 أقلام فكرية

فلسفة العبرة التاريخية عند ابن خلدون

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (2)

أيا كانت الصورة التي تتلألأ أمام أعيننا حالما نتأمل وندرس ونحلل وننتقد ما وضعه ابن خلدون وأسس له في الموقف من التاريخ بشكل عام، فإننا نقف أمام ثلاثية فكرة التاريخ، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الحضارة، وما يرافقها من ثلاثية "التاريخ الطبيعي والماوراطبيعي" أو العمران البدوي والعمران الحضري، و"ديمومة الولادة والموت الملازمين لصيرورة العمران والدولة" و"حتمية الموت الحضاري"، بوصفها خاتمة "الموت الجميل". ووراء كل هذه الاكتشافات الكبرى التي جرى تأسيسها استنادا إلى التاريخ الواقعي للإنسان وأبعادها الماورائية تكشف عن الإدراك الفلسفي العميق لحدود التاريخ في مجرى العمران، وديموته في الإبداع الإنساني، والغاية البعيدة التي تلتمع وراء الوجود بوصفها معاناة الثقافة نفسها التي لا يحكمها المنطق المجرد. لكنها تحتوي في إعماقها على "عبرة" ينبغي الاتعاظ منها وبها من أجل مستقبل أفضل مبني على أسس الحق والعدالة، والرؤية الإنسانية الواقعية والعقلانية.

فقد احتوت فكرة التاريخ وفلسفته عند ابن خلدون على توحيد التفسير العقلي والواقعي للتاريخ ورؤية آفاقه من خلال دراسة نشوء الدولة وانحلالها. ومنها وبأثرها تبلورت عنده فكرة العبرة أو فلسفة العبرة، بوصفها الرحيق السياسي لتأمل التاريخ ودراسة مساره الفعلي والقوانين المتحكمة فيه. ومن ثم احتوت فكرة العبرة عنده على مستواها النظري والعملي، أي مستواها الفلسفي التاريخي والسياسي المستقبلي. إذ نعثر عنده على ما يمكن دعوته بالتأسيس الفلسفي السياسي والحضاري للعبرة. ومن ثم تحتوي على كل ما أراد ابن خلدون قوله. وليس اعتباطا أن يضع هو نفسه فكرة العبرة في صلب عنوان كتابه عندما اطلق عليه أسم (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب....). لقد أراد استخلاص العبر المتنوعة في تاريخ الأمم التاريخية الكبرى ومن عاصرها من خلال دراسة بدايتها ونهايتها في الدولة (الملك) والحضارة (العمران).

ففي مجال العبرة السياسية نراه يتوصل إلى فكرة مفادها، بأن اختلاف الأمة وقتالها فيما بينها فيما مضى "رحمة لمن بعدهم لكي يقتدي كل واحد منهم بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله"1 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على اندثار الدول والحضارات، بمعنى إنه يجد فيها "رحمة" للعقل النظري في تأمل الماضي من اجل رؤية مستقبله، من ثم اتخاذ ما يراه مناسبا لتلافي السقوط، رغم ما في المسار التاريخي نفسه من قوة تقهر أكبر العقول ذكاء وأشد الإرادات عزيمة.

إننا نعثر عنده وفي كل ما كتبه واستحصله من نتائج مجردة كبرى على أسلوب جلي حينا ومستتر حينا آخر لكنهما يلتقيان في الحصيلة، ألا وهي إن تأمل ودراسة تجارب الأمم التي يمكن تتبعها بما في ذلك في متون الكتب التاريخية والأدب والفلسفة والأديان، ينبغي أن تهدف إلى صنع الأحكام السياسية منها. الأمر الذي يكشف عن أن تاريخ العبر بالنسبة له هو التاريخ الإنساني ككل. غير أن ما يميز ابن خلدون بهذا الصدد هو تتبعه لمسار الصيرورة التاريخية للفكرة السياسية، والواقع السياسي، ومن ثم التجربة السياسية. من هنا تتبعه ورسمه وتفسيره للمسار التاريخي للمؤسسات والأفكار والقيم والعقائد وليس لتاريخ وسيرة الأشخاص أيا كانوا.

