علي محمد اليوسفأن التاريخ البشري الماضي والحاضر هو ليس ما كان فقط بل وما سيكون، وأي مسعى لأعطاء معنى قيمي هدفي تنبؤي للتاريخ في غير مساره العشوائي الذي تحكم تصحيحه الارادة الانسانية، هو نوع من دوغمائية الافكار والنظريات المتورّخة للمسار التاريخي المتصاعد خطيّا، وهذا لا ينفي أبدا قدرة ورغبة وأمكانيات الانسان من الوصول بالمسار المستقبلي للتاريخ الى (بعض) الاهداف المرسومة والمعدّة سلفا في عقلنته المسار التاريخي بأرادته على وفق منهج مادي سيسيولوجي.. وهذا يختلف عن دوغمائية الافكار التي تأتي لاحقا في دراسة التاريخ وتضع له أهدافا نظرية ومنهجيات عقب حدوث وقائعه حسب قناعة المؤرخ، .

دوغمائية الافكار في دراسة التاريخ هي محاولة الامساك بحركة التطور التاريخي وتجييره لحساب التنظيرات التي تسندها وترعاها أجندة سياسية، مسألة لا جدوى من الاعتداد والاخذ بها. وهذه الدوغمائية النظرية في تفسير التاريخ محكومة بالتضاد مع وقائع الاحداث الحّية والسيرورة الانسانية المتطورة للتاريخ ومع مساره العشوائي العفوي أيضا الذي تحكمه المصادفات التي تدخل على مسار أنتظامه المتّعثر باستمرار والتي تقوم بتعديلها وتوجيهها الارادة الانسانية المثابرة.

أن في الاستقراء السببي لوقائع التاريخ المدوّنة ومراحل سيرورتها التطورية، ومحاولة تطويع العشوائية والصدف المتتالية الى منهجية ايديولوجية تخدم السياسي، هي محاولات تؤرخ لوضع نظريات واستنتاجات توفيقية – نفعية قد تفيد توجهات سياسية - سلطوية أو تفيد البشرية في مباحث الانثروبولوجيا أو غيرها من المجالات البحثية...في دراسات أنتقائية لعيّنات وأهتمامات معينة تربط التاريخ بالفلسفة، أو التاريخ بالاجتماع أو التاريخ بعلم النفس ، أو التاريخ بحرب أو حروب، أو التاريخ ببطولة فردية، أو التاريخ بقائد ونخبة ثورية منظمة أو فوضوية وهكذا، وتوظيف ذلك مع ما تحمله العشوائيات والمصادفات في الوصول الى أيجاد تبريرات أقناعية لعوامل ومسببات حدوث تلك الوقائع. وأهم أنجاز لها أنها تخلص الى نتيجة لماذا حصل هذا ولم يحصل ذاك؟

ميزة العشوائية والمصادفات في المسار التاريخي التطوري عبر العصور، هو تقاطعها مع النظريات والفلسفات والمناهج التي تريد دراسة تلك العشوائيات والمصادفات بيقين الغائيات الخطيّة و منهجيات الحتميات التي يقحمونها في دراسة السيرورة التاريخية في قطع المراحل...أن حرية المسار التاريخي المتطور على الدوام هي حرية غير مشروطة أبدا وغير ملزمة ولا ملتزمة أصلا.وبهذا المعنى يقول سارتر(أن جميع الامور تحدث بالمصادفة التي هي ميزة لكل وجود). ونعتقد مقولته صحيحة في فهم متناقضات الحياة بواقعية قبل أن تصدر صحتها عن فيلسوف مميز.

لم يعد العالم ينشد حضارة

أن التنوع الهوياّتي في عصر العولمة مثلا يرفع شعار السعي في الاسهام بصنع تاريخ انساني جامع (مدنية معاصرة) موحدة لحاضر ومستقبل البشرية، على وفق مبدأ ورغبة توظيف هذا التنوع الهوياتي العالمي أيجابيا، والاستجابة الى تحقيق أرادة الشعوب الخالصة في نشدان أستحضار مشتركات وتكامل يساهم به الجميع لخلق مدنية ثقافية مشتركة جامعة... لعل أبرز المستجدات التي جاءت بعد العولمة هي أن التاريخ المتصاعد حضاريا ومنجزات العلم الهائلة وضعت مفهوم الحضارات الانسانية في متاحف الاثار ومدونات المؤرخين ليدخل الانسان عصر صناعة مدنية انسانية جامعة تساهم بها كافة الشعوب المؤهلة الدخول في هذا المعترك المستقبلي..ولم يعد هناك في مستقبل البشرية جزر حضارية منفصلة غير متكاملة مع غيرها بتاثير تطور المعلوماتية التبادلية ومنجزات العلم وكذلك تطور الاتصالات وغيرها من وسائل التمدين البشري المعاصر.. فمفهوم الحضارة اليوم أن يكون لك حضورا محسوبا معترفا به في عالم اليوم الذي هو عالم موحد تمدينيا فقط ولا مجال ان يكون العالم حضاريا موحدا، أمثلة ذلك اليابان، الصين، كوريا الجنوبية، ماليزيا، اندنوسيا وهكذا..

أنه أصبح من الطريف في عالمنا اليوم أن نعكس مقولتي صومائيل هينتكتون في صراع الحضارت ومقولة فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ كالتالي، التاريخ العولمي اليوم بدأ ولم يتوقف وهو بداية تاريخ الشعوب المتنافسة كل حسب مؤهلاته وطاقاته الابداعية الاسهام بصنع المدنية العالمية المتحضرة الجامعة لمختلف الشعوب في تنوعاتها الاثنية والدينية والسياسية ونهاية نشدان دول العالم أقامة حضارات على شكل جزر متباعدة تعايش أستحالة بقائها في تفرد خاطيء مزعوم يقود العالم فيه اليوم علم المعلوماتية والاتصالات والاقتصادات المتنافسة..ولا مجال لصراع حضارات مستقبلية في ظل سباق أقامة مدنية عالمية معاصرة بخصوصيات وبصمات شعوب العالم المتنوعة..ومن المستبعد تكرار حماقات سياسية في حروب أفتعالية لا ينجو أحد من مصائبها وكوارثها ولا يتحملها عالم اليوم..

صيرورة تاريخ الماضي

يبقى المحرك الذاتي للتاريخ يعمل بالارادة الانسانية في تقويم وتجاوز الاخطاء الى جانب اشتمالات العشوائية وتوالي المصادفات الصادمة غير المحسوبة ولا المتوقعة تاريخيا، التي تعمل بالتوازي مع هذا المسار وتتقاطع معه أحيانا. وكذلك تتقاطع مع جبروت الطغاة ونوازع السياسة المتطرفة والايديولوجيات السياسية المتعالية في شن الحروب لاشباع رغبة التسلط والهيمنة وقهر الضعيف وحرف المسار التاريخي عن كل قيمة أخلاقية وتغليب نوازع الشرعلى الخير، وهذه الوقائع التاريخية بمجملها تحركها الظروف الاجتماعية والدينية المتطرفة والثقافية ومنهجيات السياسة والايديولوجيات وغيرها التي تنعدم معها حركة التاريخ الانسانية الواعية والمدركة المراد حضورها كغايات مرسومة سلفا لتخدم مصالح البشر قاطبة. وعموما يأتي الاصلاح لهذه الانحرافات الشاذة تاريخيا بتقديم الكثير من التضحيات بغية الاصلاح وأرساء قيم الخير والحرية والانسانية والمساواة من قبل الشعوب لا من قبل الايديولوجيات السياسية ولا من قبل المنهجيات النظرية أو السلطات السياسية الحاكمة.

أن التاريخ من غير الجهد الانساني العملاني الذي لا يمتلك أرادة ذاتية حيّة تقوده الى أمام، مالم يتوفرفيه الوجود الانساني الفاعل الذي يحاول سحب التاريخ الى مواقع متقدمة بوعي أجتماعي ومنهج قصدي محدد الاهداف، وما يصنع التاريخ المستقبلي هو ما يقوم الانسان بأنجازه بوعي قصدي هادف وما يستطيع تحقيقه أو الفشل به حاضرا، فالتاريخ المتحقق وغير المتحقق هو أولا وأخيرا يبقى كيانا معنويا يحضر أو لايحضر، على وفق قدرات الانسان وطموحاته في صنع سيرورته المتقدمة الى أمام.

أنه لمن الصعوبة أيجاد تعميمات وأحكام عامة مطلقة تصلح أن تكون قوانين يعمل بمقتضاها التطور التاريخي ملزمة له.ومن هنا تعددت الرؤى والافكار في ربط التاريخ بالفلسفة أوبالدين أو بالسياسة والايديولوجيا أوبالانثروبولوجيا أو بالاقتصاد أو بالبيئة والجغرافيا أو بعلم النفس او بالاجتماع أو بالبطل والحاكم وهكذا.

هذا التنوع التناولي- التداولي في دراسة التاريخ يجعلنا أمام حقيقة أن حوادث التاريخ البشري لا ينتظمها مسار ذاتي منتظم متطور واحد، كما لا توجد حتمية تاريخية يسعى التاريخ بلوغها بأمكانات وأستلهامات ذاتية محرّكة له بمعزل عن أرادة الانسان الواقعية في تغيير حوادث التاريخ نحو الافضل.

لا بد لنا من تثبيت ما ذهبت له فلسفة الحداثة في أدانتها الحتمية التاريخية الى التشكيك في مراحل التاريخ الرسمي (الكلاسيكي)، تاريخ الايديولوجيات الثلاث، الايديولوجيا الماركسية، وايديولوجيا الرأسمالية الليبرالية والمعولمة، وأخيرا أيديولوجيات العالم الثالث الهجينة بضمنها ديكتاتوريات القومنة وديكتاتوريات التدين السياسي المذهبي...

كما أن توظيف تعالق التاريخ بالدين أو تعالقه بالسياسة والايديولوجيات القائدة و الخادمة له بمحاولات دوغمائية تضع الماضي في صورة المستقبل الجديد والزاهر المستمد من روحية الماضي محكومة بالفشل وسوء تقدير حركة التاريخ ومحاولة حصرها قسرا تحت هيمنة السياسي ورغائبه، في كتابة التاريخ بأجندة الحاكم السياسية وايديولوجيا السياسة المتنفذة.

بدأ التاريخ كما هو الدين بالاساطيروالميثولوجيا وأنتقل ألى مرحلة الدين يقود الحياة والتاريخ ومرّ بسّير الملوك والحكام والابطال ليصل مرحلة الايديولوجيات السياسية ويصطدم أخيرا بالعلم التجريبي- العقلاني الذي وضع خطوطا حمراء أمام كل توجهات السرديات الماضوية الكبرى والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية، أن يكون لها دور حقيقي تستطيع أن تلعبه في ترسيم الحاضر أو المستقبل تريخيا...وأن النظرة الاحيائية للتاريخ كماض لم تعد تعني المستقبل بشيء الذي يحكمه العلم والتكنولوجيا المتطورة باستمرار وتوقف تصنيع ما يعرف قديما بحضارات الشعوب المتعددة والمتنوعة. التي جعلت من العلم والتاريخ مساران متوازيان لا يلتقيان. (ليس المقصود بهذا هنا العلوم الانسانية والتاريخ جزء منها وأنما المقصود العلوم الطبيعية التجريبية).

أن تاريخ الدول والملوك والحكام وابطال الحروب الكارثية والتطرف والفتوحات والهيمنة الغاشمة التي سادت ثم بادت كانت عوامل أشتغالها وديناميكية محركاتها هي النزوات الفردية المنحرفة والانانية والوحشية والحماقات والرعونة في أختلاق المنازعات وسفك الدماء لا غير... وبهذا النوع من التاريخ ورثت البشرية الاوراق الساقطة التافهة منه، لما تم حجبه من تاريخ عن معاناة وكوارث ملايين البشر في الحياة التي لا تواسيها ولا تعطيها حقها كل هالات التعظيم والخلود للسلطة والحاكم.

أن تحقيق المؤرخ للمدونات وأعادة تفسيرها ودراستها وأختراع النظريات التحليلية ووضع المناهج لها ، وما يكتشفه من الخفي غير المعلن والمستور في حوادث التاريخ، لا يمنح التاريخ أية مصداقية على أن مساره ذاتي أستلهامي تطوري في تغليب نوازع الخير والقيم والانسانية فيه على الدوام ، وأنما كانت جدوى التصحيحات تأتي من فاعلية تضحيات أناس صححوا المسار المنحرف لمرحلة أو مراحل من التاريخ، وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، ولم يكن للتاريخ أي قدرة ذاتية روحية أو أمكانية أن يصحح مساره الخاطيء بقواه غير المنظورة وحده.

غالبية الموروث من التاريخ هو أنحرافات الحاكم وحب الهيمنة والسيطرة والتوسع الامبراطوري، أو بروز حركات وحشية همجية تتلذذ بسفك الدماء بأسم أمتلاكها الحقيقة الدينية أو الحقيقة التاريخية، كل هذا وعلى شاكلته ورثت البشرية عامة تاريخا بائسا، تداخلت حوادثه مع المسار الاعتباطي والمصادفاتي للتاريخ.

ويؤكد هذا أن التاريخ في جميع مراحله الماضية لم تكن تحكم مساره الغائيات والحتميات المرسومة الاهداف سلفا، للارتقاء بالانسانية في معارج التقدم والازدهار. والعلامات المضيئة المشرقة التي جاءت على طفرات نوعية مرحلية محدودة في منطقة دون اخرى من العالم، كانت ردود أفعال الانسان المضطهد والطبقات الفقيرة التصحيحية ورفع ظلم وجور وقائع تاريخية مرعبة تمت ازالتها بارادة وتضحيات قوى أنسانية مغيبّة عن صناعة التاريخ الحقيقي على حساب تلميع صورة الحاكم المتنفذ في أذكاء نشوة تحقيق الامبراطوريات.

وما حصل في هذا التطور ليس من حكمة الحاكم ولا من حكمة التاريخ في أن غائية أنسانية مثلى تعيش بأحشاء التاريخ و تأخذ بمساره الانساني المتقدم.فالتاريخ بداية ومنتهى هو من صنع أرادة الانسان له فقط في علاقاته وتطور وسائل عيشه (الانسان) أجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وحبه لقيم الحرية والعدل والمساواة.

أقصى أفادة لنا من التاريخ وحوادثه ووقائعه هو أستذكار ومراجعة تفيدنا بالعظة والتحسّب في أجتناب تكرار الخطأ والاخطاء مرات عديدة.وما نظريات وفلسفات ومنهجيات التاريخ سوى فذلكات عابرة لاكاذيب سابقة لها في التجّني على التاريخ دينيا ولاهوتيا وايديولوجيا، سادت قرونا من عمر البشرية والتي أبهضت التاريخ بما لا يحتمل النهوض في تعويض البديل.

أن فلسفة الوجود الانساني هي فلسفة تاريخه (تاريخ الانسان) لا غير، وهي أسبق في توليدها علامات أستفهام وتساؤلات بلا نهاية تحفيزية تغييرية تكون أجاباتها في التطبيق الواقعي في الحياة هو خلق تاريخية متطورة على الدوام.ولا يحق ولا بمقدور تجربة أمة من الامم أو شعب من الشعوب أن تسحب تجربتها على أمم وشعوب أخرى تمتلك تمايزات جمّة وأختلافات عديدة عنها، ومنهج دراسة تاريخ شعب له خصوصية ومرحلة تاريخية مميزة ، تؤكد أستحالة تعميم تلك التجربة على الآخر المختلف عنها بخصوصيات يتفرد بها.

والتاريخ من غير المفيد أخضاعه لقوانين طبيعية تعمل بمعزل عن ارادة الانسان وفاعليته في مصنع الحيوية البشرية، قوانين التاريخ الحقيقية هي القوانين الوضعية المستمدة من التحقيب الزماني والجغرافي الديموغرافي التي تنطلق من الوجود الانساني الفاعل وتنتهي به. وأن التاريخ خلال مساره الطويل لم يكن يتقدم بحوافز غائية تخلع عليه من قبل المؤرخ أو الدارس، كما أن التاريخ لا يهتدي بنظريات منظورة أو غير منظورة تسحبه خلفها.ولا يوجد حتميات يصلها التاريخ من دون وعي وادراك وأرادة ومسار يصنعه ويقوده الانسان، فالحتميات والاهداف نتيجة عاملي الارادة الذاتية وملائمة الظروف الموضوعية وهذا ما لا يتوفر عليه التاريخ ذاتيا في مساره العفوي قبل دخول الارادة الانسانية عليه. فحركة التاريخ حركة عشوائية ومصادفات غير محسوبة ، تتداخل بها ومعها ردود الافعال الانسانية ونفسيات الحاكم أو القائد المتنفذ والدين والايديولوجيات والنزوات المريضة ونوازع الخير ويقظة الضمير وحب الانسانية وغير ذلك كثير.

نقد المادية التاريخية

نجد في الفلسفة تداخلا مفهوميا مربكا في تناول المادية التاريخية بين تيّارات ومذاهب الفلسفة الغربية عموما، فعبارة سارتر على سبيل المثال (أن المادة حقيقة بشرية تكتسب معناها وخصائصها بفعل الانسان فقط.) أنما تمثل مداخلة خلفيتها الماركسية واضحة... وهذه عبارة لا تغني عن كتب ومؤلفات عديدة تفصح تداخل الوجودية مع الماركسية ليس على صعيد الجدل فقط وأنما على مستوى جميع القضايا التي تهم الفلسفة والتاريخ والمعرفة والعلوم.ويقول سارتر في مقدمة كتابه (نقد العقل الجدلي) أن (الماركسية هي فلسفة العصر، وأن الوجودية ليست سوى أيديولوجيا تعيش على هامش الفلسفة الماركسية).... هذا بمعزل عن القول أن سارتر كان ماركسيا منتميا للحزب الشيوعي الفرنسي قبل أنسحابه وقطع علاقته بالماركسية متبنيّا الوجودية، وبقيت الافكار الشيوعية حاضرة في خلفيته الفلسفية حينما حاول من دون جدوى خلق فلسفة توفيقية تلفيقية تأخذ عن الماركسية أشياء، وتأخذ من الوجودية أشياء اخرى، في محاولته خلق نوع من توليفة فلسفية فيها من التكامل أو التجديد غير المسبوق في الماركسية وفشلت محاولته تلك.وكان نقده للماركسية لا يخلو من تهمة توجيهه الدوغمائية الفكرية لها حين يعتبر الماركسية تنطلق من مسلمات يقينية قاطعة جاهزة تلبسها وقائع الحياة والتاريخ الانساني قسرا.

وفي المنحى ذاته نجد جيرالد كوهين، في كتابه (المادية والصراع الطبقي ص17) ينسب لسارتر تهمته الدوغمائية في أدانته الماركسية: (أنه بدون الحاجة الى أعادة بناء الماركسية من الفكرة النقدية، أن الماركسية أصبحت نوعا قبليا وعقائديا من المعرفة التي تضع الاحداث داخل أطار مفاهيمي قبل دراستها، فهي قررت مقدما ماذا يجب أن يكون عليه كل شيء.) وفي هذا التعبيرأضحت الماركسية بنظر سارتر والفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية وما بعد الحداثة عموما من السرديات الكبرى التي يتوجب مراجعتها بنقد معرفي وفلسفي قوي، وبذلك أعطى سارتر الراية بيد أقطاب البنيوية لتنفيذ ما دعا له وخاصة لالتوسير صاحب كتاب نقد راس المال.

وقول هيجل (أن الفكرة بدون واقع هي فكرة صورية فارغة لا معنى لها، وتصبح الفكرة حيّة ولها أمتداد من خلال الواقع فقط) هي مقولة لا تخرج عن الفهم المادي الجدلي الماركسي المنبثق أساسا من التفكير المثالي الذي أدين به هيجل.

لكن هذا لا يعني أن سارتر الوجودي المنشّق عن الماركسية أو التوسير البنيوي المنشّق هو الآخر عن الماركسية لا يعاديان الماركسية بضراوة، فالوجودية والبنيوية كلتاهما تناهضان الجدل الماركسي وتعتبرانه من مخلفّات الايديولوجيا والسرديات الكبرى التي لم تعد صحيحة ولا صالحة في دراسة التاريخ تحديدا وأن عبارة أنجلز (ان انهيار جميع الانظمة الفلسفية التأملية أمر حتمّي) هي عبارة أكثر من أستفزازية لدى متبنّي الطروحات المثالية ومن بعدهم الوجودية والبنيوية في التزامهم المنهج النقدي المثالي في مواجهة الماركسية بماديتها العلمية الجدلية.

كما يشن أرتيجا نقدا لاذعا على تبني الماركسية حتمية التطور الخطي للتاريخ قائلا: (الآنية الزائفة، - في اشارة الى الذوات الماركسية المفكّرة - ، التي تحدثت عن حتمية تاريخية تخضع الاشياء والبشر لقوانينها ، بأعتبارهم ضمن اشياء العالم).يلاحظ الربط الفكري والتعبيري المشترك في تلاقي سارتر مع أرتيجا في نقدهما الماركسية من نفس منطلق أنها فلسفة دوغمائية تحاول ألباس الواقع مفردات النظرية الجاهزة المعدة سلفا، وتطويعها مراحل التاريخ لمنطلقاتها الجدلية.

الحتمية التاريخية ومابعد الحداثة:

مسألة الحتمية التاريخية التي تعتمدها الماركسية في المادية التاريخية وتعتمدها العولة ايضا في نهاية التاريخ، هي مسألة تحتمل النقاش المستفيض ليس مجالها هنا، الا أنه من المؤكد لا البنيوية ولا الوجودية ولا غيرهما من فلسفات حديثة، أعطت دحضا بديلا منهجيا علميا مقنعا يمكن الأخذ به في أعتبار الحتمية التاريخية التي جاءت بها الماركسية عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفّات الايديولوجيا.فلا تزال ساحة الفلسفة والفكر والمعرفة خالية من نظرية تاريخية تلغي وتبطل النظرية المادية التاريخية علميا وفلسفيا.وبهذا الصدد أشارت الباحثة الامريكية (كميل باليا) بأن البنيوية في حجاجها للماركسية أثبتت انها فاقدة الصلابة الفكرية الفلسفية أمامها.

وأن من المهم جدا الاشارة له أن الحتمية في التقدم التاريخي لم تكن حكرا على الماركسية فقط ، بل أن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تعارض الوجودية وتتماشى وتماليء البنيوية لها في منطلقاتها الفكرية، فهي تلتقي مع الماركسية حول الحتمية التقدمية مثاليا للتاريخ، طبعا من منطلقات لا تعترف بأهمية الجدل في المادية التاريخية حسب التنظير الماركسي التقليدي لها، في تحريك التاريخ نحو الامام.

وتذهب هذه المنطلقات الفلسفية ما بعد الحداثية من واقعة أن الانسان بطبيعته مسكون بتغيير حياته ونشدان تحقيقه الأفضل على الدوام، وبحسب (جيدنجز)، وهو من فلاسفة الحداثة صاحب النظرية الخطيّة العلمية في التطور التاريخي يذهب (أن التاريخ الانساني يصعد من مرحلة الى أخرى صعودا غائيا ارتقائيا دائميا)9 وهي نظرية الحداثة في تطور التاريخ.

واضح أن ما بعد الحداثة لا تنكر التطور الغائي للتاريخ بفعل ما يشبه (الروح المطلق) الذي دعا له هيجل مثاليا، ومأخذ الحداثة على التطور الماركسي للتاريخ هو من مصدر الأدانة الايديولوجية الماركسية في تفسير التطور الغائي من منطلقات ثورية طبقية في التغيير التاريخي.

أن نقد تيارات الحداثة وما بعد الحداثة التي تدين التطور الغائي المتصاعد للتاريخ، كما دعت له الماركسية من منطلق الادانة الايديولوجية للتفسير الغائي، وليس الفلسفي حصرا كما تفهمه وتدعو له فلسفات ما بعد الحداثة، وأبلغ تعبير عن ذلك يأتينا من (يورغين هابرماس) أبرز فلاسفة الحداثة المعاصرين قوله وبنبرة قاطعة (ان أنساق التفكير الكبرى – السرديات الكبرى – قد سقطت ولم يعد لها وجود)1، الحداثة وما بعد الحداثة لا تخفي رفضها وتشكيكها بالتاريخ (الرسمي) المعاصرالقائم على أختلاف (الايديولوجيا) الذي كانت تتوزعه ثلاثة اقطاب ايديولوجية، ايديولوجياالفكرالشيوعي، وايديولوجياالفكرالرأسمالي، وفكرأوايديولوجيات العالم الثالث بمختلف تنوعاتها الهجينة التلفيقية.هذا هو مجمل الايديولوجيات المؤثرة سابقا والى اليوم في ترسيم التاريخ البشري والحضاري للانسانية.

واضح أن هابرماس يقصد الانساق الكبرى هي سرديات الايديولوجيا التي تتصدرها ايديولوجيا الماركسية. (التي لها حجج تنبؤية بالمستقبل وسقطت سقوط الانساق الفكرية المغلقة، والدعوة موجهة اليوم الى انساق فكرية مفتوحة تتلاقى فيها الافكار المتباينة المختلفة).2 وهذا تأكيد أدانة صريحة هدفها الاساس النيل أكثر من (الايديولوجيا) الماركسية في منطلقاتها الاساسية.الا أن ما يحسب لهابرماس في دعوته فتح قنوات التواصل أمام الجميع تحمل الكثيرالمطلوب مما يحتاجه العصر والحضارة العالمية.

لكن أدانة التطور الغائي حداثيا لم يسلم هو الآخر من نقودات لاذعة خارج مدارات التفلسف والايديولوجيا، في (أعتبار أن حكاية التاريخ الصاعد في المجتمعات المختلفة كلام باطل، والا لماذا ظهرت الفاشية والنازية لو أن المسألة تتعلق بالارتقاء الصاعد كما يزعم انصار الحداثة، فالحقيقة أن التاريخ ليس صاعدا على الدوام بل قد يرتد ويتراجع ومن ثم يتقدم، ونظرية التقدم التاريخي المطلق قول لا اساس له من الصحة)3.

وهذه الانتقادات اللاذعة هنا تدين الارتقاء الايديولوجي للتاريخ وحصرا ايديولوجيا الماركسية، بنفس وقت ادانتها للارتقاء التاريخي (الفوضوي) الذي تنادي به الحداثة وما بعد الحداثة.علما أن البنيوية لا تؤمن أصلا بوجود تاريخ كانت لارادة الانسان دورا في تشكيله وانبثاقه.وبذا تبقى الغائية أو الحتمية التاريخية تدور في دائرة مغلقة لا يعرف أمدها ولا مبتغاها يوصل الى اين؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

** الاقتباسات بين مزدوجتين بلا ترقيم ماخوذة عن الكتاب المصدر لهذه الدراسة

عبد الوهاب جعفر/البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر/ كما بعضها الاخر مقتبس عن سيد ياسين في ندوة فكرية بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة.

 

1- المصدر اعلاه ص 108

2- المصر السابق نفسه ص 199

3- المصر السابق ص 211

 

 

علي محمد اليوسفهناك مقولات عديدة فلسفية صدرت عن سارتر واقطاب الفلسفة البنيوية حول أدانتهم جدل المادية التاريخية الماركسية كانت مثار نقاش فلسفي حاد وعنيف بين الماركسيين والوجوديين والبنيويين على السواء...فقد أصدر سارتر كتابه (نقد العقل الجدلي) وأصدرشتراوس كتابه (التفكيرالمتوحش) وأقتفى أثره لاكان في كتابه (كتابات) في علم النفس وأستقر المقام مع أكثرهم ضراوة عدائية للماركسية التوسير في كتابه (نقد رأس المال) كما أصدر فوكو كتابه (الكلمات والاشياء).

من المباحث المهمة في هذه المؤلفات البنيوية وغيرها العديد كانت جميعها تدين المنهج الجدلي الماركسي في المادية التاريخية ليس من خلال التفنيد النقدي الفلسفي المباشر، في التحليل المادي الفلسفي للتاريخ بل محاولتهم تحويل مفهوم البنية المادية للوجود والاشياء الى مفهوم ميتافيزيقي مثالي وتسويق الجدل برؤى مثالية بعيدة عن علاقة التأثير المتبادل مع الواقع العيني للمجتمعات البشرية... أي أبعاد الجدل عن محيطه الشغّال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والطبيعة والتاريخ كما سبق لهيجل ذلك قبل تصحيح ماركس جدله المثالي...وأعتبارهم الجدل الماركسي أصبح من كلاسيكيات الفلسفة المعاصرة والسرديات الكبرى التي تجاوزتها ما بعد الحداثة.

وحين يوجّه النقد من البنيوية والوجودية الى الماركسية في صلب مرتكزها العامل الاقتصادي المتداخل بالحراك الاجتماعي الطبقي أنه مبعث التطور الذي يقود الى التغيير والتطور التاريخي، فأن البنيوية تعمّدت من جانبها أيضا أعتماد علم اللغة والتاريخ البدائي الاثنولوجي لاقوام ماقبل التاريخ الذي يقوم في مختلف توجهاته أعتماد مثالية فجّة في النقد السطحي للمادية التاريخية، في فلسفتها كبنية محورية جدلية لها الدور الحاسم في أحداث التطورات التاريخية الانثروبولوجية... وفي أسقاط البنيوية ايضا القطوعات التأريخية للاقوام البدائية على التفكير الفلسفي المعاصر القرن العشرين وما تلاه..

وأهتم كلود ليفي شتراوس باللغة الى جانب اركيولوجيا الاقوام البدائية ما قبل التاريخ على أن اللغة ظاهرة ثقافية تميّز الانسان عن الحيوان – وهي مقولة مقتبسة عن ديكارت وقبله افلاطون وبعده عشرات من الفلاسفة – وأن علاقة أرتباط اللغة الوثيق بالانثروبولوجيا تعتبر المرتكز الاساس الذي بموجبها يمكننا فهم التطور التاريخي، وليس الجدل الديالكتيكي الذي تعتمده الماركسية الذي أصبح من مخلفات السرديات الايديولوجية التي تمت مغادرتها حسب الادانة البنيوية وما بعد الحداثة... علما أن الجدل في المادية التاريخية محور ومرتكز أشتغاله هو تاريخ الانسان أنثروبولوجيا في جميع مراحله التطورية على مفهوم التناقض الحاد بين التفاوت الطبقي.. والجدل ليس له فعالية مجردة عن التاريخ واقتصارها على الفكر فقط..

وقد كانت لأفكار دي سوسير عالم وفيلسوف اللغة، وجاك دريدا، ورولان بارت ونعوم جومسكي وآخرين، الاثر الكبير في محاولة أعتماد مركزية ما سمّي التحول اللغوي في مراجعة وتصحيح تاريخ الفلسفة عموما، وكان أكبر الفلاسفة المعارضين لهذا التوجه هو فيلسوف المنهج التحليلي التجريبي العلمي الانجليزي براتراند رسل وريث التجريبية التحليلية العقلانية عن جون لوك وديفيد هيوم وجورج مور، في أدانتهم أن تكون مركزية الفلسفة أصبحت هي علوم اللغة واللسانيات كما تفهمها البنيوية والتفكيكية على السواء معتبرين فلاسفة التحليلية الانجليز أن الاشتغال على منهج اللغة تفكيكيا بلاغيا في أدانة مفاهيم الفلسفة غير مجدية ويمكن أن تكون هذه الفلسفات اللغوية قواميس في نحو اللغة لا علاقة لها بقضايا الفلسفة ويمكنها دراسة الادب منهجيا بما هو تجنيس ادبي وليس نحو اللغة في المعرفة الفلسفية...ومن نافل القول بهذا المجال أن علاقة براتراند رسل بفنجشتين بقيت مأزومة الى حد العداء بينهما..

كما يجد شتراوس رائد الفلسفة البنيوية أن التاريخ هو منهج لا ينتسب اليه موضوع بعينه، لكنه يبقى رغم ذلك ضروريا لفحص تكامل العناصر في أي بناء أنساني أو غير أنساني، ونعت التوسيرصاحب كتاب نقد الرأسمال لماركس بدوره الايديولوجيا الماركسية بأنها ليست أفكارا وأنما هي أكاذيب جميلة في محاولة عجز فلسفي وهروب منه بعدم أمكانية دحض الافكار الماركسية علميا فلسفيا.

ولتكريس هذا النمط من التفكير المثالي وأحيانا التجريدي غير المادي يذهب شتراوس الى أن (التاريخ كعلم ينبغي فهمه من أن طبيعته لا تختلف عن طبيعة الاسطورة)... ويفهم من هذا أن التاريخ هو مجموعة أحلام جماعية أسطورية للشعوب والجماعات البدائية لا ينتظمها قوانين تحكمها تطوريّا، لكنما لا تخلو من عقلانية سحرية حسب شتراوس وفلاسفة البنيوية، وأنها مراحل لا تاريخية تتقبّل الشروحات المتباينة الكثيرة عنها وفي دراستها...لكنها تحمل محمولات لا تستبعد التأويل الخرافي وتضخيم ميثالوجيا الاساطير الكاذبة على حساب الواقعة التاريخية التي تثبتها التنقيبات الاركيولوجية..

بمعنى أكثر تكثيفا أن شتراوس أراد أن يخرج التاريخ من تاريخيته التحقيبية التطورية الانثروبولوجية المادية تحديدا وينقله الى مصاف الاساطير والميثولوجيا والملاحم والسحر والكهانة، في دراسة التاريخ الانساني في نموذجه البدائي على شكل قطوعات ساكنة لا يحكمها التغييرالخطي المتسارع، لذا تكون هذه القطوعات التاريخية بلا تاريخ، أو بتعبير أدق خارج التحقيب التاريخي الذي بدأ مع أختراع الانسان الكتابة المسمارية بحدود 3200 ق.م أي ما يطلق عليه العصرالحجري النحاسي الاول الذي كان تتويجا لازدهار عصر الزراعة 7 الاف ق. م التي هي بداية صنع الانسان للحضارة الانسانية تلتها بعد أقل من قرن الكتابة الهيروغليفية في الحضارة الفرعونية المصرية..

أن الاسطورة لعبت دورا أساسيا محوريا في أنبثاق الاديان في أشكالها الوثنية، وكان للاسطورة والدين البدائي دورا مهما في صنع تاريخ أنسان ماقبل التدوين أي ماقبل أختراع الكتابة... وتأثير الاسطورة طال حتى الاديان التوحيدية التي بات التشكيك بتلك الديانات كاليهودية بالذات أنما تقوم على مرتكز اسطوري وصل حد أن النبي موسى لا وجود حقيقي له متجاوزين حتى ما ذهب له فرويد أن موسى لم يكن سوى شخص مصري وليس نبيا..!! وقصة رميه رضيعا في سلة طافية في النيل مأخوذة عن اسطورة وضع سرجون الاكدي الرضيع في قفة من القصب في نهر الفرات في عراق الحضارة الاكدية بعد السومرية، ومثلها المآخذ والثغرات الكبيرة جدا في حدوث الطوفان في عصر نوح التي أصلها اسطورة سومرية حدثت في عصر الملك السومري اتنوبشتم ولا علاقة تربطها بما جاء في الكتب الدينية المقدسة في مقدمتها التوراة ونسبتها الى النبي نوح الذي يستحيل ان تحدث تلك الاسطورة في ذلك الزمن السحيق بما تم أخراجه ...وهكذا.

الجدل والوجود غير الموجود:

يميّز سارتر بين نوعين من الجدل التاريخي، الاول ويطلق عليه (الجدل الحقيقي) وهو الذي يعتبره خاصّية المجتمعات التي لها تاريخ انثروبولوجي مدوّن، والثاني يطلق عليه (الجدل التكراري) القصير الأجل وهوما تختّص به المجتمعات البدائية التي لا تاريخ لها كما أوضحناه في عبارات سابقة.(1) أي الاقوام البدائية التي لم تعرف الكتابة ولا تدوين تاريخها وكل ما وصلنا منها هي الاثار واللقى الباقية غير المندثرة، فقد كانت تلك الاقوام لا تعرف غير الكلام الشفاهي غير المكتوب أو المدّون لذا أصبح نعتها بالاقوام البدائية التي لا تمتلك تاريخا بسبب جهلها الكتابة في عدم تدوين تاريخها..

كما أن سارتر يقارن بين الاثنولوجي، والمؤرخ في فهمهما جدل التاريخ: (أذ يرى الاثنولوجي في التاريخ حركة تعرقل الخطوط – يقصد المسارات الحركية التطورية الخطيّة للتاريخ – في حين يجدها المؤرخ في دوام وأستمرار البناءات) (2) اللاشعورية والشعورية المستنبطة من دراسة التاريخ بمنهج تأملي وأحيانا في تجميع أحصائي ميداني يفيد في تعميم خلاصة نتائج الجزء على الكل والخاص على العام وبالعكس.

ويطرح سارتر من خلال الجدل التاريخي أشكالية فلسفية معقّدة، هي الذات الانسانية والوجود الفردي للانسان منطلقا من (أن حقيقة الانسان تكمن في أنه الموجود الوحيد الذي يسأل عن وجوده بأستمرار، أوهو الموجود المتحقق براكسيا.)(3) أي المتحقق وجودا بالفعل العملي المنتج... وكان بهذا على خلاف مع الفلسفة البنيوية التي تتجاهل الذات تماما...وقد عمل بول ريكور في تطويره مفهوم الذات في منهجه التاويلي أنه عمل على تحرير البنيوية من بعدها الاطلاقي في تذويبها الذات الانسانية فكانت (تعال بلا ذات) تماشيا مع طروحات ما بعد الحداثة التي جعلت فوكو ينكر أن يكون للانسان تلك الاهمية التي أستمدها من الفلسفة قرونا طويلة، كما عمد ريكور تحرير ظاهرية هوسرل أيضا من بعدها السايكولوجي حيث هي (ذاتية بلا تعال). للمزيد مراجعة كتاب ريكور نظرية التاويل وفائض المعنى.

أن الانسان حسب سارتر يتساءل عن وجوده المقلق مرّة باعتباره موجودا كمعطى طبيعي انثروبولوجي - بيولوجي، وكينونة أنسانية تاريخية متفردّة نوعيا، والتي تكون تساؤلاته الدائمية قرين وجوده المادي البيولوجي المفارق، ومرّة أخرى يكون الانسان هو الموجود المتحقق براكسيا (بالارادة والفعل والعمل) كناتج وجوده في الطبيعة وفي تناقضاته الوجودية الدائمة المستمرة مع وعيه لذاته ومع الاشياء والمحيط.

أن هذا السبق الجدلي لسارتر ومن قبله لهيجل يعود لصاحبه هيراقليطس الأب الروحي للجدل والصيرورة والتغييرفي مقولته: أنك لا تعبر النهر مرّتين في تاكيده الصيرورة تحكم الموجودات والاشياء جميعها، وعبارته الجدلية الثانية (أن الوجود واللاوجود شيء واحد موجود وغير موجود) وكما هو مثبّت في تاريخ الفلسفة أعتمد هيجل كثيرا على آراء ومقولات هيراقليطس التغييرية المتحركة، هراقليطس له الفضل والاسبقية الاولى في أن كل شيء بالوجود في حال من الحركة الدائمية المستمرة (صيرورة) غير ثابتة، وهو المحرك الاول في أختراع هيجل الجدل أو الديالكتيك المادي، ومنها هذه العبارة التي مرّت بنا سنوضحها وقد وضّحها هيجل بقوله (أن حركة الشيء تفصح عن أن الشيء موجود وغير موجود أيضا) أي أن هيجل يقصد وقبله هيراقليطس طالما أن (الحركة) تحكم كل شيء موجود، فيصبح حينها وجود الشيء متحركا لا يختلف عن وجوده ثابتا، فهو ثابت ومتحرك في نفس الوقت، لذا هو موجود وغير موجود في محكومية الحركة المستمرة له ، والحركة تجعل من الموجود (الثابت) غير موجود في وقت واحد أو بتعبير أوضح في(آنية) زمنية واحدة...

نلاحظ بالعودة الى سارتر أنه يعبّر عن رؤى فلسفية ماركسية لم يستطع الخلاص منها لازمته في مرجعية تداعيات فكرية لم يستطع الخلاص من تاثيرها عليه بعد أنفصاله عن الحزب الشيوعي الفرنسي، بأن الوجود الانساني يتحقق بالفعل الانساني كأرادة تقوم على الفعل والحرية وصنع الحياة الانفرادية الذي يفارق به حياة الحيوان، كما نجد نفس هذه المداهنة مع الماركسية لدى ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية قوله (أن للتاريخ والانثروبولوجيا موضوعا واحدا مشتركا، هو الحياة الاجتماعية وأن هدفهما الواحد فهم الانسان بشكل أفضل وأحسن).(4) — معظم فلاسفة الوجودية والبنيوية وغيرها من تيارات فلسفية كانوا جميعهم ماركسيين وشيوعيين لذا نجد صعوبة خلاصهم من خلفياتهم الفكرية التي لازمتهم لاشعوريا بعد انشقاقهم عن الاحزاب الشيوعية ----.

أن المنهج الجدلي الصارم (أنما يفترض أحلال المقولات التاريخية، محل المقولات المنطقية وبدلا عنها) (5) بمعنى أن دراسة الانسان تاريخيا في صيرورته المتغيّرة على الدوام، أي في واقعه، العملي والاجتماعي العيني هو ما تؤكد عليه الماركسية، بدلا من دراسة الانسان تاريخيا (صوريا تجريديا وظاهراتيا) في مقولات فلسفية منطقية مثالية يجري تداولها على مستوى الفلسفة وعلوم المعرفة. أي أن تلك المفاهيم المثالية هي التي تقوم عليها أدبيات الفلسفات الوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية، في التسليم أن الفكر التأملي التجريدي هو الذي يخلق للانسان تواريخه (مراحل التاريخ) على مدى العصور، التي تنعدم معها الصلة بالانسان كواقع عيني وجودي حيوي متغيّر ومتطّور غير ساكن... أي أن الانسان لا يصنع تاريخه بنفسه نتيجة حراكه الدائم طبقيا أجتماعيا .، وهي منطلقات فكرية مغرقة في مثاليتها الى أبعد الحدود... فليس هناك تاريخ انساني لم ولا تصنعه أرادة الانسان على الارض.

من هنا نرى أهمية عبارة دي لاكروا (أن عصرنا يشهد نهاية المنهج المنطقي في تفسير التاريخ).ليس بتأثير العلم وأنجازاته العظيمة فحسب، وأنما بأتجاه تأكيد أهمية تغيير الوجود الانساني نحو الافضل على صعيدي المعرفة والفلسفة على السواء.أي (نهاية الجهد الانساني الذي يحاول الامساك بالعلاقات الثابتة بين أفكار محضة تخرج عن الصيرورة التاريخية للفرد والانسانية) (6).

وأذا كان المنهج المنطقي الوضعي يفترض أمكانية معرفة الانسان والعالم من الخارج، فأن منهج الديالكتيك يكتشف النفس الانسانية وهي تعي ذاتها تدريجيا أو عندما تخلق ذاتها من خلال تناقضاتها وأيجاد حلول ومخارج منها لتطوير ذاتها.(7)

أنه مع الاقرار بالاختلاف أن الانسان لا يمتلك طبيعة واحدة (بيولوجية، فيزياوية، نفسية لا تختلف وغير متغيّرة أو شبه ثابتة، أو طبيعة مشتركة ثابتة لا تتغيّر مع غيره من نوعه على مّر العصور، نجد البنيوية وقعت في مطب يحسب عليها لا لها، عندما حاولت تأسيس انثروبولوجيا نسقية معرفية تصورية أستنباطية ، في محاولتها الغاء الجدل المادي التاريخي، وشطب الغائية الحتمية في تطورية التاريخ مراحليا حسب التفاوت الطبقي المتصارع على الدوام في رغبة تحقيق مصالح الطبقة الاقوى اقتصاديا كما تذهب له الماركسية، سواء في النظر الى دراسة المجموعات البشرية المتعددة من خلال التزامن البنيوي وليس التحقيب التاريخي الذي تعتمده الماركسية، أي أن البنيوية درست مراحل تاريخية لعيّنات قبائلية واقوام كقطوعات تاريخية ساكنة، وليس من منطلقات التحقيب التاريخي الماركسي والحضاري للصيرورة التاريخية المراحلية المتغيّرة انثروبولوجيا على الدوام في تظافر عوامل عدة تكون سببا في أحداث تلك التطورات التصاعدية في التاريخ انثروبولوجيا.

وعلى الرغم من الاختلاف في الطبيعة الانسانية بين الجماعات البدائية من جهة، وبين المجتمعات المعاصرة من جهة أخرى فأنه (من الممكن – حسب البنيويون – أن يقوم هناك اتصال حقيقي، وتفاهم أيضا متبادل بين الفريقين المتمايزين.)(8) والمقصود بالتبادل والتفاهم هنا هو أيجاد أستنباطات نسقية بحثية مستخلصة وفلسفة بناءات تجمع القضايا التي كانت تهم الجماعات البدائية مع المجتمعات المعاصرة من حيث أن البنيوية تذهب الى أن المشاكل والقضايا التي كانت تشغل الانسان قديما وحاضرا هي قضايا مشتركة تقريبا، ولا توجد فروقات جوهرية كبيرة بينها من حيث معالجة معنى الوجود الانساني... ومن هذا الفهم والتبادل المقصود بين عدم وجود طبيعة أنسانية واحدة ثابتة غير متطورة، وبين الاتصال الممكن الدائم بين شعوب وجماعات الجنس البشري، أعادت أثنولوجيا البنيوية بصورة متجددة مسألة أيديولوجيا الوجود في تفسير تاريخ الجماعات والاقوام، لكن ليس بالاقتراب من الفهم الايديولوجي الماركسي الذي جرى نبذه وتحريم الأخذ به.

ولما كانت نقطة الضعف في الفلسفة الوجودية، هي الانطلاق من مسلمة (أمتناع التواصل بين الذوات) الانسانية المنفردة، نجد سارتر يستنجد بايديولوجيا الوجود أيضا للخروج من مازقه الوجودي أن الانسان وجود لذاته بدلا من وجوده من أجل الاخرين...معتبرا الانسان يحمل عبء حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين أيضا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1- د.عبد الوهاب جعفر، البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر ص 183 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- نفس المصدر ص 183

3- نفس المصدر ص 211

4- نفس المصدر ص 216

5- نفس المصدر ص 222

6- نفس المصدر ص 225

7- نفس المصدر ص 231

8- نفس المصدر ص 238

 

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: عوضا عن الخاتمة (9-9)

إن احدى المفارقات المدهشة لمصير الماركسية والفكرة الشيوعية تقوم في صراعهما العلني والمستتر، مع أنها من أصل وجذر واحد. بمعنى إن الفكرة الشيوعية هي الوجه السياسي والعملي والمستقبلي لحصيلة الاجتهاد النظري (الفلسفي) لماركس. وإن سبب هذه المفارقة يكمن أولا وقبل كل شيئ في تعايش العلم (الفلسفي) والأيديولوجية (السياسية). ومن ثم ضمور الأولى لصالح الفكرة الحزبية. ومن تداخل هذه القوى المتعارضة والمختلفة والمتضادة أحيانا جرى صنع ظاهرة تحول الأيديولوجية الشيوعية إلى العدو اللدود للماركسية. وهي ظاهرة يصعب حدّها بمعايير المنطق، لكنها أكثر واقعية من المنطق نفسه! وهي الظاهرة التي يمكن رؤيتها على مثال أغلب التجارب السياسية و"الفكرية" للأحزاب الشيوعية. 

