 أقلام فكرية

نحو فلسفة وجودية إسلامية

jamil hamdaoui2المقدمة: تعد الوجودية (L’existentialisme) من أهم التيارات الفلسفية والأدبية التي عرفها الغرب الأوروبي في سنوات الخمسين والستين من القرن العشرين، ولاسيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وأساس هذه النظرية أن الوجود الإنساني هو المحور المهم الذي ينبغي على الفلسفة أن تعتني به، قبل الاهتمام بالماهية، أو الاعتناء بطبيعة الإنسان التي تتغير من حالة إلى أخرى.بينما يظل الوجود جوهرا ثابتا قائما لايتغير.أي: لابد أن تهتم الفلسفة بالوجود الفردي، وليس بالوجود الأنطولوجي الذي يعنى بماهو وجود، والبحث عن علل العالم وأصوله وأرخيته وإنيته وكينونته.

وبتعبير آخر، ينبغي أن تدرس الفلسفة الموجود الفردي والبشري في هذا العالم الآني والعبثي، بعد أن شهد هذا العالم مجموعة من الحروب الكونية المدمرة والقاتلة التي جعلت أفراد المجتمع يعانون من مشاعر القلق، والخوف، واليأس، والغربة، والسأم.

ومن أهم روادها في الفلسفة والأدب سورين كييركارد ( Søren Kierkegaard)، ومارتن هيدجر(Martin Heidegger)[1]، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[2]، وجان بول سارتر(J.P.Sartre)[3]، وسيمون دو بوفوار(Simone de Beauvoir,)[4]، والأمريكية راشيل بسبالوف(Rachel Bespaloff)[5]، وألبير كامو (A.Camus)[6]، وإيمانويل ليفيناس(Emmanuel Levinas)[7]، وموريس ميرلوبونتي(Maurice Merleau-Ponty)[8]، والروسيين ليون شيستوف(Léon Chestov)[9]، وفيودور دوستوفسكوي(Fiodor Dostoïevski)[10]...

إذاً، ما الوجودية؟ وما أهم روادها؟ وما أنواع الوجوديات؟ وما المقصود بالوجودية الإسلامية؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الوجودية

الوجودية تيار فلسفي من جهة، ومذهب أدبي من جهة أخرى. وبالتالي، ترفض الوجودية أن يكون الإنسان خاضعا للحتميات أو الجبريات القاهرة، سواء أكانت دينية، أم وراثية، أم نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية...، بل الإنسان حر في تصرفاته وأفعاله، مادام يملك الحرية والإرادة والعقل، فهو خالق لأفعاله. فهو الإله الذي يتحكم في مشيئته، يختار ما يشاء من ماهيات وقيم وأفعال، ويغيرها حسب المواقف والظروف، كأن يكون مؤمنا أو ملحدا. ومن ثم، فاختياره مشروع مستمر يتبدل بالظروف والمواقف والإرادة الفردية الذاتية.

 علاوة على ذلك، فالوجود الإنساني الفردي هو الجوهر والثابت والهدف الرئيس.في حين، تتبدل ماهية الإنسان وأعراضه وطبيعته الإنسانية. بمعنى أن وجود الإنسان قد سبق ماهيته.أي: لم يكن هناك شيء قبل وجود الإنسان، بل هناك عدم فقط.وبعد موت الإنسان، ينتقل إلى لحظة العدم كما يقول جان بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( الوجود والعدم)[11]، وليس إلى لحظة البعث والمحاسبة، كما يقول بذلك القرآن الكريم في سورة الإسراء:" قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)"[12]

وعليه، تؤمن الفلسفة الوجودية إيمانا مطلقا بالوجود الإنساني، وتتخذه منطلقا لكل فكرة أو نظرية أو تصور فلسفي. ومن هنا، يعد الإنسان أقدم وجودا في هذا الكون. وبعد وجوده الحقيقي والإني، تأصلت ماهيته وطبيعته الثانوية. بينما يلحق العدم وجوده من قبل ومن بعد. ومن هنا، تؤمن هذه الفلسفة الإنسانية ذات البعد الفردي بالحرية المطلقة للإنسان، مادام هو المسؤول الوحيد عن أفعاله وتصرفاته.وعلى الإنسان أن يعيش تلك الحرية دون قيود أو رقابة . وبالتالي، فليست تلك الحرية فوضى، بل التزاما ومسؤولية عند سارتر. وتتمثل تلك الحرية في حرية الفعل أو الحدث (أن يفعل الإنسان ما يشاء)، وحرية الزمان ( في أي وقت شاء)، وحرية المكان (في أي مكان يشاؤه) .

أضف إلى ذلك ينبغي على الإنسان أن ينسى ماضيه بكل حتمياته وقيوده وجبرياته، ويتنكر له بشكل كلي، ويعيش حاضره، ويتطلع إلى المستقبل، ويتحرر من القيود كلها، سواء أكانت نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم دينية، أم سياسية... ويعني هذا كله أن الفلسفة الوجودية لا تؤمن بالقيم الأخلاقية والدينية الثابتة، بل الإنسان حر في أفعاله وقيمه، يتصرف كيفما يشاء، دون الخضوع لقيم مفروضة عليه، مادام يخلق أفعاله الحرة.

ومن ناحية أخرى، يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty) أن حرية الإنسان نسبية، وليست مطلقة، مادامت الظروف الذاتية والموضوعية تتحكم في مصير الإنسان وواقعيته[13].

في حين، هناك من ينكر هذه الحرية، ولو كانت نسبية، كالسوسيولوجيين (إميل دوركايمDurkheim )، والنفسانيين (فرويد Freud)، وعلماء الوراثة، وعلماء اللغة (البنيويون اللسانيون)، وعلماء الاقتصاد(كارل ماركسK.Marx).

وبهذا، فقد آمنت الفلسفة الوجودية بالوجود الإنساني بشكل كبير، وجعلت هذا المبدأ هو محور الفلسفة الغربية المعاصرة التي ابتعدت عن الوجود الميتافيزيقي لتهتم بالإنسان والوجود الفردي والبشري. أي: ثارت الفلسفة الوجودية مع جان بول سارتر(J.P.Satre)، وسورين كيركغارد(Søren Kierkegaard) [14]، وجبريل مارسل(Gabriel Marcel)، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[15]... على فلسفة الماهيات كما عند سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، واستبدلوها بفلسفة الوجود. ويعني هذا أن ثمة انتقالا من الماهية إلى الوجود، والتعلق بالإنسان من حيث هو موجود فردي[16].

