 أقلام فكرية

تيارات فلسفية امريكية متداخلة مع الذرائعية

علي محمد اليوسفتمهيد: بدأت الفلسفة الذرائعية الامريكية ( (Progmatisim نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر على يد روادها الثلاث ريتشارد بيرس، وليم جيمس، جون ديوي، ثم تلاها بعد عقد من الزمن بدايات القرن التاسع عشر تيار فلسفي جديد يحمل اسم الفلسفة الواقعية الجديدة على يد أبرز فلاسفتها رالف بارتون، ادوين هولت، ب.مونتاغ، ت. مارفين، غ.سبادلينغ وآخرين. ثم تلاها في تزامن نفس العقد تيار فلسفي أطلق فلاسفته تسمية الفلسفة (النقدية) الامريكية التي لم تخرج عن الفلسفة الذرائعية الأم في مرتكزاتها القارة البراجماتية التي تقوم على مبدأ لا أهمية للافكار والنظريات ما لم تعبر تلك النظريات حاجز الفلترة التجريبية في التطبيق النفعي ومن أبرز فلاسفة النقدية الامريكية ديزان دراك، آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سيلارز، ريتشارد رورتي، وجون سيرل وغيرهم..الذين أتخذوا منفردين فيما بعد مناحي فلسفية مختلفة في التعبير عن رؤاهم خارج وحدتهم البدئية ضمن تيار الفلسفة النقدية..

هذان التياران الفلسفيان كما يتوّضح معنا لاحقا لم يكونا يحملان جديدا يتجاوز المنطلقات الذرائعية القارة في خطوطها العامة التي أرساها الثلاثي ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، لذا فالفلسفة النقدية التي تزامنت مع الواقعية الجديدة اللتين كلتاهما خرجتا من رحم البراجماتية كفلسفة أم، ، لم تجتهد فلسفيا أكثر من كتابة حواشي هامشية نعرض بعضها والتي هي كما ذكرنا تماشي الذرائعية تماما مع فارق النقد الهامشي للذرائعية والتلاعب اللغوي الفلسفي بمصطلحات عرضية... ومن المهم التنبيه أن فلاسفة النقدية أبرزهم، سانتيانا، سلارز، رورتي، وسيرل سلكوا منفردين طرقا متباينة في تعبير كل منهم عن فلسفته الخاصة وأصبحوا في تفردهم الفلسفي خارجين عن بداياتهم الفلسفية النقدية مشّكلين تيارا فلسفيا مجددا أطلقوا عليه ما بعد التحليلية الذي يقوم على خلفية أفكار فينجشتين وعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة..

الواقعية الجديدة

في العام 1912 نشر عدد من فلاسفة الواقعية الجديدة الامريكان الذين ذكرنا اسماؤهم سابقا كتابا مشتركا ضّمنوه أفكارهم الفلسفية التي لا تتقاطع مع الخطوط العامة والمنطلقات الجوهرية الراكزة في الفلسفة الذرائعية الأم وكان الكتاب بعنوان: الواقعية الجديدة: دراسات مشتركة في الفلسفة.

The new realisim:co-operative studies in philosphie

ومن ضمن محتويات الكتاب المذكور نقاط عديدة أخترنا بعضا منها في عرضها والتعليق عليها:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية ولا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة، ولا ترتبط الميتافيزيقا بالمعرفة.(1)

هذا التبشير الفلسفي الاميركي الواقعي بأن (المعرفة) الابستمولوجيا لم تعد مبحثا أساسيا في الفلسفة الغربية عموما والفلسفة الامريكية تحديدا، كان تبّناه فيما بعد بشدة فلاسفة علم نفس وتحليليين لغوين من المتعاطفين مع طروحات التحليلية اللغوية في القرن العشرين التي سادت فرنسا والمانيا وانجلترا، بما جاءت به فلسفتا البنيوية والتفكيكية الفرنسيتين والتحليلية الانجليزية مدرسة اكسفورد جورج مور وبراتراند رسل، ووايت هيد وأخيرا أنضم لهم فينجشتين، وظل الالمان مدرسة تمتلك عراقة فلسفية تاريخية لا يجاريها سوى فلاسفة الاغريق والرومان القدماء تتزعم بعض دول اوربا الغربية مثل النمسا والدول الاسكندنافية..والتي شكلت ما يعرف بحلقة فيّنا التحليلية أبرزهم فينجشتاين وكارناب.

