 أقلام فكرية

مبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة : صفة موضوعية أم صفة ذاتية (1)

محمود محمد علييعد مبدأ اللايقين من أهم المبادئ في نظرية الكم بعد أن صاغه العالم الألماني هايزنبرج عام 1927 وينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد أحد الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيم أولي. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة 100%. ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه.

وقد انقسم العلماء في مناقشتهم لمبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة بين كونه يمثل صفة موضوعية أم صفة ذاتية، فالقائلون بالصفة الموضوعية يؤكدون أن هذا المبدأ ناتج عن عمليات موضوعية خالصة . فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد. أما القائلون بالصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة فيعولون علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وان عملية القياس تعد تأثيرا ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

والقائلون بالصفة الذاتية يقفون طويلا أمام مبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم متخذينه مثالاً نمطياً لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع " الملاحظ "، ودليلاً علي ذاتية الفيزياء الحديثة بوجه عام، وفيزياء الكم بوجه خاص . ولهذا يرون أن فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف مظهر هذا العالم كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل تجريبية معينة .

وأصحاب هذه الصفة ينتمون إلي مدرسة كوبنهاجن Copenhagen School، وهذه المدرسة مكونة من جماعة من الفيزيائيين الألمان الذين تتلمذوا علي يد نيلز بور (مدير معهد الفيزياء النظرية في كوبنهاجن) في العشرينات ؛ وكان "جان لويس ديتوش" (Jean Louis Destouches) وهيزنبرج من أحد أقطابها . نزعت في أول عهدها منزعاً وضعيا منطقيا في أول عهدها ؛ علاوة علي إيمانها العميق باستحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات اللايقين، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي للظواهر الكوانطية أساساً لنظرية تنكر الوجود المادي الواقعي علي الجسيمات الذرية، وتلجأ كما تلجأ الوضعية المنطقية الجديدة في الدفاع عن وجهة نظرها إلي تحليل اللغة، وكأن الوجود الواقعي يتوقف فقط علي المفاهيم اللغوية .

كما أثارت مدرسة كوبنهاجن مجموعة من القضايا الابستمولوجية منها قضية الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية، وبالأخص فيما يتعلق بالعالم المتناهي في الصغر . إن عدم الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق كما كشف عنه مبدأ اللايقين يرجع فيه إلي تداخل آلات القياس تدخلاً يجعل من الصعب الفصل في نتائج القياس بين ما يعود إلي الموضوع الملاحظ وما يرجع إلي عملية القياس وأدواته . هذا معطي من معطيات البحث العلمي في مرحلة معينة من تطوره، وبالتالي فلا يمكن إهماله . غير أن فكر مدرسة كوبنهاجن قام علي فهم العلاقة بين الذات والموضوع فهما وحيد الجانب؛ حيث أكدوا دعاة تلك المدرسة علي الصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة، كما عولوا علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وأن عملية القياس تعد تأثيراً ذاتياً أو انعكاساً إنسانياً علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطراباً في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

وبالتالي أنكرت مدرسة كوبنهاجن الصفة الواقعية – الموضوعية للشئ الفيزيائي الكوانطي (الدقائق الصغري كالإلكترونات مثلا) نكراناً كلياً أو جزئياً ؛ وذلك بعد أن ركزوا علي أن الظواهر التي يدرسها العالم لا تملك أي واقع فيزيائي موضوعي قائم بذاته وباستقلال عن طريق اختبارها وملاحظتها والقياس عليها، أي أنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها .لذا فالقضايا العملية لا تشير إلي الواقع الموضوعي، بل إلي إجراءاتنا وطرقنا التجريبية، أي أن الظواهر لن يكون لها وجود موضوعي مستقل عن من يدركها، وهي في الأخير ليست سوي مركبات ذهنية من الإحساسات . وبهذا يعيدون ماخ الذي يميز بين المعرفة الحسية، أي معرفة الواقع مثلما تمدنا به حواسنا، ومعرفة الواقع في ذاته التي هي معرفة مستحيلة .. وبالتالي يعيدون المثالية الكانطية والتي لم يعمل ماخ سوي علي تنقيتها وتطهيرها من الشوائب الميتافيزيقية العالقة بها كفكرة الشئ في ذاته حتي تمتزج بآراء هيوم وبركلي وتتفق معها ؛ وفي هذا يؤكد " هيزنبرج " أنه :" يجب أن نلاحظ أن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس علي الإطلاق وضعيا . فبينما تركز الوضعية علي أن عناصر الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية أساسا لأي تفسير فيزيائي .في نفس الوقت سنلاحظ أننا لا نستطيع تجنب الطبيعة الإحصائية لقوانين الفيزياء الميكروسكوبية، لأن أية معرفة عن الواقعي هي بذات طبيعتها معرفة ناقصة بسبب قوانين الكم النظرية .