وتنطلق هذه الفلسفة الوجودية أيضا من نقطة ذاتية خالصة تعبر عن تجربة حية، تستخلص منها عدة معان فلسفية وميتافيزيقية.وبالتالي، لايمكن التعبير عنها بواسط نسق فلسفي منظم، أو الحديث عنها في قالب عقلي متسق ومنسجم ومتماسك .لذلك، استعمل الفلاسفة الوجوديون الكتابة الشذرية بامتياز، وهي كتابة التمزق، والتشظي، والتخلخل، والتقطيع، والتبعثر...

ومن هنا، فالفلسفة الوجودية مذهب إنساني بامتياز، وفلسفة معاصرة تؤمن بحرية الكائن الإنساني في اختيار مصيره كيفما يشاء، دون أن يخضع لضغوط ما، أو حتميات جبرية، أو إكراهات بيولوجية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو لسانية...

ويعني هذا إذا كانت الفلسفات الجبرية تثبت أن الإنسان خاضع للإكراهات والحتميات المقيدة، فإن الوجودية ترى أن الإنسان حر مهما كانت تلك الحتميات، وأنه مشروع مستقبلي حر.وفي هذا الصدد، يقول عبد الرحمن بدوي:"ومتى كان الوجود سابقا على الماهية لم يبق في الإنسان شيء يعين سلوكه ويحد حريته بل يعمل ما يشاء ولايتقيد بأي شيء، إذ إن الوجودية لاترى أن بوسع الإنسان أن يجد معونة في علامة على الأرض تهديه السبيل، لأنها ترى أن الإنسان يفسر الأشياء بنفسه كما يشاء، وأنه محكوم عليه في كل لحظة أن يخترع الإنسان.فما الإنسان إلا ما يصنع نفسه وما يريد نفسه وما يتصور نفسه بعد الوجود.بهذا يظن سارتر أنه يحقق الغرض الذي يرمي إليه وهو إنقاذ الحرية من الجبرية، فيصف الوجودية بأنها مذهب تفاؤل لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه فتجعل الحياة الإنسانية ممكنة."[17]

ويعني هذا كله أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا ( B.Spinoza ) يرى أن كثيرا من الناس يعتقدون أن أفعالهم حرة، وأنهم أحرار بكل ثقة، حينما يقومون بتلك الأفعال الداخلية والخارجية عن حرية وطواعية ومبادرة. لكنهم يجهلون أن وراء تلك الأفعال والتصرفات والسلوكيات ضرورات حتمية توجهها. وبالتالي، يجهلون أسبابها الحقيقية، ولا يعلمون كيفية انبثاقها وتحركها وصدورها عن الذوات، مثل: الحجرة المقذوفة في الهواء التي نعتقد أنها حرة في توجهها الحركي، ولكنها مدفوعة من قبل ذات ما. ويعني هذا أن أفعال الإنسان ليست حرة، بل هي معللة بالأسباب والضرورات والحتميات الجبرية، ولكننا نجهل أيما جهل أن أفعالنا مشروطة بالإكراهات والظروف. وإذا كان" هنالك شيء يعجز عنه الناس، فهو مسألة تنظيم شهواتهم. وعلى الرغم من أنهم يرون أنفسهم مقسمين بين عاطفتين متعارضتين، وكثيرا ما يرون الأحسن، ويقترفون الأسوأ، فإنهم مع ذلك يعتقدون بأنهم أحرار، وذلك لأن هناك أشياء لا تثير فيهم شهية ضعيفة من السهل التحكم فيها، بواسطة الذكرى التي كثيرا ما يتم استحضارها، والمتعلقة بشيء آخر".[18]

ونستنتج من هذا كله أن سبينوزا يرى أن الإنسان ليس حرا في جوهره، بل هو مقيد بمجموعة من الجبريات والضرورات والإكراهات التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، إلا أن الإنسان يعتقد- إصرارا وعنادا- أن ذاته حرة كامل الحرية، بيد أنه يجهل الأسباب الحقيقية التي تكون وراء أفعاله الموجهة من الخارج.

وتذهب التصورات البيولوجية إلى أن الإنسان خاضع للوراثة، فهي التي تتحكم في الشخص فيزيولوجيا، وعضويا، ونفسيا، واجتماعيا، وأخلاقيا. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، ذوي البشرة السوداء، باعتبارها مكونا بيولوجيا، فإنها قد تؤثر في الإنسان بشكل سلبي عند البعض، كما تؤثر الإعاقة الوراثية سلبا في نفسية صاحبها، بل تؤثر في شخصية الإنسان المعوق من جميع النواحي.

علاوة على ذلك، ترى التيارات الاجتماعية والأنتروبولوجية (دوركايم Durkheim، ورالف لينتون Ralph Linton...)، أن الإنسان نتاج المجتمع، بما فيه من القيم، والعادات، والتقالي، والأعراف، واللغة، والثقافة. وفي هذا الصدد، يقول الباحث السوسيولوجي المغربي محمد جسوس:" ليس المجتمع مجموعة إرادات حرة، ورغبات سائبة لا يحكمها ضابط، بل هو مجموعة بنيات وسلسلة حتميات لا تتوقف، لا في واقعها ولا في مآلها، على نيات الأشخاص ورغباتهم وإراداتهم. المجتمع... سيرورة من دون ذات. وبما أن مجال الذات الفردية والاختيارات الفردية محدودة، فإن هناك الإرادة الكلية أو الدولة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة الجماعية. إلا أن هذه الأخيرة ذاتها رهينة بدينامية التفاعل بين البنيات والمكونات، وليست إرادة اجتماعية مطلقة. فهي جماع هذه الدينامية وتعبير عنها."[19]

