نموذجا للعالم المادي الذي تحاول الميثولوجيا الشعبية الحديثة اظهاره بها. وهو لم يدّعي طرحه شيئا جديدا وانما استخدم اشارات مرجعية من العالم القديم لمركزية الشمس. من مفارقات التاريخ ان عمله خدم غايات بعيدة عن مقاصده، وفي تحليله للرؤية التقليدية للكون يكون قد مهّد الطريق للنقيض لكل ما اعتقد به. وبعد قرن ، استجابت الكنيسة للتصاعد في دعوات نزع الأسطرة الكونية بمحاولة قصيرة الأمد لكبح مركزية الشمس لأنها ومعها اوربا كلها فقدت الأساس الفكري الضروري لدمجها في الاطار الروحي للغرب.