 أقلام فكرية

بيركلي والادراك العقلي

علي محمد اليوسفيذهب جورج بيركلي (1685 – 1753) وهو فيلسوف ايرلندي من اصل انكليزي الى (أن وجود الشيء هو أن يكون مدركا في جميع الحالات، الا عندما يكون الوجود هو الادراك)1.

عبارة بيركلي هي نوع من الادراك الذاتي المثالي الذي يلغي الوجود واقعا ماديا حقيقيا مستقلا خارج الادراك الحسي العقلي. فهو يعتبره أما أن يكون شيئا مدركا صوريا تجريديا فكريا في الذهن، وأما أن يكون الوجود هو الادراك بذاته بلا ذات انسانية تدركه. أي أن ادراك الوجود لذاتيته هو ادراك الذات لنفسها ولا يكون مهما ارتباط الادراك بالعقل. وهنا يسقط بيركلي في حفرة الاوهام بفارق جوهري هو أن الوجود لا يمتلك أمكانية ادراك ذاته بذاته. كل الكائنات الارضية لا تمتلك ذاتا ادراكية تعي نفسها ولا المحيط بها كما لا تمتلك عقلا هو سيّد التفكير الادراكي للذات والطبيعة. الوجود مفهوم تجريدي عام ميتافيزيقي يستمد ماديته المعرفية من أدراكات المنظومة العقلية لموجوداته الداخلية فيه كمحتويات مستقلة بذاتها.

بمعنى ما يدركه العقل هو الوجود وما لا يدرك غير موجود خرافة وهمية لا يقول بها اليوم ابسط الناس المتعلمين. ولا يحدد بيركلي حين يكون الوجود هو الادراك بدلا من ذاتية الادراك العقلي، كيف يدرك الوجود ذاته وبدلالة ماذا غير ادراك العقل للوجود من حوله؟ وكيف يكون الادراك هو التفكير الذهني، وكيف يكون الوجود هو موضوع العقل الادراكي.؟ اذ كيف نستطيع تمييز ادراكنا الاشياء بالاحساسات المادية، في وقت يكون الوجود الخارجي هو ادراك العقل ذاته كموضوع مستقل لا يحد موجوداته اللانهائية ادراك العقل ولا حاجة لذلك؟

وهنا نؤكد مسألتين على خطل رأي بيركلي أن يمتلك الموضوع ادراكه معه الذي يجمله بالعبارة التالية أن ماهو موجود أما أن يكون مدركا بذاته أو أن يكون مدركا بدلالة غيره الذي هو الله ، وادراك الله للوجود كافيا أن يعجز عقل الانسان ادراكه:

- الموضوع لا يدرك نفسه ذاتيا والا فارق خاصية أن يكون موضوعا لغيره، ولأصبح الموضوع لا يحتاج أدراكا مغايرا من ذات مغايرة له هو لا يمتلكها...الذات التي تدرك نفسها بنفسها لا تتحقق الا بدلالة العقل وهو ما ينطبق على الانسان دون غيره من موجودات الوجود. التي اذا افترضنا انها تمتلك ذواتا مستقلة فهي تكون عاجزة عن ادركها لذاتها بلا عقل هي لا تمتلكه.

كما أن فرضية ما لا يدركه الانسان كفيل بادراكه الله لا يحل المشكلة فما يدركه الله ليس ضروريا ولا حتميا ادراكه من قبل الانسان حتى في حال قبول هذه الفرضية الخاطئة اساسا أن ادراك الله الاشياء هو تعويض كاف عدم ادراك الانسان لها.