كما إننا نعثر في هذه الحالة المفارقة للماركسية، أي تحولها إلى قوة أيديولوجية عارمة على نجاحها التاريخي وسقوطها السياسي أيضا. فإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد (كما ظهرت في البروتستانتية)، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع عشر (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجّسد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا". ومع كل ازدياد في توسع مفهوم الجماهير (الفلاحون والفئات الرثة ثم الشرق بأكمله!) توسع مدى تطابق وتماهى ماركس مع "ماركسية" الأحزاب، والأيديولوجية الماركسية مع هتاف الجماهير. عندها أصبح ماركس الشخصية الأقرب إلى العقول البسيطة والبطون الفارغة. بمعنى تحولت الماركسية بهيئة الشيوعيىة الى دين من نوع جديد مع إن كل ما فيها معاد للدين. بل وكانت الفلسفة الأكثر تنظيما لفكرة النفي الفلسفي للأديان والأيمان الديني. من هنا واقع المفارقة النموذجية بهذا الصدد والتي نعثر عليها عند اتباعها. والمقصود بذلك هو أن اتباع الشيوعية عادة ما يتهمون رفاق الدرب القدماء بالمروق والخيانة حالما يخرجون من قيود الماركسية بوصفها اجتهادا نظريا، بينما غيّر ماركس تبعيته في ميدان الفكر الفلسفي والسياسي ما لا يقل عن سبع مرات!! وهذه في الواقع من فضائله. فالفكر الكبير ليس متقلبا بل نقديا. والماركسية مجرد فكرة لا غير شأنها شأن كل ما سبقها ولحقها. أما تحويلها الى عقيدة فقد قتلها وجعلها أداة بأيدي الحمقى والمغفلين. إن محاولة الإبقاء على ماركس أيقونة أو مسبحة بأيدي عجائز العقول الخربة والأنفس الميتة وعنفوان الغرائز الجسدية يجعل مما فيه قوة قاتلة ومدمرة شأن احاديث النبي والقرآن وأقوال السلف "الصالح" بأيدي السلفيات الإسلامية المتشددة، أي همجية لا علاقة لها بأصول الفكر والفكرة والرجال. بحيث نرى هيمنة فكرة وأسلوب المحرمات في الأحزاب الشيوعية لا تقل عما عليه الأمر في السلفيات المتشددة. بمعنى تمثلها لنموذج التحريم والتجريم. إن تحويل هذه القواعد الدينية ونقلها إلى الحزب جعل منه كيانا أقرب ما ميكون إلى محاكم تفتيش لها كهنتها وجلاديها. لكن أفضع ما فيها كونها موجهة ضد اتباعها! وهذه كنيسة غريبة! وقد ترتب على هذا الاثر التخريبي للاحزاب تدمير منظومة القيم بشكل عام والعلمية بشكل خاص. بحيث يمكننا رؤية الجرأة العارمة للتجريح والهجوم والتدمير والاستعداد للقتل وما شابه ذلك من قبل أميين وجهلة وأنصاف متعلمين ومن ذوي الشهادات الرسمية الفارغة! ومن بين نوادر هذه الحالة إن احد الأشخاص قد هاجمني مرة بشدة وعنف "ثوري" على مقال نقدي ضمن هذا السياق، لا تتعدى حصيلته "العلمية" مدرسة متوسطة وثلاث سنوات في السجن! وإن السبب القائم وراء هذه الظاهرة هو أن الأيديولوجيا زمن! لهذا سرعان ما تضمحل وتتلاشى بحيث لا تبقي من آثارها على شيئ غير غباء "مجتهد" وذهنية متشنجة ونفسية متعصبة تلازمها في الأقوال والأعمال.

إن مهمة نقد الشيوعية هنا وغيرها لا تهدف إلى نقد الشيوعية كما هي بوصفها فلسفة، مع ضرورته، ولكنه يهدف أساسا إلى تعليم العقل السياسي مرونة الانفتاح بما في ذلك على النفس، وتحريره من ثقل الأيديولوجية الطاغي. فإذا كنت تكره الطغيان، فلا بأس بالبدء به أولا من النفس. فالايمان الاجوف بالأفكار قبل تفحصها النقدي هو طغيان الجهل والعبودية. وقد التقيت بشخصيات شيوعية حزبية "قائدة" لم تقرأ في حياتها مقالا للينين. أما ماركس فإنهم لم يسمعوا إلا ببعض كتبه. الأمر الذي جعل من الشيوعية والماركسية مجرد صيغة مناسبة للذهنية السياسية الحزبية ونفسية الطوائف، ومن الذهنية السياسية والأيديولوجية نفسية الإيمان. وقد كانت تلك الوسيلة "المثلى" والملازمة لهذا النمط من التفكير والنفسية أن يجري احتكار الفكرة من جانب أزلام الاحزاب. بحيث جرى ربط الأحزاب بالفكر، وأزلام الأحزاب بالفكر. بحيث اخذت بالانتشار، بأثر ذلك، ظاهرة "مفكرون" جهلة وأنصاف متعلمين. بل و"مفكرون" و"منظرون" لم يكتبوا شيئا!! فكيف يظهر مفكرون بلا فكر؟! وعلماء بلا علم؟! وحثالة في هيئة مبدعين؟!

إنها الحالة التي يتجسد فيها انقلاب القيم والمفاهيم. بحيث يؤدي إلى استعداد الجميع للتقلب والتبدل دون تراكم ذاتي. شيوعي حتى الجلد وقت الجَلد، ثقيل كالجاموس في أهوار العراق، هادئ وثقيل وقت الراحة والعلف، ومتحمس وسريع الحركة وقت الهروب. بحيث نرى امثلة عديدة كيف يترك "قادة" الأحزاب الشيوعية وهم في السبعين والثمانين من العمر ويتبارون في الدفاع عنه أو مباركته في مناسبات "الولادة" و"الشهادة"! إن السبب وراء هذه المفارقة الغبية بسيط للغاية، ولا علاقة لها بالفكر، بقدر ما لها علاقة بالنفس. بمعنى الخوف من تمزيق القاعدة التي جرى تربيتها على هذا النمط. عندها ستبدأ سكاكين الرحمة في تشريح الجلد الرقيق عن اللحم العتيق، وإبراز كل بواطن النفس والجسد، أي كل ما لا ينبغي التعرض له.

إن احتكار الماركسية من جانب الأحزاب الشيوعية قد أدى إلى نتائج عملية بائسة بالنسبة لفكرة الحزب والتاريخ السياسي والدولة والأمة والثقافة. فهل يمكن للمرء أن يكون مفكرا ماركسيا؟ لا يمكن! لأنه مجرد تابع، أو في أفضل الأحوال تلميذ نجيب. ففي تقاليد الإسلام على سبيل المثال يقولون عن المجتهد الكبير "إمام" أي من يتقدم بين اقرانه (لأنه مسلم). لكنه يمكنه أن يكون صاحب مدرسة في علم الكلام والفلسفة والتصوف الخ. وبالمقارنة، لا يمكن للمرء أن يكون في الأحزاب الشيوعية سوى ايديولوجيا فقط، أي منّظرا في مجال الأيديولوجيا. وليس مصادفة أن يجري مصادرة فكرة "الطليعة" في التجارب الشيوعية جميعا. والأولية هنا للاستعداد والقدرة على المصادرة. من هنا بلورة فكرة ومفاهيم "الطليعة السوفيتية" في كل شيئ (الأمم، والتاريخ، والأحزاب، والفكر، والعلم، والحقيقة، والعمال، باختصار في كل شيئ). وما هو الغريب في الأمر؟ فقد قال لينين (الحزب هو عقل وضمير الطبقة العاملة). وأصبح ذلك شعارا للدولة والحزب. وللفكرة معناها الأيديولوجي ومعناها الفعلي. الأول وهي رغبة حالما تصطدم بالواقع، فإنها تتحول بالضرورة إلى مصادرة. الأمر الذي نعثر عليه في تجارب الأحزاب الشيوعية جميعا. ولا يمكنها التخلي عن ذلك إلى أن تنقرض. وذلك لأن "طليعبتها" تعادل معنى مصادرة العقل والضمير. مما يحولها مع مرور الزمن إلى انحطاط متراكم. وهي حالة يمكن رؤيتها على مثال الانحطاط البياني في شخصياتها الكبرى. فمن شخصيات ماركسية اولية كبرى مثل كاوتسكيي وبليخانوف ولينين وتروتسكي وأمثالهم يتحول ستالين إلى رجل الفكر الأول مع أن حصيلته العلمية والمعرفية مدرسة دينية اولية فقط! وهي ظاهرة يمكن العثور عليها في تجارب الأحزاب الشيوعية في كل مكان. بمعنى هبوطها المستمر. ففي المشرق العربي نعثر على بكداش (سوريا) وعزيز محمد (العراق)، باختصار اكراد وفكر مثل وصحراء وسحر! وتلك مصيبة يا أم عمرو!

وفي حالة تخصيص هذه الظاهرة في العالم العربي التي أدت في نهاية المطاف إلى خاتمة تعيسة ومثيرة للسخرية بالنسبة لتجارب الأحزاب الشيوعية، فتقوم في تحول الأيديولوجية الشيوعية "العربية" إلى أيديولوجية أقليات قومية وعرقية ودينية. وهكذا كان الحال في كل مكان. وليس مصادفة أن يرفضها جميع رجال الفكر الكبار في العالم اجمع. وفي هذا كانت وما تزال تكمن مأساة ماركس والماركسية. بل إن سقوط الشيوعية في كل مكان مرتبطا بهيمنة الأقلية. فجميع الدول التي انهارت فيها الشيوعية كانت بسبب هيمنة الأقليات في قيادة الحزب الشيوعي، كما نراه في الاتحاد السوفيتي وأوربا والعالم العربي وغيرها. والاستثناء الوحيد للصين، لأنه لا أقلية هنا. والأولوية فيها للدولة والأمة. أما الحزب والأيديولوجية فهي أداة معمرة. وعلى العكس من ذلك، حالما تهيمن الأقلية، فإن الأيديولوجية والحزب تصبح أداة مدمرة. وهي عبرة فيما يبدو متأخرة بالنسبة للأحزاب الشيوعية. ولكنها مهمة لغيرهم. (انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

حيدر جواد السهلانييطلق بعض الباحثين على كتاب هوسرل (الفلسفة علماً دقيقاً) أسم مقالة اللوغوس، نسبه الى مجلة اللوغوس، ويترجمه البعض تحت عنوان (الفلسفة كعلم صارم) وهو عبار عن مقالة نشر في سنة (1911) في العدد الأول من مجلة اللوغوس(logos) وهذا المقال يلخص تصور هوسرل للفلسفة، في مقابل التصور الرائج أنذاك الذي يختزل الفلسفة الى مجرد رؤية للعالم ليس من حقها أن تطمح إلى العلمية أو أن تدعي صلاحية تتعدى شرطيتها التاريخية، وبذلك يرى هوسرل أن مهمة الفلسفة هي إنشاء معرفة صارمة ومتحررة جذريا من كل الآراء والأحكام المسبقة.(1) يقول هوسرل" لقد كان المطلب الدائم للفلسفة، منذ بدايتها الأولى أن تكون علماً دقيقاً، بل أن تكون ذلك العلم الذي يفي بأعمق المقتضيات النظرية للعقل، ويمكن من وجهة نظر اخلاقية دينية من قيام حياة تحكمها معايير العقل الخالص، وقد استمر هذا المطلب ساريا عبر عصور التاريخ المختلفة، بدرجة تتفاوت قوة وضعفا، ولكن لم يصرف النظر عنه قط، حتى في العصور التي كان فيها الأهتمام بالنظر الخالص والقدرة عليه موشكا على الزوال أوخلال تلك العصور التي كانت القوى الدينية فيها تقيد حرية البحث".(2) ومع ذلك لم تستطع الفلسفة، في أي عصر من عصور تطورها، أن تحقق هذا المطلب، أي أن تكون علماً دقيقاً، لكن تحاول الفلسفة أن تبني نفسها علماً دقيقاً، عن طريق التأمل النقدي، وبفحصها لمنهجها على نحو أعمق، وقد كان لها دور في تأسيس العلوم الطبيعية والعلوم الأنسانية الدقيقة وتحقيق استقلالها، فضلا عن تأسيس المباحث الجديدة للرياضة البحته وتحقيق استقلالها، فالفلسفة وفقا لغاياتها التاريخية أسمى العلوم جميعا وادقها، تلك الفلسفة التي تمثل مطلب الأنسانية الدائم في المعرفة الخالصة والمطلقة.(3) يقول هوسرل" أنا لا اقول إن الفلسفة علم ناقص، بل اقول ببساطة أنها ليست بعد علماً، وأنها لم تخط بعد خطوتها الأولى بوصفها علما".(4) أن العلوم كلها ناقصة بما في ذلك العلوم المضبوطة التي نعجب بها أيما أعجاب، فهي من جهة ناقصة بسبب أفق اللانهائي للمشاكل القائمة بغير حل، أما الفلسفة فالنقص فيها مختلف تماما عن نقص العلوم جميعا، ففي الفلسفة لا يقتصر الأمر على كونها تملك نسقا من التعاليم يتسم بالنقص ولا يكون قاصرا الا في حالات بعينها، بل هي ببساطة لا تملك مثل هذا النسق البتة، ذلك أن كل شيء في الفلسفة موضوع للجدل، وكل موقف يتخذ هو مسألة أقناع شخصي، أو تفسير مدرسة أو جهة نظر، الفلسفة بمعنى العلم الدقيق موجهة ومحددة المهام التي يتحتم علينا القيام بها، واولى هذا المهام هي أن يركز الفكر جماع طاقته في أن يوضح، عن طريق إجزاء فحص منهجي شروط العلم الدقيق توضيحا كاملا، وهي الشروط التي كانت الفلسفات السابقة تغفلها أو تسيء فهمها بصورة ساذجة، وذلك لكي يحاول الفكر فيما بعد تأسيس بناء نظرية فلسفية، مثل هذه الرغبة الواعية في أنشاء علم دقيق كانت موجودة في الثورة السقراطية والأفلاطونية، كما كانت موجودة في مطلع العصر الحديث، على ردود الفعل العلمي على الفلسفة المدرسية، خاصة الثورة الديكارتية، كما تجددت بنشاط بالغ في نقد العقل عند كانت، بل ضلت هي المسيطرة على تفلسف فخته، وفي كل مرة كان البحث يستهدف من جديد البدايات الحقة والصياغة الحاسمة للمشاكل والمناهج السلمية، وأن أسمى مافي الثقافة الأنسانية من أهتمامات يتطلب أنشاء فلسفة علمية دقيقة، بحيث يترتب على ذلك أنه إذا تعين على ثورة فلسفية في عصرنا الحاضر أن تبرر وجودها، فلابد أن يحركها في كل حالة، ذلك المقصد الذي يستهدف أرساء أساس تقوم عليه الفلسفة بمعنى العلم الدقيق.(5) فمهما يكن الأتجاه الذي يمكن أن يتخذه التحول الجديد في الفلسفة، فلا جدال في أنه لاينبغي أن يتخلى عن رغبته في أن يكون علماً دقيقاً، بل بالأحرى يجب أن يقوم في مقابل التطلع العلمي نحو النظرة العامة إلى العالم، وعلى الفيلسوف أستخدام جميع معطيات العلوم الخاصة الدقيقة بوصفها لبنات بناء متينة، بل سوف يقوم بتطبيق المنهج العلمي، فالفسفة لم تقم بعد بالأسس التي يقوم عليها مذهب علمي دقيق، والفلسفة التي وصلت عبر التاريخ، ليست الا بناءات علمية ناقصة، أو خليطا غير متميز من النظرات العامة إلى العالم والمعرفة والنظرية.(6) الفلسفة عملها العلمي إنما يتحرك داخل مناطق الحدس المباشر وأن أكبر خطوة يجب على عصرنا الحاضر أن يقوم بها هي أن يتعرف عن طريق الحدس الفلسفي الأدراك الظاهري للماهيات.(7) اذ تأسيس الفلسفة كعلم دقيق يكون موضوعه الماهيات العقلية المجردة، ويقف هذا العلم في مستوى أعلى من العلوم الاخرى والمعارف الممكنة، وهو الذي يضفي شرعية الوجود عليها، لأنها ترتد إليه في جذورها الماهوية البعيدة وتستمد منه اليقين اللازم لبقائها كعلوم ومعارف أنسانية صحيحة.(8)

أستلهم هوسرل بعض أفكاره من الفلاسفة السابقين، لكنه في نفس الوقت رفض جوانب كثيرة من آرائهم، لقد رفض مثالية أفلاطون بينما قبل منه فكرة الماهيات العقلية العلمية الثابتة، كما عاب على ديكارت عدم فهمه العميق لقيمة الكوجيتو، ورفض فكرة ديكارت عن تأسيس الفلسفة الكلية والعلم اليقيني على قواعد منهجية ثابتة ومحددة، ولكن رغم هذا الانتقادات فإن هوسرل أخذ فكرة الكوجيتو ليقوم بأصلاحها ثم يعيد أستخدامها في تأسيس المعرفة اليقينية النابعة من الذات الأنسانية، وأكمل هوسرل لكثير من المسائل التكوينية المعلقة والتي تحتاج إلى أجراء بحث فينومينولوجي متعال من وجهة نظره، كما أن كانت جعل العقل هو الملكة الوحيدة التي يؤسس عليها ويصدر منها العلم الكلي الصحيح، بينما يسعى هوسرل إلى ماهو أوسع رحابة من العقل، دون أن يلغيه، وذلك كالحدس والخبرة الحسية المعاشة، لكنه في نفس الوقت أخذ من كانت التحليل النقدي لمبادئ المعرفة وأدراك خصوبة التجربة الشعورية التي أستطاع أن يستخدمها فيما بعد لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، وهكذا يمكن القول بأن هوسرل جمع ماهيات أفلاطون إلى جانب كوجيتو ديكارت مع التحليل النقدي عند كانت، ليحور فيها ويضيف إليها من عنده الجديد من المفاهيم الأخرى المستحدثة، ثم يخرج لنا منها بناء جديد وصياغة مغايرة، يعيد بواسطتها الفلسفة بأعتبارها العلم الكلي الدقيق. وقد بدأ هوسرل سعيه لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، من دراسة العلوم التي كانت سائدة في عصره ومنتشره في مجتمعه وذلك مثلما فعل ديكارت وكانت سابقا، محاولا اصلاحها لأعتقاده أن الفكر الأوربي والعلوم المرتبطة به تعيش كلها من وجهة نظر أزمة حادة، وأنها تحتاج إلى أصلاح جذري و شامل، فالفلسفة الأوربية وكذلك العلوم المنتشرة معها متناقضة ومختلفة بعضها عن بعض، ولم يتوصل أي منهما إلى حقيقة يقينية ثابتة، ومن ثم أصبحت تتأرجح أمام النقد والشك، ولذلك تصدى هوسرل لمحاولة أصلاح علوم عصره عامة والفلسفة خاصة، بهدف الوصول إلى مبادئ يقينية مطلقة تؤسس عليها شتى العلوم والمعارف في وحدة كلية تجمع الجذور وتسهل أنطلاق الفروع منها في تناسق وتوافق، وقد جعل الفينومينولوجيا ذلك العلم الكلي الدقيق الذي سيقوم بهذه المهمة في الأصلاح. أن هدف الفينومينولوجيا هو أصلاح الفلسفة والعلوم للقضاء على تلك الأزمة، وأن الغاية الأساسية عنده هي القيام بهذه المهمة الكبيرة وتأسيس علم كلي يقيني جديد، ويستطرد هوسرل ليقر في هذا الشأن أن علوم عصره لم تتوصل إلى أدراك الحقيقة الكلية المطلقة، وأنما توصلت فقط إلى حقائق جزئية نسبية، لذلك يجب أعادة بناء الفلسفة أولاً بأعتبارها العلم الأول الذي سيقدم على الأساس المطلق والحقيقة الكلية والمبادئ اليقينية لشتى العلوم الأخرى، من هذا الشعور بأزمة الفلسفة والعلم، بدأ هوسرل سعيه الفلسفي فقام بنقد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها كل معارف وعلوم عصره، وأختبر مناهجها في محاولة منه لأصلاحها والوصول إلى أسس صحيحة ومنهج دقيق، يحقق اليقين ويحدد المبادئ الكلية التي تقوم عليها كل هذه العلوم وتلك المعارف في وحدة شاملة، وقام أولاً بنقد العلوم والفلسفة التي عاصرها بنفسه، لكي يبين عدم تمكنها من الوصول إلى الحقائق اليقينية، ثم حدد بعد ذلك مبادئ العلم الكلي الجديد الذي حاول أن يتحاشى فيه مساوئ العلوم الجزئية السابقة، وهنا أنطلاقة هوسرل تشبه أنطلاقة ديكارت وكانت، فكل منهم تأثر بظروف مجتمعة وقام بتحليل المعارف السائدة في عصره سعيا وراء أصلاحها وتأسيسها على مبادئ يقينية صحيحة، ولولا شعور هوسرل بهذة الأزمة وأنفعاله بها ومعايشته لها، لكانت الفينومينولوجيا عنده اخذت شكلا آخر. فسعي هوسرل للأصلاح وأن أقتصر في هذا الأصلاح على الرياضة، لكنه وسع من دائرته بعد ذلك ليمتد إلى المنطق ثم علم النفس والفلسفة ثم المعرفة العامة، وذلك بهدف تأسيس علم كلي جديد يتحاشى أخطاء علوم ومعارف عصره، أذا الأزمة هي المحركة الأساس لتفكير هوسرل، وهي الدافع له إلى نقد علوم عصره ورفضها بسبب تهافتها، ثم قيام بعد ذلك بعملية أصلاح شامل لشتى المعارف الممكنة وتأسيسها على مبادئ يقينية، اذ بعد تطور العلوم التجريبية وتحقيق الأنجازات العلمية، دفع الأمر بالعلوم الأنسانية إلى محاولة أقتباس المنهج التجريبي. لذلك وجه هوسرل النقد العنيف إلى العلوم الأنسانية التي خضعت للتجريب المادي وأخذت بالتفسيرات الوضعية المتطرفة، والتي تتمثل عنده في ثلاثة نزعات أساسية هي النزعة النفسية والنزعة الأجتماعية والنزعة التاريخية.(9) وبذلك أراد هوسرل أن يرفع الفلسفة إلى مستوى العلوم المحكمة الدقيقة، فأراد أن يقيم فلسفة على أسس علمية جديدة، وهي تبحث عن جذور المعرفة ومعناها وترتد إلى حالة ماقبل المعرفة إلى ماوراء مجال الأحكام والتصورات، إلى مجال أسبق هو نطاق المجرى الخالص للخبرة المعيشة من حيث هي كذلك، وفي سبيل جعل الفلسفة علماً دقيقاً كالرياضيات يتجه هوسرل إلى دلالة قبل كل شيء، والبحث عن معنى يتخذ مجاله في الشعور الخالص، الذي يمكن الأهتداء فيه إلى الأصول الأولية بكل الظواهر. فالبداية تكون من دراسة المباشر، بيد أن المباشر في نظر هوسرل ليس هو العالم المحسوس، كما يذهب إلى هذا التجريبيون والحسيون، لأن التجربة الحسية لايمكن أن تعطينا اليقين الذي يستبعد إمكان الشك في وجود العالم المحسوس، كما بين لنا الشكاك اليونانيون وكل موضوع يعطي لنا على انه شعور واقعي أو ممكن للأنا المفكر.(10) وعند هوسرل أن الظاهريات تقوم على حدس الماهيات، في مقابل العلوم التجريبية التي تقوم على الوقائع، فالمشروع الظاهراتي يتأسس على التفرقة بين الواقعة والظاهرة، ويرى في الفلسفة، لا من حيث هي نظرة عامة إلى العالم، أو نظرية في النظرات العامة إلى العالم، بل من حيث هي معرفة دقيقة، فالفلسفة لا يجب أن تكون شبيه في دقتها دقة العلوم فقط، بل يجب أن تكون أكثر دقة منها، فالعلوم لم تبلغ مرتبة المعرفة ولن تتضح الأسس التي تقوم عليها هذه العلوم، الا بفضل الفلسفة التي هي المعرفة الأولى.(11) أن المنهج الفينومينولوجي هو المنهج الفلسفي الذي يؤدي إلى فلسفة علمية دقيقة، فقد حرص هوسرل على أن تكون الفينومينولوجيا علماً دقيقاً متحررا جذريا من كل المسبقات، أذ حول الفينومينولوجيا من بحث في الماهيات إلى فلسفة ترانسندتالية توضح بناء موضوعات الوعي.(12) وأراد هوسرل أيضا من الفينومينولوجيا أن تحل مشكلة النزاع بين الواقعية والمثالية، وأنه يرفض الأنحياز إلى وجهة نظر أي منهما، بل أنه بدأ في تأسيس الفينومينولوجيا كعلم دقيق، بنقد الموقف الطبيعي والمثالي، تمهيدا لأن يعلو إلى مجال آخر محايد يكون أبعد من هذين الموقفين، وذلك أثناء معالجته لمشكلة المعرفة وتفسيره لعملية الأدراك وتوضيحه للعلاقة القصدية المتبادلة بين الشعور الداخلي والعالم الخارجي. وقد عرف الفينومينولوجيا في كتابه (الفلسفة علماً دقيقاً) بأنها علم البدايات الصحيحية، وفي كتابه(المباحث المنطقية) عرفها بأنها البحث المحايد الذي تنبت منه جذور شتى العلوم، وأيضا في الجزء الثاني من كتابه( المباحث المنطقية) عرفها بأنها علم النفس الوصفي أو النظرية الوصفية للمعرفة ويقصد إلى أيضاح المدركات الأساسية في المنطق والرياضة وعلاقتها بالعمليات الفكرية. لذلك وجدنا هوسرل في خاتمة التأملات، يرى أن تأسيس العلم الكلي الدقيق يحتاج إلى نقطة أنطلاق يقينية، وأن البرهان على أمكانية قيام هذا العلم وتحقيقه علمياً، ليس شيء آخر غير ايجاد نقطة بداية ضرورية وغير قابلة للشك، ومادامت الفينومينولوجيا سوف تبدأ سعيها الفلسفي من نقطة أنطلاق ثابتة وواضحة، ومن بداية ضرورية وعامة، لذلك وجدنا هوسرل يجعل الشعور هو المنطلق الأساسي لهذا البداية، بأعتبار أن الشعور هو الأرضية المحايدة التي يجب أن تبدأ منها كل معرفة ممكنة، وكان هدفه من تحديد تلك البداية أن يقوم بعملية وصف شامل ودقيق للشعور الخالص، أذ الشعور هو العلم الحقيقي وليس علم النفس، والشعور الخالص يمثل الأرضية المحايدة التي تضم كل الأطراف المتعارضة حيث تقوم الذات بوصفها دون تفسيرها. وكانت قبل هوسرل عدة محاولات لتأسيس علم يقيني كلي، فقد كانت أقدم المحاولات عند أفلاطون حيث أراد أن يؤسس العلم اليقيني الذي يجب أن ينبثق منه التفكير الأنساني، وفي سبيل ذلك سعى إلى أدراك الحقائق الكلية الثابتة أو الماهيات والصور الأزلية، التي هي أعلى وأدق من المعرفة الحسية الجزئية المتغيرة، والعلم الصحيح هو الذي يدور حول الحقائق الثابتة المتغيرة دون العرضيات المتغيرة، لذلك كان أفلاطون يؤكد دائما في محاوراته على قيمة الصورة دون المادة والماهية دون العرض والكل دون الجزء، وأصبحت تلك الصور أو الماهيات عنده هي المثل الأزلية الثابتة التي يجب أن يؤسس عليها العلم الحقيقي والمعرفة اليقينية، ومع بداية عصر النهضة الأوربية في العصر الحديث قام ديكارت بمحاولة آخرى مهمة لتأسيس العلم الكلي الشامل والقائم على حقائق يقينية، أي أنه أراد تحقيق نفس الهدف الذي سعى إليه أفلاطون لكن بطريقة أخرى ووفق منهج جديد، وقد قرر ديكارت مقدما أن الفلسفة هي معرفة العلل الأولى والعلم بالمبادئ الأساسية التي يتم بواسطتها أستنباط كافة المعارف والعلوم والفنون الممكنة.(13)

أنتقد هوسرل المذهب الطبيعي، أذ المذهب الطبيعي هو عبارة عن عن ظاهرة ترتب على أكتشاف الطبيعة، أي الطبيعة منظورا إليها على أنها وحدة الوجود والزمان والمكان، وتخضع لقوانين طبيعية مضبوطة، والعالم الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي لايرى شيئا سوى الطبيعة، والطبيعة الفيزيائية أولاً، فكل ماهو موجود أما أن يكون هو نفسه فيزيائي، وأما أن يكون نفسيا، وفي هذا الحال سيكون مجرد متغير يتوقف في وجوده على الفيزياء، ولن يكون الا ظاهرة ثانوية تلازم الفيزياء على نحو متوازه، ويرى أن مايميز المذهب الطبيعي هو تطبيع الوعي(الشعور) من ناحية، ومن ناحية آخرى تطبيع الأفكار. والفيلسوف الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي، فهو مثالي وموضوعي في أسلوب سلوكه، فهو مشبع برغبة عارمة في أن يجعل من كل ماهو حقيقي، معروفاً بطريقة علمية، ويعتقد الفيلسوف أنه قد بلغ عن طريق العلم الطبيعي وعن طريق فلسفة تقوم على هذا العلم.(14) ويرى هوسرل أن العلم لابد أن يكون متحققاً ذاتياً وواقعياً، أي لايمكن رؤية العلم من الخارج فقط، فهدف العلم هو أن يعرف بطريقة صحيحة موضوعية، وعلى نحو علمي دقيق، والعلم الجديد عند هوسرل هو علم الوعي(الشعور) لكنه مع ذلك ليس علماً للنفس، أذ لم يفكر هوسرل في أحلال علم النفس محل الفلسفة، ولا الفلسفة محل علم النفس، بل جعل لكل منهما مهمته، وعند هوسرل الوجود النفسي لايجرب على أنه شيء يظهر، بل أنه تجربة معيشة، وتجربة معيشة ترى في التأمل الأنعكاسي لتجربة ترى بالحدس، فيظهر على أنه هو ذاته.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

..........................

الهوامش:

1- ينظر إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترنسندتالية، ترجمة إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، ص13.

2- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ترجمة محمود رجب، المشروع القومي للترجمة، ص23.

3- ينظر المصدر نفسه، ص24.

4- ينظر المصدر نفسه، ص24.

5- ينظر المصدر نفسه، ص25- 29.     

6- ينظر المصدر نفسه، ص99.

7- ينظر المصدر نفسه، ص104.

8- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل(دراسة نقدية في التجديد الفلسفي المعاصر)، أفاق عربية، ص7.

9- ينظر المصدر نفسه، ص112- 115.

10- ينظر فؤاد كامل: أعلام الفكر الفلسفي المعاصر، دار الجيل، ص161- 163.

11- ينظرإدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص6.

12- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل، ص9.

13- ينظر المصدر نفسه، ص7و ص95- 103.

14- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص8وص32.

15- ينظر المصدر نفسه، ص14- 18.

 

 

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري(8)

إن المضمون الفعلي للماركسية يقوم في كونها فلسفة العمل والإرادة التاريخية. بمعنى جوهرية الوحدة الضرورية بين النظرية والتطبيق، او ما كنت تقاليد المتصوفة تدعوه بوحدة العلم والعمل. غير ان الفرق بينهما هائلا، بسبب جوهرية الابعاد الروحية والفردية في التصوف، واولوية الابعاد الاجتماعية الطبقية والجماهيرية في الماركسية. الامر الذي حوّلها، وبأثر ما هو كامن فيها، إلى فلسفة الإرادة العملية والتبرير السياسي. وفي كلتا الحالتين كانت شديدة التأثير في الفكر والعمل والتاريخ السياسي العالمي الحديث. بل يمكننا القول، بأنها قد أدت وظيفتها التاريخية العلمية والعملية عبر ذوبانها في مختلف التيارات السياسية من شيوعية واشتراكية ديمقراطية بمختلف ألوانها من لينينية وستالينية وتروتسكية وماوية وتيارات وشخصيات ثورية وراديكالية مثل كاسترو وتشي غيفارا، ومدارس فكرية مثل اليسار الجديد وماركوزه وفانون وروجيه دوبريه وروجيه غارودي وعشرات غيرهم.

ولم يكن ذلك معزولا عما في الفلسفة الماركسية نفسها من تأسيس متحزب للفكرة المستقبلية. فالمستقبل الذي تحدث عنه ماركس يشبه لحد ما الماضي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن طابعه العام وفقدانه للرؤية الدقيقة والمحققة عن مقدماته. فالمستقبل الذي سعى ماركس لتأسيسه وتحقيقه هو أقرب ما يكون إلى صورة خيالية ومحببة للقلب ومثالية عما ينبغي أن تكون عليه حالة الشيوعية في تصورات وخيال الرؤية الحالمة. وهي أشياء جلية حالما ننظر إلى كل ما كتبه حتى عام 1844. فكل ما طرحه بهذا الصدد والذي سيأخذ طريقه إلى مدارس الشيوعية المبتذلة، بما في ذلك العقائدية المدرسية الرسمية، والبراكسس النقدية في وقت لاحق، لم تكن في الواقع سوى الفهم المتناقض والجدل الفكري والسياسي عن حلم أكثر مما هو عن رؤية محققة. الامر الذي يمكنه تفسير الاسباب القائمة وراء تقسيم ماركس الى شخصيات مختلفة ومتضادة، أو تأويله ضمن سياق الرؤية الأيديولوجية لكليهما (الشيوعية المبتذلة والبراكسس) أكثر مما جرى النظر إليها باعتبارها مرحلة في الاجتهاد الفكري لماركس من اجل بناء فلسفته التاريخية.

فقد كانت آراء ماركس آنذاك أسيرة المنطق الهيغلي أكثر مما هي نتاج المعرفة التاريخية الدقيقة. لكنها كانت تحتوي على صيغة أولية تتصف بقدر هائل من الحدس العقلاني في ما يخص التاريخ والمستقبل. أنها وحدة النزعة الإنسانية لفيورباخ والمنطقية لهيغل، وبالأخص يتعلق منها بفلسفة التاريخ والديالكتيك. وليس مصادفة أن تبقى كل الأفكار الجوهرية فعند "ماركس الشاب" النقدي الإنساني النزعة الداعي للعمل والمعارض للأيديولوجيا خارج التاريخ الفعلي، أي لم يتحقق منها شيئا. على العكس. الأمر الذي جعل منها حلما في أعين الشيوعية الدامعة لأنصاف المتعلمين والجهلة، ويوطوبيا لا قيمة لها من وجهة نظر الشامتين بالشيوعية والمنتقدين لأسسها الفكرية ونتائجها العملية.

في تلك المرحلة الاولية كانت تتبلور عند ماركس المفاهيم المتعلقة عن العالم القديم والإقطاعية والرأسمالية، أي كل ما كان يحتمل في اعماقه على فكرة التاريخ الحالي، وما بعد التاريخ. بمعنى إننا نثر فيها على محاولة بناء منظومة شكلية متكاملة ومجردة (منطقية) عن التاريخ. وقد كان هذا على الدوام احد الهواجس الكبرى في تفكير وفلسفة ماركس. وسوف يدرك ماركس لاحقا الخلل العميق والنقص الكبير في معارفه التاريخية. والقضية هنا محكومة بكون الإنسان أيا كان، مع الأخذ بنظر الاعتبار مستوى تطور المعارف والعلوم، لا يمكنه الإحاطة بكل الكم الهائل للتنوع التاريخي الفعلي للأمم والحضارات. من هنا ضعف ويبوسة ولحد ما جفاف "النظرية" بهذا الصدد أمام تنوع الحياة. وقد واجه ماركس هذه الصعوبة في الموقف من العبودية والإقطاعية. من هنا كثرة العبارات العامة أو على الأقل محاولته إدراجها ضمن رؤية منطقية شكلية قادرة على جمع كل الاختلاف المقلق للعقل النقدي في خلخلة التقرير العام لمقولة الكلية الجامعة في مفهوم التشكيلة (الإقطاعية والعبودية وما يسمى بأسلوب الإنتاج الأسيوي. وليس في هذا ما يعيب الرؤية النظرية الفلسفية. فالفلسفة متماهية مع التعميم والبحث عن رؤية كونية أو تأسيسها. وهي صفة جوهرية للتفكير الفلسفي منذ أن تحولت فكرة الواحد إلى مبدأ منهجي في التفسير والتأويل والفهم والتأسيس.  كما انه الشرط الضروري لكل رؤية منظومية.

كما ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار تقاليد الرؤية الكونية الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص، بوصفها الصيغة الملازمة لصعود المركزية الأوربية والانتقال الفرح من ثقل الرؤية اللاهوتية إلى ميدان العقلانية الإنسانية. وهو تحول يلازمه بالضرورة انقداح العقل الوقاد للتمتع بشرارة أضواءه المتطايرة شأن اندهاش الأطفال بألعاب النيران الهندية! (أو الصينية). وليس مصادفة أن نعثر في كتابات ماركس اللاحقة وبالأخص منذ عام 1845 حتى نهاية حياته عبارات يتعثر عليها ويدرك قيمتها وبعاني من ثقل وطأتها عليه بالنسبة لبناء وتدقيق منظومة المقولات والمفاهيم الجوهرية في إرساء صرح فلسفته التاريخية. من هنا قوله وتشديده على ضرورة  ما اسماه "بإعادة قراءة وكتابة التاريخ العالمي كله". ماذا يعني ذلك؟ أولا انه مهموم بضرورة القراءة الدائمة للتاريخ وإعادة كتابته بطريقة دقيقة، وثانيا، انه يعاني من نواقص هي أجزء ضرورية من تكامل المعرفة، وثالثا إن ما ينبغي إعادة قراءته وكتابته هو جزء من رؤيته الفلسفية عن التاريخ. من هنا، كما هو الحال بالنسبة لكل المكونات القلقلة والاجتهادية في فكر ماركس، قد ظلت خارج التأمل الفكري للشيوعية اللاحقة. وذلك لأن مذاقها وقدرتها التأويلية محكومة بمعايير الأيديولوجية السياسية، أي بمذاق الجهل المعرفي والتصلب العقائدي. من هنا سيادة هذه الرؤية السهلة في كل تقاليد الفكر الراديكالي الثوري. مع ما رافقه من امتهان للمنطق لا مثيل. ويكفي المرء تأمل ما يكتبه "ثوريي" الماضي والحاضر لكي يصاب بالغثيان من جلف المعنى وامتهان العقل والوجدان!

لقد كانت الفكرة السائدة عند ماركس في مراحل تكونها المتكامل تقوم في التصور البسيط للعامل المادي الصناعي الإنتاجي، بوصفه جوهر التاريخ. وفي هذه الفكرة ومن خلالها تطرق إلى فكرة الحرية والتحرر من الاغتراب ودرجات التطور الاجتماعي الاقتصادي في شكلية التشكيلات بوصفها قواعد الصراط المستقيم إلى جنة الشيوعية الموعودة. وهي صورة تستمد صورتها وصيغتها من ماركس لكنه استقاء ظاهري جلف وخشن لا يخلو من بلادة المؤمنين البسطاء. من هنا ثنائيات المعركة الأخلاقية المحكومة بقيم الانتماء الأيديولوجي والمحصورة في فكرة إن الرأسمالية شر والاشتراكية خير! ومفارقة الظاهرة تقوم في أن اتباع الشيوعية يتسابقون من اجل الحصول على لجوء سياسي في مراكز "الغرب الإمبريالي" باستعمال مختلف الطرق والأساليب، بما في ذلك أشدها إثارة للسخرية.

وفيما لو تركنا هذه القضية جانبا، رغم اهميتها بالنسبة لاشكاليات الفكرة الماركسية المتناثرة ما بين فلسفتها وطابعها الايديولوجي. والسؤال الأهم هنا هو هل أن عظمة ماركس تقوم في انه استطاع أن يؤسس لنظرية تتسم بقدر كبير من الوضوح في الرؤية التاريخية بين الكم الهائل من مدارس التاريخ آنذاك؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟ إن الإجابة الدقيقة على ذلك ممكنة من خلال الرجوع إلى تقاليد المرحلة وإبداع ماركس الفلسفي. فالرجوع إلى ماركس هي المقدمة الأولية والضرورية بهذا الصدد. لكنها تحتاج إلى مستوى يناسبها في الوعي الفلسفي التاريخي.  وهي قضية لن اتناولها الآن لأسباب عديدة من بين اهمها هو انها لم تعد ذات اهمية عملية.

إن صعوبة رؤية الفكرة التاريخية لماركس تقوم بسبب الطابع الأيديولوجي الذي كان يغلب على مواقفه وليس رؤيته من الظواهر. فالأولية بالنسبة لماركس هو العمل. وهي فكرة كانت تشكل لب رؤيته النظرية والعملية بعد تجاوزه التقدي لفيورباخ. لكنها كانت تحتوي أيضا على ما يمكن دعوته بالجزء الطبيعي من تاريخ المراهقة الفكرية. وبالتالي، لا معنى ولا ضرورة لاستعادة الجدل القديم العقيم لحد ما عن "ماركس الشاب" و"ماركس الشيخ" وما شابه ذلك. وذلك لأنها تجزئة مفتعلة للوحدة الواحدة والمتكاملة في شخصيته. لكننا نستطيع أن نميز بين ماركس الفيلسوف وماركس السياسي الأيديولوجي. والأخير هو استظهار حياتي عملي فردي وشخصي لحصيلة تصوراته الفلسفية. والاختلاف بينهما أمر طبيعي. وهو خلاف كان يدركه ماركس لكنه كان مضطرا للقبول به بوصفه الصيغة المعقولة للبحث عن تناسب ممكن بين استنتاجات العقل النظري وتطبيقه العملي في ميدان الحياة السياسية، المتقلبة والمتغيرة. وهو أيضا أمر جلي حالما نتتبعه في جميع استنتاجاته السياسية تجاه مختلف القضايا الكبرى مثل الموقف من الاشتراكية والشيوعية، والدولة، والثورة، والسلطة السياسية، والعنف، والحزب السياسي، وكثير غيرها. بمعنى تحولها مع مرور الزمن من اجتهاد يتصف بقدر كبير من المعاناة النظرية إلى عقائد أيديولوجية سياسية صلبة. لكنها مواقف كانت تعتمد من حيث تأسيسها النظري على ثبات فلسفي نسبي ترسخ في ذهن ماركس منذ وقت مبكر. وهي أيضا حالة طبيعية بالنسبة للإبداع الفلسفي الكبير والأصيل. فهو يظهر كالبرق في إحدى مراحل الحدس النظري الأول. ويأخذ بالبروز والتكامل في مجرى الصيرورة الحياتية للمفكر كما لو انه القدر الكامن في كينونته الروحية. وهي قضية لا يمكن حلها بالسهولة التي تميز تفكير الأحزاب الشيوعية وذهنيتها البسيطة. فالحتمية التي كان ماركس يخطط لها بوصفها جزء من مغامرة التاريخ الإنساني ليست اقل درامية مما في مساعي العقل المطلق الهيغيلي من مرور متعذب في دهاليز التاريخ الواقعي والبحث النظري. لكنها تتحول بيسر وسهولة إلى حتمية جميلة بمعايير الأيديولوجية الحزبية. وذلك لأن الأحزاب بحاجة إلى غناء وفرح بما في ذك زمن الجفاف والطوفان. فهو الأسلوب الوحيد القادر على دفع الجسد صوب تضحيات جديدة من اجل الاستمتاع بلذة الشهادة، أي بلذة القرابين البشرية البدائية.

إن كل ما وضعه ماركس في برامج الحركة الاشتراكية الديمقراطية للقرن التاسع عشر والتي توجت ببرنامج غوته، ينبغي النظر إليها باعتبارها الصيغة الظاهرية للأثر الهائل الذي تركه (البيان الشيوعي) بما في ذلك على نفسية وذهنية ماركس. وقد كانت هذه النتيجة مبنية من حيث الجوهر ليس فقط على تأمل تجارب الحياة المادية والروحية لعصره ومساهمته المباشرة فيها فقط. لاسيما وأن حياته كانت تفكرا ونشاطا والتزاما حرا ونقدا دائما، وتطويرا للمفاهيم وتشذيبا للقيم وتهذيبا لهما. وهذه كلها كانت تختفي وراء بهاء صورته ومحياه الهادئتين وقسوة معاناته الروحية. بعبارة أخرى إن حياة ماركس الشخصية أيضا كانت تمثلا لحقائق التاريخ، أو على الأقل أنها كانت تمثلا لمشروع البدائل المستقبلية. فعندما ينتقد تراث الاقتصاد السياسي، فإن حقيقة انتقاده، أي بواعثه وغايته كانت محكومة بمشروع الرؤية المستقبلية (الاشتراكية)، أي بمعايير الرؤية التاريخية. فقد كان الهمّ الأكبر والقلق الفاعل في انتقاده المنطقي العلمي (الاقتصادي) وهمومه الوجدانية (الاجتماعية والإنسانية) تقوم في أن استنتاجاتهم النظرية لم يجري دفعها صوب تمثلها العملي السياسي، أي صوب تحقيقها المحتمل بمشاريع البدائل المستقبل.

لقد أراد ماركي شيوعية المستقبل، أي التاريخ "الحقيقي"، من هنا محاصرة الأيديولوجيا إياه بقيودها التاريخية. وهنا كان يكمن سرّ الخلل. لقد اندفع ماركس بقوة "الديالكتيك الثوري" صوب ديالكتيك الروح الاجتماعي الأخلاقي، من هنا توارث أو استنساخ بل تناسخ النقد الفلسفي الأولي للاغتراب في نقد كل الأشكال المحتملة له. وحالما نقله إلى ميدان التاريخ الواقعي، فإنه وقف أمام نظام العلاقات الرأسمالية بوصفها المرحلة التاريخية الكبرى للتقدم التاريخي. لكنها مرحلة عابرة، أي جزء من تاريخ عالمي لا ينتهي ولا يتناهى إلا ضمن ملكوت الحرية. وعندما يجري تأمل هذه الفكرة على حقيقتها، أي ضمن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على أبعاد غير متناهية قد تكون ثنائية "ما قبل التاريخ الحقيقي" و"التاريخ الحقيقي" الصيغة الأكثر غلوا لها. أما في الواقع فإنه لا غلو فيها. وذلك لأن هذه الثنائية في الفكرة التاريخية لماركس مبنية ليس على أساس ميتافيزيقية الرؤية الحادة في موقفها من تناقضات الوجود ووحدتها في التاريخ، بقدر ما أنها مبنية على أساس اليقين المتجدد والمتعمق والتام بزوال كل ما يمكنه أن يعيق ملكوت الحرية المقبلة. بعبارة أخرى، انه أراد شأن هيغل، ملكوت عالمي للحرية المتكاملة في نظام أمثل وأرقى ولكن في ميدان التحرر من اغتراب الوجود الإنساني في الأشياء والعلاقات المفروضة عليه.

إن القيمة الجديدة التي ادخلها ماركس في عرين العقل الهيغيلي تقوم في انه لم ينظر إلى اغتراب العقل في التاريخ واسترجاعه لذاته بوصفها العملية الضرورية لتذليل إشكالية الأشياء في ذاتها، بل نقلها، إن أمكن القول، من حالة الانتظار إلى حالة النظر النقدي الاجتماعي. ومن ثم جعلها جزء من "النشاط الواعي" المتمثل في طبقة وطليعة. لقد أراد أن يكون برميثيوس الفكرة الفلسفية العملية دون أن يقع في حالة العذاب المتألم بين آلهة صنعت كل شيء ولا تعلم لماذا، وبين "ملاك" يدرك خطورة انتهاكه لمجرى التاريخ "المنطقي"، بينما يعتبرها الوسيلة الوحيدة والكبرى والضرورية لبلوغ التحرر الفعلي. إذ لم تكن فكرة ماركس هنا على الدوام ثورية وتقدمية. وذلك لاحتوائها على كوامن الرجوع إلى عالم سحيق محكوم بقوة النفس الغضبية للمجتمع. وليس مصادفة أن يشعر ماركس مع كل رقي منطقي في رؤيته التاريخية عن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية بازدراء لا يعادله سوى الرغبة الكامنة في انتقام الرجل الغيور من غنج أمهات الحجول! وهو الهاجس والفكرة التي سيضعها ماركس لاحقا في موقف جوهري من التاريخ يقول، بأنه لا يوجد غير علم واحد هو علم تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة! وهنا أيضا تكمن فلسفته من الدين بوصفه جزء من تاريخ العقائد، أي تاريخ الإنسان في محاولاته إدراك ذاته ولكن ليس بمعايير الطبيعة بل بأذواق ما وراء الطبيعة.