ومن ناحية أخري فقد تمكنت مدرسة كوبنهاجن بزعامة بوهر وهيزنبرج أن تروج لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في الوجود المادي الواقعي والموضوعي للجسيمات الذرية، وبهذا المعني يغدو من الصعب، في نظرها، الحديث عن (واقع) لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف اختلافا أساسيا عن الواقع في الميدان الماكروسكوبي، أي في مستوي الظواهر التي نتعامل معها في حياتنا اليومية الاعتيادية . وانطلاقا من نفس الاعتبارات، نفوا أن تكون نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوي الذري نتائج موضوعية، نتيجة ما يؤدي إليه تدخل آلات القياس من تأثير علي الظاهرة الملاحظة نفسها تأثيرا بارزا، حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة واقع فيزيائي إلا بالنسبة للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه .

وكان معظم ممثلي مدرسة كوبنهاجن يرفضون الحتمية بالمعني الكلاسيكي الذي أرساه لابلاس، ويقولون بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطاء مفهوم اللايقين ؛ إذ أضحي جل فكر معظم العلماء والفيزيائيين المتخصصين في ميكانيكا الكوانتم منقادين وراء التفسير الفلسفي الذي اقترحته مدرسة كوبنهاجن لعلاقات اللايقين ولازدواجية الجسيم والموجة والتداخل القائم بين آلات القياس والظواهر، معتبرين أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانطية، وأن التداخل ينزع كل  صبغة موضوعية عن الظواهر التي ندرسها وعن النتائج التي نحصل عليها من دراستنا . لهذا فإن الشئ أو الموضوع في نظرهم، لم يعد بالنسبة لنا سوي مجرد تركيب من الانطباعات أو الإحساسات التي يتدخل فيها عنصر الاعتباط والاختيار والذاتية، وهم يعتقدون انطلاقا من ذلك أن الاستمرار في القول بأن هدف العلم هو الاطلاع علي حقيقة العالم الواقعي ليس سوي وهم أصبح يكذبه العلم الكوانطي.

ويؤكد تفسير كوبنهاجن علي أن الملاحظة الإنسانية تؤدي إلي عدم يقين في قياس الظواهر الفيزيائية . وهي كما يبدو دعوي بالذاتية في القياس العلمي بشرت به مدرسة كوبنهاجن (هيزنبرج- بور) التي لا تنتبه إلي أن التداخل الموضوعي بين عمليات القياس وبين الظواهر الفيزيائية يحدد بتحديد كمي لعدم التحديد أو عدم اليقين .

وهنا يذهب ديتوش وهو أحد المناصرين لفكر مدرسة كوبنهاجن يؤكد " إن التصورات الديكارتية هي التي قادت إلي تلك الحتمية التي عرفها العلم الكلاسيكي . وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلي تناقضات وأن التمسك الصارخ بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب، لكي تكون محددة بالفعل، القيام بعمليات لا يمكن انجازها، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقاً، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في الإمكان قياس "حالة" منظومة ما بالمعني الذي يفهم به القياس في الفيزياء الكلاسيكية، الشئ الذي يعني أنه لا يمكن تحويل "علاقات اللايقين" تحويلا عكسياً، ومن ثم التسليم بوجود لا حتمية أساسية .