- كل موضوع مدرك من ذات مغايرة له لا يكون عقلا لادراك ماهيته الوجودية كذات فهي لا تدرك ذاتها ولا تدرك وجودها بغياب عقل يدركها.. وهو ما ينطبق حتى على الانسان. فهو ذات وموضوع معا ولكن ادراكه لنفسه كذات مستقلة لا تتم بدلالة الموضوع المغاير لذاته بل بدلالة وعيه لذاته بعقله.، وكل ذات لا تمتلك عقلا تفكيريا لا تستطيع وعي ذاتها بذاتها كمدرك لا تعيه. أما الموضوع يكون مدركا بدلالة ذات مغايرة نوعيا له. ولا يوجد غير الانسان موضوعا يدرك ذاته بذاته. وهو ما لا ينطبق على موجودات الطبيعة وموجودات العالم من حولنا.

-  هل الادراك العقلي لموضوع الادراك بذاته يغني عن عدم ادراك الوجود خارج ادراك الذات لموضوعها المتعيّن وجودا دون غيره؟ بمعنى هل يعقل الوجود نفسه بعقل ذاتي منفرد لا يلتقي ولا يشابه عقل الانسان؟ وهذا يعني وعي الذات لنفسها هو ادراك الوجود لذاته وليس من وجود غيره يشغل الادراك العقلي به. وهل أغفال أدراك الوجود بموجوداته غير المدركة تكون كافية ومجزية للادراك العقلي الذاتي أن لا يشغله سوى الوجود نفسه كمدرك متعين بموضوعاته وليس كمفهوم غير متعين مجرد لا تدرك موجوداته الا بدلالة غيره؟ عندما يكون وعي الذات لنفسها هو الوجود بدلا أن يكون الوعي الخارجي هو برهان ادراك الذات؟ بمختصر العبارة يرى بيركلي أن عدم الحاجة للعقل الانساني أدراكه الوجود ، أنما يكون في ادراك الوجود من عقل اسمى وأرفع من عقل الانسان الناقص المحدود ذلك هو ادراك الله له. فعندما لا يدرك شخصا أو أكثر لموجود، فوجود ذلك الموجود انطولوجيا يتحقق بادراك الله خالقه له. وهذا النوع من ادراك الوجود هو الحقيقي والصالح بالحياة.أن ابسط رد على تخطئة بيركلي هو أن قضايا الوجود المادي في الطبيعة والانسان لا تحل بالاستعانة بمنطلقات فكرية ميتافيزيقية تصادر تفكير العقل المعرفي.

-  في مقابل هذه المثالية الفردية التي ترى الوجود هو ادراك عقلي ذاتي وليس ادراكا وجودا واقعيا مدركا مستقلا في عالم الموجودات والاشياء ، نجد من يذهب ماديا الى عدم وجود فكرة مجردة عن شيء لا يسبقها الوجود المادي الواقعي لذلك الشيء. والوجود الحقيقي للاشياء هو الذي يعطي الافكار حضورها، فالفكرة بلا موجود تعبّر عنه لا معنى لها ولن تكون حاصلة صادرة عن منظومة العقل الادراكية. وحتى الادراك على صعيد التفكير الخيالي يكون خيال الموضوع القبلي المستمد من الذاكرة سابقا على فكرة التعبير عنه بالكلمات التجريدية واللغة. .