وكان أشهر الفلاسفة الاميركان الذين أهتموا بدراسة اللسانيات وفلسفة علم اللغة هم فلاسفة تيار النقدية سيلارز وسيرل ورورتي وصولا الى نعوم جومسكي بتفرده المعهود عنهم، وليس من بينهم فلاسفة الواقعية الجديدة الذين سبقوهم.. فلاسفة النقدية ذهبوا بعيدا جدا في أستهدافهم مبحث الابستمولوجيا في تأكيد مناويء لفلاسفة الواقعية السابقين عليهم من الذين تماشوا مع منطلقات علم النفس التجريبي والنزعة العلمية بأن المعرفة لا تربطها صلة حقيقية بالميتافيزيقا، فعمد سيرل، رورتي، وسلارز فلاسفة النقدية بالضد منهم، الى التنظير الفلسفي المضاد بأن الابستمولوجيا هي مبحث ميتافيزيقي وداء مرضي أصاب العديد من الفلاسفة منذ قرون طويلة في أعتبارهم مبحث الابستمولوجيا هو أحد ثلاثة مباحث شغلت الفلاسفة منذ ماقبل التاريخ الفلسفي حوالي ستة الاف سنة قبل الميلاد...وحان الوقت الى ركنها بالظل كونها ميتافيزيقا لا جدوى من الاهتمام بها.

والابستمولوجيا كما ذكرنا مبحثا هاما في الفلسفة كان الاعتقاد وعلى أمتداد قرون طويلة يرى أن مبحث الابستمولوجيا قد يكون أقرب الى التفكير والمنهج العلمي منه الى أفكار الميتافيزيقا، ولا تربطه بالميتافيزيقا رابطة... وهو ما هاجمه رورتي بضراوة معتبرا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا لا جدوى من الاستمرار به، وقد آن الاوان شفاء الفلاسفة من مرضهم المزمن به.. ..وكان رورتي معتّدا بثقة مطلقة في أسناد المؤيدين له بشدة بهذا الطرح كلا من فينجشتين وسيلارز وسيرل وكارناب.. مما مهد لهم تشكيل تيارفلسفي عرف ما بعد التحليلية الامريكية في الهجوم الشديد على الابستمولوجيا كونها مبحثا في الميتافيزيقا.

الشيء الآخر أن فلاسفة الواقعية الجديدة طرحوا عدم أمكانية أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة؟ على أعتبار أن طبيعة الواقع لا يمكن معرفتها على حقيقتها بالافكار المجردة محاولين عدم الخروج عن الخطوط العامة العريضة للفلسفة الذرائعية ذات الهيمنة والنفوذ القوي في أروقة الجامعات ومراكز البحوث العلمية والفلسفية الامريكية..وهم بهذا الطرح لم يأتوا بجديد يتجاوز طروحات الفلسفة الذرائعية في العمق..كون الذرائعية الفلسفة الأم تؤكد قبلهم حقيقة أنه ليس كافيا محاكمة صحة الافكار المعرفية بقدر تعبيراتها الفكرية التنظيرية القاصرة عن الألمام بالواقع ومعرفته على حقيقته، والواقع الحقيقي لا يمكننا معرفته بالافكار المجردة والنظريات، بل نستخلص معرفتنا وفهمنا لظواهر وتجليات العالم بما يفيدنا في نتائج وضع الافكار والنظريات تحت مرشّح التجربة وفلترتها في أمكانية تزويدنا بنتائج يمكن أن تأخذ مجالها التطبيقي النافع بالحياة..

