محمود محمد عليفي هذا المقال نتحدث عن التصور السيمانطيقي (الدلالي) للصدق، حيث أستغرق تارسكي في محاولته الوصول إلي تعريف نهائي لمفهوم الصدق حوالي ست سنوات من سنة 1929إلي ستة 1935 - وكان يسير معه في الاتجاه نفسه " رودلف كارناب " حتي أخرج لنا كتابه الأخير " التركيب المنطقي للغة " سنة 1937؛ حيث يرجع  إليه الفضل في إستكمال النظرية الخاصة بمستويات اللغة وتصنيفها وإتقانها، لا سيما وأن "كارناب" قد ركز في عمله علي دراسة بنية اللغة وتحليل معانيها .

ولقـد تشكل المفهوم السيمانطقي (الدلالي) للصدق عند تارسكي، في بحثين، جاء أولهما علي درجة كبيرة من التعقيد هو " مفهوم الصدق في اللغات الصورية " The concept of truth in formalized languages، عام 1931( نشر أولاً باللغة البولندية سنة 1933، وباللغة الألمانية سنة 1936، وباللغة الأنجليزية سنة 1956)، ثم عاد تارسكي وقدم أفكاره عن الصدق بشئ من الإيجاز، وبقدر كبير من الوضوح واليسر في بحثه الثاني " المفهوم السيمانطقي للصدق وأسس علم الدلالة The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics’" سنة 1944، وعلي الرغم من أن نظرية تارسكي في الصدق قد ترتبت عليها نتائج عظيمة في المنطق الرياضي، ولذلك سنبدأ هنا بالتركيز علي الجانب الدلالي من هذه النظرية والذي كان له أبلغ الأثر علي كل من جاء بعدة من علماء ومفكرين .

وقد حاول تارسكي صياغة تعريف للصدق يتميز بأنه صحيح وسليم من الناحية الصورية، ومثمر وفعال من الناحية النظرية . ويقدرالمفهوم التقليدي للصدق حق قدره بقدر ما يتفق مع الواقع، والذي يشير إليه تارسكي علي أنه المفهوم الأرسطي الكلاسيكي في الصدق، ويتجلي في عبارة أرسطو المشهورة التي وردت في كتابه " الميتافيزيقيا "، والتي يقول فيها أرسطو: " إن القول عما يوجد إنه لا يوجد، أو القول عما لا يوجد إنه يوجد هو قول كاذب، علي حين إن القول عما يوجد إنه لا يوجد وعما لا يوجد إنه لا يوجد هو قول صادق، ولذلك فإن من يقول عن أي شئ إنه يوجد أو إنه لا يوجد سيقول إما الصدق أو الكذب ".

ومن هذا المنطق تنقسم نظرية تارسكي في الصدق إلي جانبين، يتمثل الجانب الأول في تقديم " شروط الكفاية adequacy conditions، ويعني بها الشروط التي يجب أن يستوفيها أي تعريف مقبول للصدق، ويتجلي الجانب الثاني في تعريف الصدق بالنسبة للغة صورية محددة، ويثبت تارسكي أن هذا التعريف يتمتع بالكفاية عن طريق المعايير التي وضعها .

يقول تارسكي: مشكلتنا الرئيسية هي محاولة تقديم تعريف مقنع لمفهوم الصدق ولكي يكون التعريف مقبولا يجب أن يستوفي شرطين أساسيين:الأول، أن يكون التعريف كافياً Materially Adequate، والثاني أن يكون صحيحاً صورياً Formally Correct .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أنه عندما نتحدث عن الصدق، فأول ما يطرأ في الذهن هو الصدق المادي ؛ أعني صدق العبارات والجمل، لكن في الحقيقة توجد حالات نفسية أخري يمكن أن ننسب إليها الصدق، مثل الأحكام والاعتقادات والتقريرات ...الخ، كما ينطبق أيضاً علي القضايا، واهتمامنا هنا منصب علي صدق الجمل، لكن هذا لا يمنعا من الحديث عن صدق الأشياء الأخري، فمثلاً جملة " الثلج أبيض " لا نستطيع معرفة صدقها أو كذبها إلا من خلال شروط الصدق، وإذا تساءلنا عن شروط الصدق في هذه الجملة، ستكون وفقاً للمفهوم الشائع أو العادي للصدق، الجملة صادقة إذا كان الثلج أبيض، والعكس صحيح تكون كاذبة إذا لم يكن أبيضاً، أو بتعبير آخر أدق الجملة " الثلج أبيض تكون صادقة إذا كان الثلج أبيضاً بالفعل .

ويشرح تارسكي شروط الجملة الصادقة في العناصر التالية:

- الجملة الصادقة: هي التي يقول عنها الشخص أنها الحالة الموجودة كذا وكذا، وتكون حقاً هي الحالة كذا وكذا .

- الجملة " إنه يتجمد " تكون صادقة متي كان هناك شيئاً يتجمد بالفعل .

- الجملة تكون صادقة متي صدقت مكوناتها ( أي كلماتها).

- بالنسبة لكل جملة "ب "، " ب" تكون جملة صادقة إذا كانت "ب " بالفعل .

- بالنسبة لكل جملة " س " ، " س " تكون جملة صادقة إذا كانت " س " مطابقة لـ " ب " الحالة المحددة فقط .

وليست النظرية سهلة الفهم لأنها صيغت صياغة منطقية صارمة . ولذلك يحسن بنا أن نقوم بتوضيحها، وذلك بأن نوضح أولاً استخدام تارسكي كلمة " جملة " Sentence، ونوضح ثانياً معنى المفارقة المنطقية . خذ كلمة " جملة " أولاً . نلاحظ أن تارسكي يستخدم في نظريته هذه الكلمة بمعنيين مختلفين: المعنى الأول: هو أن الجملة رمز لغوي مركب، وهذا هو المعنى المألوف لكلمة " جملة "، لكن تارسكي يعني بها أيضاً ما يعنيه التقليد المنطقي المعاصر بكلمة " قضية " proposition أو statement، وهو معنى الجملة أو الحكم الذي تقدمه الجملة . والفرق عند المناطقة المعاصرين – بين الجملة والقضية هو أن من الممكن إعطاء عدة جمل مختلفة الصياغة اللفظية لكنها تدل على قضية واحدة أو حكم واحد أو مضمون واحد، مثلما نقول " الشمس مشرقة "، رأيت الشمس تسطع في السماء، أو نترجم أياً من هاتين الجملتين إلى لغة أجنبية، فهذه جمل مختلفة الصياغة، لكنها تؤدي معنى واحداً أو تصدر حكماً واحداً أو قضية واحدة أو تصور حكماً واحداً أو قضية واحدة . وتوصف القضية – لا الجملة – بالصدق أو بالكذب . ونلاحظ أن تارسكي استخدم في نظريته كلمة " جملة " لتؤدي المعنيين معاً . ونلاحظ أخيرا ً مع الدكتور " محمود زيدان" رحمه الله أن القضية الصادقة تدل علي واقعة ما في نظرية المطابقة التقليدية، لكن تارسكي لا يستخدم كلمة " واقعة " أبداً، وإنما يستخدم كلمة جملة بالمعني الثاني أي بمعني قضية .

أما المفارقة paradox، بوجه عام فهي قضية منافرة لما هو مألوف، أو أية قضية تبدو كاذبة للوهلة الأولى، لكن توجد حجة محكمة تدعمها لكن الكلمة اتخذت معنى اكثر دقة عند المناطقة، إذ تتألف المفارقة المنطقية من قضيتين متضادتين أو متناقضتين نصل إلى كل منهما بحجة استنباطية محكمة، فلا نستطيع قبول إحداهما دون الأخرى فنقع في حيرة . والمفارقات كثيرة فلدينا مفارقات " زينون الأيلي" Zeno of Elea، التي تهدف إلى استحالة الحركة في العالم الطبيعي، ولدينا مفارقة الكذاب التي كان أول من صاغها هو " يوبوليدس " Eubolides الميغارى وتقول إن شخصاً ما يكون كاذب فهل هذا القول صدق أم كذب " .

ونشأت مفارقات كثيرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مثل مفارقة فورتي- بورتيBurrti – Forti ومفارقة كانتور cantor وتتعلقان بنظرية المجاميع set theory، ومفارقة رسل وتتعلق بالصنف وعضوية الفرد في صنف .

ثالثا: حدود الصـــدق:

انطلق " تارسكي " من تعريف "أرسطو" الذي حدد الصدق في "مطابقة الفكر للواقع" فلقد كان الفكر الكلاسيكي ينظر إلى الصدق بوصفه خاصية للفكر، مما أستوجب ربط الفكر الذي يصدر الحكم بالواقعة المحكوم عليها، لكن الدارس الكلاسيكي يتوقف في تحديد كيفية ضمان الحكم، فتصديق القضايا أو تكذيبها تكذبياً مطلقاً زاد من صعوبة ضبط سبل التحقق من وجود تطابق بين الفكر والواقع .

ويقر تارسكي بوجود العديد من الصعوبات التي تتعلق بمشكلة معني مفهوم الصدق . فنحن نصادف العديد من المفاهيم المختلفة للصدق والكذب في مناقشات الفلاسفة كما ذكرنا من قبل . ويصور تارسكي صدق الجملة بأنه يكمن في اتفاقها مع الواقع أو تطابقها مع الواقع . ويطلق تارسكي علي نظريته " المفهوم السيمانطقي للصدق، فالسيمانطيقا هي القاعدة التي تتعامل مع علاقات محددة بين تعبيرات اللغة والموضوعات (أو الحالات) التي نشير إليها من خلال هذه التعبيرات .

وقد برهن "تارسكي" على بطلان هذا التصور داعياً في نفس الوقت إلى ضرورة تحديد معايير واضحة لنظرية الصدق . مما دفع به إلى التخلي عن المسالة المتعلقة بمعرفة ما إذا كانت القضايا المتحققة صادقة مطلقاً أو كاذبة مطلقاً .

فالصدق يعني "التطابق مع الواقع"، فصحيحاً " أن بعض الكلاب تنبح " لو أن القضية أن بعض الكلاب تنبح قد تطابقت مع الواقع " وأن الحقائق حقيقة واحدة، وحقاً أن بعض الكلاب تنبح، لذا فإن القضية التي تقول إن " بعض الكلاب تنبح " لا يمكن أن تكون موقفاً افتراضياً . فكذلك الامر " فإن الله موجود " تكون صحيحة إذا وفقط إذا تطابقت هذه القضية " إن الله موجود " مع الواقع .

ويشير تارسكي إلى أن القضية عندما تتطابق مع الواقع، فإن التطابق يعني التكافؤ، فالحقيقة لكي تصدق يعني أن القضية (أ) تكون متطابقة مع الواقع (أ) لو أن القضية (أ) كانت صادقة ؛ حيث قد ساد في بدايات 1930 من بين فلاسفة العلم من أهتم بالمفاهيم السيمانطقية كمفاهيم الصدق والإشارة، والتي لم تكن معروفة من قبل، كما أنها لم تكن مستجدة في التصورات العلمية المتعلقة بالعالم . وعندما عمل تارسكي في مجال الصدق أصبحت هذه الموضوعات معروفة وقد تغيرت نتائج تارسكي العلمية كما قال بوبر، وأصبح مفهوم الارجاع عند بوبر اكثر إتساعاً.

ونشير هنا إلى أن تارسكي لم يوظف أي تعريف سيمانطيقي يوضح أن الحد الصادق المقبول لدى أي شخص يمكن أن يضع الحدود الدلالية موضع شك، فلقد أرجع تارسكي الصدق إلى المفاهيم الدلالية الأخرى، ولا يعني ذلك أن نتائجه في الصدق تعتبر (تافهة) وعلى العكس من ذلك ففيما يرى هارترى Hartry أنها على درجة كبيرة من الأهمية، ويمكن تطبيقها ليس فقط في الرياضيات وحدها، وإنما أيضاً يمكن تطبيقها في مجال علم اللغة وغيرها من مشكلات الفلسفة، كمشكلات الموضوعية والواقعية، فهو قد أراد أن تكون الفلسفة لغوية وتستخدم الأسلوب اللغوي وتتعلق بالمشكلات الواقعية والموضوعية .

وسوف نتناول فيما يلي أراء تارسكي في الصدق؛ فلقد بحث تارسكي في تعريف " الصدق " ووجد أننا لن نستطيع أن نصل إلى صياغة تعريف دلالي للصدق في لغتنا الطبيعية تتصف بالعمومية Universality،وما يعنيه تارسكي هو أننا لكي نصل إلى تعريف الصدق، فإننا في حاجة لتحديد متى يكون لدينا " عبارة صادقة " وما هي " دلالة " عبارات اللغة، وما هي العلاقات التركيبية " بين عبارات اللغة، أي أننا باختصار في حاجة إلى الحديث عن اللغة . فنحن نستخدم ألفاظاً وعبارات من اللغة ليس فقط في التعبير بها عما نريد أن نعبر عنه ولكن أيضاً للحديث عما نريد أن نعبر عنه في اللغة نفسها . وهذا ما يعنيه تارسكي " بعمومية " لغة الحياة اليومية، وتؤدي هذه الصفة أي عمومية اللغة دائماً صعوبات ومفارقات أشهرها " مفارقة الكذاب " والتي يمكن شرحها على النحو التالي:

(ب) رمز العبارة " الجملة المكتوبة جـ ليس جملة صادقة ووفقاً لمعنى يمكن أن نؤسس بطريقة تجريبية صدق القضية:

أ- " جـ ليست جملة صادقة " يسمعها هويه بـ جـ

ب- " جـ ليست جملة صادقة " جملة صادقة فقط إذا كانت جـ ليست جملة صادقة .

تؤدي المقدمتان (أ)، (ب) إلى التناقض الآتي:

جـ جملة صادقة إذا كانت جـ ليست جملة صادقة .

ويضرب تارسكي هذا المثال لينتهي منه إلى أن صفة العمومية التي تتصف بها لغة الحياة اليومية، هي مصدر سائر مفارقات المعني، وهذه المفارقات . وفقاً لتارسكي تقدم برهاناً على اننا إذا حاولنا إخضاع أية لغة لقوانين المنطق سينتج عنه لغة غير متسقة Inconsistent، وهو ما ظهر في مفارقة الكذاب .

ويؤكد " تارسكي " أن تصورة للصدق لا يخرج عن التصور الكلاسيكي لنظرية التطابق فصدق الجملة عند تارسكي يعني مناظرتها أو مطابقتها للواقع والهدف الأساسي لتارسكي من تحليلة هذا للصدق هو إقامة ما يسميه بالدلالة أو السيمانطقيا العلمية . Scientific semantics، وهو ما يعني ضرورة رد كافة التصورات السيمانطقية إلى تصورات فيزيائية أو رياضية منطقية، ولذا ينطوي تصور الصدق هذه على ما يطلق عليه "شروط التطابق المادي" Material adequqcy condition .

يتضح لنا من خلال السطور السابقة أن تارسكي يري أن  الصدق مفهوم دلالي لأنه يمكن تحديده بلغة المفاهيم الدلالية  الأخري، وبوجه خاص مفهوم التبرير أو التسويغ والمفاهيم الدلالية مثل التبرير والتعريف والإشارة تتعامل مع العلاقات بين التعبيرات والموضوعات ؛ ويقول تارسكي أن الصدق يعبر عن خاصية أوعن فئة من الأسماء أو عن جمل، وهذه الجمل ينظر إليها باعتبارها حمليات صادقة، وبالتالي نحن بحاجة إلي صياغة من الشكل:

(س) {س صادقة إذا كانت (س = ص) (س) تتطابق مع ص}.

ويطبق تارسكي هذه الصيغة في لغة بسيطة جدا ًعلي عدد محدود من الجمل مثل قولنا:

1- المائدة تدور .

2- جون يحب ماري.

3-نابليون علي قيد الحياة .

وبالتالي نستطيع أن نستنتج جمل الصدق Truth –Sentence من خلال نظرية تارسكي كما يلي:

أ-المائدة تدور = المائدة تدور .

جون يحب ماري = جون يحب ماري.

ج- نابليون علي قيد الحياة = نابليون علي قيد الحياة.

ويعتبر تارسكي هذه الجمل (جمل الصدق) مجرد تعريف جزئي للصدق .وبالتالي فإن التعريف التام يمكن أن يسمي "ربط منطقي" Logical Conjuction أو استنتاج منطقي Logical Product  (بين- من) سائر هذه الجمل . ويقصد تارسكي من خلال الربط المنطقي شيئاً ما يتكافئ منطقياً مع ربط (جمل الصدق) سالفة الذكر كما يلي: الجملة (س) ( حيث إن س صادقة تتطابق ايضاً مع الجملة (س) والتي تتكافئ منطقياً مع الجملة (جون يحب ماري وجون يحب ماري) أو تتطابق أيضاً مع الجملة (س) التي تتكافئ منطقياً مع الجملة (نابليون علي قيد الحياة ونابليون علي قيد الحياة) .

ويشير تارسكي إلي ضرورة وجود شروط عامة محددة، يمكن من خلالها أن ننظر إلي بنية اللغة باعتبارها باعتبارها محددة تماماً . ولتحديد بنية اللغة يجب علينا يجب علينا أن نميز فئة الكلمات والتعبيرات التي يعد لها معني بصورة ليست غامضة . ويجب علينا الإشارة إلي سائر الكلمات المقررة والتي يستخدمها دون تحديد، والتي نطلق عليها " ألفاظ أولية "، ويجب علينا أيضاً أن نقدم القواعد المعروفة للتعريف لإنتاج ألفاظ جديدة أو محددة . وبعد ذلك نضع معياراً للتمييز ضمن فئة التعبيرات التي نطلق عليها " جمل "، وفي النهاية يجب علينا أن نضع الشروط التي من خلالها يمكن لجملة ما من جمل اللغة أن تكون مقررة . ومشكلة تعريف الصدق تتضمن معاني دقيقة، ويمكن حلها في نهج صارم من خلال تلك اللغة التي لها بنية محددة تماماً، وبالنسبة للغات الأخري – وهكذا بالنسبة لسائر اللغات الطبيعية التي تتحدث بها – نجد المشكلة ليست أكثر ولا أقل غموضاً، وحلها شئ بديهي .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

« كل ممارسة فكرية تفترض "صورة للفكر". على الأقل هذا ما يحاول جيل دولوز إظهاره في كتاباته، من الاختلاف والتكرار إلى ما هي الفلسفة؟ من صورة الفكر التي تُفهم على أنها فرضية ذاتية، على "مستوى الجوهر"، يتم بناء أي نظام فلسفي بالارتباط مع الصورة التي يعطيها الفكر لنفسه. في الفلسفة، يفهم دولوز من خلال صورة الفكر مجموعة الافتراضات التي نعيّن منها معنى التفكير. لقد تبين أن مكانتها خاصة جدًا لأن هذه الصورة الفكرية ضرورية ومتأصلة في الفلسفة في حين أنها غير فلسفية. على أساس هذا الغموض تبرز الروابط بين صورة الفكر الفلسفي والصورة السينمائية. من الواضح حقًا لدولوز أن للسينما القدرة على تعديل الافتراضات المسبقة اللازمة لخلق صورة جديدة للفكر الفلسفي والتي من شأنها إعادة تقييم العلاقة بين المادة والفكر. تحقيقا لهذه الغاية، يتبع دولوز بشكل طبيعي في أعقاب التفكير الذي بدأه هنري برجسن ، لكنه يتظاهر أيضًا بأنه وريث جيلبرت سيموندون ، الذي لم يتوقف أبدًا عن التشكيك في مسألة "تعديل" المادة. في أعماله. ومع ذلك، فإن السينما بالنسبة لدولوز هي بالضبط "تعديل للمادة"، أي تكوين المادة من خلال قالب متغير وزمني. في النهاية، يركز دولوز على مسألة العلاقة بين علم الأحياء والسينما، في ضوء عمل اللغوي غوستاف غيوم، الذي يتصور "مسألة ما قبل لغوية". هذا بالطبع له صدى مع تعريف مستوى الجوهر الذي قدمه دولوز وغتاري في" ماهي الفلسفة؟"

كنت مغرورًا. لقد كنت في هذا لمدة ثلاث سنوات. ظننت أنني كنت أرسم من فلسفة السينما وأشعر أن السينما قد ابتلعتني. لذلك لا بأس على الإطلاق. وفوق ذلك سؤال مقيت: ألا أكره السينما بالصدفة؟

(جيل دولوز، درس 15 يناير 1985)

إن صورة الفكر هي فكرة ليست فقط متكررة ولكنها أساسية في أعمال جيل دولوز. إنها ضرورية لفهم تعريفها للفلسفة، وهذا هو الغموض الذي يكتنف وضعها (صورة الفكر ضرورية لتأسيس كل الفلسفة بينما تكون في نفس الوقت غير فلسفية بشكل أساسي) في مصدر أصالة الفكر الدولوزي. لذلك فهو يطرح مشكلة علاقة الفلسفة مع تخصصات الفن والعلوم الأخرى. للإثبات، دعنا نشير إلى الدورات عن السينما التي قدمها دولوز في جامعة فينسين [1]. بعد أن كرس عامين لصورة الحركة وصورة الزمن، افتتح سلسلة جديدة من الدورات في بداية العام الدراسي 1984، حول موضوع صورة الفكر: "رأينا لمدة واحدة أو اثنتين الصورة المتحركة. شاهدنا صورة الوقت في العام الماضي. ما الذي تبقى لي؟ لا يزال لدي صورة الفكر. لذلك نحن نقترب أكثر من هذا السؤال الذي يهمني: ما هي الفلسفة؟ لكنها ما زالت على مستوى اللقاء بين الفكر والسينما ". دولوز 30 أكتوبر 1984. 

من الواضح جدًا أن السينما بالنسبة لدولوز أكثر بكثير من مجرد منظور يراقب الفلسفة من خلاله. تقدم له السينما الوسيلة لطرح السؤال "ما هي الفلسفة؟"، الذي سيحاول الرد عليه في عام 1991 مع فيليكس غتاري (دولوز وغتاري 1991). لا يوجد أي شيء عن هذا الالتفاف في السينما. السينما بالنسبة لدولوز هي الفن الذي يسمح له، بامتياز، بإعادة فحص العلاقات بين المادة والأوتوماتيكية والفكر، وتقييم خصوصية الفلسفة.

هكذا طور دولوز (30 أكتوبر 1984) مساره من العبارة التالية: "أفترض أن كل الفكر يفترض مسبقًا صورة للفكر". السينما والفلسفة والفكر المصور وصورة الفكر، ها نحن أمام أربع مصطلحات تؤسس الروابط الوثيقة القائمة بين تخصصين والتي يدركها دولوز (30 أكتوبر 1984) مع الأخذ بعين الاعتبار لقاءهم الحتمي: "إذا كان كذلك صحيح أن الفكر يفترض مسبقًا صورة للفكر، وليس هناك وبأي شكل لقاء بين الصورة، لقاء لا تحديد، لقاء بين صورة الفكر وصورة سينمائية؟ "

قبل المجيء إلى العلاقات الغنية، ولكن الإشكالية، بين الفلسفة والسينما، من الضروري أن نحدد بدقة ما هو مشمول بعبارة "صورة الفكر" وأن نظهر ما الذي أحدثه دولوز من تطورات نظرية. من الفرق والاعادة (1968) إلى بروست والإشارات (1970)، من الصورة الحركة ((1983والصورة الزمن  (1985) إلى ما هي الفلسفة؟ (دولوز وغتاري 1991)، يتم إعادة تقييم صورة الفكر باستمرار، وإعادة صياغتها، وفقًا لفكرة الصورة نفسها. في نظرنا، السؤال الأساسي الذي يبدو أنه يكمن وراء إشكالية صورة الفكر، حتى كل فلسفة دولوز، هو التالي: كيف نتصور نشأة الفكر كعملية خارجية عن الفكر (أو كيف يمكن للفكر أن ينطلق من "غير مفكر"؟) وبهذه الحقيقة بالذات، كيف يمكننا تصور الروابط التي توحد الفكر والمادة؟

صورة الفكر في أعمال جيل دولوز، كل الفكر يفترض صورة عن نفسه

بالنسبة لدولوز، فإن تعريف صورة الفكر يشكل الارتباط الذي لا غنى عنه لتعريف الفكر نفسه. في كتابه "الاختلاف والتكرار"، يسعى بالفعل إلى إظهار أنه لا يمكن للمرء التفكير في الفكر، أو تصوره، أو تعريفه، دون الاعتراف بأنه يستدعي بالضرورة "صورة" عن نفسه، أو حتى ذلك يفترض تحيزًا شخصيًا يشكله على هذا النحو. ثم كلف دولوز نفسه بمهمة اكتشاف ما يُزعم أنه يؤسس هذا التحيز ، بخلاف أي نظام فلسفي. وبالتالي، يُنظر إلى صورة الفكر على أنها تحيز، أو على الأقل كشرط أساسي لم يُعطى على هذا النحو ويجب تسليط الضوء عليه. في الفرق والمعاودة، يشير بوضوح شديد إلى الافتراض الكلاسيكي الذي وفقًا له سيوجه الفكر نفسه بشكل طبيعي نحو الحق (ومشتقاته: الخير، الحسن، العادل، الحق ...): بهذا المعنى، الفكر الفلسفي المفاهيمي للافتراض الضمني صورة للفكر، فلسفية وطبيعية، مستعارة من العنصر النقي للحس السليم. وفقًا لهذه الصورة، يكون الفكر على صلة بالحق، ويمتلك رسميًا الحقيقي ويريد ماديًا الحقيقي. وفي هذه الصورة التي يعرفها الجميع، من المفترض أن يعرفوا ما يعنيه التفكير. دولوز 1968، ص. 172

ثلاث نقاط فيما سبق تستحق اهتمامنا. أولاً، صورة الفكر، إذا ظهرت على أنها رابط للفلسفة يُفهم على أنها فكر مفاهيمي (أو الفكر الذي يخلق المفاهيم، كما سيعلن دولوز وغتاري في: ما هي الفلسفة؟)، ومع ذلك فهو نفسه غير فلسفي أو ما قبل فلسفي. وبعبارة أخرى، فإن صورة الفكر ليست مفهومًا، بل هي تمثيل يصنعه الفطرة السليمة. بهذا المعنى أعطاها دولوز اسم "الصورة"، بمعنى قريب من تلك الخاصة بالتمثيل، أو الكليشيهات، أو التحيز، إلخ. الكثير من المصطلحات لدرجة أن دولوز لم يتوقف عن القتال. ثانيًا، تم تشكيل هذه الصورة بطريقة تشير إلى أن الفكر، وبشكل أكثر تحديدًا التفكير في ممارسته الفلسفية، موجه "بشكل طبيعي" نحو الحقيقة. الهدف النهائي للفكر هو الوصول إلى الحقيقة بأكثر الطرق المباشرة الممكنة. ثالثًا، من هذا الافتراض المسبق، تمت صياغة تعريف الفكر: ما يتم تقديمه على أنه موضوعي (الفكر يريد الحقيقة) ينطلق في الواقع من افتراض شخصي مسبق. باختصار، نجد أنفسنا في وجود أيديولوجية حقيقية للحق الطبيعي للفكر، أسسها ممثلو ما يسميه دولوز "الفلسفة الكلاسيكية" (تقريبًا، من أفلاطون إلى ديكارت). "صورة الفكر هذه، يمكن أن نسميها صورة عقائدية أو أرثوذكسية، صورة أخلاقية" (دولوز 1968، ص 172).

وبالتالي، فإن مثل هذه الصورة الفكرية تخضع الفلسفة لنموذج نفسه. ماذا يعني هذا، إن لم يكن أن جوهر كل شيء، لكل كائن، هو بطبيعته مساوٍ لذاته ويبقى كذلك؟ من الواضح أن الماهية الأفلاطونية مستهدفة هنا. ومن هنا جاء مفهوم الفلسفة كبحث عن الشيء في حد ذاته، عن الجوهر غير القابل للتغيير. يتضاعف هذا البحث في المستوى الثاني بتكوين موضوع التفكير المُعرَّف بأنه تفرد متكامل (أنا = أنا)، وعاء ومنتج للفكر الصالح، وضامن لوحدة المفهوم من خلال تشغيل الاعتراف بنموذج الحقيقة: "نفس" الفكرة الأفلاطونية كنموذج، يضمنه الخير، قد أفسح المجال لهوية المفهوم الأصلي، الذي تأسس على موضوع التفكير. يعطي موضوع التفكير المفهوم مصاحباته الذاتية، والذاكرة، والاعتراف، والوعي الذاتي. لكن الرؤية الأخلاقية للعالم هي التي تطول وتمثل في هذه الهوية الذاتية المؤكدة على أنها الفطرة السليمة، دولوز 1968، ص. 341. يدعو دولوز إلى تدمير مثل هذه الصورة الفكرية. يقترح الاستغناء عن هذا الانعطاف من خلال هذا الافتراض المسبق لتعريف الفكر. هذا هو المشروع الكامل للاختلاف والتكرار: النجاح في تأسيس الفكر على شيء آخر غير خيال الحقيقة، حتى لإظهار أنه من الممكن تصوره بشكل مستقل عن أي صورة للفكر.

ما الفكر بدون صورة؟

لتنفيذ مشروعه، يعارض دولوز إذن صورة الفكر ما يسميه "فكر بدون صورة"، فكر أصيل يحرر نفسه من كل افتراضات ويؤكد في نفس الوقت على حكم المضاعف (في معارضة الفلسفة الكلاسيكية، التي ادعت أسبقية الشيء نفسه) والاختلافات المطلقة (التي لم يعد يُنظر إليها فيما يتعلق بالنموذج). كان هذا ما أسماه عهد "الصورية" في ذلك الوقت. أسبقية الهوية، أيا كان تصورها، تحدد عالم التمثيل. لكن الفكر الحديث ينشأ من إفلاس التمثيل، وكذلك من فقدان الهويات، ومن اكتشاف كل القوى التي تعمل تحت تمثيل المتطابق. العالم الحديث هو عالم السيمولاكر. دولوز 1969، ص. 1 

ثم ينخرط دولوز في معركة ضد الصورة وجميع أشكال التمثيلات التابعة لرواية نفس الشيء. يستكشف الوسائل النظرية التي من شأنها أن تسمح له بتأكيد التعددية والاختلافات دون اللجوء إلى أي تجاوز. يكمن الحل في تعريفه للوجود باعتباره "واحدًا للجميع" يجمع بين الكائنات، المتميزة شكليًا ولكن من الناحية الوجودية. لذلك يجب التفكير في الوجود من حيث الشدة و "الاختفاء": "القيود والتعارضات هي ألعاب سطحية [...] بينما العمق الحي، القطر، مليء بالاختلافات دون نفي. تحت بلاغة السلبية، هناك عالم "الاختفاء" (دولوز، صص .342-343 1968). الكل واحد هو "تمايز"، أي مجال متسامي مكوّن من تفردات ما قبل فردية وبدوية تُدعى إلى تحقيق ذاتها في كائنات تكون دائمًا في طور التحول والتي لا يتم اختزالها إلى فئات. أما بالنسبة للفكر فلا بد له من الاستغناء عن الصورة والعثور على أصله بشكل مستقل عن أي افتراض مسبق. هذه هي مشكلة "البداية في الفلسفة" الشهيرة. لا يبدأ المرء في التفكير حقًا حتى يتم التخلص من جميع الافتراضات.

لذلك فإن الاختلاف والتكرار يضعان الأسس لما سيتم تناوله بشكل أكثر منهجية في: ما هي الفلسفة؟ وهو عمل يطور فيه دولوز وغتاري طوبولوجيا حقيقية للفكر، ولكن أيضًا في صورة يكتسب الفكر شرعية جديدة. ما هي الفلسفة؟ يحدد البرنامج التالي: أظهر أن الفلسفة لا تتمتع بامتياز الفكر، وأن العلم والفن "يفكران" على قدم المساواة، ولكن لكل منهما أدواته الخاصة، دون أن يكون هناك تفوق في مجال التخصص من جهة أخرى. يصر دولوز وغتاري بعد ذلك على حقيقة أن هذه الأشكال الثلاثة للفكر تحتاج إلى المستوى الخاص بها لتؤسس نفسها عليها، للجلوس: مستوى الجوهر في الفلسفة، مستوى الاتساق في العلم، مستوى التكوين في الفن. كل من هذه الطائرات، بطريقتها الخاصة، هي "قطع في الفوضى" وتسمح بإعطاء الاتساق لما يمكن أن يكون سرعة وكثافة غير منظمة، بدون اتساق. لذا عاد دولوز وغتاري (1991، ص 39-40) إلى الحاجة إلى أن تتخيل الفلسفة "صورة للفكر"، هذه المرة وصفت بأنها "مستوى الجوهر": "إن مستوى المحايثة ليس مفهومًا مدروسًا أو قابلًا للتفكير، ولكن صورة الفكر [2]، الصورة التي يعطيها لنفسه عما يعنيه التفكير، والاستفادة من الفكر، والتوجيه في الفكر ... "يبقى أن يتم تعريفه مكانة هذا المستوى، أو صورة الفكر، فيما يتعلق بالمفهوم، خلق فلسفي حقيقي. إن مستوى المحايثة ليس المفهوم، إنه موجود مسبقًا في القانون. المفهوم إبداع يُفهم على أنه "شمولية للمكونات"، على الرغم من أنه في نفس الوقت دائمًا مجزأ ويشير بشكل لا يمكن إصلاحه إلى مفاهيم أخرى. ومع ذلك، يتم تعريف المفهوم من خلال اتساقه واستقلاليته: "إنه مرجعي ذاتي، يطرح نفسه ويطرح موضوعه، في نفس الوقت الذي يتم فيه إنشاؤه. البنائية توحد النسبي والمطلق"(دولوز وغتاري، 1991، ص 27). أما مستوى المحايثة، وهو اسم آخر لصورة الفكر، فهو ما يمكن للفكر أن يدعيه في القانون، بغض النظر عن أي تحديد ملموس (حالة المعرفة التاريخية) أو أي معرفة علمية (عمل الدماغ). يلجأ دولوز وغتاري إلى صورة "الصحراء المتحركة" التي ستشغلها المفاهيم لتمثل مستوى الجوهر. الفرق الجوهري بين المفاهيم ومستوى المحايثة هو أن المفاهيم هي إبداعات فلسفية بامتياز، بينما مستوى المحايثة هو ما قبل فلسفي، أو ليس فلسفيًا، على الرغم من افتراضه من قبل جميع الفلسفة. إن الصعوبة التي يواجهها أي فيلسوف هي خلق مفاهيم ذات اتساق معين، دون "فقدان اللانهاية التي يغرق فيها الفكر" (دولوز وغتاري، ص. 45 1991) والتي تميز مستوى الجوهر.  لم يتم وصف التوتر بين الفلسفة والفلسفة بهذا الوضوح. تتمثل كل دقة هذا النهج في الحفاظ على مستوى اللزوم في حالته من الحركة والسرعة المطلقة (قطع متحرك على الفوضى) وفي تخصيص مفاهيم متسقة بما فيه الكفاية، والتي تستجيب لمشكلة تحددها صورة الفكر.

نجح دولوز وغتاري في الحفاظ على فكرة اللانهاية والسرعة المرتبطة بمستوى المحايثة بطريقتين. أولاً، فقدت صورة الفكر "جاذبية" الكليشيهات (التي تُفهم بالمعنى الفوتوغرافي لإطار التجميد، الذي يجمد الحركة للاحتفاظ بصورة واحدة فقط دون أن تصبح، بدون قوى) أنها كان في الاختلاف والتكرار. ثانيًا، وهنا نصل إلى نقطة أساسية في فهم أهمية السينما لدولوز، يجب فهم صورة الفكر على أنها ذات وجهين. من ناحية، يشير إلى ممارسة الفكر، ومن ناحية أخرى، يجب اعتباره أمرًا: وبهذا المعنى نقول إن التفكير والوجود شيء واحد. أو بالأحرى، الحركة ليست صورة الفكر دون أن تكون أيضًا مسألة وجود. [...] مستوى المحايثة له وجهين، مثل الفكر ومثل الطبيعة، مثل فيزيس Physis ونوس Noûs. دولوز وغتاري 1991، ص. 41. كما يجب فهم فلسفة دولوز على أنها علم الوجود (دراسة للوجود، من الواضح أن علاقتها بالمادة لها مكانة أساسية) وكدراسة للظروف التي تجعل التفكير ممكنًا: "أهم من الفكر، هناك لديه ما "يعطي للتفكير" (دولوز 1970، ص 117). الآن ما يعطي سببًا للتفكير هو خارجي عن الفكر. لذلك فإن الفكر مشروط بـ "اللامبالاة".

التفكير في اللاّمفكر - الفلسفة واللاّفلسفة

من خلال البحث عن أصله في ذاته، فإن الفكر "يخطئ" أساسه الحقيقي. على العكس من ذلك، من خلال التأكيد على مظهره الخارجي الأساسي، يقر الفكر بأنه ينطلق من "غير مدروس" يُفهم على أنه مطلق "خارجي". لقد أظهرنا للتو أنه في: ما هي الفلسفة؟ يعيد دولوز تقييم صورة الفكر وإعادة تأهيلها: فهي لم تعد "واحدة" بل متعددة، مما يعني أن هناك العديد من صور الفكر أن هناك أنظمة فلسفية. يبني كل فيلسوف "مفاهيمه" و"مشاكله" من صورة لفكره:

ولكن، إذا كان صحيحًا أن مستوى الجوهر فريد دائمًا، كونه بحد ذاته تباينًا خالصًا، فسوف يكون لدينا المزيد لشرح سبب وجود مستويات متنوعة ومتميزة من الجوهر، والتي تنجح أو تتنافس مع بعضها البعض. في التاريخ، بالضبط وفقًا للحركات اللانهائية المحتفظ بها والمختارة. من المؤكد أن الخطة ليست هي نفسها بين الإغريق، في القرن السابع عشر، اليوم (ومرة أخرى هذه المصطلحات غامضة وعامة): إنها ليست نفس صورة الفكر، ولا هي نفس مسألة أن تكون. دولوز 1970، ص. 41

وهكذا يتم وضع تصنيف للفكر: ينطبق على الفلسفة والعلوم والفن ويتم تحقيقه في "إبداعات" (المفاهيم، التأثيرات والإدراك، الوظائف) التي هي التعبير "مشكلة" منقوشة على مستوى (مستوى المحايثة في الفلسفة، مستوى التكوين في الفن ومستوى المرجع في العلم). إن مستوى المحايثة في الفلسفة هو بطريقة ما خطوة ضرورية (على الرغم من أن هذه الخطوة لا ينبغي اعتبارها أولية من وجهة نظر كرونولوجية) بين الفوضى وتكوين المفاهيم التي تمنحها الاتساق. مستوى المحايثة هو "قطع الفوضى"، أو حتى "غربال" الذي يسمح بالحفاظ على السرعة اللانهائية، الحركة المطلقة التي تميزها. وبالتالي، فإن مستوى المحايثة هو، بالنسبة للفكر الفلسفي (الذي يُعرَّف بأنه خالق المفاهيم)، المكان بامتياز حيث يتم فرك الكتفين (الفوضى) غير المفهومة، والتي تُفهم أيضًا على أنها مادة أصلية. إن مستوى المحايثة لم يعد فوضى، لكنه لم يتم التفكير فيه بعد، على الرغم من أنه يدعو إليه في الأساس وهو شرطه: "يبدو أن مستوى المحايثة هو في نفس الوقت ما يجب التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه. سيكون غير مدروس في التفكير "(دولوز 1970، ص 59). لذا فإن مستوى المحايثة هو "واحد" بمعنى أنه يجمع ما لا نهاية للقوى التي يتم التعبير عنها في الفوضى، فهو واحد لأنه هو نفسه تعبير عن هذا اللاّنهاية، ولكنه متعدد بالمعنى. حيث يمثل التعبير عن العديد من صور الفكر بقدر وجود الفلاسفة، كل منها يفترض مسبقًا صورة فكره الخاصة. هذا هو السبب في أن مستوى المحاذاة "مصفح": "لذلك فإن المستوى هو موضوع مواصفات لا نهائية، مما يعني أنه يبدو أنه الوحيد في كل حالة محددة بواسطة التحديد. للحركة. هذه الصعوبة المتعلقة بالطبيعة النهائية لمستوى المحايثة لا يمكن حلها إلا تدريجياً "(دولوز 1970، ص 41-42). لذلك، يواجه كل فيلسوف مطلبًا مزدوجًا يتمثل في بناء مشاكل خاصة به وخلق مفاهيم تتعلق بهذه المشاكل، ولكن أيضًا لكونه جزءًا من خطة ما قبل الفلسفية، والتي لا تتوقف أبدًا عن جذب كليهما. إلى عدم التفكير وإلى الجانب غير الفلسفي للفلسفة: على أي حال، تطرح الفلسفة على أنها قوة ما قبل فلسفية، أو حتى غير فلسفية، كقوة واحدة للجميع كصحراء متحركة بحيث تسكن المفاهيم. لا تعني ما قبل الفلسفة أي شيء موجود مسبقًا، بل تعني شيئًا غير موجود خارج الفلسفة، على الرغم من أن الأخير يفترض ذلك مسبقًا. ربما يكون اللاّفلسفي في قلب الفلسفة أكثر من الفلسفة نفسها، ويعني أن الفلسفة لا يمكن أن تكون مضمونة لفهمها فقط بطريقة فلسفية أو مفاهيمية، ولكنها موجهة أيضًا إلى غير الفلاسفة، في جوهرها [3]. دولوز 1970، ص. 43

صورة الفكر والصورة السينمائية

إذا كان من المعقول اعتبار أن الصورة المتحركة والصورة الزمنية هما بالفعل عملين في السينما، تظل الحقيقة أن المشروع يأخذ، في نظرنا، كل نطاقه من حيث الانعكاسات بشكل فلسفي من قبل جيل دولوز. للاقتناع بهذا، من المستحسن أن نتذكر الحركة المزدوجة التي تحرك ما هي الفلسفة؟ في الوقت نفسه، يؤكد دولوز وغتاري على استقلالية التخصصات الانعكاسية الثلاثة (الفلسفة والعلم والفن)، ولكنهما يشيران أيضًا إلى أنه يمكن للمرء أن يبني الجسور بين هذه التخصصات، وأن بعض المواجهات يمكن أن تحدث بينهما. من وجهة نظر نظرية، لا يوجد نظام يهيمن على الآخر؛ في السينما 1 و 2، بدأ دولوز في رسم "مفاهيم السينما" ، وهو بالفعل كفيلسوف يقترب ويدرس الفن السابع. هناك جانب آخر من مشروع دولوز واضح، هذه المرة في محاضراته: إن تطور صور الفكر الفلسفي، من الصورة الكلاسيكية للفكر إلى الصورة الحديثة، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالولادة ولتطوير السينما. يمكننا حتى أن نقول أن السينما تتيح لدولوز الفرصة لتقديم تعريف للمادة، متأثرًا بكتابات برجسون وسيموندون. باختصار، نحن نتفق في القول، مع ريموند بيلور (1995، ص 32)، أن السينما تتيح لدولوز الفرصة "للبدء في تاريخ العالم من تاريخ السينما. وهكذا تتشكل الرغبة في تاريخ السينما والرغبة في تاريخ العالم والرغبة في تاريخ الفلسفة معًا وتجذب بعضها البعض ". يجب فهم هذا التاريخ على أنه نشأة العالم الحساس.

مسألة الإنسان الآلي

"انظر، نقطة البداية بسيطة للغاية، كل الأفكار تفترض مسبقًا صورة للفكر. إذن، أي لقاء يوجد، إن وُجِدَ، بين صورة الفكر والصورة السينمائية؟ " (دولوز، 30 أكتوبر 1984). يقدم دولوز بسرعة إجابة على هذا السؤال: لا شك في أن الصورة السينمائية ستتعلق بصورة معينة دقيقة للغاية للفكر الذي سيحدثه هو نفسه. سيكون السؤال: هل تتداخل هذه الصورة الفكرية التي تنتجها الصورة السينمائية مع صور الفكر الخاصة بالفلسفة؟ [4] دولوز، 30 أكتوبر، 1984

المشكلة المطروحة بوضوح كبير هنا هي ما يلي: كيف يمكن للسينما أن تكون أصل الافتراضات الفلسفية الجديدة، حيث أن كل الفكر الفلسفي يفترض مسبقًا صورة عن نفسه؟ يقدم دولوز ردا على عدة مراحل. بادئ ذي بدء، كان رواد السينما ينظرون إلى السينما على أنها ثورة فكرية: سيرجي آيزنشتاين، وجان إبستين، وإيلي فور، وابل جانس، من بين آخرين ، رأوا في السينما "طريقة جديدة" في التفكير تتجاهل لغة واضحة. على سبيل المثال، كان إبستين من أوائل من وضعوا نظرية في السينما، وذهب إلى حد التأكيد على وجود فكر سينمائي أنتجته الآلة نفسها [5]. يصر دولوز بشكل خاص على هذه الشخصية الأساسية للسينما: الصورة نفسها تتحرك (إنها حركة الصورة) وهي تفعل ذلك بطريقتين. أولاً، بحكم أتمتة عمليات التصوير والعرض، وثانيًا، بسبب الطابع التلقائي الخاص بمحتوى الصور نفسها (موضوع قوة الأحلام، الزومبي، السائرون أثناء النوم في العمل في السينما التعبيريّة الألمانيّة، موضوع العلاقة بين الحيّ والآلي في المدرسة الفرنسيّة…). وهكذا يمكنه أن يستنتج أن الأتمتة التقنية للصورة السينمائية تشير إلى ارتباطها، والذي سيكون آليًا لفكر يفلت من الوعي ("التلقائية العقلية" التي طورها غايتان دي كلايرامبولت في الطب النفسي في ذلك الوقت. ولادة السينما، أو حتى "الذاتية التلقائية" التي يطالب بها السرياليون). "لأن الصورة السينمائية هي صورة تلقائية، فهي بعيدة كل البعد عن منعنا من التفكير، بل تجعلنا نرتقي في الحلم القديم، لكننا أدركنا فقط من خلال السينما، حلم الإنسان الروحي" (دولوز، 30 أكتوبر 1984). تسمح أوتوماتيكية الصورة السينمائية للفلسفة بتعطيل صورتها الفكرية من خلال الافتراض المسبق أن الفكر لم يعد ينشأ من الذات، بل من الخارج المطلق، الذي يتجلى في السينما من خلال الطابع المزدوج لآليتها.

هكذا يؤسس دولوز تآزرًا قويًا للغاية بين اختراع الصورة السينمائية، التي تتميز بآليتها، وما يصاحب ذلك من ولادة صورة جديدة للفكر في الفلسفة ترفض نموذج الشيء نفسه، موضوع التفكير، والذي يدعي قوة الخارج وضرورة التفكير في الفلسفة في علاقتها مع اللاّفلسفي. السينما هي أحد مظاهر ذلك: إنها فن مستقل (صانعو الأفلام ليسوا فلاسفة، إنهم يصنعون أشياء أخرى تمامًا)، لكن لديها أيضًا هذه القدرة على توليد صورة جديدة للفكر الفلسفي. وبشكل أعمق، تتجلى قوة الخارج في السينما بظهور صورة زمنية والتي بدلاً من تقييد الصور (وفقًا للمخطط الحسي الحسي)، "تفكيكها" وتفسح المجال لعهد التخفيضات غير المنطقية. لذلك يبدو أن السينما هي نوع من النموذج لعمل الفكر. التخفيضات اللاعقلانية (الوصلات الزائفة، التلاشي، إلخ، التي تعمل كـ "إعادة تسلسل") ستكون بطريقة ما تعبيرًا، عرضًا لصورة جديدة للفكر. سوف يجعلون حرفياً ما هو حساس ومُدرَك في الفلسفة: التخفيضات غير المنطقية، قوة الخارج، "هذا هو الموضوع الأساسي لكل من الصورة السينمائية وصورة الفكر" (دولوز، 27 نوفمبر 1984).

لتلخيص العلاقة بين صورة الفكر والصورة السينمائية بإيجاز، يمكننا القول إنه وفقًا لدولوز، هناك صورتان عظيمتان للفكر تواجهان بعضهما البعض وتتبعان بعضهما البعض: واحدة، تخضع لنموذج الشيء نفسه وتستند إلى الافتراض المسبق أن الفكر يريد الحقيقة، هي صورة يكون فيها الفكر قادرًا على ربط الافتراضات معًا بطريقة منطقية؛ الآخر، على العكس من ذلك، يدعي قوى الباطل، ويعمل عن طريق "إعادة الربط" ويؤكد الخارج المطلق، والذي من شأنه أن يجبر المرء على التفكير. تتحدى الصورة السينمائية، من خلال آليتها، الصورة القديمة للفكر. ومع ذلك، والاعتراض القوي، من خلال اعتبار السينما من خلال تاريخها موضوعًا للدراسة، يؤسس دولوز قطعًا بين حركة الصورة وزمن الصورة، كما لو كان تاريخ السينما يستأنف. على حسابها الخاص تاريخ الفلسفة نفسها مع هذا المقطع من صورة إلى أخرى. لذلك، تتمتع السينما بمكانة مزدوجة: فهي تسمح للفكر بإعطاء نفسه صورة جديدة عن نفسه، منذ إنشائه، ولكن في نفس الوقت، قسم كامل من السينما (قسم الصورة - حتى فترة ما بعد الحرب) على الصورة القديمة للفكر. لذلك، يتعدى تاريخ السينما هذا، إلى ما وراء المرور من حركة الصورة إلى وقت الصورة، أن نفهم ما تتكون منه الطبيعة الجديدة والحاسمة لوجهة النظر. النظرة الفلسفية للصورة السينمائية. للحصول على تعريف غير تناظري للصورة السينمائية: الصورة= =الآلية=الحركة، تمنح السينما دولوز الفرصة لصياغة تعريف للصورة بشكل مستقل عن أي إشارة إلى أي محاكاة. الصورة، وخاصة الصورة السينمائية، لا علاقة لها باستنساخ الواقع. عند قراءة الصورة- الحركة، ليس هناك شك في تأثير برجسن على تعريف دولوز للصورة السينمائية. يشير دولوز صراحة إلى الفصل الأول من المادة والذاكرة (برجسن 1993)، والذي يسمح له برفض أي تعريف تناظري للصورة، وبشكل خاص للصورة السينمائية. يأخذ الصيغة التي وفقًا لها "الصورة = المادة = الحركة". يجب أن تُفهم الصورة، بالمعنى البرجسوني للمصطلح، على أنها حالة مادة، تُفهم نفسها على أنها حركة. وهكذا، فإن العالم نفسه هو الصورة. الصورة، بهذا المعنى، ليست مزدوجة، تمثيل (حتى ذهني)، ولكنها الحالة الأصلية للمادة، وهي تجمع بين القوى. الفكر، من ناحية أخرى، هو "كأس متحرك"، فترة زمنية في هذه الحالة، في هذه الحركة ذات السرعة المطلقة وتتألف من قوى متعددة. عندما تقوم الصورة نفسها بالحركة، هناك فرصة جيدة بالنسبة لي أنها لم تعد تناظرية. لأنها استوعبت الشيء الذي أصبح جزءًا من الصورة. الكائن خارجي للصورة فقط طالما أن الصورة ثابتة. إذا تحركت الصورة، يصبح الكائن جزءًا من الصورة نفسها. لن يكون للصورة أي علاقة أخرى غير الكائن في الصورة. سيكون الكائن جزءًا من صورة، وبهذا المعنى لن يكون تمثيليًا. دولوز، 8 كانون الثاني (يناير) 1985. من خلال رفض أي تعريف للصورة السينمائية على أنها تشبيه، يقوم دولوز في نفس الوقت بعمل تعويذة في صورة الفكر التي تأسست على نفس. وهكذا يعلن أن الصورة السينمائية تعدل الشيء بدلاً من أن تشبهه. بعد الرسم والأدب، يكشف الفن السينمائي عن نقاط القوة ويسمح لنا بالتعبير عن الفكرة التي بموجبها، في كل كائن، في كل تفرد، يكون الشيء الوحيد الذي هو يعبر ويحقق. تجعل الصورة حساسة للقوى، أو حتى الأفعال وردود الفعل التي تحرك المادة [6].

