 أقلام فكرية

مفهوم الحرية عند هايك

حيدر جواد السهلانيولد فردريك فون هايك في 8 مايو 1899 في فيينا وتوفي في 23 مارس 1992 في فرايبورغ، وقد كان فيلسوفاً واقتصادياً ومنظراً سياسياً، عرف في دفاعه عن الليبرالية والرأسمالية القائمة على السوق الحر ونقده للفكر الاشتراكي. وقد عمل هايك في الحكومة النمساوية في ميدان الأبحاث والتدريس في جامعة فيينا، ثم أنتقل إلى لندن منذ عام 1931 استاذاً للاقتصاد وحصل على الجنسية البريطانية، ثم أنتقل بعد ذلك إلى جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل هايك على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974 لأعماله في ميدان النقود والأسعار والدورات الاقتصادية، ومن أعماله في فلسفة القانون والدولة، وهي الطريق إلى العبودية 1944 دستور الحرية 1960 والقانون والتشريع (الحرية في ثلاثة أجزاء  1973- 1979) والغرور القاتل(أخطاء الاشتراكية 1988). يمثل هايك أحد أعمدة الفكر الليبرالي، والذي طالما ناضل من أجل نشر أفكاره الليبرالي في وقت سادت فيه الاشتراكية والشمولية، ويعتبر هايك من أوائل المفكرين المعاصرين الذين ناقشوا قضية النظم الشمولية، ويبدأ هايك بتعريف النظم الشمولية بأنها تستند جميعاً، بلا استثناء إلى نوع من البحث عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة، وقد ربط بين محاولة تحقيق هذه المدينة الفاضلة وبين فكرة تنظيم المجتمع، بما عرف بأسم الهندسة الاجتماعية، وهي الفكرة التي تناولها أيضاً كارل بوبر صديق هايك واوضح بوبر أن محاولات إخضاع تطور المجتمعات لتطور مسبق كما يقوم المهندس بتصميم آلة، لا تؤدي إلا إلى تشوهات اجتماعية، فالمجتمعات ليست مواد صماء يتم تشكيلها وتصنيفها وفقاً لإرادة حاكم أو مفكر، وإنما الجماعات كائن متطور بقوى ذاتية، وناقش هايك هذه القضية عن تطور المجتمعات، مبيناً أنه ليس صحيح أنه بالعقل وحده يتم تغيير النظم الاجتماعية، فهناك بين العقل والغريزة منطقة هامة تخضع لمؤثرات أخرى للتغيير وهي تلك الناجمة عن التطور الثقافي.(1)

