المشروع التجديدي الأركوني لن تتراءى معالمه إلا إذا تمّ قبول نقد معارف العقل العربي الاسلامي عامة والأصولي على وجه الخصوص، ومنحه الاستقلالية التي تتعالى به عن التقوقع داخل القوالب الموروثة الثبوتية والدغمائية عن طريق الاعتماد على قراءة نقدية،تلك القراءة التي تنقل فعالية العقل من الممارسة الاجترارية للموروث العربي الأصيل وللوافد الغربي الحداثي إلى الفعل الابداعي التجديدي،الذي يخلق صور متغيرة للحقائق والمفاهيم عبر التحوّلات المعرفية والقيمية لثقافة مجتمعية ما. فكيف يمكننا حسب أركون التعامل مع أرثوذوكسية العقل العربي الاسلامي، بشكل يسمح بالحق في الاختلاف والـ "لا حق" في امتلاك الحقيقة واحتكارها؟

بل هل يمكن للعقل العربي الاسلامي التحوّل عن المساحات الفكرية المنغلقة والتحوّل إلى رحابة الفكر المنفتح؟

أركون، نحو عقل استطلاعي:

ولكي يستطيع العقل الاسلامي حلّ مشكلاته المتجددة التي يفرزها واقعه الاجتماعي وطبيعة ذهنيته، لابد من ثورة فكرية، يحرر فيها العقل نفسه من قيود الأحكام القطعية الوثوقية، ويفسح له المجال، أي العقل، في حرية التعامل مع النصوص التراثية بما فيما الدينية باعتبارها مشروعا مفتوحا ومنفتحا لكل قراءة ممكنة، دونما النظر إليها على أنها كتابا موثقا مقفلا بأول حرف فيه إلى آخر حرف.

إن الأنظمة اللاهوتية تستمر في إهمال المقولات الأنثروبولوجية والجانب التاريخي الظرفي من السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي رسخت فيها الحقائق الالهية المعصومة ،المقدسة والعقائدية ومن وجهة النظر هذه يمكن القول إن الأنظمة اللاهوتية تملأ الوظيفة الأيديولوجية نفسها التي يملِها جدار برلين"(1)

إذا أردنا إنتاج حقائق جديدة للتراث، لابد إذن من اعتماد أنسنة هذا الموروث كاستراتيجية قاعدية تعيد الاشتغال على الحقائق المعرفية القديمة وتؤّشكل معطياته باحترام المسافة المعرفية التي تفصل بين تاريخية المنتج الملقى أو المعطى، وبين تاريخية المؤّول المتلقي. ذلك التراث يتميّز كونه متن مرن للأشكلة وخصب في متونه المعرفية والروحية كخطاب ديني على الوجه الخصوص. فلماذا التضييق عليه بوصفه شكلا محددا لا يحتمل إعادة التشّكل؟ ولماذا بناء ذلك الجدار الفاصل بين الحقائق المعرفية التي تنتجها المذاهب الدينية، جدار التجاوز والفصل الذي يحرّم أي إمكانية للتضايف بينها أو التحاور.

" نقول ذلك على الرغم من أنها (الأنظمة الدينية) يمكن أن تزوّد الطوائف الدينية، بل وتزودها فعلا من بعض النواحي بثقافة رمزية مخصّبة ومقوّية ومقتدرة بالطبع. إن الجدران تظل صلبة وقائمة بين الطوائف، على أنها الحجاب الحاجز. لأننا لم نبلور بعد الاستراتيجيات المعرفية المناسبة من أجل هدمها ثم من أجل استكشاف الفضاء الأنثروبولوجي والثقافي والفلسفي الحقيقي. أقصد فضاء التفسير للثقافات والتراثات الذي يفسر لنا الأنظمة الرمزية للتصور سواء أكانت موروثة عن الماضي أم حاضرة أو مستقبلية"(2)

إن إعادة القراءة النقدية يجب أن تحيا براءة الصيرورة، لأن كل قراءة جديدة للتراث ينبغي أن تكون قراءة تأويلية موّلدة لحقائق متعددة، وفاتحة المجال أمام صور الإمكان لا أن نبقى في حالة ذهول وافتتان بالموروث الفكري والعلمي لدرجة اعتباره تراثا مقدسا لذلك "لا يكفي أن نعمل جردا شاملا للتراث، ثم نقف مذهلين ومفتونين أمام غناه. إنه لأكثر حيوية وأهمية، أن نتساءل كيف نقرأه، أو كيف نعيد قراءته؟ إنه من غير الممكن أن نقيم روابط حيّة مع التراث ما لم نتمثل أو نضطلع بمسؤولية الحداثة كاملة"(3)

إن حديث أركون عن العقل الاسلامي المتحجر الذي لم يحسن التعامل مع معطيات الحداثة ولم يستطع تقديم إنتاجا فكريا تجديديا، هو العقل الاسلامي المعاصر الذي يتبنى إيديولوجية الحركات الأصولية التي تغاضت عن مشروع تطوير الآلية الابداعية الفكرية، وتحجرت في الآلية الاجترارية التي لا تكتفي بإفلاس العقل بل عمدت على قتل الروح الجدلية في العقل الاسلامي. فيما كان الفكر الاسلامي الكلاسيكي يتأسس على عقل إبداعي مجادل ومنتج بل وموّجه. أما العقل الاسلامي المعاصر قد اشتغل وانشغل بإعادة توظيف الموروث الفكري في الممارسات السياسية التي انحاز لمغرياتها وانزاح عن الممارسة النقدية الابداعية.

" لذلك على المسلمين إخضاع تراثهم للدراسة العلمية والمساءلة الشديدة مثلما حصل للتراث المسيحي في أوروبا بعد محاكم التفتيش والحروب المذهبية وإرهاب العقول"(4)

الحقيقة والحق في الاختلاف:

الأساس الذي يتشكل عليه الخطاب الاسلامي المعاصر هو جهوزية الحقيقة وأحاديتها، هذا التطرف الفكري يؤمن بأن للحقيقة معيار واحد نكيل ونقيس عليه كل تمظهرات الحقائق في مختلف مجالاتها. ليصبح العقل متخبطا بين كفتي ميزان ومعادلة لا ارتياب حول مصداقيتها من منطلق مبدأ الثالث المرفوع: فإما إيمان أو لاإيمان، إما اعتقاد أو لا اعتقاد، إما كفر أو إيمان فلا مجال لمنزلة بين المنزلتين.

لابد من أن يمارس العقل حقه في التفكير والتعبير، ذلك لأن ما يميّز الروح الانسانية ويجعلها في أوّج رقيها وعطائها، هي الحرية داخل هذا الفكر الحداثي الذي يجب أن يزاوج بين حالة التقدم العلمي، وبين تقدم الشعور بالحرية للروح المفكرة "ينبغي على الحداثة كمشروع إنساني ان تصحح إرادة المعرفة الهادفة إلى السيطرة والاستغلال والهيمنة ولكن كيف؟ عن طريق الإدخال الفعلي: أي الفلسفي والقانوني لحقوق الروح في حقوق الانسان"(5)

إن الحقيقة ليست جوهرا أو معطى على نحو مكتمل ونهائي كما هي في الأديان والأنظمة الميتافيزيقية المثالية بل هي:" مجموع آثار المعنى التي يسمح بها لكل ذات فردية أو جماعية، نظام الدلالات الإيحائية المستخدمة في لغته. إنها مجمل التصورات المختزلة من قبل التراث الحي للجماعة القبلية أو للطائفة الدينية أو لأمة. فكل طائفة أو أمة تعتبر تراثها بمثابة الحقيقة المطلقة. إن الحقيقة ليست جوهرا أو شيئا معطلى بشكل جاهز ونهائي، وإنما هي تركيب أو أثر ناتج عن تركيب لفظي أو معنوي قد ينهار لاحقا لكي يحل محله تركيب جديد، أي حقيقة جديدة"(6)

ليس على العقل لجم الحقيقة بقالب واحد بل عليه أن يكشف عن تنوعاتها بفعل العملية النقدية والتأويلية التي يتميّز بها. كما عليه أن ينظر للنصوص التراثية على أنها نصوص قابلة للتشكل والقراءة الجديدة الخلاّقة، بفعل تطبيق منهجيات العلوم الانسانية مصطلحاتها عليها.

" إن أفضل السبل لتحقيق التطور والرقي هو الأسلوب الذي اتبعته أوروبا، والمتمثل في إخضاع تاريخها وتراثها لإعادة قراءة نقدية على ضوء مناهج العلوم الانسانية والاجتماعية"(7)

إنها عملية أنسنة النصوص ورفع صفة القداسة عنها وتجاوز كل رغبة في فرض المحضورات عليها. واعتبارها مجالا خصبا للتّوليد وممارسة فعل الحفر والتفكيك والتأويل لبنيانها المتراص والمركب تركيبا مقفلا، ومحاولة إحداث الخلّخلة والتصّدع فيه للكشف عن العناصر المتنافرة داخل تلك الكثافة البنيانية النصية، والتي تسمح بتخارج الدلالات المستترة لتنفجر وتتشّظى إلى حقائق ومفاهيم لا حصر لها." لابد من تطبيق منهجيات العلوم الانسانية ومصطلحاتها على دراسة الاسلام عبر مراحل تاريخه الطويل"(8)

المثلث الأنثروبولوجي: (الحقيقة، المقدس، العنف)

إن المكوث في الدغمائيات اللاهوتية طويلا يجعل العقل حبيس مثلث يهدده بالانتفاء، حيث إذا كانت الحقيقة تتّسم بالتقديس، فهي إلى الإيمان العقائدي القطعي تنتمي وإلى طائفة أو مجموعة إيمانية تشكّلت بها ومن خلالها، وليس عليها التقولب لغيرها. وعلى ذلك كل حقيقة مغايرة لها مختلفة عنها، هي حقيقة منافسة متخالفة عليها إثبات أحقيتها ومشروعيتها عن طريق العنف الذي يصبح هو الآخر "عنف مقدس" ومشروع. "كل طائفة تقدم نفسها على أنها الممثلة الوحيدة للحقيقة الالهية المطلقة وكل مخالف لها هو بالضرورة مخالف للإرادة الالهية"(9)

لذلك كانت أكثر المواضيع التي شكلّت صنما عقليا، هي تلك الرؤى الدينية التي أحيطت بلباس القداسة إضافة إلى هالة من الممنوعات والمحظورات التي تحدّ من فعالية العقل النقدية. ولذلك كانت دعوة أركون إلى التحرر من النظرة اللاهوتية الدغمائية والذهنية الطائفية، والانتقال إلى رحابة الفكر المنفتح وحقوق الانسان والحق في الاختلاف والتحرر من الاضطهاد والظلم والعنف، إنه مجال الأنسنة.

إن الإيمان" تسمية إيجابية للمعتقد يمكن أن يتحوّل إلى عنف إذا لم تصاحبه يقظة من قبل العقل، وهذا ما يحدث عندما يتخلى القيّمون على المقدي عن تلك اليقظة وعن المعارف اللازمة لتطبيقها على تعبيرات الإيمان، ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة في جميع الانحرافات الأصولية والتكاملية لكل أشكال الأيديولوجية الدينية والدنيوية. إن تحليل المثلث الأنثروبولوجي يتجه تحديدا نحو هذين: لكل من الحقيقة والمقدس"(10)

لذلك تنشأ الدغمائية الأرثوذوكسية أو الصراطية من اعتبار أتباع الطريق الصحيح والوحيد بين الطرف الآخر، ليظهر تبادل تهم التكفير "إن هدفي يكمن في جعل المستحيل التفكير فيه أو اللامفكر فيه شيئا ممكن التفكير فيه داخل ساحة الفكر الاسلامي أو العربي المعاصر"(11)

إن العقل الذي نسعى لتشكيله كمشروع هو الحاكم الوحيد في الكشف عن الحقائق، ذلك الذي يرفض التعاطي مع الحقائق الجاهزة التي تكتسي صفة القداسة مع مرور الوقت، وتمنح فعالية التفكير صفة الركود والاستكانة للمفكر فيه المعطى من قبل العقل التراثي وتداعيات نشاطه القديم، الذي مايزال يسيّر مجريات حاضر راهن. "عقل مستقل يخلق بكل سيادة وهيبة أفعال المعرفة، هذا العقل يرفض الاشتغال داخل نطاق المعرفة الجاهزة أو المحددة سلفا، إنه يرفض الاشتغال داخل الأقفاص والسجون"(12)

علينا أن نقبل نسبية الحقيقة وتاريخيتها" ينبغي أن نقبل شيئا أساسيا يعبر عن منجزات الحداثة العقلية، ألا وهي نسبية الحقيقة. ونسبية الحقيقة تتعارض جذريا مع مطلق الحقيقة، أو الاعتقاد بوجود الحقيقة كما ساد سابقا في كل الأوساط الدينية"(13)

إن الهدف من المشروع التجديدي هو إنشاء عقل استطلاعي مابعد حداثي(*)" ليس كيانا جوهرانيا لا يتغير ولا يتبدل على مدار التاريخ (...) إنه ناتج عن الممارسة التاريخية للفاعلين اجتماعيات شديدي التنوّع والاختلاف من أندونيسيا إلى إيران إلى أقصى المغرب"(14)

نريدها قراءة تاريخية عقلية نقدية مسؤولة وواعية للتراث العربي الاسلامي، ولذلك لابد من إخضاع الاسلاميات الكلاسيكية وخطابها لعملية نقد ابستمولوجي شديد. والحقيقة إن الاسلاميات التطبيقية هي مقايسة على الأنثروبولوجية التطبيقية (Anthropologie Appliquée)" لعالم الإناسة روجيه باستيد*(R. Bastide)( 1898 – 1974)، سعيا للتحوّل بالعقل الاسلامي من العلم النظري إلى الممارسة العملية. يؤكد على ذلك أركون بقوله:" استوحينا هذه التسمية من كتاب صغير لروجيه باستيد بعنوان الأنثروبولوجيا التطبيقية وبحوثنا تسير في الخط نفسه"(15)

على المجتمعات الاسلامية أن تدرك كيفية استفادتها من المعارف في حل مشكلاتها عن طريق" ممارسة علمية متعددة الاختصاصات وهذا ناتج عن اهتماماتها المعاصرة، فهي تريد أن تكون متضامنة مع نجاحات الفكر المعاصر ومخاطره والمتطلبات الخاصة بموضوع دراستها"(16)

لابد للعقل الاسلامي الاعتماد على الممارسة العلمية التي تشتغل بمشكلات المجتمعات الاسلامية الفعلية، تلك التي تنتجها التحوّلات الظرفية والحاجات الواقعية والفكرية المتغيّرة. كما لابد من تأقلم ذلك العقل مع مستجدات تلك التحوّلات ومتطلبات الحداثة.

إن التمييز ضروري بين مصطلح الحداثة (Modernité)كحداثة عقلية روحية تتحرر من عوائق التفكير الحر والسيادي وأخرى مادية، وبين مصطلح التحديث(Modernisation) أي عملية تحديث مادي تقني يجاري مستحدثات الاختراعات والمنتجات المادية الشيئية التي تسقط العقل في الإدمان على تكديس الشيئي للتقنيات.

"المصطلحان لا يدلان على نفس الشيء، فالتحديث هو إدخال التقنية والمخترعات الحديثة إلى الساحة العربية الاسلامية، أما الحداثة فهي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة، إنها موقف للروح أمام كل المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع"(17)

إذن نحن أمام فتح المجال للتفكير في كل ما يمكن التفكير فيه، وما لا ينبغي التفكير فيه، وما يبدو لا جدوى من التفكير فيه أصلا، كالبحث عن القيم الرمزية العقلانية فيما هو في الموروث السائد ينظر له على أنه لاعقلاني، خرافي أو أسطوري، والتوّجه نحو إنشاء حداثة عربية اسلامية لا تتماهى في الحداثة الغربية وتتلّبس هوّيتها وفرادتها التي تميّزها، وإلا وقعنا فيما أردنا الهروب منه، الوقوع داخل شرك تلك القوالب والأنساق التي تفرض نفسها على الثقافات الأخرى وتلزمها بتبنيها والتموضع داخلها وإلا كانت غير معترف بأصالتها وخصوصيتها. على العقل العربي الاسلامي أن ينتج أفكاره ومفاهيمه الخاصة به ويسعى إلى حل مشكلاته التي تفرزها مجتمعاته، مستعينا بالمناهج الانسانية والاجتماعية التي ابتكرتها الحداثة الغربية، والعودة خصوصا إلى التراث العربي الاسلامي ومساءلته مساءلة نقدية تجديدية توليدية. فهل يمكن للعقل العربي الاسلامي التحرر من تلك الأنساق التي خنقت تفكيره وجعلته يتقوقع داخل قوالب وأنساق ليست مغلقة ومنغلقة فقط بل ومتصارعة...؟

 

د. أمينة بن عودة جامعة معسكر، الجزائر

...........................

قائمة المراجع:

أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005.

أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، تر. هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1، 1986.

أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998.

أركون محمد، الإسلام، أوروبا والغرب، تر. هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2001.

أركون محمد، "الإسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990.

مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، الجزائر، ط1، 2015.

م .أو جوزيف مايلا، من منهاتن إلى بغداد، مارواء الخير والشر، تر. عقيل الشيخ حسين،دار الساقي بيروت، 2008.

هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، رابطة العقلانيين العرب، دارالساقي، بيروت، ط1،2007.

هوامش

(1) أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005، ص26.

(2) أركون محمد، القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص26

(3)  أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، تر. هاشم صالح، مركزالإنماء القومي، بيروت، ط1، 1986، ص 59.

(4)هاشم صالح، الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟، رابطة العقلانيين العرب، دار الساقي، بيروت، ط1،2007، ص24

(5) أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998، ص،ص 144، 145.

(6) أركون محمد، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الاسلام اليوم، تر. هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، 1998، ص 166.

(7)  مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، الجزائر، ط1، 2015، ص 121.

(8) أركون محمد، الاسلام، أوروبا والغرب، تر. هاشم صالح، دار الساقي،بيروت، ط2، 2001، ص178.

(9) مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، ص، ص 180، 181.

(10) م .أ وجوزيف مايلا، من منهاتن إلى بغداد، مارواء الخير والشر، تر. عقيل الشيخ حسين، دار الساقي بيروت، 2008، ص، ص 238، 239

(11)  أركون محمد، الاسلام، أوروبا والغرب، ص44.

(12) أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990ص 208.

(13)أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، ص 226.

* هو عقل  ما بعد حداثي، العقل المنبثق الجديد أو العقل الاستطلاعي الاستشرافي، إنه عقل لا يهدف إلى الهيمنة وإنما إلى المعرفة الحرّة واكتشاف آفاق جديدة للمعنى. أنظر: محمد أركون، العقل الاستطلاعي المنبثق وأنواع الحداثات في السياقات العربية الاسلامية( العالم العربي في البحث العلمي) العدد 10، 11 ، باريس، معهد العالم العربي، 1999، ص 104.

(14) مسرحي فارح، المرجعية الفكرية لمشروع محمد أركون الحداثي، أصولها وحدودها، ص 188.

* روجيه باستيد (1898 – 1974)عالم اجتماع واثنولوجيا فرنسي، نشر دراسات في علم الاجتماع الديني، وشملت أعماله الإثنولوجيا الدينيّة، والطب النفسي الاجتماعي، وظواهر التثاقف. وقد تركّزت بحوثه على الظاهرة الدينيّة وخاصّة الطقوسوأشرف  على دراسات في الأنثروبولوجيا التطبيقيّة، ضمن مركز طبّ الأمراض النفسيّة الاجتماعيّة ومختبر علم اجتماع المعرفة، من مؤلّفاته: إشكالات الحياة الصوفيّة (1931)، مواد لعلم اجتماع الحلم (1932)، سوسيولوجيا الاضطراب العقلي (1965)، البرازيل أرض المفارقات (1957)، السوسيولوجيا والتحليل النفسي (1950).

(15) أركون محمد، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، ص 275.

(16) محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الاسلامي، ص57.

(17) أركون محمد، "الاسلام والحداثة"، (مجلة التبيين)، تر. هاشم صالح، العدد 2، 3، الجزائر، الجمعية الثقافية الجاحظية، 1990، ص 221.

 

 

حاتم حميد محسنمنذ مئات الآلاف من السنين لم تكن لدينا أجوبة محددة لبعض الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل السؤال عن الكيفية التي جاء بها الانسان للوجود على الارض؟ او السؤال عن الشيء الذي صُنعنا منه في المستوى الاساسي؟ او كم هو حجم الكون، وما أصله؟. لعدة قرون كانت هذه الأسئلة محل نقاش الثيولوجيين والفلاسفة والشعراء.

ولكن في القرون الأخيرة الماضية، اكتشفت الانسانية اكثر الأجوبة اقناعا لتلك الأسئلة. ومن خلال عملية إجراء التجارب وعمل الملاحظات، تضاعفت معرفتنا العلمية بشكل كبير، بما مكننا من طرح استنتاجات بدلا من مجرد الانخراط في تأملات غير مؤكدة. ولكن مع ذلك، وحتى مع المنظور العلمي، فان الفلسفة والدين سيبقيان حاضرين. والآن سنحاول معرفة لماذا:

العلم

عندما يفكر أغلب الناس حول ماهية العلم، فهم يحصلون فقط على نصف جواب .العلم  ينطوي في نفس الوقت على كل من المعنيين التاليين:

1- هو مجموعة كاملة من المعرفة المحددة التي نمتلكها حول الكون. جميع النتائج التراكمية لكل التجارب، القياسات، الملاحظات التي سجلناها تكوّن مجموعة الحقائق العلمية التي نمتلكها عن الكون. النظريات، النماذج التنبؤية، الاطر والمعادلات التي تحكم الكون هي دائما جزء هام وأساسي للعلم.

2- هو العملية التي بواسطتها نحقق ونتعلم الكثير عن الكون.

العلم عملية مستمرة وهو يكشف باستمرار عن حقائق جديدة عن الكون، وان كامل عملية التحقيق العلمي – الافتراض، التجريب، طرح الاستنتاجات في سياق من اطار كامل للمعرفة – هي لاغنى عنها لما يُعرف كعلم.

ولكن في جميع الأسئلة التي أجاب عليها العلم وفي جميع الدروس التي تعلّمناها منه، هو لا يعلّمنا كل شيء. كل نظرية علمية، لا يهم كم هي قوية ومهما نالت الدعم من كل المعرفة التي انتجتها الانسانية عبر التاريخ،  فهي تمتلك فقط نطاقا محدودا من المعرفة تبدو فيه صحيحة. حتى افكارنا التي ندين لها بولاء شديد لها محدودياتها.ان أسباب هذه المحدودية تتمثل بالتالي:

اولا: التطور يوضح كيف تورث الصفات ويعطي آلية لكيفية تغيّر الكائنات الحية بمرور الزمن، لكنه لا يوضح أصل الحياة.

ثانيا: الانفجار العظيم يوضح ان الكون نشأ من الحالة الحارة المكثفة المبكرة، لكنه لا يوضح كيف نشأ الكون في تلك الظروف.

ثالثا، النسبية العامة توضح كيف ان المادة والطاقة خلقا الجاذبية وكانا السبب في انحراف الزمكان، لكنها لا توضح ما يحدث من اسلوب غريب داخل الثقوب السوداء.

بكلمة اخرى، لا يهم الى أي مدى وصلنا في فهمنا العلمي للعالم والكون، يبقى هناك دائما مكان ينتهي به فهمنا العلمي . حالما نمتلك معرفة محددة للظاهرة وفهم مفصّل للعمليات التي تؤطر تلك الظاهرة، نحن نستطيع ان نضع بأمان تلك الظاهرة ضمن مجال العلم.

لكن هناك عدة اسئلة نستطيع طرحها والتي لاتقع حتى الآن ضمن رؤية العلماء. بالتأكيد، نحن نستطيع التأمل بان الافكار العلمية قد تتمكن بالنهاية من حل هذه الالغاز، لكن هذا يعتمد على توسيع معرفتنا العلمية الحالية الى مجال لم تصله بعد. العديد من الألغاز المثيرة اليوم بدءاً من اصل الحياة  مرورا بجاذبية الكوانتم وحتى ألغاز المادة المظلمة والطاقة المعتمة، كلها تكمن حاليا  وراء المجال المفهوم علميا وبشكل جيد.

الثيولوجي

هناك أديان وتصورات أخلاقية نمتلكها حول الكون، والتي نفهمها كمجال للثيولوجي. ومهما تكن رؤانا الدينية الشخصية، فان الثيولوجي بشكل عام يتعامل مع الأسئلة مثل الهدف، الصحيح والخطأ، والمصدر الموثوق الذي يحدد بعض المبادئ التي يجب قبولها كحقائق غير قابلة للجدل.

العلم يحاول الاجابة على الاسئلة التي تبدأ بـ "كيف"، مجازفا لتوضيح والتنبؤ بما ستكون عليه حصيلة النظام الفيزيائي القائم في ظروف معينة. اما الثيولوجي فهو يحاول الاجابة على الاسئلة التي تسأل "لماذا"، يتأمل اسئلة تتجاوز المعرفة التامة ويقدم أجوبة موثوقة لتلك الأسئلة – وان كانت للبعض مثيرة للجدل .

من الصحيح ان العديد من الاسئلة التي كانت اُعتبرت في يوم ما تقع في عالم الثيولوجي، وحيث كنا نفتقر للمعرفة التامة، اصبحت الان اسئلة علمية لها اجابات نهائية. علميا، نحن نعرف الآن:

1- كيف نشأ كوكب الارض اثناء تكوّن نظامنا الشمسي قبل 4.5 بليون سنة.

2- كيف تطورت الحياة ومختلف انواع النباتات والحيوانات خلال عصور من عمر الارض.

3- كيف صاغت الأحداث الحالية والقديمة التاريخ الجيولوجي والمناخي والهايدرولوجيني لكوكبنا.

4- كيف تكونت النجوم والمجرات والهياكل الكبرى في الكون وكيف نمت من ماض اكثر نمطية وحرارة وكثافة.

مع ذلك، فان الفلسفة تكمن في المنطقة الرمادية بين هذين الحقلين (العلم والثيولوجي)، كونها تتعامل مع ما وراء معرفتنا المحددة ولكن دون اللجوء الى مصدر موثوق.

الفلسفة

هذه، بمعنى ما، المنطقة التي تزحف الى مساحة الالتقاء وحدود كل من العلم والدين، الفلسفة تسعى للتحقق من اسئلة لم يستطع العلم الاجابة عليها بعد. لكنها، خلافا للدين،  تقترب من هذه الاسئلة باللجوء الى العقل والمنطق، وتحاول استخدام هذه الوسائل لإستكشاف اسئلة  لم تُعرف أجوبتها بعد، ولكن ربما تُعرف في يوم ما.

الفلسفة تبقى محاولة مفيدة متى ما كانت معرفتنا العلمية غير كافية ومتى ما فشلت الاجوبة الثيولوجية  في إقناعنا. تبحث الفلسفة في الاسئلة المتعلقة بالوعي، الهدف من الكون، ما اذا كان الواقع موضوعي ام معتمد على ملاحظة المراقب،  ما اذا كانت قوانين الطبيعة والثوابت الفيزيائية للكون ثابتة عبر الزمن، ام انها متغيرة.

في كل الاسئلة التي نطرحها،  يجب ان يكون الهدف النهائي هو ايجاد جواب علمي،  اي لكي نقود التحقيق الذي حصيلته غير معروفة الى استنتاج مقنع مرتكز على معرفة تامة. اذا استطعنا ان نخلق حياة من لا حياة في المختبر، او نكتشف طريقة لإختبار مختلف التفسيرات لميكانيكا الكوانتم ضد طريقة اخرى، او قياس الثوابت الفيزيائية عبر المسافات الكونية والأزمان،  فسوف يكون لدينا التبرير الجيد لطرح استنتاجات علمية.

ولكن يجب ان نعترف بجهلنا طالما لم نستطع بعد من تحقيق ذلك . أحسن النظريات العلمية لدينا هي فقط المتأسسة جيدا ضمن نطاق معين من الصلاحية، اما خارج ذلك النطاق، فلا نعرف على وجه التحديد  أين وكيف ستنهار تلك القواعد. نحن نستطيع إستكشاف سيناريوهات، ندير نماذج محاكاة، نضع نماذج لسلوك الانظمة مرتكز على افتراضات معينة. لكن ان لم تكن لدينا بيانات كافية وملائمة لنتعلم الجواب التام، فنحن لا نستطيع القيام بأكثر من توظيف الأدوات التي في حوزتنا.

هذه هي الفرصة الحقيقية للفلسفة كي تتألق . عبر الزحف الى الحدود العلمية  وفهم ماهية المعرفة العلمية الحالية وكيف حصلنا عليها  سنستطيع النظر للتخوم ونستكشف مجموعة مختلفة من الافكار التأملية. اما الافكار التي تقود الى عدم انسجام منطقي او الى استحالة الاستنتاج فهي يمكن استبعادها، بما يمكننا من تفضيل او عدم تفضيل افكار حتى بدون معرفة علمية تامة.

غير ان هذه ليست مهمة سهلة ابدا. انها تتطلب من الفيلسوف ان يفهم العلم المناسب بالاضافة الى ما يقوم به العالم، بما في ذلك محدداته. انها تتطلب ان نفهم القواعد المنطقية التي يلعب بها الكون، والتي قد تتعارض مع تجربتنا المألوفة. افكار مثل السبب والنتيجة، او الفكرة بان حاصل  ضرب س في  ص = ص في س، او فكرة ان الجزيئات التي توضع في صندوق مغلق تبقى في الصندوق لكنها ليست صحيحة في جميع الظروف.

لا يهم مدى حجم معرفتنا العلمية، هناك دائما اسئلة تتجاوز ما يستطيع العلم الاجابة عليها بما يكفي . ان عدد الجزيئات المحتواة ضمن الكون المشاهد هي محدودة، كمية المعلومات المشفرة في كل الكون هي محدودة،  لا يهم كم نتعلم، الكمية التي نعرفها سوف تكون دائما محدودة. وراء كل المعرفة المحدودة، سيكون هناك دائما مكان للفلسفة.

ذلك لا يعني ان كل التفلسف القائم عند الحدود هو مفيد ومهم . الفلسفة الجاهلة بالعلم او في القواعد المنطقية غير العادية التي عادة يتبعها العلماء، سوف تقود حتى المفكرين الأكثر ذكاءً الى الوهم. ما يُعرف اليوم لدى الذهن التأملي الفضولي،  سوف لن يكون مقنعا ابدا. وحتى يأتي اليوم الذي يحقق فيه العلم ذلك التقدم الحاسم، فان التفلسف سيبقى اداة ضرورية للنظر في ما وراء حدود اليوم.  

 

حاتم حميد محسن

 

سامي عبد العاللا تُخْفِي ممارسة الديمقراطية الرواسب الآسنةَ الكامنة فيها، بل تلفظها على قارعة المجال العام. وتلك هي حيوية فكرتها حينما تكشف المفارقات قيد التحقُق. لأنَّ النظام الديمقراطي- بخلاف الأنظمة الأخرى- يجدّد نفسه بنفسه. وفي هذه السمة تشترك كلُّ ديمقراطية مع المعرفة العلمية كما يذهب كارل بوبر. فالاتجاه التصحيحي الذاتي self-corrective بصدد الأفكار والأفعال سنجده في مجالي السياسة والعلم. المفارقات رغم جانبها السلبي إلاَّ أنها ترسم طريق الديمقراطية، تنحته نحتاً. حيث ستكون أنظمة الحكم وآليات الممارسة السياسية وقيم الفعل عُرضةً للانكشاف إذا ما انحرفت عن الحدود المشرُوعة.

المفارقات بهذا ضروبٌ من النقد العملي practical criticism الذي يحمل جوهر الديمقراطية ذاتها. وإذا كانت الأخيرة ثقافةً وتجارب، فإنها تَعرض ما آلت إليه أمام كافة مواطنيها. ولا تحتاج إلى إدارة من خارجها، لكنها تتيح لمن يقطنها ألاَّ يغيِّب الوعي عما يحدث. كأنها تقول وهي الصامتة أنها خطاب يومي( كشف حساب) بما يجري لها. مثلها مثل الذكاء الاصطناعيartificial intelligence  حينما يتضمن قدرته الخاصة على إعلام مستعمليه بالأخطاء في الأنظمة الافتراضية. المفارقات مساحة لتعديل المسار ورسم الحدود. وكل مراحل الديمقراطية ما لم تجْرِ بهذا المعنى، ستصل إلى طريق مسدود.

ربما سر بقاء الديمقراطية وتجاوزها للعثرات (الذاتية) كونِّها حاملة لبذور اخفاقها بهذا المعنى. كما أنَّها تروض الموت السياسي political death بمنطق الحياة أو تضيفه بالأحرى إلى رصيد الحياة. لأنَّها تقوم على المنافسة التي تستنفد الامكانيات لصالح ماهيتها تلافياً للثغرات. ولئن جاءت ملتوية هنا أو هناك، فإنها تقضي على من يمارس الخداع بأساليب سلمية تماماً، فضلاً عن كونها تستوعب كافة التجارب الإنسانية وتنوعها. الديمقراطية ليست شكلاً واحداً، لكنها تختلف من مجتمع إلى آخر. وتصبح قابلة للتشكل بمداها الأبعد فاتحةً الآفاق أمام الممارسة دون توقف.

مفارقة الإرادة / السلطة

تنطوي الإرادة على مستويين، إرادة فردية وأخرى جمعية. وبمنطوق فلاسفة العقد الاجتماعي, تذوب الإرادة الفردية في نظيرتها الجمعية كما يرى هوبز وروسو. تعد الإرادة الجمعية تجسيداً للإرادة الفردية. والمفارقة: أن الديمقراطية تسمح بممارسة التحرر الجمعي, غير أن إطلاق الإرادة الفردية شيء صعب وسط الادعاء - كما يُقال- بأنَّ هناك أخْطاراً تهدد النظام الديمقراطي.

لذلك اعتقد بعض الفلاسفة عدم إمكانية فصم عرى الإرادة الجمعية تحت أي مبرر من مبررات الإرادة الفردية. ولا يحق للأفراد الطموح إلى ذلك (هوبز). هذا يعنى: أن هناك تعارضاً في قلب النظام الديمقراطي بين الإرادتين. وأنّ هناك تهديداً يراه ممارسو هذا النظام تجاه أقليات أو فئات. بالتالي تظهر "السلطة" التي تنفصل تدريجياً عن إمكانية التغيير، التي تفتتحها الممارسة الديمقراطية, لتصبح وضعاً مفروضاً وغير قابل للنقاش.

رأى كارل بوبر popper أنَّ الدولة يمكن - في النظام الديمقراطي- أن تتسامح مع الأحزاب الأخرى، طالما خضعت لتلك السلطة ولقواعد التعايش، غير أنه يستحيل أن تفعل الشيء نفسه مع الأحزاب التي ترفض أسس النظام الديمقراطي وقيمه. بمعنى أنه نظام محدود بمحاذير لا ينبغي تخطيها، وأنه قد ينقلب إلى ضده إذا واجه تهديداً. أي يتحول من حيوان مألوف ومستأنس إلى حيوان وحشي مفترس (لا ديمقراطية تحت التهديد).

هذا يعني بالمقلوب أنَّ الديمقراطية كنظام يتيح الإمكانيات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ويعطى فاعليه الحق كل الحق في التعبير عن وجودهم السياسي بكامل الحرية والاختلاف. والحق نفسه لا يمكن احتكاره من قبل فئة أو طبقة أو أقلية على حساب العناصر الأخرى. وأن الديمقراطية لا تتعامل مع الأفراد على أساس الانتماء الطبقي أو الفئوي، لكن استناداً إلى المواطنة. القاعدة التي تعطى الإنسان كمواطن حقوقاً عامة أخرى، ما كان لينالها لولا أنه فرد في فئة أو طبقة ما.

أما لو جرى عكس هذا، فيدل على:

- تحول الإرادة الجمعية إلى تسلط جمعي غير قابل للذوبان بين أفراد الشعب. وعليه لا يمكن لها أن تُذيب الطبقية والنخبوية أو القبائلية. ذلك ما تعانيه بعض الدول العربية الأسيوية والأفريقية. فرغم وجود برلمانات على خلفية ديمقراطية, إلاَّ أنَّ هناك " بطانة قبائلية " تؤثر على سير الانتخابات والممارسات السياسية بشكل أو بآخر.

في هذه الحالة، ليست الإرادة الجمعية سطحاً يحمل فسيفساء الشعب, لكنها نفق سياسي يحمل تأثيرات لقوى غالبة اجتماعياً، بحسب تكوينها وثقافتها. وتبدو الديمقراطية غطاءً واقياً يحمى داخله القوى التي تتأقلم معه. وتأخذه لتأدية مصالحها الخاصة, ولا نعرف بالضبط أية ديمقراطية مع أنها في الشكل محكومة ببرلمانات وانتخابات وممثلين ودوائر إعلامية مستقلة!!

- إلغاء الحرية الفردية بحجة الحريات الجمعية. فيقال إن هناك مصلحةً عليا، ينبغي بإملاء من الديمقراطية الحفاظ عليها, وعادة ما يكون ذلك بمبرر حماية النظام وإتاحة المساحة للآخرين, أي...الآخرون ضد الآخرين, ولا ُيتحقق من هم الآخرون سواء أكانوا يميناً أم يساراً. وذلك يسمى إدارة التعايش بمنطق الصراع، حتى يكون ثمة طرف أعلى بمنأى عن الصراع، إذ يجنى ثمار السلطة، ويبقى فاعلاً عبرها، مدعياً أنه يحمل اسم الديمقراطية.

وقد تكون الحرية الفردية مقيدةً، كحال بعض المجتمعات الأوربية ضمن ظروف الحرب على الإرهاب. مثل محاولة فرض المراقبة على وسائل الاتصالات والتنقل لحماية المواطنين من الأخطار. وذلك يتم أيضاً بمبررات ديمقراطية، مع أن الوضع أحياناً يصب في مصلحة فئة ما أو لعقد صفقات سياسية. ولماذا نذهب بعيداً؟ فهناك في الدول العربية كمصر يجرى فرض قانون الطوارئ بمبرر الحفاظ على استقرار البلاد, في وقت ينتهك هذا القانون أخص حريات الإنسان (حرية التعبير)، ويتم ملاحقته ليل نهار. ورغم ذلك يخضع من جهة أخرى إلى قواعد اللعبة الديمقراطية,... كيف يجتمعان؟!

تمثل السلطة في الأنظمة الديمقراطية مشكلة خطيرة. التواطؤ- الذي قد يحدث - يكشف جوهر النظام السياسي للدولة. وتلك المشكلة تظهر بمقدار التناقض في عمق الديمقراطية ذاتها. ففي الأخيرة لا يوجد ما يسمى بالسلطة بهذا الشكل التراتبي الطبقي أو المركزي. لقد وضعت بجميع أشكالها التاريخية فقط للتخلُّص من التسلط، وتذويب حالة الجمود العام. وكما تكشف تلك المشكلة علاقة السلطة ككيان تجريدي بما هو شعبي، وإلى أي مدى تنفصل عن الأفراد، رغم اعتمادها على وقائع فرديةٍ لا تسير بدونها.

مفارقة الحضور / الغياب

مع أن الديمقراطية تعنى "حكم الشعب" إلاَّ أن الديمقراطيات النيابية تنهض على الممارسة التمثيلية. ليغيب الشعب في مقابل حضور أفراد قليلي العدد. المهمة الرئيسة لهم التعبير عن أهداف ومطالب شعبية. إن ذلك يمثل تغييباً مقصوداً, لكنه في معظم الحالات يحول دون فاعلية النظام الديمقراطي. فالمفترض أنَّ يحضر الشعب في عمليات الممارسة, مع وضع آليات لذلك, بيد أنَّ فراغاً يشغله الممثلون يؤدى إلى تراكم أفعال بديلة ليست مطابقة لموضوعاتها الأصلية ولا لفاعليها الأصليين (أفراد الشعب).

إذ يبدو التمثيل وضعاً بديلاً حتى على مستوى الوجود والمصير. فماذا يعنى أن يحضر آخرون مكان الفاعل الأصلي للحكم؟

لا تُحل تلك المعضلة إلاَّ باحتمالين:

أولاً: إمَّا أنَّ ينتزع الشعب حقّه, كما يجرى تاريخياً بواسطة التغييرات الجذرية، تجاه الأشخاص والمؤسسات المدنية والسياسية القائمة على فكرة غياب الفاعل. وإنْ كان" نائب الفاعل " في النحو يأخذ الوضع الإعرابي للفاعل، على أساس قيامه بنفس الوظيفة اللغوية، فالسياسة بفضل المفارقات السالفة هي قلب لتلك الوظيفة تحت مسميات كثيرة, منها المصالح وتدعيم الطبقة أو النسق أو الأيديولوجيا.

ثانياً: وإمَّا بغياب السلطة ذاتها أو أن تصبح غير فاعلة من حيث أخذها بالإنابة. وهذا ما لا يحدث. لأن مجرد التراتب: الفاعل الغائب ثم نائب الفاعل على خلفية نسق سياسي/ اجتماعي يعطى الفاعلين(بالإنابة / الأصليين) أهمية متدنية. بدليل أن فترات الانتخابات في الأنظمة البرلمانية تشهد تصاعداً لسلطة الشعب كـ"قاعدة انتخابية". بالمقابل يظهر تراجع لهؤلاء البرلمانيين، عقب انتهاء صلاحية السلطة الممنوحة لهم, ثم سرعان ما تنعكس الأوضاع وهكذا.

ومع أنَّ هناك نجاحات على صعيد التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وعادة تشهد حراكاً سياسياً, غير أنَّها تتطلب دعماً متواصلاً من نسق سياسي اجتماعي، يحول دون الانحراف أثناء غياب الفاعل. وهذه استثناءات باعتراف علماء الاجتماع السياسي, بل أكد هؤلاء أنَّ الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الديمقراطي يأتي من هذا الباب.

يوجد إشكالٌ ديمقراطي لا مناص منه: كيف يمكن ممارسة السلطة بدون تسلط؟ وهل يمكن للأفعال بالإنابة أن تستأثر بالسلطة وتؤثر بها؟ وما مدى خطورة هذه الأفعال على الديمقراطية ذاتها؟ ربما تدعو الاستفهامات إلى فكرة أن لكل مجتمع نظامه الديمقراطي الخاص به. لأنه كما رأينا تتعدد أفعال الإنابة والتوسُط: لكن في أغلب الأحوال يمثل التعدد في الأنظمة الديمقراطية تنويعاً بمرتبة الاقتراب من القضية الأم : كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ وهل هناك ضامن غير الشعب نفسه لهذا الحكم؟

جاءت النظريات السياسية المعاصرة كاستجابةٍ لتلك المفارقات. وهى تقدم تحليلات فكرية ذات طابع عملي عبر أكثر من اتجاه:

1- مع تشخيص المشكلات السياسية تبرز الخلفية التاريخية المهمة لها، استناداً إلى الجوانب السلبية التي اكتنفت ممارسات الديمقراطية على اختلاف مجتمعاتها. ويبدو هذا الاتجاه -استناداً إلى التاريخ والخبرات الحياتية والثقافية- بمثابة إظهار العمق الاستراتيجي لمقولات سياسية كمقولة أن "الاحزاب هي دكتاتوريات عصرية" أو "الجماعات السياسية هو قبيلة العصر الحديث". ذلك إذا كانت تتضخم على حساب الحريات الفردية وتحول الناس إلى قطعان. ومن ثم تأخذ النظريات في كشف العلاقة القوية بين الجوانب السلبية في أنظمة الحكم والسلطة ومردودها على المجتمع.

2- بلورة البدائل الملائمة في التنظيمات الشعبية السياسية وافساح المجال للحريات العامة. مع الالتزام بتلافي الجوانب السلبية لتجارب ديمقراطية كانت أقرب إلى الطبقية منها إلى أي شيء آخر. ويتم ذلك عملاً بمنطق الحرية الفردية والجمعية.

3- تأسيس الفرضيات النظرية على قاعدة نسق إجمالي من الحلول السياسية لمشكلة الحكم والحلول الاجتماعية والاقتصادية لها. فإذا كانت التنظيمات الشعبية كالأنشطة السياسية والمؤسسات لا تخضع لفكرة التوسط بالمعنى التمثيلي(النيابي)، فهناك تنظيمات اقتصادية منفتحة تواكب حركتها لتصبح فاعلة في البناء الاجتماعي. لذلك امتدت الأفكار الإنسانية من السياسة إلى الاقتصاد ومن الرياضة إلى الموسيقى ومن المرأة والأسرة إلى الشعب. ويبدو مستحيلاً التحدث عن هذه الأشياء دون نسق يعطينا التوضيح والترابط.

4- تطرح النظريات السياسية آفاقاً لمجتمعات كونية متعددة الأجناس والاتجاهات . وبذلك لا تستمد أهميتها من تجاوز مشكلات الديمقراطية, لكن بفضل مفاهيم وضعتها للإنسان والمجتمع والحياة والاقتصاد والأخلاق والمرأة. وهى في معظمها مفاهيم تأخذ دلالات جديدة في المجتمع بمعناه المفتوح open society.

ومن ثم تنعقد هذه المفاهيم معاً لتأسيس واقع مختلف. حيث تشكل ما يسمى بالمرجعية النسبية. وقد تمتزج بالثقافة ومصادرها، سواء المعرفية أو الموروثة أو الاجتماعية. ولهذا ربط جون ديوي بين الديمقراطية والثقافة والتربية على أساس أنها مسار طويل لا يتوقف.

إنه لمن الصعوبة بمكان حل مشكلات الديمقراطية بدون تقديم هذه المفاهيم وتحديد وظائفها. بحيث يعاد بناء المجتمع في ضوئها، وبإمكان الإنسان كإنسان أن يمارس حياته من خلالها، حتى تغدو ثقافةً حرة. في هذا الإطار حاولت كل نظرية سياسية أن تؤسس للعلاقة بين المنطق والسياسة من جديد. فحكم الشعب طبقاً لدلالة الديمقراطية لا يتم بتحول الشعب إلى مفعول به على طريقة النحو أو باعتباره اسماً, إنما هناك "علاقة هوية" غير قابلة للتبديل بين الحكم كفعل وممارسة وبين الشعب كحالة عينية وكيفية، لابد لكي يحكم أن يُستغرّق في الممارسة على نحوٍ كاملٍ.

لذلك فإن الديمقراطية اجتماعياً هي "حكم الشعب" وليست "سلطة الشعب". لأن هوية الشعب كوجود سياسي أنه يحكم نفسه بنفسه مبدئياً. أما السلطة الشعبية فهو عبارة عن حالة وسط بين الأفراد والجماعات وبين الحكم. بلغة المنطق فعل هوية بين الموضوع والمحمول، بالتالي تستدعى بموقعها هذا وسطاء(لقطاء) لا يحققون قانون التنوع. كما أن السلطة الشعبية مجرد علامة على رغبة عامة قد تنحرف إلى ما يضر تنوعها. قد تتحقق أو لا تتحقق. أما "حكم الشعب" فهو الإنجاز الذي يقوم به الشعب دون مبارحةٍ. فالشعب حين يجتمع، فإنه لا يجتمع إلا بفعل ديمقراطي، إذ يمتلك أدوات الحكم والقرارات والقوانين, لا لتعود فتتحكم في أفراده، إنما لتفعيل حياته من خلال وجوده السياسي الذي يُغتصب بعناوين كثيرة.