يرى بيركلي الذهن هو عماد توصيل الادراك الشيئي للموجودات، والذهن عنده هو غير العقل، ومدركات الاشياء هي ذهنية قبل أن تكون عقلية. لكي نبسط هذا التداخل الفسلجي وعلاقته بادراك الوجود تحليليا لا بد لنا أن نذكر الادراك العقلي هو منظومة كاملة متداخلة في تعقيد وظائفي يتوجب تفكيكه وتخليصه من علاقته الازدواجية بالعقل من جهة وبموضوع الادراك من جهة أخرى.. فالادراك المادي للاشياء يبدأ بالاحساسات المنقولة عن الحواس بواسطة الجهاز العصبي الذي يستودع تلك التجريدات الحسية في الذهن علما أن الذهن لا يرتبط تفكيريا عضويا بمنظومة الادراك العضوية للعقل كوجود فيزيائي متعين يبدأ بالحواس ثم الاحساسات ثم الذهن فالجهاز العصبي ثم الدماغ. بل علاقة الذهن بالعقل او تحديدا بالدماغ هو علاقة تكافلية بفهم المدركات ويختلفان بالنوعية البيولوجية فالدماغ الذي هو الجزء الفاعل بالتفكير العقلي والادراك هو عضو بالجسم يشبه باقي الاعضاء مثل القلب والعين واليد وهكذا مما لا ينطبق على الذهن كمستودع استكمال وظيفة الدماغ والوعي في ادراك الاشياء ومقولة بيركلي الذهن ليس هو العقل صحيحة تماما. ليس بفارق الوظيفة الادراكية فقط بل بفارق التكوين البايولوجي لاعضاء الجسم التي لا تترابط عضويا مع الذهن كما في ارتباط الاعصاب، فالذهن ليس عضوا بايولوجيا من تكوينات اعضاء الجسم. بل هو حلقة توظيف بايولوجي لا يشكل موضوعا مدركا من العقل شأنه شان الزمان واللغة والتفكير والعواطف والاحاسيس وغيرها هي تجريدات للفكر وليست اعضاء مادية تنتمي لمنظومة جهاز الادراك العقلي الذي يتكون من اعضاء بيولوجية وليس من تجريدات متعالقة بها..

الذهن هو حلقة ازدواجية متعاكسة يتوزعها اتجاهان في توصيله تفكير الدماغ مصدره أحساسات العالم الخارجي من جهة واستقبال الذهن مخرجات التفكير العقلي التجريدي الصادرعن مقولات الدماغ في تفسيره مواضيع الادراك من جهة اخرى.... الذهن يدخل بدوره تلك الموجودات الخارجية التجريدية تصوريا في توسيله الاحساسات الانطباعية المنقولة له عن العالم الخارجي في علاقة جدلية مع الدماغ يجسّرها الجهاز العصبي في توصيل الفعل للدماغ واستقبال رد الفعل منه.

والذهن لا يمنح المخرجات الدماغية تفسيرها ومعنى ادراكها لموجودات العالم الخارجي ليس بدلالته الذاتية وانما بدلالة تفسير الدماغ لها..بمعنى الذهن وسيلة توصيل وليس وسيلة فهم وتفسير للمدركات. وهذه الحقيقة الفسلجية يوجد من ينكرها حين يعتبر الذهن هو تفكير الدماغ أو العقل بمدركاته، ولا يختلف وظيفيا في منظومة الادراك العقلي عن الوعي الذي هو بدوره تفكير مجرد مصدره العقل...فكلاهما الوعي والذهن لا يرتبطان بعلاقة عضوية بمنظومة الادراك العقلي لكن لا يمكن أستغناء العقل عنهما في ادراك وفهم الوجود كحلقتي توصيل ادراكي واسترجاعي ولا تكونان موضوعين يدركهما العقل ماهويا أو بالصفات.

هذه العملية التي أوجزناها ببساطة أختزالية تطرح علينا مجموعة من علامات الاستفهام والتساؤلات المشروعة، منها هل ينوب الذهن عن الوعي في منظومة الادراك العقلية ؟ هل الوعي ماهية غير مدركة بالنسبة للعقل هي نفسها ماهية الذهن كونها غير مدركة موضوعا عقليا مستقلا ايضا؟ وكيف يتم التمييز الوظائفي بين الاثنين الوعي والذهن؟ ونحن اذا حاولنا جعل كلا من الوعي أو من الذهن موضوعا يدركه العقل نقع في اشكال كبير هو كيف أجاز بيركلي لنفسه اعتبار الوجود بموجوداته الكلية هو ادراك ذاتي قائم منفردا لا يحتاج العقل لادراكه؟ حين جعلنا كلا من الوعي والذهن حلقتين في منظومة الادراك لكنهما ليسا موضوعين منفصلين يدركهما العقل.. كيف نجيز أمام هذه الاستحالة أن الوجود كاملا اذا ما تعذر ادراكه المادي يصبح هو موضوع العقل الادراكي ذاتيا في الذهن المجرد عن الواقع؟ وبأي آلية يتم ذلك ؟ هل تكفي الاحساسات تزويد العقل ما يرغبه العقل من معرفة ما تنقله له الحواس عن المدركات والاشياء؟ بعيدا عن مفردات الذهن والوعي غير الفيزيائية في نظام تشكيل الادراك العقلي.