إن فكرة ماركس عن أن جوهر الدين والله أيضا هو كل ما له علاقة بما وراء الطبيعة ولكن ليس بالمعنى الأرسطي بل بالمعنى اللاهوتي. إذ ليس في الدين تاريخا طبيعيا بل مجرد سلسلة للانقلاب المشوهة لإدراك الطبيعة عندما يجرى قلب الأشياء الطبيعية بعد إلباسها بلباس الأوهام "المتسامية"، أي إلباس الأشياء الطبيعية بلباس الماوراطبيعي، أو لباس الغيب والمجهول. من هنا إمكانية تحوله إلى مخدر أو أفيون للبشر، ينعش الروح والجسد بأوهام لذيذة لا طعم فيها لغير الخروج على منطق العقل وحقيقة الوجدان وقيمة الإنسان.

وإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغيلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد كما ظهرت في البروتستانتية، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع العشرين (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجسّد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا".

غير أن هذا الربط الجديد للفكرة بالفعل الاجتماعي لم يكن مبنيا على قيم أخلاقية أو سياسية واجتماعية مجردة، خلافا للكثير من الحركات السياسية (الاشتراكية)، بل على أساس رؤية تاريخية، أي على أساس فلسفة ترى في التاريخ الواقعي نتاجا طبيعيا للوجود الاجتماعي الاقتصادي، كما ترى في تطوره وحدة متلازمة لتطور علاقات الإنتاج والقوى المنتجة، أي نفيا اجتماعيا واقتصاديا ذاتيا. وفي الوقت نفسه كان ماركس بحاجة إلى مسكها بالأيدي من اجل تقديمها إلى بروليتاريا المدن، ولاحقا سوف يدفعها لينين صوب الفلاحين، ولاحقا صوب الأدغال الثورية ولاحقا إلى الجبال. من هنا انتشار تلك العبارات الرنانة في اغلب كتبه السياسية. الامر الذي نقل بعلم التاريخ إلى ميدان الطبيعة (الاقتصاد والسياسة). من هنا وفي هذا الميدان كانت تكمن قوته الهائلة وانتصاراته الكبرى، وبالأخص بين الرعاع والعوام، وهزيمته الساحقة في ميدان الفكر الفلسفي. بل احتقاره اللاحق وبالأخص بين أيديولوجي الماركسية بحيث تصبح كلمة المثقف سبة وشتيمة، والفكر يصبح خادما، وفي أفضل الأحوال حزبيا. وهو أردأ أنواع الفكر وأسخفه. عموما انه ليس فكر ولا ثقافة بل سفاهة جهلة وأنصاف متعلمين. بحيث نقف في نهاية المطاف أمام استعادة جديدة في ميدان الفكرة الأفلاطونية والأرسطية وما يقابلها من علاقة الهيغلية والماركسيةأ أي تاريخ الروح الفلسفي، وتاريخ الجسد الاقتصادي.

لقد كانت الماركسية بهذا الصدد استكمالا نقديا علميا واقعيا لتقاليد التقدم والحرية في الرؤية والتاريخ الفعلي ولكن من خلال نقلها من ميدان التنظيم الفكري المجرد، بوصفه العصب الجوهري في كل مجرى التأثير البارع للإصلاح والتنوير، إلى تنظيم الفكر العملي وتوجيهه صوب النشاط الواعي، أي الإرادة المحكومة بقيم الأيديولوجية. ولكن ما هي النرفانا التي أرادها ماركس؟ وهل وجدها في شيوعية خالية من صراع الطبقات وهدوء النفس من تناقضات الملكية الخاصة التي صنعت كل ثنائيات الوجود المقلقة للعقل والضمير الاجتماعي والإنساني والتاريخي؟ وهل بلغ في فهمه للتاريخ إدراك "سر الإسرار" في الشيوعية بوصفها فناء في التاريخ الحق؟ فإذا كان هيغل توصل إلى انه لا حرية في المجتمع الشرقي. وفي العالم اليوناني قلة قليلة، وفي المجتمع الروماني توجد فقط فكرة الحقوق، ففي اوربا وألمانيا كلهم احرار! بينما نقلها ماركس الى حالة تاريخية هي مجتمع شيوعي بدائي، ومجتمع رأسمالي، وأخيرا مجتمع شيوعي علمي. فعند هيغل هي مسار الفكرة ومنها، وعند ماركس من التاريخ الطبيعي وإليه. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيما بين ماركس وهيغل: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري (7)

لقد كشف تاريخ ومصير الفلسفة الماركسية عن حالة نموذجية لشروق الأيديولوجية وغروبها التاريخي. فكل "نمو" لها هو الوجه الآخر لضمورها في الفكر. الأمر الذي يجعل منها ممرا ومختبرا في الأغلب لصعود أكثر واشد الناس جهلا وتعصبا لكي يكون "منّظرا" جديدا فيها ولها ومنها! وليس مصادفة أن نرى مستوى التدهور المعرفي مع ظهور كل "جيل جديد" من أولئك القادة الجدد في ميدان الأيديولوجيا. إذ نلاحظ مع كل خطوة إلى الأمام رجوع قهقري في الفكر وتأسيسه. وقد بلغت هذه العملية ذروتها في ابتداع شعوب الجبال والوديان الغارقة في الجهل والتخلف "مفكريها" "المجددين" للماركسية!

وإذا كان الانطباع العام عادة ما يربط ذلك بتجارب الدمج أو التذويب القسري لماركس في أيديولوجية الحزب والسلطة، فإن إشكالاته الحقيقية أعمق من ذلك وأكثر تعقيدا. بمعنى أنه نتاج تداخل معقد لسلطة الدولة وتقاليد الحزبية الضيقة من جهة، وعنف الأيديولوجية العملية من جهة أخرى. وحالما يلتقيان، فإن قسوة التذويب والدمج "العقلاني" واللاعقلاني تصبح شيئا واحدا. وذلك لأنها إما تبرير وإما تأسيس أكثر حنكة لبلوغ الغاية والأهداف. وبما أن الأهداف جزء من رؤية أيديولوجية، أي جزمية و"واضحة" من هنا انكماشها الدائم ضد أي اعتراض وشكوك. بحيث يصبح الشك والاعتراض رديفا "للردة" و"الجبن" وما شابه ذلك، أي لكل الأشكال والصيغ الممكنة للاتهام والتجريم والتخوين. أما النتيجة فهي إغلاق كل أبواب الاحتمال بوصفها قلقا وشكوكا لا معنى لها ولا قيمة غير ثبط الإرادة وتهوين العزيمة. وهي حالة ليست غريبة ولا فريدة من نوعها. إذ يمكننا العثور عليها في كل المؤسسات المنغلقة بمعايير وقيم الأفكار "المتسامية" كما هو الحال في الكنيسة ومواقفها من الهرطقة، أو في الإسلام ومواقفه من الزندقة وغلق "باب الاجتهاد". أما الاجتهاد الممكن فهو مجرد تكرار واجترار.

مما سبق تتضح معالم ما يمكن دعوته بالعلاقة الخفية بين زمن الفكرة الأيديولوجية عند ماركس وتاريخ الفكرة الفلسفية. وإذا كان اضمحلال الثانية لصالح الأولى هي الصفة الغالبة على الماركسية وأثرها اللاحق، فلأنها ربطت، شأن كل الأفكار العقائدية العملية الكبرى، وارتبطت بالعوام. ليس ذلك فحسب، بل جعلت من العوام "طليعة" المستقبل. وفي هذا كان يكمن التناقض الخفي والمستفحل بالضرورة بين الفكرة الأيديولوجية والفكرة الفلسفية في الماركسية. أما النتيجة فقد كانت لصالح الأيديولوجية، التي جعلت من الماركسية شيوعية عملية. والشيوعية من حيث المبدأ والغاية هي نتاج تقاليد متراكمة للنزعة الراديكالية في مواقفها النقدية الحادة من واقع البؤس وبؤس الواقع.

الأمر الذي جعل من ماركس والماركسية غلافا ظاهريا لأيديولوجية ثورية شيوعية. وليس ذلك غريبا على تاريخ العقائد الكبرى، بل يمكن القول، أنه يلازمها بالضرورة. إذ إننا نستطيع أن نعثر على مئة مسيح لا علاقة له بحقيقة المسيح الأولى والروحية. والشيء نفسه يمكن قوله عن محمد وكل الشخصيات التي ذابت عقائدها في وجدان العوام. وهذه قضية معقدة ومثيرة في الوقت نفسه، لكنها من ميدان آخر. وماركس هو الآخر كان شخصية كبرى. والشخصيات الكبرى تعاني دوما في ميدان التاريخ من إمكانية الانشطار إلى شخصيات عديدة غير متناهية، وإلى نماذج وشخصيات ومناهج ورؤى وفرق وملل ونحل وأحزاب وطوائف، بل وقوميات أيضا! وهي ظاهرة على قدر ما في الشخصية من تأثير وأقدار تلازمها. وماركس من بين تلك الشخصيات التي أقلقت وألهمت العالم على امتداد قرن من الزمن، بحيث دخل اشد الأدغال عتمة و"أنار" لها الطريق عبر شكلها المثير في اللينينية. فقد لعبت اللينينية دورها هائلا في جعل ماركس إلها، ومن الماركسية عقيدة القرن العشرين الثورية. ولولاها لما كان لماركس اثر يتعدى المحاضرات الضرورية في تاريخ الفلسفة والاقتصاد. ويحتمل أن يكون ذلك أفضل لماركس وحشمته وأثره بالنسبة للعقل والضمير الإنساني من أن يتحول مرة أخرى إلى مصدر لإغراء وإغواء "اليسار" العربي من مهاترات "المفكرين الماركسيين" الذين أصيب العالم العربي المعاصر منهم بالتخمة وأتخموه بسفاهات الأمور!

فقد كانت صعوبة رؤية الفكرة الفلسفية لماركس تقوم بسبب الطابع الأيديولوجي الذي كان يغلب على مواقفه وليس بسبب موقفه أو رؤيته للظواهر. فقد كان العمل والفعل بالنسبة لماركس يشكل على الدوام أولية كبرى. وقد كان ماركس وحدة مرنة لكنها ثابتة بين الفيلسوف السابح في عالم الفكرة المجردة والأيديولوجي العملي والمباشر. ومن ثم فإننا نستطيع التمييز بين ماركس الفيلسوف وماركس السياسي الأيديولوجي. إلا انه تمييز وتفرقة لا محل لها في حقيقة ماركس. وذلك لأن ماركس الأيديولوجي هو مجرد استظهار حياتي عملي فردي وشخصي لحصيلة تصوراته الفلسفية. والاختلاف بينهما أمر طبيعي. وهو خلاف كان يدركه ماركس لكنه كان مضطرا للقبول به بوصفه الصيغة المعقولة للبحث عن تناسب ممكن بين استنتاجات العقل النظري وتطبيقه العملي في ميدان الحياة السياسية، المتقلبة والمتغيرة. كما انه أمر جلي حالما نتتبعه في جميع استنتاجاته السياسية تجاه مختلف القضايا الكبرى مثل الموقف من الاشتراكية والشيوعية، والدولة، والثورة، والسلطة السياسية، والعنف، والحزب السياسي، وكثير غيرها. بمعنى تحولها مع مرور الزمن من اجتهاد يتصف بقدر كبير من المعاناة النظرية إلى عقائد أيديولوجية سياسية صلبة. لكنها مواقف كانت تعتمد من حيث تأسيسها النظري على ثبات فلسفي نسبي ترسخ في ذهن ماركس منذ وقت مبكر. وهي أيضا حالة طبيعية بالنسبة للإبداع الفلسفي الكبير والأصيل. فهو يظهر كالبرق في إحدى مراحل الحدس النظري الأول. ويأخذ بالبروز والتكامل في مجرى الصيرورة الحياتية للمفكر كما لو انه القدر الكامن في كينونته الروحية. ولا يمكن حل هذه القضية بالسهولة التي تميز تفكير الأحزاب (الشيوعية وذهنيتها البسيطة). فالحتمية التي كان ماركس يخطط لها بوصفها جزء من مغامرة التاريخ الإنساني ليست اقل درامية مما في مساعي العقل المطلق الهيغيلي من مرور متعذب في دهاليز التاريخ الواقعي والبحث النظري. لكنها تتحول بيسر وسهولة إلى حتمية جميلة بمعايير الأيديولوجية الحزبية. وذلك لأن الأحزاب بحاجة إلى غناء وفرح بما في ذك زمن الجفاف والطوفان. فهو الأسلوب الوحيد القادر على دفع الجسد صوب تضحيات جديدة من اجل الاستمتاع بلذة الشهادة، أي بلذة القرابين البشرية البدائية.

غير أن هذه النتيجة كانت تكمن، أو أن لها بعض أصولها وجذورها في الأبعاد الأيديولوجية للماركسية. فقد كانت برامج الحركة الاشتراكية الديمقراطية للقرن التاسع عشر التي وضعها ماركس، الصيغة الظاهرية أو العملية للأثر الهائل الذي تركه البيان الشيوعي بما في ذلك على نفسية وذهنية ماركس. كما كانت آراءه من حيث بواعثها وغايتها محكومة بمشروع الرؤية التاريخية والأيديولوجية المستقبلية (الاشتراكية). فقد كان الهم الأكبر والقلق الفاعل في انتقاده المنطقي العلمي (الاقتصادي) وهمومه الوجدانية (الاجتماعية والإنسانية) تعمل باتجاه دفع استنتاجاته النظرية صوب تمثلها العملي السياسي، وصوب تجسيدها المحتمل بمشاريع البدائل المستقبلية. لقد أراد شيوعية المستقبل والتاريخ "الحقيقي"، من هنا محاصرة الأيدولوجيا إياه بقيودها التاريخية. وهنا كان يكمن سرّ الخلل.

لقد اندفع ماركس بقوة "الديالكتيك الثوري" صوب ديالكتيك الروح الاجتماعي الأخلاقي، من هنا توارث أو استنساخ بل تناسخ النقد الفلسفي الأولي للاغتراب في نقد كل الأشكال المحتملة له. وحالما نقله إلى ميدان التاريخ الواقعي، فإنه وقف أمام نظام العلاقات الرأسمالية بوصفها المرحلة التاريخية الكبرى للتقدم التاريخي. لكنها مرحلة عابرة، بوصفها جزء من تاريخ عالمي لا ينتهي ولا يتناهى إلا ضمن ملكوت الحرية. وعندما يجري تأمل هذه الفكرة ضمن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على أبعاد غير متناهية، قد تكون ثنائية "ما قبل التاريخ الحقيقي" و"التاريخ الحقيقي" الصيغة الأكثر غلوا لها. أما في الواقع فإنه لا غلو فيها. وذلك لأن هذه الثنائية في الفكرة التاريخية لماركس مبنية ليس على أساس ميتافيزيقية الرؤية الحادة في موقفها من تناقضات الوجود ووحدتها في التاريخ، بقدر ما أنها مبنية على أساس اليقين المتجدد والمتعمق والتام بزوال كل ما يمكنه أن يعيق ملكوت الحرية المقبلة. إنه أراد شأن هيغل، ملكوت عالمي للحرية المتكاملة في نظام أمثل وأرقى ولكن في ميدان التحرر من اغتراب الوجود الإنساني في الأشياء والعلاقات المفروضة عليه. وبالتالي، فإن القيمة الجديدة التي أدخلها ماركس في عرين العقل الهيغيلي تقوم في كونه لم ينظر إلى اغتراب العقل في التاريخ واسترجاعه لذاته بوصفها العملية الضرورية لتذليل إشكالية الأشياء في ذاتها، بل نقلها، إن أمكن القول، من حالة الانتظار إلى حالة النظر النقدي الاجتماعي. ومن ثم جعلها جزء من "النشاط الواعي" المتمثل في طبقة وطليعة. لقد أراد أن يكون برميثيوس الفكرة الفلسفية العملية دون أن يقع في حالة العذاب المتألم بين آلهة صنعت كل شيء ولا تعلم لماذا، وبين "ملاك" يدرك خطورة انتهاكه لمجرى التاريخ "المنطقي"، بينما يعتبرها الوسيلة الوحيدة والضرورية لبلوغ التحرر الفعلي.

غير أن هذه الفكرة الفلسفية التي سيجري ابتذالها لاحقا بمعايير الأيديولوجية العملية للأحزاب الشيوعية، كانت تحتوي في أعمق أعماقها على صدى الرغبة العارمة لفكرة الإرادة والحتمية على استرجاع غير واع لما كان الفلاسفة القدماء يدعوه بقوة النفس الغضبية، اي الغريزة البدائية للوجود البشري. فقد كان ماركس يرغب بتسليم الفكرة إلى أياد قوية. إنه كان بحاجة إلى مسكها بالأيدي من اجل تقديمها إلى بروليتاريا المدن. وسوف يدفعها لينين لاحقا صوب الفلاحين، بينما سيدفعها آخرون أبعد إلى أعماق الأدغال الثورية ولاحقا إلى الجبال. الأمر الذي أحكم بالضرورة انتشار الصيغة الأيديولوجية وانتصارها وهيمنتها بين الرعاع والعوام وهزيمتها الساحقة في ميدان الفكر الفلسفي. بل احتقارها اللاحق وبالأخص بين أيديولوجي الماركسية، بحيث تصبح كلمة المثقف سبة وشتيمة، بينما يصبح الفكر خادما، وفي أفضل الأحوال حزبيا. وهو أردأ أنواع الفكر وأسخفه. بل أنه ليس فكرا ولا ثقافة بل سفاهة جهلة وأنصاف متعلمين.

أدت هذه العملية إلى تعرية الماركسية وتدمير كل كينونتها الفلسفية لصالح لباسها الأيديولوجي المبرقع من قطعان العوام والفلاحين وحثالة المدن! واتخذت في العالم العربي إحدى الصيغ المشوهة للوعي الذاتي. وذلك لأنها تحولت في بداية الأمر إلى أحد مصادر "الإيمان" ولاحقا إلى أحد أشكال الطغيان الفكري الجامد. وذلك لأن بداية انتشارها كان اقرب إلى حالة الإيمان الأجوف بالأفكار قبل تفحصها النقدي. الأمر الذي يشير إلى تغلغل أنساق الجهل والعبودية فيها. ثم تحولت لاحقا بهيئتها المشار إليها أعلاه إلى عنصر جوهري في الذهنية السياسية الحزبية ونفسية الطوائف. بحيث جعل من الذهنية السياسية الأيديولوجية ونفسية الإيمان كلا واحدا. مع ما ترتب عليه من حالة غريبة ألا وهي تحول رجال الأحزاب إلى رجال فكر ونظر، والأحزاب إلى هيئات مقررة للصواب والخط، والخير والشر، والجميل والقبيح. بل تحولت الأحزاب إلى منتج "لأصحاب الفكر" و"منظري الأيديولوجية". بينما تحول القادة الجدد من أنصاف المتعلمين والجهلة إلى فيصل حاكم في رؤية الماضي والحاضر والمستقبل!. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: لا أضيف معلومة جديدة للذين قرأوا أو حاولوا قراءة كتاب بول ريكور(1913- 2005) المترجم للعربية بعنونة (فلسفة الارادة.. الانسان الخّطاء) وتركوه دون أكمالهم قراءة الصفحات الاولى من مقدمة الكتاب وهم غير ملامين أمام صعوبة فهم كتاب فلسفي غاية في غموضه العميق وتعقيد التعابير الفلسفية فيه التي تأخذ القاريء حتى المتخصص الى متاهة بلا نهاية، وأجد على الاقل بالنسبة لي وربما غيري يستطيع فك شفرات كتاب ريكور المعّقدة لكن سيجد نفسه بالمحصلة النهائية أنه كان يسبح قرب الحافات الضحلة من بحيرة ريكورالفلسفية في هذا الكتاب تحديدا، ولم يقترب من شطآنها ناهيك عن أستحالة أمكانية الغوص في أعماقها..

لذا تمّثل هذه الورقة مداخلة كتبتها من وحي الكتاب وهي تمثل رأيي الشخصي وليس مناقشة فلسفة بول ريكور المدهشة العميقة والتي عجزت عن الاحاطة الفلسفية حتى في بعضها.. ومناقشة أفكار الكتاب تتطلب أتقان مصطلحات فلسفية لا نتوفر عليها في أدبياتنا الفلسفية العربية المترجمة.. كما وتتطلب خلفية فلسفية غير عادية تقترب من الموسوعية فاللغة التي يكتب بها ريكور عصّية على المتلقي الذي يتوجب عليه الثبات في صبر المطاولة اذا ما اراد فهم ما يريد ريكور توصيله للقاريء وليس مناقشة أفكاره بلا جدوى.

لماذا كان الخطأ ويكون؟

الخطأ عند الانسان فعالية حيوية لا منجاة الهروب منها فهي تدخل في تكوين الطبيعة البشرية المحدودة القدرة والامكانات بغض النظر عما يلحقه الخطأ من نتائج سلبية مدانة بحق الفرد ومجتمعه، والخطأ حين يكون قرار أرادة ذاتية مسبقة لا تسببها الحرية المسؤولة التي يتمتع بها الفرد مجتمعيا فهي تصبح من أفعال الشر المقصودة وليست من الاخطاء العفوية التي لم يكن يقصدها مرتكبها..

كما وليس من الضروري ربط تلازم الخطأ الانساني بالحرية التي هي ليست معطى مجتمعي ناجز يمنحه المجتمع للفرد بل بمعنى أن الحرية هي الاخرى سمة مركزية من تكوين طبيعة الانسان ونزوعه الوجودي الحيوي الطموح بالحياة ولا تلازم بينها وبين نتائج أرادة الانسان في أتخاذ قراراته وصنع عالمه الذي تشوبه الاخطاء الفادحة المتتالية..فليس معنى التمتع بالحرية المجتمعية جواز مرور أرتكاب الاخطاء والشرور المتعمّدة بحق الاخرين..فالحرية مسؤولية مجتمعية في الممارسة والسلوك قبل أن تكون حقا مكتسبا للافراد التمتع بها.

يبريء أفلاطون الانسان من جريرة أخطائه التي هي بحسب رأيه ليست من صنع الانسان بوعي قصدي مسّبق في أرتكابها وأنما تكون الاخطاء حصيلة ظروف خارجية تفرض على الانسان أرتكابها بعفوية لذا لا يتحمّل نتائجها وجميع خطايا الانسان التي تحصل معه هي أخطاء غير مسؤول عنها فهي ليست من أختياره..وليس من حق المجتمع محاسبته عليها بل على الفرد التخلص منها في التطهر الاخلاقي بزيادة المعرفة والتعلم..ونرى في رأي افلاطون هذا تبسيطا مخّلا في أغفاله جوانب رصد متباينة حول المشكلة..

وعليه يكون حصولنا على ذات أنسانوية خالصة بمواصفات معيارية نموذجية من الكمال والاستقامة هو تصوّر فارغ لا قيمة واقعية حقيقية له، ولا يمكننا تصور ذاتا أنسانية طبيعية سوية بمعيارية نموذجية هي بالاصل معيارية غير واقعية تلغي الاقرار الحقيقي السليم بأن الانسان خطّاء بالغريزة الفطرية الطبيعية ولا يلزم عن ذلك التشبث بمعصومية تتقاطع مع أستحالة فهم الطبيعة البشرية في حقيقتها الجوهرية أنها طبيعة ناقصة على الدوام ومأزومة بالحياة منذ الولادة حتى المماة مما يجعل من أرتكاب الاخطاء والحماقات هو من طبائع الامورالعامة التي تسري في شرايين أفراد كل المجتمعات البشرية، ..

الاخطاء العفوية أو المقصودة لا فرق التي يرتكبها الفرد بحق نفسه ومجتمعه لا تستمد أصولها المشروعة من الاسطورة الدينية التي تتحدث عن أرتكاب آدم للخطيئة وطرده مع حواء من الجنة وأنسحاب هذا التلفيق الاسطوري على بني آدم في الارض.. وبهذا الفهم ندرك عمق عبارة هوبز بأن الانسان شرّير بطبيعته وتحكمه غريزة أرتكابه الشرورتجاه غيره من الناس المحيطين به..ونجد بهذا التعبير تهوين غير مقصود من هوبز يسقط فيه الشعور بالذنب وتأنيب الضمير الذي يلازم الانسان مرتكب الشرور الخاطئة بحق المجتمع، وليس معنى ذلك أن هوبز يعتبر أرتكاب الشرور هي من طبائع الامور (السوّية ) الصحيحة وأنما هي من طبائع الامور التي تحكمها الغريزة المتمكنة من الانسان قبل حكم العقل والارادة الخيّرة المزروعة في جوهركيانه كضميروجداني يقوم على نشدان الفضيلة بالحياة..

بضوء هذا الفهم: تصبح المساءلة حقا مشروعا، ألم يكن بالامكان أن يكون الانسان مخلوقا مليئا بالفضائل ولا يعرف معنى الشرور في حياته؟؟ لماذا وجد الانسان نفسه مليئا بغرائز مقيتة تقاطع أنسانيته المفترضة أنها خيرا تاما وهي في كل معاييرتلك الغرائز مدانة ولا تناسب ضرورة خلق الانسان بأرادة الخير وتعمير حياته على أسس من الفضيلة والعدالة والحق على الارض وأول بوادر هذه الاستحالة في وجود الانسان الممتليء بالفضيلة والضمير الاخلاقي أنما كانت في أسطورة مقتل هابيل من شقيقه قابيل التي في حال أنسحابها على اللاهوت الديني كما هو حاصل تفضح أزدواجية الدين قبل أفتضاحها كأسطورة خرافية لا علاقة لها بالدين.. تشبه تماما حجاج أبليس لرب العالمين في أمتناعه السجود لآدم لأنه مخلوق من نار أقدس من آدم المخلوق من طين.

هوبز أراد مقاربة معنى ما ذكرناه في سعيه التأكيد أن الاخطاء والشرور التي يرتكبها الناس هي غرائز تكوينية من طبيعتهم البشرية لا يمكن تجنيب المجتمع نتائجها الضارة وفي وقت لا يسمح تجنب صاحبها تأنيب الضمير والشعور بالذنب بالقناعة الزائفة في نتائجها لكنها الحقيقية في تأصيل دوافعها التي تكسب الرضا الزائف بأن (الشر) والاخطاء هو قسمة مشتركة عادلة بين بني البشر كما هي قسمتهم العادلة في أمتلاكهم العقل..عليه لا تكون الاخطاء وما يترتب عليها من نتائج هي تصنيع الانسان لها وأبتكارها في التنفيذ السلبي لافراد يحملون جينات الشر والانحراف دون غيرهم..وهذا الفهم يسقط الرادع الضميري الاخلاقي النفسي من الحضور في منع حدوث الخطايا والاخطاء بحق الاخرين..

لماذا يكون الخطأ مباحا؟

من العسير علينا تصور الانسان موجودا لا متناهي القدرات والعقل والارادة تضعه بمرتبة الالهة، وهذا لا يمنح الانسان تفويضا زائفا أنه طالما كانت الاخطاء قسمة عادلة يتوازعها بني البشر فلا داعي أن يعتبر الانسان نفسه شاذا عن المسيرة المجتمعية السوية التي تصوّر له أنه غير مسؤول عن أخطائه..هذه سذاجة في تمرير مشروعية أعمال مقيتة هي محرمة ضميريا فرديا من قبل مرتكبها قبل أدانتها التحريمية مجتمعيا..

غرائز الانسان الفاضلة الخيّرة منها والشريرة المقيتة كلاهما يمكن التحكم بهما بما يجعل من الانسان ضميرا أخلاقيا في الحياة وليس ضميرا أخلاقيا من أجل الخلاص الانفرادي الديني في الآخرة الخيالية (يوتوبيا) الجنة والخلود..ولا يجعل منه أيضا ضميرا فاسدا في الارض كونه نتاج غريزة فساد وأفساد مزروعة فيه تشّكل جزءا من طبيعته التكوينية البشرية مما يرتب التسليم بالقناعة الزائفة أن أرتكاب الشرور هو من طبائع البشر وأمور الحياة المحكومة بالاطراد المتزايد.

كثيرة هي الاسئلة المتناسلة المتفرعة: من المسؤول عن أرتكاب الاخطاء الفرد أم المجتمع؟ وهل دافع أرتكاب الاخطاء هي ذاتية تخص الانسان بمفرده وتسيء للمجتمع بمجمله؟ هل الاخطاء التي يرتكبها الانسان عفوية مجردة من الارادة المسبقة أم هي أرادة منحرفة موجهة مقصودة مع سبق الاصرار والترصد في أرتكابها؟ وهل العوامل الخارجية التي مصدرها المحيط والمجتمع تتلبس الانسان وتسقطه في أرتكاب الاخطاء؟ هل من المشروع تسويغ أرتكاب الخطأ عند الانسان في حال أقرارنا أن الاخطاء لا تتم الا بمساعدة عوامل ذاتية ومجتمعية خارجية منحرفة تضع الانسان أمام عدم قدرة الامتناع عن تسويغ أرتكابه لها وبذلك ننكر حقيقة أن جميع أفعال الانسان تحكمها الارادة العقلية المسبقة في صنع عالمه الخاص به على وفق قناعته هو وليس قناعة المجتمع في توريطه الفرد أرتكاب الاخطاء بحق نفسه ومجتمعه..

يقول بول ريكور بعبارة رشيقة متوازنة (الانسان لا يمتلك عصمة تمنعه من أرتكاب الاخطاء والشرور وهذه هي السمة العامة التي تتركز في عدم تطابق الانسان مع نفسه، وهذا اللاتناسب بين الذات والذات هو نسبة اللاعصمة) 1

بضوء هذه العبارة نفهم أن نزعتي الخير والشر المترسبتين في أعماق النفس والضمير والوجدان الانساني كضدّين متنافرين تجعل من الانسان حالة من التناقض المربك لافعاله وأرادته في أتخاذه قرار الصح من الخطأ، فنجده متقاطعا على الدوام مع ظواهر الانحراف بالحياة في نفسه ذاتيا ومع المجتمع أيضا فيعيش الانفصام بين الضمير واللاضميرعلى صعيد الوعي الذاتي مما يرتّب عليه أتخاذ القرار الذي يمنحه الاطمئنان على حد تصوره هو للامورفي محاولته التطابق الفردي مع ضميره النظيف، قرارات يتصورها أنها تمتلك كامل المشروعية في صنع عالمه الخاص به، وتكون صدمته قاسية حين يجد النتيجة أنه صحيح حقق التطابق المرضي النظيف له مع ذاته وبما يرضىيه هو عن نفسه لكنه ما يلبث أن يجد نفسه متقاطعا بما لا يرضي المجتمع عنه تماما..

وهنا ينتفي معنى وأهمية تطابق الانسان مع ذاته كضمير نظيف ليس لأنه على حق والمجتمع على باطل بل من حقيقة لا تناسبية كما عبّر عنها ريكور بما أسماه نسبة اللاعصمة التي هي قسمة مشتركة لا أنفصام بها تجمع أنتماء الفرد بالمجتمع بما يجعل اللاعصمة لا تنجي الفرد في محاولته التطابق مع ضميره النظيف ولا تجنّب المجتمع عواقب الاخطاء والشرور التي يكون فيها المجتمع مصدر تغذية الافراد أرتكاب أخطائهم وشرورهم..

تطابق الضميرالاخلاقي النظيف عند الانسان مع حقيقة ذاتيته الانسانية النموذجية الفاضلة (الانا الاعلى) المتسامية روحيا اخلاقيا يبقى تقديرها وتحقيقها بالفرد وحده وليس بمجتمعه ومن الصعوبة بمكان أن يتجنب الانسان الازدواجية في السلوك مع المجتمع..كون المجتمع هو المصدر الاساس في جنوح الفرد نحو رغبة تحقيق مصالحه الذاتية على حساب مصالح المجموع التي هي في المحصلة النهائية مصالح ذاتية لافراد وليس مصالح مجتمعية لمجتمع متجانس يكفل حق الجميع بالعدل والمساواة والحرية.. وبذلك تكون الانانية والازدواجية وحتى الكذب والنفاق في المواقف من طبائع الامور المشروعة المباحة للانسان أرتكابها من دون شعوره بالخجل وتأنيب ضمير ولا أدانة مجتمعية مباشرة له عليها فهي قسمة مشتركة بين الجميع...فالكل غائص في وحل الاخطاء والخطايا ولا مجال تبرئة الفرد نفسه منها الا اذا ما توفر على ارادة قوية تجعله يعلو مجتمعه بالفضيلة.

هل الوعي (الزائف) الذي يجري تحميله للفرد من مجتمعه والذي لا يقوى الانسان تغييره ولا حتى أمكانية تصحيحه هو الوسيلة الفكرية الوحيدة التي يمتلكها الفرد في الحكم على الاخرين؟ وعلى من تحسب نتائج الاخطاء المرتكبة على الفرد أم على المجتمع اذا ما كان هناك لدينا خلفية حقيقية قاطعة واجب التسليم بها تذهب الى أن نزوعات الشر عند الانسان هي غريزة طبيعية من تكوين جيني عند الانسان لا يقوى على أمكانية ردع جموحها حالها حال الانانية وحب التملك والتفرد الاعجابي بالشخصية والغيرة والازدواجية وهكذا.. وكل ما ذكرناه يأخذ تسويغه التمريري وتسويقه الزائف في ظاهره لكنه الحقيقي في باطنه أن الانسان بمحدوديته الطبيعية التكوينية غير معصوم من أرتكاب الاخطاء ونزوعه الذاتي نحو أرتكاب الاخطاء لا يقل بل ربما يزيد على نزوعه نحو قيم الخير والفضيلة كون هذه الاخيرة تتقاطع مع نزوعات طبيعته الذاتية في الامتلاك الفردي والتميز بكل شيء بعيدا عن مصالح المجتمع..

والحقيقة الاكثر وضوحا أن المجتمع يدين الفرد بأخطاء يعرف حقيقة لا معصومية أرتكابها من قبل أفراد آخرين في مجتمع مكوّن من مجموع أفراده معرّضين وقوعهم بفخاخها.. فطبيعة الفرد مستمدة من طبيعة مجتمعه وما يرتكبه الفرد من شرور وأخطاء بحق مجتمعه لا يعدم أرتكابها أمثاله من الناس في مجتمعه أيضا.. والقانون العقابي الوضعي المؤسسي الذي يحاسب على أرتكاب الشرور يحد من الظاهرة في محاولته تحجيمها لكنه يعجز عن أحتثاثها من جذورها..كونها تركيب نفسي ذاتي زائدا له تركيب منظومة مجتمعية تحكم الفرد بفسادها أيضا..

معنى الاطمئنان للخالق

كثيرا ما تأخذنا الآراء القاطعة التي ننكر بها أن يكون للدين موقعا أثيرا في تشكيل الضمير الانساني الاخلاقي النزيه الذي يعيش أحلام النموذجية (اليوتوبيا) بالحياة، علما أننا هنا نأخذ بنظر الاعتبار أن الانسان مفطور على أخلاق الضمير الانسانية العفوية الخيّرة قبل معرفته أخلاق الدين لاحقا..فأنسانية الانسان تجاه نوعه من جنسه سابقة على أنسنة الدين لأخلاقه وضميره الانفرادي.

وهنا نقصد بالدين ليس اللاهوت ولا أيديولوجيا الاحزاب السياسية الدينية المذهبية والمتطرفة ولا كتب الاديان الخرافية ولا أدبيات وشروحات وتفسيرات الفكر الديني الوضعية التي جاءت هوامش أضافية في تقريب الدين المشوّه في معانيه الدنيوية وضرورة طاعتها وليس خدمة الدين كعلاقة أيمانية فردية بين الخالق والمخلوق فقط ولا حاجة الى وسطاء لترسيخ هذه العلاقة.. ولا نأخذ أيضا عندما نقصد العودة الى الخالق الاخذ بأساطير الاديان في معجزات الانبياء وأنما نعتمد (الله) كمرجعية روحية وكمستودع ضميري وجداني يلوذ الانسان به عندما تختلط الامور لديه أمام محكمة الضمير، وأن العصمة الوجدانية والضمير النظيف لا يمكن للانسان بلوغها رغم وجودها بذرة نائمة في أعماق كل انسان الا من نزوع الانسان الدائم محاولته تجاوز الطبيعة الى ماورائها روحيا..

هذا النزوع الميتافيزيقي نحو النموذجي الروحي النظيف بالحياة تنقل الانسان من مرحلة تحّكم الخطأ به الى مرتبة تحكمه هو بعدم أرتكاب الخطأ بوازع مخافة الله وهذا لا يتحقق ألا في شعور الانسان أن قدرة الله عليه جعلته محدودا ككائن غير معصوم وبذلك نراه حتى في حال أرتكابه الخطأ يلازمه تأنيب ضميرطويل يكبح عنده الغريزة الفطرية المزروعة فيه أنه معرض دوما لأرتكاب الاخطاء التي عليه أجتناب الوقوع بها..

أن أعتصام الانسان بالله في عصمة ضميره روحانيا ليست نظرة سطحية غير حقيقية اذا ما علمنا أن هذا الاعتصام لا يؤكد ولا يلغي أن يكون الشخص مؤمنا أو ملحدا ولا يشترط ذلك، ومن جهة أخرى فأن الاعتصام بالله ليس مقصورا على دين واحد يمتلك الحقيقة الدينية كاملة وحده دون غيره من الاديان فهذا ليس ما نعنيه بالاستعانة بالله في أيجاد نوع من التوازن الاخلاقي الضميري الذي يعصم الوقوع بالخطأ..وخير مثال لتحقيق مثل هذا التوجه نجده في الاديان غير التوحيدية المعاصرة مثل البوذية والهندوسية والمندائية والغنوصية اليابانية وغيرها التي تكون مركزية الاخلاق النظيفة فيها سابقة على الايمان بوجود خالق يراقب يعاقب ويثيب كما هو في الاديان التوحيدية..ونجد البوذي يحقق الاكتفاء الذاتي بالموازنة الروحية الفاضلة بمعزل عن حاجته مراقبة الرب له يتوعده بالعذاب والعقاب.

ربما يبدو غريبا التعبيرأن الانسان في حقيقته الطبيعية السوّية هو مخلوق ميتافيزيقي ديني ينزع الى الاستعانة بالله روحيا في أذكاء قيم الخير والمحبة في نفسيته وسلوكه قبل كل شيء وهذا يدعم نشوء الديانات الاسطورية الوثنية في وقت متقدم جدا على بلوغ الانسان مراتب متقدمة من التقدم المتمدن في جوانب مادية وحياتية في مسيرته التاريخية الطويلة التي جاءت لاحقة على النزعة الدينية الفطرية الملحاحة التي كانت تسكن الانسان في محاولته تفسير وفهم معنى وجوده الارضي بقوى روحية لا يعقلها بالعقل لكنه يحتاجها في توفير الاطمئنان والراحة النفسية في الانقياد الروحي المقدس لها....

أن الفهم البراجماتي (النفعي) لباسكال بوجوب التسليم بوجود (الله) ولا يشترط أن تكون ملحدا أو مؤمنا أصبح في عالمنا اليوم ليس مستهجنا مرفوضا بمقدار ما أصبح حاجة ضرورية لا يستطيع الانسان المتحضر المعاصر التخلي عنها لأنها ببساطة تحل له مأزقه الروحي الذي يعيشه بألم وبؤس ومرارة وجودية..

دعوة باسكال أهميتها أنها لا تخاطب المؤمن لتزيده أيمانا بل تخاطب المتشكك اللاديني أنه سوف لا يخسر راحته النفسية بالحياة في قناعة التسليم بوجود الله حتى وأن كان لا يؤمن بلاهوت الاديان الوضعية جميعها.. وأنما بوجود الله كملاذ آمن يستعين به روحيا فقط لخلق التوازن غير القلق بأكثر من مجال في الحياة لديه.. أن تكون مؤمنا بالله كافرا بلاهوت الاديان الوضعية كما أراد سبينوزا هو التقاء متفاوت غير معلن بين باسكال وسبينوزا.. وهذه الحقيقة الروحية أصبح الغائها والاستهانة بها في الحياة المعاصرة مكابرة فارغة تزيد بؤس الانسان بالحياة وشقائه بالوجود..

الانسان البدائي كانت حياته محصورة في وجوب تأمين أحتياجاته وبقائه من الطعام والحاجات اليومية الاخرى التي تزوده الطبيعة بها أولا .. وتفتيشه عن (أله) قوي يمتلك قوى خارقة لقوانين الطبيعة يحميه من الخوف من ظواهر الطبيعة التي لا يعرف معناها ويمنحه الاطمئنان والقوة الروحية في تغلبه على عوامل أنقراضه من الارض.. بأستهداف تغيرات البيئة له في غير صالحه الذي ذهبت الديناصورات وحيوان الماموث وغيرهما من كائنات حية ضحية لقساوة وعدم ملائمة البيئة لهم مثلا، وبالمرتبة الثانية جاء خوفه من أستهداف الحيوانات المفترسة له وقطع نسله من التوالد الانجابي التكاثري..وهناك مقولة طريفة لا أعرف مدى صحة أستنتاجها الانثروبولوجي أن الطفل المولود حديثا في العصور البدائية السحيقة لم يكن مزودا بغريزة الصراخ والبكاء كما هي عند الطفل اليوم التي كانت تحميه في العصور البدائية من تعقب الحيوانات المفترسة لصراخه وصوته..

رب عقلاني معترض غير مؤمن بالله كطاقة روحية غير محدودة لها الدور الكبير جدا في خلق الضمير الاخلاقي عند الانسان يعترض بقوله السليم في ظاهره أن الاله الذي تم تخليقه خياليا ذاتيا من قبل الانسان البدائي لم يقدم شيئا للانسان مما كان يتمنىاه من الاله أن يمنحه أياه ويلبي له أحتياجاته في تمشية أمور حياته الصعبة وصراعه المرير مع الطبيعة وهذا صحيح جدا لكن الانسان كان بحاجة الى طاقة روحية هائلة يمنحه أياها الاله كموجود خيالي خارق الامكانات والقدرات من صنعه يعلو بقدراته الطبيعة والانسان حتى وأن لم يكن منظورا مدركا مباشرة والا أنتفت الحاجة له عندما يكون موجودا محدودا بقدراته كالانسان يمنح ويعطي كجزء من الطبيعة والعالم المادي المحدود.. من البديهيات الثابتة في لاهوت الاديان التوحيدية أن الاله لم يكن سوى وجود روحاني مصدر الايمان به القلب ولم يكن موجودا أنطولجيا مدركا بالحواس والعقل...

لنلاحظ هنا أهمية وجود الالهة غير المدركين حسّيا عقليا في جميع الاساطير التي أنجبت الاديان الوثنية وغير الوثنية علما أن تلك الالهة المصنوعة أسطوريا لا تتدخل حقيقة بحياة الانسان الا في نطاق ما تأتي به الاسطورة خياليا وتنسبه لعمل الالهة أو الشخصيات التي تنسب لها المعجزات وخرق القوانين الطبيعية كالانبياء ومن هم في مرتبتهم، ولنلاحظ مدى أقتراب هذا التصور البدائي في وصول الاديان التوحيدية وغيرها المعاصرة لنا اليوم الى حقيقة الايمان الديني أنه قناعة قلبية تامة بمدرك غيبي ما ورائي وليس أيمانا عقليا يتوصله الانسان بتفكيره المنطقي المادي في تقصيه السبب والنتيجة..ومنذ الانسان البدائي بقيت هذه النزعة في أبسط أشكالها متحكمة في تفكير الانسان أنه لا يطلب من الله تزويده بما يحتاج له من أمور أدامة حياته وبقائه أي لم يكن يطلب من الهه تزويده بالطعام الذي يحتاجه ولا بالجلود التي يلبسها ولا بالرماح والالات التي يصنعها للدفاع عن وجوده بالحياة..فقد كان الانسان منذ بدء الخليقة ليس بحاجة (آلهة) تطعمه وتلبي وتؤمن له اشياء مادية توفرها له الطبيعة عن طيب خاطرولا دخل للاله بتوفيرها..والى يومنا هذا نجد الانسان الحضاري لا يدعو الله تلبية ما يحتاجه له من أمور مادية تشبع حاجاته البيولوجية في البقاء على قيد الحياة بمقدار سعيه الديني الايماني المستميت في التفتيش عمن يمنحه الاطمئنان روحيا بالحياة كعامل توازن نفسي تجعله يعيش عالمه باطمئنان وراحة نفسية..

الحقيقة التي يجري عليها الالتفاف المكابر هو سهولة أن نكون ملحدين لكن في أغفالنا الصعوبة الحقيقية التي هي مأزق لا يمكن الفرار من مواجهته أين هو البديل الذي يقوم مقام الله روحيا في أيجاد الضمير الاخلاقي شريعة ينعم بها الانسان على الارض ويتعايش بها مع الاخرين مجتمعيا..؟ لم يكن فلاسفة العرب المسلمين القدماء والصوفية منهم على خطأ عندما أعتمدوا مقولة الله واجب الوجود ولا مجال مناقشتها منطقيا تماما قبل مناقشتها دينيا كما وجدها تولستوي مؤخرا أن وجود الله ضرورة مجتمعية أخلاقية كي لا يدخل الانسان في شريعة الغاب التي يصبح فيها كل شيء مباحا لمن يستطيع ويرغب الحصول عليه..

ريكور والزامية الخطأ في الوجود الانساني

(ليس الانسان ذلك الذي لا يعرف مسؤولية نفسه.. فمن الشر أن يكون الانسان حافلا بالاخطاء، ولا يريد الاعتراف بها، لأن ذلك بمثابة أضافة وهم أختياري.. فلكي يبرر اللامبالاة يلجأ الى شيء من النفور من الحقيقة)2 هذا ما أورده ريكور في كتابه الانسان خطاء.

أن الحقيقة التي نحياها بالزيف المعتاد ونطمسها عمدا دونما الاعتراف بها هي أننا فعلا لا نريد تحمل مسؤولية حقيقة معرفتنا لأنفسنا في مراجعة الاقرار بأخطائنا وهي مخاتلة ونفور من الاعتراف بحقيقة قائمة لا يلغيها عدم الاعتراف بها والافصاح عنها تلك هي أن الانسان في حقيقته وجود (بائس) تتوزعه مرارة الحياة التي يعيشها ومصيره المحتوم نحو الفناء والعدم..

ليس سهلا الاعتراف بحقيقة تنسف وجودنا الانساني من جذوره أنه كان وجودا خطأ وخاطيء معا، وأن توأم الوجود الانساني هو حقائق الاخطاء التي يرتكبها ولا يريد الاعتراف بها..أن عدم الاعتراف بالوجود الخطأ ليس خطأ بذاته بمعزل عن نتائجه وأنما الخطأ سيكون وبالا اذا ما أمتلك الانسان الشجاعة الكافية ووضع روحه وجسده أمام مرآة حقيقة تفاهة وجوده الذي هو سلسلة من الاخطاء المتخّفية المحجوبة وراء الخوف البائس من لا حقيقة وجوده القائم على التناقضات في كل المناحي ويخاف البوح به والاعتراف الضميري بمسؤوليته عنها..

هنا يصبح التساؤل مشروعا رغم أحتواء تضاعيفه بؤس الوجود الانساني هل المنقذ من المأزق الوجودي هو الاعتراف بأن العمود الفقري لوجودنا هو سلسلة الاخطاء المتراكمة كمّيا وكيفيا التي حكمت التاريخ الانساني في سلسلة من الصدف والمغالطات التي يكون أفتضاحها أكبر من كل قيمة يريد الانسان بلوغها في الحياة؟ ولن نكون بعد أفتضاح تاريخنا الخاطيء سوى هشاشة وجودية لا قيمة حقيقية لها يعتد الاخذ بها..حتى التقدم العلمي الهائل ليس بمقدوره أنقاذ الانسان من ورطة وجوده الخطأ على الارض..وكل منجزات العلم هي تخفيف لوطأة هذا الاحساس الانساني القهري المتفاقم الذي يلازمه كوجود طاريء بائس لا شفاء منه ولا جدوى السعي نحوتحقيق الوجود الانساني المتوازن لشعوب الارض..