يعرف هايك الليبرالية، بأنها نظام قادر على أن يخلق نفسه بشكل مستقل، نظام قادر على أن يستثمر معرفة أفراده ومواهبهم وكفاءاتهم إلى الحد الذي لا يجاريه فيه أحد، أي نظام آخر تابع من التوجيه المركزي. الليبرالية في صميمها دعوة إلى التجديد المستمر حتى ولو لم نستطع التنبؤ سلفاً بما سوف يقودنا إليه التجديد في نهاية المطاف، ويجب على المذهب الليبرالي أن يعتمد إلى حد كبير على الزيادة التدريجية للثروة التي أحدثتها الحرية، وأن الليبرالية التي يدعو إليها هايك تختلف أختلافاً كبيراً عما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، أذ الليبراليين الأمريكيين المعاصرين ينظرون إلى الحرية باعتبارها نوعاً من المشاركة والاختيار الفعال، وهم في هذا أقرب ما يكونون إلى فولتير وروسو، في حين أن هايك يضع حدوداً واضحة للحكومة، وهو في نفس الوقت لا يخفي شكه وتوجه من مغبة تزايد سطوة الحكومة، والليبرالية الأمريكية المعاصرة ماهي إلا ليبرالية الدولة، لا ليبرالية المجتمع ذلك أنها ترمي إلى إرساء الحكومة الديمقراطية من أجل التقدم  الاجتماعي وعدالة التوزيع، أذاً الفارق بين المفكرين الليبراليين الأمريكيين وهايك، الأمريكيون يأملون في إعادة بناء المجتمع وصياغته من جديد في حين أن هايك يؤكد على أهمية التطور التلقائي للمجتمع.(2) أما موقف هايك من الاشتراكية التي قامت بالضد من الليبرالية، أذ كان الليبراليون يرون بالاشتراكية هي محاولة لإنهاء الثورة، فقد بدأت الاشتراكية تستخدم الوعد بحرية جديدة بشكل متزايد، وهي وحدها القادرة على إحداث إكمال الصراع السرمدي من أجل الحرية الذي يعتبر بلوغ الحرية السياسية فيه مجرد خطوة أولى. ويرى هايك أن الاشتراكية التي تعطي وتوعد بالحرية ماهي إلا طريق للعبودية وليس للحرية، فالاعتقاد بأن الاشتراكية سوف تجلب الحرية هو اعتقاد حقيقي وصادق، ولكن هذا سوف يزيد المأساة ويؤدي إلى العبودية. (ونحن نتفق مع هايك في هذا الصدد أذ حقيقة أن الاشتراكية أدت إلى العبودية أو تقليص حرية الفرد ولعل من أهمها حرية طرح أفكار سياسية، وقد أدت الاشتراكية إلى ظهور الكثير من الانظمة الدكتاتورية، و إلى الآن الدول التي تحكمها الاشتراكية فيها نوع من الدكتاتورية أن لم تكن الدكتاتورية نفسها). أما موقف هايك من الديمقراطية فيرى أن الديمقراطية أساساً وسيلة وأداة منفعية لحماية السلام الداخلي والحرية الفردية، وهي في حد ذاتها غير معصومة أو مؤكدة على الإطلاق، كما أننا يجب ألا ننسى أنه كان هناك في كثير من الأحيان حرية ثقافية وروحية أكثر بكثير تحت حكم مطلق مما كان في ظل بعض النظم الديمقراطية، ومن الممكن أن نتصور على الأقل أنه تحت حكم أغلبية متجانسة ومذهبية للغاية، قد تكون حكومة الأغلبية الديمقراطية مستبدة مثل أسوأ دكتاتورية، وينشأ الصدام بين التخطيط والديمقراطية ببساطة من حقيقة أن الأخيرة عقبة لكبت الحرية التي يتطلبها توجيه النشاط الاقتصادي، ولكن طالما تتوقف الديمقراطية عن أن تكون ضمانة للحرية الفردية، فإنها قد تبقى في شكل ما تحت نظام شمولي ودكتاتورية البروليتارية الحقيقية، حتى أذا كانت ديمقراطية في شكلها، فإنها إذا تولت توجيه النظام الاقتصادي بصورة مركزية، فإنها سوف تدمر الحرية الشخصية على الأرجح تماماً مثلما يفعل أي نظام. إن التركيز الرائج على الديمقراطية باعتبارها القيمة الأساسية المهددة أمر لا يخلو من الخطر، فهو مسئول إلى حد كبير عن الاعتقاد المضلل والذي لا أساس له بأنه طالما كان المصدر الرئيسي للسلطة هو إرادة الأغلبية، فإن السلطة لا يمكن أن تكون تعسفية، والتأكيد الزائف الذي يستمد أناس كثيرون من هذا الاعتقاد، هو سبب هام لعدم الوعي العام بالأخطار التي نواجها، فليس هناك ما يبرر الاعتقاد، بأنه طالما أن السلطة منحت بإجراء ديمقراطي، فإنها لا يمكن أن تكون متعسفة والعكس الذي يوحي به هذا القول زائف تماماً، فليس مصدر السلطة، بل بتحديدها هو الذي يمنعها من أن تصبح متعسفة، فإن الرقابة الديمقراطية قد تمنع السلطة من أن تصبح متعسفة، ولكنها لا تفعل ذلك بمجرد وجودها وإذا قررت الديمقراطية أداء مهمة تتضمن بالضرورة استخدام سلطة لا يمكن توجيهها بواسطة قواعد ثابتة، فإنها لا بد أن تصبح مستبدة.(3)