الحقيقة البايولوجية العضوية المتماسكة التي تضم مجموع حلقات منظومة الادراك العقلي تضعنا امام استحالة الاستغناء عن وظيفة حلقة واحدة من تلك المنظومة المترابطة ادراكيا كوسيلة العقل الدخول في وعي العالم الخارجي جدليا تخارجيا. فوظيفة الذهن أو وظيفة الوعي لا يقلان أهمية عن الاحساسات المنقولة عبر الجهاز العصبي للدماغ بيولوجيا في وقت يكون الوعي أو الذهن مدركات عقلية تجريدية غير عضوية وليست مواضيع يدرك حقيقتها الماهوية العقل لا مواضيع ولا أعضاء بيولوجية تدخل في تركيبة عمل الدماغ الفسلجية كما هو الحال مع الجهاز العصبي.

لا يمكننا تمرير عدم صحة أن الوعي هو الذهن وكلاهما حلقتان مرتبطتان في منظومة العقل الادراكية. فالوعي هو غير الذهن اذا ما جاز لنا الفصل بينهما وظائفيا... فالوعي حلقة ناقلة ومستلمة معا للاحساسات غير التحليلية لماهية تلك الاحساسات المعبّرة عن المدركات الحسية المادية تفكيريا، الوعي بهذا المعنى هو ادراك مادي توصيلي للموجودات خارجي، بنفس وقت هو أدراك لمخرجات الدماغ حول الموضوع المدرك داخليا.

بينما يكون الذهن حلقة توسيط العقل بمدركاته ولا ينوب الذهن عن الدماغ في تحليل وتفسير تلك المدركات... الوعي ميزته أنه يدرك الاحساسات الواردة اليه من الحواس عن مدركاتها، ويستلم ردود افعال ومخرجات الدماغ لتكون بالنهاية تعبيرا فكريا لغويا تجريديا لتلك المدركات، وفي كلتا الحالتين لا يكون الوعي موضوعا لادراك العقل لكنه توسيطا وسيليا لادراكه. الحقيقة الاهم اننا لا يمكننا فصل وظائفية الذهن عن وظائفية الوعي في ترابطهما معا ضمن وحدة المنظومة الادراكية للعقل.

من المهم القول أن الوعي لا يكون موضوعا ادراكيا منفصلا لوحده عن العقل، وكذلك لا يمكننا الجزم أن الذهن لا يتداخل وظيفيا في تبادل ادراك العقل له كموضوع استبطاني لا يمكن معاملته بانفصالية ادراكية عن منظومة العقل كاملة وكذا نفس الشيء يكون مع الوعي فهو ليس موضوعا مدركا وحده للعقل منفصلا بل هو حلقة وصل لنقل الادراكات الحسية بدلالة العقل وكذلك هو الذهن.

