 أقلام فكرية

القانون متعفن بالعنف (2)

علي رسول الربيعيمعيارية القانون

إنّ وصف كوفر لعنف القانون هو جزء من مشروع كبير، ففي الحين الذي يقدّم فيه تصوّرًا مميّزًا عن القانون يستكشف الموضوعات الكلاسيكيّة في النّظريّة السّياسيّة والقانونيّة التي تتعلّق بالمعنى والسّلطة، بالحرّيّة والنّظام، بالمجتمع والدّولة.[1] تبدأ نظريّة كوفر السّياسيّة والقانونيّة مع افتراض أنّنا "نعيش في ناموس، في عالم معياريّ، نخلق فيه باستمرار عالم الحقّ والباطل، القانونيّ وغير القانونيّ، الصّالح والباطل" ونحافظ عليه.[2]"فالنّاموس يشكّل "وجودنا" الاجتماعيّ كما تشكّل الكتلة والطّاقة والزّخم العالم المادّيّ، وإنّ فهمنا لبنية العالم المعياريّ ليست أقلّ أهمّيّة أو قيمة من فهمنا لبنية العالم المادّيّ".[3]

تقف هذه الصّورة المعياريّة بوصفها شرطا أساسا لحياة المجتمع الإنسانيّ في تناقض صارخ مع الصّورة اللّيبراليّة لمجتمع من دون قانون بوصفها حرب الجميع ضدّ الجميع.[4] فبالنّسبة لكوفر، يُعدّ العالم الذي يقع خارج القانون عالما اجتماعيّا مكوًنا من مجتمعات محلّيّة وجماعات لكلّ واحد منها رؤية مميّزة عن الخير تشجّع على الالتزام بها بدلًا من عالم معزول أو أفراد متنافرين،[5] إنّه عالم من الرّؤية والالتزام والقيم والطّموحات المشتركة وليس عالم المصالح المتعارضة، إنّه عالم النّاموس. إنّ مهمّة القانون هي المشاركة في ذلك النّاموس وتأييد ولادة رؤية معياريّة وحياة ملتزمة؛ فمهمّة القانون هي التّسامح والاحترام وتشجيع التّنوّع المعياريّ حتى عندما يُولِّد هذا التّنوّع معارضة لقواعد وأوامر القانون نفسه. إنّ خطر القانون يكمن في مواجهة هذا التّنوّع من خلال الإصرار على تفوّق نظامه وأوامره، أذ إنّ قيامه بذلك سيقيًد النّاموس.

فهو يعتبر أنّ القانون هو أكثر من مجرّد قواعد وأوامر تشرّعها مؤسّسات الدّولة،[6] وأنّ دولة القانون عليها أن تجسّد رؤية معياريّة وتعبّر عنها لأنّها من وجهة نظره هي القوّة الخاصّة والمهمّة بالنّسبة لأيّ نظام قانونيّ ودستوريّ، ويضرب عن ذلك مثلا بدستور الولايات المتّحدة الذي يعتبر بياناً للقيم وليس مجموعة قواعد.[7]ففي اعتقاده يساهم القانون في صياغة وتوضيح الطّرق التي تجري بها الحياة في الحاضر وعلى ضوئها يتمّ تحديد الإمكانات المستقبليّة، فلا ينشأ القانون من خلال عقد أوعلاقات طويلة الأمد بين أفراد يسعون لصياغة أهداف مشتركة كما يعتقد اللّيبراليّون،[8] ولا من أوامر الحكومات والحكام أو الملوك.[9]

يربط القانون النّاموس بالسّرد، أي بسرد الخبر أو قصّة الحدث بحسب كوفر،[10] "فالقانون والسّرد مرتبطان بشكل لا ينفصل"،[11] ويشير في مقالته عن "التّاريخ والمصير، عن البداية والنّهاية، عن التّفسير والغاية".[12] الى "إنّ المتن القانونيّ لا يتضمّن مجموعة القوانين فقطّ، وإنّما يتضمّن اللّغة وسرديّات الأساطير في ذلك المتن أيضًا"، ويشمل السّرديّات التي"تؤسّس نماذج السّلوك" كذلك، يوصف القانون هنا بكونه "مخزونا من التّحركّات ومعجما للعمل المعياريّ"[13] ولا تتضمّن الرّوايات السّردية للقانون الصّور والمُثُل العليا فقطّ لكنّها تتناول الأوضاع الجارية فيما يمكن أو يجب أن تكون عليه أيضا، "فـالنّاموس هو العالم الحاضر الذي يتشكّل بواسطة نظام يشدّ الواقع بالرّؤية".[14]

