 أقلام فكرية

سامي عبد العال: اليوم العالمي للفلسفة: أين نحن؟!

سامي عبد العاللا يُجسد العنوان احتفاءَ العالم بإبداعٍ مهمٍ فقط، لكنه يتركُ تساؤلاً إزاء الموقف منه: أين نحن تجاه كل ما يجري؟ ولئن كان ثمة اهتمامٌ كوني بالفلسفة، فهي كذلك بمقدار الاسهام الحقيقي فيها، لا مجرد التلهي بإنتاج الآخرين كبضائع رمزية عابرة للقارات. لقد درجنا على جَلب الأفكار من هنا وهناك على اتساع خريطة العالم. وحولنا المجتمعات العربية إلى اسواقٍ لمُعلبات العقل الغربي، فضلاً عن استيراد أساليب التفكير ونظرياته، فأضحت المذاهب الفلسفية ماركات عالمية تزخرف رؤوس العرب والمسلمين!!

وجه الطرافة أنَّ الوضع الفكري أمسى مثل الطربوش الشرقي والقلنسوة القديمة والعمامة المصرية ولفة العمامة السودانية والعقال الخليجي والشنَّة المغربية تُلبس من باب الزينة. أي أضحت الأفكار مثل غطاء الرأس المستعار كعلامة على الخُيلاء والزهو ليس أكثر. لكن: كيف لهاماتٍ بأوصاف سيميائية أن ترتفع دون قوام فكريٍّ حقيقي؟! صحيح أن مواكبة الحضارة أمر ضروري، بل يستحيل تركه إطلاقاً. لأنَّ ما هو كوني بمعناه الثقافي المتنوع علينا أن نجددَّه داخلنا يومياً. وينبغي كذلك أن نبتكر استقباله اكتشافاً وضيافةً وابداعاً. بيد أننا - في الوقت عينه - جئنا به نقلاً كما هو. وقد حفظناه عن ظهر قلب كـ" الحمار يحمل أسفاراً". وطبعاً تفهم الذهنية العربية الاسلامية قولاً كهذا جاء به القرآن في سياق آخر!!

الفلسفة أكثر مجالات الفكر كشفاً لطبيعة الشعوب وتحولات وعيها. لأنَّ بومة الحكمة، بومة منيرفيا، لا تنعق - كما يقول فردريك هيجل - إلاَّ وقت الغسق. الصوت الذي يمثل نذيراً لما هو قادم، لما هو سري في حياة المجتمعات الإنسانية. بالمعنى ذاته تواصل بومة الحكمة النعيق الذي لا مفر منه إذا تتبعنا خريطة التفكير العربي. حيث انتشرت الأصوليات العنيفة باسم الدين والسياسة، وتجذر التخلف كمرض عضال لم نبرأ منه بعد، وخيّم ركود الرؤى، فلا تتطلع الشعوب نحو المستقبل. وانغلقت العقول تحت حمأة الصراع المذهبي والطائفي وحلول الربيع العربي الذي مرَّ مرور الكرام بكل قتلاه وضحاياه وتوابعه.

إذن أليس الاحتفاءُ العالمي شيئاً مهماً إزاء ما هو إنساني؟ التفلسف قضية حيوية، بل أكثر أساسيةً من أشياء أخرى. إنّه يصقل قدرة الإنسان على مراقبة المصير ومزاحمة الفناء. لقد اعتبر أفلاطون" أن الفلسفة مران على الموت". فكيف بشعوب يمرح بينها الموت المؤدلّج وأحيانا المسيَّس جيئة وذهاباً، دونما أن يستوقفه أحد أو يتأمله؟! الفلسفة علامة بارزة على صحة العقول وصلاحيتها لمناقشة كافة القضايا الإنسانية دون وجل. لو كانت الفلسفة حاضرة بقوة في الحياة العربية ما كان للإسلاميين لينشروا الوعود التاريخية بالحكم اللاهوتي واستعادة العصور السابقة لماضي الحياة العربية الاسلامية دون الاسهام فيها ولا في الحاضر. لأنه لا يوجد عصر أيا كان يسمى بذلك العصر الكامل. ويصعب تحديد هذا العصر أو ذلك باختلافه وصراعاته وتناقضاته على هذا الغرار. ولكانت الفلسفة في هذا قد أسسّت وعياً نقدياً يفرز المواقف ويؤصّل لعقلانية منفتحة.