- أعتبرت الواقعية الامريكية الجديدة العلاقات الخارجية هي جواهر أو كليات موجودة، ولا تبعية الوعي لها، والتي لا يمكننا ملاحظتها تجريبيا، فالمعادلة الحسابية 5+7= 12أنما تمثل طبيعة الارقام وليس طبيعة الوعي بها.(2) صحيح أن العلاقات الخارجية التي تحكم الموجودات هي تجليات فيزيائية متغيّرة على الدوام وليست موضوعات مادية ثابتة أو كليّات موجودة بمعزل عن الوعي بها وأدراكنا لها، ألا أنه ليس كل تلك العلاقات هي من نوع الحقائق التي تمنحنا المعرفة بها دونما وعي نقدي يستقبلها من قبلنا.

ومن الواضح أن الفلسفة الواقعية الجديدة أنما تريد التسليم بيقين لا يحتاج الى تجربة أو برهان أن العلاقات بين الاشياء خارجيا أو العلاقات داخل الظاهرة القائمة بذاتها تمنحنا اليقين التسليمي بها حالها حال المعادلات الرياضية التي لا نحتاج الوعي التجريبي دوما للتدليل على صدقيتها بحكم تداوليتها غير المشكوك رياضيا علميا بها..والتي يكون الوعي النقدي أمامها محايدا أن لم يكن وكأن الأمر لا يعنيه..

لكن من المهم الاقرار أن بعض العلاقات الخارجية لحقيقة ما أو موضوع حسّي لا تحتاج منا صرف أنتباه الوعي لتأكيد صدقيتها فهي تحمل يقينيتها في القبول والتسليم بحكم رسوخ الثقة العلمية الناجزة التي لا تحتاج برهان كما في تسليمنا الثابت بمثال المعادلة الرياضية التي لا يمكن تغيير حقيقتها بعد ألف سنة أن 4+ 3 = 7.. لكن ليس كل تلك العلاقات التي تكون جوهرا متحققا كمعطى جاهز لنا حاله كما ذكرنا حال المعادلات الرياضية التي لا تحتاج الوعي البرهاني لأنها بحكم الاعتماد العلمي الرياضي التداولي لها أصبحت حقيقة يقينية قائمة تحمل صدقيتها البائنة لنا كمسلمة لا مجال الشك بها.. لذا من المحتّم علينا الأخذ بالنسبة لغير الحقائق الرياضية في العلاقات الفيزيائية التي تحكم الكثير من الظواهر والموجودات منطق الوعي النقدي منهجا، وليس منطق التسليم بها كجواهر ومعطيات لا تحتاج الوعي النقدي لها..فالحياة في جميع أفصاحاتها الانطولوجية والعلمية والمعرفية ليست جميعها صحتها وتحقق معرفتها مرهونة بمسّلمة التسليم بمنهج المعادلات الرياضية وأعتبارها المعيار العلمي الوحيد في فهمنا العالم...

فحقائق الحياة التي لا حصر لها لا تكون معرفتهاعلمية خالصة عندما تقتصرمعياريتها مقارنتها بالمنهج الرياضي كمعادلات تحكم علم الرياضيات والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء والفضاء وغيرها..فالحياة لا تقوم على معادلات رياضية وأرقام مجردة فقط حتى لو كانت وثوقيتها العلمية مطلقة في اعتمادها والتسليم بثباتها العلمي.

والشيء الآخر الجدير بالاهتمام هو أن ليس كل العلاقات الخارجية الفيزيائية التي تحكم الوجود والعالم من حولنا هي تجارب يقينية من نوع المعادلات الرياضية التي أكتسبت اليقينية القطعية في تسليم الأخذ بها..فعلاقات مواضيع المعرفة في مجالات لا حصر لها في الحياة والطبيعة هي ليست علاقات فيزيائية أكتسبت صحتها الثبوتية المطلقة بمنطق رياضي ولم تعد بحاجة أدراك الوعي النقدي تناولها..