وتخضع اللسانيات البنيوية الإنسان للقوانين اللغوية بنية، ونسقا، ونظاما . ويعني هذا أن الإنسان من منظور البنيوية"كائن خاضع لمجموعة من الحتميات تشرطه كليا: ففكره، وأفعاله، وسلوكه هي منتوجات لقوانين الكون، ولقوانين الجماعة ولقوانين الفكر الرمزي. وعلى النقيض من الوهم الشائع اليوم، فالعلم والتقنية بدل أن يحررا الإنسان من الحتميات الكونية، فإنهما لم ينجحا إلا في جعله أكثر وعيا بقوة هذه الحتميات. وحتى في القديم، أي في عصر هيمنة الأسطورة، لم يكن الإنسان أكثر حرية مما هو اليوم، بل كانت صفته الإنسانية نفسها تجعل منه عبدا. وبما أن سلطته على الطبيعة كانت محدودة، فقد وجد نفسه محميا، وإلى حد ما منفلتا من هذه السلطة، بواسطة الوسادة الوثيرة لأحلامه... فهو لم يكن حرا حتى في أحلامه وأساطيره. لقد كانت كل محاولة كلود ليفي شتراوس محكومة بإرادته في أن يتوصل إلى التعرف على مستوى تبدو فيه الضرورة مباطنة وملازمة لأوهام الحرية .. وإلى ملاحقة آخر الجيوب التي تتستر فيها أوهام الحرية الإنسانية."[20]

كما يقر التحليل النفسي الفرويدي بدوره أن الشخص خاضع لإكراهات اللاشعور، ومحكوم بالرغبات الإيروسية (الحياة) من جهة، والنوازع التناتوسية (الموت) من جهة أخرى. بمعنى أن الإنسان يتأرجح بين العقل واللاعقل، وأن أفعاله خاضعة لبنية اللاوعي واللاشعور، في شكل شهوات وغرائز عدائية وحياتية.

وهكذا، نخلص إلى أنه لم يعد " للأنا مكان كاف في الفكر المعاصر. فها هو مسحوق من طرف علوم الإنسان، بعد أن ظل محاصرا بين لاشعور فرويد، والقوى الاقتصادية حسب ماركس، وتأكيدات نيتشه بأنه نتاج عادة نحوية، ومهتزا من طرف المنطق واللسانيات. إن الأنا الذي كان من قبل ملكا لم يعد اليوم إلا سرابا."[21]

والمقصود من هذا كله أن الإنسان المعاصر لم يعد حرا في الحقيقة أمام طغيان الاستلاب المادي والآلي، وطغيان القوانين الملزمة في شتى المجالات وميادين الحياة. ولكن على الرغم من ذلك، فإنه يمكن الحديث عن حرية الإنسان بشكل من الأشكال، مادام يمتلك العقل والوعي وروح المبادرة في تغيير الأوضاع المتردية، وتحسين الظروف التي تحاصره واقعيا في هيئة ضرورات وجبريات حتمية.

ومن هنا، يرى الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( نقد العقل الجدلي)[22]، أن الشخص مشروع مستمر، مادام يملك الحرية المطلقة في تطويع العقبات والحتميات والضرورات. بمعنى أن الإنسان يولد حرا، أما إذا رأينا عبدا ما، فإن الإنسان هو الذي استبعد أخاه الإنسان. ومهما كانت بدايات الإنسان ومقدماته مشروطة بظروف نفسية، واجتماعية، وأخلاقية، فبمجرد أن يصل إلى سن الرشد والبلوغ والتمييز، يستطيع أن يختار ما يشاء، ويتجاوز وضعيته الأصلية، مادام يمتلك العقل، والوعي، والحرية، والإرادة، والفعل، والشغل، والحركة؛ إذ يمكن للشخص أن يكون مؤمنا أو ملحدا، ويمكن له أن يغير قراراته ومشاريعه الحياتية مرات عدة، فهو حر حرية مطلقة. أي: إن الإنسان حر في أفعاله وأعماله وقيمه وأهوائه وقناعاته. وبالتالي، تقترن هذه الحرية- بلاشك- بحرية الزمان والمكان. بيد أن سارتر يرى أن حرية الإنسان ليست فوضى، بل هي مسؤولية والتزام. وفي هذا الصدد، يقول سارتر:"يعرف الإنسان بمشروعه، هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها ويحدّدها بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل والفعل أو الحركة، ولا يجب الخلط بين المشروع وبين الإرادة التي هي كيان مجرّد، وإن كان المشروع قد يتّخذ صورة إرادية في بعض الظروف، إنّ هذه العلاقة المباشرة مع الآخر المغاير للذات (...) وهذا الإنتاج الدائم للذات بواسطة الشغل والممارسة هو بنيتنا الخاصّة، وإذا لم يكن [المشروع] إرادة، فهو ليس حاجة أو هوى كذلك، إلاّ أن حاجتنا مثل أهوائنا، وأكثر أفكارنا تجريدا ترجع إلى هذه البنية، فهي دائما خارجة عن ذاتها نحو (...) ذاك ما نسمّيه الوجود، ولا نعني بذلك جوهرا ثابتا مرتكزا على ذاته، بل نعني به عدم استقرار دائم واقتلاعا لكامل الجسم خارج ذاته، وبما أنّ هذه الوثبة نحو التموضع تتّخذ أشكالا متنوّعة بحسب الأفراد، وبما أنّها تلقي بنا داخل مجال من الإمكانات نحقّق البعض منها دون البعض الآخر، فإنّنا نسمّيها كذلك اختيارا وحرّية، غير أنّه يرتكب خطأ عظيما إذا ما وقع اتّهامنا بإدخال اللامعقول أو أنّنا نختلق "بداية أولى" لا علاقة لها بالعالم أو أنّنا نمنح الإنسان حرّية ـ صنمية، وفي الواقع لا يمكن أن يصدر هذا الاعتراض إلاّ عن فلسفة آلية، ومن يوجّه إلينا هذا الاعتراض إنّما يريد إرجاع الممارسة والخلق والاختراع إلى إعادة إنتاج المعطيات الأوّلية لحياتنا، إنّه يريد تفسير الأثر والفعل أو الموقف بعوامل إشراطها، وإنّ رغبته في التفسير تخفي إرادة جعل المركّب مماثلا للبسيط، ونفي خصوصيات البنيات وإرجاع التغيّر إلى الهويّة، وهو ما يمثّل من جديد سقوطا في الحتمية العلموية، وعلى العكس من ذلك يرفض المنهج الجدلي فكرة الاختزال، واعتماد طرح معاكس، قوم على التجاوز مع المحافظة، بحيث إنّ أطراف التناقض ـ الذي وقع تجاوزه ـ غير قادرة على بيان التجاوز ذاته ولا على التأليف اللاحق، إنّ هذا الأخير ـ على العكس من ذلك ـ هو الذي يضيء هذه الأطراف و يتيح فهمها"[23].