لهذا تنتهي مدرسة كوبنهاجن إلي  إبطال صلاحية التصور الكلاسيكي للواقع علي أنه أجسام والقول بأنه تصور محدود بحدود ظواهر العالم المرئي الذي كانت تدرسه الميكانيكا ولا يمكنه أن ينطبق علي الميدان الميكروفيزيائي. كما تقول بضرورة إبطال صلاحية المنطق الأرسطي الذي نشأ في أحضان نظرة فلسفية جوهرية باعتباره منطقا يعجز عن استيعاب المظهر التكاملي للظواهر الذرية كازدواجية الجسيم والموجة التي تظهر وكأنها تناقض . وانطلاقا من التأثير الذي تمارسه أدوات وأجهزة قياسنا علي الظاهرة المدروسة، قالت بضرورة الإقلاع عن إعطاء الآلة نفسها أو الظاهرة واقعا فيزيائيا قائما بذاته .

ولم تكتفي تلك المدرسة، بذلك بل راحت تعلن رأيها حول الأحداث في العالم الصغير، وذلك علي النحو التالي :

1- أن جسيمات العالم الصغير لا تكتسب صفة الواقع الموضوعي إلا حينما تسجل بواسطة جهاز مختبري، ويحس بها إحساسا ميكروسكوبيا (القياس أو الرصد).

2-  لا يمكن الفصل فصلا واضحا بين الراصد (الإنسان أو الجهاز) والمرصود (الدقيقة، الذرة)، أي بين الذات والموضوع، وأن المرصود ليس له واقع موضوعي مستقل عن الراصد .

3- التفاعل بين الجسيم الصغير (الدقيقة الميكروسكوبية) وجهاز القياس يخلق اضطرابا في الجسيم لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته مقدما .

4- للراصد إمكانية الاختيار الحر بين ترنيبين مختبرين مختلفين يؤدي كل منهما إلي معلومات عن الجسم الميكروسكوبي تتنافي مع ما يؤدي إليه الترنيب الآخر، إلا أنهما تكملان بعضهما (مبدأ التكميلية) وفسر ذلك بأن الخواص التكميلية (الدقائقية أو الموجية) للدقائق الصغري تتولد بتأثير الذات علي الموضوع، ولذلك لا يستطاع معرفة الشئ (الموضوع9 في جوهره . وبهذا كانت ثنائية الدقيقة – الموجة وعلاقة اللادقة تفسر أن تفسيرا لا ادرديا .

4- الإحصاء والسببية أو الاحتمال والحتمية نقيضان يتنافي احدهما مع الأخر تناقضا مطلقا . ولا يمكن التوفيق بينهما . وأن قوانين الميكانيك الكوانطي الإحصائية تعني اللاحتمية واللاسببية في أحداث العالم الصغير (الميكروسكوبي) .

5- واجب الفيزياء ينحصر في وصف الروابط بين الإحساسات وصفا شكليا . أما الواقع الموضوعي الذي هو مصدر تلك الإحساسات، وإمكان معرفة هذا الواقع، فينبذ من تفكير البعض باعتباره تأملات " غير ذات معني " .