- طرحت الواقعية الجديدة الامريكية :( حضورية المعرفة، فالمعرفة بوصفها علاقة لها مكانها في نظام الطبيعة، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، بعبارة أخرى أن الفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي (المعرفة) ليس فرقا بالكيفية أو في الجوهر بل فرقا بالدور، أو في الموقع، أو في التشّكل).(3)

المعرفة كموجودات وعلاقات لها حضورها الدائم في نظام الطبيعة، وبالتالي (لا) يكون كل موضوع الذي هو مجمل علاقاته الفيزيائية الداخلية والخارجية معا حاضرا بشكل مباشر في الوعي، فالوعي لا يستبق موضوعه معرفيا في تمثّله الادراكي للاشياء... كما أن مواضيع الادراك التي هي علاقات فيزيائية متغيّرة هي ليست مواضيع الوعي بها (قبليا) يشبه وعيها الذهني العقلي بها (بعديا)... بمعنى أن موضوع الوعي في وجوده المستقل عن الوعي به، لا يكون هو الموضوع نفسه بعد تناول الوعي القصدي العقلي له...والفرق بين (ذات الوعي) و(موضوع الوعي) هي خلاف ما تدّعيه الواقعية الجديدة الامريكية هو فرق قائم على الدور أو الموقع أو التشكل وليس قائما على الجوهرولا الكيفية ايضا....، أن هذا يشبه أمكانية فصل العقل عن تفكيره بموضوعه وكلاهما العقل وموضوعه جوهرا واحدا وليس كيفيتي أدراك مختلفة متباينة بينهما..

وعملية الافتراض التفريقي الفلسفي بين الوعي وموضوعه غير صحيحة، كون الأصح منها أن ذات الوعي تتطابق أغلب الاحيان مع موضوع الوعي لكن تلك المطابقة لا تحمل (معرفة) كافية عن حقيقة تلك المدركات، وعندها يصبح الوعي هو موضوعه ولا فرق بينهما، وليس الوعي علاقات مفارقة تحمل ذاتيتها وخصائصها المفارقة عن موضوعها.. كما وليس في أمكانية عزل علاقة الوعي بموضوعه المستقل بالعالم الخارجي.. والدور الذي يلعبه الوعي يختلف عن موضوع الوعي، بمعنى الوعي فعالية نوعية من علاقات يتداخل بها الموضوع مع مرجعية الذهن بأمتيازلا يتساوى فيه الوعي بموضوعه بالدور بل في الكيفية وفي الجوهر أيضا... فوعي الموضوع هو تمّثلات ذهنية وأنطباعات عقلية لموضوع مفارق في وجوده المستقل عن الوعي به..بمعنى موضوع الوعي محتوى (مادي أو خيالي) بينما الوعي هو تعبيرات وتصورات العقل عنها شكلا ومضمونا.

- تقوم الواقعية الجديدة على التفريق بين ذرائعية وليم جيمس بأعتبارها براجماتية (ذاتية- فردية) بخلاف كلا من ريتشارد بيرس وجون ديوي فعندهما الذرائعية (عامة – سيسيولوجية).. والسبب أن فردية فلسفة وليم جيمس مستمدة من خلفيته الفلسفية في علم النفس حيث بدأ أبحاثه العلمية فيها ، بينما وضع ديوي ذرائعيته المجتمعية العامة من خلال أهتمامه المبكر في التركيز على مباحث التربية والسلوك المجتمعي والاخلاق وكذلك الفن، ووصف ديوي منهجه المجتمعي الفلسفي بأعتزاز قائلا: (أنه المنهج المنظور عن الذكاء الكامن في روح الجماعة الامريكية)(4)، بما جعل تلك الروح مجسدة أبداعيا في وحدة التكيف المجتمعي الامريكي المتجانس تقريبا لا تهتدي بفلسفات ونظريات سيسيولوجية في تحقيق مثل هذه الوحدة بالتكيّف المجتمعي الخلاق القائم على خاصية الذكاء الامريكي كمجتمع وليس كافراد فقط..وهنا تكون خاصية الذكاء المجتمعية المتكيّفة أمريكيا هي التي تصنع نظرياتها وليس العكس..وهو ما أفصح عنه ديوي بجلاء خيولائي..