أما الفيلسوف الفرنسي إمانويل مونيي( Mounier )، فيرى أن حرية الشخص نسبية ومشروطة، وليست مطلقة كما يقول جون بول سارتر. بمعنى أن حرية الإنسان مشروطة ومرتبطة بالاندماج داخل موقف واقعي ما، وأن هذه الحرية تعترضها العراقيل والحواجز والمثبطات داخل سياق ظرفي واقعي ما. ويعني هذا أن حرية الشخص ملازمة لوضعه الواقعي، ومحصورة في نطاق حدوده. فأن تكون حرا هو أن تقبل هذه الظروف الواقعية الممكنة. أي: إن الحرية الإنسانية مرتبطة بوجود الحواجز والاختيار والتضحية. فليست الحياة سهلة ومجانية دون عقبات وصعوبات، فلابد من المواجهة وتذليل الصعوبات بالعقل والوعي والإرادة لكي يكون الإنسان حرا. والمقصود من هذا أننا نتحدث عن الحرية حينما نتحدث عن العراقيل والحواجز التي تضعها الحياة أمام الإنسان لاختبار قوته وشجاعته وصموده وتحديه. إن حريتنا، يقول مونيي، هي" حرية إنسان في موقف، وهي كذلك حرية شخص تعطى له قيمة. أنا لست حرا لأني أمارس عفويتي فقط، بل أصبح حرا عندما أوجه هذه العفوية في اتجاه التحرر. أي في اتجاه شخصنة العالم ونفسي. إذاً، ثمة مسافة تمتد من الوجود المنبثق إلى الحرية، وهي التي تفصل بين الإنسان الباطني على حدود الانبثاق الحيوي، والإنسان الذي ينضج باستمرار بأفعاله وفي الكثافة المتزايدة للوجود الفردي والجماعي. وهكذا، فأنا لا أستعمل حريتي بدون جدوى، بالرغم من أن النقطة التي ألتحم فيها بتلك الحرية متباعدة في أعماق ذاتي. وليست حريتي تدفقا فحسب، بل هي منظمة، أو بعبارة أفضل، هي مطلوبة بنداء."[24]

وهكذا، يتضح لنا أن الحرية لدى مونييه مشروطة بالوضع الواقعي للإنسان، إلا أن هذا الوضع المشروط لا يعني الخضوع للضرورة والجبرية. بل يذهب مونييه إلى أن المجتمع السياسي والقانوني عليه ألا يخضع الأفراد لقانون الإكراه والإلزام والجبر والضرورة، بل ينبغي أن يساعدهم على التحرر، والانعتاق، والاختيار، والاندماج داخل نطاق الجماعة، دون أن يكون ذلك على حساب حرياتهم وخصوصياتهم. وفي هذا، يقول مونيي:"ليس من مهام المجتمع أن يجعل الأشخاص تابعين خاضعين، وليس من مهامه أيضا أن يتحمل عبء تطور ميولهم، بل على المجتمع أن يضمن لهم... الحماية واللعب وأوقات الفراغ التي ستسمح لهم بالتعرف- على هذه الميول بكامل حريتهم الروحية. وتساعدهم بدون قسر، وذلك باعتماد تربية اقتراحية، وبالابتعاد عن النزعة التطابقية، وعن أخطاء التوجيه والتحكم؛ ومنحهم – بواسطة تنظيم البنية الاجتماعية والاقتصادية- الوسائل المادية الضرورية لتنمية هذه الميول... إن الإنسان هو الذي يقرر مصيره، ولا يمكن لأي شخص، فردا كان أو جماعة، أن يقوم مقامه في ذلك."[25]

وهكذا، يدافع مونييه عن حرية الشخص النسبية في وسط المجتمع والجماعة، بالدفاع عن خصوصياته الفردية وميوله الشخصية. ويعني هذا أن حرية الإنسان محدودة ومشروطة بالأوضاع الاجتماعية والظروف التي يوجد فيها ذلك الشخص.

ومن جهة أخرى، ترفض الفلسفة الوجودية الميتافيزيقا، على أساس أنها ترف فكري لاموضع له.وبالتالي، تعنى بالأنطولوجيا المجردة، ولاتعنى بقضايا الإنسان فردا وجماعة، باعتباره كائنا فرديا له حاجيات ومستلزمات حياتية متعددة.وبهذا، فمن الضروري أن تنتقل الفلسفة من الميتافيزيقا الأنطولوجية والكوسمولوجية إلى الاهتمام بالإنسان الفردي، والاعتناء بوجوده اليومي، والتـأمل في مصيره المستقبلي. وبهذا، فمن الضروري الانتقال من الموجود العام إلى الموجود الخاص الذي يتمثل في الكائن الفردي .

ومن جهة أخرى، يرى مارتن هيدجر(Martin Heidegger) أن الفلسفة الميتافيزيقية قد تجاوزتها التقنية[26]. وبالتالي، فقد استنفذت مواضيعها [27]، وغيبت الوجود الإنساني، واهتمت كثيرا بالموجود .ويعني هذا أن حقيقة الوجود قد ظلت منسية منذ الفلسفة اليونانية حتى فلسفة نيتشه (Nietzsche)، وقد تأثر مارتن هيدجر في نقده للميتافيزيقا بفلسفة كانط(Kant)[28]. وقد كتب هيدجر في (رسالة في النزعة الإنسانية):"صحيح أن الميتافيزيقا تتمثل الموجود في الوجود، وتفكر كذلك في وجود الموجود، لكنها لاتفكر في اختلاف الوجود والموجود؛ فالميتافيزيقا لاتتساءل عن حقيقة الوجود، لذا فهي لاتطالب أبدا بالطريقة التي على نحوها تنتمي ماهية الإنسان إلى حقيقة الوجود.وهذا السؤال، ليست فقط الميتافيزيقا من لم يطرحه إلى حد الآن، إنه صعب المنال للميتافيزيقا كميتافيزيقا، ويظل الوجود ينتظر من الإنسان أن يستذكره كشيء يستحق التفكير..."[29].