هنا يتعين معنى أن يكون الشعب حاضراً في الأنظمة الديمقراطية. وأن تكون حرية الإنسان معياراً لتنوع هذا الوجود السياسي وخصوبته. هي ليست ديمقراطية مباشرة، لأنها كذلك بدون وسطاء, بل لأنها ديمقراطية حاضرة خلال ثقافة الشعب وحياته ورؤاه. فالحضور هنا حالة راهنة لذاتها. حيث الفعل الذي يسمى حُكماً, لا باسمه ولا بغيره. وعليه يمكن تجنب المفارقات السالفة. لذلك فإن الديمقراطية بأشكالها الحالية تحتاج إلى نقد متواصل.

لكن لماذا هذه الملاحقة النقدية؟ لأنَّ الديمقراطية – كما في دول الاستبداد الشرقي- تصبح لونا من الدجل العام. والدجل هو الإيهام بإيقاع الرغبات والأمنيات كأنها قانون كوني، يتجسد بضربة آمرة أو بطقوس وسيطة بين الدجال ومملكة الأسرار المقدسة. وبنفس العملية – في الأنظمة الشمولية المشار إليها- يفعل ممثلو الشعوب الأفاعيل والايهامات الفارغة لبيع الأحلام الاقتصادية والاجتماعية للناس، تلك المتعلقة بالثروة والمكانة، عن طريق ربط الحالمين بعالم الأسرار,.. عالم السلطة. ثم ُيتوقع أن يحقق هذا الربط نفسه كأنه قانون عام, بينما هم أضعف من أن يفعلوا ذلك, لينتهي الحكم إلى تغليب طبقة على طبقة أخرى، وحصر السلطة في حزبٍ أو صفوةٍ أو عائلة أو حاكم مستبد طفيلي آتٍ من غابر الأزمنة.

الاستبداد هو دائرة المفارقات التي لا تنتهي، لأنه يلعب على ازدواج السلطة والشعب طوال الوقت. ومع تطور الحياة العامة وآليات التواصل، يجعل منها سركاً منصوباً للقفز الماكر من هذا الجانب إلى ذاك. كأننا في غابات مفتوحة تدعونا لإحياء القرود داخل المواطنين لكي يستطيعوا الحصول على أدنى الحقوق. تتحول الدولة إلى قفص كبير بحجم المجتمع ينتظر خلاله الناس حبوب التسالي التي يرميها الحاكم كلما مر على غاباته. وتصبح الديمقراطية سوطاً لا تسمع له إلا صوت الضرب والتخويف. ثم يخرج ليلاً على شاشات التلفاز مغمغماً بعباراته اللزجة لعل القرود تتقافز، تصرخ وتتصايح.

 

سامي عبد العال

 

علي رسول الربيعيخضع الاهتمام بالجمهورية كفلسفة سياسية إلى إحياء كبير ابتداء من الستينيات. لقد كان للخطاب الجمهوري حضورا مستمرا ومثريا على مستوى النظرية، وإلى حدود معينة في المناقشات السياسية. كان التجديد في الفكر السياسي الجمهوري بداية في الستينيات مرتبطًا إلى حد كبير بالبحث الأمريكي عن الهوية، فضلاً عن انتقاد العواقب السلبية التي تنتجها الحركة الليبرالية الفردية.[1] ثم جاء الدافع الحاسم لإحياء الفكر الجمهوري من مجال البحث التاريخي.[2] رسم المؤرخون مشهدًا متنوعًا للتقاليد الجمهورية (الإيطالية والهولندية والتركية والمكسيكية وما إلى ذلك) وادعوا أنهم اكتشفوا الكنوز المنسية لتقليد "الحرية قبل الليبرالية"[3] أي المفهوم الروماني الجديد عن الليبرالية على أنه عدم هيمنة  ويُنظر إليه على أنه مفيد في معالجة الخلل الديمقراطي الحالي. يجب فهم قوة وأهمية العلاقة الجمهورية على خلفية أزمة أكثر عمومية وبنيوية من سخط المواطنين في الديمقراطية الحالية.[4] جادل الجمهوريون بأن المفهوم الليبرالي - الذي يركز على الحقوق الفردية والأسواق والحرية باعتبارها عدم التدخل - ساهم في الأزمة الديمقراطية.[5] لأن الليبرالية تفصل الفرد عن الممارسة الفعلية للحكم الذاتي الجماعي وتتغاضى عن البعد المجتمعي للحرية، وتعتبر غير ملائمة لتقديم حل مناسب لظاهرة عدم الولاء  للدولة وحل مشكلة مركزية السلطة الاقتصادية والسياسية. يؤكد الجمهوريون على سياسة تتلاءم مع غرس  روح  الأهتمام بالشأن العام أو ما يمكن أن نطلق عليه : الروح العامة، وتعليم المواطنين دافع المشاركة في الحكم الذاتي الجماعي، والسعي وراء الصالح العام، ومواجهة الهيمنة.[6] وهكذا سعى الجمهوريون للتأثير على النقاش العام من خلال تصميم سياسات تحبط الهيمنة وتعزز الروح العامة والمشاركة في الأمور ذات الاهتمام المشترك.[7]

لقد تعامل الجمهوريون مع مسألة الدين من منظور همومهم الأساسية: ما هو دور الدين في السعي لتحقيق الصالح العام (respublica)؟ ما هي العلاقة بين الدين في تعزيز عدم الهيمنة والحرية كممارسة جماعية؟

اعتبر الجمهوريون الرومانيون، في تاريخ الفكر السياسي الغربي، أن الدين يمثل عنصرًا أساسيًا للجمهورية الصالحة. كان هذا الاعتقاد الشائع مرتبطًا بحقيقة أن الدين الروماني، مثل الديانة اليونانية، كان مدنيًا إلى حد كبير (سوف نتناول هذا تفصيلا في سلسلة نقاشنا  لمكانة الدين في الجمهورية لاحقا). ومع ذلك، على النقيض من الدين المدني في العصور القديمة، أدخلت المسيحية انقسامًا بين الأمور الأرضية والخلاص، والحكم الذاتي الجماعي والسيادة الإلهية: ولدت المسيحية، من خلال إعطاء الأولوية للخلاص على الأمور الدنيوية، ردود فعل متناقضة داخل التقاليد الجمهورية استمرت حتى اليوم. اعتمادًا على كيفية تداخل التقاليد المختلفة بين الدين والسياسة، ظهرت انقسامات كبيرة بين التقاليد الجمهورية الفرنسية والأمريكية والهولندية والتركية وغيرها.[8] في أحد طرفي الطيف، في الرؤية الفيدرالية واللامركزية للجمهورية الأمريكية، ذهب العقل والإيمان معًا وفي آن وأتجاه  واحد.[9] أدرج الآباء المؤسسون عناصر من كل من التقليد الليبرالي والجمهوري، وتطلعوا إلى تحقيق توليف بين الحقوق الطبيعية والله والتنوير والبروتستانتية. في الطرف المقابل من الطيف، اشتبكت الجمهورية الجديدة في فرنسا التي نشأت خلال ثورة 1789 مع هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. هذه المواجهة هي التي أدت إلى وجود علاقة متضاربة بين الدولة الجمهورية الجديدة والديانة المنظمة التي لا تزال تتردد حتى اليوم، خاصة في التعامل مع الإسلام.[10]

لقد تجاهلت الشخصيات البارزة في النهضة الجمهورية المعاصرة الدين إلى حد كبير وحتى وقت قريب؛[11] لكن، تحول المفكرون الجمهوريون في السياق الحالي بشكل متزايد إلى مكانة للدين في ديمقراطية تشكلها المبادئ الجمهورية. أصبح الدين من أكثر القضايا إثارة للانقسام في الفلسفة الجمهورية المعاصرة. تتعلق جذور هذا الأنقسام داخل الجمهورية بشأن الدين، إلى حد كبير، بأساسيات المشروع الجمهوري نفسه. من جهة، تمجد صيغة ذات تاثير الجمهورية اللائكية العلمانية العلمانية تمجيد لا الجمهورية، كما جردت الفضيلة من خصوصياتها الثقافية الدينية.  وفي صيغة أو شكل أكثر اعتدالًا، تميل جمهورية عدم الهيمنة إلى قبول المظاهر الدينية في المجال العام ومنح الاعتراف بها، ولكنها تبقى  متشككة وتنتقد الدين باعتباره يعزز علاقات الهيمنة.[12]  من جهة أخرى، تميل الجمهورية "الجماعاتية" إلى منح الدين دور أكثر إيجابية، لأنها تمنح أهمية أكبر للمجتمع ومسألة  الخير العمومي أوالصالح العام؛[13] وهناك جمهوريون مثل ماوريتسيو فيرولي  يذهبون الى أن الجمهورية الحرة غير ممكنة "بدون إله"؛ أنهم يدافعون عن فكرة "الدين المدني" كما افترضه مكيافيلي.[14]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Haakonssen, K. (2007) "Republicanism", in Goodin, R., Pettit, P., and Pogge, T.W.L . (eds) A

Companion to Contemporary Political Philosophy, 2nd edn, Oxford: Blackwell: 729-734.

[2] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Thought and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1983) "Machiavelli on the Maintenance of Liberty" , Politics 18(2): 3-15.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in

Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Van Gelderen, M. and Skinner, Q. (eds) (2002) Republicanism: A Shared European Heritage, Volume 1: Republicanism and Constitutionalism in Early Modem Europe; Volume 2: The Value ef Republicanism in Early Modern Europe. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[3] Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism, Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[4] Crouch, C. (2004) Post-Democracy. New York: John Wiley & Sons.

[5] Arendt, H . (2006) Between Past and future. New York: Penguin Classics.

Skinner, Q. (2012a), Liberty before Liberalism.

[6] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. Oxford: Clarendon Press.

[7] Braithwaite, J. and Pettit, P. (1990) Not Just Deserts: A Republican Theory of Criminal justice.

Oxford: Clarendon Press.

Marti, J.L. and Pettit, P. (2010) A Political Philosophy in Public Life: Civic Republicanism in Zapatero's Spain. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[8] Pettit, P. (2005) "The Tree of Liberty: Republicanism: American, French, and Irish", Field Day Review 1: 29--42.

[9] Beiner, R. (2011) Civil Religion. A Dialogue in the History of Political Philosophy. Cambridge, UK:

Cambridge University Press.

Smith, D. (2014) "The Buddha and Blasphemy". Available online at http:/ / secularbuddhism. org/ 2015/ 01 /27 /the-buddha-and-blasphemy.

[10] Asad, T. (2003) Formations if the Secular Christianity, Islam, Modernity. Stanford, CA: Stanford University Press.

Gauchet, M. (1999) The Disenchantment of the World. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[11] Pocock, JG.A. (2009), The Machiavellian Moment. Florentine Political Tho11ght and the Atlantic Republican Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Skinner, Q. (1984) "The Idea of Negative Liberty: Philosophical and Historical Perspectives", in Rorty, R ., Schneewind, J.B. , and Skinner, Q. (eds) Philosophy in History: Essays in the Histori­ ography of Philosophy. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 193-221.

Pettit, P. (1993) "Liberalism and republicanism", Australian Journal of Political Science 28(4): 162- 189.

Viroli, M. (2001) Republicanism. Princeton, NJ: Princeton University Press.

[12] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory cif Freedom and Gove rnment. Oxford: Clarendon Press.

Lovett, F. (2010a) A General Theory if Domination and Justice. Oxford: Oxford University Press. Lovett, F. (2010b)  "Cultural Accommodation and Domination",  Political Tiieory  38(2) : 243-267.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's D iscontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

[14]Viroli, M. (2010) Machiavelli's God. Princeton, NJ: Princeton University Press: 237.

 

 

 

رغم أن يورغن هابرماس، هو الآخر من الفلاسفة الذين استهوتهم الفلسفة التأويلية  واعتمدوها في ممارساتهم ودراساتهم الفلسفية، إلا أنه (أي هابرماس) يبني التأويلية النقدية من أجل فلسفة تواصلية حقيقية، لا تلغ غاية العقل في بلوغ الموضوعية، ولا مشروعية تمتّعه برخاء التقنية بداعي القول بأزمة التقنية أو أزمة العلوم الأوربية والموضوعية التي حمل لواءها كل من هوسارل وهيدغر وواصل غدمار في نفس النهج الذي رسمّته له الظواهرية والأنطولوجيا.

ذلك ما دفع هابرماس إلى الدخول في معركة فكرية مع غدمار، استعمل فيها كل الأسلحة الممكنة من أجل العودة إلى الفكر البراغماتي، بحيث كان نقد هابرماس لاذعا لدرجة أنه اعتمد لغة توصيفية، تعتمد التهكّم والسخرية. فمن أي منطلق فلسفي انتقد هابرماس الممارسة التأويلية للحوار لدى غدمار؟!.

لقد سخر هابرماس من إحجام غدمار عن التنظير في المنهج التأويلي واكتفائه بمجرد عرض مفاهيم موغِلة في التجريد من مثل "الآفاق" و"التحام الآفاق"، الأمر الذي استهدف التأويلية لوابل من التهكّم والازدراء من جانب الوضعيين.(1)

لا يتوانى غدمار في الرّد على الاعتراضات وتوضيح وجهة نظره، حيث يؤكد على أهمية التأويلية الفلسفية لمجالات الحياة بما فيها العلم، ويدافع عن فكره اتهاما كهذا من طرف الوضعيين يجعله يوغل في التّجريد، خاصة عندما يصرح باغتراب الإنسان عن عالمه بسبب الإبستمولوجيا  والمنهج.

يقول:"حقيقة ومنهج لم يسعَ أبدا إلى إعطاء خاصية مطلقة للتضاد المتضَمن في عنوانه، ولكن إذا كانت علوم الروح قد أسست جيدا لنقطة انطلاق التحليل، فذلك لأنها وحّدت التجارب، من حيث أن المنهج والعلم ليسا مطلقا في رهان، والتجارب الداخلية للعلم هي مثل تلك الخاصة بالفن والثقافة المدوّنة من طرف تراثها التاريخي(...) التجربة التأويلية بالتناظر في عمل كل تجربة هي بعيدة عن كونها موضوع للمسافة المنهجية، إنها تسبقها، بالعكس نحن نطرح على العلم أسئلته ونتيح امكانية ظهور موضوع أعمال مناهجه".(2)

كما أن من المفاهيم التي انتقدت بشدة من طرف هابرماس،كما من طرف دريدا هو مفهوم "الإرادة الحسنة"التي جعلت النقّاد ينظرون إلى غدمار كفيلسوف يهيم في فضاء طوبوي ميتافيزيقي بعيدا عن الواقع المعاش وتمظهراته، كما يجانب حقيقة الطبيعة البشرية ويجهلها.

من منظور غدمار، لا بد للحوار من "الإرادة الحسنة " لإنتاج أرضية ملائمة للتفاهم، هذا الموقف يخفي انتقادات كثيرة وجّهت إليه، منها لهابرماس يتّهمه فيها بالعداء للعلم والموضوعية وانتصاره للتقليد وسلطة التراث، كما يصفه بالفيلسوف المحافظ.(3)

يرد أيضا غدمار على القول بعدم بامتلاكه للوعي الثوري ووصفه الفيلسوف المحافظ، بتحديد قيمة العمل التأويلي الذي تعنى به التأويلية الفلسفية لديه، ومن منظور غدمار الحفاظ على التراث ليس أقل ثورية من ثورية التجديد في حد ذاته.

يقول:" إن عمل  التأويلية الفلسفية هو إظهار لأنماط السعة التأويلية وتقييم أهميّتها الأساسية من أجل مجموع فهمنا للعالم تحت كل هذه الأشكال: منذ التواصل البين-إنساني، إلى التمّظهر الإجتماعي، منذ تجربة الفرد في محيط المجتمع، منذ التراث من ناحية الدين والحق، الفن والفلسفة إلى قدرة التفكير المؤسسة على الوعي الثوري"(4)

وبما أن هابرماس لديه مرجعية فكرية ماركسية، فإنه يجعل قاعدة تأويليته النقدية سياسية إيديولوجية، باعتبارها المجال الخصب لصور التقنّع والخداع وظهور الحقائق الزائفة التي لابد من إحالة الشك إليها وانتقادها ومحاولة غربلة معارفها التعتيمية من أجل بلوغ الحقائق الأصلية  والموضوعية.

ولذلك أيضا أصبحت الإرادة الحسنة التي أقام عليها غدمار لعبة الفهم والتفسير، متصدّعة  وخاوية، تتهاوى أمام قوى الأيديولوجيات العميقة التي تمارس تأثيرها خفية.(5)

يزعم هابرماس أن المشكلة الجذرية في تأويلية غدمار هي أنه يظن أن كل حوار بين ذات وموضوع، أو بين ذات وأخرى، هو حوار صادق وأصيل، ويظن أن كل التحام بين أفقين هو التحام حقيقي. لم يضع غدمار في حسبانه احتمال وجود حوار زائف وإجماع زائف ولم يدُر بخلده أن لعبة الفهم والتفسير الجارية المتدفقة يمكن أن تفسدها القوى الأيديولوجية المسيّطرة والعنيفة والمشوَّهة والتي قد تشق وتدّق بحيث لا يراها ولا يحسبها اللاعبون أنفسهم.(6)

يرد غدمار بقوله:"يرتبط هابرماس بالموضوع الذي يعتبر مركز اهتمامات المعرفة الاجتماعية من منظور البحث عن المشروعية للوعي بالتحوّلات الاجتماعية الداخلية والخارجية عن طريق تأويل اللغة ونقد الأيديولوجيا، من أجل أن تكون ذاتها فعل التفكير الذي يُفسّر في اللغة ويتحوّل  إلى الكشف عن "الزيف الذي يتوّلد عن طريق اللغة (...) والأيديولوجيا ليست فقط غير متاحة الفهم بصفتها وعيا لغويا خاطئا، ولكن لا يمكننا أيضا أن نكون على فهم لمعناها الحقيقي، مثلا ذلك الموجود في اهتمام السلطة، حيث يتضمن مواضيع غير موعاة، المحلل النفساني هو من يجلبها إلى الوعي"(7)

إن هابرماس ينظر إلى غدمار وكأنه شخص لديه رؤية ساذجة للأمور لدرجة أن يتغافل عن لعبة الأفكار السياسية وممارساتها ولعبة الأيديولوجيات التي تضمر ما لا تظهر، وتسعى إلى تحقيق مآربها عن طريق منطق ذرائعي كما أنه يجيد لعبة التخّفي والخداع، وأحيانا ينظر إليه على أنه فيلسوف محافظ، يحتاج إلى روح ثورية تمرّدية، تجعله يستفّز مَواطن التحايل ويكشف أي رغبة للخداع. ليبدو في الأخير أنه انتقد المدرسة الرومنسية في فلسفته التأويلية، إلا أنه لم يخرج عنها.

يرى هابرماس أن فهمنا للعالم أو لكلام الآخرين ليس أصليا وصحيحا، بل إنه يتعّرض في الغالب للتشويه من طرف علاقات السلطة. ولهذا، فإن علينا بادئ ذي بدء أن نحلّل علاقات السلطة داخل مجتمع ما، إذا أردنا تحقيق فهم"خالص" غير متأثر بالعنف أو بالبنى السلطوية.(8)

لقدّ كان غدمار يظن أن الحوار الذي يجمع بين "الأنا" و"الأنت"، حوار أخوي وصريح، وأنّ الالتحام بين أفقين، هو التحام حقيقي، لكنه أغفل حقيقة وجود "حوار زائف" يُضمر شكلا من أشكال الأيديولوجيا، ويحوّل علاقة "الأنا" – "الأنت" من علاقة إيتيقية مبنيّة على الحوار المتبادل إلى قوة وسّيطرة.(9)

يرد غدمار بقوله:" أيضا يقول هابرماس: الحوار العقلاني المتحرّر من الضغوط، الذي يمكنه أن يحيد عن الانحرافات، يفترض مسبقا ودائما تقديرات ما عن الحياة المستقيمة، إذن فقط حوار ما يمكنه أن ينجح" إن فكرة الحقيقة التي تقاس بالاتفاق الحقيقي، تتضمن فكرة النضوج(...) هذا المقياس للحقيقة الذي استخرج مصطلح الخير من فكرة الحقيقي، ومصطلح الوضوح الخالص للوجود، الميتافيزيقا قد أردته بالنسبة إليّ مألوفا. إن مصطلح الوضوح الخالص في أصله في النظرية الوسيطية للوضوح، هي هنا تتجسد في الملاك الذي له علاقة الامتياز بالنظر للإله في جوهره، إنني أعاني من أجل ألا أتهم هابرماس بالفهم الخاطئ للأنا أنطولوجيا(...) أكيد، إنها تحديدا أنطولوجيا خاطئة(Fausse Ontologique)، تلك التي يعيبها عليّ هابرماس، مثلا: لأنني لم أر تعارضا استثنائيا بين السلطة والتنوير، هذا سيكون خطأ بالنسبة لهابرماس، لأن ذلك يفترض مسبقا أن "الاعتراف الشرعي"بدون اتفاق الذي يؤسس لسلطة، سيرد دون عنف، أليس لدينا الحق في وضع هذا الفرض".(10)(11)

رغم أن هابرماس يتفق مع غدمار في أن الحوار يجب أن يكون تفاعلا متبادلا حرا بين قوتين  إلا أنه يرى أن الحرية التي يقوم عليها الحوار مهدّدة في الصميم. فما أن يصاب الحوار بعدوى الأيديولوجيا، حتى تنهار حرّيته ويصبح الاتفاق الذي يفضي إليه الحوار اتفاقا زائفا.(12)

ولأن غدمار ينظر إلى التأويل بالدرجة الأولى، كتأويل لغوي الذي يمكن من خلاله كشف تعابير الحياة والتجربة الإنسانية المعاشة في التاريخ كأثر واللغة كنص و الفن كعمل إبداعي، فإن هابرماس قد هاجم أيضا هذا الطرح ورأى أنه، أي غدمار، قد أغفل جانبا أساسيا يتعمّد إخفاء حقائقه مستعملا لغة زائفة، ويشارك في حوار يتحوّل إلى مفاوضات يتنازل أحد الطرفين فيها للآخر، وفي الأخير يصلون إلى الاتفاق حول حقيقة زائفة.

إن الفهم يحدث في اللغة، في حين نجد أن اللغة، كما يؤكد هابرماس، لا تعكس إلا جانبا واحدا من الواقع، ذلك أن الإحاطة بالنشاطات الاجتماعية تقتضي أن تنتظم هذه الأخيرة في مجال موضوعي يتكوّن من اللّغة، العمل والسلطة.(13)

إن اللغة من منظور هابرماس كيان إيديولوجي يختزن في قلبه الزّيف والخرافة والاستلاب. وإذا كانت الأيديولوجية في اللغة قمعية كابتة، فإن فهم اللغة لا جدوى منه، ما لم يتم التحقّق من الأيديولوجيات وتمحيصها. ثمة فرق بين الفهم من خلال اللغة وبين الانعتاق من اللغة.(14)

لعل نقد هابرماس لغدمار في مفهوم اللغة، ولعبة الإيديولوجيات التي تتخذ من اللغة وسيطا للخداع  وتوصيل فهم ما ومعنى ما كرسالة مشفّرة أو حتى صريحة، لعل ذلك لا يجعله يختلف مع غدمار في أن ممارسة لعبة التأويل هي في حد ذاته ممارسة للعبة لغوية، إلا أنه يعتبر اللغة الوسط المناسب لنشر الحقائق الزائفة، وتميز الأفكار المضلِّلة الخادعة التي تسعى في الأخير إلى التشويش  على الفهم وتشويشه، والأدهى من ذلك أنها ممارسة سلطوية أيديولوجية مقصودة ومتعّمدة، لا بد لها من عقل تأويلي فطِن لا ينخدع بسهولة بمغريات الممارسات الرومنسية والتصورات الميتافيزيقية التي يحسبه، انخدع بها غدمار.

وهكذا تصبح اللغة، وهي الوسط الضروري للحوار الغاداماري، حاملة للعدوى الأيديولوجية  وهكذا يبدو غدمار في صورة كاريكاتورية لجرّاح خطِر يحمل حقيبة آلات جراحية ملوّثة.(15)

يقول غدمار:" لقد أصرّ (هابرماس) على إنكار شرعية الوعي الثوري وإرادة التغيير لديّ. وإذا عارضت هابرماس في أن خطاب الطبي- المريض لا ينبغي اعتباره متعلّقا بالحوار الاجتماعي. وإليه أطرح السؤال التالي: في الموضوع المتعلق بالتفسيرـالذاتي للوعي الاجتماعي- وكل نمط للحياة هو تفسيرـ ذاتي، هل نصل في مساءلتنا له إلى إعلان الوضوح؟ وما هو التأويل غير المستدعى؟ أوّجه هذا السؤال للمماثلة المؤكدة من طرف هابرماس. في حالة التحليل النفسي ستكون الإجابة من طرف سلطة الطبيب الذي يعرف، لكن في الميدان الاجتماعي والسياسي، تُفتقد هذه الخاصية بالتحليل عن طريق التواصل، أما في المعالجة يكون المريض على ثقة إراديا، لأنه يعرف كونه مريضا.(16)

ومن منطلق هابرماسي التشكيكي وتأثره بفلاسفة مدرسة الارتياب، خاصة منهم ماركس وفرويد  فإنه يحيل كل معرفة، وخاصة إن كانت متعلقة بالسلطة والسياسة والأيديولوجيا، على محك الشك وعلى غربلة العقل التأويلي النقدي.كما نجده يفترض الزيف في كل حقيقة، والخداع في كل معرفة منظّر لها، إلا أن يقوم بممارسة نقدية تأويلية تكشف له عن الحقيقة الأصيلة والموضوعية.

لقد شيّد هابرماس نظرية تأويلية تبدأ من افتراض أن كل معنى ينتج عن الاتفاق هو موضع شك في أن يكون نتاج اتفاق زائف، وأن يكون من ثم معنى زائفا. ومهمة التأويلية النقدية إذن هي البحث عن اتفاق حقيقي ومعنى أصيل.(17)

غدمار لا ينفي ممارسة التأويلية الفلسفية في كل أنماط الحياة التي قد تتشكل في اللغة والتاريخ  والفن، أما الأيديولوجيا ولغتها بل وخطابها لا بد له من رؤية نقدية تأويلية، إلا أنها لا تزعم بلوغ الحقائق الموضوعية" إذا توّجهنا إلى إشكالية تأويلية، تجعل الحقيقة تفرض القبض عليها من أجل تشّكل كلي، سخافة، كون المصادر الحقيقية للعمل والسلطة يمكنها التموّقع خارج تلك الحدود(...) إن أيديولوجية اللغة ستصبح في الحقيقة سخافة كبيرة، إن الوجود الذي يمكننا فهمه هو اللغة".)(18)(

يلتمس التأويل الكشف عمّا هو متخّفي، وتهيئة مكان للحقيقة في الوضوح، وفي السطوع وفي الانفتاح. والتأويل يحدث في فضاء الاختلاف. ولكنه يحدث هناك في فضاء الاختلاف، ليس عن طريق توجيه التساؤلات إليه، ذلك لأن توجيه التساؤلات إلى شخص ما يعني إقامة مكان لسلطة، ولمدلول متعالٍ، ومكان لملاذ أخير غير أن الذات، ليست أهلا لثقة كهذه. وسيكون من قبيل الخطأ خلع ثقة كهذه عليها.(19)

إن مهمة توجيه التساؤلات لشخص ما، يمكن أن ينتج إما الحقائق وإما الأكاذيب. ومع ذلك فإن القضية هي أنه حتى لو كان ذلك الشخص – سوء أكان ذاتا متعالية، أو مصدر للمعرفة، أو موقعا سلطويا – نقطة إحالة مشروطة. فإن الذات هي نفسها تستطيع أن تعرف ما إذا كانت تنتج حقائق أم أكاذيب. لن يكون السؤال على الإطلاق، الطريق الوحيد لحل المشكلة  فإن لم تكن ثمة تساؤلات فلن يكون ثمة مدار قلق: إذًا ما من أكاذيب وما من حقائق ستقدّم.(20)

إن إنتاج الحقائق والأكاذيب، هو إنتاج للخطاب. وكما يعبّر هيدغر عن ذلك بقوله :"اللغة تتكلم، وتكلّمها يلوّح للاختلاف (dif - fernce) بالمجيء، الاختلاف الذي ينزع طابع الملاءمة عن العالم والأشياء في جانب بسيط من صلتها الحميمية، وعندما تتكلم اللغة في مكان الاختلاف، فإنها تنتج خطابا تكون فيه الحقائق والأكاذيب ممكنة، يقول هيدغر:"إن الإنسان يتكلم فقط عندما يستجيب للغة، واللغة تتكلم وكلامها يتكلم إلينا في ما كان قد تمّ الكلام عليه".إن اللغة ليس بمقدورها أن لا تتكلم، والخطاب ليس أمامه إلا إنتاج الحقائق والأكاذيب.(21)

 

د. أمينة بن عودة -  جامعة معسكر

الجزائر

.....................

المراجع:

عادل، مصطفى، فهم الفهم، مدخل إلى الهرمنيوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط1 1424ه، 2003م.

معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، الدار العربية للعلوم، ناشرون، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 1431ه، 2010م.

هانس جورج غادامر، اللغة كوسيط للخبرة الهرمنويطيقية، تر. رشيد بوطيب، (مجلة فكر ونقد)، دار النشر المغربية، المملكة المغربية،ع16، 1999.

سلقرمان، ج.هيو، نصيّات بين الهرمينوطيقا والتفكيكية، تر.حسن ناظم علي وحاكم صالح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2002، ص 66.

H .G. Gadamer, L’art de Comprendre, Herméneutique et tradition philosophique, Ecrits I, tra Pierre Fruchon, Edition Aubier Montaigne, Paris, France, 1982.

 ....................

الهوامش 

(1) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 298.

(2) ( H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p130.

(3) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 236.

(4) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p123.

(5) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 237.

(6) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 299 .

(7) (H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p, p133, 134.

(8)هانس جورج غادامر، اللغة كوسيط للخبرة الهرمنويطيقية، تر. رشيد بوطيب، ص 44.

(9) معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص 237.

 (11) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p163.

(12)معافة، هشام، التأويلية والفن عند هانس جيورج غادامير، ص299.

(13) المرجع نفسه، ص 237.

(14) عادل، مصطفى، ص 299.

(15) المرجع السابق: ص 300.

(16) H.G.Gadamer, L’art de comprendre, p166. 

(17) عادل، مصطفى، فهم الفهم، ص 301.

(18) H .G. Gadamer, L’art de comprendre : p 134.

(19) سلقرمان، ج.هيو، نصيّات بين الهرمينوطيقا والتفكيكية، تر.حسن ناظم علي وحاكم صالح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2002، ص 66.

(20) المرجع السابق: ص 66.

(21) المرجع نفسه: ص 66.

 

 

زهير الخويلدي"الحق الذي يمتلكه كل فرد.. يخضع دائمًا للحق الذي يتمتع به المجتمع على الإطلاق، والذي بدونه لن يكون هناك صلابة في الروابط الاجتماعية، ولا قوة حقيقية في ممارسة السيادة."

لا شك في أن هناك العديد من الطرق للنظر إلى الأسئلة التي تثيرها الاستخدامات الحديثة لكلمة "الديمقراطية". اليوم، بالكاد توجد أي أنظمة لا تدعي أنها ديمقراطية أو تبرر خروجها عن المعايير الديمقراطية بالحاجة إلى إعداد الشروط الموضوعية لاحترامها أولاً. مع إدراكنا التام للحدود المرتبطة باختيار مثل هذا المنظور، سنقتصر على اعتبارنا هنا أن الإشارة إلى الديمقراطية، على الرغم من تنوع السياقات والنوايا وأنماط التنظيم المؤسسي التي ترتبط بها، يفترض دائمًا، بطريقة ضمنية تقريبًا، مشروع الكشف عن شرعية أو عدم شرعية السلطات المنشأة (أو التي سيتم إنشاؤها). من خلال هذا المشروع، فإن ما هو على المحك هو البحث عن موافقة (أو رفض) الرجال الخاضعين للسلطات التي تقول وتؤيد القانون. في هذا المجال، تشارك الكلمات نفسها في لعب القوى المعارضة التي تطور استراتيجياتها حول القوى. ومع ذلك، هناك العديد من الطرق لاستدعاء المعايير التي يمكن من خلالها إثبات شرعية السلطة العامة أو المتطلبات التنظيمية لممارستها. إن الإشارة إلى الديمقراطية ليست بديهية. يكفي هنا أن نفكر في كتب اللويثان لهوبز وفي الحكم المدني لجان لوك وكتاب العقد الاجتماعي لروسو.

لا يبدو لنا أنه من المبالغة القول بأن التحليلات المتاحة، على مستوى الدولة والمجتمع في الفلسفة الحديثة، تتطلب تصحيحات تفصيلية وإطلالة معمقة على مختلف الرؤى والتصورات التي صاغها الفلاسفة. فاذا كان لفظ مجتمع ينحدر من  كلمة socius التي تعني الحليف، الرفيق، والمنتسب ويمكن أن يشمل هذا المصطلح جميع العلاقات أو التجمعات البشرية بالمعنى القوي، ويشير الى اجتماع عدد من الأفراد يؤدي إلى ثقافة أو مؤسسات أو حضارة فإن الدولة ترتبط بالوضع، والحالة باللاتينية ويشير هذا المصطلح إلى الجهاز السياسي والسلطة السيادية التي تخضع لها مجموعة بشرية، والتي تعتبر شخصًا قانونيًا وأخلاقيًا.

تشير شخصية الانسان الاجتماعية إلى استعداده للعيش في صحبة الآخرين. بالمعنى الضعيف، يمكن أن تكون سمة شخصية. بمعنى قوي، تقول أن الإنسان ليس مجبرًا على العيش بمفرده. لقد اعتبر المفكرون القدماء أن هذه الحاجة الى الاجتماع كانت طبيعية وتتجلى بطرق مختلفة: لضمان سلامته وتغذيته، ولكن أيضًا لأن الرجل كائن يتكلم ويستمتع من شركة أصدقائه، أي فرد يجب أن يعيش في المجتمع. لذلك قال أرسطو أنه خارج المدينة، كان الإنسان "إما وحشًا أو إلهًا"، ولكن ليس بأي حال من الأحوال إنسانًا عاديًا. علاوة على ذلك لا يمكن للمجتمع أن يقوم ويحافظ على تماسكه واستمراريته ويحقق الازدهار والنماء دون قيام سلطة سياسية تهتم بتنظيم العلاقات بين أفراده ودولة قوية تعتني بادارة الشأن العام.  ولعل الدراسات المكرسة لتصورات هوبز ولوك وروسو إلى سبينوزا غالبًا ما تنطبق على القواسم المشتركة التي تجلت، في كثير من النواحي، من خلال نظرياتهم السياسية وانتقاداتهم للديانات المكشوفة وطموحهم المشترك حول ابرام معاهدة لاهوتية سياسية تحوم حول علمانية المجتمع وضمن مدنية الدولة. إن الهدف من هذه التأملات حول العقد والقانون والحكم والسيادة وإشكالية العلاقة بين الحق والقوة وبين السلطة والعنف حسب حنة أرندت شائع ومعروف. اذ لم يكن هناك أي شك في أن الحقيقة والسياسة على أسس سيئة وصفيح ساخن، ولا أحد كان يحسب حسن النية من بين الفضائل السياسية. لطالما اعتبرت الأكاذيب أدوات ضرورية وشرعية، ليس فقط لمهنة السياسي أو الديموغرافي، ولكن أيضًا لرجل الدولة. لماذا هو كذلك؟ وماذا يعني هذا فيما يتعلق بطبيعة وكرامة المجال السياسي من جهة، وطبيعة وكرامة الحقيقة وحسن النية من جهة أخرى؟ هل المجتمع حاجة طبيعية للبشرية؟ وكيف يقتضي قيام المجتمع وتطوره التاريخي وجود دولة قوية ؟ أليست اللعنة في السياسة ازدراء قوة الدولة ؟ هل الأمن والحرية شرطان متناقضان؟هل تبرر الغاية الوسائل في السياسة؟ وما المقصود بالعقد الاجتماعي؟ وكيف يعمل على بناء دولة قانون ومؤسسات؟ وهل هناك تعارض أم توافق بين النظام الاجتماعي ونظام الدولة ؟

1- فرضية حالة الطبيعة وفكرة العقد الاجتماعي:

بينما يعيش معظم الناس في المجتمع، فإن هذا لا يجعلهم في حالة انسجام ضروري واجتماع سلمي بالطبع. فالحياة الوحيدة هي المحافظة على البقاء بالمعمنى البيولوجي، ويمكن للمرء أن يتخيل حالة ما قبل اجتماعية للبشرية. يرى روسو أن الإنسان ليس لديه حاجة طبيعية للعيش في المجتمع: الحاجة تفصل الناس بدلاً من الجمع بينهم، وفي طبيعة مترفة وسخية يمكن لشخص واحد أن يكفي تمامًا لنفسه. تسمى هذه الحالة ما قبل الاجتماعية "حالة الطبيعة". يؤكد روسو نفسه أن هذا خيال. إنها وسيلة تصور الظروف التي أجبرت الإنسان على التجمع مع زملائه والخضوع للسلطة السياسية. إن خيال حالة الطبيعة هو قبل كل شيء وسيلة لتحديد شروط "الميثاق الاجتماعي": عقد أصلي، يحدد الشروط التي بموجبها يوافق الرجال على الخضوع لسلطة عدد قليل أو واحد . الحكومة غير شرعية عندما لا تحترم شروط الميثاق الاجتماعي.

بالنسبة لهوبس، "الإنسان ذئب للإنسان"، أي أنه معاد بشكل طبيعي لزملائه. والنتيجة هي "حرب الجميع ضد الجميع" والتي تدفع الجميع لقبول الخضوع لضمان أمنهم وسلامهم المدني. وبالتالي فإن الدولة المنتجة هي "ليفياثان" (وحش بحري مذكور في الكتاب المقدس)، وهو سلطة ذات سلطة مطلقة.

بالنسبة لروسو، لم يستطع الرجل أن يقبل التضحية بحريته الطبيعية في الحصول على الأمن في المقابل: "العقد الاجتماعي" يعني ضمناً أن كل مواطن يحافظ على حريته بأي ثمن، حتى مقابل السلطة السياسية.

لذلك يمكننا أن نرى أن مفهوم حالة الطبيعة يساعد في تفسير سبب قبول القانون، بما يتوافق مع ما يجب أن يقوله القانون. من ناحية أخرى، ما هو "قانوني" هو ما يقوله القانون في جميع الظروف. ما هو قانوني يمكن أن يكون شرعيًا أو غير شرعي. وبحكم مفهوم الشرعية هذا، اقترح ماكس ويبر تعريفه للدولة كعلاقة هيمنة تمارس عن طريق "العنف المشروع".

العقد الاجتماعي هو حل مقترح لمشكلة تبرير المجتمع المدني، وليس وصفا لنوع معين من الحكومة. لقد تم استعارة فكرة العقد من المجال القانوني. من "societas" اللاتينية، تعين كلمة المجتمع في البداية عقدًا يجمع الأفراد من خلاله السلع والأنشطة، بحيث يتعهد الشركاء بتقاسم أي خسارة أو أي ربح قد ينتج عن هذا الارتباط. بحثًا عن أساس للسلطة أقل تشكيكًا من القانون الإلهي (القديس بونافنتورا) وأقل تعسفيًا من القوة (مكيافيلي)، تحول المفكرون السياسيون إلى المفهوم القانوني للاتفاق التعاقدي القائم على الموافقة المتبادلة. إن المفهوم التعاقدي للدولة هو نتاج ثقافة تحدد الإنسان ككائن عقلاني، وهذا يعني أنه ليس فقط معقولًا، وبالتالي ذكيًا وأخلاقيًا، ولكنه مهتم أيضًا، وبالتالي قادر على الحساب. في أساس أي نظرية للعقد الاجتماعي، هناك فكرة مفادها أن المجتمع المدني ليس حادثًا صدفة ولكنه ثمرة حساب نفعي للأفراد لتحديد ما هو الأفضل للصالح العام لأكبر عدد الأفراد. وبالتالي، فإن نظريات العقد الاجتماعي مرتبطة بإيديولوجية فردية ونفعية للطبيعة البشرية:

الأفراد موجودون مسبقا في المجتمع الذي يتم اختراعه بالاتفاق المشترك. (مفهوم "اصطناعي" للمجتمع).

الأفراد متساوون بشكل طبيعي.

الأفراد قادرون على المنافسة بشكل طبيعي.

يميل الناس بشكل طبيعي إلى البحث عن الأمن.

الأفراد هم الآلات الحاسبة بشكل طبيعي. (قادرة على تصور مزايا كل منها المواقف المختلفة).

2. المفاهيم الأساسية:

هذه التعاريف الكلاسيكية هي تلك التي قدمها Pufendorf في عمله (في القانون الطبيعي والناس، 1672):

- حالة الطبيعة

حالة الطبيعة هي حالة الناس الذين ليس لديهم أي صلة أخرى غير صفتهم المشتركة لأنهم بشر، كل منهم حر ومتساوٍ مع الجميع.

- عقد الشركة أو "عقد الجمعية"

عقد الشراكة هو العقد بين الناس عندما يقررون التوحد لمنح شخص واحد أو جمعية مهمة اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن والمنفعة المشتركة بحيث تكون هذه القرارات تعتبر إرادة الجميع بشكل عام وكل منها على وجه الخصوص.

- العقد الحكومي أو "عقد المناقصة"

عقد التقديم هو التخلي الطوعي والكامل عن السيادة الفردية في أيدي الحكام الذين يتعهدون من جانبهم بمراقبة الأمن والمنفعة المشتركة. إنه عقد للرجال مع سيد.

تختلف نظريات العقد الاجتماعي باختلاف مفهومها لحالة الطبيعة وتحليلها للعقدين.

النظريات المختلفة للعقد الاجتماعي

سوف نقدم ثلاث نظريات ممثلة للاتجاهات المختلفة: نظريات هوبز ولوك وروسو

يشرح هوبز مفهومه للعقد الاجتماعي في كتابه Le Léviathan (1650).

إن ليفياثان هو وحش كتابي يقال إنه ليس له قوة على الأرض مثله. هذا الوحش، مخلوق خارق تقريبًا، يمثل لهوبس الدولة، هذه القوة الاصطناعية، كلها قوية، خلقتها الإنسان للدفاع عن نفسه.

أ- حالة الطبيعة حسب هوبز

حالة الطبيعة لهوبس هي "حالة الحرب الرهيبة" لأن الإنسان ذئب للإنسان.

تُعرَّف حالة الحرب على النحو التالي: "من الواضح أنه طالما أن الرجال يعيشون بدون قوة مشتركة تبقيهم جميعا في خوف، فإنهم في هذه الحالة التي تسمى الحرب والتي هي حرب كل واحد ضد كل واحد. الحرب الحرب لا تتكون فقط في المعركة أو في التعامل معها، ولكنها موجودة طوال الوقت التي أثبتت فيها إرادة القتال بما فيه الكفاية ؛ لأنه تمامًا كما أن طبيعة الطقس السيئ لا تكمن فقط في واحد أو اثنين من الاستحمام ولكن في الميل إلى المطر لعدة أيام متتالية، وبالمثل فإن طبيعة الحرب لا تقتصر فقط على الحقيقة الفعلية للقتال، ولكن في تصرف معترف به للقتال طوال الوقت أنه لا يوجد ضمان بل على العكس. أي وقت غير الحرب هو السلام. "(توماس هوبز، ليفياثان، الأول، الثالث عشر)

- حالة المجتمع حسب هوبز

إن حالة المجتمع ضرورية بسبب انعدام الأمن في حالة الطبيعة.

العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع هو عقد خضوع. يرفض هوبز التمييز بين الجمعيات والخضوع. بالنسبة له، الطريقة الوحيدة للوحدة هي الخضوع لطرف ثالث.

السمتان للعقد حسب هوبز هما:

حقيقة أن العطاء يجب أن يكون كليًا ؛

حقيقة أن السيد نفسه غير ملزم بهذا العقد (سلطته مطلقة).

الخضوع الكامل من جهة والسلطة المطلقة من ناحية أخرى هي شرط لا بد منه لوضع مدني، أي حالة سلام. وبالفعل، فإن مجرد إمكانية الاستئناف سيؤدي إلى عودة كل منهم إلى القتال. الدولة هي "رجل الله للإنسان".

ما يحافظ على الدولة هو السلطة. يقول بالفعل هوبز "بدون السيف، المواثيق مجرد كلمات".

ما يحل الدولة هو مناقشة السلطة، وحقيقة أن الرجال يحكمون على ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به، ليس بموجب القانون ولكن بضميرهم. من خلال تعيين أنفسهم كقاضين للخير والشر، يعود الرجال إلى حالة الطبيعة.

الشيء الوحيد الذي يطالب به هوبز المواطنين هو الطاعة. ولكن في المقابل، يكسب المواطنون الأمن واحترام ممتلكاتهم.

هوبز هو المفكر في الحكم المطلق.

ب- نظرية لوك

على العكس من ذلك، يعتبر لوك من أوائل المفكرين الليبراليين. في مقالاته الثلاثة عن الحكومة المدنية، كشف عن نسخة جديدة من العقيدة التعاقدية للدولة.

لكن لوك يشاطر هوبز شاغلين: ضمان الأمن والحفاظ على الممتلكات (السماح للفرد بالاستمتاع بممتلكاتهم في سلام).

- حالة لوك الطبيعية

بالنسبة إلى لوك، فإن حالة الطبيعة هي حالة من الانسجام والحرية المعقولة. يتمتع الإنسان في حالة من الطبيعة بقوتين وحق أساسي:

القدرة على ضمان الحفاظ عليها.

القدرة على معاقبة أي شخص يهدد حياته.

يقتصر الحق الأساسي للملكية على ما هو ضروري للحفاظ عليه.

- حالة المجتمع حسب لوك

لماذا تشكيل مجتمع إذا كانت حالة الطبيعة هي حالة سلام ووئام إذا كانت حالة الطبيعة ليست "حالة حرب مروعة" كما اعتقد هوبز؟ تفتقر حالة الطبيعة إلى ضمان النظام والسعادة، وبعبارة أخرى ضمان الأمن.

كيف ينتقل المرء من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع؟ بالتراضي. ولكن، على عكس هوبز، اعتقد لوك أنه لا يمكن لأي حكومة شرعية (أي حكومة تمت الموافقة عليها بحرية) أن تكون حكومة مطلقة. في الواقع، لن يكون أي شخص أحمق بما يكفي للموافقة على التخلي عن جميع حقوقه، لأن حالة المجتمع حينها ستكون أسوأ من حالة الطبيعة.

فكرة لوك هي أنه في الحالة المدنية، القاعدة هي الأغلبية وليس السلطة المطلقة لهيئة قوية.

إنه افتراض جميع الفكر السياسي الليبرالي بعد لوك أن رأي الأغلبية يجب أن يكون الأفضل. هذا الافتراض المسبق يقوم على فعل إيماني. كما كان باسكال يتساءل بالفعل، لماذا نتبع التعددية؟ هل لأن لديها المزيد من الأسباب أم لأن لديها المزيد من القوة؟

وفقا لوك، يدخل الرجال بالتالي الحالة المدنية من خلال عقد شراكة (موافقة متبادلة) وعقد تقديم مشروط. يُحل عقد التقديم إلى الحكومة بمجرد أن تعتبر الأغلبية أن هذه الحكومة غير كافية، أي أنها غير قادرة على ضمان الأمن.

