 أقلام فكرية

زمن الأيديولوجية وتاريخ المنطق في فلسفة ماركس التاريخية

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري(8)

إن المضمون الفعلي للماركسية يقوم في كونها فلسفة العمل والإرادة التاريخية. بمعنى جوهرية الوحدة الضرورية بين النظرية والتطبيق، او ما كنت تقاليد المتصوفة تدعوه بوحدة العلم والعمل. غير ان الفرق بينهما هائلا، بسبب جوهرية الابعاد الروحية والفردية في التصوف، واولوية الابعاد الاجتماعية الطبقية والجماهيرية في الماركسية. الامر الذي حوّلها، وبأثر ما هو كامن فيها، إلى فلسفة الإرادة العملية والتبرير السياسي. وفي كلتا الحالتين كانت شديدة التأثير في الفكر والعمل والتاريخ السياسي العالمي الحديث. بل يمكننا القول، بأنها قد أدت وظيفتها التاريخية العلمية والعملية عبر ذوبانها في مختلف التيارات السياسية من شيوعية واشتراكية ديمقراطية بمختلف ألوانها من لينينية وستالينية وتروتسكية وماوية وتيارات وشخصيات ثورية وراديكالية مثل كاسترو وتشي غيفارا، ومدارس فكرية مثل اليسار الجديد وماركوزه وفانون وروجيه دوبريه وروجيه غارودي وعشرات غيرهم.

ولم يكن ذلك معزولا عما في الفلسفة الماركسية نفسها من تأسيس متحزب للفكرة المستقبلية. فالمستقبل الذي تحدث عنه ماركس يشبه لحد ما الماضي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن طابعه العام وفقدانه للرؤية الدقيقة والمحققة عن مقدماته. فالمستقبل الذي سعى ماركس لتأسيسه وتحقيقه هو أقرب ما يكون إلى صورة خيالية ومحببة للقلب ومثالية عما ينبغي أن تكون عليه حالة الشيوعية في تصورات وخيال الرؤية الحالمة. وهي أشياء جلية حالما ننظر إلى كل ما كتبه حتى عام 1844. فكل ما طرحه بهذا الصدد والذي سيأخذ طريقه إلى مدارس الشيوعية المبتذلة، بما في ذلك العقائدية المدرسية الرسمية، والبراكسس النقدية في وقت لاحق، لم تكن في الواقع سوى الفهم المتناقض والجدل الفكري والسياسي عن حلم أكثر مما هو عن رؤية محققة. الامر الذي يمكنه تفسير الاسباب القائمة وراء تقسيم ماركس الى شخصيات مختلفة ومتضادة، أو تأويله ضمن سياق الرؤية الأيديولوجية لكليهما (الشيوعية المبتذلة والبراكسس) أكثر مما جرى النظر إليها باعتبارها مرحلة في الاجتهاد الفكري لماركس من اجل بناء فلسفته التاريخية.

فقد كانت آراء ماركس آنذاك أسيرة المنطق الهيغلي أكثر مما هي نتاج المعرفة التاريخية الدقيقة. لكنها كانت تحتوي على صيغة أولية تتصف بقدر هائل من الحدس العقلاني في ما يخص التاريخ والمستقبل. أنها وحدة النزعة الإنسانية لفيورباخ والمنطقية لهيغل، وبالأخص يتعلق منها بفلسفة التاريخ والديالكتيك. وليس مصادفة أن تبقى كل الأفكار الجوهرية فعند "ماركس الشاب" النقدي الإنساني النزعة الداعي للعمل والمعارض للأيديولوجيا خارج التاريخ الفعلي، أي لم يتحقق منها شيئا. على العكس. الأمر الذي جعل منها حلما في أعين الشيوعية الدامعة لأنصاف المتعلمين والجهلة، ويوطوبيا لا قيمة لها من وجهة نظر الشامتين بالشيوعية والمنتقدين لأسسها الفكرية ونتائجها العملية.