ومن ثم، يؤكد مارتن هيدجر، في مقدمة (ماهي الميتافيزيقا؟)[30]، أن الميتافيزيقا الفلسفية قد أهملت لأمد طويل حقيقة الوجود، واستعاضت عنها بحقيقة الموجود (الفرد) الأنطولوجي.

إذاً، لقد أكد مارتن هيدجر نهاية الميتافيزيقا بعد حلول العلم والتقنية محلها.

وعليه، ليست الوجودية- حسب عبد الرحمن بدوي- " إلا لونا من ألوان المذهب الحسي، فإنها تنكر المعنى الكلي وتغلو في الإنكار حتى تأبى أن تقيم وزنا لوجوه الشبه بين أفراد النوع الواحد، وهي وجوه بادية للعيان، فلا تنظر إلى الجزئي إلا بما هو كذلك فتعتبر أن الماهية هي الإنية أي جملة الأعراض المخصصة للجزئي، فنقول إن الوجود سابق على الماهية بهذا الاعتبار، ولا يفطن القائل إلى أن الوجود هو بالضرورة وجود شيء أي ماهية وأن الإنية تعيين الماهية الحاصلة بالفعل من نواح وبالقوة من نواح أخرى، فإن الإنيات وجوه مختلفة لما في الماهية من قوى مختلفة، وقديما قال أرسطو إن القوى النطقية غير معينة إلى واحد ولكن في مقدورها الميل إلى ناحية إو إلى أخرى، وهذا أصل الحرية التي هي القدرة على العمل في نطاق الماهية وعلى حسبها.ولا وجه للإغراب بعد هذا بوضع الوجود قبل الماهية ! "[31]

وهكذا، تتأسس الوجودية على مبدإ الوجود الإنسان إثباتا وجوهرا، وأن حرية الإنسان مطلقة، وأنه خالق لأفعاله، وهو مسؤول عنها، وملتزم بقضايا عصره وفق رؤية إنسانية مناضلة، أو فق تجارب وجودية ذاتية معاشة.

المبحث الثاني: أنواع الوجوديات

يمكن القول: إن سقرط قد سبق أن أشار إلى الوجودية الإنسانية النفسية عندما قال قولته المشهورة:" اعرف نفسك بنفسك". أي: على الإنسان أن يتأمل نفسه، ويتعرف إلى وجوده، ويهتم بمشاكله الفردية والإنسانية والبشرية من أجل معالجتها، بإيجاد الحلول المناسبة لها، بعد تشخيصها، وتوصيفها، وتحليلها، وتقويمها. علاوة على ممارسة النقد الذاتي في حق نفسه، وفي حق وجوده الإني والقيمي والمجتمعي.

وإذا كان بعض الفلاسفة يؤمنون بالوجودية الثنائية المثالية كما عند أفلاطون، على أساس أن العالم المتغير نسبي وزائف، فإن أرسطو ينطلق من الوجودية المادية الواقعية على أساس أن العالم المادي هو العالم الوحيد الحقيقي بجواهره العقلية الثابتة في مقابل أعراضه الشكلية المتغيرة.

بينما هناك متصوفة، كمحيي الدين بن عربي، يقرون بوحدة الوجود على أساس أن هناك وحدة بين وجودين داخل وحدة عرفانية وجدانية، والوجودان هما : الوجود الرباني، والوجود البشري.وبهذا، يسع القلب هذين الوجودين معا، ضمن محبة ربانية كونية شاملة وجامعة ومانعة.

ومن جهة أخرى، أنكر الفلاسفة الماديون، كماركس (Marks)، وفيورباخ (Feuerbach)، وأنجلز (Engels)، ولينين (Lenin)، وغيرهم، وجود عالم علوي، فركزوا على الوجود المادي للإنسان، في علاقة تامة وجدلية بالمعطيات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

أما الفلسفة الوجودية المعاصرة، فتنقسم إلى اتجاهين:

Œ وجودية مؤمنة مع الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد كما في كتابه (رهبة واضطراب)، وكارل ياسبرز، وجابرييل مارسيل (Gabriel Marcel) الذي ينفي وجود أي تناقض بين الوجودية والمسيحية، ويثبت أن الإنسان هو خالق أفعاله، وما يصدر عن الإنسان فهو حق، ولو أخطأ في ذلك. لذا، فالإنسان الموجود هو بمثابة إله طبيعي ذاتي مسؤول عن أفعاله الخاصة، وليس إلها دينيا...

وجودية ملحدة تنكر وجود الله، وتدافع عن وجود الإنسان وحريته المطلقة، وتعد وجود الله خرافة وفكرة خاطئة ومضللة، على أساس أن الدين بمثابة أفيون الشعوب. ومن ثم، تدعو إلى الالتزام بالمسؤولية تجاه المواقف والأحداث . ومن أهم ممثلي هذا الاتجاه مارتن هيدجر، ونيتشه، وجان بول سارتر، وسيمون دوبوفوار... ومن ثم، فقد قال سارتر : إن الله فكرة مضرة، ينبغي للإنسان أن يتخلص منها.وبالتالي، فالإنسان في هذه الحياة مثل ممثل مسرحي يؤدي دور الخير والشر، وبعد انتهاء دوره ينعدم وجودا.

