 أقلام فكرية

هوسرل: (الفلسفة علماً دقيقاً)

حيدر جواد السهلانييطلق بعض الباحثين على كتاب هوسرل (الفلسفة علماً دقيقاً) أسم مقالة اللوغوس، نسبه الى مجلة اللوغوس، ويترجمه البعض تحت عنوان (الفلسفة كعلم صارم) وهو عبار عن مقالة نشر في سنة (1911) في العدد الأول من مجلة اللوغوس(logos) وهذا المقال يلخص تصور هوسرل للفلسفة، في مقابل التصور الرائج أنذاك الذي يختزل الفلسفة الى مجرد رؤية للعالم ليس من حقها أن تطمح إلى العلمية أو أن تدعي صلاحية تتعدى شرطيتها التاريخية، وبذلك يرى هوسرل أن مهمة الفلسفة هي إنشاء معرفة صارمة ومتحررة جذريا من كل الآراء والأحكام المسبقة.(1) يقول هوسرل" لقد كان المطلب الدائم للفلسفة، منذ بدايتها الأولى أن تكون علماً دقيقاً، بل أن تكون ذلك العلم الذي يفي بأعمق المقتضيات النظرية للعقل، ويمكن من وجهة نظر اخلاقية دينية من قيام حياة تحكمها معايير العقل الخالص، وقد استمر هذا المطلب ساريا عبر عصور التاريخ المختلفة، بدرجة تتفاوت قوة وضعفا، ولكن لم يصرف النظر عنه قط، حتى في العصور التي كان فيها الأهتمام بالنظر الخالص والقدرة عليه موشكا على الزوال أوخلال تلك العصور التي كانت القوى الدينية فيها تقيد حرية البحث".(2) ومع ذلك لم تستطع الفلسفة، في أي عصر من عصور تطورها، أن تحقق هذا المطلب، أي أن تكون علماً دقيقاً، لكن تحاول الفلسفة أن تبني نفسها علماً دقيقاً، عن طريق التأمل النقدي، وبفحصها لمنهجها على نحو أعمق، وقد كان لها دور في تأسيس العلوم الطبيعية والعلوم الأنسانية الدقيقة وتحقيق استقلالها، فضلا عن تأسيس المباحث الجديدة للرياضة البحته وتحقيق استقلالها، فالفلسفة وفقا لغاياتها التاريخية أسمى العلوم جميعا وادقها، تلك الفلسفة التي تمثل مطلب الأنسانية الدائم في المعرفة الخالصة والمطلقة.(3) يقول هوسرل" أنا لا اقول إن الفلسفة علم ناقص، بل اقول ببساطة أنها ليست بعد علماً، وأنها لم تخط بعد خطوتها الأولى بوصفها علما".(4) أن العلوم كلها ناقصة بما في ذلك العلوم المضبوطة التي نعجب بها أيما أعجاب، فهي من جهة ناقصة بسبب أفق اللانهائي للمشاكل القائمة بغير حل، أما الفلسفة فالنقص فيها مختلف تماما عن نقص العلوم جميعا، ففي الفلسفة لا يقتصر الأمر على كونها تملك نسقا من التعاليم يتسم بالنقص ولا يكون قاصرا الا في حالات بعينها، بل هي ببساطة لا تملك مثل هذا النسق البتة، ذلك أن كل شيء في الفلسفة موضوع للجدل، وكل موقف يتخذ هو مسألة أقناع شخصي، أو تفسير مدرسة أو جهة نظر، الفلسفة بمعنى العلم الدقيق موجهة ومحددة المهام التي يتحتم علينا القيام بها، واولى هذا المهام هي أن يركز الفكر جماع طاقته في أن يوضح، عن طريق إجزاء فحص منهجي شروط العلم الدقيق توضيحا كاملا، وهي الشروط التي كانت الفلسفات السابقة تغفلها أو تسيء فهمها بصورة ساذجة، وذلك لكي يحاول الفكر فيما بعد تأسيس بناء نظرية فلسفية، مثل هذه الرغبة الواعية في أنشاء علم دقيق كانت موجودة في الثورة السقراطية والأفلاطونية، كما كانت موجودة في مطلع العصر الحديث، على ردود الفعل العلمي على الفلسفة المدرسية، خاصة الثورة الديكارتية، كما تجددت بنشاط بالغ في نقد العقل عند كانت، بل ضلت هي المسيطرة على تفلسف فخته، وفي كل مرة كان البحث يستهدف من جديد البدايات الحقة والصياغة الحاسمة للمشاكل والمناهج السلمية، وأن أسمى مافي الثقافة الأنسانية من أهتمامات يتطلب أنشاء فلسفة علمية دقيقة، بحيث يترتب على ذلك أنه إذا تعين على ثورة فلسفية في عصرنا الحاضر أن تبرر وجودها، فلابد أن يحركها في كل حالة، ذلك المقصد الذي يستهدف أرساء أساس تقوم عليه الفلسفة بمعنى العلم الدقيق.(5) فمهما يكن الأتجاه الذي يمكن أن يتخذه التحول الجديد في الفلسفة، فلا جدال في أنه لاينبغي أن يتخلى عن رغبته في أن يكون علماً دقيقاً، بل بالأحرى يجب أن يقوم في مقابل التطلع العلمي نحو النظرة العامة إلى العالم، وعلى الفيلسوف أستخدام جميع معطيات العلوم الخاصة الدقيقة بوصفها لبنات بناء متينة، بل سوف يقوم بتطبيق المنهج العلمي، فالفسفة لم تقم بعد بالأسس التي يقوم عليها مذهب علمي دقيق، والفلسفة التي وصلت عبر التاريخ، ليست الا بناءات علمية ناقصة، أو خليطا غير متميز من النظرات العامة إلى العالم والمعرفة والنظرية.(6) الفلسفة عملها العلمي إنما يتحرك داخل مناطق الحدس المباشر وأن أكبر خطوة يجب على عصرنا الحاضر أن يقوم بها هي أن يتعرف عن طريق الحدس الفلسفي الأدراك الظاهري للماهيات.(7) اذ تأسيس الفلسفة كعلم دقيق يكون موضوعه الماهيات العقلية المجردة، ويقف هذا العلم في مستوى أعلى من العلوم الاخرى والمعارف الممكنة، وهو الذي يضفي شرعية الوجود عليها، لأنها ترتد إليه في جذورها الماهوية البعيدة وتستمد منه اليقين اللازم لبقائها كعلوم ومعارف أنسانية صحيحة.(8)