اذن بماذا يختلف الوعي عن الذهن؟ الوعي ادراك تجريدي مزدوج في استلامه احساسات الحواس خارجيا من الواقع، وفي استلامه ردود افعال الدماغ عنها الصادرة له من تفكير الدماغ بموضوعاته، أذن الوعي حصيلة عملية ادراكية خارجية من جهة واستبطانية من جهة أخرى وكلتا العمليتين هما تجريد وظائفي بمعنى عدم ادراك الوعي موضوعا عقليا ولا ارتباطا عضويا يكون فيه الوعي موضوعا مستقلا للعقل.، بينما يكون الذهن علاقة ترابطية استبطانية مع الدماغ في معرفة وتفسير المدركات الواصلة لهما بعلاقته بوظيفة الدماغ الادراكية. الذهن لا يدرك الواقع الخارجي الا بوسيلة الاحساسات وتوصيلات الوعي لتلك الاحساسات له عبر الحواس ومنظومة الجهاز العصبي. وهو أيضا لا يكون موضوعا للعقل كما هو الوعي. كما لا يمكن فصلنا وعي الموضوع عن أدراكه ذهنيا بمعنى فاعلية أشتغال الوعي والذهن متكاملان في أستقبالهما الاحساسات المنقولة لهما عبر الحواس، ولا قيمة لهما خارج منظومة الادراك العقلي. وكل من الوعي والذهن حلقة توصيل الاحساسات للدماغ وليسا مصدر البت في تفسير تلك الاحساسات المدركة التي هي من وظيفة الدماغ والجهاز العصبي المرتبط به حصرا..

تساؤل أصبح واردا هل يمكننا فصل وعي العقل عن توسيط تفكيرالذهن بالموضوع الواحد؟ من المؤكد أن تكون الاجابة بالنفي. أذن أين يجري تفسير مدركات الحواس بالوعي أم بالذهن والاسبقية لمن؟ نجيب بمقاربة فلسفية عما يقوله تحليلنا الشخصي الفلسفي بعيدا عن علم وظائف الاعضاء الطبيعي، أن تفسير مدركات الحواس والرد عليها أنما يتم في تداخل توسيط الذهن نقل مدركاته في وصاية الدماغ عليه. وعندما نقول بوصاية الدماغ على الذهن وباقي حلقات المنظومة الادراكية للاشياء، كون الدماغ هو الجزء المادي من تكوين العقل الفيزيائي العضوي للانسان... على خلاف كلا من الوعي والذهن فهما حلقتان غير مدركتان ماديا فسلجيا وليسا موضوعين يدركهما العقل ماهويا انفصاليا عن بعضهما كما هو الحال مع تكوين الدماغ في أرتباطه بالعقل الذي هو المشغل الحقيقي في تفسير ومعرفة كل شيء يدركه الدماغ ويستقبله عبر الجهاز العصبي الوارد له ادراكات واحاسيس والصادر منه. بمعنى لا يحتاج تذكير به هوأن الدماغ جزء من العقل الكلي وفي أغلب الدراسات الفلسفية يكون الدماغ هو دلالة عن مقصود مرادف هو العقل وليس الدلالة على جزء منه. كون العقل لا يشغله الدماغ كمحتوى عضوي لوحده فقط...فالدماغ بما يحتويه من أعضاء فسلجية المخ والمخيخ مرتبطة به ومنظومة الجهاز العصبي والنخاع الشوكي والاحاسيس بمجموعها هو ما نطلق عليه العقل الفيزيائي بمعنى العقل المدرك كجهاز من أجهزة جسم الانسان الاخرى مثل جهاز التنفس والهضم والدورة الدموية وعمل القلب والجهاز التنفسي والجهاز العصبي وغيرها.

بيركلي ومنظومة العقل الادراكية

نتساءل ما هو جديد بيركلي حول الادراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين " في أعتبارهما الفكرة والموضوع مختلفان، واثارا اشكالا مهما، هو كيف يمكن للافكار أن تشبه بصورة صحيحة موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست افكارا؟ وقد اتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالواحدية الابستمولوجية وليس الثنائية الابستمولوجية التي قالا بها ديكارت ولوك، اننا ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع،) 2

كما وجد البعض أن بيركلي كان مخطئا(في أعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة، يعني شيئا ذهنيا في حين أن الموضوع ليس ذهنيا على الاطلاق كون الذهن مجرد علاقة قد يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغير على الاطلاق، والنظر لأي موضوع لا يغير منه شيئا.)3

تعقيبنا التوضيحي لهذا التضاد نجمله بالاختصارات التالية:

- ثنائية ديكارت وجون لوك صحيحة اننا ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع، رغم أن حقيقة الادراك لصور الاشياء انما هو تجريد صوري - لغوي يجمع مقولتي الواحدية الابستمولوجية عند بيركلي والثنائية الابستمولوجية عند ديكارت وجون لوك وتوضيح هذا في السطور القادمة.

