 أقلام فكرية

الموت في الفكر الفلسفي الغربي - والديني

ali mohamadalyousifتمهيد: اوضحت دراسة الردود التي طرحها الفلاسفة الغربيون عبر العصور ازاء مشكلات الخوف من الموت وطبيعته، ان اي رد على الموت يسعى اليه فرد ما ويجده مرضيا يعتمد في نهاية المطاف على موقف هذا الفرد من الحياة، وشدة خوفه من الموت والنوع الخاص من الخوف الذي يعانيه. غير انه من الجلي كذلك ان مثل هذا الرد لايمكن ان يكون تأمليا فحسب وانما يتعين بالفعل تقبله وتبنيه. وينبغي ان نضيف ان الرد الذي يبدو مرضيا على الموت في وقت ما قد لايكون كذلك في وقت آخر. وهكذا فانه لايمكن ان يكون هناك رد شامل دع عنك ان يكون هناك رد صحيح على نحو شامل. وقد لاتكون المصالحة مع الموت في الحقيقة امرا ممكننا بالنسبة للبعض، بينما بالنسبة للبعض الآخر فان اي حجة على وجه التقريب قد تعدل من فهمهم للموت وتحررهم من أليأس بازاء حتميته وعبثيته الواضحة الجليّة. وهناك نتيجة اخرى لما نقدمه  تتمثل في تحديد مكانة (مشكلة الموت) ودوره في الفكر الفلسفي الغربي. ومن ثم فان من المناسب ان نبحث باقتضاب ما قدمته حقيقة الموت للفلسفة ومدى ما يمكن الذهاب اليه في القول بان الموت هو موضوع التأمل الفلسفي بل وعبقريته الملهمة(1).

وحسب شوبنهاور فأن الفلاسفة جميعا اخطأوا حين وضعوا العنصر الميتافيزيقي غبر القابل للأفناء والخالد عند الانسان في الذهن. في حين انه يكمن في الارادة التي تختلف كلية عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة.

اما الذهن فهو ظاهرة ثانوية يتحدد بالمخ وبالتالي يبدأ منه وينتهي معه. اما الارادة فهي وحدها التي تحدد انها جوهر كافة الظواهر فهي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن. والتي هي ايضا قابلة للفناء. ووفقا لهذا فانه من المؤكد انه مع الموت يضيع الوعي لكن لايضيع الذي ابدع الوعي واستدامه. تنقضي الحياة ولكن لاينقضي مبدأ الحياة(2).

المتن (الموت الوجودي للانسان / استقصاء فلسفي – ديني)

يقول يوربيدوس: حينما يدنو الموت، لا أحد يرغب في الهلاك، ولا تغدو الشيخوخة عبئا، ويضيف من ذا الذي يعرف ان كان ما نسميّه بالموت ليس حياة وان الحياة ليست موتا. اما اسخيلوس: شتاءٌ وعناءٌ هي حياة الانسان وما من وجود للخلاص والسلام، ويقيناً هناك حياة افضل تحفها البركة والقداسة، لكنها حجبت في رحم الغيوم والظلام، وهكذا فاننا نتشبث يائسين بروائع هذا العالم الخداعة، لا لشيء إلا لأننا لا نعرف حياة اخرى، وما عين بشرية تخترق ظلال الموت، وأوهام الايمان تضللنا. وسوفيكلس فيقول : من عجائب الحياة العظمى جمعيا، ليس هناك ما هو اعظم من الانسان. الموت وحده هو الذي لا يجد الانسان له شفاءاً. في كتابات ارسطو الاولى كان شديد التأثر باستاذه افلاطون في موضوعة خلود النفس.