أستلهم هوسرل بعض أفكاره من الفلاسفة السابقين، لكنه في نفس الوقت رفض جوانب كثيرة من آرائهم، لقد رفض مثالية أفلاطون بينما قبل منه فكرة الماهيات العقلية العلمية الثابتة، كما عاب على ديكارت عدم فهمه العميق لقيمة الكوجيتو، ورفض فكرة ديكارت عن تأسيس الفلسفة الكلية والعلم اليقيني على قواعد منهجية ثابتة ومحددة، ولكن رغم هذا الانتقادات فإن هوسرل أخذ فكرة الكوجيتو ليقوم بأصلاحها ثم يعيد أستخدامها في تأسيس المعرفة اليقينية النابعة من الذات الأنسانية، وأكمل هوسرل لكثير من المسائل التكوينية المعلقة والتي تحتاج إلى أجراء بحث فينومينولوجي متعال من وجهة نظره، كما أن كانت جعل العقل هو الملكة الوحيدة التي يؤسس عليها ويصدر منها العلم الكلي الصحيح، بينما يسعى هوسرل إلى ماهو أوسع رحابة من العقل، دون أن يلغيه، وذلك كالحدس والخبرة الحسية المعاشة، لكنه في نفس الوقت أخذ من كانت التحليل النقدي لمبادئ المعرفة وأدراك خصوبة التجربة الشعورية التي أستطاع أن يستخدمها فيما بعد لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، وهكذا يمكن القول بأن هوسرل جمع ماهيات أفلاطون إلى جانب كوجيتو ديكارت مع التحليل النقدي عند كانت، ليحور فيها ويضيف إليها من عنده الجديد من المفاهيم الأخرى المستحدثة، ثم يخرج لنا منها بناء جديد وصياغة مغايرة، يعيد بواسطتها الفلسفة بأعتبارها العلم الكلي الدقيق. وقد بدأ هوسرل سعيه لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، من دراسة العلوم التي كانت سائدة في عصره ومنتشره في مجتمعه وذلك مثلما فعل ديكارت وكانت سابقا، محاولا اصلاحها لأعتقاده أن الفكر الأوربي والعلوم المرتبطة به تعيش كلها من وجهة نظر أزمة حادة، وأنها تحتاج إلى أصلاح جذري و شامل، فالفلسفة الأوربية وكذلك العلوم المنتشرة معها متناقضة ومختلفة بعضها عن بعض، ولم يتوصل أي منهما إلى حقيقة يقينية ثابتة، ومن ثم أصبحت تتأرجح أمام النقد والشك، ولذلك تصدى هوسرل لمحاولة أصلاح علوم عصره عامة والفلسفة خاصة، بهدف الوصول إلى مبادئ يقينية مطلقة تؤسس عليها شتى العلوم والمعارف في وحدة كلية تجمع الجذور وتسهل أنطلاق الفروع منها في تناسق وتوافق، وقد جعل الفينومينولوجيا ذلك العلم الكلي الدقيق الذي سيقوم بهذه المهمة في الأصلاح. أن هدف الفينومينولوجيا هو أصلاح الفلسفة والعلوم للقضاء على تلك الأزمة، وأن الغاية الأساسية عنده هي القيام بهذه المهمة الكبيرة وتأسيس علم كلي يقيني جديد، ويستطرد هوسرل ليقر في هذا الشأن أن علوم عصره لم تتوصل إلى أدراك الحقيقة الكلية المطلقة، وأنما توصلت فقط إلى حقائق جزئية نسبية، لذلك يجب أعادة بناء الفلسفة أولاً بأعتبارها العلم الأول الذي سيقدم على الأساس المطلق والحقيقة الكلية والمبادئ اليقينية لشتى العلوم الأخرى، من هذا الشعور بأزمة الفلسفة والعلم، بدأ هوسرل سعيه الفلسفي فقام بنقد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها كل معارف وعلوم عصره، وأختبر مناهجها في محاولة منه لأصلاحها والوصول إلى أسس صحيحة ومنهج دقيق، يحقق