زهير الخويلدي"ليس الإنساني مجرد جزء بسيط من الطبيعة المطبوعة قديما بل هو تاريخ إبداعي لعين الذات وإعادة تشكيل للكون: بالأحرى الطبيعة القديمة تدخل في تاريخ البشر وفي حميمية حياتهم."1[1]

لقد اهتم بول ريكور بموضوع البيوإيتيقا إبان ظهورها في تاريخ الأفكار في مقالات متفرقة وخاصة في كتاب "عين الذات غيرا"2[2] وفي كتاب "العادل1"3[3] وفي قراءات2 حينما تناول مسألة العلاقة بين فلسفة البيولوجيا والإيتيقا عند هانس جوناس4[4]. ولكنه خصص لها حوارا كاملا مع جان بيير شانجو طبع فيما بعد في كتاب بعد تعديله تحت عنوان: " ما يجعلنا نفكر: الطبيعة والقاعدة"5[5]. ولقد دار الحديث أنذاك حول إمكانية تجاوز التعارض بين الخطاب العلمي والخطاب الأخلاقي وجرى البحث عن خطاب ثالث يصادر على وجود قواسم مشتركة وتبادل للخدمات ويتعامل مع مفهوم التمثل بوصفه الرابطة الحقيقية بين الذاتي والموضوعي وقد تمت الاتفاق على أن الأخلاق تظل صالحة لحماية المجتمع من المخاطر السلبية للعلوم والتطبيقات التقنية. كما وقع التطرق في هذا السياق إلى المشاكل الناتجة عن هيمنة الميديا وتردد حكمة المعاصرين أمام إحراجات الثورة البيولوجية واتجه الحوار نحو تشكيل لجان وطنية للإيتيقا الطبية والمهنية والبيئية تكون مهمتها النظر في الحالات المستعصية والتعويل على تظافر المنهجيات المتعددة.

من بين الإشكاليات التي أثيرت هي قدرة الفلسفة على التخلص من دغمائية البيولوجيا ونظرتها الوثوقية للمعارف الوضعية وتطبيقها الأعمى للنتائج العلمية وتوجهها النقدي نحو مواجهة التحديات التي فرضتها العلوم العرفانية cognitives وعلوم الأعصاب neurosciences. إذا سلمنا مع الشارح بيتير كامب بوجود أربعة مبادئ إيتيقية يجب أن يحترمها الإنسان للحصول على أسلوب حسن للحياة وهي السلامة intégrité والكرامةdignité والاستقلاليةautonomie والعطوبيةvulnérabilité فإنه يمكن التساؤل عن دور هذه المبادئ في ترشيد الحكم الطبي نحو العناية بالذات وتقديس حرمة الجسد الخاص وتوفير شروط حسن البقاء وأمل أطول في الحياة الجيدة والمنظومة الصحية المتكاملة والمتوازنة6[6].

من البديهي أن تهتم الإيتيقا بالحياة والوجود وتعتني بالذوات والمجموعات البشرية في اتجاه قهر التهرم وتحسين الطبع وتقوية المناعة والتقليل من التعرض للأمراض وتفادي الشر والعذاب والآلام وتفكر في منح الإنسانية وسائل إيتيقية مناسبة لحسن البقاء ضمن بيئة نظيفة وكوكب سليم من جميع الآفات والأوبئة.

على هذا النحو يميز بيتير كامب بين ثلاثة مستويات من الحكم الطبي في الإيتيقا الحياتية عند بول ريكور هي الحكم التحوطيprudentiel والحكم الأدابيdéontologique والحكم التفكيريreflexif 7 [7]. لكن ماهي ثمرات هذا الانفتاح من طرف الفلسفة على العضوي والحي والعصبي والعرفاني؟ هل كان الرهان من هذا الانفتاح المعقول هو تدبير المقصد الإيتيقي بالأساس ؟ أليس اللّقاء بين المعرفة والحكمة هو من المسائل الضرورية اليوم ؟ وما الفرق بين معرفة بواسطة الدماغ ومعرفة عن طريق الذات ؟ وأي غرض من توجيه التفكير الفلسفي نحو استمعان الوظيفة البيولوجية للجسم والدور العرفاني للدماغ ؟ وهل إدراك الذات من نوع إدراك العالم أم إدراك الأشخاص الآخرين ؟ وكيف يعقد الدماغ بين الفزيولوجي - الكيميائي والحالات الذهنية والتصوير العصبي؟ وألا تتبلور إيتيقا جديدة تقوم بإدراج المعياري في التاريخ الثقافي؟

مدار النظر هنا بالنسبة إلى هذا التفكير التعقلي في قيام الإيتيقا الكونية هو تجنب الارتكاز على أسس طبيعية وضعية قد تؤدي إلى العنف وتمكين الدماغ البشري من تفادي الالتباس والبساطة في وضع المعايير والأحكام وإنتاج خطاب ثالث حول المعرفة العصبية قادر على الفهم الأكثر حينما ينتج تفسيرا أعمق ويضع الإيتيقا بين الفلسفة الطبية وفلسفة الصحة وبين الايكولوجيا والسياسة الحيوية والبيئية.