السينما كتعديل للمادة

السينما قادرة، حسب دولوز، على إنتاج صور فكرية. لا يزال يتعين علينا فهم ما هو عليه. دعونا نعترف الآن بأن السينما قادرة على تعديل الصورة الفلسفية للفكر. لذلك يجب أن نحاول فهم ما يشير إليه عدد من المنظرين والفلاسفة بـ "الفكر السينمائي". من ناحية أخرى، يفضل دولوز مصطلح صورة الفكر. لا يتعلق الأمر بالقول إن السينما تمثل الفكر بالحركة والصوت. بدلاً من ذلك، يتعلق الأمر بإظهار كيف يمكن للصورة السينمائية، كتحويل للمادة، أن تولد الفكر وتنتج عنه. في مقال مخصص لمفهوم التعديل، تعود أنا سوفانيارجاس إلى التأثير الأساسي لـسيموندون في عمل دولوز، وهو تأثير حجبه نسبيًا عن هذا الأخير، الذي فضل إبراز مساهمة برجسن في عمله. توضح آن سوفاجنارج أن العقيدة الشبيهة بالهيكل الموروثة من أرسطو محل تساؤل من قبل دولوز، من نفس المنظور الإشكالي مثل سيموندون ، الذي من الضروري بالنسبة له التفكير في مسألة أصلية ما قبل فردية. سيتحقق هذا في نهاية عملية التعديل التي تُفهم على أنها معلومات عن مادة من قالب متغير وزمني [7].

يجعل التعديل من الممكن تنظير هذا الشكل المتبادل، بدلاً من التفكير في الكائن كما يتكون من الشكل الذاتي. وفقًا لدولوز، ينتج عن هذا تعريف جديد للحقل المتعالي، متحررًا من الخضوع لصيغة الذات، منفصل عن الوعي، يُفترض على العكس من ذلك على أنه "غير شخصي وما قبل فردي"، لأنه يحدث من خلال اللقاء، عند التداخل بين الجينات غير المتجانسة التي يتم التفكير فيها والحساسية، في اختلافهما، كحل إشكالي لاختفائها ينتج بعدًا جديدًا، بمعنى أنه يحقق نفسه كحدث. سوفانيارجاس2002، ص. 83

يولد الفكر حقًا في مواجهته لهذه المادة الأصلية في عملية التعديل (يجب أن يُفهم التعديل هنا باعتباره قطعًا زمنيًا للمادة). دعونا نذهب إلى أبعد من ذلك ونؤكد أن الفكر يمكن حتى أن يُفهم على أنه عملية تعديل المادة ذاتها. من هذا المنظور يسعى دولوز إلى تطوير سيميائية جديدة للسينما تدعي رفض أي تصور للفن السابع كلغة. يأخذ نموذجًا لعمل اللغوي غوستاف غيوم، الذي يقترح نظرية للغة تستند إلى وجود مسألة ما قبل لغوية. يكرس دولوز مساره في 26 مارس 1985 لشرح فكر غيوم من خلال عرض تعليمي للغاية. يمكن للمستمع بعد ذلك أن يأخذ مقياس النموذج النظري الذي طوره دولوز لتعريف الفكر وعلاقته الضرورية مع التفكير. بإعلانه أن السينما ليست مسألة لغويات، يؤكد دولوز (26 مارس 1985) على الأولوية الوجودية للمادة؛ ما لم نعتمد تعريف علم اللغة الذي صاغه غيوم، والذي يفترض أنه شرط للغة "مسألة ما قبل لغوية". سيعمل الفكر على قطع هناك، وبالتالي يحصل على "صورة، لحظية" يسميها غيوم "التراجع المدلول" والتي "تعبر عن القطع الذي تعمل فيه الكلمة على [مسألة ما قبل اللغة]" (دولوز، 19 مارس 1985). يضع الفكر "غربالًا" على مادة ما قبل اللغة من أجل استخلاص كلمات لها معنى ثابت. وبالتالي فإن الكلمة هي وجهة نظر حول مادة ما قبل اللغة (التي حددها ويليام بعبارة "تدل على القوة"). إن دلالة القوة، المادة ما قبل اللغوية، هي حركة خالصة تحتاج فقط إلى أن تتحقق في أكثر أو أقل من الدلالات المهزومة عمومية أو خاصة (هنا نجد عملية تعديل المادة). إنه لأمر مزعج أن نسمع دولوز يعلن، وكأن هذه العبارة كانت صدى متوقعًا لتعريفه لصورة الفكر في: ما هي الفلسفة؟: "يقول غيوم أن رمز القوة يسبق اللغة، لكنه لا يقول إنها تسبقها في الواقع، إنها تسبقها في القانون وهي الارتباط المثالي للغة. "مع غيوم نشهد" انبعاث الفلسفة الذي يحدث خلف ظهر علم اللغة! " (دولوز، 26 مارس 1985). كل الفكر، سواء كان فلسفيا أم لا، ينطلق من صورة لذاته، صورة للفكر. لمقارنة السينما، بدت الصورة السينمائية وصورة الفكر مثمرة لنا لأنها سمحت لنا بتحديد أساس الأنطولوجيا الدولوزية. للسينما مكانة خاصة جدًا في عمل دولوز: فمن ناحية، تجعل من الممكن الكشف عن الصورة الفلسفية للفكر وتعديلها من خلال المساعدة في إنشاء افتراضات مسبقة جديدة (استنادًا إلى الفكرة الجديدة لأتمتة التفكير. الفكر، بقوة الخارج من خلال "إعادة التسلسل" غير العقلاني للقضايا أو الصور)؛ من ناحية أخرى، السينما هي التعبير بامتياز عن العلاقة بين المادة والفكر. في الواقع، لا يمكن للفكر أن يولد إلا من مواجهة مع المادة، ولا يمكن تصور المادة نفسها إلا في عملية تحقيق وتعديل (قطع متحرك وزمني) مما يسمح لها بالوصول. ترتيب الحساس. إذا كانت الصورة السينمائية، كما حاولنا أن نبين، "تتوافق" بالفعل مع صورة الفكر الفلسفي، فهل يمكن اعتبار السينما إحدى الوسائل الجديدة للتعبير الفلسفي التي دعا إليها دولوز؟ ؟ فقط إذا اعترفنا بذلك هنا أيضًا، تتجلى الفلسفة خلف ظهر السينما."

مذكرة السيرة الذاتية: سوزان هيم من لاكوت: تعمل محاضرة في جامعة باريس 1 - بانثيون سوربون ، حيث تواصل كتابة أطروحة دكتوراه في جماليات السينما. في عام 2001، نشرت كتاب دولوز ، الفلسفة والسينما، نشر ، الهرمتان.

ملاحظات

[1] دورات جيل دولوز حول السينما متوفرة في نسخة صوتية في مكتبة فرنسا الوطنية.

[2] نحن نؤكد.

[3] سيكون من المستحسن تحليل تأثير هايدجر على دولوز بدقة من خلال الأخذ بعين الاعتبار ما يقوله هايدجر هنا (1999 ، ص 77): "إذًا لا يصبح من الواضح أن الجوهر الحميم لما يحدد و يقود كل الميتافيزيقا الغربية ، في كينونة الوجود ، شيء مما يجعل هذا الكائن ظل غير وارد؟ من خلال سؤال "الوجود والزمن" ، فإن الهدف هو عدم التفكير في كل الميتافيزيقا. على هذا المجهول تقع كل الميتافيزيقا. وبالتالي فإن عدم التفكير فيها ليس نقصًا في الميتافيزيقيا. حتى أقل من ذلك ، لا تسمح الميتافيزيقيا لنفسها بأن تُفسَّر على أنها زائفة ، ولا حتى تُرفض كممر زائف ، أو مسار زائف ، بحجة أنها تستند إلى هذا غير مفكر. "

[4] نحن نؤكد.

[5] نشير في هذا الصدد إلى مقالنا "إبشتاين ودولوز ، السينما وصورة الفكر" (Hême de Lacotte 2005).

[6] هذا هو بالضبط ما تظهره آن سوفانيارجيس (2005 ، ص 37) في أحدث أعمالها الممتازة. وكتبت أن دولوز يفهم الصورة "بالمعنى البرجسوني ، كظهور ، ونظام من الإجراءات وردود الفعل على مستوى المادة نفسها ، بحيث لا تحتاج الصورة إلى أن تكون مدركة ، ولكنها موجودة في حد ذاتها كاهتزاز ، اهتزاز ، حركة ".

[7] انظر في هذا الموضوع دولوز 1983 (ص 37-39).

Références bibliographiques

 

........................

1-     Bellour 1995 : Raymond Bellour, « Penser, raconter le cinéma de Gilles Deleuze », dans Olivier Fahle et Lorenz Engell (dir.), Le cinéma selon Deleuze, Weimar/Paris, Verlag der Bauhaus-Universität Weimar/Presses de la Sorbonne Nouvelle, 1995, p. 22-40.

Google Scholar

2-     Bergson 1993 : Henri Bergson, Matière et mémoire, Paris, PUF, 1993.

Google Scholar

3-     Deleuze 1968 : Gilles Deleuze, Différence et répétition, Paris, PUF, 1968.

Google Scholar

4-     Deleuze 1970 : Gilles Deleuze, Proust et les signes, Paris, PUF, 1970.

Google Scholar

5-     Deleuze 1983 : Gilles Deleuze, Cinéma 1. L’image-mouvement, Paris, Minuit, 1983.

Google Scholar

6-     Deleuze 1985 : Gilles Deleuze, Cinéma 2. L’image-temps, Paris, Minuit, 1985.

Google Scholar

7-     Deleuze et Guattari 1991 : Gilles Deleuze et Félix Guattari, Qu’est-ce que la philosophie ?, Paris, Minuit, 1991.

Google Scholar

8-     Heidegger 1999 : Martin Heidegger, Qu’appelle-t-on penser ?, Paris, PUF, 1999.

Google Scholar

9-     Hême de Lacotte 2005 : Suzanne Hême de Lacotte, « Epstein et Deleuze, cinéma et image de la pensée », Chimères, no 57, 2005, p. 75-88.

Google Scholar

10- Sauvagnargues 2002 : Anne Sauvagnargues, « Le concept de modulation chez Gilles Deleuze, et l’apport de Simondon à l’esthétique deleuzienne », dans Stéfan Leclerq (dir.), Concept, hors série, 2002, p. 165-199.

Google Scholar

11- Sauvagnargues 2005 : Anne Sauvagnargues, Deleuze et l’art, Paris, PUF, 2005.

Google Scholar

الرابط:

https://www.erudit.org/fr/revues/cine/2006-v16-n2-3-cine1619/014615ar

 

كاتب فلسفي/

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن مفهوم الصدق عند ألفريد تارسكي، وهنا ننتقل لحديث عن "نظرية الإتساق" The Coherence Theory في الصدق؛ فهي من النظريات التقليدية المنافسة لنظرية المطابقة – وقد نادى بها كبار الفلاسفة العقلانيين المحدثين مثل " ليبنتز"Leibniz (1646- 1716) و "اسبينوزا " Spinoza (1632-1677)، والفلاسفة المثاليين المحدثين والمعاصرين الذين يؤلفون ما يسمى عادة بالمثالية الجديدة، أو الهيجلية الجديدة التي سادت منذ منتصف القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن الحالي، وقد تمثلت في فلسفات توماس هل جرين .T. H. Green  (1836 – 1882) وبرادلي Bradly    (1846 – 1924) وبوزانكيت Bosankquet (1848 – 1923) و " هـ . يواقيم H. Joachim في إنجلترا، ورويس J. Royce (1855-1916) وبلانشارد Blanshard (1982) في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الملاحظ أيضاً أن بعض أصحاب الوضعية المنطقية مثل " أوتيراث " Otto Neurath(1882- 1945) وكارل همبل Karl Hempel (1905 -1997) تحمسوا لهذه النظرية رغم أنهم تجريبيون متطرفون.

وبالتالي فإن نظرية الإتساق في الصدق، يمكن أن تعزى إلي عدد مختلف من الفلاسفة أمثال " فشته " Fichte (1762- 1814)، و" هيجل " Hegel  (1770-1831)، و " برادلي " و" بلانشارد " Blanshard (1892- 1987) ؛ فالفكرة في بعض الأحيان يمكن أن ترد إلي كانظ ومن قبله اسبينوزا، ولكن لا بد من الإقرار، بأن هؤلاء الفلاسفة قد اختلفوا في تناولهم لتصور الصدق، فيجب علينا أن نعرف نظرية الاتساق في الصدق، على نحو أن الصدق يتسق عضوياً في فئة اتساق الاعتقاد المثالي والفعل، وفي نفس اللحظة يجب علينا أن نحاول وصف هذه النظرية على هذا النحو .

(م) تكون صحيحة في حالة واحدة فقط، وهي أن تندرج (م) تحت فئة صنف القضايا المتسقة . ويوجز بلانشارد نظريته في الإتساق، إذ أنه يقول لا يمكننا أن نقدم تعريفاً تعريفاً مقنعاً تماماً للإتساق . والمعرفة المتسقة، معرفة نجد فيها كل حكم يتضمن سائر الأحكام الأخري، وقد نجد في نسق الهندسة الإقليدية مثالاً للإتساق، رغم أن ذلك لا يحقق هذا النسق المثل الأعلى للإتساق لأنه لا برهان فيه على المصادرات الواردة، كما أن هذه المصادرات مستقل بعضها عن بعض، بمعنى أنه لا يمكن اشتقاق بعضها من بعض .

ويمكن تبسيط نظرية الاتساق بوجه عام كما يلي : الصدق اتساق، والاتساق علاقة معينة بين قضايا نحكم على مجموعة معينة منها تؤلف نسقاً بأنها صادقة، إذا كانت متسقة وأول معاني الاتساق ألا تكون إحدى قضايا هذا النسق كاذبة وباقي قضايا النسق صادقة وثاني معاني الاتساق أن يتحقق بين قضايا النسق الواحد لزوم منطقي متبادل أي يمكن اشتقاق أية قضية من باقي قضايا النسق وأن تعتمد هذه القضايا على بعضها البعض .

ويعني الاتساق ألا يكون في النسق قضية مستقلة بذاتها منعزلة منطقياً عن المجموعة. ولذلك يصبح الاتساق معياراً نحكم من خلاله بصدق قضية ما، وتقول نظرية الاتساق أيضاً إن الاتساق مثل أعلى لا يمكن تحقيقه من حيث إننا كائنات عاقلة محددة القدرة، ولكن كلما حققنا قدراً من الاتساق اقتربنا من المثل الأعلى، ويستشهد أصحاب النظرية – باتساق الرياضيات البحتة والمنطقية كنماذج للاتساق وأن تبين لهم أنها لم تبلغ الاتساق الكامل، ولا تكتف نظرية الاتساق بتفسير صدق قضايا الرياضيات والمنطق، وإنما تفسر أيضاً صدق قضايا الواقع، إذا أخذنا إحدى قضايا التاريخ وقلنا وقعت " موقعة والتروا " عام 1815م، فإن صدقها يتوقف على كتب التاريخ، والوثائق والآثار، وكذلك الحال في ساحات القضاء حين يقارن القضاة شهادات الشهود في قضية ما فإنهم يقبلون الشهادات المتسقة ويرفضون الأقوال المتعارضة، بل أننا نقيس صدق القضايا التجريبية – مثل أحكام الإدراك الحسي – بمعيار الإتساق.

فالإتساق هو العلاقة بين القضايا، وليس العلاقة بين القضية وشيء آخر كما يحدث في نظرية التطابق ويكون بين القضية والواقع، والذي لا يكون من قبيل القضايا .

أما عن النظرية البراجماتية : The Pragmatic Theory  ؛ يحلل الفلاسفة البرجماتيون مفهوم " الصدق " علي أنه مرادف تماماً لمفهوم الحقيقة Reality، أو بتعبير آخر أدق علي أنه يعني التطابق التام بين الحكم والحقيقة "، ويري " تشارلز ساندرز بيرس " Charles Sanders Peirce (1839- 1914)، أن الحقيقة قابلة للتحديد وللتعبير عنها من خلال الفكر .

وتعد نظرية الصدق أو مشكلة الصدق كما يحلو للبعض أن يسميها من أهم وأعقد الموضوعات في البراجماتية، ويكاد لا يخلو كتاب من الكتب التي تتناول نظرية الصدق من الإشارة إلي نظرية الصدق البراجماتية The Pragmatic Theory of Truth . بالإضافة إلي إشارتها إلي نظريتي التطابق Correspondence والاتساق Coherence، فالواقع من وجهة نظر " وليم جيمس " William James (1842-1910)، يتألف من ثلاثة عناصر،هي الأشياء والوقائع والعلاقات الجزئية بينها، فلم يري العلاقات صناعة إنسانية لكي نفهم الأشياء في ترابطها كما رأي " التجريبيون الإنجليز" السابقون، وإنما هي عنصر في تركيب الواقع كالجزيئات تماماً، ومما هو جدير بالذكر أن العلاقات بين الأشياء عند جيمس خارجة عن هذه الأشياء، وليست جزءً من تركيب الأشياء .

وفي هذا السياق ينتقد "جيمس" نظرية العلاقات الداخلية عند المثاليين وخاصة برادلي . لكنه يضيف إلي هذا التصور للواقع تصوراً آخر هو أن الواقع لا صدق فيه ولا كذب وإنما هو موجود أخر ونحن الذين نحكم عليه، نخضع للوقع من جهة لأنه المصدر الوحيد لمعرفتنا، لكنه من جهة أخرى يخضع لنا بمعنى أنه لين مرن يقبل التشكل بما يناسب أغراضنا المختلفة في السياقات المختلفة، وبالنسبة للمطابقة يعرفها "جيمس" على نحو يتجنب صعوبات المطابقة التقليدية التي كانت ترى أن المطابقة، إما إعطاء نسخة ثانية للواقع، أو أن بين الفكرة والواقع تشابهاً في التركيب، وقد كان هذا التصور للمطابقة مثيراً للاعتراضات، فلتعريف " جيمس " للمطابقة ثلاثة جوانب : يجب أن تذهب لب الفكرة الصادقة إلي شيء محسوس في الخارج أو واقعة تكون موضوع تلك الفكرة، كما يجب أن ننتقل من الفكرة إلي موضوعها عن طريق سلسلة من خبرات جزئية محسوسة، وينتج عن ذلك إحساس بالرضاء والارتياح والاقتناع .

إذا قيل لي " يوجد مكتب في الحجرة المجاورة "، فإني اختبر صدق هذه القضية بالذهاب إلي تلك الحجرة لأرى ذلك المكتب فعلاً رؤية حسية واضحة، بحيث يمكنني وصفه بالتحديد، حينئذ تكون الفكرة صادقة. أما إذا ذهبت إلي الحجرة ولم أجد ذلك المكتب على النحو السابق وطلب مني مثلاً أن أتخيل وجوده فالقضية كاذبة، ومن الواضح أن الفكرة الصادقة تحقق لي رضاً وارتياحاً Satisfaction .

وطبقاً لمعيار الصدق في شكله البسيط والواضح نجد أن البراجماتية تحدد الصدق على النحو التالي " لو أن فكرة تعمل، وبعدها تكون صادقة، فطبقاً لذلك فإن قدرة هذه الفكرة على العمل يؤكد صدقها، وفي عبارة أخرى، لو أن فكرة ما غير هامة (غير منطقية) ولا توجد حقائق تؤيدها فإن هذه الحقيقة تكون غير ذات معنى Meaningless .

وقد أراد جيمس أن يطبق منهجه العلمي على مشكلة طبيعة الحقيقة، فذهب إلي أن ما يحدد معنى الحقيقة Truth، إنما هو ما يترتب عليها من نتائج Consequences، فالنظرية الصحيحة إن هي إلا تلك النظرية التي تقودنا بالفعل إلي النتائج العملية الفعالة .

بيد أننا نجد عند "جيمس" تعريفاً أخر للحقيقة يختلف عن التعريف السابق من بعض النواحي، إذ نراه يقول إن القضية لا تكون صحيحة (أو حقيقية) إلا إذا كان في قبولنا لها ما ينتهي بنا إلي نتائج مرضية، أعني أن صدق القضية رهن بما يترتب على التسليم بها من إرضاء لحاجات الفرد البشري سواء كانت حاجات بسيطة أم معقدة . وبينما نجد أن التعريف الأول للحقيقة لا يكاد يخرج بنا عن مجال الإدراك المباشر للموضوع، بينما نجد التعريف الثاني يكاد يكون مستقلاً تمام الاستقلال عن كل إشارة إلي الإدراك .

فالنظرية البراجماتية في الصدق هي واحدة من النظريات التي تجعل الصدق يدخل في علاقة بين القضايا والمؤمنين بها . فالصدق في النظرية البراجماتية يتضمن علاقة هامة مع المؤمنين بها، وطبقا لهذا تكون النظرية البراجماتية على علاقة مع النسبية وعلى خلاف مع نظرية التطابق في الصدق، فإخفاق النظرية البراجماتية في الصدق سوف يشجع التأكيد على أن الصدق يستلزم مثل هذه العلاقة الهامة العميقة بالنسبة للمؤمنين بها لكي يتجهوا إلي نظرية الإتساق في الصدق .

كما يشير " جيمس " إلي أن الأفكار، تغدو صادقة بقدر ما تعيننا على الوصول إلي علاقات مشبعة مع الأجزاء الأخرى بخبرتنا . " ففكرة ما تكون صادقة بقدر ما نعتقد أنها مفيدة لحياتنا، والحقيقة هي نوع من أنواع الخير وهي ليس مقولة منفصلة، والصدق يطرأ علي الفكر، فالأحداث هي التي تجعلها صادقة، ومن الصواب أن نقول مع العقليين أن فكرة صادقة، يجب أن تتفق مع الواقع، ولكن الاتفاق مع الواقع ليس معناه " نسخه " .

وبالتالي فإن الأفكار الصادقة أو الحقيقة هي الأفكار التي يمكن أن نتحقق منها، التي يمكن أن نثبت صحتها، والتي يمكن لنا تقويتها وتدعيمها، والأفكار الكاذبة هي التي لا نستطيع أن نقوم بشيء من هذا إزاءها، فالصدق على ذلك محدث للفكرة، وهذا الصدق ذاته يتولد من الأحداث، فصحة الفكرة مرهونة بحادثة أو بعمل، فامتلاكنا لأفكار صادقة يعني أننا نمتلك أدوات للعمل، ومن المقطوع به أن للمعتقدات الصادقة المتصلة بالواقع أهمية بالغة في حياة الإنسان، فنحن نعيش في عالم وقائع Realities قد تكون نافعة وقد تكون ضارة، والأفكار التي ترشدنا إلي الوقائع التي نأخذ بها هي أفكار صادقة .

أما عن نظرية الإضافة غير الضرورية : The Redundancy Theory.، فهي أخر النظريات في حلقات تطور مشكلة الصدق، وتقول باختصار أن الكلمات والعبارات (صادق) و(كاذب) . " من الصدق أن ..... " . " ومن الكذب أن ...... ". لا تصف قضايا بقدر ما توجه الانتباه إلي تأكيد ما تقول أو التسليم به أو دفع الشك في صورة منطقية موجزة هو فريجه عملاق الرياضيات والمنطق في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد رأي أن " ق صادقة " (ق ترمز إلي قضية هامة لا تزيد شيئاً عن مجرد قول " ق " نفرض أن شخصاً نطق بجملة وأدعى أنها تعبر عن قضية صادقة، مع أنها ليست كذلك مثل: " أرى برتقالة أمامي " . فقد أكون مخدوعاً فيما أرى، لا يتناول " فريجه " هذا النوع من القضايا التي تقرر صدقها بطريق أو بأخر، ويضرب مثلاً بقوله " بروتس قتل  قيصر " .

وقد أفاض في هذه النظرية الفيلسوف والرياضي  الإنجليزي المعاصر" فرانك بلوبتون رامزي Frank Plumpton Ramsey (1903-1930) " في مقال كتبه عام 1927، وقال فيه أن القضية (من الصدق أن قيصر مات مقتولاً لا تعني أكثر من القضية  (قيصر لم يمت مقتولاً)، ولذا فإن (صادق) و(كاذب) لا تصف القضايا .

ولهذه النظرية وجاهتها من عدة أمور:

1- كثرت نظريات الصدق وتعددت لكن كلاً منها كان موضع النقد والاعتراض، وقد يعني هذا أننا حين نبحث عن الصدق نبحث عن مشكلة لا وجود لها، كما يعني أن هناك مشكلة فعلاً، لكن النظريات السابقة لم تقدم حلاً مرضياً، وإذن فنحن في حاجة إلي نظرية جديدة.

2- قيمة صدق أية قضية (ق) هو ذاته قيمة صدق القضية (ق صادقة)، وبالمثل قيمة صدق (لا – ق) هي ذات قيمة صدق (ق كاذبة)، وقد تقوم هذه الهوية في قيمة الصدق دليلاً على هوية المعنى، مثلما نقوم (محمد أعزب) تساوي في المعنى (محمد رجل غير متزوج) .

ورغم ذلك فلا تخلو النظرية من النقد وذلك كما يلي :

- توجد شكوك منطقية حول الهوية المزعومة بين الصدق والمعنى، إذا كان لدينا قضيتان متساويتان في الصدق، فهما متكافئتان أي يمكن استبدال إحداهما بالأخرى، لكن لا يلزم أن تكون القضيتان المتكافئتان متساويتان في المعنى، لأن التكافؤ المنطقي لا علاقة له بالمعنى.

- " أول من صاغ قانون الطفو " أرشميدس "، وأول من صاغ نظرية الجاذبية الكلية هو "نيوتن" – قضيتان متكافئتان في صدقهما . لكن معناهما مختلف. ومن الواضح أنه توجد قضايا لها معنى لكنها ليست صادقة فمثلاً (الأشباح مخيفة) قضية لها معنى لكنها ليست صادقة.

- قد نقول عن قضية أنها صادقة دون أن نعرف معناها، ومثال على ذلك حين أصدر حكماً بأن " كل ما يقوله هذا الشاهد صدق " . حتى قبل أن نسمع أقواله، وذلك اعتماداً على ثقتي في صدقه .

- يمكننا أن نسأل دائماً عن الأسباب أو المبررات أو المعايير التي تدعونا إلي التسليم بقضية ما أو عدم الشك فيها أو الثقة في مضمونها .

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان الفلاسفة لم يقنعوا بالمعني اللغوي الدقيق للصدق، فإنهم عالجوا الصدق من جميع جوانبه وقدموا نظريات متنوعه ومتباينة كان من أبرزها نظرية الإتساق القائلة بأن الصدق يكمن في علاقة الإتساق بين الاعتقادات الصادقة . أما نظرية التطابق فلا تعول علي علاقة القضايا بعضها ببعض، وإنما علي علاقتها بالعالم، فالقضية تكون صادقة عندما تطابق الوقائع وتناظرها. أما النظرية البراجماتية فترتبط بصلات حميمة مع نظرية الإتساق والتطابق وتقرر أن الاعتقادات الصادقة هي التي تكون مثمرة وتتمتع بقيمة فورية في حدود الخبرة . أما نظرية الإضافة فتعول علي أن الصفة " صادق" إضافية لأن القول بأن من الصدق أن "ق" يكون مكافئا للقول بأن " ق"، وأخيراً نأتي هنا لنوضح في الصفحات التالية النظرية السيمانطقية (الدلالية) لدي تارسكي وفيها يؤثر المفهوم الدلالي للصدق عند تارسكي بطريقة أو باخري في سائر نظريات الصدق السائدة، وفي الواقع يعد أحد المعالم العظيمة لفلسفة القرن العشرين . ويحاول تارسكي صياغة للصدق يكون لها صدي بصورة صورية ومثمراً من الناحية النظرية، ولا يتعادل مع المفهوم التقليدي للصدق باعتباره تطابقاً مع الواقع، ويتجنب الصعوبات التي تتعلق بالكيانات والعلاقات التي كان لها وقعاً كارثياً علي العديد من النظريات السابقة . فهو يحاول تعريف الصدق بالأتصال بلغة محددة، ولذلك فمادته يستخدمها فقط من خلال دمج المنطق الرياضي بتلك اللغة التي يعرف بها الصدق .

ويتجنب تارسكي في نظريته العديد من الغايات النظرية البائدة، من خلال وجود إمكانية لافتراض أن الصدق هو القابلية للتجاوب مع الواقع . وهكذا فمفهوم تارسكي للصدق له قيمة أداتية هامة .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد مفهوم الصدق Truth واحداً من المفاهيم الأساسية التي عني الفلاسفة بالنظر فيها طوال تاريخ الفلسفة، وليس الاهتمام بالصدق وقفاً علي الفلاسفة، بل هو الشغل الشاغل لغيرهم من العلماء والمفكرين في شتي فروع المعرفة . علي أن عناية الفلاسفة بالصدق زادت في وقتنا الحالي زيادة بالغة جعلت مفهوم الصدق يحتل موضع الصدارة بين مفاهيم الفلسفة المعاصرة، وليس أدل علي ذلك من أنه يكاد يتعذر عليك أن تجد فيلسوفاً معاصراً لم يخصه ببحث ولم يسهم فيه برأي . وتأتي أهمية هذا المفهوم – شأنه في ذلك شان مفهوم المعني – من أن وجهات النظر المتباينة والمتنافسة في كثير من المسائل الفلسفية الأخري هي بمثابة انعكاس لاعتقادات مختلفة حول هذا المفهوم . وإذا كانت مشكلة الصدق تؤثر تأثيراً واضحاً في مشكلات الفلسفة الأخري، فإنها تتأثر بها كذلك، بل وتتطور معها إن أصابها شئ من التطور والتجديد .

ومن ناحية أخري يعد مفهوم الصدق موضوعاً أساسياً في مبحث نظرية المعرفة لأسباب كثيرة، منها أن الصدق يمثل سمة أساسية للمعرفة، وأن عبارة " المعرفة الكاذبة " عبارة متناقضة عند كل الفلاسفة منذ أفلاطون Plato (427 ق.م- 347ق.م) حتي يومنا هذا، كما تقوم حجة الشكاك على أن المعرفة الصادقة اليقينية مستحيلة للإنسان . وحين يتعرض فلاسفة المعرفة للإدراك الحسي يميزون بين الإدراك الصحيح والإدراك الخادع، والمقابلة بين الصحيح والخادع في هذا السياق مقابلة بين الصادق والكاذب

ولقد نشأت مشكلة الصدق حين تعددت إجابات الفلاسفة عن السؤال: متى تكون القضية صادقة ؟

ويعد " أرسطو " Aristotle (484 ق.م – 322ق.م )، هو أول من تناول بالتعريف وبالتحليل المنطقي مفهوم الصدق، والذي يقابله مفهوم " الكذب "، فهو يري أن الصدق والكذب لا ينتسبان للأشياء، بل إلي الأفكار والأقوال، ويعرف الصدق بأنه:" القول بأن ما يوجد يكون صادقا وما لا يوجد لا يكون صادقا، وعلي العكس من ذلك يكون الكذب " ولعل السبب الذي قدمه أرسطو – فيما يقول " ج.م.بوشنسكي" J.M.Bochenski – فيما يبدو لذلك هو أن القضايا هي فقط التي تنطوي علي وقائع كمعان إما موجودة أو غير موجودة، بينما الأقوال الأخرى فتدل علي الأشياء .

لذلك فإن الصدق يمثل أحد الملامح الأساسية للمعرفة، فالمعرفة في معناها الدقيق هي اعتقاد صادق له ما يسوغه أو يبرره . وعندما نقول بأن شخصاً معيناً، وليكن (س)، يعرف قضية معينة، ولتكن (ص)، فإننا نقول بأن (ص) قضية صادقة وإن (س) يعتقد بـ (ص)، وإن (س) يملك أدلة كافية لتبرير اعتقاده بـ (ص ) . وإن شئت أن تصوغ ذلك بلغة منطقية دقيقة فقل إن هناك ثلاثة شروط أساسية لا بد من توافرها في المعرفة: الأول هو أن تكون القضية موضوع المعرفة صادقة، وهذا شرط الصدق، والثاني أن يعتقد بها العارف ويقبلها، وهذا هو شرط الاعتقاد، والثالث أن يملك العارف أدلة وبراهين تثبت صدق القضية موضوع المعرفة، وهذا هو شرط التبرير أو التسويغ Justification، كما يرتبط مفهوم الصدق بالميتافيزيقيا ويتضح هذا في نظرية الإتساق ؛  The Coherehce Theoryفقد دافع عن هذه النظرية فلاسفة يؤيدون الميتافيزيقيا المثالية، ولم تكن هذه النظرية مرتبطة بوجهات نظرهم الميتافيزيقية فحسب، بل كانت بالأحري عنصراً متمماً لها . وكذلك يرتبط الصدق بالمنطق واللغة كما يبدو في النظرية الدلالية .

ويحسن بنا أن نتحدث أولاً عن ألفريد تارسكي Alfred Tarski (1901-1983) حديثاً موجزاً عن حياته الفكرية وتوجهه الفلسفي قبل أن نشرع في معالجته للصدق، والدافع إلي ذلك هو أن هذا الفيلسوف لم يكتب عنه بالعربية من قبل، فتارسكي فيلسوف بولندي معاصر، ولد في الرابع عشر من يناير سنة 1901م في " وارسو Warsaw  " ؛ حيث تعلم في مدرسة وارسو المنطقية، تلك المدرسة التي كان يترأسها "يان لوكاشيفتش Jan Lukasiewicz "، ثم " ت. كوتاربنسكي T. Kotarbiniski ، ومن بعده " س. لينفيسكي  S. Legniewski " الذين عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية ,  ليكتسب مزيداً من الصورية من خلال رموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق, فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته, هو تجاوز ثنائية القيم    الراسخة  ؛ التي حاول أن يجسدها دعاة المذهب المنطقي اللوجستيقي المتمثل لدي "برتراندرسل Bertrand Russell (1872-1970) وألفريد وايتهد A.Whitehead ومن قبلهما "جوتلوب فريجه Gottlob Frege (1848-1925) وجيوسيب بيانوGiuseppe Peano  (1858-1932)، وذلك إيماناً منهم بمبدأ "المنطق المتعدد القيم Many Valued Logic" ؛ الذي كشف لنا عن قضايا    لا يمكن أن توصف، وبالأخص الآن بأنها صادقة أو كاذبة، فتكون محل إشكال، أو احتمال .وقد تتحدد قيمة صدقها،أو كذبها في المستقبل القريب أو البعيد، وقد لا نستطيع أن نحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة بسبب جهلنا، وعندئذ قد ندخل قيمة ثالثة أو رابعة كمتوسطات بين القيمتين صفر وواحد وعلى مسافة واجدة من كل   منهما .

وفي عام 1924 حصل تارسكي علي درجة الدكتوراه علي يد لينفيسكي، وفي عام 1939هاجر تارسكي إلي الولايات المتحدة الأمريكية ليعمل أستاذا للمنطق وفلسفة الرياضيات في جامعة كاليفورنيا University of California، وله إنتاج ضخم يستوعب معظم المجالات التي تشغل بال الفلاسفة في عصرنا، وتأتي في مقدمتها اللغة والمنطق وعلم الدلالة Sementics والرياضيات ؛ حيث يسهم تارسكي بآراء في الصدق والمعني والتفسير والإشارة والصورة المنطقية والاستدلال والبنية المنطقية ... وهلم جرا . وأخيراً وافته المنية في السابع عشر من أكتوبر سنة 1983م، بعد رحلة طويلة من البحث والدرس .

لكل ما سبق قصدنا إلي إنجاز بحث عن " مفهوم الصدق عند ألفريد تارسكي "، أتوخي من خلاله التعرف علي مفهوم الصدق وخصائصه وأهميته، وهل نجح تارسكي في الوصول إلي التصور السيمانطيقي أم لا ؟ وهل قدم تارسكي الجديد لمفهوم الصدق، ولماذا أهمل تارسكي اللغة الطبيعية وتمسك باللغة الصورية  ؟  وما موقف فلاسفة اللغة المعاصرين الذين جاءوا بعد تارسكي ؟

وقد اعتمدنا في معالجة هذا البحث على المنهج التحليلي المقارن , الذي يعتمد على تحليل النصوص ومقارنتها بمثيلاتها من المتقدمين والمتأخرين من كبار المناطقة وعلماء اللغة , حتى تتضح أمامنا مدى تحقيق الغرض من البحث, والهدف الذي من أجله تم دراسة هذا الموضوع . كما نضطر – أحيانًا- لاستخدام المنهج التاريخي بالقدر الذي يفي بمقتضيات البحث.

وبالتالي فإن المحاور التي نناقشها في تلك المقالات، تكون علي النحو التالي:-

1- مفهـــوم الصــدق في المدارس السابقة على تارســكي.

2- التصور السيمانطيقي (الدلالي) للصدق.

3-  حدود  الصـــدق .

4- تعـديلات دافيدسون وسول كريبك علي  نظرية تارسكي لتتلاءم مع اللغات الطبيعية .

أولا ً: مفهـــوم الصــدق في المدارس السابقة على تارســكي

1-: نظرية المطابقة . The Correspondence Theory

وفقاً لصياغة نظرية المطابقة نجد أن القضية تصدق إذا كانت توجد واقعة ما تطابقها، وأن القضية تكذب إذا لم توجد هذه الواقعة . وقبل الدخول في شرح هذه النظرية، تجدر الإشارة إلى أنه قد شاع الاهتمام بمشكلة الصدق وقامت المناقشات حولها في أول هذا القرن فقط، حين كتب فيها " برتراندرسل "، وذكر ثلاث نظريات تفسرها، وهي " نظرية المطابقة " و" نظرية الاتساق " و" النظرية البرجمانية "، وأنه تحمس للنظرية الأولى دون غيرها ولقد توسع رسل قليلاً في شرح نظرية المطابقة في محاضراته عن " فلسفة الذرية المنطقية " في سياق تعريفه للقضية، وهو أنها تقرر واقعة، وحدد الواقعة بتقريرنا أن شيئاً ما جزئياً تستند إليه خاصة معينة، أو أن هذا الشئ على علاقة ما بشئ آخر .

ويمكن القول بوجه عام أن أغلب الفلاسفة التجريبيين يدعون إلى نظرية المطابقة، وإن كنا نجد بعضهم يرفضونها مثل أصحاب الوضعية المنطقية . فنجد " جون لوك John Locke (1632-1754) " يدعو إلى هذه النظرية حين يقول إن أفكارنا عن الصفات الأولية للأجسام تشابه تلك الصفات وتمثلها، وحين يقول إن فكرتنا المركبة عن جسم ما هي نتيجة أو أثر للوجود الواقعي الخارجي لذلك الجسم . يمكننا أيضاً التماس نظرية المطابقة عند "إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724-1804)" رغم أنه ليس تجريبياً لأنه يقول في معرفته أن الإدراك الحسي يتألف من استقبالنا لحدوس حسية عن الأشياء بالإضافة إلى مقولات قبلية نطبعها على تلك الحدوس لتعطينا المدركات الحسية  ؛ فلقد ضم الاعتبار الأول لنظرية التطابق كل من:  أفلاطون، أرسطو، جورج مور George Moore  (1852-1933)، رسل، كارل بوبر Karl Popper          (1902-1994)، وآخرون . فالقضية (أ) تكون صحيحة لو أن (أ) قد تطابقت مع الواقع . لذا فإن الصدق يعني التطابق مع الواقع " ولشرح هذه النظرية بطريقة أوسع نقول على سبيل المثال " إنه صحيحاً " أن بعض الكلاب تنبح " لو أن بعض الكلاب تنبح " قد تطابقت مع الحقائق " . وأية الحقائق حقيقة واحدة، فحقيقة أن كل الكلاب تنبح .

والصدق يعتبر مطابقة بين قضية ما وواقعة ما، ونجد هنا معنيين أساسيين للمطابقة هما:

(أ) المطابقة تشابه تام  بين أصل ونسخة، وكأن القضية صورة ذهنية لواقع خارجي، كما لو كانت القضية صورة دقيقة في المرآة، والأصل هو الواقعة . لكن هذا المعنى للمطابقة يثير اعتراضات عديدة نذكرها فيما  يلي :

تسمح صياغة القضية بالدرجات من حيث دقتها لكن الواقعة لا تسمح بالدرجات إذ أنها أمر وقع فحسب . كما أننا نصف القضية بصفات مما لا يمكن إسنادها إلى الواقعة، فمثلاً إذا قلت القضية " هذه البرتقالة صفراء اللون حلوة الطعم " وأعلنت صورتها، فذلك لأن هناك أمامي فعلاً هذا الشئ وأن له تلك الصفات، وما نقوله عن القضية فقط أنها صادقة أو كاذبة .

(ب) المعنى الثاني المقترح للمطابقة هو وجود علاقة واحدة بواحدة بين كل عنصر في القضية وكل عنصر في الواقعة، مثلما نتحدث عن مدرس يقرأ قائمة تلاميذه في الفصل ليعرف الحضور والغياب فيضع علامة أمام اسم التلميذ الحاضـر وعلامة مختلفة أمما اسم التلميذ الغائب .

ونلاحظ هنا أن معظم المشكلات التي وردت حول نظرية التطابق قد تنحصر في هذا السؤال: ما هي العلاقة التي تميز هذا التطابق ؟ عندما تتطابق القضية مع الواقع: حسناً يمكننا أن نعتقد في التطابق على نحو من التكافؤ للعلاقة ...... لو أن القضية يمكن أن تتكافى مع الوقائع، وهنا فإن هذه القضية تتطابق مع الواقع، ونرى هنا أن التطابق يعني " التكافؤ " فبتراندرسل و" لودفيج فيتجنشتين  Ludwig Wittgenstein (1889-1951)، اقترحا أن القضية والواقع يتطابقان لو أن هذا البناء كان متسقاً .

وعلى أية حال، فإن هناك شيئاً واحداً ينبغي أن نلاحظه هنا، فمن أجل أن تكون القضية صحيحة وفقاً لنظرية التطابق، يجب أن تكون بعض الحقائق متطابقة، لذا فإن الواقعة لكي تصدق يجب أن تكون متكافئة مع القضايا ؛ فالتقليد المشهور للواقع يقول إن الصدق هو التطابق، وإن القضية تكون صحيحة لو أن هذه القضية قد تطابقت مع الواقع . فعلى سبيل المثال: لو أن الواقع يقول إننا نمتلك نمراً أليفاً ولو إننا قلنا حقاً ذلك ؛ أي أنك تملك نمراً أليفاً، فإن عبارتنا هذه سوف تكون صادقة لأنها تتطابق مع الواقع . ولذا فإن الصدق هو التطابق مع الواقع Truth is Corresponce with Fact.

بيد أن نظرية المطابقة قد اعترض عليها الكثير من المفكرين    والفلاسفة، نذكر من هذه الاعتراضات علي سبيل المثال لا الحصر اعتراضات " ألفريد آير Alfred Ayer (1910-1980) " الذي بدت نظرية التطابق بالنسبة له أنها مربكة علي الأقل في شكلها التقليدي، فمن أهم مميزاتها أنها تفصل الحقائق عن العبارات، ومن عيوبها أنها تحاول الربط بينهما باستدعاء علاقة التطابق التي ندركها علي أنها علاقة توازن وتشابه في البنية، وبسبب هذه العلاقة بادر " آير " برفض هذه النظرية استناداً إلي فكرة " التمرئي" أو " إنعكاس المرآة "، فلو أخذنا هذه الفكرة وحللنا معناها بصورة حرفية، سوف يكون من الخطأ الفادح افتراض أن العبارات أو الجمل أو الاعتقادات أو الأحكام سوف تكون صادقة لمجرد كونها مرآة للحقائق، أو صورة لها، حيث إنه من المعروف أن النموذج الذي تقوم عليه النظرية هو نموذج التصوير الفوتوغرافي أو الرسم الخرائطي، ومن ثم فالنظرية تحثنا علي التفكير فيما يجعل الصورة الفوتوغرافية أو الخريطة نسخة صادقة طبق الأصل من الحالات التي تصورها أو تطابقها، وفي وجود علاقة تشابه في البنية بين الخريطة والحالة التي تطابقها مثلاً، والتفكير في المحتوي بين الصورة المرسومة أو الفوتوغرافية وما يناظرها، وهذا هو جوهر ما أكده رسل وأيضاً فيتجنشتين، في كتابه " رسالة منطقية فلسفية " من أن الجمل أو القضايا هي أيضا تصويرات للواقع وترجع في صدقها إلي دقة المطابقة.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنحديث يوثيفرو مع سقراط كان حول واحدة من أهم القضايا الفلسفية التي تتعلق بالسؤال حول الأفعال الخيّرة اخلاقيا، وهل ان الله أرادها لأنها خيّرة بطبيعتها، ام انها خيّرة لأن الله أرادها؟ المسألة هنا مرتبطة بالأخلاق الدينية . اذا كان الشيء جيدا فقط لأن الله يقول انه جيد، عندئذ فان الله سيكون بإمكانه قول أي شيء، وسيُعتبر جيدا وهنا سيكون الامر اعتباطيا. اما اذا كان الله يأمر بفعل الشيء لأنه خيّر، فسوف لن يعد معيارا للخيرية وسيكون تحت رحمة معيار خارجي. غير ان هناك خيار ثالث وهو ان الناس ذوي الايمان يؤكدون على سيادة الله وخيريته الأصلية. هذا الخيار لن يسمح بأي معيار موجود خارج الله او فوقه. سنحاول توضيح المضامين الفلسفية لكل من الخيارات الثلاثة.

الخيار الأول:

ويسمى نظرية الأوامر الالهية. ويقوم على ان ما هو أخلاقي وغير أخلاقي انما اُمر به من الله. الله هو الأساس في نظامنا الاخلاقي وان مصدر الأخلاق هو الانجيل. حتى لو كنا لا نعرف حقا منْ كتب الانجيل فان الاخلاق التي يجب اتباعها تأتي فقط من مصدر واحد وهو الله. فائدة نظرية الأوامر الالهية انها مبسطة، عندما يكون لديك سؤال حول الأخلاقي وغير الأخلاقي فما عليك الا بالرجوع الى الكتاب. العديد من القواعد الاخلاقية في الانجيل يمكن إعتبارها خارج الموضة وانها كُتبت منذ الاف السنين.

جاء في الوصايا الدينية ان على المرأة ان تتجنب استعمال الضفائر، ولازال العديد من المسيحيين يعتقدون ان الوصايا العشر هي صحيحة وان العديد من هذه الامثلة حول الاخلاقي وغير الاخلاقي موجودة في الانجيل. مع نظرية الاوامر الالهية نأتي الى المازق الحقيقي ليوثيفرو.

مأزق يوثيفرو ورد في كتاب لإفلاطون، حيث جرى امام المحكمة نقاشا بين سقراط ويوثيوفرو حول سبب وجودهما هناك. سقراط كان متهما بافساد شباب اثينا، اما يوثيفرو كان حاضرا هناك لمعاقبة والده حول جريمة قتل. سقراط شعر بالصدمة عند سماعه يوثيفرو يوجّه تهمة القتل لوالده، وبعد ذلك يستمر النقاش في الاخلاق. يوثيفرو متأكد انه يعمل الشيء الصحيح لأن الآلهة أمرت به. سقراط يسأل سؤالا "هل الافعال الصحيحة صحيحة لأن الله امر بها ام ان الافعال الصحيحة امر بها الله لأنها صحيحة؟ هذا هو ما عرف بمأزق يوثيوفرو.

ان الخيار الاول يؤكد على ان الافعال الصحيحة هي صحيحة لأن الله أمر بها. في هذا المأزق نحن نقبل ان اوامر الله وحدها هي من يجعل الافعال صحيحة. الاخلاق المرتكزة على الخيار الاول قد تصبح مختلفة اعتمادا على الكيفية التي يشعر بها الله في ذلك اليوم. ربما امر الهي يجعل كل شيء مؤلما وغير انساني، ومع ذلك تبقى تلك الافعال جيدة. لو تصوّرنا مثلا ان الوصايا العشر جاءت معاكسة تماما لما نقوم به اليوم، وان الله يأمر بالافعال الاخلاقية وغير الاخلاقية فقط بإصدار قول بشأنها الا يعني ذلك نوعا من الفوضى الاخلاقية؟

الخيار الثاني

 اذا كانت الافعال الصحيحة التي أمر بها الله هي جيدة بسبب انها جيدة، هذا يعني ان شيئا ما خارج الله هو الذي يخبره ما هو الصحيح وما هو الخطأ. القضية التي تبرز هنا هي ان الله لم يخلق القواعد الاخلاقية، وانما هناك شيء آخر قام بذلك، وهناك اشياء لايستطيع الله ان يأمر بها، واذا كانت عقيدتنا ان الله خلق كل شيء، سيكون من الصعب القبول بهذا الخيار. الآن وبعد ان ناقشنا وقارنّا بين نظرية الاوامر الالهية ومأزق يوثيوفرو سنناقش دور السيادة الالهية في هذه المشكلة الفلسفية.

الخيار الثالث

بعض الناس طرح خيارا ثالثا و هو فكرة ان الله هو الخيرية. الله لايرغب عشوائيا بما هو خير، لذلك فان الخيرية تنطلق من جوهر الله. نحن قد نستعمل العقل لإكتشاف جوهر الله، والذي هو الحقيقة والخيرية. فمثلا، اذا قلنا ان قوانين اينشتاين هي صحيحة، فنحن عندما نكتشف عقلانيا مثل هذه القوانين، انما نكتشف جوهر ذهن الله. كذلك، عندما نكتشف ان العبودية سيئة، نحن نكتشف الجوهر الاخلاقي لله. باختصار، الله لايرغب الخيرية عشوائيا كما في الخيار الاول والثاني، وانما الله هو الخيرية، لذا فان الخيرية تنطلق من جوهر الله.