يعتبر هايك من أنصار مذهب (دعه يعمل) وهو شعار المذهب الداعي إلى أطلاق الحرية الفردية في كافة المجالات، وأصبحت هذه العبارة شعار الليبرالية، وتتمثل في الحجة بأطلاق الدفاع عن الحريات الفردية، ذلك أن الفرد أقدر من سواه على تحقيق مصالحه متى كفلت له الحرية اللازمة، وهو الأمر الذي سيترتب عليه مصلحة المجتمع باعتبار أن  المصلحة الاجتماعية ماهي في جوهرها إلا مجموعة مصالح الأفراد، والحرية عند هايك تعني هي ألا يكون الإنسان مكرهاً على الإذعان لإرادة غيره. والحرية على ثلاث معان، وهي مشاركة الإنسان في اختيار حكومته ومشاركته في وضع التشريعات، وفي عملية الإدارة، والحرية في معنى آخر هي المدى الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه في القيام بفعل معين مدفوعاً بإرادته الخاصة، لا بدافع طارئ أو ظروف وقتية معينة، والحرية في المعنى الثالث هي مدى قدرة الفرد على اشباع رغباته، أو هي النطاق الذي يمكن أن يمارسه الإنسان في الاختيار. ويرى هايك أن من واجب الدولة أن تتدخل وأن تكون لها فاعليتها الايجابية في أمور معينة، فهي أولاً وقبل كل شيء ينبغي أن تتدخل لكي تضمن حرية مسار التطور التلقائي، وأن تتدخل لتوفر الحد الأدنى من المعيشة لأولئك الذين يعجزون عن الكسب شريطة ألا يكون هذا التدخل جزء من تصور عالم لما ينبغي أن تكون عليه الفوارق في الدخول والثروات، أنها تتدخل فقط لكي تضمن لهؤلاء حد أدنى من الحياة الكريمة. وعند هايك الحرية هي ليست تخطيط مسبق، ذلك أن البشر لم يتنبأوا سلفاً بالمزايا التي سوف تحققها الحرية لهم ومن ثم أن تكون هي طريقهم، على العكس فهي قد نشأت الحرية من الناحية التاريخية بشكل مختلف نتيجة لفقدان الثقة في الحكام مما ترتب عليه وضع القيود على سلطاتهم، ومن مزايا الحرية عند هايك هي السبيل إلى التقدم المادي والثقافي، وأيضاً الحرية هي السبيل إلى التقدم باعتباره عملية يتم من خلالها تشكيل وتعديل القدرات العقلية للبشر، وأن القيمة الحقيقية في الحرية تتمثل في أنها تسير لنا سبيل مواجهة ما لا تراه وما لا نستطيع أن نتنبأ به، أن الحرية ليست قيمة نهائية في حد ذاتها، وإنما هي مستمدة قيمتها من كونها قوة تدفع إلى الأمام، وعلى هذا فنحن لا نستطيع أن نفاضل في مجال الحرية بين مجتمعين على أساس عدد الأفراد الذين يتمتعون بها في كل مجتمع، ذلك أن الحريات اللازمة للتقدم بشكل حيوي وملح قد لا تكون هي ذلك النوع من الحريات الذي يطلبه عامة الناس لأنفسهم، ومع هذا فإن المجتمع الذي يشتمل على عدد من الأفراد يتمتعون بالحرية خير في رأي هايك من ذلك الذي لا يوجد بين مواطنيه أحد على الأطلاق متمتع بالحرية، كذلك فإن تمتع عدد كبير من أفراد المجتمع بالحرية الكاملة خير من تمتع كل أفراد المجتمع بالحرية في حدود معينة، ويعتبر هايك الحرية قيمة جوهرية ينبغي أن تكون مطلوبة لذاتها، ويعتبرها أيضاً أداة للتقدم.(4) وقد كانت الحرية تعني لرواد الحرية السياسية، التحرر من السلطة التعسفية، والتحرر من القيود التي لا تترك للفرد أي خيار إلا إطاعة أوامر رئيس يرتبط به، غير أن الحرية الجديدة الموجودة ستكون حرية من الحاجة، وتحرراً من إكراه الظروف، التي تحدد حتماً مجال الاختيار لنا جميعاً، وإن كان ذلك للبعض أكثر بكثير مما هو بالنسبة للآخرين، وقبل أن يتمكن الإنسان من أن يكون حر، يجب كسر طغيان الحاجة المادية، وهنا يربط هايك الحرية بالاقتصاد، أذ الحرية مجرد اسم آخر لتوزيع الثروة، والحرية السياسية لا معنى لها بدون حرية اقتصادية، ويرى هايك أن الحرية الاقتصادية هي الحرية الأولى، وهي شرط أساسي للحرية، والحرية هي السياسة التقدمية الوحيدة من أجل مستقبل أفضل وضروري أن نركز على الطاقة الابداعية للأفراد بدلاً من ابتكار أجهزة لإرشادهم وتوجيههم والتخطيط لتقدمهم.(5)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش

1- ينظر فردريك فون هايك: الغرور القاتل(اخطاء الاشتراكية)، ترجمة محمد مصطفى غنيم، دار الشروق، القاهرة، ص5- 6- 7- 8.

2- ينظر أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج: أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة ودراسة نصار عبدالله، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص37- 38.

3- ينظر فردريك فون هايك: الطريق إلى العبودية، ترجمة محمد مصطفى غنيم، دار الشروق، القاهرة، ص46- 47- 86.

4- ينظر أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج: أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة، ص35- 36- 40- 41- 42- 43.

5-  ينظر فردريك فون هايك: الطريق إلى العبودية، ص48- 49- 109.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4963 المصادف: 2020-04-07 02:08:55