انه يتناول الفكرة السياسية ضمن سياق فكرته عن العمران، أي عن التطور الحضاري للأمم. من هنا، على سبيل المثال، نفيه ورفضه للفكرة التي حاولت أن تجعل من النبي والنبوة قيمة ما فوق تاريخية ولابد منها بالنسبة لبناء النظام السياسي الاجتماعي الأفضل. إذ نراه يشدد على عدم وجوب النبوة في ميدان العلاقات الاجتماعية السياسية. وذلك لأن تجارب الأمم تكشف عن أن "الوجود وحياة البشر قد تتم من دون النبوة"2 . وعندما يتكلم عن أثر المناخ في حياة البشر، فإنه يشير إلى أننا لم نسمع بخبر بعثة النبوة (الرسالة) إلى المناطق التي تتسم بظروف مناخية قاسية (الأقاليم الشمالية والجنوبية). كما أكد على أن التاريخ يكشف عن أن النبوة تظهر في المناطق المعتدلة. بل ونراه يشدد على أن الله يختص بالنبوة أكثر الناس كمالا في خلقهم وأخلاقهم. ذلك يعني، إن قدرة النبوة على العمل والفعل تفترض قدرا من التطور الحضاري. وبدونه تصبح عديمة الفاعلية والتأثير، أو على الأقل أنها عاجزة عن إرساء أسس النظام الاجتماعي والسياسي الأمثل. بعبارة أخرى، إن النبوة بوصفها فكرة متسامية تفترض قدرا من التطور الثقافي والمعرفي. وإن النبوة قضية بشرية صرف. انطلاقا من أن الله لا يمكن أن يغفل بشرا دون آخر لاعتبارات خلقية وأخلاقية. كما يمكن تأويلها بطرق أخرى، إلا أن الجوهري فيها يبقى هو تأثر فكرة النبوة وارتباطها بالمناخ دون أن يرجعها إليه. وينطبق هذا في الواقع على كل القضايا والظواهر التي تناولها ضمن هذا النطاق.

ففي موقفه من الحرب ومذاهب الأمم فيها، ينطلق ابن خلدون من أن الحرب "أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل. وسبب هذا الانتقام في الأكثر أما غيرة ومنافسة، وأما عدوان، وأما غضب لله ودينه، وأما غضب للملك"3 . ففي فكرته هذه وتصنيفه نعثر على أربعة أصناف من الحروب، وهي: حروب الغيرة والمنافسة التي عادة ما تميز حروب العشائر والقبائل المتجاورة؛ وحروب العدوان التي أكثر ما تكون بين من اطلق عليهم ابن خلدون اسم "الأمم الوحشية"؛ وحروب الجهاد (غضب لله والدين)؛ واخيرا حروب الغضب للملك، إي الحروب التي تشنها الدولة ضد الخارجين عليها. ووضع الحرب الأولى والثانية تحت صنف البغي والفتنة، بينما اعتبر الثالثة والرابعة من "حروب الجهاد والعدل"4 . ذلك يعني إنه افرز ما يمكن دعوته بالحروب الظالمة والحروب العادلة. ومع انه اعتبر الحرب بحد ذاتها "انتقام" أي لا عقلانية ومدمرة بطبيعتها، إلا أنه وجد فيها ضرورة وعدلا حالما تكون فتنة مخربة لوحدة الدولة وقوتها. ذلك يعني، انه لم ينظر إلى الحرب بمعايير القيم الأخلاقية، رغم انه لا يلغيها، ولكنه نظر اليها باعتبارها جزء من المسار التاريخي الطبيعي للبشر بشكل عام والدولة بشكل. وبما أن الدولة بالنسبة له هي ذروة الاجتماع الإنساني وأساس الحضارة، من هنا أهميتها المافوق أخلاقية، أو بصورة أدق، أنها الصيغة المنِّظمة والضرورية لفاعلية الأخلاق بشكل عام والسياسية بشكل خاص. من هنا استنتاجه للفكرة السياسية العميقة والمستنبطة من تأمل التاريخ الواقعي عن أن حروب ما قبل العمران لا تصنع غير الدمار والفساد. ومن ثم لا قيمة فيها ولها بالنسبة للتمدن والثقافة والحضارة. على عكس الثالثة والرابعة بشكل خاص، أي تلك الحروب التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة الدولة والقضاء على الفتن الداخلية، بوصفه الشرط الضروري للعمران المدني.