وانما يؤكد كذلك على وجود النفس السابق على وجود البدن وكذلك انتقالها–النفس او الروح- من جسم لآخر. اما هيرقليطس فيعبر جاك شورون عن رأيه بالموت وعلاقته بالنار والعود الابدي قائلا; (واذا ما افترضنا ان كل ما يقصده هرقليطس بهوية الحياة والموت هو ان الفرد يفنى لكن النوع يبقى. فأن اجابته ستكون استباقا لما قدمه ارسطو وعلم الحياة لمشكلة الموت.غير انه يبقى فارق مهم بالنسبة للعلم الحديث الذي يعترف بأن الانواع يمكن ان تفنى بل وأن الحياة كلها قد تتوقف.  وهرقليطس لم يقل بفكرة الاحتراق العام بمعنى فناء الحياة. بل قال ان هذا العالم واحد بالنسبة للجميع. لم يخلقه أحد من الأزل الالهة او البشر. لكنه كان ومنذ الازل وما زال وسيبقى الى الابد نارا حية تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار. مما حدا بالبعض القول بأن هرقليطس يقول بفكرة الاحتراق الكلي التي ترتبط بفكرة تجدد العالم على فترات كبيرة من الزمان. وهذه فكرة العود الابدي والسّنة الكبرى التي شاعت عند القدماء وخاصة الرواقيين. ومبدأ العود الابدي احياه نيتشه عقب ذلك بالفي وخمسمائة عام كان بمعنى ما من المعاني رد هرقليطس على الموت)(3).

وعن فكرة هيراقليطس عن الاحتراق الكلي ان الملفت للانتباه ان احدث النظريات العلمية الآن تذهب الى ان الشمس تستهلك كميات من الهيدروجين الكوني ومن المحيط الفضائي لكوكب الارض بمتواليات هندسية عالية جدا وسريعة مستمرة قد لاتدوم اكثر من بضعة الاف من السنين على الارض. يعقبها انخفاض تدريجي في درجة حرارة الشمس الواصلة الى الارض وادامة الحياة عليها.وباختلال النظام الشمسي في بقاء واستمرار الحياة على الارض ينعدم الوجود ويفنى. وعليه تكون حتمية انعدام الحياة على الارض مسألة وقت متفق عليها علميا وتلقى قبولا كبيرا لدى العديد من العلماء والفلاسفة من بينهم براتراند رسل.كما ان المؤتمرات الدولية بشان الحفاظ على الحياة في الارض ومعالجة الاحتباس الحراري وغيرها من التغيرات المناخية متشائمة جدا عن مستقبل الحياة على الارض.

ان اقدم نص يتحدث ان الموت فناء شامل وان الجسد والروح تتحللان الى مكوناتهما الاولية كانت شذرة انكسماندر610-547 ق.م. تناولت الشذرة الطابع الفاني للاشياء. ويرد على لسان جاك شورون في كتابه المشار له سابقا ان انكسماندر ارّقَهُ وعذّبهُ السؤال الضخم لماذا يتعين ان يفنى كل ما يظهر الى الوجود وكل ما له حق في الوجود. وما قيمة الوجود اذا كان عارضا زائلا.؟ (ص39 من الكتاب).

من الملاحظ بوضوح ان كل هذه الشذرات القديمة عادت وشكلت دعائم الفلسفة الوجودية الحديثة في القرن العشرين.وكما يقول سقراط: ألم تعلموا جميعا ان الطبيعة حكمت عليّ بالموت منذ لحظة ميلادي. وهذه بذرة جوهرية في ادبيات فلسفة الوجودية الحديثة ايضا.

هذا التعبير الوجودي واضح جدا على انه تعبير فلسفي ناضج متأخر وحديث، وليس قبليا يعود للحضارات البشرية القديمة. ففي اقدم ميثولوجيا في اورك هي ملحمة كلكامش ،كما لدى حضارات وادي الرافدين كالسومرية والبابلية والآشورية وفي مصر الفرعونية كان التسليم مطلقا بأنه يجب ان تكون حياة اخرى بعد الموت. وان الموت ليس فناءا تاما للانسان بدليل دفن الملوك والملكات والكهنة مع كامل زينتهم ومجوهراتهم وخدمهم ايضا.