من المؤسف ان هذا الخيار يقع في نفس المأزق. لننظر في السؤال "هل الله يختار خيريته؟" بعض الناس يقول ان الله هو كلي القدرة (قادر على كل شيء) ولذا هو يستطيع اختيار جوهره. اذا كان هذا صحيحا، عندئذ فان الله يمكنه اختيار جوهرا مختلفا. لكن هذا يقود الى نفس المأزق. هل ان شيئا آخرا هو الذي يصنع جوهر الله ام ان الله يختار جوهره؟ المشكلة في هذا الخيار هي ان الله يمكنه اختيار اي جوهر، كما في حالة اختيار قتل الاطفال لغرض المتعة . اما اذا كان الله لم يختر جوهره، عندئذ فان شيئا مستقلا عن الله اختار له ذلك الجوهر. في هذه الحالة، يكون جوهر الله والخيرية مستقلين عن الله وسيصبح ابا جيدا او انسانا وسيطا بدلا من ان يكون مصدر الخيرية. باختصار، الخيار الثالث سينهار ويسقط في أحد الخيارين الاولين. سقراط عرض فقط الخيارين الاولين ولم يعالج الخيار الثالث طالما ينتهي الى الفشل .

 

حاتم حميد محسن

 

زهير الخويلديترجمة د. زهير الخويلدي

"وبما أن الشجاعة في العمل لا تُستدل على الرغبة في الفهم، فإن الفكر المعقد يجمع الأسباب مع مرور الفصول، ويفوض الآخرين مخاطر التدخل."

ظهرت هذه المداخلة، في الأيام الأولى من نوفمبر 1995، في عدد خاص من الأزمنة الحديثة في مارس - أبريل - مايو 1996، مخصص للالتزام، بمناسبة الذكرى الخمسين لإصدار هذه المجلة1[1].

"ما أشعل فتيل ثورتنا، رعبنا، هناك مرة أخرى، موزعة، سليمة ومرؤوسة، جاهزة للهجوم، الموت. سيبقى فقط شكل الاستجابة ليتم اكتشافه بالإضافة إلى أنماط الضوء التي سوف تكسوه بألوان اندفاعية"2[2] كتب رواد التقدم ذات مرة تاريخ متساهل: باسم المستقبل الموعود، تشبثوا بحاجز كل حاضر عابر. رجال الدين المحبطين من الوهم ينقضون الآن تاريخ رادع: باسم الماضي المنكوب، وضعوا المستقبل في حوض جاف. المؤرخون يتحولون إلى كتاب العدل للأمر الواقع. يستمر الفلاسفة في الاعتقاد بأن تغيير العالم يكفي لتغيير تفسيرنا له. عندما يقف أسياد اللحظة على ركبهم، فإنهم يؤمنون بأنه إذا كان العالم خانقًا، فذلك لأنه قد ابتلع بعض المفاهيم بشكل خاطئ. تتكاثر شخصيات جديدة للروح الجميلة. لديهم أيضا أيدي قذرة. لكنها أيدي ملطخة بالحبر. للحفاظ على براءة إجاباتهم، يفضل الأشخاص ذوو النوايا الحسنة التفكير في الأسئلة على أنها غير لائقة، بدءًا من هذا السؤال: "ماذا تفعل؟ ". إن الخوف من أن الإجابات المفرطة في البساطة ستضلل مرة أخرى قسم الحقيقة يثني عن تكرار هذا السؤال بشكل جذري. تعقيد الواقع، والمطالبات بالإجماع، وإلحاح الحاضر: تتضافر الحجج عندما يتعلق الأمر بشل أي رغبة في تطرف رفضنا وآمالنا.

تعقيد؟

على عكس تشخيص ماركوز، سمح محو الخطوط الأمامية القديمة بظهور عالم أحادي البعد ولكنه معقد: هكذا يذهب الواقع والمظاهر. لم نعد نؤمن بالقصص الرائعة أو المشاركة الرائعة. يقولون إن التاريخ لم يعد منظمًا حول الخيط المشترك للاشتباكات الطبقية. يُعتقد أن الجغرافيا لم تعد تقسم الدول المضطهِدة والدول المضطهَدة. في محيط حيرتنا، تختلط الترددات والتقلبات في التاريخ بمياههم ويخلط السياسيون خياراتهم. لقد انهارت بساطة المواجهات. لقد فرض تعقيد الواقع نفسه.

سادت المصالحة المبكرة مع الواقع حتى ذلك الحين لعقلانيته ؛ الآن العقول التي كانت مهدئة من قبل عقلانية الواقع تسيطر عليها العقول المتواطئة في تعقيدها. ممارسوها العامون مشغولون حولها ويتكاثر المتخصصون فيها ؛ فالأول ينظّرون حولهم ويتركون للآخرين أن يتعاملوا معهم.

الخبير الإستراتيجي الذي عمل الجيوسياسيات بين الأمم المتحدة وحلف الناتو يرى مهمة ديكتاتورية مجهولة الهوية أو مجزرة غير قانونية بين صفين من الصواريخ، وهواتف لأخذ الأوامر التي أصدرها لنفسه، وإرسال مشاة ومسعفين. لعدم قدرتنا على فعل أي شيء لكل هذه الاضطرابات، دعونا نطبق نظريات الفوضى عليها.

الدبلوماسي الذي يكشف خريطة العالم، ويضع النظارات الضرورية لنظرته الكوكبية، يشير إلى منطقة من الصراعات حيث يتركز ميزان القوى مما يخلق همجيات صغيرة وكبيرة: المقاتلون الحربيون للتسوية لقاء مع دعاة حرب الإبادة. غير قادر على فعل أي شيء حيال هذه الاضطرابات، فلنحاول أن نكون عداداتهم.

الخبير الذي يقدم المشورة بشأن ف م م أي، يفتح بريده الإحصائي ويحسب العجز، ويخطي منحنيات البؤس والإذلال، ويصف سكرتيرته والجشع، المتذوق، الحكومات غير سهلة الانقياد. غير قادر على مساعدة اضطراباته، دعونا نتظاهر بأننا معالجهم.

من الشخصيات الكاردينالية إلى مقاوليهم من الباطن المتواضعين، تزخر السياسة والاقتصاد والجيش بالمثقفين المنخرطين في متاهة التعقيد. دعونا ننسحب لفترة من وراء حدودنا. ماذا نرى؟ الوجوه المألوفة للكفاءة والوسطاء ورجال الحاشية من نبلاء الدولة الذين يضاعفون قدرتهم على الخبرة: حماة المعرفة الذين يتعايشون فقط مع من يملكون السلطة. هل يتعبون من أجل قضية اجتماعية نبيلة؟ تحت ستار التعقيد، يدعي تحريض الخبراء أنه يحل محل تعبئة الفاعلين. هل يقولون أنهم تركوا؟ هناك دائما أناس يضعون هذا الشكل السخيف من مقاومة الموسيقى: "الخبراء يتحدثون إلى الخبراء".

معرفة التعقيد لا يدعم تخطيط العمل. ولكن في طليعة أي عملية صنع قرار، لا يوجد سوى الاختيار بين "نعم" أو "لا" - بين "مع" و "ضد"، بشكل خطير ولكن بالضرورة مفرط في التبسيط. لا يزال القرار في حالة حرب ويقسم العالم إلى معسكرين. لكل نسخته الخاصة من المشاركة: هذا هو الحد الأدنى من إيتيقا الديمقراطية. لكل معسكره: هذه هي الأخلاق الملزمة للعمل. لأنه في طليعة القرار، الدوافع صامتة: ما لا يوجد وقت للحديث عنه، يجب القيام به. من المفهوم أن التعقيد الذابل يكون حذرًا من البساطة المتشددة: يبدو أن انحرافات المعرفة مهددة من خلال اختصارات العمل. وبما أن الشجاعة في العمل لا تُستدل على الرغبة في الفهم، فإن الفكر المعقد يجمع الأسباب مع مرور الفصول، ويفوض الآخرين مخاطر التدخل. في الوقت نفسه، عندما يتعلق الأمر بهذه المخاطر، من السهل الخلط بين حزب التعقيد وحزب الدبلوماسية والأناركية: وهذا يعني، بشكل عام، إدارة الوضع.

هل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك؟ يمكننا الشك فيه. إن ناقلي اليقين، الواثقين من التاريخ الذي أودع في البروليتاريا شمولية التحرر وفي ذهن المثقف، سقط تمثيل هذه الشمولية. لقد فقد الطريق السريع للتاريخ من يتنقلون به: المثقف النبوي لا يزال على قيد الحياة، ولكنه اختزل إلى دور اللامبالاة المسؤول عن تقليد التجاوزات. ركاب المتاهة، الذين استسلموا لتاريخ بددت كل آماله وضاعفت كل أهواءه، خلفوه. يسلكون الآن العديد من الطرق المتعرجة. المثقف النوعي، الذي دعا إليه فوكو ودولوز للخروج من عرينه، لا يتم التسامح معه إلا بشرط أن يظل محبوسًا في دور المتخصص في أهون الشر: جراح الخدش وواصف الدواء الوهمي. ومع ذلك، فإن أشكالًا جديدة من الفكر تغطي المجال الاجتماعي بأكمله وتتقاطع مع جميع مجالات النشاط. إنها تعطي فرصًا جديدة لأشكال جديدة من المثقفين النوعيين: المتخصصون على المدى الطويل، بلا شك، لكنهم مصممون على إلقاء الضوء على بساطة الخيارات، وليس المتراكمين المكلفين بإعادة صياغة تعقيد الأشياء ؛ الجهات الفاعلة للمعرفة المسيطرة وليس المساهمين في المعرفة المهيمنة ؛ براثن المعارضة، وليس تروس التوافق.

توافق؟

أنبياء القطيعة أطلقوا من قبل المتخصصين في الخياطة. هؤلاء يشكلون مجموعة مثيرة للإعجاب: الأخلاقيون المتواطئون الذين يتجاهلون الفضائل وفقهاء الحشمة الذين يعتبرون أنفسهم علماء أخلاقيين، ومؤرخو الحياة الطبيعية الذين يشهدون لنا وفلاسفة السياسة الذين يؤثرون في الاعتقاد بأن يصبح الوضع الراهن قابلاً للتنفس إذا أمكن تعديل المبررات. إذا كان لنا أن نصدقهم، فإن العناد يجب أن يفسح المجال لكفاءة وتطرف الرفض غير القابل للاختزال للتنازل لصالح كفاءة التقدم غير الحساس.

إن الاستماع إلى هؤلاء الموافقين، والتحدث، يعني إخضاع الاستجابة للنداء: أن يشهد المرء على معاناة المرء، قبل معرفة كيفية التزام الصمت لمنح المترجمين الفوريين الوقت لإنجاز عملهم. يجب أن تؤدي المناقشة، التي تقتصر على الصفقة أو التفاوض، إلى خنق الخلاف: اندلاع، في النظام الحضاري للغة، كلمة يُعرف عنها ليس لإقامة حوار، ولكن للتراجع عن توافق في الآراء ؛ عدم إظهار الجروح أمام أعين المعالجين المحترفين أو الحصول على تعويض من مسؤولي إنفاذ القانون، ولكن لفرض ما تضفي عليه هذه الكلمة الشرعية.

لسماع هؤلاء التائبين، فإن الفعل يعني إخضاع الاحتجاج للقضية: التجنيب من أجل الترتيب. العمل السياسي، ولكن مصادرته من قبل المتخصصين فيه وتحويله إلى عجز، يجب أن يمحو الفتنة: اندلاع، في مواجهة آلية الهيمنة، لعمل مكشوف، وليس شهادة على توعك، ولكن للتراجع عن وفاة ؛ لا لتجديد الأفعال التي يمارسها النظام الاجتماعي، ولكن لتخريب ترتيباتها الأكثر دقة.

التخريب، لأن التنازل منذ البداية يعني الاستسلام مقدمًا: "تنشأ التحولات الحقيقية والعميقة من الانتقادات الراديكالية، والرفض الذي يؤكد نفسها والأصوات التي لا تنكسر"3[3]. الانتقادات والرفض والأصوات والأفعال: المشاحنات التي لا تندمج مع المحاكاة المتلفزة ؛ الفتن التي لا يخيفها العقلاء الأكفاء.

ماذا يمكن أن يكون معنى هذه الالتزامات؟ إلى اليوتوبيا التي تعتبر شمولية والتي تخنق الواقع الذي يدعون أنها تحتضنه، فإن الحكمة توصي، كما قيل لنا، بتفضيل الإجراءات الإنسانية والسياسات المجزأة. لكن السياسات المجزأة تداعب الجراح التي يائسة من التئامها، والإجراءات الإنسانية تشفي الجروح التي تولدها السياسات أو تسمح بتفاقمها: القصة الكارثية تتبع مسارها دون توقف.

تستحق الأعمال الإنسانية أقل قدر من السخرية، لأنها تعرف عمومًا حدودها: محكوم عليها بتفويض الحلول لأولئك الذين يعملون لجعلها مستحيلة أو لتقديم دعمهم لسياسات لا حول لها ولا قوة أو مذبحة تحتاج إلى عذر. ومع ذلك، بين وعود الإدارة قصيرة النظر والآمال بعيدة المدى في اليوتوبيا، يبدو أن العمل الإنساني الآن هو السياسة الأخلاقية الوحيدة. في حروب زماننا، لا تعرف إلا الضحايا ؛ لكنها، منتبهة بدقة إلى تكافؤ الألم، لا تعفي من التشكيك في التسلسل الهرمي للأسباب. في مآسي عالمنا، تأتي لمساعدة الأكثر إلحاحًا؛ ولكن، عندما يتم حشدها على وجه التحديد بحياة لا تنتظر، فهي سياسة افتقارها افتراضيًا في جميع السياسات. إن حالات الطوارئ الإنسانية تتحدى صبر السياسة. يمنع هذا التحدي الخلط بين العمل الإنساني والأيديولوجية الإنسانية: فالأول يدعو إلى سياسة تجعله متطرفًا. الثاني يتجاهل - ويفضل أن يكون على المهنيين الذين يعانون من البلاء المدعومين من قبل رعاة الرحمة - من أي سياسة راديكالية: في هذا الشكل، تكون حالة الطوارئ الإنسانية متزوجة، عن طيب خاطر أو بالقوة، بالتعقل - عندما يكون هذا ليس فاحشا - سياسيا.

لقد انتصرت السياسات المجزأة مؤقتًا على أي بديل ثوري. دوليًا، يوزعون تحكيمهم، دبلوماسيًا أو مسلحًا، لصالح الفائزين. في الإطار الوطني، يضاعفون التعديلات: بضع نتوءات للتطهير وبعض حالات الطوارئ التي يتعين مواجهتها. يخفي المدافعون عن الإقصاء الاجتماعي الاستغلال الذي لا يشكله هذا الإقصاء سوى النتيجة النهائية والمأساوية ؛ يحاول قتلة الانقسام الاجتماعي تجصيص التقسيم إلى طبقات يكون الانقسام فيها هو الشق الأكثر فجوة. باسم التماسك الاجتماعي، تذوب السياسة في الشرطة[4] 4، يتم حل البديل بالتناوب، يصبح الممر من اليمين إلى اليسار مجموعة متنوعة من مواقف السيارات البديلة. باسم الاستعجال، تغزو الاستعارة الطبية الخطاب السياسي، وكأن السياسة لم تكن أبدًا مجرد شكل من أشكال الطب: باسم الإلحاح، دعوة إلى الإصلاح؛ باسم الاستعجال لإلغاء اليوتوبيا.

حالات الطوارئ؟

حالات الطوارئ من الدعوة الحالية، أولا، للاعتماد على الإصلاحات. هل يجب أن نخافه؟ الرثاء على ضرر الإصلاح (لأنه سيتم استرداده) أو استحالة الإصلاح (لأننا سنكون محاصرين) لا يمكن أن يُنظر إليه على أنه نقد للإصلاحات، ولا حتى للإصلاحية.  لكن الإصلاح يمكن أن يتعارض مع الإصلاحية نفسها. فليس فقط نيته الإصلاحية هي التي تحدده، بل وحدة الهدف والطريقة: معالجة الأعراض بالإصلاحات الممنوحة، بدلاً من استئصال الأسباب من خلال الانتصارات المحققة. حل الفاعلون محل الحالمين. لكن ماذا كانوا يفعلون منذ عشرين عاما؟ لقد رفضت الواقعية اليوتوبيا. لكن لأي حقيقة؟ كل ما عليك فعله هو أن تفتح عينيك ... بالحكم على خدمتهم للطوارئ والإصلاح، فإن الكفاءات بعيدة كل البعد عن احتكار الكفاءة. الطب البديل (على اليسار)، المقدم للمستفيدين دون مشاركتهم والعلاج بالصدمة (على اليمين)، المفروض على الحراريات الذين ليس لديهم فهم لحالتهم هي الأنواع الوحيدة المسموح بها من "الإصلاح"، يفضل الآن فهرستها بالانحدار. لا شك أن الفرق بين الاشتراكية الليبرالية والاشتراكية الليبرالية لا يزال ملحوظًا. لكن المحتوى مرتبط بالطريقة: إنه بالطبيعة الراديكالية للصراعات التي يمكن للإصلاحات، وإن كانت مفهرسة للتقدم، أن تعطي نتيجة موضوعية أو مؤقتة تدين بمعناها. هذا هو السبب في أن الحكم على اليسار في السلطة لا يجب أن يحكم عليه على أساس النتائج التي لم يحققها بقدر ما يتم الحكم عليه على أساس المعارك التي لم يخوضها، باسم التسريح الاجتماعي الذي حافظ عليه هو نفسه. . إنها تستعد لإعادة الإجرام، مستعدة، مرة أخرى، للتنديد بواقعيتها في اليوم السابق باعتبارها مدينة فاضلة. ومع ذلك، فإن الراديكالية أقل ضعفًا مما يُقال: يكفي مقارنة التحولات الاجتماعية التي فضلتها (والنكسات الاجتماعية التي سمحت باحتوائها) بآثار الكفاءة التكنوقراطية التي تستمر في النمو. تخلط بين إلحاح الحلول التي تقدمها وإلحاح الحاجات الاجتماعية التي يجب تلبيتها.

إن حالات الطوارئ الحالية تدعو، حسب نفس المنطق، إلى تأجيل يوتوبيا المستقبل. هل يجب أن نشكو؟ الرثاء حول عجز اليوتوبيا (لأنها ستحول المعارك الحالية) أو انحراف اليوتوبيا (لأن أحلامها ستتحول إلى كوابيس) لا يمكن أن تكون لها الكلمة الأخيرة. اليوتوبيا هي الجانب الآخر الذي لا غنى عنه في حالة الطوارئ. تحت مظلة الاحتياجات الملحة، تذمر التطلعات اليوتوبية. المدينة الفاضلة؟ ولما لا ؟ اليوتوبيا لا تظهر على السطح على خريطة المجتمعات القائمة. لكنها تكمن، في العمق، في قلب افتراضات الحاضر. هناك العديد من العناوين. دعونا نحتفظ بواحد فقط: في المجتمعات المتقدمة، تتعقب البطالة والهشاشة والبؤس وانعدام الأمن للوجود بخط كثيف دائرة الاستعجال وتحدد أهداف المعارك التي يأمر: تخفيض ساعات العمل والحصول على دخل اجتماعي مضمون. هذه الأهداف ملحة وطوباوية بشكل ملموس، لأنها تتبع، ولكن في خطوط منقطة، معالم حضارة لم يعد فيها إشباع الحاجات مرهونًا بالكامل بالعمل الضروري وحيث لا يتم نشر النشاط البشري. ستلتهمه السخرة بالكامل.

المقاومة للحاضر المنكوبة تشير إلى مستقبل متحرر. تحت هراء النظام تكمن ودائع اليوتوبيا. جدلية؟ ولما لا ؟ إن الديالكتيك، إذا أعدنا التفكير فيه، لا يجب الخلط بينه وبين الرسوم الكاريكاتورية التي بررت تشويه سمعته. منذ فورييه على الأقل، نعلم أن البؤس الحضاري هو الأشكال المدمرة لإمكانيات التحرر. وبالتالي، فإن البطالة وعدم الاستقرار يحققان بطريقتهما التي لا تطاق تقليص ساعات العمل وإعادة توزيع النشاط البشري، حيث إن ر م أي والمساعدة تمثلان أرقامًا مروعة وبائسة فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات.

في جميع المجالات، يجعل العمل في الوقت الحاضر من الممكن اكتشاف الاحتمالات الجانبية والافتراضية المحبطة ؛ إنه يدعونا إلى التخطيط وابتكار أشكال إنجازها - لرسم الخطوط العريضة لحضارة أخرى: مجتمع يكون فيه التطور الحر لكل فرد شرطًا للتنمية الحرة للجميع. شيوعية؟ ولما لا ؟ دعونا نترك الخوف من الكلمة، إذا استطعنا الاحتفاظ بها: المثل الأعلى، ولكن متصل بالواقع، لمجتمع لا يكون فيه الانشغال غير المنتظم للقلة شرطًا للتطور المشوه لجميع الآخرين.

على أي حال، لا يمكن لحيوية الأمل الإيجابية إلا أن تكون عكس الضراوة السلبية للتمرد. ومع ذلك، فإن الالتزام ليس الكلمة الصحيحة أو المفهوم الصحيح لتسمية هذا التمرد، لأنه يُقاس بالالتزامات التي تسبقه دائمًا: التزامات ما لا يطاق. هم الذين يدعوننا لتحويل ثقة رينيه شار إلى مبدأ مفاده: "لكي يبقى الشر بلا هوادة، فقد خنقت التزاماته"5[5].

هذا هو الرفض الراديكالي الذي ينخرط. لكن هذا الالتزام - إذا رغب المرء في الاحتفاظ بالكلمة على الرغم من كل شيء - ليس اختيارًا مثيرًا للشفقة لموضوع يتساءل عن وجه حريته العاطلة عن العمل وويله الذي لا نهاية له. ليس هذا الكفارة عن الحرية أو هذا الوعد بالسعادة هما اللذان يُقدمان، المحفوف بكل إحباط وكل إنكار، لمن يعتقد أنه يعيش في حالة انعدام الوزن الاجتماعي. هذا الالتزام ليس اللعنة الثالثة التي، بعرق الجبين المرهق وآلام الولادة، ستزيد من بؤس العمل السياسي. هذا الالتزام ليس واجبًا أكيدًا على الشخص الذي يُطلب منه سداد دين أصلي أو استرداد سيادته المفقودة. أخيرًا، إنه ليس مشروعًا مرسومًا على مستقبل معتمد: متجذرًا في القمع الذي يحاول صده، يقف التمرد منتصبًا في تاريخ كارثي يحاول أن يأخذ من الخلف، بدلاً من ذلك منه على أفقي قصة موعودة نتمنى منها إيصال المعنى.

الخاتمة

ماذا ستكون الخطوبة بدون غضب؟ عذاب فكري يقدم كغذاء لأقرانه والمتواطئين معه ؛ موضوع مقال لا يرتكب أي شيء حرفيًا.    يتطلب الأمر كل شيء لإنشاء عالم:

مسؤولو التشخيص وخبراء من ذوي الخبرة، والمتخصصون في التعقيد والمحراثون المتخصصون، وأبطال الحياء والعطاءات، وصناع الجدوى، وأصحاب القدرة على الكلام: فاعلو إدارة...

محترفو المؤسسات وبناة السقالات، ومعملو الواجهة، وملحنو الفضيلة، وبستانيو الكينونة ومروجو الفراغ، وفلاسفة ما بعد، وعلماء الأخلاق الكيتش: جماليات الإجماع ...

مؤلفون بلا ذاكرة وعرافون بلا مثال، وكتاب عدل التاريخ وحفّار قبور المستقبل، وحافظو الأرشيف وحراس الأسرار، وشهود دبلوماسيون، والعكس صحيح: مؤرخو الحاضر ...

الصحفيون المحليون ومراسلو الأرصفة وكتاب الأعمدة في الفيغارو ومعهد العلماء السياسيين وقادة الرأي ومبدعي التسويق ومتذوقي النبيذ ومختبري السكر: المعلقون الحاليون..

المربين للمعلمين والمستشارين للمستشارين وصناع القرار والأوغاد ومصنعي مضادات الذهان ومضيفي التلفزيون: دهن المتطرفين ...

مقلدي الصدقات وعمال الرحمة، عمال المياومة الواقعيين والعمال الموسميين التقشف والنواب اليمينيين والنواب اليساريين: مساهمو العمل ...

لقطات تليفزيونية مقربة وخلفيات مجهولة، لسكان الأحياء الفقيرة ومسلمي الضواحي، وفئران المدينة وجرذان الحقول، وأنابيب وسباكون ... والراكون الذي لا مفر منه.

لكن لا شيء يمنعك من التفضيل،

للقادة الفعالين والمؤسسين غزير الإنتاج، ماركس وفورييه ؛

للمؤرخين الموثقين والمعلقين المرخصين، والتر بنجامين ؛

إلى الخريجين والممثلين المعينين، القائد المساعد ماركوس ؛

إلى التناقضات الخيالية والزواج التوافقي: تمزقات صريحة ومخططات تحريضية، تغذيها أجهزة الكشف عن الكوارث والمنقبون الطوباويون.

 

هنري مالر (نوفمبر 1995)

............................

الاحالات والهوامش:

1 الأزمنة الحديثة، عدد587،مارس –أفري-ماي 1996،صص. 292-302

2 روني. شار، "سحر سعيد ..." (1951)، البحث من القاعدة إلى الأعلى، بليادي، ص. 652.

3 ميشيل فوكو، "مقدمة"، في آر. كنوبلسبيس، ك. : منطقة أمنية مشددة، باريس، ستوك، 1980، في أقوال وكتابات، جزء . 4 ص. 7.

4 بالمعنى الذي فهمه فوكو، بالمعنى الذي فهمه جاك رانسيير ( الكذاب، نشر غاليلي  1995).

5 روني. شار، "العيش مع هؤلاء الناس"، البقايا الوحيدة (1938-1944)، بليادي، ص. 144.

[1]  Les Temps Modernes, n°587, mars-avril-mai 1996, pp. 292-302.

[2] R. Char, « Heureuse la magie... » (1951), Recherche de la base au sommet, Pléiade, p. 652.

[3]  M. Foucault, « Préface », in R. Knobelspiesse, Q.H.S. : quartier de haute sécurité, Paris, Stock, 1980, dans Dits et Ecrits, t. 4 p. 7.

[4]  Au sens où l’entendait Foucault, au sens où l’entend Jacques Rancière (La mésentente, Galilée, 1995).

[5] R. Char, « Vivre avec de tels hommes », Seuls demeurent (1938-1944), Pléiade, p. 144.

 

حاتم حميد محسنوُلد الفيلسوف والسوسيولوجي الألماني ماكس هوركهيمر في عام 1895 وتوفي عام 1973. كان مديرا لمعهد البحوث الاجتماعية وعضوا في "مدرسة فرانكفورت"وأحد مؤسسي النظرية النقدية.

اما ثيودور ادرنو (1903-1969) هو ايضا فيلسوف الماني وعضو في معهد البحوث الاجتماعية. كلا الفيلسوفين عضوان مؤسسان لمدرسة فرانكفورت والتي كانت مدرسة في النظرية الاجتماعية والفلسفة النقدية. بدأ التعاون بين ادرنو وهوركهيمر اثناء الحرب العالمية الثانية في كتابهما (ديالكتيك التنوير) الذي نُشر عام 1944. في هذا الكتاب، هما انتقدا بشدة ما اسمياه "صناعة الثقافة"، وهو المصطلح الذي استُعمل وفُضّل على "الثقافة الجماهيرية" التي اعتبراها مفهوما  مضللا لأنه يرى الجماهير هي المنتج الحقيقي للثقافة، بينما الجماهير في الحقيقة كانت ضحية لها. ادرنو وهوركهيمر كانا اول من استخدم هذا المصطلح. سنبيّن مع الامثلة تعريف "صناعة الثقافة"وما اذا كان يشكل وصفا متشائما لدور الاعلام الجماهيري في الثقافة.

اولا، اذا كنا نفكر بتعريف "صناعة الثقافة" في الاقتصاد، فهو يشير لجميع الشركات والمشاريع المنتجة للسلع طبقا للطرق الصناعية. هذه السلع لها قيم اساسية تكمن في محتواها، مثل الأفلام والموسيقى والكتب . وكما قيل ان فلسفة وسوسيولوجيا الثقافة لها بُعد نقدي يفتح الأبواب لرؤية "صناعة الثقافة" والميديا. طبقا لادورنو، "صناعة الثقافة"هي نظام من "تنوير خادع للجماهير" تكوّن بواسطة الفيلم والصحافة والراديو والتلفزيون. تركيزه الكبير كان على السلطة والهيمنة الايديولوجية المتاحة عبر الاعلام الواسع. هما جادلا بانه في جميع  قطاعاتها تبرز "الرتابة والتماثل في الثقافة القائمة" وهي تسعى الى كبح ما هو أصلي وخلق نسخة موحدة ومتجانسة لها. ان "صناعة الثقافة"استخدمت الروبوت في خطوط الانتاج والتوزيع، وهو الامر الذي يتضح بزيادة التكنلوجيا لأن التكنلوجيا الحالية اصبحت موجهة لأكبر عدد من الناس، ولذلك فهي تتطلب وسائل انتاج توفر سلع متشابهة وموحدة لكي تلبي الطلب المتشابه. يُفترض ان مستويات الانتاج تركز على حاجات المستهلكين،  لكن في الواقع، نجد العقلانية التقنية هي عقلانية السيطرة وهي بذلك تكون سمة قسرية للمجتمع المغترب (ماركس). المشاهدون يُعتبرون مثل العامل المغترب، الذي فقد جميع الوظائف وجميع القدرات النقدية حسب نظرية ماركس. وعيه اصبح في عصر الإعلام الواسع ماكنة تؤدي "عمليات نمطية". ان زيادة التكنلوجيا قاد الى انتاج واسع وان انتاج "صناعة الثقافة" لايعني اي شيء اكثر من سلع. هما جادلا بأن المجتمع الرأسمالي الحالي له هدف واحد فقط وهو زيادة الارباح . الإتهام ضد الميديا هو في الحقيقة اتهام عنيف، هما يلومونها لجعلها الجمهور يبدو "سلبيا" مُختزلا الى مستهلك لجميع الماديات المعروضة امامه. الميديا سوف تحوّل المواطنين الى اشياء ومستهلكين ليس لهم صفة انسانية . المواطنون بكونهم مشاهدين للعالم المثالي المتجسد أمامهم بالإعلانات والأفلام، ينسون واقعهم الخاص ويصبح من السهل استغلالهم .  لم تعد هناك رغبة للفرد وانما  "وعي فريق الانتاج" هو الذي يرسم ويضع للمستهلكين الاطر وبما  يسمح لهم اغتنام الواقع. ادورنو وهوركهيمر يجادلان بانه حتى الهوية الذاتية التي بُنيت ضمن دائرة من المودة والالفة، هي ايضا تتأثر بالعالم الاعلامي، وهي ليست اكثر من "سلعة تتقرر من جانب المجتمع"، تجسّد  باستمرار  ما تُفرضه  "صناعة الثقافة".الافراد يُجبرون في ظل هذا النظام،  يصبحون "روابط" (links)، "مكائن" ليس لديهم اي سيطرة، هم ليسوا اكثر من أجهزة.

طبقا للفيلسوفين، الميديا هي وصف متشائم لدور الاعلام الواسع في الثقافة، انها سقوط الانسان الحديث، هزيمة لفكر الانسان. الاعلام الواسع يستكمل حركة "التحطيم الذاتي". 

كذلك،  تبقى"صناعة الثقافة"، مع ذلك،  صناعة مسلية. طبقا لهورهيكمر وادرنو، هذه التسلية، والتي في مجتمعنا لم تعد تتطلب جهدا، لأن الفرد لايفكر الاّ القليل . ونتيجة للانتاج الواسع، لم يعد الفن اليوم  يوفر من خلالها رسالة حقيقية ومؤثرة، انه فقط يُنتج "بدافع الربح". فقط الفنانون  الأكثر ربحية وكفاءة وامتثالا يستطيعون نشر أعمالهم، "ولكن الذي قيّد الفنان كليا كان الضغط (والتهديد العنيف المصاحب له)، دائما لينسجم مع حياة الأعمال كخبير جمالي". لكي يعيش ويوجد، يجب على الفنان ان يتماهى مع القيود والعقائد الاجتماعية . "صناعة الثقافة" تستبعد اي شيء جديد او خارج عن المألوف. الفن الجاد والتسلية لم يُواجها معارضة، انهما فقط يُعتبران سلعتان مختلفتان يُنتجان بواسطة نفس الصناعة الثقافية:"التسلية في ظل الرأسمالية المتأخرة هي اطالة واسهاب في العمل. انها مرغوبة كهروب من العمل الميكانيكي". الفيلسوفان يجادلان بان الفعالية الانسانية تتميز بـ "التعاقب الاوتوماتيكي للعمليات النمطية" في كل من التسلية والعمل. التسلية الثقافية تصبح تسفيها للحياة اليومية وان الجهود الفكرية يتم تجنبها وتركها للمشاهد الذي يجب ان يفكر لنفسه.

في تحليله للرأسمالية، يرى ماكس ويبر انها يجب ان تتطور فقط كتنوير وعقلنة للمجتمع. هذه العقلنة تُفهم بمعنى حساب لجميع النشاطات الانسانية. الرأسمالية اصبحت اليوم كوكبية ويبدو ان العملية التي وصفها ويبر وصلت الى نهايتها. الآن، وكنتيجة للعقلنة، هذه المفردة تبدو "سقوطا" نحو اللاعقلانية الأكثر ايذاءً. انها تعميق للتعاسة الروحية التي يختفي منها العقل كسبب للأمل،  او إختفاء لأي افق للتوقعات لأي عقيدة دينية، او سياسية او غريزية وحيث الحب، والدعم او الاسناد الاجتماعي، تشكل التضامن الذي لا يمكن لمجتمع البقاء بدونها، وهو ما يسمية ارسطو بـ  "الحب الأخوي" او philia. ان الاستياء المطلق يقع خصيصا عى اولئك الذين يعتقدون انهم لا يتوقعون شيئا من التطور المفرط للمجتمعات الصناعية. هؤلاء اليائسون هم "خارجون عن القانون"وستكون أعدادهم كبيرة وكبيرة جدا. ولكن عدم الانتظار لأي شيء يعني ايضا لا شيء يُخشى منه، والذي هو ايضا معنى الكلمة اليونانية Elpis او الأمل، اي ان  التوقعات تحمل كل من الأمل والخوف. في اليأس، لا وجود للخوف وان المكائن القمعية تحاول التخفيف من تأثير فقدان السلطة والذي هو ايضا فقدان للذهن، لكن ذلك قليل التأثير،  لأنها بالنهاية،  تخلق الكثير والكثير مما هو مضاد للغاية من منتجاتها، وبأشكال شديدة التطرف ، ومع لاعقلانية تامة لا يمكن التنبؤ بها. ولذلك، فان المجتمع الذي نعيش به اليوم يقوده  المستهلك والرأسمالي. غير ان ادرنو و  وهوكمر يركزان على القضايا المتجاهلة تقليديا. الفلسفة البرجوازية سعيدة بالحديث عن الجماليات بطريقة مجردة ومترفة. الماركسية ترفض اثارة "البنية الفوقية الايديولوجية" والتي هي فقط انعكاس للانتاج المادي. ادرنو و هاكهيمر يعرضان تفكيرا نقديا واقعيا للثقافة .

كلا الفيلسوفين يبيّنان تأثير الثقافة على الحياة اليومية. التسلية تساعد في فرض الممارسات الاجتماعية والتصورات النمطية. "صناعة الثقافة" هذه ليست فقط وضع غير ضار وانما هي شروط لشكل من السلبية ومظهر مفتعل لوجود الانسان. الثقافة لا تسمح للافراد بالتعبير عن رغباتهم وابتكاريتهم وانما تختزلهم الى مجرد مستهلكين محكوم عليهم بالسلبية. ان مدرسة فرانكفورت تسلط الضوء على مختلف أشكال التكييف الاجتماعي ومصادرة الحياة اليومية  بمنطق السوق،  وهي الظاهرة التي تكثّفت فقط  منذ التحليلات النقدية للفيلسوفين عام 1947. الصناعة الثقافية اصبحت معولمة وامتدت لجميع المجالات من الموسيقى الى السينما. ان سوق التسلية ترافق مع العولمة الثقافية حيث ان  ظاهرة نمطية الحضارة التجارية اصبحت عابرة لجميع القارات.

من جهة اخرى، ادورنو و هوركهيمر لم يأخذا بالاعتبار امكانية الانعتاق التي قد تأتي من الثقافات الشعبية. هناك أشكال من الثقافات المضادة التي تتطور على هامش منطق السوق. حركاتها تعبّر عن تحدّي خيالي للنظام القائم. لكن كما في حركة البانك الموسيقية، فان الثقافة المضادة تصبح دكانا آخرا في صناعة الثقافة. غير ان التاريخ والتمرد الذي جسدته الثقافات الشعبية لا يمكن انكاره.

فمثلا، الميديا تدعم حركات اجتماعية مؤثرة  ترفع الوعي بقضايا حساسة في الاون لاين مثل حركة (حياة السود مهمة) وحركة (قولوا اسمها) المدافعة عن المرأة السوداء التي اكتسحت سوق وول ستريت.

ثانيا، الثقافة الشعبية ليست فقط مدحلة السوق النمطي الذي وصفاه ادرنو وهوركهيمر. حتى في الحملات التجارية مثل هوليود يمكن ان تأتي أعمال ابداعية وأصلية. وفوق كل ذلك هناك غموض في استقبال الأعمال الثقافية. الأفلام والموسيقى تعرضان خيالا جافا يُختزل في أغلب الاحيان الى أهمية النجاح الفردي والقليل جدا من السعادة. غير ان الموسيقى والأغاني او المسلسلات التلفزيونية يمكنها ايضا ان تعبّر عن تحدّي للنظام الاجتماعي.

لكي نستنتج، ادورنو و هوركهيمر يجادلان بان مفهوم "صناعة الثقافة" هو مفهوم نخبوي ثقافيا وهو وصف مفرط في التشاؤم لدور الاعلام الواسع للثقافة. كلا الفيلسوفين يؤكدان بان هذا المفهوم يسبب تنميطا للمجتمع، انه يقود الى انسانية تكون اكثر تقليدا بدلا من خلق مفكرين ومبدعين. المجتمع يصبح سلبيا وافراد المجتمع يُعتبرون ضحايا لهذه "الصناعة الثقافية" المسيطرة على دماغ الانسان ومصيره. غير ان البحث يبيّن ان ادرنو و هوركهماير يتجاهلان التأثير الايجابي الذي تمارسه الثقافة الشعبية على المجتمع، نظرا لأن التقدم التكنلوجي له تأثير ايجابي ايضا. 

 

حاتم حميد محسن

 

زهير الخويلديمقال مفيد لفهم الاقتصاد السياسي بشكل أفضل

"يجب على الفلاسفة السياسيين من الآن فصاعدًا إما العمل ضمن نظرية رولز، أو شرح سبب عدم قيامهم بذلك"، روبرت نوزيك


الترجمة:

"كان الاقتصاديون من بين أول من استجاب لعمل جون رولز. دفعت اعتراضاتهم بفيلسوف العدالة إلى إعادة النظر في طموحه: التوصل إلى نظرية تنافس النفعية. من الممكن اليوم، بعد فوات الأوان، والعديد من الأبحاث التي أجريت على جون رولز، أن نسترجع الرحلة الفكرية لهذا الفيلسوف الأمريكي الذي عمل طوال حياته لبناء نظرية العدالة الاجتماعية التي أطلق عليها، من أعماله الأولى، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، "العدالة والإنصاف". بالإضافة إلى كتب المؤلف ومقالاته، ومحاضراته المنشورة في الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية، لدينا العديد من المحفوظات التي رسمها المؤلف نفسه في جامعة هارفارد حيث كان يعلم دروسه. وتشمل هذه المراسلات ومعلومات السيرة الذاتية وأيضًا التعليقات التوضيحية والفهارس التي كتبها المؤلف في نهاية كل كتاب.

هذه الآثار العديدة، بالإضافة إلى العمل على نصوصه وأدبه الثانوي، تسمح لنا بشكل خاص بفهم الارتباط الذي حافظ عليه رولز مع الاقتصاديين. فمن ناحية، استعار رولز العديد من المفاهيم من الاقتصاديين، دون أن يكون هذا واضحًا دائمًا، بينما تكثر الإشارات إلى الفلاسفة في عمله على العكس من ذلك. من ناحية أخرى، جعل رولز نظريته تتطور من خلال التواصل مع الاقتصاديين، ولا سيما بعد نشر عمله الرئيسي، نظرية العدالة [1971]. كان هذا العمل للفلسفة (الأخلاقية) بعيدًا عن ترك علماء الاجتماع أو السياسيين غير مبالين. أما الاقتصاديون، فقد كانوا من أوائل المعلقين على رولز، ولا سيما بعض الحائزين على جائزة نوبل. كان لردود أفعالهم الحية تأثير على قراءة رولز وتوجيهها. كان الأخير مضطرًا ردًا على ذلك إلى توضيح أفكاره، وأحيانًا تعديلها ... وحتى التخلي عن طموحه الأولي: بناء نظرية منهجية تنافس النفعية. اضطرت أيضًا، في عدة مناسبات، إلى تبرير ما بدا له على الأرجح واضحًا ولكن ليس واضحًا بالنسبة لبعض الاقتصاديين: أن المجتمع العادل يجب أولاً وقبل كل شيء تحسين وضع أعضائه الأكثر حرمانًا. ومن هذين المنظورين سنتعامل مع الجدل بين رولز والاقتصاديين، لكي نفهم في نفس الوقت عمل المؤلف في مجمل عمله - كيف تتحول نظريته بالتواصل مع الاقتصاديين - ولكن أيضا، صعوبة الدفاع عن مواقف أكثر راديكالية بشأن اللامساواة.

عندما هاجم رولز "القلعة النفعية"

تعود أسباب كتابة رولز لنظرية العدالة إلى شكوكه في النفعية. لكن المهمة صعبة. من ناحية أخرى، لا يوجد واحد سوى النفعية. تدل المجلدات الثلاثة التي كتبها كاثرين أودارد على مدى تعقيد وثراء تيار الفكر هذا. من ناحية أخرى، احتلت هذه النظرية، منذ جيريمي بنتام في القرن الثامن عشر، مكانًا راجحًا في المناقشات حول العدالة الاجتماعية، وهو المكان الذي يعترف به رولز نفسه: "هناك بالفعل طريقة لتمثيل المجتمع الذي يقود. بشكل طبيعي لفكرة أن النفعية هي المفهوم الأكثر عقلانية للعدالة "(رولز، [1971]، 1987، ص 49).

على الرغم من الاختلافات النظرية، فإن ميزة النفعية هي اقتراح تعريف شامل للعدالة من خلال مبدأ واحد، مبدأ المنفعة: "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد"، والفشل في تحقيق " أعظم سعادة للجميع ". يبرر هذا المبدأ العدالة الاجتماعية على أساس الاعتبارات العقلانية: بحث كل منا عن إرضاء مصالحنا الخاصة، "كل منا يعتبر واحدًا" على حد تعبير جون ستيوارت ميل ؛ فقط الحكمة، وفقًا لهنري سيدويك (المنفعة الرئيسية التي انتقدها رولز)، والتي لا تتطلب مبررًا.

تغرس النفعية الفلسفة الأخلاقية البريطانية، لكنها أيضًا تحيي النظريات الاقتصادية للعدالة الاجتماعية - نظريات الحياة الجيدة أو "الرفاهية" - التي سادت معظم القرن العشرين. يعمل المعيار النفعي في اقتصاديات الرفاهية كدليل لصانع القرار العام: الإجراء الذي سيتم اختياره هو الذي يزيد من مستوى المنفعة الإجمالية (والذي يسمى بعد ذلك "الرفاهية") للمجتمع، محسوبة من عواقب الإجراء على المنفعة (الرفاهية) لكل عضو يتكون منها. وهكذا، يبني الاقتصاديون "وظيفة الرفاه الاجتماعي" المرتبطة بكل فعل أو حالة اجتماعية اقتصادية. وبالتالي، فإن مهاجمة النفعية تتطلب أن تكون فيلسوفًا وخبيرًا اقتصاديًا. علاوة على ذلك، بالنسبة إلى رولز، فإن عظمة النفعية تفسر من خلال حقيقة أن جميع المنفعيين العظماء قبل عام 1900 كانوا فلاسفة واقتصاديين، مما جعل من الممكن إثراء النظامين، لا سيما في تعاملهم مع قضايا العدالة الاجتماعية (رولز، 2007، ص162).

ومع ذلك، وفقًا لراولز، لا تميز النظرية النفعية بين الناس، ولا تهتم بأقل عدد، ولا كيف يتم توزيع "الرفاهية القصوى" بين الأفراد. وهكذا، من الناحية النظرية، يمكن أن تبرر النفعية العبودية إذا كانت تزيد من سعادة أكبر عدد ويمكنها، على سبيل المثال، أن تطلب، على سبيل المثال، أكثر الفئات حرمانًا في المجتمع، أولئك الذين خضعوا بالفعل لتعسف الولادة، للتضحية بأنفسهم. للآخرين، حتى لو كانوا في وضع أفضل.

الآن رولز، على الرغم من كونه من عائلة ذات امتيازات، فهو من سن مبكرة، مدرك لمشاكل عدم المساواة والتمييز العنصري والاجتماعي في بلده، الولايات المتحدة: لها آفاق حياة مختلفة، يحددها جزئيًا النظام السياسي والظروف الاقتصادية والاجتماعية "(رولز، [1971]، 1987، ص33). ستصبح هذه نقطة البداية لنظريته: اعتباطية الولادة، والاحتمالات الطبيعية والاجتماعية التي لا نستحقها والتي، مع ذلك، تؤثر على حياتنا كلها. كما أثرت مشاركته في الجيش الأمريكي في المحيط الهادئ على أفكاره من خلال ثنيه عن ممارسة مهنة دينية كما كان ينوي القيام به قبل تعبئته. في الواقع، في سيرته الذاتية، جست جاك، علمنا أن القطار الذي كان يقع فيه فوج رولز قد مر عبر مدينة هيروشيما، التي دمرتها القنبلة الذرية مؤخرًا. قام قس أمريكي رافق فوجه بهذا الخطاب عن العناية الإلهية مما أربك رولز: "إن الله يستهدف اليابانيين برصاصنا ويحمينا منهم". يفتح رولز عينيه على التاريخ القمعي للدين المسيحي، وعدم التسامح مع الديانات الأخرى.

بالعودة إلى الولايات المتحدة، درس رولز الفلسفة، وهو خيار يبرره (مازحا) بكونه متوسط الأداء في التخصصات الأخرى. ومع ذلك، سرعان ما نجح في جعل الفلسفة مكان معارضة النظرية النفعية السائدة.

العدل كإنصاف: نظرية العقد الاجتماعي

يتبع رولز النظريات التقليدية للعقد الاجتماعي، من لوك إلى كانط إلى روسو. إنه يعيد إحياء فكرة العقد الاجتماعي الذي كان النفعيون، من بين آخرين، قد أطلقوا عليه "الخيال" لتشويه سمعته. ولكن، على عكس النظريات الكلاسيكية، لا يهدف عقد رولزي إلى تعيين سلطة سياسية شرعية، ولكن تحديد مبادئ العدالة الاجتماعية. في رولز، فإن الأفراد الذين تم وضعهم في "وضع أصلي" - يتوافق مع حالة طبيعة مذاهب العقد الاجتماعي - مدعوون إلى اختيار مبادئ العدالة الاجتماعية بالإجماع. تحدد هذه المبادئ الطريقة التي ينبغي بها توزيع الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع.

وفقًا لرولز، يجب أن تكون مبادئ العدالة بالتالي موضوع اتفاق أصلي: يجب أن يتم اختيارهم من قبل أشخاص عقلانيين، قد تكون مصالحهم متباينة، وأشخاصًا أحرارًا ومستقلين، ويوضعون في وضع أولي من المساواة، "موقف الأصلي". يعد هذا انفصالًا كبيرًا عن النظرية النفعية حيث يتم اختيار مبادئ العدالة وتطبيقها من قبل مشاهد محايد أو صانع قرار عام صالح لضمان تعظيم مجموع المرافق الفردية. لإقرار مبادئ العدالة وتجنب تضارب المصالح، أضاف رولز عنصرًا أساسيًا إلى بنائه، وهو "حجاب الجهل" المفترض أن يضمن حيادية عملية صنع القرار: يتعين على الأفراد اختيار مبادئ العدالة التي يجب أن يحكموا مجتمعهم لا يعرفون مكانهم في المجتمع (سواء كانوا أغنياء أو فقراء)، ولون بشرتهم، وجنسهم، ومستوى ذكائهم وما إلى ذلك. كما هو الحال في النظرية الكانطية التي يشير إليها رولز غالبًا، يجب أن يكون المشرعون وكلاء مثاليين، وعلى استعداد للاستماع إلى صوت الآخرين، أي التعاون ولكن على أساس أولوية الخير على الصالح. أو القانون الأخلاقي على المصلحة الخاصة. تعني هذه الأولوية أن عقل البشر (إحساسهم بالعدالة) له الأسبقية على عقلانيتهم - عند اختيار المبادئ الجماعية - لكنها قبل كل شيء تعتبر أن البشر هم أهداف في حد ذاتها وليسوا وسائل. هذا هو مرة أخرى قطيعة كبيرة مع النفعية.

تظهر ثلاثة مبادئ للعدالة، مصنفة بترتيب معجمي. المبدأ الأول هو مبدأ المساواة السياسية: المساواة في الحرية للجميع وهذا على أوسع نطاق ممكن (حرية التعبير والتجمع، حرية الفكر والضمير، الحق في التصويت والترشح، إلخ.)؛ تشير أولوية هذا المبدأ إلى أنه من غير الممكن التفاوض على المزيد من المزايا الاقتصادية (بما في ذلك لأكبر عدد) عن طريق الحد من حرية عدد قليل، من خلال اعتبارها وسيلة، حتى من خلال تحويلها كالعبيد. المبدأ الثاني هو مبدأ تكافؤ الفرص، أو فرص الوصول إلى المناصب أو الوظائف الاجتماعية والامتيازات المرتبطة بها؛ المساواة في آفاق الحياة، في جميع قطاعات المجتمع، لجميع الأفراد بغض النظر عن أصلهم الاجتماعي. يسبق هذا المبدأ ويقترن بالمبدأ المعروف باسم "الاختلاف" الذي ينص على أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية عادلة إذا كانت تفيد الأفراد الأكثر حرمانًا في المجتمع، وأنهم يضاعفون توقعاتهم المعبر عنها فيما يتعلق بالسلع الاجتماعية الأولية. وهكذا، يحكم رولز على حالة الأشخاص الأكثر حرمانًا من حيث التوقعات، لأنه وفقًا له، في النظام الرأسمالي، مع مواهب وقدرات متساوية، فإن ابن الإنسان الذي ينتمي إلى طبقة رواد الأعمال لديه آفاق أفضل للحياة، من ابن العامل غير الماهر لأن لديه الموارد اللازمة لتنفيذ مشاريع حياته (العقلانية). لذلك يجب علينا العمل على مستوى هذه الموارد.