بموجب عقد التقديم هذا، يستسلم الأفراد بشكل مشروط سلطتهم للحفاظ على أنفسهم وسلطة العقاب لصالح الهيئة السياسية. ولتجنب إساءة استخدام السلطة من قبل الهيئة السياسية، لا ينبغي أن تتركز هاتان القوتان في أيدي هيئة واحدة. هذا هو مبدأ تقسيم السلطات، وهو أمر مهم للغاية في الديمقراطية الليبرالية. حتى لا يكون هناك،

سلطة تشريعية لديها السلطة لضمان الحفاظ على المواطنين من خلال سن القوانين؛

سلطة تنفيذية لها سلطة العقاب (لا يميز لوك سلطة تطبيق القانون، السلطة التنفيذية المناسبة، من تلك التي تعاقب الجاني، السلطة القضائية).

منذ لوك، اعتبر الليبراليون تقليديًا الفصل بين السلطات في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية أفضل ضمان ضد إساءة استخدام السلطة.

تنبثق نظرية لوك عن مبادئ الديمقراطية الليبرالية في القرن التاسع عشر:

إن قوة السيادة عظيمة ولكنها ليست أكثر من الكفاءة في تعزيز الصالح العام، أي حماية الحقوق الطبيعية للأفراد.

الخضوع للسيادة مشروط دائمًا. إنها ليست عزلة عن الحقوق الطبيعية ولكنها وديعة بسيطة.

وبالتالي، إذا كانت الحكومة غير مخلصة بوظيفتها، فإن الشعب له الحق في التمرد.

سوف يتأثر روسو بشدة بفلسفة لوك السياسية. لديهم نفس المخاوف ونظريتهم للعقد الاجتماعي ترتكز على نفس الفرضية: الانسجام الطبيعي لإرادة ومصالح الأفراد. هذه الفرضية التي لا يمكن إنكارها هي الفردية الليبرالية والديمقراطية.

ومع ذلك، لم يوافق لوك وروسو على مفهومهما للعقد نفسه، أي على الوسائل التي سيتم استخدامها لتحقيق المثل السياسي.

- حالة الطبيعة حسب روسو

كان هناك العديد من سوء الفهم بشأن هذه الفكرة في روسو:

الانسان في حالة الطبيعة ليس لروسو الرجل الأصلي الذي يتحدث تاريخياً. روسو، مثل المنظرين الآخرين للعقد الاجتماعي، ليس ساذجًا بما يكفي للاعتقاد بأن حالة الطبيعة كانت موجودة بالفعل في الماضي. حالة الطبيعة ليست حقبة تاريخية. الرجل في حالة الطبيعة ليس رجل كرومانيون!

الإنسان في حالته الطبيعية ليس "الهمجي الجيد" لبرناردين دي سان بيير. الهمجي الجيد، مهما كان وحشيًا، هو بالفعل كائن اجتماعي و كائن أخلاقي.

لم يكن هناك أي سؤال على الإطلاق لروسو في الدعوة إلى العودة إلى حالة الطبيعة، لسببين: الأول هو أنه لن يكون من المنطقي العودة إلى دولة لم تكن موجودة من قبل ؛ والثاني هو أن الرجل في حالة الطبيعة لروسو ليس الرجل المثالي، إنه رجل لم يتدهور بعد، ولكنه لم يطور إمكاناته بعد: رجل التي تكون حالة التطور الأخلاقي والفكري فيها صفر. وبالتالي، فإن حالة الطبيعة ليست الحالة المثالية.

الرجل في حالة الطبيعة لروسو هو الرجل كما لو لم يكن كائنًا اجتماعيًا. يقول روسو عن مثل هذا الكائن أنه سيكون "جيدًا" لأنه لن يكون قادرًا على أن يكون لئيمًا. في الحقيقة، لكي تكون لئيمًا، عليك أن تؤذي رفيقك. ولكن للحصول على أشياء مماثلة، يجب على المرء أن يعيش بالفعل في المجتمع. لا يملك "الجار"، الرجل في حالة الطبيعة، ما يريده ليس جيدًا ولا سيئًا. لذلك فإن "صلاحه" سلبي بحت: غياب الشر، وغياب اللاأخلاق، بسبب عدم أخلاقه (غياب الأخلاق). وبالتالي، فإن حالة الطبيعة في روسو ليست نتاجًا للبحث عن الأصول التاريخية للبشرية (الحالة الأصلية) ولا نتاج الخيال (أسطورة الهمج الجيد)، بل هي نموذج نظري. يتم الحصول على هذا النموذج النظري من خلال تحليل الوضع الحالي. إنها مسألة تحديد من خلال التحليل ما الذي يعود إليه الرجال في طبيعتهم وما يعود إلى حياتهم الاجتماعية. وبعبارة أخرى، فإن حالة الطبيعة طبيعية في كل واحد منا. هذا هو السبب في أن ليفي ستروس يرى في روسو مقدمة العلوم الاجتماعية. ولكن عندما نتجاهل البعد الاجتماعي، فإن ما نحصل عليه ليس كائنًا حقيقيًا، بل هو بالضبط تجريد يظهر كمعيار، أي كنقطة مرجعية، معيار (ولكن ليس بالضرورة مثالية).

إن حالة الطبيعة هي ببساطة هذه الحالة المحايدة التي لم يفسد فيها الإنسان بعد، دون أن يكون كاملاً بعد: كل شيء لا يزال ممكنًا للأفضل أو للأسوأ. الإنسان في حالة الطبيعة مثالي لكنه قابل للتحلل. ميزة هذه الحالة مقارنة بالحالة الاجتماعية الحالية هي أن الرجل في حالة الطبيعة لم يتدهور بعد ؛ العيب مقارنة بالحالة الاجتماعية المثالية (حالة العقد) هو أن الرجل في حالة الطبيعة لم يتقن نفسه بعد. فقط التنشئة الاجتماعية الجيدة يجب أن تسمح للإنسان بتطوير مواهبه المحتملة. وهكذا، لفهم ما هي حالة الطبيعة وما هي الحالة الاجتماعية لروسو هو فهم هذه الملاحظة التي كتبها روسو نفسه بأن "كل شيء مرتبط جذريًا بالسياسة".

- المشكلة السياسية في فلسفة روسو تتبع منهجيان: كل عمل روسو هو انعكاس لظروف إمكانية الحياة الأخلاقية. الموضوع الأساسي هو الحرية. الحدس العميق لروسو هو أن مشكلة الحرية تنشأ أولاً وقبل كل شيء من حيث الحرية الاجتماعية والسياسية. لكن في تفكيره في المشكلة السياسية، اتخذ روسو مسارين، مسار الخطاب عن أصل وأسس عدم المساواة ومسار العقد الاجتماعي.

1) منهج الخطاب حول أصل وأسس اللامساواة

المشكلة المركزية في الكلام ... هي مشكلة عدم المساواة والملكية، والأخير هو مصدر الأول.

نقطة البداية للتحليل هي الرجل كما كان يمكن أن يكون. إنها حالة تخمينية، "حالة الطبيعة"، تتميز بالسعادة والعزلة واللاأخلاقية (غياب الأخلاق، لأن الإنسان في حالة الطبيعة ليس له مثيل).

نقطة الوصول هي المجتمع والقوانين كما هي، تتميز بالسوء والحرب واللاأخلاقية (عدم احترام لأبسط المبادئ الأخلاقية الأساسية).

2) منهج العقد الاجتماعي: إن المشكلة الأساسية للعقد ... هي الحرية والسيادة، والأخيرة هي ضمان الأول. (السيادة هي شخصية من هو صاحب السيادة، أي من يملك سلطة القرار).

نقطة الانطلاق هي الرجال كما هم، أي أنهم تدهوروا من قبل دولة اجتماعية على أساس عقد زائف ليس سوى صراع مقنع على السلطة (العنف). ان نقطة الوصول هي المجتمع والقوانين كما يمكن أن تكون، أي أن تكون مشروعة وآمنة وعادلة، على أساس عقد حقيقي (اتفاق الوصايا). لا تسمح لنا التنشئة الاجتماعية الجيدة بإعادة اكتشاف حالة الطبيعة، التي ستكون متناقضة، ولكن إعادة اكتشاف الطبيعة فينا. الرجل الطبيعي، رجل العقد الاجتماعي (أو إميل)، على عكس رجل الطبيعة، هو الرجل الذي أتقن قدراته الطبيعية بدلاً من تحريفها.

- العقد الاجتماعي حسب روسو

جميع نظريات العقد الاجتماعي قبل روسو، سواء المطلق (هوبز) أو الليبرالي (لوك)، تعتمد على الاغتراب الكلي أو الجزئي للفرد. ومع ذلك، بالنسبة لروسو، فإن المشكلة هي أولاً وقبل كل شيء الحفاظ على الحرية. ومن هنا جاء بيان مشكلته: "ابحث عن شكل من أشكال الارتباط الذي بموجبه يطيع كل شخص مع الجميع نفسه فقط ويبقى حرًا كما كان من قبل. "

كيف سيواجه روسو هذا التحدي؟ يقدم روسو حله في الفصل السادس من الكتاب الأول من العقد الاجتماعي: "الاغتراب التام لكل شريك مع كل حقوقه في المجتمع بأسره. لأنه، أولاً، يعطي كل شخص نفسه، الشرط متساوٍ للجميع، والشرط متساوٍ للجميع، لا أحد لديه مصلحة في جعله مكلف للآخرين ".

وبعبارة أخرى، من المفارقات، أن المعاملة بالمثل في التخلي عن الامتيازات الفردية هي التي تخلق الروابط الاجتماعية. هذا الارتباط من خلال التبرع الكلي (التخلّي عن بيع أو بيع) لكل مجتمع يجعل عقد التقديم غير ضروري. من خلال هذه الرابطة، يفقد الفرد الحرية الطبيعية - التي يشاركها مع جميع الكائنات الحية - لتوفير احتياجاته الخاصة مع جميع القوى الموجودة تحت تصرفه. لكنه يكتسب الحرية الاجتماعية التي تعرف بأنها التمتع بالحقوق التي يكفلها القانون والتي منحناها لأنفسنا (حرية الاستقلالية). يخضع الفرد نفسه، كموضوع، للقوانين، ويصدرها كمواطن.

الحرية عند روسو هي حرية الاستقلالية ("إن دافع الشهية الوحيد هو العبودية وطاعة القانون الذي وصفه المرء هو الحرية") لأن الاتفاقية الاجتماعية تؤسس بين الرجال المساواة القانونية الحقيقية ضد وضد الاختلافات الطبيعية: "بدلاً من تدمير المساواة الطبيعية، يستبدل الميثاق الأساسي، على العكس من ذلك، المساواة الأخلاقية والشرعية لما كانت الطبيعة قادرة على وضع عدم المساواة الجسدية بين الرجال، وأن تكون غير متساوية في القوة أو عبقرية، يصبح جميعهم متساوين بموجب الاتفاقية والقانون. "[1]

والحق أن السيادة المطلقة مرتبطة بفكرة السلطة العليا التي تتأسس على الارادة الشعبية ويقال إن السيادة التي لا تتعرض لأي استجواب مطلقة. عارضت الملكية المطلقة للنظام الملكي أي فكرة عن الحد من السلطة. لكن غياب التحديد هذا ليس محجوزًا لقوة استبدادية أو ديكتاتورية. في النظام الشرعي، يجب أن تكون هناك دائما سلطة ذات سيادة لا يفترض أن يمارسها أحد. لا توجد قوة سيادية حقًا ليست مطلقة، أي أنها مقيدة بغيرها. يصر سبينوزا على ضرورة أن يطيعها جميع الأفراد الذين يخضعون لسلطة ذات سيادة بشكل مطلق. وإلا، فلن تكون هذه القوة واحدة حقًا، وستكون الدولة بدون كفاءة حقيقية. وفقا لسبينوزا، يحتفظ الجميع بالحق الطبيعي الذي كان لهم في حالة الطبيعة في الحالة الاجتماعية. لا يمكن للسيادة فعلاً تعسفيًا حقًا: فالسيادة لا تنتزع حقًا الرجال من سلطتهم وحقهم الطبيعي. لذا على الرغم من تعريف السيادة هذا، فإن الفرد "يحتفظ بجزء كبير من حقه"، ولا يمكن للسيادة أبداً أن يصبح قاسياً أو تعسفياً ؛ وإلا فإنه يخاطر بإثارة تمرد رعاياه. من هذا المنطلق يجب رسم حدود للسلطات لأن الأشخاص الذين لديهم قوة حساسون ويميلون إلى إساءة استخدامها. السلطة تفسد كلما كانت مطلقة، أي بلا حدود (راجع أسطورة غيجاس  في جمهورية أفلاطون: كان غيجاسراعياً، بعد اكتشافه الحلقة التي جعلته غير مرئي ارتكب جرائم خطيرة على نحو متزايد ؛ يمكن رؤية المخفي باعتباره استعارة للقدرة الكلية والحصانة).

من ناحية اخرى أصر مونتسكيو على ضرورة الحد من السلطة للحفاظ على حرية المواطنين. ولكن بما أن السلطة لا يمكن تقييدها إلا بقوة أخرى، فهو يرى أن فصل السلطات هو المعيار المفضل لدولة حرة وعادلة.  على هذا الأساس ظهرت فكرة الجمهورية التي تنحدر من République أي الدقة العامة، والتي تعني "الشيء العام": إنها تمثل "الهيئة السياسية" بأكملها التي تجمع بين المواطنين والحكومة. لم تعين "الجمهورية" دائمًا نظامًا سياسيًا معينًا ؛ ويمكنها أيضًا التعبير عن فكرة النظام السياسي بشكل عام (وبالتالي فإن جمهورية أفلاطون مهتمة بالبحث عن أفضل نظام سياسي). كما صنَّف روسو الجمهورية كهيئة سياسية تأسست من خلال "العقد الاجتماعي"، الذي يحافظ على حرية المواطنين الذين يتحدون مع جميع الآخرين في هذا الاتفاق الأولي، وبالتالي يشاركون في السلطة السياسية. على مستوى راهني تحدد الجمهورية بشكل عام نظامًا لا تكون فيه السلطة وراثية، ويمثل فيها المواطنون من قبل المسؤولين المنتخبين. لكن هل يمكن أن يكون هناك مجتمع دون دولة ترعى شؤونه؟

يختلف المجتمع عن الدولة التي تمارس سلطتها على الأفراد، حتى لو بدا أن الدولة تنبع بشكل طبيعي من تجمع بشري كبير. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتخيل مجتمعًا بدون دولة، أو قبل الدولة. القبائل والعشائر هي مجتمعات عديمة الجنسية، حيث لا تتجسد السلطة في مؤسسات مستقلة. تدافع الأناركية عن فكرة مختلفة عن المجتمع عديم الجنسية، والتي بموجبها تنتج جميع السلطات المؤسسية وسلطات الدولة من منطق الاستغلال. وهل الدولة ترسيخ للشعب أم حصن الإرادة عامة؟

يتم تعريف الحرية المدنية من خلال تقييد الحرية الفردية لضمان التعايش السلمي لجميع الرجال. تأتي هذه السلطة من الخارج، وبالتالي يمكن أن تظهر كقيود تعسفية تعارض رغبات كل واحد. يجادل أرسطو في السياسة بأن كل شخص يحتاج إلى نظام سياسي مختلف ليحكم بشكل صحيح. ولكن مهما كان الشكل، يجب على حكومة المدينة السعي وراء الصالح العام، وليس رغبات القلة. يقترح روسو نظرية أكثر راديكالية، تؤكد أن وظيفة الجمهورية هي جعل الإرادة العامة تسود، والتي تعارض الإرادة الخاصة لجميع الرجال. لكل فرد إرادة لا تتوافق بالضرورة مع إرادة مواطنيه. ولكن بصفته عضوًا في السيادة، يمكن أن يكون مدافعًا عن الإرادة العامة، وبالتالي يساهم في حقيقة أن الحرية المدنية أعلى من الحرية الفردية. وهل يمكن اعتبار مسألة التمثيل السياسي تحرير أم اغتصاب؟

الديمقراطية البرلمانية هي نظام ينتخب فيه الشعب ممثلين يجتمعون في البرلمان لتحديد القوانين أو تعيين القادة السياسيين. لم يكن هذا النوع من النظام الغذائي موجودًا دائمًا، وربما تعرض لانتقادات شديدة. مارست مدينة أثينا لبعض الوقت نوعًا من الديمقراطية المباشرة، حيث يمكن للمواطنين المشاركة شخصيًا في المناقشات. تنتقد روسو الحكومة التمثيلية، مدعية أنها تمنح الحرية فقط للشعب وقت الانتخابات، وتقللها إلى العبودية بقية الوقت. منذ القرن التاسع عشر، خرج المفكرون لصالح الحكومة النيابية التمثيلية، لأنها سمحت بمزيج من النظام الديمقراطي والأرستقراطي (الذي يتوافق مع النظام الأفضل لأرسطو في السياسات) وفي نفس الوقت يصرح بإجراء نقاش عام قد يؤثر على الانتخابات.

في الختام ينهي جون جاك روسو الكتاب الأول بالتطرق الى اساس النظام الاجتماعي الذي يصلح لكل دولة قانون ويصرح في هذا السياق ما يلي: " إنه بدلاً من تدمير المساواة الطبيعية، فإن الميثاق الأساسي على العكس يستبدل المساواة الأخلاقية والشرعية لما كانت الطبيعة قادرة على وضع عدم المساواة الجسدية بين الناس، وأن تكون غير متساوية في القوة أو في الهندسة، يصبح جميعهم متساوين بموجب الاتفاقية والقانون." فهل تمت ترجمة هذه القواعد على أرض الواقع وفي التجربة التاريخية للمجتمعات؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المصدر:

Rousseau، Du Contrat social، L.I،  editions Flammarion, Paris, 1972.

 

علي محمد اليوسفتساؤل أولي:

أنتهينا في القسم الاول المنشور من هذه الورقة الفلسفية عن الزمن بتساؤل فرعي لم تتم الاجابة عنه هو(هل يمكن للزمان غير المادي تحريك الاجسام المادية؟). وكيف يكون التمييز بين مقدار الحركة بالجسم على أنها (زمن) وبين مقدار الحركة في الزمن غير المدركة ذاتيا  أنفصاليا عن (حركة) الجسم أنها أنتقالة (مكانية) لا ادراك عقلي للزمن فيها؟

الزمن وحركة الاجسام

لو تماشينا مع تعبير فلاسفة الاغريق قبل سقراط أن الزمان مقياس للحركة لكنه ليس حركة، فهنا يكون التفسير بالتفريق ما بين أن يكون الزمن هو حركة مكانية وبين ان يكون الزمن حركة مجردة لا مكانية لا تدركها عقولنا لاننا ندرك كل شيء مكانيا بمقياس (مقدار) تلازم زمنه معه الذي نجهله من دون معرفة مقدار حركة الجسم. مقدار الزمن لا يمكن تحديده الا بدلالة مقدارحركة الجسم فقط. والزمن اللامادي لا يكون سببا في تحريك ماهو مادي من الاشياء.

العقل لا يدرك الزمن تجريدا(صوريا) لغويا كما هو قابليته في ادراكه الموجودات المادية والتعبير عنها بلغة التجريد الذهني. فالعقل يعرف صفات الزمن ومقداره من صفات الاشياء كموجودات مكانية ثابتة ومتحركة ، لكنه يجهل (ماهية) الزمن ومقداره في تصوره التجريدي كموضوع تستطيع لغة العقل التعبير عنه صوريا أو تمثلّه تفكيريا...كذلك العقل يجهل مقدار حركة الزمن بغير دلالة مقدار حركة الجسم.

فلاسفة الاغريق حين قالوا الزمان هو (مقدار) حركة الشيء أو الجسم لكنه ليس هو حركة بذاتها فهم أسقطوا خاصية الحركة على الاجسام فقط دونما خاصيتها في الزمن ورفعوها عنه. وهي حقيقة تبدو متناقضة لكنها صحيحة ، فحركة الجسم المتغيّرة مكانا يستتبعها بالضرورة الادراكية حركة الزمن والا عجز الانسان رصد الحركة بالاجسام وأدراكها مكانا اذا لم يكن هناك زمن ادراكي عقلي يلازمها.

لكن من المؤكد لو لم يتصف الزمن بقابلية الحركة في تداخله وتزامنه مع حركة الاجسام لما تمكنا من مواكبة انتقالات وتحركات الاجسام مكانا في منح الزمان العقل قابلية أدراكها ، من حيث يعجز العقل ادراك حركة شيء مكانيا بمعزل عن زمانية ادراك تلك الحركة المكانية. فالزمان هو حركة غير مدركة ولا منظورة تلازم حركة الاجسام في ادراكها العقلي .والحواس الخمسة والوعي والجهاز العصبي والذهن والدماغ جميعها لا تردك الاشياء والاجسام من غير (زمن) أدراكها.

ولما كنا لا نشعر بحركة الزمن ألا بمزامنته التكاملية لحركة الشيء، نجدهم استبعدوا أن يكون الزمان حركة ذاتية منفردة لا نفهما ولا نعيها الا بفهمنا وادراكنا حركة الاشياء والاجسام. ويكون الزمان مقدار الحركة بدلالة الشيء المتحرك، فالزمان لا تعرف حركته الذاتية، بمعزل عن(مقدار) حركة الجسم.والعكس مع حركة الجسم لا يمكننا معرفتها زمنيا الا بمقدار حركة الزمن التي تحتويها وتلازمها، أنه يتعذر علينا معرفة مقدار حركة الزمن الا بمقدار حركة الجسم مكانا التي يعقلها الزمن وجودا مكانيا.

وهذا التعقيب يتداخل مع شرح النقطة التي تذهب أن الزمان الذي نعرفه بحركة الاجسام لا ينطبق عليه هذا الفهم كزمن مجرد عن حركة الجسم لذا أعتبر الاغريق الزمن علة وسبب حركة الاجسام لكنا نجهله كزمن فيزيائي مجرد. والصحيح أن الزمن ليس علة وسبب تحريك الاجسام كما اشرنا توضيحه سابقا في مقال سابق. لكنه مقدار حركة ليست مستقلة ملازمة لحركة الاشياء وهو ليس حركة يمكننا تعيينها منفردة ذاتيا. الزمن في لاماديته لا يستطيع تحريك ماهو مادي لا يجانسه الماهية المادية. فما هو مادي لا يحركه مجرّد لا مادي.

الزمن الكوني

لا يمكننا معرفة الزمان بمعزل عن نشوء الكون، فهل الزمان سابق على نشوء الكون، أم أنه ملازم لهذا النشوء؟ وهل الزمان بعدي أم قبلي على أسبقية أو بعدية الوجود؟ من الصعب الاجابة الفلسفية بعيدا عن علم فيزياء ونظريات كوزمولوجيا الكون.

لكن الارجحية من بين تلك الاحتمالات أن الزمن ونشوء الكون متلازمان معا منذ الازل ويبقيان كذلك، فلا يمكننا أدراك الكون فيزيائيا بمعزل عن أمكانية أدراك فيزياء الزمن الملازم له. ولا زمن موجود ندركه خارج دلالة الكون كما لا كون موجود ندركه بغير دلالة الزمن له. بمعنى ادراكنا تلازم الكون الفيزيائي مع الزمن ندركه بدلالة تعالق ادراكنا الاشياء والمحيط من حولنا في الطبيعة كاشياء مادية بملازمة الزمن لها. وهذه الخاصية التلازمية التي ندركها بين حركة الجسم والزمان على الارض من حولنا يمكن الاخذ بصحتها من حيث المبدأ في قياس مقدار الزمن الارضي للموجودات، لكن مقدار زمن الكون بالسنوات الضوئية ليس هو زمن الارض بالسنوات الشمسية.

التساؤل الفلسفي هل الزمن ثابت أم متغير وكيف؟

طبعا ستكون الاجابة من منطلق فلسفي وليس من منطلق كوزمولوجي علمي. وبعبارة موجزة تمهيدية فلسفية وليست فيزيائية علمية نقول الزمن ثابتا بالقياس الى ماهيته غير المدركة عقليا... ويكون في ذات الوقت متغيرا في ملازمته الادراكية للاشياء والموجودات الثابتة منها والمتحركة على السواء... بهذا المعنى الزمن يتغير في رصد ادراكه الاشياء في حالتي الحركة والثبات، وحالتي الثبات والحركة في منطوق الزمن الادراكي هما ثبات بالنسبة للزمن وليسا ثبات بالنسبة لادراكنا العقلي الذي يعتمد الزمن حركة في ادراكه الاشياء والعالم الخارجي من غير معرفة الادراك العقلي ماهية الزمن ولا كيف يكون الزمن أحدى وسائل منظومة العقل في ادراكه موجودات العالم الخارجي ولا نعرف ماهيته؟ ماهية الزمن العقلية الادراكية هي توسيل وظيفي يشبه تماما توسيل الوعي كحلقة في منظومة العقل الادراكية لكننا نجهل تعريف ما هو الوعي..

أن ما يبدو لنا أن الزمن يتغير من حولنا نجده في ملاحظاتنا تمظهرات العالم المتغيرة من حولنا وملاحقة مدركاتنا للاشياء في ثباتها وفي حركتها وأنها هي والانسان محكومان بالقدم وبالشيخوخة والفناء، أنما الحقيقة في ادراكنا تغيرات الزمن أن المتغير هو أدراكاتنا العقلية في مواكبة تحولات الاشياء زمانيا - مكانيا من حولنا فالمكاني ثابت بالنسبة للزمان المتغير الذي هو أدراك العقل للموجودات مكانا كيفما وجدت في حالتي الحركة والسكون وحتى في حالة السيرورة والتكوّن والعلاقات.

بضوء الفهم الكانطي يكون الثبات المكاني للاشياء هو في حقيقته وسيلة لأمكانية فهم العقل لها زمانيا... أما ثبات الاشياء في ذاتها ماهويا التي لا تدركه الحواس ولا العقل، حينها يكون أدراك الزمن متوقفا معطلا أمام رغبة العقل معرفة تلك الاشياء ماهويا ومحدودية قدراته الادراكية لها ..

فالاشياء بذواتها الماهوية هي (نومين) سواء عند كانط أو غيره من الفلاسفة وهي ماهيات وجواهر ليس سهلا أمام العقل أدراكها كمواضيع مدركة كما في أدراك العقل صفاتها الفيزيائية أو المادية المتعينة البائنة خارجيا..والسبب في ذلك عجز كشف الزمان للماهية أدراكا عقليا من خلال أدراك الماهية كمتعّين مادي يعقله العقل..

فالعقل الادراكي يكون معّطلا تماما في غياب وتلازم أدراكات الزمان له كوسيلة معرفية....لكن كيف يعمل الزمان في ملازمته العقل بادراك الاجسام، الجواب  غير محسوم؟ ولمن تكون الاسبقية في الادراك للزمن أم العقل؟ غير معلوم ايضا... هذا الاشكال يشبه تماما حين نقول الوعي هو جزء من منظومة العقل الادراكية وبدونها لا يكتمل الادراك ، لكن لوسألنا أنفسنا ما هو الوعي بذاته فلا نجد لتساؤلنا جوابا؟؟

فالعقل يفكر ويعي وجود الموجودات مكانيا بواسطة أدراكها زمانيا..بمعنى لا يتاح أدراك الموجود مكانا قبل أدراك الزمان العقلي له...وما يتاح أمكانية معرفته للعقل من موجودات أو كينونات بصفات خارجية بائنة لا يكون متاحا ولا ينطبق على وجود الاشياء بذاتها أي في ماهيّاتها وجواهرها..فالجوهر حسب موسوعة لالاند الفلسفية هو كل ما هو دائم لا يتغير في أشياء وموجودات تتغيّر...

من المعلوم أن منظومة الادراك العقلية للاشياء في وجودها المادي تبدأ بالحواس لتنتهي بمنظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنما يبقى الوعي الزماني الادراكي للاشياء وسيلة وليس موضوعا... فنحن لا نستطيع أعتبار الوعي موضوعا للادراك العقلي الحسي وكذلك نفس الشيء عن الزمن، وأنما هما (الزمن والوعي) هما حلقتان ضروريتان ضمن منظومة الادراك العقلي، للعالم من حولنا وموجودات الاشياء..فالوعي والزمان لا يمثلان موضوعين للادراك لكنهما وسيلتا استدلال ادراكي عقلي...وبغير الادراك الزماني – المكاني للاشياء لا يتحول الادراك من أحساسات تستشعرها الحواس وتنقلها للدماغ الى مدركات حسية يستقبلها الذهن والدماغ..

وتماشيا مع فلسفة كانط أعتباره المكان والزمان قالبان فطريان قبليان مركوزان في العقل المدرك للاشياء، نجده يفترض كي يكون أدراكنا الاشياء مكانيا – زمانيا، هو أن تكون تلك المدركات ثابتة في تجانسها مع ثبات الزمان الراصد المدرك لها..

أن الحقيقة التي تجاهلها كانط أن الزمان ليس ثابتا في أدراكه الاشياء المتجانسة معه في ثباتها المكاني وبغير تعالق الثبات المكاني للاشياء مع الثبات الزماني في ادراكها هو شرط تحقق الادراك والوعي بها حسب كانط وبغير تعالق صفة الثبات في الشيء مع ثبات الزمن الادراكي له يتعذر علينا حصول ادراك عقلي له حسب كانط ايضا... والحقيقة أن الزمن يدرك الاشياء في حركتها مثلها في سكونها، فالزمن يلازم وجود الاشياء على أية صورة كانت حتى لو كانت على شكل علاقات بين الاشياء.  أن الزمان متغير في سيرورة دائمية وليس ثابتا في أدراكه الاشياء في حركاتها وانتقالاتها المكانية، بالحقيقة أن العقل يدرك الاشياء والاجسام زمانيا في كل أشكالها الانطولوجية مكانا في حالتي ثباتها وحركتها معا، عليه ليس صحيحا أفتراض أن الزمان لا يدرك من الاشياء سوى الثابتة غيرالمتحركة ولا المتغيرة..أي تلك التي تجعل من الثبات عند كانط عامل حسم في المجانسة التي تفترض ثبات الشيء مع ثبات أدراكه زمانيا..

كما نجد أنفسنا ملزمين في التساؤل كيف يكون الزمان ثابتا وكيف نتأكد من ذلك؟ الضرورة البدهية التعالقية بين الادراك الزماني العقلي وبين الاشياء في وجودها المكاني تقول منطقيا أن الزمان متغير بدليل امكانية ادراك العقل للاشياء في الحركة والتبدلات المكانية لها وانتقالاتها وفي مختلف تجلياتها الانطولوجية والعقل لا يدرك الاشياء ثابتة ويعجز عن أدراكه الاشياء المتحركة. صحيح الزمان مطلق ثابت كمفهوم ميتافيزيقي لا ندركه يحكم الكون وما فيه ، وندرك الزمان وجودا متغيرا في ملازمته تغيرات الاشياء وادراكنا لها من حولنا على الارض.

وبعد تسليمنا أن الزمان لا يتبع ثبات الشيء مكانا كي يستطيع أدراكه عقليا، فالموجود مكانا لا يمكننا أدراكه من غير ملازمة الزمان المتغير له..والموجود مكانا يتبع الزماني في عملية الادراك وليس العكس....كما ليس مهما ثبات الشيء مكانا كي يكون متاحا أدراكه زمانيا..فجميع الاشياء والاجسام والموجودات في حركاتها وتغييراتها هي ثبات أدراكي زمني للعقل، وما يبدو لنا تفريقه ثابتا أو متحركا أنما يكون في أدراكه الزماني العقلي ثابتا، رغم كونه في حالة الحركة والتغيير..

أننا ندرك حركة الزمن في حركة الاشياء ولا ندرك الاشياء الا في حركة الزمن الراصدة لها، فالزمن وسيلة حدس غير مرئي لا كماهية ولا كموضوع...كانط يعتبر ثبات الزمان مرتهن بعدم أمكانية وقابلية العقل أدراك الزمن بذاته أي ماهيته، على أعتبار أننا ندرك الزمان على أنه سلسلة من التعاقبات الحدسية الدائمية المطلقة التي نلحظها في أدراكنا الاشياء في ثباتها المكاني وفي انتقالاتها وحركتها. أي أدراكنا للزمن كماهية أنما يكون أستدلاليا في نتائجه الادراكية لحركة الاشياء، فالزمان ليس موضوعا أدراكيا للعقل وأنما هو وسيلة أستدلال العقل في معرفته الاشياء..

لذا نجد كانط كي يخلص من التناقض البادي الواضح في التفريق بين ثبات وجود الاشياء مكانا من جهة، وأستحالة أدراكنا الزمن عقليا كمدرك وجودي موضوعي من جهة أخرى، قال نظريته الفلسفية أن قالبي المكان والزمان حدسان فطريان مركوزان في تركيبة عقولنا، ومن غير تلازمهما لا يمكن للعقل والحواس أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي، وهذا التلازم بين الزمان والمكان يشبه تعالق الفكر باللغة، فنحن لا يمكننا التفريق بين تلازم الفكر واللغة الا أفتراضا، وفي حقيقتهما هما أفصاح واحد في التعبير عن الشيء في لحظة أدراكه والوعي به....كذا الحال في أدراكنا الشيء مكانيا- زمانيا أنما هو في حقيقته أدراك واحد لشيء محدد في لحظة واحدة ، وما يدرك مكانا أنما هو في حقيقته مدرك زمانا. وكذا الحال مع الوعي فهو ضرورة ادراكية للعقل لكنه لا يمتلك استقلالية ذاتية ولا استقلالية ماهوية.

كانط في فرضيته عن الادراك العقلي للاشياء في كتابه نقد العقل المحض، تجّنب الخوض في مبارزة مع المنطق الفيزيائي العلمي في كيفية حصول الادراك الفيسيولوجي العقلي، بدليل أنه تناول تفسير أدراك العقل المحض فلسفيا وليس علميا،أي أنه طرح قضية الادراك العقلي تجريدا فلسفيا ولذا أختار تعبير (العقل المحض) أي العقل المتجرد عن التجربة العلمية وقوانين الفيزياء، والدليل الآخر أنه أعتمد قالبي الزمان والمكان كمعطيين فطريين مركوزين في العقل، وهو ما يتحفظ عليه العلم التسليم به..فمن يستطيع أثبات أن المكان والزمان هما معطيان فطريان في العقل غير مكتسبين بالتجربة والخبرة؟ فالوعي بالشيء لا تأتي معرفته بالفطرة المعرفية بل بتراكم الخبرة المكتسبة عنه.

كانط يذهب الى أن مجانسة ثبات الموجودات مكانا مع ثبات الزمان الادراكي لها هو الذي يتيح للعقل أدراكه الاشياء،وبغير هذه الآلية في مجانسة الثبات بين الزمان والموجودات الواقعية لا يتوفر أدراك عقلي لها..كما نستنتج عن كانط ايضا أن الموجود المتحرك مكانا لا يدركه الزمان الثابت، فلكي يتم أدراك الشيء في وجوده المكاني يجب أن يكون تعالق تجانس ثباته مع تجانس ثبات الزمان. فهل معنى هذا أن الزمان لا يستطيع أدراك الاجسام والاشياء المتحركة التي لا تتسم بالثبات؟ قطعا يكون الجواب كلا..

أن حركة الزمان المتغير أنما هي ادراك مطلق للمكان في جميع تجلياته وظواهرة المتبدلة المتغيرة...عليه يمكننا القول بخلاف كانط أن الموجودات والاجسام هي في وجودها الانطولوجي أنما هي حالات من الحركة المستمرة والتكوينات والعلاقات المتغيرة فيزيائيا على الدوام، وحالة الثبات التي أعتبرها كانط ضرورية لادراك الزمن العقلي لا وجود حقيقي لها في ملاحقة وتزامن الادراك الزماني لحركة الاشياء كما هي في ثباتها ولا فرق بين الادراكين(الثابت والمتحرك) ادراكا زمانيا سوى بالتعبير اللغوي فقط فهما فعالية مركبة واحدة متكاملة ذاتيا لزمن واحد .. فالزمن ثابت ومتغير بذات الوقت.ما يدرك مكانا هو مدرك زمانا ويجوز أستعارة التقديم والتأخير لنتيجة واحدة..ليس سهلا التسليم مع كانط أن (ثبات) الزمان وهو أفتراض خاطيء فالزمن متغير، يستتبعه بالضرورة الادراكية العقلية ثبات الموجودات مكانا،كما لسنا ملزمين الاخذ بفرضية كانط بأن الوجود الحسي المادي للاشياء يتعذر ادراكه مالم تكن تلك الموجودات مشتركة في مجانسة الثبات مع الزمن الادراكي الثابت لها..الزمان متغير مطلق يحكم العالم في جميع اشكال وتكوّنات وسيرورة مكوناته. وهو ثابت في ميزته الكونية أنه أزلي في ملازمته وجود الكون.كانط يوقعنا بلبس وأرتياب حين يعتبر أن الزمان لا يطال أدراكه سوى ظواهر أو صفات الاشياء الخارجية الثابتة البائنة وليس ماهياتها وجواهرها الدفينة (نومين). وهوتعبير صحيح لكنه لا يصلح الاستدلال به في تصويب نقيضه عندما نجد أن أبسط ذرة في الطبيعة الى أعقد ظاهرة في الكون هي ليست ثابتة بأي معنى أو شكل فيزيائي كما يشترط كانط كي يتم أدراكها زمانيا عقليا..فالعالم بمجمله حركة وليس سكونا حتى على مستوى مكونات  الذرة....... للمقال صلة سابقة

 

علي محمد اليوسف/الموصل

الهامش:عبد الرحمن بدوي /الزمن الوجودي/ صفحات 50،51، 53

 

 

عدنان عويدChristopher L. C. E  Witcombe

*Art for Art's Sake

ترجمة :د. عدنان عويّد

مدخل:

بما أن الفن في سياقه العام هو مشروع إنساني يهدف إلى بناء وعي الإنسان وإعادة تشكيله، شأنه شأن الرواية والقصة والفيلم والمسرحية، لذلك سيظل هذا المشروع مع بقية المشاريع الموازية له في التأثير على عقول الناس ومسيرة حياتهم وتطلعاتهم، محط استخدام من قبل من ينادي بتطور الإنسان، أو من قبل مع يعمل على تخلفه وتشيئه وتذريره...وهذا في الحقيقة ما يدفعنا للكتابة عنه كي نظهر تلك الرؤى والأفكار والنظريات التي يستخدمها الفنانون والأدباء، في أعمالهم تحت ذرائع غالباً ما تتخذ من مسألة الدفاع عن حرية الإنسان وسيلة لذلك.. وهذا في الحقيقة ينطبق على كل النظريات التي تهتم بعلم الاجتماع أيضا.

د. عدنان عويّد

***

ركز القرن العشرين في اهتماماته الفنية على الحداثة التقدمية، إلى الحد الذي كادت أن تهمل فيه الحداثة المحافظة، بل راح الفنانون والنقاد ومتابعو الفن في هذا القرن يعلنون سخريتهم تجاه أية صيغة فنية أخرى غير الصيغة الحداثية للفن .

إن ما أطلق عليهم اسم (الرسامون الأكاديميون) في القرن التاسع عشر، اعتقدوا أن ما يقومون به من أعمال فنية سيعمل على تحسين العالم عبر عرض أعمالهم الفنية التي تتضمن أو تعكس تلك القيم الأخلاقية المحافظة والنبيلة معا، وهذا ما تدل عليه تلك الأعمال الفنية الفاضلة والمبدعة التي كانت تلهم العاطفة المسيحية وتدفعها للعمل الصالح والنبيل الذي يطمح الجميع إلى محاكاته أو التشبه به في هذه الحياة .

أما العالم الحديث الذي راح ينعكس في الأعمال الأكاديمية المعبرة عنه، وفي حالات تقدمه المتوالي، فلم تكن هذه الأعمال في حقيقة أمرها أكثر من تجسيد للواقع الراهن وداعم له وعارض لمستقبله بطريقة لا يهمها كثيرا الحفاظ على قيمه الإيجابية وتنميته. بينما نجد الفنانين المحافظين قد رغبوا في الحفاظ على واقعهم ومؤسساته، وفضلوا التغير التدريجي التقدمي لهذا الواقع على التغير الراديكالي. هذا في الوقت الذي نجد فيه أيضا أن هذه الأعمال المعاصرة كثيرا ما كانت تنتقد من قبل المؤسسات السياسية والدينية معا، كونها وضعت ثقتها في نطاق المنفعة الفردانية، هذه المنفعة التي اعتقدوا أن انطلاقتها كانت مع (روسو) في القرن الثامن عشر، وقد وصلت الآن إلى مرحلة الفساد بسبب قضايا كثيرة في هذا العصر، أهمها، نمو المدن، وانتشار الفساد الاجتماعي بسبب مفرزات الثورة الصناعية، وسيادة النظام الرأسمالي المتوحش، الذي شجع على الفردية، وجعل من الفرد الذي أخذ يميل إلى الشر في عالم المنافسة هذا حيوانا متوحشا . لذلك كل هذا كان وراء تمجيد (روسو) للطبيعة، وتشجيع العدد الكبير من الحداثيين ليعطوا حياة الريف صفة المثالية، وهذا هو ذاته أيضا الذي دفع (توماس جفرسون) للعيش في بلده قريبا من الطبيعة، وإعلان رغبته بأن يكون اقتصاد الولايات المتحدة اقتصادا زراعيا بكامله، مثلما كان له وصف جميل للمدن، حيث قال بأنها (قرحات على جسد السياسة.) .

عند المقارنة ما بين الحداثة المحافظة والحداثة التقدمية، نجد أن الحداثة المحافظة بقيت مقيدة بالأفكار القديمة الميالة إلى دعم الأوضاع القائمة في المجتمع المعاصر، بينما الحداثة التقدمية راحت تتبنى المواقف المعادية للمجتمع ومؤسساته القائمة، ثم بطريقة أو بأخرى أخذت تناضل تجاه كل السلطات القائمة تحت اسم الحرية، وبذلك تكون قد أساءت لقيم البرجوازية المحافظة عن قصد أو بدونه .

على العموم، اتجهت الحداثة التقدمية عبر اهتماماتها إلى القضايا السياسية والاجتماعية ومجمل ما يتعلق بهموم المجتمع المعاصر، وخصوصا في حلقاته الفقيرة، وإلى حد ما في حلقاته الوسطى الراضية عن نفسها بشكل متزايد. فمن خلال اللوحات الفنية راح الفنانون يبثون هموم القوى الاجتماعية الفقيرة في المجتمع المعاصر بشكل مباشر أم غير مباشر، مدركين ضرورة عنونتها والعمل على تصحيحها، مثل، معاناة الفلاحين، استغلال الفقراء، البغاء... الخ . إضافة إلى ذلك، لقد راح الحداثيون التقدميون وبشكل متطرف من خلال أفكار التنوير الداعية للحرية والمساواة، إلى تثقيف العامة بغية مواجهة القوى الاجتماعية المحافظة صونا للحياة وخلق مكان أفضل فيها لعيش الإنسان . وهذا الموقف المتخذ هنا من قبل الحداثة التقدمية، جاء ليؤثر على الفنانين الطليعيين، وفي المقارنة أيضا مع موقف الحداثيين المحافظين الذين تمسكوا بالماضي والتقليد معا، فان الفنانين الطليعيين رفضوا التقليد عن قصد. ولكن بالرغم من أن الحاضر في سياق حركته وتطوره الحتمي والإرادي يجب أن يكون أكثر حداثة، إلا أن التقليد لم يزل يمتد في الحاضر ويؤثر عليه رغم تفاؤل الفنان في المستقبل.

إن رفض الماضي أصبح أمرا ضروريا بالنسبة للفنانين التقدميين وبخاصة مع قدوم الحرب الكونية الأولى التي عنت بالنسبة لهم الفشل الذريع للتقليد، ثم أن الكوارث التي ولدها التصنيع وتجلت في نتائج هذه الحرب، بينت بشكل من الأشكال أن تلك الثقة العظيمة التي منحت للعلم والتقدم التكنولوجي من حيث قدرتهما على خلق عالم أفضل، هي ثقة فاشلة بشكل واضح، مثلما بينت أيضا أن بروز المدرسة (الداديّة) في الفن هي علامات بارزة على انبثاق ما سمي ما (بعد الحداثة) من البنية الذهنية والعقلية للفنان.

دعونا اليوم نعمل على توصيف الحداثة التقدمية لنقول : إن اعتقاد طلائع الاتجاه الحداثي اليساري والليبرالي منذ القرن الثامن عشر بشعارات الحرية والمساواة، غالبا ما تجلى في الفن، الذي أصبحت الحرية في أبعادها الاجتماعي والسياسية والاقتصادي أحد مواضيعه الهامة، مثلما تجلت الحرية أيضا كأسلوب فني تمثل في اختيار (الألوان، ولمسة الفرشاة ... الخ)، وذلك كله جاء تعبيرا عن ممارسة حقوق الفنان الذي آمن بالحداثة التقدمية وعمل على لفت نظر الآخرين تجاهها.

في مرحلة متقدمة من القرن العشرين، أصبحت ممارسة الحرية الفنية متطرفة بالنسبة لتيار الحداثة التقدمية، فالفنانون أخذوا يبحثون عن الحرية في صيغتها المتطرفة هنا، ليس في مجال القواعد والقوانين الأكاديمية للفن فحسب، بل وفي نطاق حاجات الشعب أيضا، فمسألة التطرف المبكرة في الدعوة للحرية بالنسبة للفنانين كانت وراء الفكرة التي راحت تقول، إن الفن الذي سينتج لم يعد في حقيقته من أجل الشعب، بل هو من أجل الفن .

مع ملاحظة مشهد الحداثة التقدمية، يأتي شعار (ا لفن من أجل الفن) بشكل أساس، دعوة للتحرر من قيم الاستبداد في دلالاتها ومقاصدها. ففي الوقت الذي نجد فيه ممارسة شعار الفن للفن تعبيرا عن الحرية، نجده أيضا (خدعة)، و(إهانة) مدروسة تجاه إحساس أو وعي البرجوازي في مرحلته الليبرالية التقدمية، التي أراد فيها الفن أن يحمل معان وأهدافا وقيما تساعد على تنوير وتعليم الأخلاق، وهذا لم يعد محققا في هذه الأعمال الفنية المباعد حداثوية، حيث نجد الفنان المباعد حداثي (James Abbott McNeill Whistler) على سبيل المثال يقول بمرح : " قررت أن يكون غرض فني ليس لتلك الأشياء " أي لقيم التعليم والتثقيف والتربية.

وفي مقال للكاتب (Oscar Wilde) بعنوان : ( (The Soul of Man Under Socialis نشر عام 1891 جاء فيه : (إن العمل الفني هو النتيجة الفريدة للمزاجية الفريدة، فجماله يأتي من حقيقة ما يكون عليه الكاتب أو الفنان، وهو في حقيقة أمره لا يملك شيئا في عمله لما يريد الآخرون تحقيقه. إن الفنان في اللحظة التي يأخذ فيها إشارة أو ملاحظة ما يريده الآخرون ويجرب تحقيقه في أعماله لا يعود فنانا، ويتحول إلى لعبة، أو حرفي هزلي، أو ربما تاجر شريف أو غير شريف، وفي نهاية المطاف، هو لن يملك أكثر من الادعاء بأنه فنانا فحسب .) .

على أية حال، إن شعار الفن للفن، هو (خديعة) كما أشرنا في موقع سابق، تمخضت عن نتائج عكسية. فالبرجوازي نفسه الذي له ذوقه وأفكاره الحداثية راح عبر شعار الفن للفن ذاته يواجه بسرعة انحراف الفن عن مساره وتحوله إلى وسيلة تعزز إيقاف أو إبطال مفعول المؤثرات الحقيقية للفن تجاه كل ما هو ضار أو مفيد في المجتمع، أي تحويله إلى فن مجرد .