ويؤكد مونتاني ان الموت هو نهاية ابدية للحياة وليس هدفها كما ذهب بعض الفلاسفة. ويؤكد ان مرض العقل – اكثر الامراض شراسة – هو الذي يدفعنا الى خيانة وجودنا الحق. ويجعلنا نحتقر وجودنا في حين ان علينا ان لانقبله فحسب وانما ان نحبّه ونبرز احسن ما فيه. هنا في هذا المعنى يعتبر مونتاني وجودنا الحق او الحقيقي هو ما نعيشه في حياتنا الارضية.على اعتبار انه لادليل مؤكد يعطينا بان وجودنا على الارض زائف كما يقول هيدجر. وانه بعد الموت لم يتاكد ايضا انه سيكون لنا وجود ثان اكثر حقيقية من وجودنا الحالي على الارض. فمونتاني كما مر بنا يعتبر الموت نهاية كل شيء وخاتمته وليس الموت هدف كل شيء في الحياة. وعلى اهمية ان وجودنا الحالي الارضي هو الوجود الوحيد المتاح لنا وامامنا. وجود محكوم بالقصر الزمني لذا يؤكد مونتاني ان قيمة الحياة ليست في امتدادها وانما في استخدامها. ويضيف الآن وانا ارى حياتي محدودة في الزمن اود ان امدها بالوزن –يقصد بالوزن القيمي ومعايير الخير واللذة التصوفية والحسية في الحياة وكل ما له شأن يعطي الحياة تفاؤلا وسعادة . اود ان ادرك والكلام لمونتاني سرعة انسياب الحياة من خلال سرعة قبضتي وقوة استخدامي لها للتعويض عن سرعة تدفقها. وبمقدار ما يكون امتلاك ناصية الحياة قصيرا يتعين عليّ جعلها اكثر عمقا وامتلاءا. في هذا التفاؤل الوجودي لحياة الانسان يبتعد مونتاني كثيرا عن جميع الفلسفات الوجودية المتشائمة التي تستهين بالوجود الانساني الارضي وتعتبره عبُثا ومأساة.

في القرن الثامن عشر اصبح انكار خلود النفس الاكثر اصالة. وكما كان حال الفلاسفة الماديين الفرنسيين ومعهم الفلاسفة الانسانيين خلال عصر النهضة اذ كان تأكيدهم على الحياة وليس الموت، الامحض حادث طبيعي مؤلم لايمكن تجنبه. وفي اتفاق مع روح التنوير المسرف المتوهج بقوى العقل جرى التركيز على القول بان الحياة يمكن تحسينها.ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا. وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد والوحيدة التي لها اهمية.اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف زيفها لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة(4).

ويعتبر هولباخ 1723 -1789 مؤلف كتاب نظام الطبيعة الذي كان له عميق الاثر على الفلسفة التي يرى انها يمكن ان تعرف على النحو السليم بوصفها تأملا للموت. وبهذا يخالف هولباخ بشدة مقولة اسبينوزا بان الفلسفة تأمل الحياة وليس الموت. ويؤكد هولباخ علينا ان نجعل ما هو حتمي مألوفا لدى نفوسنا ونواجه الموت بهدوء وان لا ندعه يفسد علينا متعة الحياة. فالخوف من الموت هو العدو الوحيد الحقيقي الذي يتعين قهره. وعدم وجود حياة اخرى يحررنا من سلطة القساوسة.

لايؤمن هيوم بنظريةٍ الخلود كما ينكر ان يكون هناك ذاتا self ويعتبر هيوم الذات مجموعة او حزمة من الادراكات الحسية ينعدم فيهامفهوم الذات غير المدرك الذي ندعوه الانا. وبعد اصابته بسرطان الامعاء لم يكن يخشى الموت وبقي محافظا على رباطة جأشه حتى قال عنه ادم سميث ان مرح صديقي هيوم عظيما جعل  الكثيرين لم يصدقوا انه كان يحتضر.

وكما يعبر كانط ايضا انه مامن احد سيكون بمقدوره حقا ان يتباهى بانه يعرف ان هناك الهاً وحياة مستقبلية. واذا كان يعرف ذلك فسيكون الشخص الذي سعيت له طويلا دون جدوى. ويعلن بجرأة اني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان عندي. ويشير صراحة ان هذا الايمان ليس منطقيا عقليا وانما هو يقين اخلاقي قائم على اساس ذاتي. ويشعر كانط بعدم الاقناع المطلوب فيقول لاشك يكون موضع تساؤل ان نقيّم هذا الايمان على اساس افتراض العاطفة الاخلاقية.