الفهرس التركيبي للخيرات الأولية:

يقترح رولز تقييم وضع الأفراد بناءً على مؤشر للسلع الأولية التي يحتفظ بها الأفراد. تُعرَّف الخيرات الأولية، في نظرية العدالة، بأنها السلع التي يفترض أن يرغب كل إنسان عاقل فيها - مهما كانت رغباته الأخرى - من أجل تحقيق مشروع حياته العقلاني. يميز رولز بين "الخيرات الطبيعية"، مثل الصحة أو المواهب و"الخيرات الاجتماعية الأساسية" التي يقسمها إلى ثلاث فئات تتوافق مع مبادئ العدالة الثلاثة: الحريات الأساسية، وفرص الوصول إلى المواقف الاجتماعية والمزايا الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بهذه المواقف، في هذه الحالة الدخل والثروة والسلطات والامتيازات وكذلك الأسس الاجتماعية لاحترام الذات. وبالتالي، فإن الطبقة الأكثر حرمانًا في المجتمع هي الأقل ثراءً فيما يتعلق بهذه الخيرات، وبالتالي فهي الأقل قدرة على تنفيذ مشاريعها. تعمل الخيرات الأولية كأساس للمقارنات بين الأشخاص وتتجنب مشكلة المقارنات الأساسية للنظرية النفعية التي تفترض القدرة على مقارنة مستوى رفاهية الأفراد. مؤشر الخيرات الأولية مستقل عن مستوى الرفاهية لأن الأخير يعتمد على اختيارات الأفراد وتفضيلاتهم ورغباتهم بالمعنى الواسع، وهي مسؤوليتهم الفردية، وتقييم شخصي (لمستوى الخير - يتم سحبها من إجراء أو من الموارد المتاحة). ومع ذلك، فإن العديد من الاقتصاديين سوف يتفاعلون مع إمكانية أو بالأحرى استحالة إنشاء مثل هذا المؤشر.

استقبال العمل من قبل الاقتصاديين

كتب رولز نظرية العدالة لطلابه عام 1971 حيث جمع العديد من الأفكار من العديد من مقالاته السابقة. ومع ذلك، فإن الكتاب ليس فقط فرضًا ولكن يصعب قراءته، ويضاعف المفاهيم من مختلف التخصصات والمؤلفين. تفسر هذه الصعوبات، جزئيًا، التفسيرات المتعددة، وأحيانًا المتناقضة، للكتاب. ومع ذلك، أصبحت نظرية العدل تدريجيًا أكثر الأعمال قراءةً وتعليقًا على الفلسفة السياسية والأخلاقية في النصف الثاني من القرن العشرين، وربما تكون مشابهة لما كانت نظرية كينز العامة للاقتصاديين.

يُعزى نجاح نظرية العدالة، المترجم إلى 28 لغة، إلى حقيقة أن هذا الكتاب يملأ الفجوات في النظريات الليبرالية للعدالة الاجتماعية، ويفتح الاحتمالات ويجدد الأفكار التحررية والمجتمعية والنسوية والبيئية والماركسية. كما سيقول روبرت نوزيك في الدولة، الفوضى واليوتوبا (1974)، "يجب على الفلاسفة السياسيين من الآن فصاعدًا إما العمل ضمن نظرية رولز، أو شرح سبب عدم قيامهم بذلك" (نوزيك، 1974، 1988 ص .228). سيكون للكتاب أيضًا تداعيات مهمة خارج الدوائر الأكاديمية.

في فرنسا، وأيضًا في أماكن أخرى من العالم، كان رد فعل الاقتصاديين فوريًا على عمل رولز. وهذا ليس مفاجئًا لأنه استعير العديد من المفاهيم من الاقتصاديين، دون أن تكون هذه المراجع صريحة مثل الإشارات إلى أعمال الفلاسفة.

يمكن تفسير هذه الاقتراضات بقرب رولز من أبحاث الاقتصاديين في أمريكا الشمالية. بعد الانتهاء من أطروحة الدكتوراه في الفلسفة في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، أخذ رولز ندوات في الاقتصاد في جامعة هارفارد، ولا سيما ندوات ويليام جاك بومول (الاقتصادي الأمريكي، الذي عمل من بين أمور أخرى على اقتصاديات الرفاهية)، ثم اقرأ العديد من الاقتصاديين: بول صامويلسون، وفرانك نايت، وجيمس بوكانان، وجوردون تولوك، وجون تشارلز هارساني، وكينيث أرو، وجون هيكس، إلخ. هؤلاء الاقتصاديون الأمريكيون لم يكتفوا فحسب، بل سيكونون أيضًا الفائزين بـ "جائزة نوبل في الاقتصاد": أرو (عالم الاقتصاد الأمريكي، أحد مؤسسي المدرسة الكلاسيكية الجديدة الحديثة) هو أحد أقران صامويلسون (خبير اقتصادي أمريكي بولندي متجنس، زعيم "التوليف الكلاسيكي الجديد") ومدير أطروحة هرساني (اقتصادي مجري أسترالي متجنس أمريكي، مساهم في النظرية النفعية ونظرية اللعبة). الأول حائز مشارك مع جون هيكس على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1972، والثاني عام 1970 والثالث عام 1994. بالإضافة إلى ذلك، يتابع جيمس بوكانان (خبير اقتصادي أمريكي) دورات فرانك نايت، مؤسس مدرسة شيكاغو (في الاقتصاد)، وسيحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1996 لمساهمته في نظرية الاختيار العام. لا تتوقف قراءات رولز عند المجال الأمريكي: فهو يقرأ، على سبيل المثال، الاقتصاديين من مدرسة لوزان: ليون والراس (الاقتصادي الفرنسي) وفيلفريدو باريتو (عالم الاجتماع والاقتصاد الإيطالي)، والاقتصاديين اللغة الإنجليزية، وخاصة المنفعيون، مثل جون ستيوارت ميل وأيضًا عمل جيمس ميد (بالقرب من أفكار كينز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1995)، إلخ.

سعى رولز، من خلال عمله المبكر، إلى تحديد طرائق عملية المناقشة التي من شأنها أن تؤدي إلى مبادئ العدالة كإنصاف. للقيام بذلك، فإنه يحشد العديد من المفاهيم التي طورها الاقتصاديون. يقدم مفهوم الموقف الأصلي بالتالي أوجه تشابه مع "حكومة بالمناقشة" لفرانك نايت. لجأ لفترة من الوقت إلى فكرة الحد من معلومات الأفراد، التي وجدها في بوكانان وتولوك، استبدلها تدريجياً بمفهوم "حجاب الجهل"، المستمد من أعمال فيكري (1945) وهرساني (1953، 1955). أخيرًا، استعار من عالم الرياضيات أبراهام والد (1950) ولكن بشكل خاص من عالم الاقتصاد ويليام فيلنر (1965)، معيارهم "الحد الأقصى" لشرح اختيار الأفراد في الوضع الأصلي. يتطلب الحد الأقصى، في حالة عدم اليقين، إعطاء الأولوية للحلول الممكنة وفقًا لأسوأ نتائجها واختيار الحل الذي تكون النتيجة الأسوأ هي الأفضل: الحد الأدنى من الحد الأدنى. بالتكيف مع نظرية رولز، يؤدي هذا المبدأ إلى اختيار المواقف التي (الحد الأقصى) تحسن وضع أكثر الفئات حرمانًا في المجتمع (الحد الأدنى). قاد هذا الاقتراض من الاقتصاديين رولز إلى القول إن نظرية العدالة كإنصاف هي "جزء، وربما حتى الأهم، من نظرية الاختيار العقلاني" (رولز، 1971، [1987]، ص43). من خلال ذلك، ينوي أن يُظهر أن اختيار مفهوم العدالة كعدالة أكثر عقلانية من اختيار مبدأ المنفعة (بجميع أشكالها)، أي أنه يتفق مع السعي. بالإضافة إلى ذلك، يعد هذا الاختيار أكثر إنصافًا لأنه يعتبر معالجة التفاوتات أولوية وليس - مثل النظرية النفعية - خيارًا تابعًا لآخر، وهو اختيار سعادة أكبر عدد.

كانت كتابة نظرية العدل موضوع العديد من التبادلات من المخطوطات قبل النسخة النهائية لعام 1971. وكان من بين المساهمين العديد من الاقتصاديين مثل سين وهارساني وفيلبس. إنه أيضًا الأخير، الذي يجب أن نضيف إليه العديد من الاقتصاديين الآخرين، الذين سيصبحون تدريجياً أكثر النقاد حماسة للنسخة المنشورة من نظرية العدالة، لا سيما استخدامها للمفاهيم المستعارة من الاقتصاديين. في عام 1971، اقتبس كينيث أرو من رولز فقط في ختام المقال. في عام 1973، خصص لها مقالتان، وهو العام الذي نشر فيه جون هارساني وإدموند فيلبس وروبرت سولو (1973-1974) أيضًا مقالات حول عمل أصبح ضروريًا بالفعل.

هؤلاء الاقتصاديون (الذين حصلوا جميعًا لاحقًا على جائزة بنك السويد في ذكرى ألفريد نوبل، المعروفة باسم جائزة نوبل في الاقتصاد) تركوا جانباً المناقشة حول أول مبدأين للعدالة - مبدأ المساواة في الحرية ومبدأ تكافؤ الفرص - للتركيز على مبدأ الاختلاف من خلال معيار الحد الأقصى. غالبًا ما يتم تفسير هذا الأخير ضمن الإطار المهيمن للرعاية الاجتماعية - وهو الحد الأقصى في المرافق - وهذا يعني أنه المعيار الذي يسمح بتعظيم أدنى مستوى من الرفاهية وليس، كما هو الحال في نظرية رولز من حيث المنافع الاجتماعية الأولية، كمية الموارد المتاحة للفئات الأكثر حرمانًا. أحد الاختلافات الجوهرية هو أن التوزيع القائم على الرفاهية التي يشعر بها الفرد لا يفرق بين الأكثر حرمانًا الذين يحتاجون إلى موارد معينة لتحقيق مشروع حياتهم الذي يتحملون مسؤوليته الفردية. والأفراد الذين يعانون من تكلفة باهظة أو يصعب إرضاء الأذواق يجب عليهم - لاستخدام صورة أمارتيا صن - "الاستمتاع بالشمبانيا والكافيار لتحقيق مستوى عادي من المنفعة، وهو المستوى الذي تريده وأنا أتناول شطيرة وبيرة "(صن، [1987]، 1993، ص 207).

يتمتع هذا التفسير الرفاه لمبدأ الاختلاف بميزة توجيه المناقشة ليس على أساس العدالة بل على أساس الاختيار العقلاني (لصانع القرار العام) بين الحد الأقصى ومبدأ المنفعة: هل هو عقلاني؟ الرغبة في تحسين وضع الأكثر حرمانًا (الحد الأقصى)، أو السعي لتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد (مبدأ المنفعة)؟

سيتم تطبيق هذا السؤال على مجالات مختلفة من الاقتصاد. على سبيل المثال، يحاول فيلبس (1973) تطبيق اختبار الحد الأقصى على نماذج ميرليس (1971) وشيشينسكي (1972) من أجل العثور على معدل الضريبة الذي يحسن وضع الفئات الأكثر حرمانًا. ولكن بعد ذلك مرة أخرى، يفسر الحد الأقصى من حيث المنفعة أو الرفاهية للفئات الأكثر حرمانًا. أما بالنسبة لأتكينسون (1973)، فهو بالتأكيد أول من أعطى مصداقية حقيقية لنظرية رولز من خلال إثبات أنه في حالة الحد الأقصى، فإن الضرائب المثلى على الدخل أقرب بكثير إلى الحد الأمثل العالمي من مبدأ مفيد لأن ضريبة الدخل أكثر تقدمية وبالتالي أكثر عدلاً. أخيرًا، يكيّف الخبير الاقتصادي روبرت سولو المبدأ الأساسي مع إطار العدالة بين الأجيال ويعترف بأنه لمواجهة النفعية، من الضروري أن تكون " رولزي أكثر من رولز". ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن كل هذه المحاولات في التطبيق لن تجعل رولز يتفاعل - بما يتجاوز الحواشي السفلية - الذي يعترف بأنه غير قادر على التعليق على هذه الأمور. وهكذا، لكي نفهم أن الحوار لا يزال قائمًا بين رولز والاقتصاديين، يجب أن ننتقل مرة أخرى إلى مجال التعارض النظري بين النفعية والعدالة كإنصاف. معارضة نظرية، لكنها تعكس مفاهيم مختلفة عن مجتمع عادل.

يسعى الاقتصاديون المؤثرون لإثبات أن نظرية رولز لا تعمل بشكل أفضل من النظرية النفعية، وهي في الغالب حالة خاصة، قصة ترجيح (على أكثر الفئات حرمانًا في المجتمع). وبالمثل، أطلق هيكس أو هانسن على نظرية كينز حالة خاصة للنظرية الكلاسيكية الجديدة السائدة. يمكن تلخيص نهجهم على النحو التالي: نظرية رولز، في أحسن الأحوال، تفعل وكذلك النظرية النفعية. لذلك من الصعب القول بأن الأفراد - في الوضع الأصلي تحت غطاء الجهل - سيختارون مبادئ العدالة على أنها الإنصاف (أرو1973، صن1993).

كان عام 1974 عامًا محوريًا في هذا الصدد. من ناحية، يضخم الاقتصاديون انتقاداتهم للعدالة باعتبارها عدالة. من ناحية أخرى، يدافع رولز عن نفسه بالتوضيح أو المراجعة أثناء التحدث إلى الاقتصاديين. تم تنظيم هذا الحوار لأول مرة من قبل مجلة كبرى نظمت منذ عام 1972 تبادلات بين المؤلفين. في نوفمبر 1974، كرست المجلة الفصلية للاقتصاد ندوة لنظرية رولز. قام بتحريره ريتشارد موسغريف، الاقتصادي المعروف بتصنيفه للوظائف الرئيسية للدولة التي استمد منها رولز في نظرية العدالة، يتضمن العدد مقالاً لنفس موسغريف، وآخر بقلم سيدني ألكسندر، ورد فعل من قبل رولز، الذي سيكمله بعد بضعة أشهر في "بعض أسباب معيار الحد الأقصى"، الذي نُشر في مراجعة اقتصادية رئيسية أخرى، المجلة الاقتصادية الأمريكية.

لا يمنح الاقتصاديون رولز حتى فائدة نظرية العدالة الاجتماعية التي من شأنها أن تعطي الأولوية للأفراد الذين هم أسوأ حالًا في المجتمع: نظرية رولز، مثل النفعية، مبنية على منطق التضحية، إلا أن الأفراد الأكثر حظًا في المجتمع هذه المرة هم الذين يجب أن يضحوا بأنفسهم (وليس أصغر عدد من أجل الأكبر). يجب أن يضحوا بأنفسهم، بحسب هارساني (...): "بغض النظر عن أي شيء، حتى في ظل أكثر الظروف قسوة"، من أجل الأشخاص الأكثر حرمانًا الذين يمكن أن يكونوا "متخلفين عقليًا"، "مرضى بشكل لا يمكن علاجه"، "فقير بشدة". أو بالنسبة للأشخاص الأكثر حرمانًا الذين يقضون يومهم على شواطئ ماليبو، ينتظرون التحويلات الاجتماعية بغض النظر عن أي مساهمة إنتاجية. وبالتالي، وفقًا لموسغراف، يفضل الحد الأقصى الأفراد ذوي الذوق القوي لقضاء وقت الفراغ: "(...) المنعزلون والقديسون والعلماء (غير المستشارين) الذين يكسبون القليل فقط وبالتالي لن يضطروا إلى المساهمة بشكل كبير في إعادة التوزيع" (" المنعزلون، والرهبان، والعلماء الذين يكسبون القليل وبالتالي يساهمون قليلاً في إعادة التوزيع "موسغريف، 1974، ص 632). السؤال الذي يطرحه الاقتصاديون هو ما يلي: ما هي مزايا المجتمع الأكثر حظًا، الذي يعتبر الأكثر إنتاجية أو الأكثر موهبة، التي يجب أن تدخل في مخطط تعاون رولزي؟ طرح سؤال بعد بضع سنوات من قبل فريدريك هايك (الذي حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974)، والذي تشير إليه أي سياسة للعدالة الاجتماعية إلى انتهاك الحقوق المتساوية، وهي ليست سوى " شكل جديد من العبودية ". أولاً، بعد أن أُغريه عمل رولز المبكر [حول أولوية الحرية]، من الواضح أن اهتمامه بنظرية العدل ليس هو نفسه. يعتقد هايك [1976] أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية لها عواقب إيجابية على الفئات الأكثر حرمانًا في المجتمع الذين، بفضل غالبية أولئك الذين بنوا ثروات كبيرة، يستفيدون من المزيد من فرص العمل، وأكثر ربحًا من إذا كان هؤلاء الناس قد وزعوا عليهم ما لا داعي له.

ردود رولز على الاقتصاديين

سيأتي راولز بالعديد من التعديلات استجابة للاقتصاديين: مفهوم الشخص، السلع الأولية، والمبدأ المسمى الآن الحد الأقصى من الانصاف[1974]، ثم التخلي عن كل إشارة إلى نظرية الاختيار العقلاني، التي أعرب عنها بوضوح في عمله الأخير. :

"لم يتم اقتراح قاعدة الحد الأقصى أبدًا كمبدأ لاتخاذ قرار عقلاني في جميع حالات المخاطرة وعدم اليقين، كما يعتقد البعض (...). [هذا خطأ، للأسف تشجعه أخطاء شرح نظرية العدل [...] "(رولز، [2001]، 2003،ص 139، ملاحظة، ص70، ملاحظة 19).

إن طموح مشروع رولز لاقتراح نظرية منهجية يمكن أن تقدم نفسها كبديل للنفعية مهتز أيضًا: المقارنة مع النفعية ستتم فقط في مجال الفلسفة السياسية وتفتح الطريق للعمل الثاني بقلم رولز: الليبرالية السياسية [1993]، 1995. عمل يجمع أيضًا سلسلة كاملة من المقالات التي كتبها رولز بعد نظرية العدالة والتي تشير إلى مسافة من الاقتصاديين. ما هو المفهوم السياسي للعدالة - بين النفعية والعدالة كإنصاف - من المرجح أن يوفر أساسًا مناسبًا لمجتمع ديمقراطي؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عليه الليبرالية السياسية. سيتم تناول هذا السؤال في مقدمة الطبعة الفرنسية من نظرية العدالة (1987) وفي مختلف طبعات هذا العمل.

إذا لم يعد الحوار مع الاقتصاديين مباشرًا، فإنه مع ذلك يستمر من خلال التفاصيل التي سيقدمها رولز خلال عمله لتعريف الأشخاص الأكثر حرمانًا، والنظام الاقتصادي القادر على تطبيق مبادئ العدالة. كالإنصاف.

يبدأ رولز بالانغماس في نقاش العمل / الترفيه أو بعبارة أخرى، الجدل الدائر حول راكبي الأمواج الذين يفضلون قضاء يومهم على شواطئ ماليبو. أولاً، يخطط لمراجعة مؤشر السلع الأولية ليشمل أوقات الفراغ أو الفراغ، الأمر الذي من شأنه استبعاد الأشخاص العاطلين عن طريق اختيار المجموعة الأكثر حرمانًا. وبالتالي يرغب رولز في طرح فكرة المسؤولية الفردية: أولئك الذين يعيشون على الأموال العامة ليسوا أولئك الذين يقررون قضاء يومهم على الشاطئ، يجب عليهم تمويل أنفسهم لأنهم اختاروا عدم القيام بذلك. لا يعمل. ومع ذلك، فإن إعادة التوجيه هذه - في عقلية الاقتصاديين - لها حدود، لأنه قد يكون هناك العديد من الأنشطة غير المدفوعة (وبالتالي لا تنتج عن عمل منتج ذي قيمة اقتصادية) التي تساهم في تحسين الوضع. من أكثر الفئات حرمانًا: التطوع، رعاية الأطفال، إلخ. هذه هي الطريقة التي سيتناول بها فيليب فان باريج (1991) هذا السؤال - الذي يسمى الآن جدل متصفحي ماليبو - لتبرير إنشاء الدخل الشامل للسماح للناس بقدر أكبر من الحرية في خياراتهم: الحرية الحقيقية العمل هو مجرد واحدة من عدة طرق لتحقيق حياة كاملة.

علاوة على ذلك، من خلال الفرضية، في المجتمع المنظم جيدًا الذي وضعه رولز نظرياته، فإن الوظائف ليست نادرة. لذلك فإنه يترك جانباً مسألة مسؤولية المجتمع عن توفير فرص العمل، مثل نوعية الوظائف. بعبارة أخرى، بالكاد رسم راولز مسألة العمل.

لم يعبّر راولز عن موقف أكثر تحديدًا في الجدل الذي فرضه عليه الفائزون بجائزة نوبل في الاقتصاد في سبعينيات القرن الماضي، إلا بعد أعماله الأخيرة، العدالة كمساواة: إعادة صياغة (2001)، سنوات صعود الليبرالية الجديدة.

في هذا العمل (القسم 49)، يربط رولز تعريف الأكثر حرمانًا بتعريف النظام الاقتصادي، وفي الوقت نفسه يحسم الجدل الذي وضع رولز، لعقود، كمدافع عن دولة الرفاهية. ووفقًا له، فإن إعادة توزيع الدخل من رأسمالية دولة الرفاهية له غرض وحيد هو ضمان ألا ينخفض أحد دون مستوى معيشي لائق. لكنها تسمح باستمرار اللامساواة، بحيث يمكن للفئة المحرومة والمثبطة أن تتطور، والتي يعتمد أعضاؤها بشكل مزمن على الفوائد الموزعة. تشعر هذه الطبقة بأنها مستبعدة ولا تشارك في الثقافة العامة (العملية السياسية والقرار الاقتصادي) ولكنها مع ذلك تلعب دورها في المجتمع وتساهم في الثروة الاجتماعية. إن الطبقة الأكثر حرمانًا ليست فئة من سيئ الحظ وسيئ الحظ، "أشياء من محبتنا ورأفتنا، حتى شفقتنا". ومع ذلك، فإن الأمر يتعلق بتزويدها بالموارد الاجتماعية الضرورية وأيضًا "وضع في أيدي المواطنين بشكل عام، وليس فقط القليل من الوسائل الإنتاجية الكافية لهم ليكونوا أعضاء متعاونين بشكل كامل في المجتمع على قدم المساواة ". بالوسائل الإنتاجية، يفهم رولز رأس المال الحقيقي ورأس المال البشري، أي "معرفة وفهم المؤسسات، تعليم يطور القدرات والمهارات" (رولز،[2001]، 2003، القسم 17، ص 88-89). وهكذا يقول رولز إنه يريد أن يأخذ في الحسبان - كرد فعل على انتقادات صن [انظر صندوقنا] "قدرات" المواطنين الذين يُنظر إليهم على أنهم أحرار ومتساوون. إن النظام الذي يراه يحقق مبادئ العدالة كإنصاف ككل، هو "خيار متميز عن الرأسمالية" (رولز، [2001]، 2003، ص. 188) والذي لا يمكن أن يكون (مهما كانت أشكاله). : أتركه يعمل  أو دولة الرفاه)، وهو "نظام عادل للتعاون بين المواطنين الذين يُعتبرون أحرارًا ومتساوين" (المرجع نفسه، ص 193-194).

أي مساواة؟ نقد أمارتيا. صن

في كتابه "الأخلاق والاقتصاد" ([1987]، 1993) الذي يجمع العديد من مقالاته، يقر صن بأن منظور رولز يتجاوز النفعية في الحرية والمساواة. ومع ذلك، ينتقد سين مساواة رولز من خلال الاستفادة من حجج رولز ضد النظرية النفعية، أي عدم قدرتها على مراعاة تنوع الأفراد. في الواقع، يستبعد رولز من نظريته الأفراد ذوي الإعاقة على أساس أنها تنطوي على اعتبارات تتعلق بترتيب الشفقة والقلق، مما قد يؤدي بالتالي إلى تحويل إدراكنا الأخلاقي وإخراجنا من النظرية. العدالة. قد يكون هذا صحيحًا، كما يخبرنا سين، لكن الحالات الصعبة موجودة بالفعل، إنه شيء واحد لا يمكن تجاهله: لا يمكن للعدالة أن تكون غير مبالية بالحياة التي يعيشها الناس بالفعل، إلى التنوع. احتياجاتهم التي "تختلف حسب الصحة وطول العمر والمناخ والموقع الجغرافي وظروف العمل والمزاج وحتى حجم الجسم (مما يؤثر على الحاجة إلى الطعام والملابس) . ما هو موضوع الخلاف ليس تجاهل بعض الحالات الصعبة، ولكن التغاضي عن الاختلافات الواسعة الانتشار والحقيقية للغاية ”(صن، ص 208). يخلص سين إلى أن "الحكم على الميزة فقط من حيث السلع الأولية يؤدي إلى أخلاق عمياء جزئيًا". (أرسلها إلى). يسلط المؤلف الضوء على ما ينقص في مساواة رولزية: تفسير الاحتياجات ليس من قائمة السلع الأساسية ولكن من حيث "القدرات الأساسية"، حقيقة أن الشخص قادر على تحقيق بعض الأعمال الأساسية، مثل القدرة على التنقل، وتلبية الاحتياجات الغذائية، والحصول على الملبس والمأوى، والقدرة على المشاركة في الحياة الاجتماعية للمجتمع ... وبالتالي، "[...] شخص ذو إعاقة قد يكون لديه كمية أكبر من البضائع [...] ولكن بقدرة أقل من قدرة شخص آخر (بسبب إعاقته) "(صن، ص 220). يجب عليها، على سبيل المثال، أن تنفق أكثر للوصول إلى وظيفتها من الشخص السليم جسديًا.

يقترح صن بالتالي الانتقال إلى المساواة في القدرات الأساسية التي لا يراها على أنها معارضة للمساواة في السلع الأولية، ولكن باعتبارها امتدادًا طبيعيًا، وتشريد "مركز الاهتمام لجلبها من السلع إلى تأثير البضائع على البشر "(صن، ص 211). يمكن تعريف العدالة الاجتماعية من حيث الإمكانيات المتاحة للأشخاص بالنظر إلى "أدائهم" أو "إنجازاتهم" التي يمكن أن تحققها الموارد - القراءة والكتابة والحصول على وظيفة والبقاء بصحة جيدة والنشاط السياسي وما إلى ذلك. لذلك من حيث الخيارات الفعالة للخيارات المحتملة (القدرات). ومع ذلك، يعترف المؤلف بأن إنشاء فهرس لمجموعات القدرات الأساسية يطرح العديد من المشاكل التي يمكن مقارنتها بمشاكل إنشاء مؤشر للسلع الأولية، ولكنه يظل غامضًا إلى حد ما بشأن هذا الموضوع. فيما يتعلق بأوقات الفراغ، يضيف رولز (القسم 53) أنه من الآن فصاعدًا، فإن هذا السؤال مشروط: "إذا تم تضمين الوقت المخصص لقضاء وقت الفراغ في المؤشر، يجب على المجتمع أن يضمن أن فرص العمل المكافئ متاحة بشكل عام" . لذلك فهي مسألة مسؤولية جماعية ولم تعد مسؤولية الأفراد في الطريقة التي ينفذون بها مشروع حياتهم.

لاحظ أن فيلبس، منذ عام 1973، كان يعتقد أن تعريف الأكثر حرمانًا في المجتمع هو كعب أخيل لنظرية رولز. ولكن، في الواقع، كان هذا هو كعب أخيل للاقتصاديين، بما في ذلك فيلبس، أولاً بسبب سوء تفسير الحد الأقصى باعتباره الحد الأقصى في المرافق بينما يقوم رولز بتقييم حالة الأشخاص الأكثر حرمانًا وليسوا في وظيفة الرفاه أو المنفعة ولكن لمؤشر السلع الأولية. ثانياً، لأن الاقتصاديين الذين تم الاستشهاد بهم اعتبروا المحرومين ليسوا عمالاً منتجين بل كعاملين تابعين للمجتمع.

هذا الموقف الراديكالي لرولز، الذي يعتبر أن النظام الرأسمالي حتى في شكله من دولة الرفاهية غير قادر على تطبيق مبادئ العدالة كإنصاف، لتحسين وضع الأكثر حرمانًا و الحد من عدم المساواة، المهمش. يعتقد بن رودجرز أن رولز يشعر باليأس من رأسمالية دولة الرفاهية، والتي شهدت في الثمانينيات والتسعينيات زيادة التفاوتات بشكل كبير. وفي نفس الوقت الذي يضع فيه رولز نفسه أكثر إلى اليسار، فإن اليسار الأنجلو أمريكي ينحرف نحو اليمين. وهو ما قد يفسر، حسب قوله، أن أعضاء حزب العمال القديم في إنجلترا - توني كروسلاند وروي هاترسلي، إلخ. - اقتبس رولز ولكن ليس أعضاء حزب العمل الجديد، خاصة عندما وصل الأخير إلى السلطة. هل سيكون هناك بالتالي راديكالية (طواعية) يتجاهلها رولز؟ راديكالية في الخارج ولكن أيضًا داخل الدوائر الأكاديمية والتي غالبًا ما تحصر النقاشات حول نظرية العدالة في رولز وتترك الشكوك حول تفسير نظرية رولز كما لو أن الأخيرة لم تكن كذلك. اتخذ موقفا.

تأثير رولز في الاقتصاد

ومع ذلك، لم يختف رولز من مناقشات الاقتصاديين - بل على العكس تمامًا. نفوذها ينمو، بشكل رئيسي في مجالين. في مسائل الأخلاق الاقتصادية، أولاً، يقوم الاقتصاديون بتقييم التطبيقات والآثار المحتملة للعدالة باعتبارها عدالة، أحيانًا حتى لو كان ذلك يعني الاستمرار في اختزالها إلى المعيار الوحيد للمبدأ الأقصى، وبشكل أكثر تحديدًا لمبدأ في المنافع ولكن على أساس معايير موضوعية لتقييم الرفاه أو نوعية الحياة (وبالتالي في إطار اختيار اجتماعي غير رعاية صحية). هكذا بدأت المناقشات المتعلقة ببناء مؤشر أو مؤشر للرعاية الاجتماعية كبديل للناتج المحلي الإجمالي، بمبادرة من رئيس الجمهورية، نيكولا ساركوزي، في يناير 2008. اللجنة المسؤول عن هذا العمل برئاسة جوزيف ستيجليتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في عام 2001، وكذلك الحائز الثاني على جائزة نوبل، أمارتيا صن. ثانيًا، خصص بعض الاقتصاديين التمييز المنسوب إلى رولز بين عدم المساواة المصنفة على أنها "مقبولة" أو عادلة وتلك التي قد تكون "غير مقبولة" أو غير عادلة، لجعلها أفقًا جديدًا لمحاربة عدم المساواة. هذه هي الطريقة التي يؤكد بها توماس بيكيتي، مستردًا نفسه من فكر رولز، في عمله المشهور عالميًا رأس المال في القرن الحادي والعشرين، أن "عدم المساواة ليس بالضرورة أمرًا سيئًا في حد ذاته: السؤال المركزي هو معرفة إذا كانت مبررة، إذا كانت لها أسباب ”(بيكيتي، 2013، ص 44). هذا أيضًا نقاش يجب إجراؤه وليس إغلاقه. ومن ثم، فإن عمل رولز الفلسفي ينطوي على خطر استمرار تحريض الاقتصاديين، وهذه إحدى مساهماته: إدخال التخصصات في حوار بهدف مجتمع عادل."

 

بقلم ريما حاوي 20 سبتمبر 2019

الرابط:

https://interventions-democratiques.fr/notes-de-lectures/hawi-rima-presente-par

كاتب فلسفي

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

تمهيد: "الإيتيقا الفكرية موضوع كلاسيكي ولا يزال قليل الدرس"

يخوض باسكال أنجل في مسألة العلاقة بين المعرفة والقيم وبين الابستيمولوجيا والكسيولوجيا أثناء مراجعته لكتاب روجر بوفيه ومحاولته تقديم رد على الأطروحة التي تربط الإيتيقا بالتيولوجيا اللاهوتية  ويدعو إلى إعادة التفكير في نظرية المعرفة باعتبارها أخلاقًا فكرية من اجل اختبار تبرير معتقداتنا،لكنه يرى حياة الفكر أيضًا، مثل كل أشكال الحياة، محملة بالقيم. لها فضائلها ورذائلها، ويعود حول هذا الموضوع الى أرسطو الذي كان يعتقد بأن هذه الحياة منظمة بشكل جيد ويشيد كذلك بفضيلة التواضع عند توما الأكويني. كما ينقد تساءل المؤلف عما هو صواب الاعتقاد والادعاء بمعرفة. بالنظر إلى نظرية المعرفة كجزء من الإيتيقا، والتي تتعلق بالحياة الفكرية، فإنه يتساءل عن شرعية المواقف الفكرية وكذلك قيمتها، مؤكداً أن الفسق موجود في الفكر، كما في الحياة العملية، يدعونا إلى جعل الفضائل شريان الحياة. فماهو رد أنجل على هذا التصور؟

الترجمة:

"نحن نعيش في عصر أخلاقي للغاية: نستهلك " الإيتيقا " وندين ونلوم ونراقب في كل وقت، خاصة الفنانين والكتاب والمثقفين. لكن هل ننتقدهم بسبب كتابتهم كتبًا باطلة أو لعرض أعمال شنيعة للجمهور؟ على الاطلاق. يتم انتقادهم بسبب مواقفهم السياسية والاجتماعية، أو ماضيهم الجنسي. لم نعد نتذرع، كما في صحيفة تحرر للكتاب المتعاونين، بـ "الحق في ارتكاب الأخطاء". أليس من المستغرب ألا يكون الكاتب أو المفكر مسؤولاً أولاً عن عمله في عالم العقل؟ ولكن ما هو المجال المناسب للإيتيقا الفكرية؟

 هناك ما لا يقل عن ثلاث وظائف محتملة. وفقًا للأول، هذا ليس سوى الأخلاق نفسها: إذا كان المثقف أمينًا ومتواضعًا، أو على العكس من ذلك غير أمين ومتغطرس، فإنه لا يختلف بمعنى ما عن فرد عادي. ووفقًا للثاني، فإن الإيتيقا الفكرية هي فقط مراعاة المعايير الخاصة بالعمل الفكري، وهي "قواعد الممارسة الجيدة". وفقًا للثالث، هناك تشابهات، لكن لا توجد علاقة منهجية بين التقييمات الفكرية والتقييمات الإيتيقية.

لفحص هذه الأسئلة، عليك حل مجموعة كاملة من الأسئلة المتشابكة: ما هو التقييم الأخلاقي؟ ماهو التقييم الابستيمولوجي؟ كيف نحصر مجال العقل؟ كيف نميز التقييمات النظرية من التقييمات العملية؟ ما هي المفاهيم المعيارية المناسبة: المعيار، القاعدة، الواجب، الخير أو الشر، الفضيلة أم الرذيلة؟ هل الأعراف والقيم فردية أم اجتماعية؟ اعتمادًا على كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، ستكون هناك أنماط مختلفة من الإيتيقا الفكرية، بما في ذلك الاستجابات المتشككة أو العدمية، والتي تخبرنا أنه عندما يتعلق الأمر بالإبداع الفني أو حتى العلمي، فكل شيء مباح.

يرد روجر بويفيه بالدفاع بحزم عن الأخلاق الفكرية للإلهام التومي: الحقيقة هي خير العقل، الذي يتحقق في ممارسة بعض الفضائل، تلك التي يقوم عليها التقليد المسيحي: التواضع، المثابرة والرصانة والاستوديو والحكمة، ضد الرذائل مثل الغطرسة والكسل الفكري وضيق الأفق، وعلى رأسها الفضائل اللاهوتية والإيمان والرجاء والمحبة. وفقًا لهذا الموقف، ترتبط الفضائل والرذائل الفكرية ارتباطًا جوهريًا، والأخلاق الفكرية جزء فرعي من الأخلاق، وهي مسألة حساسية للقيم المعرفية وليس مراعاة الالتزامات والقواعد. نهاية الحياة الفكرية والأخلاقية هي تحقيق العقلانية الطبيعية للإنسان. إذا أردنا أن نكون قادرين على مدح الفضائل وإلقاء اللوم على الرذائل، فإن ممارسة قوانا الفكرية يجب أن تكون نتاج دافع يجعل العملاء مسؤولين ويجعلهم يرغبون في الخير والحقيقة. وفقًا لـبويفيه، ليس من الضروري أن يلتزم العملاء بالمعايير الخاصة بذلك.

يعبر روجر بويفيه عن هذه المواقف بحيوية ووضوح. لكن تأكيداته غالبًا ما تكون محيرة. بادئ ذي بدء، هل نظرية المعرفة للفضائل هي حقًا نظرية المعرفة؟ تقليديا، تهتم نظرية المعرفة بشرعية المعرفة ومصادرها وحدودها. وفقًا لبويفيه، تم اختزال هذا البحث إلى تقنية المعرفة، إلى علم الحالات التي يحبها الفلاسفة التحليليون، أو إلى نصائح صارمة من المتشددون المعرفيون غير القادرين على فهم ما يجعل وحدة الحياة الفكرية. لكن نظرية المعرفة تتعامل مع جميع أنواع الأسئلة الفلسفية حيث يبدو أن فضيلة الفاعلين ودوافعهم لا مكان لها. هل هناك دوافع للإدراك أو الاستنتاج أو حتى الفهم؟ تتدخل هنا فكرة الفضيلة، وهي التصرفات المعرفية اللازمة لتكون هذه القدرات موثوقة. لكننا لا نرى كيف يجب أن يكون الذات المدركة فاضلة بمعنى أن لديه الدافع للبحث عن الحقيقة. تمتلك الحيوانات أيضًا تصورات ومعتقدات، وقد شاركوا مثلنا في هدية المعرفة الإلهية، لكننا لا نعتبرهم قادرين على الفضيلة أو الرذيلة. الفضيلة ليست ضرورية للمعرفة.

لا يكفي أيضا. ليس من دون استفزاز، يؤكد بويفيه أن جان دارك، عندما سمعت أصواتًا واعتقدت أن رئيس الملائكة قد طلب منها طرد الإنجليز من فرنسا، لم تكن ترتكب خطأً معرفيًا أو أخلاقيًا: كان لها كل الحق في الإيمان التي كانت تؤمن بها، لأنها كانت متواضعة فكريًا وفاضلة. إنه يعارض بشكل مباشر مقولة ويليام كليفورد: "من الخطأ، في كل مكان ودائمًا، تصديق أي شيء بدون سبب كافٍ" (أخلاقيات الإيمان، 1877، مترجمة في لا أخلاقية المعتقد الديني، أغون، 2017). ولكن إذا كان بويفيه محقًا، فمن الأفضل قراءة الأسطورة الذهبية أو تقليد يسوع المسيح من قراءة الأسس المنطقية للاحتمالية لكارناب. لقد قيل أن المعيار الأساسي للاعتقاد هو تصديق الاقتراح إذا وفقط إذا كان صحيحًا. يرى بويفيه أنه من الخطأ اعتبار هذا المبدأ معيارًا معرفيًا. ووفقًا له، يجب أن يُنظر إلى هذا على أنه تعبير عن محبة الحقيقة، التي يمكنها وحدها حقًا توجيه أحكامنا. لكن إذا حكمت أن 2 + 2 = 5 خاطئ، وبالتالي فأنا لا أوافق على هذا الاقتراح، فأين يأتي حب الحقيقة؟ بالتأكيد أكثر بكثير من المنبع من تشكيل هذا الحكم، في شخصية فاضلة ومنفتحة على الحقيقة. لكن يمكنني أن أكون، مثل بيكاسين، شخصًا مستعدًا جدًا للترحيب بالحق وتجنب الخطأ، ومع ذلك لم أخترع الماء الفاتر وغالبًا ما أرتكب الأخطاء.

ومع ذلك، يميز بويفيه بحق بين مسألة التقييم المعرفي وقيمة المعرفة. لكن عندما يخبرنا أن إيتيقاه الفكرية هي نظرية المعرفة، فإنه يميل بشكل منهجي إلى الخلط بين الحق والخير. بالتأكيد، أكد توما الأكويني أن الحقيقة والخير يتحولان: الحقيقة جيدة، والخير هو الصحيح. لكن هذا لا يعني أن الخير هو المعيار، ولا يعني حتى تعريف الحقيقة. ليس لدى بويفيه سوى الازدراء لمهمة تعريف المعرفة التي يشارك فيها جزء من نظرية المعرفة المعاصرة. إنه يتبنى استجابة الفلسفة المنطقية للتحدي المتشكك: هذا التحدي مثير للسخرية، ولا يتعين علينا الإسهاب فيه. لكننا لا نرى كيف يمكن لعرض نهايات المعرفة أن يحل محل تحليل هذه الفكرة. يتضح هذا الاستيعاب في الفصول الأخيرة من كتابه، عندما يجادل، بعد ألفين بلانتينجا، أن التبرير الوحيد الممكن لمعتقداتنا يكمن في الاعتراف بعمل الفاعل الإلهي، وهو يسميها "نظرية المعرفة الخارقة للطبيعة" (ألفين بلانتينجا، الإيمان المسيحي المبرر، مطبعة جامعة أكسفورد، 2000).

هناك الكثير لنتعلمه من قراءة كتاب بويفيه باعتباره جدول أعمال للإيتيقا الفكرية، وأولئك الذين يأسفون لما حدث في حياة العقل اليوم لا يمكنهم إلا أن يصفقوا. لكن ليس بالضرورة أن يكون لديهم نفس التشخيص لماهية خيانة رجال الدين. سوف يجازفون بالنصائح: أليس من المفيد تطبيق الإيتيقا الفكرية، بما في ذلك الشكل التوحيدى المعتمد هنا، على المنتجات الدينية؟ هل المؤمنون محصنون من الخطأ والفجور والغطرسة الفكرية عندما يسلكون طريق الإيمان بدلاً من العقل الجاف؟ بغض النظر عن استعدادهم لهذه الطريقة، ألا يخاطرون بالوقوع في الخطيئة المعرفية؟ خشي الأب لانتين من أناتول فرانس "فضول وفخر وسوء جرأة الروح وحتى الفضائل التي فقدت الملائكة بين أفراد النخبة". وقال، "على غرار القديس توما الأكويني وجميع الأطباء العظام، يجب أن تحظى العلوم والفلسفة بالتقدير في المدارس. نحن لا نحتقر العلم دون ازدراء العقل. لا يحتقر المرء العقل دون ازدراء الانسان. لا يحتقر المرء الإنسان دون الإساءة إلى الله " (أناتول فرانس، دردار البريد الالكتروني، سلسلة، مؤلفات غاليمار، مكتبة بلياد "، ص. 763).

كان يمكن للسيد برجريه أن يجيب: ما الذي يضيفه تأسيس الإيتيقا، سواء أكان يتعلق بالحياة العملية أم بالعقل، إلى محتوى الإيتيقا نفسها؟ الخوف من العقاب الإلهي، من التدحرج في العالم السفلي؟ التأمل فيما هي الحياة الجيدة والفكر الحقيقي عندما يتحقق في الفاعل الإلهي؟ البحث عن أساس نهائي للقيم؟ هل الملحد محكوم عليه أن يكون فكريًا شريرًا أو غير مبالٍ بالتمييزات الأخلاقية؟ المشكلة الحقيقية هي أن تعرف، أن نتحدث مثل هيوم، ما إذا كانت هذه أسسها العقل أو المشاعر. يخبرنا العاطفيون أنهم لا يستطيعون الاستناد إلى الأول لأنهم يشكون في أن وراء الرد العقلاني يكمن الولاء لنظام إلهي ثابت. هم مخطئون. يمكننا أن نكون أخلاقيين بدون الله كما يمكننا مع الله، ونحترم الحقيقة تمامًا. وسيكون القديسون أبرارًا في عالم بدون الله كما يفترض أن يكونوا في عالم معه. " فإلى أي مدى يساعد ريبية ديفيد هيوم التي استنجد بها أنجل على التحرر من التيولوجيا اللاهوتية في المجال المعرفي وتخليص الإيتيقا العقلية من الرواسب الميتافيزيقية؟

 

كاتب فلسفي

............................

الرابط:

https://interventions-democratiques.fr/notes-de-lectures/lethique-intelectuelle-une-epistemologie-des-vertus

المصدر:

Roger Pouivet, L’éthique intellectuelle. Une épistémologie des vertus. edition Vrin, Paris,2020.

 

 

 

محمود محمد علييؤكد تولمن أنه بعيداً عن حجّتِي التي توازي بين هذين الشيئين المضللين، فقد بذلت جهدا لأوضح الفروق بينهما في كل جانب. (والكتاب يحتوي فصول منفصلة نتعامل بشكل منفصل مع المشكلات والنظم والمهن) . وبعيدا عن التسليم بمرجعية أي علم رئيسي أو مؤسسة، فبالمثل بذلت جهدا لتوضيح أنشطة وأحكام العلوم الإنسانية سواء كأفراد أو جماعات، فهي دائما ممكنة المراجعة العقلانية . لذا فقد شعرت ببعض الشك – ولا أقول ضيقا – عندما وجدت أن استعراض إمري لاكاتوش غير الكامل لكتابي الفهم الإنساني تجاهل ذلك التمييز، بل وتغاضي عن موقفي بكامله كمثال آخر للفاشيستية –  النخبوية .

ويتساءل تولمن :" لماذا لم يكن إمري لاكاتوش قادرا علي إداك مناقشتي للعلاقة بين النظم (بمحتواها الفكري) والمهن (بأنشطتها الموسساتية) علي ما هي عليه : أي الأساس لتحليل وظيفي للنقد العقلاني في العلم . وطبقا لفرضي الأول، فإن أي أحد يوسع من المحتوي الفكري للعلم لكي يتضمن التطبيق والقضايا – وبذا يوسع نطاق النقد العقلاني – هو مذنب في نظر إمري لاكاتوش لكونه يقع في حبائل النزعة النفسانية –الاجتماعية الأثمة . إلا أن ذلك مجرد سوء فهم من رياضي . فأي تحليل للنقد العقلاني في العلم الطبيعي هو إقرار بالعناصر الجديدة التي أصبحت ذات صلة . ففي اللحظة التي ندع فيها فلسفة الرياضيات من أجل فلسفة العلم الطبيعي يجب أن نعترف بعناصر التطبيق وأن نناقش الاعتبارات التي تؤثر علي تقييمها العقلاني . وبأخذ مطالب النقد العقلاني في الاعتبار وإعطاءها قدر الاهتمام والاحترام الذي تستحق فيجب علينا ألا نجد من منظورها وتطبيقها علي أمور ومسائل المنطق القضوي، ولكن يجب أن نسمح للعالم الثالث باحتواء كل هذه العناصر التي يمكن الحكم عليها نقديا بالمعايير العقلانية . ولو كانت النتيجة هي تحويل العالم الثالث من عالم شكلي للوجود يتكون فقط من قضايا وعلاقات قضوية إلي عالم مادي يتكون من عناصر لغوية / رمزية وعناصر لغوية / عملية، فليكن ذلك إذن .

ويصف تولمن ذلك بانه سوء فهم بسيط، لكنه يمثل دلالة كبيرة في هذه الفقرة، حيث يظهر أولاً أن استعمال إمري لاكاتوش لعبارة " الأنشطة الاجتماعية" و "القيمة المدفوعة" بدلا من مصطلحاتي "إجراءات " و "مثمرة" . وثانياً  في مساواته الواضحة بين تساؤلات العالم الثالث بالتساؤلات حول القضايا وامكانية إثباتها، مباعدا بين القضايا وإمكانية إثباتها وبين الإجراءات وفوائدها، وهنا في هذه الطريقة يري لاكاتوش أنها ليس لها مكان في العالم الثالث . لذا فإن إصراري علي إعطاء التطبيق غير اللغوي للعلم قدراً من الاهتمام يوازي الأهتمام بالقضايا المصاغة صياغة لغوية يبدو أنه يمثل له إهانة لمزاعم العقلانية المنطقية والعالم الثالث .

ولا يزال لاكاتوش في نظر تولمن محتفظاً بسوء فهم في جعبته نحوي، ولذلك لم يتردد في أن يتهمني بأنني عدو للعقلانية، كما أنني برجماتي ونخبوي وفاشيستي أدعم التاريخية والاجتماعية والنفسية . إلا أنه بذلك كان يلتمس القضية الفلسفية الأساسية ؛ بمعني هل للاجراءات وثمراتها مكان في نطاق النقد العقلاني مثلها مثل القضايا وامكانية اثباتها . ولاكاتوش يري بوضوح أن الإجراءات ليس لها هذا المكان، بينما نري نحن العكس . ومن وجهة نظري فهي نوع من النقد العقلاني يجب أن نهتم به، فمثلا : فيما يتعلق بالفائدة الفكرية للإجراءات التفسيرية في العلم يجب علينا أن نفحص الخطوات الاستدلالية بشكل علمي، وبعيدا عن كون التطبيق ينطوي علي نوع مناهض للعقلانية في فلسفة العلم، فإنه يمثل طريقا وسطاً مهما يمكن عن طريقه الدفاع عن مزاعم العقلانية ضد كل من ضيق الأفق المتمثل لدي المناطقة الصوريين والرياضيين، ولاكاتوش ليس من ذلك براء , وكذلك مبالغات أصحاب النزعة التاريخية والنسبوية , مثل توماس كون في بداياته (.

وفي السياق نفسه يفسر لنا تولمن شكلين من أشكال النزعة التاريخية فيوضح أن لديه فرض ثاني يثبت مصدر عدائية لاكاتوش تجاه فلاسفة العلم الذين أخذوا علي نحو جاد  بتاريخ وممارسة العلم . وهذا الفرض الثاني يرتبط باعتقاد لاكاتوش , بأننا جميعا ملتزمون بشكل ردئ بأحد صور التاريخية . وكما سأوضح فإن التناقضات في استعمال لاكاتوش لمصطلح التاريخية تغطي علي القضية الأساسية عند تلك النقطة . (دفاعات أخري موازية يمكن الرد بها علي باقي اتهاماته) . وبدلاً من أن  يقدم لاكاتوش تعريفاً واحداً واضحاً للتاريخية يمكن أن يقبله دون جدال كل من كون وبولاني وتولمن، ويمكن له أن يبعد نفسه عنه بشكل واضح، فنحن نري عنده علي الأقل موقفان مختلفان من التاريخية لكل منهما دلالات مختلفة للتحليل العقلاني للميثودولوجيا العلمية . وبمجرد أن نري ذلك التمييز فسوف نري أن الموقف الذي دافع عنه كون في الطبعة الأولي من بنية الثورات العلمية , هو موقف تاريخي أقوي وأكثر إثارة للاعتراض أكثر مما يمكن أن أفعل أنا أو بولاني . إنه بالمعني الوحيد ذو الصلة، فإن موقف لاكاتوش النهائي هو موقف تاريخي مثل موقفي أو موقف  بولاني .

ويتجاهل هذا التمييز أو يتغاضي عنه، إلا أن لاكاتوش افترض أن أي شئ ضد توماس كون يخدم الغرض نفسه ضد بولاني وتولمن أيضا. فلم فعل   هذا ؟ إن السبب الأساسي يعود بنا مرة أخري للنقطة السابقة : أي استغراق لاكاتوش الرياضي في القضايا وامكانية إثباتها وإنكاره للمناهج وإثمارها وفوائدها في نطاق النقد العقلاني علي حد سواء .