- حسب بيركلي الذهن لا يقوم بمهمة التفكير الادراكي بل يقوم بمهمة توصيله احساسات الادراكات للدماغ واستلامه مقولات الدماغ الواردة له، وقول ديكارت وجون لوك أن الفكرة تختلف عن موضوعها الذي ليس هو الموضوع بذاته ليس خاطئا، فالادراك الحقيقي للاشياء فكرا تجريديا لا يعبّر تعبيرا تطابقيا عن الموجود في حقيقته، فالاحساسات الصادرة عن الشيء لا يمكنها التعبير عن حقيقة الشيء، والا لما كانت الاحساسات المنقولة تحتاج الانتقال عبر الجهاز العصبي والذهن وصولا الى الدماغ للبت في تفسيرها الذي هو مرتكز فعالية العقل في تحليل وتفسير كل مدرك يصله ويعطي مخرجاته عنه بما أطلق عليه كانط مقولات العقل.

- لا يمكن للافكار المجردة التعبير عن الموضوع الواقعي المدرك تماما. فالاحساسات عن الشيء منقولة عن قصور في كل من الحواس واللغة المعبّرة عنه معا. وهذا التقصير محال الخلاص منه أن الفكرة تمثيل حقيقي صادق تماما بالتعبير عن موضوعه. ولا يتوفر للمنظومة العقلية آلية أخرى تستطيع بها أدراك موجودات الواقع بغير دلالة الافكار الصورية المجردة.

كما أن الشيء المتعين انطولوجيا وصورته التي تدركها الحواس وتعبير الفكر عنها هي دلالة صورية تجريدية عن الشيء ولا بديل افضل منه من الادراك في تجريد الفكر أدراكه موجودات الاشياء في واقعها. أما مدى مطابقة الفكرة مع المدرك في حقيقته فليست ممكنة لسببين ذكرناهما هما خداع الحواس اولا وقصور اللغة التعبير التام عن حقيقة الشيء والالمام به ثانيا. بما يوحي عدم خطأ بيركلي في تعبيره أن الشيء في واقعه ليس هو الشيء في تصوره والتي هي صحيحة.

- قول ديكارت وجون لوك اننا في حالة الادراك ندرك الموضوع الواقعي بالفعل ولا ندرك صورة ذلك الواقع أو الشيء، هو صحيح يحمل محذوره معه اذا اقررنا توافر مشروطية أن حقيقة ادراكنا لأي شيء في الواقع وعلى أية صورة كانت هو ليس يعني ادراكنا ذلك الشيء كما هو في وجوده المستقل في عالم الموجودات الخارجية، كون ادركاتنا لكل شيء بالوجود وفي العالم الواقعي من حولنا هو ادراك صوري تجريدي لغوي في حقيقته.

- لا توجد صورة محسوسة عن شيء لا تعبّرتلك الصورة عن صفاته الخارجية البائنة المدركة. وسببه مناقضة فكرة التعبيرعن تلك الصورة. الاحساسات ومنظومة العقل الادراكية بحلقاتها جميعها لا تتمكن من معرفة الشيء على حقيقته أكثر من الصورة الخارجية المتمثّلة تجريدا تصوريا التي تدركها المنظومة العقلية كصفات وليست ماهية غير مدركة. وبهذا المعيار لا يوجد تناقض سببه الافكار في عدم أستطاعتها التعبيرعن حقيقة الشيء بذاته بدلا من صورته الخارجية بالصفات فقط.