في نهاية القرن التاسع عشر، وجدت الإرهاصات الأولية للنقد الفني من قبل نقاد ومؤرخي الفن، حيث كانت هذه الارهاصت النقدية ذات مفاهيم شكلانية، مبعدة بشكل فعال مسألة (المعنى والقصد) عن مكانتها أو اعتباراتها النقدية، لذلك راح الفن يناقش قضاياه انطلاقا من هذه الفترة – نهاية القرن التاسع عشر - وصاعدا في نطاق مفاهيم أنموذجية آخذاً بعين الاعتبار اللون، الخط، الشكل، الفراغ، التركيب، آملا هذا الفنان، وتحت أي اعتبار اجتماعي، أو سياسي، أو بيانات تقدمية معلنة .. الخ، أن ينجز عمله الفني. ففي مثل هذا المقاربة الفنية، فإن الفنانين في الحقيقة، الهواة منهم، وإلى حد ما بعض المحترفين أيضا، مع تحقيق حرفيتهم واستقراهم الفني، راحوا يفقدون أهداف الحداثة الحقيقية شاؤا أم أبوا، ليستغرقوا في الأسلوب الشكلي من التفكير الفني. ودفاعا عن هذا الموقف الفني، أخذ الجدل يدور حول أن هذا الأسلوب الفني المتبع هنا، يعبر تماما عن وظيفة الفن، وهذه الوظيفة تقوم على تعزيز وحفظ قيم وأحاسيس الحياة الإنسانية المتمدنة، ومحاولة البقاء بعيدا عن التأثيرات المؤذية بشكل عام، وإلى أقصى حد ممكن الثقافة التكنولوجية في بعدها اللاإنساني .

أخيرا لقد ظهرت هناك فكرة أن الفن الحديث مورس كليا داخل محيط صيغيّ مغلق، ثم راح ينفصل بالضرورة عن محيطه الاجتماعي كي لا يلوّث بالعالم الخارجي. فهذا الناقد الشكلاني ( Clement Greenberg) في مقال له طبع أول مرة عام " 1965 " تحت عنوان (الفن المعاصر)، لمس " كليمنت " أن الحداثة قد أنجزت استقلالها الذاتي في مرجعيتها، الأمر الذي جعل العمل الفني يبدو وكأنه ظاهرة معزولة تماما وفي شيء من النقاء الفكري المجرد عن الواقع، أي أنه لم يعد يحكم من قبل دوافع إنسانية، بل راح يحكم في الواقع من قبل قوانين غامضة كليا وبأساليب متطورة. وبتعبير آخر يمكن القول أيضا في هذا الاتجاه : إن الفن قد انفصل عن الزمن المادي وعن كل ما يتعلق بالأحداث العادية للناس العاديين .

إن الافتراضات الضمنية في العمل الفني هنا هي بداية افتراضات كل الفن البصري الذي عبر فهم طريقة تعبيره تستطيع المواهب الخاصة التعبير بدورها عن الأشياء اللطيفة والناعمة للمجتمع والإنسانية . فميزة هذا (النقاء البصري) في الفن، منحت هذا الفن القدرة على الاستقلال الذاتي لنشاطه عبر محيطه، وجعلته كما أشرنا قبل قليل منفصلا كليا عن قضايا العالم اليومي للمجتمع بما فيها الحياة السياسية.

إن الاستقلال الذاتي لطبيعة الفن البصري، يعني الإجابة الصحية عن تلك الأسئلة المطروحة عن مفاهيمه . فتاريخ الحداثة وفق هذا التصور بني فقط للتأثير في نفسه، وتكون مرجعيته من ذاته كليا.

أما المدرسة الانطباعية فقد ربحت كثيرا من الأهمية التاريخية لفنها وذلك من خلال مكانتها داخل مشروع الأسلوب التقدمي الذي حازت على جذوره عبر تقدم واقعية (Courbet and Manet)، وبتزودها أيضا بالدوافع الأساسية للأساليب الناجحة لما بعد الحداثة.

إن مؤرخي الفن التقليدي ونقاده رغبوا بتزايد اقتراب الفنانين الآخرين من فن ما بعد الحداثة، مثلما رغبوا أيضا بذاك النوع من الحديث الذي أخذ يدور حول الفترات التي راحت تتزايد فيها قيمة الوهم عن أن تاريخ كتابة الفن يمكن أن تتم وفقا لخط عظيم واحد من الترابط المنهجي المنظم، بالرغم من إيمانهم بأن التنظيم أو النظام يسمح للمرء أن يربط الفن المفضل للفترة المعيشة بفن الماضي الأصيل، وذلك من خلال إمكانيات استعادة الملاحظات المنطقية للتقدم، ولكن هذه الإمكانيات على ما يعتقد، هي رأي غير مهم هنا، وأريد تسويقه في مفاهيم على ما يبدو أنها ذات ميول تاريخية عنيدة .

بالنسبة لجهة المؤسسين المحافظين، أصبح التيار الشكلاني أداة فعالة جدا في توجيه الفن المنفلت من عقاله والمشوش إلى حد كبير. فالعديد من التيارات الفنية راحت تفرخ في النصف الأول من القرن العشرين، وقد بدت كمحاولات بعيدة عن المألوف تهدف إلى فك قبضة الحداثة التقدمية .

إن النظام أو الأسلوب، عبر عنه كذلك من قبل العديد من مؤرخي ونقاد الفن الأكاديمي، مشتغلين يدا بيد مع سوق الفن الذي كان مهتما فقط بالنقود وليس بالمعنى . هذا السوق الذي استوعب وبحيوية كل المحاولات التخريبية والهدامة، أو كل ما هو ثائر على الطبيعة والمجتمع .

لسوء الحظ، بالنسبة لتاريخ الفن، إن عملية تحييد الحداثة التقدمية، هي مؤشر أخر أيضا على أن تاريخ الفن يريد كذلك تحييد كل الفن الآخر في الزمان والمكان انطلاقا من مراحله المبكرة. كما نجد التحييد ذاته ولكن بطريق أخف، قد نال مسألة تنظيم العمل الفني التي كانت تستخدم من خلال اللوحة الإبداعية لتاريخ الفن، فهي قد أصبحت وإلى حد كبير أيضا مجردة من أي معنى حقيقي أو أصيل بالنسبة للعمل الفني. كل ذلك، كان على العموم، يؤكد بأن الصيغة الجمالية الشكلانية تريد امتلاك الأولوية في تقرير وظيفة الفن بدلا من العلاقات الاجتماعية والسياسية للمحيط الاجتماعي، وهذا أيضا يريد التأكيد على أن فن الرسم والنحت يريدان البقاء كمركز لمفهوم الفن الراقي أو الفن (اللطيف) .

بيد أن الشكلانية بالرغم من موقفها المحايد تجاه الحداثة عموم، والفن في أسلوبه وأهدافه وزمانه ومكانه على وجه الخصو، إلا أنها استطاعت في الوقت ذاته أن تنحرف قليلا لمصلحة التقدميين الذين كانوا قادرين على استخدامها هي ذاتها في الدفاع عن الحداثة، وبخاصة في الفن التجريدي الذي أصبح بشكل خاص مفتوحا على النقد.

إن الشكلانيّة انسجمت أيضا وبعناية فائقة في بداية القرن العشرين مع أهداف أخرى للحداثة التقدمية على النطاق الكوني .

على العموم، بالنسبة للفن لكي يكون وسيلة فاعلة من أجل تطوير المجتمع فهو يحتاج إلى أن يكون قابلا للفهم من قبل العديد من الناس قدر الإمكان، ولكون الفن لم تكن أهميته تكمن في كونه مجرد صورة فحسب، بل أن أهميته الحقيقية والصادقة تكمن وراء هذه الصورة، فالفن ليس صيغة واحدة من جهة، والصيغة الواحدة ذاتها قابلة لأن تعطي دلالات عدة من جهة ثانية، ولكن هناك شيئا واحدا يدعى (فنا)، وهو عنصر مشترك مع الكل، ومهما يكن هذا الشيء الفني، فهو شيء كوني، يشبه الحقيقة العلمية في الفهم التنويري، والفن بعمومه امتلك هذه الشيء أو السمة بكل وضوح .

على العموم، إن أول خطوة كانت باتجاه طريق التجريد ابتدأت مع العمل على إبعاد كل العناصر التي تساعد على إخفاء أو إبعاد الأهداف المميزة للعمل الفني التي تميل إلى تحقيق وظائفه الاجتماعية. هذا وقد كان الفن التجريدي بالنسبة للبعض ممرا لتحقيق أهداف أخرى تتعلق بالجانب الروحي، حيث اعتقد هؤلاء الفنانون أن الفن قادر على أن يخدم كمرشد روحي، أو كمصدر الهام روحي أمام ضياعات الوجود المادي المتزايد في العالم المادي المعاصر.

عموما، إن التجريدية تعمل على استخدام نوع من التخطيط البعيد عن العالم المادي، وقد امتلكت إمكانيات كبيرة في الإيحاء، أو الوصف، أو الإيماء المجرد إلى عالم الروح .

 

كاتب وباحث من سورية

.......................

* witcombe.sbc.edu/modernism/roots.html

 

 

محمد كريم الساعدييمارس الفكر الذي يشكل صورة الخطاب في تحمل معطيات الهيمنة في ثناياها صوب المستقبل لبناء منظومة خاصة تنطلق في تعبئة الجمهور نحو هدف معين، إذ تأتي الهيمنة في إطار ممارسة منهجية لأفعال البناء المعرفي من اجل السيطرة والتوجيه، لذلك فأن الهيمنة ليست شيء يأتي من الخارج فجأة، بل هو ممارسة لأفعال الإقناع بأساليب مختلفة، بطرائق مباشرة أو غير مباشرة، أو بطرائق ترغيبية وأخرى تخويفية وترهيبية من خطر قادم، مرة بحجة ممارسة الثقافة والتمييز نحو الأفضل الظاهري، والمغلف بطبقات من التوجيه المخفي الذي يحمل في ثناياه هدف معين، ومرة أخرى إبعاد الذي يقع عليه فعل ممارسة الهيمنة من الوصول الى الوعي الحقيقي والواقعي بحادثة، أو معلومة، أو أمر يغير المفاهيم الرئيسية التي بنت عليها المؤسسة المعنية أهدافها، لذلك فأن الخطاب وطبيعة الهيمنة فيه يعود الى بناء صورة قائمة على مرجعيات يعتقد أنها صحيحة إذا طبقت بشكل معين في ظروف محددة، تحاول المؤسسات القائمة عليها على هندسة البناء الفكري لصالحها، حتى وان كانت تعمل على تزييف الحقائق والوقائع على الأرض، بأخرى مفبركة،أو مغايرة للحقائق المخفية.

إن ممارسة الهيمنة تعود الى المنظومة الكامنة وراء الممارسة ذاته، لذلك فأن مفهوم الهيمنة يأتي من خلال التأثير والإخضاع الواعي من قبل المؤسسة ذاتها، وفي المقابل الاستقبال المموه الذي جعلته المؤسسات منهجاً، فالتمويه والتأثير والأساليب المصاحبة لهما من امتناع بأفعال الشر المقابلة،أو الأفعال غير المتحضرة التي يقوم بها الآخر الموصوف في السير التاريخية، أنتج ردود لدى المتلقي الجمعي قائمة على التخويف والترهيب، بأن الأمر المغاير لا ينتهي لهذه الصور الحضارية والقيم العليا التي تدعيها الحضارة صاحبة التفوق، لذلك فهي كمؤسسة ضخمة تمارس التخويف والترهيب من الآخر تجاه جمهورها، الذي هو جزء من منظومتها والمقتنع بأساليبها والمحقق لأهدافها في مختلف المجالات لذلك فأن الايطالي انطونيو غرامشي(1891-1937)، يرى بأن الهيمنة هي ممارسة وتكريس لأفعال المؤسسات السلطوية وطبقاتها المسيطرة على المجتمع، أي ان الهيمنة تمارس تأثيرها على الجماهير عبر الاستعمال الرهيف واللاواعي، ايضاً، لعملية الإقناع . ويلعب فرض نمط من اللغة، وانجاز الكتابة الأدبية والتاريخية عبرها، دوراً هاماً في إنشاء أنظمة ومؤسسات تكرسُ أيديولوجيا الطبقة المسيطرة وترسيخها. يضطلع الأدب والتاريخ البريطانيان، مثلا، وبالقدر ذاته اللغة الانجليزية، كحامل للثقافة الانجليزية، بمهمة الأفكار التي تساهم في سيطرة طبقة على أخرى عبر وسائط الهيمنة. ومن هذا المثال السابق نرى مدى بريطانيا العظمى ساهمت بالسيطرة الثقافية على العالم لقرون عديدة خلال حكمها الإمبراطوري القائم على أفعال الاستعمار المختلفة، وما مسرحيات (شكسبير) الا دليل واعي على هذه الأفعال،ذات السيطرة الثقافية في هذا الشأن، التي الى الآن هي المثال الحي على عالمية ومرجعية اللغة الانكليزية وثقافتها الغربية صاحبة الهيمنة المعرفية، وفي هذا المجال يسوق لنا بعض من الذين وقعوا تحت القهر الثقافي الغربي، ومارسوا عليه تطبيق مفهوم المرجعيات العالمية للثقافة التي مارست أفعال الهيمنة على كلا الطرفين من يقبع تحت هيمنتها في إغراءه بأنه صاحب الكعب الاعلى،والأخر الذي مُورست عليه الهيمنة الثقافية، فالأول وقع تحت تضخيم الأنا الراغبة في السيطرة كونها تضخمت بفعل بث صور متعددة فيها لتشكيل الاشتغال الأكبر الذي ينحو نحو التأكيد لأفعال السلطة ومؤسساتها، وهذه الصور من التخويف والترهيب والتشويه للأخر وبناء منظومة قيمية متفوقة عليه جعلت اللاوعي عن الجمهور العام الغربي يعتقد بضرورة التفوق لأجل الحماية اولاً،وتسويق فكرة دمج الآخر بالحضارة ذات القطب الواحد ثانياً، لذلك فقد قبعت أمم وحضارات تحت هذا الاضطهاد الثقافي والهيمنة الثقافية عليه بحجة التطوير والدمج والتغيير،  ومن هذه الصور ما كان مقرراً ان يُدرس في المدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية، التي تقع خارج أسوار الحضارة الغربية فيسوق لنا (نغوجي واثيونغو) حول متطلبات الدراسة في المؤسسات التعليمية بأفريقيا، وخصوصاً القائمة على تبني الفكر الغربي ولغته الرسمية وهي الانجليزية، إذ أصبح من يتقنها في هذه المؤسسات يرتدي (عباءة حمراء) لتمييزه عن باقي الأفراد الدارسين فيها كعلامة تفوق وبالتالي فأن هذه اللغة، أي الانجليزية صارت اللغة المسيطرة تقرر الدراسة الأدبية، وتعزز السيطرة، توقفت دراسة أدب اللغات الكينية الشفاهي . وأنا اقرأ، الآن، في المدرسة الابتدائية النصوص المبسطة لديكنز، وستيفن، الى جانب رايدر هاجارد، وصار جيم هوكنز،واوليفر تويست، وتوم براون – لا الأرنب والنمر والأسد – رفاق يومي في عالم الخيال . وفي المدرسة الثانوية، سكوت وبرنار شو، مع الكثير من رايدر هاجارد وجون بكان، والآن باتون، وكابتن و.ي.جونز. في ماكيريري درست الانكليزية : من تشوسر الى ت.س.اليوت مع شيء من جراهام غرين . من هنا كانت اللغة والأدب يأخذاننا ابعد فأبعد عن أنفسنا نحو نفوس أخرى، من عالمنا الى عوالم أخرى، كذلك الأمم الأخرى ومنها العربية التي وقعت تحت هيمنة الخطاب الغربي،وأصبحت العالمية كمفهوم ومرجع للثقافة هي الأساس في رسم الصور القادرة بالتحكم بأي منتج أدبي وفني وحتى في العلوم المجردة، إذا لم يأتي التأكيد من المرجع الثقافي الغربي، بأن هذا الأديب،أو الفنان،أو المهندس،أو الطبيب هو منتمي فكرياً وثقافياً الى المؤسسات الغربية، حتى وان كان في داخل بلده ويزكى على نتاجه الثقافي من احد المؤسسات العربية لا يكون متفوقاً وناجحاً ويُهتم به عالميا من دون الإمضاء الغربي، لذلك فأن ما قدم ثقافياً عن الآخر العربي المسلم خاصة والشرقي ومن يقع خارج الحضارة الغربية عامة، دّون على وفق رغبة المؤسسات الغربية وليس من صنع الذات المحلية، لذلك فأن نغمة الانتقاص مستمرة في أكثر الأحيان حول الآخر، بحجة انه يقع خارج خارطة الفكر الغربي، وهذه الصورة كخطاب مهيمن يعبر عنها (جابر عصفور) في كتاب (الهوية الثقافية) في أنها واقع تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو المبدأ الذي يفتح أبواب الوقوع في اسر نزعة المركزية الأوربية الأمريكية، اولاً :لأنه مبدأ يعني تحيزاً جغرافياً سياسياً، ضمناً،أو صراحة، ويختزل صفات الإنسانية في دائرة بعينها لا تجاوز غرب أوربا في كتاب (العقاد) و(طه حسين) الباكرة على الأقل . وثانياً: لأنه مبدأ يتحرك على أساس تسليم مضمر مُؤداه ان تمثل العالم (كما يمثله الغربي) هو أسرع سبيل واضمنه الى التقدم الواعد . وثالثاً: لأنه ينطوي على تسليم مواز بثنائية الاعلى والأدنى، ويرد صفه الاعلى الى مصاف (غربي) الذي لابد ان يصعد اليه كل من يريد مجاوزة وهاد (الشرقي) المتخلف الذي يستبدل به الصعود مقابلة أو نقيضه (الغربي).

إن هذه الحقيقة جعلت من الهيمنة كمفهوم ثقافي يأخذ عمقاً ابعد من نقط إلغاء ثقافة الآخر أو دمجها في ثقافة المرجع الثقافي العالمي (الغربي)، بل ان العملية تأخذ طابع ابعد مكمل لإلغاء الهوية الثقافية المحلية، وهو ان عملية صياغة شكل وطبيعة ثقافة الآخر الجديدة قائمة أساساً على نسف كل نتاجه الثقافي والفكري الذي لا يتطابق حسب فهمهم مع المرجع الثقافي الغربي، لذلك نرى بأن صورة العربي المسلم تأخذ ملامح أخرى في هذه الثقافة العالمية، وعندما يذكر المسلم ذات الملامح العربية والشرقية، تأتي منهم جاهزة ومعدة سلفاً تتطابق مع هويته كونه متخلف وبعيد عن الثقافة كون ثقافته المحلية قائمة على القتل والإرهاب وكون هذه الثقافة هي متجذرة وتعود الى طبيعته وقيمة أخلاقه ومنظومته الفكرية، وبالتالي أصبح هذا الخطاب وصورته العالقة في ذهن الجمهور الغربي، الذي هو صناعة المؤسسات المهيمنة بامتياز، ملئ بهذه الأوصاف الدونية مقابل الصفات العليا صاحبة الحضارة للمواطن الغربي، ومن هنا يجب على المواطن الغربي التسليم لهذه الأوصاف واعتناقها والاعتقاد بها، وهي لم تأتي مباشرة، أو تصنع في القرن الحالي، بل هي نتيجة لما حفل به العقل الغربي  وفكره المتعالي ضد الآخر العربي الشرقي المسلم . ومن هنا إذا أردنا ان نتأكد نحن العرب كمسلمين وشرقيين , نقرأ ما كتب عنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإذا أردنا ان نعرف مدى تطبيق الثقافة الغربية علينا كمرجع لتقليدها فلندقق في عدة جوانب، منها : ان ما يُدرس في مدارسنا من لغات أوربية وغربية ليست فيها قصصنا وتراثنا وأخلاقنا وقيمنا، بل ما يوجد هو القيم الغربية والأخلاق الغربية والعادات والتقاليد الغربية، حتى ان الدارس العربي للغات الأوربية والأمريكية، يلاحظ ان التغيير يشمل ملبسه ومأكله، وكلما نذكر أمامه الثقافة العربية يستهجنها ويستشهد دائماً بالثقافة الغربية . ومن جانب أخر إذا أردنا ان نختبر صورة العربي في الثقافة الغربية ما علينا الا ان نقرأ مسرحية (عطيل) لشكسبير ونشاهد التمييز الذي يقع بحق (عطيل) الشرقي صاحب البشرة السمراء عن ثقافة المحيط الأوربي، وكيف ان غيرته، التي تُعد عيباً في الغرب قد قضت عليه، وكيف ان عقله مغيب وهو قاتل البراءة الغربية المتمثلة بـ(دزدمونة) . كذلك إذا أردنا ان نرى ونتصور شكل البطل الغربي السوبرمان والمخلص نقرأ مسرحية (العاصفة) لشكسبير ايضاً، أو رواية (روبنسون كروزو) للكاتب (دانيال ديفو) وهذه الإعمال وخصوصاً لشكسبير أصبحت من أوليات الدرس في مدارسنا وجامعاتنا وذلك لتأكيد مفهوم التفوق الغربي حتى في داخل المناهج الدراسية وتثبت صورة التفوق في عقول وأذهان أبناءنا والأجيال القادمة كما رُسخت هذه المعلومات فينا وفي من كانوا قبلنا، لماذا لم تتناول المدارس وغيرها قصص من تاريخنا العربي في دراسة الأدب الانجليزي؟ ولماذا لم تدرس القيم السليمة التي يحملها المسلم العربي في المناهج الدراسية الغربية ؟ أم نحن يجب ان ننفذ ما يُطلب منا ويساق لنا ثقافياً وحضارياً دون ان نبحث عما في داخله، وما ورائه من مقاصد، فهل أدبنا قاصر ؟ أم غير جيد؟.

أن هذه التساؤلات وغيرها من حقنا ان نوجهها للأخر الغربي ونطلب منه تغيير الصورة السلبية عنا وعن رموزنا ومنهم (الرسول محمد ص)، الذي أصبح مثار سخرية في الصحف الغربية ذات الحرية في التعبير، حتى على مقدسات الآخرين علماً إنهم علمونا ان الحرية في التعبير تنتهي عند حرية الآخرين وحدودهم الفكرية والدينية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها، فلو كان الغربي جاد في بناء صورة جديدة عن الإسلام ورسوله وعن العربي الشرق أوسطي، دون ان يكون هنا مقاصد خفية وراء استبعاد التغيير في المناهج الغربية، واقصد المناهج التي تعدل من الصورة السلبية عن الشرق وحضارته وديانته ورموزه وأولهم الرسول محمد (ص) لكانت صور التعايش أفضل مما نشهده اليوم، لكن من المستحيل ان تتغير صور الإساءة والتشويه التي جُبُل عليها الذهن الغربي ومؤسساته وسلطانه في كونها قائمة على نظام الهيمنة في رسم سياسات العالم نحو هدف محدد، مفاده ان تبقى صور التعالي والتفوق باقية وفي مقابلها الانتقاص والإساءة والتشويه باقية ضد الآخر، وما هيمنة الخطاب الغربي ثقافياً ومعرفياً، هو صوره من صور الاستمرار بهذه الهيمنة، وبالتالي إيجاد صورة سلبية أو ما يسمى بحسب المفهوم الغرامشي بـ(الحس العام) وهو مصطلح مطلق السلبية على وفق مفهوم (غرامشي) للهيمنة والذي جعل من المؤسسة الغربية قادرة على خلق أساطير للسيطرة على الآخر وتمكين سلطتها من بسط نفوذها وإرساء هيمنتها وحكمها بكافة المجالات ومنها الثقافية، وبذلك استطاعت من خلق (حس عام) لدى مواطنيها عملت على تأكيده في رسم صورة الآخر، بأنه مناقض وغير قادر على بناء نفسه فكرياً وثقافياً، وهذه الصورة عملت على تأكيدها ايضاً في ثقافة الآخر نفسه وجعله يعتقدها فعلاً، لذلك فأن مثال الحالة الثانية، جاء على وفق ردود الأفعال التي لم تكن بالمستوى الحقيقي لازمة الرسوم المسيئة واكتفت الجماهير الشرقية والعربية المسلمة، بالشجب والاستنكار، دون الرد على هذا التشويه بأفعال حقيقية منها المقاطعة الاقتصادية والثقافية التي تجعل من المؤسسة الغربية تحاسب من قام بهذه الأفعال بشكل جدي، لكن ردود الأفعال جاءت حتى على المستوى السياسي غير لائقة بهذه المصيبة الأخلاقية والإنسانية  التي تعرض لها رسول الإسلام (محمد ص)، وهي ليست الأولى على مر التاريخ ولا اعتقد بأنها الأخيرة ايضاً، مادامت الهيمنة الثقافية مسيطرة علينا، وكذلك مترسخة في ثقافتنا، وغير قابلة للتغيير في الذات الغربية ومؤسساتها التي مازالت تسوق الصور المسيئة والمشوهة عن الإنسان الشرقي وأخلاقه وقيمه مستهدفة بذلك ديانته الإسلامية وخصوصاً عن العرب، الذين اكتفوا بالشجب والاستنكار دون ان يطوروا وسائل الرد المناسب على هذه الإساءات، بل حتى دون ان يفّعلوا قوانين ازدراء الديانات، كما هو حاصل مع من يعتدي على (السامية/اليهود) عالمياً.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

علي رسول الربيعيأصبحت مسألة الهيمنة موضوعًا يعترض الفلسفة السياسية نظرًا لأهمية النظر ومعالجة اختلالات توازن السلطة والظروف البنيوية التي تقوض المساواة في  الحرية التي تتجاوز الضمانات الدستورية الأساسية. تعتبر مشكلة الهيمنة مهمة في أطار المناقشات حول الدين ومكانته في الجمهورية، نظرًا لتأثيرها على علاقات السلطة غير الرسمية في المجال العام المحلي والاجتماعي، وفي أشكالية اكتساب التفضيلات. يقدم منظور الجمهورية النقدية عند لابورد مساهمة مهمة في فهم الهيمنة وكذلك الاعتراف بوجوب أن يكون الخطاب الديمقراطي مفتوحًا لتعددية القيم الجوهرية، التي تعتمد على تفسير وتطبيق المبادئ السياسية. ومع ذلك، يشكك هذا الاعتراف في المفهوم الجمهوري لعدم الهيمنة باعتباره ركيزة النشاط السياسي.[1] عندما يجادل بيتيت بأن "عدم الهيمنة هي مصلحة شخصية، فلدى كل شخص سبب خاص لما يريده، وما يقيمه أو يقدره ".[2]  فأنه  يؤيد وجهة نظر الحرية التي تدعي أنها محايدة المضمون أو المحتوى، إنه يلزم الجميع بمثال محدد للفرد الحر، ويعتبر السياسة هي متابعة لشروط وظروف تحقيقذاك المثال للحرية. ويشير لوفيت بدوره إلى السعي وراء عدم الهيمنة كخير أساسي ويؤكد على أولويته على الخيرات الأخرى؛[3] بينما -نجد- لابورد أكثر تقبلاً لاحتمال أن الثقافات الثقافية المختلفة تفسر وتزن المبادئ السياسية الأساسية بشكل مختلف، إلا أن إعادة صياغتها للمشروع الجمهوري لا تزال قائمة على مبدأ عدم الهيمنة بوصفها فكرة سلبية أو حيادية المضمون للحرية. فبالنسبة لها، إنعدم الهيمنة هي وسيلة أما الغاية فهي الجمهورية النقدية.[4]. كل هذه المنظورات مبنية على الحرية باعتبارها عدم هيمنة كمبدأ رئيس للنظرية السياسية. يتعارض هذا النهج مع التنافس بين المفاهيم المتعددة للحرية والعدالة في المجال العام الديمقراطي، والتي هي جزء لا يتجزأ من السياقات التاريخية المختلفة والثقافات الديمقراطية المتعددة. من وجهة نظرنا، إن الافتتان بفكرة مبدأ وحيد محايد المضمون معرض، في نهاية المطاف، لخطر دفع تفسير الظواهر الاجتماعية والسياسية المعقدة إلى مسار تحليلي ضيق. هذا الميل "الأحادي" و"الشكلي" لـ نظرية عدم الهيمنة لاستيعاب جميع المُثل السياسية والخيرات في إطار فكرة واحدة خالية من مضمون عدم الهيمنة لا يعترف بشكل كافٍ بدور القيم الجوهرية في المباراة والمنافسة الديمقراطية. يلاحظ لارمور، من منظور تعددي، أن عددًا من القيم المختلفة، التي لا يمكن تجاهل أي منها، قد اتخذت اسم "الحرية"، ويجب أن يكون همنا ليس تحديد أي منها يجسد جوهر الحرية، ولكن الاعتراف بالاختلافات بين هذه المًثل أو التصورات ورسم روابطها وصلاتها.[5]  

لايمكن فهم ديناميات  السلطة تماماً عن طريق مخطط ثنائي التقسيم؛ وكما يؤكد ميشيل فوكو، فإن السلطة ليست شيئًا يمكن أن يمتلكه الفرد / الجماعات؛ إنها متضمنة ومتجذرة في شبكات معقدة من العلاقت بين الأفراد والجماعات. إن التحرر من الهيمنة ليس باتجاه واحد اذ يمكنه أن يولد دائمًا أشكالًا جديدة من الهيمنة الاجتماعية والسياسية؛ علاوة على ذلك، فإن التحرر من الهيمنة ليس مطلقًا ولا مجرد تطبيق لمبدأ تجريدي، أنه يتصل بالانتماء إلى العلاقات والبنى المجتمعية.[6] تُستمد المصادر لمقاومة الهيمنة من المؤسسات السياسية من الأنتماءات الاجتماعية المتنافسة؛ ويبدو المواطن الذي يحمل أنواعًا متعددة من الارتباطات والقيم المجتمعية التي تقدمها الأسرة والمنظمات الدينية والجماعات الاجتماعية السياسية صامدًا بشكل خاص تجاه حالات سيطرة الدولة أو هيمنتها. من ناحية أخرى، فإن المواطن الجمهوري الصالح الذي تأتي مصادره ضد الهيمنة من التمسك الكافي بالقوانين والانتماء إلى المجتمع السياسي أكثر عرضة للخطر، لأن القوانين نفسها قد تكون متواطئة في الهيمنة النظامية التي تمارسها المؤسسات السياسية.

يعني نهج عدم الهيمنة أن يكون محايدأ من حيث المحتوى بحيث يمكن لجميع المواطنين دعمه بغض النظر عن وجهات نظرهم الشاملة، ويرتبط تحقيق حالة عدم الهيمنة، في كل من السياقات الدينية والعلمانية، بالديناميات التي توفر الحواجز والمصادر لمعارضة قوة وسيطرة الآخرين. يعتمد التحرر الاجتماعي والسياسي على السياق؛ وتظهر علاقات جديدة من الهيمنة المادية والرمزية من خلال إعادة ترتيب نظام السلطة والشرعية الخطابية. ونتيجة لذلك، فإن إشراك أصوات وقوى مدنية متعددة في الساحة الديمقراطية أمر مفيد لضمان الحد من علاقات الهيمنة. في الممارسة الديمقراطية الفعلية ، فإن الآليات المؤسسية وتعدد وجهات النظر العالمية الشاملة الداعمة للديمقراطية والمنتشرة بين السكان هي ما يعطي جوهرًا للسعي وراء عدم الهيمنة، بدلاً من الالتزام العالمي بمثالية مجردة، محايدة من حيث المضمون يلتزم به جميع المواطنين.

باختصار، نحن نقدر أن التركيز على عدم  الهيمنة  كمفهوم سلبي أوشكلي للحرية يضيق نطاق التنظير السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدور الديمقراطي للقيم الجوهرية-الموضوعية والممارسات المجتمعية. يجادل المفكرون الجمهوريون الآخرون على النقيض من نهج عدم الهيمنة، بأن تلتزم  الجمهورية بشكل من أشكال الحرية الإيجابية التي تعطي أهمية أكبر للدين.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

 [1] Skinner, Q. (2012b) " On the Liberty of the Ancients and the Moderns: A Reply to My Critics", Journal of the History of Ideas 73(1): 127-146.

 [2] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. 80-81.

 [3] Lovett, F. (2010b) “Cultural Accommodation and Domination”, Political Theory 38(2): 243-267.    

 [4] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy.15.

 [5] Larmore, C. (2001) "A Critique of Philip Pettit's Republicanism", Philosophical Issues 11: 229-243. 233.

 [6] Mendieta, E. (2012) " Spiritual Politics and Post-Secular Authenticity: Foucault and Habermas on Post-Metaphysical Religion", in Gorski, P.S., Kyurnan Kim, D. , Torpey, J., and VanAntwer­ pen, J. (eds) The Post-Secular in Question. Religion in Contemporary Society. New York andLondon : New Yark University Press: 307- 334.320.

 

 

 

سامي عبد العاللا يعترف التاريخ بـ" لو"، وإلاَّ لما أصبح تاريخاً ضمن أحداث ووقائع. فلو حدثَ غير ما حدث- في جميع العصور- ما كان ليصل إلينا، على الأقل ربما قد وصل بشكلٍّ آخر. وهذا مستحيل... دليل ذلك أنَّ الكلام الآن طيُّ الافتراض بأثر رجعي. ولئن كانت "لو" في الموروث الشعبي الديني تفتح عمل الشيطان، فإنَّها بالفكر السياسي تفتح ممارسة الديمقراطية. " لو" هي نقطة استعمال البدائل وافتراض الأفعال ورسم خريطة المستقبل. الطريف أنَّ الاسلاميين ينعتون الديمقراطية بأنَّها نظام شيطاني (لأنَّها سياسات وإجراءات وقيم ترتبط ببلاد الكفار). فهل تلك مصادفة لغوية أم توجُس مُرعب من الانكشاف إن تولوا مقاليد السلطة؟!

تشكل " لو" مصدر إزعاج لأصحاب الأيديولوجيات إجمالاً، لأن" لو" معناها ترجيح أشياء على أشياء أخرى. وطرح البدائل على قدم المساواة أمام العصف الذهني والعصف الزمني بالمثل. وهذا فحواه أنها أداة تغيير جذري في ممارسة الخطاب، فضلاً عن هاجس المجهول الذي يسكنها. وحتى إذا تم فتح إمكانيتها، فهذا يدفع السياسيين للاحتماء بآليات صارمة لتقليص مساحة المفاجأة، كل سياسة تنبني على انكار "لو" صراحةُ أو ضمناً. ولا توجد مسافةٌ كبيرةٌ بين الصراحة والإضمار، لكون الواقع غير قابل للتفاوض بسهولةٍ ولا سيما أثناء الأحداث والتحولات إزاء ألة الحكم والسلطة.

ولذلك رغم أنَّ الديمقراطية تعنى "حكم الشعب"، سوى أنَّ تاريخها يتراكم بمخالفة هذه القاعدة، بل كثيراً ما جرى التراكم التاريخي لممارسات الأنظمة السياسية بانتهاك تلك القاعدة تحديداً. لينفي معناها كمصطلح ذات حواشٍ فلسفية وقيميةٍ بعضه بعضاً. هنا يوجد سؤالان: ما حقيقة هذا التراكم المناقض لمفهوم الديمقراطية من داخلها؟ وهل يمكن تجاوزه وحل استقطابه؟ هذا الطرح ضروري لفهم مشكلة الديمقراطية وتطورها في أغلب المجتمعات. مشكلة كون الانحراف كامناً في جوهرها وليس أبعد، لأن الاستفهام بالمفارقة paradox يضع منطقاً للتحليل يكشفِ الموضوعات من الداخل، أي عبر أعمال التراكم وترسباته من عصر إلى آخر.

مفارقة المفهوم / الماصدق

بحسب ألف باء المنطق الصوري، هناك مقولتا المفهوم intension والماصدق extension، يشير المفهوم إلى الفكرة أو المعنى وراء القضايا. أمَّا الماصدق فينقل واقع المفهوم، وهو حقائق ينطوي عليها المفهوم ذاته. فحين نقول إنَّ المعنى يشير إلى فكرةٍ - كالحرية مثلاً- خلف مصطلح الديمقراطية، فإن الماصدق يعطيها وقائع لإقرار الحقيقة من عدمها. بهذا الصدد ظل مصطلح الديمقراطية مائعاً بين المفهوم والماصدق. لقد تأرّخت الديمقراطية بالازدواج المفارق والمضاد لدلالتها. واستمر انقسامها منذ الولادة المنطقية والعملية في بلاد اليونان. أي التعريف شيء والممارسات شيء آخر.

هذا الانقسام احتفظ به المصطلح كبذور مترحلّة عبر الممارسات السياسية في تاريخ السلطة. ففي صورتها المنطقية logical form ربطت الديمقراطية كلمتين (وحدتين/ حدين terms) ديموس Demos شعب و كراتس kratos حكم. وهما حدان يفترضان اتساقاً للمفهوم الذى يحملانه. لكنهما خضعا لطريقة التفكير الفلسفي والاجتماعي والسياسي. ذلك فيما يخص الإنسان تبعا لماصدقاته، أي داخل حالات التكوين الاجتماعي والاقتصادي. بكلمات أخرى أمعنت أنظمة الحكم في اطلاقها الكلي فأصبحت سلطة تعصف بالآخرين. وغدت منفصلة عن فاعلها (الشعب) حتى أمست هذه الأنظمة أو تلك موضوعاً في ذاتها. أما صورة الديمقراطية عملياً practical form إذا نظرنا إلى "حكم الشعب"، فإننا من أول وهلة نقول إن الحدين السابقين قابلان للإنجاز.

أي تترتب على مضمونهما أفعال استناداً إلى:

1- أنَّ الحكم السياسي يحمل أبعاد الممارسة. وخاصة أنه يُنسب إلى شعب. ولم تخل الديمقراطية (منذ البدايات الأولى إلى تحولاتها الراهنة) من ممارسات حاكمة، ضابطة، موزعة لحركتها باتساع موضوعها الشعبي.

2- تخرج الممارسة في صورة مؤسسات و"هيئات" تمثل رموزاً للحكم ولحيويته وقدرته على التأثير.

3- انقلب الحكمُ تدريجياً إلى سلطةٍ ما، تصوغ القوانين وعمليات التأسيس. ومن خلال السلطة جاءت الدساتير واللوائح والتنظيمات السياسية.

4- بات الشعب مفعولاً به لا فاعلاً للحكم. وإذا كان مضافًا إليه بعبارة "حكم الشعب"، فيبدو أن المضاف إليه سياسياً لا يفيد علاقة النسبة أو الملكية. حيث ظلت الديمقراطية (تُنتزع) تاريخياً من الحكم السلطوي. ورغم أن الشعب صاحب الحكم حصرياً، إلاَّ أنه يجري به وفي الوقت نفسه يبتعد عنه. ليعيد تبرير الشرعية من خلاله.

لعلنا نكشف هنا بنيةَ هذه العلاقة من قول أرسطو في كتاب الشعر poetics "إن الديمقراطية هي وضعٌ يُمنح خلاله الأحرار والفقراء الذين لهم الأغلبية السلطة في الدولة". قول أرسطو هذا في كتاب غير كتبه السياسية مهم. لأنَّ الفكر (من جهة انتشاره وهيمنته وتحولاته) يمثل أبلغ التمثل خلفياته في المجالات غير التخصصية (كمجالات الشعر والميتافيزيقا والأخلاق...)، ولنلحظ شيئاً مؤداه أن الحكم بالتفكير الأرسطي "يُمنح"، "يُعطى" على أساس "وضع" معين certain condition. ويكون هذا الوضع خارج حدود سيطرة الشعب، مع أن الشعوب هي أضخم كيان فاعل خلال النظام الديمقراطي.

إن المنح والوضع لا ينسبهما أرسطو إلى الشعب. كأنَّ هناك يداً خفية ستمسك "السلطة" وتقوم بتوزيعها على هؤلاء الأحرار والفقراء. لكن تحت أية شروط؟ وفى أية ظروف؟ لم يُجِب أرسطو. وطالما الأمر كذلك، فهناك انحراف في معاني السلطة. لقد ارتهنت بالقوى الفوقية (بالمدلول الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي...) وبالقطع استثمرت القوى الظروف الدينية والميتافيزيقية لصالحها لنيل الغلبة على الارض.

من جهةٍ أخرى، مَنْ هؤلاء الذين سيتلقون السلطة؟ هم الأغلبية، مجموعة من الناس (أحرار+ فقراء)، إذن هم مواطنون أرسطيون قبل أن يكونوا أثينيين. بمعنى تم تقليص الشعب (هذا المضاف إليه في الديمقراطية) إلى أغلبية، أكثرية، فئة معينة دون غيرهم. هنا يعد قانون الهوية identity law of أول ما حطمه أرسطو بنفسه، حين جعل الشعب فئةً بعينها.

لأنه عندما منح أرسطو السلطة على أساس التمايز، فإنَّ ذلك يعارض قانون الهوية. يقول قانون الهوية إنَّ الشيء هو الشيء ذاته ويستحيل ألاَّ يكون غير الشيء، أي أ= أ. لكن أرسطو قرر أنَّ الشعب ليس هو الشعب. إنه طبقة منه، نخبة حاكمة، أقلية تمسك بزمام السلطة لتعود حاكمةً على أقليات أخرى.

هكذا كان تدمير قانون الهوية منطقياً أول بذور التنظيم الديمقراطي سياسياً. كأن هدم المنطق أول شروط السياسة، ظلت فكرة السلطة تتلاعب بالمنطق حتى اللحظة. وعندئذ بدا واضحاً تعارض المنطق والسياسة في التفاصيل. ورغم أن أرسطو أراد بالمنطق في كتابه "الأورجانون" Organon أن يكون آلة للتفكير، لكن أثبتت التقاليد اليونانية تغليب منطق المنح (منح السلطة) والمنع على منطق الحق. وهنا تكمن المشكلة - كما يرى ريموند وليامز R.Williams- لتسقط الديمقراطية في مفارقة الصراع السياسي والاجتماعي طوال تاريخها.

في محاورة "الجمهورية" يعبر أفلاطون على لسان سقراط: تنشأ الديمقراطية عقب أن يدحر الفقراءُ خصومهم. يقتلون وينفون البعض، على أن يمنحوا المتبقين قدراً مساوياً من الحرية والسلطة. لكن واقعياً لم تكن الديمقراطية ممارسة سياسية إلاَّ على أنقاض المساواة. ولم تحقق إلاَّ إقصاء الآخرين كما نشأت. فهناك نظام الرق، والأرقاء يقومون بتكريس الأقلية. لأن وجودهم دون المشاركة في الحياة العامة يرفع طبقة أرستقراطية فوق الطبقات الأدنى. كما أن الإنسان يخضع للفرز والتمايز. إذ كانت هناك مكانة هامشية للغرباء (البرابرة) داخل المجتمع الأثيني، في مقابل مواطنين يتمتعون بحقوق مجانية بالولادة والنشأة.

اللافت هو تأكيد أفلاطون وأرسطو أن هذه اللامساواة وتلك الطبقية شرطان ضروريان لقيام الديمقراطية. مثلما كان عالم المثل الأفلاطوني (هذا التخيل الموهوم) شرطاً لوجود الواقع والتاريخ والإنسان. أي لابد من سلب الواقع حتى يمكننا إيجاده. وهذا يؤدى بنا إلى المفارقة التالية التي ظلت متواترة.

مفارقة الاسم/ المسمى

يرتبط الاسم كما يقول رسل Russell بمدلوله، بمعناه، ذلك بقدر ما يحمل من أبعاد الزمان والمكان. ويغدو اسماً افتراضياً إذا أشار إلى معرفة ممكنة أو اصطلاحية. من ثم يحدد الاسم مجاليه الفعلي والافتراضي. ويكتسب دلالة بهذا التحديد. غير أن الديمقراطية بها أكثر من الارتباط بينها وبين اسمها، لدرجة أنَّ معناها كـ "حكم الشعب" تحول تاريخياً إلى شيء آخر تحت شعار... "باسم الشعب".

هكذا على غرار ما ورد في بعض الأدبيات الخطابية العربية... "باسم الله وباسم الشعب". فأمست تشير إلى الأفعال والتنظيمات جرياً مع الشعار السابق بخلاف القيم التي ترسخها. أي باسم الديمقراطية in the Name of Democracy يمارس الشعب السلطة في الأنظمة السياسية. وبذات الاسم - وهنا المفارقة- يُقهِر الطغاةُ ودجالو السياسة الشعب نفسه. تحول الاسم بمردوده الميتافيزيقي إلى دجل، قتل للاختلاف. وليس أقرب لأي ديكتاتور سوى القول باسم الله وباسم الشعب. ويظل يلوك فيها كعلك (لُبان) لا ينتهي. وهو يعلم أنه يخادع عقول البسطاء ويشعل حماس الوعود الفاشلة الواحدة تلو الأخرى.

لقد أصبح ذلك الاسم ُيُمتلك وُيؤجّر وُيخلع على الأفراد أو المؤسسات. ويكتسب مشروعية فيما ليس مشروعاً له. لا أقصد أن أحدد وضعاً كهذا بالتصنيف الحدي: ديمقراطية حقيقية وأخرى زائفة. لكن الأمر أعقد بكثير. ذلك أن اسم الديمقراطية يتحول إلى آلية تحمل كل الازدواجيات والتناقضات التي يعبر عنها الوضع السابق. ولهذا الاسم تكوين مركب يتسنى توضيحه بالطريقة التالية: ينطوي أي مفهوم على مستويات كثيرة. وبصدد مفهوم الديمقراطية يحتمل التحليل الاسمي الإشارة إلى التعدد في بنيته.

أولاً: تحديد حقوقي. أي حكم باسم الشعب. وهو تحديد تحمله اللغة، ويجرى به الهيكل السياسي، يتجلى أكثر ما يتجلى في القوانين واللوائح والتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. تلك التي تعبر عن اعتبار "حكم الشعب" موضوعاً للتفكير المقنن والمؤطَّر.

ثانياً: فضاء ثقافي. وهو الذي يظهر بظهور القيم أو الخلفيات والتقاليد التي تأتى بها الديمقراطية. بالتأكيد ليست الديمقراطية غاية في ذاتها وإلاَّ لأمست شكليات فارغة من المضمون. هي مهمة لأنها تدل على معطيات إنسانية وحياتية معينة. والأبرز أن تلك الخاصية تمثل قيداً وانتهاكاً للديمقراطية. فهنا يمكن أن يتسع محيط الادعاء والتفلُّت من الحقوق والواجبات. وقد يحمل الفعل (حكم) دلالات الفهم الخاص للثقافة والأخلاقيات، في حالة سيولة وتأويل، ويمثل باباً لدخول التشويه عليها.

ثالثاً: خيال سياسي. وهو الجانب الذي يمثل تخطيطاً محتملاً لإمكانية التغيير في الأنظمة السياسية والقوانين والأشخاص. فالديمقراطية – طبقاً لقاعدة الشعب- تفترض التغييرات بحسب مجرى الأداء والإنجاز. لكن هذا الخيال قد يتجمد. كما في الأنظمة الديكتاتورية، حينما تزعم لنفسها حكماً ديمقراطياً. وهى تسلك عكسه مع سبق الإصرار والترصد، كحال دول الشرق الأوسط.

أما العمل الأخطر بصدد الخيال أن تتولى بعض الأنظمة السياسية " تصنيع الخيال السياسي" لتسويقه في المشهد العالمي بين الدول. حيث يؤدى الإيهام دوراً مؤثراً، فباسم الديمقراطية، يقال على سبيل المثال حرية اقتصادية أو شفافية تبادل المعلومات أو حرية الاختلاف كما في الدول ذات الإطار الرأسمالي المتوحش، بينما هي "حريات مسخ" بمقاييس الديمقراطية. ويمكن أن نطلق علي هذه الأنظمة "الديمقراطيات الزئبقية" القابلة للتلون تبعاً للقوى والسلطة المهيمنة.