ويشير تولمن إلي أن الشكل المختلف جداً من التاريخية يمكن توضيحه بملامح من موقف توماس كون المبدئي . فقد كان توماس كون قد قال بداية بأن العلماء الطبيعيين الذين يعملون من خلال إطار من نماذج مختلفة لن يكون بينهم شئ مشترك لمقارنة المزايا العقلية والفكرية لوجهات نظرهم . وخلال فترة هيمنته العلمية فإن النموذج يفرض قوانين للحكم والنقد علي العلماء الذين يعملون في نطاقه ولو بشكل مؤقت، ولأولئك الذين يعملون خارج نطاقه في المقابل فإن هذه القوانين ليس لها علاقة بهم . والأمر مطروح للتساؤل ما إذا كان كون أراد فعلا أن يتخذ ذلك الموقف الذي أتخذه في الطبعة الأولي من كتابه . وكما يقول لاكاتوش نفسه : " يبدو أن كون مشتت حول التقدم العلمي الموضوعي، وأنا ليس لدي أي شك في أنه كعالم وباحث مخلص فإنه سيبغض شخصياً النسبوية، ولكن نظريته يمكن تفسيرها علي أنها إنكار للتقدم العلمي وتأكيد علي التغير العلمي أو إنها إدراك للتقدم العلمي لكنه تقدم مدعوم بالتاريخ  وحده .

وتلك النظرة الأخيرة حول التقدم الذي يؤيده التاريخ الفعلي وحده هي تلك التي يري لاكاتوش أنها تاريخية بشكل ضار . كما أنني (كما يعلم هو) أقول بأن التغير المفاهيمي يبدأ بإنكار هذا الشكل بالذات من أشكال التاريخية .

ويطرح علينا تولمن سؤالاً  رئيسياً: إذا كان إمري لاكاتوش يعلم جيدا أنني أشترك معه في موقفه المعارض للنسبوية التاريخية عند كون فلماذا إذن يجمعني عامدا أنا وبولاني مع كون ويدعي أننا غير قادرين علي الهروب من تاريخيته مهما حاولنا جاهدين ؟ وهذا السؤال مقارنة باتهامات لاكاتوش لنا بالنخبوية، وباقي الاتهامات الأخري هو أقل بلاغة وبيانا .

ويري تولمن أن أي شخص يقبل بذلك الموقف التاريخي القوي فأنه حتما سيقبل أية أشكال قوية أخري من المواقف الأخري . وبناء علي ذلك فإن أي عالم أو مؤسسة تتبني أفكارا سلطوية تحت ظل متغير معين فسوف يكتسبون سلطة مطلقة في الحكم علي القضايا العلمية، ومثل تلك النتيجة محل نقد، مثل أن تكون " نخبوية " أو " فاشيستية" ... إلخ . والبديل هو شكل أضعف من التاريخية لا يتضمن تلك السلطة سواء لدي أي عالم أو جماعة أو فترة زمنية . وكل ذلك يؤكد حقيقة أن في العلم الطبيعي كما في غيره فمعايير الحكم العقلاني تمر بتطور تاريخي . لذا فالأحكام المقارنة للكفاية العقلية في العلوم المختلفة في مراحل تطورها المختلفة سوف تكون ملائمة وذات صلة فقط إذا أخذت بعين الاعتبار هذا التاريخ المعياري .

ويتساءل تولمن هل النزعة التاريخية الوحيدة في " الفهم الإنساني " هي ذاتها التي قدم لها لاكاتوش بانتصار علي أنها الرؤية الأساسية والنهائية حول الرياضيات في "براهين وتفنيدات"؟ : وهذه الرؤية نقطة تحول في النقد الرياضي والذي كان له أثر تغيير مفهوم الحقيقة الرياضية ومعايير الإثبات الرياضي وأنماط النمو الرياضي . وبهذا المعني فإن لاكاتوش في المرحلة الأولي يتخذ موقفا تاريخيا في فلسفة الرياضيات : وبالنظر للميثودلوجيا الرياضية، فإن الآراء التي قدمها في "براهين وتفنيدات"؟ حول النقد الرياضي تربط آرائي حول النقد العلمي بالتطور التاريخي للعلم الطبيعي .

ويبدو في نظر تولمن أن تاريخية "براهين وتفنيدات" ؟ أقوي من تاريخيته . والصفحات الختامية للاكاتوش تصف الثورات الرياضية بشكل متقارب لآراء كون، وإذا لم نقرأ ما بين السطور عند لاكاتوش ونفحص ما تنطوي عليه بدقة فربما نتهم فلسفته الرياضية بنفس الهرطقة التي يجدها في فلسفة توماس كون العلمية . ( ألا يقول إن الرياضيين يقبلون بثورة النقد الرياضي وقبولهم هو نقطة تحول في تاريخ الرياضيات . أفلا يعني ذلك أن قبولهم هو كل ما يهم ؟ وكيف يمكن للمرء أن يكون نخبويا وفاشيستيا أكثر من ذلك ؟ إلا أن هذه الاتهامات ستكون غير منصفة . فالقراءة المتأنية لنصوص لاكاتوش توضح أن هذه الثورات في النقد الرياضي تدع مجالا للإمكانية الحكم العقلاني اعتمادا علي احتواءها أو عدم احتواءها علي تمديد للمفهوم بشكل عقلاني أو لاعقلاني . ومثل تلك الثورات الرياضية تأخذ مكاناً لأسباب خاصة بها . والسؤال الرئيسي للجزء المتعلق بـ "الفهم البشري " يتطابق مع السؤال عن نقاط التحول في التغير العلمي : ما هي الأسباب الملائمة حينما يؤدي التغير في الاستراتيجيات الفكرية إلي تغيرات في معايير النقد العلمي، وبالتالي إلي تعديل مفهوم الحقيقة العلمية ومعايير الدليل العلمي وأنماط النمو العلمي .

وفي تقريره لمرحلة لاكاتوش الوسطي (التي أطلق عليها لاكاتوش 2) يري تولمن أنه كان بطيئاً في تطبيقه للتحليل التاريخي الكامل علي العلم الطبيعي وهو التحليل الذي قدم له في الرياضيات . فلم كان ذلك؟ ولماذا تردد في إعادة تطبيق استنتاجات "براهين وتفنيدات" علي العلم الطبيعي بكل ثرائه ومن ثم يبرر التحليل التاريخي للمعايير المتغيرة للنقد العقلاني في العلم ؟ يمكنني أن أجيب علي هذا السؤال من نص فعلي من أبحاث لاكاتوش المبكرة في فلسفة العلم .

ومن ناحية أخري يصف تولمن الاستقبال الشعبي والأثر الفكري لـ" بنية الثورات العلمية "، وذلك الشكل غير العقلاني من التاريخية الذي قدمه في تلك الطبعة الأولي بأنه رد لاكاتوش علي عقبيه ؛ إذ يقول :  ولسنوات (كما أذكر) كان لاكاتوش مضطرباً بشأن "براهين وتفنيدات" وشارف علي التبرأ منه . وأؤلئك الذين استحسنوا هذا العمل ونصحوا لاكاتوش بإعادة طبع سلسلة من المقالات كدراسة مستقلة جعلته في حيرة بسبب تردده .وإذا وضعنا آراء لاكاتوش إلي جانب نظرية توماس كون الأولية ولاحظنا أوجه الشبه السطحية بينهما فسندرك سبب قلقه . ماذا لو كانت آرائه حول أثر الثورات الرياضية علي المفاهيم النقدية للحقيقة والإثبات والمعقولية كان لها المحتوي اللاعقلاني نفسه في آراء كون حول آثار الثورات العلمية؟ وبمواجهة تلك المخاطر من السهل أن نري لماذا إتخذ موقفا دفاعيا يستثني به نظريته عن العقلانية العلمية من أية إتهامات ممكنة بالتاريخية أو النسبوية وفي هذا الجانب فإن آراء بوبر حول العالم الثالث وحول معيار التمييز للتمييز بين العلم الجيد والعلم السيئ تقدم خطاً دفاعيا أكثر أمناً . ولكن لاكاتوش يري عكس ذلك، حيث يؤكد أن تاريخ العلم الذي يبدأ من وقائع أمبيريقية سيصبح تاريخاً ساذجاً، تاريخاً للمحاولة والخطأ، ولن يميز العلم عما سواه من المعارف غير العلمية، وهو سيصبح كذلك تاريخاً لنظريات مشتتة أكثر منه لتجمع نظري واحد  .

ويستطرد تولمن قائلاً :  وفي المرحلة الثالثة (لاكاتوش 3)، نجد أنه يرفض معيار التمييز عند بوبر علي أساس أنه غير مرن بشكل مبالغ فيه ويسلم بميثودلوجية العلم الطبيعي التاريخية النسبوية التي أقرها من قبل في الميثودوجية الرياضية، وفي تلك المرحلة النهائية يسلم بفرضية بولاني حول أهمية " الحالة التشريعية " في ممارسة الحكم العلمي، حيث يتمتع بقدر كبير من الصحة . ورغم كل تعليقاته الإضافية حول الحاجة لموازنة "حكمة المحكم العلمي والحالة التشريعية " في مقابل الوضوح التحليلي لقانون الفيلسوف التشريعي . وإنتهي إلي إنكار الآراء القائلة بأن :" فلاسفة العلم هؤلاء الذين يسلمون بأن معايير العلم العامة ثابتة، وأن العقل قادرا علي التعرف عليها بشكل بديهي .

وفي السياق نفسه يري تولمن أن معايير لاكاتوش للحكم العلمي كانت عرضة لإعادة النظر والتعديل في ضوء النقد الفلسفي والخبرة العلمية التي كان من الممكن أن أحتاجها أنا وبولاني . هل كان إرتباط لاكاتوش المهني بـ " إيلي زاهار " الذي أعانه علي الرجوع لهذا الموقف ؟ أم هل فعل ذلك وحده ؟ هذا سؤال أخر . وفي الحالتين  كلاهما – كما قلت في مؤتمر Ucla – إن من دواعي سروري أن أرحب بعودة لاكاتوش للمشاكل الحقيقية .

ويتساءل تولمن : ما الذي نعنيه بهذا ؟ ويجيب قائلاً : دعونا نوضح هذه النقطة باختصار شديد ؛ فبمجرد التزام لاكاتوش بالمرحلة الثالثة (لاكاتوش3) – ومجرد قبوله بعنصر من الحالة التشريعية والنسبوية التاريخية في معايير الحكم العلمي – لم تستطع كل تعليقاته ومؤهلاته أن تعينه علي تأجيل بعض الإشكاليات الأساسية والتي تطرأ لكل من يقبل بتلك النسبية التاريخية . فماذا مثلا عن مشكلة المدي البعيد ؟ ما الذي يجب أن نقوله عن إمكانية أن أحكامنا العلمية الحالية وحتي معاييرنا الحالية في الحكم سوف يعاد النظر فيها أو تتغير في وقت لاحق لأسباب نابعة من الاستراتيجيات الفكرية المستقبلية والتي لا يمكننا التنبؤ بها في الوقت . يجب أن نضع جانبا سخرية إمري اللاذعة حول هيجليتي وكذلك احتكامه لتعليق " ماينارد كينز Maynard Keynes المعروف القائل بأنه علي المدي البعيد سوف نموت جميعا، ورغم إنكار لاكاتوش لشرعية مشكلة المدي البعيد في استعراضه لــ " الفهم الإنساني"، إلا أن ما قاله لم يخلص من الصعاب، لأننا يمكن أن نسأله: كيف يتسني لنا رؤية التضارب المحتمل في النقد العقلاني بين الآراء العلمية الأكثر تدقيقاً والتي تعكس أفضل حالة للحكم العلمي في المرحلة الراهنة للعلم وآراء العلماء لقرون قادمة والذين تقوم أحكامهم علي الخبرة العملية والاعتبارات النظرية .

وهنا يري تولمن أن الحاجة ماسة لإعادة تقييم استراتيجي في منهجنا، فكيف يمكن أن نبرر رهاننا علي ذلك عندما نفعل أو أنه نستبق بأحكام علماء المستقبل حول مدي فائدة هذه البدائل الاستراتيجية (ميثودولوجيا بديلة مثلاً) التي تواجهنا اليوم.  ربما لا يعتبر لاكاتوش هذا السؤال منطقيا، لكنه يصلح (لاكاتوش3) كما يصلح لــ " الفهم الإنساني" .

والسؤال الثاني الذي يسأله تولمن: كيف أمكن لإمري لاكاتوش أن يتجاهل ما تنطوي عليه آراءه عن الميثودولوجيا العلمية . وعند هذه النقطة (أعتقد أننا) يجب أن نعود لفرضي الأول : أي أن لاكاتوش مثل كارل بوبر يقبل بعناصر محددة في عالمه الثالث، وأي أحد يفهم هذا العالم علي أنه مجموعة قضايا وعلاقات شكلية بينها دون ذلك فيمكنه أيضا أن يراها خالدة أو لا زمنية : مستثناه من التغير التاريخي وخارج النطاق التجريبي . وانطلاقا من وجهة النظر اللازمنية هذه فإن النقد الفلسفي هو مجرد نقد منطقي يعني بإمكانية التأييد والإثبات والاحتمالية والقابلية للتكذيب للقضايا، كما تعني بالاستدلالات التي تربط بينها . ولكنه مجرد قبول الإجراءات وباقي عناصر التطبيق في العالم الثالث، فإن صفته الزمنية والتاريخية لا يمكن إخفاؤها. ومشكلة المدي البعيد تواجه أولئك الذين يجدون نطاق العالم الثالث بقضايا فرضية منطقية بشدة  كما تواجه أولئك الذين يقرون بالإجراءات كأشياء شرعية في التقييم العلمي . وحتي لو نظرنا فقط للمحتوي الفرضي بالنسبة لعلم حالي في ضوء معاييره الداخلية للصحة والإثبات والصلة، فإن الناتج يمكن أن يعطينا فقط صورة عن العالم الثالث كما نفهمه الآن . ورغم الصفة الرياضية أو المنطقية الشكلية لعلاقاته الداخلية فإن مجمل هذا العالم سيكون موجود تاريخياً مثل عام 1975م أو حتي كان ذلك . إلا أن كثير من القضايا والاستدلالات التي تبدو قائمة علي أساس جيد وفي موقف عقلاني جيد اليوم فسيختلف بطرق شتي عن الموجودة في العالم الثالث الذي سيعرفه علماء المستقبل ( لنقل) في عام 2175م . ولذا فبمجرد دخول الحالة التشريعية والنسبية التاريخية في الميثودولوجيا، فإن مشكلة الأحكام التاريخية المقارنة للعقلانية تصبح لا مفر منها . والادعاء بأن العالم الثالث هو عالم المنطقية وحدها هو مجرد تأجيل لتلك اللحظة التي سنواجه فيها هذه الحقيقة .

وفي نهاية المطاف يعبر تولمن عن مدي أسفه لرحيل إمري لاكاتوش المبكر من المشهد الذي حرمه من فرصة مناقشة هذه النقاط معه شخصياً، كخصم محترم وودود سيظل يفتقد جدية عقلة ومتعة ذمه .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

حاتم حميد محسنفي التأملات (3) يعرض ديكارت عقيدته في ان الانسان عبر الاستدلال المنطقي والتفكير النقدي يمكنه إثبات وجوده ووجود الله. اما باسكال في كتابه (pensees) يؤسس وجود الله على رهان او "مقامرة" ويؤكد ان هناك الكثير من الفوائد من الرهان على الايمان بالله - بصرف النظر ان كان موجودا ام لا – قياسا بعدم الايمان به ابدا. السؤال هنا لايتعلق بما اذا كان الله حقا موجود ام لا، وانما السؤال هو اي الفيلسوفين اكثر اقناعا في حجته بوجود الله. البعض استنتج ان حجج ديكارت السببية والانطولوجية في وجود الله (1) لم تكن فعالة في الإقناع مقارنة بحجة باسكال. سنحاول باختصار التطرق الى خلفية كلا الفيلسوفين وتوضيح عملهما ومدرستهما الفكرية بالاضافة الى حججهما في وجود الله.

ديكارت (1596-1660) المعروف بـ "ابو الفلسفة الحديثة" كان فيلسوفا ورياضيا فرنسيا اثناء عصر التنوير في اوربا. كان مولعا بالرياضيات والهندسة والموسيقى وفنون اخرى (Skirry,’Rene Desccart,1.Life)). هو كتب التأملات أشهر كتبه حينما كان في هولندا. اثناء تلك الفترة، كان من الشائع للفلاسفة عقلنة وجود ما يحيط بهم من الوجودات والأشياء الحية عبر إعتبار لله والانجيل هما المصدر في ذلك. هذا كان يُعرف بـ "المدرسية" او "المدرسية الارسطية" Aristotelian Scholasticism، وهي الفلسفة المتحفزة بتعاليم ارسطو مع التأثير الكبير لاوربا القرون الوسطى المسيحية.

أراد ديكارت الخروج عن هذه التقاليد الفلسفية  وأصر بدلا من ذلك على اننا يجب ان نستعمل حواسنا لنقرر ما اذا كنا انفسنا موجودين وكذلك الاشياء الاخرى . هو لم يتفق مع العقيدة المدرسية في  فكرة الصفحة البيضاء القائلة ان كل شخص وُلد ومعه "سجل نظيف" وانه بحواسه وحدها يمكنه فك شفرة وجود الاشياء التي حوله بما فيها الله.

حجة ديكارت المضادة هي ان أحاسيس الأفراد تفشل في كل مرة وان هناك "شيطان" او "عفريت" باستمرار يخدع حواسنا، بحيث يجعلنا جاهلين بالحقيقة. نحن قد نخطئ الإصغاء لما يقوله شخص ما، او لا نسمعه ابدا،  نحن ننسى الأشياء دائما، وان الاشياء من مسافة بعيدة دائما ما تبدو أصغر حجما وعندما نقترب منها نكتشف حجمها الحقيقي. لذلك، نحن يجب ان نشك دائما بحواسنا .

ديكارت كان "مشككا راديكاليا"، وهي مدرسة فكرية عُرضت اولا في التأملات (1) حيث يجب فيها على المرء استعمال العقل بدلا من الاعتماد على الحواس لإكتشاف حقيقة الاشياء ووجودها. عندما  يشك الناس بشيء، هم يجب ان يفترضوا ان ما يشكّون فيه هو زائف، ومهمتهم هي إثبات ما قيل كحقيقة (Stoothoff,Des’sDilemma,294). ديكارت يستعمل المجاز في هذه النظرية مقارنا اياها بإلتقاط التفاح من سلة معينة ثم إجراء تحليل عميق لكل تفاحة والتأكد من انها ليست فاسدة كي لا تفسد المجموعة كلها، لأن فكرة سيئة واحدة قد تلوّث الأفكار الجيدة ايضا (Rose,The Cartesian Circle,86-87).

في التأملات (2)، يجيب ديكارت على سؤاله هو عن كيفية التأكد من وجودنا: في قوله "انا افكر، اذاً انا موجود"،  اي، حينما يتأمل الانسان في وجوده فهذا برهان على انه موجود فعلا. هو يؤكد هذا لنفسه بالقول انه لو كان بامكانه الشك، عندئذ فهو وجود مفكر، اذا كان بإمكانه التفكير، فهو موجود 00(Rose,Thecartesian circle,87).

اخيرا، في التأملات (5)، يستعمل ديكارت العقلانية التي استعملها في أعماله السابقة في (مبادئ الفلسفة) ليقرر وجود الله. ديكارت يؤمن بان كل الأشياء تأتي من شيء، وهذا يُعرف بمبدأ الكفاية السببية. في تأملاته السابقة، هو أبقى  تركيزه على العالم المادي – الذي هو يشير  له بـ "الواقع الموضوعي" – ويستخدم عقله لتقرير الوجود المادي، بما فيه وجوده. الآن، ديكارت يحوّل انتباهه الى ما هو اكثر من مجرد مادي ويريد العثور على "الجوهر اللامتناهي" لكل الاشياء المادية التي يشير اليها بـ  "الحقيقة الاساسية".

 بالنسبة لديكارت، الحقيقة الاساسية هي ضمن مقياس او ميزان، يجسد مستويات تلك الحقيقة، في ذلك المقياس "جواهر" تُعرّف كأشياء لا تعتمد في وجودها على أي أشياء أخرى، مما يجعلها مصدر مكتف بذاته. في النهاية السفلى للمقياس هناك السمات الرئيسية للجواهر(2) التي تعتمد على "جوهر متناهي" والذي بدوره يعتمد على "جوهر غير متناهي".

السمات الرئيسية هي جزء من الجوهر وهي خاصية معرّفة له، انها شيء ما يجعل الجوهر على ما هو عليه. الـ mode هي  الطريقة المقررة للسمات الرئيسية، جميع طرق الجسم هي طرق مقررة لكينونة التمدد،  أمثلة على طرق الجسم تتضمن التربيع، او كينونة 2 انش ضرب في 2 انش، او كون الشيء موحدا. جميع طرق الذهن هي طرق مقررة لكينونة التفكير، كالتصور او الاعتقاد بتناول اللحم هذه الليلة . في المستوى المتوسط هناك الجواهر المتناهية. هذه ستكون "الجسم" او المادة الفيزيقية للجوهر. وفي القمة هناك الجوهر اللامتناهي. وكما يشير الاسم، هو جوهر السمات اللامتناهية، وهو أصل جميع الجواهر المتناهية والطرق التي تأتي منها.

باستخدام مستويات الحقيقة الرئيسية، يبرر ديكارت وجود الله (Skirry,Rene Descart,5.God:The causal Argument). في هذا التجلّي، يقول ديكارت هناك ثلاثة جواهر لهذه الحالة: الجسم (المستوى الادنى)، الذهن (المركز)، الله (أعلى مستوى). الجسم هو الطريقة، انه مادي ويتجسد في واقع موضوعي، الذهن (ليس الدماغ، طالما الدماغ هو مجرد جزء من الجسم) هو الجوهر المتناهي الذي يسمح له بالتفكير واستخدام عقلانيته. اخيرا، هناك الله الذي يمثل الجوهر اللامتناهي لهذا الثالوث من الحقيقة. يوضح ديكارت ان الله يجب ان يكون جوهر لامتناهي لأن عالمنا مملوء بالجواهر المتناهية، مع ذلك، الجواهر المتناهية التي تكوّن الحقيقة السابقة يجب ان تأتي من جوهر لامتناهي. ديكارت يستنتج بان هذا الجوهر اللامتناهي هو اله، جاعلا اياه الكائن الاكثر حقيقة في الوجود. اذا كان الله جوهر لامتناهي لكل الاشياء الواقعية، هذا يضع الله في أعلى مستوى من الحقيقة.

 ديكارت يطرح الحجة السببية على اساس اذا كان تأثير الجوهر المتناهي موجودا، فيجب ان يكون هناك جوهر لامتناهي بنفس المستوى من التأثير. وبعبارة مشابهة، اذا كانت هناك حرارة تسخن الماء، فان الحرارة يجب ان تأتي من جوهر فيه تلك الكمية من الحرارة، وان شيئا ما بدون حرارة كافية سوف لن يسخّن الماء . هو يستمر بتطبيق هذه الفكرة على افكاره ويعلن ان الله هو وحده الجوهر اللامتناهي الذي يمكن ان يملأ رأسه  بمثل تلك الافكار.

يستمر ديكارت في برهانه الانطولوجي (الانطولوجي هو فلسفة الميتافيزيقا) ليؤكد بان الوجود تام لأنه من الافضل ان يوجد بدلا من ان لا يوجد، واذا كان الوجود ذاته تاما عندئذ يجب ان يكون هناك جوهرا تاما يُنتج هذا الوجود التام، وان ذلك الوجود التام هو الله. طالما ان الله وجود تام، فان الله سوف لن يخدع ديكارت، بل سيعطيه عقلا وعقلانية لهزيمة حيل الشيطان في الشك (Skirry,Rene Descartes).

الآن وبعد توضيح طريقة ديكارت في التفكير، سوف نحاول عرض حجة مضادة لادّعائه.  سوف نوضح بالتفصيل لماذا تلك الطريقة ليست مقنعة بما يكفي، سوف نشير الى المغالطات اينما وُجدت في ادّعاءاته.

في الرد على حجة  ثنائية الجسم-الذهن، يعتقد البعض ان هذه الحجة ليست صحيحة. انه من المستحيل لأي مخلوق ذو حواس التفكير لو لم يكن لديه دماغ او شيء مساوي للدماغ، والذي يعتبره ديكارت مجرد جزء من الجسم (mode). ايضا، الجرح المؤذي للدماغ  ثبت انه يضر بأذهان الناس وتفكيرهم. هذا يمكن احيانا ان يؤدي الى فقدان الذاكرة او الى خسارة في الذاكرة  ويمكنه ايضا ان يغيّر جذريا شخصية الفرد (Campell,why my sister’s personality changed since Her Traumatic Brain Injury?). العلماء خلال تلك الفترة لم يكونوا على اطلاع بعلم الاعصاب كما هم اطبائنا اليوم، لكن هذه الحقيقة المؤكدة في ضرر الدماغ  تبطل ثنائية الجسم-الذهن التي عرضها ديكارت.

ثانيا، ان حجة انا افكر اذاً انا موجود  هي معيبة عند تطبيقها على طريقة إعداد ديكارت الخاص للنظرية. القول "انا افكر اذا انا موجود"، يعني لكي ننتج افكارا، يجب ان يكون هناك مفكر. غير انه، ماذا لو ان "الشيطان"الذي ذكره ديكارت كان يلعب حيلة اخرى معه؟ ماذا لو ان هذا العفريت هو منْ يجعل ديكارت يعتقد انه ينتج افكاره وكلماته الخاصة؟ كيف يمكن القول انه  لا يحلم بانه مفكر يخلق افكاره؟ عند تلك النقطة،  لم يُهزم الشيطان او العفريت بالعقل.

ثالثا، من الصعب الاعتقاد بوجود مستويات مختلفة من الحقيقة. كيف يكون بالإمكان ان يكون شيء ما "اكثر حقيقة" من شيء آخر فقط بسبب انه جوهر لامتناهي او متناهي؟ الحقيقة ليست على مقياس،  انها توجد في ثنائيات مثل الحياة والموت. انت لا يمكن ان تكون "الى حد  ما ميت" ولذلك انت لا تستطيع ان تكون "الى حد ما موجود" .

اخيرا، هذا يقود الى البرهان السببي والانطولوجي لله، طالما براهين ديكارت السابقة كلها تقود الى هذا الموضوع. هذه تسمى مغالطة المنطق الدائري، او في حالة ديكارت، الحلقة الديكارتية(3). وحيث ان الاستنتاج ينبثق من المقدمة التي يطرحها في حجته، الله هو الجواب لكل الشكوك التي كان ديكارت يتأمل فيها .هنا مثال:

سؤال: كيف يعرف ديكارت ان الله تام وخيّر؟

الجواب: لأن الله أنعم عليه بقدرة التفكير والعقل.

سؤال:كيف يعرف ان تفكيره مؤكد؟

الجواب: لأن الله التام والخيّر، يمنحه اليقين.

اخيرا، سننتقل الآن الى حجة باسكال في وجود الله. كان باسكال (1623-1662) احد الفلاسفة الفرنسيين   الى جانب ديكارت. وكما في ديكارت كان باسكال رياضيا وفيزيائيا مسيحيا. باسكال كان  يسمى برجماتيا. البرجماتية هي مدرسة في الفكر يمكن فيها حل معظم المواقف  بحلول بسيطة، توضيحات باسكال للسبب الذي يدفعنا لوجوب الاعتقاد بالله هي أقصر بكثير من توضيحات ديكارت.

يعرض باسكال في كتابه pensees، رهانه الشهير في سبب اعتقاد المرء بالله. اذا انت تؤمن بوجود الله وانه حقيقي فأنت سوف تستفيد من أبدية الحياة بعد الموت. واذا كان الله غير موجود لكنك تعتقد به، عندئذ وان كانت هناك خسارة، لكنك ستكون أفضل في رهانك على الايمان لأن لأديان تعطي الناس الهدف (pascal’s wager,250-251).

من جهة اخرى، هناك عامل آخر لو انت لا تؤمن في الله. اذا انت لا تؤمن بالله، وهو حقا موجود، ستكون هناك لعنة او خطيئة أبدية لروحك في الحياة الاخرى. ولكن اذا كنت لاتؤمن بالله وهو غير موجود، عندئذ انت سوف لن تستفيد في أي شيء أكثر من عدم ايمانك .

باختصار، يصف باسكال انك كونك متدين يعني انك تمتلك كل شيء ولن تخسر شيئا، بينما لو كنت لاتؤمن فانت تخسر كل شيء  ولاتربح اي شيء. غير ان هذه النظرية لها عيوبها سنوضحها كالتالي:

ان باسكال لا يتطرق للعديد من الأديان الاخرى في العالم ويركز فقط على الدين المسيحي الغربي . في العالم هناك أديان قديمة وجديدة  تضم  الاف الآلهة التي يمكن ان نضع ايماننا بها. أي اله يريدنا باسكال عبادته؟ هل هذا ينطبق فقط على المسيحية ام على الاديان الابراهيمية الاخرى كالاسلام واليهودية؟ اذا كان شخص ما مسيحي ويعتقد بوجود الله، ماذا لو كان خاطئا وان الالهة  الرومانية الستة هي الهة العالم الصحيحة؟ هل ستُلقى روحه في النار بسبب عدم ايمانه بالالهة؟ واذا كان شخصا ما ملحدا هل سيقاسي بعد الحياة بسبب عدم ايمانه او بسب عدم طاعته للاله الصحيح؟ ان عدم الوضوح في الاله الذي نؤمن به يترك مجالا واسعا للخطأ في هذه الحجة. باسكال ايضا يرتكب خطأ حين يخبر الناس ان الاديان لاتكلف شيئا عدا الايمان.  في جميع الاديان هناك عادات ملزمة. في اليهودية يجب الالتزام بطعام الكوشر وعدم العمل ايام السبت. في المسيحية يجب الذهاب للكنيسة كل يوم احد، ودفع ضريبة العشرية واحيانا تحمّل التقشف. في الاسلام يجب تناول طعام حلال والابتعاد عن الكحول وممارسة الصلاة خمس مرات باليوم.

واخيرا في رهان باسكال عند النظر للاديان الاخرى هناك الثنائية الزائفة او مغالطة الابيض والاسود. هذا الرهان يعتمد على الخوف عند محاولة اقناع الناس بالايمان بالله، لأنه اذا انت لا تؤمن فانت ستخلد في النار.

نستنتج ان رهان باسكال اكثر فاعلية في اقناع الناس بوجود الله قياسا بحجة ديكارت السببية. باسكال اتخذ اتجاها اكثر برجماتية وهو بدلا من استعمال العقل في الإقناع، هو يستعمل المجاز في المقامرة  وإبلاغنا بالمحصلة  لو كنا نؤمن او لم نؤمن. ومع وجود بعض القضايا الشائكة في الرهان، لكنه يبقى معقولا. الأديان قد لا تربح الأفضل بدون تكاليف او تضحية، لكن المكافأة ستكون عالية في النهاية.

 

.........................

الهوامش

(1) الحجة الانطولوجية في وجود الله تؤكد على ان الله موجود بناءً على ان الوجود يعود لفكرة الله. ديكارت لم يكن الاول في صياغة مثل هذه الحجة. في القرون الوسطى الفيلسوف القس انسلم عرض صيغة شهيرة للحجة الانطولوجية، وكذلك فعل افلاطون في حوار(فيدو). غير ان بريق الحجة الانطولوجية خفت كثيرا بعد ان اوضح عمانوئيل كانط انها تنطوي على مغالطة منطقية خطيرة. الحجة الانطولوجية تتعامل مع الفعل الوجودي (to be) كخاصية مثل اي خاصية اخرى، أي بمعنى خاصية يمكن ان يمتلكها شيء ما او لا يمتلكها. في الحقيقة، ان الوجود كخاصية هو فريد من نوعه، طالما ان الشيء اذا لم يوجد   فهو لايمتلك اي شيء. انه فقط غير موجود.

(2) طبقا لديكارت كل جوهر له سمة رئيسية تقرر ما هية ذلك الجوهر. طالما هناك فقط جوهران في العالم وهما الذهن والجسم، فهناك فقط سمتان رئيسيتان موازيتان لهما وهما الفكر والتمدد. الربط بين الجوهر وسمته الرئيسية هو قوي جدا. الجوهر لا يمكن ان يوجد ولا يمكن تصوّره بدون سمته الرئيسية. الجسم بدون تمدد او الذهن بدون تفكير لا يمكن ان يكون متماسك منطقيا.

(3) الدائرية الديكارتية هي نقد لحجة ديكارت عرضه (انتوني ارنولد) ويتخذ الشكل التالي:

A- برهان ديكارت في مصداقية التصورات الواضحة والمتميزة كمقدمة لوجود الله الغير مخادع.

B- برهان ديكارت في وجود الله يفترض سلفا مصداقية التصورات الواضحة والمتميزة.

وهكذا فان جدال ديكارت يكون دائريا. قاعدة الحقيقة (التصورات الواضحة والمتميزة) مشروطة بوجود الله، لكننا نستطيع فقط معرفة وجود الله بكوننا قادرين على تصور هذا بوضوح وتميز. في الحجة الدائرية تكون المقدمة ضمن الاستنتاج. في حالة ديكارت، المقدمة لديه تتضمن استنتاجا لأن قاعدة الحقيقة مشروطة بوجود الله. المشكلة الثانية التي تبرز هنا كيف نستطيع معرفة المبادئ الاساسية المطلوبة لكي نمتلك معرفة.

 

محمود محمد علييتساءل تولمن: فما سبب هذا التغير؟ هو أن استجابة لاكاتوش للجدل العام الذي أثارته نظرية توماس كون للثورات العلمية وخصوصاً للمواجهة المباشرة بين كون وبوبر في لقاء كلية بدفورد . ومنذ ذلك الوقت وبدأت ميثودولوجيا لاكاتوش في برامج البحث العلمي في التشكل سريعاً، وخصوصا فيما يتعلق بالتطور النظري في العلوم الفيزيائية . وبلغت هذه المرحلة ذروتها في الصورة المعدلة التي بحثها لاكاتوش لدى كلية بدفورد والتي على إثرها تم نشر" النقد ونمو المعرفة" والتي فيها بحثه المسمى التكذيبية وميثودلوجيا برامج البحث العلمي سنة 1970 .

وفي تلك المرحلة المتوسطة، يؤكد تولمن أن المصطلحات نفسها  التي استخدمها لاكاتوش لتصنيف برامج البحث العلمي بقيت كما هي، كما بقيت المصطلحات نفسها شبه المنطقية، والتي وضعها لتصنيف مناهج بديلة في الكشف الرياضي : أي الاستقرائي  - التجريبي والتكذيبي ... إلخ . وبعيداً عن هذا التغير من الرياضيات إلى الفيزياء، فإن الشئ الجديد في هذه الأبحاث، هو عدائية لاكاتوش للتاريخية بكل أشكالها، وأيضاً التأكيد على الوظائف النقدية للعقل والعالم الثالث والعلم على حد سواء . (وكلا السمتين، تأييد لاكاتوش لبوبر في معارضته لنظرية البراديم عند كون، وكذا النسبية التاريخية التي تفرضها رؤى كون المبكرة  سوف ينتقلان بنا إلي المرحلة التالية) .

3 ـ المرحلة الثالثة وهي أبحاث لاكاتوش في السنتين الأخيرتين، والتي نشرت ضمن Jerrusalem paper and the UCLA Copernicus paper))، وفي تلك الأبحاث نجد بدايات تغير أخر . ودوافع هذا التغيير الثاني تأتي من التركيز على الاستراتيجيات الفكرية الفعلية الممثلة في برامج البحث النظري المتغيرة في الفيزياء والفلك على مدى الثلاثة قرون الأخيرة . ولا يمكننا التمييز بدقة بين الأهداف والغايات الفكرية المختلفة التي أدت بفيزيائي مثل جاليليو ونيوتن أو ماكسويل أو أينشتين للسعي وراء خطوطهم الفكرية الخاصة بهم، إذا طبقنا المصطلحات الشبه منطقية وحدها . فالاختلافات في الاستراتيجية الفكرية بينهم لم تكن فقط اختلافات صورية ـ فالرجل فقط يلعب دوراً استقرائياً والآخر تكذيبياً والثالث إقليدياً وهلم جرا، وليس مستقلاً . والاختلاف بين أفكارهم واستراتيجياتهم كانت نتيجة لاختلاف الغايات التجريبية للكفاية التفسيرية والاكتمال النظري. ولذا فنجد في أبحاث لاكاتوش الأخيرة وخصوصاً التي أعدها مع إيلي زهار Elie Zahar . نجد أن لاكاتوش يتبنى مفهوما أشمل وأكثر استقلالية عن الاختلافات الجوهرية بين برامج البحث المتنافسة . (وهذه هي النقطة التي اعتقدت عندها أنني أرى فرصة حقيقية لإنتقاله للوضع الذي تتطابق فيها برامج الأبحاث المختلفة مع الاستراتيجيات الفكرية المختلفة بالمعنى الحقيقي للكلمة) .

ويذكر تولمن أنه على الرغم من هذه التغيرات فى اهتمامات إمري لاكاتوش إلا أن هناك أشياء معينة فى وجهات نظره أضحت بلا تغيير . فلنفترض أننا وضعنا نص من كتاب " براهين وتفنيدات " إلى جانب كتاباته المتأخرة، ولنفترض مثلا أننا قارنا النسخة الأخيرة لبحثه عن " تاريخ العلم وإعادة بناءاته العقلانية والتى عرضها فى القدس فى يناير 1971 ثم  أعيد نشرها بعد تعديلها فى 1973 والتى استهلها لاكاتوش بالقول: " إن فلسفة العلم  بدون تاريخ العلم خواء وتاريخ العلم بدون فلسفة العلم عماء وانطلاقا من مقولة كانط هذه فيعني هذه البحث بتوضيح كيف يجب أن يستقى تاريخ العلم من فلسفة العلم والعكس بالعكس " وعودة إلى مقدمة كتاب " براهين وتفنيدات " نجد أن  الفكرة نفسها يتم تطبيقها هذه المرة على الرياضيات  في ظل سيطرة الشكية فلا نجد بداً من إعادة صياغة ما قاله كانط : إن تاريخ الرياضيات بدون إرشاد من الفلسفة يصير أعمى . بينما فلسفة الرياضيات إذا أدارت ظهرها إزاء تاريخ الرياضيات صارت خاوية . وبالمثل يؤكد لاكاتوش الكلمات نفسها لبحثه في فلسفة العلم الذي نشره في (1973) هي اقتباس واضح في بحثه الذي نشره (1962) عن " الارتداد اللانهائي في فلسفة الرياضيات  ":

دعني أذكر قارئي بنكتتي المفضلة والمعروفة بأن تاريخ العلم و (الرياضيات)  هو كاريكاتير لإعادة صياغته . وإعادة الصياغة تلك هي كاريكاتير للتاريخ الفعلي. وأن بعضاً من تاريخ العلم و(الرياضيات) هو أيضاً كاريكاتير للتاريخ الفعلي وإعادة بناءاته العقلية  .

ونجد أن تولمن يري  كل المهام الفكرية التي اهتم بها إمري لاكاتوش منذ عام 1965 حول فلسفة العلم مع كثير من المصطلحات التي استخدمها لتوصيف الميثودولوجيا العلمية كلها ببساطة أعيد تطبيقها على إجراءات العلم الطبيعي وهي أفكار وضعت أساساً لمناقشة الميثودولوجيا الرياضية وفلسفة الرياضيات .

ومن المثير للاهتمام  كما يري تولمن - أن الاتجاه التطوري للاكاتوش نحو مشكلة بوبر المتعلقة بمعيار التمييز ومعايير الحكم العلمي . وخلال تلك المرحلة الوسطى تطور" لاكاتوش2 " بعد أن عبث بفكرة بوبر في أن للفلاسفة إلتزام راسخ ومعايير ثابتة للتفرقة بين العلم واللاعلم والعلم الجيد والعلم السيئ من خلال التجربة الفعلية للعلم الطبيعي وخصوصاً الإصرار على أن العلم يجب أن يلتزم بمعايير عقلانية بعينها في حججه والتي هي المنج النهائي لعمله . إلا أن لاكاتوش في أبحاثه النهائية الأخيرة آمن بأن الفلاسفة من أمثال بولاني لا يتفقوا مع اتهاماته المبكرة . فمثلاً في عام 1973 في مراجعته لورقة  القدس يمكن بوضوح أن نتفق مع إستنتاج بوبر القائل : يجب أن يكون هناك سلطة دستورية غير قابلة للتغيير قانوناً (باستخدام معيار التمييز) للتفرقة بين العلم الجيد والعلم السيئ . على أنه غير استقرائي . وعلى العكس فموقف بولاني المضاد أي أنه يجب ألا يكون ويمكن ألا يكون ـ هناك الحالة التشريعية إطلاقاً . فقط الحالة التشريعية هو ما يبدو به شئ كثير من الحقيقة .

وحتى الآن نجد أن كل القوانين التي طرحها فلاسفة العلم الاستقرائيين ثبت أنها خاطئة في ضوء ما حكم به أفضل العلماء . وحتى اليوم لا تزال المعايير العلمية التي يطبقها العلماء هي معيار للقوانين الفلسفية الجامعة . لكن لا يزال التطور المنهجي متأخراً فيما يتعلق بالعلوم المتقدمة . ليس إذن من العجرفة أن نقول بأنه إذا خالف نيوتن أو آينشتاين علمياً أياً من قوانين بيكون أو كارناب الاستقرائية فإن أمر العلم يجب أن يعاد النظر فيه من جديد . وأنا أعتقد أن الأمر كذلك  .

ويرى تولمن في هذه المرحلة الأخيرة (لاكاتوش3) فإن ميثودولوجيا برامج البحث كانت إذن تاريخية تماما كما هو الحال عندي أو عند بولاني . فلما إذن السخط حول نخبويتنا وفاشستيتنا المخربة كما يزعم لاكاتوش وما إلى ذلك تلك هي المشكلة فحسب .

ويتعجب تولمن أنه من سخرية القدر، حتى هذه التنازلاتِ النهائيةِ لسلطة العلماء فإن الحالة التشريعية يمثل فقط عودة لموقف إمري لاكاتوش فيما يتعلق بالرياضيات . وفي ذرورة الحديث الذي يشكل معظم " براهين وتفنيدات" يصر علي أن " الحالة التشريعية " المعروف قد يحدث تغيرات جذرية في الاستراتيجية الفكرية في تاريخ الرياضيات أيضاً .

ولذا يرى تولمن أن لاكاتوش منذ البداية منفتح علي فكرة أن مفهوم الحقيقة ومعايير الإثبات وأنماط النمو الرياضية يجب تحليلها وتطبيقها بطرق تأخذ في الاعتبار تطورها التاريخي، وأيضا فكرة أن القبول التاريخي للتغير في أفكار الحقيقة والإثبات والنمو لدي الرياضيين العاملين هو أمر أساسي لفلسفة الرياضيات، ولو أن هذه المواقف ليست تعبيراً عن التاريخية أو النخبوية التي اعترض عليها بعد ذلك بعض فلاسفة العلم الأخرين – فربما كان من حقنا أن نسأل – فما هي إذن ؟

ثم ينتقل تولمن إلي الحديث عن محتويات العالم الثالث موضحاً أن هناك سببين جعلا لاكاتوش يفرق بشدة بين موقفه الأخير وبين موقفي وموقف بولاني .وفي هذا الجزء من البحث سوف أتساءل حول الموازنة – أو انعدامها – بين فلسفة الرياضيات وفلسفة العلم الطبيعي : وخاصة لأن تجربته المباشرة قاصرة علي مجال الرياضيات، فلاكاتوش يخطئ الفهم عندما يفرط في تبسيط مكونات العالم الثالث، بحيث يصبح (لدي كل مؤيدي بوبر) المحتوي الفكري والمناهج والناتج لأي نظام عقلاني كل إعادة وتقييم ونقد، ثم في الجزء الأخير سأواصل توضيح كيف أن مثل هذا التبسيط المبالغ فيه جعله يعتقد أن كل هذه المواقف في فلسفة العلم والتي تلحق أهمية بالغة بتطبيق العلماء هي عرضة للاتهام بالنسبوية التاريخية، مثلما هو الحال مع الطبعة الأولي من " بنية الثورات العلمية" لتوماس كون .وفي المقابل سأقول بأن الحصول علي وصف للتطبيق العلمي أمر سهل المنال بما في ذلك كل ما يتطلبه من عقلانية مؤيدو نظرية العالم الثالث والتي كنتيجة تتحاشي وصمة النسبية والتي لا تواجه أية اعتراضات أو صعوبات لا تنشأ بنفس القوة حول موقف لاكاتوش النهائي ؟

ويبدأ تولمن بمقارنة الرياضيات والعلم الطبيعي قائلاً: إن فيلسوف العلم الذي يتكسب من عمله كعالم طبيعي دائما ما يجد نفسه في تناقض مع الزملاء الذين يتناولون الموضوع من جانب الرياضيات أو المنطق الرمزي . وقد ناقشت هذه الظاهرة في موضع ما من مؤلفاتي : فمثلا لو قلنا إن برنامجاً فلسفياً عاما للوضوح من خلال البديهية التي كانت رائجة بين فلاسفة العلم التجريبين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين ويستقي ذلك المنهج معقوليته من شيئين مختلفين مربكين : أي سعي هلبرت للبديهية كهدف أو غاية للرياضيات وسعي هيتز النفعي بها كوسيلة للتغلب علي التناقضات النظرية في الميكانيكا كفرع من الفيزياء . ومثال ذلك كتاب " أسس علم الحساب " لفريجه أدي بالفلاسفة في فترة ما بين الحربين أن يطالبوا بمثالية أكبر وثبات في تحليلهم للعلم أكثر مما تسمح به الطبيعة الفعلية للعلوم الطبيعية . ورغم إنكارهم المعلن للوضعيين فإن كل ما يتعلق بها لم ينجح كل من بوبر ولاكاتوش في الابتعاد تماماً عن هذه السمة للموروث الفيييني . وفي حالة لاكاتوش خاصة فخبرته كرياضي يبدو أنها صرفت انتباهه عن ضرورة ذلك الابتعاد .

وفي رأي تولمن هناك سمتين للرياضيات الخالصة تشترك فيهما مع أي علم طبيعي إلي حد مشكوك فيه بشدة :

1- إن المحتوي الفكري لأية نظرية نسقية في الرياضيات يمكن تحديدها بدرجة عالية من التقريب بنسق من القضايا يمكن أن نعبر من خلاله عن ذلك المحتوي . ومن هذا المنطلق الرياضي فإن ذلك النسق هو نسق قضايا مع ارتباطها بالتطبيق – فمثلا الإجراءات العملية التي نحدد بها نموذجاً فيزيائياً محددا للكيانات المشار إليها في النسق، حيث النقاط عديمة الابتعاد والمثلثات متساوية الأضلاع وسرعات الضوء المتماثلة أو أياً كانت هي عناصر خارجة عن النسق . فمثل هذه الأمور التطبيقية ليس لها أثر مباشر علي صحة النظام الرياضي محل التساؤل باعتباره جزءً من الرياضيات .

2- في بعض فروع الرياضيات (إن لم يكن كلها)، فالمعالجة الأكثر مثالية أمر ممكن : أي أننا يمكن أن نتخيل مواقف يمكننا فيها أن نفكر في الشكل الحالي لنسق رياضي علي أنه شكل نهائي وحاسم . عندما طور فريجه تحليله المنطقي للحساب مثلاً قال بنهائيته . وكان يمكن (كما يزعم) لفلاسفة الرياضيات أن تجريد الحساب من الإضافات الخارجية التي حجبت مفاهيمه في شكلها الخالص عن أعين العقل . وهذه الحركة الأفلاطونية كان لها أثر فصل الحساب عن تاريخه، ولم يعد هناك مساحة للنظر للمفاهيم الحسابية كمنتج تاريخي يمكن مقارنته بما هو قائم . والسؤال الوحيد الذي سمح لنا فريجه بطرحه هو : هل هذا التحليل صحيح ؟ فإما أنه علي صواب في وصفه للشكل الخالص للمفاهيم الحسابية معتبرا إياها من مكونات العالم الثالث أو أنه كان علي خطأ؟  وبدلاَ من أن يري نظريته توصف بأنها تحسين مؤقت سوف يستبدل في المستقبل بتغير مفاهيمي أخر مع تطور الرياضات فهو لا يرجو سوي أعلي الحدود وأقصاها .

ويري تولمن أن الفلاسفة الذين اعتادوا العمل في المنطق الصوري والرياضيات البحتة ربما يعتقدون أن الكيانات والعلاقات التي من شأنها الحكم بشروط عقلانية – والتي هي أساس مكونات العالم الثالث غير التجريبي عند بوبر (وأفلاطون) – تشكل القضايا والعلاقات المنطقية بينهما . إلا أنها تبقي موضع شك في أمرها حول فيما يتعلق بما إذا كان هذ1الاعتقاد قائماً علي أساس أم لا . وحتي في العلم الطبيعي الذي يمكن صياغة نظرياته في شكل رياضي، فإن المحتوي التجريبي للعلوم يمتد إلي ما هو أبعد من حدود تلك النظريات الرياضية . فمثلا الطريقة التي تحدد بها النماذج التجريبية الفعلية للكيانات التي تناقش في أية نظرية – عكس الموقف في الرياضيات البحتة – هي مشكلة داخلية في العلم المناظر : هي في الواقع مشكلة تعتمد عليها صلاحية ومعقولية النظرية العلمية . (فالحالة العقلانية للفيزياء المعاصرة تقوم علي وجود الالكترونات الفعلية بطريقة لا تقوم عليها الحالة العقلانية للهندسة التي لا تحاول اكتشاف نقاط أبعاد الحياة الواقعية تجريبياً) . وفي حالة أي علم طبيعي تجريبي ليس من المنطقي أن نفترض شكله الحالي، هو في الوقت نفسه شكله النهائي والحاسم، فمثلاً : حتي في " الكيناماتيكا Kinematics (وهو علم الحركة المجردة – فرع من الديناميكا)، فإن العلاقات التي تبدو قادرة علي أن تكون بديهية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تغيرت نتيجة لتطور نظرية النسبية . وبالمثل فالطريقة الوحيدة لتحويل الميكانيكا العقلية لفرع من الرياضيات البحتة هي الابتعاد عن أية علاقات تجريبية .