اما عن نيتشة والعود الابدي فمن الخطأ الافتراض بان نيتشة كان يعتبر نفسه مكتشف العود الابدي. فهو يلاحظ ان هيرقليطيس ربما كان ادرج هذا المبدأ في تعاليمه. وان الرواقيين يفصحون عما يشي به. غير ان ما لم يدركه نيتشة هو ان اخرين طرحوه كثيرا. وانه على امتداد القرن التاسع عشر كان هناك اشارات عديدة الى هذا المبدأ وتأملات حوله. فالمرء يجده عند هايني وهولدرين وبلانكي وجويو. واشار له بغموض سبنسر وبايرون. ورغم ذلك فان نيتشة كان اول من بحث هذه الفكرة لا باعتبارها امرا ممكنا بل امرا مؤكدا. وبوصفها قانونا للكون.بل انه حاول اثباتها علميا ودرس الرياضيات والفلك والطبيعة والاحياء لهذا الغرض. وقد خذله البرهان العلمي لكن على الرغم من ذلك فان نظرية العود الابدي اصبحت الفكرة التي سيطرت عليه. وتملكت ناصيته تماما وغدت حجر الزاوية في فلسفته (كل شيء يمضي كل شيء يعود وتدور الى الابد عجلة الوجود. كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد. وخالدا يمضي زمن الوجود. الاشياء كلها تعود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرات لاحصر لها ومعنا كل الاشياء.)

كما انه ليس هناك تناقضا بين مبدأ العود الابدي ومبدأ ارادة القوه (السوبر مان) لدى نيتشه. وفي تعبير مدهش يقول فيخته عن الموت البيولوجي وليس الوجودي (الموت حيلة الطبيعة كضمان مزيد من وفرة الحياة).

ماكس شتيرنر وهو اسم مستعار 1806-1856 فيلسوف الماني مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان من بينهم ماركس وفويرباخ قبل انشقاقهم على وفق فلسفات متباينه عن الهيجلية لابل نسفتها. يذهب شتيرنر الى ان الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة. وطالب بالمحافظة على الملكية الخاصة للافراد حيث ان ذاتية الانا ماثلة فيها.

وباسم الفرد العيني شن سورين كيركارد احد اقطاب الوجودية هجومه على هيجل ودعمه بذلك معاصره شتيرنر قائلا الانسان المطلق ليس الا شبحا او خيالا. وان الفرد هو وحده الحقيقي. الفرد ذو النزعة الانوية الذاتية الاوحد الذي لايهتم الا بجعل العالم ملكا له.

اما رأي سارتر ابرز واهم اقطاب الوجودية الحديثة فهو يرى الموت انه ليس ابدا ذلك الذي يمنح المعنى للحياة. وانما هو على العكس من ذلك فهو الذي يحرم الحياة بالفعل من كل مغزى. واذا كان علينا ان نموت فان حياتنا تخلو من المعنى ومشكلاتنا لاتتلقى اي نوع من الحل. لأن معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد. وعن الانتحار فيعتبره سارتر حدث من احداث الحياة وهو بالتالي عبث يؤدي الى ان تغدو الحياة غارقة في العبث. كما يحدد سارتر الوجود الانساني في ضربين من الوجود. الوجود في ذاته وهو عالم الاشياء اي العالم الموضوعي المحدد الذي لا أثر فيه لنشاط او تطور او حرية. اما الوجود لذاته او من أجل ذاته فهو الوجود الانساني الذي يعتمد على النشاط الحر ولا يستند الى قوانين موضوعية. والوجود من أجل ذاته ان وجود الانسان ينشأ لأن الوجود يعدم ذاته. وهو بالأصح لا وجود لأن العدم في داخله كالدودة. والانسان حامل العدم. والميلاد والموت واحد وهو ما يدعوه سارتر بالوقائعية التي هي صفة ما هو حادث وواقع على الانسان من احوال ليس له فيها القدرة على الاختيار او الارادة فيما يحصل له من امور سلبا او ايجابا. واذا كان من العبث ان نولد فمن العبث ان نموت. – عبارة استنفدت نفسها فلسفيا من كثرة تردادها على لسان اكثر من فيلسوف منذ زمن الاغريق –.