الاعتراف بعدم العصمة من الاخطاء تبرير سهل لمشكلة كبيرة أصعب من أختزالها بعبارة، ولن تجدي نفعا أمام حقيقة أن الوجود البشري المصنوع بالاخطاء منذ مرحلة الاساطير الميثولوجية والسحرالتي كان ولا يزال يعيش الانسان تاريخه الانثربولوجي على متناقضات الصح والخطأ بغض النظر أنهما دلالة لحقيقة واحدة هي أن الوجود الانساني صدف عشوائية متتالية من الاخطاء.. وكانت تتلبس الانسان في مساره الاخطاء أكثر من معقولية الصواب الذي كان يشبه انثروبولوجيا القفز من فوق حفر بركانية تريد أبتلاعه في جوفها الارضي..

بؤس حياة الانسان هي جذر الانفصامية التي توزعت الوجود الانساني بين ضميرأخلاقي نظيف يجب أن يكون لكنه غير موجود رغم مرارته في تقاطعه مع نقيض الشر الذي يفرض ما يجب أن يكون وهو بمجمله خال من المعنى الحقيقي الصادق في فهم الحياة والقناعة الزائفة أنها وهم قائم على المغالطة السائدة المتسترّة على الاخطاء القاتلة في الحياة على صعيدي الفرد والمجتمع.. بهذا المعنى تكون فلسفة عبثية الوجود الانساني عند الشاعر الفرنسي الكبير أميل سوران هي تجسيد فلسفي وجودي معاصر يقتفي خطى سارتر.. حين يكون مفهوم الصح والخطأ لا يقلل من مسلمة وحقيقة الوجود البائس للانسان أن ميلاده هو الماساة وليس موته وفناؤه.....

المتناهي واللامتناهي في الفلسفة

يقصد باللامتناهي المطلق هو (الله) الخالق بصفاته غير المحدودة غير المتناهية وهو ماعناه اسبينوزا الصفات الالهية التي ينفرد بها الخالق وهي صفات اللامتناهي التي لا يمكننا الاحاطة بها كليا، أما المتناهي بذاته فهو الشيء الذي يمكننا تحديده بمقارنته بآخر من جنسه، فالكرسي موجود متناهي يمكننا معرفة متناهيه في مقارنة معيارية ومقايسته مع غيره من كراسي، وكذا الحال مع الانسان فهو موجود متناهي بمقايسته المقارنة مع غيره من متناهيات محددة من نوعه.. والله اللامتناهي الصفات لن يكون محدودا متعينا اذ يتطلب ذلك (حده) بشيء من نوعه وهذا محال..3

أمام هذا المعنى الواضح بين اللامتناهي والمتناهي يثير لايبنتيز أشكالية معتبرا (كل معنى محدد ايّا كان هو معنى مجرد ناقص)4، ليس بمعنى نقص اللغة في التعبير عن الشيء فهذا موضوع آخر في تحليلنا عبارة لايبنتيز بمعنى مباشر أن كل متناهي ناقص الادراك يكون بالضرورة لامتناهيا بما يحتمله من أمتداد في حمولة متعالقة به هي الاخرى تكون ناقصة تحتمل لامتناهيات متوالية وهكذا...هنا النقص الذي يعنيه لايبنتيز هو ليس قصور اللغة في الاحاطة بالمعنى كما ألمحنا له.

هذا الفهم الاشكالي الذي يطرحه لايبنتيز أنما أستمده من علم الرياضيات وخاصة في مثال لا تناهي المتواليات الرياضية والهندسية حيث يكون لها بداية ولا تنتهي بنهاية..لذا فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي يدركه ويحتويه المتناهي المدرك الذي هو تحديدا المتوالية الرياضية..5

أنه لمن الممكن رفض تعميم منطق الرياضيات بالحكم على مدركاتنا أشياء العالم من حولنا التي هي متعينات متناهية في أمكانيتنا تحديدها..فالمحدود أنطولوجيا خارج المنطق الرياضي هي محدودات متناهية وليس من الضروري تحميلها لامتناهيات لا نستطيع حدّها بها..

هذا التداخل الاشكالي الذي أثاره لايبنتيز يدخلنا في تأويلات أبسطها يحتاج توضيحات عديدة لا محدودة، فالمعنى المحدد على حد تعبير لايبنتيز يكون بالضرورة العقلية مدركا محددا وألا ما كنا أستطعنا أطلاق صفة التحديد عليه، والمحدود هو متناهي عقلي معرفي يمكن الاحاطة به، والشيء المحدود حتى على صعيد الفكر المجرد بوسعنا تحديده كمتعين يحمل خصائصه بمقارنته المقايسة له بغيره من نوعه ... وأقصر طريق لأنهاء هذا الجدل نقول أن اللامتناهي هو الله الميتافيزيقا التي لا تحد لا بالصفات ولا بالجوهروبخلافه يكون المتناهي المدرك الذي هو وقائع أنطولوجية يمكن أدراكها والاحاطة الكلية بها..ولا يشترط تناسلها وتشعبها بلامتناهيات تشملها وهكذا نستمر على هذه الحال الى ما لانهاية مالم نضع حدا فاصلا بين مفهومي اللامتناهي والمتناهي في لا محدودية الاول ومحدودية الثاني..

وفيلون الذي يدعم وجهة النظر التي ذهبنا لها قبل أسطر يقول (أن اللامتناهي هو الله الذي هو أعلى وأسمى وأرفع من كل متناهي، فاللامتناهي هو الذي يعم ويشمل كل متناه، وهو يحوي صفات لا حصر لها بينما المتناهي يشمل صفات محدودة أو نهائية)6.

أما رأي كانط فهو يرى الناس كائنات متناهية تعيش في عالم اللامتناهي الذي يجب أن يكون محدودا بزمان وألا أصبح لاوجودا مدركا يمكن الاحاطة بأدراكه ميتافيزيقيا وأن ليس للعالم بداية ولا حدود في المكان بل هو لا متناه.7 ..

كما يرى كانط أن الزمان الذي يحد العالم يتوجب أن يسبقه زمان له نهاية وبداية الزمان (فراغ) كلي، وأذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لا متناهي)8.. من الملاحظ أن كانط يناقش العالم الكوزمولوجي أي الفضاء الكوني بمنطق أدراك الزمان والمكان..ولم يكن يعني عالم الانسان المحدود بالطبيعة والحياة.

خاتمة

المتناهي الذي هو الانسان بمجمل تفكيره في واقعه ومجمل خيالاته بما يرغب معرفته والبحث عنه. أنما هو متناه بالامكان الوجودي ومحدودية القدرة في العجز عن فهم العالم بكليته كاشياء وليس كفهم سطحي كوزمولوجي كوجود كوني مجرد.. التفكير الخيالي في اللامتناهي تفكير عقيم يستنفد نفسه قبل أمكانية بلوغه أدراك وفهم مواضيعه في العالم اللامتناهي..وعن هذه الحقيقة يقول ديكارت في التأمل الرابع من تأملاته نقلا عن ريكور (ربما يوجد ما لا نهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك، فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنها) 9.

المتناهي هو عالمنا الانساني (الطبيعة والانسان) غير المطلق كوزمولوجيا كونه متعينا موجودا مدركا في موجوداته وعلاقاتها بغيرها من موجودات بما لا حصر لها لا يطال معرفتها حتى التفكير الخيالي الذي يعجز فهم أشياء لا يمتلك تصورا مبدئيا محفوظا بالذاكرة عنها..

وهذه الرغبة أو الارادة في المعرفة بلا حدود يعّبر عنها ريكور(الارادة يبدو لها سعة (مجال) بلا نهاية ولو أخذنا بحرفية الكلمة فأن هذا التمييز يتهافت في نقد اسبينوزا)10. الحقيقة التهافت الذي قصده ريكور كنا تطرقنا توضيحه في الفهم الاسبينوزي للامتناهي والمتناهي الذي لم يوضحه ريكور سوى في الاحالة على مصدر باللغة الفرنسية وملخصه مذهب وحدة الوجود..

أما عن سعة الارادة أمام طموح الانسان بلوغ مديات من فهم العالم من حوله فهذا لا يجعل حتى من الخيال الفلسفي والخيال العلمي يبلغان معرفة اللامتناهي أكثر من المتاح المتيّسر الذي بلغاه في عالمنا اليوم..وهو لا يمثل سوى نسبة مئوية ضئيلة من فهم الانسان للعالم..لا تتجاوز حسب تقديرات العلماء 5% فقط.

عليه لم يكن أفلاطون خارج الفهم الفلسفي الذي من الممكن البحث عن صحة منطلقاته من (الشك) المشروع القائم حين أعتبر عالمنا هو غير حقيقي، والعالم الحقيقي موجود كأصل لعالمنا نجده في عالم آخر هو (المثاليات) في السماء.. وبهذا لا يمنعنا الاقرار بأن الارادة هي مفهوم فلسفي تجريدي واسع يحاول الاحاطة باشياء العالم دونما جدوى..لا تزال هذه النظرية الفلسفية لافلاطون لم تفقد بريقها رغم هالة الشك التي تحيطها وهي قابلة على أستحصال قناعة الصدق بشأنها أمام عبارة لا يبنتيز التي لا تتقاطع معها من حيث النتيجة وأنما تلتقي معها من حيث العجز القائم قوله (عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة) أي أفضل العوالم التي رغم المآخذ الكبيرة عليه لا يمكننا تحقيق البديل الافضل فالعجز والمحدودية هي التي تتسيد بلوغ الطموحات الانسانية من عدمه..هذا العجز يجري تعويضه بمغالطة نعمل على تمريرها هي أن عالمنا أردأ العوالم التي أنجزها الانسان بالقياس الى حقيقة الواقع المرير الذي نعيشه أنه لا تتوفر وتنعدم فيه قيمة الانسان الحقيقية في عالم صادق ونظيف يحكمه الضمير الاخلاقي السليم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

* بول ريكور فيلسوف فرنسي معاصر وعالم انسانيات ولد في فالينس 27 شباط وتوفي 2005، واحد من ممثلي التيار التاويلي ومن ثم اهتمامه بالبنيوية الفرنسية ويعتبر امتدادا لفرديناند دي سوسير ويعتبر ريكور رائد سؤال السرد، اشهر كتبه نظرية التاويل- التاريخ، الحقيقة والزمن والحكي، الخطاب وفائض المعنى. وفلسفة الارادة.. الانسان الخطاء.

الهوامش:

1- بول ريكور، فلسفة الارادة.. الانسان الخطاء، ت:عدنان نجيب الدين ص38

2- المصدر أعلاه ص 44 بتصرف.

3- مازن ريا موقع الحوار المتمدن 2015، قسم الفلسفة

4- نفس المصدر اعلاه

5- نفس المصدر اعلاه

6- نفس المصدر اعلاه

7- نفس المصدر اعلاه

8- بول ريكور فلسفة الارادة.. الانسان الخطاء، ص 58

9-. المصدر اعلاه نفس الصفحة

10- المصدر اعلاه ص 60

 

 

حاتم حميد محسنالتشاؤم هو شعور ذهني سلبي تحصل فيه توقعات غير مرغوبة لموقف معين. المتشائمون يميلون عموما للتركيز على الجوانب السلبية للحياة. السؤال الشائع الذي يُطرح لإختبار التشاؤم هو "هل نصف الكأس مملوء ام فارغ؟"، في هذا الموقف يُقال ان المتشائم يرى الكأس فارغا الى النصف بينما المتفائل يرى الكأس مملوءا الى النصف. طوال التاريخ، كان للميول التشاؤمية تأثيرات على جميع مجالات التفكير الرئيسية.

التشاؤم الفلسقي هو الفكرة التي ترى العالم بشكل مضاد كليا للتفاؤل. هذا الشكل من التشاؤم هو ليس ميلا عاطفيا كما تتضمنه العبارة. وانما هو فلسفة او رؤية عامة تتحدى بشكل مباشر فكرة التقدم وما يُعتبر دعوات للتفاؤل المرتكز على الايمان. التشاؤم الفلسفي عادة ما يحتضنه وجوديون عدميون يعتقدون ان الحياة ليس لها قيمة او معنى باطني.استجابتهم لهذا الظرف تتباين كثيرا وعادة ما تكون ايجابية.

ان مصطلح تشاؤم مشتق من الكلمة اللاتينية pessimus وتعني "الأسوأ". اول من استخدم الكلمة هم النقاد اليسوعيون عام 1759في نقدهم لرواية فولتير"candid,ouI optimism" . فولتير كان يهزأ بفلسفة ليبنتز الذي أكّد على التفاؤل، هؤلاء في هجومهم على فولتير اتّهموه بالتشاؤم.

التشاؤم الفلسفي

مقال روسو في اللامساواة كان يشكّل هجوما على فكرة التنوير في التقدم الاجتماعي التي اعتبرها هبوطا اخلاقيا. التشاؤم الفلسفي هو ليس حالة ذهنية من الميل السايكولوجي وانما هو رؤية عالمية للاخلاق تسعى لمواجهة الواقع الكريه للعالم وازالة الآمال والتوقعات مثل فكرة التقدم وأشكال الايمان التي تقود الى نتائج غير مرغوبة. افكار التشاؤم الفلسفي يمكن العثور عليها في النصوص القديمة مثل حوار في التشاؤم وفي سفر الجامعة اليهودي Ecclesiastes (الذي يؤكد على ان كل شيء هو بلا معنى"و "سخيف").

في الفلسفة الغربية، لم يكن التشاؤم الفلسفي حركة منفردة متماسكة وانما مجموعة متناثرة من المفكرين ذوي افكار متشابهة . في كتابه التشاؤم: الفلسفة، الاخلاق، الروح، يعرض Joshua Foa Dienstag الافتراضات الرئيسية التي يشترك بها معظم الفلاسفة التشاؤميون مثل "ان الزمن عبء، وان مسار التاريخ ساخر، وان الحرية والسعادة غير منسجمين، والوجود الانساني سخافة".

الفلاسفة المتشائمون يرون ان الوعي الذاتي للانسان مرتبط بوعيه للزمن وان هذا يقود الى معاناة اكبر من مجرد ألم مادي. ومع ان العديد من الكائنات الحية تعيش في الحاضر، فان الانسان يستطيع تأمل الماضي والمستقبل، وهذا اختلاف هام. الكائنات البشرية لديها معرفة سابقة بمصيرها النهائي وهذا "الرعب"حاضر في كل لحظة من حياتنا كتذكير بطبيعة الحياة المؤقتة وعدم مقدرتنا على السيطرة على هذا التغيير.

التشاؤمية الفلسفية ترى ان تاثيرات التقدم التاريخي تميل لتكون سلبية اكثر مما هي ايجابية. المتشائم الفلسفي لا ينكر ان مجالات معينة مثل العلوم يمكن ان "تتقدم" لكنه ينكر ان هذا يؤدي الى تحسين كلي في الظروف الانسانية. بهذا المعنى، يمكن القول ان المتشائم يرى التاريخ كمفارقة، بينما يبدو كأنه يتجه ليصبح احسن حالا، لكنه في الحقيقة لا يتحسن ابدا، او يصبح اسوأ. هذا يتضح في نقد روسو لتنوير المجتمع المدني وتفضيله للانسان البدائي والحالة الطبيعية. يرى روسو "ارواحنا اصبحت فاسدة الى المدى الذي تقدمت فيه علومنا وفنونا نحو الكمال".

الرؤية التشاؤمية للظرف الانساني هي انه بمعنى ما "سخيف". السخافة يُنظر اليها كعدم انسجام انطولوجي بين رغبتنا في المعنى والانجاز وعدم قدرتنا على ايجاد او الابقاء على تلك الاشياء في العالم، او كما يقول كامو: "الطلاق بين الانسان وحياته، الممثل وبيئته المسرحية في الزمان والمكان". فكرة ان التفكير العقلاني يقود الى ازدهار الانسان تعود في جذورها الى سقراط وهي اصل معظم اشكال الفلسفات الغربية المتفائلة. التشاؤمية تقلب الفكرة على رأسها، انها اعتبرت العقل أصل الشقاء الانساني.

استجابة التشاؤميين لهذا الموقف الصعب من الظرف الانساني ليست موحدة. بعض الفلاسفة مثل شوبنهاور اقترح شكل من القبول بالوضع الحتمي وإنكار ذاتي (الذي رآه في الاديان الهندية والزهد المسيحي). بعض الاتباع يميلون للاعتقاد ان "توقّع الأسوأ يقود الى الأحسن". ديكارت ايضا اعتقد ان الحياة ستكون افضل لو ازيلت ردود الافعال العاطفية للاحداث السلبية . كارل روبرت هارتمان زعم انه مع التقدم التكنلوجي والثقافي، سيصل لعالم وسكانه الى حالة سوف يتبنّون فيها طوعا اللاشيئية. آخرون مثل نيتشة وكامو استجابوا برؤية اكثر ايجابية فيها يتم احتضان الحياة كما هي بكل ما فيها من تغير مستمر ومعاناة، دون اللجوء للتقدم او حسابات المنفعة. البير كامو اشار الى ان الاجابات الشائعة لسخافة الحياة هي عادة : الانتحار او قفزة الايمان. كامو رفض تقريبا هذين الخيارين باعتبارهما جواب غير مقبول وزائف.

التشاؤم الفلسفي ارتبط عادة بالفن والادب. فلسفة شوبنهاور كانت شائعة جدا في أعمال (Wagner,Brahms,Mahler). العديد من الفلاسفة التشاؤميين كتبوا ايضا روايات او شعر مثل (كامو) و (ليبرودي).

اليونان القديمة

في فلسفة المأساة في اليونان، جادل نيتشة ان فلاسفة ما قبل سقراط مثل اناكسمندر وهرقليطس و بارميندس جسّدوا الشكل الكلاسيكي للتشاؤم. نيتشة رأى فلسفة اناكسماندر كـ "ادّعاء اسطوري للمتشائم الحقيقي". وكذلك بالنسبة لفلسفة هيرقليطس في التغير والصراع هو كتب: هيرقليطس انكر ثنائية العالم – وهو الموقف الذي افترضه اناكسميندر مكرها. هو لم يعد يميز بين العالم المادي و العالم الميتافيزيقي، عالم الاشياء المحددة عن اللامحدودة. وبعد هذه الخطوة الاولى، لاشيء يمنعه من التقدم نحو الثانية، النفي الجريء: هو انكر تماما الوجود.لأن هذا العالم الواحد الذي احتفظ به بلا مكان يبيّن الاستمرارية واللاتحطيم . وبصوت أعلى من اناكسماندر، ادّعى هيرقليطس :"انا لا أرى شيئا عدا التحول، لا تكن منخدعا، ان العيب هو بسبب قصر النظر لديك، وليس جوهر الاشياء، لو اعتقدت انك ترى الارض في مكان ما في محيط التحول والموت .انت تستعمل اسماءً لأشياء تعتقد انها ثابتة، مستمرة بلا نهاية، لكن حتى التيار الذي تغطس فيه للمرة الثانية ليس ذات التيار الذي نزلت فيه من قبل".(مولد التراجيديا 5، ص 51-52).

هيجسياس

وهناك فيلسوف يوناني آخر عبّر عن شكل من التشاؤم في فلسفته وهو الفيلسوف السيرينكي هيجسياس Hegesias (290.ق.م). وكالذي سبقه، هيجسياس جادل بان السعادة المستمرة مستحيلة التحقق وكل ما نستطيع فعله هو محاولة منع الألم قدر الامكان. السعادة التامة لايمكن ان توجد لأن الجسم مملوء بالعديد من الاحاسيس، وان الذهن يتعاطف مع الجسم ويشعر بالأذى حينما يشعر الجسم بذلك، وهو ما يمنع الكثير من الاشياء التي نحبها، ولجميع تلك الاسباب فان السعادة التامة توهمنا وتضلل مقدرتنا. هيجسياس اعتقد ان كل الاشياء الخارجية والاحداث والافعال لاتعني شيئا للرجل الحكيم، وحتى الموت:"بالنسبة للشخص الغبي من المفيد له ان يعيش، ولكن بالنسبة للفرد الحكيم انها مسألة لا فرق". طبقا لشيشرون، كتب هيجسياس كتابا سماه "الموت بواسطة المجاعة"، أقنع فيه العديد من الناس ان الموت افضل بكثير من الحياة. وبسبب هذا منع بطليموس الحادي عشر هيجسياس من التدريس في الاسكندرية.

وبدءاً من القرن الثالث قبل الميلاد، اقترحت الرواقية تمرينا لـ "دراسة الشرور" مركزة على أسوأ النتائج الممكنة.

فولتير

كان فولتير أول اوربي سُمي بالمتشائم نتيجة لنقده للمتفائل الكسندر بوب في "مقال حول الانسان"، ونقده لتأكيد لايبنتز عام 1759 باننا "نعيش في أحسن ما يمكن من العوالم"وكل شيء يسير نحو الافضل لأن الله يحب الخير. رواية فولتير (الكانديد) هي نقد موسع للتفاؤلية المؤمنة وقصيدته حول كارثة زلزال لشبونة هي بالذات متشائمة بشأن حالة البشرية وطبيعة الاله. ومع انه ذاته مؤمن بالربوبية، لكنه جادل ضد وجود الاله العطوف من خلال تفسيره لمشكلة الشر.

جين جاك روسو

الافكار الرئيسية للتشاؤم الفلسفي كانت عُرضت اول مرة من جانب روسو وسمي "ابو التشاؤمية". يرى روسو ان الناس في "خيريتهم الطبيعية"ليس لديهم احساس بالوعي الذاتي بالزمن وبهذا هم اكثر سعادة من الناس الملوثين بالمجتمع. رأى روسو الحركة خارج دولة الطبيعة هي أصل اللامساواة وسبب افتقار البشرية للحرية. صحة الانسان الكلية هي في حالته الطبيعية، وان الحب غير المدمر للذات وللتعاطف جرى استبداله تدريجيا بحب الذات المشتق من الفخر والحسد لزملاء الانسان. وبسبب هذا، فان الانسان الحديث يعيش "دائما خارج ذاته"، مهتما بالآخرين، وبالمستقبل والاشياء الخارجية. روسو ايضا انتقد مقدرة الانسان على "صنع الكمال" وقدرته اللغوية في سلخنا بعيدا عن حالتنا الطبيعية وذلك عبر السماح لنا في تصور المستقبل الذي نكون فيه مختلفين عما نحن فيه الآن ولذلك يجعلنا نبدو نشعر بالنقص (وبهذا نكون قادرين على بلوغ الكمال). روسو رأى تطور المجتمع الحديث كاستبدال للمساواة الطبيعية عبر الاغتراب والتمييز الطبقي المفروض من مؤسسات السلطة. وهكذا فان العقد الاجتماعي يبدأ بعبارة شهيرة "الانسان ولد حرا، وفي كل مكان هو مقيد في الأغلال". حتى الطبقة الحاكمة ليست حرة، في الحقيقة، يرى روسو الحكام كـ "العبيد الكبار" لأنهم بحاجة الى مزيد من الاحترام من الآخرين كي يحكموا ولذلك يجب باستمرا ر ان يعيشوا "خارج ذواتهم".

آرثر شوبنهاور

 كان لشوبنهاور تاثيرا على المفكرين والفنانين اللاحقين مثل (فرويد) و (واغنر). تشاؤم شوبنهاور جاء من اعطائه الرغبة منزلة فوق العقل كسبب رئيسي للفكر والسلوك الانساني. الرغبة هي الجوهر الميتافيزيقي النهائي الحي وهي كفاح غير منطقي وبلا اتجاه. يرى شوبنهاور العقل ضعيف وغير هام مقارنا بالرغبة. هو رأى ان رغبات الانسان يستحيل اشباعها، وان كل القناعات التي تُسمى بالسعادة هي سلبية دائما ولن تكون ايجابية ابدا. انها ليست الاشباع gratification الذي يأتي لنا بالأصل وبذاته، وانما يجب دائما ان تكون قناعة الرغبة. بالنسبة للرغبة، تكون الحاجة هي الشرط المسبق لكل متعة، ولذا فان القناعة او الاشباع لن يكونا ابدا اكثر من التحرر من الألم ومن الحاجة. وجود الانسان باستمرار يتأرجح كالبندول بين الألم عندما نريد شيء ولا نحصل عليه، والضجر عندما نحصل على الشيء ولا نهتم به، وهذان الاثنان في الحقيقة هما المكونان النهائيان للوجود الانساني.هذه الحلقة الدائرية تسمح لنا بالنهاية لنرى التفاهة المتأصلة في حقيقة الوجود وان ندرك ان الهدف من وجودنا ليس لنكون سعداء. هو اعتقد انه فقط عبر الانسحاب من الكفاح الذي بلا معنى للرغبة بالحياة من خلال شكل من إنكار الذات (كالشكل الذي يمارسه الرهبان المسيح والناس الاخلاقيون) قد يتحرر الفرد من الرغبة تماما.

نيتشة

يمكن القول عن نيتشة كفيلسوف متشائم. هو يختلف عن شوبنهاور في استجابته للرؤية التراجيدية المتشائمة كونها لا تعني الانسحاب ولا إنكار الذات وانما كشكل من التشاؤم المؤكد للحياة. واذا كان سقراط أكّد ان الحكمة تقود الى السعادة، فان نيتشة اعتبر هذا "كلام اخلاقي، وخداع ونوع من الجبن ". هو ايضا انتقد تشاؤمية شوبنهاور لأنه عند الحكم على العالم سلبيا، نكون اصدرنا حكما اخلاقيا حول العالم وذلك يقود الى الضعف والعدمية. جواب نيتشة كان احتضانا تاما لطبيعة العالم، "تحرير عظيم" من خلال "تشاؤم القوة"والذي"لا يضع أحكاما لهذا الظرف". اعتقد نيتشة ان مهمة الفيلسوف هي ان يستخدم بكفاءة هذا التشاؤم كالمطرقة، اولاً يهاجم اسس العقائد والاخلاق القديمة"، ليعيد تقييم كل القيم ويخلق قيم جديدة. الخاصية الاساسية لهذا التشاؤم كان "القول نعم" لتغيير طبيعة العالم، هذا انطوى على احتضان التحطيم والمعاناة بفرح. تشاؤمية نيتشة هي فن العيش الذي هو "جيد لصحة الفرد كـ "علاج ومساعد في رعاية نمو وصراع الحياة".

البير كامو (1913-1960)

وهو فرنسي- جزائري عرض مقترحات للتعامل مع سخافة الوجود ولا معنى الحياة. العديد من الناس يرون ان الحياة بلا معنى لا تستحق ان تُعاش، كامو اعتبر الموت او الانتحار عمل لا فائدة منه لأنه سوف لا يكون هناك معنى في الموت اكثر مما هو في الحياة. وعندما يأتي كامو الى سؤال معنى الحياة هو يستنتج انه من المستحيل العثور على جواب للسؤال المتعلق بمعنى الحياة، وان اي محاولة سواء من الفلسفة او العلم او الدين لفرض معنى على الكون سوف تنتهي بكارثة. الانسان يسعى ليجد معنى للاشياء، وعندما لا يجده يحاول خلقه. حياتنا حسب قوله بلا معنى وسوف تبقى كذلك. غير انه لا يعتبر لامعنى الحياة شيئا سيئا. فهو يقول ان فهم الحياة السخيفة هو الخطوة الاولى لتكون مفعماً بالحياة، هو يثمّن ضوء الشمس والمرأة والساحل والطعام الجيد. يرى كامو ان الشخص الذي يدرك سخافة الحياة ويتعامل معها بابتسامه فهو بطل. هو رفض الحياة الثانية، حيث اعتبر محاولة تبرير هذه الحياة عبر الاشارة الى حياة اخرى انما هي فقط طريقة اخرى لإنكار سخافة الحياة. ينصح كامو بالذهاب والتمتع بضوء الشمس او المشي على الساحل او لعب كرة قدم وعدم إعطاء مجال لليأس و احتضان لا معنى الوجود بالاختيار والاستمرار بالتمتع بما تعمل رغم فقدانك المعنى في افعالك.  يرى كامو ان الوعي الانساني والعقل "يضعاه في تضاد مع كل الخلق". ان هذا التصادم بين الذهن المفكر الذي ينحت المعنى والعالم "الصامت" هو الذي يُنتج المشكلة الفلسفية الأكثر اهمية.اعتقد كامو ان الناس عادة يهربون من مواجهة السخافة من خلال "الايهام"، "الحيلة"، فهم لا يعيشون لأجل الحياة ذاتها وانما لأجل فكرة عظيمة تحوّل الحياة، تنقّيها، تعطيها معنى، وتخونها". هو اعتبر الانتحار والدين شكلان زائفان للخداع او الهروب من المشكلة. كامو يرى ان الخيار الوحيد فقط هو القبول الثوري والعيش مع السخافة لأن "كل مصير يمكن قهره بالازدراء".

نقد

طوال التاريخ، استنتج البعض ان المواقف التشاؤمية، رغم انها مبررة، لكنها يجب تجنبها لكي نستمر. المواقف التفاؤلية مفضلة وهي ذات اعتبارات عاطفية. النقاد رفضوا افتراض ان التشاؤم يقود حتما الى مزاج معتم كئيب. العديد من الفلاسفة لا يوافقون على ذلك، مدّعين ان مصطلح "التشاؤم" اسيء استغلاله. السعادة غير مرتبطة بالتفاؤل ولا التشاؤم مرتبط بعدم السعادة. يمكن بسهولة تصور انسان متفائل غير سعيد وآخر متشائم سعيد.

 

حاتم حميد محسن

 

ميثم الجنابيما بين ماركس وهيغل: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري (6)

إن ماركسية ما بعد ماركس من الناحية المجردة هي "ماركسية" إضافية، أي "مصطنعة". غير أن ذلك لا يلغي كونها جزء من رصيد الماركسية بوصفها تيارا عاما أو تيارات متنوعة واجتهادات هي جزء من تقاليد ومصير العقائد الكبرى ومدارسها النظرية. تماما كما أن التشيع والتسنن، والخوارج والمرجئة، والمعتزلة والأشاعرة، والحنبلية وإخوان الصفا، والغزالي وابن عربي وما شابه ذلك هي نماذج "إسلامية" إضافية، أي "مصطنعة" رغم كونها جزء من التيار العام للإسلام وتقاليده. وينطبق هذا على كل شروق وغروب التيارات العقائدية الكبرى. وإذا كان الخلاف جليا، على الأقل من حيث الظاهر بين بقاء و"حياة" الأديان واندثار و"موت" المدارس الفكرية الكبرى، فإن سببه لا يكمن في صواب الأولى وخطأ الثانية. بل على العكس تماما! أو على الأقل أن جذور هذا الاختلاف تكمن في أن حياة الأديان من "حياة" العوام، أي الأغلبية المحنطة والعائمة في زمن الوجود وفضاء التاريخ الروحي للعقائد، على خلاف المدارس الفكرية الكبرى التي لا يعني "موتها" سوى حياتها المتجددة في اجتهاد العقل النظري والعملي الدائم. بمعنى أنها الممثل والمتمثل الأكبر لحقائق الوجود بوصفه صيرورة أبدية للوجود والعدم.

وليس مصادفة أن يتحول ماركس الواحد بمعايير الحياة الشخصية والحياتية إلى أنواع وشخصيات عديدة. والسبب لا يقوم فقط في أن تاريخه الشخصي هو تقلب وتنوع واختلاف متراكم في مجرى البحث عن وحدة نظرية منهجية تطابقت في مجرى تكاملها الذاتي مع منظومته الفلسفية بوصفها منظومة تاريخية عن الإنسان والمجتمع والدولة والفكر، بل وكذلك بسبب انغلاق المسار التاريخي للشخصية والفكرة على ذاتها أمام التاريخ اللاحق. وذلك لأن التاريخ "اللاحق" هو "معاصرة". من هنا تأثيرها المباشر وغير المباشر حتى على اشد المحاولات صرامة في رؤيتها التاريخية للماضي. بعبارة أخرى، إن المعاصرة عادة ما تبعد اشد الأفكار واقعية وموضوعية وعلمية عن الماضي حتى حالما تجعل منه موضوع تأملاتها النظرية ومادة تصنيعها العملي.

فالمعاصرة هي بمعنى ما طفو على الماضي. وفي هذا فضيلتها أيضا. كما أنها حالة وجودية ومعرفية بقدر واحد. من هنا لم يكن "تنوع ماركس" حالة غريبة. على العكس أنها تعكس المسار الطبيعي لتاريخ الفكر والعقائد الكبرى. من هنا بروز ماركس المعقد والصعب والفيلسوف والعالم، وماركس العادي والبسيط والنبي العملي. كما تظهر مختلف الصور المعقولة بمعايير التأويل عن ماركس الاقتصادي، وماركس السياسي، وماركس الفيلسوف، وماركس الأيديولوجي، وماركس المناهض للأيديولوجية، وماركس الإنساني، وماركس الطبقي، وماركس النقدي، وماركس السلفي، وماركس الثوري، وماركس المعتدل. وأن يجري وضع الخط بين هذه المكونات بما في ذلك بمعايير الزمن وابتداع الصورة الخلابة في الوقت نفسه عن ماركس الشاب وماركس الشيخ. مع أنها وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها بمعايير الوجود الشخصي وتكامله الذاتي وصيرورة منظومته الفكرية. لكن مفارقة هذه الثنائيات الملهمة للجدل العقائدي تقوم في التهامها لاجتهاد ماركس عبر تحويله إلى جهاد أيديولوجي لم يبق من ماركس غير تأويلات لا تحصى جعلت من الممكن تحويل ماركس إلى صبية مرمية على قارعة الطريق يمكن لكل عابر سبيل ولص مغامر من الاستيلاء عليه واغتصابها.

إن ماركس هو فيلسوف أولا وقبل كل شيء. بل حتى كتاب (الرأسمال) كتاب فلسفي من حيث الجوهر، أو أنه لا يمكن فهم حقيقته دون منهجه الفلسفي. ومن ثم فإن (الرأسمال) هو كتاب فلسفي اقتصادي سياسي، أي تاريخي من حيث المبدأ والغاية. وذلك لأنه يحتوي وينسق بقدر واحد بين مضمون تاريخي، ووسيلة تاريخية، وغاية تاريخية. وليس مصادفة أن يخلو كتاب (الرأسمال) من معطيات بيانية وإحصائية. كما أنه الشيء الذي يمكننا رؤيته أيضا على مثال مقولاته ومفاهيمه وقيمه ومواقفه. لاسيما وأنها أمور جوهرية ليس فقط بالنسبة لمعرفة مصادر وكيفية تأسيس الفكرة، بل ولمعرفة حدوها النظرية ضمن منظومة الفيلسوف نفسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على طبيعة ومضمون نقده لأسلافه الكبار من رجال الفكر الاقتصادي. بمعنى كشفه عن خلل "الرؤية المستقبلية" في استنتاجاتهم الاقتصادية. وليس ذلك في الواقع سوى الوجه "الاقتصادي" في رؤيته التاريخية للمستقبل. لقد أراد ماركس من العلم الاقتصادي، كما هو الحال من نتاج جميع العلوم الاجتماعية والطبيعية أن يكون مؤيدا ومساندا وداعما لفكرة البدائل التاريخية المتعلقة بتأسيس ودعم فكرة الضرورة التاريخية لعملية الانتقال إلى الشيوعية بوصفها التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية العليا في التطور الإنساني. بحيث نراه يطابق بينها وبين التاريخ الحقيقي. الأمر الذي جعله يفصل بطريقة اقرب إلى تقاليد الميتافيزيقيا المتسامية بين ما كان ويكون، أي ما كان قبل وبعد توكيدها وتأسيسها للفكرة، شأن تصورات وأحكام "الدين الحنيف" الجازمة في مواقفه من إشكاليات الوجود والخير والجمال والحق والحقيقة. وليس هذا في الواقع سوى الغلو العميق المميز للنزعة التاريخية في فلسفة ماركس.

إن تحويل ماركس إلى اقتصادي فقط، أو سياسي فقط، أو أي إلى مجموعة كيانات مستقلة ومختلفة فيما بينها يعادل ضعف أو انعدام المعرفة العلمية به، بوصفه كلا واحدا لصيرورة تاريخية فكرية ثقافية معقدة. إن تجزئة ماركس بهذه الطريقة يستعيد في حالات كثيرة جهاز التقييم القديم الذي يجد في تنوع الاختصاص فضيلة بوصفه الوجه الآخر للموسوعية. أما في الواقع، فإن هذا "التنوع" ليس إلا أحد مظاهر أو أجزاء التراكم التاريخي والمعرفي للشخصية الكبيرة، كما أنه الممر الضروري والفردي لتكامل منظومة الأفكار الكبرى والمنهج الموحد والجامع لها، ومن ثم الغاية الخفية القائمة وراء كل ذلك بوصفها "سرّ الأسرار" الكامنة في ما ينبغي للتاريخ اللاحق الكشف عنه وتبيانه. فقد أدت تجزئة ماركس إلى جعله مادة للتطفل الجاهل والتطويع الأكثر جهلا من مختلف أطراف المحبين والكارهين. وهي ظاهرة ليست معزولة عن النفسية الأيديولوجية وأحكامها الضيقة. أما بمعايير العلم فإن ماركس يبقى جزء من أجزاء الكلّ الإنساني وحلقة من حلقات المعاناة العقلية في اجتهادها النظري وجهادها العملي من اجل تأسيس البدائل الإنسانية.

فقد جعلته الرؤية الأيديولوجية المؤيدة منها والمعارضة كيانا فاقعا. وليس مصادفة أن تسود الرؤية عند الطرفين من خلال إرجاع ماركس إلى (دون كيشوت) عصري في مواجهة أشباح الطواحين المخيفة للشيوعية، أو النظر إلى ما في (الرأسمال) على انه منشور سياسي صرف مهمته كشف شبح الرأسمالية المرعب. وكلاهما في الواقع مجرد رهينة صغيرة للعبارة البيانية التي كانت تميز كتابات ماركس آنذاك، كما نعثر عليها في (بيان الحزب الشيوعي). أما في الوقع فقد كانت عبارة بيانية لا تخلو، شأن كل إبداع تاريخي كبير، من شطح يناسبها في المظهر والمظاهر.

لقد أدت هذه التجزئة المفتعلة والملازمة للوعي السياسي المتحزب وتقاليد العوام الراديكالية إلى إحراق أغلب الآراء الطرية والقابلة للنمو في منظومة ماركس الفلسفية على نار الالتهاب الثوري، وبالأخص في مجرى التحولات الدرامية الهائلة بعد موته. كما نراها على سبيل المثال لا الحصر في كتابات كاوتسكي ولوكسمبورغ في ألمانيا، وبليخانوف ولينين في روسيا، ولابريولا في ايطاليا وغيرها من المناطق الأوربية آنذاك. فقد جعلوا، وإن بمستويات ونوعيات مختلفة ومتباينة، من تصوراتهم عن الماركسية جوهر العقيدة العملية والأيديولوجية الثورية في القرن العشرين. الأمر الذي جعل من الماركسية عقيدة قاسية، تعمل بمقاييس "نحن" و"هم"، و"رفاقنا" و"أعداءنا" بوصفها الحالة "الطبيعية" لقداسة "التناقض" و"صراع الأضداد" و"الصراع الطبقي". من هنا ثنائيات الصراع الحادة في كل شيء. ومع كل نمو فيها كانت تنمو حراشف العداء والتخوين والتجريم. ومع كل تشدد فيها تصبح أشد تخريبا للعقل والضمير. بحيث يتحول تروتسكي وفكرته عن جوهر الماركسية باعتبارها "ثورة دائمة" إلى انتهازي وعميل ومجرم يجري تتبعه حتى المكسيك! (وهو يرفد هناك بحياة إمبراطورية!). ثم تتحول الستالينية إلى مجرد عبادة فرد يجّسد في ذاته الحزب والدولة والحقيقة والمستقبل. وتتحول كتاباته إلى أناجيل الماركسية السهلة! مع أن ستالين رجل أمي بمعايير الفكر. فهو أيضا لم يكمل المدرسة الابتدائية! ثم الخروشوفية بكل حرارتها الراديكالية التي جعلت من الستالينية جريمة، أي من المقدس مدنسا! ثم يجري رميها بوصفها حماقة فلاحية! وهي عملية تتكامل مع مجرى الزمن لكي تتحول في نهاية المطاف إلى حلقات أحداها أضعف من الأخرى لتنتهي بالغورباتشوفية، بوصفها خروتشوفية "مجددة" مشهورة النتائج. وهي حالة يمكن رؤيتها في كل مكان مشابه للدول الاشتراكية جميعا، الغربية منها والشرقية، المتطورة والمتخلفة، المندثرة والباقية. والاستثناء الوحيد للتجربة الصينية. لكن التحول الصيني المعاصر هو تحول قومي خالص. وهذه قضية لا علاقة لها بالفكر بقدر ما لها علاقة بالتجربة السياسية للدولة والأمة الصينية وتراثها القومي.

لكن اغرب ما في المصير التاريخي لفكرة ماركس التاريخية وفلسفته التاريخية يقوم في بقاء وفعالية "ماركس الشاب" وضمور "الشيخ ماركس". وهي مفارقة غريبة. فقد كان "ماركس الشاب" يعمل من اجل "ماركس الشيخ". بينما تحول "الشيخ ماركس" إلى الشخصية الأشد فاعلية في تاريخ العالم الحديث. وبالمقابل يقي ماركس الشاب الأعمق بالنسبة للعقل والضمير. والسبب يكمن في أن "ماركس الشاب" كان ينتج بمعايير العلم الفلسفي الخالص والحدس الثقافي، بينما كان "الشيخ ماركس" يعمل بمعايير العقل العملي. من هنا تطويع نتاج الفكر والسباحة في تياره. وهو تيار لا يمكنه السير إلى ما لا نهاية بنفس عنفوانه وقوته الأولى لأنه اقرب ما يكون إلى سيل العرم، يبدأ بالمطر وينتهي بتخريب كل ما يقع أمامه. لأنه ينقل في مياهه المخبوطة بالحجارة والقذارة أيضا!

إن هذه النهاية المأساوية للماركسية، التي جرى تتويجها بانهيار "الاشتراكية السوفيتية" يعكس المسار الدرامي والمعقد لحياة ماركس وفكره، أي المسار المعقد لماركس المصطنع. وهي إشكالية بمعايير التاريخ السياسي، لكنها حقيقية ضمن سياق العلاقة المتنافرة أحيانا بين التاريخ الواقعي والمنطق.

 إن القيمة التاريخية الكبرى لفلسفة ماركس تقوم بالذات في رؤيتها التاريخية. كما أن مأساة الماركسية والخاتمة الدرامية لماركس هي أيضا النتاج المباشر لفلسفته التاريخية. وفي هذا تكمن إشكالية الماركسية والمصير التاريخي لماركس. وليس مصادفة أن تتأثر كل فلسفات التاريخ الكبرى للقرن العشرين بفلسفته عن التاريخ. إذ لا يمكن على سبيل المثال لا الحصر، فهم كل البواعث الدفينة والعميقة لفلسفة ماكس فيبر التاريخية والاجتماعية بدون ماركس. إذ نعثر في رؤيتها التحليلية ومنطق تصنيفها للتاريخ الظاهر والباطن ومفاهيم "العملية الاجتماعية" و"المسار الحضاري" و"حركة الثقافة"، أي كل المكونات الجوهرية لفلسفته التاريخية على هاجس ماركس الكامن والعنيف فيها. وينطبق هذا في الواقع على كل التيارات والمدارس الفلسفية النقدية المؤثرة للقرن العشرين.(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

علي رسول الربيعيموقف البرغماتية من الشك 

المقدمة: أدعي أبتداءً أن آباء البراغماتية، جارلس بيرس ووليم جيمس قد غيّرا معنى كلمة المعرفة وأن هذا التغيير كان جوهر الاستجابة البرغماتية للشك. جادل بيرس بأن مفهوم المعرفة الخاطئة كان مناسبًا للبحث العلمي، وصاغ مصطلح القابلية للخطأ [1]fallibilism كتسمية لرأيه القائل بأن المعرفة الإنسانية ليست مؤكدة أبدًا، وقابلة للخطأ دائمًا. افترض تحليله زوجين من المفاهيم: الاعتقاد والشك، وأنه من الواجب أن يكون هناك سبب للشك. قام جيمس بتغيير معنى مصطلح الحقيقة وكشف أن الحجج التقليدية للشكية (الريبية) تستند إلى افتراض عاطفي مشكوك فيه (الخوف المبالغ فيه من الخطأ). لقد تحدى البراغماتيون في تركيزهم على النتائج العملية للأفكار أهم افتراضات الشكية المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والأعتقاد والشك. لم تكن فكرة القابلية للخطأ شكلاً معتدلاً من الشكوك، فقد كان واضحًا أنها تعبر عن موقف غير شكي.

هناك العديد من الأعمال حول البراغماتية والشك، لكن العلاقة بينهما لم يتم تحليلها بالطريقة التي ترضيني من ناحية التسويغ أبستيمولوجي في الدراسات الفلسفية. هناك دراسات حول استجابة البراغماتيين للشكك[2] ولكن لم توضع هذه الاستجابة كإستراتيجية لمناهضة الشكية في الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) المعاصرة.[3] ومع ذلك، يبدو أن بيرس وجيمس قد غيرا، في مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين، معنى كلمة المعرفة، وقد قوض هذا التغيير المفاهيمي أطروحة الشك (فإذا كانت المعرفة قابلة للخطأ فلا يوجد سبب للادعاء بعدم وجود معرفة). كان هذا تغييراً مفاهيمياً هاماً ومؤثراً يستحق التقدير في نظرية المعرفة وتاريخ الشك.

تشارلز س. بيرس: المفهوم الجديد للمعرفة وأسباب الشك

قدم بيرس مجموعة من المفاهيم المهمة لمشكلة الشك: مفهوم القابلية للخطأ، مفهوم المعرفة كمعتقد ثابت، ومفهوم سبب الشك. يذكر بيرس عدة مرات في دراساته " مصطلح " القابلية للخطأ" وهذا يدل على انه من صميم فلسفته العملية، اذ يقول" أعتدت أن أجمع افكاري تحت عنوان ا"لقابلية للخطا."[4] فقد صاغ بيرس المصطلح الجديد" القابلية للخطأ" وجعله شائعًا. ونقد "المعرفة المعصومة" أو غير القابلة للخطأ، وقدم بعد ذلك وجهة نظره المعاكسة المسماة كما اشرنا " القابلية للخطأ". وهي الفكرة التي تعني أن أياً من معتقداتنا قد تكون خاطئة. والمذهب القائل بأن معرفتنا ليست مطلقة أبدًا، أنها تسبح دائمًا في سلسلة متواصلة من عدم اليقين وعدم التعيين".[5] التطور والاستمرارية في الطبيعة هي القاعدة الأساس لأطروحة بيرس التي مفادها أن الدقة الكاملة واليقين التام لا يمكن تحقيقهما.[6] لقد كتب في عام 1910، "لا أعترف بأي شيء مهما كان كيقين مطلق".[7] انه يقبل اليقين العملي (في المعتقدات) ولكن ليس اليقين النظري أو المطلق.[8] "لا يمكن للناس تحقيق اليقين المطلق فيما يتعلق بمسائل الواقع. أما الرياضيات التي هي مجرد نظام أسماء ابتكره البشر بغرض العد"،[9] وأن حقائقها محددة بشكل مسبق، فالقابلية للخطأ تتعلق بالأشياء الموجودة بالفعل وليس بالحقائق المسبقة.[10] ومع ذلك الأحكام الرياضية البسيطة عرضة للأخطاء وليست معصومة تمامًا، بمعنى انتماءها إلى فئة تضمن الحقيقة.[11]

وينطبق هذا على الأعتقادات التي تتعلق بمعطيات الوعي أيضا. " فليست التجربة المباشرة مؤكدة أو غير مؤكدة، أنها لاتجزم بشى".[12] لا يوجد أي تفكير مستقل عن مشاهدات الحقائق الخارجية، ولا يوجد حدس مستقل من معرفة سابقة، والتفكير دائمًا غير مباشر، ويتم بتوسط العلامات.[13] لذلك، عندما يكون لدينا يقين مطلق فليس هناك مجال للمعرفة.