في تلك المرحلة الاولية كانت تتبلور عند ماركس المفاهيم المتعلقة عن العالم القديم والإقطاعية والرأسمالية، أي كل ما كان يحتمل في اعماقه على فكرة التاريخ الحالي، وما بعد التاريخ. بمعنى إننا نثر فيها على محاولة بناء منظومة شكلية متكاملة ومجردة (منطقية) عن التاريخ. وقد كان هذا على الدوام احد الهواجس الكبرى في تفكير وفلسفة ماركس. وسوف يدرك ماركس لاحقا الخلل العميق والنقص الكبير في معارفه التاريخية. والقضية هنا محكومة بكون الإنسان أيا كان، مع الأخذ بنظر الاعتبار مستوى تطور المعارف والعلوم، لا يمكنه الإحاطة بكل الكم الهائل للتنوع التاريخي الفعلي للأمم والحضارات. من هنا ضعف ويبوسة ولحد ما جفاف "النظرية" بهذا الصدد أمام تنوع الحياة. وقد واجه ماركس هذه الصعوبة في الموقف من العبودية والإقطاعية. من هنا كثرة العبارات العامة أو على الأقل محاولته إدراجها ضمن رؤية منطقية شكلية قادرة على جمع كل الاختلاف المقلق للعقل النقدي في خلخلة التقرير العام لمقولة الكلية الجامعة في مفهوم التشكيلة (الإقطاعية والعبودية وما يسمى بأسلوب الإنتاج الأسيوي. وليس في هذا ما يعيب الرؤية النظرية الفلسفية. فالفلسفة متماهية مع التعميم والبحث عن رؤية كونية أو تأسيسها. وهي صفة جوهرية للتفكير الفلسفي منذ أن تحولت فكرة الواحد إلى مبدأ منهجي في التفسير والتأويل والفهم والتأسيس.  كما انه الشرط الضروري لكل رؤية منظومية.

كما ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار تقاليد الرؤية الكونية الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص، بوصفها الصيغة الملازمة لصعود المركزية الأوربية والانتقال الفرح من ثقل الرؤية اللاهوتية إلى ميدان العقلانية الإنسانية. وهو تحول يلازمه بالضرورة انقداح العقل الوقاد للتمتع بشرارة أضواءه المتطايرة شأن اندهاش الأطفال بألعاب النيران الهندية! (أو الصينية). وليس مصادفة أن نعثر في كتابات ماركس اللاحقة وبالأخص منذ عام 1845 حتى نهاية حياته عبارات يتعثر عليها ويدرك قيمتها وبعاني من ثقل وطأتها عليه بالنسبة لبناء وتدقيق منظومة المقولات والمفاهيم الجوهرية في إرساء صرح فلسفته التاريخية. من هنا قوله وتشديده على ضرورة  ما اسماه "بإعادة قراءة وكتابة التاريخ العالمي كله". ماذا يعني ذلك؟ أولا انه مهموم بضرورة القراءة الدائمة للتاريخ وإعادة كتابته بطريقة دقيقة، وثانيا، انه يعاني من نواقص هي أجزء ضرورية من تكامل المعرفة، وثالثا إن ما ينبغي إعادة قراءته وكتابته هو جزء من رؤيته الفلسفية عن التاريخ. من هنا، كما هو الحال بالنسبة لكل المكونات القلقلة والاجتهادية في فكر ماركس، قد ظلت خارج التأمل الفكري للشيوعية اللاحقة. وذلك لأن مذاقها وقدرتها التأويلية محكومة بمعايير الأيديولوجية السياسية، أي بمذاق الجهل المعرفي والتصلب العقائدي. من هنا سيادة هذه الرؤية السهلة في كل تقاليد الفكر الراديكالي الثوري. مع ما رافقه من امتهان للمنطق لا مثيل. ويكفي المرء تأمل ما يكتبه "ثوريي" الماضي والحاضر لكي يصاب بالغثيان من جلف المعنى وامتهان العقل والوجدان!

لقد كانت الفكرة السائدة عند ماركس في مراحل تكونها المتكامل تقوم في التصور البسيط للعامل المادي الصناعي الإنتاجي، بوصفه جوهر التاريخ. وفي هذه الفكرة ومن خلالها تطرق إلى فكرة الحرية والتحرر من الاغتراب ودرجات التطور الاجتماعي الاقتصادي في شكلية التشكيلات بوصفها قواعد الصراط المستقيم إلى جنة الشيوعية الموعودة. وهي صورة تستمد صورتها وصيغتها من ماركس لكنه استقاء ظاهري جلف وخشن لا يخلو من بلادة المؤمنين البسطاء. من هنا ثنائيات المعركة الأخلاقية المحكومة بقيم الانتماء الأيديولوجي والمحصورة في فكرة إن الرأسمالية شر والاشتراكية خير! ومفارقة الظاهرة تقوم في أن اتباع الشيوعية يتسابقون من اجل الحصول على لجوء سياسي في مراكز "الغرب الإمبريالي" باستعمال مختلف الطرق والأساليب، بما في ذلك أشدها إثارة للسخرية.