- من الاشكاليات الافتعالية التي طرحها فلاسفة الواقعية الجدد مثل بيري (كيف يمكن لأشياء مستقلة أن تصبح مضمونا عقليا؟وأن الواقع مادي وعقلي في آن واحد (حقل علاقات) فحين يعرف شيء ما فهو يدخل في علاقة مع العقل)(5)، ويطرح فيلسوف ثان كيف واقعي جديد (يكون الخطأ ممكنا، أذا ما كانت الفكرة والشيء واحدا) ويطرح ثالت (ليس للزمان والمكان وضعية وجودية نقر بها)... وهذه الافكار بحاجة الى مناقشة مستفيضة يضيق بها المجال.. لكننا في تعقيب سريع عليها نقول لمّا كان وجود الشيء مكانا لا يتم أدراكه ألا في تعالقه بأدراكه الزماني لذا يصبح كلا من المكان والزمان غير مدركان وجوديا وليسا محددان أدراكيا كموضوعين من الممكن أدراكهما بل هما وسيلتي أدراك موحدة تعمل في تلازم مكاني وزماني مشترك ومتداخل.. لذا وجدنا كانط كي يخلص من أشكالية الزمان غير المادي الذي يدرك المادي في معرفته الاشياء يلجأ الى حقيقة مثالية أبتدعها بذكاء أن الزمان والمكان معطيان فطريان داخل العقل وهما من مزاياه الجوهرية وليس لهما وجودا ماديا بأعتبارهما (وسيلتي) أدراك للعقل وليسا موضوعين يدركهما العقل بذاتهما بل يحدسهما بنتائج مدركاتهما التي يزّودان العقل بها.. ، والموجود مكانا لا يتحدد وجوده والوعي به ألا من خلال أدراكه زمانا..

ونختم هذه الاقتباسات مع مونتاغ أحد فلاسفة الواقعية الجديدة قوله (الموضوعات التي تظهر في أخطاء الحواس وفي حالات الهلوسة ليست سوى مجموعات قائمة من جواهر لا يمكن الاعتقاد بعد التفكير بها أنها موجودة في المكان)(6)..

أخطاء الحواس المميزة عن حالات الهلوسة بما لا يمكن تفسير بداهته، هما في حال الجمع بينهما أخطاء الحواس زائدا التصورات الهلاوسية فكلاهما لا يمتلكان جوهرا أو جواهرمستقلة بهما والا كانت وجودات محددة ومحكومة بزمان ومكان أدراكي لها كمواضيع..

وأخطاء الحواس أنما تقوم بالنسبة لمدركاتها الخادعة عن موجودات مادية لا تستطيع الالمام الكامل بها، ولا يمكن أن تكون التصورات الذهنية للاشياء تعني الالمام الكافي بها، أو بديلا واقعيا لها في وجودها الخارجي المستقل، التصورات الذهنية للواقع أنطباعات وتمّثلات لا تأخذ حيزا مكانيا مثلما هو الحال مع مواضيع الوعي المادية المدركة، فالتصورات هي مجموعة العلاقات الفكرية المجردة عن الاشياء والمواضيع المادية، فالمادة هي حيّز مكاني تدركه الحواس بينما تكون الافكار والتصورات المعبّرة عنها تجريد معرفي فكري لا مكان يحده غير أدراك العقل له تجريدا زمانيا.

أن العلاقات التي تربط مكونات المعرفة ليست مادية موضوعية في وجودها المتعذرأدراكه أن يكون ماديا متعينا بحيّز مكاني، كما هو الوجود الذي ندركه الذي يحكم الاشياء المادية سواء في علاقاتها الخارجية أو علاقاتها الداخلية التكوينية لها..فالتصورات الانطباعية التمثّلية للاشياء المادية المحسوسة هي وعي في تفكير العقل ونتائج ذلك الوعي الصادر عنه، لذا فتصوراتنا هي نتاج العقل وليس نتاج المعطى الانطولوجي لمكوناته الادراكية من الاشياء..فالتصورات هي تمثلات وعي الاشياء فقط وليس خلقها وجوديا بالفكر..