والمفهوم الفلسفي للحرية لدى سارتر يختلف عن المفهوم التجريبي العام الذي يأتي نتيجة الظروف السياسية والتاريخية. فالحرية الفلسفية وهي ما يؤكدها سارتر تعني حرية الارادة في الاختيار. وان الانسان فانٍ حر وليس حراً من اجل الموت. وما يعنيه سارتر ان الانسان بمقدوره ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته. ويعبر سارتر بان الانسان مسؤول حر عن العالم باجمعه لكنه وحيد في هذا العالم الذي يتحمل مسؤوليته كاملة. ويرتبط على نحو لا فكاك منه بتلك المسؤولية. ومن حقه رفض التحرك والبقاء سلبيا بمحض اختياره.

ويؤكد سارتر ان الانسان نتاج الوقائعية التي تنعدم فيها تماما ارادة الاختيار من الميلاد وحتى الموت. ويكرر سارتر موت الرب كما ورد عند نيتشة وهذا اقتبسها من سابقيه في لامعنى الخلاص الديني قائلا : ما الذي يستطيعه الفاني الحر القيام به في مواجهة الموت في عالم مات فيه الرب.

ويرى سارتر ان الموت في جنبته الايجابية هو تحرر فعلي للانسان من عبء الوجود. وان الموت خير من (.....) الوجود. والموت الذي يحرم الحياة من اي معنى فهو يجعلها عبث بلا مغزى. رغم تاكيد سارتر الاخير بان علينا استخدام حريتنا بقوة بالغة وجديدة في البحث الجاد وايجاد معنى للحياة.

ماكس شلر (1874-1928) فيلسوف اجتماعي فينولوجي ألماني، أخذ بمنهج الظاهريات عند "هوسرل" وطبقة في مجالات الاخلاق والفلسفة والدين والحضارة. من مؤلفاته "احكام القيمة الاخلاقية" 1914 و"مساهمات في الفينومونولوجيا " 1913 و" الشكلية في علم الاخلاق" بمجلدين الاعوام 1913-1916.

يؤكد ماكس شلر ان الانسان كان سيعرف الموت مدركه حتى وان كان وحيدا في العالم، ولم يسبق له قط ان شاهد كائنات حية اخرى غيره تعاني من التغيير الذي يؤدي بها الى تحولها جثة. ورأيه ان الموت بالنسبة للانسان "قبلي" سابق على اية ملاحظة، او على اية تجربة استقرائية لتغير كل مسار حقيقي للحياة. حيث ان الموت ليس احتضاراً عرضياً بدرجة او اخرى يدركه الانسان هذا او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة. كما يعبر امام عبد الفتاح امام ان الموت يرتبط بالخلق من العدم ومن هنا كانت الحياة.بسبب انها مخلوقة مرتبطة بالموت. كان الوجودلانه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه. ومن ثم يصبح كل وجود يميل بطبعه الى الفناء. وكل حياة يكمن الموت في جوفها.

يؤكد الكسندر كوجيف في كتابه (مقدمة لقراءة هيجل) على الدور الهائل الذي لعبته فكرة الموت في فلسفة هيجل الجدلية او الانثروبولوجية. فهي في التحليل النهائي فلسفة للموت او والمعنى واحد فلسفة للالحاد. ويمضي كوجيف ان الانسان في فلسفة هيجل هو الفرد التاريخي الحر. ويعني بذلك انه متناه على الصعيد الانطولوجي وانه دنيوي او يرتبط بالمكان والزمان على المستوى الميتافيزيقي. وبانه فانٍ على المستوى الفينومينولوجي. والانسان هو المرض القاتل للطبيعة. والانسان ليس فانيا وحسب وانما هو تجسيد للموت. ان موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى انتحار واعي بذاته تطوعي.