وفيما لو تركنا هذه القضية جانبا، رغم اهميتها بالنسبة لاشكاليات الفكرة الماركسية المتناثرة ما بين فلسفتها وطابعها الايديولوجي. والسؤال الأهم هنا هو هل أن عظمة ماركس تقوم في انه استطاع أن يؤسس لنظرية تتسم بقدر كبير من الوضوح في الرؤية التاريخية بين الكم الهائل من مدارس التاريخ آنذاك؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟ إن الإجابة الدقيقة على ذلك ممكنة من خلال الرجوع إلى تقاليد المرحلة وإبداع ماركس الفلسفي. فالرجوع إلى ماركس هي المقدمة الأولية والضرورية بهذا الصدد. لكنها تحتاج إلى مستوى يناسبها في الوعي الفلسفي التاريخي.  وهي قضية لن اتناولها الآن لأسباب عديدة من بين اهمها هو انها لم تعد ذات اهمية عملية.

إن صعوبة رؤية الفكرة التاريخية لماركس تقوم بسبب الطابع الأيديولوجي الذي كان يغلب على مواقفه وليس رؤيته من الظواهر. فالأولية بالنسبة لماركس هو العمل. وهي فكرة كانت تشكل لب رؤيته النظرية والعملية بعد تجاوزه التقدي لفيورباخ. لكنها كانت تحتوي أيضا على ما يمكن دعوته بالجزء الطبيعي من تاريخ المراهقة الفكرية. وبالتالي، لا معنى ولا ضرورة لاستعادة الجدل القديم العقيم لحد ما عن "ماركس الشاب" و"ماركس الشيخ" وما شابه ذلك. وذلك لأنها تجزئة مفتعلة للوحدة الواحدة والمتكاملة في شخصيته. لكننا نستطيع أن نميز بين ماركس الفيلسوف وماركس السياسي الأيديولوجي. والأخير هو استظهار حياتي عملي فردي وشخصي لحصيلة تصوراته الفلسفية. والاختلاف بينهما أمر طبيعي. وهو خلاف كان يدركه ماركس لكنه كان مضطرا للقبول به بوصفه الصيغة المعقولة للبحث عن تناسب ممكن بين استنتاجات العقل النظري وتطبيقه العملي في ميدان الحياة السياسية، المتقلبة والمتغيرة. وهو أيضا أمر جلي حالما نتتبعه في جميع استنتاجاته السياسية تجاه مختلف القضايا الكبرى مثل الموقف من الاشتراكية والشيوعية، والدولة، والثورة، والسلطة السياسية، والعنف، والحزب السياسي، وكثير غيرها. بمعنى تحولها مع مرور الزمن من اجتهاد يتصف بقدر كبير من المعاناة النظرية إلى عقائد أيديولوجية سياسية صلبة. لكنها مواقف كانت تعتمد من حيث تأسيسها النظري على ثبات فلسفي نسبي ترسخ في ذهن ماركس منذ وقت مبكر. وهي أيضا حالة طبيعية بالنسبة للإبداع الفلسفي الكبير والأصيل. فهو يظهر كالبرق في إحدى مراحل الحدس النظري الأول. ويأخذ بالبروز والتكامل في مجرى الصيرورة الحياتية للمفكر كما لو انه القدر الكامن في كينونته الروحية. وهي قضية لا يمكن حلها بالسهولة التي تميز تفكير الأحزاب الشيوعية وذهنيتها البسيطة. فالحتمية التي كان ماركس يخطط لها بوصفها جزء من مغامرة التاريخ الإنساني ليست اقل درامية مما في مساعي العقل المطلق الهيغيلي من مرور متعذب في دهاليز التاريخ الواقعي والبحث النظري. لكنها تتحول بيسر وسهولة إلى حتمية جميلة بمعايير الأيديولوجية الحزبية. وذلك لأن الأحزاب بحاجة إلى غناء وفرح بما في ذك زمن الجفاف والطوفان. فهو الأسلوب الوحيد القادر على دفع الجسد صوب تضحيات جديدة من اجل الاستمتاع بلذة الشهادة، أي بلذة القرابين البشرية البدائية.