ثم آلية الادراك تقوم على نقل الصفات الخارجية عن الشيء وليس نقل حقيقة ماهية الشيء بذاته ولا توجد آلية ادراكية متاحة غير هذه. لذا يكون بيركلي صائبا وليس مخطئا أعتباره ادراك صورة الشيء هو ادراك الشيء كما في وجوده المستقل في عالم الاشياء وليس كما نريده أن يكون في حقيقته الذهنية. هذا التفسير الذي ذهبنا له يؤكده كانط وهوسرل في منهج الفينامينالوجيا.

- كذلك قول بيركلي الموضوع المدرك ليس ذهنيا لم يكن مخطئا ايضا. بأعتبار الذهن حسب العبارة الواردة لنا قبل اسطر هو علاقة توسيط وليس ماهية تفكير يتساوى فيها الذهن والوعي والدماغ بوظيفة واحدة معا بنفس الاهمية الفيسيولوجية. العبارة التي مررنا سابقا بتثبيتها تذهب الى تاكيد ذلك بأن المواضيع التي تدخل الذهن تخرج منه كما هي لم يطرأ عليها أدنى تغيير أو تبديل. فماذا يكون الذهن أذن؟ غير أنه توسيط نقل المدركات التي ترسلها المحسوسات اليه عبر الجهاز العصبي ليقوم بايداعها في الدماغ. وهو الارجح بدلالة أن رقابة الدماغ عقليا على جميع حلقات منظومة الادراك العقلية لا تكون خارجة عن مهام تفكير العقل بمواضيع أدراكه.

الذات في مثالية بيركلي

يعتبر بيركلي(الانا) أوالذات المدركة للاشياء محورا ارتكازيا في ادراك الموضوعات والموجودات والاشياء من حولنا، والمدركات التي لا تكون الانا مرتكزا بها لا يمكننا ادراكها كما وليست موجودة باستقلالية في العالم الخارجي، والمدركات التي لا تزامنها وتحتويها الذات لا قيمة وجودية لها في الواقع.

هذه المثالية المفرطة في الغاء الوجود الذي لا تداخله الانا أو الذات، لا تغير من حقيقة وجود العالم من حولنا كواقع مستقل سواء ادركناه أم لم ندركه، ولا يتوقف وجود الاشياء في استقلاليتها على ذات تلزم الموجودات المزامنة الاحتوائية معها كي تكون مدركا واقعيا. فتخطئة مثل تلك الافكار الفلسفية أصبحت من مهملات دراسة ادراك الوجود.لكن ما يهمنا خارج مناقشة هذه الاخطاء حول الادراك هو أن بيركلي يعتبر الذهن مصدر التفكير في مصادرة وظائف حلقات الادراك العقلي المترابطة العديدة. وناقشنا ذلك بمقارنة وظائفية ما هو عمل الذهن وبماذا يختلف عن كل من الوعي وعمل الدماغ في الادراك.

أن افضل الفروضات مقبولية هو أن الذهن كحلقة ضمن منظومة الادراك هو ليس عضوا بايولوجيا وأنما هو حلقة ادراك حقيقية وظائفيا ادراكيا لكنها مجردة عن ميزتين الاولى أن الذهن ليس هو مستودع التفكير في المدركات ولا يمتلك خاصية الدماغ في الحكم على مدركاته.، والثانية أن الذهن حقيقة افتراضية تجريدية بلا ماهية ولا صفات يدركها العقل كموضوع ...وأهمية الذهن هي أهمية كل الموضوعات التي نتعامل بها تجريدا فلسفيا لكنها في حقيقتها الجوهرية ليست موضوعات مدركة عقليا وأنما هي موضوعات أستدلال تجريدي في معرفة غيرها من موضوعات فقط.. الذهن قيمته الوظائفية الاستدلالية أنما هو حلقة تداخل مع بعض أجزاء عضوية من تركيبة الدماغ في معرفة وتفسير مدركات العقل. .

