 أقلام فكرية

ماركس المتنوع وحقيقة الماركسية

ميثم الجنابيما بين ماركس وهيغل: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري (6)

إن ماركسية ما بعد ماركس من الناحية المجردة هي "ماركسية" إضافية، أي "مصطنعة". غير أن ذلك لا يلغي كونها جزء من رصيد الماركسية بوصفها تيارا عاما أو تيارات متنوعة واجتهادات هي جزء من تقاليد ومصير العقائد الكبرى ومدارسها النظرية. تماما كما أن التشيع والتسنن، والخوارج والمرجئة، والمعتزلة والأشاعرة، والحنبلية وإخوان الصفا، والغزالي وابن عربي وما شابه ذلك هي نماذج "إسلامية" إضافية، أي "مصطنعة" رغم كونها جزء من التيار العام للإسلام وتقاليده. وينطبق هذا على كل شروق وغروب التيارات العقائدية الكبرى. وإذا كان الخلاف جليا، على الأقل من حيث الظاهر بين بقاء و"حياة" الأديان واندثار و"موت" المدارس الفكرية الكبرى، فإن سببه لا يكمن في صواب الأولى وخطأ الثانية. بل على العكس تماما! أو على الأقل أن جذور هذا الاختلاف تكمن في أن حياة الأديان من "حياة" العوام، أي الأغلبية المحنطة والعائمة في زمن الوجود وفضاء التاريخ الروحي للعقائد، على خلاف المدارس الفكرية الكبرى التي لا يعني "موتها" سوى حياتها المتجددة في اجتهاد العقل النظري والعملي الدائم. بمعنى أنها الممثل والمتمثل الأكبر لحقائق الوجود بوصفه صيرورة أبدية للوجود والعدم.

وليس مصادفة أن يتحول ماركس الواحد بمعايير الحياة الشخصية والحياتية إلى أنواع وشخصيات عديدة. والسبب لا يقوم فقط في أن تاريخه الشخصي هو تقلب وتنوع واختلاف متراكم في مجرى البحث عن وحدة نظرية منهجية تطابقت في مجرى تكاملها الذاتي مع منظومته الفلسفية بوصفها منظومة تاريخية عن الإنسان والمجتمع والدولة والفكر، بل وكذلك بسبب انغلاق المسار التاريخي للشخصية والفكرة على ذاتها أمام التاريخ اللاحق. وذلك لأن التاريخ "اللاحق" هو "معاصرة". من هنا تأثيرها المباشر وغير المباشر حتى على اشد المحاولات صرامة في رؤيتها التاريخية للماضي. بعبارة أخرى، إن المعاصرة عادة ما تبعد اشد الأفكار واقعية وموضوعية وعلمية عن الماضي حتى حالما تجعل منه موضوع تأملاتها النظرية ومادة تصنيعها العملي.

فالمعاصرة هي بمعنى ما طفو على الماضي. وفي هذا فضيلتها أيضا. كما أنها حالة وجودية ومعرفية بقدر واحد. من هنا لم يكن "تنوع ماركس" حالة غريبة. على العكس أنها تعكس المسار الطبيعي لتاريخ الفكر والعقائد الكبرى. من هنا بروز ماركس المعقد والصعب والفيلسوف والعالم، وماركس العادي والبسيط والنبي العملي. كما تظهر مختلف الصور المعقولة بمعايير التأويل عن ماركس الاقتصادي، وماركس السياسي، وماركس الفيلسوف، وماركس الأيديولوجي، وماركس المناهض للأيديولوجية، وماركس الإنساني، وماركس الطبقي، وماركس النقدي، وماركس السلفي، وماركس الثوري، وماركس المعتدل. وأن يجري وضع الخط بين هذه المكونات بما في ذلك بمعايير الزمن وابتداع الصورة الخلابة في الوقت نفسه عن ماركس الشاب وماركس الشيخ. مع أنها وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها بمعايير الوجود الشخصي وتكامله الذاتي وصيرورة منظومته الفكرية. لكن مفارقة هذه الثنائيات الملهمة للجدل العقائدي تقوم في التهامها لاجتهاد ماركس عبر تحويله إلى جهاد أيديولوجي لم يبق من ماركس غير تأويلات لا تحصى جعلت من الممكن تحويل ماركس إلى صبية مرمية على قارعة الطريق يمكن لكل عابر سبيل ولص مغامر من الاستيلاء عليه واغتصابها.