وعلى هذا الأساس يعتقد كوفر أنّه بقدر ما يكون هناك أهتمام بصحّة النّاموس، بقدر ما لن تكون هناك حاجة للدّولة".[15] لأنّ قانون الدّولة يوفّر مصدرا واحداً للمعنى من بين مصادر عديدة، مصدرًا لا يمكنه بحكم ارتباطه بمطلبها أن يزعم لرؤيته المعياريّة الوحيدة الصّحّة أو التّفوّق على رُؤًى مختلفة في أماكن أخرى.[16] فهو يوفّر رؤية واحدة فقطّ عن الخير والمصلحة، ويبني جسراً واحداً من جسور عديدة تربط بين العالم بالفعل، وبين الحقائق البديلة التي تشمل التّصوّر البشريّ عن المستقبل.[17] لهذا، عندما يفسّر القاضي قانون الدّولة ويضفي عليه معنًى فإنّ ذلك يكشف عن أنّ هناك  تفسيرات ومعاني أخرى للقانون في مجتمعات تقع خارج نطاق الدّولة، وهذا ما يجعل المعنى المقدّم من قبل القاضي للقانون لايمتلك تفوّقا تأويليّا بشكل مسبق، ولا يضمن أن ينجز بشكل منتظم.

إذا قبلنا وأذعنّا لتفسيرات القضاة فلا بدّ من إيجاد أسباب لذلك، وفي سياق البحث عن تلك الأسباب كان كوفر قد رفع عاليًا من معيار قياس تأثير قانون الدّولة حتى حينما بدأ يتوقّع حصول التّوتّر بينها وبين مصادر القانون الأخرى. لقد دافع كوفر عن فكرة أنّ "الحضارة القانونيّة العظيمة تتّسم بثراء النّواميس التي فيها والتي تساعد على تكوينها".[18]

تصبح الحضارة القانونيّة العظيمة ثريّة من خلال تنوّع الرّؤى والالتزامات التي تتضمّنها، ففي كلّ ناموس عدد وفير من القوانين، وفيه من جهة أخرى خصوبة في مبدأ أو قاعدة خلق المعاني القانونيّة، الى الحد الذي يخلق مشكلة  تتطلب حلأ سواء من قبل للمحكمة أو الدّولة.[19]

فما يخلق إشكاليّة الدّولة والقانون في اعتقاد كوفر ليس القليل من النّظام ولكن الكثير منه، وليس ضعف العالم الأخلاقيّ ولكن كثافته المرتفعة. مع ذلك، فإنّ إشكاليّة الدّولة وقوانينها قد بدأت مع شبح الصّراع كما هو في الفكر السّياسيّ اللّيبراليّ. وفي هكذا عالم، على قانون الدّولة أن يلعب دورًا متواضعًا ومُقيّدًا،[20] كما ينبغي على قانون الدّولة أن يكون متسامحاً يحترم نظم الخيارات المعياريّة الأخرى بدلًا من محاولة ثنيها عن القيام بدورها، أو تدميرها بالإكراه الشّرس المستعمل بشكل روتينيّ.[21]

في واقع كهذا الذي نعيش، فإنّ قانون الدولة يُسحب في اتجاهين بحسب كوفر، ونتيجة لذلك ينشأ فيه "توتّر جوهريّ"،[22] فهو من ناحية يشارك في توليد المعنى المعياريّ، ومن ناحية أخرى يلعب دورا في مجال الرّقابة الاجتماعيّة ويستعمل العنف لفرض مفهومه الخاصّ عن النّظام. إنّ صنع المعنى، وتوليد المعنى المعياريّ في المجتمعات المتعدّدة يجعل مهمّة الحفاظ على النّظام صعبة ومعقّدة، لهذا يقول كوفر: "يُمارس الانقسام الجذريّ بين التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة، وبين تنظيم القانون من حيث المعنى طابعا غير منضبط للمعنى وتأثيرًا مزعزعًا لاستقرار السّلطة".[23] إنّ المعنى هو دائمًا أكبر ممّا يمكن أن تستوعبه السّلطة، وحيثما يلجأ القانون إلى السّلطة فإنّه يُقرّ بحدود وقصور المعنى.