من هنا نأخذ أطراف الديمقراطية حين تخضع لوضعية الاسم بالتخطيط التالي:

- مرجعيات (ثقافة / تاريخ / قيم/ أديان/ مذاهب).

- تنظيمات: حكام (رؤساء/ رؤساء وزراء- برلمانات)... محكومون (شعوب).

- آليات (هياكل / أبنية/ مؤسسات).

إنَّ حركة النظم السياسية ُيعاد خلالها - باسم الديمقراطية - إنتاج المرجعيات. ذلك مع وجود الهياكل والتنظيمات، سواء أكانت انتخابات أم برلمانات أم مناصب إدارية أم قوانين. تبقى فكرة باسم الديمقراطية بمثابة " الشاحن " الذي يدفع أو يبرر الممارسة في المجتمعات سلباً وإيجاباً. وإذا كانت فكرة باسم الديمقراطية هي المبرر القوى للانخراط فيها، فإنِّها تعطينا فرصة لمعرفة: كيف تتعايش الديمقراطية مع المجتمعات التقليدية وغير التقليدية؟ وبأي منطق تظهر القيم هنا أو هناك بحسب الممارسات السياسية؟ وهل ثمة علاقة بين الثقافة والسياسة؟ وأي تنظيم يمكن أنْ يصلح لمجتمع دون غيره؟

وحتى على الصعيد السلبي: لماذا تنقلب الديمقراطية على ذاتها وباسمها؟ وما الأسباب البنائية التي ترسخ فرضية باسم الديمقراطية حتى باتت الشعارات الرسمية مع وضد في نفس الوقت؟ ما هي أشكال انتهاك الديمقراطية بتلك الفرضية تحت مزاعم شتى؟ وهل يرجع ذلك إلى أخطاء في الجوانب النظرية أم العملية؟ وكيف ترتهن تلك الجوانب بالمرجعيات؟

يمكن أنْ نضرب مثالاً على كيفية ظهور خلفيات "باسم الديمقراطية"، وهو مشكلة "حق التدخل في شؤون الدول" الذي أقرته الإدارة الأمريكية سابقاً تحت مسميات ديمقراطية. فمن الذي أعطى "بوش الابن" آنذاك حقاً كونياً كي يتحدث عن الأوضاع السياسية للدول الأخرى؟ وهل ذلك يمثل بعداً متسقاً مع طروحات الديمقراطية أم لا؟ وقد سارت الفكرة عبر رؤساء أمريكا باراك أوباما ودونالد ترامب.

إن خلفيات "باسم الديمقراطية" في الحالة الأمريكية تقفز بالمقدمة باسم أشياء أخرى:

أ- باسم اليمين الصهيو- مسيحي المتطرف. حيث اجتاح بعض الثقافة الأمريكية السياسية لتمهيد الأرض لنبوءات الكتاب المقدس، التي تحدد أنه لتطهير الأرض من الفاسدين والمارقين على يد المسيح المخلص والمرتقب نزوله، لابد من تدعيم مملكة صهيون (إسرائيل) كشرط لهذا النزول. والتماهي هنا لا تخطئه العين بين المهمة النبوئية ومهمة أمريكا بالنسبة لشرور العالم. كما أن نجاح الأثنين يربط بعضمها البعض كمقدمة ونتيجة (نجاح أمريكا ونجاح مملكة صهيون).

ب - باسم "الآب والابن والروح القدس" أعطى بوش نفسه حقاً مجانياً واعطى رؤساء أمريكا لاحقاً وسابقاً، لإحلال الديمقراطية (السلام) على الأرض. وهى مهمة تبشيرية جديدة للجيش الأمريكي ذات طابع حربي. وليس مصادفة أنْ ترد على لسان بوش مصطلحات "جيش الرب" عندما كان يصف القوات اأمريكا المنتشرة في أنحاء العالم، و"حملة صليبية" لمحاربة المتشددين الإسلاميين. وليس غريباً أن يجعل من تنظيم القاعدة "شيطاناً" كأنه ينشر فاعلية "لو" عبر التاريخ المعاصر في صيغة: ماذا لو تخيلنا العالم بدون أمريكا، ثم لا يترك مجالاً إلاً ليلاحقه في كل مكان!!

ج - باسم صور استعمارية قديمة راقب بوش الابن آنذاك البرامج  السياسية المحلية للدول. تلك البرامج المتعلقة بالتعليم والصحة والبنية الأساسية. فضلاً عن الهيكلية السياسية للأحزاب والانتخابات وتداول السلطة وديموجرافيا الأقليات. لا ليعطي دعماً للدول الموضوعة تحت المراقبة (وإن زعم ذلك باسم الديمقراطية كذلك) إنما ليخلق وليواصل الصراع بين " توم وجيري " Tom and Jerry، وليجعل لكل توم (قط) على المسرح الدولي، مسرح الرسوم المتحركة الجيو سياسي، جيري (فأراً) يقلق استقراره وينغص حياته. حيث تمثل أمريكا دور "الكلب"... هذا الضخم الجثة-كما في رسوم الاطفال المتحركة الشهيرة- الذي يلاحق القط Tom دفاعاً عن جيري أو وقوعاً في ألاعيبه. لأن جيرياً Jerry صنيعته ويرى فيه نفسه ببقاع العالم المترامية، ويسدى إليه الخدمات تلو الخدمات، فكيف لا يقف بجانبه؟! ولم لا يتضامن معه؟!

وذلك مع الاعتراف بأنَّ معظم الدول النامية لا تستند إلى أنظمة ديمقراطية حقيقية، وتحتاج حقاً إلى إصلاحات جذرية، ومع أهمية النظام الديمقراطي الأمريكي وقدراته على تجديد نفسه وما أنجزه من تقدم علمي وإنساني وحضاري، لكن يستحيل فرض الديمقراطية بالطريقة العسكرية عولمياً أو محلياً. ولاسيما أن الديمقراطية ُتتأسس على متغيرات التربية والثقافة والدين وتصورات العالم... وهذه تختلف من مجتمع لآخر. تتطلب عملية تاريخية يكون الشعب فيها بنَّاءً وممارساً لنواتج الأفعال السياسية ومُطوراً لها عبر حياته المفتوحة، شريطة ألاّ تسرق الأنظمة الحاكمة الفرص المواتية للحرية والتطور.

 

سامي عبد العال

 

علي رسول الربيعييشكل الدين تحديًا لقدرة مقاربة أو نهج عدم الهيمنة على معالجة ظروف عدم توازن القوة ولا تماثل السلطة.[1] أنظر مثلا التضارب بين الممارسات الدينية ومبادئ العدالة التي تمتد من مجرد تقيد هذه الممارسات إلى حظرها التام .[2]

يقيم المنظرون الجمهوريون، في ضوء نهج عدم الهيمنة، تقييد (أو تكييف) الممارسات الدينية بشكل مختلف عن الليبراليين. فمن وجهة النظر الجمهورية، هناك خطر مزدوج مرتبط باختلالات السلطة غير العادلة: أيً السماح بالهيمنة أو ممارسة السلطة المطلقة. تخاطر الدولة بالسماح بممارسة الطقوس والرموز الدينة في المجال العام بهيمنة  ممارسيها أو حامليها . لكن الدولة معرضة أيضًا لخطر ممارسة شكل من أشكال الإمبريالية من خلال حظر عرض الرموز الدينية من أجل الحفاظ على حياد الأماكن العامة ضد تأثير الجماعات الدينية. يعتبر التصدي لكل من هذه التهديدات، بالنسبة للمنظرين الجمهوريين، أمرًا ضروريًا لتحقيق التوازن بين العدالة والشمولية: يجب أن يدافع المجتمع العادل عن المواطنين ضد الهيمنة ويحمي الأقليات من التعرض للأذى بسبب قواعد الأغلبية أيضًا. إن مقاربة عدم الهيمنة، من خلال إظهار المزيد من الحساسية لهذه الأخطار المتعارضة، أكثر استعدادًا لمواجهة هذا التحدي من ليبرالية عدم التدخل؛ وعليه  فهي تدعو إلى اتخاذ إجراءات سياسية تهدف إلى الحد من اختلالات السلطة غير العادلة. وينطبق هذا حتى عندما تظهر اختلالات السلطة هذه بين الأطراف التي تنضم بالتراضي إلى الممارسات الهيمنة بشكل متناسق. تنتقل النماذج البطريركية للإخضاع من خلال الموروث الثقافي والممارسات التقليدية، حتى عندما لا يكون هناك أفعال واضحة للتدخل في الخيارات الفردية وعلاقات الهيمنة. على الرغم من هذا التركيز على عدم تناسق السلطة، فإن مقاربة عدم الهيمنة ليس بالضرورة أكثر تقييدًا من الليبرالية تجاه التقاليد الدينية. قد يسمح هدف تقليل الهيمنة الشاملة (أو حتى يتطلب) الأستيعاب أوالتوفيق بين الممارسات الاجتماعية  بما في ذلك التي تتضمن عناصر الهيمنة. تأتي عمليات الاستيعاب بتكاليف ثقافية يمكن أن تدفع الأشخاص الضعفاء إلى مقايضة قدر ما من الحرية من أجل الحصول على الاعتراف والمساعدة. وقد تتطلب مواجهة هذه المشكلة بدورها أن تقوم الدولة بتدابير خاصة للاعتراف ببعض الممارسات، ليس  الى حد حماية بعض  القيم  الجوهرية للثقافة التي يمتلكونها، ولكن من أجل تعزيز عدم الهيمنة فقط.[3]

لا يمكن أن يتخطى نهج عدم الهيمنة التسامح ليشمل بشكل كامل المبادئ الليبرالية للحياد والنزاهة والعدالة كما يجادل فرانك لوفيت.[4] يتطلب الحياد من السياسات والمؤسسات العامة أن تستوعب وبالتساوي جميع المفاهيم  المفيدة للخير والصالح العام. وبدلاً من ذلك، يركز الجمهوريون في مقاربة عدم الهيمنة على التحرر من الهيمنة كخير اساس له اهمية وأولوية على جميع الخيرات الأخرى. وتتطلب النزاهة والحيادية، بدورها، أن تكون السياسات والمؤسسات العامة مبررة لجميع الأشخاص الذين يمتلكون تصوراً معقولاً للخير والصالح العام. ولكن، كما يشير لوفيت، يمكن أن تتعارض بعض المفاهيم المعقولة للخير مع القيمة الأولية المؤكدة لعدم الهيمنة وأولويتها على الخيرات الأخرى. يوفر ربط قيمة عدم الهيمنة بالازدهار البشري[5] مبررًا للسياسات الجمهورية التي يمكن قبولها من قبل مجموعة واسعة من الأشخاص المعقولين، ولكن ليس من قبل الجميع طبعاً.

يمكن للمعترض أن يشير إلى أنه من خلال التخلي عن مبادئ الحياد والنزاهة، فإن نهج عدم الهيمنة يوفر الكثير من الأسس للدولة للتدخل في تفضيلات الناس: إذا كانت الحرية الفردية هي الوضع الافتراضي، فيجب تبرير الإكراه كشكل استثناء لذلك الموقف. [6] إذا كان لمبدأ عدم الهيمنة الأسبقية، فإن الجاذبية إلى القيم الجمهورية والمصلحة الأكبر للمواطنين قد تسود على الخيارات الفردية. وهذا يوفر للدولة المبرر المنطقي لتقليل القيود التي تأتي من الاعتراف بكرامة الأفراد على أساس فكرة المصلحة الاجتماعية المتفوقة.[7] ووفقًا لخط الاعتراض هذا، يمكن أن يتحول السعي إلى عدم الهيمنة إلى شكل من أشكال الأبوية التي لا تجد ثقل موازن مناسب في مركزية الحقوق الفردية كعائق أو قيًد لضغط المصلحة المشتركة. يدخل مفهوم المصلحة  في التعريف الذي يقدمه بتيت  لفصل الهيمنة عن النفوذ المشروع: يكون التدخل تعسفيًا إذا فشل في تتبع الأفكار والمصالح ذات الصلة بأولئك الخاضعين له. لكن هذا التعريف مبني على افتراضين يصعب تبريرهما في اديان متعددة وفي سياقات تعددية لها: "أولاً"، أنه من الممكن تتبع الأفكار والمصالح ذات الصلة للمتضررين من التدخل، أي المواطنين. ثانياً  يتشارك المتضررون (المواطنون) في الأفكار والاهتمامات ذات الصلة ".[8] إن الافتقار إلى الوضوح بشأن التمييز بين التدخل التعسفي وغير التعسفي له آثار أبوية لأنه يُترك للتداول والسيطرة الشعبية. وبدون قيود أخلاقية محددة بشكل جيد على تدخل الدولة، فإن ما يحسب في المصلحة المشتركة الأفضل سيعتبر غير تعسفي. بينما يحق لجميع المواطنين الطعن في قرارات الأغلبية ، فإنه ليس من المضمون أنهم قادرون على القيام بذلك، أو أنهم لا يعتقدون أن الهيمنة هي في الواقع في مصلحتهم.

يتطلب التوازن بين العدالة والشمولية (التي تغطي أو تتعامل مع مجموعة  واسعة من الموضوعات والمجالات) المشاركة النشطة للمواطنين المتدينين في تعريف المصلحة المشتركة. إن استراتيجية التسامح[9] التي تدعم استيعاب الممارسات الدينية هي من اجل تخفيف الأعباء غير الضرورية عن المواطنين المتدينين، لكنها ليست كافية في حد ذاتها. تحتاج الدولة الجمهورية أن تدعم بنشاط إمكانية المواطنين المتدينين لتطوير صوتهم المدني والمساهمة في عملية التبرير العام.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1]  Honohan, I. (2013) "Religious Diversity and The Republic

[2]  Lovett, F. (2010b)  "Cultural Accommodation and Domination",  Political Tiieory  38(2) : 243-267.

 [3] Lovett, F. (2010b)  "Cultural Accommodation and Domination"

 [4] Lovett, F. and Whitfield, G. (2016) "Republicanism, Perfectionism, and Neutrality" , The Joumal of Political Philosophy 24(1): 120- 134.

 [5] Lovett, F. (2010a) A General Theory of Domination and Justice. Oxford: Oxford University Press.

 [6] Lovett, F. and Whitfield, G. (2016) "Republicanism, Perfectionism, and Neutrality". 131.

 [7] Brennan , G. and Lomasky, L. (2006) "Against Reviving Republicanism", Politics Philosophy Economics 5: 221- 252.

 [8] Saenz, C. (2008) "Republicanism: An Unattractive Version of Liberalism" , ethic@ An Inter­national journal for Moral Philosophy 7(2): 267-285. 274.

 [9] Lovett, F. (2010a) A General Theory of Domination and Justice

 

حاتم حميد محسنلماذا نعتقد ان الفلسفة نشأت في الأصل في اليونان القديمة؟من الواضح ان المصريين القدماء الذين سبقوا فيثاغوراس وافلاطون وبارمنديس وارسطو بـ 2500 سنة، مارسوا الحكمة ايضا:"قوة الحقيقة والعدالة هي ان يسودا"كما ورد في حكمة بتاح حتب حوالي 2350 ق.م.(1)

في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية (1945)، يرى برتراند رسل انه من الصحيح ان الفلسفة بدأت في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان (في ميليتس، المستوطنة اليونانية التي تُعرف الآن بتركيا)، لأنه فقط من هنا بدأ الفلاسفة يميّزون الفكر من الثيولوجي. في كتابه الهام يطرح رسل مسألة واضحة وليس دفاعا او موقفا معينا. المفكر الذي اُطلق عليه أول فيلسوف، (طاليس)، يتذكر الناس قوله ان "كل الأشياء مليئة بالآلهة".

في كتابه تاريخ جديد للفلسفة الغربية (2004-2007)، يقترح فيلسوف جامعة اكسفورد (انتوني كيني) ان الفلسفة تبدأ حقا بارسطو (384-322)، لأن ارسطو كان اول فيلسوف يلخص منهجيا تعاليم أسلافه لكي ينتقدها. ربما كان موقف كيني صائبا، لأن تلك المنهجية تمثل رحيلا جديدا. انها اتجاه لم يتبنّاه افلاطون المعلم الكبير لأرسطو . نحن نستطيع الإحساس بالطبيعة الراديكالية لحركة ارسطو لو نظرنا في بعض الكلمات التي يصوغها لكي يصنع تلك الحركة. فمثلا، افلاطون استخدم كلمة "انولوجي" وليس "تحليل". كلمة "تحليل" جرى اختراعها من قبل ارسطو. هذا يعني انه، بينما افلاطون افترض ان الهدف من الجدال هو الاشارة الى الحقيقة، لكن ارسطو وجد ان الجدال يمكن ان يجزّأ الموضوع قيد الدراسة تماما كتشريح النبتة او السمكة. كذلك، افلاطون استخدم كلمة "نوعية"ولم يستخدم كلمة "كمية" وهي الكلمة الاخرى التي صاغها ارسطو. ذلك يفسر لماذا كان افلاطون دائما مهتما بالواحدية وبالثنائية وبالثلاثية اكثر من اهتمامه بـ واحد واثنين وثلاثة. اتجاه افلاطون في الرياضيات كان تأمليا كما اشير في قصته عن سقراط حين لاحظ قطرتي مطر يتّحدان ليشكلا كرة فضية واحدة من الماء. يسأل سقراط "أين ذهبت الثنائية،  الانفصال، الازدواجية، الاستقلالية ؟". لكن ارسطو كان مختلفا. هو كان ايضا يتأمل الأعداد رياضيا. هو كان يجادل ان "3" هي رقم تام لأنه يحتوي على بداية ووسط ونهاية، لكنه كان ايضا مهتما بـ "الكم" والذي هو ما تعنيه "الكمية". بعد هذا، اصبح المفكرون مهتمين بالمظهر الحسابي للاشياء في العالم التجريبي. وذلك يُعد شيئا جديدا. (اوين بارفيلد) يكتب، انه مع ارسطو، "بدأ ذهن الانسان يمارس الوزن والقياس، للفحص والمقارنة، وان ذلك الوزن والقياس استمر بشكل متقطع لمدة 23 قرنا" (التاريخ بكلمات انجليزية، 1926، ص 111). انت تستطيع القول انه، بعد ارسطو، يمكن التمييز بين المعرفة التطبيقية و المعرفة النظرية . ذلك يختلف عن حكمة الأساطير والتقاليد اللذين تشابك بهما مظهري المعرفة .

من الجدير مناقشة كم هو عميق ذلك التحول في التفكير. لألف سنة، شعر أسلافنا انهم ناقشوا حول الكون الذي كان مملوءا بالكينونات الحية، وان تلك التصورات صاغت الكيفية التي يعمل بها العالم. عندما كتب (بتاح حتب) حول الحقيقة والعدالة، هو لم يكن يفكر بافكار مجردة كما نفعل نحن، هو كان يفكر بخصائص شخصية للإلهة (ماعت). حكمته المكتوبة كانت"العظيم هو ماعت" . هذا هو فعل الدعاء الديني. الحقيقة والعدالة يسودان لأن الإلهة (ماعت) تعيش الى الأبد.

السايكولوجي التطوري (روبن دنبر) كان يدرس العقلية القديمة للتفكير حول اصل الدين. هو اصبح مندهشا بالكيفية التي كان بها جامعي البذور منخرطين في حالات من غياب الوعي او trance، ووصل الى قناعة انه في اواسط العصر الحجري القديم اي من 250ألف الى 50 ألف سنة مضت، اكتشف الانسان انه بالإمكان تحفيز مثل هذه الحالات المتغيرة للوعي. هذا الاكتشاف قاد لما يسمى "الاديان الساحرة"، المرتكزة على تجارب الارواح والكائنات التي تجسدت في رؤى وممارسات شامانية(2). الرقص الجماعي والطقوس المؤثرة كان لها ميزة التكيف في إطلاق الاندروفين الذي ارتفع في اجسام المشاركين، والذي يعتقد دنبر اثبت انه لا يقدر بثمن. الشيء الجانبي لمثل هذه النشوة الجسدية هو مواد افيونية خففت التوترات التي توجد لدى جماعات كبيرة من الناس. لذلك فان حالات غياب الوعي المؤقت، لا تقود فقط الى تصورات عن الاله، انها رسخت كثيرا اجتماعية الانسان.

واذا كانت الجماعات البدائية الاولى مثل الشمبانزي، يتحدد حجمها بعدد الأعضاء الذين يمكن تطبيعهم بشكل متبادل عبر عملية الإعداد الاجتماعي social grooming(3)، فان تلك التجارب الدينية المبكرة كانت تعني ان جماعات الناس قد تتطور الى قبائل ومن ثم الى مدن. باختصار، الانسان اتخذ مسارا تطوريا ارتبطت فيه القصص والبقاء والمعنى الاسطوري للكون بشكل وثيق. تفكيك ذلك الارتباط كان عملا بطوليا وان هذا هو ما انجزته الفلسفة بتحليلاتها الجديدة.

ارسطو ذاته لم يغير كل شيء فجأة . في الحقيقة، يمكن القول انه سيكون مندهشا بالكيفية التي يقرؤه الناس بها اليوم، لأنه هو ذاته مارس رؤاه التطبيقية والنظرية كوحي الهي. هذا يفسر لماذا هو نصح اتباعه ان لا يفكروا كاناس فانين، وانما يتمتعوا بالطريقة التي نشارك بها حياة الخالدين، عندما نغرس ونربّي "أحسن الاشياء فينا"، والتي هي الفهم. نشوة ارسطو كانت ان يرى الكيفية التي استوعب بها ذهنه الحكمة العالمية من خلال البداهة والعقل. ان ابتكارات ارسطو في وسائل التفكير خلقت إمكانية لطريقة مختلفة جدا في ادراك العالم. ما نسميه الآن العلوم التجريبية هي نتاج عمله. في زماننا الحالي، اصبح ممكنا وصف العالم بدون الاشارة الى الارواح الحارسة او الذكاء المتجاوز.

التغيرات الجوهرية في الفكر

لذا فان (كيني )على صواب، بمعنى ان ارسطو كان عاملا رئيسيا في تطوير الفلسفة بشكل خاص. مع ذلك، نرى ان حركة سابقة كانت ايضا ضرورية. شيء آخر كان يجب ان يحدث قبل ثورة ارسطو، والتي أعدّت الأرضية للناس ليكونوا قادرين على تقدير قيمة التفكير بعبارات من الكمية والتحليل. كان هذا تحولا اخراً في الوعي – ميلاد الذهنية المطلوبة لإكتشاف هذه المظاهر من الواقع، وجعلها تقف بالضد من خلفية تدفق الآلهة والاشياء الحية. مقياس هذا التحول المسبق بالوعي يمكن تصوره عندما نسأل ماذا يلزم القيام به لعمل ما قام به ارسطو. هو كتب حول "الاخلاق"، لأول مرة معطيا توضيحا منهجيا لكيفية ازدهارها. هو وصف "المنطق"، القواعد المجردة التي يمكن ان ترشد الفكر. هو اشتق طرقا لفهم العالم الذي لا يوجد تلقائيا في الطبيعة باستعمال "التصنيف"، "الانواع"، و "الميكانيك". للقيام بكل هذا، كان يجب عليه ان يكون قادرا على الانسحاب الذهني من الموضوع لكي يمكن فهمه موضوعيا. كان عليه ان يمتلك فكرة عما سماه (ثوماس ناجل) "الرؤية من لا مكان". فقط من خلال هذا المنظور الفكري المنفصل أمكن له كتابة الاخلاق والمنطق وكل المتبقي. لكن هذا الموقف لم يكن في الحقيقة انجازه. انه كان إنجاز أسلافه الفلسفيين.

لننظر في احد فلاسفة ما قبل سقراط وهو اناكسيمينس (586-526 ق.م)، الذي نتذكّره الآن لتجاربه. فمثلا، هو نفخ في يده بطريقتين: الاولى مع فتح الفم، ومن ثم مع زم الشفتين. هو لاحظ شيء ما. عندما يكون فمه مفتوحا فانه يشعر بالهواء دافئا، وعندما يزم شفتيه يشعر بالهواء باردا. ما هو مهم في التجربة هو ان عددا لا يحصى من الناس قبل اناكسمينيس قاموا بنفس التجربة. ما جعل انكسامينس مختلفا هو انه توقّف، انسحب ذهنيا من التجربة، وسأل السؤال البسيط: لماذا؟ لماذا هناك اختلاف؟ ماذا يجري؟

في وقتنا الحالي سنقول عنه انه لم يفهم جيدا أساس التبريد: عندما يتمدد الغاز سيبرد، وهو ما يحدث عندما تزم الشفتين. هذه العملية تسمى قانون بويل . لكن اناكسيمينيس لم يفكر بتطبيق اكتشافه لأجل أخذ براءة اختراع والبدء بثورة صناعية. ما يجب تذكّره عن اناكسيمينيس في العصور القديمة هو التحول في العقلية المرتكزة على الفضول التجريبي. حاليا، من المهم جدا الاشارة الى ان الناس بامكانهم التراجع ذهنيا من الانغماس في تدفّق التجربة اليومية.

تجنّب الانغماس المفرط للذهن كان عملا راديكاليا. في ذلك الوقت، عوقب الفلاسفة لطرحهم اسئلتهم، وهو ما قاد الى عقوبة الموت لبعضهم بما في ذلك سقراط. المشكلة لم تكن فقط ان الفلاسفة تحدّوا الحكمة الشائعة، هم أقلقوا الناس ايضا. ذلك يشكل الكثير من التحدي المقلق الذي يمكن ان يقود الى ثورة في الفكر. لمعان ارسطو كان انه استطاع على أكمل وجه ركوب موجة بدأت بما قبل سقراط. هو دفع ثمنا لها ايضا بنفيه مرتين من اثينا.

ان ماهو اكثر راديكالية هو ان توقّف الافراد ذهنيا في تجاربهم، يعني استطاعة الناس اكتشاف باطنهم: هم استطاعوا التمييز بوضوح بين تفكيرهم الخاص و بقية العالم. نستطيع القول انه ولأول مرة في التاريخ الانساني، برز هناك فلاسفة كافحوا لتكون لديهم افكارهم الخاصة. ما قام به هؤلاء المفكرون كان اختراع معنى ان تكون فردا . نظرية دونبر في اصل الدين يمكن استخدامها لتجسيد هذا الادّعاء. بعد اكتشاف حالة الغيبوبة او اللاوعي، يعتقد دونمبر، ان نوع ثاني من التديّن نشأ تدريجيا. انه كان مرتكزا ليس على الحالات المتجاوزة للذهن، وانما على الاستخدام اليومي للمزيد من الطقوس الرتيبة والشعائر. اراقة الخمر، تلاوة الصلاة، التضحية في الأضرحة، زيارة الكهنة والقديسين لأجل السحر والشفاء، هذه الفعاليات نمّطت التجربة الدينية وطرق الحياة وجعلتها روتينية. من بين اشياء اخرى، هذا يعني ان الناس ما كان يجب عليهم الذهاب بعيدا في إنجاز الحالات المتغيرة من الوعي لكي يكسبوا الفوائد الاجتماعية للدين. زيارة العوالم الروحية والأسلاف يمكن الاحتفاظ بها للمهرجانات وأيام الولائم.

دونبر يسمي هذا النوع الثاني من التديّن بـ "الدين العقائدي". هو يرى ان ذلك حدث بشكل واضح اثناء ثورة العصر الحجري الحديث (عشرة الاف الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد)، عندما دجّن اسلافنا الحيوانات وبدأوا الزراعة وممارسة حياة اكثر استقرارا، وكذلك عندما بدأوا ببناء المعابد.

مصر القديمة كانت واحدة من أعظم تجليات هذه الطريقة من الحياة. موروثها من الاهرامات العظيمة والفن الجنائزي لايزال يسحرنا الى يومنا هذا. انها تتحدث عن المرحلة الثانية. في هذه المرحلة، الاله (را) يمكنه الشعور انه ربح النزاع الابدي ضد الاله (ابوفيس) في كل مرة تشرق فيها الشمس .

الفردية من خلال الفلسفة والدين

بالعودة الى كيفية ارتباط الفلسفة بهذه التطورات، تجدر الاشارة الى ان افلاطون تعلّم حول طريقة مصر القديمة في التفكير بعد إعدام سقراط عام 399 قبل الميلاد. إهتمام افلاطون بالديانة المصرية يمكن العثور عليه في الحوارات اللاحقة لإفلاطون مثل (تيماس)، حيث يصف فيه الطقوس الكهنوتية المصرية وشعائر المعابد بكونها أصبحت ميكانيكية ومتحجرة. يُعتقد ان افلاطون زار مناطق من النيل وشارك في الالغاز ووجدها ليست بالمستوى المطلوب.انها لم تربطه بالاله (را) و لا بالآلهة الاخرى. تشخيصه لأسباب الفشل هو ان وعيا جديدا كان يبرز – وعي الفرد. هو شعر بهذا الرقي العالي في استجواب سقراط. سقراط كان تجسيدا للفرد الجديد وهو ما كلّفه حياته. "ذبابة اثينا" كما سماها سقراط أزعجت الناس بعمق لأنها جعلت السؤال لماذا؟ و "ماذا يعني هذا" طريقة في الحياة. هو حوكم بتهمة الخيانة ووُجد مذنبا لأنه أتُهم بالانسحاب من الطريقة الجمعية لحياة زملائه المواطنين: جزء من التهمة ضده كانت "إدخال آلهة غريبة". وبدلا من المشاركة في الدين الجماعي، امتلك سقراط موهبة فردية – ارتباط خاص بالاله ابولو. وكما نُقل عنه في حوار الابولوجي:"هذا ما منعني من المشاركة في الشؤون العامة وانا اعتقد انه كان صحيحا جدا ان يمنعني".

هذا المعنى الراقي للفردية كان ناضجا لأرسطو. هو تمكّن من توسيع الاتجاهات الابتكارية للحياة ليجعل ذلك المعنى ممكنا، مستوحىً في كلماته الجديدة وأعماله الفلسفية. بمعنى اخر، اذا اردت ان تعرف لماذا ارسطو كان لاحقا هاما جدا للمفكرين الاوربيين للآلفين سنة القادمة، يجيب المرء انه في عمله بلور ومكّن الوعي.

انواع جديدة من الوعي لا تولد كل يوم. هي ايضا تأخذ وقتا لتترسخ وتزدهر. هذا ما حدث خلال ظهور فلسفة اليونان القديمة. ان نوع العقلية التي نستطيع الارتباط بها، والمرتكزة على الفردية، جاءت الى الصدارة منذ القرن السادس الى القرن الرابع قبل الميلاد في اليونان. والفلسفة كما نعرفها وُلدت مع خلق الفرد.

قد لا يرى البعض ان هذا النوع من الوعي اصبح فورا منتشرا مع سقراط وافلاطون وارسطو. لكن المدرسة الاكثر شعبية بين المدارس الفلسفية في القرون التي تلت كانت الرواقية، والتي عملت الكثير لنشر ذلك الوعي. الرواقيون طوروا تقنيات قوّت معنى الفردية عندما لاحظوا انها اكتسبت فوائد علاجية. هم كانوا يمارسون اختبار الذات، وعي الذات، التعبير عن الذات الذي طوّر المعرفة الذاتية بالأخطاء الفردية والضعف والفضيلة والقوة. الهدف كان لضمان الإتزان الداخلي. مؤرخ الفلسفة القديمة بايير هادوت (1922-2010) سمى هذه التقنيات "تمارين روحية" لأنها عملت في مستوى الحياة الداخلية للفرد:"التمارين الروحية كانت دائما تمتثل للحركة التي يركز بها "انا" ذاته على ذاته ويكتشف انه ليس ما اعتقد"، هو يوضح ذلك في (ماهي الفلسفة القديمة؟1995، ص190).

المعنى الجديد لكون الفرد فردا اصبح منتشرا بعد ولادة المسيحية . وفي أعقاب مفكرين مثل (اوين بارفيلد)، نعتقد ان دمقرطة الفردية كانت السبب الرئيسي الذي جعل المسيحية تصبح محبوبة جدا في القرون الاولى من الألفية الاولى.

المسيحيون يعتقدون ان يسوع كان كلا الأمرين اله كامل وانسان كامل، وان هذه الرسالة كانت لجميع الناس ليقبلوا بها شخصيا. هذه الفكرة نقلت الفردية من كونها انجاز فلسفي الى كونها مثال لكل الانسانية.

 المسيحيون ايضا بدأوا الارتباط الاخوي مع مسيحيين آخرين ليس بسبب انهم ينتمون الى نفس العوائل او المدن، كما كان يحصل في العالم القديم، وانما على اساس التحول الفردي والالتزام بالايمان الجديد. هم استطاعوا الارتباط كافراد وليس كأقارب او مواطنين، وهذا يفسر سبب انتشار المسيحية. يكتب المؤرخ كايل هاربر في (مصير روما، ص 156، 2017) ان "اقوى مزايا المسيحية كانت القدرة الغير قابلة للاستنزاف لنسيان الارتباطات الشبيهة بالنسب بين الغرباء الفضلاء".

وعيهم كان مثل وعينا، كونهم امتلكوا الفردية. لكنها لم تكن فردية بالضبط كما نحن لأنه، في اواخر العصور القديمة والقرون الوسطى، لازال الافراد يشعرون بانفسهم انهم مرتبطين بالطبيعة، الكون، الاله. الافراد لم يعد يشعرون انهم كانوا عرضة للاجتياح من الاله او الارواح الاخرى، وانما هم شعروا انهم لو عاشوا حياة فاضلة فان فرديتهم ستعكس حياة الاله . لكن وعي الوقت الحالي تحوّل مرة اخرى، واصبح ممكنا الشك بذلك الموقف من الاعتماد المتبادل، وحتى الشك بوجود الالهة والارواح. نحن نستطيع ان نصبح افرادا معزولين غرباء عن العالم الذي حولنا، والذي ممكن اعتباره كما لو لايمتلك حياة داخلية ابدا.

حتى مع هذا، نحن لانزال نقرأ افلاطون وارسطو والفلاسفة الهليستينيين ونجد انهم يضيئون حياتنا، لأننا، بطرق معينة، لانزال نشترك بوعيهم. عندما نتعلم حول حياة سقراط وموته، نحن نتعلم حول ما تتطلبه الفردية لتولد. هناك معنى ان تضحيات سقراط كانت مطلوبة كي تنشأ تجربتنا في الحياة. نحن نعجب به. هو يبدو ليس كالخائن وانما بطلا. هذا يفسر لماذا نظن ان الفلسفة برزت في اليونان القديمة.

 

حاتم حميد محسن

......................

المصادر:

1- Philosophy and The creation of Individual,Dr. Mark Vernon, Philosophy Now, June-July2020

2- Wikipedia The free Encyclopedia

الهوامش

(1) هو مسؤول ووزير مصري في مصر القديمة في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، يعتقد العديد من الباحثين ان بتاح حتب كتب اول كتاب في التاريخ. كتابه بعنوان (حِكم بتاح حتب) احتوى على العديد من المواضيع التي اُشتقت من المفاهيم الاساسية للحكمة المصرية والادب والتي جاءت من الإلهة (ماعت). هذه كانت بنت النظام الكوني والانسجام الاجتماعي الاول. تعاليم بتاح حتب كُتبت كنصائح للناس لأجل الحفاظ على النظام الاجتماعي. انها نصائح معمقة تغطي مواضيع مختلفة تتراوح من آداب الطعام الى النجاح في الألعاب وحتى مساعدة الزوج في ادامة جمال زوجته. المؤرخ (ول دورانت) إعتبر بتاح حتب اول فيلسوف كتب في الفلسفة الأخلاقية.

(2) الشامانية shamanism ممارسة دينية تستلزم وجود الممارس او الشامان الذي يُعتقد انه يتفاعل مع عالم روحاني من خلال الحالات المتغيرة للوعي، مثل الغيبوبة. الهدف من هذه الممارسة هو توجيه تلك الارواح او الطاقات الروحية الى عالم مادي لأجل الشفاء او لأغراض اخرى.

(3) الإعداد الاجتماعي هو سلوك يقوم به الحيوان الاجتماعي بما فيه الانسان بتنظيف الجسم والحفاظ على مظهر حيوان آخر. التطبيع يمثل فعالية اجتماعية كبرى ووسيلة تستطيع بها الحيوانات التي تعيش متجاورة بترسيخ وفرض الهياكل الاجتماعية والارتباطات العائلية وبناء الصحبة. الإعداد الاجتماعي اُستخدم ايضا كوسيلة لحل الصراعات.

        

حيدر جواد السهلانيداريوش شايغان: سيرة وفكر

ولد شايغان (1935- 2018)، في طهران من أب أذربيجاني وأم تنحدر من أمراء وسلاطين جورجيا، أذ كانت العائلة تحمل الثقافة الروسية القفقاسية، وتتكلم أكثر من لغة وهي اللغة الروسية والجورجية والتركية العثمانية والأذربيجانية والفارسية، وقد تعرض أفراد أسرته على يد البلاشفة بعد الثورة الروسية، فأعدموا بعضهم وسجنوا آخرين، درس شايغان الطب وذلك لرغبة العائلة بالطب، لكنه كان يميل إلى الآداب والفنون والفلسفة، لكن لا يريد أن يخالف رغبة العائلة ثم درس العلوم السياسية ودرس الحقوق والفلسفة وعلم اللغة، وارتبط بعلاقة وثيقة مع الفنانين، وحضر محاضرات جان بياجيه و أهتم بعلم النفس. وقد تزوج من زميلته فريده زنديه التي كانت تدرس علم الجمال، وألتحق بجامعة السوربون لدراسة الهندوسية والتصوف  تحت إشراف هنري كوربان، وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الدراسات الهندية والفلسفة المقاربة برسالة تحت عنوان (العلاقة بين الديانة الهندوسية والتصوف حسب رواية مجمع البحرين دارا شكو)، ثم عاد إلى إيران وانخرط بتدريس الدراسات الهندية والفلسفة المقارنة واللغة السنسكريتية في جامعة طهران، واتاحت له هذه اللغة السنسكريتية الاطلاع على الفلسفات الهندية والكتب المقدسة المدونة بهذه اللغة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ذهب إلى باريس حيث عين مديرا لمعهد الدراسات الإسماعيلية حتى سنة 1988، وقد كان يكتب باللغتين الفرنسية والفارسية، ويمثل شايغان أحد المفكرين الإشكاليين والمثيرين للجدل، فلديه عدة أفكار مركزية تتمحور حولها نقده الفكري للثقافات الغير غربية، وتمحور مشروعه الفكري حول الفروقات الأساسية التي أضافتها الثقافة الغربية، ويعتقد بوجود تعارض وتناقض كبير بين الحضارة العالمية الحديثة وبين الحضارات القديمة ويقصد هنا الحضارات الاسيوية، التي وصفها بأنها لم تشارك التاريخ أعياده، قاصداً بذلك أنها لم تدخل المنعطفات الكبرى التي غيرت الحضارات الحديثة السيكولوجية والكوزمولوجية والبيولوجية، وقد اشتهر بكتاباته عن الحضارات الشرقية وعلاقتها بالحضارة الحديثة وطريقة تمثلها للحداثة الذهنية وقيمتها والاختلافات الكبيرة في بنية هذه الحضارات لدرجة التناقض، وتأثر شايغان بحلقة (اصحاب التأويل) وهي حلقة تتألف من خمسة إلى ستة اشخاص، يغوص فيها العلامة محمد حسين الطباطبائي مع هنري كوربان في مناقشات عميقة ويتحدث فيها الطباطبائي بالفارسية وكوربان بالفرنسية، ويقوم بالترجمة سيد حسين نصروعند غيابه يتولى شايغان مهمة الترجمة ومع أنه واجه صعوبات لأول وهله، وقد واضب على حضور هذه الحلقة، فأوقدت في وجدانه حماساً جياشاً في اكتشاف عوالم المعنى والافاق الروحية في الحضارات الاسيوية والأديان الهندية، وقد حظي بعلاقة جيدة مع الطباطبائي وهنري كوربان وقد شجعه كوربان على دراسة العلاقات بين الديانات والثقافات الهندية والإسلام والاطلاع على الترجمات الفارسية للنصوص السنسكريتية ، وقد مر فكر شايغان على ثلاثة مراحل، أولاً اعتقد أنه يوجد هناك تباين انطولوجي بين المجتمعات الشرقية والغربية، وهنا كان يميل إلى تبجيل الحضارات الشرقية وميراثها الروحي، ثانياً يكتشف فيما بعد أن الحضارات الشرقية لم تكن إلا انعكاساً لحالة الجمود والعجز عن التجديد وانطفاء الحيوية في هذه الحضارات منذ القرن السابع عشر، وهو القرن الذي شهد تربع الغرب وحداثته العقلانية على قمة الحضارات الإنسانية، وأبرز كتبه في هذه المرحلة هو ما الثورة الدينية الذي صدر بعد الثورة الإسلامية في إيران وكأنه رد مباشر على توجهاتها الإسلامية، ثالثاً هنا يتمكن شايغان من تجاوز مرجعياته القديمة جنباً إلى جنب مع تجاوز النقد الأحادي للغرب والحضارات التقليدية سواء بسواء، ويمثل كتابه هوية بأربعين وجهاً كأوضح مثال على هذا التحول الأخير في مسيرة شايغان الفكرية، وفي هذه المرحلة يشدد شايغان على ضرورة توجيه الفكر نحو وظيفة نقدية مزدوجة، بالكشف عن الادلجة المزدوجة التي طالت الحضارات التقليدية والحداثة معاً، كما أنه ينتهي إلى أن الهوية الأحادية النقدية والخالصة، سواء الغرب أو الشرق، ليست سوى وهم كبير، وهو وهم يتأسس على اختزال عقيم للتنوعات البشرية الهائلة في ثنائية زائفة (نحن والآخرون). ويعد شايغان أول من استخدم مصطلح حوار الحضارات وذلك في مؤتمر عقد في طهران عام 1977، حظي بمتابعة وثناء دولي كبير، وقد حصل على أهم جائزة وهي جائزة الحوار العالمي عام 2009، كما فاز بجائزة اتحاد الكتاب الفرنسيين عن روايته أرض المعراج في عام 2004، ومن مؤلفاته: الأديان والمدارس الفلسفية الهندية صدر بمجلدين عام 1967، الاصنام الذهنية والذاكرة الأزلية1976، اسيا مقابل الغرب1977، ما الثورة الدينية1982، النفس المبتورة 1991، هوية بأربعين وجهاً، الهوية والوجود، أوهام الهوية، النور يأتي من الغرب.(1)  

الغرب والشرق:

يعتقد شايغان بوجود تباين أنطولوجي بين المجتمعات الغربية والشرقية، وأن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن المجتمعات الغربية، فأن الفلسفة الغربية تستند إلى نمط التفكير العقلاني، بينما تقوم الفلسفة الشرقية على أساس المكاشفة والإيمان، والعلم لم يستقل عن الدين فقد كان تابع للدين والفلسفة، أما العلم في الغرب فقد تمرد على الدين و الفلسفة، ويعتقد شايغان أنه ليس بوسعنا احتضان التكنولوجيا والبقاء في أمان من تبعاتها الاستنزافية، فالتكنولوجيا بحد ذاتها حصيلة تحول فكري ونتيجة نهائية لمسيرة عدة الآلف من السنين، أذ التقنية بالضرورة تعبر عن غاية ومضمون التفكير الغربي وخصائصه وهي عبارة عن اختزال الطبيعة إلى شيئية الأشياء، والعقل إلى أداة ووسيلة، والإنسان إلى الغرائز، وتفريغ الزمان من أي معنى للمعاد، وبالتالي اختزال الإنسان في بعد واحد، ويرى شايغان أن مهمة المثقفين الاسيويين من أجل مقاومة وباء الغرب، يتمثل بصيانة هويتهم الثقافية عبر العودة إلى ذاكرتهم الأزلية، وإعادة اكتشاف الرسالة المضمرة في تلك الذاكرة، ويعني بالذاكرة الموروث الذي لا يرتبط بشخص معين، بل هو ذو طابع جماعي، وتشكل الذاكرة القومية لكل المجتمع، وهذه الذاكرة تكون انساب وجذور ذلك المجتمع، وهي التي تمكنه من التواصل مع الأحداث الأزلية والأساطير، لذلك تنعت بأنها(أزلية) والذاكرة الأزلية في مفهوم شايغان مستودع للكينونات متعالية على الماضي والحاضر والمستقبل والرسالة المشتقة منها هي التي تصوغ إنسانية الإنسان، ويستهجن شايغان وصف الشرق، بأنه ساكن متحجر يقدس الماضي، لأن ذلك يعني لديه وفاء الشرق للذاكرة الأزلية، كذلك يرفض (الاصنام الذهنية)، لأنها هي الأمانة الأبدية في ذاكرة المجتمعات الشرقية، وأكد شايغان على أن الإسلام، لاسيما التشيع يمثل الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، إذ كان لإيران في العالم الإسلامي ذات الرسالة التي كانت لألمانيا في الغرب، فقد سهرت إيران على سراج الأمانة الآسيوية في الإسلام، ويمثل التشيع الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، ورجال الدين أوعى وأكفأ حراس لهذه الذاكرة، والطبقة التي تحفظ الأمانة اليوم هي الحوزات العلمية في قم ومشهد.( يبدو أن شايغان منحاز للفكر الإيراني أو أنه لم يطلع بشكل جيد على منتج علماء العرب). وهنا نذكر أيضاً أن شايغان ينحاز لقيم الأنوار، ويعتبر منجزات الأنوار منجزات لكل الإنسانية، ويدعو الشرق لتقبل منجزات الأنوار، ويعتقد شايغان أن الحضارة الغربية وبفضل مؤسساتها الاجتماعية والسياسية، اصبحت تراثاً للإنسانية برمتها، ولكن مع هذا المنجز يعتقد شايغان أن الغرب يمر بمأزق حقيقي حيث يفتقر الغرب إلى الثراء الروحي في الحضارات التقليدية الشرقية، ويعاني الفراغ الهائل من المعنى، كما أن عقله التنويري الذي نزع السحر عن العالم إلى عقل أداتي تقني تتحكم فيه المصالح الرأسمالية بالدرجة الأولى، ومقياس قيمته الوحيدة هو قيمته الإجرائية ودوره في السيطرة على البشر وعلى الطبيعة، وفي المقابل لا يمكن للشرق بحضارته التقليدية أن يفلت من  مجال الجذب الهائل الذي خلق كحضارة عالمية، وما يطمح أليه شايغان هو أن يكون حوار بين الشرق والغرب.(2)

الهوية:

مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية التي شغلت فكر شايغان وناقشها في عدة كتب منها أوهام الهوية وهوية بأربعين وجهاً، ووصف الهوية بالريزوم(Rhizome) نسبة إلى النبات الريزوم الذي يتميز بامتداد جذوره بشكل أفقي تحت التربة، لتظهر فوقها بشكل متواصل ومستمر، بحيث يكون من الصعب التخلص منه، ويتميز بأنه لا مركزية له ولا تراتب، وهو بلا بداية أو نهاية، وأن أي جزء صغير منه يمكن أن ينمو وتجدد بشكل مستمر، وهذا التوصيف الأخير يطلقه شايغان ليوضح به مفهوم الفكر المتحرك والهوية الريزومية، هي التي تستقبل جذور اخرى بغض النظر عن نقاءها، لأن الأمر المهم في هذا النقطة هو الأسلوب الذي يتم به هذا الاقتراب من الجذور الأخرى ويستند شايغان في تحليله للهوية الريزومية على اطروحات جيل دولوز(1925- 1995)، وفيليكس غاتاري(1930- 1992). ونقد شايغان مفهوم الهوية النقية الأبدية الساكنة، وأحادية البعد المغلق، فعمل على تفكيكه ونقضه وتقويضه ثم صاغ مفهوماً آخر للهوية، مشتقاً من عصرنا وما تسوده من انطولوجيا مهمشة وتزامن للثقافات المتنوعة وكيف أمسى العالم في هذا العصر شبحاً، اصطلح عليه الهوية بأربعين وجهاً، وهي هوية مركبة ومنسوجة من شبكة من الترابطات الدقيقة، وكأنها ثوب يخاط بأربعين قطعة من قماش ذي ألف لون، ذلك أن التعددية الثقافية واختلاط القوميات وتمازج الأفكار والتهجن المضطرد، كلها ظواهر تجعلنا مستعدين لهوية مركبة، وأن الهوية النقية لم يعد لها وجود موضوعي بسبب انهيار العوالم المؤسسة لها، ثم أنها تكبلت بقيود ثقافية نقية وخالصة كما تسمى، فستؤول غالباً إلى تحجر الهوية وكل هوية على كل حال تركيبية وكيان هجين، يحمل ترسبات كل الأشكال والطبقات النفسية، وكلما كانت هويتنا الأولى عرضة للتمزق، كلما لذنا بقوقعتنا أكثر، ويعتقد شايغان أن الإنسان المعاصر ما عاد قادر على حفظ كينونته داخل حدود هوية معينة، فكلما شددنا على هويتنا، وكلما رفعنا اصواتنا بالانتماء لهذه الجماعة أو تلك الأمة، أفصحنا عن هشاشة هويتنا أكثر من ذي قبل، إن معاناة الإنسان اليوم من أزمة هوية مردها إلى أن الهوية لم تعد مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، فالهوية الفرنسية مثلاً تجاوزت اليوم حدود فرنسا، وتمددت على كل المساحة الاوربية ومن يدري ربما اتسعت غداً في كل كوكب الأرضي، والهوية النقية الرتيبة، ومثالها الهوية المنبثقة من شعب أو دين منغلق، لا تتكرس إلا بإلغاء الآخرين، وطبعاً لا يعني هذا الكلام أن شخصيتنا ذائبة في مركب لا شكل له ولا عنوان، إنما معناه أن اختزال شخصيتنا إلى فردية خاوية، لم يعد يلبي حاجة واقعنا الفردي المعاصر الذي غدا مركباً ومعقداً بخلاف بعض الطروحات الساذجة التي تؤكد بساطته ونقاءه، فكلما هيمنة الايديولوجيات بعثت الروح في الاصوات الماضية، وانتشالها من اعماق التاريخ، كذلك تنقل كل مستويات الوعي المتواجدة في دواخلنا بالقوة إلى مرحلة الفعل وتعبر عن وجودها إلى جانب بعضها، وتنبئ عن هويات كنا ذاهلين حتى عن وجودها. ويعتقد شايغان أن الهوية ما هي إلا مجرد وهم ويمكن القول إن جميع القيم التي تراكمت عبر الآلف السنين وكل الجهود التي بذلت في سبيل تثقيف الروح، قد غدت فجأة مجرد أوهام، وأن الحقيقة ليست سوى أرادة القوى هذه المرتسمة على وجه الإنسان التكنولوجي. أن الهوية في عالم اليوم مفتوحة على كل ضروب التلاقح والاختلاط والانشقاق والتشظي والاندماج والتخليق والتعبير وبروز مضامين جديدة بما يظهر وهمية العالم.(3)

الهوية في الحضارات التقليدية:

يعتقد شايغان أن الحضارات التقليدية عندما اصطدمت بفكر الحداثة والحضارة الغربية، حاولت مقاومتها، ولكنها اثناء مقاومتها تأثرت بها، وأن الحركات الإسلام السياسي الحديثة التي تتحدث عن صلاحية الدين لكل الأزمنة وعدم تعارضه مع العلم أو القيم الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي في الحقيقة تعلمن الدين وتفرقه من محتواه الروحي التقليدي، بمعنى أنه عندما نقول أن الدين لا يتعارض مع العلم، أو مع الديمقراطية فهذا معناه أن الدين أصبح يستمد مشروعيته من هذا الانسجام مع الحضارة الكونية وليس من الإيمان، وهذا العملية يسميها شايغان العلمنة اللاواعية والتغرب اللاواعي. ويرى شايغان أن الحضارات التقليدية قد انهارت بسبب الحداثة، ونتج عن هذا الانهيار حالة من التخبط لرعايا الحضارات التقليدية في تعاملها مع الأفكار الحديثة التي لم يشاركوا في انتاج اسسها النظرية، ويعتقد شايغان أنه لا توجد حضارة كونية واحدة غير الحضارة الغربية وقيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن المجتمعات التقليدية لا تستطيع مقاومة هذه الحضارة وخلق نموذج حضاري جديد وكل مقاومة أو فكر مقاوم لهذه الحضارة الغربية لا ينتج عنه إلا مزيداً من التغرب اللاواعي، وأن قيم الحضارات التقليدية قد انتهى زمنها كأرضية سياسية أو اقتصادية، ولكن بقي فقط دورها الروحي. وأن الهوية في البلدان الإسلامية على جانب كبير من التعقيد، بسبب وجود  هوية جديدة على الهوية القومية الدينية في المجتمعات، أذ هذا الهوية ولدت من رحم الحداثة، أي أنها كانت حصيلة مجموعة ن الآراء والمفاهيم، على كل حال راح العالم يتخبط من دون إرادة منه في عالم لا تمت مفاهيمه الوافدة بأي صلة حقيقة للمفاهيم المحلية المألوفة، وذهب يتخبط في الحفاظ على الهوية لكنه انتجه عدة هويات .(4)

التعددية الثقافية:

التعددية الثقافية ظاهرة تنتمي لعصر ما بعد الحداثة، إنها ظاهرة تقترن بزعزعة شرعية السلطة الوطنية وعولمة الاقتصاد، ففي مثل هذا الإطار الواسع، تغدو الثقافة أداة ايديولوجية للمقاومة بوجه تنشيط الاقتصاد العالمي، بموازاة انتشار الرأسمالية، وجاءت إلى السطح عبارات ومصطلحات تعبر عن الهوية ومنها أسلوب الحياة والسياسة والثقافة والحرية في كل اتجاهات الأفكار التي تفرضها العولمة، ولم يعد هدف التعددية الثقافية توطيد الوشائج بين الثقافات الموجودة، وإنما تحرير وتعبئة قوى فاعلة قادرة على إنتاج هويات جديدة، والتعددية الثقافية هي قدرة إنسانية عامة على ابتداع قيم جديدة. وفي ظل التعددية الثقافية وانشطار الهوية يعتقد شايغان، أن الحوار ممكن ولكن لابد أن يلتزم بعدة شروط:

1-  يجب العزوف عن التطرف الحاقد والخطابات المعادية، وهي خطابات تحترف اللعن والتفكير بسبب افتقارها لاستدلالات متماسكة.