المبحث الثالث: الوجودية الإسلامية

يقصد بالوجودية الإسلامية تلك الوجودية التي تنطلق من الوحي الرباني، وترفض العبودية والجبرية والخضوع للمستبدين والجبابرة من البشر. كما تؤمن هذه الوجودية بإرادة الإنسان ومشيئته في هذا الكون، وتقر بأفعاله الحرة، وأنه مسؤول عن وعيه وتصرفاته وأفعاله. وبالتالي، فسلوكه خاضع للعقاب والثواب. ومن ثم، تنبني الوجودية الإسلامية على الإيمان بقدرة الإنسان على تغيير واقعه، والإشادة بعقله، والاعتراف بإرادته، وأنه مكرم في هذا الكون، مادام قد استخلفه الله ليعمر الأرض خيرا، وبناء، ونسلا. وبالتالي، فهو خاضع لتعاقد ائتماني قائم على الطاعة الدائمة، والعبادة المستمرة، والعمل المثمر، وتحمل الأمانة والمسؤولية تحملا كاملا تجاه الذات من جهة، وتجاه الآخرين.

وليست هذه الوجودية فلسفة مادية أو عدمية أو عبثية إلحادية، أو ناكرة للوجود الرباني، بل هي تؤمن بعالمين: عالم علوي يحيلنا على الذات الربانية، وعالم دنيوي سفلي يرجعنا إلى عالم المخلوقات والكائنات البشرية. ومن هنا، ترتكز الوجودية الإسلامية على وجود الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه في هذه الأرض، وأعطاه الحرية التي يحتاجها لتعمير الكون وبنائه وفق سنن الوحي الرباني، والتصرف وفق الأخلاق القرآنية، والاعتراف بالآخر المماثل أو المخالف، وربط الوجود الإنسان بالوجود الرباني ضمن وحدانية مؤمنة .

علاوة على ذلك، يعيش الإنسان واقعه، وفق الوجودية الإسلامية، كأنه لايموت أبدا، ويعيش لآخرته كأنه يموت غدا. بمعنى أن الوجودية الإسلامية توازن وانسجام وتكامل بين الدينا والآخرة، وتناسب فعال بين العقل والحس.

وتعد الوجودية الإسلامية أيضا وجودية إنسانية شخصانية روحانية طاهرة، تؤمن بالقيم الإسلامية الثابتة، وتسعى جادة إلى نشر الخير في المجتمع، والاعتراف الدائم بفضيلة الآخرين. ومن ثم، فهي ترفض كل أشكال الاستهجان والعرقية والتمييز العنصري، وتقوم على فكر التعارف والاختلاف والتقوى، ضمن مجتمع كوني وإنساني متسامح ومتعايش ومتعارف، أساسه البناء والتعاون والتكامل لكي تعيش الإنسانية السعادة الفضلى. ومن هنا، فالإنسان ذات وجودية مباركة ومكرمة في هذا الوجود الذي اختاره الله لأن يعيش فيه الإنسان وجوده، مع البحث عن الحقيقة الربانية الأزلية، باستخدام العقل والحس والقلب. وبالتالي، يكون هدفه الحقيقي هو البحث عن السعادة والفضيلة والكمال والسمو من جهة، وتجنب الشقاء والضنى والألم والتعاسة من جهة أخرى. وبهذا، يرتبط الوجود الإنساني الإسلامي بالعطاء، والخير، والعبادة، وخدمة الآخرين، والابتعاد عن الشهوات المغرية، وتجنب الحياة الإباحية والعبثية، والارتكان إلى عبادة الله وحده.

ويتأسس الوجود الإسلامي للإنسان كذلك على الإيمان من جهة أولى، والتواصل مع الآخرين من جهة ثانية، والتصرف وفق قوانين الشرع الإسلامي من جهة ثالثة، وعبادة الله وحده من جهة رابعة. لذا، " فالإنسان الوجودي مؤمن بذات الآخر قبل أن يؤمن بذات نفسه، وهذا هو سر من أسرار وجوده، هو إنسان يسعى إلى العالمية والكونية، ويسعى إلى الآفاق. إنه إنسان أرحب وأوسع وأعلى. إنه لا يؤمن بالعنصرية أو التمييز العرقي، ويرفضه رفضا مطلقا، ويرفضه بشتى أشكاله ومبرراته.

الإنسان الوجودي إنسان متفاعل مع الإنسانية جميعا، له ثقافة إنسانية واسعة تتغير مع الزمان، وقابلة للتغير وفق الظروف الكونية وسننها."[32]

ومن هنا، تستند الوجودية الإسلامية إلى تكريم الإنسان وتعظيمه، والحوار مع الآخرين، والإيمان بالاختلاف، والتشبث بحب الآخر المماثل أو المخالف، وتجنب طريق الشر والغواية والضلال، والسعي إلى فرض لغة التواصل والسلام والنصح والاستشارة. وبالتالي، لا يتحقق الوجود الإنساني الإسلامي إلا بعبادة الله الواحد الأحد، وتطبيق الشرع الرباني، ونشر الخير بين الجميع، وخدمة الإنسانية جمعاء، وتعمير الأرض بالنبل والإخلاص والوفاء، والابتعاد عن الكراهية والحسد والحقد والضغينة الشيطانية المفلسة.

ومن هنا، فلقد "خلق الله الإنسان من أجل اكتشاف حقيقة المعنى في الوحي القرآني، واكتشاف حقيقة الوجود لأي شيء هو موجود، واكتشاف حقيقة معنى ذاته، وحكمتها في الوجود.

يكتشف الإنسان نظام المعاني وجمالها وتناسقها وانسجامها الدقيق في الوحي والوجود والذات من أجل معرفة خالق الخلق بحكمته الذي أتقن كل شيء.

إن هذا الإنسان يعيش وسط عوالم من المعاني المنظمة تنظيما سنيا من الحكيم العليم، وأن هذا الإنسان خلق ليتعلم ويكبر في الوجود، وخلق مجهزا بأدوات التعلم، عليه أن يطور أدواته العلمية والمعرفية من أجل أن يرقى إلى عالم الآفاق، ويكشف الحجاب عن كنوز المعاني البعيدة، بل كلما تطور الإنسان، وتوسع في علمه ومعرفته عبر الزمان، وارتفع إلى الأعلى ليزيل ستار زمانه من المعاني التي يحتاجها في عصره، فإنه بذلك يعبر قنطرة زمان الوجود إلى واجب الوجود..."[33]

وعليه، تتكىء الوجودية الإسلامية على الإيمان بالله وحده، وتكريم الوجود الإنساني، وتحميل الفرد مسؤولية أمانة التعمير والبناء والتشييد، بربط العمل الدنيوي بالعمل الأخروي، والجمع بين العقل والحس والروح، والسعي نحو تحقيق الفضيلة والكمال والسعادة السامية.