يمكن وضع مخطط لهذا المبحث كما يلي:

- الإيتيقا الطبية وفلسفة البيولوجيا

- علوم الدماغ وفلسفة الروح

- الحكمة العملية والهيئات الإيتيقية

بأي معنى يمكن اعتبار الشغل الذي قام به بول ريكور مساهمة في قيام علم الصيدلة والفلسفة الطبية التي تجعل من الوقاية أهم من العلاج وتعتبر الحصول على الصحة العمومية حقا كونيا؟ وكيف يمكن التخلص من الداروينية الاجتماعية التي تسوق للبقاء للأقوى والصراع بين الأعراق والانتخاب الطبيعي في الحياة؟

1- الإيتيقا الطبية وفلسفة البيولوجيا:

" النجاحات الكبرى لفن العلاج يعود الفضل فيها إلى التطورات العلمية التي محركها الأول ليس تخفيف المعاناة بل معرفة أفضل بالعضوية البشرية"8[8]

لكي يقوم بدراسة العلاقة بين الطبيعة والقاعدة يعود بول ريكور إلى كتاب الفيلسوف هانس جوناس المعنون "مبدأ المسؤولية"9[9] وبدل تركيز جهوده على مفهوم العزوية ويقوم بتحميل الإنسان الفاعل والمتألم تبعة أفعاله الماضية يبحث في شروط الاستمرارية والبقاء على قيد الحياة في المستقبل بالنسبة للنوع البشري ويوكل مهمة تحديد مصير الحياة على الكوكب إلى الكائن العاقل ويعتبره المسؤول عما سيحدث للأجيال المقبلة ويتحرك ضمن هيريستيكا الخوف ويحذر من المخاطر المهددة للعالم بسبب تصحير الوجود وانعدام المعايير الضابطة للأفعال وتوجهها نحو الحياة الجيدة وسلامة الطبيعة10[10].

ان السبب الرئيسي الذي أدى بالبشرية إلى شعور بالخوف من المستقبل والوعي بالتهديد الذي قد يطال حياتها وقدرتها على المحافظة على كيانها وتعميرها للكوكب هي تزايد الأفعال الضارة بالطبيعة والنزاعات المدمرة والنمو السريع والهائل للتقنيات والعلوم والتفاوت بين الإمكانيات والأمنيات11[11].

لقد بان بالكاشف أن خطر الانقراض يحول الحياة إلى ضحية يخلفها الغباء المبرمج للآلات والوعي الأعمى للعلم ويتضاعف هذا التلف بتطبيق علوم الحياة بشكل مسقط على الإنسان والتلاعب بأعضاء الجسد بترا وزرعا واستبدالا وتخصيبا وتوليدا وبتصنيع الذكاء وتشريط السلوك بالانفعالات والغرائز.

 لعل أكبر خطأ تقع فيه البيولوجيا الكلاسيكية منذ قيامها في القرن 19هو اختزالها هوية الإنسان في طبيعته البيولوجية والتحكم في الجينات الوراثية وإجراء التجارب لتهذيب الطبع وقهر الشيخوخة ومعالجة الأمراض المستعصية وهو ما يحول الكائن البشري إلى رقم في سجلات البحث وجثة هامدة على طاولة التشريح ويوقعنا في الخلط بين السوي واللاّسوي والطبيعي الموروث والاصطناعي المضاف وفي تفسير تصرفاته وأفكاره وميولاته وذوقه عن طريق قانون المنعكس الشرطي وثنائية المثير والاستجابة12[12].

غير أن ريكور يميز بين الحياة بالمعنى اليومي عند الإنسان العادي والحياة من وجهة نظر علوم الأحياء والحياة من منظور الفلسفة الميتافيزيقية ويدعو إلى ضمان سلامة الحياة كما يعيشها شخصيا كل إنسان.

لقد أكد هانس جوانس في كتابه الثاني المهم "فنومينولوجيا الحياة" الذي ظهر عام 1966 على أن الحياة تقول نعم للحياة وتمنح الإنسان الدافع الذي يقوي لديه الرغبة في الحياة ويجعله يبحث بقوة عن معنى الوجود في العالم وحاول بعد ذلك إدماج نتائج فلسفة البيولوجيا داخل الفلسفة الإيتيقية مستثمرا بعض الأفكار الرمنطيقية المتغنية بالطبيعة وبعض التصورات البيئية ومنقذا الحرية الإنسانية من سجن الحتمية العضوية والتصورات الميكانيكية التي تفسر انبثاق الحياة عن طريق حدوث تفاعلات فزيولوجية كيميائية.

إذا كانت فلسفة البيولوجيا تكتفي بملاحظة الظواهر الحية الجزئية في ظروفها الأصلية ومحيطها الطبيعي وتحاول تفسيرها عن طريق افتراض قوانين كلية وتقوم بمجموعة تجارب قصد التثبت من صدق استنتاجاتها فإن الإيتيقا تبحث عن تخليص هوية الإنسان من البنية الثابتة وتتيح الفرصة للروح لكي تفكر في الجسد وتحرز الاستقلال النسبي عن الميول والأهواء وتعترف للذاكرة بالأولوية على المادة وتشهد للكائن بالقدرة على التنظيم الذاتي ومقاومة نزعات اللاانسانية التي تلقي بالذوات في يم اللاّوجود13[13].

هكذا تضع الإيتيقا طبيعة الإنسان في مواجهة مصيره وتحمله مسؤولية اختياراته وتمنح فرصة المداولة والروية واتخاذ القرار والانجاز وتربطه بالرغبة في الوجود وتحيل القيم المستحسنة إلى ذاته عينها.