اليقين ويحدد المبادئ الكلية التي تقوم عليها كل هذه العلوم وتلك المعارف في وحدة شاملة، وقام أولاً بنقد العلوم والفلسفة التي عاصرها بنفسه، لكي يبين عدم تمكنها من الوصول إلى الحقائق اليقينية، ثم حدد بعد ذلك مبادئ العلم الكلي الجديد الذي حاول أن يتحاشى فيه مساوئ العلوم الجزئية السابقة، وهنا أنطلاقة هوسرل تشبه أنطلاقة ديكارت وكانت، فكل منهم تأثر بظروف مجتمعة وقام بتحليل المعارف السائدة في عصره سعيا وراء أصلاحها وتأسيسها على مبادئ يقينية صحيحة، ولولا شعور هوسرل بهذة الأزمة وأنفعاله بها ومعايشته لها، لكانت الفينومينولوجيا عنده اخذت شكلا آخر. فسعي هوسرل للأصلاح وأن أقتصر في هذا الأصلاح على الرياضة، لكنه وسع من دائرته بعد ذلك ليمتد إلى المنطق ثم علم النفس والفلسفة ثم المعرفة العامة، وذلك بهدف تأسيس علم كلي جديد يتحاشى أخطاء علوم ومعارف عصره، أذا الأزمة هي المحركة الأساس لتفكير هوسرل، وهي الدافع له إلى نقد علوم عصره ورفضها بسبب تهافتها، ثم قيام بعد ذلك بعملية أصلاح شامل لشتى المعارف الممكنة وتأسيسها على مبادئ يقينية، اذ بعد تطور العلوم التجريبية وتحقيق الأنجازات العلمية، دفع الأمر بالعلوم الأنسانية إلى محاولة أقتباس المنهج التجريبي. لذلك وجه هوسرل النقد العنيف إلى العلوم الأنسانية التي خضعت للتجريب المادي وأخذت بالتفسيرات الوضعية المتطرفة، والتي تتمثل عنده في ثلاثة نزعات أساسية هي النزعة النفسية والنزعة الأجتماعية والنزعة التاريخية.(9) وبذلك أراد هوسرل أن يرفع الفلسفة إلى مستوى العلوم المحكمة الدقيقة، فأراد أن يقيم فلسفة على أسس علمية جديدة، وهي تبحث عن جذور المعرفة ومعناها وترتد إلى حالة ماقبل المعرفة إلى ماوراء مجال الأحكام والتصورات، إلى مجال أسبق هو نطاق المجرى الخالص للخبرة المعيشة من حيث هي كذلك، وفي سبيل جعل الفلسفة علماً دقيقاً كالرياضيات يتجه هوسرل إلى دلالة قبل كل شيء، والبحث عن معنى يتخذ مجاله في الشعور الخالص، الذي يمكن الأهتداء فيه إلى الأصول الأولية بكل الظواهر. فالبداية تكون من دراسة المباشر، بيد أن المباشر في نظر هوسرل ليس هو العالم المحسوس، كما يذهب إلى هذا التجريبيون والحسيون، لأن التجربة الحسية لايمكن أن تعطينا اليقين الذي يستبعد إمكان الشك في وجود العالم المحسوس، كما بين لنا الشكاك اليونانيون وكل موضوع يعطي لنا على انه شعور واقعي أو ممكن للأنا المفكر.(10) وعند هوسرل أن الظاهريات تقوم على حدس الماهيات، في مقابل العلوم التجريبية التي تقوم على الوقائع، فالمشروع الظاهراتي يتأسس على التفرقة بين الواقعة والظاهرة، ويرى في الفلسفة، لا من حيث هي نظرة عامة إلى العالم، أو نظرية في النظرات العامة إلى العالم، بل من حيث هي معرفة دقيقة، فالفلسفة لا يجب أن تكون شبيه في دقتها دقة العلوم فقط، بل يجب أن تكون أكثر دقة منها، فالعلوم لم تبلغ مرتبة المعرفة ولن تتضح الأسس التي تقوم عليها هذه العلوم، الا بفضل الفلسفة التي هي المعرفة الأولى.