في عبارة  (لاجديد تحت الشمس فكل شيء موجود وكان موجودا باستمرار). تأكيد ان الموت عملية تغّير وتحول وليس فناءا.انه تغير في الحالة الطبيعية والكونية في اللامتناهي. ولا يفهم من ذلك ان الموت تناسخ ارواح دائمي او نوع من الحلول الانتقالي المستمر. ومن اشهر المنادين بهذا المعنى(برونو) فالانسان عنده اذ يسعى نحو اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل بالكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق.

و قبل الانتقال الى الموت في اللاهوت المسيحي يتوجب الاشارة الى اهمية افلوطين 204-270م فتأثيره كان كبيرا على الفكر الديني المسيحي من خلال تأكيده على الوجد التصوفي واهمية ان يكون للروح او النفس ملاذا اخر غير الجسد الذي يحكم سيطرته على الروح ويمنعها من الانطلاق المتسامي. وأكد افلوطين أهمية استقلال الروح عن اطار الجسد الذي تسكنه متجاوزا بذلك تناقضات افلاطون حول خلود النفس.

وكان كتب باسكال في خطاب مؤرخ في 17 اكتوبر 1651 الى شقيقته بمناسبة موت ابيهما علينا ان لاننظر الى الموت كوثنيين وانما كمسيحيين اي بأمل. ان خطأ الفلاسفة انهم نظروا الى الموت باعتباره أمرا طبيعيا للانسان. تلك كانت نظرة طفولية قاصرة. فالانسان خلقه الله ليحيا معه لذا فهو لايموت.الموت مخيف من غير يسوع. لكنه في المسيح مقدس ورقيق. وهو فرحة المؤمن الحق.ولكن كيف يصبح المرء مسيحيا حقا؟ ليس من خلال العقل وانما من خلال القلب.

واضح ان عبارات باسكال الواردة هي حث وتثبيت للايمان الديني المسيحي التصوفي البسيط الذي بمقدور اي انسان الحصول عليه عملا بقول باسكال (افعل كما لو كنت مؤمنا.) براجماتية  الايمان الفطري.

اما شوبنهور يعتبر الموت هو الهدف الحق للحياة. وقصر الحياة الذي يثير الاسى بلا انتهاء قد يكون افضل صفاتها. وان طبيعتنا الحقة غير قابلة للافناء ، معتبرا الموت ملهم الفلسفة معيدا الى الاذهان مقولة سقراط ان الفلسفة هي معرفة الموت. وبدون الموت لاتوجد فلسفة. ورأي شوبنهور في الانتحار الارادي المفروض انه يتماشى مع فلسفته التشاؤمية الا انه يعتبر الانتحار عملا احمق ولا يحل مشكلة الموت وخلاص الانسان من بؤس وعبء الحياة. بقوله ان الانتحار ينفي الفرد فقط لاالنوع. وربما غاب عن ذهن شوبنهور بان الموت الطبيعي للانسان هو الآخر ايضا يمثل نفي الفرد وليس النوع. وفي مخاتلة مع تجربة الموت يلجأ شوبنهور الى القول ان طبيعة الانسان الحقة – اي الارادة – باعتبار ان الحياة ارادة قبل كل شيء حسب فلسفته وان هذه الارادة لاتفنى بالموت. لان عدم قابلية طبيعتنا الحقة على الافناء.والنقطة الاساسية في حجة شوبنهور انه ليس هناك خلق من العدم. واننا اذا اكدنا هذه الفكرة فان علينا ان نوافق كذلك على ان الموت هو النهاية المطلقة اي العدم. وان اكثر الاسس صلابة لخلودنا هو المبدأ القديم(00لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لاشيء يستطيع العودة من جديد.. ).