الواقعية النقدية وريثة الواقعية الجديدة

انبثقت الواقعية النقدية (critical realism) بعد مرور عقد واحد من الزمن على انبثاق الواقعية الجديدة (The new realism) في تداخل زمني تحقيبي واحد لا يتجاوز العقد الاول من القرن العشرين، كلتاهما ولدتا من رحم الفلسفة الذرائعية الأم، وأعترف فلاسفة الواقعية النقدية أن من سبقوهم حاربوا النزعة المثالية التي كانت تحتويها الذرائعية في تنظيراتها الفكرية الفلسفية وفي ميادين غير الفلسفة من منظور علم النفس عند وليم جيمس ومنظور التربية والسيسيولوجيا كما هي عند جون ديوي، وفي عام 1912 صدر كتاب مقالات في الواقعية النقدية (Essays in critical realism) ضم مقالات فلسفية نقدية لشبان منهم آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سلارز وريتشارد رورتي. ومن جملة منطلقاتهم الفلسفية:

- أن المعرفة قصدية وليست حدسية، وجود أشياء فيزيائية غير معروفة بصفتها أشياء فيزيائية لكنها تتمظهر بأفعالها على الاعضاء الحسية، والعالم الحسّي يكون مؤكدا وليس مستنتجا، والعالم الفيزيائي هو أدراك حدسي داخلي من جهة، وأنطباعات حسية تحدثها أشياء العالم الفيزيائي من جهة أخرى(7)

- الحدس يحيلنا على العالم الفيزيائي وأن ما نعرفه هو التمّثل المعياري للاشياء وليس الاشياء بذاتها، فالجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء، التي ليست سوى أشياء مادية.(8)

وتوضيحنا تلك الافكار بأيجاز قدر الامكان فأن المعرفة حين تكون قصدية وليست حدسية هي مقولة صحيحة كما تذهب له الفلسفة النقدية فهي لا تخرج أن تكون المعرفة قائمة بذاتها كجوهرمن العلاقات التي لا يمكن للحدس الالمام بها ....وأنما يكون الوعي بها قصديا معرفيا تجريديا، ثم أن الاشياء وأن كانت في وجودها المادي تحتوي علاقاتها الفيزيائية الداخلية والخارجية المتغيرة على الدوام التي تعتمل بكينونة الاشياء في تغيراتها المستمرة الممكن التعامل معها ادراكا معرفيا..فهي أي الاشياء تبقى كينونات مستقلة موحدة تختلف أساليب أدراك علاقاتها الخارجية عن أدراك مجمل علاقاتها التكوينية داخليا..ولا تفقد حقيقة كينونتها التكوينية المؤلفة من (جوهر) و(صفات) في حالتي الحدس الادراكي لها وفي حال معرفتها حسّيا..

وأن يكون العالم الحسّي علاقته بالاشياء فيزيائيا كظواهر دائمة التغير والتبدل والصيرورة المستمرة بعوامل لا علاقة تربطها بالوعي الحسّي المباشر لها لذا يكون هذا الوعي الحسّي دوره تأكيد تلك العلاقات في استقلاليتها، وليس في تمّثلها خالقا موجدا لها ولا مستنتجا أو متداخلا كعامل أو أكثر من عوامل التأثير بها في متغيراتها التي هي مجموعة أنطباعات حدسية عنها..ولا يمكن أن ينوب الفكر عن الواقع في ماديته الا بوسيلة التصورات والتمّثلات الادراكية له فقط..

وحين تكون جواهر الاشياء هي علاقاتها الفيزيائية التي تحكمها، وتكون وسائل تعاملنا معها حدسية، فمن الطبيعي أن جواهر تلك الاشياء أنما تكون في وجودها المادي وليس في وجودها الحدسي كعلاقات خارجية، فالحدوسات ليست منهجا موثوقا منه في المعرفة يمكن الركون الى سلامته..وأذا ما أعتمدنا الحدس تمّثلا معياريا في الذهن فهذا يؤكد لنا أن جواهر الاشياء تكون في وجودها المادي وليس بمحاولة الحدوسات معرفة حقيقتها بلا جدوى...(يتبع)

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 130

2- المصدر اعلاه ص 132

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه ص 134

5- المصدر اعلاه ص 137

6- المصدر اعلاه ص 143

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه ص 148

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4828 المصادف: 2019-11-24 01:00:16