تُعدّ هذه الصّيغة نموذجًا فعليّاً لعمل كوفر، لا يمكن ضبط المعنى طبقا لحمولته الدّلاليّة فقطّ، فاذا ما تركت السّلطة لذاتها فإنها ستكون مستقرة أو ثابتهّ، وبالتالي فأن المعنى والسّلطة، أو التّفسير والعنف يعملان منفصلان كقوى توتّر في آن مع بعضهما وضدّ بعضهما البعض. وبما أن المعنى غير مقيّد هو ميدان الحرّيّة، فأن "التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة" هو مجال النّظام. ورغم جهود كوفر لأن ينأى بنفسه عن هذه الصّيغة، تبقى المشكلة الأساس للمجتمع والسّياسة والقانون هي كما حدّدتها اللّيبراليّة،[24] مشكلة الحرّيّة والنّظام التي يعاد إدراجها ووصفها والتّأكيد عليها في النّقاش دائمًا.[25]

يبدو وكأنّ التّماسك الدّاخليّ لأنظمة المعنى والنّظام الموجود بالفعل، فضلا عن هشاشة السّلطة وإمكانات الحرّيّة المتاحة في إطار ذلك النّظام ينفلت من نظرة كوفر كما ينفلت من النّظرة اللّيبراليّة. فكوفر يرى أنّ عالم المعنى والتّفسير هو فقطّ العالم المرن الذي يمكن أن يكون العالم الحرّ عالم التّعدّد والممكن والمتخيّل؛ وهو بحسب فوكو (Foucault)[26] يولّد التّسلسل الهرميّ للسّلطة في أيّ نشاط لتوليد المعنى. لقد توصّل كوفر رغم الجهود التي بذلها لتفسير وإعطاء معنى لعنف القانون، وللسّلطة والعنف إلى أنّ ميدان العنف والسّلطة موجود خارج نطاق المعنى والتّفسير. وهكذا يصبح العالم الإجتماعيّ، السّياسيّ، والقانونيّ عالمًا متوترًا يتحرك باتّجاه أحد الأقطاب ثمّ يلتفّ ليدور باتّجاه الآخر، إنّه عالم يشكّل فيه المعنى خطرًا على السّلطة دائمًا، لأنّ السّلطة تعني موت المعنى دائماً.

يلعب القضاة دورًا محوريًّا في إنجاز وتحقيق رؤية كوفر فيما يتعلّق بالتّنوّع، وبالثّقافة الغنيّة معياريّا، وبحالة الانضباط وضبط النّفس، فهم ينهضون في نظره بدور حاسم في وظيفة وموقع العنف في القانون. يقفون بين الحرّيّة والسّلطة على الخطّ الذي يفصل الخطأ عن الصّواب فيما بين المعنى وبين الاحتمالات التّفسيريّة للنّصّ القانونيّ (الحرّيّة)، وبين القدرة على تبنّي معنى واحد وفرضه بالإكراه بوصفه المعنى الصّحيح والوحيد (النّظام)، لذلك فهم في جميع أعمالهم يعتبرون "جماعة عنف".[27]

هناك معنيان مترابطان دفعا كوفر للتّفكير بالقضاة كجماعة عنف، ينطوي الأوّل على قدرة القضاة بوصفهم موظّفي الدّولة على نشر القوّات المسلّحة التي تفرض القسر والإكراه.[28] فالقضاة إذن هم جماعة عنف لأنّهم قادرون على استعمال القوّة المادّيّة وحملها على تحقيق تفسيراتهم للقانون وتنفيذها ميدانيّا على أرض الواقع.[29] وينطوي الثّاني على تحوّل القضاة إلى جماعة عنف عندما يقمعون ويقلّلون من الثّراء المعياريّ للعالم الاجتماعيّ: "فهم يحكمون أو يصدرون الأوامر والقرارات بسبب وجود العنف، لكنّهم والحالة هذه لا يخلقون القانون بقدر ما يقتلونه. وفي مواجهة النّموّ الوافر لمئات التّقاليد القانونيّة يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ القرار بتبنّي معنًى وحيدا من عدّة معانٍ. أيً يعتبرون المعنى الذي يتبنّون هو المعنى الوحيد أو التّفسير الوحيد للقانون فيدمّرون أو يحاولون تدمير كلّ ما هو غيره".[30] لقد دعا كوفر القضاء والقضاة الذي يمثّلونه إلى أن يكونوا "أقلّ إكراها وتدميرًا للقانون"، وأن يكونوا أقلّ إصرارًا على الواحديّة وأقلّ التزاماً بالتّسلسل الهرميّ المفروض على الرّؤى المعياريّة، كما دعاهم إلى عوالم جديدة والتّوقّف عن وضع القيود على النّاموس".[31]