2- يجب أن نتقبل عدم وجود ثقافات مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما نحن دائماً حيال انساق وجود لا يفيض لها الازدهار إلى داخل نطاق الحداثة.

3- أن الاواصر بين أنساق الوجود هذه ومستويات المعرفة تأتي على شكل حوار الإنسان مع ذاته ومع الآخر لا في صورة فعل ثوري للغاية منه قلب السلطة وينبغي أن نقتنع كذلك أن الحوار ممكن على مستوى الأفقي.(5)

الايديولوجية:

أن الايديولوجيا هي نمط هجين يجمع بين الفكر الديني والفلسفي، وهي نمط جديد من الفكر لن يكون فلسفياً بأتم المعنى ولن يكون ديناً، إنه شيء ما بين الأثنين يأخذ من الدين طاقته الوجدانية، ومن الفلسفة مظهرها المعقول والاستدلالي، والايديولوجية تتوفر على شحنة انفعالية كبيرة، وذلك لاحتوائها على العاطفة الدينية، وعلى جهاز منطقي عقلي، وإذا كان العلم مؤسس التجربة فإن الايديولوجيا دوغمائية، فهي تسلم بمقدماتها على أنها حقائق قبلية من دون أن تحتوي على الشك في مدى صحتها تجريبياً، وبعبارة أخرى إنها لا تكلف نفسها عناء وضع ما تعلنه على محك الإثبات، والايديولوجيا ليست فلسفة كذلك، فالفلسفة هي في تساؤل عن مشكلة الوجود ووضعية الإنسان، في حين أن الايديولوجيا نسقاً مقفلاً ومغلقاً على نفسه، والايديولوجيا ليست فكراً جدلياً، لأنها تفرغ من السلبية، وتأخذ بالمنطق، وليست أيضاً ديانة، لأنها تنفي كل تعال وكل وحي، إنها بمعنى من المعاني الوليد الطبيعي لعصر الأنوار، ونتيجة لذلك لا يمكن للايديولوجيا أن تؤثر في عالم ديني تقليدي، ولا في عالم تهيمن عليه الفلسفة، ولكنها تصبح فاعلة ومؤثرة عندما يصل العالم إلى طريق مسدود، وأن نجاح الايديولوجيا تابع من كونها تلبي حاجتي الإنسان الرئيسيتين، وهما حاجة إلى الاعتقاد وحاجة إلى تفسير الاعتقاد وتبريره. والايديولوجيا تحلل الواقع حسب إطارها المرجعي الخاص، وإنها إذاً فكر منغلق على نفسه ودوغمائي مستعص على التجربة، ولهذا الفكر الايديولوجي فكر لا جدلي ومضاد للتاريخ، والايديولوجية تقع عند تخوم الوعي واللاوعي، فهي تستمد مقولاتها السحرية اللاعقلانية من الوظيفة الرمزية للاشعور، وتستمد جهازها العقلي من كونها تعتمد كأداة على عقل هو شكلي النزعة، أن لا عقلانية الايديولوجية تنبع إذاً من كبتها للإسقاطات، أي من لا شعور محروم من رموزه الطبيعية، من لا شعور تترتب فيه جميع بقايا المزايا المهمشة، أن الايديولوجيا ثنائية النزعة بالمقارنة مع البنى الكبرى للفكر التقليدي التي كانت ثلاثية ومندمجة في النظام الانطولوجي للعالم وحافظة لكل تناظرات العالم الصغير والعالم الكبير.(6) ويحذر شايغان من إدلجة المأثور الديني، فتخرجه من مجاله الخاص إلى حل مشكلات العالم، وتحويله إلى ايديولوجيا فيكون عرضه لشتى الآفات، لأن الايديولوجيات جميعها معرضة للآفات والأخطار، ويحذر من ايديولوجية (دنيوية الدين)، بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس والممارسات الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي، أن المفاهيم الدينية في غاية الدقة، وإذا ما خرجت عن حدودها الخاصة، فقدت قابليتها وإمكانيتها، مثال يعتبر الوضوء ممارسة تهدف إلى النظافة والصحة، قد يكون للوضوء أثر صحي ولكنه أولاً أثر ضئيل المساحة جداً لدى المسلمين، وثانياً الوضوء ممارسة دينية صرفة، إنه ليس فعلاً صحياً، وإنما هو فعل رمزي وبمجرد أن نجعله صحياً، تكون قد أسقطنا عنه طابعه الرمزي الديني.(7)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش:

1- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ترجمة حيدر نجف، مراجعة وتقديم عبدالجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ص5- 7- 8- 10. وينظر أيضاً داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ترجمة محمد الرحموني، دار الساقي، بيروت، ص10- 11.

2- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص16- 18- 19- 29- 62.

3- ينظر المصدر نفسه، ص27- 29- 107- 108.

4- ينظر المصدر نفسه، ص121.

5- ينظرالمصدر نفسه، ص93- 94- 101.

6- ينظر داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ص217- 218- 219- 223- 227.

7- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص24.

 

علي رسول الربيعيالجمهورية النقدية عند لابورد

من موقع إستئناف النظر بقيم الجمهورية وفلسفتها للحاجة الراهنة اليها في سياق أوضاع  تفكك الدولة العربية ننظر في أفكار وطروحات الجمهوريين  التي تتعلق بشكل النظام الجمهوري  والقضايا التي تتصل به ومن بينها تلك تنظر في  موقع الدين في الجمهورية.

نناقش هنا طروحات سيسيل لابورد بوصفها ذات تنظير مهم وعميق وتجديدي في الفلسفة الجمهورية حيث تتناول التوازن الصعب بين العدالة والشمولية ومكانة الدين في نظام الجمهورية من خلال رؤية تطلق عليها "الجمهورية النقدية".[1] يواجه الحظر على الرموز الدينية بوصفه قضية تعبر عن طبيعة العلاقة بين الدين ونظام الحكم الجمهوري أو مكانة الدين في الجمهورية اختبارًا قياسيًا من قبل لابورد  في تعبيرها عن المنظور الجمهوري الذي يتعلق بمسألة عدم الهيمنة (الحرية) ويكون حساسًا لحالة الأقليات الدينية ويدعم مشاركتها النشطة في الحياة الديمقراطية. تقوم لابورد في هذا السياق وهذه العملية بمراجعة  نقدية للتقاليد اللائكية (Laicite) كنموذج للعلمانية المعيارية.

نشأت اللائكية  في الوسط الثقافي السياسي للثورة الفرنسية وعملت كمرجعية سياسية في بلدان أخرى مثل كندا وتركيا. تتمتع اللائكية،على هذا النحو، بمسار تاريخي معقد، [2] حيث يمدد نموذج اللائكية حياد الدولة إلى استبعاد أو تهميش المعتقدات الدينية من المجال العام ويفسر الاستقلالية المدنية على أنها ممارسة جماعية تتجاوز الخصائص الثقافية الدينية ويتم ذلك من خلال مقود الدولة أو ذراعها. يهتم، في الوقت الحاضر، مفكرون وسياسيون مختلفون في صيغ التعددية ومنها التعددية الثقافية للائكية.[3] تُصور اللائكية في تفسير لابورد، إطارًا سياسيًا علمانيًا يجمع بين ثلاثة مبادئ: حياد المؤسسات السياسية، واستقلالية المواطنين، والولاء المدني للدولة. ليست هذه المبادئ حصرية للتقليد الفرنسي، لكنها تأخذ – مثالاً- تكوينًا فريدًا في سياق الصراع مع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. تهدف رؤية "الجمهورية  النقدية" إلى فصل  دلالة مبادئ الحياد والاستقلالية والمدنية عن عدم مراعاة السلطة في الماضي والحاضر العلاقات بين الدولة والجماعات الدينية. تقرن لابورد لهذا الغرض، أدوات النظرية النقدية، التي تشكك في البناء الجوهري للجماعات الثقافية والدينية المحددة مسبقًا، مع  مقاربة عدم الهيمنة (وتعني الحرية بمصطلح الجمهوريين) لتحدي أشكال من الهيمنة الناتجة عن نتاج التلقين، والتلاعب، وتداخل المعاييرالتي  تبقى غير مرئية لضحاياها.[4] تعتبر الأغلبية الثقافية والدينية هي الجاني الأبرز في هذه المواقف، حيث يمكنهم في الغالب ممارسة الهيمنة  والسلطة على الأقليات وتشمل الأعضاء الضعفاء داخل الأقليات ايضا، ولا سيما النساء. وهكذا، قامت لابورد بتوسيع نطاق تفسير فيليب بتيت بعدم الهيمنة للتعامل مع المنطقة الرمادية من الأنتماءات الاجتماعية،  والتي غالبًا ما تجتمع فيها عناصر الهيمنة وتقرير المصيرايضاً. فيمكن أن تكون المجتمعات الدينية مصدرًا للهوية والدافع لمقاومة الهيمنة ضد الضغوط الخارجية ولكن وسط مغلق يديم علاقات القوة الداخلية كذلك. يقدم بتيت تفسيراً عن متى وكيف يكون من المشروع للدولة أن تزيد من عدم الهيمنة، لكن وجهة نظره  نفسها "تهتم بشكل ضيق للغاية بالسيطرة بأعتبارها ضرراً ذاتياً، وتتجاهل بالتالي ظواهر التنشئة الاجتماعية التقييدية وتنمية التفضيلات التكيفية في ظل ظروف قمعية، حيث يوافق الأفراد ظاهريًا على العيش في ظل علاقات الهيمنة.[5] من أجل تحقيق توازن مناسب بين العدالة والشمولية، من الضروري استيعاب الممارسات الدينية المعدلة بطريقة تقر بوضع الأقليات وتزويد الأفراد المستضعفين من تلك الأقليات بالمهارات والمعرفة الكافية ذات الصلة بالاستقلال الذاتي. يتم تحقيق الهدف الأول من خلال تفسير اللائكية على أنها فهم نقدي للعلمانية، في حين يتطلب الهدف الثاني اتباع استراتيجية للأستقلال الذاتي والصوت المعبر تختلف عن تصور بتيت للسيطرة الشائعة وتصحيح القيود على مفهومه الفردي  للمصلحة.[6]

أولاً، تضيف الجمهورية النقدية عند لابورد شرطين إلى الفهم اللائكي للحياد:

أن تمتنع الدولة عن دعم الدين مالم يكن هذا الأمتناع  (1) عبئاً غير معقول على ممارسة الحريات الدينية (2) ولا ينبغي للدولة أن تدعم دين، يضفي " شرعية"  تضر بشكل غير مبرر بالأقليات الدينية. وعندها فقط ستكون الدولة العلمانية دولة  لاتفرض السيطرة أو الهيمنة.[7]

تدعم هذه الصيغة من مبدأ الحياد بيئة عامة مواتية  لمشروع عدم الهيمنة، ويمنع الشرطان الأساسيان المبدأ من قمع تشكيل صوت المواطنين المتدينين عن غير قصد. أنه يثقل الدولة  أو يُقع عليها عبء بشكل غير معقول اذا سمحت بممارسة الدين من خلال عدم دعم المؤسسة والعبادة الدينية في الأماكن العامة التي لا يتمتع المواطنون بحرية تركها، مثل المستشفيات أو السجون.

ثانيًا، لايستلزم هذا التوفيق الحيادي عدم وجود مبادرة من الدولة في تطوير استقلالية المواطنين. وحتى عندما لا يعتبر الشخص نفسه خاضعًا للهيمنة، فإن السعي وراء عدم الهيمنة يستلزم مسؤولية تعلم المهارات المتعلقة بالاستقلالية. لا يتطلب هذا المسعى التعليمي من الناس أن ينأوا بأنفسهم عن ارتباطاتهم الدينية أو الجمعية، ولا يتطلب الالتزام ببعض المثل العليًا للحياة الخيرة كحياة مستقلة.[8] يتعين على المواطنين من خلال التعليم الوصول إلى الحد الأدنى من الوعي ليكون لديهم الحد الأدنى من السيطرة على علاقات السلطة والتبعية على الأقل. ويستتبع هذا أن ينعكسعلى معتقدات المرء وخفض تكاليف المعارضة والانفصال عن المجتمع التقليدي. ومع ذلك، يجب أن يكونوا أحرارًا في وضع استراتيجياتهم الخاصة للأعتراض وممارسة حقهم في التعبير ورفع صوتهم جنبًا إلى جنب مع أولئك الذين يشاركونهم وجهات نظرهم الدينية.  إن تجاوز  كل من  مقاربة بتيت والتكييف مع عدم الهيمنة ذو شقين: لا تقتصر استراتيجية  حق التعبير على حماية الأفراد من علاقات الهيمنة، ولكنها تضع تصوراً عن دور الجماعات في مقاومة الهيمنة الجماعية.علاوة على ذلك، يعالج التركيز على المهارات المتعلقة بالأستقلالية النقد الليبرالي حول مفهوم المصلحة: فالتعليم العام يجعل المواطنين أكثر وعيًا بالذات ويعزز قدرتهم على الاحتجاج علنًا عندما يشعرون بتجاهل مصالحهم؛ وبالتالي، من الممكن متابعة أفكارهم ومصالحهم عندما تتأثر بالتدخل التعسفي.

يوضح الجدل حول حظر النقاب في فرنسا – مثلاَ وهو النموذج العزيز على قلب لابورد لأنتقاده-، الآثار العملية المترتبة على الطابع الجمهوري النقدي عندها.[9] تعد مسألة منع الحجاب، بالنسبة الى لابورد ،علامة على ضعف الجمهورية الفرنسية، حيث أنها  مثلت هيمنة الأغلبية على أقلية. وما يبدو كأنه مثال على هيمنة  ذكورية، بينما هو، أيً الحجاب، بالنسبة للعديد من النساء المسلمات، خيارًا حراً للتعبير عن هويتهن، وفي بعض الحالات، تعبيراً عن مقاومتهن للعداء المنتشر ضد دينهن.[10] علاوة على ذلك، حتى عندما تكون ممارسة ارتداء الحجاب والنقاب متجذرة في التعبير عن  أشكال  من الهيمنة الداخلية عند الجماعات أو الأقليات، فإن لجوء فرنسا إلى الحظر القانوني ليس هو  مسار العمل الصحيح والفعال: فالمفترض أن تتسامح المجتمعات الديمقراطية، من حيث المبدأ، مع مجموعة واسعة من الممارسات حتى لو كانت غير مقبولة أو غير محتملة أو حتى كريهة أخلاقياً،[11] ويعتبر والإكراه من الناحية العملية طريقة غير فعالة لتحدي الأيديولوجيات المحافظة والأبوية.[12]

تتغلب الجمهورية النقدية - طبقاً للابورد-  من خلال استيعاب الممارسات الدينية أو التوفيق بينها والتطور النشط للسيطرة على المواطنين على قصور مقاربات عدم الهيمنة الأخرى. وتهدف أيضًا إلى تصحيح عيوب وجهات النظر الأخرى التي تتعامل مع مشكلة حماية المواطنين من الهيمنة الدينية دون فرض شكل مختلف من الهيمنة على المتدينين. وتأخذ لابورد نموذجين بديلين بعين الاعتبار وهما على وجه التحديد التعددية الثقافية والليبرالية.

لدى ممثلي التعددية الثقافية أسباب وجيهة لتجنب النفوذ السياسي لتصورات اللائكيين وأهدافهم وللأستقلالية، لكنهم يختزلون الفرد المواطن إلى ترتيب تتلاعب به الأنظمة الاجتماعية المعيارية المتعددة[13] التي لا تشكك في هوية الجماعة بجدية. ليس الهدف من الجمهورية  النقدية هو احترام ثقافات الأقليات في حد ذاتها، لأنها يمكن أن تسهم في حالات من "الهيمنة المزدوجة" داخل وخارج الجماعات. يجب أن يخدم الفهم النقدي لحياد الدولة وتنمية المهارات ذات الصلة بالاستقلالية بين السكان الغرض من إضفاء الطابع المؤسسي على المساواة الجمهورية والسماح لمجموعات الأقليات بتبني طريق المواطنة بدلاً من البقاء في عزلة. يمكن أن يكون ارتداء الحجاب – في الدول الغربية  طبقاً للابورد- على الرغم من رسوخه في الممارسات الأبوية، ذو قيمة استراتيجية معبرة عن موقف ضد خطر الهيمنة المزدوجة: ضد جماعة المرأة، بقدر ما يعني الخروج من موقف سلبي لتمثيل الهوية الدينية بنشاط في الفضاء العام، وضد الدولة، لأنها تتحدى الوضع الراهن الذي تجسده فكرة اللائكية.  لكن تعتمد هذه الاستراتيجية المزدجة على السياق وتحتاج إلى مراعاة توازن القوى القائمة في المجتمع. فبينما يمكن الطعن في منع في الحجاب الإسلامي في فرنسا المعاصرة، وترتيبه بطرق تقوض الهيمنة الأبوية الصريحة، فإنه ليس من الواضح أن ارتداء الحجاب في دول مثل العراق أو المملكة العربية السعودية أو إيران يمكن الدفاع عنه بسهولة  بوصفه تعبير من شخصية الأنثى وأستقلاليتها، على الرغم من أن النساء المسلمات يؤيدنه أو يقاومنه أو يتلاعبنة به. وانه يمكن القول إن النساء في هذه البلدان لا يملكن "قوة خطابية" كافية للتمكن من الطعن بشكل فعال وعلني في قواعد اللباس التي من المفترض أن يتبعنها.[14]

وبهذا المعنى ، يدرك النهج الجمهوري النقدي الحاجة إلى الموازنة بين استراتيجيات التوافق والتعبير مع الاهتمام الرئيس بالهيمنة الدينية التي يدعمها إنفاذ أو تطبيق حياد الدولة.

إن الأساليب الليبرالية - وفقا للابور- غير كافية لفهم الظروف الكامنة وراء خلق صوت مدني داخل الأقليات. تُهمش  صيغ لليبرالية المشاركة السياسية للجماعات التي لا تشترك في القيم الليبرالية الأساسية مثل الاستقلال الذاتي الفردي. لا يوجد شيء، من منظور جمهوري نقدي، حول عدم الهيمنة يتطلب أن يتحرر الأفراد من ارتباطاتهم الدينية أو المجتمعية؛ ولا يعني المثل الأعلى أن الحياة الخيرة هي حياة الاستقلالية الفردية.[15] فالاستقلالية، بالنسبة لـ لابورد، هي قدرة مضمون ما على الحياد وحد أدنى من  المعرفة كيف يكون. وبهذا المعنى، من ألأفضل فهمها على أنها ليس جوهرأً، بل أداة اساسية مفيدة" لتحقيق خطة حياة المرء.[16] في المقابل، تفتح استراتيجية الصوت المعبر إمكانية تطوير شعور كامل بالولاء للمجتمع السياسي من خلال المشاركة في النقاش العام والقرارات السياسية. على صعيد آخر، تتخلى الليبرالية السياسية عند راولز عن التركيز الإقصائي، الاستبعادي للقيم الليبرالية الجوهرية، وتعتمد على نموذج العقل العمومي الذي يدعو إلى قيود صارمة على شرعية النقاش الديمقراطي. يتجاهل منظرو العقل العمومي أهمية تطوير صوت المواطنين للتعبير عن أفكارهم وأحكامهم الدينية من خلال توقع التزامهم بمثال المعاملة بالمثل القائم على تبادل وجهات النظر غير الشاملة. إن إدخال الأصوات الدينية في الجدل الديمقراطي أمر حاسم بالنسبة للناس لتطوير المهارات اللازمة لمقاومة الهيمنة، سواء من الدولة أو داخل جماعاتهم.[17] ومع ذلك، يتطلب حياد المؤسسات السياسية فرض قيود على اللجوء الى أسباب أوأحكام  دينية من قبل الموظفين العموميين. تؤيد لابورد، بهذا المعنى، شكلًا من أشكال العلمانية التبريرية[18] التي تستبعد الحجج الدينية من المجال السياسي وتشجع المواطنين الذين ينخرطون في السياسة كقادة حزبيين ومرشحين للمناصب الحكومية أن يترجموا رؤاهم الدينية بلغة غير دينية. لا يمكن أن تحدث عملية الترجمة هذه إلا من خلال المناقشة والمشاورات العامة، لأنه من غير العدالة أن نتوقع من المواطنين المتدينين أن يعرفوا مسبقًا أي وجهة نظر دينية يمكن التعبير عنها في شكل علماني وكيف. وبهذا المعنى، فإن شرط راولز، الذي يسمح بإدخال مذاهب شاملة في الجدل السياسي شريطة أن يتم تقديم  "أسباب سياسية مناسبة''، يعكس الفهم الأحادي غير الكافي للمبررات العامة ويتجاهل الأهمية التحويلية أو التغييرية للحوار. تعترف لابورد، عند مواجهة القضايا الأخلاقية الأساسية التي تمس معنى الحياة والموت، أنه "قد لا تكون هناك لغة مشتركة عند العقل العلماني، من شأنها أن تكون ذات صلة بالغايات  القصوى والألتزامات النهائية.[19] ينبغي، في هذه الحالة، على ممثلي الدولة والمسؤولين تجنب اللجوء الى الآراء الدينية والعلمانية المثيرة للجدل، الأً بقدر ما تتطلب الحاجة إلى التشريع. وعلى الرغم من هذه القيود في المجال السياسي، يبقى الخطاب الديني ذا صلة بازدهار الجدل الديمقراطي.

تجمع علمانية لابورد التبريرية بين الاهتمام بالتسويغ العام النموذجي لمقاربات العقل العمومي مع تركيز الجمهورية النقدية على تطوير صوت معبر عن المواطنين. وتحقيقا لهذا الغرض، فإنها توضح الفهم التعددي للخطاب الديمقراطي الذي ينكر إمكانية الإجماع على مفهوم واحد للعدالة ويدعم أهمية التنوع والخلاف أوالمعارضة. يجب تبرير المبادئ السياسية العامة، في المجال السياسي، على أساس أسباب وافكار علمانية. لكن لتفسير هذه المبادئ وتثبيتها وترتيبها فيما يتعلق بقضايا محددة ، تقول لابورد، سيشير المواطنون بالضرورة إلى قيمهم الجوهرية ووجهات نظرهم المختلفة. وبهذا المعنى، من غير المتوقع أن يكون هناك إجماع حول ترتيب ومحتوى وآثار المبادئ العامة وأن تصل المجتمعات السياسية المختلفة على تعدد الترتيبات على هذا الأساس.[20]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code”, International Journal of Constitutional L.aw 10(2): 398-410.

[2] Bauberot, J. (2004), LAii:ite 1905-2005, entre passion et raison. Paris: Seuil.

Asad, T. (2003) Formations if the Secular Christianity, Islam, Modernity.

Rorty, R. (2006) Take Care of Freedom and Tnith Will Take Care of Itself: Interviews with Richard Rorty, edited by E. Mendieta. Stanford, CA: Stanford University Press.

[3] Ungureanu, C. (2015) "Europe and religion: an ambivalent relation ", in Zucca, L. and Ungure­anu, C. (eds) Law, State and Religion in the New Europe: Debates and Dilemmas. Cambridge, UK: Cambridge University Press, paperback edition, 307- 333.

[4] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy. 23.

[5] م،ن، 151—152

[6] Laborde, C. (2013a) '‘. Justificatory Secularism", in D'Costa, G., Evans, M.,  Modood,  T.,  and Rivers, J. (eds) Religion in a Liberal State. Cambridge, UK: Cambridge University Press:164-186.

[7] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy. 87-88.

[8] م، ن، 155 .

[9] يظهر الجدل كيف أن التزامًا جمهوريًا مضللاً بعدم الهيمنة يمكن أن يؤدي إلى اغتراب الأقليات وعزل الأفراد الضعفاء داخل تلك الأقليات. بعد تزايد المخاوف بشأن طرد الطالبات الإسلاميات الذين ارتدوا الحجاب في عام 2004 ، اعتمدت فرنسا القانون رقم: 228 التي نظمت ، "تطبيقاً لمبدأ" اللائكية "، الذي يتعلق بأرتداء لافتات تدل على الأنتماءات الدينية. يحظر القانون ارتداء الرموز الدينية أو الزي في المدارس الابتدائية والثانوية العامة. في عام 2010 ، من خلال التشديد على أسباب أمنية ، تم حظر تغطية الوجه في الأماكن العامة. كان القصد من الحظر أن يكون له تأثير على ارتداء النقاب والبرقع الإسلامية.

[10] Wing, A.K., Smith, M.N. (2006) " Critical Race Feminism Lifts the  Veil?:  Muslim  Women, France , and the Headscarf Ban", U.C. Davis Law Review 39: 743--790.

Bilge,  S.  (2010)  "Beyond  Subordination  vs.  R esistance:  An  Intersectional  Approach  to  the Agency of Veiled Muslim Women", joumal of Intercultural Studies 31(1) : 9-28.

[11] يطبق حظر الحجاب نموذج اللائكية بشدة دون النظر في حالة الحرمان الثقافي والاقتصادي للأقليات ما بعد الاستعمار؛ على وجه الخصوص ، فإنه لا يأخذ في الاعتبار تكلفة التكيف والاندماج في ترتيب محدد مسبقًا للعلاقة بين الدين والسياسة. من خلال استهداف ممارسة ارتداء الحجاب في المدارس العامة ، يضر الحظر أيضًا بعملية حاسمة يتم من خلالها تعريف النساء المسلمات بممارسة سيطرة أكبر. كمساحة يتم فيها "تحييد" رموزها الدينية وانتماءاتها بشكل فعال، فإن المدارس الحكومية الفرنسية غير قادرة في الواقع على تعزيز الاعتراف بها كذوات لها صوت وأذن خاصة بها .

[12] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code". 398-410.

[13] م، ن، 150 .

[14] م،ن،156 .

[15] م،ن،155 .

[16] م،ن، 155 .

[17] م،ن، 155 .

[18] Laborde, C. (2013a) '‘. Justificatory Secularism".

[19] م،ن، 180 .

[20] ن،م،171-173 .

 

علي محمد اليوسفتقديم بدئي: المقال بحث فلسفي للكاتب لا علاقة تربطه بمفهوم علم الفيزياء ولا بعلم الكوزمولوجيا. وخير دليل على ذلك أنه خلو من مصدر علمي أو فيزيائي. سوى مناقشة موضوع الزمن في الفلسفة اليونانية تحديدا. يليه لاحقا مقال آخر في نفس الثيمة هي الزمن من منظور الفلسفة.(سبق لي ونشرت مبحثين عن مفهوم الزمن  في فلسفة كانط، آخرهما كانط وقالبا الزمان والمكان في الادراك العقلي). المقال المرتقب الثاني تتمة هذا المقال ينشر تباعا بعده.

الزمن والحركة

يقول ارسطو (الزمان هو مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر)1. نلاحظ في البدء أن ارسطو يقيس (مقدار) الزمن الذي لا يتغير ادراكا حدسيا بالحركة المكانية المتنقلة للاجسام بالعالم الخارجي من جهة هي كانت موجودات متأخرة (ساكنة) وانتقلت بالحركة فاصبحت موجودات متقدمة بالقياس الى وضعها السابق المتأخر مكانيا. والملاحظة الثانية أن ارسطو يفرق بين الزمن (وحدة) قياس الحركة التي ندرك الزمن بها وليس هو حركة فيزيائية صرفة يمكننا رصدها وتعيينها ومعرفتها منفردة من غير تعالقها بحركة الاجسام مكانيا.

الحركة هي ما  يدركه الزمن العقلي مكانيا ولا تدرك الحركة المكانية للجسم هي ذاتها معنى الزمن وماهيته وكيف يؤثر بها.،هل الزمن فضاء ادراكي فوق العقل؟ أم الزمن فضاء ادراكي لا قيمة له دونما وصاية وتفكير العقل عليه.؟ أم لا معنى لاحدهما العقل والزمن في انفراديتهما الادراكية للاشياء من دون تلازمهما؟ ثم لماذا ومتى نحكم على الزمن متحركا ذاتيا بأطراد مع حركة الاجسام أو هو متحركا بقواه وخصائصه الذاتية التي لا ندركها فقط؟ أوهل الزمن ثابتا غير متحرك أم متحركا متغيرا على الدوام؟ وما هو مقياسنا لتاكيد أو نفي هذه المعادلة في الثبات والتغيير؟ وهل الزمن الارضي هو نفسه الزمن الكوني؟ أسئلة تحتاج الكثير للاجابة عنها بعضها علميا لا يتماشى مع الفهم الفلسفي الذي نطرحه.

الزمان هو تلازم تجريدي أدراكي عقلي حدسي يرتبط بيولوجيا بوظيفة العقل الادراكية، لكنه أي الزمان ليس ماهية بيولوجية مدركة منفردة كجوهر مستقل، بل هو تجريد غير فيزيائي يكتسب معناه الفيزيائي من فيزيائية عمل العقل البيولوجي في معرفة الاشياء. أي الزمن يبدأ ملازمة الادراك العقلي فيزيائيا بدءا بالحواس والوعي والجهاز العصبي ثم انتهاءا بالذهن.والزمن يرافق جميع هذه الفعاليات البيولوجية فيزيائيا لكنه يبقى هو محتفظا بماهيته التجريدية غير المدركة.

ويكون المكان أدراكا عقليا مستقلا تجريديا يرتبط بيولوجيا بعمل العقل وهو موضوع مادي أو موضوع خيالي لا فرق لكنه لا يستطيع الخلاص من ملازمة الزمن له. المكان صورة من ادراكات العقل الزمانية. والعقل يحتاج الزمن في أدراكه الموجودات مكانيا في عالم الاشياء الخارجية،... والزمن قرين العقل الادراكي قبل أن يكون قرين الموجودات المستقلة مكانيا في عالم الاشياء.. العقل لا يستطيع أدراك الموجودات مكانا في عدم ملازمة الزمن له،. ونحن ندرك الزمن في مقدار حركة الاجسام ونعجز ادراك حركة الزمن موضوعا مجردا منفردا عن ملازمته حركة موجودات المكان.

والحركة خاصية الزمان الذي هو (ثابت مطلق) غير متحرك حين تكون طبيعته مطلقا فيزيائيا يحكم الكون والطبيعة والاشياء، والزمن يكون محدودا فيزيائيا متغيرا بحدود معرفتنا وجود الاشياء ومدركاتنا لها في ثباتها وفي حركتها المكانية على الارض.. والزمن تحقيب أدراكي مكاني للاشياء محدود ومتغير به ندرك متغيرات مكان الاشياء الحركية حين نفهم الزمن بمنظور ادراكنا له على الارض وليس في مطلق وجوده الكوني في اللانهائي الذي لا تدركه عقولنا المحدودة كائنات  أرضية.. سوى بمقياس مقدار قربنا أو بعدنا الارضي عن الكواكب والمجرات بالسنوات الضوئية بواسطة أجهزة الكترونية متطورة جدا لهذا الغرض.. وليس بتحقيب الزمن التاريخي الارضي بالسنوات التقويمية العادية.

الزمن تحقيب وقتي حركي محدود ومتغير في أدراكه انتقالات حركة الاجسام الارضية، ويكون الزمن مفهوما مطلقا يحكم الكون والموجودات في ثباته وليس في تغيراته بمفهومنا الارضي له، فالانسان يحس الزمن متلازما مع كل شيء ثابتا كان أم متحركا محسوسا في عالمنا الارضي فقط. وهذا يعني ثبات الزمن وتغيّره معا. ثبات الزمن أنه يحكم كل ذرة وجود بالحياة الى أعقد ظاهرة أو موجود كوني..ويكون متغيرا حين يكون ملازما حركة الاجسام التي ندركها نحن في الطبيعة.

وبالحقيقة الاهم فالزمن ثابت لا يتغير لا في مطلقه ولا في نسبيته الا بتفريقنا نحن لمدركاتنا الارضية والكونية. هنا تعبيرنا الفلسفي عن عدم تغير الزمن غير مستمد من قانون النظرية النسبية التي تربط تغيرات الزمن بالسرعة وكتلة الجسم، في النظرية النسبية لانشتاين حيث يتغير الزمن أو تقل سرعته ولا تتغيير صفاته الماهوية الثابتة كجوهر لا يمتلك ماهية معروفة لكنه متداخل وجودا في كل شيء يحكم الكون، ويحكم كل مدرك عقلي لنا ارضيا وكونيا معا.

ارسطو في عبارته التي مررنا بها (الزمان هو مقدار الحركة بالاجسام) يفهم الزمان مدركا مكانيا بدلالة (حركة ) الجسم وانتقالته بمقدار معين عما كان عليه وضعه المكاني الثابت السابق. وبهذا المعنى هو يقصد الزمن الارضي وليس الزمن الكوني.

ومقدار الزمن عند ارسطو هو (مقدار) حركة الشيء أو الجسم المكانية ومقدار زمن انتقالته من موضع لآخر مكانيا. يلاحظ أن ارسطو حاول تفسير الزمن بالمقدار (وحدة قياس) وعجز عن تفسير الزمن بالماهية التي لا يمكن أدراكها عقليا. كما فسّر الزمن بحركة الجسم مكانا ولم يفّسرالزمن كحركة ذاتية منفردة يتصف بها ماهويا يمكننا أدراكها بمعزل عن حركة الجسم...

أصبح من اليسير اليوم معرفة قياس (مقدار) زمن الحركة فيزيائيا في رصد حركة الشيء مكانا وانتقالاته. ويصبح من السهل معرفة مقدار الزمن بدلالة مقدار حركة الجسم أو الشيء. مثال ذلك توقيت مقدار جري المتسابق الرياضي في قطع مسافة 100 متر مثلا بعدد الثواني، هنا في هذا المثال يكون الزمن تحقيبا متغيرا لقطوعات زمانية جزئية ندركها حركيا لكنها لا تصلح لمعرفة الزمن كجوهرثابت مطلق كونيا، ولا يمكن أدراك مطلق الزمان في جزئية تحقيبية محدودة من الوقت.

وهو دليل دامغ حول حقيقة التسليم بأن الزمن يقاس (بمقدار) حركة الجسم (مكانيا) ولا تعرف ماهية الزمن في تعذّر قياسه ومعرفته في خواصه الصفاتية  فقط وليست الماهوية متعالقة في معرفة مقدار حركة الاجسام... الزمن تجريد ادراكي يعرف بالعقل وحركة الاجسام وليس تجريدا لغويا يعرف بتجريد العقل لمدركاته من الاشياء، ولا هو تجريد ماهوي يحدس منفصلا لوحده، بل الزمن هو تجريد وظائفي للعقل الفيزيائي.

والزمن ثابت في مطلقه كمفهوم يحكم كل شيء بالوجود والكون، ومتغير في ملازمته حركة الاجسام التي يدركها عقلنا الارضي.... جزئية أي شيء مدرك متعيّن عقليا لا يعطي الزمان مطلقه بل يعطي الزمان (آنيته) المدركة عقليا في حركة الجسم أو في سكون الجسم الذي هو في حقيقته ثبات زائف.

وبأنعدام حركة الجسم مكانا لا يتوقف أدراك الزمن العقلي له على أية صورة كانت حتى لو كانت حركة الجسم نوعا من الصيرورة غير المستقرة التي ترتبط بعلاقات غيرثابتة غير مستقلة كموجودات غير متعينة ماديا كعلاقات تحكم وتتفاعل داخل الاشياء أو الظواهر. لكنها لم تكتسب صفة التعيّن الادراكي  مثل جسم أو غيره من الاشياء. فمثلا في علم الفيزياء تفهم العناصر المساعدة فيزيائيا وكيميائيا في تشّكل الشيء أو الظاهرة كعناصر تدخل في تركيب مادة ولا تدرك العناصر كمادة  في متعيّن انطولوجي لوحدها منفردة.

لكن الشيء العبقري الذي يحسب لارسطو هو أدراكه الزمن مفهوما ميتافيزيقيا مطلقا غير محدود بالتناهي الكوني حين لا يحدد للعقل ادراك الزمن ولا يعرف ماهيته الا بحركة المحدودات والمتعينات من الاجسام على الارض، والمكان هو متعّين وجودا مكانيا – زمانيا متلازما محدودا في زمانية حركة الشيء مكانا التي هي قطوعت زمنية متغيرة بتغيرات حركة الاجسام وليست قطوعات زمنية مطلقة ثابتة. وهذه القطوعات الزمنية هي جزء من الزمن المدرك ولا تمثّل الزمن كمفهوم مطلق ثابت لا يتجزأ يحكم الكون والطبيعة الارضية وموجوداتها وتكويناتها والانسان.

لذا لم يقع ارسطو في خطأ أن الزمان حركة مستقلة بذاتها يمكن معرفة مقدارها في قياسها مجردة لوحدها عن حركة الاجسام، بل الزمن ندركه عبر(مقدار) انتقالات الاجسام الحركية الملازمة لشيء متعيّن ثابتا مدركا مكانيا أو مدركا متحركا مكانا، فالمكان موجودا هو استدلال فيزيائي للزمن لكنه لا ينوب عن الزمن بالادراك العقلي... ومثال ذلك أن الزمن نعرف محدوديته الزمنية بحركة جسم الرياضي في قطع مسافة معينة له، وبغير حركة الجسم لا يبقى موضوعا للعقل يدرك به معرفة مقدار الزمن بغير دلالة حركة الجسم ولا يدرك العقل ماهية الزمن ومقداره منفردا ذاتيا.

ونظرية انشتاين الزمان نسبي محدود وليس مطلقا لا متناهيا هي نظرية صحيحة في منطق معادلة الفيزياء الكونية التي تذهب الى أن الزمن يتباطأ كلما زادت سرعة الجسم لقطع مسافة معينة على مستوى سرعة سنوات ضوئية وليس على مستوى سنوات طبيعية بطيئة على الارض.والزمن الارضي ليس هو الزمن الكوني ليس من حيث الماهية وانما من حيث القياس الكمّي فقط.

أذن ما ندركه نحن من زمان أرضي ليس هو مطلق الزمان الكوني بل محدوديته التي نعيّها في حركة الاجسام مكانا، العقل يعقل الزمان تجريدا كمفهوم ميتافيزيقي مطلق على الصعيد الكوني، ويعقله نسبيا متغيرا غير ثابت في حركة الاجسام على الارض.

الحقيقة التي ليس سهلا تصورها أن الزمن مطلق ثابت نسبيا في رصده كل موجودات الطبيعة والحياة، والمكان جوهر متغير بسلطة الزمن عليه كمتغير يلازمه بنفس الوقت، يجب أن لا يفهم من هذا خطأ التصور أن الزمن يحرك الاجسام بل هو يكون ملازما لحركتها على الدوام. ويمكن ملاحظة ذلك أن الزمن لا ندرك حركته الا بدلالة حركة الجسم المكانية، والزمن يحمل صفتين اثنتين متلازمتين تبدوان متناقضتين فهو نسبي ومطلق معا أي متغير وثابت بالاختلاف بين النسبي والمطلق الزماني الذي يحدده طبيعة ونوع المدرك العقلي أي موضوع الزمن المدرك، فالجسم المتحرك مكانا على الارض لا يفلت ولا يتخلص من سطوة أدراك الزمن عليه كتحقيب أدراكي زمني محدد متغير بوجود جسم وموجود في جميع انتقالاته الحركية.. فيكون بهذا المعنى الزمن يتغير طرديا مع تغيير حركة الجسم ويكون الزمن محدودا في ملازمته محدودية موضوع أدراكه، وعندما لا يمكننا ادراك الاجسام مكانا سواء في ثباتها أو في تغيراتها وفي كل الظروف والامكنة فيكون الزمن بهذا المعنى ثابتا مطلقا وباقيا ملازما لكل شيء بالحياة يدركه العقل أو لا يدركه على صعيد الكون وليس على صعيد موجودات الاجسام في الطبيعة وعلى الارض. فالزمن الارضي هو غير الزمن الكوني وهذه حقيقة مثبتة علميا.....وادراكنا الحدسي لمطلق الزمن مرهون بعدم وجود مدركاته المكانية التي تجعل الزمن قطوعات مكانية في تحقيبه لها وتسهيل عملية ادراك العقل لها....ادراك الزمن للاشياء يسبق ملازمة العقل لادراكها... والسبب بذلك الزمن لايفنى بفناء عقل وجسم الانسان.

والزمان يحكم الاشياء بغير دلالة العقل له لكن العقل لا يدرك الاشياء بغير دلالة الزمن، بمعنى الموجود الذي لا يدركه العقل في حركته مكانا يدركه الزمن ويحكم وجوده. وهذا الادراك الزمني لا نفهمه ولا نحس به الا اذا كان مقترنا بادراك العقل وادراك الزمن للاشياء تجريدا بمعزل عن العقل وهو ظاهرة ممكن حصولها لكن عقولنا لا تستوعبها من حيث اننا ندرك الزمان في حركة الاشياء المحسوسة ولا ندرك الزمان المجرد في مواضيع غير مدركة للعقل مكانا مثل الفضاء الكوني والكواكب والمجرّات.