إن ماركس هو فيلسوف أولا وقبل كل شيء. بل حتى كتاب (الرأسمال) كتاب فلسفي من حيث الجوهر، أو أنه لا يمكن فهم حقيقته دون منهجه الفلسفي. ومن ثم فإن (الرأسمال) هو كتاب فلسفي اقتصادي سياسي، أي تاريخي من حيث المبدأ والغاية. وذلك لأنه يحتوي وينسق بقدر واحد بين مضمون تاريخي، ووسيلة تاريخية، وغاية تاريخية. وليس مصادفة أن يخلو كتاب (الرأسمال) من معطيات بيانية وإحصائية. كما أنه الشيء الذي يمكننا رؤيته أيضا على مثال مقولاته ومفاهيمه وقيمه ومواقفه. لاسيما وأنها أمور جوهرية ليس فقط بالنسبة لمعرفة مصادر وكيفية تأسيس الفكرة، بل ولمعرفة حدوها النظرية ضمن منظومة الفيلسوف نفسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على طبيعة ومضمون نقده لأسلافه الكبار من رجال الفكر الاقتصادي. بمعنى كشفه عن خلل "الرؤية المستقبلية" في استنتاجاتهم الاقتصادية. وليس ذلك في الواقع سوى الوجه "الاقتصادي" في رؤيته التاريخية للمستقبل. لقد أراد ماركس من العلم الاقتصادي، كما هو الحال من نتاج جميع العلوم الاجتماعية والطبيعية أن يكون مؤيدا ومساندا وداعما لفكرة البدائل التاريخية المتعلقة بتأسيس ودعم فكرة الضرورة التاريخية لعملية الانتقال إلى الشيوعية بوصفها التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية العليا في التطور الإنساني. بحيث نراه يطابق بينها وبين التاريخ الحقيقي. الأمر الذي جعله يفصل بطريقة اقرب إلى تقاليد الميتافيزيقيا المتسامية بين ما كان ويكون، أي ما كان قبل وبعد توكيدها وتأسيسها للفكرة، شأن تصورات وأحكام "الدين الحنيف" الجازمة في مواقفه من إشكاليات الوجود والخير والجمال والحق والحقيقة. وليس هذا في الواقع سوى الغلو العميق المميز للنزعة التاريخية في فلسفة ماركس.

إن تحويل ماركس إلى اقتصادي فقط، أو سياسي فقط، أو أي إلى مجموعة كيانات مستقلة ومختلفة فيما بينها يعادل ضعف أو انعدام المعرفة العلمية به، بوصفه كلا واحدا لصيرورة تاريخية فكرية ثقافية معقدة. إن تجزئة ماركس بهذه الطريقة يستعيد في حالات كثيرة جهاز التقييم القديم الذي يجد في تنوع الاختصاص فضيلة بوصفه الوجه الآخر للموسوعية. أما في الواقع، فإن هذا "التنوع" ليس إلا أحد مظاهر أو أجزاء التراكم التاريخي والمعرفي للشخصية الكبيرة، كما أنه الممر الضروري والفردي لتكامل منظومة الأفكار الكبرى والمنهج الموحد والجامع لها، ومن ثم الغاية الخفية القائمة وراء كل ذلك بوصفها "سرّ الأسرار" الكامنة في ما ينبغي للتاريخ اللاحق الكشف عنه وتبيانه. فقد أدت تجزئة ماركس إلى جعله مادة للتطفل الجاهل والتطويع الأكثر جهلا من مختلف أطراف المحبين والكارهين. وهي ظاهرة ليست معزولة عن النفسية الأيديولوجية وأحكامها الضيقة. أما بمعايير العلم فإن ماركس يبقى جزء من أجزاء الكلّ الإنساني وحلقة من حلقات المعاناة العقلية في اجتهادها النظري وجهادها العملي من اجل تأسيس البدائل الإنسانية.

فقد جعلته الرؤية الأيديولوجية المؤيدة منها والمعارضة كيانا فاقعا. وليس مصادفة أن تسود الرؤية عند الطرفين من خلال إرجاع ماركس إلى (دون كيشوت) عصري في مواجهة أشباح الطواحين المخيفة للشيوعية، أو النظر إلى ما في (الرأسمال) على انه منشور سياسي صرف مهمته كشف شبح الرأسمالية المرعب. وكلاهما في الواقع مجرد رهينة صغيرة للعبارة البيانية التي كانت تميز كتابات ماركس آنذاك، كما نعثر عليها في (بيان الحزب الشيوعي). أما في الوقع فقد كانت عبارة بيانية لا تخلو، شأن كل إبداع تاريخي كبير، من شطح يناسبها في المظهر والمظاهر.