تحظى فكرة القابلية للخطأ، وفقا لبيرس، بقبول الناس الذين يعملون في العلوم التجريبية. وتجد المؤيدين لها بين المتحمسين لروح العلم على وجه التحديد.[14] تفترض القابلية للخطأ وجود المعرفة وتسعى الى التحقق والتساؤل عن الحقيقة. إنها "تقترن بإيمان كبير بحقيقة المعرفة".[15] بينما تمنع فكرة المعرفة المعصومة وأدعاء الدقة المطلقة" طريق التساؤل والأستعلام" بشكل خطير.[16] إن عدم اليقين الحقيقي هو الحافز على الاستقصاء والمنتج للمعرفة.

يعارض بيرس بشكل واضح الشكاك التقليديين. فقد كتب في مقالة بعنوان"بعض عواقب أربع حالات من العجز" نشرت في عام 1868، ضد طريقة التفكير الشكي التي يمثلها ديكارت قائلاً: لا يمكننا أن نبدأ بشك كامل. يجب أن نبدأ من كل الأحكام المسبقة التي لدينا بالفعل عندما ندخل في دراسة الفلسفة. (...) دعونا لا نتظاهر في الفلسفة بما لا نشك فيه في قلوبنا ".[17] ويعرض ديكارت على أنه مفكر مخادع يتظاهر بأنه لديه شك شامل، بينما هذا أمر مستحيل في الواقع.[18]

عاش بيرس بعد تشارلز داروين ونظر إلى العالم من خلال نظرية التطور، ومن منظور عالم تجريبي والحياة اليومية. دفعته هذه التجربة إلى تغيير المفاهيم الفلسفية للمعرفة والشك. فيرى إن المعرفة مدفوعة بغرض ومقدرة لتوجيه أعمالنا. وأن الشك الشامل مستحيل لأن كل نوع من التفكير يفترض مسبقاً بعض المعلومات والمبادئ السابقة. كما أنه بوصف الشك البحث عن اليقين يقوم على فهم خاطئ للحالة المعرفية للإنسان.

يشير بيرس إلى فكرة الشك بوصفها فكرة قديمة جداً من خلال التذكير باقوال الشكاك القدامى، بيرالإليسي Pyrrho of Elis وأغريباس التريما Agrippa's trilemma[19] الذين كانوا يقولون: لا يوجد أي دليل يمكن أن يكون له قيمة، لأنه هو نفسه يتطلب إثباتًا، والذي يجب أن تستند بدروه الى دليل، وبالتالي نقع في الما لانهاية. يظهر هذا أنه لا يمكن إثبات أي شيء يتجاوز احتمال وجود الشك؛ وأنه لا يمكن استخدام أي حجة بصورة صحيحة ضد الشك المطلق؛ وأن الاستدلال هو مجرد انتقال من إدراك إلى آخر وليس إنشاء لإدراك.[20]

يقبل بيرس كل افتراضات الشكية حول احتمال الخطأ، لكنه لا يقبل النتيجة النهائية للشك ودعاة الشك المطلق. وفقًا له فإن الشكاك على حق عندما يقولون أننا لا نستطيع أن ننتج أدراكاً معصوماً، لكنهم ليسوا على صواب في قولهم، أننا لا نستطيع إنتاج إدراك معرفي على الإطلاق. إن الطريقة الصحيحة لتجنب نتائج الشك هي تغيير مفهوم المعرفة ذاته.

ظهر مفهوم المعرفة الضعيفة المحتملة في العصور الوسطى (وكانت من صوغ كلاً من نيكولاس أوتريكورت؛ وجون بوريدان)، وقد تم تطوير هذا المفهوم في العصر الحديث من قبل (فرانسيس بيكون)، لكن بيرس هو من نقله إلى مجال النقاش الفلسفي. لقد ربط المفهوم الفلسفي للمعرفة بالمفهوم المستخدم في العلوم والنشاط البشري المشترك العام. يذكر بيرس راي فرانسيس بيكون: أن تفسير التجربة يجب أن يكون مفتوحًا للتحقق وإعادة النظر".[21]

يقدم بيرس، في بحثه المنشور "أثبات الأعتقاد" (1877) و"كيف نوضح أفكارنا" (1878)، تحليله العملي لفكرة الأعتقاد والشك. الأعتقاد هو قاعدة للعمل، وتأسيس للسلوك الذي يحدد أعمالنا. إذا كان شخص ما يعتقد، فهو مستعدة للعمل. "لا يجعلنا الأعتقاد نقوم بالعمل ولكن يضعنا في الحالة التي سنتصرف فيها بطريقة معينة، عندما تأتي المناسبة".[22] الأعتقاد هو وقف الشك وتثبيت الرأي. إن "الشك هو حالة من عدم الارتياح وعدم الرضا نكافح من أجل تحرير أنفسنا منها والدخول في حالة الأعتقاد".[23] الحالة الذهنية المقلقة مزعجة ويميل الناس إلى تثبيت الأعتقاد للحصول على راحة البال. "يحفز الشك العقل على النشاط".[24] يكتب بيرس بطريقة عملية عادةً"، تتميز المعتقدات المختلفة بأنماط العمل المختلفة التي تثيرها".[25] يستبعد هذا الفهم للمعرفة كأعتقاد ثابت الأطروحة الشكية التي تدعي أن المعرفة غير موجودة، ويؤكد على أن المعرفة كمعتقد ثابت موجودة.

تتعلق الحجة الرئيسية المضادة للشك بفكرة سبب الشك. يشكك بيرس في أفتراض الشكاك بأنه يجب علينا تبرير كل معتقداتنا بينما يمكنهم( الشكاك) أن يشكوا بحرية دون سبب كاف. إن نقطة انطلاقنا – كما يرى بيبرس- هي المعتقدات الحالية، وأنها تمتلك الصحة حتى يظهر داع أو سبب للشك. ويعبر هوكوي عن رأي بيريس في الصوغ التالي: "ما لم يكن لدينا سبب للشك في أحد معتقداتنا، فلا نحتاج إلى سبب للاعتقاد به".[26] هناك حاجة إلى الأسباب عندما نريد تغيير نظام معتقداتنا. يقوم بيرس بنقل عبء الإثبات من المؤمن أو المُعتقد ويحاول توزيعه على جميع الذين يريدون بعض التغييرات في النظام.

عندما نقبل مثل هذه القواعد، فعلى الشاك أن يكون لديه سبب قاطع.[27] لكن لا يوجد سبب من هذا القبيل (بصرف النظر عن إمكانية الخطأ الخالصة) يمكن الوصول إليه عندما نتحدث عن الشك الشامل. وعليه، وفقًا لبيرس، لم يكن لدى ديكارت أي سبب كاف لشكه الشامل. كان شكه مجرد "خداع ذاتي وليس شك حقيقي".[28] إن مطلب أن يكون هناك سبب للشك هو طريقة بيرس لدحض حجج الشك بسرعة وإفساح المجال للمعتقدات المشروعة.

تم تطوير هذا الخط من النقاش حول الشك مؤخرًا من قبل مايكل وليامز [29] الذي سلط الضوء على العديد من الشكوك كأفتراضات غير واضحة توصول إلى نتيجة متشككة. ويؤكد أن احتمال الخطأ لا يشك في وجود المعرفة. النظام المفاهيمي البديل هو: التبرير الافتراضي، والمعرفة الخاطئة، وأسباب للمتحدي، وعبء الإثبات مقسم إلى مؤمن ومعارض. يؤكد ويليامز رد بيرس على كتابات الشكاك بأن الشك هو " نتاج الأفكار النظرية المسبقة التي يمكننا الاستغناء عنها بشكل معقول".[30]

كما يقدم بيرس بعض التغييرات في مفهوم الحقيقة الذي سوف يستمر مع وليم جيمس والذي سيتنهي الى نتيجة هي ، أولاً، أننا نعترف بأن المعرفة مستقلة عن الحقيقة الموضوعية" بمجرد وصولنا إلى اعتقاد راسخ، راضون عنه تمامًا، سواء كان الاعتقاد صحيحًا أو خاطئًا".[31] أذ يكفي إذا الاعتقاد صحيحًا. ثانياً، يفسر نوعًا من نظرية الحقيقة بالتراضي كآراء بين الباحثين. فـ "الرأي الذي يجب أن يوافق عليه جميع من يدقق هو ما نعنيه بالحقيقة في النهاية ".[32] الحقيقة والواقع مستقلان عن التفكير الفردي وأنهما بناء اجتماعي متطور.[33] وحتى لو كان مفهوم بيرس للحقيقة يصف فقط ما يعتبره الناس حقيقة (تاركا المفهوم المثالي دون تغيير)، فقد كان بمثابة إعلان عن نظرية جيمس العملية البراغماتية للحقيقة الذاتية.

وليام جيمس: المفهوم الجديد للحقيقة والخوف من الخطأ

يشترك جيمس مع بيرس في مفهومه الجديد للمعرفة. إنه مقتنع بأن المعرفة موجودة حتى لو لم تكن معصومة. "لا شك في أن الأدلة الموضوعية واليقين هي مُثُل جيدة للغاية، ولكن أين يمكن العثور عليها.[34] أن وجود الوعي هو أستثناء. ولايوجد سوى حقيقة واحدة غير مؤكدة، وهي الحقيقة التي تتركها الشكوك البيرونية pyrrhonistic نفسها قائمة، وهذه الحقيقة هي وجود ظاهرة الوعي الحالية".[35] لكن يلاحظ جيمس على الفور أن هذا ليس سوى تعبير عن شعور غير مفاهيمي بوجود الفرد؛ ليس له أي مضمون وينهار اليقين به حالما نحاول التعبير عنه. ويكتب جيمس، مثل بيرس، أن الحقائق الرياضية لا تخبرنا بشيء عن الواقع.

يقبل جيمس جميع المقدمات المنطقية للشكاك القدامى والمحدثين لكنه يرفض النتيجة النهائية التي يصلون اليها: "نحن نتخلى عن عقيدة اليقين الموضوعي، لكن لا نتخلى عن السعي وراء الحقيقة نفسها أو نأمل بها.[36] طريقة الجمع بين القابلية للخطأ أو للاعصمة ومكافحة الشكية هي في التمييز الواضح بين المعرفة واليقين. أن نعرف شيئ، وأن نعلم بشكل مؤكد أننا نعرفه هذا أمر آخر. يمكن للمرء الأعتقاد بالأول دون الثاني ".[37]

قام جيمس في "البراغماتية" بتطوير مفهومه البرغماتي الجديد للحقيقة. الأفكار الحقيقية هي تلك التي يمكننا استيعابها والتحقق منها وتأكيدها.أما الأفكار الخاطئة فهي تلك التي لا نستطيع معها ذلك. هذا هو الفرق العملي الذي يجعلنا نملك أفكارًا حقيقية؛ وهذا، إذن، معنى الحقيقة، لأنه كل ما تعرفه هكذا هو الحقيقة. هذه الأطروحة هي ما يجب الدفاع عنها طبقاً لرايه. فحقيقة الفكرة ليست خاصية راكدة متأصلة فيها. تحدث الحقيقة لفكرة ما. وأنها تصبح حقيقة، وتتحقق من خلال الأحداث. الحقيقة هي في الواقع حدث يصبح صحيحا، وتتحقق من خلال الأحداث. إن صدقها هو في الواقع حدث وعملية: وتعني العملية التحقق من نفسها.[38]

لقد أعلن جيمس عن الفكرة الرئيسية للمفهوم البرغماتي للحقيقة في كتابه" ارادة الأعتقاد": " كقاعدة، لانؤمن بكافة الوقائع والنظريات التي لا نستخدمها".[39] النظرية البراغماتية هي الرفض المؤكد للحقيقة الموضوعية واستبدالها بحقيقة ذاتية. شك المتشكك لامعنى له عندما تكون الحقيقة ذاتية، لأننا نعرف هذه الحقيقة.

المفهوم البرغماتي الجديد للحقيقة هو رفض للعقيدة الفكرية الخالصة. لا تتم مناقشة المشاكل الفلسفية هنا على أرض فكرية خالصة ولكن على أرضية النشاط البشري بعواطفه ورغباته. يرى جيمس أن الإيمان بالحقيقة لا دليل أو حجة عليه، أنه تأكيد عاطفي للرغبة أو"شغف عاطفي".

نحن نريد أن نحصل على الحقيقة ؛ نريد أن نصدق أن تجاربنا ودراساتنا ومناقشاتنا يجب أن تضعنا في وضع أفضل وبشكل مستمر. لكن إذا سألنا أحد المتشككين كيف نعرف كل هذا، فهل يمكن لمنطقنا أن يجد ردًا؟ لا! بالتأكيد لا يمكن. إنه مجرد إرادة واحدة ضد الآخرى.[40]

يأتي كتاب "أرادة الأعتقاد" بحجة مهمة مناهضة للشك تستند إلى التمييز بين البحث عن الحقيقة وتجنب الخطأ. "هناك طريقتان للنظر في مهمتنا في مسألة الرأي (...). يجب أن نعرف الحقيقة، ويجب أن نتجنب الخطأ".[41] الحالة المثالية هي احترام كلا الواجبين في وقت واحد. لكن جيمس يكشف أنهما قانونان منفصلان وأن الشاك يعامل أحدهما، ألا وهو تجنب الخطأ، باعتباره أكثر ضرورة. ينصحنا أحد الشكاك بما يلي: "تُبقي عقلك في حالة قلق وأنتظار إلى الأبد، بدلاً من إغلاقه على أدلة غير كافية تتسبب في مخاطرة فضيعة تتمثل في تصديقك الأكاذيب".[42] وفقًا لجيمس، فإن الأمر يشبه الجنرال الذي يخبر جنوده أنه من الأفضل الابتعاد عن المعركة إلى الأبد بدلاً من المخاطرة بإلأصابة بجرح.

عندما يفترض الشكي أن تجنب الخطأ هو أكثر أهمية من البحث عن الحقيقة، فهذا نوع من الافتراض أو التقييم المسبق غير القائم على على سبب كافٍ ولكن على بعض المواقف العاطفية (أعطاء الأولوية للخوف من الخطأ):" الشك، إذن، ليس تجنب الأختيار؛ إنه خيار نوع معين من المخاطر. إن خطر فقدان الحقيقة أفضل من أحتمال الخطأ." [43]

لا يوجد دليل على أن هذا النوع من المخاطر أفضل من الموقف المقابل. يمكن أن يقول أحدهم أنه من الأفضل أن تكون مخطئًا في البحث والتحقيق بدلاً من أرجاء فرصة تخمين الحقيقية. لذا، يخلص جيمس إلى أن الشك (تعليق الأحكام) ليس واجبنا الفكري، بل هو القرار العاطفي الذي يسترشد به الخوف من الخطأ. ومثل كل قرار يمكن أن يكون خطأ.

هذه حجة مهمة مُناهضة للشك لأن الشكاك التقليديين يعتبرون تعليق الحكم واجبهم الفكري. ييثبت جيمس أن موقفهم من من جانب واحد ويستند إلى افتراضات تقيمية مشكوك فيها. يركز الشكاك على تجنب الخطأ ويتجاهل الحصول على معلومات جوهرية. إنه موقف الحذر المبالغ فيه. نقدر طبقاً لمنظور الحياة اليومية المعلومات الجوهرية لتوجيه الأفعال وتلبية الرغبات. وفقا لجيمس ليست العفوية أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا. الأسوأ سيكون الإغلاق الكامل للحقيقة بقاييس متطرفة للمعرفة. إن التبشير بالشك كواجب فكري إلى أن يظهر سبب كاف، هو الادعاء بأن الخوف أفضل من الأمل. لكن هذا الادعاء لا يمكن إثباته فكريًا.

لقد كان اختراع البراغماتية هو أنه لا توجد معتقدات / مواقف فكرية خالصة، فكلها مدعومة بالعواطف والرغبات. يطبق جيمس هذه القاعدة على حالة الشك ويظهر العواطف التي أدت إلى وجود قاعدة شكية لتعليق الأحكام. إنها الخوف من الخطأ. لذلك، أن تكون شاكا أو لا تكون هي مسألة تفضيل عاطفي. الشك ليس نتيجة لوصف خالص للحالة المعرفية للإنسان ولكنه نوع من التقييم.

يرى جيمس أنه من الأفضل أحيانًا تعليق الحكم والانتظار حتى ظهور أدلة كافية. هذا هو الحال دائمًا في الأسئلة العلمية؛ وحتى في الشؤون الإنسانية عمومًا، فنادرا ما تكون الحاجة إلى التصرف ملحة لدرجة أن الاعتقاد الخاطئ بالعمل أن يكون أفضل من عدم الاعتقاد على الإطلاق. يتعين على المحاكم القانونية اتخاذ قرار بشأن أفضل الأدلة التي يمكن الوصول إليها في الوقت الراهن.[44] لكن لا يمكن أن تنتظر الأسئلة الأخلاقية والشخصية والدينية الأدلة الكافية. الخيارات الدينية حيًة وبالغة الأهمية وأجبارية؛ لأنه "من المفترض نربح مع ايماننا ونخسر الخير إذا لم نؤمن. ثانياً، الدين خيار قسري، وعلينا الأ نخسر خيره. لا يمكننا الهروب من هذه المشكلة من خلال البقاء متشككين وانتظار مزيد من الوضوح، لأنه على الرغم من أننا نتجنب الخطأ بهذه الطريقة إذا كان الدين غير حقيقي، فإننا نفقد الخير إذا كان الدين حقيقي، وتمامًا كما لو أننا اخترنا الكفر ".[45]

تعتبر المعتقدات الدينية مثالاً جيداً لإثبات أن الشكوك عاطفية، أحادية الجانب وغير مجدية في النشاط العملي. أنا لا أتفق مع أولسون بأن استجابة جيمس تتعلق فقط بالشك الديني وليس لها أي معنى في الشك الشامل.[46] أذ يكشف جيمس أن الشك العام ليس له أسباب كافية وأنه نتيجة الخوف المبالغ فيه من الخطأ.

البراغماتية كعلاج ضد التشكيك

يتم تقسيم الشكوك المعاصرة والقابلية للخطأ من خلال مفهوم المعرفة. يؤكد كلا الموقفين الشك والقابلية للخطأ على نقص اليقين. يفترض بيتر أنجر، بوصفه أحد الشكاك المعاصرين، أن المعرفة هي أن تعرف بيقين، وبالتالي فإن المعرفة غير موجودة.[47]بينما يرى كواين بأعتباره من المؤيد للقابلية للخطأ أن المعرفة لا تتطلب اليقين وبالتالي المعرفة موجودة. ويرى كواين، ايضاً، لدينا معرفة علمية ولكن أي من معتقداتنا حول العالم قد تكون خاطئة. الفرق هو مفاهيمي وعاطفي. من السهل تغيير معنى كلمة الشكوك (الى لا يوجد يقين) وستُعتبر القابلية للخطأ نوعًا من الشك المعتدل.

لقد جمع بيرس وجيمس بين القابلية للخطأ والموقف الواضح ضد الشكية؛ فكانت، منذ ذلك الوقت، تعارض وفصل بين هذين الموقفين حيث لم تكن متميز في العصور القديمة والحديثة. كان لدى ديفيد هيوم أسباب الشك نفسها لدى كواين، اعتبر هيوم نفسه شكاكاً معتدلًا، بينما يعتقد كواين بالقابلية للخطأ فيقول "على الجانب العقائدي، لا أرى أننا نمضي قدماً اليوم ابعد من ماضى هيوم.".[48] فالشك القائم على حجج هيوم في مفردات المعجم المعاصر هي التي نسميها القابلية للخطأ.

لاحظ هيلاري بوتنام بحق أن الرؤية الفريدة للبراغماتية الأمريكية هي أن شخصًا ما يمكن أن يتبنى فكرة القابلية للخطأ وأن يكون ضد الشكية.[49] تعتبر القابلية للخطأ نوع من الشك أحيانأً ، لذا تكون مثل هذه الاستجابة للشك موضع تساؤل. لكنني أعتقد أن استجابة البراغماتية في القابلية للخطأ تجاه للتشكك واضحة ومتسقة. إنها ترفض فكرة أنه ليس لدينا أي معرفة، لكن تقبل فكرة أن يمكن أن تكون معرفتنا خاطئة. تتشابه استجابة البراغماتية / القابلية للخطأ مع الأستجابة للتهمة الأكثر فاعلية ضد الشك القديم، التي صاغها الرواقيون: إن تعليق جميع الأحكام يؤدي إلى الخمول والموت.

كان لدى الشكية مشاكل مع متطلبات نشاطات الحياة اليومية دائمًا. بينما كانت البرغماتية على العكس من ذلك، فقد كانت قريبة من النشاط البشري. فبالنسبة الى البراغماتيين، أي شك جذري أو اصلي أمرًا خطيرًا لأنه يعوق طريق الأستقصاء والبحث بالإضافة الى أنواع أخرى من النشاط. لهذا السبب أعتقد أنه من غير الممكن ربط البراغماتية بالشك، حتى لو كانت البراغماتية تستوعب وتفهم الوصف الشكي للحالة المعرفية للإنسان، ايً عندما تقول: ليس لدينا اليقين ولا نضمن الحقيقة الموضوعية. فليس هذا الأً تشابه ظاهري حتى لو ساهم فلاسفة براغماتيون في الحجج ضد الحقيقة. أخذت البراغماتية النتائج العملية كأهم اختبار لصحة النظرية. بينما ضحت الشكية بالنتائج العملية لصالح الحجج النظرية وتجاهلت حقيقة أن المعرفة هي نوع من النشاط يسترشد بالرغبات والعواطف. تتطلب البراغماتية كنظرية للعمل الحق في الاعتقاد. بينما تطلب الشكية تعليق الأحكام. تستند البراغماتية كنظرية إلى متطلبات النشاط كالأمل والتفاؤل؛ في حين تؤدي الشكية الى اليأس والتشاؤم. نجد أن هناك أنقسام كبير بين هذين الموقفين. أنهما موقفان متعارضان. فبالإضافة إلى ذلك، أخذت البراغماتية في الاعتبار الميتافيزيقيا التطورية الجديدة وممارسة العلوم التجريبية. كان هذا مصدر إلهام لتحسين المفاهيم المعرفية المتأصلة في الفلسفة التقليدية.

اتبعت الفلسفة المعاصرة المسار العملي. ولا يعتبر الفلاسفة المعاصرون أنفسهم شكاك لأنهم غيروا مفهوم المعرفة. هذا هو السبب وراء كونهم يتبنون مفهوم القابلية للخطأ ولكن ليسوا شكاك. في رأيي ساهم البراغماتيون الأمريكيون في هذا التغيير المفاهيمي. فقد كان بيرس فيلسوف مهم في هذا التغيير وجيمس في تطوير ونشر هذه الفكرة. لقد نُظر الى المفهوم البرغماتي للحقيقة على أنه مبدعـ، وقام في الوقت نفسه بهجوم قوي على تلك المعتقدات التي أعتبرت عزيزة، وانه كان نوعا من الثورة الفكرية. وأسمي هذا "المنعطف العملي" في تاريخ الشك.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

[1] المبدأ الذي يقول أنه يمكن قبول الأفتراضات المتعلقة بالمعرفة التجريبية على الرغم من أنه لا يمكن إثباتها على وجه اليقين.

[2] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism. In:J. Greco (ed.), The Oxford Handbook of Skepticism, pp. 310-329. Oxford/New York: Oxford University Press.

Olsson, E.J. (2005). Not Giving the Skeptic a Hearing: Pragmatism and Radical Doubt.

Philosophy and Phenomenological Research 70 (1), 98-126.

[3] Pritchard, D. (2002). Recent Work on Radical Skepticism. American Philosophical Quarterly 39 (3), 215-257.

[4] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. Edited by C. Hartshorne and P. Weis (vols.1-6) 1.13).

[5] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.171.

[6] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. 1.172.

[7]Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.108.

[8] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.144.

[9] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.149.

[10] Cooke, E.F. (2006). Peirce Pragmatic Theory of Inquiry: Fallibilism and Indeterminacy. London: Continuum. 61.

[11] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism. In:J. Greco (ed.), The Oxford Handbook of Skepticism, pp. 310-329. Oxford/New York: Oxford University Press. 314.

[12] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.145.

[13]Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. 256.

[14] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.148.

[15] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.14.

[16] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.153.

[17] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.256.

[18] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers..318.

[19] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. . 617.

[20] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.327.

[21] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers..593.

[22] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .373.

[23] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .372.

[24] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .394.

[25] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .398.

[26] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism, p. 311.

[27] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .265.

[28] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .265.

[29] Williams, M. (2001). Problems of Knowledge. A Critical Introduction to Epistemology. New York: Oxford University Press.

[30] Williams, M. (2001). Problems of Knowledge. A Critical Introduction to Epistemology.197.

[31] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .375.

[32] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .407.

[33] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, ..408.

[34] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Esscrys in Popular Philosophy. The Project Gutenberg EBook.p.14.

[35] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. pp. 14-15.

[36] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 17.

[37] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 12.

[38]James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 79.

[39] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 10.

[40] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. Pp9-10.

[41] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 17.

[42] ames, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 18.

[43] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. pp. 26.

[44] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 20.

[45] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 26.

[46] Olsson, E.J. (2005). Not Giving the Skeptic a Hearing: Pragmatism and Radical Doubt.

107, 124.

[47] Unger, P. (1975). Ignorance. A Case for Scepticism. Oxford: Clarendon. p. 99.

[48] Quine, W.V. (1969), Ontological RelatMty and Other Esscrys, New York and London: Columbia University Press.p, 72.

[49]Putnam, H. (1994). Words and Life. Cambridge, MA: Harvard University Press.p.152.

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خصوصة العلاقة بين الجمال والعلم، وفي هذا يمكن القول: معظم الوضعيين المناطقة لم يفرقوا في حديثهم عن القيم بين الأخلاق وعلم الجمال، أو قل بين الخير والجمال فهما معا يعتمدان علي الذات المدركة، لا علي صفة في الشئ المدرك والمصطلحات الجمالية تستخدم تماما كمصطلحات الأخلاق للتعبير عن مشاعر معينة، ومن ثم فلا معني لأن ننسب صحة موضوعية للأحكام الجمالية ولا إمكانية للجدال حول الأمور المتعلقة بالقيم الجمالية، وإنما يمكن النقاش فقط حول مسائل الواقع المتعلقة بالجمال، وهذه جميعاً مسائل علمية، فالبحث العلمي وحده هو ما يبحث في أسباب الشعور الجمالي، ولماذا تنتج بعض الجماعات أعمالا فنية وما أثر اعجابها بها، ولماذا يختلف الذوق من فرد لآخر داخل مجتمع واحد . فهذه كلها أمور يمكن بحثها بحثا اجتماعياً أو نفسياً .

ويعلق "جيمس ماكليستر" علي ذلك فيقول:" لاشك أن الوضعية المنطقية كانت علي حق حين رأت أن الاعتبارات الجمالية تحدث من خلال سياق الكشف: فكثيرا ما يحدث أن العلماء يَلتقطونَ النظرياتَ التي فيها هو وهي سيقومان بتوضيح الجزء الذي تتمثل فيه قوة الخصائص الجمالية . ولكن تم إنكار أن الاعتبارات الجمالية تلعب جزء في تقييم العلماء للنظريات ، وهنا الوضعية المنطقية أهملت حقيقتين:

الأولي:- أنه من الممكن النظر إلي الإبداعات العقلية لأنواع عديدة تتراوح من البراهين الرياضية إلي لعبة الشطرنج كأعمال للفن . وحين نضع في الاعتبار الإبداعات العقلية في هذه الحالة نلجأ إلي القول بأن لها خصائص جمالية وهذا الاقتراح الجمالي يؤثر علي نظرتنا العامة تجاههم. ومن المعتاد أنه إذا ما لم يتمكن العلماء في أغلب الأحيان علي أن يعتبروا النظريات العلمية بوصفها أعمال للفن وأن تسمح نظرتهم العامة بها لتكون متأثرة بالأحكام الجمالية . وبالطبع العلماء، كثيرا ما يستسلموا بتلك الإغراءات، وأرنست راذرفور، كتب يقول في سنة 1932 حيث عرض مثال في هذا الصدد قائلاً: أعتقد أن المطلب القوي يتمثل في أن عملية الكشف العلمي ربما ينظر إليها على أنها صورة من صور الفن .

وهذا أفضل رأي في الملامح التنظيرية للعلم الفيزيائي . إن المنظر الرياضيي كثيرا ما يبني صروحا رهيبة من الافتراضات المحددة وطبقا للفهم الجيد للقواعد المنطقية التي ينتقل من خلالها خطوة بعد خطوة، بينما قوته التخيلية تظهر بوضوح من خلال العلاقات الكامنة بين أجزائها. والنظرية المشيدة جيدا هي التي بلا شك يكون لها بعض ملامح النسبة الجمالية. والمثال الذي يمكن أن يجسد هذا بالتحديد هو النظرية الحركية لماكسويل {....} ونظرية النسبية لأينشتين، حيث نجد أن ما يفترق تماما عن أي شئ هو صدقهما الذي لا يمكن إلا أن يكون يمثل قطعة فنية رائعة.

ثانياً: إن الوضعيين المناطقة قد اعترفوا أنهم قد حذفوا فكرة أن العلماء في عملهم الخاص لا يميزون علي نحو قاطع بين سياق الكشف وسياق التبرير. في معظم الحالات فإن العوامل التي تقود العالم لصياغة النظرية التي لها خصائص محددة أيضا بحيث تلعب دورا في تشكيل رأي الجماعة بشان أهمية النظرية. وبالأخص فإنه يبدو أن العلماء يلجئون إلي العوامل الجمالية في كل من جهودهم لإحداث الفروض وفي تقييمهم للنظريات التي من المفترض أن تكون متمثلة في جماعتهم . ومن خلال استبعاد العلماء للتقييمات الجمالية لنظرياتهم بوصفها غير مهمة، فإن الوضعيين المناطقة فشلوا في أن ينصفوا هذا الجانب من الممارسة العلمية .

وهاتان النتيجتان انقلبتا تماما في نظرية الكوانتم بعد انقلاب المقدمة الأولي التي بنيت عليها ؛ بمعني أن المادة لم تعد هي المعبرة عن حقيقة الوجود . بل ضروب من الطاقة غير المنظورة، تؤثر فينا ولا نراها، وبالتالي أصبح الجمال صفة للشئ أو الظاهرة وجزء منها وليس مجرد شعور عند المتلقي، بل وأصبح أحد المقاييس الموضوعية للحقيقة العلمية جنبا إلي جنب مع البساطة والمقاييس المنطقية والتجريبية باقتناع العالم بصحة النظرية يتوقف علي إحساسه بجمالها . وهي ليس إحساسا فرديا، بل له صفة الموضوعية.

ولذلك نجد الجمال في النظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية .

ومن ذلك مثلا أن جيمس واتسن في كتابه " اللولب المزدوج " يذكر كيف ان الجمال هدي إلي اكتشاف التركيب الجزيئي لـ DNA فيقول ": كنا نتاول طعام الغذاء ويقول كل منا للآخر إنه لا بد من وجود تركيب علي هذا الجانب من الجمال . " وأقر جميع الحاضرين تقريبا بأن تركيبا في مثل هذا الجمال لا بد من أن يكون موجودا ؛ ويقول العالم الفيزيائي "جورج طومسون George Thomson: (إن المرء يستطيع دائما أن يقدم نظرية، أو عددا كبيرا من النظريات لتفسير حقائق معروفة، بل للتنبؤ بحقائق جديدة أحيانا. والجمال هو الفيصل. فالنظريات بعضها صعب المأخذ ومحدود النطاق وتعسفي. وقلما تدوم هذه طويلا " .

بل إن الجمال يتحدى "الحقائق ". ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك واللافتة للنظر ما نجده في بحث علمي قدمه الفيزيائيان "ريتشارد فينمان ومري جيل -مانMurry Gell-Mann عام 1958وعرضا فيه نظرية جديدة لتفسير التفاعلات الضعيفة. وكانت النظرية تناقض بشكل صارخ عددا من التجارب. أما الجانب الرئيس الجذاب فيها فكان الجمال. وقال العالمان فينمان وجيل -مان "إنها نظرية عالمية ومتناسقة وهي أبسط الإمكانات، مما يدل على أن تلك التجارب غير صحيحة ". ويعلق جيل -مان على ذلك بقوله: " غالبا ما يطرح العالم النظري مقدارا كبيرا من البيانات على أساس أنها اٍذا كانت لا تنسجم مع خطة أنيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرات عديدة، كما في نظرية التفاعلات الضعيفة:لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النظرية وكلها بلا استثناء غير صحيحة. فإذا كانت لديك نظرية بسيطة تتفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو أنها تفسر فعلا ما يحدث، فلا عليك إن وجدت كمية قليلة من البيانات التجريبية التي لا تؤيدها. فمن المؤكد تقريبا أن تكون هذه البيانات غير صحيحة .

ولذلك نجد جون بوكنجهورن يذهب John Polkinghorne في كتابه Beyond Science فيقول "إن الفيزياء قد علمتنا أن أنجح النظريات هي التي يعبر عنها بأجمل النظريات " . أرأيت كيف أن الجمال قد أصبح معيارا لتمحيص صحة النظريات العلمية ؟ هل كان متصورا في العلم بمفهومه الكلاسيكي أن يكون لمثل هذه المعنويات دور في البحث العلمي المجرد ؟ .. ولكنه العلم في ثوبه الجديد . وإذا كان اللجوء لمعني الجمال في تمحيص النظريات العلمية أمرا مستغربا، فما بالك أن يكون أساسا لوضع نظرية من النظريات أصلا وأيه نظرية، النسبية العامة التي قد لا يغالي في القول بأن وضعها كان من أعظم الإنجازات العلمية علي مر التاريخ الإنساني ؟ وفي هذا المعني يقول الكتاب المذكور: " لقد تعلمنا درساً بليغاً من بحث بول ديراك الدءوب عن المعادلات الجميلة، ومن قبله ألبرت أينشتين في نظريته النسبية العامة . ولو أتيح للقاري الكريم الاطلاع علي قصة حياة أينشتين كما كتبها مساعده ريتشارد هوفمان لوجد كيف ركز المؤلف أي أن وضع هذه النظرية كان مبنيا ليس علي أي شئ آخر علي إحساس أينشتين بالجمال . لقد نزع العلم عن نفسه ثوبا أقرب لقميص الأكمام ليستبدل به ثوباً فضفاضاً يتسع لمعان مستقاة من روافد أخري للمعرفة الإنسانية معان تتسع للخير والجمال .

ويعلن الفيزيائي بول ديراك Paul Dirak": (إن وجود الجمال في معادلات العلم أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التجربة) ونستطيع أن نفهم ذلك إذا تصورنا العالم النظري أمام كمية ضخمة من البيانات التجريبية المذهلة . فأي النتائج هو الأهم ؟ وكيف ينبغي أن تفسر جميعها ؟ ما هو النمط الملاحظ ؟ والجمال في هذا المقام يدل علي أنه جدير بالثقة ؛ وفي انعكاساته العديدة علي دور العوامل الجمالية في عمله الخاص، وفي الممارسة العلمية عموماً، شدد ديراك علي تأثيرها وذلك بوصف كونها تمثل موجه للكشف وبوصف كونها أيضا تمثل الأساس لتقييم النظرية . أولاً، فكما اعترف ديراك باستخدام المعيار الجمالي بأن قرر أولويته في بحوثه الخاصة . فقد اعتقد ديراك أن كثير من زملائه يعملون بنفس الطريقة فمثلاً: حين كان أينشتين يعمل علي إقامة نظريته في الجاذبية فإنه لم يحاول أن يصف بعض نتائج الملاحظات . بعيدا عنها . فقد كان إجرائه العام هو أن يبحث عن جمال النظرية {....} وبطريقة ما فقد حصل علي فكرة أن الجاذبية تتعلق بانحناء الفضاء . وقد تمكن من أن يطور الخطة الرياضية التي تجسد هذه الفكرة . لقد توصل فقط من خلال اعتبار الجمال لتلك المعادلات{....} ونتيجة هذا الإجراء هي نظرية البساطة العظمي والتألق في أفكاره الأساسية .

ولذلك اعتمد " ديراك " علي أن المعيار الجمالي أيضا يتمثل في تخمين النظريات . " سياق الكشف"، " سياق التبرير " حيث يوجد بينهما ارتباط ضروري لا يمكن التخلص منه، وهذا الارتباط يتمثل في هذه القضايا علي النحو التالي:" إن ما هو أكثر أهمية، هو أن يكون الجمال متمثل في معادلات الأول أفضل من أن يكون متمثل من خلال تجربة ملائمة {....} إن ما يبدو هو أنه إذا كان الأول يعمل من وجهة نظر للحصول علي الجمال في معادلات الأول، وإذا كان الأول لديه بالفعل بصيص من الإلهام فإنه بالتأكيد يمثل خط التقدم " كما دعا ريتشارد هـ . دالتز في موسكو في سنة 1950 عندما سئل أن يكتب فلسفته في الفيزياء، وكتب علي السبورة القوانين الفيزيائية التي يجب أن يكون لها جمال رياضي " إنه كان علي الأقل متمثل في جزء من هذا المعيار الذي افترضه بتوسع ديراك لنظرية النسبية العامة: " إنني اعتقد أن أسس النظرية تكون أقوي من النظرية التي تحصل ببساطة علي افتراض البينة التجريبية . والأساس الحقيقي يأتي من الجمال الأعظم للنظرية {....} إن الجمال ضروري للنظرية التي تجعلني أشعر بالسبب الحقيقي للإيمان بها .

ثم يفسر لنا ديراك كيف أصبح الجمال في تصور فلاسفة الطاقة أشد واقعية من وجود الأشجار والأنهار والأحجار، فيقول ": إن جمال النظرية العلمية أحيانا ما يقدم علي صدقها التجريبي، وكثيرا ما يكون هذا الجمال هو المصحح لبعض البيانات التجريبية الخاطئة . فالعالم النظري يجد بين يديه كما هائلا من البيانات التجريبية تحار العقول في تفسيرها . وحينئذ يكون التفسير هو الفيصل الذي يكشف عن خطأ المعطيات التجريبية المخالفة .

ويذهب يذهب" هيزنبرج " إن نظرية أينشتين المذهلة إلي الجاذبية لا يتأتي اكتشافها إلا لعبقري رزق إحساسا عميقا بجمال الأفكار " ؛ وفي فقرة أخري يعلن هايزنبرج إن " الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون علي السواء هو أهم مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح " ؛ يتعلق بميكانيكا الكم وهو المجال الذي قام فيه هيزنبرج ببحوث رائدة أنه ثبت في الحال أن " النظرية مقنعة بفضل كمالها وجمالها التجريدي . ولذلك نجده يصف نظرية نيلز بور بأنها نظرية فاتنة للغاية فيقول:" انني أعتبر فيزياء " نيلز بور "، فاتنة للغاية بالرغم من أن كل هذه المشاكل . أن بور يعرف بالقطع أنه قد اعتبر فرضا متناقضا في حد ذاته، وبالتالي فلا يمكن أن يكون هذا الفرض صحيحا . ولكن بوهر لديه غريزة صادقة لكيفية بناء نظرية كاملة علي هذا الفرض تعتبر مطابقة للأحداث الذرية . إن استخدام بوهر للميكانيكا الكلاسيكية ونظرية الكم هنا يشبه تماما استخدام الرسام للفرشاة أو الألوان . وبالطبع فإن أي صورة لا تتحدد من الألوان والفرشاة ولكنهما لازمتان في إخراج ما يدور في مخيلة الفنان بطريقة غير مكتملة . إن بوهر يعرف تماما تصرف الذرات أثناء الظواهر الضوئية وأثناء التفاعلات الكيميائية وقد اكسبته هذه المعرفة عن طريق الحدس تصورا لتركيب الذرات المختلفة . وهو يريد أن ينقل هذه الصورة إلي الفيزيائيين الآخرين باستخدام العوامل المساعدة الغير مكتملة، أي " المسارات "و"شروط الكم " .

وفي حوار دار بين هيزنبرج وأينشتين، حيث سأل أينشتين هيزنبرج فقال " لماذا تؤمن بنظريتك بهذه الدرجة بالرغم من أن هناك أسئلة مركزية لم تصبح واضحة  بعد ؟" وأجاب هيزنبرج فقال " إنني أعتقد مثلك أن بساطة القوانين الطبيعية لها صفة موضوعية وأن الأمر لا يتطلب فقط الاقتصاد الفكري عندما تقودنا الطبيعة إلي أشكال رياضية ذات بساطة كبري وجمال فائق – وأعني بكلمة إشكال هنا: نظما مغلقة من الفروض الأساسية، والبديهيات وخلافه –أي إلي أشكال لم يفكر فيها أحد من قبل ؛ عندئذ سيتبين لنا دون قيد أوشرط أنها فعلية أو بمعني آخر أنها تمثل نفثة حقيقية من الطبيعية ولعل هذه الأشكال تتناول علاقتنا بالطبيعة وتحتوي علي عنصر من الاقتصاد الفكري . ولكن بما أننا لم نستطع حتي الآن من التفكير بأنفسنا في هذه الأشكال التي يجب أن تقدم لنا أولا من قبل الطبيعة فلا بد أنها تنتمي إلي الواقع نفسه، وليس فقط لأفكارنا عن الواقع . لعلك تتهمني هنا بأنني أستخدم مقياسا جميلاً للواقع بحديثي عن البساطة والجمال. ولكنني أعترف أن ثمة قوة إقناع كبري تنبثق بالنسبة لي من البساطة والجمال للنسق الرياضي الذي ألهمته الطبيعة لنا . وبالتأكيد أنك قد عايشت هذا أيضا وأن الإنسان لا يكاد ينتابه الفزع من بساطة وحبكة العلاقات التي تظهرها الطبيعة له مرة واحدة . إن الشعور بأننا ننبهر بمثل هذا المنظر يختلف تماماً حتي عن السعادة التي نشعر بها عندما ننجز بأنفسنا عملاً يدويا فيزيائياً أو غير فيزيائي علي وجه حسن . ومن هنا فإنني أتمني بالطبع أن تحل كل القضايا التي تحدثنا عنها اليوم بطريقة ما . إن بساطة النسق الرياضي تؤكد حتماً إلي إمكانية التفكير في تجارب متعددة يمكن التنبؤ الحسابي بنتائجها بكل دقة وفقا للنظرية وعندما تجري هذه التجارب بالفعل وتؤدي إلي النتائج المتنبئ بها فإنه لن يتطرق الشك إلينا بعد ذلك في أن النظرية تمثل الطبيعة في هذا الميدان بطريقة صحيحة .

ومن ناحية أخري يؤكد " فليب فرانك " في مؤلفه " فلسفة العلم " إن بعض العلماء يفضلون النظرية البسيطة لأن المعادلات البسيطة تتيح حساب النتائج علي نحو أسهل وأسرع، إنها اقتصادية لأنها توفر الوقت والجهد . ويقول غيرهم من المؤلفين إن النظريات البسيطة أكثر روعة وجمالاً فهم يفضلون النظريات البسيطة لأسباب جمالية " ؛ منها أن العالم لا يدرس الطبيعة لفائدتها فقط، بل يدرسها لأنها تمده بمتعه، وهذه المتعة منبعها أن الطبيعة جميلة، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تستحق أن تعرف وأن يعاش فيها .

فالجمال شئ له عائدة في بواطننا العميقة . وحبنا له يشعرنا بأنه شئ أصيل في قلوبنا، رسيس فيها، لا شئ مكتسب ابتغاء المنفعة ... يقول " أرثر إدنجنتون":" في ذاتيتنا ناحية تحملنا علي أن نستروح الجمال وغيره من آيات الطبيعة، ونتملاه في مبتكرات الإنسان، حتي أن محيطنا قد ينقل إلينا الكثير مما لا نترخص به في أي شئ يوجد في مخترعات العلم الحديث الذي تنبث أي نواحيه . إن شعوراً شاملاً يوحي إلينا أن ذاك شئ حق وضروري لمقصدنا في الحياة ... علي أني لا أدافع عن حقيقة الجمال الذي نتملاه في منظر طبيعي ! وإنما أتقبل بكل ارتياح، حقيقة أننا مهيئون بحيث نراه جميلاً " .

ولذلك وجدنا بعض رجال العلوم والنظريات الخاصة، آثروا أن ينظروا في الظواهر الجمالية الطبيعية وجعلوها محوراً في دراستهم في علم الجمال، وأقلموا علي نتائجهم نظريات جمالية في القرنين الماضيين . وهذه النظريات تمثل موقفاً جمالياً جديراً بالدراسة لما فيها من إيحاءات، وتحليلات يستفيد بها الباحث الجمالي استفادة محققة . فهناك تشارلز داروين (1809-1882) مؤلف الكتاب الشهير عن " أصل الأنواع "، وصاحب نظرية النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي الذي زعم أن الإحساس الجمالي ليس قاصراً علي عالم الإنسان . إذ توجد أصوات وألوان تبعث البهجة عند الإنسان والحيوان علي السواء . وقد تحدث هذه الألوان والأصوات لذة كبري عند الحيوانات غير الراقية . وبعض الطيور الأنثي تستعذب صوت الذكور منها والحيوانات ذات الأغطية الصدفية السميكة تتذوق وتستحسن كما أن أنثيات الطيور تحب الألوان الزاهية وجمال الذكورة وأصواتها .

وقد أوضح داروين أن الإحساس الجمالي مرتبط بالانتباه، في حين أن بعض الفلاسفة العلميين يقرنونه بالغريزة نفسها . فقال داروين بأن الحس الجمالي موضوعاً غامضاً جداً مهما تجلي بوضوح في الحيوانات التي تعشق الألوان المبهجة والأشكال المنسقة والأصوات المحببة وتظهر نفس الصعوبة عندما نبحث موضوع المتع الحسية في المذاق والشم والإيثار وعدم الإيثار . وليس الأمر هنا متعلقا بالعادة لا إلي حد معين . ولا بد من أن هذه الظاهرة الخاصة بالإيثار الجمالي ذات علاقة مباشرة بتكوين الجهاز العصبي نفسه في كل الأنواع والفصائل الحيوانية وبالتالي بالانتباه والوعي.

 

د. محمود محمد علي

...........................

المراجع

1- روبرت م. أغروس، جورج ن . ستانسيو: العلم في منظوره الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 134- جمادي الآخرة 1409هـ - فبراير /شباط 1989م، ص 45.

2- بول ديفيز وجون جريبين: أسطورة المادة – صورة المادة في الفيزياء الحديثة، ترجمة علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.

3- ادمون و. ستيورت: حياة الروح في ضوء العلم، ترجمة إسماعيل مظهر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960.

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

ميثم الجنابيفلسفة الأمل والتفاؤل المطلق

إن رؤية وأحكام ومواقف ماركس اللاحقة تجاه أحداث التاريخ ومجرياته و"فصوله الكبرى" مع ما رافقها من تدقيق للمقولات والمفاهيم وابتداع الجديد منها، كانت مجرد توظيف لحقائق التاريخ الملموس وتجريده من كل ما يبعده عن التلازم الخفي للمنطقي والتاريخي في النظر إلى كل ما يعيق تحقيق وتجسيد التاريخ الفعلي، أو تاريخ الحرية الحقيقية. وقد بلغت هذه الرؤية ذروتها في الموقف من الطبقات والمصير الزائل للرأسمالية عبر الثورة الاشتراكية وبناء الشيوعية. 