أدراك العقل لموضوعه هو أدراك العقل لوجود ذلك الموضوع حتى لو كان وجوده على مستوى التجريد الذهني..ولا نعرف أسبقية ادراك الاشياء للزمن أم للوعي العقلي بها؟ أم بتداخل بينهما لا نعرف كيفية حدوثه؟ والحال هنا يشبه تماما أيهما أسبق وعي العقل بالشيء أم وعي اللغة بالشيء؟ لا أجابة نستطيعها.

المحرك الذي يتحرك او الذي لا يتحرك

يؤكد الفيلسوف الاغريقي سنبلقيوس (أن كل الحركات في العالم لها علة اولى أو محرك أول، وهذا المحرك الاول قال عنه ارسطو غير متحرك بالعكس من افلاطون الذي قال المحرك الاول متحركا ايضا، لأنه يمثل النفس الكليّة التي هي حيّة ومتحركة بذاتها ولا تحتاج من يحركها)2

يلاحظ من العبارة أن افلاطون أراد الهروب بذكاء من أستحقاق فرضية أن المحرك الاول ثابت لأنه لا يتصور شيئا موجودا فيزيائيا لا تسبقه حركة اولية قبله وهو تصور سليم بحكم قوانين فيزياء الطبيعة، فلجأ الى ربط الحركة بشيء غير فيزيائي ولا تنطبق عليه قوانين الفيزياء وهو (النفس) المجردة المعروفة بتجليّاتها العاطفية المعروفة والاحاسيس السايكولوجية، واذا نحن أهملنا الجانب الميتافيزيقي (الديني) في توصيف المحرك الاول الذي لا يتحرك وهو يتحرك حسب افلاطون فتكون مقولته خاطئة تماما أمام مقولة ارسطو المحرك الاول ثابت لا يتحرك التي لا تقاطع المنحى الديني لكنها تقاطع قانون الفيزياء علميا.

وطبيعي أن نعرف مقولة ارسطو المحرك الاول لا يسبقه محرك آخر لم يستمدها من الدين غير المعروفة عنه آنذاك تلك المعلومة في عصره، بل ارسطو اطلق معلومته المحرك الاول ثابت من استلال فيزيائي في الطبيعة كون كل متحرك سابق عليه متحرك قبلي يسبقه وهذه سلسلة لا نهائية لذا يستحيل الثبات فيزيائيا أن يكون هناك متحركا أوليا لا يتحرك..ولا يسبقه محرّك له سابق على حركته.

فالمتحرك غير الثابت الذي يتحرك يكون يسبقه بالضرورة محرك قبلي له هو الاخر يحتاج الى محرك متغير قبلي آخر يحركه وهكذا تدوم سلسلة المحرك يسبقه متحرك الى ما لا نهاية لذا وضع ارسطو حدا لهذه المتوالية حين قال المحرك الاول لا يتحرك بفعل محرك سابق عليه كي يضع حدا للجدل العقيم في من يكون هو المحرك الاول؟ وكيف جاء المحرك الاول بخاصية الحركة من سابق عليه لا نعرفه ثابتا ولا متحركا ولا موجودا..؟

أفلاطون طرح موضوعة ارتباط المحرك الاول بالنفس وليس بالجسم أو الموجود ماديا. التي- أي النفس- هي جوهر غير فيزيائي تتحرك ذاتيا دونما الحاجة لمن يستثير نزعة الحركة فيها خارجيا ويبعثها فيها أي أخرج النفس من صفة المادة في الحركة والامتداد، وهذه العبارة رغم انغماسها التام في الميتافيزيقا فهي لا تمنحنا أقناعا بها، وافلاطون لم يكن يعلم في عصره أن النفس ليست جوهرا غير منفصل عن الجسم كما وقع ديكارت بنفس هذا الخطأ وأعتبر خلود النفس سببه كونها هي والعقل جوهران لا فيزيائيان خالدان باقيان منفصلان عن الجسم بعد فنائه.. في حين نجد أن علم وظائف الاعضاء وعلم النفس الحديث يعتبرون النفس مكوّنا بيولوجيا مرتبطا بمنظومة الادراكات العقلية والجهاز العصبي والدماغ، ولا يمكننا التحقق من مادية النفس الفيزيائية لذا يكون فناء الجسم الفيزيائي ملزما فناء النفس اللافيزيائية معه...

ما عدا ما يؤمن ويبشر به لاهوت الاديان خاصة التوحيدية في خلود النفس بعد فناء الجسم الذي لا تقول به غير الاديان والفلسفات المتعالقة بها. كما هي عند ديكارت وبيركلي وباسكال وتوما الاكويني، ولايبنتيز،ومالبرانش وغيرهم من الفلاسفة المؤمنين بخلود النفس.

من جهة أخرى تعبير افلاطون حركة النفس حركة ذاتية لا تحتاج محركا يحركها هي الاخرى خاطئة من جانب ثان حيث أن النفس هي لا فيزيائية لكنها جوهر من تكوين بايولوجي مستمد من منظومة العقل الادراكية لكنها تتمايز عنها أنها سلوك سايكولوجي تعتمد في حركتها على ردود الافعال التي تستثيرها الاحاسيس التي يشعر بها جسم الانسان داخليا ويعمل على تلبية اشباعها سواء بتعبيرات النفس أو تعبيرات أشباع غرائز بايولوجيا الجسد.

بايولوجيا النفس غير المتحققة لنا فيزيائيا مستمدة من يايولوجيا منظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنها تجريد لافيزيائي منفصل عن نظام بايولوجيا العقل...والنفس في هذا التجريد والانفصال عن بيولوجيا العقل والجسم يشبه تماما موضوعة انفصال الوعي غير الفيزيائي المرتبط فيزيائيا ببيولوجيا العقل لكنه جوهر لافيزيائي متمايز عن فيزياء العقل والجسم لا يمكننا ادراكه بيولوجيا.

من المعلوم في علم الفيزياء أن الحركة الذاتية بالاشياء بدءا من الذرة وصولا الى الكون جميعها مرتبطة بسبب ومسبب، سبب ونتيجة أي أن كل حركة يسبقها ويليها حركة، حتى داخل تركيب الذرة نجد حركة الالكترونات ترتبط بحركة النيوترونات، وهذه السلسلة اللانهائية من الحركة يتوجب حتما وقوفها عند محرك سببي لا يتحرك يستطيع تحريك غيره. هو عند ارسطو المحرك الاول الذي لا يتحرك وعند افلاطون المحرك الاول الذي يتحرك.

كيف تصور فلاسفة اليونان الزمن؟

بالحقيقة شيء مذهل أن نجد عند فلاسفة اليونان في القرن الخامس والرابع ق.م هذا التعبير الفلسفي المعجز عن الزمن ليس بمقاييس عصرهم فقط وأنما بمقاييس زمننا المعاصر، ماهي دلالة الزمان وكيفية ادراكه؟ فلاسفة اليونان قبل ارسطو حددوا الاجابة بالتالي في أعتبارهم الزمن ليس جوهرا ميتافيزيقيا يتعذر ادراكه ولا قالوا الزمن جوهر فيزيائي من المتاح ادراكه كباقي الاشياء والموجودات بل قالوا التالي الذي لا نجد بديلا افضل منه في عصرنا هذا غير هذه الثوابت المعرفية عن الزمن:

- ارتباط الزمان بالحركة

- الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو الحركة نفسها

- الزمان في الوقت الذي هو مقدار الحركة ومقياسها فانه في نفس الآن يقاس هو ذاته – الزمان -  بالحركة ، 3

نناقش الميزة الاولى أن الزمان يمّثل حركة الشيء وليس هو الحركة بذاتها، والزمان هو مقدار تلك الحركة التي هي حركة انتقالات الجسم مكانيا، وهنا تكون حركة الشيء المكانية لا يمكن أدراكها الا بسبق ادراك زمني عليها يلازمها، بمعنى كل حركة هي تداخل مكاني زماني لا يمكن الفصل بينهما كظاهرتين تحكمان حركة الاجسام كما لا يمكن الاستدلال بأدراك أحدهما بغير دلالة تكاملها وتلازمها مع الاخرى.

فعندما نقول هذه منضدة وهي مدرك عقلي مكاني فالمقصود الحقيقي هو مدرك زماني أيضا معا. وعندما يقول أحدنا هذه يدي فوجودها في أي شكل من الوضع الحركي تكون عليه اليد فهي مدرك زماني ايضا. وتبقى الحركة خاصية مكانية  تلزم الزمان بها لكنها ليست حركة ولا تدرك مكانا من غير ملازمة الزمان لها، فحركة الزمن مطلقة لا تتحدد أبعادها بأشياء مدركة مكانا.

المسألتان الثانية (الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو الحركة نفسها) والعبارة الثالثة (الزمان في الوقت الذي هو مقدار الحركة ومقياسها، فأنه بنفس الوقت يقاس هو ذاته بالحركة) ساتناولهما بالتعقيب المتداخل بينهما.

أجد في العبارتين منتهى العبقرية بالتعبير الفلسفي بالقياس لذلك العصر، أذ لو قالوا فلاسفة الاغريق الزمان هو (حركة الشيء) لكنه ليس هو الحركة بذاتها والزمن ليس حركة بل هو (مقدار)، فيكون الزمن بهذا المعنى هو حركة الشيء وليس مقدار حركته، مما يرتب على الزمن أن يكون سببا ماديا في تحريك الاجسام، وأنه هو سبب وباعث الحركة المكانية بالاشياء والاجسام وهو خطأ فضيع في التعبير القاصر..،فالزمن لا يحرك الاجسام.

الخطأ هو في التعبير بين أن يكون الزمن هو حركة فيزيائية مستقلة بذاتها، أو يكون حركة ترافق حركة الاجسام لكنه ليس علّة وسبب في حركتها فهذا لاخلاف عليه رغم أمكانية تخطئته، عندما يكون الزمن هو (مقدار) الحركة وليس هو الحركة أي الزمن الذي مانركه منه لا اكثر من كونه (وحدة) قياس كميّة حركة الاجسام والاشياء وليس هو حركتها أو سبب حركتها ، وهذا يختلف جدا أن نقول الزمن هو حركة الاشياء أو هو حركة ذاتية مستقلة، فكلا هذين التعبيرين خاطئين.

فعندما نقول الزمن (مقدار) حركة الشيء لا يعني هذا الزمن أصبح هو (حركة) الشيء. بل الزمن هو مقدارقياس حركة الشيء وليس هو حركة الشيء بذاته. والذي يحرك الجسم هو محرك من نوعه المادي وليس من نوعه الذي لا يجانسه بالصفة المادية حصرا، فلا يشترط أن يسبب حركة جسم الانسان انسانا من نوعه بل مادة أخرى من غير جنسه لكنها تشترك مع الانسان في الخاصية المادية والفيزيائية.

فالزمن هو مقياس لحركة جسم مادية خارجية تفترق معه بالصفات والماهوية، لذا جعلوا فلاسفة الاغريق صفة الحركة هي من صفات الجسم المادي وليس من صفات الزمان غير المادي...شيء آخر الزمن ماهية غير مادية فكيف يكون بمقدورها تحريك ما هو مادي كالاجسام؟ وهل صيغة التساؤل صحيحة وفي محلّها من حيث المبدأ قبل مناقشتنا الاحتمالية في تخطئتها بأعتبار لا مادية الزمن لا تمتلك قابلية تحريك الاجسام المادية أصلا كون الزمن جوهراغير فيزيائي فلا مبرر للسؤال.

يتبع في مقال قادم

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

 

علي محمد اليوسفاللغة نظام من تشكيل الاصوات في صورة كلمات متنوعة ومفردات منتظمة ضمن قواعد خاصة فلا يمكننا مثلا مراصفة كلمات مختارة لاسماء شيئية في تكوين جملة او عبارة ذات معنى، لذا عندما نقول لكل لغة قواعد نحوية خاصة بها تكون هذه القواعد ميزتها الاساسية الاولية أنها تسبق معنى التعبير، من غير الممكن فصل تفكير العقل عن لغة تعبيره عن مواضيع تفكيره....لماذا؟ لأن تفكير العقل لا يتم بغير لغة تجريدية تتم في عملية معقدة في الذهن.لذا يصبح التفكير العقلي هو اللغة.

اذن مالفرق بين لغة العقل في التفكير الصامت داخليا عنها في لغة العقل التعبير عن مدركاته الخارجية؟ سنرجيء الاجابة التوضيحية الى موضع لاحق من هذه المقالة، لكن من المهم معرفة ان العقل في تفكيره الداخلي الصامت في مواضيع الخيال،وفي تفكيره الافصاحي الخارجي عن مدركاته المادية انما يكون بلغة عقلية واحدة هي لغة تجريد صوري تمّثلي للتعبير عن الاشياء الخارجية كمدركات مادية، وعدم تعبيره لغويا نحو الخارج في صمته التفكيري. تفكير العقل في جميع الاحوال هو تفكير صوري تجريدي بوسيلة ومفردات اللغة كعلامات غير مفصح عنها، او كدلالات مفصح عنها لغة عن موجودات يدركها خارجيا.

الاسم والفعل

في كل لغة هناك تقسيم الكلمات الصوتية اللغوية الى اسماء وافعال وحروف، وأخرى تدل على فاعل ومفعول، والى معرّف ونكرة ومضاف ومضاف اليه، وكلمات ظرفية وأخرى شيئية وكلمات غير شيئية تعطي دلالة معناها في مفهوم عام كقولنا كلمات مثل امل، فرح، سعادة، حزن، شجاعة، حكمة، وهكذا الى ما لانهاية حصره.

والاسماء من الكلمات جرى تفريقها عن غيرها من الكلمات منذ عصر ارسطو، انها ليست زمنية، اي الاسماء لا تتعالق دلالتها اللغوية مع التوقيت الزمني المعروف،فالاسم هو صوت شفوي يحمل دلالة تواضعية شيئية عن معنى شيء محدد أي يشير الى دلالة متفق عليها مجتمعيا من دون الرجوع الى خلفية للزمن فلاسم الشيئي باللغة لا يحمل معه تزمينه كما هو الحال مع الفعل باللغة....لكن أحيانا نجد خرقا لهذه القاعدة في لغتنا العربية مثل قولنا (حزيران الماضي) فهنا أرتبط الاسم حزيران بتحقيب زمني هو الماضي.

على العكس من الاسماء تأتي الافعال التي هي دلالة لفعل زمني ولا يمكن للفعل أن يكون تعبيرا شيئيا عن شيء كما هو الاسم. فعندما نقول اسم كرة فالكلمة تحيلنا الى شيء معين دون غيره تقصده ولا علاقة زمنية له بمعنى الكرة، لكن عندما نقول فعل (لعب) فهي لفظة تعني القيام بعمل يلازم زمن اللعب هو الماضي، ويلعب يزامنه زمن الحاضر، وسيلعب يزامنه زمن المستقبل وهكذا.

وحين نصف اللغة خاصية انسانية فطرية – مكتسبة (توليدية) فليس معنى ذلك أن اللغة فعل ارادي انفرادي متحرر عن كل التزام معيّن دونما مسؤولية وهدف قصدي، بل اللغة خاصية مجتمعية مسؤولة وملتزمة في التعبير عما تقصده من معنى تواصلي ترغب تحققه، أي يرغبه قائل اللغة كلاما شفاهيا منطوقا أو كتابة لغوية.

تعبير اللغة

القول بما يذهب له التحليل اللغوي التقليدي الذي يقصر وظيفة اللغة تصديرها (الفكر) التحاوري نحو الخارج (المتلقي) يجده البعض من علماء أختصاص تحليل نحو اللغة تعبير توظيفي يختزل اللغة بحدود معينة... رغم أن اللغة في أقرارنا المبدئي انها وسيلة تعلم اللغة والتواصل بها، كقاسم مشترك بين الفرد والمجموع، ولا تكون هذه الخاصية اللغوية شغّالة فاعلة بغير هذا المعنى السيسيولوجي.

من الصحيح أن هذا الفهم التعميمي في اقتصار وظيفة اللغة بتوظيف أحادي يقوم على تبادل الخبرة المعرفية والسلوكية والنظامية من خلال خاصية اللغة كمحاورة مجتمعية يصادر عدد لا محدود من وظائف لغوية غير التحاور التواصلي تتعالق مع الفهم الخصوصي لنحو كل لغة خاصة على حدة لوحدها. لذا فوظيفة اللغة التحاوري العام لا يدخل ضمن منحى تفسيرات نحو اللغة بما هي لغة تعبّر عن المفهوم الفلسفي لها.

لكن من الواضح أن تعبير اللغة يكون مجال تواصلي مصدره توجه المتحدث الداخل نحو المتلقي الخارج، بمعنى اللغة هي تصدير ناطق من فرد لآخر أو مجموع... وهذا الفهم يمكن أن يكون خارج تحليل وظيفة اللغة نحويا، أن (صمت) اللغة تفكير داخلي موجه من الذات الفردية نحو الذات الفردية نفسها وليس خارجها كما هو وظيفة اللغة بالحوار التواصلي، الصمت تفكير بلا اصوات لغوية خارجية تفصح عنه، عندما تكون اللغة تفكيرا صوريا داخل النفس وما يتصل بها من دواخل عاطفية وأحاسيس لا تصلح أن تكون  بهذا المعنى لغة خارجية ميزتها الاساس هي لغة صوتية (من – الى) نظام صوتي معبّر عن اشياء معينة كموجودات مادية  تشكل حيزا تداوليا تحاوريا توصيليا.

لغة تفكير العقل الداخلي هي لغة فكرية قوامها تفكير الصمت اللغوي وليس لغة الافصاح المنطوق نحو الخارج الذي هو لغة تقوم على ابجدية الصوت بالحرف والمقطع والكلمة وصولا الى العبارة أو الجملة.

فاللغة الخارجية هي أصوات متناغمة في نظام الدلالة عن معنى محدد مقصود، أما الحوار الداخلي مع النفس أستبطانيا فهي لا تسمى لغة صوتية بالمعنى الحقيقي وأنما تسمى تفكيرا داخليا يقوم على تفكير لغوي صوري تجريدي مضمر وليس على تفكيرلغوي معلن عنه بلغة صوتية خارجية تحاورية بين مصّدر لها ومتلق لها.

اللغة والفن

لغة الصمت في تفكير العقل ليست ممارسة سلبية غير خلاقة تعّطل قدرات العقل عن الابداع في الادب والفن وضروب الفعاليات الثقافية.فلغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل تأملية هي غير لغة الكلام المنطوق أو الكتابة المقترنة بزمن محدود...وتكون لغة الحوار التواصلي في الفن والادب والجمال في حالة كمون أستبطاني يستنطقها الانسان المتلقي ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي وذائقته العاطفية والنفسية في تلقيه  ضروب الفنون التشكيلية والاجناس الادبية غيرالمتاح الافصاح عنها لغويا ابجديا صوتيا لا بالمعنى الشفاهي ولا بالمعنى اللغوي التواصلي المكتوب.

واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعورالمنتج ابداعيا...أما لغة التعبير الانساني الكلام أو اللغة المكتوبة فهي منتج مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا أو فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان...فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وأن كان هذا الوعي الزمني(أفتراضيا) كما يمارسه الانسان أفتراضا تحقيبيا زمنيا وتاريخيا وجوديا لا غنى عنه عندما يتعامل مع الزمن ادراكيا ويجهل ماهيته معرفيا.. وعي الانسان وعي زمني وقصدي منظم غير عشوائي ولا هو ردود افعال لا معنى لها.

وعي الذات واللغة

الانسان كينونة تمتلك فينومينولوجيتها وماهيتها وجوهرها المعبّر عنها في جميع صفاتها وكيفياتها التي تجعل من الانسان كائنا متمايزا في هوية جوهرية ماهوية مستقلة منفردة، وفي هذه الخاصية يتأكد أستحالة الاتحاد الانساني غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، ومثال هذه الاستحالة تتمثل في محاولة الصوفية الاتحاد الانجذابي الاتحادي المؤقت بين الله الذي هو وجود (بذاته)، مع الانسان الذي هو وجود (لذاته) في كيان مادي ماهوي متعيّن، الله كيفية افتراضية لا معنى يحدها ولا ادراك عقلي يتصورها يمكن أتحادها بكيفية انسانية مغايرة مادية. والله كائن نوراني حسب التعبير اللاهوتي لا يدرك عقليا وغير متعيّن ماديا بالنسبة لادراك الانسان في محدودية ادراكه في اللانهائي والوجود الكوني. وفي هذا الفارق الجوهري الكبيرممثلا في تغاير واختلاف (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها عقل الانسان والاخرى مادية تتمايزماهويا ذاتيا، كما تتمايز بعلاقتها مع قوانين الطبيعة فيزيائيا التي يتحكم بها مطلق الزمان ولا محدودية المكان...وبهذا فالانسان كيفية لا تلتقي الا مع كيفيات أخرى تشترك معها بالصفات الجوهرية المادية من نوعها تتجانس معها في كل أو بعض الصفات والماهيات ضمن ضوابط قوانين الطبيعة. أما التعبير عن الحلول التصوفي كدلالة عن حال غير متحقق فعليا فهنا يكون لا اهمية لتلك التمايزات ولا لذلك الاختلاف الماهوي بين الله والانسان .

لغة التخييل الانساني هو قسمة مشتركة بين وعي ذاتها ووعي مدركاتها المادية وغير المادية، كذلك مفهوم الخيال في وعي الانتاجية الفلسفية او الجمالية،وفي نظم الشعرية الادبية الفنية، وفي أية فعالية فنية جمالية ينتجها الانسان ويلعب الخيال الفاعل دورا مهما فيها، وفي مجمل الفنون التشكيلية والنحت وغيرهما، كذلك الحال في أبداعات الاجناس الادبية الشعر والرواية والقصة ومختلف السرديات التي تعبر عن جماليات الادب والفنون عامة...في كل ما ذهبنا له يكون الخيال المنتج حاضرا.

رغم أني في عدة مقالات فلسفية منشورة لي تناولت فيها علاقة التعبير اللغوي كقاسم مشترك يتوسط التعبيرين الفلسفي والشعري، الا أني أجد في نهاية هذه المقالة المرور السريع بهما. فالشعر بخلاف فلسفة افلاطون عن الشعراء أكثر انواع التعبير الانساني الذي يتعالق تواشجيا ارتباطيا بالتعبير الفلسفي.كما يذهب له نيتشة وهيدجر وغيرهما.

لكنما الفرق الجوهري الكبير مابين الفلسفة والشعر يأتي على صعيد (تجريد) التعبير اللغوي في المنحيين، فتجريد لغة الفلسفة هو من النوع المنطقي القائم على تماسك الشعورالعقلي اليقظ باستمرار، بينما يكون تجريد اللغة في الشعر هو تعبير انسيابي لا يحده المنطق العقلي بل تتلاعب به وتتقاذفه  تداعيات اللاشعور الفيضية التي لا يقف خيالها عند حدود معينة.(تفصيل أكثر يجده القاريء في مقالتنا المنشورة الفلسفة والشعر).

لغة الخيال العقلي غير الانفصامي المرضي المنتج،هو قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر باختلاف أن لغة التعبير الفلسقي تلتقي بالشعر في ناحية انها ايضا تتعامل بمنطق التعبير اللغوي التجريدي الذي يتداخل فيه الخيال مع الفكر،لكن التعبير الفلسفي التجريدي لا يلغي هيمنة العقل ورقابته الصارمة، على العكس من الشعر الذي يطغى فيه الخيال وتداعيات المنطق اللاشعوري في اللغة، الذي لا يتوّسل العقل في التنظيم اللغوي، ولا يستدعي الشعر العقل في لجم الخيال المتداخل في جوهر منطق التعبير الشعري الذي ينتهك اللغة المنظمة ويعمل على جعلها لغة تهويم خيالي يخرج باللغة عن مألوفيتها التواصلية التداولية في ابتداع لغة خاصة خارج التنميط العادي.في وقت ترى الفلسفة لغتها التعبيرية في حضور صرامة العقل على التفكير الفلسفي أن تكون صياغة الافكار فيها تقترب جدا من صرامة علم الرياضيات في المعادلات.

الفلسفة في خروجها على التنميط اللغوي التواصلي، تذهب باللغة الى مجاهيل الفهم الاستعصائي على التلقي المباشر، فهي تستدعي العقل في رقابته الصارمة أن لا يخرج التعبير الفلسفي العقلي، عن منهجية اللاشعور في غلبة الخيال في أنتاج تعبير اللامعنى وأعدام نظام اللغة التقليدي كما في الشعر.

اؤكد ماسبق لي ذكره في أكثر من مقال أن عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر، كما ان جمالية اللغة أسمى من جماليات التعابير الاخرى التي لا تتوسل اللغة قيمة عليا في التعبير. رغم أن تراتيبية انتاجية العقل للغة لا يسبق انتاجية العقل للفكر حسب اجتهادي الشخصي. لكن ثمة تساؤل تعجز عنه أجابة الفلسفة كما تعجز عنه اجابة العلم الوظائفي للاعضاء البشرية هو أيهما يستبق الاخر تفكير العقل لغويا أم تفكير اللغة عقليا؟ وهل تجدي أمكانية أفتراض الفصل بين هذين المنحيين؟

ففي حال صمت الانسان، تكون اللغة هي الفكر ولا تفريق بينهما خارج الذهن كما لا تفريق بينهما داخله ايضا. فاللغة هي الفكرداخل العقل وخارجه في ترابط لا انفكاك بينهما.واللغة والفكر حوار داخلي غير مفارق ولا معلن، وكذلك هما خارج العقل حوار عقلي لغوي معلن لا انفكاك بينهما في فهم احدهما بمعزل عن الاخر. اللغة والفكرة تعبير واحد عن موضوع ملازم واحد في زمنية لحظوية محسوبة، ويفترقان عن الخيال العقلي المنتج لهما، وفي التمايز الدلالي بينهما، متى ما أصبحت الفكرة واقعا ماديا دلاليا معبّرا عنها بلغة يدركها المتلقي في ظاهرياتها، أو يستشعرها بما تستبطنه الفكرة من دلالات وأحاسيس تحمل فائض المعنى بلا نهاية قرائية استقبالية للنص اللغوي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

زهير الخويلدي"الفن لا يريد تمثل الشيء الجميل بل التمثل الجميل للشيء"، تحليلية الجميل، نقد ملكة الحكم

يعتبر نقد ملكة الحكم من قبل عمانويل كانط (1724- 1804)، الذي يطلق عليه "النقد الثالث"، العمل الرئيسي للفلسفة الجمالية. درس فيه ملكة الذوق لدينا، والطريقة التي نحكم بها على العمل الفني ويقود تفكيراغير مسبوق في طبيعة الجميل. لقد أعلن فيه كونية الحكم الجمالي وميز فيه بين الجميل والرائع ونصص فيه على خلو الفن وبراءة الفنان من التوظيف والجوانب النفعية واشتغاله للفن من أجل الفن. في هذا السياق يصف كانط الحكم الجمالي بـ "أحكام الذوق" ويلاحظ أنه، حتى لو كانت مبنية على مشاعرنا الذاتية، فإنهم يدعون أيضًا أن لديهم صلاحية كونية. تختلف مشاعرنا عن الجمال عن مشاعرنا حول المتعة أو الأخلاق في كونها غير أنانية. لأنه إذا أردنا أن نحصل على أشياء ممتعة ونسعى إلى تعزيز الخير الأخلاقي، فإن الجمال مطلوب لنفسه. إن هذا الإيثار هو الذي يجعل الأحكام كونية في الذوق: "ما يرضي الجميع بدون مفهوم جميل". وبالتالي تأتي المتعة الجمالية من اللعبة بين الخيال وفهم الشيء المدرك. ملكة الحكم، التي تشكل في ترتيب ملكاتنا للمعرفة، مصطلحًا متوسطًا بين الذهن والعقل، هل لديها أيضًا، في حد ذاتها، مبادئ مسبقة؟ وماهي وظيفة ملكة الحكم ؟ وهل هذه العناصر تأسيسية أم تنظيمية ؟ وكيف تعطي بداهة قاعدة للشعور بالسعادة والألم، كمصطلح متوسط بين كلية المعرفة وكلية الرغبة ؟

هذه هي الأسئلة التي يعالجها في "نقد ملكة الحكم" والذي أحدث به كانط ثورة في مجال الفنون عندما قام بتعريف الجمال على أنه "التعبير عن الأفكار الجمالية" ؛ وهذا ما يمنحها وحدتها وقابلية الذوات للتمتع بها دون غرض. يجب أولاً ملاحظة أنه لم يبق شيء تقريبًا من مبدأ المحاكاة الكلاسيكية في نظرية كانط، حيث أن مفهوم المحاكاة بالمعنى القديم نفسه تم تهميشه في أقصى الحدود والتعويل على مبدأ التمثل الذاتي عن طريق الحكم الجمالي والذوق. فإذا بقي لها نطاق معين من وجهة نظر نقدية، فإنه بمعنى مختلف تمامًا عما كان موجودًا في السابق. ما يكتبه كانط في هذه النقطة يجب تفسيره بشكل صحيح: "كانت الطبيعة جميلة عندما ظهرت في الوقت نفسه مظهر الفن ؛ والفن لا يمكن تسميته بالجمال إلا إذا علمنا أنه فن وأنه يأخذ مظهر الطبيعة لنا". الفقرة45. يبدو أن جمال الطبيعة يتم إنشاؤه عن قصد بينما جمال أعمال البشر يحرر من الأغراض: كيف نتخيل أن مثل هذه الأشياء تأتي من الصدفة؟ كل شيء يناسب طبيعتنا ؛ كل شيء متناغم مع روحنا. ومع ذلك، فإن الشعور الجمالي يعلمنا عن الطبيعة أقل من طبيعتنا. لكن ما الفرق بين الجمال، الجيد، المفيد، اللطيف؟

الجمال هو شعور بالرضا. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بينه وبين اللطيف. ما هو لطيف يرضي الحواس (رائحة الورود) ؛ ما هو جميل موجه للعقل (قصيدة). ما يرضي بيير لا يرضي يوحنا. لا أحد مطالب للاتفاق على الموافقة على اللون. الجمال مفروض على الجميع؛ هو هدف الرضا العالمي. الجمال نكران الذات: فهو لا يثير أي رغبة، بل إنغماس خالص في التأمل. لذلك فهي ليست مفيدة ولا جيدة: نحن مهتمون بوجود واحد مثل الآخر. إذا لم يكن الجميل خيرًا، فهو رمزه: فهو يُظهر في الواقع أن الإنسان ليس مدفوعًا بالمتعة والاهتمام حصريًا، ولكنه أيضًا، حتى في حساسيته، كائن أناني وحر. ومع ذلك، كون الحرية مؤشرًا للأخلاق، فإن الحساسية تجاه الجميل تكشف عن كائن أخلاقي. من هذا المنطلق الذوق هو القدرة على الحكم على الجميل. إنه كوني: عندما نقول عن رجل له ذوق، ندرك فيه القدرة المعصومة على الحكم على ما هو جميل وما هو ليس كذلك. ومع ذلك، فإن المذاق هو شيء شخصي، ونقول بهذا المعنى: كل شخص له ذوقه الخاص. التناقض واضح فقط: في الواقع، الذوق عالمي وذاتي. هذا هو، في حساسية كل منهما، مطابق لحساسية الجميع. نحن لسنا جميعًا حساسين لمذاق النبيذ، لكننا نتفق جميعًا على لوحة لذيذة. في هذا الاطار عمل كانط على دراسة طبيعة الظاهرة الجميلة وتحليل الحكم الذوقي وعبقرية الفنان ويرى ان الجمال هو شعور في الإنسان أكثر من ملكية شيء ما. بمناسبة وجود شيء معين، تظهر حالة ذهنية معينة، نتيجة سارة لتناغم كليات المعرفة البشرية. الجمال ليس شيئًا نفهمه، هدف فهم: يمكننا أن نجد ما نتجاهل استخدامه جميلًا. ومع ذلك، تستيقظ الكلية الفكرية بهذه المناسبة. بعد ذلك الجميل هو الشعور بأن الكائن الحالي موجود من أجل غاية، بدون، مع ذلك، يمكننا، أو علينا أن نتخيل هذه النهاية. يتم تنظيم الشيء الجميل بشكل متناغم، ولكن ليس بهدف أي استخدام يمكن تصوره. لذا فإن الجمال هو هدف الرضا اللطيف ولكن غير المثير للاهتمام، ولكنه عالمي ولكنه شخصي، ونهائي لكن لا نهائي، وضروري ولكن في القانون فقط. السامي ليست الجميل جدا، بل من طبيعة مختلفة تماما. في الجزء الثاني من الكتاب، كانط تعامل مع مفهوم الغائية، أي فكرة أن كل شيء له غاية، هدف ولكنه في الحقل الجمالي في حاجة الى نقد. في الواقع تقع الغائية بين العلم واللاهوت، ويقول كانط إن المفهوم مفيد في العمل العلمي، حتى لو كان من الخطأ افتراض أن المبادئ الغائية تعمل بالفعل في الطبيعة. ثم يعتبر كانط الغرض المدرج في الطبيعة نفسها. الغاية ليست خاصية الأشياء في حد ذاتها: نحن نفكر بها وننظم الظواهر. مثل الحرية في نقد العقل العملي، الغائية هي فكرة تنظيمية. من هذا المنظور لا يمكننا تفسير بنية الأحياء وحقيقة الظاهرة الطبيعية من خلال نظرية الميكانيكا الحية بل عن طريق مفهوم الغائية.

من هذا المنطلق تتمثل الاضافة النوعية لكانط في المجال المفهومي في التمييز الحاذق على الصعيد الذوقي بين الحكم المحدد jugement déterminant أين يكون المحمول ضمن الموضوع والحكم التفكريjugement réfléchissant حيث يكون المحمول زائد عن الموضوع. فهل أوجد كانط نظرية في الفن؟ وماهي خصائص هذه النظرية الفنية ومكوناتها الداخلية؟

عمل كانط على معرفة صلة العبقري بالإبداع الفني وحسب تصوره الجمالي تضع الطبيعة في بعض الناس موهبة خلق جميلة اصطناعية (فنية). الجمال الفني هو مجرد نوع مستمد من الجمال الطبيعي: وهو ما تنتجه الطبيعة عن طريق الإنسان. العبقرية موهبة لا يمكن تعلمها. إن العبقرية نفسها هي التي تضع قواعد الفن، وهذا يعني ما يجب أن تكون عليه لكي تتوافق جمالها مع الجمال الطبيعي. الفنان ليس لديه قواعد، بل هو أصلي؛ ولكن لأن ما ينتجه له قيمة عالمية لحساسية الإنسان، فإن إبداعاته في كل مرة مثال للفنانين التابعين. إنها تشكل الذوق من خلال إيقاظها وتطويرها. يدرس كانط علاقة الفن بالمجتمع: غالبًا ما يقترن المذاق بميل للمؤانسة. يميل المتذوق إلى مشاركة ملذاته الجمالية، لدرجة أنه في بعض الأحيان يكون قادرًا على الاستمتاع بها فقط في المجتمع. لأن جميع الناس لديهم نفس قوة الذوق، يمكنهم مشاركة نفس الرضا؛ إن مشاركة هذا الشعور هو تكوين مجتمع، بل إنه "بداية الحضارة". مجتمع الذوق يزرع ويذوق. التذوق هو كلية فطرية ومثالية في اتجاه واحد يجب أن يعمل. كما يميز كانط أيضا بين الجميل والسامي. في حين أن جاذبية الأشياء الجميلة واضحة وواضحة على الفور، فإن السمو يرتبط بالغموض وغير القابل للتطبيق. اذا كان التمثال اليوناني أو الزهرة الجميلة جميلة، فإن حركة الغيوم العاصفة أو المبنى الضخم سامية: فهي، إلى حد ما، كبيرة جدًا بحيث لا يمكن لتصورنا احتضانها بالكامل. يؤكد كانط أن إحساسنا بالسمو مرتبط بملكة الحكم لدينا، والذي يحتوي على فكرة الكلية. وهكذا، فإننا نمثل مجمل الغيوم أو المبنى، وبالتالي نحكم على سمو هذه الأعمال. لذلك فإن السمو ليس في الكائن المتصور، ولكن في العقل نفسه. على العكس، يكمن الجميل في الكائن نفسه. بعد ذلك يؤكد كانط على أهمية اللعب الحر للملكات في عملية الابداع الجمالي و يرى أنه لا يمكن مساواة الجميل بالمفيد أو اللطيف: اذ عندما نتأمل في عمل فني جميل، لا يتم ترتيب الملكات مثل الفهم أو الخيال إلى غاية معرفية، بمعنى أنه لم يتم حشدهم لاكتساب أي معرفة أو متعة من العمل المعني. بعد ذلك تكون الملكات أثناء المخاض الجمال في تجربة "اللعب الحر": فهي تتفق مع بعضها البعض، وتحفز بعضها البعض، ولا تخضع بأي حال من الأحوال لبعضها البعض. من هذه اللعبة المجانية يأتي الرضا الجمالي. اللافت للنظر في الفقرة 46 من نقد ملكة الحكم هو أن كانط كشف عن الشخصية العبقرية التي تعتبر مبدأ لإنتاج العمل الفني. عندما أقول أن شيئًا جميلًا، فإنني أحكم على المذاق، وهو حكم تكون طبيعته متناقضة بقدر ما هي مفاجئة. في حين أنها تدعي أنها عالمية، لا يمكن إثبات حكم الذوق. إذا كانت أمام لوحة أعتبرها جميلة، أخبرني شخص ما بعدم الموافقة على حكمي، فلا يمكنني أن أثبت له أنه مخطئ لأنني لا أستطيع إثبات أنني على حق. إذا استطعت، فلن يكون حكمًا على الذوق يُظهر المتعة الشخصية بل حكمًا من نوع علمي. الحقيقة هي أنني ما زلت مقتنعا بأن خصمى يجب أن يجد هذه الطاولة جميلة. هذه النقطة الأخيرة مثيرة للاهتمام. لأنه إذا كان حكم الذوق يدعي العالمية، فهو أن العمل الفني ليس نتاج خيال خالص غير منظم. كل عمل فني يطيع القواعد التي ليس من السهل دائمًا تفسيرها ولكنها تدعم الشعور بالوحدة الذي ينبثق عنها. وبالتالي فإن الهدف من دراستنا هو اكتشاف أصل العمل الفني وبشكل أدق من هذا النوع من الانتظام الداخلي للعمل والذي يكون تفرده بسبب عدم إمكانية تفسيره. من خلال التأكيد، هذا هو عنوان الفقرة 46، أن "الفنون الجميلة هي فنون العبقري"، قد يعتقد المرء أن كانط يعرف الفنون الجميلة، وبعبارة أخرى ما نسميه الفن. أعتقد أن هذا ليس هو الحال لأنه في هذه المرحلة من التحليل الكانطي، يعتبر الجميع طبيعة الفن الذي عارضه كانط حتى الآن الطبيعة والتقنية و العلم. ما نتحدث عنه هنا هو عبقري، والغرض من التعريف الذي قدمه كانط هو شرح طبيعته. وتجدر الإشارة إلى أن اسم "عبقري" يظهر هنا لأول مرة في الكتاب. والمشكلة التي تنشأ بعد ذلك يمكن صياغتها بوضوح: ما الذي يجب أن يكون عبقريًا بحيث يمكن اعتباره أصل إنتاج الأعمال الفنية؟ أخيرًا وليس آخرًا، هل من المؤكد أن الشخصية الاستثنائية للفنان العظيم هي مسألة عبقرية وليست تقنية؟ أليس العبقري هو هبة الطبيعة.؟

والحق أن العبقرية هي "الموهبة التي تعطي القواعد للفن": لذلك تعد الأصالة أهم خصال العبقري ولكن يجب ان تقترن بالذوق السليم والخيال المبدع. يبدو أن مفهوم العبقرية هو بالفعل المصطلح النهائي في التفكير الكانطي في الفن، وهذا هو السبب في أن كانط يشير أيضًا إلى أصل كلمة "عبقرية"، عبقرية معنياً، بالمعنى الديني، "الروح المعطاة عند الولادة لرجل لحمايته وتوجيهه". هذا التقارب بين المعنى الجمالي والمعنى الديني لمفهوم العبقرية لا يعني أن الفنان الرائع مستوحى من الآلهة. لقد رأينا إلى أي مدى يرفض المنظور الكانطي هذا المفهوم. إنه يظهر بلا شك أن العبقرية، مثل الإلهية، هي سبب مطلق وغير مسبوق كما قلنا أعلاه، نقطة بداية لا يمكن تفسيرها ولكن يجب علينا مع ذلك أن نعترف بما أن هناك أعمال الفن وأن هذه ممكنة فقط إذا اعتبرنا العبقرية أصلها. يبدو من المقبول التأكيد على أن العبقرية يمكن أن تعطي الأمل في حل تناقضات الجماليات، حيث يتم التوفيق بين القاعدة المناسبة للفن وحرية المبدع. ولكن إذا كان يشير إلى فكرة شائعة – فمن ينكر أن باخ أو فيرمير عباقرة؟ - ومع ذلك، لا يزال هناك نوع من اللاعقلانية لأنه لا يزال غير مبرر. يتم استنتاجه كشرط لإمكانية العمل الفني ولكن لا يتم تحليله في علاقاته مع المجتمع أو التاريخ. ولا يتساءل كانط أيضًا عن المعنى التاريخي والاجتماعي الذي يمكن للمرء أن يعطيه لوجود العباقرة. مشكلتها الوحيدة هنا هي مشكلة الإبداع الفني التي يمكن فقط بشرط الاعتراف بمبدأها الأصل الذي ليس له أصل، مبدأ، في الواقع، غير مشروط، غير افتراضي، محرك أول الفن: عبقري. فماهي التأثيرات التي حصلت في حقل فلسفة الفن نتيجة تغيير كانط البارديغمات المتبعة في التمثل والخلق والتعبير الجمالي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصدر:

Emmanuel Kant, critique de Faculté de juger, 1790, édition Gallimard, coll, Folio-essais, Paris ,2008.

عمونيل كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غالب هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، طبعة 2012.

 

علي محمد اليوسفتصدير: أعرف جيدا لا جدوى رغبتي  زرع الالتزام بالفلسفة،لكن أيماني العميق الراسخ أن ألانسان أغلى قيمة بالحياة تجعلني لا أييأس من تكرار المحاولة. (ع)

تقديم:

سبق ونشرت مقالة فلسفية اولى بعنوان (نقد فلسفة اللغة والمعنى) كمفهوم عام رافق انبثاق نظرية المعنى وفلسفة العقل كتيار فلسفي طاغ منتصف القرن العشرين، وأعقبته بمقال ثان يشتغل على نفس الثيمة في نقد فلسفة اللغة بعنوان (فلسفة اللغة وتغييب الواقع)، وهذه المقالة الثالثة في نفس الموضوع الذي وجدت أنه يحتاج الى مؤلفات عديدة يكتبها غيري وليست ثلاث أو اربع مقالات متناثرة لي...

اذا اردنا توجيه نقد فلسفي معمّق لما جاءت به فلسفة اللغة والتحول اللغوي من انحراف فلسفي غير طبيعي ولا أقول عنه تنظير فلسفي متجدد بمقدار ماهو محور ارتكاز دوران حول قضية لغوية تجريدية لا نفع قصدي معرفي متوقع منها، تبّنته بداية بشكله غير المتبلور بتطرفه الحالي تقريبا وفتحت أمامه الطريق واسعا الفلسفة البنيوية لتعقبها في التعكز المجاني عليه فلسفة جاك دريدا في التفكيكية بتطرف أكثر حدّة لتنبري بعدها على نفس التعميق الممنهج التاويلية والتحليلية والعدمية والمنطقية الحديثة في استئثار محور نظرية المعنى في اللغة عوض الاهتمام الفلسفي بمناحي انسانوية أخرى وجدوها تجاوزها الزمن بحسب اجتهادهم الفلسفي في محاكاتهم التماهي مع ما بعد الحداثة، فليس من حقائق مرجعية هناك بقيت مثل العقل والانسان والوجود والحياة ولا الطبيعة ولا الميتافيزيقا ولا الايديولوجيات كسرديات شمولية أستهلكت نفسها بالتطبيق الفارغ من المعنى المطلوب تحقيقه،..

لقد وصلت المعرفة الانسانية حسب فلاسفة اللغة ونظرية المعنى اليوم مرحلة لم يعد هناك حقائق أو قضايا تستحق الاهتمام الفلسفي بها والاولى الأهم تدارك الخلاص من التضليل الفلسفي الذي أوقعتنا به نظرية المعرفة والعقل والوجود والانسان والعلم وغير ذلك قرونا طويلة لنجد انفسنا أمام حقيقة أن الفلسفة لم تقل شيئا جديرا يستحق البناء عليه أورثه لنا تاريخ الفلسفة قبل وجوب مراجعتنا تصحيح كل الاخطاء الموروثة التي أوقعتنا اللغة بها في تضليل يقوم على أزدواجية الاضمار اللغوي الباطني في مخاتلة اللغة تضييعها المعنى في الظاهرالسطحي الالتباسي من التعبير على حد تعبير فلاسفة انصار نظرية المعنى والتحول اللغوي في الفلسفة.

لا يخفى على قاريء متابع بالحد الادنى ثقافيا ولا أقول فلسفيا ألا استوقفته فلسفة اللغة والمعنى ونظريات التحول اللغوي وما راكمته من تجريد فلسفي لغوي تحليلي صرف زاد في ترّهل التجريد الفلسفي التاريخي المتوارث الممتد عبر قرون طويلة في منهج أعتمدته فلسفة اللغة في الابقاء على أهمية التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني السيسيولوجي لا يقاطعه ولا يحتدم معه في تخارج ألتأثر وألتأثير.فالفلسفة بكل مباحثها من ضمنها نظرية المعنى لم توجد لمهمة تغيير الحياة بل وجدت لفهم الحياة بمنطق الفكر اللغوي المجرد حسب أصحاب نظرية المعنى اللغوي المعاصرين.

نستطيع القول دونما الانزلاق الى مواقع السرعة في أصدار الآراء الى حقيقة أن الفكر المعرفي من أي منبع وأي شكل أتى لا يلتزم الانسان ومصيره وجودا انسانيا أفضل... مستقبله نحوحتمية الاهمال والزوال....وأذا ما أنبرى أحدهم القول أن الفلسفة كتجريد والالتزام كصيرورة واقعية تاريخية مسيران متوازيان لا يلتقيان ولا يتكاملان، فجوابنا أن أبرز فلاسفة الالتزام كان سارتر وعديدين آخرين أقتفوا أثره من بعده،حاولوا جعل الوجودية فلسفة ملتزمة ولو اقتصر الامر عندهم على الادب فلسفيا. علما أن الوجودية فلسفة أمعنت في تمجيد الذات وأعلائها شأن الفردانية بالحرية المسؤولة والوجود القلق بما يكون سببا كافيا يلغي ويسقط عن الفلسفة الوجودية نزعة الالتزام بقضايا الانسان أيجابيا...فالالتزام بالوجودية هو منتهى السلبية في المفهوم الاستعاري الذي نفهمه ايديولوجيا،.. لكنها أي الوجودية التزمت الانسان كمصير فاجع بالحياة ولم تفهم الالتزام بمستقبل افضل له لا يلوح بالافق.

هذا التفريق الوجيه الصحيح لا يلغي مبدأ الالتزام بالانسان كوجود ومصير بغض النظر عن الفهم المحدود الذي يرى الالتزام هو في تنمية الجوانب الانسانية المتفائلة مستقبليا فقط.