إن العقل الصحيح يستطيع التفكير بحرية وحيوية، بينما ستعتل صحة الأجساد إذا كان العقل مريضاً. لقد كان شعب اليونان مخترعاً لصنفٍ نادر من الرياضة اسمها (الألعاب الأولمبية) التي واصلت الحضور مع السنوات إلى الآن. وليس ذلك التريض الحسي والروحي خبط عشواء تجاه المجهول. لأن اليونان الذي أحب الحكمة هو اليونان نفسه الذي أسس فلسفات للعالم والحياة والإنسان والتاريخ، أي أنه اليونان صاحب الفيلوسوفيا philosophia ، وبخاصة أنَّ كل فلسفة تنقل – إلى درجة الوضوح - قوة الأبنية الجسمية والعقلية الهادرة لشعبٍ ما. أما الهُزال الفكري والجسمي، فلن يكون إلاَّ جيناً وراثياً لمزيد من الانهيار والتدهور للأجيال التالية.

الدليل أنَّ اليونانيين اعتبروا أن الغرباء عن  الدولة المدينة- كأثينا مثلاً - برابرةً. أي يعد البربري غريباً ومتطفلاً على النقاء الروحي والفكري للشعب الأثيني. وتباعاً رأى مارتن هيدجر أن ثمة علاقة روحية خالصة بين اللغة الألمانية واللغة اليونانية القديمة. على أساس صيغ من التعبيرات الماهوية عن الوجود من جهة، وعلى أساس أن الشعر وهو التقنية الفلسفية الأولى بتجلياته في الثقافتين الإغريقية والجرمانية من جهة تالية. والمسألة ذاتها قد طرحها هيجل أيضاً تحت مُسمى روح الشعوب. فالشعوب لها روح مميز بقدر مشاركتها في الفضاء الفكري للتفلسف وفي ابداع الشعر. والفلسفة بهذا الوضع إنما تجسد طابعاً خاصاً يترك العالم أصداءه فيه. أي يوجد العالم حيث يوجد إنتاج الحياة وابداع مفرداتها، كما يتجلى الأمر خلال الفنون الشعبية والأساطير والأشعار والحكايات الأدبية واتجاهات التفكير والسرديات والقصص التاريخية.

من جهة أخرى لم يقصد أفلاطون أنَّ الفلسفة تسبب موتاً من وراء عبارته الشهيرة (الفلسفة مران على الموت)، ولكنه ربما كان يقصد عدة أشياء.

أولاً: أنَّ الفلسفة تستكشف المصير الإنساني بالتفكير الكلي النافذ فيما وراء الأشياء والظواهر العابرة. وأنَّ الفيلسوف يتقبل النهاية المحتومة بكل حكمة وأريحية لأن وضع الأشياء في نصابها أمر يدعو للاطمئنان كما يحدث.

ثانياً: تعطي الفلسفةُ العقل مرونةً مدهشة لتصور النهايات القصوى للعالم. فالتفكير يتوقف عند إدراك اقتراب الختام من لحظة الانغلاق، لكنه يستمر لو كان ثمة فهم أوسع للمسألة وأن النهاية مجرد نقطة في بحر من الحيوات المتعددة وبأشكال مختلفة.

ثالثاً: الموت قوة خفية تحتاج إلى جلّد ومران قوى على اللاشيء. وكما يؤكد هيدجر فإنَّ العدم nothingness ليس شيئاً مادياً، لكنه بمثابة الإحساس المرعب بفقدان الوجود وضياع الامتلاء إذ يعانيه الانسان في حياته. والمجتمعات العربية الاسلامية يتهددها هذا العدم، على الأقل من زاوية ذلك العدم الحضاري الذي يترصدها كفوهة بركان. وأن الإرهاب الديني والسياسي ظاهرة تشكل تهديداً مع الصراعات الايديولوجية ومع حالة النكوص الفكري.

رابعاً: أن الابداع الفلسفي يوازي الخُلود. لأنَّه صناعة الإنسان لعالمه الموازي لعالم الآلهة. بل هو ابداع لعالم مختلف يؤنسن الأساطير والوجود ويروض المعاني النائية والبعيدة عن الإدراك. والتفلسف نوع من التوحد بالفيزيسphysis ، وهي كلمة يونانية تعني القوة النامية في الأشياء والكائنات. فمن يتفلسف يعشق شيئاً طبيعياً توحداً بالإمكانية القصوى للوجود. وبالتالي إذا جاءه الموت، سيكون قد فارقَ إمكانية النيل منه، لأنَّه وضعَ نفسه في طريق اللانهاية العصية على الإفناء.

خامساً: أن التفلسف يعني العيش في النور، في الوضوح. وإذا كان الظلام، هذا الكهف الأفلاطوني، يحل كالموت، فإن الفلسفة انكشاف وتجلي خارج نطاقه. هذا وقد أطلق الفراعنة على الموت الخروج إلى النهار، أي حالة الحضور تحت شمس الحقيقة في عالم يظهر كل الخفايا ويحاسب الإنسان على ما كان يضمر ويعلن. وأنه لا مجال لإخفاء أي شيء مهما كان صغيراً.