إن كل ما وضعه ماركس في برامج الحركة الاشتراكية الديمقراطية للقرن التاسع عشر والتي توجت ببرنامج غوته، ينبغي النظر إليها باعتبارها الصيغة الظاهرية للأثر الهائل الذي تركه (البيان الشيوعي) بما في ذلك على نفسية وذهنية ماركس. وقد كانت هذه النتيجة مبنية من حيث الجوهر ليس فقط على تأمل تجارب الحياة المادية والروحية لعصره ومساهمته المباشرة فيها فقط. لاسيما وأن حياته كانت تفكرا ونشاطا والتزاما حرا ونقدا دائما، وتطويرا للمفاهيم وتشذيبا للقيم وتهذيبا لهما. وهذه كلها كانت تختفي وراء بهاء صورته ومحياه الهادئتين وقسوة معاناته الروحية. بعبارة أخرى إن حياة ماركس الشخصية أيضا كانت تمثلا لحقائق التاريخ، أو على الأقل أنها كانت تمثلا لمشروع البدائل المستقبلية. فعندما ينتقد تراث الاقتصاد السياسي، فإن حقيقة انتقاده، أي بواعثه وغايته كانت محكومة بمشروع الرؤية المستقبلية (الاشتراكية)، أي بمعايير الرؤية التاريخية. فقد كان الهمّ الأكبر والقلق الفاعل في انتقاده المنطقي العلمي (الاقتصادي) وهمومه الوجدانية (الاجتماعية والإنسانية) تقوم في أن استنتاجاتهم النظرية لم يجري دفعها صوب تمثلها العملي السياسي، أي صوب تحقيقها المحتمل بمشاريع البدائل المستقبل.

لقد أراد ماركي شيوعية المستقبل، أي التاريخ "الحقيقي"، من هنا محاصرة الأيديولوجيا إياه بقيودها التاريخية. وهنا كان يكمن سرّ الخلل. لقد اندفع ماركس بقوة "الديالكتيك الثوري" صوب ديالكتيك الروح الاجتماعي الأخلاقي، من هنا توارث أو استنساخ بل تناسخ النقد الفلسفي الأولي للاغتراب في نقد كل الأشكال المحتملة له. وحالما نقله إلى ميدان التاريخ الواقعي، فإنه وقف أمام نظام العلاقات الرأسمالية بوصفها المرحلة التاريخية الكبرى للتقدم التاريخي. لكنها مرحلة عابرة، أي جزء من تاريخ عالمي لا ينتهي ولا يتناهى إلا ضمن ملكوت الحرية. وعندما يجري تأمل هذه الفكرة على حقيقتها، أي ضمن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على أبعاد غير متناهية قد تكون ثنائية "ما قبل التاريخ الحقيقي" و"التاريخ الحقيقي" الصيغة الأكثر غلوا لها. أما في الواقع فإنه لا غلو فيها. وذلك لأن هذه الثنائية في الفكرة التاريخية لماركس مبنية ليس على أساس ميتافيزيقية الرؤية الحادة في موقفها من تناقضات الوجود ووحدتها في التاريخ، بقدر ما أنها مبنية على أساس اليقين المتجدد والمتعمق والتام بزوال كل ما يمكنه أن يعيق ملكوت الحرية المقبلة. بعبارة أخرى، انه أراد شأن هيغل، ملكوت عالمي للحرية المتكاملة في نظام أمثل وأرقى ولكن في ميدان التحرر من اغتراب الوجود الإنساني في الأشياء والعلاقات المفروضة عليه.

إن القيمة الجديدة التي ادخلها ماركس في عرين العقل الهيغيلي تقوم في انه لم ينظر إلى اغتراب العقل في التاريخ واسترجاعه لذاته بوصفها العملية الضرورية لتذليل إشكالية الأشياء في ذاتها، بل نقلها، إن أمكن القول، من حالة الانتظار إلى حالة النظر النقدي الاجتماعي. ومن ثم جعلها جزء من "النشاط الواعي" المتمثل في طبقة وطليعة. لقد أراد أن يكون برميثيوس الفكرة الفلسفية العملية دون أن يقع في حالة العذاب المتألم بين آلهة صنعت كل شيء ولا تعلم لماذا، وبين "ملاك" يدرك خطورة انتهاكه لمجرى التاريخ "المنطقي"، بينما يعتبرها الوسيلة الوحيدة والكبرى والضرورية لبلوغ التحرر الفعلي. إذ لم تكن فكرة ماركس هنا على الدوام ثورية وتقدمية. وذلك لاحتوائها على كوامن الرجوع إلى عالم سحيق محكوم بقوة النفس الغضبية للمجتمع. وليس مصادفة أن يشعر ماركس مع كل رقي منطقي في رؤيته التاريخية عن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية بازدراء لا يعادله سوى الرغبة الكامنة في انتقام الرجل الغيور من غنج أمهات الحجول! وهو الهاجس والفكرة التي سيضعها ماركس لاحقا في موقف جوهري من التاريخ يقول، بأنه لا يوجد غير علم واحد هو علم تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة! وهنا أيضا تكمن فلسفته من الدين بوصفه جزء من تاريخ العقائد، أي تاريخ الإنسان في محاولاته إدراك ذاته ولكن ليس بمعايير الطبيعة بل بأذواق ما وراء الطبيعة.