من غير المتاح المقبول أن نجعل من تفكير الذهن بديلا حقيقيا عن تفكير مناطق محددة بتركيبة الدماغ. بل من الاحتمالات الواردة أن يكون الذهن هو مستودع مخرجات تفكير الدماغ وترجمة تلك المخرجات من قبل الذهن في خلق الوعي الفكري التعبيري عن تلك المدركات لغويا. هنا ننجر قسرا الى التباس تعالق كلا من الذهن و (الذاكرة) في عمل الدماغ، فاذا ماكان الذهن مستودع تفكير الدماغ، فما هو وأين يقع مستودع الذاكرة كوحدة وحلقة في منظومة الادراك العقلي بأرتباطه بعمل التخليق الادراكي للدماغ في تعبيره عن مخرجاته؟

من غير الدخول في تفاصيل علم وظائف الدماغ التي أصبحت اليوم حقائق تركن الفلسفة جانبا كما سبق للعلم أن يركن الدين من قبل جانبا، يمكننا التمييز بين تعالق الذهن بالدماغ أنما يقوم على تفسير مدركات الواقع الخارجي المادي المدرك ، بينما تبقى علاقة الذاكرة بالدماغ هو على مستوى (الخيال) لموضوعات تستحدثها الذاكرة من مخزونها الخيالي الكبير جدا، ويكون تعالق الذاكرة بالدماغ على مستوى التفكير بمواضيع خيالية لا وجود واقعي لها في عالم الموجودات المحسوس. ويكون البت بمخرجات الدماغ عنها ينتظم الجهاز العصبي وصولا الى تشكيل الوعي حول الموضوع، ولا يمكن أن يكون بهذه العملية الادراكية لموضوعات الخيال من الذاكرة المرور بمرحلة الادراك الذهني لها الا فقط على صعيد تشكيل الوعي بمخرجات الدماغ.، فقد أستمد الذهن والذاكرة مخرجات الدماغ النهائية عن المدركات العقلية في التقائهما بصناعة الوعي التعبيري عنها. بهذا المعنى يكون فرق الذهن عن الذاكرة هو في فرق الموضوع اذا كان ماديا خارجيا، أو يكون الموضوع بالذاكرة استبطانيا خياليا. ولا يلتقي الذهن بالذاكرة الا على مستوى تشكيل الوعي بالاشياء بدلالة العقل لهما.الحقيقة التي لا يمكننا العبور من فوقها أن نتصور تفكير الذهن بديلا عن تفكير الدماغ في أعطائه مقولاته النهائية ومخرجات التفكير في المدركات. والحقيقة التي تصدم التلفيقية حول مساواة مهمة تفكير الدماغ مع نفس تفكير الذهن ليس في تلازمهما الوظائفي بل في أختلافهما الفيزيائي – الفيسيولوجي. هو أن الدماغ عضو بيولوجي من أعضاء جسم الانسان الاخرى وهذا ما لا ينطبق على ماهية الذهن أطلاقا كتجريد ادراكي معرفي لا عضوي في تكوينات الدماغ. الدماغ جهاز عضوي معقد في تركيب الجسم يضطلع بمهام خاصة لا يمتلكها أي جزء من أجزاء جسم الانسان العضوية منها وغير العضوية، بخلاف الذهن أنه وسيلة تفكير توصيل مخرجات الدماغ الى الوعي والفكر وتعبير اللغة عنها. خلاصة في كلمتين الذهن لا ينوب عن الدماغ في التفكير العقلي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش

1- وليم رايت/تاريخ الفلسفة الحديثة ص 189.

2- نفسه ص 199

3- نفسه ص 200

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5154 المصادف: 2020-10-15 12:25:07