 أقلام فكرية

مكانة الدين في الجمهورية (5): جمهورية الدين المدني

علي رسول الربيعيإشكالية الدين المدني (في الفلسفة الجمهورية الغربية)

ليس فكرة الدين المدني حصرية بالفلسفة الجمهورية، بل هي في الواقع، تمت صياغته ودعمه باشكال مختلفة من وجهات نظر محافظة ورجعية وليبرالية مختلفة. حتى نيتشه اقترح صيغة منه.[1] لم تنته المناقشات حول مضمون ونطاق الدين المدني الى أيأتفاث أو توافق في الآراء. فقد تعامل مفكرون مختلفون، من منظور تجريبي اجتماعي مقارن، مع أصناف أوروبية وآسيوية من الدين المدني تتأرجح بين التعريفات القصوى والحد الأدنى له.[2] ركز روبرت بيلاه بدوره، مثلا، بشكل رئيسي على الحالة الأمريكية، وذهب إلى حد القول بأن " جميع المجتمعات المنظمة سياسياً لديها نوع من الدين المدني".[3] يعتمد تحديد فكرة الدين المدني في الفلسفة السياسية، على المُثل السياسية لكل مدرسة فكرية. يكون الدين مدنيًا من وجهة نظر الجمهورية، عندما يدعم ويغذي الرغبة الجمهورية في: مشاركة المواطنين بحرية جماعية، عدم السيطرة، الفضيلة المدنية، اولسعي وراء الصالح العام، الخ). يحدد نوع الجمهورية والسياق السياسي والديني صياغة نماذج مختلفة من الدين المدني. استلهم المفكرون الجمهوريون من الناحية التاريخية، في التقاليد الغربية، من التجربة السياسية الدينية في اليونان وروما القديمة. وخصوصية هذا السياق أن الديانات اليونانية والرومانية كانت مدنية، بشكل عام .[4] كانت التجربة الدينية التي تركزت على إيمان داخلي وحقيقي بإله واحد متعال كليًا غريبة إلى حد كبير عن الرومان والإغريق. فقد كانت تجربتهم "مدنية وجماعية وعامة" في طبيعتها[5]: وكانت التجربة الدينية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدستور وإدامة المجتمع السياسي بالإضافة إلى توطيد الروابط بين المواطنين. يشرح الفيلسوف والسياسي البارز شيشيرو تداخل الدين والسياسة في روما الجمهورية قائلاً:

لا شيء أكثر شهرة، من بين العديد من المؤسسات التي أنشأها أسلافنا وأقاموها تحت إلهام الآلهة، من قرارهم بالالتزام الرجال أنفسهم سواء في عبادة الآلهة أو رعاية مصالح الدولة؛ وكانت النتيجة أن أكثر المواطنين اللامعين قد يضمنون التمسك بالدين من خلال الإدارة المناسبة للدولة ودعم الدولة من خلال التفسير الدقيق للدين.[6]

تبدو وجهة نظر شيشرون قديمة بالنسبة للأنسان المعاصر الذي اعتاد على مبادئ الفصل بين الدين والدولة ، وحياد الدولة أزاء الأديان . لكن من المهم أن نأخذ في الاعتبار مدى اختلاف الدين الروماني عن التوحيد المألوف السائد في العالم اليوم. فلنا ان ننظر كيف أدخلت الأديان التوحيدية، ونحن هنا في سياق الغربي تحديدا كيف أدخل التوحيد المسيحي من خلال إعطاء الأولوية للخلاص على الأمور الدنيوية، انقسامًا جذريًا بين الخلق والتعالي، والحكم الذاتي الجماعي والسيادة الإلهية، والتدين الخارجي والإيمان الداخلي. كانت المشكلة السياسية الرئيسية في تاريخ الجمهورية الغربية (وما تزال) ما يلي: هل المسيحية ممكنة كدين مدني؟ اعتمادًا على كيفية تداخل التقاليد المسيحية المختلفة في سياقات مختلفة من الدين والسياسة، والمسائل الأرضية والسماء، تلقى هذا السؤال إجابات مختلفة. هناك طيف من المواقف بين نموذجين متعارضين في الجمهورية الحديثة: النموذج الذي يركز على الدولة ومعادي للمسيحية وهو مستوحى من جان جاك روسو؛ والنموذج الديمقراطي والاجتماعي التعددي المستوحى من الكسيس دي توكفيل.