ويلاحظ تولمن أن هذين الاختلافين بين الرياضيات والعلم الطبيعي لهما معاني مهمة بالنسبة لشكل ومضمون " العالم الثالث " والذي يلعب دورا مهما في نظريات كارل بوبر وإمري لاكاتوش .ولو أن المحتوي الفكري لأي علم طبيعي لا يتضمن فقط قضايا ولكن براكسس praxis، ليس فقط العبارات النظرية theoretical statements ولكن أيضا الإجراءات العملية للتطبيق التجريبي فلن يستطيع العلماء ولا الفلاسفة أن يقصروا أنتباههم العقلي والنقدي علي التعقيل الصوري formal idealization لنظرياتهم . فمثلاً تمثيل تلك النظريات علي أنها تتكون فقط من أنساق من القضايا والاستدلالات في شكل رياضي منطقي . وعند بعض فلاسفة العلم فإن هذا محير ومربك، فهم معتادون علي معاملة النقد العقلاني علي أنه مسألة ذات صدق صوري أو صرامة منطقية وما شابه ذلك بحيث إن ظهور أي جانب تطبيقي قائم علي التغيير التاريخي هو بالنسبة لهم أمرا يمثل لاعقلانية، وبالتالي يهدد العقلانية علي الساحة .وعندما يزعم ميشيل بولاني أن جزء من التطبيق معروف ضمنيا وليس مصرحا به تزداد شكوكهم .

بيد أن تولمن يري أنه قد  حان الوقت لمواجهة تلك الشكوك والرد عليهم بأنهم أساءوا الفهم . فما هو معروف في العلم الطبيعي لا يري في المصطلحات النظرية والقضايا وحدها . فالإجراءات التطبيقية التي تمنح تلك الأفكار النظرية صفة تجريبية تمثل مكونا لا غني عنه في العلم، ومهما كانت هذه الاجراءات ضمنية في الممارسة العملية، فهذا لا يعني أنها ليست عرضة للنقد العقلاني .

وفي الحقيقة، يرد تولمن الهجوم المضاد  قائلاً :"  فبعيدا عن عدم قدرة فلاسفة العلم الذين يميلون تاريخيا إلي فهم أهمية النقد العقلاني أو ربط أنفسهم بالنسبويين، فكثيرا منهم يعي تلك الأهمية ويحترمها إلي حد بعيد . وما يميزني أنا وبولاني عن بوبر ولاكاتوش هو إصرارنا علي النقد العقلاني يجب تطبيقه ليس فقط علي كلمات العالم، بل وعلي عمله أيضا – ليس فقط علي قضاياه النظرية ولكن علي تطبيقاته التجريبية أيضا – وأن قانون النقد العقلاني ذلك لا يحوي فقط حقيقة " الصدق العقلاني والصحة الاستدلالية، ولكن أيضا الكفاية أو عدم الكفاية العلمية للأنواع الأخري "  .

ولذلك فإن تولمن يؤكد علي أنه إذا ما احتفظنا بالصورة البوبرية للعالم الثالث، فعلينا أن نتبع طريقة بحيث نوسع من منظورها وأبعادها، فحيث إن المحتوي الفكري للعلم الطبيعي يتضمن مصطلحاته اللغوية وقضاياه وإجراءاته غير اللغوية والتي منها أفكار ذات صلة تجريبية وتطبيقية، فإن نموذج العالم الثالث يجب أن يفرد مساحة للتطبيق الأساسي للعلم الطبيعي بجانب قضاياه واستدلالاته ومصطلحاته وحقائقه، وبالرغم  من أن بوبر يري أن العالم الثالث من إبداع الذوات العارفة، إلا أنه يعتقد أن هذا العالم مستقل عن هذه الذوات ويولد مشكلاته الخاصة . وتنتمي المعرفة العلمية إلي هذا العالم، إذ أنها معرفة بدون ذات عارفة .

ويستطرد تولمن فيقول :" يرفض لاكاتوش التسليم بذلك . فبالنظر لخلفيته الرياضية ينكر كل تلميح للتطبيق علي أساس أنه تسليم بعلم النفس التجريبي  وعلم الاجتماع التجريبي . وبذلك فهو يغالي في الاستهزاء برؤي خصومه ويسفه أفكارهم، ويمكن لميشيل بولاني أن يدافع عن نفسه دون مساعدتي، لذا سأتحدث هنا عن نفسي فقط " .

ومفهوم التغير المفاهيمي في المجلد الأول من الفهم البشري في نظر تولمن قائم علي التمييز، حيث الضمنيات النقدية التي يصر عليها بوبر عندما يفصل بين العالم الثالث وبين العالمين الأول والثاني (المادي والعقلي) للحقيقة التجريبية : أي الفرق بين النظم Disciplines والمهن Professions  . فأي شئ يتعلق بالعلوم يعتبر نظاما  Discipline هو عرضه للنقد العقلاني بما في ذلك الأجزاء المتعلقة بالمضمون الفكري التي تبدو عملية أكثر منها قضايا . وفي المقابل فإن المعاملات المؤسساتية Institutional Transactions التي تجسد أنشطة العلم تعتبر مهنا عرضة للنقد، لكن بشكل غير مباشر من خلال التساؤل حول مدي اشباعها للاحتياجات الفكرية في النظام المفترض أن تدعمه .وبشكل عام ليس هناك صعوبة في التمييز بين تطبيق العلم وبين سياساته . وتبقي مسألة التطبيق فكرية أو منهجية ومسائل الساسيات دائماً مؤسساتية أو مهنية ... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليفي أواخر عام 1974، توفي أمري لاكاتوش علي إثر حادث سيارة مروع (167)، وفي عام 1976، أقامت جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية مؤتمراً لفلسفة لاكاتوش، وذلك تأبيناً له علي رحيله المبكر من الساحة الفلسفية، وقد أشرف علي هذا المؤتمر ثلاثة من كبار فلاسفة العلم المعاصرين والعاملين بقسم الفلسفة بتلك الجامعة، وهم " بول فييرآبند " و " وراتوفسكي Wartofsky "، و " ر. س . كوهين R.S.Cohen، وقد دعي لحضور حفل المؤتمر " ستيفن تولمن "، ولقد ألقي تولمن في هذا المؤتمر بحثا بعنوان رئيسي" التاريخ والبراكسيس والعالم الثالث History , praxis and the third world "، وجاء العنوان الفرعي " غموض في نظرية الميثودلوجيا عند لاكاتوش Ambiguities in Lakatos of Methodology، وقد نشر هذا البحث ضمن مجموعة من الأبحاث في كتاب ضخم بعنوان " مقالات في ذكري إمري لاكاتوش Essays in Memory of Imre Lakatos.

وفي هذا البحث يرد تولمن علي الانتقادات التي وجهها لاكاتوش في مقالته " فهم تولمن " قبل وفاته، وقد قسم تولمن المقالة إلي أربعة عناصر:-

العنصر الأول : مدخل شخص Personal Introduction وفيها يشجب تولمن الحدية التي واجهها من لاكاتوش في مقالته " فهم تولمن.

العنصر الثاني : وجاء بعنوان " الاتساق والتغير في التطور الفكري للاكاتوش Consistency and change in Lakatos's Development "، وهنا يفند تولمن ابستموجيا لاكاتوش في ميثودلوجيا برامج الابحاث عبر مراحلها التاريخية ويقارنها بفكرة "الاستراتيجيات الفكرية لديه intellectual Strategies " .

العنصر الثالث : محتويات العالم الثالث The contents of The third world . وفيه يوضح تولمن مبررات رفضه لمشاكل العالم الثالث وأسباب تمسكه بما يدور بالفعل داخل الممارسة العلمية، وذلك من خلال تحليل الممارسة اللغوية العلمية الفعلية .

العنصر الرابع : وعنوانه " شكلان مختلفان من التاريخية Two variants of historicism وفيه يرد تولمن علي مزاعم لاكاتوش حول النزعة الذاتية – التاريخية بأنه يحدد هوية وصفات تلك النزعة.

وسوف نحلل تلك العناصر بشئ من التفصيل، ثم نعقب عليها، وذلك علي النحو التالي:

يبدأ تولمن مقالته بقوله :" هذه الورقة تلفت انتباهنا إلي الصعوبة التي ينطوي عليها تفسير كتابات إمري لاكاتوش حول الميثودولوجية وفلسفة العلم، كما تبرز بعض المعالم التي تعيننا في التغلب علي هذه الصعوبة، والمشكلة مثار الجدل تحظي بشئ من الاهتمام بالنسبة لي شخصياً، حيث إنها (فيما اعتقد) تشكل اختلافات جوهرية صارخة في الرأي وقعت بيني وبين لاكاتوش في إحدى اللقاءات العامة منذ نوفمبر 1973، وهي مشكلة بعثت بداخلي دوافع خاصة لمحاولة حلها بطرق شتي، حيث إنني ولاكاتوش كنا قد طرحنا قضايا في فلسفة العلم بشكل متوازن .

ثم يتساءل تولمن قائلاً : ما هي الحجج المتعلقة إذن بفلاسفة العلم ذوي التوجه التاريخي مثل "ميشيل بولاني" وتوماس كون وأنا (شخصيات فكرية مختلفة في الفكر والتوجه غاية الاختلاف)؟ وما الذي أثار غضب لاكاتوش حين قلنا إن رائعته في " ميثودولوجيته عن برامج الأبحاث methodology of research programmes  قريبة الشبه بمناقشتي للاستراتيجيات الفكرية intellectual Strategies في العلم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري أن الدور الرئيسي الحاسم الذي منحه للتغير التاريخيhistorical change  والأحكام العامة التي أصدرها حول الرياضيين، قد برزت في نتيجة واحدة من الدراسات الرئيسية لكتاب لاكاتوش المسمى "براهين وتفنيدات" ؟

ويشرح تولمن نقاط التشابه بين منهجيته ومنهجية لاكاتوش :-

1- إن أفكار لاكاتوش حول برامج البحث يمكن بسهولة معادلتها خارج ِأسوار مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن ومعادلتها بوجهات نظري حول الاستراتيجية الفكرية، وكلا الرؤيتين قد وضعتا لتناول السؤال التالي نفسه :

كيف أن التعرف علي توجهات التجديد النظري في العلم هو شئ مثمر وخصب وعقلاني بشكل أو بأخر في هذا العلم الطبيعي أو ذاك في تلك اللحظة من تاريخه ؟

2- وأكثر من هذا أن الرؤيتين كليهما تتطلبان من فيلسوف العلم أن يبدأ بتصوير وصفي دقيق للسمة التي يكون عليها البرنامج أو الاستراتيجية المتجسدة في طور معين من التطور النظري (مثلاً : تحليل نيوتن للقوي الرئيسية والنظرية الموجية للضوء في القرن التاسع عشر , أو رؤية داروين لأصل الأنواع , وبالإضافة إلي ذلك فإن أي من الرؤيتين تخضع لبرنامج أو استراتيجية أو براديم ناجح حالياً أو أي مرجعية حقيقية من حيث الأساس , بل علي العكس نجد الرؤيتين كليهما يظهران كيف أن التوجهات التنظيريةdirections theorizing القائمة يمكن أن تخضع للاختبار النقدي كي يتضح إلي أي مدي هي ناجحة أو مثمرة أو تقدمية .

ويؤكد تولمن أنه وضع يده علي نقطة الخلاف بينه وبين لاكاتوش قائلا:" إن نقطة الخلاف الرئيسية بيني وبين لاكاتوش تكمن في رؤيتنا لمصدر وصف هذه المعايير النقدية في إصدار الأحكام، ففي واحدة من مراحل فلسفة العلم عند لاكاتوش بدأ بوضوح أنه منجذب لفكرة أن هذه المعايير ربما كانت خالدة ولا علاقة لها بالتاريخ , فمثلا يمكننا استنباط قوانين كلية universal canons للتفريق بين التوجهات التقدمية progressive والتوجهات الرجعيةreactionary للتغير العلمي كنظائر لمعيار التمييز Demarcation criterion عند كارل بوبر، إلا أنه تخلي (كما سنري عن تلك الفكرة بحلول عام 1973، ولا تزال رؤيتي المضادة والمخالفة هي أننا علي هذا المستوي نتوجه للبحث عن ماهية الشئ المفيد والمثمر (ولنقل) بمكانيكا الكوانتم أو الكوزمولوجيا الفيزيائية أو فسيولوجيا الخلية أو علم المحيطات في هذه المرحلة أو تلك من تطور العلم ويبدو أن ذلك أثار غضب إمري لاكاتوش، وقد إعتاد لاكاتوش أن يتهم هذه الرؤية بأنها قاصرة علي النخبة بشكل مفرط – حيث تتشابه مع الستالينية Stalinism (لانسنج 1972) أو أنها مشابهة لرؤية ديرشتورمر Dersturmer (مؤتمر كوبر نيقوس 1973 ) أو أنها تصدق علي فكرة " شرطة الفكر " عند فيتجنشتين (في مقالته عن فهم تولمن) .

ويتعجب تولمن بشدة من موقف لاكاتوش، والذي بموجبه استفاد لاكاتوش من فكرة التغير المفاهيمي التي طبقها تولمن في العلوم الطبيعية، حيث أخذها الأول وطبقها في الرياضيات وبالذات في كتابه " براهين وتفنيدات " .

ومن جهة أخري يعيب تولمن علي الموقف السلبي الذي أخذه لاكاتوش إزاء تأثره بفيتجنشتين فيقول :"... وفي بعض الأوقات كل ما يمكن أن نخرج به هو أن رفضه لأي شئ يتعلق بلودفيج فيتجنشتين التقطه بالعدوي من خلال ارتباطه بكارل بوبر وليس مجرد فضول تاريخي – صدي متأخر لفيينا القديمة : أشياء منسية بعيدة .. ومعارك بعيدة . وحيث إنني تعلمت دروس فلسفية مهمة من كل من فيتجنشتين وبوبر وكولنجوود، فأنا لا أري فلاسفة فيينا منعزلين في صراع دائم .

وأعتقد أن تولمن علي حق حين وصف لاكاتوش أنه إلتقط بالعدوي النقد العنيف لفيتجنشتين، والذي أخذه الأخير عن بوبر، فموقف لاكاتوش من فيتجنشتين يكاد يشبه موقف كارل بوبر الذي كان قد انتقد فيتجنشتين أثناء نقده للوضعيين المناطقة مؤكدا أن الوضعيين يسيرون في متاهات التحليل اللغوي والبحث عن الدقة بهدي رائدهم فيتجنشتين الذي شبه الميتافيزيقيين بفراشة دخلت في زجاجة وأخذت تذهب هنا وهناك وتزن، وهو يزعم أن التحليل اللغوي سيوضح لهذه الفراشة طريق الخروج من الزجاجة لينتهي الزن الميتافيزيقي إلي الأبد، لكن بوبر يري أن فيتجنشتين هو الذي دخل الزجاجة يزن ولم يستطع الخروج منها لأنه نسي أن اللغة وسيط للتعبير، ربما هدفاً من تحليلاته إلي الوضوح إلي تلميع النظارات اللغوي كي يحظي برؤية واضحة للعالم . غير أنه أمضي العمر كله في هذا التلميع ولم يستفد منه، فاندفع في ممارسة التحليلات بطريقة مملة مللاً عقيماً لا يطاق، شأنه في هذا شأن نجار أمضي العمر كله في صقل أدواته وشحذها ببعضها البعض، وفاته أن يستخدمها في صنع شئ مفيد .

كما يوضح تولمن بعض الالتباسات التي غمضت علي لاكاتوش فيما يتعلق بفكرة النخبوية والتاريخية والاجتماعية والفاشيستية عنده ( أي تولمن) وعند بولاني، وفيها يرد تولمن علي لاكاتوش فيقول :" .. فتلك تحليلات غير مرضية، فكما يري إمري لاكاتوش هناك مبادئ اتفقنا عليها خطأ أنا وميشيل بولاني وتوماس كون فكلنا ملتزمين بالنخبوية والتاريخية والاجتماعية والفاشيستية، والجميع فشل في التمييز بين الأنشطة المادية (العالم الأول) و(العالم الثاني) الحكم العقلي للعلماء العاملين انطلاقا من العلاقات القضوية في (العالم الثالث) والتي في ضوءها يتم تقييم هذه الأنشطة والأحكام .

ثم يتساءل تولمن فيقول : كيف يتأتي إذن لإمري لاكاتوش أن يفسر ويؤول هذا التعارض بين الأنشطة والمعتقدات للعلماء والعلاقات القضوية للعلم بالشكل الذي قام به ؟ وما هو مصدر وجهة النظر تلك في تطوره الفلسفي ؟ وكيف يمكننا الجمع بين الأشياء التي قالها في بحوثه الكلاسيكية عن العلم مع الموقف التاريخي والنخبوي الذي اتخذه في كتابه " براهين وتفنيدات " ولو استطعنا الإجابة علي هذا السؤال بشكل مقنع لاستطعنا أن نضع حداً للشكوك الشخصية حول موقف إمري لاكاتوش المعارض لكتابي " الفهم البشري " وأبحاثي الأخرى المتعلقة بنفس الموضوع .

وأما فيما يتعلق بالاتساق والتغير في التطور الفكري للاكاتوش، فيقول يقول تولمن :" إن القضية الأساسية التى سأطرحها تتعلق بتلك العلاقة الأخيرة : أى العلاقة بين كتاب " براهين وتفنيدات " والذى يعتبر دراسة لاكاتوش المبدئية حول فلسفة الرياضيات وبين الرؤى حول فلسفة العلم الطبيعى والميثودولوجيا العلمية، والتى قدمها لاكاتوش فى منتصف وأواخر ستينات القرن العشرين، وكما سنرى فهناك تطابق فى وجهات النظر عنده حول هذين الموضوعين وأحيانا تبدو أحدث وجهات نظره حول العلم الطبيعى وكأنها نسخة من رؤاه حول الرياضيات – لكن هناك أيضا اختلافات بائنة فيما يتعلق بالمعاير الأساسية للحكم .

ثم يقسم تولمن حجة لاكاتوش عن الميثودولوجيا فى العلم والرياضيات لثلاثة مراحل تاريخية آملا أن يبين مدى ثبات واستمرارية وجهات نظره من خلال كتاباته بدءا من كتابه " براهين وتفنيدات وصولاً إلى آخرها :

1 – المرحلة الأولى وتبدأ بكتاب " براهين وتفنيدات " من الفترة 1963 إلى 1964 والتى تغطى نفس التفسيرات التى حصل عليها لاكاتوش من جامعة كمبرج " سنة 1961 " وأيضا أبحاث قدمها للمجلس المنعقد لجمعية أرسطو ورابطة العقل فى عام 1962 حول " الإرتداد وأسس الرياضيات ".

ويؤكد تولمن أن فى هذه الأبحاث يركز لاكاتوش انتباهه على ميثودولوجيا التغير النظرى فى الرياضيات . فالعالم التجريبى والعالم الإستقرائى المتمسكين بالنزعة الاقليدية يشغلون أنفسهم ببرامج البحث بتلك المرحلة حيث تمثل البرامج بالنسبة لهم تقدم فكرى فى الرياضيات والناس الذين خضع عملهم فى دراسة متأنية منه هم كانتور Cantor وكوتيرا Couturat وهلبرت Helbert وبروورBrouwer  . كما أتى على ذكر , جاليليو , ونيوتن كفيزيائيين رياضيين : إن أكثر ما كان يهمه هو الجدل المعاصر الدائر بين كل من كورت جودل Kurt Godel وتارسكي Tarski وجنتزين Gentzen واستيجموللر Stegmuller وما بعد الهلبرتية post Helbertians ومنذ عام 1965 نجد أن لاكاتوش يلعب دوراً مختلفاً من مؤتمر كلية بدفورد Bedford بلندن في صيف ذلك العام نجد أن:

2- المرحلة الثانية، وهي مجموعة من الأبحاث عن فلسفة العلم الطبيعي بدءً من عام 1965 وحتي1970 قد انتقلت من التركيز علي الرياضيات إلي الفيزياء والفلك... وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيمفاهيم الخير العام والتصميم الدستوري

تحتل الاعتبارات الأخلاقية عند الجمهوريين مثل روسو مكانة مركزية في الحياة الجمهورية. فقد رأى روسو أن الغرض من ذلك هو السماح للناس بالعيش في حرية التي عرّفها العيش في ظل قوانين هم يشرعونها. وضع بيتيت، بعد روسو، غاية المساواة الليبرالية في المقدمة بوصفها الحد من الهيمنة، ويحث على أن تلعب الدور المركزي في توجيه التصميم المؤسسي. إذا كانت الاعتبارات الأخلاقية هي الهدف من العيش في جمهورية، فمن المنطقي التمييز، كما فعل روسو، بين المعايير العامة التي يمكن أن تربط الأشخاص على قدم المساواة والمعايير المحددة الموجهة لأشخاص أو مجموعات معينة. يعتقد روسو أن الأول هو مجال التشريع بشكل صحيح بينما ينتمي الأخير إلى القضاة أو المحاكم. لهذا السبب، كان الجمهوريون الذين تبعوا مونتسكيو ولوك يميلون إلى تأييد الفصل الوظيفي بين السلطات الذي يتتبع التمييز  بين العام والخاص. وقد دعا الجمهوريون الذين أيدوا فكرة الضوابط والتوازنات إلى نشر الضوابط للحفاظ على السلطات المنفصلة مؤسسياً.

تلعب المؤسسات، في كل هذه الآراء، دورًا فعالًا إلى حد ما بالنسبة للصالح العام. وأكد ماديسون1  في هذا السياق في- الفيدرالي-  في حينه إن الدستور قد وضع للشعب، ونجد  الكثير من الناس يؤيدون مثل هذه الفكرة اليوم. أعتقد أن الوصفة الدستورية المتوقعة لهذا الرأي هي ابتكار إجراءات تمنع التغيير المؤسسي، مثل مطلب أغلبية عظمى أو مطلقة أو حتى توفير حق النقض التوافقي للعديد من المشاركين في السلطة. بالإضافة إلى الاختلاف حول محتوى المصالح المشتركة، اختلف الجمهوريون أيضًا حول ماهية مشكلة التدخل التي تمنع تحقيق تلك المصالح.2 

ولكن إذا كان لا يمكن الاعتماد على الوطنية، فقد ابتكر الناس أحيانًا أدوات مؤسسية لمنع تركيز السلطة في أيدي شخص واحد أو عدد قليل ، لترتيب الدستور للتخفيف من هذا التهديد. وقد كان لدى جمهوريي عصر النهضة مثل مكيافيلي وهارينغتون وسيدني مجموعة مماثلة ولكن أكثر تحديدًا من المخاوف بشأن تركز السلطة، وحاولوا ابتكار وسائل مؤسسية للحد من الملوك أو المغتصبين، معتبرين إياهم تهديدًا للحريات الجمهورية. اتخذت الكثير من توجهات مقاومة الحكم المطلق، شكل جهود لتأسيس قضاة مستقلين أو دور للبرلمان في التشريع.

كان أنصار الإصلاح الجمهوري قلقون، في الآونة الأخيرة، بشأن ما يبدو تهديدًا أكثر تجريدًا: الليبرالية، التي يُنظر إليها على أنها مصدر للمزاعم الأيديولوجية المتنافسة حول الدور المناسب للحكومة في الحياة العامة والخاصة وبشكل أساسي مع حثها على حماية الأفراد من مطالبات الدولة بطرق يبدو أنه لا يشجع الانتباه إلى المصالح المشتركة. تشبه معارضة الليبرالية في بعض النواحي القلق القديم بشأن فقدان الفضيلة المدنية. يبدو أن الآثار المؤسسية الرئيسية لهذا القلق كانت، أولاً، محاولة للحد من الاعتماد المفرط على الحقوق القابلة للتنفيذ قضائيًا، وثانيًا، محاولة لجعل القضاة يجبرون البرلمان على تقديم تبريرات تستند إلى الأسباب للقوانين التشريعية. من الواضح  تفرض هاتان النقطتان مطالب مختلفة تمامًا على القضاة- حيث تطالبهم أن يكونوا أكثر سلبية أو أعتدال من ناحية، وتطلب منهم أن يكونوا أكثر شدة في مراجعة القوانين من ناحية أخرى.

الاستنتاجات

ليس من المستغرب من وجهة نظر دستورية، تأييد الجمهوريين "حلول" مؤسسية مختلفة لمشكلة الحكومة. تميل الجمهورية الحديثة (والليبرالية الحديثة) في تصور مجتمع مكون من أفراد لديهم اهتمامات متنوعة ومتغيرة ، إلى قبول نظرية إجرائية للقانون تسمح بتغيير قانوني سريع ومرن ولا تميز بشكل حاد بين القانون والسياسة العامة. القانون هو كل ما يسنه التشريع (أو تطبقه المحاكم). من الواضح أن هناك استثناءات مهمة لهذا الاتجاه ، لذلك لا أقصد التأكيد على أنه أكثر من مجرد نزعة.

دعمت الجمهورية على المستوى الدستوري، مفاهيم مختلفة لفصل السلطة. أراد الجمهوريون فصل المؤسسات والمناصب لمنع حكم الطبقة المهيمنة وتعاظم السلطات الاستبدادية في يد رجل واحد.أيدوا الفصل الوظيفي للسلطة القضائية عن سلطات صنع القانون وسلطات إنفاذ القانون، وأصروا على الفصل بين تطبيق القانون وسن القانون. علاوة على ذلك، اعتقد الجمهوريون أن "الضوابط والتوازنات" الدستورية ستنظم العلاقات بين الأنظمة الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع. يبدو أن الجمهوريين يرون الضوابط والتوازنات كعناصر لتصميم مؤسسي يمكن ترتيبها بشكل عقلاني للحفاظ على سلطات منفصلة وظيفيًا.

تلتقط وجهت النظر الجمهورية سمات مهمة ودائمة لأي مجتمع. تتكون المجتمعات من أفراد يمثل كل منهم مصدر مميزًا للقيمة ؛ لكن نمط اهتمامات الناس وفرصهم منظم أيضًا، إلى حد كبير، من خلال عوامل اقتصادية مستقرة نسبيًا تميل إلى إنتاج وتثبيت تقسيم للعمل. المصالح الطبقية هي حقائق بنيوية واقعية في أي مجتمع وتميل إلى أن تكون مستقرة نسبيًا حتى في العالم الحديث، حتى لو كانت منظمة بشكل غير كامل أو غير واعية بذاتها. بطبيعة الحال، المجتمع الحديث أكثر مرونة وتنوعًا من معظم المجتمعات التقليدية. لكن لا تلغي هذه التعددية حقيقة أن الأغنياء والأقوياء يميلون إلى امتلاك مصالح وفرص مختلفة عن الآخرين. أخشى أن تكون الجمهورية، من نواحٍ عديدة ، قد فقدت رؤية هذه الحقيقة الأساسية - الحقيقة المرنة للانقسامات الطبقية - وتميل إلى تطوير نوع من نظرية عن الفردانية يشبه الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية التي تقوم على نوع من الفردانية التي تقوم عليها الليبرالية. قد يكون هذا شيئًا جيدًا أو سيئًا؛ لا اعرف. لكنها خسارة لوجه من التفكير الجمهوري ويبدو أنه من المجدي أن نعلق عليها.

لا يفعل الناس شيئًا بشكل مباشر في البيئة الحديثة حيث تضع النخب كلاً من السياسات والقوانين دون أي إجراء مباشر ليحظى بقبول شعبي على الإطلاق. وهنا لايعني أن الناس العاديين قد وافقوا على قانون يحكمهم تحديداً. نظرًا لعدم وجود أي مشاركة شعبية مباشرة في صنع القانون، يجد الفلاسفة المعاصرون صعوبة في الاتفاق على طبيعة الالتزام السياسي. ويجدون أنه من الضروري التساؤل عما إذا كان لدى الناس العاديين التزام عام بطاعة القانون، أو ما إذا كان الالتزام يمتد فقط إلى قوانين مبررة محددة. بقدر ما يتم الرد على هذا السؤال بشكل جيد، هناك معنى مجرد، قدمه الفلاسفة، حيث يتمتع كل شخص بكرامة دستورية.

لكن المكتسب كان وضع الفرد في المركز كمصدر للقيمة ومصدر لطلب التبرير. لقد اعترفت النظريات الليبرالية بشكل مميز بهذه المركزية وقدمت مبررات، من حيث المبدأ، للاستجابة لهذا المطلب. لكن العجز  في النظريات الليبرالية هو أنها لا تركز على الصراعات البنيوية المزمنة بين الأغنياء والقليل من الأقوياء، والأغلبية من الناس، الذين ليسوا كذلك. علاوة على ذلك، لا تبني النظريات الليبرالية هياكلها المؤسسية على قوة الأغلبية، على نفوذ الذي قد يكون لديها  على الأغنياء والأقوياء. يجب ترتيب المؤسسات، بالنسبة لليبراليين  بحيث تُحترم حقوق كل شخص، بغض النظر عن مدى ضعفه. لكن بالطبع يكون كل فرد، في المجتمع الحديث، ضعيفًا وليس في وضع يسمح له بالمطالبة بالحقوق أو الاعتراف. يبدو لي أن الجمهورية الحديثة قد قطعت شوطًا طويلاً لقبول هذا الوصف.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

 Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

Millar, F. (1998). The Crowd in Rome in the Late Republic. Ann Arbor: University of Michigan Press.

Nippel, W. (1995). Public Order in Ancient Rome. Cambridge: Cambridge University Press.

Pettit, P. (1997). Republicanism. Oxford: Oxford University Press.

Rousseau, J.J. (1997). The Social Contract and Other Later Political Writings. Cambridge: Cambridge University Press.

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

Sunstein, C. (1985). ;'interest Groups in American Public Law." Stanford Law Review 38: 29-87.

Sunstein, C. (2009). "The Enlarged Republic -Then and Now." New York Review of Books 56 (March 28-April 8): 45-8.

Tocqueville, A. de (2000 [1840]). Democracy)' in America. Eds and trans. H. Mansfield and D. Winthrop, Chicago: University of Chicago Press.

Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

هوامش

  1- Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers.

  2- Ferejohn, J. and F. Rosenbluth (2006). "Republican Liberalism.

 

 

علي رسول الربيعيالجمهورية الحديثة: تبدأ الجمهورية الحديثة من مقدمات مختلفة عن الصيغة الكلاسيكية للجمهورية بثلاث طرق. أولاً، إنه مبني على أنطولوجيا اجتماعية مختلفة وبالتالي نظرة مختلفة للصراع الاجتماعي. ثانيًا، حتى وقت المؤتمر الدستوري الأمريكي، تطور الفكر الجمهوري الحديث في الغالب كإيديولوجيا معارضة وواحد كان في البرية السياسية لفترة طويلة جدًا، بدءًا من منفى مكيافيلي ومرورًا بالجمهوريين الإنجليز حتى وقت رسائل كاتو. ويبقى هذا جانبًا من جوانب الفكر الجمهوري المعاصر. إلى الحد الذي كان فيه الجمهوريون ينظّرون حول تصحيح شرور النظام القائم، أو التنظير حول جمهورية مثالية، فقد تحرروا إلى حد كبير من ترسيخ وصفاتهم بإحكام على القضايا العملية المتعلقة بكيفية عمل المؤسسات أو ارتباطها بالمجتمع. يمكنهم التحدث عن المصالح المشتركة أو عن الناس، كما لو كانت هذه وحدات طبيعية وغير منقسمة، ويمكنهم بالتالي التخلص من النزاعات الداخلية. ثالثًا، يميل الجمهوريون المعاصرون إلى إظهار نفور عميق من أي شكل من أشكال الحكم المباشر أو الشعبي الذي يمتد بعمق عند المحافظين الكلاسيكيين الى شيشرون.

يجادل بأن هذه السمات الثلاث تعاونت لإحداث تغيير رابع - تحول في طبيعة ومحتوى المفاهيم الجمهورية للقانون. كانت القوانين في النموذج الكلاسيكي معنية بمبادئ العدالة، والعلاقات الأساسية بين الطبقات، وتنظيم السلطة. تم تنفيذ الجوانب اليومية للسياسة بطرق أخرى من قبل القضاة التنفيذيين إلى حد كبير. لكي يكون الشيء قانونًا وليس أمرًا قضائيا او قراراً، يجب أن يفي بنوع من الاختبار الموضوعي من نوع ما.

سأجادل أنه عندما جاء الناس لقبول الفصل الوظيفي بين السلطات، على سبيل المثال، التمييز بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعندما بدأوا يعتقدون أنه لا يمكن الوثوق بالناس حقًا لممارسة أي من هذه الوظائف بشكل مباشر، أصبح من الطبيعي تفويض الصلاحيات إلى الممثلين وتطوير نظرية إجرائية للقانون. يصبح القانون بعد ذلك ما يؤكده التشريع كقانون، ويجب على القضاة تطبيق القانون الساري من الناحية الإجرائية. توجد المفاهيم الإجرائية في نظريات اصدار الأوامر في القانون التي تبدأ مع هوبز، و يمكن تتبعها أيضًا في الأشكال الحديثة للوضعية (حيث تصبح السلطة التشريعية أكثر توزيعًا مؤسسيًا).

يصف باسكوال باسكينو عالم ما بعد هوبز الحديث بأنه مجتمع بلا صفات - وهو ما يعنيه بدون أنظمة اجتماعية - ولكنه يتألف بدلاً من ذلك من أفراد ذريين. هذا لا يعني عدم وجود صراع. عادة ما يكون الصراع في هذا العالم الجديد غير مرئي أو كامن - نادرًا ما يحدث القتال الصريح عندما تكون القوى المتصارعة غير متكافئة للغاية - ولكنه إلى حد ما بنيوي ومتجذر في الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن لكل فرد اهتماماته الخاصة. يغيّر هذا ما يُعتبر مبررًا مناسبًا لمؤسسات الدولة وأفعالها. يجب تبرير إكراه الدولة لكل شخص وليس للفئات أو الطبقات الاجتماعية. لكن من المهم أن نرى أن هذا التحول أساسي لطبيعة الجمهورية: فليس الأفراد عمومًا في وضع يسمح لهم بتهديد أو إجبار الدولة على تقديم تنازلات مؤسسية بالطريقة التي تستطيع فيها  الفئات- الطبقات الاجتماعية القوية والموحدة. لا تعتمد الدولة الحديثة على الطبقات الاجتماعية بنفس الطريقة للدفاع عن نفسها، أنها تحتاج إلى تجنيد عدد كافٍ من الأشخاص والموارد للقيام بذلك. يجب حث الأفراد، الذين لديهم مصالحهم الخاصة، على خدمة الأغراض العامة، وترك الأمر لكل منهم لتقرير مقدار أي عبء عام يريد تحمله. من الصعب تنظيم الأفراد المعاصرين لمتابعة المصالح  الفئوية أو الطبقية ولو بشكل مؤقت. يمكن أن تحجب المصالح الخاصة رؤيتهم لما يشتركون فيه مع الآخرين وتحد من استعدادهم للتعاون.

وفقًا لوجهات النظر الحديثة، فإن السعي وراء المصلحة الخاصة ليس مجرد مصدر إزعاج يعيق متابعة المشاريع المشتركة، ولكنه مصدر مهم ومنفصل للقيمة يجب موازنته مع المصالح العامة أيضًا. دفع هذا الجمهوريين إلى ابتكار نظريات تعترف بالمصالح الفردية وتسعى إلى تحقيق التوازن بينها وبين المطالب المعيارية للسعي المشترك. كان على الليبراليين، بدءًا من هوبز، إفساح المجال للمصالح المشتركة (في الأمن الشخصي، والممتلكات، والدفاع، والأمن الاقتصادي، والخيرات البيئية، وما إلى ذلك). لا يزال  يميل الجمهوريون المعاصرون إلى مقاومة الفرض أو الوصفة الليبرالية المتمثلة في حماية الأفراد بحقوق قانونية قابلة للتنفيذ بشكل صارم، معتقدين أنهم يشكلون عائقًا أمام السعي المشترك، لكنهم قطعوا شوطًا طويلاً في إدراك قيمة المساعي الفردية أيضًا.

كان روسو وماديسون يكتبان من وجهات نظر مختلفة جدًا (لكن من منظور جمهوري بشكل واضح)، عن إمكانية تضارب المصالح الخاصة كحقيقة أولية ينبغي أن توجهنا في التفكير في أي المؤسسات يجب أن تكون لدينا وما يجب أن تفعله. دافع روسو عن جمهورية صغيرة يكون فيها تنوع التفضيل محدودًا بشكل طبيعي بحقيقة أن الناس يعيشون كجيران. كان يفضل الاحتفاظ بالسلطات التشريعية لدى الجمعية الشعبية كما في روما وفي الجمهوريات الكلاسيكية الأخرى. ورأى أن الحاجة إلى تبرير إكراه الدولة تتطلب أن يلعب المواطنون دورًا مباشرًا في سن القوانين الوضعية التي يخضعون لها، وليس تفويض هذا الاختيار لممثلين منتخبين. ووصف المؤسسات والممارسات التي من شأنها تسهيل صنع قوانين جيدة (أو على الأقل مبررة) في الجمعية التشريعية. سمح للقضاة بقدر كبير من السلطة في الوقت نفسه : كان على القضاة تقديم مقترحات تشريعية ومراقبة جدول أعمال الجمعية. وكان عليهم توجيه سياسة المدينة التابعة للتشريع. وهكذا، فإن الجمهورية التي وصفها روسو بالكاد كانت ديمقراطية ولكنها تشبه الممارسات الكلاسيكية في روما: سيكون هناك تصويت على القوانين، لكن الأقتراحات ستأتي من المسؤولين الحكوميين وأي حجج في الجمعية ستتم من منصة الجمعية، ومن قبل القضاة وليس من قبل المواطنين العاديين. علاوة على ذلك، لم يضع أي قيود حقيقية على كيفية اختيار القضاة، وبالتأكيد تصورالوراثة والتعيين والانتخاب على أنها احتمالات.

اتخذ ماديسون بشكل أساسي النهج المعاكس لإدارة المصالح المتضاربة، والذي كان يعتقد أنه لا مفر منه في أي اقتصاد سياسي حديث. لم يكن يأمل ولا يرغب في إطفاء المسعى الخاص. لقد دافع عن جمهورية كبيرة ومتنوعة يكون من الصعب تشكيل الأغلبيات فيها وغير مستقرة داخليًا، وجادل بأنه ستتم حماية الحريات في هذه الجمهورية الجديدة "المركبة" بشكل كاف ضد المطالبات العاجلة للجماعة الصغيرة المعارضة. كان يعتقد أنه في مثل هذه الحكومة ستكون هناك حدود للضرر الذي يمكن أن تحدثه أغلبية معينة. علاوة على ذلك، رأى أنه يمكن تقديم تبرير كافٍ للقواعد القسرية للأفراد دون مشاركتهم المباشرة في صنع القوانين أو حتى الانتخابات؛ في الواقع، كان قلقًا من أن المشاركة الشعبية المنتظمة في السياسة الدستورية أو العادية خطيرة بشكل عام. لذلك، كان على استعداد لإبعاد كل من القانون والسياسة عن النخب المنتخبة، والاحتفاظ بالضمان المجرد للشعب بالسيادة الشعبية. من الواضح أن وجهات نظر ماديسون أقرب بكثير إلى التفكير الليبرالي وأصبحت تبدو أقرب لأن الأمريكيين قبلوا فكرة الحماية القضائية للحقوق.

من الجيد أن نتذكر، مع ذلك، أن المعارضين لدستور ماديسون- أولئك المعروفين باسم "المناهضين للفدرالية"- كانوا جمهوريين أيضًا.[1] وافق العديد من المناهضين للفيدرالية على الحاجة إلى إصلاحات دستورية. ومع ذلك، كانوا يعتقدون أن الحكم الجمهوري - وخاصة التشريع - يجب أن يظل قريبًا من الشعب إذا كان الهدف منه تجنب الاستبداد. هذا يعني أن الأمة الجديدة يجب أن تتكون من جمهوريات كونفدرالية صغيرة، بدلاً من حكومة جديدة قوية مفروضة على الولايات. لم يصر المناهضون للفدرالية على الحكم الشعبي المباشر بالطبع، لكنهم اعتقدوا أن الانتخابات يجب أن تكون متكررة، وأنه يجب إجراؤها في دوائر انتخابية صغيرة جدًا بحيث يكون النواب مسؤولين أمام الشعب. واعتقدوا أن السلطة التنفيذية لا يجب أن توضع في رجل واحد ولكن يجب أن تكون جماعية، وأن هيئات المحلفين الشعبية يجب أن تستمر في لعب الدور الأساسي في إنفاذ القانون.

نميل إلى التفكير، في الوقت الحاضر، في هؤلاء الأشخاص على أنهم  بسطاء التفكير خسروا صراع الأفكارضد ماديسون وهاملتون. ولكن كما يجادل المؤرخ جوردون وود، وكما رأى توكفيل، فإن الأرستقراطيين الفدراليين سرعان ما خرجوا من السلطة ليحلوا محلهم شخصيات محلية أكثر شعبية وغالبًا ما تكون متشددة - رجالًا يشبهون المناهضين للفدرالية خلال المناقشات حول التصديق على الدستور.[2] لعب ماديسون نفسه دورًا مهمًا في هزيمة الفيدرالين بعد بضع سنوات من التصديق، حيث تعاون مع توماس جيفرسون لإخراج الفدراليين من مناصبهم في أول حملة انتخابية عامة. تقدمت الجوانب غير الديمقراطية للتجربة الدستورية الأمريكية بسرعة من ذلك الوقت فصاعدًا.[3]

تشير الأولوية التي يوليها الجمهوريون للصالح العام إلى أن يجب على الدستور الجمهوري أن يرتب مؤسساته الحكومية بطرق تضمن متابعة هذا الصالح بشكل آمن وموثوق، وأن يتم حل القرارات المتعلقة بالسياسات العامة والقوانينعلى أساس الاعتبارات المتعلقة للمصالح المشتركة. مرة أخرى، اختلف ماديسون وروسو حول كيفية القيام بذلك: بينما كان كلاهما مهتمًا بالحد من الضرر الذي يمكن أن تحدثه الفصائل والأحزاب للمصالح المشتركة، اعتقد ماديسون أن أفضل طريقة لتنظيم التشريع هي مشاركة ممثلين منتخبين شعبيًا في عملية تشريعية مع مجلس شيوخ أكثر نخبوية، وتوقع أن يكتشف ويصقل ويوسع الرأي العام حول المصالح المشتركة.[4] اعتقد روسو أنه من الأفضل إبقاء الجمهورية صغيرة ومتجانسة بحيث يمكن للمواطنين أنفسهم أن يقرروا ما إذا كانوا سيقبلون أو لا يقبلون المقترحات القانونية التي يطرحها القضاة ويتداولونها ضمن عملية تشريعية منظمة بشكل مناسب. كان إطاره المقترح يمثل كلاسيكية جديدة ويشبه إلى حد ما الممارسات الرومانية وربما أكثر تشابهًا مع المؤسسات الأثينية في القرن الرابع.[5]

يبدو أن كيفية تحقيق الأهداف المشتركة تعتمد على مفهوم ما للصالح العام وبعض الأفكار حول كيفية تحديدها ومتابعتها بشكل موثوق. يمكننا تخيل ثلاثة بدائل. الأول، على المرء أن يتعامل مع جوهر الخير العام؛ والثاني يتعلق بالقدرات والمهارات المناسبة للاعتراف بالصالح العام وتحقيقه؛ والثالث يتعلق بالترتيبات المؤسسية التي تجعل من المرجح أن أول اعتبارين سوف يصطفان بشكل مناسب.

رفض العديد من الجمهوريين المعاصرين بعد روسو  وجهة النظر الكلاسيكية القائلة بوجود صراع بنيوي مزمن بين الأغنياء والفقراء يجب أن ينعكس في أي ترتيب سياسي مستقر. بالنسبة لروسو، يتماشى الرفض مع فكرته القائلة بأن كل شخص لديه الإرادة العامة كجزء من مصالحه الخاصة وأن المصالح الطبقية هي مجرد تعصب فئوي وليس لها دور معتبر في التشريع. إن إضفاء الطابع المؤسسي على الصراع الاجتماعي غير مقبول على هذا النحو. أدرك ماديسون أن الطبقات، كفصائل،  وجودها حتمي في مجتمع حر، لكن اعتبرها مصدر إزعاج في الغالب، وأعتقد أنها كانت معادية لإضفاء الطابع المؤسسي عليها بالطريقة التي كان بها الرومان. على أي حال، كان يعتقد أن المؤسسات الوطنية الأمريكية ستوفر بيئة تكون فيها تلك المصالح الفئوية عاجزة إلى حد ما.[6]

 

 د. علي رسول الربيعي

...................................

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay

 هوامش

[1] كان لديهم رؤية كلاسيكية وخوف أكثر بكثير من الحكومة الوطنية الجديدة التي اقترحها ماديسون، ورأوا أنه من المحتمل أن يهيمن عليها الأرستقراطيين (الذين هيمنوا على اتفاقية فيلادلفيا) الذين سيجمدون المقاطعات.

[2] Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

[3] م، ن .

[4] Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

[5] Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (the Age of Demosthenes.

[6] يعتبر طرح روسو أصليًا وغريبًا من بعض النواحي. لقد قبل وجهة النظر الحديثة أو ما بعد هوبز بأن المجتمع يتكون من أفراد، ورفض في هذا الصدد الاعتراف بالصراعات العميقة في المجتمع. لقد اكد على ذلك من خلال الإصرار على مبدأ التعاقد من مرحلتين حيث يتعين على الناس الموافقة بالإجماع على تشكيل دولة ثم يوافقون لاحقًا، من خلال شكل من أشكال التصويت بالأغلبية، على القوانين التي ستُلزم الجميع. تتيح له هذه العملية ذات المرحلتين الافتراض أنه لا توجد انقسامات داخلية عميقة وأن الجميع يشتركون في مصالح مشتركة في القواعد المجردة التي يمكن أن تكون أساس القانون الملزم. وبمجرد قبول ذلك، تبدو وصفاته المؤسسية للتشريع مقنعة. لم يقبل معظم الجمهوريين الحديثين هذه المناورة مفضلين التعامل بطريقة أو بأخرى مع مجتمع متنوع به صراعات عميقة وربما لا يمكن التوفيق بينها.

 

محمود محمد علييبدأ لاكاتوش المحور الذي ذكرناه في نهاية المقال السابق بقوله:" دعنا أخيراً نركز إنتباهنا علي تولمن نفسه وأعلموا أن دعواي هي أن تولمن ينتمي بشدة للموروث النخبوي، بيد أن تأثير فيتجنشتين عليه ومحاولته تجنب إشكاليات فيتجنشتين يدعونا إلي القول بأن نخبوية تولمن من نوع خاص " .

ويري لاكاتوش أن تولمن  " قد ورث  برجماتيته عن فيتجنشتين، وأن الخطأ الرئيسي لكل فلاسفة العلم عند تولمن هو التركيز علي العالم الثالث فالتساؤلات المنطقية حول القضايا وقابليتها للاحتمال أو قابليتها للإثبات والتأييد  أو قابليتها للتكذيب، وليس علي تساؤلات العقلانية المتعلقة بالمهارات والأنشطة الأجتماعية – المفاهيم والنظم – وقيمتها المدفوعة –المكاسب أو الخسائر العملية التي تجلبها .

ويستطرد لاكاتوش فيقول "... بالنسبة لتولمن فالتساؤلات الاسكولائية المثمرة قد تعد نتيجة تسلسل منطقي لمجموعة من المقدمات والتساؤلات المتعلقة بالعلاقة بين القضايا – يجب أن يحل محلها تساؤلات حول ما إذا كانت أفعال المرء ملائمة في ضوء المعلومات المتاحة . والاستدلال الصحيح ليس واحدا يمكن أن تتمثل من خلاله النتيجة في علاقة " عالم ثالث" معينة للمقدمات ولا حتي واحدا لا يمكن فيه للإنسان العاقل إلا أن يؤمن بالنتيجة إلا إذا أمن بالمقدمات . بل قيام الفعل فيه علي المقدمات التي تكون ملائمة مثلاً الفعل الناجح . وطبقاً لتولمن فالمنطق ليس علم الفكر، لكنه علم فن الفكر " .

وهذا النص يوضح لنا لاكاتوش من خلاله أن تولمن في كتابه " الفهم    الإنساني "، قد بدأ بتطوير الجانب البرجماتي من فلسفة فيتجنشتين، وهو الجانب الذي يرتبط بدراسته للحجاج غير المنطقي في خمسينيات القرن العشرين، لذا نجد لاكاتوش يقول إن الاستنتاج الشرعي لا يرتكزعلي علاقة موضوعية داخل العالم الثالث بين المقدمات والنتائج.... بل يرتكز بالأحري علي مدي موائمة ونجاح الفعل المؤسس علي المقدمات .فوفقاً لتولمن هنا يشدد علي أنه  لا يكون المنطق علماً للفكر، بقدر ما يكون علم فن الفكر .

ويبرر لاكاتوش موقف تولمن في ذلك حيث يقول :" ... وبالنسبة لتولمن فإن التساؤلات حول الصدق الكذب والتأييد والتعزيز والتكذيب ...الخ، القضايا يجب أن يستعاض عنها بتساؤلات عن الكفاية والأثار العملية وقوة وقيمة بقاء المفاهيم أي المهارات . كل هذا يمثل برجماتية بسيطة وخالصة " .

من جهة أخري يري لاكاتوش كذلك أن تولمن قد حاول أن يحفف من حدة ذاتيته الواضحة باللجوء إلي النزعة التاريخية (وهي نزعة سلطوية في نهاية الأمر)، أو مفهوم دهاء العقل الهيجلي، بمعاونة الدارونية الاجتماعية، فالدارونية الاجتماعية سوف تدعم من ناحيتها فكرة عدم المساس بالألعاب اللغوية، وترك الوضع علي ما هو عليه، لأن الانتخاب الطبيعي هو الذي يحكم حركة التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخري، فإن الوصول إلي الحقيقة أو الثقة في قدرة النخبة العلمية علي الاختيار الصحيح، يحكمه دهاء العقل الهيجلي الذي يؤمن حركة التاريخ وحتي لو كان أحكام العلماء تعارض العالم الثالث، فإن الدارونية ومبدأ البقاء للأصلح بالذات، يمنعنا من التدخل في أحكامهم، ذلك أن نمو المعرفة العلمية، هو نمو حيوي وبرجماتي.

وعلي هذا النحو، يفسر تولمن نمو المعرفة العلمية : فتحقق نتائج بعض النظريات العلمية بعد وقت طويل من نشرها، هو حكم من التاريخ علي صحة النظرية العلمية، وبناء عليه، يفسر تولمن نجاح الثورة الكوبرنيقية بعد تحقق نتائجها، بعد عام 1687 ! فنسق كوبرنيقوس Copernicus  ظل يصارع بصورة داروينية، حتي كتب له البقاء في عام 1687، وذلك بمعاونة دهاء العقل الهيجلي . وكما يتعقب العالم الدارويني صفات الجماعات المتخلفة في صراع البقاء، فإن تولمن يتتبع بدوره هو الآخر صفات النخبة العلمية عبر تاريخ المعرفة العلمية، وهي الصفات التي تم انتخابها، علي مدار نمو وتطور المعرفة العلمية، مما يجعلها، هي الصفات الخاصة بتلك الكائنات البشرية النخبوية.