يُشكّل عنف قانون الدّولة مانعًا قويًّا وعائقًا كبيرًا إذا ما نظرنا إليه من الخارج، أيً من خلال وجهة نظر النّاموس، ومن وجهة نظر العوالم الممكنة أوغير القائمة بالفعل حتى الآن. إنهّ من وجهة نظر كوفر أكراه غير ضروريّ لبناء العالم عبر الأنشطة المعياريّة فهو يدمّر التزامات الجماعات والجمعيّات خارج الدّولة. إذ لا يتفق هذا الإكراه مع شبكة المعتقدات والممارسات والفهم الذي يجعل من وجود النّاموس ممكناً، إنّه يضع حدًّا ونهاية للتّفسير ولبنية المعنى، أنه يقطع النّقاش ويضع حدًّا للدّوافع أو الحوافز التّأويليّة. فالبعد القسريّ للقانون هو بحد ذاته بعد مُدمِّر لإمكانية التّفسير.[32]

يُمثّل عنف القانون تهديدًا مستمرًّا لمشاركة القانون الرّئيسة في إنتاج وحفظ المعنى في المجتمعات ذات المعياريّة المتنوّعة، فبسبب الأدوار التي يقوم بها قانون الدولة من صنع السلام وحفظ الحدود، ولا سيما التهديد بأن يصبح استبداديا في طابعه؛ وصفاته ألأساس في أن يكون عامّاً وشاملاً فأن ذلك يُبنى عليه أن يكون له " الحق"  أن يقوم بحظر ما يجب أو ما لايجب القيام به إذا ما كان هناك للقانون وجود على الأطلاق. ومن هنا فإنّه من السّهل بالنّسبة لقضاة الدّولة أن يقوموا بحفظ النّظام من خلال سيادة قانون واحد، لذلك تجدهم يصرّون على هذا التّوحيد تحت عنوان قانون الدّولة. وبتكريس هذا الأسلوب يتمّ تدمير الجهود الرّامية إلى إتاحة الالتزام بمصادر معياريةْ أخرى وبمصادر غنيّة للمعنى. وبهذا يهدّد عنف القانون القانون نفسه من خلال الإفراط في تنظيم ما يسمّيه مصادر القانون. فيضرّ عنف القانون بمصادر القانون بعض الأحيان ليس بدوافع استبداديّة بل من الإفراط في احترام المطلّبات البيروقراطيّة للدّولة. لذلك يدعو كوفر إلى التّواضع والانضباط  اتّجاه المجتمعات المعياريّة خارج الدّولة، ويسمح لنفسه فيما يتعلّق ببروقراطيّة الدّولة بأن يتخيّل القاضي رغم اندراجه بالفعل في هرم السّلطة مقاوما متميزا ينقذ المعنى والحرّيّة من إكراهات العنف والنّظام. ومن خلال هذا التّصوّر  تشتغل على ما يبدو حجّة مألوفة لسيادة القانون التي يتمّ بها تعيين سلطة القاضي بصرف النّظر عن بقيّة أجهزة الدّولة الإداريّة.

يُشير عنف القانون على مستوى معيّن إلى عدم كفاية معياريّة، وإلى عدم قدرة السّرديّات المهيمنة على فرض السّيطرة. ويُشير أيضًا إلى عدم القدرة على خلق وحفظ ناموس موحّد في عالم النّواميس المتنافسة. ففي كلتا الحالتين يُثير توظيف الإكراه أسئلةً حول الأساس المعياريّ المبرّر لذلك الإكراه، فإذا كان استعمالا بسبب عدم التّحديد، أو بسبب تآكل التّفاهمات المعياريّة فإنّ ذلك لا يعدّ مبرّرا كافيا للعنف.