(11) أن المنهج الفينومينولوجي هو المنهج الفلسفي الذي يؤدي إلى فلسفة علمية دقيقة، فقد حرص هوسرل على أن تكون الفينومينولوجيا علماً دقيقاً متحررا جذريا من كل المسبقات، أذ حول الفينومينولوجيا من بحث في الماهيات إلى فلسفة ترانسندتالية توضح بناء موضوعات الوعي.(12) وأراد هوسرل أيضا من الفينومينولوجيا أن تحل مشكلة النزاع بين الواقعية والمثالية، وأنه يرفض الأنحياز إلى وجهة نظر أي منهما، بل أنه بدأ في تأسيس الفينومينولوجيا كعلم دقيق، بنقد الموقف الطبيعي والمثالي، تمهيدا لأن يعلو إلى مجال آخر محايد يكون أبعد من هذين الموقفين، وذلك أثناء معالجته لمشكلة المعرفة وتفسيره لعملية الأدراك وتوضيحه للعلاقة القصدية المتبادلة بين الشعور الداخلي والعالم الخارجي. وقد عرف الفينومينولوجيا في كتابه (الفلسفة علماً دقيقاً) بأنها علم البدايات الصحيحية، وفي كتابه(المباحث المنطقية) عرفها بأنها البحث المحايد الذي تنبت منه جذور شتى العلوم، وأيضا في الجزء الثاني من كتابه( المباحث المنطقية) عرفها بأنها علم النفس الوصفي أو النظرية الوصفية للمعرفة ويقصد إلى أيضاح المدركات الأساسية في المنطق والرياضة وعلاقتها بالعمليات الفكرية. لذلك وجدنا هوسرل في خاتمة التأملات، يرى أن تأسيس العلم الكلي الدقيق يحتاج إلى نقطة أنطلاق يقينية، وأن البرهان على أمكانية قيام هذا العلم وتحقيقه علمياً، ليس شيء آخر غير ايجاد نقطة بداية ضرورية وغير قابلة للشك، ومادامت الفينومينولوجيا سوف تبدأ سعيها الفلسفي من نقطة أنطلاق ثابتة وواضحة، ومن بداية ضرورية وعامة، لذلك وجدنا هوسرل يجعل الشعور هو المنطلق الأساسي لهذا البداية، بأعتبار أن الشعور هو الأرضية المحايدة التي يجب أن تبدأ منها كل معرفة ممكنة، وكان هدفه من تحديد تلك البداية أن يقوم بعملية وصف شامل ودقيق للشعور الخالص، أذ الشعور هو العلم الحقيقي وليس علم النفس، والشعور الخالص يمثل الأرضية المحايدة التي تضم كل الأطراف المتعارضة حيث تقوم الذات بوصفها دون تفسيرها. وكانت قبل هوسرل عدة محاولات لتأسيس علم يقيني كلي، فقد كانت أقدم المحاولات عند أفلاطون حيث أراد أن يؤسس العلم اليقيني الذي يجب أن ينبثق منه التفكير الأنساني، وفي سبيل ذلك سعى إلى أدراك الحقائق الكلية الثابتة أو الماهيات والصور الأزلية، التي هي أعلى وأدق من المعرفة الحسية الجزئية المتغيرة، والعلم الصحيح هو الذي يدور حول الحقائق الثابتة المتغيرة دون العرضيات المتغيرة، لذلك كان أفلاطون يؤكد دائما في محاوراته على قيمة الصورة دون المادة والماهية دون العرض والكل دون الجزء، وأصبحت تلك الصور أو الماهيات عنده هي المثل الأزلية الثابتة التي يجب أن يؤسس عليها العلم الحقيقي والمعرفة اليقينية، ومع بداية عصر النهضة الأوربية في العصر الحديث قام ديكارت بمحاولة آخرى مهمة لتأسيس العلم الكلي الشامل والقائم على حقائق يقينية، أي أنه أراد تحقيق نفس الهدف الذي سعى إليه أفلاطون لكن بطريقة أخرى ووفق منهج جديد، وقد قرر ديكارت مقدما أن الفلسفة هي معرفة العلل الأولى والعلم بالمبادئ الأساسية التي يتم بواسطتها أستنباط كافة المعارف والعلوم والفنون الممكنة.(13)

