 أقلام فكرية

بين منطق أرسطو ومنطق العالم الآخر (2)

raheem alsaidiبين منطق أرسطو ومنطق العالم الآخر أو منطق الآخرة توافق واختلاف في القواعد العامة أو المقولات أو اختلاف البيئة وتنوعها وفقا لاختلاف النتائج التي آل إليها الإنسان أو لاختلاف طبيعة الموضوع وفق ثنائية الدنيا والآخرة أو الوقتي والدائم وبين الجزئي وشبه المطلق،فالاختلاف الذي نلمسه في جمع المتناقضات التي يقر بها المنطق الأرضي قد لا نجده عند الحديث عن الهوية التي هي وحدة واحدة لا تتجزأ في المنطق الثابت الأخروي او في جوانب التناقض والتضاد والثالث المرفوع،وقواعد جديدة تماما تفرضها الطبيعة الأخروية الجديدة،فأنت ترى بان حرية الاختيار ستسلب في أول الأمر لأنها أخذت فرصتها في منطق العالم الأرضي، ومجال ممارسة الفعل الإنساني وإنتاج هذا الفعل سيتوقف لاستنفاده في العالم الأرضي، وهكذا يمكننا التعاطي مع البيئة المنطقية الأخروية فتختلف على هذا الأساس المقولات من أين وكيف وإضافة ...الخ . ويتبع لهذا الاختلاف اختلافات معرفية وتقديرية (من المقادير) واختلافات في القدرة والاستطاعة .

 إن المنطق الذي يعد طفولة الرياضيات هو ابن الأرض والطبيعة وهو الديكور الفكري الذي يمثل مجموعة العلاقات بين كل من الطبيعة ومعارف الإنسان .

ويعرفه الجرجاني بوصفه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ومع الفرق بين الآلية والآلة، فإنني اعتقد ان المنطق إنما هو الآلية التي تمثل الأسس أو القواعد الطبيعية التي تنظم العلاقات أو الصفات أو الماهيات في عالمنا الأرضي والتي تتجنب وقوع الذهن في الأخطاء  . فالشيء طبيعي أولا ومنطقي ثانيا ولأنه طبيعي فهو منطقي لا العكس . كما يقول أستاذي البروفيسور مدني صالح .

إن أرسطو (384- 322 ق. م) درس أهم مظاهر المعرفة في عصره فلاحظ انها أسست على عشرة أسس، وقد جمعها أرسطو وشرحها وسماها المقولات والمقولات هي معنى كلي، إلا انه لم يجعل المنطق في قسم العلم النظري لان موضوعه ذهني لا وجودي، فهو علم قوانين الفكر .

وجمعت المقولات ببيت شعر (قمر غزير الحسن ألطف مصره- لو قام يكشف غمتى لما انثنى)

فالقمر هو الجوهر، وغزير هو الكم، والحسن هو الكيف، وألطف هي الإضافة، ومصره هو الاين، وقام هو الوضع، ويكشف هو الفعل، وغمتى هو الملك، ولما هو المتى، وانثنى هو الانفعال .

وهذه التوليفة تشير الى محاولة إحاطة أرسطو بكل ما يشكل عاملا في التأثير على المعرفة الإنسانية فكأنها الديكور وعلى هذا فيمكننا القول ان مقولات أرسطو إنما هي أسس الديكور (المادي والمعنوي) الذي تجري فيه او تتعامل معه المعرفة والتي ترسم ملامح القواعد المعرفية بشكل أولي .

وما بين هذه القواعد وقواعد العالم الآخر بعض من الاتصال والانفصال أو بعض من التوافق والاختلاف فنظام الماهيات هناك أو الجواهر يمكن ثلمه أو تطويعه مع الاحتفاظ بقانون الهوية، وإذا كان السؤال في العالم الآخر عن أسبقية الوجود والماهية فان أسبقية الوجود هي الأرجح مع الالتفات الى ان خلود كل من الوجود والماهية معا هو أمر نلاحظه في اغلب الآيات القرآنية . ولو طبقنا مقولات أرسطو على العالم الآخر فان موضوعة الديكور الطبيعي سوف تختلف هناك في عالم ينقلب فيه :

• إن الجوهر وفق أرسطو هو كل ما له صفه الاستقلال بذاته مثل العناصر، كالماء والهواء والنار،وهذا الجوهر هو الأصل، وما عداه من المقولات التسع أعراض له وتتطابق هذه المقولة مع النظام العام الأخروي ففي ذلك العالم هناك صفة الاستقلال التي تصنف وفق مفهوم الهوية (أ=أ) بكونه من أهم قواعد المنطق والذي يتوافق أيضا مع مفهوم التعريف، تلك الآلية التي استخدمها سقراط،فالتعريف يعني القول بماهية الشيء التي تعني ان خصائصه تختلف عن الخصائص الأخرى، لكنها في العالم الآخر قد تنطبق على الإنسان لاختلافه أو لاختلاف تعامل الذات الإلهية معه على وفق سجله الذي حمله معه من المنطق والعالم الأرضي، إلا انها قد لا تنطبق على الأجناس الأخرى مثل موارد الطبيعة والماديات وهنا ستحال القضية الى مفهوم الكليات فيصح التعامل مع مادة بعينها بكليتها، والجوهر سيكون مستقلا في المنطقين (الأول والآخر ) وإذا وصف الجوهر بمنطق أرسطو بأنه متحيز وقابل للبقاء لزمانين ولا يتداخل (أي لا يدخل جسم بآخر) ويحدث عن عدم وانها تنعدم فان بعض هذه الخصائص قد لا توجد في العالم الآخر .

• الكم: ويعني لا محدودية الزمان والمكان، وإذا كان الكم الأرسطي هو المنفصل أو المتصل فهل يمكننا التيقن من ان العالم الآخر يخضع بتقلباته المختلفة الى قواعد أرسطو المنطقية، كلا بالتأكيد مع وجود منطق جنة وسعها السموات والأرض أو مع بقاء كم الأعمار الخالدة سواء بجانبها الايجابي ام السلبي  .

• إن الإضافة التي تعني نسبة الشيء الى الشيء كما بين الأب وابنه فإنها قاعدة ثابتة في المنطق الأخروي حتى مع وجود الهروب الذي يصوره القران بفرار الإنسان من أمه وأبيه وزوجته وأولاده نتيجة الم وخوف العذاب .ومن الإضافة إضافة الصغر والكبر للكم والعلو والسفل للاين والأقدم والأحدث للمتى والانحناء والانتصاب للوضع ...الخ وهذا يعني ان الإضافة تتداخل مع بقية المقولات .

• اما الكيف فان نوعية الكيف المختلفة جدا عن كيف العالم الأرضي وتغير الكثير من الكيفيات الى صورة حيوية ومغايرة وجميلة وخلابة، فلا يصح إشغال أو توظيف منطق الأرض (من زاوية الكيف) على منطق العالم الآخر لان مقياسه مختلف، فهو متميز جدا ومرتفع عن مقاييس الأرض في (الجمال – المحبة – السكينة – السلام –الشعور – الأحاسيس- – النوايا) ....الخ . إلا ان بعض الكيف يعد ثابتا في العالم الآخر فهناك خجل وتغيرات الخوف والحزن والياس والهلع وتغير في الأشكال وكيفيات الطعوم السيئة أو الجيدة كالحلاوة والمرارة أو كل ما هو سيء بشكل خاص .

وسوف نتابع ان شاء الله هذا الموضوع في مقال آخر .

 

الدكتور رحيم الساعدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3582 المصادف: 2016-06-26 13:03:26