قد يكون الإكراه القانونيّ أكثر إشكاليّة من حيث الوضوح والشّفافيّة عندما يُستخدم ضدّ أوامر وأنظمة معياريّة معارضة، لأنّ اللّجوء إلى ما يطلق عليه كوفر "تفوّق المرجع الذّاتيّ للنّظام" لا يساهم في حلّ قضيّة المعياريّة هنا. وبعيدًا عن كون التفوّق تبريراً حقيقيّاً فإنّ ادّعاءه مجرّد رفض ساذج للانخراط في السّؤال عن موضوعية التّبرير. يصرّ "تأويل السّلطة القضائيّة" على أنّ النّظام فوق كلّ اعتبار،[33] لكنّه لا يقوم بأيّ فعل لإثبات هذا التّفوّق المعياريّ. قد يكون من الصّعب تبرير عنف القانون لأولئك الذين سوف يُستخدم ضدّهم خصوصًا إذا كان القانون يفتقر لهذه الصفة أي صفة التّفوّق المعياريّ، لذلك يبدو  من خلال رؤية كوفر للقانون أنّ استخدام الإكراه ضدّ الأوامر المعياريّة المتنافسة أمر مشكوك فيه وغير خاضع لسيطرة القانون.

يُذعن القضاة للعنف في كثير من الأحيان وبشكل روتيني جدًّا؛ ويؤكّدون بشدّة على سيادة قانون الدّولة في كثير من الأحيان وبشكل روتينيّ جدًّا كذلك. ففي كلا الوضعين يعتقد كوفر أنّ قانونا يتبنّى معنًى واحداً ويلغي المعاني الأخرى يقوم بتدمير النّاموس وهو في غير حاجة إلى ذلك التّدمير إلاّ لتأكيد مطلب يتعلّق بالضّبط والتّنظيم فقطّ وهو ما يُشكّل خطرًا كبيراً على عالم المعنى. تبقى "الطّوائف المتصارعة" معينا لا ينضب للالتزام القيميّ تضفي على الحياة معنىً معياريّاً حاسماً في غياب نظام تعليم ثقافيّ عالميّ مستقرّ واسع النّطاق. إنّ تقييد تلك الطّوائف بقانون يتبنّى معنًى واحداً يلغي المعاني الأخرى يبدّد التزاماتها ويدمّر طموحاتها ويهدّد بقوّة المصادر الرّئيسة للقيم التّعبيريّة. فهو من هذه النّاحية تهديد جدّيّ بإلغاء التّنوّع في عاالم متعدّد يُفْتَرَضُ أنّه غنيّ بتنوّعه الخلاّق معياريّاً، لأنّ عنفه هذا يقف عائقا في طريق والتّسامح والأحترام. ولموقفه المعلن هذا من التّعدّد والتّنوّع والتّسامح قد يتوقع المرء من كوفر تصوّر رؤية لقانون ينبذ العنف وينأى عن القسر والإكراه، لكن ما يلبث أن يجد في نظرته للعلاقة بين القانون والأوامر المعياريّة الأخرى لحظات غامضة من الحزن، من القلق، ومن النّقد.

لا يستطيع كوفر أن يتصوّر القانون دون عنف، لكنّه يصرّ بالمقابل على أنّ "مبدأ التّشريع الذي يولّد معنى القانون (jurisgenerative) في جميع المجتمعات لا وجود له أبدًا بمعزل عن العنف".[34] لقد كتب حول تنظيم عنف القانون، لاسيما حول الطّريقة التي "تنتقل بها السّلطة القضائيّة من خلال الطّبقات الدّنيًا لإدارة العدالة وإقامتها" ودعا إلى جانب دوغلاس هاي إلى "الاحتفاء بسلامة واستقامة السّلطة من الأمر بالعنف".[35] لقد رأى هاي أنّ عبارة "احتفاء" لا تبدو مناسبة تمامًا في طرح كوفر عند توصيف موقفه تُجاه التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون، فهو يتناول في تحليل العلاقة بين العنف والتّفسير القانونيّ التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون بأسلوب عالم الاجتماع الذي يحقّق في الوقائع وليس بأسلوب المتحمّس المحتفل بما قد يعثر عليه، الشّيء الذي حرّك نقده للآخرين مع الإعراب عن الأسف لواقع العنف والتّعبير عن عدم التّسليم بحاجة القانون إلى القيام بذلك العنف.