من هذا المنطلق ترتكز عملية إثبات الذات عينها على الصعيد الأنطولوجي عبر تغليب إرادة الحياة والرغبة في التعمير والبناء على إرادة العدم والرغبة في التحطيم وعلى الصعيد الإيتيقي بالسماح للحياة بالعبور نحو تحقيق غاياته والمحافظة على قدرات الكائن على الفعل وتقديم حكم القيمة على حكم الواقع.

كما أن إحساس الإنسان بثقل المسؤولية ناتج عن التصميم على مواجهته للتلف الذي يتعرض له الوجود والعطوبية التي تهدد الارادة والعرضية التي تستخف باستمرار التوالد وحسن البقاء في الكوكب14[14].

هكذا تقارن الايتيقا بين مسؤولية الإنسان على استمرار الحياة البشرية في الأرض ومسؤولية الرعاية الأسرية ومسؤولية الدولة السياسية وتوصي بتظافر الجهود من أجل العزو وبناء فن التحكم في الآتي[15].

ربما مسؤولية الانسان تجاه الإنسان تقتضي أن يلبي نداء الواجب وأن يتصرف بعيون الحكمة وعقل البصيرة وأن يتدبر معاشه دون الإضرار بغيره ودون تخليف الضحايا والإساءة إلى الطبيعة ودون أن يقوم بحرمان الأجيال القادمة من حقوقهم في التمتع بحياة جيدة في بيئة سليمة وكوكب مأهول بالبشر.

كما يجدر أن يعتني المرء بالعنصر غير البيولوجي الذي تتكون منه طبيعته أي الجانب الرمزي وأن يتم تصويب فكرة الحياة في اتجاه تحقيق إنسانية الإنسان بدل الاكتفاء بإبراز الجوانب اللاّإنسانية فيه16[16].

اللافت للنظر أن الكائن البشري يجد نفسه ممزقا أمام خيارين وهما المحافظة على الحياة في الكوكب من جهة وإنقاذ الحرية الإنسانية من الاغتراب ومداهمة العبودية واستبداد الحتميات. لكنه يكتشف أن الثمن الذي يدفعه للمحافظة على الحياة باهض ومكلف ويؤدي إلى بروز مظاهر العدم ومخاطر تصحر الوجود وإمكانية خسارة الأهداف الإنسانية وتعطيل مشروع إعداد الإنسان للإقامة في الكوكب وتأهيله من الناحية الإيتيقية لكي يتمكن من حراسة الكينونة والاعتناء بالكوكب وحماية الخير الخاص بالناس مستقبلا17[17].

والحق أن بول ريكور يتفادى الوقوع في خطأ الاختزال الأنثربولوجي للإيتيقا ويميز بين المسؤولية تجاه الطبيعة والمسؤولية تجاه البشرية ويقترح أن يعمل الإنسان على ظهور ذوات مقتدرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية تتكفل بالتصدي للهشاشة وتوفر شروط تحقيق الإنسانية في المأهول في الأرض.

غني عن البيان أن الكرامة هي القيمة المركزية في المنظومة الإيتيقية التي انبثقت عن الفلسفة البيولوجية وأنها تعني معاملة الكائن كغاية ولا كوسيلة وذلك باحترام الغير وتقديره على نفس درجة احترام الذات وتقديرها والإبقاء على وضعيات حياة جيدة يستفيد منها الغير في المستقبل. يبدو التعويل على مبدأ الكرامة ناجعا لمقاومة كل اختزال لتعددية المواهب وتنوع الملكات وثراء التجارب التي تختزنها الطبيعة البشرية وللاعتراض على الاغتراب الناتج عن الاستغلال السياسي والاستثمار الاقتصادي للذات من طرف المجتمع الانضباطي والتأديبي وآليات الإنتاج الرأسمالي. إذا كان الإنسان الصانع هو محطم ماهر لغائية الطبيعة فإن الاستنجاد بالإيتيقا يعتبر أمرا مقضيا لإحياء التحالف القديم بينهما ووضع ضوابط للتقدم التقني وتنمية قابلية الاكتمال وواجب الوجود واحترام الإنسان سواء الموجود بالقرب من الذات أو الذي يتفق في حياته مع مبادئ الإنسانية18[18]. ولا يتعلق الأمر بتأسيس قيمة الخير في الكينونة فهذا يؤدي إلى افتراض وجود هوة بدئية بين الكينونة والخير وبين القيمة والواقع وبين المعيار والطبيعة بل يقتضي استهداف الوجود بدل اللاّوجود وتحقيق إنسانية الإنسان ونقل الرغبة إلى الفعل وترك الحياة تقول نعم للحياة19[19].

إجمالا، لقد وقع عمل هانز جوناس في حلقة هرمينوطيقية ضيقة تعتبر في البداية واجب الوجود هو الخير الأسمى وتعتبر بعد ذلك قيم المسؤولية والكرامة والحياة والإنسانية قيم جوهرية خاصة بالحياة البشرية.