وأذكر بهذا الصدد أن شيخ فلاسفة القرن العشرين الانكليزي براتراند راسل صاحب التحليلية المنطقية الحديثة رغم معارضته منذ معاصرته الاكاديمية لفينجشتين في رسالته الفلسفية المنطقية وفلسفة اللغة والمعنى التي باتت صلب الاستغراق غير المسؤؤل في تاكيد أجترار النحو اللغوي الصرف الذي سيقود الفلاسفة الى أن يصبحوا علماء أختصاص باللغة وليس فلاسفة معرفة تبحث عن معنى وجود الانسان : قال راسل تعريفي للفلسفة أنها نظام منطقي يحاول فهم الحياة بمغايرة جديدة غير مألوفة وليس من مهمّاته تغييرها.. في تكريسه نزعة فلسفية مثالية تسعى تجذير منهج الضياع والتيه في مراكمة تجريد اللغة فلسفيا وترهلها الزائد غموضا في أنهمام الدوران حول محورية النص قراءة تجريدية بما هو تخليق لغوي يحمل فائض معنى غائب على الدوام. ومن الواضح في عبارة راسل الرد المبّطن على عبارة ماركس الشهيرة الفلاسفة أكتفوا بتفسير العالم بدلا من السعي لتغييره.

وفي مشادّة كلامية حدثت بين راسل وفينجشتين في أحدى المؤتمرات الفلسفية، خاطب هذا الاخير قائلا: أنك يا راسل لم تفهمني فهما صحيحا يوما ما على الدوام، فأجابه راسل ببرود الانكليزي وحضور حجته البديهية أجلس مكانك فأنت لا تستطيع التعبيرفلسفيا عما تريد توصيله من معنى.علما أن راسل كان كتب مقدمة رسالة دكتوراه فينجشتين(رسالة منطقية فلسفية) وأجازها اكاديميا هو وجورج موربالاشراف عليها ومناقشتها.. ويعترف راسل أنه لا يعيبه تبديل آرائه الفلسفية على مدار الساعة.

فلسفة اللغة ونظرية المعنى رغم الجوانب التي أستثمرها بعض الفلاسفة بمنهج متوازن حينما لم يصادروا خاصية اللغة الفكرية أنها نتاج عقلي متطور انثروبولوجيا - سيسيولوجيا رافق تاريخ الانسان بالاحتدام مع واقع الانسان بالطبيعة والتقاطع معه من أجل تغييره، منذ تلك الاحقاب السحيقة لم يكن الانسان مهادنا الطبيعة منقادا محايدا لها ومتكيّفا كالحيوان معها بالفكرالسلوكي القطيعي، ميزة الفكر الحيّة هي الخاصّية أنثروبولوجيا أن الفكر لايوازي الحياة ولا يبني نظاما له من الخيال اللغوي الوهمي الاعزل في التماهي مع موازاة ما تجيء به الطبيعة من كوارث تلحق الاذى بالانسان لم تكن الطبيعة لها دورا سببيا بها، لذا أراد الانسان التغيير بالفكر الذكي محاولته أسترضاء مسبب هذه الكوارث والظواهر الطبيعية التي لا يجد تعليلا شافيا لها وما ينتابه من خوف منها فأوجد قيمة العبادة بالفكر الاعزل بأسترضاء الالهة فقط بما يخدم سلامة بقائه علي قيد الحياة على الاقل.

وفيما أعقب ذلك من ازمان وجدنا الايمان بالاله يصادر الفكر الذكي الواقعي عند الانسان ليس في مهادنة الواقع ولكن في محاولة درء الكوارث بالغيبيات الميتافيزيقية بما يبعد أذى الطبيعة عنه وأدامة بقائه. بمعنى التعبير عن الارادة الانسانية الفاعلة في تغيير نمط الحياة بالفكر الاعزل الذي لا يعرف التجربة ولا التطبيق عصرذاك. منذ تلك الازمان السحيقة كان الفكر ملازما نقده الوجود الانساني في نشدان الافضل وليس مهادنة الطبيعة في التكيّف السلبي معها، الذي هو ميزة تكّيف الحيوان مع الطبيعة في الانقياد القطيعي السلبي لها. تكيّف الانسان الايجابي مع الطبيعة كان في التمرد عليها ومحاولته أخضاع معطياتها وظواهرها بما يخدم تقدمه بالحياة. حينما كانت فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في القرون الوسطى الاوربية، كان ذلك أحد اسباب الانحطاط الحضاري في دول اوربا قاطبة، فالكنيسة التي قادت الدين بسطوتها اللاهوتية الوضعية، أنما قادت الفلسفة وجعلتها تابعة وراء ما يقوله الدين في الكنيسة وليس وراء ما تقوله تعاليم المسيح في الانجيل الذي تعددت نسخه الكاربونية المكتوبة، كما هو الحال اليوم في قيادة فلسفة اللغة الفكر التنويري عبر أدخاله نفق العدمية في تراكمية البحث عن المفقود في اللامعنى أو بالاحرى في المعنى المصادر لغويا

مايهمنا لو نحن حاولنا سحب بعض من هذا الاسقاط الانثربولوجي على واقع الفلسفة المأزوم بملاحقة تجريد معنى اللغة عندنا اليوم لكنا نرفض مصادرة الوسيلة التغييرية للفكرفي تاكيد مساره المنحرف المتوازي مع الواقع الانساني كما ترغبه فلسفة المعنى والتحليل اللغوي التراكمي وليس ما ترغب تحققه الحياة في طبيعتها المتطورة نحو الافضل على الدوام.

نخلص الى القول لا يوجد فكر أبتدعه الانسان في مساره التاريخي حتى الفكر الديني المقدس منه على لسان الانبياء لم يكن محتدما اصطراعيا مع واقع الحياة في وجوب التغييرنحو الافضل. الفكر المهادن الذي يوازي الواقع ولا يحتدم معه ولا يقاطعه لا يحمل معنى الفكر الحقيقي ولا قيمة تاريخية له.ولو لم تكن الاديان في جوهرها الميتافيزيقي الغيبي غير التطبيقي سوى على صعيد تنظيم السلوك والاخلاق والقيم الرفيعة التي تهتم بسعادة الانسان الارضية والاخروية لكانت الاديان اندثرت من حياة الانسان منذ ازمان أذا ما اسقطت من أهتماماتها الانسان قيمة عليا بالحياة. ولم تلعب دور الريادة في تقاطعها مع الانحراف الدنيوي.

من المسائل التي نتجاهلها اليوم أن الفلسفة الاوربية التي نستنسخها في التراجم وكتب العروض الهامشية العربية لا تصنع الحياة في أنقيادها وراء الايديولوجيا السياسية ولا الاقتصادية ولا العلمية الصرفة أو أية معرفة أخرى ، بل هي تترك ما لقيصر لقيصر. وتعمل على استمرارية تاريخ الفلسفة يسير في متوالية نقد المعنى في اللغة المجردة بلا حدود ولا معنى متحقق من هذه العملية، وهذا يثير حفيظة بعض حفظة صرعات الفلسفة الغربية عندنا من العرب بموقفهم الملكي أكثر من الملك بأن الفلسفة ليست ايديولوجيا تغيير بل هي حرث في بحيرة عن كنز المعنى المفقود في موجود معنى اللغة الضائع.

نظام اللغة في موازاة نظام الاشياء

اللغة فضاء من التعبير المتعالي على نظام الاشياء في وجودها المادي أو حتى الخيالي كمواضيع، وتفتقد اللغة تجريدها المنفرد في موضعتها داخل تركيبة ادراك الاشياء كمتعينات موجودية في حياة الانسان. بهذا المعنى تكون اللغة أكتسبت هويتها الواقعية الجمعية في فقدانها هويتها الانفرادية التجريدية بالوعي الفكري الانفرادي. أكتساب اللغة مجتمعيتها وسيسيولوجيتها الطبيعية هو في نفاذها الى أعماق الاشياء بدلا من التسطيح الوجودي التعبيري الذي تعيشه اللغة منعزلة عن محيطها الحيوي التعبيري الذي هو عالم الموجودات في الطبيعة وفي  الحياة التي نعيشها وتعيشنا.

اللغة لا تكتسب هويتها الجمعية في أعتبارها موضوعا تحليليا تراكميا محوريته نظام المعنى الخصائصي كلغة مرتكزها نحواللغة وقواعدها التركيبية والمجازية والتوليدية والاشتقاقية في البحث عن معنى دلالي في تشكيل هويتها التجريدية ذاتيا بل تكتسب اللغة هويتها المجتمعية كنظام سلوكي في التعبير عن العالم الخارجي بنظام تعبّر عنه اللغة كشكل ويكتشفه الفكركمضمون في موجودات عالم الاشياء وليس باللغة كتعبير دلالي مجاله نحو وقواعد استعمالات اللغة بما هي لغة ادب ونص في متراكم المعنى المضاف لها قرائيا تداوليا في مسلسل لا نهائي في أختلاق تحليلية لا حصر لها من التأويل المضاف المتراكم غير المنفرز خطأه من صوابه كونه لا يستند الى مرجعية لا في العقل ولا في قبلية النص بعد عملية تخليقه التحليلي مرات تليها مرات.

محاولة تفسير ظواهر الحياة في متراكم تجريد اللغة لا يجعل من الواقع الانساني يتحرك قيد سنمترا واحد، التوازي اللغوي مع الحياة الذي تعمل فلسفة اللغة عليه كثيمة مستحدثة بكل طاقتها اللغوية المجردة مضيعة وقت في قضية فلسفية لا مستقبل ينتظرها ولا واقع ميداني يؤيدها.

من الامور التي يصعب تمريرها بسهولة أن فلسفة اللغة ونظرية المعنى أضافت بعدا تجريديا ثالثا على تجريد اللغة في توازيها مع الواقع وعدم الاحتدام به من أجل تغييره أعمق بكثير مما دأبت تاريخية الفلسفة التغذية به والتناسل البقائي بممارسته على أمتداد قرون طويلة جدا من هراء التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني وفي تهميش حيويته بالتخارج النقدي مع الفكر.

ما يحسب للايديولوجيا السياسية بغض النظر عن مجالات الصح والخطأ في التطبيق هو أنها نقلت الفكر من تجريد اللاواقع الى ميدان تطبيق الواقع... رب أعتراض مقبول يذهب الى أن الفلسفة ليست نظرية في الايديولوجيا وأنما هي فهم تجريدي منهجي نظامي نسقي كلي متقدم لفهم العالم بطرق واساليب غير معهودة سابقا في سياقاتها التعبيرية التي نعيشها برتابة اشباع غرائز البقاء البيولوجية فقط.

في جزء من الاجابة لماذا تخاف الفلسفة من تذويت خصائصها التجريدية في منظورات الايديولوجيا، ولا يصح العكس؟، مخافة الايديولوجيا انغماسها بالتجريد الفلسفي أن يجعل منها نظاما لا واقعيا؟ لقد حشرت الفلسفة نفسها في المنطق وفي الرياضيات وفي مختلف العلوم الطبيعية وفي التاريخ وفي الانسنة الانثروبولوجية ولم تزحزح الفلسفة تلك المجالات عن نظامها الخاص كمفاهيم تعمل بمعزل عن الفلسفة لانها ليست ارادة تغيير بل هي ارادة فهم وتفسير فقط ، وبقيت الفلسفة تركض لاهثة وراء مجالات التطبيق في العلوم والحياة والتاريخ ولكن بلا جدوى توازي متحققات العلوم والايديولوجيا في التقدم الى أمام بالحياة بما هي حاضر في صيغة المستقبل..

لماذا يتم التغاضي عن الواقع الخارجي كنظام قائم بذاته في فلسفة اللغة ونظرية المعنى حين تكون اللغة تجريدا نقديا لماهيتها كلغة لها قوانينها الخاصة في النحو والقواعد والتركيب والتوليد والمجاز والاشتقاق وغيرها من قواعد وضوابط نظام اللغة التي تحدّها من حيث هي نظام في ملاحقة معنى الدلالة التجريدية المعبّرة عن الاشياء (لغة) فقط وليس من حيث هي تعبير عن المعنى المكتشف أو الواجب معرفته في نظام وعالم الاشياء بما يطورها ويغيرها كمفاهيم تقوم عليها حياة الانسان.

تجاهل فلسفة اللغة والمعنى لأهم ميزة في طبيعة اللغة هو أنها وسيلة تغيير الواقع بالتخارج معه تطوريا هي الاخرى، اللغة في تطويرها الواقع تكتسب هي ايضا فاعلية التغيير والتطوير من الواقع وعالم الموجودات.

معنى الاشياء في فلسفة اللغة وفائض المعنى هو نظام مواز منفصل تماما عن معنى نظام اللغة كخاصية تجريد فهمها وليس لفهم العالم بها ومن خلالها، نظام تمتلكه اللغة كمقومات بنيوية غير مستمدة من تأثيرات المجتمع ولا من تأثير هذا الاخير على نظامها الخاص بها. هذا ما تروّج له وتبتغيه تحليلية فلسفة اللغة والمعنى بما هي نظام لغوي مستقل لا علاقة له بالانسان ولا بنظام الموجودات في العالم الخارجي.

فلسفة اللغة والمعنى نسق تجريدي يوازي نظام الحياة ولا يقاطعه. نظرية المعنى في فلسفة التحول اللغوي تعتبر اللغة نظاما يمتلك خاصية التجريد والانفراد الذي لا يلزم ولا يترّتب على فهمه وتعديله والاضافة له معرفة حقيقية لوقائع الحياة التي تحكمنا ونتحّكم بها جدليا، فاللغة لم تعد في نظرية المعنى ظاهرة مجتمعية تواصلية وتداولية سلوكية سوى على مستوى التسطيح المفهومي بالقياس المقارن لخصائصها الفلسفية الجديدة المستحدثة كنظام تجريدي قائم بذاته ولذاته فقط.

هناك حقيقة يحاول البعض القفز من فوقها تلك هي من الصعب الموائمة بين من يعتبر نظام عالم الاشياء هو تجريد لغوي مقفل معناه بالذهن الصامت على نظام اللغة الداخلي وليس بالجدل المادي مع تخارجه الموضوعي. وهو ما تتبناه فلسفة اللغة ونظرية المعنى في التفكيكية والتاويلية على وجه الاستشهاد بهما. وبين من يعتبر اللغة نظام أجتماعي سلوكي مرتبط أشد الارتباط في تسيير أمور الحياة التي يحياها الانسان ولا تعيشها اللغة منعزلة عنها وحدها، وهو ما تدور حوله جميع الفلسفات المادية المعاصرة التي أنحسر بريقها بعد تعثّر النظريات السياسية التطبيقية الاعتياش عليها كايديلوجيا مجتمعية تهتم بمستقبل الانسان أنتهىت من تاريخ الفلسفة.

حين يعتبرعالم اللغة الفيلسوف جومسكي اللغة توليد فطري انفرادي لا مجتمعي ولا سلوكي لملكة عقلية ذكية يمتاز بها الانسان عن الآلة وعن الحيوان ، نجده يدين المنهج السلوكي النفسي في مجتمعية اللغة الذي يعتبر اللغة تكيّف أجتماعي سلوكي متطورمتعايش في تداخل اللغة كظاهرة أجتماعية يتناسب تطورها الذاتي طرديا مع تطور دورها كسلوك مجتمعي وظائفي تواصلي تاثيري جدلي في حياة الانسان.

وهذا الفهم لا يقدم ولا يؤخر أذا ما كانت اللغة تولد كغريزة فطرية ملازمة للطفل تبتدعها وترعاها بالتنمية المستدامة قابلية الفرد التوليدية الذكية للغة، أو أذا كانت اللغة ظاهرة مجتمعية تتطور جماعيا سلوكيا ولا تلغي ابتكارات الفرد التخليقية التوليدية في أغنائها.فاللغة أبداع توليدي فردي لا يتكامل بالنمو المطرد الا في وسط مجتمعي يحتويها. ويعبر كواين أن اللغة هي فن أجتماعي، وكان فينجشتين عبّر عن معنى أعمق حين وصف تخييل اللغة هو تخييل لتصور ما يجب أن تكون عليه الحياة. ولم يقل ما يجب ان تكون عليه اللغة.

هل أهمية اللغة تجريد يوازي الواقع ولا يقاطعه بالتغيير؟

البحث في المجردات الفكرية في نظرية المعنى لا يمنحنا وحده منفردا المعنى الحقيقي لقضايا الحياة التي هي مصدر افكارنا ولغتنا الحية التي نعيشها.فاللغة كائن أجتماعي حي تستقي حيويتها الوجودية التطورية حضاريا من واقع عالم الاشياء الديناميكي المتطور انثروبولوجيا مجتمعيا. وتجاهل هذه الوسيلية الوظيفية اللغوية المعرفية يراد لنا منها التسليم بما أطلق عليه الفلاسفة (الذرية المنطقية ) في التحليل اللغوي عند فينجشتين والتي أصبحت مقولة أرتكازية أعتمدتها الفلسفات البنيوية ، التفكيكية ، التاويلية ، مفادها يجب على المنطق اللغوي تحقيق نوع من التوازي مابين الانطولوجيا وما بين اللغة ، هذا التوازي الافتعالي الذي تكرسه وتبحث تجذيره فلسفة المعنى في اللغة والذرية المنطقية هي تمثل واقعة وجوب انفصال المعنى اللغوي التجريدي عن نظام معنى الاشياء في وجودها الواقعي المستقل كنظام يحكم حياتنا وينظمّها ولا مجال التكامل ولا التكافل بينهما في تحميل اللغة معنى لا علاقة له بتوسيل اللغة اداة وصول وظائفي يقود الى معنى نظام الاشياء بالحياة.التوازي الذي تنادي به فلسفة اللغة في نظرية المعنى بين نظام اللغة الهوياتي الخاص بها كرموز تعبيرية وعلامات صوتية أيحائية، وبين نظام الاشياء الذي تحكمه أستقلالية الموجودات، يجعل من مبحث اللغة في نظرية المعنى يحرث في مياه بحر بعيدا عن الواقع كجزر أنقاذ له يتجاهلها.ربما كنا نحن الشرقيين نفهم الامور دائما بجدية اكثر من اللازم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

ملخص: مع ثورة الأخلاق ضد الأنطولوجيا، لم تعد مسألة أكون أو لا أكون هي المهمة، بل ثمة مسألة أكثر عمقا وأهمية من سؤال الكينونة  وصراعها مع العدم أو النسيان، إنها مسألة المسؤولية عن الآخر، ومسألة أن أكون إنسانا أخلاقيا أو لا أكون، لذلك علينا أن نهجر مخدع الكينونة ونمضي صوب الأخلاقي، ليبقى الهّم الأكثر للإنسان هو المسألة الأخلاقية التي تربط بين بني البشر وليس كينونة الوجود. فالانهمام الإيتيقي يسبق كل انهمام أنطولوجي. "الأخلاق سابقة عن الأنطولوجيا، فخلف حضور الإنسان هناك أسبقية التعامل مع الآخر. فالأنا المتعالي في تجرّده يعود ويستنهض عن طريق  ومن أجل الآخر"(1)

يعبّر ليفناس عن "الآخر" وعن تأثيراته على "الأنا" في تفاعلاته معها بمصطلح "الوجه" (VISAGE) إنه أثر الإله والموضع الذي تتجسد فيه كلمته." لا يمكنني تحديد أي شيء عن طريق الإله. لأنه هو الإنساني من أعرفه. وإنه الإله الذي يمكنني تحديده من خلال العلاقات الإنسانية وليس العكس (...) إنه من مفردات العلاقة مع الغير، أستطيع التحدث عن الإله"(2)

و"الوجه" ترجمة أصيلة عن المسؤولية، لكن ليس كما يفهمها سارتر، حيث يجعلها تقيّد "الأنا"  وتهدده  وتعبّر عن جحيم "للأنا" في تحديد حرياته من طرف "الآخر" الذي يراقبه، بل يصرّح ليفناس بأن "الوجه" يمثل نمط المسؤولية الأكثر أساسية، فوجه الآخر باعتباره كذلك يمثل الاستقامة فهو يعني علاقة بالنزاهة،  وفي العلاقة الناشئة بين "الأنا" و"الآخر" من خلال واسطة لغة الوجه، المتمثلة في تقاسيمه وتعابيره تنتج " محادثات عبر فهم الرسائل التي يوجهها الوجه"(3)

كما لا ينبغي النظر إلى "الوجه" (الآخر) على أنه طرف مقابلة تحتكم بقانون التحدي والاستجابة أو الفعل ورد الفعل، الذي يرجّح في الأخير كفة على الأخرى. فحسب ليفناس "الوجه" يمثل "عينان، أنف فم (...)، الوجه عند ليفناس هو أول شيء يرى للآخر وهذا الوجه ليس بريء. من خلال ضعفه الذي يذكرنا بالضعف الملازم للطبيعة الإنسانية، هذا الوجه ينادينا. إنه يمنحنا مسؤولية  اتجاه الآخر. إنها أول خطوة للأخلاق التي تتجنب إقصاء الغير، وفي نفس الوقت الاعتراف به في غيريته. إنها إذن أول مرحلة للفلسفة التي تموضع "الغير" في قلب علاقاتنا مع العالم.(4)

إن تأويل لفيناس للوجه، باعتباره  تعبيرا عن "الآخر" الذي يتفاعل معي ضمن العديد من الضروريات الحياتية التي تجمعنا، يظهر "الآخر" في حاجة إلى "الأنا" وكأنه يطلب منها المساعدة أو الإشراك في أمر ما حيث أن إقصاء الأنا للآخر يجعله مسؤولا عن موته، بل ويجعله مسؤولا عن قتله، لأنه رفض التفاعل معه ليتركه يموت في وحدته. "إن "الأنا" مذنب اتجاه "الآخر" وملزّم به، ومسؤول عنه، في علاقة أسأل فيها نفسي من هو الأولى؟!".(5)

إنها رؤية رومنسية محضة عن "الآخر"، بحيث من خلال النظرة (Le Regard)، يمكن أن نقرأ في وجه "الآخر" العديد من التعابير، فإما استدراج واستدعاء، أو التماس واستنجاد.. وكأن وجه الآخر يخاطب الأنا بقوله:  أرجوك لا تتركني أموت في وحدتي، وإن أردت أن تقتلني بفعل ذلك، فأنظر إلى وجهي، فإنك لن تفعل. إن الوجه يستدعيني دون أن أستطيع تجاهل نداءه أو نسيانه.

وإنني هنا لأستحضر وجه الطفل الذي يتوّسل شيئا ما من أمه أو والده، يتوّسل وملامح وجهه تقول للمخاطب أنت لن تستطيع بتأثير تقاسيم ومعاني هذا الوجه أن ترفض لي طلبا،" الأنا لا يمتلك فقط الوعي بالإجابة، وإنما يتعلق الأمر بإلزامية وواجب خاص، الذي من خلاله يقرر الاستجابة"(6)

فتستجيب "الأنا" أمام مغريات ّالآخرّ أو لالتماساته فيوّلد لدى "الأنا" مشاعر الحب أو الشفقة. وإما على العكس، تعابير وجه طفل يعنفه والده أو آخر قريب كان أم غريب، وكأنه يقول له: أرجوك لا تضربني أو لا تؤذيني، لا تقتلني.

ويؤكد ليفناس على ذلك بقوله:"(...) هكذا فإن "الوجه" يخاطبني قائلا: لن تقوم بالقتل أبدا، ففي العلاقة بالوجه يتم التنديد بي كمغتصب لمكان الآخر (...) وبالتالي، فإن واجبي المتمثّل في الاستجابة للآخر يعلّق حقي الطبيعي في البقاء كحق حيوي".(7)

إن اللقاء مع "الآخر" يتحدد من خلال حضور الوجه وزيارته "إن زيارة (Visitation) "الوجه" ليست إذن انكشاف العالم في محسوساته، الوجه مجرّد أو متعّر، لقد تجرّد من صورته الخاصة من خلال عراء الوجه(...) إن دلالة الوجه في تجرّده، بالمعنى الحرفي للكلمة، خارق للعادة، خارج عن كل نظام، وعن كل أحد (...) وتجلّي الآخر مطلق الآخرية في غيريته  وعرائه وتجرّده وهو يناديني ويأمرني بأن استجيب له".(8)

هذا يعني تقبّل وقبول النداء والاستدعاء والائتمار بأمر الآخر، كوجه متجرّد ضعيف وذلك بالإجابة بنعم كبرى !. وليس ذلك التجرّد، بالتجرد الذي يظهر عند كشفنا الحجاب أو النقاب عن شيء متخّفي، بل إن التجرّد الحقيقي هو وجه الآخر كظهور يتوّسل إلينا. إنه ذلك الوجه الذي يأتي إلينا من الخارج.(9)

كما يمثل "الوجه هوّية خاصة، تحمل خصوصيات ذاتها للأنا والآخر من خلال الجلد، تقاسيمه وخطوطه الآثار المحفورة فيه، أي أنه يمثل كل لحظات الحضور للآخر".(10)

إن المسؤولية اتجاه "الآخر" عند ليفناس، ليست رهينة تجربة الوعي أو وعي التجربة، كما هو الشأن عند سارتر، إنها مسؤولية مطلقة لانهائية وتجربة أخلاقية، والوعي بالحاجة إلى الآخر، ينكشف من خلالها كوجيتو جديد، هو "كوجيتو الوجه". إنه في الحقيقة كوجيتو عاطفي أخلاقي: أنا أعاني، أنا أتمتع.. إذن أنا موجود".(11)

إن تعابير هذا الوجه ومساءلته تجعل الأنا يشعر بالمسؤولية عن كل ما يحدث للآخر، بل ويكون أكثر مسؤولية من غيره، بحيث لا يلزم الآخرين ولا يلق عليهم اللوم، إذ أنه وحده المسؤول ووحده الملام. إلا أنه، حسب ليفناس، قبل الكوجيتو هناك تحية عند اللقاء (Avant le cogito, il y a bonjour). ذلك لأن الأخلاق في فكر ليفناس تمثل حدث (Evènement)، إنه حدث لقاء مع الآخر الإنساني، الذي نبادره بالقول: بعدك سيدي.(12)

وهذا ما جعل ليفناس يتبنى فكرة  دستويفسكي*(1821ـ 1881) التي تقول "كلنا مسؤولون أمام الكل عن كل شيء وعن الجميع، وأنا أكثر من الجميع مسؤولية".(13)

" إن وجه الغير(Autrui) يضعني موضع مساءلة، يفرغني من ذاتي نفسها، كاشفا لي دائما عن مصادر جديدة(...) إنني أجد نفسي أمام الآخر الذي لا يمثل: لا دلالة ثقافية، ولا معطى بسيط، إنه معنى أولي مستعد للتعبير عن نفسه، إنه عن طريقه فقط كظاهرة، دلالة ما ستنتج عن الأنا في الوجود".(14)

وما يجعل الأخلاق سابقة على الأنطولوجيا ومنفتحة عليها، كونها تحتكم للإمكان وممكنات التحقق لا الوجوب، وبعيدة عن ضرورة الأنطولوجيا، بل قد تتحول إلى ضرورة أخلاقية اقتصادية أيضا، حيث "سيصبح الذهاب إلى الغير بأيد فارغة بخلا. هذا ما يجعل الأنا تضطلع بمسؤولية لا مشروطة أمام الآخر دون أن تكون تبادلية أو تماثلية "أنا كريم اتجاه الآخر، ولا يلزم أن يكون ذلك الكرم خاضعا للمبادلة"(15)

بينما الضرورة والإلزام في الأخلاق مصوّبان نحو "الأنا" دون مطالبة للآخر ودون انتظار أي مقابل منه أو شكر. أي أن المسؤولية عن الآخر ليست مشروطة البتة بمبادلة الإنسان الآخر للمسؤولية حيالي، إذ أن مسؤولية الآخر حيالي، إنما هي من شأنه الخاص الذي لا شأن لي به، فأنا دائما أكثر مسؤولية عن الآخرين من جميع الآخرين دون أدنى استثناء، أي أن هناك تعالي لمسؤوليتي عن كل مسؤولية للآخرين.(16)

ومن منطلق هذه الفلسفة الأخلاقية تظهر ملامح الروح الرومنسية، إذ لا يمكن "للأنا" العيش بمعزل عن الآخر، كما يتجلى فكر اجتماعي أيضا، فالإنسان حيوان اجتماعي بطبعه. إلا أن هذا الاجتماع يجب أن تؤطره قيم أخلاقية تضمن العدالة " مسؤولية الأنا اتجاه الآخر هي مسؤولية لامتناهية، تبدأ مع الإنسان الآخر متمثلا في الوجه الذي يقابلني وجها لوجه، والذي يطالبني بالعدالة من أجل الآخرين جميعا ومن أجل جميع أشكال الإنسانية.

إن اللمسة النهائية لتلك الطيبة التي تتعمق برغبة لامتناهية، تقوم على عدم ترك الغير يتأوّه ويموت وحده، حتى لو لم يستطع الغير أن يفعل شيئا بالمقابل".(17)

إذا كان الأنا في حاجة للآخر ولا يمكنه العيش دونه، إذ لا معنى لحياته دونه، فإن الأنا في علاقته الأخلاقية مع الآخر، لن يفكر في تهديد وجود الآخر، ولن يسمح بتعريضه للخطر. وبالتالي نتجاوز نظرية تشارلز داروين (C.R.Darwin)(1882 ـ 1809) حول "البقاء للأقوى" ذلك لأن الصيرورة الأنطولوجية قد تفضي بقتل الآخرين من خلال فرز الأكثر نجاعة وقوة وإبداعا على حساب من هم دونهم بلا حول ولا قوة .

" تنبثق علاقتي الأخلاقية بحب الآخر، من واقع كون الأنا لا يمكنه ضمان بقائه لوحده، ولا يمكنه أن يجد المعنى في وجوده الخاص بالعالم، في أنطولوجيا الذات عينا".(18)

إننا نحاول التغلب على غريزة الأنانية الطبيعية، فلا مجال للهيمنة في هذه العلاقة، بل المجال، كل المجال للتفاعل والتعايش، وهكذا ينتشر نظام أخلاقي لما هو إنساني بالإعلان عن الحكم الجازم التالي:" لن تقوم بالقتل أبدا !"(19)

وبمقتضى ذلك تستعاض العلاقة الصراعية بين "الأنا" و"الآخر" بعلاقة حب متحرر من كل أطر عائلية قومية أو دينية، إنه حب الغريب للغريب، حب لغربته، فرديته وغيريته، حيث يكون "الأنا "رهين ومرتهن لنداء الآخر، حيث "لم تكن العلاقة والاختلاف بين الذوات في الفلسفات السابقة تمثل إلا التعارض  والتخاصم".(20)

إنها علاقة علو خارج كل  وساطة وكل دافع منشأه جماعة نوعية، خارج كل علاقة عائلية سابقة  وكل تأليف ماقبلي، حب أجنبي لأجنبي، هو أفضل من أخوة داخل الأخوة ذاتها.(21). أي أن "الآخر" لا يدخل في علاقة مع "الأنا"، ولا يمكن أن تعرف غيريته إلا بحضور "الوجه" بكل تعابيره  ومعانيه.

ويمكن فهم الوجه على طريقتين:

1ـ الوجه العاري، لأنه منكشف ولأنه جزء من شكل، أو أنه في سياق وتساوق مع الأشكال المحيطة به. هذا ما يمكن تسميته "بسيميائية الوجه".

2ـ الوجه اللاشكلي _أي ما وراء الوجه كشكل _ حيث لا يمكن التفكير فيه انطلاقا من علاقته مع الأشياء كعلاقته مع الآخر.(22)

إننا نحاول أن نفهم معاني ومقاصد الوجه في حالة عريّه وتجرده، من خلال العينين، اللون والتغيرات الفيزيولوجية. فإن كان الوجه يتقنّع خلف قناع ما، رغبة في خداعنا، سوف تفضحه تلك العلامات والعوارض. شأن الكاذب مثلا: قد يفضح في تلوّن وجهه خجلا، أو في نظرته وجحوظ عينيه."فلقاء الأنا بالآخر الأجنبي الذي يكون تحت إمرته وندائه، هو لقاء بين الأجانب دونما أن يكونوا من الأقارب، فكل فكرة يجب أن ترتبط بالعلاقة الأخلاقية".(23)

ـ رمزية مفهوم الظهر:

على غرار مفهوم "الوجه" الذي اعتبره ليفناس الوسيط الذي يربط بين "الأنا" و"الأنت" في علاقة أخلاقية، يتناول أيضا مفهوم " الظهر" الذي يقول بأنه يمكن أن يكون بالنسبة للإنسان، معبّرا بنفس درجة تعبير الوجه إن لم يكن أكثر.(24)

الوجه يذكرني بإلزاماتي، فالعلاقة مع الإنسان الآخر، هي علاقة وجه لوجه، (Face a face) (visage au visage) كعلاقة أخوية، حيث هناك وحدة إنسانية ومجموع إنساني، وكل الأفراد هم إلى جانب الآخرين ومعهم، وهم ملتزمون داخل مجتمع مشترك.(25)

فبالنسبة للإنسان الوجه والظهر هما مكمن الدلالة بالذات، وقد يقوم أحدهما مقام الآخر ويؤدي نفس الرمزية أو الدلالة التي يوحي بها الجسد أو الإنسان، كونهما وجهين لعملة واحدة، لذلك كان ليفناس يقرأ الكتاب من نهايته، من أجل أن يكشف هذه الخاصية للجسد. وإذا كانت الدلالة ستتراءى أم ستتوارى إذا ما قلبنا منطلق الاستقراء أم لا.

وكذلك فعل ليفناس عندما قرأ رواية "حياة ومصير" (لفروسمان فاسيلي)، حيث استشهد بمشهد تلك المرأة التي تقف في طابور سجن من أجل الاستعلام عن زوجها المعتقل السياسي فيصفها الكاتب:" لم تكن تعتقد من قبل، بأن الظهر يمكن أن يكون معبّرا إلى هذا الحد، وأن يبلّغ بطريقة نافذة حالات النفس، لقد كان الأشخاص الذين يقتربون من البوابة يمددون أعناقهم وظهورهم بشكل خاص، وكانت أكتافهم مرفوعة وكذلك عظام الأكتاف وكأنها مستندة على نصب، وتبدو وكأنها تصرخ وتبكي وتنتحب".(26) 

إيتيقا الإلزام والحرية:

إن أخلاق "الأنا" كما يريدها ليفناس، تجعل الذات تابعة لمعطيات الآخر ومنشغلة بمتطلباته دون إقصاء لا للأنا ولا للآخر، لكن هذه الإلزامية الخلقية، تجعل "الأنا" يتصرّف ويتعامل بحذر نتيجة لحضور وجود آخر، إذن عوضا عن الحرية المستقلة هناك مسؤولية تابعة "وحتى لو تنكرت لمسؤوليتي الأساسية تجاه "الآخر"  بتأكيدي على أن حريتي الخاصة سابقة على كل شيء، فإنني لا أستطيع التخلّص من واقع كون "الآخر" قد طلب مني الإجابة، حتى قبل أن أمارس حريتي بعدم الإجابة على طلبه. فالحرية الأخلاقية هي حرية صعبة.(27)

إن الحرية الأخلاقية صعبة، لأنه يفترض بها أن تكون ملتزمة دائما بتبعيتها للآخر، وكما يفترض أيضا بها أن تبقى تحت مراقبة الإلزامية الأخلاقية، تلك التي توجب على "الأنا" الاستجابة لمتطلبات "الآخر"  ويقدم ردة فعل مناسبة لطبيعة الذات الأخلاقية. لابد من "احترام الآخر في ذاته وفي غيريته، والمحافظة على حريته ".(28)

إننا حتى عندما نفترض أن حرية "الأنا" سابقة على طلب "الآخر"، نعود ونمتحن هذا الافتراض على قانون التحدي  والاستجابة الذي وظفّه أرنولد توينبي(A. Toynbee)(1889 ـ 1975)، أو الفعل ورد الفعل إلى كون الفعل سابقا عن ردة الفعل، أو التحدي سابق على الاستجابة فكذلك طلب الآخر سابق على استجابة الأنا، وبالتالي فهو سابق أيضا على حريتها.

ذلك ما جعل ليفناس يقول: " أن نتفلسف هو أن نصعد إلى ما قبل الحرية (...) إلى ما يحرر الحرية من الاعتباط، بحيث تصبح الحرية نفسها بمثابة الحرية من "أجل ــ الآخر" مشاكلة للمسؤولية "عن ــ الآخر"، وهذا يعني أنه: مثلما أن الإيتيقا تسبق الأنطولوجيا، فإن المسؤولية أيضا تسبق الحرية  وتشترطها فتحوّلها إلى حرية انفتاح على الآخر. أي حرية لاأنطولوجية بخلاف الحرية السارترية التي ظلت أسيرة الإكراهات النظرية للأنطولوجيا الفينومينولوجية لكتاب "الوجود والعدم".(29)

إذن يتميّز "الآخر" بقوة التحريك والاستثارة أخلاقيا، لأنه يفتعل وضعية تستوجب من "الأنا" التعامل معها أخلاقيا والاستجابة لها، كون هذا "الآخر"، وفي نفس الوقت، يتميّز بالضعف إلى جانب القوة، فلولا خصوصية الضعف، لما استجاب "الأنا" أخلاقيا، إما من باب الشفقة، أو من باب الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والإلزام اتجاه مساعدة "الآخر"، هذا الأخير الذي يسبق الأنا أخلاقيا وهنا مكمّن قوته، بينما حاجته لـ"لأنا" تظهره أضعف المخلوقات التي تلزم الاستجابة لها.

" إن الآخر هو أغنى وأفقر الكائنات: فهو أغنى على مستوى أخلاقي، لأنه يسبقني دائما. فحقه في الوجود يسبق حقي، وهو أفقر الكائنات على مستوى أنطولوجي أو سياسي، لأنه لا يمكن أن يقوم بأي شيء دون مساعدتي(...)".(30)

ولذلك فالأسبقية الأخلاقية للآخر، تجعل "الأنا" في حالة من القلق والحذر، وإن كنا غير ملزمين أنطولوجيا في الاستجابة له، بصفتنا أحرار في رفضه والتنّكر له. إلا أن الوعي الأخلاقي يسبق الوعي الأنطولوجي، لتبقى الذوات في تخبّطها بين الدنو إلى صفة الملائكة بالاستجابة للوعي الأخلاقي، والتدّني إلى صفة الشياطين بالاستجابة للوعي الأنطولوجي.

إن الذات التي يقصدها ليفناس هي ذات أخلاقية مستعدة للتضحية بحقوقها وحرياتها أمام نداءات الآخر وحاجاته، ليشعر "الأنا" بإلزام نحو "الآخر" فيقوّم سلوكه ومعاملاته، بمقتضى ما يتناسب ومستلزمات الآخرين. لتظهر الحرية الذاتية، مسألة ثانوية بالمقارنة مع أسبقيتهم.

"إن حرية الذات ليست هي القيمة الأسمى أو الأسبق، فتبعية استجابتنا للآخر الإنساني أو الإلهي كالآخر مطلق، تسبق استقلالية حريتنا الذاتية في اللحظة التي أعترف فيها بأنني أنا المسؤول أقبل بأن تكون حريتي مسبوقة بإلزام  يأتيني من الآخر".(31) إنها مسألة الحرية والمسؤولية وطبيعة تفاعلهما في إطار الأنا الأخلاقي، حيث الوعي بمسؤولية الأنا يجعله في موضع إلزامي أخلاقي اتجاه "الآخر"، إلى درجة تسبيق هذا الإلزام نحو الآخرين على الحرية الذاتية، وما يرغب الأنا في إشباعه من حقوق وحتى رغبات. إنها لحظات من تعالي الذات الأخلاقية التي تروّض وتكبح رغبات الأنا عند تقاطعها مع إلزامات الآخر.

وفي إحالة إلى روح المسرح وتوظيفا له يقول ليفناس:"إنه في الحين الذي أكون فيه متفرّجا، أنا أيضا أكون مسؤولا، معناه أيضا، أن أكون متكلّما، فلا شيء هو مجرد مسرح بحد ذاته للتفرّج، والدراما ليست مجرد لعبة. إن كل شيء فضيع".(32)

إن الوعي بالمسؤولية يستدعي مباشرة تدخل الأنا الأخلاقي الإلزامي، وكأننا نتحدث هنا عن جدلية إثنية كثيرا ما أشادت بها الفلسفات القديمة إنها: جدلية الخير والشر والصراع المتبادل بينها، الذي حينا يرجّح كفة الأول، وحينا آخر، يغلّب كفة الآخر، على حسب حركية التحدّي والاستجابة. فحضور الأول يستدعي الثاني والعكس صحيح، لكن في صيرورة غير ثابتة بل متحوّلة ومتحركّة، كأننا أيضا نتحدث عن أساس المعتقدات الدينية الذي يتمحور حول جدلية التحريض الشيطاني والنصح الملائكي.

إنها مسألة "زمنية النداء والاستدعاء، وبما أن هناك استجابة وإجابة، إذن فهذا يدل على أن هناك على الدوام تأخير. وبما أن النداء يسبق دائما الإجابة، فإن النداء يسبقني على الدوام".(33)

فقد يظهر "الأنا" الالتزام الأخلاقي ويكظم الحرية الذاتية الأنطولوجية، فتتغلّب لغة الأخلاقي على لغة الأنطولوجي."فالعلاقة بين "الأنا" و"الأنت" هي علاقة داخل مجتمع، نحن فيه متساوون الواحد بالمقارنة مع الآخر. أنا للآخر كما أن الآخر لي"(34))

ولا ينبغي ـ من منظور أخلاقي أن تكون تلك العلاقة  متماثلة أو متقابلة "نحن مسؤولون جميعا من أجل الآخرين، لكني أكثر مسؤولية من الآخرين" وهو لا يعني هنا بأن كل " أنا" أكثر مسؤولية من كل الآخرين، لأن مطالبة "الآخر" بنفس ما أطالب به نفسي، معناه تعميم هذا القانون على الجميع، إن هذا اللاتماثل الجوهري هو أساس الإيتيقا، إذ لست أكثر مسؤولية من "الآخر" فقط، بل إنني مسؤول من أجل مسؤولية الجميع".(35)

عندما يخدم "الأنا" "الآخر" من أجل مقابل ما ينتظره منه، أو أن يضعه داخل إلزام من أجل الآخرين إنه في هذه الحالة نوع من الاستغلال، حيث انطلاقا من مسؤوليتي نحوه، أجعله هو أيضا مسؤولا اتجاهي واتجاه الغير، فعلى الذات أن تطالب ذاتها بالإلزام والاستجابة للمسؤوليات دون الانطلاق من مبدأ المساواة في الإلزاميات، فعلى الأنا مطالبة نفسه دون الأخذ بعين الاعتبار ردة فعل مماثلة.

يوظف ليفناس هنا قول ألان جانكيليفتش (A.Jankélévitch) ويمتدح قوله إذ قال:" ليس لنا الحق، إنه دائما الآخر من لديه الحقوق".(36)

فأنا حينما أقول بأن: "الفضيلة تكافئ ذاتها بذاتها" لا أقول ذلك إلا لنفسي، إذ في الوقت الذي أجعل من هذا القول معيارا بالنسبة لـ"لآخر"، فإنني سأكون مستغّلا له. لأن ما سأقوله سيكون هو: كن فاضلا من أجلي، اشتغل من أجلي، أحبني...لكن لا تنتظر مني أي شيء بالمقابل".(37) ولهذا يختلف ليفناس مع مارتن بوبر (Martin Buber) في موقفه من العلاقة الأخلاقية بين " الأنا والأنت" التي يراها كحضور مشترك ومماثل.

على الأنا أن يعمل من أجل الآخر"إن الفرد_ من أجل_ الآخر، هو بمثابة الفرد_ الحارس_ لأخيه وبمثابة الفرد_ المسؤول_ عن الآخر(...)، إنها علاقة بين الشخص الذي أكونه، وبين الآخر الذي عليّ الاستجابة له(...)، من حيث تشكل وحدة وثيقة بين "الأنا" و"الآخر"، إنها وحدة النوع الإنساني الممنونة للأخوة بين بني الإنسانية".(38)

 

د.بن عودة أمينة

..........................

الهوامش:

1)    Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p 109.

2)    Yasuhiko Murakami, Affection d’appel-Lévinas et la psychopathologie du regard chez les autistes (Cahiers D’Etudes Lévinassiennes), p283.

3)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p 04.

4)    Solenn Carof, A-t-on besoin d’autrui (Magazine Les grandes questions de la philosophie, Les grands dossiers des Sciences Humaines), p25

5)    .Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p112.

6)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, biblio essais,1987,p 53.

7)    رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 18.

8)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p51, 52.

9)    جون ليتشه، خمسون مفكرا أساسيا معاصرا، من البنيوية إلى ما بعد البنيوية، تر. فاتن البستاني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص 246.

10)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p12.

11)  بن عمر، سواريت، الحوار بين الذات والآخر في فلسفة ليفناس، ص 378.

12)  Alain Finkielkaut, Actualité d’un Inactuel, p38.

(*) فيودو ميخايلوفتش دوستويفسكي، كاتب وروائي روسي، ألّف روايات تترجم الحالة النفسية السياسية، والاجتماعية الروحية للمجتمع الروسي، وعادة ما ينسب إليه تأسيس المذهب الوجودي، صاحب الرواية المشهورة "الإخوة كارامازوف"(1880) والقائل على لسان أحد شخصيات الرواية " كلنا مذنبون بذنب الجميع، وأنا أكثر الناس ذنبا"، من رواياته أيضا: الجريمة والعقاب (1866)، المساكين(1846)، الشياطين(1872).

13)  Richard A. Cohen, Chooing and the chosen: Sartre and Lévinas) Cahiers

D’Etudes Lévinassiennes, Lévinas-Sarter), p 64.

14)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p 49,50

15)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p111.

16)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص 145.

17)  روجر بورغرايف، "الملك المعزول" طريق تحليل الأنا بالغير ( كتاب جماعي. ليفناس من الموجود إلى الغير)، تر. علي بوملحم ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، 1428ه، 2008م، ص70.

18)    رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 18.

19)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p 114.

20)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme ,p 10.

*)) في حب الآخر على الرغم من غيريته وخصائصه الفيزيولوجية، تقول الروائية الانجليزية "إيميلي برونتي": إن كنت أحبه، فليس ذلك لأنه جميل(...) بل لأنه أنا ذاتي أكثر مني"، أنظر: نور الدين، بلعز، الوجه والإنسانية في الفلسفة الليفيناسية، (مجلة أوراق فلسفية)، ص401.

21)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص149.

22)  بن عمر، سواريت،الحوار بين الذات والآخر في فلسفة ليفناس، ص، ص، 380، 381.

23)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p108.

24)  جاك رولان، إنسانية الإنسانية، تر. إدريس كثير، عز الدين الخطابي، ص35.

25)  Philippe Huneman, Estelle Kulich, Introduction à la phénoménologie, p, 134.

26)  جاك رولان، إنسانية الإنسانية، ص ، ص 37 ، 38 .

27)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 22 .

28)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p04.

29)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا ص 146.

30)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس،  ص 22.

31)  المرجع نفسه: ص 22.

32)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p02.

33)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص 146.

34)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p111.

(*) قول لأليوشا في رواية "الأخوة كرامزوف" لدوستوفسكي.

35)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 25.

(**)كاتب فرنسي من مجموعة الكتّاب والمفكرين الفرنسيين الذين يسمون انفسهم بـ" الفلاسفة الجدد" معروف عليه توصيفاته العنصرية ضد الأجانب من السود وعرب المغاربة داخل المجتمع الفرنسي، وتمجيده للاستعمار باعتباره حقبة تنويرية.

36)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance,113.

37)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 25.

38)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p 10, 11.