وعموما يمكننا رؤية استنباطه للعبر بمختلف أصنافها، التاريخية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وكثير غيرها. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية جباية الضرائب والغرامات، فإنه ينطلق من ضرورتها بالنسبة للدولة. غير انه حالما يتأمل التجارب التاريخية بهذا الصدد يتوصل إلى استنتاج يدعوه بالصفات السيئة لهذه الظاهرة. إذ نراه يشدد على أن ازديادها المستمر عادة ما يكون ليس للاستثمار في العمران بل لتلبية مصاريف البذخ والمتعة. الأمر الذي يؤدي مع مرور الزمن إلى الكساد. وذلك لأن هذا النوع من الجباية كما يقول ابن خلدون يفسد الاعتمار. بينما أقوى "الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين"، بمعنى تقليل الضرائب والغرامات5 . والشيئ نفسه يستنتجه من علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي. فنراه من جهة يدعو إلى تدخل الدولة من خلال تنظيم الحياة الاقتصادية، كما يدعوها إلى دعم الملكية الخاصة والحفاظ عليها لما لها من أثر في تنمية النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه نراه ينتقد سلوكها المخالف لهذا الاستنتاج. وتوصل بهذا الصدد إلى فكرة سياسية اقتصادية وحضارية عميقة تقول، بأن تدخل الدولة ومنافستها للتجار والفلاحين يؤدي بالضرورة إلى إفساد الاقتصاد. وذلك لأن الدولة تمتلك من الموارد ما يكفي لخنق المتنافسين، بينما المنافسة بين القوى الاجتماعية الاقتصادية الضرورية للاقتصاد والاجتماع والعمران ومن ثم للدولة نفسها. ليس هذا فحسب، بل نعثر على استخلاص العبر من التاريخ في مختلف الميادين وتجاه جميع القضايا الكبرى والحساسة بالنسبة للدولة والحضارة، أي للتاريخ بوصفه فكرة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

  ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص173.

  ابن خلدون: المقدمة، ص34.

  ابن خلدون: المقدمة، ص213-214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص221.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

حيّاك الله دكتور ميثم
متابع جهودكم الرائعة في هذه السلسلة، ومنهجيتكم في كتابتها، بدأتها بالهدم، وأعتقد أن الأجزاء القادمة هى بناء الفكرة التي أردت لها التشييد، هدمت السابقين ممن قرأوا ابن خلدون وبنيت قرائتك لا على أطلالهم الدوارس بل من مصدر أردت أن يكون هو نفسه نقطة الانطلاق.
هل تسمح لي بالاختلاف معك في نقطة الهدم هذه؟
إذا كنت تسمح لي فأنا ذاكرها لك، وإذا لم يكن فالأمر بيننا ود وسماحة فاختلاف الرأي لا يفسد قضية الود.
فإلى لقاء بعد أن أسمع جوابكم
حيّاك الله وأبقاك

د. مجدي إبراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الدكتور مجدي
بعد التحية
انني اكثر ميلا للنقد والاعتراض والاستفسار. لهذا يمكنك كتابة كل ما تريد. وسأكون سعييدا فعلا بذلك. بانتظارك
مع خالص الود

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الدكتور ميثم الجنابي :
كل التحية لشخصكم الكريم
ذكرتُ لك أن منهجتكم تناولت نقطتين أولاهما الهدم ثم البناء فيما سيجئ تباعاً من سلسلة الدراسة . وأنا بدورى أعرض لابن خلدون أولاً كما عرضتم له .. وفي هذا العرض يبدو من وجهة النظر ما قد يُستشف منه التركيز على فلسفة التاريخ مع ما قد أشرتم إليه في مقالكم السالف.
هذه واحدة . أما الثانية فستكون منصبة على نقطة الهدم المنهجية، أرجئها لحين الفراغ ممّا أذكره في الجزئية الأولى.