علاوة على ذلك يعالج بول ريكور سنة 1997 الأفكار المستوحاة من الفلسفة البيولوجية عند الفرنسي الاخر جورج كنغيلام في كتابيه "السوي واللاّسوي" الذي ظهر عام 1943 و"معرفة الحياة" عام 1965. لقد ذهب ريكور إلى أبعد من مجرد وضع قواعد تفرض احترام كل كائن بشري دون تمييز وتطلع الى ما وراء فضيلة الصداقة وطالب بإيجاد مفهوم مميز للاحترام يوائم المريض والمصاب بإعاقة ذهنية وجسدية وذوي الاحتياجات الخاصة والكف عن التعريف السلبي لللاّسوي بوصفه مجرد مرض أي نقص بالمقارنة مع الكائن السوي افتراضيا والاعتراف باللاّسوي ككائن حي جدير بالاحترام بنيويا وإضفاء قيم ايجابية عليه. لكن ماهو الفرق المعياري بين السوي واللاّسوي؟ وكيف يعرف الحيّ؟ وما علاقة الحيّ بوسطه؟

لقد سيطرت نظرية المثير والاستجابة التي أتى بها العالم الروسي في الفيزيولوجيا بافلوف و طبقها عالم النفس السلوكي الأمريكي واطسن على المباحث الطبية التي تعالج السلوك البشري وتعاملت هذه النظرية مع الكائن الحي كمستجيب للمثيرات الخارجية تتغير ميوله العاطفية بحدوث حركية في الوسط الخارجي. غير أن ريكور يطعن في هذه النظرية منهجيا وتجريبيا ويشكك في تأثيرات الوسط ودور المثير وتفاعل العضوية ويصرح بأن " الحي ، من حيث أنه مختلف عن آلية فيزيائية، إنما يقيم مع وسطه علاقة جدلية من الحوار والتفاهم"20[20]، ويدعو إلى ضرورة ترك العضوية تعرف ذاتها وسطها وتتجه إليه بشكل حر.

الجدير بالإشارة أن جورج كنغيلام عوّض كلمة الوسط بلفظي المحيط والعالم وأكد على العلاقة المزدوجة والمتلائمة والقيمة الحيوية والمعاني المتعددة للحياة على المستوى البيولوجي والاجتماعي والوجودي.لكن كيف تعرف البيولوجيا اللاّسوي؟ وما الذي يعطي الكائن اللاّسوي الحياة والوجود بالرغم من أنه لاسوي؟

 تعمل الإيتيقا الطبية حسب بول ريكور القيام على التمييز بين الفيزيائي والبيولوجي وبين البعد القانوني والبعد المعياري وتؤكد على أن الفرد يتشكل في الحياة في تنوع كبير وعلاقته بالنوع تتضمن اللاّانتظام والشذوذ والقلق والارتباك ولكنها يمكن أن تكون علاقة عادية وتعرف النجاح والرفاه والسعادة والصحة.

غير أن مفهوم معيار الحياة ملتبس وإشكالي ويتراوح بين أن يكون المعدل أو المثل الأعلى، ولذلك يبقى تقويم الحياة عملا نسبيا وتظهر الحياة كمغامرة يعيشها الإنسان وتشهد الإخفاق والمحاولة وتمثل الصحة القدرة على مواجهة أشكال الاختلال البيولوجية والتشوهات الخلقية والاهتزازات النفسية والانحرافات الاجتماعية ومعالجة الأمراض والمخاطر والأوبئة والتهديدات الوجودية. كما أن الحياة الإنسانية ليست النمو والمحافظة على البقاء بل مواجهة المتغيرات والرد على الحاجيات في وضعيات مختلفة21[21].

هكذا يضع ريكور المرض كعقبة أمام الحياة وينفي وجود مرض في العالم الفيزيائي ويرفض وجود كائن انساني على قيد الحياة ولا يحتاج إلى الطب ويرى أن الانتقال من المرض إلى التعافي عن طريق العلاج بالأدوية والبحث عن الشفاء هو البحث عن شروط للمواءمة مع الظروف الجديدة في العالم الجديد الذي تعيش فيه الذات وعدم إجبار العضوية على الحياة في وسط غير ملائم وعالم ضيق وقاصر وناقص22[22].

والحق أن النظرة إلى اللاّسوي تتغير بتغير المعيار الذي يتبعه الإنسان في تحديد الفرق بين المريض الذي يعاني وبين السوي المعافى ويفكر في ترتيب العلاقة بين الحي ووسطه بوصفها علاقة تلاؤم وتكافؤ وتبادل الاحترام. فالقراءة السلبية ترى في اللاّسوي نقصا وقصورا في حين أن القراءة الايجابية ترى فيه كيفية أخرى للوجود في العالم له قوانينه الخاصة وتحكمه بنية مغايرة ويستحق المزيد من الاحترام23[23].

لعل التحقير الحيوي للمرض الذي اعتادت عليه البشرية ناتج عن الشعور الدائم بالتهرّم وتعرض المرء للخطر والتخوف من مداهمة الموت والإخفاق في التصدي للتوتر في علاقة مع الوسط والإسراع إلى العلاج والشفاء. بناء على ذلك إن السوي على المستوى الاجتماعي هو الفرد المستقل القادر على إدارة ذاتية لنمط حياته والاستجابة للمقاييس الاجتماعية للعيش المشترك مع ممارسته لوظائف اعتياديا24[24].