إننا نقف هنا أمام لوحة منطقية مكثفة جدا عن رؤية ماركس للتاريخ تتسم بقدر هائل من الدقة، تتجرد فيها كل تنويعات الوجود التاريخي، كما تحتمل كل فرضيات المستقبل. من هنا إشكالاتها الكبرى، التي تبدو على خلفية ابتذالها فيما سبق والآن من جانب الأحزاب وأنصاف المتعلمين، مأساة ماركس التاريخية! لكنها تبقى مع ذلك قدره التاريخي أيضا، بمعنى مأثرته وآثاره المحتملة، كما سنرى ذلك على مثال "الشيوعية العربية".

إن القيمة الكبرى لفلسفة ماركس تقوم أساسا في فكرتها التاريخية. فقد اخضع ماركس كل شيء لرؤيته التاريخية، بما في ذلك المنهج نفسه. وليس مصادفة أن يكون ظهور الكثير من التيارات الفلسفية الكبرى عن التاريخ ليس إلا نماذج متنوعة من إعادة "قراءة" التاريخ تحت أثر فلسفة التاريخ عند ماركس. وبقدر ما ينطبق ذلك على ماكس فيبر، فإنه ينطبق أيضا على تراث التيار الفلسفي الداعي بالرجوع إلى كانط (الكانطية الجديدة) وبالأخص في مدرسة بادن واهتمامها النوعي بفكرة التاريخ وبالأخص عند كل من فيلهيلم فيندلباند وهنريخ ريكرت. والشيء نفسه يمكن قوله عن مختلف التيارات النقدية لليسار الجديد الذي اكتسح العالم على امتداد عقود، وبالأخص في ستينيات وسبعينات القرن العشرين، سواء في مدرسة فرانكفورت أو الوجودية (وبالأخص ياسبرس وتأملاته الفكرية عن التاريخ ومعنى التاريخ). وأخيرا كل نماذج وشخصيات "قراءة" التاريخ والنصوص من اجل إعادة بناء وتركيب الصورة التاريخية الفعلية للماضي والحاضر كما نراه عند غادامير وفوكو ودريدا وغيرهم. إضافة إلى مدارس التأويل الحديثة بل وحتى المناهضة للماركسية كما هو الحال على سبيل المثال عند والت وتمان روستاو في كتابه (مراحل النمو الاقتصادي – البيان غير الشيوعي"، أي ترديده "المقلوب" لصدى الفكرة الماركسية عن مراحل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية.

إن ماركس قد يكون الوحيد من بين فلاسفة التاريخ الذي جعل من فكرة المنهج ذاتها، بوصفها منطقا مجردا، جزء من تاريخ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أيضا. ولا تخلو هذه الفكرة من ثغرات جدية بسبب ما فيها من استعداد لنقل هواجس السببية المشروطة بحياة الناس المادية إلى ميدان الفكر المجرد واجتهاده في استخلاص قواعد التحليل والدراسة. مع أن هذه القضية تبقى إحدى اشد القضايا تعقيدا بالنسبة لتحديد ماهية وحدود المنهج، لكنها تكشف عن الهاجس التاريخي في فلسفة ماركس، أي جوهرية الرؤية التاريخية في تفسير أصول الأشياء، كل الأشياء، من الإنسان إلى "الله". الأمر الذي كان يلازمه بصورة خفية تراكم الاستعداد الخفي لفكرة الحتمية وكمونها في كل شيء، بما في ذلك في الموقف من التاريخ. بحيث يمكننا القول، بأن الاستعداد الأيديولوجي الكامن في فلسفة ماركس عن التاريخ كان يكمن أساسا في غلو نزوعها التاريخي. وذلك لأن المضمون الفعلي والتأسيس النظري لفلسفة التاريخ عند ماركس كانت تقوم في محاولتها توحيد الماضي والمستقبل في كل واحد بوصفه صراعا. من هنا جوهرية فكرة الصراع الطبقي بوصفه "القوة المحركة للتاريخ العالمي". وعليها جرى تأسيس فكرة انتهاء تاريخ الطبقات والملكية الخاصة، حالما يجري بلوغ التاريخ ذاته من جديد. وهي فكرة "فعلية" للصيغة المجردة التي بلورها هيغل عن وعي الذات التاريخي بوصفه نفيا كليا في مسار الروح. غير أنها تأخذ عند ماركس صيغتها الواضحة والعملية من خلال تحويل فلسفة النفي المنطقي إلى وعي الذات الطبقي عبر النفي التاريخي (الانتقال) من مشاعية بدائية إلى مشاعية متطورة (شيوعية)، بمعنى نفي تاريخ الملكية الخاصة في تشكيلاتها المعروفة (من عبودية وإقطاعية وبرجوازية).

إن نهاية تاريخ الملكية الخاصة يعني بداية التاريخ الفعلي، أو الانتقال إلى "ملكوت الحرية". حينذاك تتحول المفاهيم المتعلقة بالدولة والسلطة والاقتصاد والإنسان والحياة مع ما يلازمها بالضرورة من تبدل نوعي في القيم، أي كل ما كان يتراكم في مشروع "الاشتراكية العلمية" بوصفها إحدى فرضيات الأمل الواقعي. مما جعل من فلسفة ماركس بهذا الصدد فلسفة الأمل والتفاؤل المطلق. من هنا احتواءها بقدر واحد على مزيج من طوباوية الأمل ومشاريع العمل الفعلية. لكن تحويل هذا المزيج النموذجي للعقل والوجدان إلى أيديولوجية العمل الحزبي قد جعل منها سبيكة "واقعية". وذلك لأنه أدى إلى رفع الفعل وتحسس قيمته المجهولة في الأغلب من قبل صانعيه، إلى "حقيقة". وعادة ما تلازم هذه العملية آلية فعل الأيديولوجيا نفسها، مع ما يترتب عليه من ابتذال دائم للاجتهاد النظري بشكل عام والعملي بشكل خاص. وهو السبب القائم وراء شعور ماركس المليء بالنفور والقرف مما اسماه "بالشيوعية المبتذلة"، التي جعلته أيضا يقول، بأنه "ليس ماركسيا". أما محاولة توظيف هذه العبارة من اجل إخراج النفس من هذه الصيغة أو الصيغ المبتذلة، فإنه يفترض الخروج على "الشيوعية المبتذلة" و"الماركسية المبتذلة" عبر رفعهما إلى مصاف الرؤية النقدية الحقيقية القادرة على تجاوزهما أو إعادة تفعيلهما بالشكل الذي يجعلهما طاقة فكرية روحية إضافية وايجابية بالنسبة للعقل والوجدان الاجتماعي. وهي عملية ممكنة فقط حالما يجري دمجهما النقدي الكلي بمنظومة جديدة للفكرة التاريخية والسياسية. غير أن هذه المهمة تبقى كما يقال من نوع وطراز آخر لا علاقة ولا قدرة للأحزاب بها، أيا كان نوعها وتاريخها وتراثها. فالأحزاب تنتهك وتبتذل الفكر حالما تسعى للتعبير عنه أو جعل نفسها ممثلة أو حاكمة له وعليه. وعلى العكس من ذلك كلما تقترب من الحياة الواقعية والفعلية وتعمل بمعايير الاجتهاد العقلي والنزعة الإنسانية كلما تقترب أكثر فأكثر من مشاريع الفكر المتسامي. والسبب يكمن في أن الفكر والحزب يختلفان من حيث الرؤية والوسيلة والغاية والقيم والمفاهيم.

وإذا كان من الممكن الحديث عن ماركس بمعايير الرؤية النقدية الفلسفية هنا، فإن نقطة ضعفه الكبرى تقوم في استمراره بتقاليد العقل المطلق والنزعة الكونية المطلقة. لاسيما وانه اختلاف جلي أيضا بما في ذلك بمعايير ماركس نفسه. فقد كان النقد العقلاني الذي وجهه ماركس لهيغل يقوم بالذات في الكشف عن الخلل المنطقي والتاريخي في روح الديالكتيك وبلوغه النهاية المتعارضة مع مساره الذاتي في نماذج العقل المطلق. فالوحدة القائمة بين الروح العندي والروح الموضوعي والروح المطلق في الفلسفة الهيغلية يفترض حسب منطقها الذاتي أن تكون مجرد حركة لا تنتهي ولا تتناهي بوصفها جزء من فكرة المطلق. غير أن الفيلسوف عادة ما يرغب في رؤية ثمار اجتهاده بوصفه نهاية الرؤية الحقيقة أو حقيقة التاريخ الفعلي بعد أن يكشف عن نفسه فيها. وهو الخطأ أو النقص الذي كان جليا لماركس منذ انتقاله من راديكالية الهيغليين الشباب إلى تأملاته النقدية الأولية ونفيها اللاحق في محاولاته إيقاف الديالكتيك الهيغيلي على قديمه بعد أن كان يقف على رأسه! وهي مهمة أنجز ماركس صيغتها الأولية. لكنه أعاد تكرار نفس الخطأ الهيغلي ولكن من خلال إيقاف حركة الديالكتيك، وليكن على قدميه! فإذا كان الفرق بينهما يقوم في أن الديالكتيك عند هيغل يقف على رأسه وتوقف، فإن إيقافه على قدميه عند ماركس كان يتضمن أيضا توقفه عند مشروع لا يخلو من طوباوية إنسانية. الأمر الذي جعلها محببة لقلوب الحفاة ذوي القبضات المتشنجة في تحديها للأرض والسماء على السواء! وفي هذا تكمن أيضا قيمة ماركس التاريخية.

فقد كانت فلسفة ماركس من حيث الجوهر اجتهادا نظريا في تفسير الواقع الرأسمالي الأوربي آنذاك والبحث عن بدائل لتجاوزه. وبالتالي فهي إحدى النظريات النقدية الكبرى في مواقفها الاجتماعية والسياسية. من هنا جوهرية التاريخ والرؤية التاريخية فيها. وهو استنتاج لا يقلل ولا ينفي ولا يتعارض مع الحقيقة القائلة، بأن نظرية ماركس عن المجتمع، بل عن كل شيء، هي نظرية تاريخية. كما أنها بالقدر ذاته فلسفة تاريخ من ألفها إلى يائها في تأسيسها ودعمها لرؤيتها المستقبلية. لقد وحدّت فلسفة ماركس في مقولاتها ومفاهيمها واستنتاجاتها النظرية منظومة خاصة سعت لتفسير كل ما كان يواجهها، وتأسيس مهمة تغييره بمعايير التاريخ الواقعي وبمعايير المستقبل أيضا، بوصفه احتمالا واقعيا ومستقبليا.

وقد تعرضت آراء ماركس بعد أن تحولت إلى "ماركسية" إلى نفس المصير الحتمي الذي تتعرض له الأفكار الكبرى حالما توضع فكرة البدائل في مشاريع أيديولوجية عملية. بعبارة أخرى، إن تحويل ماركس إلى "نبي" ومؤلفاته واجتهاده النظري إلى "كتب مقدسة" قد أدى إلى نفي الروح النقدي لماركس. مع ما ترتب عليه بالضرورة من جعله جزء من ماركسية الدولة ومساعيها لتدعيم النظام والسلطة. وهي عملية يرافقها بالضرورة جعل مهمة التبرير والتأويل المتحزب لماركس "ماركسية رسمية"، بوصفه المصير الذي دفع ماركس ثمنه، بمعنى جعله جزء مطواعا ومتطوعا بدون إرادته في خدمة مصالح النخبة المترقية من حضيض الحثالة الاجتماعية إلى هرم الارستقراطية "الثورية". والشيء نفسه يمكن قوله عن مجرى تحوله إلى أيقونة الأحزاب الشيوعية ومختلف تيارات اليسار، الذي أدى إلى تبسيطه وابتذاله من اجل جعله مقبولا. لكنها في الوقت نفسه عملية طبيعية، ترافق بالضرورة انتقال الأفكار العملية الكبرى إلى ميدان العوام. فالأغلبية المطلقة من أتباع اليسار "الكادحين" تحتوي على فئات يصعب تحديدها بمعايير العلم، ويسهل توظيفها بمعايير الأيديولوجيا، من هنا فهمها لماركس بمعايير الشعارات الرنانة. ومن ثم تغيب وتتلاشى وتضمحل حقيقة ماركس بالنسبة للأغلبية المطلقة، وتبرز وتتوهج وتنتعش صورته الأيديولوجية السياسية والحزبية المتوافقة مع ذوق العوام. وليس مصادفة أن لا يقرأ الشيوعيون ماركس، وبالأخص "قادة" الأحزاب منهم!

لا تخلو هذه العملية المعقدة من دراما التاريخ و"مكر الله" و"العقل المطلق". بمعنى أنها تحتوي بقدر واحد على ما في نزوع الفكر العملي صوب الجماهير من أقطاب متناقضة ترتوي من رحيق الفكرة الإنسانية الساعية صوب الحرية والنظام الأمثل من جهة، وتتعطش في مجرى سقيها لجفاف العقول النظرية من مخزونها المحدود، من جهة أخرى. فالنظريات الكبرى عادة ما تعاني من نقص جوهري بمعايير التاريخ، ومنطقي بمعايير الحقيقة. وذلك بسبب مساعيها الذاتية للتعميم النظري. وهو "نقص" ضروري أيضا لأنه جزء من صيرورة الوجود والعدم الكبرى. وضمن هذه الرؤية يمكننا القول، بأن ما جرى من تصنيع للماركسية، أو لماركسيات متنوعة ومختلفة ومتباينة ومتناقضة ومتصارعة هو نتاج لا علاقة لماركس به. بمعنى أنه جزء من صيرورة الوجود الجديد لماركس معين وانعدام آخر. وهذا بدوره ليس إلا الحالة المرافقة لكل تأويل متجدد، بغض النظر عن مستواه ودقته وقدرته على الاستجابة لما يسمى بمتطلبات العصر. وعادة ما تلازم هذه الحالة مسار الفكر والتاريخ الواقعي بقدر واحد. من هنا طابعها الدرامي بمعايير النظرية والتطبيق، والتاريخ والفكر، والواقع والبدائل. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة الانتقال التاريخي والثورة

لكن التاريخ بالنسبة لماركس مازال محكوما قبل (البيان الشيوعي) بتقاليد العقلانية النقدية من حيث المقدمات والتأسيس. من هنا نقد الرؤية الهيغيلية عن العقل والروح المطلق في ميدان التاريخ، من خلال إرجاعها إلى ما يمكن دعوته بالصيغة أو الرؤية التاريخية الواقعية للسبينوزية الاجتماعية. وهو السبب القائم وراء قوة فكرة الحرية والضرورة ولكن من خلال رفعها إلى مصاف الصيغة الفاعلة في المجرى المعقد للتاريخ. بمعنى البحث عن رؤية عقلانية لفهم الأبعاد المتناقضة في التاريخ العالمي بوصفها عملية موضوعية وواقعية. كما تظهر هنا أيضا معضلة الحرية الإنسانية المبدعة وعقبات التاريخ الفعلي التي تبرز بأثر النشاط والممارسة الإنسانية على هيئة قوى مغتربة. بعبارة أخرى، إننا نعثر هنا على البداية الأولية أو الحدس العقلي للفكرة النقدية تجاه التاريخ التي سيجري التأسيس لها لاحقا في (مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي) و(الرأسمال).

وقبل أن يجري تأسيسها "النهائي" في الأعمال النظرية الناضجة لماركس، فإنها مرت، شأن كل منظومة فكرية كبرى، بعملية تدقيق وتنسيق وتنظيم لمقولاتها ومفاهيمها ونتائجها العملية. وشكلت (الأيديولوجية الألمانية) تلك البداية الحاسمة لهذا الانقلاب المدقق في المفاهيم والمقولات والرؤية العامة. إذ ترتسم هنا للمرة الأولى ملامح الرؤية الأولية "للفهم المادي للتاريخ". فهنا يتكلم ماركس عن المقدمات التي ينبغي الانطلاق منها، بوصفها "مقدمات فعلية" يمكن التجرد عنها فقط في الخيال. بمعنى أنها مقدمات ليست اعتباطية ولا مفتعلة، أي ليست عقائد. من هنا عبارة ماركس عما يدعوه بالطريق التجريبي الخالص في تأسيس الفكرة. وقد حصر هذه المقدمات في ثلاث هي الناس الفاعلون، ونشاطهم الفعلي، والشروط المادية للحياة الموجودة قبل وجودهم وكذلك تلك التي ينتجوها هم بأنفسهم.

إننا نعثر في (الأيديولوجية الألمانية) على الصيغة الأولية الأكثر دقة وتحقيقا للحدس الفلسفي الذي وضعه في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام 1844)، أو على التجسيد الأولى للتأملات الفلسفية الاقتصادية الأولى في رؤيتها النقدية لمقدمات الفكرة التاريخية الجديدة وفلسفة التاريخ. وليس مصادفة أن تتميز رؤية ماركس هنا بالتركيز على قضية الكيفية. بمعنى أن المقولات الماركسية الأولى كانت محكومة في اغلبها بتحديد كيفيتها. ولا يعني ذلك بالنسبة للمنطق الفلسفي سوى البحث عن آلية ونوعية الظواهر وآفاقها.

فقد كان الهاجس الأشد فاعلية وراء الرؤية التاريخية لماركس في (الأيديولوجية الألمانية) يقوم في الانطلاق من الواقع عبر فهم آلية الظهور والتطور بوصفها المقدمة أو الشرط الضروري لفهم الواقع. وتتبع هذه المقدمة لاحقا من خلال تحويل مقولات الفعل والفعلي (أي النشاط والواقع) إلى مقدمات التغيير. وهي الصيغة التي برزت بصورة أولية وبيانية لحد ما في ملاحظاته حول فيورباخ، وبالأخص تلك التي تقول، بأن الفلاسفة لم يقوموا إلا بتفسير العالم بينما المهمة تقوم في تغييره. لكنه تغيير مرتبط بفهم محدد، ومن ثم له حدوده. ولم تكن هذه الحدود آنذاك شيئا غير الرؤية العامة عن ضرورة البدائل عبر مقولات الفعل والنشاط والحيوية والتغيير. ذلك يعني، أنها لم تكن محددة المضمون والهوية والغاية والوسيلة. لكنها كانت تحتوي على احتمالات متنوعة، شكلت إن أمكن القول، مرحلة الانتقال الحاسم في رسم معالم الرؤية الفلسفية بوصفها فلسفة العمل أيضا. لهذا لم تخل آنذاك من آثار طور المراهقة الكبرى للعقل النقدي العملي. لكن الجوهري فيها يبقى لمقولات الواقع والإمكان والفعل والفعلي. ومنها كانت تتبلور مفاهيم تغيير الواقع بوصفه فعلا إنسانيا تاريخيا، أي الكلّ النظري العام الذي لم يكن حتى ذاك الوقت مهموما بتدقيق ماهية المقولات والمفاهيم، وكيفية تحقيقها، وأسلوب تجسيدها العملي.

غير أن (الأيديولوجية الألمانية) كانت تحتوي أيضا على كمون تدقيق المقولات والمفاهيم، وكيفية تحقيقها، وأسلوب تجسيدها العملي. إذ نعثر فيها على الصيغة المنهجية الأولية والتأسيس النظري والغاية المتعلقة باستخلاص نتائج التجربة الفلسفية الأولية بصدد التاريخ وأثر الفكرة فيه عبر نقلها إلى ميدان النشاط الواعي. وقد كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القطيعة الفكرية والمنهجية الكبرى بين ماركس وتراثه الهيغلي التي جعلت من الممكن فهم معنى ومغزى "قلب الديالكتيك عبر وضعه على قدميه بعد إن كان يقف على رأسه"، أي قلب المنطق في رؤيته لذاته عبر تحليل التاريخ الملموس والسعي لتغيره وليس بالبقاء ضمن سياق تتبع وتأمل الفكرة المنطقية في عالمها التاريخي المجرد. وهنا لم يعد العقل الهيغيلي جزء من مسار الروح المطلق والمتجوهر في منظومة المنطق المجردة بوصفها تكثيفا للتاريخ، بقدر ما أصبح إعادة بناء جديدة من خلال تحويل تاريخ الفكرة المجردة إلى فكرة التاريخ الفعلي.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة الفعل والفاعل والفعلي في (الأيديولوجية الألمانية) موحدة بوصفها جوهر التاريخ الواقعي والطبيعي. إننا نعثر هنا على رؤية تاريخية جديدة حاولت المطابقة بين الوجود والفعل من خلال إرجاعهما إلى ميدان الحياة الواقعية، كما نراه على سبيل المثال في فكرته الأولية عن الإنسان باعتباره القوة الفاعلة الكبرى في التاريخ، وأن نشاطه الاجتماعي وتغييره الدائم لوسائل الإنتاج وأشكال تقسيم العمل وشكل الملكية و"شكل الاجتماع" هي المقدمة الضرورية لفهم التاريخ الواقعي وآفاقه. وفيها ومن خلالها كانت تبرز ملامح الرؤية الواضحة تجاه التاريخ من خلال إنتاج الناس لشروط حياتهم الخاصة، وظهور العائلة وتقسيم العمل وظهور النشاط الروحي. بمعنى ظهور شكل جديد ورفيع لوجود الإنسان الطبيعي والاجتماعي، بوصفه بداية التاريخ الواقعي للمجتمع.

فالناس يصبحون ناسا كما يقول ماركس، حالما يبدءون بإخراج أنفسهم أو تمييز أنفسهم عن الطبيعة. وهو انقلاب نوعي مرتبط بالممارسة والنشاط الإنتاجي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل من الممارسة والنشاط قوة جوهرية تلعب في التاريخ ما يقوم به مبدأ النفي في فلسفة هيغل. ففي مجرى هذا النشاط الاجتماعي الإنتاجي جرى إرساء أسس التاريخ الفعلي للإنسان. وهنا أيضا يجري الحديث عن إنسان المستقبل، الذي يجري توظيف كل الحصيلة المتراكمة في التاريخ الإنساني من اجل إعادة بناءه أو تملكه لها من جديد. كما نرى هنا أيضا فكرة "الفردية الحرة"، المبنية على أساس التطور الشامل للفرد، من خلال تحويل كل الإنتاجية الجماعية والاجتماعية إلى ملكية اجتماعية (أي في متناول الكلّ الاجتماعي) بوصفها الغاية الكبرى من التطور التاريخي القادر على تذليل كل الأشكال الجامدة للاغتراب.

مما سبق تتضح معالم الرؤية العامة لفلسفة التاريخ التي سيجري تدقيق مقولاتها ومفاهيمها اللاحقة مثل القوة المحركة للتاريخ، والثورة الفعلية، والتاريخ الفعلي والطبقة الثورية وغيرها مما يجري إدخاله ضمن منظومة "الفهم المادي للتاريخ"، ومن خلالها رؤية المسار الفعلي للإنسان والمجتمع والدولة والقانون والأخلاق والدين والأيديولوجية، باختصار كل شيء.

إننا نقف أمام تبلور الملامح الأولية لمنظومة وحدة الوجود التاريخي من حيث مقدماته وتطوره ومظاهره ونتائجه، وبالتالي كيفية وأسلوب تغيره. وهو الشيء الذي ميز جوهر الماركسية وجعل منها بالقدر ذاته فلسفة كونية من حيث التأسيس للمفاهيم والقيم والوسائل العملية لبلوغ الغاية. كما أنه الشوط الذي جرى تجاوز عقباته النظرية بصورة سريعة تزامنت مع ملاحظات ماركس الأولية عن فيورباخ. وليس مصادقة ألا يكون فيورباخ بارزا في النقد الماركسي لتراثه السابق، لكنه كلي الحضور في ميدان التاريخ الفعلي للإنسان، ومن خلاله للتاريخ الفعلي للإنسان والإنسانية ولاحقا للمجتمع والطبقات. مع ما ترتب عليه من استنتاجات نظرية عملية بصدد أسلوب وآلية التغير الثوري كما نعثر عليها بوضوح فلسفي وأيديولوجي تام في (بيان الحزب الشيوعي).

إذ تظهر هنا بوضوح تام وشكلي صريح فكرة وفلسفة الطبقات والصراع الطبقي بوصفه القوة المحركة للتاريخ الاجتماعي السياسي، والمتحكم والمؤثر بكل مظاهر ومجريات التاريخ الإنساني. فقد استندت هذه الفلسفة بدورها إلى رؤية أولية عن أن لكل شيء تاريخه الخاص والفعلي بوصفه جزء أو مكونا أو عنصرا من تاريخ الوجود الإنساني، الذي نعثر عليه أيضا في كل مظاهر الوجود المتراكمة للروح والجسد والدولة والفكر وغيرها من المظاهر. كما أن إدراك حقيقة وأبعاد كل ظاهرة ممكن فقط حالما يجري النظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية صرف لها حدودها وشروطها ومقدماتها ونهايتها. وفي هذه الرؤية كانت تكمن محددات الرؤية النظرية للتاريخ التي جعلت منه صيرورة محكومة بأمل متفائل قد تكون الثورة أكثر ملامحه ومظاهرة بروزا. وذلك لأن الثورات، بما في ذلك أكثرها دموية، تنقي وتطهر التاريخ، وتختصر الزمن. بحيث ستجعل ماركس لاحقا يتكلم عن الثورة بوصفها قاطرة التاريخ.

إن ظهور فكرة الثورة الاجتماعية ووضعها في أساس فهمه للتاريخ والانتقال، التي لم تكن بدورها معزولة عن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني وتأثره المباشر وغير المباشر بالثورة الفرنسية. لكنه خلافا لأسلافه الكبار قد نقلها من ميدان الوجدان الأخلاقي العارم والعقلي المجرد إلى ميدان التاريخ الواقعي، أي تاريخ التحول العاصف في ميدان الإنتاج وتطور العلاقات الإنتاجية والقوى المنتجة. ومنها جرى اشتقاق أو استنباط فكرة "الطبقة الثورية" و"القائدة" و"الطليعة" في مراحل الانتقال التاريخي من مرحلة إلى أخرى ومن تشكيلة إلى أخرى وهكذا دواليك.

وقد لازمت هذه الصيغة الأولية المليئة بمغامرة الإبداع الحر إبداع ماركس ورؤيته التاريخية في لحظات السكر الثوري والصحو العقلي (الفلسفي). لاسيما وأنه تلازم كان يستمد مقوماته وديمومته من منهج ماركس التاريخي نفسه والقائل بفكرة الطابع المؤقت لكل أشكال الوجود التاريخي للاغتراب الاجتماعي (الطبقي). فقد ظلت هذه الفكرة، بل وتوسعت وتعمقت مع مجرى تطوره الفكري إلى أن بلغت ذروتها بمعايير المنطق الحاد والصارم للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وليس مصادفة أن يقول ماركس، وبالأخص في حالات الجذل الثوري، بأن ما يميز الثورة الاجتماعية القادمة (البروليتارية) عن ثورات الماضي كونها تستمد قصائدها من المستقبل. بمعنى أن المستقبل هو مصدرها الوحيد وليس الماضي. وهذه ليست في الواقع سوى الصيغة الأبعد والأعمق للرؤية التاريخية، أي لقراءة التاريخ الأولية، التي لم تخل من نزوع راديكالي، ولحد ما تجاوز فض لما في الهيغيلية من قيمة منطقية مجردة ومتسامية في الوقت نفسه عن معنى النفي التاريخي. لكنها كانت تتراكم بطريقتها الخاصة في تأمل ماركس الفلسفي لإشكاليات جوهر الإنسان، وجوهر التاريخ، وقضايا التملك والاغتراب، والنشاط الإنساني، والحرية والضرورة، والممارسة والنشاط، والإنتاج، والتطور التاريخي، وظهور الطبقات وكثير غيرها، أي كل ما سيحصل على صيغته المكثفة والكلاسيكية في مقدمته لكتاب (نقد الاقتصاد السياسي). إذ نعثر فيها على إحدى الصيغ المتميزة "لقراءة التاريخ".

فقد كتب ماركس بهذا الصدد يقول، بأن حصيلة ما توصل إليه في أبحاثه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية المتعلقة بتاريخ الإنسان والمجتمع والدولة والفكر، أي التاريخ المادي والروحي، أو "البنية التحتية والفوقية"، يمكن إيجازها بأفكار عامة وهي أن الناس يدخلون في مجرى الإنتاج الاجتماعي في علاقات ضرورية فيما بينهم، أي مستقلة عن إرادتهم الفردية. والجوهري فيها كونها علاقات إنتاجية تتطابق مع مستوى تطور قواهم الإنتاجية. ومن مجموع هذه العلاقات الإنتاجية يتكون ويتراكم الأساس الفعلي لوجودهم، أي أساس البناء الاقتصادي للمجتمع الذي يرتكز عليه "البناء الفوقي" أي كل بنية النظام الحقوقي والسياسي. ويتطابق معه بالضرورة مستوى ونمط معين من مستويات وأشكال الوعي الاجتماعي. وبالتالي، فإن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة وليس بالعكس. مما يفترض بدوره تحديد النسبة الجديدة بين كينونة وجودهم الاجتماعي ومستوى وعيهم التاريخي. وعندما تدخل قوى المجتمع الإنتاجية المادية في مرحلة معينة من تطوره في اختلاف وصدام وصراع وتناقض مع علاقات الإنتاج القائمة وشكل الملكية، عندها يبدأ عصر الثورة الاجتماعية وتجسيد نفي النفي الضروري القائم في طبيعة الصراع والتناقض بين شكل الملكية بوصفه التعبير الحقوقي عن علاقات الإنتاج القائمة وبين القوى الإنتاجية الجديدة. مما يستتبع بدوره تغير الأساس الاقتصادي. مع ما يرافقه بالضرورة من تغير متفاوت السرعة والدرجات للبناء الفوقي بأسره (النظام السياسي ومختلف أشكال الوعي الاجتماعي). وهي عملية شائكة وتتصف بقدر هائل من التعقيد بالنسبة للرصد العلمي الدقيق، وبالأخص ما يتعلق منه بتقييم مجرياتها، بوصفه جزء من وعي الذات التاريخي. ومن ثم إمكانية، بل حتمية احتواءه بالضرورة على مختلف بقايا الماضي وحدوده الضيقة في الرؤية الحقوقية والسياسية والفنية والفلسفية، أو في كل ما دعاه ماركس بالأشكال الأيديولوجية التي يعي الناس من خلالها هذا الصراع ويخوضونه حتى النهاية. لكنها تبقى مع ذلك جزء من المسار العام للتاريخ المحكوم بقانون صارم يقوم فحواه في أن الأشكال القديمة للعلاقات الاجتماعية والملكية المناسبة للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المعنية لا تضمحل أو  تتلاشى أو تندثر من مسرح التاريخ الفعلي ما لم تؤدي دورها التاريخي، أي ما لم تستنفذ ما فيها من طاقة لتطوير علاقات إنتاجية جديدة أرقى. وهي عملية متراكمة وذائبة في مجرى التطور التاريخي وليست لها حدودها "القاطعة". أنها تجري كما يجري تحول الكمية إلى نوعية حالما تبلغ ما فيها من استعداد وطاقة خاصة بها. مثل غليان الماء أو تجمده حالما يبلغ درجة مئوية محددة. وهي الصيغة الظاهرية والمبسطة لما يجري الحديث عنه لكنها تتمثل "طبيعة" العملية، وصيرورتها وكينونتها الاجتماعية بوصفها الكينونة الطبيعية للإنسان والمجتمع والتاريخ. ولعل النماذج الكبرى "لأساليب الإنتاج الآسيوي والقديم والإقطاعي والبرجوازي" ليست إلا مراحل متطورة في تاريخ التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. والتشكيلة الأخيرة آخر مراحل "ما قبل تاريخ الإنسانية". وبانتهائها يبدأ "التاريخ الحقيقي"، بوصفه التاريخ المتحرر من أصداء وصدأ الملكية الخاصة والاغتراب وأثارهما في مختلف أشكال استغلال الإنسان للإنسان. (يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن رجل العلم لا يدرس الطبيعة لفائدتها فقط ، بل يدرسها لأنها تمده بمتعه، وهذه المتعة منبعها أن الطبيعة جميلة، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تستحق أن تعرف وأن يعاش فيها. وبالطبع لو أن الفيزيائيين أخذوا في اعتبارهم جمال النظريات أو الأفكار سيكون من السهولة جعل الكيفية الجمالية مرشداً فعالاً لصياغة نظريات رياضية صحيحة للطبيعة.

بيد أن الجمال في تصور الكثير من العلماء والمفكرين لم يكن مرشدا للصياغات النظرية العلمية ؛ فقد شهد النصف الأول من القرن العشرين بعض الدعوات التي تنكر البعد الجمالي للنظريات العلمية، وأن المعيار الجمالي في الحكم علي النظريات هو معيار غير عقلاني، فنجد مثلا " هيلج كراج ":" يقول إن مبدأ الجمال الرياضي شأنه شأن المبادئ الجمالية يمثل إشكالية.المشكلة الأساسية هي أن الجمال هو موضوع جوهري ومن ثم لا يمكن أن يمثل أداة معرفة علي نحو عام بحيث يرشد أو يقيم العلم. إنه كما يقال علي الأقل من الصعب تبرير الحكم الجمالي بواسطة الأحكام العقلية، وعلي أية فإننا نري بألا نهرب للنتيجة القائلة بأن الحكم الجمالي في العلم يكون متأصلا في عوامل ذاتية واجتماعية.

إن معني المعايير الجمالية هو جزء من نظام اجتماعي أكتسبه العلماء، إلا أن العلماء مثل الجماعات العلمية يمكن أن تكون لديها أفكار مختلفة بشكل واسع لمعرفة الكيفية التي يتم بها الحكم علي القيمة الجمالية لنظرية معينة. ولا نتعجب بأن الفيزيائيين الذين بلغوا القمة في التخصص لم يتفقوا علي أن تلك النظريات قد تكون جميلة وقد تكون قبيحة.

ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل وجدنا بعض الفلاسفة استنكر دور البعد الجمالي في العلم، حيث يعولون علي مبدأ أن الجمال يمثل شعور لدي الإنسان ولا يوجد في الشئ الذي نصفه، ففي فلسفة ديكارت واسبينوزا المتحدثتان بلسان فيزياء نيوتن، حيث يقول ديكارت " لا يدل الجميل ولا البهيج علي أكثر من موقفنا في الحكم علي الشئ المتكلم عنه "، ويقول اسبينوزا " الجمال ليس صفة للشئ الذي ندرسه وإنما هو الأثر الذي ينشأ في الإنسان الذي يدرس ذاك الشئ".

وهكذا أحدث هذان الفيلسوفان تيارا قويا تحول إلي ما يشبه العقيدة بالنسبة لكل الأجيال التالية بأن الجمال شعور لدي الإنسان، ولا يوجد في الشئ الذي نصفه، ثم جاء دارون فأكد هذا المعني في نظريته عن التطور فقال من الواضح أن الإحساس بالجمال يتوقف علي العقل بصرف النظر عن أي صفة حقيقية في الشئ محل الإعجاب. وصار فرويد علي نهجه معلنا اعتذاره عن اضطراره لحصر الجمال في دائرة الغريزة. فيقول " من دواعي الأسف أن التحليل النفسي ليس لديه ما يقوله عن الجمال، سوي أنه مستمد من مجال الشعور الجنسي وتترتب علي ذلك نتيجتان : الأولي أن الجمال يمثل متعة شخصية وليس موضوعا للمناقشة العلمية. والثانية : أن الجمال لا يمثل حقيقة واقعية ولا يربطه بالعلم شئ، فعالم الحشرات لا شأن له بجمال الفراشة والإنسان المتذوق لجمال الفراشة لا يهمه أن يعرف شيئا عن جهازها الهضمي.

ومن جهة أخري فقد قدمت الوضعية المنطقية في منتصف القرن العشرين أطروحة تبين أن العلماء يعملون بنجاح في النظرية العلمية بإدخال " سياقين ". الأول هو "سياق الكشف"، وفي هذا السياق ينشئ العلماء النظرية من خلال وسائل الحدوث والتخمينات. وتلك الأفعال قد لا تكون مرشدة من خلال وصايا المنطق والعقلانية، ولذلك لا يمكن تحليلها بدون إطار عقلاني : إذ لا يوجد هناك منطق للكشف العلمي ولكن توجد سيكولوجيا هذا الكشف.

وفيما بعد أدخل العلماء "سياق التبرير"، وفي هذا السياق يقوم العالم وغيره بوضع اختبارات للنظرية تبين أن حدوثها يتمثل في سياق الكشف. وهذا الاختبار يحدث في معيار منطقي – تجريبي يؤكد عقلانية تعاقب النظريات. والوضعيون المنطقيون قد اعترفوا بأن العوامل الجمالية يمكن أن تؤثر علي سلوك العلماء في سياق الكشف، حيث أنهم يعتقدون بأن العالم يمكن أن يستلهم صياغة الفرض من خلال استيعاب أي نوع. بيد أن الوضعيون المناطقة قد رفضوا الاقتراح القائل بأن العوامل الجمالية تلعب أي جزء في سياق التبرير، وذلك لأنهم أدركوا أنه من المفترض أنه لا توجد طريقة للمعيار الجمالي بحيث يكون بإمكانها استيعاب المعيار المنطقي والتجريبي.

وحول هذا الاتجاه نحو العوامل الجمالية في العلم قد عبر عنه " هيربرت فايجل قائلاً "... بضعة كلمات على بَعْض سوءِ الفهم الناجم عن القلقِ السائدِ من خلال التاريخ ولا سيما سيكولوجيا المعرفة العلمية . فمما هو جدير بالثناءِ (وإن كان من المحتمل أن يكون يوتوبي) أن ما يمكن أن يتم الوصول إليه وهو أن نقدم معا أقرب ثقافتين (أَو لتَجسير " الشقّ " في ثقافتِنا) والمفكرون تميل أكثر أذهانهم إلي التشديد علي معرفة كيف أن العلوم والفنون لها سمات مشتركة.

إنّ الجسورَ سالكة فقط فيما يتعلق بالسماتِ النفسيةِ للمعرفة العلمية، الإبداع بالتأكيد هناك ملامح جمالية في العلم لكن الشئ الأساسي في تقييمِ إ المعرفةِ العلميةِ هو القول (في أحسن الأحوال) بأنه ثانوي في تقييمِ أعمال الفن - والعكس بالعكس.

وهنا حاول الوضعيون المناطقة وضع معيار تجريبي للمفاضلة بين النظريات العلمية، وهذا المعيار قائم علي فكرة أن الهدف الاسمي للعلم، هو أنه تقديم وصف كامل وملائم للعالم. والنظريات تقترب من الوصول إلي درجة، هذه الدرجة تجعل النظرية تمتلك خاصية " الكفاية التجريبية".

والقضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل الممكنة ذات درجة الأعلى، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في كل الظواهر القابلة للملاحظة، بما فيها الظواهر المتضمنة في الماضي والظواهر التي من الصعب أن نصل إليها من جهة أخري.

القضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل ذات الدرجة الأقل، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في النسبة المعروفة للظواهر القابلة للملاحظة. وأصحاب الواقعية العلمية قد قالوا أن الهدف الأسمي للعلم هو أن تكون النسبة التي نصف بها العالم هي أن تكون صادقة، ومع هذا فإنه يمكن أن تقترب من هذا التحليل ، حيث يرون أن درجة الكفاية التجريبية للنظرية هي أن نتيجة وجودها متوقف علي أن تطابق الدرجة يكون من خلال الاقتراب من الصدق.

وبداية فإنه علي ما يبدو أن المعيار الوحيد لتقييم النظرية هو أن النموذج المنطقي – التجريبي يحتاج في أن يعول علي كفاية المعيار التجريبي ذاته: وأفضل النظرية التي لها درجة أعلي من الكفاية التجريبية عن النظرية التي لها درجة أقل من تلك الكفاية.

ومع ذلك فإن معني الكفاية التجريبية هو أنه من المستحيل استخدام هذا المعيار في الاختيارات التطبيقية بين النظريات. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن نشيد بها النظرية، هي تلك النظرية التي لها كفاية تجريبية ذات درجة أعلي بحيث يمكن البرهنة عليها من خلال تطابقها مع كل المعطيات التجريبية التي يمكن أن تكون قد تجمعت من خلال كل المصادر في زمن غير محدد، وبالمثل فإنه يمكننا أن نقيم فقط نظرية لها درجة أقل من الكفاية التجريبية من خلال تطابقها مع النسبة المناظرة لتلك المعطيات.

وللحصول علي القراءة المباشرة لدرجة الكفاية التجريبية للنظرية، فإنه كثيراً ما يكون مفهوم العدد لديه القدرة علي أن يصف ويميز التنبؤات المؤيدة وغير المؤيدة للنظرية التي تم الوصول إليها بدقة، مثل المهمة التي لا يمكن أن تكتمل في وقت محدد عن طريق تعميمات المجال الأوسع من تحصيلات الحاصل والمتناقضات الأخري. ولذا فإن معيار الكفاية التجريبية ذاته لا يقدم أساس تجريبي للمفاضلة بين النظريات المتنافسة.

والعديد ممن تابعوا الاعتقاد بأن حيثية تقييم النظريات علي أساس أن المعيار التجريبي يتصل بالعلم ولا يظهر من خلال الاعتبارات الجمالية. وهذا الاعتقاد هو غالبا ما يعبر عنه في فكرة أن العلماء يلجأؤن إلي المعيار الجمالي علي أنه فقط معيار مدمر وعندما يفاضل العلم بين النظريات، فإن هذه المفاضلة لا تتم إلا من خلال قيمة وأهمية المعيار التجريبي.

وهذا المطلب هو ما تطلع إليه " فريتزر وهليتش" يوجد؛ الجمال الأعظم في النظرية الفيزيائية؛ حيث أن هذا الجمال قد يؤثر علي مصداقية نظريةِ واحدة على آخرِ في غيابِ المعاييرِ الأكثرِ صرامة. فمثلا نظرية النسبية العامة كانت جميلة جدا بحيث تم تفضيلها عن النظريات المنافسةِ طالما تلك النظرياتِ المنافسةِ لا تَستطيعُ وصف الوقائع التجريبية.

وهذه الرسالة تتضمن أن الاعتبارات الجمالية قد تتوقف عن حمل وزنا إذا ما اكتشفت أن نظرية النسبية تبرر وصف الوقائع التجريبية سواء كانت وقائع جيدة أو رديئة ممن تنافسها من النظريات الأخري. وهذه النظرة قد تصل إلي حد إنكار أهمية المعيار الجمالي : فهو يَسْمحُ لهم فقط في النظر في الحالات التي يثبت فيها العلماء المعيار التجريبي والتي سوف لا تكون له نتيجة.

إن النموذج المنطقي التجريبي لتقييم النظرية تكون مهمته هي وصف المبادئ العقلانية لما يقوم به العلماء للمفاضلة بين النظريات. وللانتهاء من هذه المهمة: إن الاختيارات العديدة جدا بين النظريات تتمثل في أن يقوم العلماء بما يمكن تفسيره من خلال افتراض أن النظريات تتمسك بهذا المعيار كما في القوائم الستة السابقة.

ولذلك، فإنه بالنسبة للوضعية المنطقية فإنه لا توجد مثل هذه الظاهرة التي تتعلق بتقييم العلماء لنظرياتهم تقييما جمالياً، وكذلك لا توجد مثل هذه الظاهرة لكونها تمثل مشكلة لفلاسفة العلم، من الممكن أن العلماء قد يتأثروا بالعوامل الجمالية في الكشف. لكن الرسم يمكن أن تصور أن تلك الظاهرة يجب أن تكون مهمة لكتاب السير وعلماء النفس أكثر من فلاسفة العلم.

إن الوضعية المنطقية عموما قد أعتبرت كل ذلك ملغي في داخل فلسفة العلم، ولكن لا تزال المناقشة تلقي بظلالها علي دور العوامل الجمالية في العلم. وتستمر وجهة النظر التي تعول علي أن العوامل الجمالية يمكن أن تكون مهمة في إبداع النظرية، وأن المعيار التجريبي فقط يمكن أن يلعب دور في قبوله، فمثلا " دين ك. سيمونتن كتب قائلاً : "لا يوجد عالم من العلماء بما فيهم ديراك تتوفر لدية الجرأة في أن يبرر النظرية علي أساس غير عقلاني اللهم إلا علم الجمال"... وللحديث يقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

....................

المراجع

1- روبرت م. أغروس، جورج ن. ستانسيو : العلم في منظوره الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 134- جمادي الآخرة 1409هـ - فبراير /شباط 1989م، ص 45.

2- بول ديفيز وجون جريبين : أسطورة المادة – صورة المادة في الفيزياء الحديثة، ترجمة علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.

3- ادمون و. ستيورت : حياة الروح في ضوء العلم، ترجمة إسماعيل مظهر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960.

 

 

محمود محمد عليإن الإنسان بفطرته ميال نحو معرفة ما خلف الظواهر والأشياء، أي الأسباب التي تسببت في ظهور شئ ما، أو ظاهرة ما إذ " لما كان من طبيعة الإنسان منذ طفولته أن يسأل عن سبب لكل ما يراه، سبب وجوده، وسبب نشوء ما يحيط به من مظاهر الحياة، ويبحث عن علل لها تفسيرها، وتربط بعضها بالبعض الآخر، وتبين أحوالها، وفائدتها وتأثيرها، وجدناه يطبق ذلك على كل ما يراه ويمر به على مدى سني حياته، وتطور إدراكه وعلى اختلاف العلوم التي تعلمها، يعلل الظواهر الطبيعية في الأحياء والجوامد، يعلل الظواهر العقيدية وما يتبعها من أحكام ونتائج وعلل ما يبدو في اللغة التي يستعملها أداة في التفاهم محاولا أن يجد علة لكل صورة مميزة من صور التعبير .

ولقد نظر أرسطو إلي قانون العلية فعده من المقدمات الأولية التي لا يمكن القدح في بداهته". والعلة ركن أساسي في القياس الأرسطي بحيث لا يتم البرهان إلا بظهور العلة. وفي هذا الصدد يقول أرسطو: "وذلك أنه إن كان الذي ليس عنده القول على (لِمَ الشئ) – والبرهان موجود – ليس هو عالماً" . ولقد فضل أرسطو الشكل الأول من أشكال القياس على أساس وضوح مبدأ العلة في هذا الشكل: "وذلك أن القياس على (لم الشيء) إنما يكون بهذا الشكل.. والعلم بـ (لم الشئ) هو أكثر تحقيقاً" . ويقسم أرسطو العلة إلى أربعة أنواع فيقول "كانت العلل أربعاً: إحداها: ما معنى الوجود للشيء في نفسه؟ والأخرى عندما يكون، أيُّ الأشياء يلزم أن يكون هذا الشيء؟ والثالثة: العلة التي يقال فيها: ما الأول الذي حرَّك؟ والرابعة: هي التي يقال فيها: نحو ماذا؟ " . ولقد اصطلح العلماء على تسمية هذه العلل الأربع على النحو التالي: العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية: "فالعلة المادية هي التي يجاب بها عن: ما الشيء؟، والصورية عن: كيف؟ والفاعلة عن: من فعل الشيء؟ والغائية عن: لِمَ؟" .

ويمكن توضيح ذلك فنقول: أما العلة المادية فهي ما لا يجب بها وجود الشيء بالفعل بل بالقوة، كالخشب والحديد بالنسبة للسرير . أو بتعبير أخر ما لا بد من وجوده أو جود الشيء . وأما العلة الصورية فهي ما يجب بها وجود الشيء بالفعل، كالهيئة التي يتم عليها شكل السرير . أما العلة الفاعلية فهي ما تكون مؤثرة في المعلول موجدة له، كالنجار الذي يصنع السرير . وعرفها "أبو يعقوب الكندي" (ت:252هـ) بأنها (مبتدأ حركة الشيء التي هي علته). وعرفها الإمام الغزالي بأنها (ما منه بذاته الحركة، وهو السبب في وجود الشيء). وأما العلة الغائية فهي ما لأجلها وجود الشيء، كالجلوس على السرير؛ إذ أنه الغاية أو الغرض الذي لأجله وجد السرير . وهي الباعثة على إيجاد الشيء، فتفيد إذن فاعلية الفاعل. والعلة الغائية متأخرة عن المعلول في الوجود في الخارج، فالجلوس على السرير يكون بعد وجود السرير في الخارج إلا أنه يتقدم عليه في العقل (التصور) إذ كان باعثاً للفاعل على صنعه . ولذلك عرفها الإمام الغزالي بأنها (الغاية الباعثة أولا، المطلوب وجودها أخرا) . وهي بتأخرها عن المعلول في الوجود بالعكس من حال العلة الفاعلية من معلولها ؛ إذ أن الأخيرة تتقدم المعلول في الوجود بالزمان.