لقد أدت هذه التجزئة المفتعلة والملازمة للوعي السياسي المتحزب وتقاليد العوام الراديكالية إلى إحراق أغلب الآراء الطرية والقابلة للنمو في منظومة ماركس الفلسفية على نار الالتهاب الثوري، وبالأخص في مجرى التحولات الدرامية الهائلة بعد موته. كما نراها على سبيل المثال لا الحصر في كتابات كاوتسكي ولوكسمبورغ في ألمانيا، وبليخانوف ولينين في روسيا، ولابريولا في ايطاليا وغيرها من المناطق الأوربية آنذاك. فقد جعلوا، وإن بمستويات ونوعيات مختلفة ومتباينة، من تصوراتهم عن الماركسية جوهر العقيدة العملية والأيديولوجية الثورية في القرن العشرين. الأمر الذي جعل من الماركسية عقيدة قاسية، تعمل بمقاييس "نحن" و"هم"، و"رفاقنا" و"أعداءنا" بوصفها الحالة "الطبيعية" لقداسة "التناقض" و"صراع الأضداد" و"الصراع الطبقي". من هنا ثنائيات الصراع الحادة في كل شيء. ومع كل نمو فيها كانت تنمو حراشف العداء والتخوين والتجريم. ومع كل تشدد فيها تصبح أشد تخريبا للعقل والضمير. بحيث يتحول تروتسكي وفكرته عن جوهر الماركسية باعتبارها "ثورة دائمة" إلى انتهازي وعميل ومجرم يجري تتبعه حتى المكسيك! (وهو يرفد هناك بحياة إمبراطورية!). ثم تتحول الستالينية إلى مجرد عبادة فرد يجّسد في ذاته الحزب والدولة والحقيقة والمستقبل. وتتحول كتاباته إلى أناجيل الماركسية السهلة! مع أن ستالين رجل أمي بمعايير الفكر. فهو أيضا لم يكمل المدرسة الابتدائية! ثم الخروشوفية بكل حرارتها الراديكالية التي جعلت من الستالينية جريمة، أي من المقدس مدنسا! ثم يجري رميها بوصفها حماقة فلاحية! وهي عملية تتكامل مع مجرى الزمن لكي تتحول في نهاية المطاف إلى حلقات أحداها أضعف من الأخرى لتنتهي بالغورباتشوفية، بوصفها خروتشوفية "مجددة" مشهورة النتائج. وهي حالة يمكن رؤيتها في كل مكان مشابه للدول الاشتراكية جميعا، الغربية منها والشرقية، المتطورة والمتخلفة، المندثرة والباقية. والاستثناء الوحيد للتجربة الصينية. لكن التحول الصيني المعاصر هو تحول قومي خالص. وهذه قضية لا علاقة لها بالفكر بقدر ما لها علاقة بالتجربة السياسية للدولة والأمة الصينية وتراثها القومي.

لكن اغرب ما في المصير التاريخي لفكرة ماركس التاريخية وفلسفته التاريخية يقوم في بقاء وفعالية "ماركس الشاب" وضمور "الشيخ ماركس". وهي مفارقة غريبة. فقد كان "ماركس الشاب" يعمل من اجل "ماركس الشيخ". بينما تحول "الشيخ ماركس" إلى الشخصية الأشد فاعلية في تاريخ العالم الحديث. وبالمقابل يقي ماركس الشاب الأعمق بالنسبة للعقل والضمير. والسبب يكمن في أن "ماركس الشاب" كان ينتج بمعايير العلم الفلسفي الخالص والحدس الثقافي، بينما كان "الشيخ ماركس" يعمل بمعايير العقل العملي. من هنا تطويع نتاج الفكر والسباحة في تياره. وهو تيار لا يمكنه السير إلى ما لا نهاية بنفس عنفوانه وقوته الأولى لأنه اقرب ما يكون إلى سيل العرم، يبدأ بالمطر وينتهي بتخريب كل ما يقع أمامه. لأنه ينقل في مياهه المخبوطة بالحجارة والقذارة أيضا!

إن هذه النهاية المأساوية للماركسية، التي جرى تتويجها بانهيار "الاشتراكية السوفيتية" يعكس المسار الدرامي والمعقد لحياة ماركس وفكره، أي المسار المعقد لماركس المصطنع. وهي إشكالية بمعايير التاريخ السياسي، لكنها حقيقية ضمن سياق العلاقة المتنافرة أحيانا بين التاريخ الواقعي والمنطق.

 إن القيمة التاريخية الكبرى لفلسفة ماركس تقوم بالذات في رؤيتها التاريخية. كما أن مأساة الماركسية والخاتمة الدرامية لماركس هي أيضا النتاج المباشر لفلسفته التاريخية. وفي هذا تكمن إشكالية الماركسية والمصير التاريخي لماركس. وليس مصادفة أن تتأثر كل فلسفات التاريخ الكبرى للقرن العشرين بفلسفته عن التاريخ. إذ لا يمكن على سبيل المثال لا الحصر، فهم كل البواعث الدفينة والعميقة لفلسفة ماكس فيبر التاريخية والاجتماعية بدون ماركس. إذ نعثر في رؤيتها التحليلية ومنطق تصنيفها للتاريخ الظاهر والباطن ومفاهيم "العملية الاجتماعية" و"المسار الحضاري" و"حركة الثقافة"، أي كل المكونات الجوهرية لفلسفته التاريخية على هاجس ماركس الكامن والعنيف فيها. وينطبق هذا في الواقع على كل التيارات والمدارس الفلسفية النقدية المؤثرة للقرن العشرين.(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4910 المصادف: 2020-02-14 01:10:56