في الواقع أضحت مجالات الصحة والمرض والعلاج والشفاء والعذاب والسلامة من الأمور المعيرة اجتماعيا ومقننة من طرف الآخرين وتم الانتقال من المعيار الداخلي للحي إلى المعيار الخارجي للاجتماعي. لقد أدت الفوارق البيولوجية إلى تجاهل وإخفاء المعوقين واستبعادهم اجتماعيا وتحقير حيوي للنقص وقد تسببت هذه الدونية في توترات نفسية وتعكر الحالات المرضية وانتشار إعاقات ذهنية25[25].

كلما تقدمت الانسانية نحو كسب الخير والتأمين على الحياة والصحة والسعادة كلما صارت الظواهر اللاّسوية سوية وعادية وأصبحت الأمراض النفسية غير بعيدة عن بقية الأمراض العضوية وصارت الإقامة في العيادات بمثابة إقامة استشفائية مثل الإقامة في النزل قصد الترفيه والعناية بالذات26[26].

في هذا الإطار يقوم المريض بتعويض صفات القصور والإقصاء والعزلة بإرادة الحياة وروح المبادرة والموافقة المستنيرة على تلقي العلاج وإبرام ميثاق مع الطرف الطبي واقتسام السر والحرص على تحقيق الانتصار البطيء للدواء على المرض والتشبث بأمل الشفاء وتقوية الروابط العاطفية والوجدانية مع العالم.

يرفض ريكور ثقافة الاقصاء التي ترسم خطوط عزل بين الأصحاء والمعوقين ويدرج ذلك ضمن باب إثقال مسؤولية الفرد بأعباء جديدة ويعتبر ذلك بمثابة تسليط عنف جسدي وعقلي على الذات ويؤد ميشيل فوكو في إشارته على أن الحداثة لم تحرز انتصار العقل الطبي المستقل إلا على حساب إقصاء المريض اللاّمعقول واللامقبول ومعاملته بوصفه فاقد الصفة الإنسانية ويجب وضعه في السجن أو العيادة27[27].

هكذا يقر ريكور كما هو الشأن مع ميشيل فوكو في فكرته عن ميكروفيزياء السلطة التي ذكرها في كتابه مولد العيادة بوجود توازي خفي بين تاريخ السجن وتاريخ المستشفى وذلك لاشتراكهما في وظيفة العقاب والمراقبة وتحولهما الى مكان للعزل والازدراء والاستبعاد وينبه من إمكانية إصابة الإنسان بالمرض بسبب التخوف من الجزاء الاجتماعي والتهديد بالإقصاء والخشية من الجحيم الدنيوي وشيطنة الذات28[28].

لكن يمكن أن يتم تقويم الحياة على الصعيد الوجودي والاستدراك وذلك بأن يرجع الفرد لذاته ويقوم بتقويم نفسه عبر معايير شخصية وأن يحول حياته الى مشروع وينحت هوية شخصية يقذف بها في العالم29[29].

من هذا المنطلق لا يمكن تحديد نموذج صارم للحياة الجيدة عن طريق إحصاء معياري وإنما بواسطة المقاييس الذاتية للإنجاز واقتدار المرء على التعرف على ذاته وصناعة هويته الشخصية وبناء تاريخ حياة مفهوم ومقبول ومتناسق سرديا. وبالتالي يرتبط الاعتراف بالذات بتقدير غير الذات من خلال عمل التذكر والتأبين ويكون اللاّسوي هو الشخص الذي يخسر ذاته نتيجة الاكتئاب والاستسلام للحزن وفتور الهمة.

اذا كان الشخص السوي هو الذي يستهدف الحياة الجيدة وينجح في حيازة اقتدارات على الكلام والفعل والإلزام ويتسلح بشجاعة الكيان والرغبة في الوجود ويستمد تقدير لنفسه من توحيده لعمل الذاكرة والتأبين وربطه بين استحضار الماضي في التعرف على ذاته وتعيين مشروع يستشرفه في المستقبل ويعد به فإن اللاّسوي هو المستسلم للكلل والحزن واليأس وانعدام الرجاء والذي يمزقه الاضطراب النفسي والمريض إلى حد الموت بالعصاب والذهان والخوف من المستقبل والذي يرزح تحت وطأة التقاليد وأعباء الماضي.

والحق أن شجاعة حفظ الكيان هو الطريق الذاتي للعلاج من الأمراض وتخطي الفجائع والارتباكات في مواجهة الأوبئة وأن تقدير الذات يشترط موافقة متأنية وقبول محترم من الآخرين عن طريق الاعتراف والكرامة والأمل في علاقات محبة وتوادد واستبدال تبادل الإقصاء والازدراء بتبادل التقدير والطيبة30[30].

في هذا المقام تتمثل مهمة الطبيب على خلاف الدجال والمشعوذ في تكملة نقص التقدير ونقص الشجاعة التي يعاني منهما الشخص المريض بمنحه تقدير تكملة وتعويض حتى يرمم علاقاته مع الآخرين ويستعيد كرامته الانسانية وقيمته الاجتماعية وينتقل من وضع لاسوي للاهانة إلى منزلة سوية للاعتراف المتبادل.

لعل الرسالة الإيتيقية التي يبلغها الطبيب الى الفرد الذي يعد في صحة جيدة هي أن" المرض هو شيء آخر غير كونه عيبا ونقصا وبإيجاز كمية سلبية. انه كيفية أخرى للكيان في العالم"31[31]، وأن يعمل على بناء علاقات ود وتعاطف وتشارك في الحياة والمعاناة مع الكائن المريض وذلك لمساعدته على تحمل ألام مرضه والتغلب على لاعصمته وعطوبيته وهشاشته وتناهيه ويعبد له طريق العلاج والشفاء والتعافي.