وما يمكننا استخلاصه من هذه الاعتبارات التي قالت بها مدرسة كوبنهاجن، هو أن تقدم العلم جرد المادة من كيفياتها المادية، كما سلخ عنها الصبغة الواقعية  التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان تحديدها بالشكل والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين . لقد تغير مفهوم النقطة المادية في الفيزياء الحديثة إذ لم تعد نقطة معينة في المكان تعيينا سكونيا، بل غذت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها . وأن محاولة تحديد موقعه أو سرعته تقتضي إنشاءه ذهنيا بحيث أن صفاته يكتسبها من هذه المنظومة ذاتها . لهذا نقول بأن محاولة التغلب علي الصعوبات التي طرحتها الإشكالية الكوانطية (في المرحلة الأولي) أدت إلي انفتاح آفاق جديدة للتفسير أمام العلم تثبت كلها الطابع الإنشائي التركيبي للعلم وتؤكد علي الصبغة الطرائقية لمفهوم (الشئ) إذ الجسيم الملاحظ لا يعرف إلا في علاقته بالملاحظة وأداة الملاحظة . ومن نتائج ذلك أن بنية التفسير الماكروسكوبي استبعدت صلاحيتها، بل ظهر فشلها كأداة للتفسير في هذا المستوي الجديد من الظواهر وبالتالي انهارت النظرة الكيميائية للذرة التي اعتبرتها جسيمات صلبة يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالشكل والحركة . وفي نفس الوقت الذي تنهار فيه المقادير الديكارتية أمام علاقات الارتياب تؤكد نزعة العلم الطرائقية نفسها وتبين عن جداراتها خصوصاً وأن مفهوم الموقع والسرعة يتحول إلي مفهوم طرائقي وكأن تحديده ينتج عن علاقة الجسيم بمنظومة الملاحظ .

ويعتبر هيزنبرج من أقطاب مدرسة كوبنهاجن، والمتحدث الرسمي عن فكر مدرسة كوبنهاجن، بل والمدافع عن فكر تلك المدرسة ؛ حيث راح يعلن أن:" الوصف الموضوعي للوقائع في الفضاء والزمان غير ممكن كما أنه :" لا يمكن أن توجد " فيزياء موضوعية "، أي أن من الممكن وضع حد فاصل واضح بين الموضوعي والذاتي، وأن الفيزياء الذرية لا تعالج بنية الذرات، بل أحداثاً نحس بها عند الرصد، وليس من الممكن جعل الرصد عملية موضوعية، ولا يمكن اعتبار نتائجه شيئا واقعيا بصورة مباشرة . وكتب :" تنحصر مهمة الفيزياء في وصف الترابط بين الإحساسات وصفاً شكلياً ققط وبإمكاننا إيجاز الواقع الحقيقي كما يلي : بما أن جمع التجارب تخضع لقوانين الميكانيك الكوانطي، أصبح خطأ قانون السببية مثبتا إثباتا قاطعا ".

ومما يجلب الانتباه أن هيزنبرج لم يكن له موقف واضح ثابت من " الواقع الموضوعي " . فهو يكتب عن الذرة مثلاً : " في الجوهر نجد أن الدقيقة الأولية ليست جسيما ماديا في الفضاء والزمان، أنما هي بشكل من الأشكال مجرد رمز تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلاً سهلاً واضحاً ... إن خبرات الفيزياء الحديثة تبين لنا أن لا وجود للذرات كجسيمات بسيطة . إلا أن تقديم مفهوم الذرة يمكننا من صياغة القوانين التي تحكم المعطيات الفيزيائية والكيميائية صياغة سهلة . ولكنه يكتب في نفس المقال :" إن الشرط المسبق للتدخل الفعال العلمي في العالم المادي والموجه لأغراض عملية هو المعرفة الواعية بالقوانين الطبيعية المصاغة بقالب رياضي " . وكتب في مكان آخر :" العلم يسأل بشكل من الأشكال محاولة لوصف العالم بالمدي الذي يكون فيه هذا العالم مستقلا عن فكرنا وعملنا . أما حواسنا فليست سوي وسيلة محدودة الكمال ـ تمكننا من اكتساب المعرفة عن العالم الموضوعي".