أنتقد هوسرل المذهب الطبيعي، أذ المذهب الطبيعي هو عبارة عن عن ظاهرة ترتب على أكتشاف الطبيعة، أي الطبيعة منظورا إليها على أنها وحدة الوجود والزمان والمكان، وتخضع لقوانين طبيعية مضبوطة، والعالم الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي لايرى شيئا سوى الطبيعة، والطبيعة الفيزيائية أولاً، فكل ماهو موجود أما أن يكون هو نفسه فيزيائي، وأما أن يكون نفسيا، وفي هذا الحال سيكون مجرد متغير يتوقف في وجوده على الفيزياء، ولن يكون الا ظاهرة ثانوية تلازم الفيزياء على نحو متوازه، ويرى أن مايميز المذهب الطبيعي هو تطبيع الوعي(الشعور) من ناحية، ومن ناحية آخرى تطبيع الأفكار. والفيلسوف الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي، فهو مثالي وموضوعي في أسلوب سلوكه، فهو مشبع برغبة عارمة في أن يجعل من كل ماهو حقيقي، معروفاً بطريقة علمية، ويعتقد الفيلسوف أنه قد بلغ عن طريق العلم الطبيعي وعن طريق فلسفة تقوم على هذا العلم.(14) ويرى هوسرل أن العلم لابد أن يكون متحققاً ذاتياً وواقعياً، أي لايمكن رؤية العلم من الخارج فقط، فهدف العلم هو أن يعرف بطريقة صحيحة موضوعية، وعلى نحو علمي دقيق، والعلم الجديد عند هوسرل هو علم الوعي(الشعور) لكنه مع ذلك ليس علماً للنفس، أذ لم يفكر هوسرل في أحلال علم النفس محل الفلسفة، ولا الفلسفة محل علم النفس، بل جعل لكل منهما مهمته، وعند هوسرل الوجود النفسي لايجرب على أنه شيء يظهر، بل أنه تجربة معيشة، وتجربة معيشة ترى في التأمل الأنعكاسي لتجربة ترى بالحدس، فيظهر على أنه هو ذاته.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

..........................

الهوامش:

1- ينظر إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترنسندتالية، ترجمة إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، ص13.

2- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ترجمة محمود رجب، المشروع القومي للترجمة، ص23.

3- ينظر المصدر نفسه، ص24.

4- ينظر المصدر نفسه، ص24.

5- ينظر المصدر نفسه، ص25- 29.     

6- ينظر المصدر نفسه، ص99.

7- ينظر المصدر نفسه، ص104.

8- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل(دراسة نقدية في التجديد الفلسفي المعاصر)، أفاق عربية، ص7.

9- ينظر المصدر نفسه، ص112- 115.

10- ينظر فؤاد كامل: أعلام الفكر الفلسفي المعاصر، دار الجيل، ص161- 163.

11- ينظرإدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص6.

12- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل، ص9.

13- ينظر المصدر نفسه، ص7و ص95- 103.

14- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص8وص32.

15- ينظر المصدر نفسه، ص14- 18.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4913 المصادف: 2020-02-17 01:48:43