لكن ألا يتطلب استكمال مشروع الإيتيقا الطبية امتحان العلاقة القائمة بين الذهني والنفسي والعضوي؟

2- علوم الدماغ وفلسفة الروح:

" ان دماغي لا يفكر، لكن حينما أفكر يمر شيئ معين دائما في دماغي .حتى لما أفكر في الله"32[32]

يطرح اللقاء بين الفلسفة والعلوم العصبية والعرفانية تحديد الوظائف البيولوجية للوعي ويلقي نظرة على النشاط الروحي للدماغ وملاحظة الظواهر الفيزيولوجية وإدراك تأثيرها على المعرفة البشرية. لقد سبق لغاستون باشلار وكارل بوبر وجاك مونو وأدغار موران ودومنيك ليكور أن تفطنوا إلى أهمية دراسة الظواهر البيولوجية العصبية ولكن الجديد عند ريكور هو البحث في منزلة الدماغ من الذات وذلك تحت تأثير الدراسات الأنجلوساكسونية في علوم الدماغ وفلسفة الروح Mind وما تطرح من إحراجات إيتيقية.

من المعلوم أن المعرفة العلمية بهذه الظواهر قد حققت نموا كبيرا وأفرزت ثورة معرفية حاسمة وتراكمت تجارب متنوعة ولكن الحكمة الأخلاقية المرافقة لنمو هذه المعرفة ظلت راكدة وعلى حالها ولم تقدر على المواكبة والرد على التحديات الجديدة التي برزت بعد ظهور الذكاء الاصطناعي والاستنساخ والتخصيب.

لقد انتبه عالم الأعصاب والأعضاء جان بيير شانجو إلى أن تطور المعارف العلمية حول الدماغ قد ساعد على انبثاق مجال جديد يسمى بالعلوم العرفانية sciences cognitives والتي أعادت امتحان العلاقة بين الجسم والروح واستبدلتها بالعلاقة بين الدماغ والفكر ونظرت في مسألة إعادة رسم الحدود التي تميز بين الوضعي والمعياري وبين الطبيعة والقاعدة وبين المعرفة العلمية والقاعدة الأخلاقية وبين معرفة الدماغ ومعرفة الذات عينها توصلت إلى التغلب على العديد من المشاكل العرفانية المعقدة التي عانى منها البشر.

غير أن التقدم العلمي يتملك وجها مضيئا ويحقق العديد من المنافع للإنسان ولكنه يحوز على وجه مظلم ويوقع العديد من الخسائر ويجلب معه العديد من المضار ولذلك تتدخل الإيتيقا الطبية لمراقبة نتائج العلوم العصبية والفزيولوجية وتقوم بتوجيه رسالتها نحو غايات إنسانية نبيلة وحماية المجتمع من مخاطر التقنية.

والحق أن ريكور لا يبحث عن تأسيس علم الأخلاق تشبه الأخلاق الوضعية التي شيد الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت لبنتها الأولى عندما وقع مفهوم الإيثارaltruisme وتحولت فيما بعد إلى إيديولوجيا للإقصاء ومثلت المهاد النظري لتشكل الداروينية الاجتماعية وشعاراتها سيئة الذكر عن الانتخاب الطبيعي والصراع من أجل الحياة والبقاء للأصلح بل عن بناء إيتيقا طبية تنقد مسارات التقدم وتوجه العلوم.

في الأثناء يبحث ريكور عن المنزلة الابستيمولوجية التي تستند إليها العلوم العصبية والعلوم العرفانية ويدرس مسألة العلاقات بين القانون الطبيعي والقاعدة الأخلاقية وينقد إسناد علم النفس السلوكي وظيفة التفكير الى عضو الدماغ واعتباره الطفولة هي المحدد لإدراك الأشياء ويحاول تخطي ثنائية الإحالة والجوهرية بين الذهني والجسدي وبين أنشطة الجسد الموضوعي وأفعال الحسد الخاص وذلك بإنتاج خطاب ثالث يصف كيفية تدخل الدماغ في الوعي وعلى زيادة الإدراك ودرجة العاطفة لدى الإنسان33[33].

تبعا لذلك فإن تقنيات الاستثمار العصبي تعطي دافعا موضوعيا للخروج من الانطواء ومعايشة الغير وإنتاج خطاب عن الجسد الخاص يعج بالوصايا الإيتيقية ويتوزع إلى المعياري والحقوقي والسياسي.

إذا كان رجل العلم الوضعي جان بيير شانجو يعتمد على تمثيل الجسد لبناء صلة بين البيولوجي والمعياري وبين اللغة التي يستعملها المرء والمواضيع التي يهتم بها وبين الجسم الموضوعي والخطاب الذاتي فإن الفيلسوف التأويلي ريكور يتساءل عن مدى مطابقة المعرفة الدماغية مع الوعي بالذات ويتظنن حول مسألة التمثيل ويكشف عن وقوعها في نوع من الخلط ويقر بتوجه المعرفة الإنسانية نحو ما يتمنى المرء القيام به وما يطمح إلى فعله ويدمج مسلمات أخلاقية في الوعي بالذات ويستنجد بمفهوم الاستطاعة والقدرة على الفعل ويدرج المعياري ضمن مسار التطور البيولوجي والتاريخ الثقافي للإنسانية.