والعلة بذكرها المطلق يراد بها العلة الفاعلية لا غيرها، وتسمى (سبباً) عند المحدثين، وهو ما يترتب عليه مسبب عقلا أو واقعا وقد تسمى بالمحرك أو الفاعل ويقال للعلة الغائية غاية وغرض أو العلة التمامية . ومن خاصيتها (إن سائر العلل بها تصير علة، فانه ما لم تتمثل صورة الكرسي المستعد للجلوس، والحاجة للجلوس في نفس النجار، ولا يصير هو فاعلا، ولا يصير الخشب عنصر الكرسي، ولا تحمل فيه الصورة ؛ فالغائية حيث وجدت في جملة العلل هي علة العلل) . وهي تقع جوابا للسؤال بـ (لماذا؟) أو (لم؟) أكثر من وقوع العلة الفاعلية، ويكون الجواب بها مناسبا حين يتعلق الأمر بالإرادة الإنسانية فحسب .

وسنرى خلال هذا الفصل أن التعليل الذي نحن بصدد بحثه لا يشتمل إلا على العلتين الأخيرتين : الفاعلية (السبب عند المحدثين) والغائية (الغرض).

ومن الجدير بالذكر ان من النحاة من استعمل تسمية الفلاسفة للعلل وأشار إلى تقسيماتهم على وفق ماتطلبه بحثه، فالرضي الاسترابادي مثلاً في حديثه عن المفعول له قال : " فالمفعول له قال : " فالمفعول له هو الحامل على الفعل سواء تقدم وجوده على وجود الفعل كما في قعدت جبنا أو تأخر عنه كما في جئتك إصلاحا لحالك، وذلك لان الغرض المتأخر وجوده يكون علة غائية حاملة على الفعل وهي إحدى العلل الأربع كما هو مذكور في مظانه، فهي متقدمة من حيث التصور وان كانت متأخرة من حيث الوجود "(67)، وجاء في حاشية عليه: " المفعول له سبب حامل للفاعل على الفعل وينقسم إلى قسمين : احدهما : علة غائية للفعل كالتأديب للضرب والثاني ما ليس كذلك كالجبن للقعود " .

ومن العناصر الأساسية في نظرية العلة الأرسطية ما يعرف بشرط "الدوران في العلة"؛ ومؤداه أن هناك ارتباطاً تلازمياً بين العلة والمعلول؛ أي أنه متى وجدت العلة وجد المعلول والعكس صحيح: يقول أرسطو "فالعلة ... والشيء الذي العلة عليه يتكون عندما يتكون معاً، وموجود متى كانت موجودة" .

وحين النظر في التراث اللغوي النحوي العربي لا نكاد نجد ظاهرة نحوية واحدة، أو لغوية لم يلتمس لها النحاة علة، أو سبباً، ولعلهم احتاجوا إلى ذلك حينما تحولت اللغة من منظومة الفطرة (السليقة) إلى منظومة (التعلم)، لأن ذلك استوجب أن يبسط النحوي قاعدته مردفاً إياها بالعلة التي اقتضت الحكم حتى يتمكن من إيصالها إلى ذهن المتعلم، غير أن بعض المتعلِمين بل (المعلِمين) النحاة كانوا من الأعاجم الذين جبلت ألسنتهم على غير العربية، فلما صارت العربية لغة الدين والدولة ألتمسها أؤلئك بشغف ونهم، ولما كانت أذهانهم لا تستجيب دون إظهار علل الأمور وأسباب الظواهر والوقوف على حقيقة الأحكام النحوية التي لم يعد الحصر مجديا في تقصيها، لذلك عمد النحاة إلى استنباطها، وتقعيدها، وإلحاق عللها بها .

وبعد حدوث التأثر بعلوم الفلسفة والمنطق  صار النحوي أبرع من الفيلسوف في إظهار الأحكام والتماس عللها، ولعل التعريج على مراحل تطور العلة منذ نشوئها حتى القرن الثامن الهجري ذو فائدة في معرفة أهمية العلة ونضج الفكر النحوي عند نحاة المدة ميدان البحث، وكذلك الكشف عن بنية التعليل وأسلوب النحاة فيه، وبيان ما بناه النحاة من فكر لغوي أغناه التعليل في كثير من جوانبه لكنه ـ أي : التعليل ـ في جوانب أخرى ساقه إلى التعقيد والغموض والإسفاف، مما دعا كثيرا من النحاة إلى الدعوة إلى إلغاء الكثير من مكونات النظام التعليلي على نحو ما دعا إليه ابن مضاء القرطبي وسواه من النحاة والدارسين.

وقد قسم الدارسون مراحل تطور العلة النحوية على ثلاث مراحل نجد من المهم تقصيها وتتبعها لمعرفة دور التعليل النحوي في البحث النحوي ومدى نضجه .

1- المرحلة الأولى

وهي مرحلة نشوء التعليل النحوي التي يعد أباها الشرعي عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي  وهي تنتهي بالخليل بن أحمد الفراهيدي إذ هو قمتها ونهايتها، وفي هذه المرحلة يمكن وصف التعليل النحوي بالبساطة إذ لم يكن تجاوز حدود معناه اللغوي، وقد كان شيئاً طبيعياً بعد أن رأى علماء المسلمين حث القرآن على معرفة أسباب الظواهر، واللغة هي أحدى تلك الظواهر الموجودة في الكون.

وقد وسم البعض التعليل النحوي في هذه المرحلة بأنه ليس إلا طرائق تمد النحاة بشيء من المتعة النفسية والذهنية معاً، وللباحث وقفة عند هذا الرأي الذي وسم التعليل بأنه فقط لإثارة المتعة النفسية والذهنية لأنه كان إجراءً عملياً لوضع معايير التقعيد وبيانها وعدم تركها مبهمة أمام متلقي العربية الذين كان جلهم من الأعاجم إذ لابد من إظهار العلة التي قام عليها حكم لغوي ما لان ملكة اللغة عندهم مغايرة، فأي اختراق، أو تحول عن ملكتهم اللغوية الأصلية بحاجة إلى صدمة ( علة ) لإحداث فجوة في وعيهم لإدخال ملكة اللغة الجديدة التي يرومون تعلمها، وقد اتسم التعليل في هذه المرحلة بما يأتي:

أ- جزئية الموضوع والنظرة

إذ لم يتناول التعليل في هذه المرحلة إلا قضايا جزئية، ومسائل فرعية  "والنحاة في تعليلاتهم لا يرتبطون بغير القضية التي يعللونها، ولا ينظرون إلـى غير الجزئية التي يسوغونها "، وللبحث وقفة عند هذه السمة التي امتاز بها التعليل النحوي في بواكيره، إذ إن الجزئية كانت استجابة لمعان لغوية لم تصل بعد إلى مفهوم الدرس النحوي وهي مرحلة أولى في تطور الصناعة النحوية ، فلذلك ذهب إلى هذه السمة، وإقرارها.

ب- التوافق مع القواعد

مما يؤشر على التعليل النحوي من سمات هو " الاتساق بين التعليل والقواعد النحوية التي توصل إليها نحاة هذه المرحلة، فليس ثمة تناقض بين التعليل وبين ما توصلوا إليه من قواعد، بل أكثر من ذلك فإن التعليل ليس إلا تبرير القواعد واساغتها، ثم شرحا لبواعثها من ناحية، ولأهدافها من ناحية أخرى ".

ت- الوقوف عند النصوص اللغوية

وتعني هذه السمة أن النحاة حينما كانوا يعللون لا يتقاطعون مع النصوص اللغوية أيا كان مصدرها، بل كانوا يجعلون التعليل في خدمتها .

ومن نافلة القول إن البحث يرى أن الوقوف عند تلك النصوص له ما يسوغه إذ إن النصوص الموقوف عندها كانت نصوصا تمثل الأنموذج الكلامي الذي لا يعتريه الضعف، أو يعتوره التناقض هذا من حيث النص القرآني الذي هو المصدر الأول، أما المدونة الشعرية العربية فقد جهد العلماء من التثبت من صحتها، وكذلك النص الحديثي الذي أحيط بكثير من التحوطات، والاحترازات لأجل التثبت من كل جزيئة من جزيئاته .

2- المرحلة الثانية

تبدأ هذه المرحلة بتشكل ملامحها بتلاميذ الخليل (175 هـ)  وتنتهي بابن السراج ، وهي من حيث الامتداد الزمني تشكل مدة قرن ونصف، وقد ذهب الأستاذ علي أبو المكارم إلى أن هذه المدة لم تشهد تعصباً ضد العربية ، غير أن هذا الرأي لا يتصف بالدقة لكثرة ما ظهر في هذه الحقبة من تيارات معادية ومضادة للعرب والعربية .

ويمكن القول : إن الدراسات اللغوية بعامة، والنحوية بخاصة جاءت ردا على تلك التيارات المضادة يتمثل بالحفاظ على سلامة اللغة العربية، إذ كانت بدايتها في واقع الأمر بدافع إقبال الأقوام الأعجمية الداخلة في دين الله أفواجا علي تعلم العربية وقراءة القرآن الكريم ، فمن الضرورة أن يفهم هذا العدد الغفير من الداخلين في الإسلام والناشئين في بيئات لا تتكلم العربية كلام الله فهما كاملا .

ومن نافلة القول أن نشير هنا إلى أن هذه المرحلة قد اتسمت بميزتين أساسيتين هما:

1- الجمع بين الجزئيات المتفرقة .

2-  ضم الجزئيات المتفرقة في إطار كلي يشملها .

فمن حيث يعلل النحوي قضية جزئية فإنه يحاول الوصول من خلال ذلك إلى قضية كلية من خلال الربط بين القضيتين ،ويمكن الإشارة إلى عاملي التأثير في مجرى الفكر التعليلي في هذه المرحلة وهما : مبدأ الخفة، أو ما سماه النحاة بـ( التخفيف )، وقد استندوا في ذلك على قاعدة تقول : (( إن المراد من اللفظ الدلالة على المعنى فإذا ظهر المعنى بقرينة حال، او غيرها لم يحتج إلى اللفظ المطابق ))  . مبدأ الفرق، ويراد به أن اللغة لحكمتها أرادت أن تفرق بين الظواهر المتفرقة فاصطنعت لذلك أساليب متعددة .

3- المرحلة الثالثة

وهي المرحلة الأكثر نضجا وتقدما في تاريخ التعليل النحوي إذ صار علما له معاييره، ومصطلحاته، وأصوله، وتبدأ هذه المرحلة بالزجاجي (311 هـ) صاحب كتاب (الجمل) الذي عد في تاريخ العربية فتحاً كبيراً، فضلاً عن أن الدرس النحوي شهد تطورا واضحا بعد أن توطدت أركانه وتفرعت وتعددت مدارسه، ومن الناحية المنهجية نجد أن التأليف في التعليل النحوي صار مستقلا، وأفردت له عنوانات خاصة، وكذلك مصنفات مستقلة، وهذا يفضي إلى الاستنتاج بأن التعليل النحوي بدءا كان ممتزجا بالنحو حتى هذه المرحلة التي استقل فيها عنه منهجا وتأليفا .

كذلك من الطبيعي جدا أن نلفي ظلال المنطق الارسطي الذي اثر في مجمل الفكر العربي الإسلامي حاضرة في التعليل النحوي الذي تأثر بذلك المنطق بشكل مباشر، أو غير مباشر على مستوى التنظير والتطبيق.

وفي هذه المرحلة انصب اهتمام النحاة في تعليلاتهم على أمرين هما :

1- الربط بين الأحكام والعلل .

2- التنسيق بين العلل النحوية .

وفي هذه المرحلة المتقدمة من تاريخ التعليل النحوي نشأت أنواع من العلل هي (العلل القياسية، والعلل الجدلية، والعلل التعليمية) وقد أحصيت الأخيرة حتى بلغت نحو (أربع وعشرين) علة .

3- المرحلة الرابعة

إن سيادة مبدأ التعليل في البحوث التي تناولتها الدراسات اللغوية والنحوية عند متأخري النحاة  يعد وجهاً بارزاً لتأثير الفلسفة والمنطق في تلك الدراسات، إذ كان لابد للظاهرة اللغوية او النحوية من علة يعتل بها .ولعل من وجوه تأثر العلة النحوية بالعلة الفلسفيـة اشتراط النحاة فيها ان تكون موجبة للحكم في المقيس عليه . وهذا هو الشرط الوحيد الذي اتفق العلماء على ضرورة اتصاف العلة به، وعليه فان للعلة في تصور النحاة تأثيرا ؛ اذ تكون سابقة للقواعد ومؤثرة فيها معاً ، وهذا إنما يذكر بعلة الفلاسفة التي هي المؤثر في غيره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ميثم الجنابيفلسفة الرجوع إلى التاريخ الإنساني

إن الأفكار الكبرى كالولادة تبدأ بصرخة عادة ما يجري تصويرها على أنها بداية الحياة وصيرورة الفرد الجديدة. وهي فكرة سليمة في ميدان الحياة العادية بسبب استجابتها المباشرة لبساطة الرؤية الفاقدة لمعنى الكلّ وترابطه الجوهري. لكنها تحتوي على القدر الضروري من أثر المنطق أيضا بوصفه توليفا يسعى لتأسيس وحدة الأسباب ويعاني منها أيضا بسبب ما فيها من إمكانية لرمي المنطق في سلسلة اللانهاية. ومن ثم إغراء "العقل" بالوقوف أمامها، مع ما فيه من احتمال الاعتراف ببداية لا معنى لها، أو نفيها بيقين لا يقل إشكالية عن الأولى، أو الوقوف بينهما بهيئة حيرة أبدية تجعل من مبدأ "العجز عن الإدراك إدراك" مرجعية مقبولة. وهي الحالة التي يواجهها المنطق على خلاف التاريخ الواقعي الذي يبدأ بيوم وينتهي بيوم، لأنها الدورة التي تصنع المنطق وتضعه بالقدر نفسه على محك خشن. من هنا شدة الاختلاف الظاهري في الموقف من التاريخ وإشكالاته بين ماركس وهيغل، رغم رجوعهما إلى أصول وجذور واحدة. وفيما لو وضعنا هذه الإشكالية على محك التاريخ الشخصي للأفكار فإن تبلور فكرة ماركس عن التاريخ كانت تحتوي على تمثيل نموذجي لفكرة النفي الهيغلي بما في ذلك في اشد أشكالها شكلانية. فقد أصبح ماركس هيغلا جديدا بعد مروره بفيورباخ، أي الصيغة الفردية والفكرية أيضا لثلاثية النفي الهيغلي!

فالصيرورة التلقائية لمفاهيم ومقولات ماركس عن التاريخ، بما في ذلك من حيث تراكمها المنهجي في منظومة فلسفية مستقلة، لم تكن في الواقع سوى التحوير والنقد الأولي للنزعة الانتروبولوجية لفيورباخ. بمعنى ظهور إشكالية الإنسان المجرد بوصفها إشكالية التاريخ الفعلي والتصورات والعقائد، أي كل ما كان يشكل موضوع اهتمام الفكر والتفكر الفلسفي الألماني آنذاك. من هنا أولوية وجوهرية الإنسان المجرد عند "ماركس الشاب". وهذا بدوره ليس إلا الاستمرار غير المباشر لكانط وهيغل بشكل عام وفيورباخ بشكل خاص.

فقد كانت الرؤية الأولية التاريخية الفلسفية لماركس انتروبولوجية (أي فيورباخية). بمعنى أنها تأثرت واستأثرت، على الأقل في مزاجها النقدي والتأملي، حصيلة الفلسفة الفيورباخية. ومن الممكن رؤية هذه الظاهرة بما في ذلك في ميدان اللغة والتعبير عنها حتى مراحل متقدمة في كتابات ماركس، أو على الأقل أنها جلية في عباراته حتى كتاب (الأيديولوجية الألمانية). بينما اضمحلت وتلاشت اللغة الهيغيلية التي يمكن أن نعثر على صداها الباهت في المخطوطات الفلسفية لعام 1944.

فقد كانت الفيورباخية بهذا الصدد فلسفة شاملة. وذلك لأنها استطاعت أن تستعيد وتوسع تقاليد النزعة الإنسانية والتنوير الفرنسي ولكن ضمن تقاليد الفلسفة "الكلاسيكية" الألمانية. لكنها وضعت الإنسان في جوهر وصلب تفسيرها للظواهر بشكل عام والدين بشكل خاص. بحيث يمكننا القول، بأن الفيورباخية هي الصيغة الألمانية المكثفة والجديدة لإعادة النظر المنظومية بالانقلاب التاريخي الهائل الذي لازم الثقافة الأوربية منذ عصر النهضة، وبالأخص إحلال المركزية الإنسانية عوضا عن المركزية الإلهية، أي استبدال التأملات الميتافيزيقية اللاهوتية بتأملات ومقارنات العقل النقدي الانتروبولوجي. وليس مصادفة أن يقسّم فيورباخ نفسه أعماله الفلسفية إلى ما هو فلسفي خاص (أدرج ضمنها كتابه عن سبينوزا) وما هو متعلق بفلسفة الدين مثل (جوهر النصرانية) و(محاضرات عن جوهر الدين). وسبب ذلك يقوم في إدراكه لطبيعة الدور الهائل لسبينوزا في ميدان الرؤية الأخلاقية النقدية تجاه الدين وقيمة فلسفته بالنسبة لتأسيس فكرة الحرية، التي ستبقى ملازمة لفيورباخ وماركس حتى النهاية، بوصفها إدراكا للضرورة. غير أنها ستتخذ في الرؤية الماركسية بعدا اجتماعيا طبقيا تاريخيا، جرى تأسيسه من خلال الرجوع إلى هيغل.

فالاهتمام المفرط بقضية الحرية وإشكالاتها هي الصيغة الفلسفية لإشكالية الوجود الإنساني. فقد شكلت قضية الحرية جوهر التفكير الهيغلي وغاية منطقه الذاتي، أي رؤية مقدمات وقانون تطور وانكشاف وتفتح وتوسع وتحقق الروح العندي والذاتي والمطلق، أو الفردي والاجتماعي والمطلق، والجزئي والكلي والمطلق في مختلف الميادين والمستويات.

إن حقيقة الحرية التي أرادها هيغل أو بحث عنها بوصفها عملية منطقية وطبيعية تاريخية هي الكمال. وسوف يتلقف فيورباخ هذه الفكرة ويعيد توظيفها عبر محاولاته إرجاعها إلى الإنسان وليس إلى الفكرة كما هي. وبالتالي لم تعن الحرية بالنسبة له سوى تكامل الإنسان بمعاييره الذاتية المتجردة عن أوهام الأديان أيا كان شكلها ومضمونها. وقد كانت تلك بالنسبة لماركس المفتاح السحري القائم وراء تحرره الفردي وصيرورة فردانيته الجديدة بوصفها تأسيسا جديدا للحرية ولكن بمعايير التاريخ الواقعي والفعل الاجتماعي المحكوم بمشروع المستقبل، أي مشروع صنع "التاريخ الحقيقي".

لم يكن هذا المشروع معزولا عن إشكاليات التاريخ الألماني من حيث مقدماته الفكرية وإشكالاته الكبرى، وبالأخص قضية الحرية بوصفها ميدان ومحك وممر حل القضايا الكبرى بما في ذلك قضايا المعرفة والمنطق. فقد تحولت الحرية إلى محك الرؤية المنهجية وأسلوب تأسيسها. الأمر الذي جعل منها القضية المعذبة للفكر الألماني كله آنذاك. من هنا البحث الدائم والمتعمق عن ملكوتها. فقد بحث عنها هيغل في مسار الروح المطلق، والبقية الباقية من فلاسفة ألمانيا في الروح القومي، بينما بحث عنها ماركس في مسار التاريخ الواقعي وصراع الطبقات الاجتماعية. وليس مصادفة أن يلتقي هيغل وماركس في دغدغة الرؤية الأيديولوجية لمنطق البحث حتى في اشد مظاهره تجردا، من خلال الوقوع في إغواء الإرادة الحرة لقفل ما كانت تسعى لفتحه، أي كل ما نعثر عليه في تناقض حدود المنظومة وطاقة المنهج، كما هو الحال عند هيغل في هدوء جيشان العقل المطلق في الدولة الألمانية وفلسفته، واستقرار الصراع التاريخي العنيف للطبقات عند ماركس في شيوعية الدولة، أو اللادولة، ورجوع الإنسان إلى ذاته. وهي فكرة الحرية لا غير. كما أنها النغمة القائمة في كل هباء الحيرة التي يثيرها سديم المطلق حالما يقف المرء أمام تأمل تناقضاته المغرية. وليس مصادفة أن يصل التصوف بمختلف مدارسه الثقافية المتنوعة الكبرى أمام مهمة الارتماء في هدوء الحرية المغري. وليس في ذلك أثرا لإرهاق الجسد، بقدر ما في ذلك تنشيطا من نوع آخر لإدراك العجز بوصفه حرية، أي إرجاع الإنسان إلى حقيقته. من هنا جوهرية الفناء في الحق وما شابه ذلك.

غير أن هذه "النهاية" الإشكالية بالنسبة للعقل البارد والمنطق المجرد والذهنية المتفحصة (وكذلك للتجربة التاريخية الحية)، كانت بالنسبة لماركس جزء من مسار المنظومة الفلسفية الآخذة في التراكم، والمحكومة بمنطقها الذاتي. من هنا حبكتها المغرية للعقل والضمير، وبالأخص حالما أصبحت أسلوبا لتأسيس وحدتهما بمعايير العقل النظري الحر والعقل العملي السياسي الاجتماعي وليس الأخلاقي. فعندما يعمل ماركس في أول الأمر على تأسيس مواقفه الأولية من إشكالية الحرية والضرورة، فإننا نراه ينقلها من ميدان الفكرة الأخلاقية المجردة (العقلية والعقلانية) إلى ميدان النشاط الإنساني، أي إلى ميدان التاريخ بوصفه المقدمة الضرورية لبلوغ الحرية وصنع "التاريخ الحقيقي". وبالتالي فإن المهمة لا تقوم في فهم طبيعة الاغتراب (بالطريقة الهيغيلية) بل عبر توليفها بالنزعة الانتروبولوجية لفيورباخ. ومن هاتين الفكرتين والمنهجين جرى توليف الرؤية الجديدة في الموقف من الإنسان والتاريخ. بمعنى النظر إلى إشكالية الاغتراب بوصفه نتاجا تاريخيا، كما أن التاريخ يحتوي في أعماقه على إمكانية تذليل هذه الظاهرة الملازمة لجسد الإنسان عبر ارتقاءه إلى مصاف العقل، ولكن ليس عبر عملية النفي المجردة (والتاريخية) التي أسس لها هيغل، بل عبر النشاط الإنساني. بمعنى تنشيط مكونات العقل المطلق الهيغلي ولكن من خلال البحث عن أدوات تناسبه في النشاط الإنساني نفسه. فالنشاط الإنساني يصنع الاغتراب ويقضي عليه. وهي عملية كانت تحتوي بنظر ماركس منذ البدء على أبعاد تاريخية، بمعنى أنها كانت تستند إلى رؤية وقراءة تاريخية جديدة وعميقة، كما نراها في الصيغة المجردة والشكلانية القائمة في نظرته إلى مراحل الاغتراب وتذليله.

فالاغتراب بالنسبة لماركس، على خلاف هيغل وليس بالضد منه، هو ظاهرة تاريخية اجتماعية. فالاغتراب الهيغلي قوة منطقية لم تع ذاتها بعد. أنها الصيغة الأكثر ديناميكية للمقولة الكانطية عن "الشيء بذاته". أما بالنسبة لماركس فإنها تأخذ منحى جديدا تماما يمكن رؤية ملامحها في التخطيط الشكلي الصارم، الذي ميّز مواقفه ككل حتى آخر أعماله النظرية الفلسفية، والمقصود بذلك مرور الاغتراب في مراحل ثلاث هي مراحل التاريخ العالمي، بوصفها الصيغة المنطقية والأكثر تجريدا للتاريخ ككل. أما فكرة التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية اللاحقة (الخمس) فهي مجرد تدقيق وتجسيد ملموس لثلاثية النفي الكبرى.

فالاغتراب هو الصفة الجوهرية الملازمة للخضوع الفردي (الشخصي) الثقيل والمرهق بفعل سيادة نمط معين من العلاقات. وهو اغتراب أو خضوع حياتي أو اجتماعي تاريخي، عادة ما يلازم المجتمعات التقليدية ما قبل الرأسمالية. وهي مرحلته الأولى. ثم تأتي مرحلة التبادل الاجتماعي العام (الشامل)، أي المرحلة الرأسمالية بكل ما فيها. ففي هذه المرحلة تبلغ حالة الاغتراب درجتها القصوى كما هو جلي في سيادة النقد (المال). إذ تتحول كل السلطة الاجتماعية إلى نموذج لهذا الاغتراب القائم في سيطرة وسطوة المال، بحيث يحمل الإنسان في جيبه كل علاقاته بالمجتمع. ويصبح المال الشيء أو الشكل المتشيئ للاغتراب الاجتماعي، مع ما يرافقه من أشكال متنوعة للصنمية. غير أن تراكم القوى الإنسانية يؤدي إلى المرحلة الثالثة والكبرى ألا وهي مرحلة أو حالة "التملك" بوصفها الدرجة العليا التي تجعل من الإنسان مالكا لنتاج عمله، بمعنى بلوغ حالة التحرر من اغتراب نتاج العمل عن منتجه.

إن هذه الصيغة الأولية التي بلورها ماركس لنفسه في مخطوطاته الفلسفية الاقتصادية لعام 1844 كانت تحتوي على تمثل نقدي جديد للثلاثية الهيغيلية عن الفكرة ونفي الفكرة وتوليفها. ولكن عبر نقلها من تاريخ الفكرة المجردة إلى تاريخ العلاقة الإنسانية (الاقتصادية والاجتماعية). ومن الممكن رؤية هذه الثلاثية في توازي واختلاف أشكالها ومستوياتها المعرفية والمنهجية والعملية عند هيغل وماركس.  فقد مرت فكرة الحرية، على سبيل المثال، عند هيغل في دهاليز التاريخ الواقعي بالشكل الذي جعله يدلل عليها بعبارة تقول، بأن الحر في المجتمع الشرقي واحد، وفي العالم اليوناني – الروماني اثنان، وفي العالم المعاصر الجميع. أما عند ماركس، فإن الحرية تبدأ بتاريخ شيوعي بدائي حر، يتبعه تاريخ الاستغلال الطبقي (تاريخ العبودية والاغتراب) ويختمه تاريخ الشيوعية العلمية بوصفه نفيا للاستغلال والاضطهاد ومختلف أشكال الاغتراب. وإذا كانت حلقات التاريخ الكبرى المجردة عند هيغل هي تلازم التاريخ العندي والتاريخ الذاتي والتاريخ المطلق، أو الجزئي والعام والمطلق، فإنها تتخذ عند ماركس حلقات ما قبل التاريخ، والتاريخ الحالي، وما بعد التاريخ أو التاريخ الحقيقي.

غير أن هذه الثلاثية تفترق بصورة راديكالية تجاه المستقبل بوصفه مشروعا عمليا. وذلك لأنها عند هيغل هي مسار الفكرة ومنها، أما عند ماركس فإن مسارها يبدأ وينتهي بالتاريخ الطبيعي. لكنها لم تكن حتى منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر أكثر من احتمال منطقي كامن في الاجتهاد الفلسفي لماركس في موقفه من الإنسان والحرية والتاريخ. وذلك لأن اهتمامه الجوهري بقضايا "الاغتراب" و"التملك" المميزة للمخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام 1844 كان يتطابق مع اهتمامه بقضايا "جوهر الإنسان" و"جوهر التاريخ". ففي هذا العمل تظهر أولى المبادئ المنهجية في الرؤية التاريخية لماركس. إذ نراه يتكلم عن دور الممارسة والنشاط (الإنسان يبني ويهدم) ومن خلالهما يصنع التاريخ العالمي. كما أنها العملية التي تصنع بقدر واحد استقلال الإنسان واغتراب نتاج العمل أو النشاط الإنساني والتشيئ. وفي مجرى هذا السياق الجديد يأخذ ماركس بالابتعاد عن ثقل التقاليد الهيغيلية في الموقف من التاريخ، بحيث نراه يتوجه أكثر فأكثر صوب الأبعاد الإنسانية الحية فيه. وليس مصادفة أن يقول هنا بأن فكرة الروح العالمي الهيغيلية ليست أكثر من عبارة مأثورة.  وعوضا عنها أخذت تبرز بوضوح اكبر مفاهيم النشاط والعمل والتجوهر الإنساني وجوهر التاريخ والاغتراب والتموضع والتشيوء وغيرها من المفاهيم والمقولات التي ستشكل لاحقا أصالة الفلسفة الماركسية في موقفها من التاريخ. غير أن الفكرة الجوهرية الكبرى التي جرى تأسيسها الأولي هنا تقوم في إرجاع فكرة التاريخ إلى التاريخ الإنساني.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيمن التاريخ المجرد الى التاريخ الواقعي

لقد سار ماركس من حيث الجوهر بخطى الذهنية الهيغيلية ومشروعها الكوني، ولكن من خلال نقلهما إلى ميدان التاريخ الواقعي. وسوف تحصل هذه المهمة على صيغتها الشهيرة في العبارة القائلة، بان ماركس "أوقف الديالكتيك الهيغلي على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه". وقد كانت ملامحها الأولى تجري من خلال الرجوع إلى ما في هيغل من تلازم خاص بين المنهج والمنظومة. فقد كان هذا التلازم يحتوي على إغراء يؤسر العقل والوجدان. بل يصعب الفرار منه حالما يقف المرء ضمن دائرته الحية، تماما كما لا يمكن للمرء الإفلات من منطق ابن عربي حالما يدخل ضمن صيرورة رؤيته لإشكاليات الوجود والروح والمعرفة. والسبب يكمن في حبكة الرؤية وطابعها المنظومي الدقيق وتجانس مكوناتها القادرة على أن تجعل من اشد المساعي راديكالية جزء معقولا في منظومة العقل الكوني. 

فقد تأثر الجميع آنذاك بهيغل وتحول إلى مصدر الحركات الفلسفية المتنوعة والمختلفة والمتصارعة في تمثيلها وتمثلها للرؤية الهيغيلية. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى ماركس بوصفه واحدا من أولئك الشباب الذين اكتووا بنار المنطق الهيغلي. من هنا تمازج وتداخل الرؤية النقدية وفكرة الروح الكوني، أي تلك التي ظهرت أولا الأمر في تمثل المنهج الهيغلي ونزوعه النقدي الحاد تجاه مختلف تيارات اليسار واليمين (الهيغلي)، كما هو جلي في نقده "للعائلة المقدسة" و"الأيديولوجية" الألمانية، أي لكل ذلك الرعيل الهيغلي الأول الذي ترعرع  ماركس نفسه بين صفوفه، ولاحقا في فكرة الأممية (البروليتارية)، بوصفها الذروة التي يبلغها "العقل التاريخي" في تتبع قوانينه المادية. وكلاهما كانا يكمنان في الروح والمنطق الهيغلي. وليس مصادفة أن يكون كل تلامذة هيغل، بما في ذلك ماركس، شديدي الولع بقضايا التاريخ بشكل عام وتاريخ الدين والمجتمع بشكل خاص. وكلاهما وجهان لعملية وعي الذات، التي حوّرها ماركس لاحقا وأنزلها من علياء الروح المطلق وملكوت الحرية، إلى واقع الحياة الخشنة وتاريخها المتلوي بين قبضات وتشنجات وآلام الصراع الطبقي من اجل بلوغ الحرية الاجتماعية الفعلية. وليس مصادفة أيضا أن ينحصر اهتمام ماركس بقضايا الدين والتاريخ في مجرى صيرورته الفكرية الأولى، كما نراه في نقده للمسألة العبرية (اليهودية). فقد كانت تلك مجرد الصيغة النقدية الأولية للمشاركة الفكرية في نقد الدين وتدقيق الرؤية التاريخية المميزة "لليسار الهيغلي" (برونو باور ومجموعته) والهيغيليون الوسط (دافيد شتراوس) في أبحاثهم الفلسفية بهذا الصدد.

غير أن المسار الخاص لماركس بهذا الصدد يقوم في توجيهه تلازم الذهنية الهيغيلية والمشروع الكوني في مجرى صيرورته الفكرية والروحية صوب ما يمكن دعوته بالتاريخ الفعلي، أي صيرورة العقل النظري والعملي ووحدتهما في نظريته الاشتراكية والشيوعية. وسوف يدفع هذا الانقلاب ماركس لاحقا صوب الفناء التام في هموم المستقبل، أي "التاريخ الحقيقي". وليس هذا بدوره سوى الصيغة اللامعة أو الفلسفية المجردة للرؤية النقدية تجاه الحاضر.

لكن الرؤية النقدية لماركس لم تقف عند حدود التأملات الفلسفية الأولى للفكر والواقع كما نعثر على صداها في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام1844)، بل وبتعميقها اللاحق صوب تأسيس منظومة الرؤية الفلسفية للتاريخ العالمي. وقد أحكم ماركس هذا التوجه واستحكم به بقدر واحد حالما أصبح تاريخ التطور الاجتماعي والاقتصادي ميدان وموضوع فلسفة التاريخ العالمي، أي كل ما سنعثر عليه في إعادة ماركس وتجديده وتجسيده في منظومة فكرية لما أسميته بتلازم المنهج والمنظومة المميز للفلسفة الهيغيلية ولكن من خلال البحث عنه في "منطق" التاريخ الواقعي بوصفه تاريخا عالميا. ولم يكن هذا في الواقع سوى الصيغة الأخرى المكلمة وليست المقلوبة لمنطق هيغل التاريخي، أي لمنطق التاريخ العالمي.

فالتاريخ بالنسبة لماركس، كما هو الحال بالنسبة لهيغل، تاريخ كلي واحد (عالمي). إنه ليس مجموعة تواريخ متنوعة مختلفة متفرقة جزئية (تاريخ فن وفلسفة وأدب وسياسية وملوك أمراء ودول وأمم وما شابه ذلك)، بل تاريخ واحد هو تاريخ الإنسان والطبيعة. وهي البذرة التي ستتفرع لاحقا في ثمار التاريخ الواقعي بمختلف أشكاله ومستوياته. فإذا كان التاريخ الروحي لهيغل هو التاريخ المتجرد والمرفوع إلى صراط الفكرة المنطقية، فإن ماركس يضيف إليه الخط الموازي، أي التاريخ الفعلي. وليس هناك من تاريخ فعلي خارج إطار العلاقات الاجتماعية الاقتصادية[1].

لكنها موازاة لا تحاذي المنطق الهيغيلي تجاه التاريخ إلا فيما يتعلق ببنية المنهج المجردة وفعالية المقولات في كيفية كشفها لديناميكية الحركة الفعلية للتاريخ الواقعي. وهو انقلاب كبير في منظومة الرؤية والمفاهيم، وبالتالي في الاستعداد الذاتي للعمل والنشاط السياسي. بعبارة أخرى، إن هذه الموازاة الجديدة في الرؤية المنطقية للتاريخ كانت تحتوي على انقلاب تاريخي في المفاهيم والقيم والوسائل والغايات. ومنها كانت تتراكم نوعية الانفصال بين المنهج الهيغلي والماركسي في الموقف من التاريخ. وضمن هذا السياق يمكننا القول، بأن ماركس يعيد في فلسفته التاريخية إنتاج الموقف الهيغلي من التاريخ، بما في ذلك من خلال تعميق وتدقيق الرؤية المنطقية للمفاهيم والمقولات. بمعنى انه يتتبع حيوية المنهج الهيغلي في الديالكتيك، ولكن من خلال نقلها من عالم الفكر المجرد والمسار المنطقي للتاريخ الواقعي إلى ميدان التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي، أي إلى ميدان التاريخ الفعلي المباشر.

فعندما يقول ماركس بأنه عمل من اجل وضع الديالكتيك الهيغلي على قديمه بعد أن كان يقف على رأسه، فانه لم يقصد بذلك سوى مهمة تفعيله من خلال إعادة النظر في "ثلاثية" الديالكتيك الهيغلي، أي ليس فكرة – واقع – فكرة، بل واقع – فكرة – واقع. وهو انقلاب هائل في الرؤية المنهجية للتاريخ مع ما يترتب عليه من تغير جوهري في المواقف العملية. إذ لم يعن منهج ماركس في ثلاثية الواقع – الفكرة – الواقع، سوى الاستيعاب العملي لحقيقة المنطق الهيغلي. أو على الأقل انه لا يخرج عنه فيما يتعلق بإدراك قيمة الفكرة بوصفها منطقا، والمنطق بوصفه فكرة بالمعنى الذي بلورته تقاليد الرؤية الفلسفية منذ أفلاطون.

إن محاولة ماركس قلب الديالكتيك الهيغلي كانت ترمي أولا وقبل كل شيء إلى إعادة النظر بالتاريخ الواقعي. فهي النتيجة الكامنة في مجرى الاقتراب من حيثيات هذا التحول بما في ذلك في مجال المنطق. فإذا كان المنطق عند هيغل هو الذي يحدد أنموذج التاريخ أي مساره وفعله من خلال الطبيعة، وأن الطبيعة مجرد ميدان انفتاح وتناثر وتراكم وتنظيم الفكرة من جديد، فإن الطبيعة بالنسبة لماركس كانت اكبر بما لا يقاس من أن يجري حصرها بالصيغة الهيغيلية. إن الطبيعة ليس صورة خلفية للتاريخ، وليست ميدانا له فحسب، بل ومصدره الذي أنتج نماذج الفعل (الأفعال) التاريخية.

لقد كان هيغل يشعر بالقرف من "المثالية العندية" (الذاتية) التي تتعامل مع الفكرة كما لو أنها شياطين الغواية، أو أحلام الرحمة المبسوطة في خيال المؤمنين عن ملائكة الرب. فالفكرة لا توجد فقط في رؤؤس الناس. إن للفكرة تاريخها الخاص واستقلالها النسبي والمطلق في السير داخل الرأس وخارجه، أي في المنطق والتاريخ الفعلي. أنها توجد في الطبيعة والتاريخ. غير أن هيغل أراد بناء منظومة تاريخية محكومة في تطورها بمنطق مجرد ومتسام عن "الطبيعة". وبالتالي فإن الحتمية فيه محكومة بقوة الضرورة المنطقية. بينما سيرجعها ماركس إلى حالة الطبيعة. وهي حالة لم تكن فيما يبدو معزولة عن نفسية وذهنية ماركس المهمومة بالطبيعة بمعناها الواسع، والتي نعثر عليها في أول أعماله التجريبية الفلسفية، كما هو جلي في أطروحته عن (الفلسفة الطبيعية في الفلسفة الإغريقية) حتى آخر عباراته البلاغية المتعلقة بالحالة الاجتماعية المنبسطة لمزاج الروح والجسد في ملكوت الشيوعية! فقد أراد هيغل رؤية التاريخ الحقيقي(المنطقي) بوصفه مسارا طبيعيا، بينما أراد ماركس صنعه. من هنا كانت محاولات هيغل تصب ضمن التيار القائل بضرورة تحرير الرؤية الفلسفية للتاريخ من ولع الاستنتاجات السريعة للعلوم الطبيعية، بينما سعى ماركس بالعكس تماما، بحيث تتحول كل ما تتوصل إليه العلوم (التجريبية والنظرية) إلى مكونات جوهرية في الرؤية الفلسفية للتاريخ، سواء كان الأمر يتعلق برؤية أصول الأنواع لدارون أو الاكتشافات الأولية لعلوم الفيزياء والكيمياء والانتروبولوجيا لكي تكون مفاصلا في رؤية "تحول القرد إلى إنسان" و"ديالكتيك الطبيعة" و"أصل العائلة" والطبقات والدولة والمجتمع وظهور الأفكار والعقائد والقيم والمفاهيم والفن والجمال، باختصار كل شيء. ويعكس هذا الاختلاف في الأغلب كمية الرؤية وطابعها الحسي الطبيعي، أكثر مما يمّس الأنساق العميقة للمنطق المجرد كما وضعه هيغل. "فالرأسمالية" على سبيل المثال عند ماركس و"البروتستانتية" عند رانكه (ولاحقا عند ماكس فيبر) هي "أفكار" بالمعنى الهيغلي و"مقولات" بالمعنى الكانطي. لكنها ستتخذ عند ماركس لاحقا هيئة "الشكل" و"التشكيلة"، التي يصنعها البشر وتصنعهم. وتعكس هذه الصيغة في الوقع نفس عملية النفي والتوليف المميزة للمنطق الهيغلي، بمعنى أن الانتقال من حالة إلى أخرى هي مجرد سلسلة مترابطة ومظاهر متنوعة للارتقاء والتقدم نفسه. وهذه بدورها ليست معزولة عن تلك العناصر الجوهرية في الوعي التاريخي الأوربي (فكرة التقدم والارتقاء) التي أخذت تشق لنفسها الطريق إلى خلايا الوعي النقدي والرؤية العملية كما سنعثر على أحد نماذجها الراديكالية الكبرى عند ماركس.

انطلق هيغل من أن بنية التاريخ تتراكم من خلال الأفعال بوصفها تمظهرا للفكر والتفكر. وبما أن للفكر حدوده من حيث كونه بنية منطقية، كذلك للتاريخ بنيته الداخلية من حيث كونه شروط ومقدمات. ومنهما يتبلور "القانون" وفكرة القانونية. ولا مجال لفعل هذه الفكرة - القانون غير الطبيعة. غير أن ما يحددها هو الفكرة ذاتها. من هنا يصبح المنطق مفتاح الرؤية التاريخية، أي فهم التاريخ. طبعا أن ذلك لا يعني بأن هيغل لم يكن يعرف الفرق الهائل بين المنطق المجرد للعقل المطلق ومنطق التاريخ الواقعي. لاسيما وان الأخير هو نتاج الفعل الإنساني المحكوم بفكرة (ولتكن غير منطقية) لكنها تخدم مسار المنطق. أما ماركس فقد حاول الجمع بين مادية القرن الثامن عشر الطبيعية (كل شيء له أصل طبيعي) وديالكتيك هيغل. من هنا ظهور وتبلور وتدقيق وتجسيد "المادية الديالكتيكية" في موقفها من التاريخ التي ستحصل لاحقا على مفهوم "الفهم المادي للتاريخ"، أي "الفهم المادي الديالكتيكي للتاريخ". وهي الذروة التي بلغها ماركس في "قراءته" للتاريخ، أي في تأسيسه لفلسفته التاريخية، بوصفها فلسفة عامة كونية جامعة شاملة بالمعنى الذي بلورته تقاليد المدرسة الألمانية (التاريخية والفلسفية). لكنها وحدة محكومة ليس بمعايير الجزئية المفرطة في تضخيم مكوناتها، بل بمعايير الواحدية المنهجية المهمومة بقضايا البديل الفعلي الشامل للوجود الإنساني.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] هل هي الحصيلة الحية لتطور الواقع والنظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي جعلت منه الرأسمالية قضية جلية؟ ليس بالضرورة. وذلك لأن هيمنة فكرة التاريخ الروحي كانت وما زالت وسوف تبقى إحدى أهم النماذج العميقة للرؤية التاريخية، أي للرؤية التي تسعى لإنارة العقل الإنساني بالتاريخ دون أن تجعل من الإنسان الفرد والجماعة والأمة حكما مطلقا وأداة حاسمة باردة القلب في قلبه والتحكم به بالطريقة التي يرغب بها ويشاء. وفي كل الأحوال فإننا نقف هنا أمام معضلة منطقية عصية على الحل، كما أنها اشد تعقيدا في ميدان العمل. والشيء الجميل الوحيد فيها كونها حلقة من حلقات المغامرات الكبرى للتاريخ العالمي. إضافة لذلك أن ما قال به ماركس عن ماهية التاريخ الفعلي، بما في ذلك في أرقى درجات تطوره المعرفي ليس جديدا، وذلك لأننا نعثر عليه عند ابن خلدون. والفرق بينهما يقوم في تناسق الرؤية المنهجية عند ماركس وتوسع الرؤية المنهجية عند ابن خلدون. لقد أراد ابن خلدون تفسير التاريخ باعتبارها المهمة الضرورية لتغيير الواقع، بينما أراد ماركس تغيير الواقع بوصفها الصيغة "الإنسانية" الحقيقة لفهمه.

 

 

ميثم الجنابيتقديم: إن هذه السلسلة من المقالات هي استكمال لما سبق وأن وضعته في سلسلة المقالات المنشورة على صفحات (المثقف) تحت عنوان (ما بين هيغل وماركس: إشكاليات التاريخ ويقين المستقبل). وهي ليست دراسة مقارنة، بقدر ما هي رؤية فلسفية لمسار الفكرة التاريخية عد هيغل وماركس وأثرها في بلورة الفكرة السياسية. وإذا كانت ملامحها تبدو عصية على الفهم للوهلة الأولى عند هيغل، فإنها اتخذت عند ماركس أبعادها العملية الواضحة والجلية. بحيث جرى مطابق الماركسية مع الفكرة السياسية، مع ما ترتب عليه من ابتذالها الأيديولوجي.

***

لقد كان تفكير ماركس ونمو رؤيته الذاتية عن النفس والتاريخ والمستقبل جزء من عراك الروح والجسد الأوربي بشكل عام والألماني بشكل خاص. ومن ثم، فإنه كان يحتوي، شأن أسلافه الكبار بدأ من شيلنغ وانتهاء بفيورباخ، مرروا بكانط وفيخته وهيغل، على محاولة تذليل التجزئة والصراع الحاد والدامي بين الجسد الألماني والروح الأوربي، أي كل ما سينتهي بصيغته الفكرية في بلورة ملامح ومنهج الماركسية وفلسفتها العملية. وليس مصادفة أن تكون إشكالية الدين من بين أكثرها جوهرية في البداية، وإشكالية التاريخ من بين أكثرها جوهرية في النهاية. وفيهما تنعكس الصيغة النموذجية للبحث عن حلول فكرية لوحدة الروح (الدين) والجسد (التاريخ). وكلاهما كان يتمثلان تاريخ المعاناة الذاتية لألمانيا.

فقد كانت ألمانيا مصدر ومرتع وميدان الإصلاح الديني (البروتستانتية). مع ما أدى إليه من ظهور الرؤية الفلسفية للدين كما هو جلي في كتابات غيس، وهيردر، وباولوس، وشليرماخر، وغازه، وانعكاسها النظري الكبير في فلسفة هيغل عن الدين، ثم مناقشتها ونقدها الفكري الواسع في كتابات روغه، وفيورباخ، ودافيد شتراوس، وبرونو باور، وماركس. الأمر الذي جعل من ألمانيا ميدانا بل مختبرا هائلا لتصنيع ونقد الأفكار الدينية والتاريخية.

فالتقاليد الألمانية هي الأولى والأكبر من بين نظيراتها الأوربية في مجال دراسة ونقد الدين. وفيها أيضا جرى تذليل تقاليد نقد الدين المتراكمة في الفكر الأوربي. فإذا كانت التقاليد الفرنسية على سبيل المثال تركز بشكل خاص على نقد الدين من خلال نقد الذهنية، أي عبر إبراز فاعلية الجهل في ظهور الدين والعقائد الدينية كما هو الحال عند ديدرو وفولتير وغولباخ وغيرهم، فإن التقاليد الانجليزية ركزت على الأبعاد السياسية ورؤية المصالح في نقد الدين. وقد تكون الفكرة التي بلورها المؤرخ الانجليزي الشهير ادوارد غيبون، القائل، بأن عوام العالم القديم (اليونان والرومان) جميعا كانوا يعتقدون بصحة وسلامة اعتقاداتهم وعباداتهم (طقوسهم)، بينما كان الفلاسفة جميعا يعتقدون ببطلانها، أما أهل السلطة فكانوا جميعا يعتقدون "بفائدتها"، إحدى الصيغ النموذجية في الموقف من الدين. طبعا أنها لا تستنفذ التقاليد الانجليزية بسبب تنوعها الكبير والهائل بهذا الصدد لكنها مؤشر عن احد النماذج النظرية "المرجعية" في الموقف من الدين.