إنّ اللّغة التي استعملها كوفر لوصف النّاموس غير منظّمة، غير محكمة يتّضح فيها خوفه حين يقول: "أطلقوا العنان وحلوا القيود، قد تكون العوالم التي تمّ إنشاؤها غير مستقرّة، وقد تكون طائفيّة في تنظيمها الاجتماعيّ، وفصاميّة غير متماسكة في خطابها، حذرة وعنيفة أو شديدة في تفاعلاتها".[36] ففي وصفه "الصّراع الطائفيّ" يبيّن أنّ "المسارات التّفسيريّة ليست معزولة"[37] عن بعضها لاسيما وقد سنّت قانونا خاصّا بها في عوالم معياريّة بوجود دينامكيّات متقلّبة ومتفجّرة. لذلك فإنّ مشروع "الحفاظ على العالم يتطلّب طاقة لا تقلّ عن طاقة خلقه".[38] ويصبح القضاة في هذه العمليّة، بالنسبة له، حتى وهم ينشرون العنف "جماعة سلام".[39]

هكذا لم يعد عنف القانون عائقا ولا كابحا بعد أن كان يبدو ابتداءً غير ملائم للنّاموس ولأعمال القضاء عندما يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ قرار بتبنّي معنى وحيد على حساب معاني أخرى عديدة (Jurisgenerative)، في مجتمعات محلّيّة وروابط داخل ناموس تمّ ترويضه بتآلف القانون مع العنف على نحو يبدّد الخطر فلا تعود هناك حاجة إلى الزّيادة في الضّمان، ولا يتمّ دفع أيّ ثمن في المقابل. وفي هذا السّياق يعرب كوفر عن الأمل من خلال توجيه نداء للقضاة يدعوهم إلى مقاومة النّزعة الإداريّة لتجنّب الإفراط في العنف والتّوافق مع نظام قانونيّ يرضي وينسجم مع عوالم معياريّة متنوّعة. والمقلق أنّ أغلب القضاة سيرفضون بعنف ودون داعٍ أيّ نقد وأيّ تطلّع إلى عالم معياريّ خارج قانون الدّولة، وبذلك سيدمّرون النّاموس ويدمّرون سرد الحدث الذي يعتمد عليه القانون نفسه. لقد ابتعد كوفر في هذا التّحوّل المتخيّل للعنف إلى السّلام من النّقد ليعيد ذكر الاعتذار اللّيبراليّ عن قانون يعتمد على الإكراه.[40]

 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] في هذا الاستكشاف (انظر Nomos and Narrative” 4 ") يترك كوفر المقدّمات المنطقيّة للفكر السّياسيّ اللّيبراليّ لكنّه يبقى مرتبطًأ بها بنفس الوقت. إنّ رحيله عن الّليبراليّة يظهر في تفضيله الجماعتيّة على الفرديّة، وإصراره على أولويّة القِيَم على المصالح. تظهر ارتباطاته الّليبراليّة في استخدام نزعتين متعارضتين هما الحرّيّة والنّظام لوصف ضغوطات الحياة الاجتماعيّة البشريّة، وفي اعتذاره المتردّد عن عنف دولة القانون وتأييده. للحصول على مقارنة لافتة، انظر:

Judith, S., “The Liberalism of Fear’ in Liberalism and Moral Life,ed. Nancy Rosenblum (Cambridge: Harvard University Press, 1990)

[2] Cover, “Nomosand Narrative” 4

[3] المرجع نفسه، 5

[4] انظر، Hobbes, Leviathan,184-85. على حد تعبير Shklar: "يمكن القول إنّ الخوف عالميّ كما إنّه فيزيولوجيّ دون قيد أو شرط. ... أن تكون على قيد الحياة يعني أن تخاف ... إنّ الخوف الذي نخشى منه هو الخوف من الألم الذي يلحق بنا من الآخرين بقتلنا أو تشويهنا (“Liberalism of Fear,” 29).

[5] انظر أيضًا:

Michael, S., Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1982)

 

[6] كان كوفر يخشى "أن يتعرّف طلاب القانون على العالم المعياريّ بواسطة الأدوات المهنيّة للرّقابة الاجتماعيّة،" وقد أكّد على أنّ "المؤسّسات الرّسميّة للقانون هي جزء صغير من الكون المعياريّ الذي يجب أن يستدعي اهتمامنا" (“Nomos and Narrative” 4)  انظر أيضًا:

Garet, “Meaning and Ending"

[7] انظر:

Robert, P., “Theories of Constitutional Interpretation” in Law and the Order of Culture

[8] للإطّلاع على مناقشة موقع العقد في الفكر اللّيبراليّ انظر:

Vicente Medina, Social Contract Theories Political Obligation or Anarchy (Savage, Md.: Rowman & Littlefield, 1990)

أيضًا:

Michael, L Social Contract (Atlantic Highlands, N.J.: Humanities Press, 1986)

[9] انظر:

John Austin., The Province of Jurisprudence Determined, “Law as the Sovereign’s Commands” in “The Nature of Law: Readings in Legal Philosophy, ed. M.P. Golding (New York: Random House, 1966)

[10] "إنّ فرض قوّة معياريّة" على شؤون عامّة حقيقيّة أو وهميّة هو كما يؤكّد كوفر فعل لخلق سرديّة. لذلك تُعتبر جميع أنواع السّرديّات التّاريخيّة، والخياليّة، والتّراجيديّة، والكوميديّة (وليس فقطّ القانون) أنّها قضايا شؤون عامّة تعرّضت لمختلف "مجالات القوّة المعياريّة". فكلّ منها بما في ذلك القانون، هو"نموذج" لعالم اجتماعيّ بُنيَ وفُرز وتشكّل وتحوّل من قبل مجموعة مستقرّة نسبيًّا من الالتزامات المعياريّة وتطلّعاتها. وخلاصة القول: "إنّ الرّموز التي تربط نظامنا المعياريّ بالبنى الاجتماعيّة للواقع ولرؤانا لما يمكن أن يكون العالم هي رموز سرديّة"

(“Nomos and Narrative” 10) للإطلاع على مناقشات أخرى عن طبيعة وإمكانيّات السّرديّة انظر:

Robert, S., and Robert Kellog, The Nature of Narrative (London: Oxford University Press, 1966), and Miller, D, A., Narrative and Its Discontents: Problems of Closure in the Traditional Novel (Princeton: Princeton University Press, 1981)

[11] Cover, “Nomos and Narrative” p.5

هذه النّقطة قد تمّ التّسليم بها على نطاق واسع انظر:

“Symposium on Legal Storytelling,” University of Michigan Law Review 87 (1989), pp. 2073-2496

[12]Cover, “Nomos and Narrative” p.5.

[13] المرجع نفسه، ص 9

[14] المرجع نفسه. 9

[15] المرجع نفسه، 11. هنا نسمع مرّة أخرى أصداء فوضوية ل Cover انظر

Cover, “Folktales of Justice” p.181.

[16] واصفًا موقف كنيسة مينونت بوصفها لا كاثوليكيّة ولا بروتستانتيّة

Mennonite Church in Bob Jones University v. U.S. (103 S. Ct. 2017 1983)

يزعم كوفر أنّ "ضمن نطاق المعنى الدّستوريّ فإنّ فهم ال Mennonite يفترض وضعا يساوي أو أعلى من ذلك الممنوح لفهم قضاة المحكمة العليا. في هذا المجال من المعنى فإن جماعة ال Mennonite قد خلقت قانونًا على أكمل وجه كما يفعل القاضي" (Nomos and Narrative,” p.28)

[17] يعرض كوفر هنا تعاطفه مع التّعدّديّة القانونيّة الجذريّة، انظر:

Merry, S., ‘‘Legal Pluralism’’ Law and Society Review 22, 1988, p869.

وأيضا:

Griffiths,J., ‘‘What Is Legal Pluralism?’’ Journal of Legal Pluralism 24, 1986, p.1.

[18] Cover, “Nomos and Narative,” 6

[19] المرجع نفسه 40. للإطلاع على وجهة نظر مختلفة جدًّا حول نفس المشكلة انظر:

Martin Shapiro, Courts (Chicago: University of Chicago Press, 1981)

[20] Cover, “Nomos and Narrative” p.12

[21] المرجع نفسه، 53

[22] Cover, “Violence and the Word” 1602, note 2

[23] Cover, “Nomos and Narrative” p.18

[24] للإطلاع على دراسة عميقة وغنيّة عن  طبيعة التّوتّرات بين طروحات كوفر واللّيبراليّة  انظر:

Sherwin, “Law, Violence, and Illiberal Belief”

[25] انظر Unger, Roberto., Knowledge and Politics, New York, Free Press, p.1975

[26]  انظر

Foucault, M., Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writtings, 1972-1977, trans,Colin Gordon. (New York: Pantheon, 1980(

[27] Cover, “Nomos and Narrative” p.53

[28] قدّم كوفر تفصيلا لهذا العنف في “Violence and the Word”