لكن هيزنبرج في كتابه الفيزياء والفلسفة يقدم لنا بعضا من أصرح ما رأيت من تأكيدات لهذا الموقف الذاتي الغير موضوعي ؛ فهو يقول :" في التجارب التي تجري علي الوقائع الذرية علينا أن نتعامل مع الأشياء والحقائق، مع ظواهر لها نفس واقعية الحياة اليومية . لكن الذرات أو الجسيمات الأولية ذاتها ليست واقعية مثلها، إنها تشكل عالما من الإمكانات أو الاحتمالات لا عالما من الأشياء والحقائق، توسم آراء أينشتين بأنها واقعية دوجماطيقية، وهي تمثل موقفا طبيعيا جداً فى رأى هايزنبرج . والحق أن الغالبية العظمى من العلماء يدينون به . هم يعتقدون أن أبحاثهم تشير فعلا إلى شئ واقعى " يوجد هناك " فى العالم المادى، وأن الكون المادى الشرعى ليس مجرد ابتكار من خيال العلماء . إن النجاح غير المتوقع للقوانين الرياضية البسيطة فى الفيزياء يدعم الاعتقاد بأن العالم إنما يطرق واقعا خارجيا موجودا بالفعل . لكن هايزنبرج ينبهنا إلى أن ميكانيكا الكم قد بنيت أيضاً على قوانين رياضية بسيطة ناجحة تماماً فى تفسير العالم المادى، غير أنها لا تتطلب أن لا يكون لهذا العالم وجود مستقل، بالمعنى الذى تقول به " الواقعية الدوجماطية " . وعلى هذا فإن العلم الطبيعى ممكن بالفعل دون أساس من الواقعية الدوجماطية .

وهنا يعلن هيزنبرج عن موقف مدرسة كوبنهاجن من الواقع فيقول :"  إن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم يبدأ بمقارنة . إنه يبدأ من حقيقة أننا نصف تجاربنا بلغة الفيزياء الكلاسيكية، بينما نعرف فى نفس الوقت أن هذه المفاهيم لا تلائم الطبيعة بدقة، والتوتر بين نقطتى البداية هاتين هو أصل الطبيعة الإحصائية لنظرية الكم . وعلى هذا فلقد اقترح أحيانا أن علينا أن نهجر المفاهيم الكلاسيكية تماما، وأن تغيرا جذرياً فى المفاهيم المستخدمة لوصف التجارب قد يرجع بنا إلى وصف للطبيعة غير إحصائي، وموضوعى تماما . على أن هذا الاقتراح يبنى على سوء تفهم . إن مفاهيم الفيزيقا الكلاسيكية هى مجرد تهذيب لمفاهيم الحياة اليومية، وهى جزء أساسي من اللغة التى تشكل الأساس لكل العلوم الطبيعية. إن موقفنا الواقعى فى العلوم هو أننا نستخدم بالفعل المفاهيم الكلاسيكية لوصف التجارب . ولقد كانت مشكلة نظرية الكم هى أن نجد التفسير النظرى للتجارب على هذا الأساس. لا فائدة ترجى من مناقشة ماذا يمكن عمله لو كنا كائنات أخرى غيرنا نحن . وهنا يجب أن ندرك – كما قال فون فايتسيكر – أن " الطبيعة أقدم من الإنسان، لكن الإنسان، أقدم من العلوم الطبيعية " . والفقرة الأولى من الجملة تبرر الفيزياء الكلاسيكية ومثلها الأعلى هو الموضوعى الكاملة . أما الفقرة الثانية فتخبرنا عن السبب فى أننا لا نستطيع أن نهرب من مفارقة نظرية الكم، نعنى حاجتنا إلى استخدام المفاهيم الكلاسيكية " .

ومن الملاحظ أن هيزنبرج هنا يعتبر الحديث عن عالم موضوعي واقعي تتمتع فيه أصغر الجسيمات بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه للأجسام الميكروفيزيائية حديثا مستحيلا وغير مقبول .  إذ الظواهر الميكروفيزيائية  لا توجد إلا بالنسبة لذات تدركها وبالنسبة لآلة تقيس عليها . فوجودها يكمن في كونها مدركة ومختبرة من طرف عالم، ومن طرف منظومة بين الذات والموضوع الملاحظ نتيجة التداخل والتفاعل بينها، أي يعدو من غير الممكن اعتبار الظواهر تتمتع بوجود واقعي فيزيائي مستقل وموضوعي بالمعني الاعتيادي للكلمة . بل تخلقه خلقا إراديا حرا تلعب فيه مبادرة العالم دورا أساسيا . كما يشكل فيه الاختيار عنصرا رئيسيا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4832 المصادف: 2019-11-28 04:11:09