فبالنسبة الى روسو، أن الجواب على السؤال "هل يمكن للمسيحية أن تدعم الممارسة الجمهورية؟" هو مباشرة وقطعا: لا. جادل روسو، في الفصل الأخير من كتابه: العقد الاجتماعي، بأن المسيحية لا يمكن أن تكون دينًا مدنيًا ، واقترح روسو استبدال "المسيحية - دين العبيد الذي يقوض ممارسة المواطنة النشطة- بدين جديد يعزز الفضيلة والمشاركة السياسية. أدعى أن هذا الدين مستوحى من الدين المدني القديم، وعكست رؤيته في العقد الاجتماعي لاهوتًا سياسيًا يركز على العقائد والعداء تجاه الاختلاف بدلاً من نموذج الدين الروماني واليوناني. لقد تم بالفعل تنفيذ وجهة نظر روسو لدين مدني للدولة خلال الثورة الفرنسية في تجربة غريبة الأطوار. فقد شهدت هذه الدولة تحويل العقل إلى إلًه واصبح روبسبير كاهنها الأعلى. كانت هذه التجربة من أعراض المسار المعقد للجمهورية الفرنسية اللائكية ( العلمانية) وعلاقتها المتناقضة بالكنيسة الكاثوليكية، في كسرها وتقليدها مرة واحدة.[7] وبالتالي، ليس من المستغرب أن تعتبر اللائكية النموذج المركزي ، على الرغم من ادعائه الحياد تجاه الأديان، وشكلاً من أشكال الدين المدني الذي يرفع من صورة المواطنين والدولة التي تتجاوز الخصائص الدينية الثقافية لأعضاء المجتمع السياسي.

وعلى عكس هذا النموذج الذي تقوده الدولة من الدين المدني المعاكس للديانات التاريخية، هناك محاولة للجمع بين الجمهورية الحديثة والمسيحية. تتمثل هذه المحاولة في الرؤية الفدرالية واللامركزية لجمهورية الآباء المؤسسين – في أمريكا- للتوفيق بين الحقوق الطبيعية والله والتنوير والبروتستانتية.[8] يواصل توكفيل هذا الخط من التفكير بأدوات مختلفة. لم يتحدث توكفيل عن الدين المدني الاً أنه قدم رؤية تعبر نموذج، لا يزال مؤثرًا وهو أن: المسيحية تدعم نظامًا للحرية يكرس بشكل أساسي دستور الأخلاق الاجتماعية الديمقراطية. يسلط توكفيل الضوء، في تناقض صارخ مع روسو، على مزايا الفصل بين الدولة الفيدرالية والدي ، بالإضافة إلى مزايا التعددية الدينية والمشاركة في تعزيز الروح المدنية وتخفيف الفردية والمادية. يعتقد توكفيل أن الروح الدينية الأمريكية هي قوة متنوعة وليس مجرد وسيلة وتعددية تعمل على تحريك المجتمع المدني ولها وظيفة أساسية في الديمقراطية: حاجز بين الفرد المستقل وقوة الدولة.

يتعامل توكفيل مع الدين - على عكس الدين الطبيعي - كخير حيوي للمجتمع وللمواطن كإنسان، وليس مشكلة سياسية يجب حلها أو احتواؤها. فالدين أمر حيوي لكل مجتمع سياسي، ولكن بشكل خاص للمجتمع الديمقراطي.[9] ويجب أن يعتبر الدين من مؤسساتهم السياسية"،[10] أيً الأمريكيين. أنه يؤثر على السياسة بشكل غير مباشر من خلال توجيهاته وارشاداته، وهو السبب الأكثر أهمية للحفاظ على جمهورية ديمقراطية في الولايات المتحدة.

لقد فقد النموذج الروسوي للدين المدني للدولة، إلى جانب عداءه تجاه التعددية ، قدرًا كبيرًا من جاذبيته في الفكر السياسي المعاصر. بينما ظل فهم توكفيل التعددي للعلاقات بين الدين والسياسة مؤثرًا لدرجة أن مدارس الفكر المختلفة - الليبرالية أو الجمهورية أو المحافظة - تعتبر توكفيل من تراثها الفكري الخاص.[11] يقترح موريزيو فيرولي لصيغة من الدين المدني أقرب، بعبارات عامة، إلى القطب التوكيفيلي من الطيف. أنه يعود إلى فترة عصر النهضة قبل توكفيل من أجل بناء تفسيره لأهمية الدين بالنسبة للجمهورية. وهذا ما سنتناوله لاحقاً.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Beiner, R. (2011) Civil Religion. A Dialogue in the History of Political Philosophy.

[2] Markoff, J. and Regan, D. (1981) " The Rise and Fall of Civil Religion: Comparative Perspectives", Sociological Analysis 42(4): 333- 352.

[3] Bellah, R .N . (1974) "American Civil Religion in the 1970s", in Richey, R.E. and Jones, D.G. (eds) American Civil Religion. New York: Harper and Row: 255-272. 257.

[4] Veyne, P. (1988) Did the Greeks Believe in their Myths? An Essay in Constitutive Imagination. Chicago, IL: University of Chicago Press.

Smith, S.D. (2014), The Rise and the Decline of American Religious Freedom, Harvard, MA: Harvard University Press

[5] Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy". Available online at http:/ / sec ularbuddhism. org/ 2015/ 01 /27 /the-buddha-and-blasphemy/ (last accessed 11 December 2016).

[6] Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy".

[7] Gauchet, M. (1999) The Disenchantment of the World. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[8] Owen, J. J. (2014) Making Religion Safe for Democracy: Transformation from Hobbes to Tocqueville. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[9] م،ن، ص 116 .

[10] الكسي دي توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة أمين مرسي قنديل، القاهرة، عالم الكتب، ط 4 ، 2004

[11] Nisbet, R. (1986) Conservatism: Dream and Rea lity. New Brunswick and London: Transaction Publishers.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5058 المصادف: 2020-07-11 03:07:13