عبد الرحمن أبو زيد ولىّ الدين بن خلدون، ولد بتونس، ويرجع أصل أسرته إلى حضرموت، كان لأسرته قدم راسخة في العلم والسياسة، الأمر الذي جعل ابن حيان يقول عنها : بيت ابن خلدون في أشبيلية نهاية في النباهة ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية، درس العلوم الدينية واللغوية والفلسفية والطبيعية والرياضية، وكانت تونس آنذاك مركزاً لعلماء شمال أفريقيا تولي وظـائف حكومية فترة 25 سنة بدول شمال أفريقيا من سنة (751- 776هـ) وكانت فترة اضطراب سياسي.
وقد نسبت إليه الانتهازية في تصرفاته السياسية وإيثار الطُرق الملتوية في الوصول إلى مقاصده مما أدى إلى سجنه، وأنا من ناحيتي أحييك على سبر أغوار هذه النقطة ومعارضتها تماماً في مقالكم السالف.

رحل إلى الأندلس عام (764هـ) وقضى بها عامين يشهد غروب شمس الإسلام بها، وعاد إلى المغرب وقضى بها عشرة سنوات ووصل إلى مركز الحجابة لأحد أمرائها. تفرغ للقرآن والتدريس بعد أن أصبح موضع ريبة كل أمراء الشمال الأفريقي. وقـد دوَّن في أربع سنوات من العزلة والتفرغ مؤلفة الشهير: (العِبَر) في قلعة ابن سلامة التي سُجن فيها من عام (776 - 780) ثم كتب (المقدمة) في خمسة شهور من عام (780 هـ )، ووصل إلى مصر عام (784 هـ) بعد أن سبقته شهرته إليها؛ فأحاط به الطلبة وتولى مذهب قاضي قضاة المالكية.
فُجع ابن خلدون في أسرته حين غرقت بهم السفينة أثناء سفرها إلى مصر للحاق به. وتأمر المتنافسون عليه بها مما زهَّده في منصب قاضي القضاة، أدى فريضة الحج عام (789هـ) وزار بيت المقدس عام (801) وقابل تيمورلنك عام (803)؛ ثم نقح مقدمته وكتابه قبل زيـارته لمـصر وأهدى نسخة إلى السلطان برقوق، كان لأسفاره ومغامراته السياسية واتصاله بكثير من الملوك من النصارى بأندلس إلى ملك التتار بالشام فضلٌ في تكوين فلسفته التاريخية. توفى 29 رمضان عام (808هـ) الموافق 16 مارس عام (1406م).
هذا؛ ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى اهتمامات ابن خلدون العلمية والتي استخلصت من أثارة الفكرية، ومن أهمها نبوغه في فلسفة التاريخ فضلاً عن تأسيسه لعلم الاجتماع واهتمامه بالفلسفة والاقتصاد والتربية، وسأكتفي هنا بـ :
فلسفة التاريخ :
فالأصل في فلسفة أي علم من العلوم، فلسفة الدين مثلاً، أو فلسفة التاريخ، هو أن المادة من الدين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق من الفلسفة. والنسق نظام عقلي يلم شتات المادة المتفرقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج. ومن ثمّ، فقبولها في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مهمة الفلسفة كونها نسقاً.
تحديداً، معنى فلسفة الدين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ : المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة .. وهكذا، ولكن في فلسفة الدين على التخصيص لا يمكن، في تقديري، تجاوز حقيقة الدين ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من "مضمون" وخصوصيّة، فلا معنى لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء، فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة مثلاً قائماً من داخلها، تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر . أمّا في فلسفة التاريخ قياساً على ذلك؛ فلم يكن الحال ببعيد عن هذا التَّصور فلا غفلة مطلقاً عن شرط "المضمون" باعتبار النظر إليه (تحقيقاً) من حيث باطن الحقيقية التاريخية؛ فكما لم تكن هنالك غفلة عن شرط المضمون الديني ولا غيبة عن الأخذ به تقوم عليه خصوصية العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بكل الولاء في حالة فلسفة الدين؛ فكذلك الحال في فلسفة التاريخ أن تجيء، ولدى ابن خلدون بصفة خاصَّة، منصبةً على باطن التاريخ؛ وأن يُوحي هذا الباطن بالتعليل لمبادئ الكائنات يعمل على تفعيله من حيث إنه هو أداة الكشف للحركة الباطنة المتغلغلة في مضمونه، فلا شيء يقع بالصدفة ولا تتحرك في الوقائع التاريخية وأحداثها حركة خارج إطار مضمونها أو بسبب قوى خارجية مجهولة، ولكنها تتحرك، ولا بد لها من أن تتحرك، غير أن حركتها في داخل إطار "المضمون" الذي يحتويها وفق قانونها الباطن وتبعاً للعوامل الكامنة فيها.
لقد تجمّعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعمليّة التي تجعل منه مؤرخاً حقيقياً - رغم أنه لم يول في بداية حياته الثقافية عنايةً خَاصةً بمادة التاريخ - ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقية المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت الخمسين عاماً، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الأندلس وحتى بلاد الشام .