كما يؤكد شوبنهور طالما هناك افتراض بأن الانسان خلق من عدم فنهايته الاخيرة بعد الموت الى عدم ايضا.ويقول ان نهاية الشخص حقيقية كما هو شأن بدايته. وبالمعنى ذاته الذي لم نكن به موجودين قبل الميلاد فاننا لانعود موجودين بعد الموت. غير انه لايمكن من خلال الموت افناءاً اكثر مما انتج من خلال الميلاد. ويمهد شوبنهور الطريق امام بلورة افكار الوجودية الحديثة لاحقا عندما يقول:( الرغبة في ان تكون الفردية خالدة تعني حقا التطلع الى دوام الخطأ بلا انتهاء.فكل فرد هو في اساسه خطأ  فحسب، خطوة زائفة شيء كان من الافضل ان لايكون. ) كما يعلن ان الموت هو الهدف الحقيقي للحياة. وهذه العبارات تكررت لدى اكثر من فيلسوف وجودي معاصر بدءا من كيركارد وليس انتهاءا بهيدجر او سارتر.

ويعالج شوبنهور مسألة الارادة على انها تمثل نوعا من الخلود فيقول: – ان السلام والهدوء المرتسمين على ملامح معظم الموتى يستمدان اصلهما من هذا التوضيح... فموت رجل طيب يكون عادة هادئا ويسيرا. اما الموت طوعا وغبطة وابتهاجا فهو امتياز المستسلم الذي ينكر ارادة الحياة. فهو وحده الذي يريد ان يموت حقا وليس ظاهرا. وهو يتخلى مختارا عن الوجود الذي نعرفه. وما يحصل عليه لقاء ذلك في تصورنا هو لاشيء. لان وجودنا بالقياس الى هذا هو لاشيء. والديانة البوذية تدعو ذلك بالنيرفانا. ان الموت هو الفرصة العظيمة لئلا اكون انا.وذلك بالنسبة لمن يستخدم هذه الكلمة وخلال الحياة تكون ارادة الانسان دون حرية. ويقع عمله على اساس شخصيته غير القابلة للتغيير في سلسلة الدوافع... والموت يفصم هذه العرى. فتصبح الارادة حرة والحرية تكمن في الوجود وليس في العمل(5).

وبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجلية في المسيح. واليقين بأن المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

وبذلك تحول الموت بالنسبة لشلنج فوزا نتقدم نحوه كما يتقدم المحاربون نحو نصر اكيد. وعلى الرغم من ان رد شلنج على الموت هو رد المسيحية فان استبصاراته الفلسفية تلمح الى احتمالات اخرى وهي تساؤله الشهير (لماذا كان ثمة وجود اصلا ولم يكن ثمة عدم؟) وهو ذات التساؤل الذي ارق فلاسفة الوجودية الحديثة ايضا.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم.ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا. كما اشار افلاطون(6).

 

علي محمد اليوسف

...............

(1) جاك شورون- الموت في الفكر الغربي هامش ص 279.

(2)جاك شورون مصدر سابق نقلا عن شوبنهاور العلم كارادة –الجزء الثالث ص 291.

(3) جاك شورون – الموت في الفكر الغربي – ص 42-43.

(4) جاك شورون، المصدر السابق، ص83.

(5) جاك شورون–مصدر سابق هامش ص323– نقلا عن الجزء الثالث من العالم كارادة لشوبنهور ص307-.

(6) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاستاذ علي محمد اليوسف على هذه الدراسة الممتعة التي تتناول اشكالية الموت في الفكر الفلسفي والديني فهو موضوع راهني با متياز فالانسان المعاصر اليوم يبحث عن المعنى المعنى في الحياة والوجود لذلك هناك عودة للدين والفلسفة وقديما قال أفلاطون أن الحقيقة هي تامل الموت كما اعتبر جان بول سارتر أن الانسان مشروع وأن الموت هو اخر امكانية تتحقق في حياته شكرا مرة أخرى أستاذنا الفاضل

قادة جليد
This comment was minimized by the moderator on the site

اسف على تاخير الرد شكري وامتناني لكلماتكم الرقيقة المعبرة وارجو الله ان يجعلني في كتابتي على موقع المثقف الغراء عند حسن ظنكم

علي محمد اليوسف
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4028 المصادف: 2017-09-15 01:52:09