إن فكرة ماركس عن أن جوهر الدين والله أيضا هو كل ما له علاقة بما وراء الطبيعة ولكن ليس بالمعنى الأرسطي بل بالمعنى اللاهوتي. إذ ليس في الدين تاريخا طبيعيا بل مجرد سلسلة للانقلاب المشوهة لإدراك الطبيعة عندما يجرى قلب الأشياء الطبيعية بعد إلباسها بلباس الأوهام "المتسامية"، أي إلباس الأشياء الطبيعية بلباس الماوراطبيعي، أو لباس الغيب والمجهول. من هنا إمكانية تحوله إلى مخدر أو أفيون للبشر، ينعش الروح والجسد بأوهام لذيذة لا طعم فيها لغير الخروج على منطق العقل وحقيقة الوجدان وقيمة الإنسان.

وإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغيلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد كما ظهرت في البروتستانتية، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع العشرين (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجسّد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا".

غير أن هذا الربط الجديد للفكرة بالفعل الاجتماعي لم يكن مبنيا على قيم أخلاقية أو سياسية واجتماعية مجردة، خلافا للكثير من الحركات السياسية (الاشتراكية)، بل على أساس رؤية تاريخية، أي على أساس فلسفة ترى في التاريخ الواقعي نتاجا طبيعيا للوجود الاجتماعي الاقتصادي، كما ترى في تطوره وحدة متلازمة لتطور علاقات الإنتاج والقوى المنتجة، أي نفيا اجتماعيا واقتصاديا ذاتيا. وفي الوقت نفسه كان ماركس بحاجة إلى مسكها بالأيدي من اجل تقديمها إلى بروليتاريا المدن، ولاحقا سوف يدفعها لينين صوب الفلاحين، ولاحقا صوب الأدغال الثورية ولاحقا إلى الجبال. من هنا انتشار تلك العبارات الرنانة في اغلب كتبه السياسية. الامر الذي نقل بعلم التاريخ إلى ميدان الطبيعة (الاقتصاد والسياسة). من هنا وفي هذا الميدان كانت تكمن قوته الهائلة وانتصاراته الكبرى، وبالأخص بين الرعاع والعوام، وهزيمته الساحقة في ميدان الفكر الفلسفي. بل احتقاره اللاحق وبالأخص بين أيديولوجي الماركسية بحيث تصبح كلمة المثقف سبة وشتيمة، والفكر يصبح خادما، وفي أفضل الأحوال حزبيا. وهو أردأ أنواع الفكر وأسخفه. عموما انه ليس فكر ولا ثقافة بل سفاهة جهلة وأنصاف متعلمين. بحيث نقف في نهاية المطاف أمام استعادة جديدة في ميدان الفكرة الأفلاطونية والأرسطية وما يقابلها من علاقة الهيغلية والماركسيةأ أي تاريخ الروح الفلسفي، وتاريخ الجسد الاقتصادي.

لقد كانت الماركسية بهذا الصدد استكمالا نقديا علميا واقعيا لتقاليد التقدم والحرية في الرؤية والتاريخ الفعلي ولكن من خلال نقلها من ميدان التنظيم الفكري المجرد، بوصفه العصب الجوهري في كل مجرى التأثير البارع للإصلاح والتنوير، إلى تنظيم الفكر العملي وتوجيهه صوب النشاط الواعي، أي الإرادة المحكومة بقيم الأيديولوجية. ولكن ما هي النرفانا التي أرادها ماركس؟ وهل وجدها في شيوعية خالية من صراع الطبقات وهدوء النفس من تناقضات الملكية الخاصة التي صنعت كل ثنائيات الوجود المقلقة للعقل والضمير الاجتماعي والإنساني والتاريخي؟ وهل بلغ في فهمه للتاريخ إدراك "سر الإسرار" في الشيوعية بوصفها فناء في التاريخ الحق؟ فإذا كان هيغل توصل إلى انه لا حرية في المجتمع الشرقي. وفي العالم اليوناني قلة قليلة، وفي المجتمع الروماني توجد فقط فكرة الحقوق، ففي اوربا وألمانيا كلهم احرار! بينما نقلها ماركس الى حالة تاريخية هي مجتمع شيوعي بدائي، ومجتمع رأسمالي، وأخيرا مجتمع شيوعي علمي. فعند هيغل هي مسار الفكرة ومنها، وعند ماركس من التاريخ الطبيعي وإليه. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4912 المصادف: 2020-02-16 01:07:43