فقد استطاع، ولأول مرة، (إذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هى نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنية الجوهرية للتاريخ. ما هذا يا دكتور ميثم ؟ وكيف تفسّره؟ أنا أنتظر ما عساه يهمني من رأيك؟

فعلم التاريخ ليس سرداً للأحداث وللوقائع، وهو إنْ كان (لا يزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول) إنما هو كما يقول ابن خلدون :" في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعَدَّ في علومها وخليق". وقد ذكرت سعادتك هذا النص في المقال الأول. لكن ما وددتُ أن يكون هناك فصل بين المنهج العلمي في كشف أحداث التاريخ وعقلانية النظرة، لأن العقل كما تعلم سعادتك لا ينفصل عن العلم، بل العقل هو الذي بفرز العلم ويقوم الثاني عن الأول ضرورة. لكن علمية ابن خلدون لم تكن مستقاة من مصادر فلسفية سابقة غير الشواهد والملحوظات ترتد في النهاية إلى عملية الفرز العقلي، وقد يسميها البعض علمية تجازواً بمقررات ماكان توصّل إليه.

لم يكن بالمطلق ناقلاً كما نقل الفلاسفة قبله عن اليونان، ولم يكن شارحاً أو معقباً كما شرح ابن رشد وعقّب على أرسطو وتصرف في آرائه؛ بل أعمل ابن خلدون نظره العقلي وقواه الباطنه وتأملاته الذاتية فيما أراد التوصل إليه. وهذا فيما أرى سرّ تفرده ومصدرعبقريته، وقوام إبداعه الذي صبر وأحسن الصبر عليه.

فهو بذلك قد أتبع منهجاً في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت. وحين يعرض ابن خلدون لما تناوله المؤرخون السابقون عليه كالطبري والثعالبي والمسعودي يحلل الأخبار التاريخية في ضوء المعطيات التي توصل إليها من خلال الممارسات الاستقرائية والعلل العقلية، وينتهي إلى أسباب الخطأ الكامنة وراء مما يذكر مما تناوله المؤرخون؛ وهو في هذا كل يقدم فلسفة نقدية واعية فهو لا يقبل التشيع لرأي من الآراء أو نحلة من النحل تجعل النفس تميل إلى تصديق ما يوافقها من الأخبار. وهو لا يثق بناقلي الأخبار دون التمحيص الذي يؤدي إلى التعديل والتجريح في المنقول من الروايات أو ما يعرف عن رجال الحديث بعلم الجرح والتعديل. وهو لا يذهل عن مقاصد الأخبار، فإن ناقل الخبر كثيراً ما يروي الخبر تبعاً لما في ظنه وتخمينه، ففضلاً عن توهم الصدق بسبب الثقة في الناقلين فهنالك يقع التكذيب. وإنه ليجعل من التمييز بين الحق والباطل قانوناً بمقتضاه يكون النظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضاً لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، ثم يحكم بأننا إذا فعلنا ذلك، عُدَّ ما فعلناه قانوناً لنا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معياراً صحيحاً يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.