ويوضح لاكاتوش ذلك بالتفصيل فيقول :" إن التعارض والتغير يخلقان صعوبات للبرجماتي . فلو وجد أناس مختلفون أن مناهج تفسيرية مختلفة تمنحهم فهما، فإن البرجماتية يبدو أنها تقودنا لشكل من الذاتية والنسبوية الثقافية . وقد حل فيتجنشتين  هذه المشكلة بتأسيسه لشرطة الفكر للحد من الخوارج والمهرطقين في كل جماعة . لكن التغير المفاهيمي عند تولمن – طالما أنه ليس عنيفاً – ليس فقط ممكنا، بل أحياناً مرغوب.

وهنا يري لاكاتوش أن " هذا إختلاف تولمن الرئيسي مع فيتجنشتين، فتولمن يحل شرطة الفكر القاسية الفيتجنشتينية، لكن ليس فقط علي حساب تقديم – لا ننكر أنه ألطف –لكن بالكاد أكثر قبولاً – دهاء العقل . ودهاء العقل التولمني يعي الصراع الدارويني للبقاء علي الأقل خلال منهج علمي ملائم البناء . فتلك المتغيرات المفاهيمية التي تبقي هي الصحيحة . وحتي أساتذة العلماء لا يمكنهم قبول أي مفهوم قديم لأن دهاء الفكر يفرض عليهم قيداً خارجياً موضوعياً .وإذا قام العلماء بالشئ الخطأ فهناك ألية هيجل لتصحيح الذات ستظهر افتقارهم للحكم، لذا فعلي المدي الطويل – حقيقة إلي نهاية الأمد – فإن العقل سيسود.

كما يري لاكاتوش أن تولمن – علي عكس فيتجنشتين  المتشكك –  " فالمحتمل صحيح والبقاء الانتقائي هو معيار التقدم . والفصل الأخير في المجلد الأول من كتاب تولمن " الفهم الإنساني" بعنوان " دهاء العقل " والجملة الأخيرة يبدو كأن هيجل قد كتبها بنفسه : وشئ واحد يمكن قبوله الآن . بالنسبة لتلك " الإجراءات العقلانية" التي ألزمنا أنفسنا بها تستمر في استنفاد نفسها علي مدي التاريخ المقبل . ونفس الرأي للتجرية التاريخية التي سماها المفكرون القدامي " دهاء الفكر " سوف تعاقب علي المدي البعيد كل أولئك الذين – سواء عن علم أو عن جهل – يستمرون في اللعب طبقاً لاستراتيجيات عتيقة لا تتوائم مع مستجدات العصر .فقد طبق تولمن الدارونية الاجتماعية علي العلم :الأصلح هو من يبقي .والسؤال، ما الذي يمنح الأفكار العلمية ميزة، وكيف تفوق منافسيها ؟ يمكن طرحه باختصار في الصيغة الداروينية " ما الذي يمنحها قيمة البقاء؟ "

وهنا يؤكد لاكاتوش إن التحول في مشكلة تولمن يجعل من الفلاسفة المميزين أمثالي كثيرين . " ليس للفيلسوف أن يفرض أحكامه علي العلم. ويسترسل في القول إن " الفيلسوف لا يجب فقط أن يحلل المعايير التي تحدد ما إذا كانت المتغيرات العلمية ذات جدوي " أو " إن الراسخ في العلم هاما ثبت أنه راسخ . وما يمكن تبريره هو ما كان له مبررات ". وهكذا فالفيلسوف يجب ألا يضع معاييرا لنفسه، فهو مسموح له فقط بحليل معايير العالم . لكن ذلك بالتأكيد يحوله من فيلسوف إلي مؤرخ وصفي –وعندئذ ستكافئ الجمعية الملكية خدماته المتواضعة" .

وهنا يذكر لاكاتوش أن " المرء يعجب لم يستمر تولمن في الحديث عن فيلسوف العلم، في حين أن الفيلسوف مسموح له فقط بالتسجيل والوصف،وعلي الأكثر أن يحلل معايير العالم . إن هذا بالتأكيد عمل المؤرخ الاجتماعي . والجملة التالية هي سمة عبادة تولمن للتاريخ : إن المؤرخ لا يستطيع نقد العلماء القدامي لعدم قفزهم مباشرة لرؤي عام 1960. هل هذا يعني أننا احتحنا لعصور الظلام لننقل من أرشميدس لجاليليو ؟( إن هذه بالطبع نظرة هيجلية كاثوليكية) . وتولمن ملتزم بهذا حيث من وجهة نظره أن كل التغير داخل المجتمع العلمي – هو تقدم وسرعة التقدم الحقيق هي ضرورة سرعته " .

ويتقدم تولمن  كما يقول لاكاتوش للكشف عن  " المبادئ الحقيقية للعقل الموضوعي المعياري في مجلده الثالث مناقشاً البيئة الوصفية الخالصة للمفاهيم في المجلدين الأولين . لكن إذا كان تولمن يؤمن حقا بدهاء العقل الهيجلي، فإن مجلده الثالث لا يحتاج للكتابة . ولو كان التقدم يضمن دهاء العقل فإن وصف التغير هو وصف للتقدم ".

ويتساءل لاكاتوش لكن ماذا لو كان هناك خلاف في الوسط العلمي حول التغير المقترح ؟ وماذا عن الخلاف الطويل بين النيوتونيين والديكارتيين ؟ أو الخلاف بين أينشتين وبور ؟ واحد فقط من هذه الأحزاب سيكون علي حق  . وإجابة تولمن هي أنه في مثل هذه الحالات حيث تختلف التوجهات الاستراتيجية الجديدة وحدة التاريخ سوف يقرر . وهو هنا يأتي بالاستراتيجية التاريخية البالية : المدي البعيد . وقد إتضح للجميع في عام 1687أن كوبرنيقوس كان علي حق وأن معارضيه كانوا علي خطأ . واتضح في القرن العشرين للجميع أن النيوتونيين كانوا علي صواب فيما يتعلق بالديناميكا وأن الديكارتيين كانوا علي خطأ . ثم اتضح للجميع أن بصريات نيوتن كانت خاطئة . واليوم فقط اتضح أنه بينما نظريات نيوتن الديناميكية تمتعت بسيادة فكرة شرعية حتي عام 1880 أو بعد ذلك فإن تأثير البصريات كان بالفعل يتضاءل وبحلول عام 1800 لم تمثل سيادة البصريات أكثر من سيادة عقل عظيم علي عقول اقل . وبالرجوع إلي المبادئ والبصريات لتوضيح نظرية واحدة للتغير العلمي يجب أن ندرك أنها تعمل كنماذج مقياسية بمعان مختلفة للمصطلح . لكن هل مقدمة تولمن عن الإدراك المتأخر تحل المشكلة؟ فبرنامج البحث المنهزم ربما في مرحلة مستقبلية يستعيد مكانته . وعند تلك النقطة فحكم التاريخ سينقلب علي عقبيه . كيف لنا أن نعرف إذا كان الإدراك المتأخر متأخر كفاية؟ ويبدو أن تولمن كان لا بد أن يؤمن بأن العقلانية الحقة، تظهر فقط في المدي البعيد المنغلق، يوم القيامة حين نموت جميعاً .

ويتعجب لاكاتوش قائلاً " ... وإذا كان الأمر كذلك فإعادة بناء التاريخ مستمرة التغير . ومجلد تولمن الثالث حقيقة الذي يحتوي التقييم المطلق لا يمكن كتابته قبل فناء الجنس البشري، وذلك حتما ليس عام 1976 كما أعلن تولمن . وإذا كان تولمن يعني أنه في ضوء التكشف النهائي للعقل، يمكن للمرء أن يفسر أي أجزاء من الأفعي ( الأفعوانية أو أي شئ حلزوني) يصعد للأعلي وأيها تلتف فقط فإنه طبقا لهذه الرؤية يجب أن ينتظر المرء حتي نهاية التاريخ الإنساني . وفقط عند نهاية التاريخ – دولة هيجل البروسية – يمكن للشخص العادي أن يدرك أخيراً أي أهداف أو غايات، كان غاية في الفظاعة علي مدي التاريخ . ودهاء العقل كما اعتادوا أن يقول جورج لوكاش في أكثر أوقاته تفاؤلاً يصل قمة الجبل عن طريق الطرق الملتوية، لا عن طريق مباشر. ويمكن للمرء أن يصل لفهم حقيقي للتاريخ حقاً فقط عندما يصل للقمة . وكما أري فتولمن يتفق مع هذا : لو أخذنا علي عاتقنا أن نفهم بالضبط وبالتفصيل (مغامرة إنسانية كاملة) ... فيجب إذن أن نكون في موضع (أول) فهم ما يعنيهم (أي المعنيين بذلك المشروع أو المغامرة )، كإنجاز فكري أو تطور نظري وإلي أي مدي – في ذلك الموقف تحديداً – كان لهم المبررات في تطبيق مبادئ الحم ومعايير الاختيار التي قاموا بها . وبينما النضال الداروني بين المفاهيم يستمر فربما نشعر بالضياع في متاهة كافكا وربما نفقد القدرة علي رؤية الطريق العامة أو الغاية المحددة . لا أن العلم عقلاني من أجل هذا كله . ويمكن إدراك هذا عند النظر للوراء علي القمة التي سيكون عندها كل شئ مبرر وعقلاني لكن ذلك فقط بإدراك متأخر . فالفهم النهائي التفصيلي مثل بومة مينيرفا التي تطير بعد المغيب .

وهكذا يري لاكاتوش أنه عند نهاية التاريخ " سيتضح أي التغيرات العلمية كان تقدما علميا . لكن يبدو إذن أن تولمن لن يستطيع كتابة مجلده الثالث (أو أي تاريخ معياري للعلم) قبل نهاية التاريخ . وهو يحاول الخروج من تلك المعضلة بتقديم نموذجه النخبوي الخاص . وطبقا لتولمن فالنخبة المتميزة لديها خط ساخن لدهاء العقل . والخط ليس كاملا ولا يستطيعون التنبؤ بالمستقبل دون خطأ، لكنه جيد . فالمجلس الأعلي للقضاء، يمكن أن يخمن بشكل عقلاني " .

ثم يؤكد لاكاتوش أن " نخبوية تولمن تتطابق مع تعريفي، فطبقاً له ‘ن الأحكام المفاهيمة، من مسائل " نظام السوابق " وليس الدستور أو السوابق وليس المبادئ . وهكذا فإن هناك نخبة لديها معرفة ضمنية متحيزة تقود طرقها للقمة . وسلطة النخبة ليست ضرورية فقط في الحالات الغامضة حين تنادي بإعادة التوجيه الاستراتيجي . ولكن أيضا في المشاكل الصغيرة التكتيكية – حيث تقدم التغيرات في نفس سياق النماذج التفسيرية (وأنا أري أن هذه تتفق مع التغيرات الابداعية عندي في ذات المنهج البحثي). وحتي في مثل تلك الحالات الواضحة – فإن الاختيار بين المتغيرات المفاهيمية، يتطلب موازنة المكاسب والخسائر، ومن ثم اللجوء لإصدار الأحكام التي تنتمي لأولئك العلماء الذين يقوم موقفهم السيادي علي معدل خبرتهم ... في الوصول للمعني لسمات الطبيعة ذات الصلة .

إلا أن وجود دهاء العقل والنخبة التي تتميز بالقدرة علي الوصول لأساليبه كما يري لاكاتوش، فإن العضو في هذه النخبة يمكن أن يعطي نصيحة عقلانية دون الإفادة من الأدراك المتغير . وقد عرف جاليليو أن كوبرنيقوس كان علي حق حتي لو لم يكن هناك دليل جازم علي ذلك في ذلك الوقت . ولو كان مؤرخ العلم عضواً في هذه الصفوة ذاتها فربما يكتب أيضا بنفس الشكل التاريخ العقلاني التولمني . وحكم النخبة ليس ذاتياً طالما أنه يخضع للقيد الخارجي لدهاء العقل أو في ضوء الديكارتية البائدة فيدي الله الكريمة المعينه ترشده .

ويري لاكاتوش لو كانت النخبة قادرة علي تلمس التطور فمن المهم أن نعرف من هم الأنبياء – فلا يجب أن ننخدع بأنبياء مزيفين . وهكذا مثل كل النخبويين يميز تولمن اشخاص وجماعات وليس إنجازات . وحيث إن تولمن براجماتي، فهو يري أن العلم نشاط ومن المهم أن نعرف من يعمل بطريقة علمية ممن لا يعمل . وهكذا فإن منطق نخبويته يدفع تولمن لتبني النزعة النفسانية والاجتماعية . رغم حقيقة أن هذين المنهجين أنكرهما فريجة وهوسرل وأنصار دائر فيينا منذ زمن بعيد، إلا أن تولمن يعتنقهما بتقدير شديد،  وأوضح ما قاله تولمن عن التزامه بالنزعة النفسانية هو تقييمه لفيتجنشتين :" إن شخصية فيتجنشتين لهي تعبير عن وجهة نظر شخصية غاية في التفضيل رغم عدم اللفظ بها والمشكلة بالنسبة لخصوم فيتجنشتين اللندنيين أمثال بوبر وجيللنر كانت أنهم حكموا علي نتاج فيتجنشتين الفكري بالنظر فقط إلي كتاباته دون النظر إلي كاتبها : إن الرجل الحقيقي والفيلسوف الحقيقي (وبالتالي فلسفته) غاب عنهم وبالتالي لم يدركوه .

لكن العلم عند تولمن كما يري لاكاتوش نشاط اجتماعي كيوموني . وأكثر ما يعنيه هو تمييز الجماعات العلمية لا الشخصيات العلمية . وبذلك فهو يتبع موروث فيتجنشتين وبولاني وتوماس كون الذي يري الجماعة العلمية كمجتمع مغلق . وتولمن يعطي خمسة معايير مترابطة لأن في اصطلاحه الجديد " المشروع العقلاني" يشكل منهجا محكماً :

1- الأنشطة المعنية تتشكل حول توجه نحو مجموعة نماذج جامعة مقبولة محددة وواقعية.

2- تلك النماذج الجامعة تفرض متطلبات علي كل من يلزمون أنفسهم بالسعي المهني لأنشطة المعنية .

3- ما ينتج من مناقشات يفرض منهجية علي نتاج العقل في سياق الحجج المؤيدة ووظيفتها هي إظهار مدي الابداع المنهجي قياساً علي هذه المتطلبات الجامعة ومن ثم تطور من المفاهيم والتقنيات القائمة .

4- ومن أجل ذلك تنشأ المنتديات المهنية من خلال مناهج الإنتاج العقلي المعترف بها وتوظف لتبرير الاجماع علي المناهج الجديدة .

5- وأخيراً نفس الأفكار الجامعة تحدد معايير الكفاية باللجوء للحجج الموضوعية لتأييد تلك الابداعات .

وهنا يعلق لاكاتوش أن الصورة هنا لمجتمع دون بدائل جوهرية، حيث يستطيع المرء تطوير لا إحلال المفاهيم القائمة، وهو مجتمع تقوم عضويته علي قسم بالولاء لمناهج بعينها الالتزام بالنماذج الجامعة وحيث المنتديات المهنية وحدها يمكنها الحكم علي ما تنطوي عليه هذه المناهج للحالات الخاصة . وفي هذا المجتمع المغلق يسمح بالتقييم النقدي والتعديل فقط إذا قام بها حكام أكفاء، فالرجل العادي لا حول له ولا قوة والنخبة ذاتية الخلود .

وأخيراً ينتقد لاكاتوش نظرية تولمن في التغير والنمو العلميين في أربع نقاط رئيسية كما يلي :

1- بما أن التاريخ في تغير دائم، وأي برنامج متدهور في لحظة من لحظات التاريخ قد يصير في لحظة أخري متقدماً، والآن الحم النهائي لعقل التاريخ لا يمكن معرفته إلا في نهاية التاريخ – وهذا أمر يقره تولمن – فإن تاريخ التغيير العلمي لا يمكن كتابته في أية لحظة من لحظات التاريخ، اللهم إلا في نهاية التاريخ، وهذا أمر نابع أيضاً من نسبية فيتجنشتين والتي يقرها تولمن .

2-  وكذلك يري لاكاتوش أن الشروط التي يضعها تولمن لتمييز النخبة العلمية الأصيلة، لا تمنع إدراج جماعات أخري ضمنها، مثل جماعات اللاهوت الكلاسيكي والماركسية السوفيتية، والمعارف التي تزعم أنها علمية، بل قد تتفوق تلك الجماعات علي الجماعات العلمية، نتيجة لتقديمها تفسيرات أشمل  كما أشار بوبر من قبل في سياق نقده للتحليل النفسي والماركسية .

3- ولقد أشار لاكاتوش إلي أن فلسفة تولمن تفترض بصورة ضمنية، معياراً موضوعياً للتمييز المعرفة العلمية عما دونها من معارف أخري . ويدعم لاكاتوش حجته تلك بالتأكيد أن تولمن مضطر – علي الأقل – إلي افتراض، ولو بصورة حدسية، معيار لتمييز المعرفة العلمية . فالمرء لا يمكن أن يدرس تاريخ العلم، دون وجهة نظر معينة بصدد تعريف العلم .

4- كذلك فإن لاكاتوش يري أن نخبوية تولمن في التغيير تدعم موقفها بنماذج قليلة من تاريخ العلم، أي أنها تفتقر إلي التدعيم التاريخي المناسب بصورة تاريخية، أو ميتاميثودلوجيا Metamethodolgy. فتولمن يكتفي، بصورة رئيسية، بتحليله للثورة الكوبرنيقية، علي افتراض فشل التراث التبريري في تفسيرها . ولكن لاكاتوش يلفت نظر تولمن إلي التقدم الميثودولوجي الذي قدمته ميثودلوجيا برامج الأبحاث العلمية في تفسير الثورة الكوبرنيقية .

ويختتم لاكاتوش ورقته عن فهم تولمن بقوله :" وأنا اتفق مع تولمن في أنه لا معيار تميزي مطلق وأنا أقبل باحتمالية خطأ المعايير التمييزية، كما أقبل بها في النظريات العلمية . فكلاهما خاضع لمنهج وقد وضعت معاييرا ليس للحكم علي منهج علمي بأنه أفضل من أخر . ولكنني لا أستبعد استنتاج فيتجنشتين من احتمالية خطأ الفروض باستبعادها . أنا لا أخشي : أنا لا أنتقل من الفروض الواضحة للمهارات غير الواضحة للحكم علي العلم أو العمل به . إذا فعل ذلك هو الدخول ببرجماتية جديدة من الباب الخلفي للتبرير بمساعدة دهاء العقلي الهيجلي . أنا أريد توضيح ذلك في العلم وفلسفة العلم، حيث يمكن للمنطق بعين النقد وأن يساعد علي تقييم نمو المعرفة وتطوير تولمن للفهم الإنساني لا علاقة له بالمنطق حيث إن المنطق جزء من الفرض الأفلاطوني الذي يدينه بشدة .  وذلك لإيماني بأنه دون منطق استدلالي لن يكون هناك منطق استدلالي لن يكون هناك نقدا حقيقياً ولا تقييماً للتطور . لذا فأنا اتمسك بالنقد البوبري قديم الطراز ونمو المعرفة ولا أستطيع الاقتناع بالتولمانية أو استبدال ذلك بالفهم الإنساني التولماني – إنه غير ناقد بالنسبة لعقلي ومتشابك ومتشوش .

هذا هو النقد الذي قدمة لاكاتوش للعقلانية العلمية عند تولمن، وقبل أن أقيم هذا النقد، أود أن أؤكد من خلال قرائتي لنقد لاكاتوش أنه يكن يهدف إلي نقد تولمن بقدر ما كان يهدف إلي هدم النزعة الذاتية – النخبوية بزعامة فيتجنشتين، فجاء نقده لتولمن ذريعة لذلك، ويمكن البرهنة علي ذلك  من خلال بعض الباحثين الذين أكدوا هذا الرأي :-

1- أن الورقة التي كتبها لاكاتوش والتي تسمي " فهم تولمن " أكد معظم الباحثين أن لاكاتوش لم ينشرها أثناء حياته، بل نشرها الأستاذان جون ورال وجريجوري كوري John  Worrall and Gregory Currie في المجلد الثاني من أوراق لاكاتوش الفلسفية والتي حرراها معا . وللأسف الشديد هما قد نشرا تلك الورقة علي جزئين مستقلين : الأول باسم " مشكلة تقييم النظريات العلمية : ثلاث مقاربات The problem of appraising theories :three approaches أما الجزء الثاني أو الورقة الثانية فلقد مشرها في المجلد نفسه تحت عنوان " فهم تولمن" .

2- إن تقسيم تلك الورقة علي جزئين قد ضلل العديد من قراء لاكاتوش، فهذه الواقعة لم تسمح لهم بمتابعة تطور فكر لاكاتوش الميثودلوجي .

3- أن لاكاتوش بشهادة بعض الباحثين قد قام بمراجعة ورقة التقييم " ( التي تتضمن معظم نقد لاكاتوش للنزعة الذاتية –النخبوية ) حوالي أربع مرات، وهو في كل مرة لم يكن راضيا عن التعديلات التي يقوم بها، لدرجة أنه لم ينشر تلك الورقة في حياته علي الأطلاق، أما من نشرها فهما محررا أوراق لاكاتوش "جون ورال وجريجوري كوري "، وهما قد نشر آخر تحوير قام به لاكاتوش لتلك الورقة .

يقول محررا تلك الورقة عنها " إن تلك النسخة التي بين يدي القارئ هي الأطول والأخيرة  ومع ذلك فهي ليست تامة بصورة نهائية . فلقد ظل لاكاتوش غير راضي عن بعض جوانبها . فهو قد أراد أن يضع عمل تولمن في سياقه العام من تاريخ مشاكل الابستمولوجيا . وعلي العكس من ذلك، فإن تاريخ تلك المشاكل هو الذي استحوذ علي معظم المخطوطة الرابعة من العمل الحالي، وهو الأمر الذي لم يرضي لاكاتوش عنه، لأنه لا يلائم مراجعة نص عمل تولمن ".

4- تثير ملحوظة المحررين أنتباه دارسي لا كاتوس الجاد، وتضعه إما في موقف الرفض أو القبول لها،ووفقا لقراءة مشروع لاكاتوش الميثودلوجي، لذا لا بد من التعليق النقدي عليها مع بعض الباحثين :

أ- نوافق المحررين علي أن لاكاتوش غير راضي عن تلك الورقة، وإلا لماذا لم ينشرها !

ب- كذلك نواقفهم علي رغبة لاكاتوش في وضع عمل تولمن في سياقه العام، فتلك طريقة لاكاتوش في قراءة أفكار الفلاسفة، يضعها في سياقها من تاريخ الفكر .

ج- إلا أننا نختلف مع المحررين في سبب عدم رضا لاكاتوش عن تلك الورقة فالسبب لايعود إلي عدم الموائمة الكمية بين دراسة سياق مشكلة تولمن جهة ودراسة عمل تولمن نفسه من جهة أخري، كما أراد أن يثبت المحرران ذلك، بل إلي عدم تطبيق الميتاميثودلوجيا كما ينبغي علي الذاتية النخبوية .بمعني أن لاكاتوش كان علي دراية أن نقده الميتاميثودلوجيا للذاتية النخبوية هو نقد قاصر بصورة رئيسية .

وبالتالي فإن ورقة التقييم لا تهدف إلي نقد تولمن بصورة رئيسية، بقدر ما تهدف إلي نقد الأساس الذاتي للنخبوية، فلاكاتوش يتخذ من مناسبة كتابة نقد لعمل تولمن فرصة لتقديم هذا النقد . وبناء عليه، يكون تولمن هو مقوم من مقومات " ورقة التقييم "، أي  أنه حالة يجب نقدها نتيجة لنقد الأساس الذاتي- للنخبوية، وأعني فيتجنشتين، فنقد فيتجنشتين يتعادل ونقد تولمن في الكم والمحتوي .

ومن ناحية أخري، فإن لاكاتوش يقرر أن فهم تولمن هو فهم لفيتجنشتين بصورة أولية . وعلي ذلك يقول لاكاتوش "إن الفهم التولمني .... هو مصطلح فيتجنشتيني تقني ". ومع ذلك فإن هذه الورقة المنشورة لم تقدم عمل النخبوية علي أنه برنامج بحث ميثودلوجي، يشكل عمل فيتجنشتين نواته الصلبة، أما عمل تلامذته ومنهم تولمن فيشكل الحزام الواقي لذلك البرنامج، كما رأينا من تعديل تولمن لبعض نقاط الضعف الفيتجنشتينية . ويبدو أن الكشفيات الإيجابية لهذا البرنامج، تقوم علي تأكيد حقيقة أن الفلسفة ليس لها دور اللهم إلا محو دورها، واستعادة الصحة العقلية للمتفلسفة، بواسطة عمليات التحليل اللغوي . مرة أخري نكرر أن لاكاتوش لم يضع النقد علي تلك الهينة، ولكنه إعادة بناء لنقده، نزعم أنه كان يريده أن يكون علي هذا النحو . ومهما يكن من أمر فسوف نتابع رد تولمن علي انتقادات لاكاتوش .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علييري بعض أساتذتنا المعاصرين، أن مساهمة فيتجنشتين في الفلسفة تشكل تدبذباً بين آراء "رسل (1872-1970) "وآراء" جورج مور G. Moor ( 1873-1958)، فهو يبدأ في المرحلة المتقدمة علي أساس من أراء رسل، وينتهي في آرائه المتأخرة مناصراً لمور . فنظريته عن اللغة كما وصفها في " رسالة منطقية فلسفية" تقوم علي أساس التحليل الميتافيزيقي الذي وضعه رسل . أما فلسفته المتأخرة كما بدت في كتاباته ؛ وبالذات كتابه " بحوث فلسفية " فهي تبتعد عن نظريته الأولي التي وضعها في " الرسالة "، لأن هذه النظرية الأولي كانت تستلزم نسقا ميتافيزيقياً، فرفضها، ورجع أساساً إلي موقف " مور " . وباختصار، فقد كان في الطور الأول "رسليا" مع حبكة لغوية، أما في الطور الثاني فقد كان "مور" معبراً عنه في حدود لغوية .

ولقد توصل فيتجنشتين في آرائه المتأخرة إلي الاعتقاد بأن طريقة توضيح المشكلات الفلسفية لا يتحقق بترجمتها إلي اللغة الصورية، بل بالأحري، بالإشارة إلي أن الإرباك الفلسفي لا بد من إظهار الاستخدام الصحيح للمفاهيم الأساسية التي تشكل الحديث في الفلسفة، وتوضح الطريقة التي يمكن أن تجعل استخدام الفيلسوف لهذه المفاهيم استخداماً خاطئا .

لهذا بدأ فيتجنشتين بتصوير الملامح الفعلية للحديث اليومي خلال منهج معروف اليوم بأسم " ألعاب اللغة Games – Language ؛ حيث يشبه فيتجشتين اللغة في هذه الحالة باللعبة – أو هي لعبة بالفعل – نستخدم فيها الألفاظ، كما نحرك البيدق مثلا في لعبة الشطرنج، إلا أن الإنسان أثناء لعبة الشطرنج لا يكون حرا في تحرك البيدق حسبما يريد، بل يحركه وفقا لقواعد اللعبة التي تسمح بتحريكه علي نحو معين وتسمح بتحريك قطعة أخري من قطع الشطرنج علي نحو آخر.

وهذا ينطبق علي اللغة، فنحن نستخدم الألفاظ وفقا لقواعد معينة، وقد أوضح فيتجنشتين هنا كيف تستخدم اللغة في استعمالها العادي من قبل المتكلمين العاديين بها، وكيف يمكن أن يؤدي التوسع في هذا الاستعمال إلي صعوبات فلسفية . وعلي ذلك، فإنه بدلاً من محاولة اكتشاف معني مفاهيم معينة خلال التحليل بالمعني الذي استخدمه رسل، تكون مهمة الفيلسوف هي توضيح مغزي هذه المفاهيم بالإشارة إلي الطريقة التي تستخدم بها في الواقع . لهذا قيل أن فيتجنشتين كان مسئولاً عن ذلك القول المشهور المميز لنشاط فلاسفة اللغة العادية : " لا تسأل عن المعني، بل اسأل عن الاستعمال ".

ومن ثم فإن كافة الاصطلاحات والمفاهيم والقواعد والتعبيرات اللغوية ... لا تصبح كذلك، إلا لأنها " ألعاب – لغوية "، يقتضي فهمها وممارستها معايشة نفسية واجتماعية للمجتمع الذي يمارسها ويستعملها، وهو الأمر الذي الذي يتجاهله الفلاسفة المرضي – من وجهة نظر فيتجنشتين – لذا فهم يبتدعون الفلسفة وفلسفة العلم واحدة من تلك البدع .

وهنا نصل إلي نقطة هامة وهي نظرة فيتجنشتين إلي الفلسفة بوصفها نشاطا علاجيا، فليس من شأن الفلسفة أن تبحث عن إجابات من نوع خاص لتقدم تفسيراً لنوع خاص عن" الوقائع " التي لا تفسرها العلوم الوصفية . فليس هناك شئ من قبيل المسائل الفلسفية أو المشكلات الفلسفية من حيث هي كذلك، فما يبدو لنا مسائل فلسفية أو مشكلات فلسفية إنما هو أمر ناتج عن سوء فهمنا لـ" منطق  لغتنا " . ولا بد أن ينظر المرء إلي الشخص الذي تقلقه مشكلة فلسفية علي أنه شخص يعاني من نوع التصلب العقلي أو يعاني من عقدة نفسية راسخة تسيطر علي فكرة نمط لغوي معين . وحين يتكشف له مصدر هذه العقدة أو السيطرة عن طريق التحليل، وحين يدرك المريض ذلك الأمر، ويعرف طبيعته فإنه يتوقف عن الرغبة في الحديث "لغوا" ولا يعود راغباً في وضع أسئلة لا يمكن أن تكون لها إجابة، وتكون إجابة المرء علي الأسئلة الفلسفية ببيان أنها ما كان يجب أن تثار.

وهكذا يتمتع الفيلسوف الجيد، عن أن يضع أسئلة ليست لها إجابة أو يثير مشكلة لا حل لها، إذ ينبغي أن تكون معالجة الفيلسوف لمشكلة ما شبيهة بمعالجة المريض أو كما يقول مرة أخري ما غرضك من الفلسفة ؟ - هو أن تبين للذبابة الطريق الذي يخرجها من الزجاجة .

ويري بعض الباحثين أن فلسفة فيتجنشتين تشكل نقداً عنيفاً للمدرسة التبريرية التي يرتكز عليها فكر لاكاتوش، فرفض فلسفة العلم هو رفض لمشكلة التقييم، والتأكيد علي أن العلم والمعرفة العلمية يقتصران فهمها علي الجماعة العلمية وحدها . ولا عجب أن فيتجنشتين يستنفد صفحات طويلة من كتابة " بحوث فلسفية " من أجل نقد فكرة بناء لغة شخصية . ذلك أن الإيمان بوجود تلك اللغة يعني الموافقة علي شرعية التبريرية، سواء في اللغات الصورية التي حاولت بناءها في الربع الأول من القرن العشرين، مثل لغة التركيب المنطقي عند " كارناب " أو حتي في لغة بعدية للعلم تميزه عما دونه من معارف مثلما فعل " بوبر" و" لاكاتوش " .

وبالتالي فإن نقد لاكاتوش لنخبوية فيتجنشتين هنا سيتمحور حول تأكيد تدعيم فيتجنشتين للنزعة النسبية ومن ثم السلطوية . والحقيقة أن نقد فلسفة فيتجنشتين بالذات ذو أهمية بالغة، إذ أن فلسفته كانت بمثابة النواة الصلبة لكثير من الفلسفات النسبوية، وعلي راسها فلسفة " توماس كون "و "بول فيرآبند " و "ستيفن تولمن " . ومن أجل نقد فلسفة فيتجنشتين، فإن لاكاتوش ينتقي مجموعة من المفاهيم الرئيسية في فلسفة فيتجنشتين والتي تعد مقومات رئيسية لفلسفته، ولا يتم فهمها أو بناءها إلا بها، مبينا مدي ضررها علي البحث العلمي . ويمكن أن نعد تلك المفاهيم النواة الصلبة للبرنامج النخبوي، وهذه المفاهيم هي :

- اللعبة اللغوية

- المفهوم

- الفهم

- الأسئلة الحدية

يري لاكاتوش أن مفهوم فيتجنشتين عن " اللعبة – اللغوية " يربط فلسفة فيتجنشتين المتأخرة بفلسفة فيتجنشتين المبكرة، ذلك أن كليهما نخبوي سلطوي . فلقد أكد فيتجنشتين المبكر أننا ننظر للعالم من خلال إطارنا المفاهيمي، الذي يتم التعبير عنه بواسطة اللغة، وهو الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلي فلسفته المتأخرة أو مفهومه عن " اللعبة – اللغوية" . فمجمل الألعاب اللغوية التي يتعلمها تشكل رؤيته ووجوده في العالم، لذا فهي عبارة عن مهارات اجتماعية يلزم تعلمها لتأطير العالم أو لفهم تأطير جماعة معينة للعالم . وعلي هذا النحو تصبح المفاهيم، بما فيها المفاهيم العلمية، مجرد " ألعاب – لغوية "، أي مهارات وتقاليد علمية تتوارثها الجماعات العلمية وحدها .

وبناء عليه تصبح فلسفة العلم جزءً من علوم الإنسان التي تدرس " المهارات " اللغوية - الاجتماعية " لدي جماعة العلماء . فالأسئلة العميقة بخصوص فعاليات الحياة العلمية الحقيقية يجب أن تسبق الأسئلة المصطنعة التي هي أشبه بالظلال، بخصوص صدق أو كذب القضايا .

وعلي هذا الأساس يقوم تحليل لاكاتوش لإدراك فيتجنشتين وتولمن للفهم العلمي . فالفهم العلمي، كغيره من الفيتجنشتينية هو فهم لتقاليد و" عادات اجتماعية – لغوية " علمية، دون الحاجة إلي فهم الأسس الموضوعية والعقلانية لهذه التقاليد والعادات، ذلك أن بعض الشكوك مصرح بها، لكن الشكوك الأخري بصدد الأسس تبين أن الشخص الشاك لا يفهم اللعبة، بل وغير قادر علي تعلمها، وقد يصل الأمر إلي إعتباره مشوش الذهن .

وهكذا يبدأ الارتباط الواضح بين فلسفة فيتجنشتين من جهة، والسلطوية من جهة أخري في الظهور الصريح . إن المرء أو العالم لا يمكنه أن يوافق أو لا يوافق بل إما أن يفهم أو لا بفهم، وفي الحالة الأخيرة يبدأ في الشك ومحاولة التغيير . ومن هنا يتم نبذه خارج الجماعة العلمية بواسطة تلك الأخيرة . هذا الوضع يطلق عليه لاكاتوش " شرطة الفكر " .

يأتي الآن دور الأسئلة الحدية : إن الأسئلة الحدية في فلسفة فيتجنشتين، هي الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها من داخل أطر الجماعة اللغوية، ويدل سؤالها علي عدم فهم قواعد " الألعاب – اللغوية " للجماعة المعنية .

ويؤكد لاكاتوش الدور السلطوي الهام الذي تلعبه الأسئلة الحدية، فبواسطتها يرفض أصحاب السلطة أو النخبة العلمية الإجابة علي الانتقادات التي توجه إليهم، علي اعتبار أنها استفسارات عن أسئلة مشروعة أو لا قياسة. وهكذا يمنح فيتجنشتين الأداة اللازمة لأصحاب النزعة الذاتية، من أجل أن يرفضوا الأسئلة الموضوعية، مثل ما العلم؟، وما معايير قبول أو رفض النظريات العلمية، علي اعتبار أنها أسئلة حدية تعبر عن عدم فهم لعبة العلم.

وينتهي لاكاتوش من تحليله للأسئلة الحدية لدي فيتجنشتين، إلي التأكيد أن عقلانية المعرفة العلمية ستصبح عقلانية جماعة معينة، وليست عقلانية تاريخية موضوعية في العالم الثالث، يقول لاكاتوش :" إن العقلانية تتباين من قبيلة إلي أخري، ومن لعبة لغوية إلي لعبة لغوية أخري، ومن مجتمع إلي مجتمع إلي آخر، والمجتمعات متعدد ... بل في المجتمع الواحد هناك ألعاب لغوية متنوعة، ألعاب تظهر تباين مفاهيمي، علي حد وصف تولمن، ففي المجتمع الغربي، علي سبيل المثال، هناك لغة أخلاقية ولغة علمية ولغة تجارية ولغة دينية إلي آخره .

وليس معني نص الفقرة السابقة كما يري بعض الباحثين، أن لاكاتوش يرفض وجود تنوع اللغات، فهو أمر تثبته التجربة، ولكنه يرفض الوقوف عند حد تأكيدها وعدم الصعود منها إلي اللغة الموضوعية، لغة العالم الثالث . فإذا كانت لغات فيتجنشتين لا قياسية، فإن لغة العام الثالث هي علي النقيض لغة قياسية . وعلي أية حال فإن عقلانية فيتجنشتين تؤدي إلي العزلة السيمانطقية للجماعات اللغوية بين بعضها البعض بصورة رئيسية، ومن ضمنها الجماعات العلمية سواء في الحاضر أو الماضي . فكل جماعة لغوية سيكون لها قواعدها المستقلة التي تتصارع وتتنافر وتتعاند مع قواعد الجماعات المختلفة، بصورة لا تقبل التصالح.

ويبدو أن شرطة الفكر سوف تمنع فيتجنشتين من تفسير التغير، وأوله التغير العلمي . والحقيقة اتي لا حظها لاكاتوش، هي أنه نتيجة لنخبوية وسلطوية فيتجنشتين، فهو نفسه سيدعو إلي رفض التغير، فهو ضد الحرب بصورة متعصبة، ونتيجة لهذا فهو يدعم نسبيته الثقافية بالعنصر التقييمي العلاجي والسلطوي . فحين يتوقف الفيلسوف عن بناء لغته الموضوعية الخالصة، والتي تثير حروب الألعاب اللغوية ستتخلص الفلسفة من مشاكل عقيمة وعلي رأسها مشكلة الاستقراء . وهكذا فإن فيتجنشتين لا يرفض العالم الثالث فحسب، بل يحول اشكالياته بدورها إلي اشكاليات ذاتية (بناء لغة خاصة)، منتهيا إلي عدم القدرة علي تفسير التغير العلمي بصورة موضوعية، وبذلك يقدم الأسس الفلسفي للاقياسية المعرفة العلمية لدي توماس كون وفيرآبند أو الفلسفات النخبوية – الشكية علي وجه العموم .

ولا شك أن النقد الذي يوجه لاكاتوش إلي فيتجنشتين يعود إلي أمرين، الأول، السلطوية، والثاني، عدم القدرة علي تفسير التغير العلمي ويبدو الأمر الأول وكانه معلق في الهواء ! فأين نقد لاكاتوش للسلطوية ؟ وما هي مبررات رفضها؟ وخصوصاً وأن النواة الصلبة في برامج الأبحاث العلمية، يمكن أن ينظر إليها علي أنها مكون سلطوي في فلسفته ! سنترك الإجابة علي هذا التساؤل فيما بعد حين تكتمل رؤيتنا لنقد لاكاتوش للنخبوية لدي تولمن . أما الأمر الثاني، فتبدو أكثر قبولاً ففلسفة فيتجنشتين تتجاهل بالفعل التغير المفاهيمي وهو الأمر الذي حاول تولمن تداركه، عندما تجاوز شرطة الفكر الفيتجنشتينية التي تمنع التغير المفاهيمي، وهو التغير المشاهد بالعيان، لذا فأفكاره ستشكل الحزام الواقي، الذي سيحاول الدفاع عن النواة الصلبة للبرنامج الذاتي – النخبوي لدي فيتجنشتين، وذلك بتعديل آليات الشرطة، أو نبذها علي أقصي تقدير.

إن تولمن كما يري لاكاتوش يرفض بصراحة مشاكل العالم الثالث علي اعتبار أنها مشاكل ميثودلوجية، وبالتالي فإن فلسفة لدي تولمن تعول وتحلل علي ما يدور بالفعل داخل الممارسة العلمية،وذلك من خلال تحليل الممارسة اللغوية العلمية الفعلية، وكذلك دراسة أنواع الحجج التي لا يمكن أن يعبر عنها المنطق التقليدي أو المنطق الرياضي المعاصر، وبعيدا عن ماهية تلك الحجج، فإن رفض تولمن للمنطق، لا يعني إلا الارتماء في أحضان النزعة الذاتية أو السيكولوجية، تدعيماً لمواقفه النخبوي . ومرة أخري بعيداً عن تلك الحجج التي حاول دراستها في خمسينيات القرن العشرين، فلقد حاول تولمن في " الفهم الإنساني " أن يفسر التغير المفاهيمي وضمنه التغير العلمي، هادفاً تجاوز القصور الميثودولوجي في فلسفة فيتجنشتين، والذي أدي إليه عدم القدرة علي تفسير التغيير العلمي بسبب شرطة الفكر ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعييُعتقد أن النظرية السياسية للجمهورية لها تأثيرات ذات سمة مميزة على القانون وخاصة بالنسبة للمؤسسات والممارسات الدستورية. من المفترض أن تسعى الجمهورية إلى تحقيق المصالح المشتركة لمواطنيها، ولهذا السبب عارض الجمهوريون حكم  مجموعات ضيقة مثل الملكية أو الأوليغارشية، والتي من شأنها أن تميل إلى متابعة أهداف أضيق.[1]عارض الجمهوريون الديمقراطية في أوقات سابقة، وخاصة الديمقراطية المباشرة من النوع الذي تمارسه في أثينا - على أساس أن الأغلبية هي شكل من أشكال الحكم الاستبدادي أو الخارج عن القانون.[2] كما يميل الجمهوريون أيضًا إلى التشكيك في الليبرالية بسبب تركيزها على المصالح الخاصة بدلاً من المشاريع العامة وإهمالها للواجبات والمصالح المشتركة أو العامة. لكن يجادل كثير من الجمهوريين، في الوقت الحاضر، بأن الجمهورية تتطلب التزامًا بأنواع معينة من المؤسسات "الديمقراطية" والممارسات التداولية، ويرون أن بعض أشكال الديمقراطية تتفق مع ضمان حماية ليبرالية قوية للحرية الفردية.

يقول فيليب بيتيت، على سبيل المثال، أن القانون، رغم أنه يجبر ويكره، الاً أنه يمكن أن يكون محررًا للأفراد عن طريق الحد من هيمنة البعض على الآخرين، ويمكن أن يزيد مقدار الحرية التي يتمتع بها الأفراد في المجتمع. علاوة على ذلك، يجادل بأنه يمكن ترتيب النظام القانوني دستوريًا، بحيث يحد من هيمنة المسؤولين الحكوميين مع السماح له بالسلطة والغرض الكافيين لمنع الجهات الفاعلة من السيطرة على الآخرين. يفضل الجمهوريين الحكم بالقانون بدلاً من المرسوم وإذا تم استخدام المراسيم، فيجب أن تنظم بقانون لأن ذلك يوفر طريقة للحد من الهيمنة، طبقاً لبيتيت. يجادل بيتيت أيضًا بأن البنية السياسية للجمهورية سيكون لها العديد من الجوانب الديمقراطية التي تجسد  بطرق مختلفة، مبدأً "التنافس" الذي يضمن أن السياسات العامة حساسة لآراء المواطنين (وليس مصالحهم فقط). تبدو آراء بيتيت المميزة للغاية من نواحٍ عديدة، نموذجية للنزعة الجمهورية الحديثة في افتراض أن الجمهورية والليبرالية والديمقراطية متوافقة أساسًا.[3]

اعتقد المفكرون الحديثون، في وقت سابق، أن القانون سوف يعزز خاصة إذا كانت القوانين جيدة كما يجب  من الناحية الموضوعية أو الصحيحة. اعتقد روسو أن القانون يمكن أن يزيد من حرية المواطنين، إذا سن من قبل الناس أنفسهم باستعمال الإجراءات المناسبة. بينما لم يستعمل روسو لغة عدم الهيمنة الأ أنه جادل بأن الأشخاص الذين يعيشون تحت قوانين خاصة بهم لن يتنازلوا عن أيً  حرية أساسية لهم لأنهم سيحكمون ذاتياً: لن تعبر القوانين التي تعكس الإرادة العامة عن أوامر غريبة  لأنها تجسد مصلحة كل شخص، وهكذا، فإن الأمر بموجب القانون هو أمرًا ذاتيًا، أيً ناتج عن إرادة هؤلاء الأشخاص. يمثل كلاً من روسو وبيتيت رغم أختلاف وجهات نظرهم اختلافًا كبيرًا في العديد من النواحي  جانبًا رئيسيًا من سمات الجمهورية الحديثة، من حيث أن القانون والمؤسسات القانونية لها ما يبررها فيما يتعلق بالحفاظ على الحرية الفردية أو تعزيزها بغرض تحقيق القيمم على المستوى للفرد.[4]

أفترض أن السمة الرئيسية للحكومة الجمهورية هي التزامها بمتابعة المصلحة العامة- المصلحة المشتركة لمواطنيها. يلزم هذا الجمهوريين بمشروعين. أولاً، بشكل إيجابي، أنهم ملتزمون بالحاجة إلى تمكين حكومة "شعبية"- تأتي فيها السلطة من المواطنين للحكم نيابة عنهم - قادرة على متابعة مصالحهم المشتركة بشكل فعال. ثانياً، يحتاج الجمهوريون إلى الحد من مختلف أنواع الفساد التي يمكن أن تتداخل مع السعي لتحقيق المصالح المشتركة، والحد من الإغراءات والفرص المتاحة للمسؤولين والمواطنين لوضع الاهتمامات والمصالح الخاصة  على الاهتمامات والمصالح العامة. لذلك، أراد الجمهوريون عمومًا أن تكون الحكومة قوية وذات كفاءة بينما يتم كبح جماحها من استبداد مواطنيها.

لقد أيد الجمهوريون العديد من أنواع مختلفة من المؤسسات لتحقيق هذه الغايات: استخدام الانتخابات لشغل المناصب العليا، وقيود المدة لكبار المسؤولين، إلى جانب السيطرة الشعبية على عملية صنع القوانين، وفي بعض الأحيان السلطة التنفيذية الجماعية أو الجماعية. ويعتقد أن كل هذه الممارسات تشجع على اختيار المسؤولين الأكفاء مع فرض قيود على قدرتهم على إساءة استخدام المناصب العامة. دعا الجمهوريون الآخرون إلى سلطة تنفيذية قوية وموحدة، وسن القوانين في المجالس المنتخبة، وسياسة دستورية لفصل بعض السلطات الحكومية عن الأخرى - مثل فصل السلطات القضائية والتشريعية، على سبيل المثال، باعتبارها منفصلة عن السلطة التنفيذية – وبناء  آليات، ولاسيما التوزيع الواسع لصلاحيات الفيتو، لتحقيق الاستقرار أو حماية الفصل بين السلطات. وقد طالب العديد من الجمهوريين أيضًا بتأسيس هيئة استشارية أو تداولية تقع في مكان ما في الحكومة - كمستشار للسلطة التنفيذية أحيانًا أو كنوع من السلطة التنفيذية الجماعية، وأحيانًا كهيئة تشريعية - لإعطاء نوع من الاستقرار أو العقلانية لـ القوانين.

لقد جادل بعض الجمهوريين بأن يجب ألا ينص الدستور على حماية صارمة وقابلة للتنفيذ قضائياً لحقوق موضوعية محددة، لأن يجب أن يكون أي حق خاص غير قابل للتنفيذ في ضوء السعي لتحقيق الأغراض العامة. لا يعني هذا أن الجمهوريين غير مهتمين بالحقوق؛ لكنهم يشككون في إمكانية ضمان الحقوق بشكل فعال من خلال الحماية القانونية الصارمة. يعتقد الكثيرون أن الحقوق الجوهرية ستكون محمية بشكل مناسب في نظام دستوري جيد، وإن الدستور بحد ذاته هو ميثاق حقوق أو شرعة للحقوق. ومع ذلك، فقد دعم الجمهوريون منذ الرومان في كثير من الأحيان بعض الحقوق الإجرائية المحددة لتقييد المسؤولين عن الاعتقالات التعسفية والاحتجاز والإعدام والتي تتطلب محاكمات منظمة قانونًا.[5]

تبني المجتمع الحديث تقسيم وظيفي للسلطات. فعادة ما يتم تفويض السلطات التشريعية إلى المجالس المنتخبة؛ الهيئة الاستشارية جزء من الهيئة التشريعية؛ السلطة التنفيذية موحدة. وربما الأهم من ذلك، أنيكون  القضاء مستقلاً عن الأجزاء الأخرى من الحكومة، ومن المفترض أن يمنح كل مواطن مكانا محايدًا للطعن في تطبيقات القانون. وبعبارة أخرى، لم يعد هناك "اعتراف" دستوري بمصلحة شعبية مقابل مصلحة أرستقراطية. الأفراد فقط، كمواطنين غير متمايزين، لهم وضع دستوري. إن الطريقة الرئيسة التي يتعامل بها الأفراد مع الدولة هي من خلال أوامرها القسرية، وكما جادل مونتيسكيو، فإن هذا يجعل المحاكم عنصرًا مركزيًا في الحفاظ على قاعدة غير استبدادية.[6] يمكن للمرء أن يجادل بأن إجراءات المحكمة تتضمن جانب ديمقراطي أساسي، على الأقل إذا كانت أبواب المحكمة مفتوحة حقًا لأي شخص. في المحكمة يكون للشخص فرصة الإصرار على اعتراف الدولة بحقوقه الخاصة كشخص اعتباري وتبرير ادعاءاتها. ويكون لدى الشخص في المحاكم، إلى الحد الذي يتم فيه الحكم على القضية بنزاهة، بعض الاحتمالات للمشاركة في الحكم. بالطبع، لا يتحدى معظم الناس الإكراهات التي يخضعون لها، وعادة ما يصعب على الفقراء الوصول إلى المحاكم. لكن وجود قضاء محايد هو دافع قوي للجهات الحكومية للتفكير في تأثير القوانين على الفراد، وتعديل القواعد القانونية المقترحة في ضوء ذلك.

يعتقد الجمهوريون الحديثون أن الأفراد وليس الطبقات الاجتماعية هم الذين يجب إعطاؤهم الأولوية. تقود الأنطولوجيا الفردية الجمهوريين إلى تقديم وصفات أو افتراضات مؤسسية مماثلة تقريبًا للنظريات الليبرالية وهذا ما قد يفسر الجدل حول كيفية فهم بعض طروحاتهم. لنأخذ، على سبيل المثال، الجدل حول ما إذا كان يمكن فهم جيمس ماديسون (أو لوك، أو كانط، أو مونتسكيو في هذا الشأن) وإلى أي مدى يمكن فهمه على أنه مفكر جمهوري أم مفكر ليبرالي.