ومن أهم ممثلي الوجودية الإسلامية الباحث الفرنسي عبد النور بيدار(Abdennour Bidar) [34] الذي يرى، في كتابه ( إسلام بدون خضوع: نحو وجودية إسلامية)، أن الإنسان المسلم قد خضع لجبريات إيديولوجية باسم الدين والإسلام. في حين، جاء الإسلام ليحرر الإنسان من العبودية والخضوع للبشر من جهة، أو الخضوع للأهواء والرغبات من جهة ثانية. ويعني هذا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحقق وجودية الإنسان، ويدافع عن حريته الحقيقية. ومن ثم، لاخضوع إلا لله وحده دون الآخرين.وفي هذا الخضوع، تتحقق حرية الإنسان ووجوده النبيل. ويعني هذا كله أن الإنسان قد ظل عبدا يخضع لسلطة الأقوياء المتجبرين الظالمين حتى جاء الإسلام الذي زود الإنسان بقوة التحرر من العبودية البشرية، بالتطلع إلى الذات الربانية بغية تحقيق الوجودي الإني والمقدس.

وفي هذا الاتجاه، يمكن الحديث عن تصور الحسين المساوي في كتابه (الإنسانية روح الوجود) الذي ينطلق من فلسفة وجودية إسلامية حقة، قوامها الوحي الرباني، والشرع الإسلامي، والعشق العرفاني. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" لا تنفصل قراءة كتاب الوجود عن قراءة ذات الإنسان التي تشكل أحد نتاجات الوجود الأصيلة، ولعل قراءة كتاب الوجود وغوامضه وأسراره هي المفتاح لفهم الذات. إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة ترابط وانسجام ومؤانسة بين عمق عالم الذات الإنساني وذات الوجود...

وبالتالي، فعلاقة الإنسان والوجود علاقة تكامل وانسجام، و غاية الإنسان كمال ذلك الوجود بروحه العالية، وكمال جوهره. إن الإنسان في ذات الوجود، والوجود في ذات الإنسان، بل الإنسان يسافر في ذات الوجود وضميره، والوجود يسافر في ذات الإنسان وضميره..

إن الإنسان يسافر بروحه بعيدا، وفي البعد ينظر، ينظر في كل اتجاه، والوجود ينظر إلى الإنسان في كل اتجاه..

إن الإنسان ينظر بعين الوجود، والوجود ينظر بلغة المعنى إلى الإنسان، إن علاقة الإنسان والوجود علاقة حوار لبناء مفهوم المعنى.

إن هذا الإنسان الموجود بقلم الحقيقة والحق، وبمداد الشوق والحب والهيام، إنه غريب في عين الناظرة إليه من مكنون ذاتها إلى مكنون ذاته.

إنها نظرة انتباه في صحوة الحقيقة والحق، إنما تبقى ذات الإنسان وفطرته صورة ترسمها حكمة الحقيقة والحق، كل إنسان ينظر بعين الشوق والحب في ذاته، وفي ذات الوجود ليعلم سر حكمة وجوده، إنما ينظر إلى ذلك بروح العقل والتعقل..

إن حركة الإنسان والوجود هي حركة شوق وحب، لابد أن نعلم أن الشوق والحب هو الدافع الغائي للحركة، فالكل ينشد ويشتاق ويحب......!

إن هذا الإشعاع المتوهج بالنور في صميم ذات الإنسان، وفي صميم الوجود، هو ذلك الشوق الذي عرف ذاته وذات الوجود وفطرته..

إن حركة الإنسان والوجود حركة شوق وحب من ذات إلى ذاته، إن كان الفلك كله مشحون بطاقات قوية، فهذا يتحتم على الإنسان والوجود كله أن ينجذب نحو القوة المطلقة، تلك القوة الإلهية.

إن الفلك مشحون بفطرة وضمير، إنها فطرة الإنسان والوجود، إنها مبثوثة بثنائية الوجود والإنسان. وما هذا الإنسان في هذا الوجود إلا بحر يجري بالخير والفضيلة، هو بحر من واجب الوجود، مادام هذا الإنسان عطاء من الله عز وجل، وما دام جوهر الحياة والوجود من جمال يتألق من كونه خلال ذلك اللقاء.

إن العمل الذي ينسجم مع ذات الوجود وضميره عمل يبني ويصنع الحقيقة وحكمتها، وهو عطاء بإخلاص وصدق ومحبة وشوق. وإذا ما رافق العطاء وعيا وإيمانا يصبح الإنسان حيا بذاته وفطرته وضميره في فطرة الوجود وضميره، فذلك هو السر الذي يرتقي إليه الإنسان بإرادة قوية وروح عالية...

وإذا صار بين الإنسان وبين المراد سرا، فهناك يصبح بين الإنسان وبين الحقيقة مؤانسة، وكلما كبر السر كبر الإنسان في ضمير الوجود، واقترب إلى خالق الوجود. وهناك يرى الإنسان أن جوهر الحياة والوجود إنما هي عطاء....

إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة صناعة سلم من العلم والمعرفة والحكمة لكي يرتقي الإنسان ويرتفع إلى آفاق الوجود وجوهره، ولكي يرى نور الحقيقة يشرق على أرض الوجود والموجود....!!! "[35]

ومن ثم، فما كتبه الحسين المساوي عبارة عن دراسة وجودية إسلامية للشخص المفردن، وكتابة فلسفية ميتافيزيقية عميقة ومجردة بامتياز، تتناول الوجود الإنساني في ضوء التصورات الدينية والفلسفية التي تستمد معينها من الإسلام قرآنا وسنة. ومن ثم، فهي تتوقف عند بعض المفاهيم الرئيسة، مثل: مفهوم الذات، ومفهوم الإنسانية، ومفهوم الوجود، ومفهوم الوحي، ومفهوم المعنى، ومفهوم المفهوم. لذا، يتأرجح الكتاب بين الكتابة التأملية الموغلة في التجريد والتشظية من جهة، والكتابة الفلسفية المفاهيمية القائمة على علم السؤال من جهة أخرى.