أما التقاليد الألمانية فقد رفعت مختلف نماذج ومستويات الموقف من الدين إلى مصاف الرؤية الفلسفية المنهجية. من هنا لم يكن بإمكان أي فيلسوف أو متمرس في ميدان الفكر النظري المرور شأن عابري السبيل على ما في التقاليد الألمانية من لهيب حار لصقل إرادة العقل والمعرفة والوجدان في الموقف من الدين.

كان الصراع في ألمانيا حول الدين هو الوجه "المتسامي" للصراع الأرضي. وليس مصادفة أن تظهر فيها اغلب المدارس الفلسفية التاريخية الحديثة. الأمر الذي جعل من ألمانيا أيضا مصدرا ومرتعا وميدانا للتأمل الفلسفي للتاريخ بشقيه العام (العالمي) والخاص (القومي)، ومستوييه المجرد (فلسفة التاريخ) والملموس (القومي). وفيها ظهرت أكبر تقاليد المدارس التاريخية من حيث الرؤية ومستوى وتنوع التحليل والمناهج. وهذا بدوره ليس إلا الوجه النظري و"المتسامي" لما يمكن دعوته بتاريخ الأمة المعذبة بقدرتها الجبارة وشللها الجزئي بسبب التجزئة السياسية للدولة.

ومن الممكن العثور على هذه الحالة في تلك القوة العارمة المميزة للخطاب الألماني المتنوع المستويات منذ فيخته حتى نيتشه، مرورا بكانط وشيلنغ وهيغل وفيورباخ وماركس، والمتلألئ في إبداع عشرات الأدباء والشعراء الكبار من هيردر إلى غوته، وفي الموسيقى من بتهوفن إلى فاغنر. وهو تنوع يعبر عن الصيغة الوجدانية العارمة لسيول الروح المعذبة من فقدان ألمانيا لوحدتها القومية وعزتها الذاتية. من هنا سيادة وانتشار فكرة العام، إي الفكرة المنطقية في تناول التاريخ. ومن هنا أيضا فكرة العقل المطلق والتاريخ العالمي والأممية البروليتارية وغيرها. فهي صيغ متنوعة للرؤية التاريخية الألمانية، أي الصيغ المتسامية للواقع الخشن الذي أراد بيسمارك أن يصنع منه بروسيا الكبرى، وهتلر الرايخ الثالث! ولكل حالة جبروتها ومثالبها الكبرى.

بعبارة أخرى، لقد كانت النزعة التاريخية والاهتمام الشديد بها يقفان وراء "العنف الألماني" في الموقف من التاريخ والدين أيضا. فكلاهما في الفكر الألماني يتداخلان في لضم خيوط النسيج المرهف لصناعة "العقائد المتسامية". وهو المصطلح الذي يمكن العثور على تنويعاته العديدة ومذاقه بما في ذلك في خطاب ماركس أيضا، وبالأخص في تلك الحالات التي يصبح الجدل حراكا وعراكا مع النفس أولا وقبل كل شيء. ولعل شخصية ماركس التاريخية هي أحد النماذج المثالية بهذا الصدد. 

فقد كان الحراك والعراك الشخصي مع النفس عند ماركس جزء من صيرورته الفردية. وبالقدر ذاته كان النسق الفكري لكينونته العقلية والمنهجية والعملية. وكلاهما (الصيرورة والكينونة) كانا يتهذبان في مجرى الفورة الفلسفية الهائلة التي أحدثها هيغل في الوعي الألماني بشكل عام ومنطق التفسير والتأويل الفلسفي للوجود والفكر بشكل خاص. وفيما لو أهملنا صيرورته الفردية باعتبارها جزء مما يواجهه المرء في أطوار الوجود التاريخي لمسار الشخصية أيا كان وزنها وحجمها، شأن كل موجود، فإن كينونته الفكرية تتمثل تقاليد المنطق الجديد الذي أدخلته الفلسفة الألمانية للوعي من جهة، وكيفية انكساره فيما أسميته بالكينونة العقلية والمنهجية والعملية لماركس من جهة أخرى. بمعنى كيفية تبلور رؤيته الفلسفية اللاحقة في مجرى المعاناة الشاقة لمواجهة تاريخ الفكر والواقع على أنهما وحدة واحدة. وهو انكسار واضح وجلي ودرامي أيضا يمكننا العثور عليه في تلك التحولات العاصفة والراديكالية السريعة التي اجتازها في غضون ثلاث سنوات (من عام 1841 حتى 1844) كما تجتاز الأمم زمن الثورات في غضون فترة وجيزة (كما سيقول ماركس نفسه) ما تجتازه في مجرى قرون من الزمن. ولم تكن هذه الفكرة نتاجا لتأمل حالة التحولات الكبرى التي كشفت عنها سلسلة الثورات المتكررة في أوربا القرن التاسع عشر، والتي أغرته لاحقا بابتداع يقين الثورة العالمية وديمومتها الأبدية ما لم تبلغ البشرية شاطئ الأمان التام بعد مرورها بعواصف التاريخ المزيف للملكية الخاصة، بقدر ما كانت تكمن في أثر المنطق الهيغلي نفسه، الذي كان يحتمل في ذاته إمكانية تذليل زمن التأمل البطيء بتاريخ التحولات الكبرى العاصفة. الأمر الذي جعل من الفكرة الهيغيلية عند ماركس منذ البداية وحتى النهاية، سلاحا عقليا حادا، ومنهجيا عقليا ونقديا ونظريا وعمليا. وهو شيء جلي حالما يجري استعراض أسماء كتبه الأولية، أي تلك التي ميزت مرحلة الانتقاد العاصف والنزوع النقدي، مثل (نقد النقد النقدي) و(الأيديولوجية الألمانية) و(فلسفة البؤس) وغيرها واستمرت حتى أواخر مراحل نضوجه الفكري واستقلاله الفلسفي، كما هو الحال في (نقد الاقتصاد السياسي)، أي تلك العناوين والمضامين النقدية العنيفة من حيث الشكل والمحتوى. وهذه بدورها لم تكن في الواقع سوى الوجه النظري الخارجي عن طبيعة التحول العاصف في الرؤية العقلية والمنهجية لماركس نفسه.

فقد جرى عراكه الأول بهذا الصدد من خلال الانتقال السريع إلى الهيغيلية، أي الابتعاد عن الغوص في عوالم الإغريق القدماء وتأملاتهم الفلسفية إلى هيغل، ومن خلاله إلى الغلوّ فيه ثم الابتعاد أو الانفصال عنه، أي الانتقال إلى "الهيغليين اليساريين" ومنه إلى نقدهم عبر الرؤية الفيورباخية وتأملاتها الانتروبولوجية. وفي مجرى نفيهما العقلي أخذت بالبروز ملامح ماركس الأولية ونزوعه النقدي للتراث الهيغلي "اليساري" و"اليميني"، أي الانتقال صوب التأويل السياسي الدائر حول إشكاليات الدين. فهي الإشكالية التي بلغت ذروتها في النقد الفيورباخي لهيغل. لكنه سرعان ما جرى تذليلها من خلال دفع الفكرة الهيغيلية والنقد الفيورباخي صوب الأبعاد العملية القصوى. وقد جرت هذه العملية في غضون سنوات سبع (1841-1848) عكست كمية ونوعية الانتقال الحاسم من مختلف اجتهادات الفكر النظري السياسي الليبرالي واليساري إلى مواقع الشيوعية. وهو انتقال تراكمت فيه وتداخلت الصيغة الجديدة لوحدة العقل النظري والعملي باتجاه يختلف اختلافا جذريا عن تقاليد الفلسفة الألمانية السابقة.

فقد كان الفلاسفة الألمان الكبار بدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ عادة ما يبدءون بنقد الفكر والواقع وينتهون بالانزواء في منظومة الفكر المجرد. وهو عالم مغر وثري ويحمل بقدر واحد سعادة الاندهاش وحزن الحكمة. وليس مصادفة أن يقول كانط في احد آخر وأكبر أعماله النظرية (نقد العقل العملي) من أن هناك شيئين فقط يملأن قلبه بالسعادة والحبور، ألا وهما نجوم السماء الساطعة من فوقه، والقانون الأخلاقي في أعماقه. وتحتوي هذه العبارة بقدر واحد على التأمل الحزين للحكمة والاندهاش بتأمل الكون. ومات منزويا. ومن الممكن رؤية هذه الخاتمة على مثال حياة هيغل وشيلنغ وفيورباخ، كل بطريقته الخاصة. وإذا كان من الممكن العثور في عبارة كانط ونماذجها اللاحقة عن غياب الأحبة والأصدقاء، فإن حقيقتها تقوم في فناء كل شيء وبقاء معالم الروح بوصفها القوة الوحيدة الحية الباقية في الظاهر والباطن. وذلك لأنها تعبّر عن إحدى حقائق الكون الاجتماعي التاريخي الكبرى للإنسان والقائلة، بأن الأشباح سرعان ما تزول وتندثر ويبقى روح المعاناة وقدرته على التجدد في التاريخ. وسواء أدرك ماركس منذ وقت ومبكر هذه الحقيقة أم لا فأنه سار باتجاه آخر. بمعنى الإبقاء على مكنون التجربة الألمانية الفلسفية ولكن من خلال إدراجها في مهمة الفعل الاجتماعي وفلسفة التغيير، أي كل ما كوّن عنده لاحقا مضمون فلسفة التاريخ.

لقد تراكمت الفكرة التاريخية عند ماركس من خلال نفي الرؤية النقدية العقلانية بمعايير الهيغيلية "المثالية"، ثم اليسارية ثم الفيورباخية ثم الاستقلال الذاتي. وفي ميدان الأيديولوجية والفكر السياسي من الراديكالية النقدية إلى الاشتراكية الحالمة (الطوباوية) وعبرها إلى الاشتراكية الديمقراطية ثم الشيوعية. ذلك يعني، إننا نقف أمام سبعة تحولات كبرى في حياة وشخصية ماركس الفكرية والسياسية، بوصفها حلقات تجربته النقدية الحرة واجتهاده النظري. وفيها ومن خلالها تبلورت "الماركسية" في فلسفة الفكرة الكونية العملية، وليس فلسفة الروح الكوني. بمعنى تلازم وتوازي التجربة الفكرية النظرية الشخصية والالتزام العملي بنتائجها السياسية. ومن تفاعل هذين المكونين ظهرت ملامح الكينونة العملية للماركسية، أي الانتقال من الفكرة المنطقية المجردة إلى عالم التاريخ الواقعي والملموس.

فإذا كانت فلسفة التاريخ الهيغيلية هي فلسفة الروح من خلال تتبع تاريخها المنطقي، فإن الانقلاب الذي أحدثه ماركس بهذا الصدد، على الأقل في ملامحه الأولية آنذاك، كان يقوم في الخروج المتدرج من ثقل الكينونة الهيغيلية القابعة في أعمق أعماق ذهنيته الفلسفية. وليس مصادفة أن تتفرع من الرأس الهيغلي هذه الكمية المتناثرة من الرؤؤس الطائشة والراديكالية والثورية، أي تلك الكمية التي تبدو مظاهرها نقيضا حيا لما في الهيغيلية من رزانة يصعب على هؤلاء الشباب حمل وزر أثقالها دون أنين العقل والوجدان. ومن الممكن رؤية هذه الصورة الرمزية في تلك الحماسة المفرطة للنزعة النقدية التي أوقفت ماركس بعد سنوات قليلة لتأمل ما فيها من غرور وإجحاف للعقل نفسه. فقد أدى هذا الإفراط النقدي إلى بلورة سفسطة العقل والوجدان وابتذالهما لحقيقة الهيغيلية من خلال الولع بالعيش والبذخ على ما فيها من وليمة مجانية. (يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

 

ميثم الجنابيالأبعاد السياسية في فلسفة التاريخ الهيغلية

وضع هيغل الحصيلة العامة لفلسفته عن التاريخ ومساره العام، وفكرة الدولة، والحرية، ومختلف القضايا المتعلقة بالثقافة، أي كل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالفكرة السياسية، في استنتاجه المكثف بعد استعراضه مفاصل "التاريخ العالمي" للأمم والشعوب من "البداية" حتى الدولة الألمانية الواقعية والمنشودة بالشكل التالي: "لقد قدمنا أعلاه توضيحات بشأن الهدف النهائي لهذه الحركة السائرة إلى الأمام. وإن مبادئ أرواح الشعوب في الاستخلاف الضروري لما قبلها هو بحد ذاته ليس إلا لحظات من الروح العالمي العام، الذي يرتقي من خلالها ويبلغ ذروة إدراكه الذاتي في التاريخ بحيث يصبح روحا شاملا. وبما إننا نتعامل أساسا مع فكرة الروح وننظر إلى كل شيء في تاريخ العالم على انه تعبيرا عنه، لهذا فإننا حتى حالما نستعرض الماضي أيا كانت عظمته، فإننا في الواقع لا نتعامل إلا مع الحاضر. وذلك لأن تعامل الفلسفة مع الحقيقة يعنى تعاملها مع ما هو خالد. إذ لا يضيع ماضي بالنسبة لمن يطلبه، وذلك لأن الروح خالد لا يموت، أي لم يكف عن الوجود، كما لا يعني انه ليس موجودا بعد، بينما في حقيقته هو وجود حالي. ذلك يعني، إن الشكل الحالي للروح يحتوي في ذاته على كل المراحل السابقة. ولا يغير من ذلك شيئا أن يكون لجميع هذه المراحل استقلاليتها الخاصة، بينما الروح في ذاته هو على الدوام على ما هو عليه. والفرق بينهما يقوم في تطور هذا الوجود في ذاته. إن حياة الروح الحقيقية هي دورة من المراحل التي هي موجودة إلى جانب بعضها البعض من جهة، وفي الوقت نفسه هي شيء ما ماض وعابر، من جهة أخرى. فهي اللحظات التي تركها الروح على ما يبدو خلفه لكنها ظلت فيه وفي أعماقه الحقيقية".

إن المبادئ أو الحصيلة الجوهرية التي توصل إليها هيغل يمكن اختصارها بما يلي:

- إن تاريخ الشعوب أو أراوحها (الجزئية) هي مجرد لحظات في تاريخ الروح العام.

- وإن تكامل الروح العام يجري من خلال تكامل الأرواح الجزئية، ومن ثم فإن لكل منه أهميته ودوره وأثره في تاريخ الروح العام، ومن ثم في التاريخ العالمي.

- وإن الماضي بكل ما فيه هو حاضر.

- وإن منهج الرؤية الفلسفية يستلزم النظر إلى ما هو خالد فقط، أي إلى ما هو حقيقي. ولا حقيقة في التاريخ سوى مسار الروح المطلق، وما عداه مجرد أشكال وصور ولحظات عابرة في مسيره العام.

- وإن الروح في مساره وفعله وآثاره ونتائجه حي فاعل دائم وملازم لكل وجود آني حالي.

- وإن وحدة الماضي والحاضر هي لحظات ومراحل منفية في مسارها العام. ومن ثم فإن التاريخ هو نفي دائم لما فيه، بمعنى انه تمّثل لتجارب الماضي بوصفها تجليات للعقل والروح المطلق.

نقف هنا أمام رؤية فلسفية عميقة ومنطقية تتسم بقدر متناسب من التجريد والواقعية. غير أن هذه الواقعية عادة ما تكون ذيل أو حالة محشورة في المنظومة العامة، وتستجيب لمنهجه في التفسير والتأويل والرؤية. ولعل الصيغة العامة التي قال بها عن أن من ينظر إلى العالم نظرة عقلانية، فإن العالم بدوره يتخذ بالنسبة له طابعا عقليا هي احد النماذج التي تكشف عن تعايش وتضاد ما اسميته بالأبعاد المجردة والواقعية وتناسيهما في تفسيره وتأويله للتاريخ. وفي هذا التناسب الذي يجمع بين الرؤية المنطقية العميقة وتشويه التفسير الواقعي تكمن ما ادعوه باحتواء فلسفته للتاريخ على قدر واحد من النزوع المنطقي والعندي.

فالأبعاد المنطقية في فلسفة هيغل التاريخية تتغلغل في كل مسامات ما كتبه عن جسد التاريخ وروحه. وهي الأبعاد الأكثر جوهرية في إبداعه النظري، التي جعلت من فلسفته نموذجا حيا وكبيرا للرؤية العقلية والعقلانية عن التاريخ. بمعنى إنها تحتوي على الصيغة التي يصعب إدراجها ضمن سياق الرؤية الأيديولوجية وابتذالها السياسي. لكن التفسير الذي قدمه عن التاريخ الواقعي عادة ما يقع في تناقض مع الأبعاد المنطقية في فلسفته. والسبب هو أن هيغل يقوم في لوي وكسر الصيغة المنطقية التي يمثلها منهجه الفلسفي بالشكل الذي يجعله مقبولا للوعي السياسي الألماني بسبب الفقد الفعلي لما أراد هيغل بلورته على انه تجريد متسام وواقعي للحقيقة التاريخية بوصفه تحقيقا للعقل والروح المطلق. ولعل موقفه من الدولة والحرية والثقافة والدين احد الأمثلة على ذلك.

إذ لم تكن نظريته عن فكرة الحرية في الواقع سوى الحصيلة العقلية والأخلاقية للهيغلية نفسها في تأمل مجرى التطور السياسي والحقوقي الأوربي ما بعد الثورة الفرنسية. بينما يمثل المسار المحتمل والضروري للروح بالمعنى الهيغلي الوحدة، التي تشكل الحرية إحدى أدواتها. والشيئ نفسه يمكن قوله على سبيل المثال في موقفه من الدين. فاعتقاد هيغل بأنه لابد للوعي أن يدرك بأن الدين هو بؤرة ومركز هذا الوعي، وأن الدين هو "المجال الذي تقدم فيه الأمة لنفسها تعريفا لما تعتقده انه الحقيقي" لا يستقيم مع المعنى والمضمون العقلي والعقلاني لمسار الروح وكون العقل هو الذي يحكم التاريخ. فالدين ليس عقلا منطقيا بل مزيج من الوجدان والإيمان. والمقارنات التي يقدمها هيغل عن النصرانية وغيرها من الأديان لا تصب ضمن المنطق المجرد، ولاسيما وانه يشير إلى انه في الدين تنعكس حقيقة الأمم وتجارب وعيها الذاتي. لكن النقص الأكثر جوهرية هنا يقوم في أن فلسفة هيغل تحتوي على إمكانية الاحتمال العقلاني من حيث الصيغة المنهجية القائمة في مسار العقل والروح المطلق في التاريخ، إلا أن تفسيرها لمسار التاريخ الواقعي والفعلي يجعل منه العوبة بيد العقل والروح المطلق. كما يمكننا العثور في فلسفة التاريخ عند هيغل على أحد النماذج الفلسفية العميقة والمتفائلة بالمستقبل، لكنها تتخذ في صيغتها التطبيقية هيئة الصيغة العقلانية للفكرة الدينية عن "الإرادة الالهية" الفاعلة من خلال مخلوقاته، أو ما وضعته التقاليد الإسلامية اللاهوتية في عبارة "سنّة الله في الوجود" التي وضعها في حياة الموجودات ونوعية فعلها الذاتي.

أما الأبعاد العندية في فلسفة التاريخ عند هيغل فتقوم في قاعها التأسيسي. إذ نعثر عليه أولا وقبل كل شيء في ما يمكن دعوته بحدود الرؤية التاريخية لهيغل. بمعنى تناقض مضمونها الكوني وتحيزها في الوقت نفسه وتحزبها للتاريخ الأوربي. ومن ثم تبقى أحكامها المباشرة عن "التاريخ العالمي" مبتورة، وانه في أفضل الأحوال تعبير عن حدود التجربة التاريخية الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص. إذ نعثر في أغلب أحكامه على نظرة ورؤية أوربية خالصة، ومن ثم ضعف معرفته بالتاريخ الفعلي والرؤية التاريخية وفلسفتها في الثقافات الأخرى والعربية الإسلامية منها بشكل خاص.

كما نعثر على هذه النزعة العندية في تطبيقها التاريخي على الموقف من العقل. فهي تحتوي في آن واحد على أبعاد ميتافيزيقية مجردة وتأويل أوربي متحزب. فمن الناحية الفعلية لا يمكن للعقل أن يكون مجردا أو على الأقل، إن الصيغة المثلى لتحقيقه في التاريخ الفعلي أن يجري ربطه بمستوى ما ادعوه بالطور أو المرحلة التاريخية الثقافية في تطور الأمم وعقولها الثقافية. والشيئ نفسه يمكن قوله عن فلسفته تجاه الدولة، وبالأخص ما له علاقة بفكرته عن أن الدولة هي الفكرة الإلهية كما توجد على الأرض، وبالدولة يمكن رؤية هدف التاريخ وموضوعه، وأن الشعوب لها تاريخ ما زال لها دول. فبغض النظر عن طابعها الميتافيزيقي المجرد والمتناقض مع فكرة النفي الجوهرية في منظومته الفلسفية، إلا أنها مع ذلك لا تخلو من أثر معاناة وانفعالات النخبة الألمانية آنذاك وما بعدها بصدد "الدولة الألمانية". إذ نعثر على صداها عند جميع فلاسفة ومؤرخي الألمان وشخصياتهم السياسية الكبرى، بل نرى صداها في المعاناة التي كان يتعايش معها هتلر نفسه في طبيعة ونوعية التجزئة التي مر بها الكيان الجرماني. وبالمقابل نرى نقدها الخاص في فلسفة التاريخ عند ماركس، الذي وجد في الدولة ليس ذروة الوجود الجوهري للحياة والعقل والإرادة، بل على العكس. لقد وجد فيها أداة القهر والإكراه. ومن ثم فإن الفضيلة الممكنة والضرورية بل والحتمية تقوم في اضمحلالها وتلاشيها مع مرور الزمن، بوصفها الغاية الكبرى للتاريخ الإنساني، أي الانتقال من ما قبل التاريخ (الدولة) إلى "التاريخ الحقيقي"، أي الوجود الإنساني الحر.

ولعل موقف هيغل من حالة وعلاقة الشرق بالغرب من بين أكثرها جلاء بهذا الصدد. فالمقدمة العامة والاستنتاج الجوهري الذي وضعه في موقفه من هذه القضية يقوم في الصيغة البلاغية عما أسماه بشروق الشمس في الشرق وغروبها في الغرب. بمعنى إن البداية الأولية للطفولة تجري في الشرق، بينما اكتمالها يتم في الغرب. وهو موقف تأويلي صرف لأنه يمكن قلبه بصيغة أخرى تقول بأن بداية الحياة والحضارة في الشرق وموتها في الغرب. ووجدت هذه اللحظة التأويلية المتحزبة، والمنهجية لحد ما، في موقفه من تناول بعض إشكاليات الوجود والحياة. فقد فسر هيغل إشكاليات وحالة الميتافيزيقا في الشرق على أمثلة التاريخ المصري القديم والهند والصين. وأعتقد بأن أقصى ما وصلت إليه الميتافيزيقيا الشرقية هي فكرة أن الموت يخرج من الحياة، والحياة تخرج من الموت كما نراها في نظريات تناسخ الأرواح وأسطورة العنقاء الفرعونية التي تحرق نفسها لكي ينبعث من رمادها شبابا أكثر قوة وفتوة. ذلك يعني، أن الروح وهو يستهلك غلاف وجوده لا ينتقل إلى غلاف آخر، ولا ينهض وقد تجدد شبابه من رماد صورته القديمة. لكن في داخل هذه العملية يمكن رؤية غزل ذلك الوجود وظهوره في حلة جديدة. وتصبح بالتالي كل مرحلة سابقة مادة تغزل منها مرحلتها الجديدة، أي لا جديد فيها.

تنبع نظرة هيغل هذه إلى الشرق من منهجه الخاص في دراسة التاريخ. بمعنى أنها جزء من التاريخ الكلي ووعي الذات. وبما أن وعي الذات الذي يكشف عنه العقل في مسار الروح المطلق يسعى لبلوغ الحرية، فإن الحكم القاطع الذي يقدمه عن الشرق (القديم والمعاصر له) وخلوه من الحرية، يتناقض مع المقدمة المنهجية المشار إليها أعلاه. لكن هيغل يبقى متشددا بهذا الصدد عندما يؤكد على انه لا حرية في الشرق. وإن وجدت فهي في شخص واحد (الطاغية). وبالتالي، فإن الحرية في الشرق هي مجرد "نزوة". ووضع هذه الفكرة أو الاستنتاج في مقدمة حكمه القائل، بأن "الشرقيين لم يتوصلوا إلى معرفة أن الروح أو الانسان حر من حث كونه إنسانا. إنهم لم يكونوا احرارا. وكل ما عرفوه إن شخصا معينا حر". وبالمقابل لم يظهر الوعي بالحرية كأول مرة إلا عند اليونان (في نظامها العبودي!). ومن ثم فقد كانوا أحرارا، إلا إنهم لم يعرفوا سوى أن بعض الناس فقط أحرارا، لا الإنسان بما هو إنسان. أما معرفة كون الإنسان حرا من حيث كونه إنسانا فأول من وصل إليها هم الشعوب الجرمانية عن طريق المسيحية، لكنها لم تكن قادرة على تطبيقه.

لقد كانت هذه الاستنتاجات التي تجمع بين الرؤية العقلية والخرافة "المنطقية" تستند إلى منطلق هيغل من أن الشرق كان مركز العالم. ومنه انطلقت الشعوب واللغات (الهندو- أوربية!). غير إن ما جرى في الشرق آنذاك كان يقع خارج مجال التاريخ، بمعنى انه سابق على التاريخ. وقد بنى هيغل هذا الاستنتاج الأعرج على فكرته المتعلقة بما اسماه بتحول العقلانية في التاريخ. وليست هناك قيمة قبل التاريخ لأن العقل لم يفصح عن نفسه بعد. من هنا تقييمه لتجارب الصين والهند بالشكل التالي: انه يعتقد بأن الصين والهند يفتقران إلى وعي فكرة الحرية افتقارا تاما. فالأخلاق بالنسبة لأهل الصين هي مسالة سياسية يشرف على تطبيقها موظفو الدولة والمحاكم. ثم إن قوانينهم مماثلة تماما لقوانين الطبيعة بوصفها أوامر خارجية. أما في المذاهب الهندية المتعلقة بالزهد تجاه الرغبات والدنيا فالغاية منها ليس الحرية الأخلاقية الإيجابية، بل تلاشي الوعي وانعدام الحياة الروحية والجسدية.

إن هذه الافكار ومثيلاتها العديدة المتناثرة في رؤيته الفلسفية للتاريخ وبالأخص حال الهبوط من علياء التجريد الميتافيزيقي إلى "حضيض" الواقع تكشف عن فكرة متشددة وليست تاريخية ولا ثقافية، بل هي أقرب ما تكون إلى مواقف محكومة بقواعد الرؤية الفلسفية وليست الفلسفية الحرة. بينما ينبغي للحكم الفلسفي أن يستمد مقوماته من وعي الحرية في التاريخ وليس من قواعد العقائد أيا كانت بما في ذلك الفلسفية.

إن الحصيلة النقدية بالنسبة لكمون الفكرة السياسية في هذه الرؤية الفلسفية للتاريخ تتعارض مع ما يمكن وضعه في العبارة التالية: إن الأحداث التاريخية الجسام وأثرها في مصير الأمم هي أشبه بأنين الوجدان الفعلي لصيرورة الأمم ورنين الروح العقلي لكينونتها الثقافية، أي كل ما نعثر عليه في فكرة الحرية ووعي الذات، أو كل ما اطلقت عليه المتصوفة عبارة التحرر من رق الاغبار. إذ لا يعني أن للعقل والروح وجود بذاته سوى حقيقة الحرية. وبالتالي فإن التضحيات الهائلة التي جرى ويجري تقديمها ليست كبش فداء تاريخي بقدر ما هي التمارين أو التجارب الضرورية لتحويل الزمن إلى تاريخ من خلال إيجاد النسبة المثلى والضرورية بين الوعي والوجود، أي بين وعي الفرد والجماعة، والقومية والأمة، والدولة ومؤسساتها، ومنظومة العلوم وتجسيدها الصناعي والتكنولوجي. وهذه قضية تاريخية خاصة بتجارب الأمم في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي، ما لم تتكامل في وحدة ثقافية تاريخية خاصة لها حدودها ضمن الكلّ الإنساني.

***  **   ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيهيغل وإشكالية الروح والحرية

إن الوعي بالحرية، بالنسبة لهيغل، هو مضمون وحقيقة المسار التاريخي. ويظهر في مجال المنطق بصورة منطقية، وفي الطبيعة بصورة عينية. ويمر تطور الفكرة في التاريخ بثلاث مراحل هي الصيغة التاريخية لمنطق ظهور الأشياء، ونفيها، ثم نفي نفيها. وهذا بدوره هو أسلوب الصيرورة أو التكامل في وجود الظواهر والأشياء كلها، أو ما يمكن دعوته بالتوليف المبدع للفكرة أو الروح المطلق. وليست هذه المراحل التاريخية سوى ما يدعوه هيغل باحتجاب الروح في الطبيعة بمعنى اغترابه ثم تشيؤه، ثم تليها مرحلة تقدم الروح في مساره صوب الوعي بحريته، أي نفيه احتجابه واغترابه، وبعدها إرتقاء الروح من الحرية الجزئية إلى صورته الكلية، أي بلوغ الماهية الروحية ودرجة الوعي الذاتي.

فالتاريخ بالنسبة لهيغل يكشف عن تطور الوعي بالحرية إلى جانب الروح، مع ما يترتب عليه من تحقيق عقلي لهذه الحرية. وذلك لأن المبدأ في التاريخ العيني هو خاصية الروح. وهذه بدورها ليست إلا ما دعاه هيغل بالعبقرية القومية الخاصة بأمة من الأمم. وضمن هذه الخاصية يعّبر روح الأمة عن تجليه الملموس في جميع جوانب وعيها وإرادتها في الدين والنظام السياسي، والأخلاق، والمهارة، والعلم، والفن وغيره من أصناف العلوم وميادين الإبداع. وسوف يطلق شبنغلر على هذه الحالة عبارة النفس الثقافية. وهو اختلاف عميق من حيث المضمون، لكنه في الوقت نفسه هو نفي للمعنى الهيغلي من خلال جعل النموذج الألماني رديفا لمعنى الأوربي (الثقافي الحضاري).

وكما أن من الصعب فهم كيفية عمل أو قوانين الأجرام السماوية بدون الإلمام بعض المفاهيم والتصورات بهذا الصدد، كذلك الحال بالنسبة للتاريخ. فهو بحاجة إلى معرفة عدد من المقدمات. ومن بين أهمها هو مفهوم العقل والحرية. والأكثر أهمية بالنسبة له هنا هو التوصل إلى وعي الحرية باعتبارها القضية الجوهرية في التاريخ. وضمن هذا السياق فإن المهمة تقوم حسب رؤية هيغل في  ألا يجري إعارة الاهتمام للاعتبارات الأخلاقية الخارجية التي يمكن رؤيتها في الأفعال الصادمة في تاريخ العالم وانجازاته. ومن ثم لا معنى هنا لإعلاء شأن أو تقديس كل ما من شأنه الابتهال أمام فضائل التواضع والخشوع وحب الناس والتحلي بالصبر وما شبه ذلك. ففي مجال التاريخ يمكن من حيث المبدأ تجاهل الأخلاق فيه. وهنا يمكننا رؤية الاشتراك والاختلاف مع ميكيافيلي. مع أنهما يلتقيان بأثر المرجعيات الآخذة في التراكم في المرحلة السياسية - الاقتصادية، التي تجعل من الأخلاق قوة تابعة وإضافية إلى جانب المصالح. وإذا كان ميكيافيلي ينظر إليها ضمن سياق القيم السياسية الجديدة، فإنها بالنسبة لهيغل هي جزء من مسار الروح العقلي والأخلاقي. بمعنى، إن كل العثرات والمساوئ والجرائم تصب في نهاية المطاف في مجرى توسيع وتدقيق الروح العقلي والأخلاقي نفسه. وسوف نعثر على صدى هذه الفكرة عند ماركس أيضا، عندما اعتبر القسوة والتخريب والدمار الذي جلبته الرأسمالية الأوربية للعالم الآخر، وعلى مثال الهند بشكل خاص، هي التضحية الضرورية التي تخدم في نهاية المطاف مسار التطور الحقيقي.

ونفس الشيئ يمكن قوله عما يسمى بالتفرقة بين الأخلاق والسياسة فيه. فهذه مجرد أمور عرضية بينما وعي الحرية الصاعد ضمن هذه العملية المليئة بالمتناقضات تشكل مضمون كل هذا المجرى الذي تضمحل فيه وتتلاشى القيم الأخلاقية وما شابه ذلك من أحكام لا علاقة جوهرية لها بحقيقة المسار الفعلي للتاريخ بوصفه مسارا عقليا خالصا. وإذا كان من الممكن هنا رؤية أثر الفكرة السياسية التي بلورها ميكيافيلي، فإن حقيقة الأفكار الهيغلية أبعد وأعمق وأوسع مما في الميكيافيلية. إنها تمثلت ما في الفلسفة السياسية الميكيافيلية من خلال نفيها في فلسفته عن التاريخ. وذلك لأن الجوهري بالنسب لهيغل هو فكرة الحرية ووعي الذات التي تجري من خلال تعرج التاريخي بما في ذلك عبر تعرج الفكرة الاخلاقية.

فقد كانت الحرية ضمن مسارها التاريخي حالة عرضية وعابرة بما في ذلك في اليونان، لأنها فرضت العبودية على ما هو إنساني. وهنا تجدر الاشارة إلى أن قيمة الأسطورة اليونانية هنا تنبع مما يمكن دعوته بالمرحلة اليونانية في الوعي الأوربي الحديث والمعاصر. ففي القرون الوسطى جرى الانقلاب التاريخي الفكري والعقائدي للتقاليد اليونانية العقلية والفلسفية نفسها. وقد كانت المدرسة الاسكندرانية الارهاصة الأخيرة والتحضير الأولي في الوقت نفسه لهذا الانقلاب. ومن ثم اضمحلال وتلاشي الوهج اليوناني الذي أعاد لهيبه ومن ثم الحياة إليه العرب المسلمون.

أما الشرق، فإنه لم يعرف الحرية. والحرية الوحيدة هي للملك أو الإمبراطور ومع ذلك فهي حرية مشروطة بالتقاليد. وتتعارض هذه الرؤية المتحزبة مع مضمون الفكرة الهيغلية حول المسار التاريخي. ففي الشرق بدأ المسار التاريخي ونضج في صيرورة وقوة الدولة. أليست الدولة هي الحرية ووعي الذات والكلّ الاخلاقي؟ ومع ذلك يشدد هيغل على أنه بغض النظر عن إن "الغرب عرف الحرية" الا إن الشرق والغرب كلاهما لم يعرفا الحرية بصورة كاملة. لقد كانت تلك حرية جزئية، أي أن البعض منهم فقط كانوا أحرارا. وأن "الأمم الجرمانية هي أول من وصل إلى معرفة الحرية". بمعنى إنهم أول من اعتبر الإنسان حرا من حيث كونه إنسان بحد ذاته. وهذا بنظره لا يتعارض مع الإقرار بأن الناس جميعا احرارا بصورة "مطلقة" من حيث كونهم بشرا أو ناسا. فالحرية في نهاية المطاف، كما قول هيغل "هي الغاية التي وضعها الله للعالم". وأن هدف التاريخ الكلي يقوم في بلوغ وعي الذات المطلق، أي الحرية. فالحرية هي الغاية الوحيدة التي ترى نفسها متحققة وموجودة بالفعل. بل اعتبرها هيغل "قطب السكون الوحيد وسط حالة لا تهدأ أو مضطربة من الحوادث المتغيرة" كما لو انه يتغنى بعقيد بوذا عن النرفانا أو الفناء في الحق الصوفية.

أما في الواقع فإنه لا الشرق ولا الغرب عرفوا الحرية بصورة كاملة. لقد كانت تلك حرية جزئية، أي أن البعض منهم فقط كانوا أحرارا. لاسيما وأن الحرية جزئية على الدوام لأنها جزء من مسار لا ينتهي. كما أن الحرية تعادل من حيث الجوهر معنى الآفاق الجميلة بالمعنى الفلسفي والسياسي أيضا. فالحرية الفردية هي جزء من الجبر الكوني. وفيه من خلاله يمكن للحرية أن تبرز بوصفها تجربة تاريخية ثقافية لها بقدر واحد حدودها وآفاقها . وبالتالي، فإن الضعف التاريخي والمنطقي في الفكرة الهيغيلية هنا يقوم في انه إذا كانت الحرية مسارا للعقل المطلق فلماذا بدايته عند الجرمان مع اأنهم من بين الشعوب المتأخرة في مجال التمدن والحضارة وتأمل الإنسان وموقعه في الوجود والكون؟

أما الصيغة التاريخية الملموسة لمسار الحرية، فإنه مرتبط بفكرة الضرورة عند هيغل. لهذا نراه يعتبر علاقة الحرية بالضرورة قانونا. فالضرورة هي المسار الباطني والمجرد للروح، بينما الحرية هي ما يعرض نفسه في الإرادة الواعية. من هنا استنتاجه اللاحق عن أن الحرية هي الإرادة الواعية أو أن الحرية هي إدراك الضرورة. وهي فكرة وضعها ضمن تاريخ الثقافة الفلسفية الأوربية سبينوزا. بينما استندت هذه الفكرة واستمدت مقوماتها من كيفية حل هيغل لإشكالية الصدفة والضرورة. فالصدفة بالنسبة له من عالم لا علاقة له بالعقل والمنطق بينما الضرورة هي إدراك وفكرة. من هنا استنتاجه اللاحق عن إن الحرية هي إدراك الضرورة. ولاحقا ستضيف لها الماركسية الإدراك الواعي والعمل بموجبه.

لقد انطلق هيغل في تحليله لعلاقة الحرية بالضرورة في التاريخ من الفلسفة. واعتقد، بأن مسار الفكرة يمر في حالات عديدة من التعارض والتناقض، بمعنى التعارض بين الفكرة في صورتها الكلية الحرة، أي الموجود في ذاتها، والصورة المقابلة لها، أي الوجود الصوري من اجل ذاتها. وفي مجرى الصراع بينهما عبر الإرادة الإنسانية تتحقق معادلة الحرية والضرورة باعتبارها صراعا أبديا. فالإرادة الصورية (أو الحرية المجردة) تريد ذاتها وترغب في أن تجعل شخصيتها الخاصة سارية في كل ما تريد. إذ حتى الإنسان الورع يريد الخلاص والسعادة. ولم يقصد هيغل بذلك سوى البحث عن حالة التناقض الضرورية والمميزة لوجود كل شيئ، مع ما فيها من تضاد بين التوجه الذاتي والواقع. وذلك لأن كل انسجام، كما يقول هيغل، هو حالة فردية وعابرة بينما التاريخ يسير ويتطور عبر الصراع. وبالتالي، فالسعيد هو من يجعل ظروفه ملائمة لشخصيته وإرادته وخياله بحيث يستمتع بهذه الظروف. غير أن تاريخ العالم ليس مسرحا للسعادة، كما يقول هيغل. ففترات السعادة في التاريخ هي صفحات بيضاء فارغة لأنها فترات انسجام، أي الفترات التي يتعطل فيها التضاد (الصراع) لفترة مؤقتة. ولم يقصد هيغل بذلك أفضلية التعاسة والردى، كما انه لم يفّضل أو يحّبذ ما تعرض له هو نفسه من العيش على فراش الموت بأثر اصابته بالكوليرا. لقد سعى هيغل للكشف عن المسار الفعلي للحرية في التاريخ وقيمتها بالنسبة للوجود الإنساني. من هنا قوله، بأن الحرية هي العنصر الصوري في نشاط الفكرة المطلقة، أما النشاط المؤدي إلى تحقيقها فيعادل معنى الحد الوسط في القياس. أما في الحياة الفعلية والتاريخية، فإن الحد الوسط هو النشاط الإنساني الذي يحقق هذا الحد الوسط عبر المبدأ الكلي في الواقع. فانفعالات البشر في مجرى تطورها وتشييدها للمجتمع الإنساني هي نفسها التي تدعم مركز القانون (النظام) ضد هذه الانفعالات نفسها، كما يقول هيغل.

لقد ظلت أفكار هيغل عن التاريخ عقلانية، بغض النظر عن غلاف بعض جوانبها اللاهوتي. فمسار التاريخ بالنسبة له يبقى عقلانيا، أما المظاهر السيئة والمؤلمة فهي جزء من "مكر العقل". وذلك لأنه مسار محكوم بوحدة التناقضات. من هنا حكمه القائل، بأن الانفعالات التي يعاني منها المرء في عزلته لا يمكن أن تكون نموذجية أو نموذجا معبرا عن الواقع الفعلي الكلي. وأشار بهذا الصدد إلى أشعار شيلّر التي عبّرت عن هذه الظاهرة بطريقة مؤثرة، وبوجدان شديد، وبأسلوب يكشف عن اقتناع حزين دفين، بأن مثل هذه المثل العليا لا يمكن بلوغها بالفعل. بينما سعى هيغل إلى ما يدعوه بتجاوز الحالة الفردية التجريبية أيا كانت. وذلك لأن الحالة الفردية متنوعة وتقبل كل درجات التقييم من الأدنى إلى الأعلى وبالعكس. وهنا تلعب الصدفة وخصوصية الفرد أدوارا متميزة بعد حصولهما على "تفويض" من الفكرة العامة.

وهذه بدورها ليست إلا إشكالية الحرية والضرورة. وقد سعى هيغل من وراء تحليل وبناء علاقة الضرورة بالحرية للكشف عن قانون التاريخ عبر السلوك الفردي، والخاص، والجزئي. بمعنى إن الفكرة العامة تجد طريقها إلى الواقع والحياة عبر السلوك الفردي وانفعالاته. ومن ثم إعلاء شأن الجزئي والخاص ورفعه إلى مستوى الارتباط بالحقيقة الكلية. هذه بدورها ليست الا الصيغة المناسبة لما بلوره هيغل عن فكرة المبدأ العام للممكن والممكنات العائم في سماء الوجود! فقد انطلق هيغل هنا من أن "المبدأ هو مرحلة أساسية في تطور الفكرة الخلاقة وتطور الحقيقة العاملة من اجل بلوغ الوعي بذاتها". من هنا، فإن رجال التاريخ العظام أو أفراد التاريخ العالمي، هم أولئك الذين يكمن في أهدافهم هذا المبدأ العام، أي مبدأ الممكنات والبدائل الذي يجري من خلال الصراع لكي تبلغ الفكرة وعيها الذاتي، أي حريتها الفعلية. وهذه بدورها المقدمة التي بنى عليها هيغل إحدى الأفكار العميقة والمتناقضة عن العقل والحرية. وضمن هذا السياق تناول ما يسمى بفكرة العظيم والعظماء. فقد حصر هيغل فكرته عن العظماء في التاريخ بين رجال العلم والسياسة. وذلك لأنهم بصيرون بمتطلبات عصرهم. وبغض النظر عن فرادتهم بهذا الصدد، إلا أن حقيقتهم الأولية تراكمت أو تبلورت "في رحم الزمان" كما يقول هيغل. بمعنى إن من الصعب تحديد السبب الفعلي أو الأسباب الفعلية الكاملة وراء ظهورهم، إلا أن ظهورهم هو تحقيق للعقل في بلوغ الحرية. من هنا قوله، بأن عبقرية هؤلاء الرجال تكمن في معرفتهم وإدراكهم للخطوة الضرورية للسير الى الأمام والتقدم. الأمر الذي جعل منهم "حكماء العصر". كما إنهم من يؤجج أعماق النفس المختبئة للافراد، بحيث يجعل منهم "وسطاء روح العالم"، أو كنيسة الله الفاعلة في الوجود التاريخي للعقل!! وأيا كانت الصيغة اللاهوتية المتلهية بمفرداتها الجميلة، فإننا نعثر وراء غشاءها الميتافيزيقي هذا على محاولة وضع فكرة العظمة التاريخية والعظماء ضمن سياق الصيغة المجردة لمسار الروح المطلق في بلوغ وعي الذات والحرية. وهي الحالة المغرية للإرادة الانسانية والميئوس منها بمعايير الجسد. إذ يسير هيغل هنا ضمن سياق التقاليد الفلسفية التي جعلت من نيل السعادة غايتها الكبرى. والعظماء يسعون إلى ما يسميه هيغل بلوغ المتعة الهادئة، وذلك لأن حياتهم كلها كانت جهد وعناء. وعندما يبلغون مقاصدهم فإنهم يتساقطون كما تسقط قشرة الثمرة الفارغة. وهذه هي مهمتهم التاريخية. فالعظماء عظماء لأنهم انجزوا ما هو ضروري لمتطلبات العصر. وهذا بدوره ليس إلا احد مظاهر ومجريات العقل. فالعقل أيضا يحكم العالم عبر نشاط وقوة العظماء. ويتطابق هذا مع ما يدعوه هيغل بمكر العقل. فالفكرة العامة المجردة لا تشترك في الصراع المباشر ولا تتعرض للخطر. إنها تقف بعيدا تتأمل ما يجري. فالأحداث والتضحيات والعذابات الفردية أيا كانت كميتها ليست بذي قيمة إذا ما جرى مقارنتها بالعام. فمقابل التضحية بالأفراد ونبذهم وطردهم تدفع الفكرة ثمن عقوبة الوجود والعدم لا من ذاتها بل من انفعالات الأفراد.

إن هذا التأسيس والصيغة والحصيلة التي توصل إليها هيغل ليس إلا التعبير غير المباشر عن إشكالية الوسيلة والغاية في التاريخ. وينطلق هيغل في تأسيسه لفهم وحل هذه الإشكالية من أن بين الوسيلة والغاية عامل مشترك. فللإنسان غايات في ذاته. أما المضمون الفعلي أو الباطني والحقيقي لهذه الغاية فيقوم في الموقف من إن الإنسان لا يكون غاية في ذاته إلا بفضل ما هو إلهي فيه، والذي يعادل في فلسفة هيغل فكرة العقل.

ووضع هذا الاستنتاج بما في ذلك في موقفه من الجماهير ودورهم في التاريخ. وانطلق بهذا الصدد من أنه من غير الصحيح القول، بأن الشعب وحده هو الذي يمتلك العقل والبصيرة، وانه وحده من يعرف العدالة، وذلك لأن كل حزب أو فريق من الشعب يمكنه القول بأنه هو الشعب وممثل رؤيته وإرادته. وبمقابل ذلك ينبغي القول بأن ما يؤسس الدولة هو العلم الناضج لا القرارات الشعبية. لكن الأخيرة تكمن في "تاريخ العقل"، بوصفها إحدى قواه التاريخية الكبرى. وهنا يبلور هيغل فكرة علمية وعقلية عميقة بهذا الصدد تقول، بأن القرارات الشعبية التاريخية هي التي تصنع العقل التاريخي. ومن ثم هي وراء صيرورة الدولة أيضا. والاستنتاج المترتب عل ذلك هو الترابط الجوهري بين الدولة والحرية بوصفهما الأشكال المثلى لتحقق المسار التاريخي للعقل و"خطة" الروح المطلق. وسوف يحوّر ماركس هذه الفكرة والموقف ضمن قضية علاقة الفرد بالتاريخ. فإذا كانت عند هيغل تتخذ هيئة فكرة العقل المجرد بوصفه منطق التاريخ، فإنها تتخذ عند ماركس هيئة المسار المادي الاقتصادي الاجتماعي للتاريخ نفسه. ومن ثم فيه يكمن منطق التاريخ أو قوانينه. وعلى هذا الأساس بنى فكرته عن قيمة الفرد في التاريخ وعلاقة القادة بالجماهير، ودور الجماهير فيه. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي