 أقلام فكرية

الحب الالهي والأنوثة بين الاسطورة والتصوف

عامر عبدزيد الوائليأوّلا: الرؤيّة للعلاقة بين السماء والأرض: في علاقة الانسان بالسماء نجد أنها علاقةٌ يكون بها طرف بمثابة مركز فيما يحتل الطرف الآخر الهامش الذي يدور حول المركز فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذباً اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الطرف الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً وهو رمز للخصوبة والعطاء؛ فيما يحتل الآخر فيها مكاناً ارضياً سفلياً يكون بمثابة منفعل أنثوي، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِّر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .اذ " هناك نوعان من الصفات في الوجود هما: النور الذي يمثِّل الصفة الإيجابيّة، وتندرج تحته الصفات الآتيّة: (الخفّة، النّار والحرارة، والرقّة، والمذكر والفاعل أو الفعَّال بمعنى المؤثر) .

والنوع الثاني من الصفات: هو الظلام الذي يمثِّل صفةً سلبيّةً، وتندرج تحت هذه الصفة مجموعةٌ من الصفات التابعة، وهي: (الأرض، والثقل، والبارد، والسمك، والأنوثة والانفعاليّة بمعنى الذي يستقبل التأثير). وبعد تأملٍ عميقٍ لهذه الصفات، أعطى بارمنيدس تسميّةً لها، فالصفات الإيجابيّة باعتبارها هي الأصليّة أُطلق عليها بـ(الوجود) . والصفات السلبيّة؛ لأنها تابعة وفرعيّة، فقد أطلق عليها بـ(اللاوجود)؛ لأنَّها نفي للأولى." (عبد الكريم عنيات، نيتشه والإغريق إشكاليّة أصل الفلسفة، ص81.)

البحث عن الشكل هذه العلاقة كما تمثّلت في تطور وعي الانسان عن علاقته بالمطلق نجدها تطوّرت من الحسي الى المجرد من المادي الى الروحي وقد اتّخذت من اللغة طاقةً؛ لتعبيرها عن تجربتها الروحيّة التي بدأت ببذرة حسيّة .

1- الجذر اللغوي للعلاقة:

فإذا ما رجعنا الى مفهوم الحب نجده يتمثل في اللغة العربيّة (الحب) في حقله الدلالي كما يظهر في مختار الصحاح ص 119: (حبب) (حبة) القلب سويداؤه وقيل ثمرته، و(الحبة) بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت، وفي الحديث "فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السيل " و(الحُبّة) بالضم الحب يقال حبه وكرامة . و(الحب) المحبة وكذلك (الحِب) بالكسر. والحب أيضاً الحبيب ويقال (أحبه) فهو؛محب) و(حبه) يحبه بالكسرة فهو (محبوب ).و(تحبب) إليه وامرأة (مٌحبة).

فاللغة تكتنز أمرين: الأوّل السيل الذي ينبت الحبة كما في الحديث، والثاني وعلاقة محبة بين طرفين من البشر ذكر وأنثى .

2- الجذر الأسطوري للعلاقة:

لو رجعنا إلى الجذر الأسطوري للعلاقة فأننا نجد أنّ هناك علاقةً بين السماء المذكر والأرض المؤنث، والعلاقة بينهما محايثة تشبه العلاقة بين ذكر وأنثى، علاقة عموديّة، وتشبه الأمر وكأنه اخصاب .وهو اسقاط العقيلة البدائيّة التي تصور الكون على أساس تكاثرها كبشر وهذا ثابت في الفكر الأسطوري إذ رموز الخصب كما يقول علي الشوك في جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص7" مذ بدأ الإنسان يفكِّر في معنى الحياة والوجود وعلاقته بالطبيعة والكون اتّخذت عنده رموز الخصب والإنتاج في الطبيعة هالة من القدسيّة " يحاول البحث في تلك العلاقة عبر اللغة السجل الثقافي الانساني عن الطبيعة التي وجدها تتمركز حول (الرحم) حرم، حرام، حريم، حرمة، احترام، بالعربيّة وفي العبريّة يحرم، يقدس , يكرِّس .وفي الحبشيّة (حرم) أي معنى الحرام والتحريم وفي الأكديّة (بغي) تذكرنا بكلمة (حريم).(جولة في أقاليم اللغة والأسطورة ص10) وقد ارتبط الإله بوعي الانسان القديم بمكان معين وهو بمثابة مكان مقدس " كلمة مقدس؛ مرتبطة بالحديث عن المواضع المقدّسة والأشياء المقدّسة والأشخاص المقدسين والمناسبات المقدّسة فإننا نعني ضمناً بأنّ الأماكن والأشياء والمناسبات على صلة خاصة ما بالإله أو برمزه " روبرتسن سميث، ديانة الساميين، ص96"

وحول كلمة الرحمة تتكاثر عدة مقابلات في اللغات القديمة فالسومريّة Ush-Taar تفيد معنى (الرحم) في السومريّة أيضا Sha-Tu,r تعني "رحم، يرقة، سرء" ويقابلها بالأكديّة "شاترو" ومنها عشتارتو الأكديّة وتعني "البغي المقدسة " ويقابلها بالعربيّة "عثتر" عشتار من الفعل العربي "عثر الذي يفيد معنى السقي والإرواء . يخلص الى نتيجة (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص11): "لما كانت الأعضاء التناسليّة تقترن بالإخصاب والإنجاب، فقد كانت عند القدماء رمزاً لعمليّة الخلق أيضاً."

3- من الاسطورة الى التوراة:

وانطلاقا من هذا التصور المحايث الأسطوري، تأتي تأملات التوراة وقد اتّخذ طابعاً رمزياً لتلك المقابلات القديمة فيخرجها من طابعها الحرفي الى معنى رمزي اذ " تلهج التوراة بالكلام على الرب كزوج لأرضه وشعبه، واسرائيل كزوجة ليهوه، جاء في سفر أشعياء:" لا يقال بعدُ لك مهجورة، ولا يقال لأرضك موحشة، بل تًدعى بعولة، لأنّ الرب يسر بك، ، وأرضك تصير ذات بعل؛ لأنّه كما يتزوج الشاب عذراء يتزوجك بنوك .وكفرح العريس يفرح بك إلهك " (62:4-5 وانظر إرميا 2:32) من هنا يأتي دور الأنثى في القبالة اليهوديّة من خلال أسقاط الرمز الأنثوي على الحب الإلهي، فقد ورد أن إمرأةً غير حواء خلقت من ضلع آدم في الشريعة اليهوديّة، أذ تأتي (ليلينت) التي خلقت من طين مساويَة للرجل ثم تمرّدت عليه، وعلى الرغم من هذا فالمرأة جزء من صورة مجازيّة متمثِّلة بحلول الإله في الشعب، فيجسِد حب الرجل للمرأة كتعبير عن حب الرب لشعبه وموت هذا الحب يشبّه بالزنى ويصبح الشعب مثل المرأة اللعوب هذه الصورة عبر عنها فـي الأناشيد.

في هذه النصوص التوراتيّة التي تعكس الأثر الأسطوري القديم بكل أبعاده المحايثة؛ إلاّ أنّه يأخذ تأويلاً رمزياً كما جاء في نص الظاهرة وكأنه يشبه النصوص الاسطوريّة التي تؤكِد على الخصب إلاّ أنّ التفاسير التأويليّة تخرج المعنى من ظاهره اذ يظهر في نشيد الأناشيد اتّسم الرمز الأنثوي بطابع أسطوري مأخوذ من العبادة القديمة: "ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة! عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابضٍ على جبل جلعاد، ... شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجنٍّ علق عليه. كلها أتراس الجبابرة ". (نشيد الانشاد) فهذا المعنى الحرفي في النشد قد استقي من الفكر القديم الكنعاني من خلال لفظة: بعل ومن السومريّة Al (يثقب) ومن الأكديّة allu (معول) وهو أداة للحفر .لكن يخرج من دلالته الحرفة الى الرمزيّة وإن كانت موجودةً في المعتقدات الكنعانيّة القديمة إذ يتحول إخصاب الارض من قبل الإله عبر المطر (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص15): "كما في كلمة "قولياء" العبريّة تعني، صوت يهوه، وترد بمعنى الرعد على نحو ما جاء في التوراة " فأعطى الرب رعوداً (قولياء) (سفر الخروج 9: 23)"ومن هنا جاء المن والسلوى .وأيضاً ثمّة علاقة أخرى الى جانب الإخصاب ثمّة علاقة كما يشير لها "شفيق مقار"، الجنس في التوراة، ص 329: كما أخذت صفَة الأب ليهوه من إيل، وأخذ له لقب "المقتني" فلقب إيل في نصوص رأس شمرا، " مقتني البشر"، أطلق على يهوه في سفر التكوين في تسميّة قايين فحواء، عندما ولدت الإبن، قالت أنه دعي قاييم لأنها " اقتنت رجلا من عند الرب " (التكوين 4:1)

4- التأويل الرمزي للعلاقة في المسيحيّة:

والى جانب التراث التوراتي يأتي التراث المسيحي في تمثلاته الرمزيّة عن الحب: إذ وجدت ملامح التصوف عند المسيح من خلال التراحم والعاطفة والتسامح الظاهر عليه، وإتِّباعه لمرآة قلبه فلغته لغة الحب لا القسـوة يقدر الذات الإنسانيّة حتى لو كان عـدوا ً لـه، إذ إبتعد عن جميع الملذّات والشهوات الدنيويّة، قاهراً الجسد معتقداً أنّ الروح أسمى ما خلق الله، فظهرت جماعات تتبع سلوك المسيح تدعى بـ(الرهبان زاهدي الحياة )وهم بمثابة المعلم الذي يعطي النصح والإرشاد والموعظة ويساعد الآخرين على سلوك المسلك المؤدي الى التقرب من الله من خلال العزلة واختيار الانسلاخ عن العالم الخارجي وزهدهم في الحياة والتوبة ونذر الصوم والامتناع عن الكلام، تكمن هنا ملامح صوفيّة الفطرة. (تور آندريه، التصوف الاسلامي).

ثانيا: الحب الإلهي في التصوف الاسلامي:

بعد تجذيرنا كيف تحوّل الوعي من التصور الحسي الى التصور الرمزي، إلاّ أنّه حافظ على البنية القائمة على مركزيّة الله في الكون نفسها والتي يكون الإنسان في هذه العلاقة بمثابة هامش يدور حول المركز، فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذب اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً يعد رمزاً للخصوبة والعطاء يتجلّى من خلال تجربة المتصوف الذوقيّة وهو يشاهد تلك الأنوار التي تفيض من الله الفاعل نحو الإنسان المنفعل، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .

1- التجربة الذوقيّة:

يبقى البحث عن تجربة الصوفيّة مساراً محفوفاً بالمخاطر ومرد هذا الى كونه تعبيراً عن تجربة فرديّة تحاول نقلها الى الآخر عبر اللغة مسكن الكائن ونبع تجاربهِ الفرديّة والجمعيّة؛ لهذا عندما يروم المتصوف استعمال اللغة من أجل التعبير عن تجربته الروحيّة تلك نجدها تتسم بالبلاغة العاليّة تجانب الناسوت وعوالمه وترتقي الى اللاهوت وألطافهِ، لهذا (التصوف طرح النفس في العبوديّة والخروج عن البشريّة والنظر الى الحق بالكليّة)". "الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف (ما هي الطريقة النقشبنديّة)، ص 48- 52."، فهذه العلاقة بين الله بوصفه مركز الكون ونبع الحقيقة ومركز الفيض، تظهر من خلال التجربة الذوقيّة لدى المتصوف، وقد وصف هذه العلاقة بعض أبرز الصوفيّة، فالجنيد البغدادي يعرف التصوف بوصفهِ: "(هو أن تكون مع الله بلا علاقة)، وعند الشبلي: (التصوف: هو العصمة عند رؤيّة الأكوان)"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والأقتباس في عصر النابلسي، ص 185).

( وعرّف معـروف الكرخي: "التصـوف هو الأخـذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والاقتباس في عصر النابلسي، ص 185.)

نجد أنّ هذا التلون المختلف بين الصوفيّة لأنّها متضمنةٌ لأفعال عباديّة، وليس باعتبارها متضمنةً لمحتويات أو لمعاني فيلسوف متأمِّل أو شاعر يستثمر مقدرته الشعريّة، لهذا وقيل (التصوف: هو بذل المجهود في طلب المقصود، والأنس في المعبود، وترك الاشتغال بالمفقود)" (جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 283.)، وورد عن سفيان الثوري أنه قال: " ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ والخشن، وأكل الجشب ـ أي الطعام الغليظ ـ إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل "، والمقصود بقصر الأمل هنا أن يكون الإنسان واقعياً في سلوكه، وأن ينهض بمسؤولياته الكاملة تجاه الخالق والمخلوقين.

2- الحب الإلهي عند رابعة العدويّة:

وبعد تأصيل الرؤيّة الكونيّة القائمة على مركزيّة الله في الفكر الاسلامي وتجلياته في الخطاب الصوفي، نجد أنّ أبرز ملمح لهذا التجلي يظهر بمعناه الروحي هو: أنّ الحب الإلهي أحد أشكال التصوف وظاهرة متميزة اذ يتجلّى هذا المفهوم في التصور الإسلامي عن الحب الالهي الذي ينسب هذا النمط من التصوف إلى رابعة العدويّة " وتكنّى بأم الخير، عابدة وصوفيّة تاريخيّة وإحدى الشخصيّات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعد مؤسسةً لأحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب العشق الإلهي، وهي رابعة بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي عام (100هجريّة و717ميلاديّة )، من أب عابد فقير، وهي ابنته الرابعة وهذا يفسر سبب تسميتها رابعة فهي البنت "الرابعة".

ورابعة تختلف عن متقدمي الصوفيّة الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك لأنها كانت صوفيّةً بحق، يدفعها حب قوي دفّاق، كما كانت في طليعة الصوفيّة الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده.

هذا النمط من الحب بين المتصوفة والله بين الانسان والمطلق إذ يأتي هذا عبر الطالب الوجد والهيام بالله، وهو ما يظهر في شعر رابعة العدويّة اذ تمتّعت رابعة بموهبة الشعر وتأجّجت تلك الموهبة بعاطفة قويّة ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبرعمّا يختلج بها من وجد وعشق لله، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم.

ليس كل ما ينسب هو حقيقي وليس بالضرورة كاذب إلا أنّه يظهر تلك المرجعيّة الواسعة للعلاقة بين السماء والارض من معناها المادي الى بلاغتها الرمزيّة فهنا نلمس أطيافاً هي تمثل جزء من ذلك الطيف الواسع الذي يعكس البعد اللاشعوري ولكن اغلب المؤرخين الذين يراعون الظاهر يكتفون بالقول: إنّ هناك أشياءَ كثيرةً تنسب إلى رابعة لا يمكن أن تكون صحيحة، وبخاصة إنّ أقرب من ترجموا لها، وهو الجاحظ الذى عاش في القرن التالي لقرن وفاتها، لم يذكر عنها إلا أنها كانت من النساء الناسكات الزاهدات من أهل البيان، وورد ذلك في "البيان والتبيين" و"الحيوان" و"المحاسن والأضداد".

لكن تبقى تلك الأنثى تظهر كل المتن اللاشعوري بكل أطيافه في نصوصها التي وإن كانت تعبر عن مرجعيّة اسلاميّة إلا أنّها قابلة للتاويل والحفر في متونها ,ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق إذ تقول:

عـرفتُ الهـوى مذ عرفتُ هـَواكَ     وأغـلـقـتُ قلـبـي عـمَـن سِـواكَ

وَكــنْتُ أناجيـــكَ يـــا من      تــَرى خـَفـايـا الـقـلـوبِ وَلسْـنـا نـَراكَ

أُحُبــُـكَ حـبـيــنِ حُـبًّ الهــَـــوى      وحــبــــاً لأنــّـك أهـــل لـــذاك

فــأمّا الــذي هــو حب الهــــوى     فشـغلـي بـذكـرك عـمّـنْ سـِواكَ

وأمــّـا الـــذي أنــت أهــلٌ لــــه     فكـشـفـك للـحـجـبِ حَـتـّى أَراكَ

فـَلا الحـمْد فـي ذا ولا ذاك لـــي    ولـكـن لكَ الـحـمـدُ فـي ذا وذاكَ

أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى وحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاكَ

وأشتـاقُ شوقيـن.. شوقُ النِـوى   وشـوقٌ لقرب الخلـي من حِمـاكَ

فأمـّا الــذي هــو شــوقُ النـِـوى  فمسـري الدمــوعَ لطــولِ نـِواكَ

أمـّـا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى   فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك

ولستُ على الشجوِ أشكو الهوى   رضيتُ بما شئت لـي فـي هداكـا

في التأويلات الصوفيّة نجد تلك الشهادات التي يرويها المتصوفة الكبار اذ

وفى "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذى (ت380هـ): "دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حَالُكِ؟ قالت: والله ما عرفتُ لعلتي سببا. عُرِضَتْ علىَّ الجنة، فملتُ بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار عليَّ فعاتبني. فله العُتْبَى".

وأيضاً في ما يرويه في "أسرار التوحيد" للمنور (ت600هـ): "قال أبو سعيد الخير إنه سمع من أبى علي الفقيه أن رابعة سُئلت كيف بلغتْ هذه المرتبة في الحياة الروحيّة. فأجابت: بقولي دائما: اللهم إني أعوذ بك عن كل ما يشغلني عنك، ومن كل حائل يحول بيني وبينك".

وأيضاً نجد تلك القراءات للنص الصوفي لدى رابعة يقول:" فأمّا قولها: "حبّ الهوى" وقولها: "حبٌ أنت أهلٌ له" وتفريقها بين الحبين فإنّه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، ويَخْبُره من لم يشهده، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له ولا قدم فيه، ولكنّنا نحمل ذلك وندّل عليه من عرفه. يعني "حب الهوى": بمعنى إنّ من لم يدرك التجربة بنفسها لا يستطيع من أن يصفها وصفاً دقيقاً وخصوصاً أصحاب العقول الذين يعتمدون على المنهج العقلي وهو مفارق الى المنهج الذوقي وبالآتي لا يستطيعون إدراكه وفهمه .وبالآتي فإنّ هذا يعني أنّ المعنى له دلالة لا يدرك أثرها إلا من عاش التجربة ولم يكتفي بتأويلها وقد تحوّلت الى نص شعري .

وانطلاقا من تلك المرجعيّة لدى اهل التصوف فان المعنى يكون:

إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبرٍ وسَمْعِ تصديقٍ من طريق النعم والإحسان، فتختلف محبتي إذا تغّيرت الأفعال؛لاختلاف ذلك عليّ، ولكنّ محبتي من طريق العيان، فقَرُبْتُ منك وهربت إليك واشتغلت بك وانقطعت عمّن سواك.

وإذا ما أخذنا أنموذجاً من أصحاب العقل والبرهان اذ يقول: "الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتاب عن رابعة قرر فيه أنّها أدخلت في التصوف الإسلامي مفهوم العشق الإلهي، ثم قارن بينها وبين القديسة تيريزا." (قائلاً إنّ تصوفها متأثر بالتصوف النصراني في موضوع المحبّة الإلهيّة (شهيدة العشق الإلهي رابعة العدويّة ص10)؛ لكنّ هذا لا يمنع من القول من وجود بنية عميقة تمثّلت بالثقافة الشرقيّة القديمة تختلف عن الثقافة المعاصرة الغربيّة، لكن تلك الثقافة الشرقيّة (التي تنتج قيما روحيّة مستقلة، لم تعد موجودةً في زمننا هذا .) (داريوش، هويّة بأربعين وجه، ص53) .لأننا على الرغم من تنوعنا الثقافي إلا إننا نعيش في ظل ثقافة حداثيّة تسهم بإعادة النظر في العلاقة الكونيّة وتمنحها بعداً جديداً .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4551 المصادف: 2019-02-20 02:16:28