هكذا طرحت العلوم العرفانية على الفلسفة المعاصرة في مداراته الثلاث أشد الأسئلة هولا وإحراجا وقد تعلقت بماهية الكائن ومستقبل الطبيعة البشرية و شكل علاقة الجسم بالروح ، كما عصفت الرياح بالمفاهيم القديمة والتصورات الحديثة التي ظلت متشبثة بالثبوتية والمادية والجوهرانية ومستبعدة للغائية والتناغم.

كما تم استبعاد فرضية وجود جانب روحاني بالمعنى الذي تراه الميتافيزيقا في النشاط النفسي لاعتبارات إيديولوجية مادية ولتفادي الوقوع في مسلمات تيولوجية قبلية ولكن الميتافيزيقا عادت من جديد في الحقبة المعاصرة لما علقت مصير البشر ورتبطهم بماهية التقنية ورهنت مستقبل الإنسان عند السيبرنيطيقا34.[34]

في هذا السياق يتنزل اهتمام الفلسفة بالعلوم العرفانية بوصفها مقاربة تقنية للجسد الإنساني وما يترتب عن ذلك من عولمة للمرض والتشخيص والدواء والعلاج والوقاية وتوظيف الأعضاء البشرية في منظومة الإنتاج الرأسمالية. كما تتنزل العلوم العرفانية في ما كان هيدجر قد أسماه ميتافيزيقا الكمبيوتر وتتمحور حول الحساب والعد والقياس وهندسة العضوية والإنتاج والإنتاجية والتبادل والاستهلاك وذلك باستعمال أدوات وآلات ذات آداء فعال ونجاعة عالية وقادرة على تعويض الأعضاء البشرية والأنشطة الذهنية.

بناء ذلك ميزت العلوم العرفانية بين التقنية التطبيقية وعلوم التكنولوجيا ونزلت ذلك في ما اشتهر بالتمييز الأنطولوجي بين الكائن والكائنات واعتبرت تطبيقات التقنية تظل خارجية عن الإنسان ووفرت له الوسائل والآليات المساعدة للتحكم في الظواهر والسيطرة على الطبيعة بينما التكنولوجيا عملت على تثوير طبيعته البيولوجية ودخلت في مكوناته العضوية والروحية وأثرت في طرق تفكيره ومسارات التنفيذ لديه35[35].

من المعلوم أن الفلسفة الديكارتية درست العلاقة بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي ووقعت في تبعية البرهنة النظرية للملاحظة الخبرية والمراوحة بين الفكر والمكان وادعت قدرة التمييز بين الجسم والروح.

 في هذا السياق يعود ريكور إلى هذه الدراسة وينتبه إلى أهمية الاستنجاد بفرضية الاله الضامن - الحافظ من طرف ديكارت قصد توحيد نظرته لماهية الإنسان وترتيب تصوره للعالم والبرهنة على حتمية اتصال النفس بالجسم وتميزها عنه ، ويشرع إمكانية تبادل المعلومات والحجج بين الفلاسفة والعلماء عبر إنتاج خطاب ثالث مشترك بينهما يثبت نموذجية الكوجيتو من ناحية ويعترف بقدرات الجسد من ناحية أخرى.

والحق أن شانجو يعتبر مسألة معرفة الذات أحد المسلمات الضمنية التي يرتكز عليها عمل علم النفس الاستبطاني ويشتغل على اظهار نقائصه ورسم الحدود التي يتوقف عندها وينتصر إلى تصور علم النفس السلوكي الذي يدعو المقاربة العلمية إلى دراسة الأشياء التي تحدث داخل الدماغ والعمل على تحديد طرق اشتغاله ووظائفه وقدراته وإمكانياته وأبعاده. كما أنه يعتبر الدماغ نسقا إسقاطيا يتميز عن الروح بالقدرة على التوقع وتحقيق السبق وإعطاء المعنى لأشياء مازلت غير موجودة ولكنها متوقعة ومفترضة ولذلك يسقط جملة من الملاحظات التخمينية على العالم الخارجي ويرسم شبكة واسعة من الدلالات الدائمة ويسمح باختبار الافتراضات والتثبت منها بالعودة الى التجارب الميدانية ويسعى الى التعرف على هوية العلاقات التي تربط بين تنظيم الدماغ وبنيته من جهة وبين الوظائف والنشاطات التي يقوم بها من جهة أخرى ويعمل على انتاج مجموعة من التمثلات الرمزية للأنشطة العضوية ويحاول ادراكها وتصورها.

في المقابل، يعترف ريكور من خلال تسلحه بالنظرة الفلسفية بوجود خطابين عن الدماغ بوصفه نسق من الإسقاطات على العالم الخارجي: الخطاب الأول هو الخطاب الفنومينولوجي الذي يعتبر الدماغ فعلا يمنح المعنى لاستباق. أما الثاني فهو الخطاب العلمي العصبي neuronal الذي يعتبر الإسقاط نشاطا ذهنيا.