[29] يظهر العنف المنسّق والخاضع للانضباط من خلال الأفعال والقرارات التّفسيريّة للقضاة، فالقضاة من هذا المنظور الدّاخليّ لكوفر في تحرٍّ وفحصٍ يجعله إنجازًا له أهمّيّة اجتماعية كبيرة. يضغط الوعي بالحاجة إلى تنظيم ومراقبة العنف بدوره على الأنشطة التّفسيريّة للقضاة الذين يجلسون على "هرم العنف" كما دعاه كوفر انظر:

(“Violence and the Word” 1609)فيتحوّل التّفسير ويصبح مختلفًا بوجود العنف كما عبر عن ذلك بالقول: "يجري التّفسير القانونيّ في حقل الألم والموت". (المرجع نفسه، 1601). "يحدث التّفسير القانونيّ على ساحة المعركة بل إنّه جزء من معركة تنطوي على أدوات الحرب والشّعر. في الوافع إنّ القانون الدّستوريّ يرتبط بعمق بشكل رئيس بالحرب أكثر من ارتباطه بالشّعر" (“The Bonds of Constitutional Interpretation, 817)، إلاّ أنّ عنف القانون ليس مجرّد قضيّة تفسير؛ إنّه بالإضافة إلى ذلك مسألة تنظيم اجتماعيّ، ومسألة تنفيذ القرارات القضائيّة، ومسألة ترجمة الأوامر إلى أفعال عنيفة.

[30] Cover, “Nomos and Narrative,” p.53

"يرى كوفر أنّ قانون الدّولة ومن خلال قوّته المتفوّقة يقوم بإيقاف الإبداع التّأوليّ للمبدأ المنتشر في جميع أنحاء المجتمع" (“Nomos and Narrative,” 44)

ويرى ستنانفورد ليفنسونSanford Levinson  أنّ كوفر في هذه الفقرة  يكتب عن عنف "مجازيّ بكلّ بساطة" انظر:

Levinson, “Conversing About Justice” Yale Law University 100 (1991): 1855, 1865

[31]over, “Nomos and Narrative,” p.68

[32]“Nomos and Narrative” p. 48)

[33] يوضع القانون في أشدّ تجاربه عند مواجهة القضاة لالتزامات المقاومين المعياريّة، وعند العصيان المدنيّ، وعند وجود أفراد من مجتمعات معيّنة على استعداد للمعاناة بسبب معتقداتهم. فعند مواجهة هذه الاختبارات والطّعن فيما لديهم من وهم التّفوّق المزعوم لتّفسيراتهم الخاصّة، فإن القضاة يلجأون إلى تبريرات عقلانيّة لنشر العنف، وهو ما يسمّيه كوفر "مبادئ الاختصاص القضائيّ" (“Nomos and Narrative” 55). وتوفر هذه المبادئ "اعتذارات عن الدّولة نفسها وعن عنفها" (المرجع نفسه، 54). بالتّالي فإنّهم يبالغون في رأيه في تقدير السّلطة والنّظام، ويقلّلون من تقدير المعنى والحرّيّة (انظر “Folktales of Justice” 180-81 ). ترتكز مبادئ الاختصاص القضائيّ على خوف عميق من الخلافات والمشاكل التي تخلق الاختلاف، ونتيجة لذلك فهي تعزّز مبادئ الانغلاق وتبرّر التّعصّب تُجاه الرّؤى المعياريّة المغايرة للاتزامات المنصوص عليها في قانون الدّولة. إنّ الاختصاص القضائيّ هو وسيلة لتجنّب المشاركة المعياريّة؛ فهو يسمح للقضاة بأن يفصلوا أنفسهم عن العنف الذي يأذنون به، ويتجنّبون قياس قوّة التزامهم بالعنف في مقابل الاقتناع بفهم القانون. لذلك يعتقد كوفر أنّهم يختلفون، وأنّهم لعزوف عن ممارسة التزاماتهم التّفسيريّة هم في الغالب أقلّ شأناً من المقاومين الذيين يعرّضون أنفسهم للمعاناة والموت في سبيل معتقداتهم..

[34]Cover, “Nomos and Narrative” p.40

[35] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” Law’s Violence in Austin Sarat and Thomas Kearns [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992] p. 141

[36] Cover, “Nomos and Narrative” 16

[37] المرجع نفسه، 60

[38] المرجع نفسه

[39] المرجع نفسه

[40] انظر، Shklar, “ The Liberalism of Fear”

أيضًا،  Unger, Knowledge and Politics

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5022 المصادف: 2020-06-05 04:08:18