سادساً: التفلسف ولادةٌ مستعادة باستمرار. كما كانت النباتات تنمو وتستزرع وتكرر دوراتها في شكل العود الأبدي بمفهوم نيتشه. والموت بهذا المعنى لا يستطيع التغلب على الفيلسوف، لكونه كلما يموت سيظهر بدورة أخرى من الحياة كحال الطبيعة في الثقافة الشرقية القديمة.

سابعاً: التفلسف يُؤجل الموت والفناء (على نحو رمزي). هذا التأجيل الرمزي لا يخال الموت يوماً مغالبته أو طرحه أرضاً. لأن الموت سيهزم عادة الشيء غير المؤجل، المنتهي بعوامل ذاتية أو قدرية. وحالما يفعل الموت ذلك، لن يجد (موضوعاً خاصاً) في التفلسف. لأنَّ الأخير أفق طويل بلا نهاية محددةٍ. وهو اتساع بلا سقف، وعليه فإن  التفلسف كعمل فكري يعتبر خارج التوقعات.

ثامناً: التفلسف فعل مقاومة شرسة لكل قوى الشر والقمع والتسلط بأي عنوان كانت. إنَّه يقاوم عوامل الانسحاق والانهزام أمام قوى الظلام المختلفة.

تاسعاً: الفلسفة ترسم الأمل نحو عالم أفضل بتعبير كارل بوبر. أشبه عالم أفلاطوني مغاير لحياة الزيف والصور الفانية. وبالتالي ستساعد الفلسفة على اجتياز محن الحياة. وستهوّن مصيراً مؤلماً.

عاشراً: أنَّ الفلسفة تخفف الآلام الإنسانية وتهدهد وجوداً قلقاً. باعتبار الآلام جزءاً من الوجود الإنساني المشترك. فإذا عرف أحدُّنا أن الجميع سيموت، فلربما سيواكب  الشيء ذاته نفسياً.

اليوم العالمي للفلسفة يرتبط بالتزامن المفترض بين بني البشر كمحاولة إلتقاء على رصيد تاريخي من تأسيس لمعاني الإنسان. أي فعل فلسفي حقيقي يضيف إلى هذا الرصيد شيئاً ذا قيمة. فما مضمون أنْ نتزامن إنسانياً عبر الفكر الحر؟ إنه تأشير العقول الحرة على عقارب الساعة الكونية نحو الاختلاف والثراء اللذين يميزان حياتنا الراهنة.

واليوم فإن المشار إليه بالعنوان في الأعلى مقصود لتحديد: ماذا سنقدم نحن الكائنات المفكرة لبعضنا البعص ضمن حياتنا الكونية. وكيف أسهمت الفلسفة في فكرة الإنسانية التي قال عنها إيمانويل كانط إنها كالنجوم المتلألأة. فهناك شيئان يأخذان بلُبي - كما قال- ويبعثان على الإجلال والإعجاب: القانون الأخلاقي داخل صدري، والسماء المرصَّعة بالنجوم فوق رأسي. الإنسان غدا قانوناً كونياً يواكب حركة الأفلاك في إدهاشها وسموها. وبقدر ما يشعر الإنسان بوجوده الممتد كونياً يرى نفسه إنساناً حقيقياً. والفلسفة ما فتئت تثير تلك الوضعية داخل البشر جميعاً بلا انقطاع. إنها التفكير المغاير وصولاً إلى الفضاءات النائية والمجهولة من العقل، الوعي، الحقائق، والتاريخ.

من هنا، جاء ارتباط الزمن بالعالم في الاحتفاء بالفلسفة. فالاحتفاء استعادةٌ لزمن العالم حينما يكون معرُوضاً للجميع. وهذا العرض عرض راهن بشكل دائم، أي هل يعيش الإنسان في أي مكان زمنه الكلي أم لا؟ ذلك لأننا رأينا بالأمس القريب قطعاناً من البشر الداعشي والإرهابي يعيشون أزمنة أخرى. ويجترون نصوصاً جهادية دموية غير النصوص المتسامحة والأكثر انفتاحاً على كافة الحيوات. فالعالم هنا بصيغة الجمع مقصود هكذا ليس أكثر.

إنَّ العالم ليس فكرةً خارج إنسانية الإنسان، ثراء العالم حاضر عبر وجودنا اليومي. كما أنه ليس ترفاً وثيراً بالنسبة لمن يتفلسف ولا هو كذلك لمن يحيا داخل أية ثقافة ما ولو كانت محلية. العالم يقتحم حياتنا في كل لحظة، لا مفر منه وبخاصة مع وسائل الاتصال والواقع الافتراضي. المسألة باستمرار: كيف نحتفي بالفلسفة ابداعاً لا صخباً؟!

 

د. سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5562 المصادف: 2021-11-27 02:18:37


Share on Myspace