هذا منهج علمي تقوم عليه فلسفة التاريخ وهكذا فهو وإنْ لم يكتشف مادة التاريخ فإنه جعلها علماً ووضع لها فلسفة ومنهجاً علمياً نقدياً تعليلي نقلها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المُعلَّلة بأسباب عامة منطقية؛ لننظر إليه وهو يقول: " إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل. إني أبحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية". هكذا يدور منهج ابن خلدون، وأنا شخصياً لا أسوّغ مقارنته بمناهج أخرى سواه مما تتشابه معه في الشكل لا في المضمون، كالقول بالحتمية التاريخية وما جرى مجراها في التصورات الغربية .

أما نقطة الهدم المنهجية؛ فقد رأيتك فيها قاسياً قسوة شديدة على "طه حسين" إنْ في المتن وإنْ في الهامش، وهو بالتقريب أول من لفت الأنظار تقريباً إلى فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. ودائماً - كما تعلم سعادتك - أن المحاولات المبكرة تكون أضعف بكثير بالقياس إلى ما يجيء بعدها؛ فليس يعني هذا إهمالها أو تعسف النظرة بصددها. ولم يكن من المنهج العلمي فيما أتصوّر أن نتناول هذه المحاولات المبكرة بشئ من القدح المركب الذي هو أقرب إلى الشتائم من إلى النقد البناء .. هذا مما يرباء عنه العلماء المحققون أمثالكم. أو تناولها بالسخرية والاستهزاء فيما لو تكلم طه حسين عن إقامة ابن خلدون بمصر .. وقد تكون العاطفة في تلك الجزئية أغلب على الكاتب وأبعد عن المنهجية العلميّة. نعم، وإذن فلنرفضها ولا ضرورة عندنا لنغمة السخرية والتعريض؛ وبخاصة للعاهة الشخصية التي لا حيلة لأحد فيها.
ثم ماذا ..؟ هل لو أنني رأيت الدكتور ميثم الجنابي يتحدّث بعاطفته عن وطنه العراق؛ أفكيل عليه هجوماً إذْ ذاك يصل إلى حد القدح المباشر في شخصه، وهل يتفق التعصب كائناً ما كان ولو للفكرة التي أطرحها مع المنهج النقدي أو المنهج العلمي عموماً أو حتى مع العقلانية التي أتدثر بدثارها؟! ثم ذكرتم أن الجابري رحمه الله كان أعمق فيما قدمه بكثير مما قدمه طه حسين؛ ليكن ! .. ولكن هل يروقكم تعصب الجابري وموالاتته للعقلانية المفرطة إلى الدرجة التي ينسف فيها كل محاولات ما سواه : صوفية أو تشيع؟ ثم ماذا عن الدكتور على عبد الواحد وافي فيما كتبه عن عبقريات ابن خلدون وفيما حققه للمقدمة ؟
هذا ما أردت قوله مما قرأته لكم بأناةٍ وهو مما لفت نظري في دراستكم الهامة .. دمتم عالماً محققاً قديراً .. مع خالص التحية