الخاتمة:

 هكذا، يتبين لنا أن الوجودية تيار فلسفي، أو مذهب أدبي بامتياز، ظهرت في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي للتغني بالوجود الإنساني، والدفاع عن حريته ووجوده المجتمعي والكينوني. وتقوم الوجودية على تمجيد الإنسان، والدفاع عن حريته المطلقة، والإشادة بإرادته وعقله ووعيه في تغيير الواقع وتطويره وتنميته. وبالتالي، يتحقق وجود الإنسان بالعمل المثمر، والتضحية الجسيمة من أجل إسعاد الآخرين، وتحمل مسؤولية تعمير الكون والالتزام بها أيما التزام.

ومن جهة أخرى، فالوجودية أنواع عدة، فهناك الوجودية المسيحية أو اليهودية المؤمنة، والوجودية المادية والعبثية الملحدة، والوجودية الإسلامية. وتظل الوجودية الإسلامية أفضل هذه الوجوديات كلها، مادامت قائمة على تكريم الوجود الإنساني، والاعتراف بحرية الإنسان في التعاطي مع واقعه، وربط وجوده بعبادة الله وحده، مع تعمير الكون بالخير العميم، ونشر المحبة الكونية الفاضلة، والنضال من أجل تعميم السلام الحقيقي، والارتكان إلى الحوار والتعاون والتواصل البناء المثمر، وخدمة الإنسانية كافة بكل ما يحقق سعادتها الكاملة.

 

 ......................

[1] - Martin Heidegger (trad. François Vezin), Être et Temps, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1927 (réimpr. 1986), 587 p.

[2] - Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[3] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p ;L'existentialisme est un humanisme, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1946 (réimpr. 1996), 113 p ; La Nausée, Paris, Gallimard, coll. « Folio », 1938 (réimpr. 1972), 249 p ; Questions de méthode, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1957 (réimpr. 1986), 168 p.

[4] - Simone de Beauvoir, Le Deuxième Sexe, I : Les faits et les mythes, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 408 p ; Le Deuxième Sexe, II, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 663 p ; L'existentialisme et la sagesse des nations, Paris, Gallimard, coll. « Arcades », 2008, 144 p. ; Pour une morale de l'ambiguïté, Paris, Gallimard, 1947 (réimpr. 2003), 382 p.

[5] - Rachel Bespaloff (préf. Monique Jutrin), Cheminements et Carrefours, Paris, Vrin, coll. « Essais d'art et de philosophie », 1938 (réimpr. 2004), 252 p.

[6] -Albert Camus, Le Mythe de Sisyphe, Paris, Gallimard, 1942 (réimpr. 1985), 169 p.

[7] - Emmanuel Levinas, De l'existence à l'existant, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque des textes philosophiques », 1947 (réimpr. 1993), 152 p. ; En découvrant l'existence avec Husserl et Heidegger, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque d'histoire de la philosophie », 1967 (réimpr. 2002), 336 p.

[8] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[9] - Léon Chestov (trad. Boris de Schlœzer), La philosophie de la tragédie : Dostoïevski et Nietzsche, Paris, Le Bruit du temps, 1903 (réimpr. 2012), 304 p.

[10]-Fiodor Dostoïevski (trad. André Markowicz), Les Carnets du sous-sol, Paris, Actes Sud, coll. « Babel », 1864 (réimpr. 1992), 192 p.

[11] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p.

[12] - الآيات:12، 13، 14، سورة الأعراف، القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

[13] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[14] - Søren Kierkegaard, Crainte et tremblement, Paris, Payot, coll. « Rivages poche », 1843 (réimpr. 2000), 237 p.

[15]- Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[16] - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو صرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م، ص:16.

[17] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة، 1986م، ص:457.

[18] - سبينوزا:( الرسالة 58، إلى شولار)، ترجمة محمد سبيلا، الفلسفة الحديثة، نصوص مختارة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2001م، ص:274-275.

[19] - محمد جسوس: رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، المغرب، سنة 1997م، ص:91؛

[20] - Mireille Marc-Lipiansky : le structuralisme de C.L. Strauss, Plon, Paris, 1973, pp : 252-253.

[21] - كريستيان دي لاكمبان: (تشكل الأنا)، تساؤلات الفكر المعاصر(كتاب جماعي)، ترجمة: محمد سبيلا، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة 1987م، ص:87.

[22] J.P. Sartre : Critique de la raison dialectique, Gallimard, Paris, 1960, p : 95.

[23] - J.P.Sartre : Critique de la raison dialectique, p : 95.

[24]- E.Mounier : Le personnalisme, collection, Que sais-je ? ED, P.U.F, 1979, p : 71-74 ;

[25] - E. Mounier : Révolution personnaliste et communautaire, Aubier, 1935, pp : 65-66.

[26]- Martin Heidegger (préf. Jean Beaufret), « Dépassement de la métaphysique », dans essais et conférences, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 52), 1993 (ISBN 2-07-022220-9), p. 80-115.

[27] - Martin Heidegger: Achèvement de la métaphysique et poésie, Paris, Gallimard, 2005, (trad. Adeline Froidecourt).

[28] - Martin Heidegger (trad. W.Biemel, A de Waehlens), Kant et le problème de la métaphysique, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1981; (trad. Emmanuel Martineau), Interprétation phénoménologique de la « Critique de la raison pure » de Kant, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1982, 393 p.

[29] - Martin Heidegger: Lettre sur l'humanisme, Paris, Aubier, 1983,3ème édition,pp :27-53. (Trad. Roger Munier).

[30] Martin Heidegger (trad. Henry Corbin), « Qu'est-ce que la métaphysique », dans Questions I et II, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 156), 1990.

[31] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، ص:458.

[32] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[33]- الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

[34] - Abdennour Bidar, L'islam sans soumission : Pour un existentialisme musulman, Paris, Albin Michel, coll. « Espaces libres », 2008 (réimpr. 2012), 288 p.

[35] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4075 المصادف: 2017-11-01 01:00:44