تعتمد الوصفات المؤسساتية الجمهورية على طبيعة الصالح العام المؤكد في النظرية الجمهورية المعينة - المصدر الرئيسي للتوجيه المعياري للمواطنين والمسؤولين- وفي هذا الصدد لا تُنسب حقًا إلى الجمهورية نفسها. أنا أزعم أن المفهوم الجمهوري للصالح العام يعتمد جزئيًا على الأقل على ما يُنظر إليه على أنه أكبر خطر أو يهديد للجمهورية. وهل هذا الخطر هو الغزو؟ أو فساد النخب أو العامة؟ أم هو تهديد الشعبوية أو حكم الغوغاء، أو تآكل الروح العامة والاستعداد للتضحية؟ نظرًا لاختلاف الجمهوريين اختلافًا كبيرًا في مخاوفهم وبالتالي في مفاهيمهم عن الصالح العام، يتوقع المرء منهم أن يحثوا على اختلاف أنواع المؤسسات القادرة على النهوض بمفهوم معين وتكون قوية ضد أنواع الفساد التي قد تتعرض لها. في الواقع، اعتمادًا على مفهوم المصالح المشتركة، يمكن للأفتراضات الجمهورية أن تقترب أو تحيد عن الليبرالية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

للمزيد من المصادر التي تتصل بالدراسة أنظر:

Ferejohn, Constitutional Culture and Democratic Rule Cambridge University Press; 2001.

Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in (he Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

Madison, J., A. Hamilton and J. Jay (1987). The Federalist Papers. Harmondsworth: Penguin.

Millar, F. (1998). The Crowd in Rome in the Late Republic. Ann Arbor: University of Michigan Press.

Nippel, W. (1995). Public Order in Ancient Rome. Cambridge: Cambridge University Press.

Pettit, P. (1997). Republicanism. Oxford: Oxford University Press.

Rousseau, J.J. (1997). The Social Contract and Other Later Political Writings. Cambridge: Cambridge University Press.

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

Sunstein, C. (1985). ;'interest Groups in American Public Law." Stanford Law Review 38: 29-87.

Sunstein, C. (2009). "The Enlarged Republic -Then and Now." New York Review of Books 56 (March 28-April 8): 45-8.

Tocqueville, A. de (2000 [1840]). Democracy)' in America. Eds and trans. H. Mansfield and D. Winthrop, Chicago: University of Chicago Press.

Wood, G. (1991). The Radicalism of the American Revolution. New York: Vintage.

 [1] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press. Chapter 11.

[2] Ferejohn, J. and F. Rosenbluth (2006). "Republican Liberalism." Presented at the Yale University Political Science Department.

[3] Hansen, M. (1991). Athenian Democracy in the Age of Demosthenes. Oxford: Blackwell.

[4] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome.

[5] Limon, A. (1999). Violence in Republican Rome, 2nd edn. Oxford: Oxford University Press.

[6] أنظر:

Skowronek, S. (1982). Building a New American Sate. Cambridge: Cambridge University Press.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: يبني المفكر عبد الرحمن بدوي مفهوم تحقق الذات ماهويا في الفلسفة الوجودية من منطلق تصوفي فلسفي يرتكز على افكار سورين كيركارد الوجودية الدينية، بمعنى هويعالج التحقق الماهوي للذات في الفلسفة الوجودية غير الالحادية المؤمنة دينيا بمعزل عن ادراك العالم الخارجي جدليا. فتكون العلاقة الحقيقية بين الذات الانسانية ونفسها هو غاية كل مطلوب.الذات في الوجودية عند سورين كيركارد هي نوع من التطهير الارسطي القائم على الروحانية الدينية..

في الفلسفة الوجودية نجد بدوي يعتبير أن الماهية والذات والانا هي تعبيرات فلسفية ثلاثة عن معنى واحد ولا تفريق بينهما، ويؤكد هذا الفهم بالاستناد الى عبارة كيركارد (الانا هي صلة تتصل بنفسها، او بعبارة اخرى، فان الانا ليست صلة بين معنيين وانما هي عودة الصلة لنفسها) 1. حيث تفهم الوجودية أن الصلة التي تربط الانا بذاتها الماهوية هو عودة الصلة لنفسها...بمعنى وعي الذات لنفسها لا يخرج عن وعيها لذاتها انغلاقيا منكفئا على ذاتها وليس بالمقارنة الجدلية بين الانا والموضوع عندما يكون الادراك متبادلا بين الاثنين في وعي الذات للشيء الذي تدركه بنفس جدل ان الشيء يكسب الذات حضورها الحي الفاعل بنفس آنية اكتسابه هو الادراك الأنوي لهذا الحضور. الذات قاصرة دوما أن تكتسب وعيها بذاتها بالارتداد المنكفيء في معرفة نفسها بنفسها دونما تدخل طرف ثان هو موضوع ادراك وعي الذات له. الذات بلا موضوع تدركه حتى خياليا تصبح ذاتا غير متحققة الوجود السوي عند الانسان.

ماهية الذات وتحققها الوجودي هنا لدى كيركارد الذي اقام بدوي عليه تاكيده له هو الانكفاء الذاتي الذي يدور حول مركزية اغتراب الأنا عن نفسها ومحيطها، وليس كما يذهب له هوسرل، هيدجر، وسارتر أن تحقق الذات تكون ضمن عالم. وعي الذات لا يكون حقيقيا ما لم يكن وعيا قصديا تسعى الذات تحققه ادراكيا كما دعى له برينتانو لاول مرة. بمعنى الذات في حقيقتها موضوعا لغيرها بنفس أن يكون ذلك الغير موضوعا لها. وهو ما لا يقبل به بدوي معتبرا تحقق الذات هو في علاقتها بنفسها وليس علاقتها بموضوع خارجي يدنسها ويخرجها عن طهارتها وبكارتها في نص عبارته.

ماهية الذات في الصوفية

يمضي بدوي في تفسيره معنى الذات بالوجودية عند كيركارد المؤمن لا غيره من فلاسفة الوجودية الملاحدة أنه المرادف لما تفهمه الصوفية الدينية في المسيحية تحديدا. ويستعير عن القديسة تيريزا قولها( انا وحدي مع الله وحده) 2، التي يفسرها بدوي فلسفيا انا وحدي مع ذاتي وحدها. بمعنى هذه الازدواجية الذاتية المنكفئة على نفسها في تعبير القديسة تيريزا لا تمثل أي نوع من تجربة صوفية حينما تعتمد الذات وحدانية منفصلة عن موضوعها الذي هو الله الذي تعبّر عنه مجازيا بذات تشاركها وحدتها المنعزلة. بمعنى تعبيرها انا وحدي مع الله وحده، ليست تعبيرا بما يكفي الافصاح عن تجربة صوفية حتى تلميحا، كون الذات الالهية اذا تتساوى في الوجود حتى الافتراضي بمعنى الماهية الواحدة غير المنفصلة عن الذات الانسانية عند ذاك تفقد خاصية التصوف الاتحادي الحلولي ادراكها الذات الالهية لنفسها هي، وليس ادراكها المخلوق انسانا يحاول مساواة ذاته ماهويا مع الخالق الله في بعض صفاته. في اعتبار الصوفية وجود الانا ذاتا مكافئا الوجود الالهي ببعض الصفات ولا يبقى هناك تجربة صوفية. بانتفاء التعالي الذاتي الالهي عن دونية الموجود الارضي. كذاتين مختلفتين بالماهية والصفات.

من المهم التذكير أن الصوفية الدينية في المسيحية كتجربة ما فوق لاهوتية(حلول ذاتي في ذاتية الله) تناقض اللاهوت المسيحي غير الصوفي من حيث أن المسيح هو ابن الله الذي ولد من صلبه، أي هنا لاهوت المسيحية يقر باندغام وتلاحم ماهية اللاهوت الالهي مع ماهية ناسوت المسيح الارضي رغم اختلاف الماهيتين الالهية والذاتية الانسانية التي لا يمكن تصورها الادراكي بين الاثنين في معايير العقل النقدي بل في معايير الاعجاز الديني القائم على نوع من التلفيق الميتافيزيقي. من حيث ان الماهية الالهية في مقاييس العقل لا يمكن ان تلتقي مع ماهية انسانية لا تجانسها الصفات ولا الجوهر في كل شيء.

ولو لاحظنا جيدا عبارة تيريزا قولها انا وحدي مع الله وحده، فهي تقر بخلاف اللاهوت المسيحي أن الله اله ماهوي قائم بذاته له كينونة وماهية لا يمكن تصورها او الاحاطة بها كما لا يمكن لماهية الانسان الاتحاد او الحلول بها صوفيا اكثر من التماهي الروحاني الطقسي التعبدي الذي يجعل من الانسان مغيبا عن وعيه الادراكي الحسي لما حوله وليس اقترابه من الذات الالهية اتحادا صوفيا.. بمعنى الذي يدرك ذاته الناسوتية وحده لا يدرك الله وحده يلازمه الحضور معه الارضي في صومعته.

ومن الخطأ تمرير أن تيريزا القديسة في قولها هي مع الله وحده، انما هي تقول اني اصبحت جزءا او ذاتا حلولية بالله. وانما ارادت التعبير عن صوفيتها المتجردة عن كل ما يحيط بها من عالم واشياء وموجودات مادية ماخلا  التضرع لله فقط. وهي مختلية في نشوة تعبدها الصوفي الذي لا يرى في الوجود غير عظمة الله ترافقها وتأنس لها وهي في كامل وعيها الانفصالي عن ماهية الله وحتى عن صفاته اللاهوتية التي تكون مدركة بما تعنيه كصفة يدركها المخلوق وليس ما تعنية كجوهر وماهية لا يعيها ولا يدركها المخلوق..صفات الخالق التي يحاول الصوفي ادراكها هي نفس الصفات الخيّرة التي يحملها المتصوف عن الله،. ولا يمكنه ادراك غيرها في تجربته الصوفية الانجذابية.

هذا الفهم الصوفي المسيحي لا يلتقي مع صوفية الاسلام، من حيث أن هذه الاخيرة لا تفهم الحلول الصوفي ولا الاتحاد غير الماهوي الذي يفرق بين ماهوية نورانية الهية لا تدرك مع ماهية انسانية معينة كموجود وذات لا تدرك شيئا يقع خارج مدركات الطبيعة العقلية ضمن تداخل مكاني زماني، فالتفسير الذي يذهب الى أن تيريزا قصدت انها وحدها مع الله الذي هو ذاتها غير صحيح. كونها وحدّت بين ذاتها وذات الله من حيث الماهية وهو مرفوض تماما في صوفية الاسلام.

فالله ماهية لا تدرك وصفاته الكينونية لا تدرك ايضا الا في تجلياتها المعجزة بمخلوقاته والانسان والطبيعة. الذي عمد الانسان الى جعل كل ما هو مدرك صفاتيا ارضيا من خير لا ينتهي هو من الله وحده. وما على الانسان سوى الاقتداء بتلك الصفات لأن في ذلك مرضاة الله وكسب ثواب آخرته.

الذات الصوفية تكون في كل الاحوال الدينية تجربة اغترابية نفسية متعالية عن فهم وتجربة البشر العاديين في ممارستها الطقوس العبادية الصوفية بما لا يمكن التعبير عنه بلغة الناس العاديين، كما أن كل تعبير لغوي في وصف التجربة والحالة الصوفية يفقدها قيمتها الحقيقية المتعالية. التجربة الصوفية هي أغتراب ذاتي يتمحور حول نفسه ويفتقد صفة التعبير اللغوي عنه. بمعنى هي تجربة انفرادية لا يمكن ادراكها ولا التعبير عنها تعميما حتى من لدن الصوفي صاحبها الذي يعمد عدم الافصاح عن تجربته لغويا الا بما لا يفهمه سوى القلة القليلة من الناس في لغة ملغزة ومشفرّة.

صحيح أن اولى درجات عبور الوجود المادي صوفيا انما تكون بدايتها هو في عبور الصوفي درجة متقدمة عن غير المتصوف الديني نحو مراتب من الذاتوية الماهوية المنفصلة اغترابيا تماما عن ادراك المحيط الواقعي وعالم الاشياء. لتكون ذاتا فاقدة لجوهرها الانساني الماهوي في جموحها الوصول الاتحاد بذات الهية متعالية الادراك ولا تمتلك كل ما هو مدرك انساني من صفات وماهية. بل تصبح ذاتية المتصوف هي تعالي صفاتي ماهوي لا يمكن ادراكه بوسائل العقل المحكومة بقوانين تحكم الانسان في الطبيعة منها الادراك الزماني المكاني المتداخل للعالم الخارجي وما يحويه من تكوينات. صفات الذات الالهية المتعالية هي صفات اللاهوت المكتوب من قبل رجال الدين بما يستوعبه الوعي الانساني العقلي ضمن محدوديته. وما لا يدركه العقل من صفات لاهوتية ارضية لا وجود لها في صفات الهية لا يعرفها ولا يستطيع ادراكها..الصفات التي يدركها عقل الانسان المحدود هي الصفات التي يراها العابد في معبوده.

لا يتطرق عبد الرحمن بدوي الى أن التجربة الصوفية لا تقترب ولا تلتقي المفهوم الفلسفي لها على انها اغتراب ذاتي، وليس تحقق ماهوي في الاتحاد بماهية لا تجانسها لا بالصفات ولا بالماهية ولا في كل صفة يمكن ان يدركها العقل الانساني. بل كان تركيز اهتمامه منصّبا على أن الذات هي ماهية لا علاقة خارجية تربطها بغيرها من موضوعات العالم الخارجي والا فقدت الذات خصائصها الوجودية وفقدت طهارتها وبكارتها حينما تتموضع ادراكيا بموضوعات وموجودات العالم الخارجي المدنّس.

تموضع الذات الوجودي

يعتبر عبد الرحمن بدوي الوجود الماهوي للذات لا يكون وجودا متحققا حقيقيا من غير امتلاكه عزلة مكتفية بذاتها يمنحها تطهيرا ارسطيا من الدنس الموجود في الموضوعات والاشياء المحيطة بها. ولا بد لي من اقتباس هذه العبارات المطولة كي اتمكن الرد عليها. بما يفهمه ويستوعبه القاريء.

يقول بدوي" الذات في حالة الوجود الماهوي هو عزلة كاملة، وقد غلق من دونها كل الابواب وكل نافذة لا تفتح على ذاتها وتعكر صفاتها وفض لبكارتها.. والوجود الحقيقي اذن هو الوجود الذاتي، اما الوجود الموضوعي بين الموجودات والاشياء والحياة على غرار الحياة هو وجود زائف مشتت وضلال وتزييف للذات الحقة، عندما لا اكون مالكا لذاتي، بقدر ما تكون الاشياء مالكة لي. بل انني اكون ملكا للموضوعات فانيا فيها فاقدا ذاتي بها وفي هذا يقوم سقوطها" 3

هذا التعبير الذي يسوقه المفكر بدوي لا يستقيم ولا ينسجم مع الفهم الوجودي الفلسفي للاسباب التالية:

1- الذات المنغلقة على نفسها هي ذات تمتلك حقيقتها النظيفة غير المدنسة  في ادراكها التواصلي التموضعي بموضوعاتها الخارجية حسب بدوي والذات لا تمتلك حقيقتها الوجودية الا في ذاتيتها المجردة عن الموضوعات والاشياء، في حين يعتبر اقطاب فلاسفة الوجودية برينتانو وهيدجر وسارتر، أن ايجابية تحقق الذات انما يكون في وجود اصيل يحتويه عالما يحكمه بالضرورة الوجودية الطبيعية جدلا تفاعليا معها،  ولا يكون وعي الذات حقيقيا صادقا من غير قصدية تلازمه تسعى لها الذات كي تكون موجودا – في – عالم. حسب تعبير هيدجر،أي تكون الذات موجودا ضمن محيط انساني يجانسها الصفات  غير الماهوية، ووجود طبيعي لموجودات لا حصر لها لا تجانسها الصفات والماهية التي هي موضوعات الادراك العقلي للعالم الخارجي بما يحتويه.

2- كيف يمكن لذات أن تعي وجودها الحقيقي في انعزالها التام عن المحيط وموضوعاته المدركة كما يرغب بدوي، فالذات بلا تحقيق تموضعي ادراكي للاشياء والموضوعات هي ذات لا معنى لها ولا وجود حقيقي تمتلكه في اثبات وجودها.

الذات في تحققها بوجود مدرك اصيل لا يكون متحققا من غير اندماج الذات في عالم جدلي يتقاذفها تستطيع به ومن خلاله توكيد كينونتها الذاتية المتمايزة بالماهية والصفات عن باقي موجودات الطبيعة. موضوعات المحيط لا تجرّد الذات ماهيتها الادراكية ولا تستهدفها بالضياع والضلال المدنس الذي اشار له بدوي. الوجود الاصيل الحقيقي للذات انما يكون في ادراكها وموضعتها بالاشياء. وليس خارجيا في الابتعاد عنها خوفا من التدنيس وفقدان الطهارة.

3- الذات بخلاف تعبير بدوي لا تفقد خصائصها الذاتية الماهوية في تموضعها اللغوي بالاشياء، الذات تجريد غير متجانس لا بالخصائص الصفاتية الخارجية ولا الماهوية، مع موضوعاتها المدركة من قبلها لذا أمر أن تفقد الذات اصالتها الجوهرية في تموضعها ذاتيا بمدركاتها غير وارد.

فالماهية الادراكية لا تستطيع الانفكاك ولا الانعزال عن محيطها الذي به وحده يتعيّن وجودها الحقيقي، فالذات كما تدخل في علاقة جدلية بموضوعاتها فهي تكسب تلك الموضوعات ادراكها وتكتسب منها وجودها الحقيقي الاصيل.لا تدرك الذات نفسها من غير ادراكها لموجودات الاشياء والموضوعات في العالم الخارجي بالمغايرة غير المتجانسة. والذات تعي وجودها في مغايرتها الاشياء التي تدركها ولا تستطيع تلك الاشياء ادراكها. وهذه هي القصدية التي نادى بها اقطاب فلسفة الوجودية بلا استثناء ماعدا سورين كيركارد الذي اراد فهم تحقق الذات في تقريبها من الدين. واستبدل بدوي لفظة الدين بلفظة اكثر تجريدا ميتافيزيقيا هي الروحانية.

4- لا يمكننا ادراك وجود ذاتي حقيقي اصيل لا يتموضع بمدركاته في تعبير اللغة عنه، كون الذات تعبير لكينونة لا تدرك منعزلة عن موضوعات ادراكها. بل تكون مدركاتها هي التعبير الاصيل عنها. وكل عزلة تفرض قسرا على الذات يعرضها الى اغتراب وجودي سلبي منكفيء على نفسه لا تاثير له ولا قيمة يحملها. الذات تحقق نفسها وجودا انطولوجيا اذا صح التعبير ضمن علاقة جدلية تتبادلها مع العالم الخارجي من حولها.

هل اغتراب الذات سمة ايجابية؟

في تعبير بدوي" أن الصلة بين الذات ونفسها ليست صلة سلبية بل صلة ايجابية أذ تكون الذات في حالة امتلاك لنفسها وشعور تام بذاتها على نحو مقارب لما يقوله هيجل عن الروح الكلية"4

بدوي هنا في محاولته التنصل من حقيقة جوهرية مادية جدلية تحكم الذات الواعية لمدركاتها بقصدية فاعلة، يذهب الى أن عالم الذات لا يتعدى العلاقة بينها وبين وعيها لذاتها بمعزل عن تعالق هذه العلاقة الادراكية بعالم الموجودات. وهذه الاغترابية الذاتية المنكفئة على عالمها الجوّاني الخاص بها ليست علاقة سلبية بل هي ايجابية في تعبير بدوي.

بدوي يرفض الاقرار أن تموضع الذات حول نفسها هو سمة اغترابية سلبية، وهو يسعى الى الباس اغتراب الذات الذي هو انفصام شخصاني نفسي لمدركات الذات الاغترابي غير السوي بمعزل عن وعي الذات الايجابي... أن أي انفصال ذاتي عن مدركات المحيط والعالم الخارجي هو حالة سلبية تماما تضع الذاتية في دائرة الانكفاء على اجترار الذات بلا معنى ولا هدف. اغتراب الذات هو سمة شيزروفينية نفسية عصابية انفصامية حين تجعل الذات موضوعها الادراكي هو ذاتها نفسها على حساب تغييب مدركات العالم الخارجي والمحيط من حولها. بغير هذا الفهم يكون لدينا محاولة بدوي الباس الوجودية مفاهيم صوفية يستمدها من كيركاردغير منطقية فلسفيا في اقترابها من الروح الهيجلية الكلية. والمفهوم الوجودي للذات يتقدم كثيرا نحو الفهم المادي ويبتعد عن ميتافيزيقا التعبير اللغوي الذي يدعمه بدوي متاثرا بكيكارد.

الاغتراب والذات

السؤال متى يكون الاغتراب الذاتي سمة ايجابية وليست سمة سلبية؟ على ضوء أعتبار بدوي أن الذات لا تجد حقيقتها بغير الصلة التي تربطها بذاتها بعيدا عن كل مدرك خارجي. يكون كل اغتراب ذاتي عن مدركات المحيط هو بالحتم حصيلته اغترابا اجتراريا سلبيا لاقيمة حقيقية له. تكمن سلبيته حين يكون متمركزا حول الدوران في البؤرة الدائرية للذات المنفردة المنفصلة عن عالمها الخارجي. لذا تكون حالة اغترابية سلبية. وخير مثال هو ان منفصم الشخصية يعتبر ذاتيته في تغييبه العالم الحقيقي من حوله هو قمة النضج اذا كان يعي اصلا معنى انفصال ذاته عن مدركات المحيط الخارجي. حيث تكون ذاتيته تجد في لامعنى ادركها الوجود الطبيعي للناس هو ما يمثل وجودها الحقيقي الذي يفهمه الانفصامي هو لوحده ولا يفهمه غيره من الناس.

لكن الاجابة عن أمكانية أن تكون الذات ايجابية في اغترابها الفلسفي وليس النفسي قائما فالجواب نعم ممكن وعلى أعلى المستويات من ادراك اصالة الذات ضمن عالمها. حين تتحرر الذات من اغترابها الجواني الذي يحكمها ولا يحكمه المحيط خياليا، هنا تكون الذات تمتلك الحرية والارادة والاختيار في ادراك واستيعاب ما يناسبها وينمّيها ويطورها من موضوعات وظواهر طبيعية تحيط بها تتعامل معها خارج محددات الادراك المادي كونها مواضيع مستمدة من خيال الذاكرة وليس من عالم الموجودات الخارجية.. وحين تجد الذات التي كما قلنا تملك الحرية والارادة في الاختيار حسب نضجها الاستيعابي عندها تجد نفسها تصطدم باغترابها عن المحيط وعلاقاته غير السوية الصحيحة قياسا مع ما تحمله هي من نضج متفتح استيعابي، حينها تعمد الى الارتداد الذاتي المدرك عقليا من قبلها الى محاكمة نفسية جدلية أن ما يسود العالم المحيط بها لا يتواءم مع تصوراتها الصادقة، فتنكفيء على ذاتها ليس بأنغلاقها الاغترابي السلبي عن المحيط بل في نقدها الفكري لهذه الانحرافات التي لا تناسبها وتجد في المقاطعة معها هو تحقيق لاغترابيتها الايجابية.ولوجودها الحقيقي الاصيل الذي يبقي الذات تجد مسؤوليتها عن عالمها الخارجي.. وعن هذه الفعالية الاغترابية الايجابية للذات عن عالمها الخارجي تبتدع عوالمها المثالية البديلة تضخّها للمجتمع على شكل ابداعات في الادب والفنون ومختلف صنوف الابداعات الخيالية المستمدة من اخصاب المخيلة الذهنية بعاملين اثنين هما الواقع الرديء الذي أغتربت الذات عنه، والثاني هو منتجات التخصيب الابداعي للخيال المسيطر عليه ذاتيا كوعي مدرك يحده الزمان والمكان. هذا هو الفرق بين ان تكون الذات متمركزة حول الدوران في متاهة من الاجترار الذهني العقيم وبين الذات التي تغترب عن المحيط في عملية نقدية قصدية وتصحيح لانحرافات موضوعات مدركاتها في عالمها الخارجي.

هل الله ذاتا فلسفيا؟

هل بالامكان ادراكنا الذات الالهية بذواتنا البشرية المتعالقة بها حتى في التجارب الصوفية؟ حين يعبّر بدوي على لسان كيركارد( ان الله يتوسط الذات ونفسها كصلة لان الله ليس الا لاجل الفرد)5.، لا نعتقد هذا كافيا ان نأخذ مقولة كيركارد مسلمة حقيقية مطلقة نبني عليها، فالله ليس ماهية تتوسط بين الذات ونفسها كصلة، فالذات الانسانية مدرك عقلي بمواصفات وماهية بشرية لا تمت بادنى صلة يرغبها  المتديّن وهي غير متحققة في استحالة الاتحاد مع الماهية الالهية ولا حتى مع الصفات. ولماذا يكون الله صلة وسيطة خلقت من اجل الانسان ولا يكون العكس؟ الله ليس حقيقة وجودية بمقاييسنا البشرية وجدت من أجل الانسان وتحقيق رغائبه ممثلة في خالق تعبده المخلوقات، ولماذا لايكون الله ألها مهيمنا على مخلوقات أوجدها من أجل عبادته ولا ضرورة انسانية تلزمه بشيء يرغبه الانسان متحققا مدركا من قبله ويجده بالذات الالهية في سعيه نحوها.؟

الذات والماهية

رغم الاقرار المبدئي بحقيقة أن الذات والماهية هما من المفهومات المجردة التي لا يمكننا فهمها من غير تعالقها التمثيلي الافصاحي عن مواضيعها وموجوداتها. الا اننا نختلف مع بدوي أعتباره التموضع الذاتي في مدركاته" يعني انتقال الذات من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين في العالم وهو المسمى ب( الآنية)"6. من الملاحظات الواجب تثبيتها هنا هو أن ذات الانسانية ليست ماهيته. وانتقال الذات حسب تعبير بدوي من حالة الوجود الماهوي او الممكن الى حالة الوجود العيني المتعين بالعالم واطلق عليه الآنية، يقودنا الى التاكيد أن الماهية ليست شيئا ولا موضوعا قابلا التموضع الانصهاري التذويتي داخل الاشياء المدركة عقليا، بما يجعل الذات تضيع في متاهة من الوجود الفاقد لخصائص الذات.

الذات لا تفقد هويتها في التموضع التشييئي بمدركاتها بل هي تكتسب وجودها المتحقق بهذا التموضع الادراكي. كما أن الذات ليست متعينا ماديا تخسر ذاتيتها في تموضعها بالاشياء الذي يكون هذا التموضع  هو عن طريق تجريد تعبير اللغة فقط. تموضع الذات في مدركاتها لا يكون بالمجانسة العضوية المعدومة بين الانسان ومدركاته. كما أن انتقالات الذات في مدركاتها وتمثلاتها التموضعية فيها لا يلغي التمايز الكيفي النوعي بين ماهية الذات عن ماهية مدركات العالم الخارجي. الذات والماهية كما ذكرنا سابقا هما جوهرين غير ماديين ولا يشترط بهما لا الانفصال ولا الاتصال الدائمي لكنهما ضرورين لادراكات العقل للاشياء تجريدا (لغويا) فقط.

كما يفهم بدوي أن فقدان الذات لماهيتها وخصائصها الادراكية " حين تكون الذات وجود – في – عالم، -عبارة هيدجر- وهذا يعني أن الذات اصبحت موضوعا كباقي الموضوعات، وتسقط الذات بوصفها ذاتا، وبهذا لا تستطيع الذات بين ذوات اخرى في العالم الا أن تفنى فيها."7. وثمة ملاحظات سريعة على هذا الرأي الخاطيء :

- هل الذات قيمة جوهرية لا تكتسب ماهيتها الحقيقية وخصائصها الجوهرية الا في الانعزال التام المنفصل عن كل ما هو موجود بالعالم كي تحتفظ بنقائها وبكارتها حسب تعبير بدوي.؟ وهنا يثار تساؤل لا يستطيع الا أن يحمل معه سذاجة الطرح هو ماذا تعني الذات وما هو واجبها في حياة الانسان وكيف تحقق ايجابيتها في الاغتراب الانكفائي على نفسها؟ اذا كان وجود الذات في عالم يفقدها سمتها وتتحول الى موضوع كباقي الموضوعات. ثم بأي وسيلة بعيدا عن تعالق الذات بمواضيعها يمكننا الاستدلال على أن الذات جوهر خفي لا يمكن ادراكه ماديا مثل باقي الاشياء والموجودات؟ وما هو مجال تحقيق الذات لذاتيتها غير المدنسّة؟

- هل من الممكن المتاح لنا عندما تكون الذات في عالم يفقدها تجريدها اللغوي في ادراكها الاشياء لتكون موضوعا مثل باقي الموضوعات هو الحل السليم في الحفاظ على نقاء الذات وعدم تدنيسها؟ الذات تبقى ليست موضوعا للادراك العقلي الا في متعيناتها التي تعبر عنها لغويا، سواء اكانت الذات منكفئة على نفسها اغترابية لا علاقة لها بالمحيط والعالم الخارجي، او كانت نزعة وعي  قصدية يحوزها الانسان دون غيره في الوصول المتحقق بمدركاته.

نجد من المهم الاستدراك أن الذات ممكن تحقيقها وعي ذاتيتها بمعزل عن التموضع الجدلي مع موجودات ومكونات العالم الخارجي، والذي نطلق عليه الوعي الذاتي، والرد على هذا الافتراض الخاطيء يتلخص بان الذات تعي ذاتها عندما تكون تمتلك موضوعا للتفكير به، وهذا الموضوع اما ان يكون ماديا موجودا في عالم الاشياء أو يكون خياليا مصدره الذاكرة. الذات بلا موضوع تدركه تفكيرا هو انوجاد افتراضي خاطيء.

- تموضع الذات في الاشياء ومواضيع ادراكها لا يجعل منها موضوعا قابلا للادراك. الذات جوهر ماهيته ادراك العالم والمحيط من حوله. والذات لا تذوب وتفقد خصائصا في مواضيع ادراكها. والا لما كنا وجدنا وسيلة كيف نميز بين الذات وبين الموضوع في تعالقهما الجدلي المادي. حيث يذهب البعض الى أن الذات والموضوع هما دلالة لمعنى واحد لشدة ارتباط تبادل وعي احدهما بدلالة الاخرجدليا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش:عبد الرحمن بدوي /الزمان الوجودي/ ص43/2.ص44/ 3. ص44/4. ص45/ 5.ص 44/6. ص 44/7.ص 45

 

 

محمود محمد عليكان تأثير تولمن بفتجنشتين تأثيراً بالغاً –  سواء كان ذلك الأثر مترتباً علي فلسفته الأولي، والتي صاغها من خلال كتابه "رسالة منطقية فلسفية " والذي يتضح من تأثيره في جماعة فيينا وفلاسفة الوضعية المنطقية -  أو كان مترتباً علي فلسفته المتأخرة والتي صاغها في كتابه " بحوث فلسفية "، والذي يتضح بصورة جلية في فلاسفة التحليل اللغوي المعاصر سواء في إنجلترا ؛ وبالأخص في كمبردج وأكسفورد أو في الولايات المتحدة .ويعبر عن هذا المعني "هوايت" بقوله " في هذه الأيام نجد أن تأثير فلسفة فيتجنشتين قد بلغ ذروته في الدوائر الأكاديمية وخاصة بعد ظهور كتابه " بحوث فلسفية "، فهو حين كان لايزال حياً يمارس التدريس في كمبردج، نلاحظ أن تأثيره كان واضحا ومركزا فيها . ثم انتشر تأثيره بعد ذلك فأمتد إلي أكسفورد التي كانت تعتبر منذ فترة طويلة معقلا من معاقل التفكير الميتافيزيقي ... هذا ويتضح تأثير فيتجنشتين في جامعتي كمبردج وأكسفورد، في توجيه اهتمام الفلاسفة بهما – إلي اللغة العادية ".

كما يقول " ألفر آيرAlfred Ayer  ":" إن تأثير فيتجنشتين  يمكن أن يكون هو الصفة التي ساءت تفكير الفلاسفة المعاصرين من الذين يسمون بفلاسفة اللغة "، ويقول أيضاً " إنني أعتقد أن فيتجنشتين كان هو المسئول الأول عن إهتمام الفلاسفة بالسؤال عن كيفية استخدام الألفاظ في اللغة العادية ".

ويعبر " برود " عن هذا التأثير الذي تركه فيتجنشتين في الفلسفة الأنجليزية بقوله في مقدمة كتابه " العقل ومكانه في الطبيعة " عام 1925: " إنني سأرقب بعين الأبوة حركات أصدقائي من الفلاسفة الشبان وهم يرقصون علي الأنغام الجميلة التي تنبعث من مزمار فيتجنشتين ".

ولقد كان ستيفن تولمن واحداً من هؤلاء الذين كانوا ينتشون طرباً بفلسفة فيتجنشتين المتأخرة، فقد كان تولمن كما يري بعض الباحثين " من أكثر الطلاب بمدرسة كمبردج مواظبتاً علي حضور محاضرات فيتجنشتين، وأثناء إعداده لرسالة الدكتوراة كانت لا تفوته ندوه أو محاضرة يلقيها فيتجنشتين في كمبردج " ، ولم يكتف تولمن بذلك بل حاول أن يخلد فكر وفلسفة فيتجنشتين كما صاغها في فلسفته المتأخرة، فتقمص دور " مورتز شليك Murtiz Schlick  " الذي كانت بفضله قد تأسست " دائرة فيينا "، ليتجسد من خلالها فكر " الوضعية المنطقية القائم علي فلسفة فيتجنشتين المبكرة من خلال " رسالة منطقية فلسفية ". فحاول تولمن أن يؤسس " دائرة فيتجنشتين " في مقابل دائرة فيينا ليجسد من خلالها الفكر التحليلي- الأداتي القائم علي فلسفة فيتجنشتين المتأخرة، وبالذات من خلال كنابه "بحوث فلسفية ".

وقد بدأ تولمن يطبق هذا البرنامج في دراسة له بعنوان " لودفيج فيتجنشتين " كان قد نشرها في عام 1969، ثم حاول أن يختبرهذا البرنامج في كتابه " الفهم الإنساني " في عام 1972، ثم تمكن من تنفيذه في عام 1973 مع  صديقا له وهو" ألن جانيك"، فأخرجا معا كتاب " دائرة فيتجنشتين" لتتجسد بعد ذلك " فلسفة التحليل العلاجي " لتنطلق من أفاق " مدرسة كمبردج " إلي أغلب الدوائر الفلسفية العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما تلك الدوائر التي تشجب فكر الوضعية المنطقية .

بيد أن بعض فلاسفة العلم المعاصرين لتولمن والحانقين علي فلسفة فيتجنشتين والمتأثرين بالبوبرية، وبالأخص "إمري لاكاتوش " قد انتقدوا هذه الفكرة ؛ فنجده يكتب مقالة بعنوان " فهم تولمن Understanding Toulmin "، وفي هذه المقالة اتخذ لاكاتوش من نقد عقلانية تولمن ذريعة لنقد ونقض فلسفة فيتجنشتين المتأخرة.

وبصرف النظر عن نقد لاكاتوش لفيتجنشتين، فإن ما يهمني هنا هو نقد لاكاتوش لعقلانية تولمن، وقد استهل هذه المقالة بقوله " كتاب الفهم الإنساني للأستاذ تولمن هو الكتاب الخامس الذي يتبني التقليد الذي أخذه فيتجنشتين في فلسفته المتأخرة . فتولمن طبق هذه الفلسفة أولاً علي كتابه " مكانة العقل في الأخلاق سنة 1950، ثم في كتابه " فلسفة العلم " في 1953، ثم في كتابه "استخدامات الحجة" في  1958. وقد كانت الفكرة الأساسية تحذو نفس الفكر في الكتاب الذي صدر بعد ذلك وهو " البصيرة والفهم " والذي نشره تولمن في سنة  1961.

ثم يستطرد لاكاتوش فيقول:" بصراحة فإنني أعترف بأنني أحببت كتابات تولمن السابقة، وبالذات الكتب السابقة علي الفهم والبصيرة . وجون ويزدم قد كتب ذات مرة عن فلسفة تولمن: يستشعر المرء نفس الرسالة الفلسفية عند قراءة تولمن، وكذلك في حالة الفهم الإنساني، لكن المتاهة أكبر وأكثر تعقيداً في أوائل كتاباته . وأخشي أن هذه الرسالة لا يمكن ألا يكون إيصالها علي شكل ملخص   مصغر، ثم انتقاده بشده . وفي الحقيقة فإنه لإعطاء ملخص مصغر أو نقد حاد لعمل تمت كتابته في التقليد الفيتجنستيني يؤدي بالضرورة إلي الفشل . وما يجب علي فعله بدلاً من ذلك هو تحديد مشكلة واحدة رئيسية كانت تعني بها فلسفة العلم تقليدياً ثم محاولة رؤية موقف تولمن هذه المشكلة .

ولذلك يقسم لاكاتوش في هذه الورقة المحاور الأساسية لنقد العقلانية عند تولمن من خلال كتابه " الفهم الإنساني "، وذلك علي النحو التالي:

المحور الأول: المدارس الثلاثة للفكر حول المشكلة المعيارية لتقييم النظريات العلمية Three Schools of the Normative Problem of Appaising Scientific Theories، ويقصد لاكاتوش بتلك المدارس، المدرسة الشكية Scepticism والمدرسة التمييزية Demarcationism، والمدرسة النخبوية Elitism، ويشرح لاكاتوش كل واحدة من تلك المدارس علي حدة، ليصل في النهاية لي هذا السؤال: أين تصب عقلانية تولمن في المدارس؟ ويجيب لاكاتوش بأنها تصب في المدرسة النخبوية .

المحور الثاني: تولمن وشرطة الفكر الفيتجنشتينية  Toulmin and The Wittgensteinan Thought- Police، وفيه يشرح لاكاتوش كيف بدا تولمن في تطوير الجانب البرجماتي من فلسفة فيتجنشتين ثم كيف حاول أن يتجاوز شرطة الفكر الفيتجنشتينية التي تمنع التغير المفاهيمي، وهو التغير المشاهد بالعيان، وكيف أن أفكار تولمن ستشكل الحزام الواقي، الذي سيحاول الدفاع عن النواة الصلبة للبرنامج الذاتي – النخبوي لدي فيتجنشتين.

المحور الثالث: التركيبة الدارونية التي اقامها تولمن لفلسفة هيجل وفيتجنشتين Toulmin's Darwinian Synthesis of Hegel and Wittgentein  ، وفيها يبرز لاكاتوش كيف حاول تولمن أن يخفف من حدة ذاتيته الواضحة باللجوء إلي النزعة التاريخية أو مفهوم دهاءالعقل الهيجلي بمعاونة الدارونية الاجتماعية وكيف أن تلك الدارونية سوف تدعم من ناحيتها عدم المساس بالألعاب اللغوية عند فيتجنشتين.

وسوف نشرح الآن تلك المحاور بشئ من التفصيل ثم نكشف بعد ذلك ما هي توهجات لاكاتوش إزاء هذا النقد لعقلانية تولمن وهل كان لاكاتوش محقا في نقده لتولمن أم لا .

المحور الأول: المدارس الثلاثة للفكر حول المشكلة المعيارية لتقييم النظريات العلمية

1-  المدرسة الشكية، هي إحدي مدارس الفكر التي ترتد إلي التقليد اليوناني المتمثل في الشكية البيرونية  نسبة إلي " بيرون "، الذي يؤمن بوجود الإبستمية وينفي إمكانية وصول أية معرفة إنسانية إليه وهي الآن تعرف بالنسبوية الثقافية cultural relativism .

ويري لاكاتوش أن المدرسة الشكية ترفض مشكلة تقييم النظريات العلمية من أساسها وتعول علي أن المعرفة برمتها سواء علمية أو لا علمية هي مجرد اعتقاد، وبالتالي فالتغير العلمي لن يعبر عن أي تقدم موضوعي، بقدر ما سيعبر عن تغير في الاعتقاد، وهكذا يصير التغير العلمي مثله مثل أي تغير معرفي آخر، كما هو الحال في تغير وتبدل المعارف والمعتقدات الدينية مثلاً . أما الميثودولوجيا فهي الأخري مجرد اعتقادات تنسب العلمية لنفسها، ومن ثم فليس هناك مبرر للسؤال عن تقييم المعرفة العلمية عما سواها .وبناء علي ذلك لا يتبقي  للميثودولوجيا إلا الدور الطبي والأنثربولوجي اللذين أشار إليهما بول كارل فيرآبند إليهما ولاعجب فالصورة الأكثر إشراقا وأصالة لتلك المدرسة قد ترعرعت علي يد الابستمولوجيا الفوضوية Epistemological Anarchism .

2- المدرسة التمييزية، وهي المدرسة الثانية للفكر وهي تتنافس بشكل رئيسي مع الشكية التي كانت منشغلة بالحلول الوضعية لمشكلة التمييز بين ما هو علمي من جهة، وما هو غير علمي من جهة أخري . وتمتد جذور التمييزية إلي الدجماطيقية اليونانية المتمثلة في الفلسفة الرواقية . ولذا فإنني استخدم الدجماطيقية لكي نشير إلي  المعرفة الموضوعية – وأن الصواب والخطأ يكون محتمل، ثم التقليد الأولاني ويشمل " ليبنتز  Lebiniz (1646-1716)" و " بولزانو Bolzano " و " فريجه " الذين ينتمون لهذا التقليد .

وفي القرن العشرين تتمثل التمييزية لدي رسل وكارل بوبر . علاوة علي أعمال  "رودلف كارناب Rudolf Carnap (1891-1970)" المبكرة التي تنتمي للخط التمييزي الذي أفادني في منهجيتي في برامج الأبحاث العلمية . وفي التقليد التمييزي فإن فلسفة العلم تتمثل في مراقبة المعايير العلمية . والتمييزيون يقومون بإستعادة بناء المعيار الكلي الذي يفسر التقييمات التي يقوم بها العلماء العظام للنظريات أو برامج البحث المحددة، ولكن العلم في العصر الوسيط والفيزياء الجزيئية الأولية المعاصرة والنظريات البيئية المختصة بالاستخبارات يجب ألا تواجه ذلك المعيار . وفي هذه الحالات فإن فلسفة العلم تحاول أن تبطل الجهود المعتذرة عن البرامج المتفسخة .

ويختلف التمييزيون حول المعيار الكلي الذي يجعل التقدم دقيقاً، ولكن يتفقون علي عدة خصائص مهمة: أولاً – أنهم يؤمنون بالعوالم الثلاثة عند كل من فريجه وبوبر . العالم الأول هو العالم الفيزيائي والعالم الثاني هو عالم الوعي بالحالات العقلية وبالأخص الاعتقادات، والعالم الثالث هو العالم الافلاطوني المتعلق بالروح الموضوعية وهو عالم الأفكار . والتمييزيون يقومون بتقييم منتجات المعرفة مثل: القضايا والنظريات والمشكلات وبرامج البحث وكل ما يعيش وينمو في العالم الثالث (حيث تعيش منتجات المعرفة في العالم الأول والثاني).

3- المدرسة النخبوية : بعد أن استعرض لاكاتوش دور المدرسة الشكية والمدرسة التمييزية في عملية التقييم تساءل أين تتجسد عقلانية تولمن ؛ وبمعني أدق كيف يمكن تصنيف تولمن، هل يصنف ضمن المدرسة الشكية أم يصنف ضمن المدرسة التمييزية ؟ وأجاب بأنه يصنف ضمن المدرسة النخبوية  .

ولم يشرح لاكاتوش لنا تفاصيل ذلك  سوي أنه قفز فجأة لتوضيح معالم وملامح المدرسة النخبوية عبر تاريخها مؤكذا أن النخبوية في أبسط معانيها هي الأتجاه الميثودولوجي الذي يؤكد أن قبول النظريات العلمية هو قرار يعود إلي النخبة العلمية في نهاية الأمر،دون حاجة إلي معايير موضوعية . ويؤكد النخبويون إمكانية وجود وحدة للتقييم مثل الأنموذج المقياسي لدي توماس كون، وهم إذ يقبلون فكرة الموضوعية عن مضض وكذلك فكرة معيار عام للتقييم، إلا أنهم يعودون فيصورون هاتين الفكرتين بما يتوافق مع نزعتهم النفسية والذاتية – اللاعقلانية . فهم يقررون إمكانية تمايز المعرفة العلمية عن باقي المعارف الأخري، ولكن هذا ليس نتيجة لموضوعية المعرفة العلمية أو استقلااها الماهوي، فإذا كان هناك تمييزاً، فهو تمييز لأبعاد تشمل الموضوعية بداخلها والعكس غير صحيح . وتدخل تلك الأبعاد ضمن الأطر النفسية والأجتماعية والثقافية للمعرفة العلمية.

وعلي الرغم من إيمان النخبويين بوجود معيار للتقييم، فإنهم يعودون فيقررون أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد معيار شامل بسيط أو حتي فئة من المعايير، من أجل ضبط التقدم والتدهور العلميين . فلا يوجد إلا معيار لحالات بعينها أو معايير وقتية، والعلماء وحدهم هم الذين لهم الحق في الحكم علي القضايا العلمية سواء بالرفض أو القبول .

ويري لاكاتوش أن النخبوية ترتد إلي بعض اليونانيين ( ويقصد لاكاتوش النحلة الأورفية)، وفي العصر الحديث نجد من أعلام  النخبوية كل من " فرنسيس بيكون " و " ديكارت" وكلاهما إنتهي إلي أن قبول النظريات العلمية يتوقف علي الصحة الذهنية للنخبة العلمية . ثم اتخذت النخبوية صورتها المعاصرة علي يد كل من ميشل بولاني وتوماس كون .

ويري لاكاتوش أن هناك عدة إتجاهات أو نزعات فلسفية تؤيد  فكر النخبوية ، وهي: النزعة النفسية، والنزعة السلطوية، والبرجماتية، والمفاهيم التي يقصدها لاكاتوش من تلك النزعات، هي المفاهيم  الفلسفية العادية، والنفسية الميثودولوجية هي النزعة التي تؤكد المعرفة المغلقة، والسلطوية هي النزعة التي تؤكد المعرفة المغلقة علي أصحابها، أو المجتمع العلمي المغلق .

أما البرجماتية فهي تأكيد عملية المعرفة ويؤكد لاكاتوش أنه يجب علينا أن نفهم تلك المفاهيم، ومدي ارتباط النخبوية بها، فحسب نظرية العوالم الثلاثة، فإن النفسية الميثودولوجية، هي إتجاه أو نزعة تدرس منتجي المعرفة أنفسهم أي العالم الثاني . وعلي هذا فإن النخبوية النفسية هي النزعة التي تري أن قبول النظريات العلمية، يرتكز في نهاية التحليل علي الصحة النفسية للعلماء .

ويؤكد لاكاتوش أن ابستمولوجيا " ميشيل بولاني Michael Polanyi (1891-1976)" أكثر من بالغت في الجوانب النفسية والاجتماعية لمشروعية النظريات العلمية قبل " ستيفن تولمن "، حيث إن بولاني قد تجاوز مفهومي المعرفة الموضوعية والذاتية معاً، وذلك في سبيل ما يطلق عليه المعرفة الشخصية وملمحها الأساسي هو البعد المعرفي المضمر . فكل جماعة معرفية لها  قواعد معرفية مطمورة وغير مصرح بها بين الذوات الابستمولوجية، وحتي وإن كانت مدركة بصورة شخصية فيما بينهم وبالنسبة لبعضهم البعض . وهذا البعد المعرفي لا يمكن التعبير عنه بلغة كشفية علي طريقة " بوليا" أو بلغة نقدية علي طريقة بوبر أو حتي بأي لغة ذاتية . وبناء عليه فإن البعد المعرفي النخبوي والخفي أيضا هو الذي يحدد شرعية النظريات العلمية . وبما  أن الشخص الخارج عن الجماعة الابستمولوجية ( العلمية) لا يجوز هذا البعد المعرفي الشخصي المضمر، فمن ثم لن يستطيع الحكم علي منجزات تلك الجماعة المعرفية إلا عن طريق نخبتها والثقة الشخصية في تلك النخبة، مما يدعم نخبوية المعرفة العلمية وتقدمها.

إذن وفقاً لتحليل لاكاتوش، فإن النخبويين حين يؤكدون أهمية البناء السلطوي الخفي والمضمر الذي لا يمكن إدراكه إلا لأصحاب السلطة العلمية (النخبة)، في اتخاذ القرار العلمي، بين جماعات أو أفراد المجتمع الثاني، المشتركين في تشييد المعرفة العلمية، برفض أو قبول النظريات العلمية، فهم بذلك يتبنون الأفكار السلطوية التي يصفها لاكاتوش بأنها بغيضة . وهذه الأفكار السلطوية، ترتبط بدورها بالنزعة التاريخية التي تنظر للتاريخ بصورة شمولية، يحكم سيره ونموه مبدأ ميتافيزيقي أو مادي . إن النخبوية لا تتصف بالتاريخية إلا حينما تنظر بعين الجد إلي واقعة اختلاف النخبة فيما بينها، مثلما حدث بين ليبنتز ونيوتن . وتلجأ النخبوية إلي التاريخية لتفسير ذلك التغير العلمي، فهي تفيد إما من تاريخية هيجل أو تاريخية بقاء الأصلح الدارونية . وهكذا فإن إختلاف أو اتفاق النخبة يتم إما علي أساس دهاء العقل Cunning of Reason الهيجلي أو مبادئ النشوء والارتقاء.

وتصبح النخبوية برجماتية مذمومة حين تؤكد أن قبول القرار العلمي، يتم علي أساس منفعة أو برجماتية وهذا القبول بالنسبة للنخبة أو أعضاء العالم الثاني . فمساهمات أبناء العالم الثاني لا تنفصل عنهم، فالموضوعية والصدق ما هي إلا إشباع معرفي وبرجماتي للذات الفردية والاجتماعية . ويري لاكاتوش أن كثيراً من البرجماتيتين، حين يحاولون أن بستعيدوا الحقيقة المطلقة، يضطرون من جانبهم لتبني تصورات فلسفية نخبوية مكررة، مثل دهاء العقل الهيجلي أو بقاء الأصلح .

ثم يعقب لاكاتوش بقوله: " من كل ما سبق فإن النخبويون يعتقدون أن العلم يمكن أن يمثل تقدم حقيقي وإن كانوا يزعمون بأنه ليس هناك وسيلة للتقدم . بل لا يكتفوا بذلك القول بل يرون أيضاً أن تغير في العلم، وإنما يعني أن تكون من خلال دهاء الهيجلي للعقل والتقدم في العلم . إن ما يصح هو الصحيح أو علي الأقل بين علماء حقيقين أو جماعات علمية حقيقية والبقاء الانتقائي هو معيار التقدم . ولسوف نري من خلال ذلك التقليد الثالث ينتمي تولمن فتولمن ، وهو يقيم ويقدر الجماعات أكثر من النظريات، ويلجأ مرارا إلي صورة من المذهب التاريخي وهذه الصورة قد يعجز عن تفسيرها تفسيرا صحيحا . وكتاب الفهم الإنساني لتولمن ككل إذا ما تمعن المرء فيه يدرك أنه لم يكن واضحاً كل الوضوح وأنه يمثل تقليد باهت في الفلسفة المعاصرة، وهي فلسفة فيتجنشتين المتأخرة، وهذه الفلسفة هي التي يدور حولها هذا الحوار الذي يتوائم مع النخبوية التي أوضحها الآن " ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.