.د/ مجدي إبراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الدكتور مجدي
بعد التحية
اشكرك جزيل الشكر على هذه المداخلة القيمة والعميقة والنقدية. وهذا امر يفرحني للغاية، لانني استهجن المديح ولا احبه إطلاقًا، لانه لا يغني المعرفة بشيء
ان كل ما تناولته في تعقيبك، سوف أتطرق اليه في الحلقات الثماني الباقية. وفيها اجابة على ما كان يدور في خلدك وما تناولته في التعقيب.
ملاحظة عامة: ان هذه الدراسة هي جزء من كتاب كبير أرسلته للطباعة تحت عنوان (بوابة التاريخ الأبدي). يتناول أساسًا اثر فلسفة التاريخ في تاسيس الفكرة السياسية. ومن ثم فهو يحتوي على اهم فلاسفة التاريخ الذين تركوا اثرا هائلا في بلورة الوعي النظري والعملي السياسي. وهي قضية غاية في الأهمية.
وابن خلدون بالنسبة لي هو مؤسس علم التاريخ وفلسفته. وفي هذا تكمن أهميته الضرورية بالنسبة لوعي الذات الثقافي والسياسي العربي.
تناولت في الكتاب نشوء وتحول الفكرة التاريخية من الأسطورة الى منطق الروية التاريخية . وبعدها فلسفة هسيود واوغسطين، باعتبارها صيغ أسطورية ولاهوتية مهمة لكنها لا تؤسس للرؤية العلمية. وبعدها ابن خلدون وحتى العالم المعاصر واختتمته بفلسفتي عن التاريخ والثقافة والحضارة والمستقبل. وهي فلسفة سوف اقدمها للنشر قريبا تحت عنوان (فلسفة البدائل المستقبلية) بخمسة اجزاء.
اما ما يخص نقدي لطه حسين، فهي مجرد صيغة طارئة بهذا الصدد وضمن ما هو ضروري للإشارة الى الذين ساهموا في تناول شخصية وابداع ابن خلدون، وفي مقدمتهم، من الناحية الزمنية، طه حسين.
لقد تناولت شخصية وكتابات وفكر طه حسين بصورة موسعة، اضافة الى العشرات من الشخصيات الفكرية العربية الحديثة، في كتابي الذي صدر القسم الاول منه تحت عنوان (فلسفة وعي الذات العربي الحديث والمعاصر)(دهاليز المرحلة التأسيسية). وهو كتاب خضم جدا، لهذا جرى تقسيمه الى قسمين لصعوبة طبعه وحمله!!
والكتاب يتناول مسار الفكرة العربية الحديثة ووعيها الذاتي. وهو كتاب نقدي فلسفي صارم!
وشخصية وابداع طه حسين بالنسبة لي تتسم الى جانب كل التيارات الليبرالية والتقدمية والعلمانية (الدنيوية) بقدر كبير من التسطيح والتشوش الفكري وانعدام المنهجية الخاصة وسطحية تناوله لأغلب القضايا التي تناولها. وهو حكم مبني على دراسة كل ما كتبه(اشدد على كلمة كل او جميع ما كتبه). وبالنسبة لي، فان مقال واحد من أبو شادي في الديوان أفضل وأعمق من كل ما كتبه طه حسين. وان هناك الكثير من الشخصيات الفكرية المصرية، شبه المغمورة بالنسبة للكثير من المثقفين العرب، أفضل وأعمق وأكثر إخلاصًا بمعايير الثقافة العلمية والقومية من طه حسين وامثاله.
لكنني احترم طه حسين احترامًا عميقًا لجهوده التنويرية، غير انني اجد فيها، وفي اغلب رعيل المرحلة آنذاك، كيانات تقليدية ومخربة بالنسبة لإرساء أسس الوعي الذاتي العربي الأصيل، اي المبني على أساس تاسيس المناهج الخاصة وتناول لشكليات الوجود العربي بمعاييرها ومفاهيمها واصطلاحاتها. وهي جوانب توسعت فيها بطريقة ومستوى لم يجر تناوله في الفكر العربي الحديث والمعاصر في كتابي الذي اشرت اليه أعلاه، والذي أخذ مني حوالي ثلاثة عقود من الزمن والبحث المضني.
اتفق معك في بعض الجوانب القاسية تجاه طه حسين، لكنها محكومة بمحبتي للحقيقة التي ينبغي غرسها في كل مكونات الوجد والوجود العربي الحديث.
مع خالص الود والتقدير عزيزي الأخ مجدي

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

تعليق إضافي
عزيزي الأخ مجدي
لقد نسيت تناول نقدي لطه حسين في موقفه من مصر. لم يكن قصدي منها انتقاص العاطفة الوطنية ووجدانها الشخصي. لقد كان نقدي إياه بهذا الصدد هو نقد الانتقال "المنهجي" الذي لا يسوّغه منطق البحث. والا فإنني شخصيا احب مصر ليس اقل مما احبها طه حسين. بالنسبة لي كل اوطان العرب اوطاني. وقد كان هذا النشيد الذي تربينا عليه منذ الصغر عندما كنّا ننشده في المدارس الابتدائية كل يوم منذ الصباح في باحات المدارس قبل الدخول الى الصفوف. ولاحقا اصبحت قضايا العالم العربي قضيتي في كل شيء. وانا اعتبر نفسي شخصية قومية النزعة عربي وعروبي خالص. وكل ما اكتبه يهدف الى تأسيس الفكرة العربية الثقافية او الفلسفة الثقافية للقومية العربية. وهذا مضمون فلسفتي التي وضعتها في كتابي (فلسفة البدايل المستقبلية) الذي أمل ان يظهر للوجود في نهاية هذا العام.
وينطبق هذا على فكر وابداع الجابري. وعندي عليه دراسة نقدية شديدة سوف انشرها في وقت لاحق
مرة اخرى مودتي واحترامي الخالص

ميثم الجنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

التوضيح مفهوم يا عزيزي الدكتور ميثم .. ولا شك في أن ثقافتنا القومية العربية باقية في قلوبنا وعقولنا، نتمسك بها وندعو إليها، لأنها عنصر القوة فينا لا يمكن إغفاله، إذ كان مصدر هويتنا التي هي أيضا مصدر حضارتنا، او علي أقل تقدير، تقف معها جنبا الي جنب.
أنا شخصيا أوافقك تماما في النظر الي جوانب منهجية طه حسين، ولم اخالفك في مشروعية النقد لا من جهة الفلسفة ولا من جهة العلم، بل إنه لا تقوم دراسة كائنة ما كانت بغير وجهة نظر نقدية .. هذا أمر مفهوم ، ومتفق معك تماما فيما قلته عن بعض تلك الجوانب من تفكيره، كمسألة استصعابه النظر في مؤلفات العقاد وخاصة تصريحة بعدم فهم الكثير منها، وأنا شخصيا أيضا أميل فكريا إلى العقاد أكثر من ميلي الي طه حسين .. قرأت في صغري كتابات العقاد كلها، وقرأت طه حسين ايضا ولكني لم اتذوق طه حسن بمقدار ما تذوقت العقاد المسألة مسألة توافق ذوقي لا قهر عقلي امام المقروء والمكتوب.
كنت اتمني الاطلاع علي مصنفكم (فلسفة االبدائل المستقبلية) ولا شك في أنه سيكون كتابا ماتعا كشان ما نقرأ لكم علي صفحات المثقف الغراء، وكلي أمل أن تتاح لنا الفرصة لقرائته حين يظهر للنور بسلام ..
كل التحية والمودة والتقدير

د. مجدي ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

سلام و تحيّة للمتحاورين .

في تعليقي على المقال الأول من هذه السلسلة

سألْتُ د. ميثم. عن رأيه برسالة المفكر العراقي

(علي الوردي) التي عالج. بها مقدمة او فلسفة ابن

خلدون وكان جوابه صريحاً و واضحاً بكل ما كتبه

علي الوردي بعبارةٍ أخرى كان د ميثم. شديداً على

منهج. د. علي الوردي. بدون مجاملة او محاباة للمشاعر

القطريّة على حساب العلم والمعرفة .

و كان غرضي من وراء سؤالي هو التخفيف من درجة

الحساسية او ردّات الفعل العاطفيّة لدى أشقائنا العرب

عندما تُنتقد شخصيّات ثقافيّة عربيّة من بلدانهم من قبل

نقّاد يمتازون بالصرامة أقربُ الى الشدّة خدمةً. للعلم

والمعرفة و نزوعاً لبلوغ الحق والحقيقة .

خالص التحية للجميع

مصطفى علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 04:19:05