من المعلوم أن ولادة علم النفس العصبي تمت على يد الطبيب الفرنسي المختص في علم التشريح بول بروكا Broca سنة 1861 لما بيّن الصلة بين التجويف الأيسر للدماغ وفقدان الكلام وتثبت من وجود صلة مباشرة بين البنية التي تتشكل من مساحة عصبية معينة والوظيفة التي تتمثل في تعطل وظيفة إدراكية.

لعل الرد الذي قدمه بول ريكور الفيلسوف على هذا التفسير العلمي العصبي هو الاعتماد على مقاربة منهجية متعددة وبينية حينما حرص على إظهار علاقة متينة بين بنية الدماغ والآلية النفسية psychisme والمراهنة على تشكل الوعي داخل الدماغ مع الاعتراف بغياب كل إدراك واعي أو وعي إدراكي للدماغ البشري. هكذا يتكون عضو الدماغ من مناطق عصبية خاصة بالتذكر والإحساس والانتباه والإدراك والتفكر ومناطق تمثل القوة المصورة والمتخيلة والمتوقعة وتوزع بتفاوت الأنشطة الكهربائية والكيميائية وتتحكم في حالات الذهن وقوة التركيز وتمنح الجهاز النفسي للذات الصلابة والتماسك والاستقرار.

كما يتحول التفسير العلمي الذي تم اقتراحه إلى مجرد ملاحظة للصور المرسلة بواسطة الدماغ ويجعل من كل موضوع فيزيائي عملية نفسية معقدة ويخصص مجموعة من الأنشطة الخاصة بالخلايا العصبية لإعطاء معنى لهذه التجربة. وبالتالي يتم الاتصال بالموضوعات الخارجية بواسطة نشاط العصبيات36[36] ويقوم الدماغ بإعادة بناء هذا الاتصال في شكل معلومات ومدركات وتمثل الذات مسرح التقاطع بين النفسي والعصبي. كما أن إدراك العالم الخارجي يتأثر بعدة عوامل كيميائية ويزيد وينقص في الشروط الذاتية للمعرفة تبعا لقوة أو ضعف الأنسجة العصبية وتدفق الشحنات الكهربائية في الخلايا الدماغية37[37].

بناء على ذلك يحرص الدماغ أو المخ على انتاج كلام رمزي مشترك يؤمّن عملية التضايف بين الأشياء المادية للعالم الداخلي والحالات الذهنية والمدركات العقلية للعالم الباطني وينظم الكثرة في وحدة متنوعة.

على المستوى المنهجي يقترح جون بيير شانجو نموذجا للموضوع الذهني يجمع بين البسيط والمعقد ويكفل قيام علاقة موضوعية بين النفسي والعصبي ويسند إلى الملاحظ مهمة إحداث علاقة تراسل بين الشبكات العصبية والنشاطات داخل الشبكات والحالات الذهنية الداخلية والتصرفات والتوجيهات.

علاوة على أن الدماغ البشري يتميز بخصائص عرفانية أخرى مثل التعقيد والترتيب والعفوية ويضيف شانجو خاصيات تقنية أخرى تتمثل في البناء المعماري العصبي الذي يستند إلى التوازي والاندماج والتكامل تمنح الدماغ قدرات عجيبة على إنتاج المدركات الذهنية وبلورة التراسل بين البنية والوظيفة.

بيد أن ريكور يعترض على هذه التفسير العلموي الاختزالي ويطالب بنمذجة التجربة المعيشة ويشير إلى قدرة الدماغ البشري على تمييز الألوان والأصوات والألحان والقراءة والكتابة بواسطة التنظيم العصبي. كما يضيف قدرة أخرى وهي قابلية المعرفة والفاعلية التلقائية والاستعداد البدئي وامتلاك وسائل الفعل. في الواقع ، ليس الدماغ البشري فاعلا بالمعنى التام بل هو مشروط بالمعنى وإسقاطي ومليء بالفعاليات الداخلية للتوقع ومفتوح على العالم وعلى اتصال بتجار بالغير ومشرع على أفق التجربة الكلية38[38].

غني عن البيان أن الموضوع الذهني هو حالة فيزيائية للدماغ تتشكل بتحريك مجموعة عصبيات منتخبة تنتمي إلى أحد مستويات البناء التراتبي الهرمي وتظهر في صورة تمثيل رمزي للمعطى الطبيعي المادي. إجمالا ، يدافع شانجو بحماسة عن قيام نظرية عصبية في المعرفة النفسية ترتكز على استعداد ذاتي للدماغ لكي ينفذ إلى العالم الخارجي عبر التمثل والانتباه ويقاوم العراقيل التي تمنعه من اختراق مادية الأشياء ويمرر المعرفة على محك الانتخاب وجاهزية المحيط للاستكشاف وقدرة الإنسان على استثمار العالم.

كما يقر بأن المرء يحوز على تمثيلات مسبقة وفعاليات عفوية منذ مرحلة الطفولة وأن الفعالية العرفانية الخاصة به تظهر عندما يتمكن من إنتاج المقولات والتمييز بين الانساني واللاّإنساني. غير أن ريكور يحذر من الاستعمال المبتذل لهذه الكلمات والمفاهيم ويعتبر النموذج الذي يتبعه تخميني وهجين ويقترح تركيز علاقات مع المعيش vécu عبر وساطة مفاهيم القصدية والدلالة والتجميع والوضع المشترك ومن خلال تناسق بين فهم التجربة المعيشة ويدعو إلى تفسير المعارف الموضوعية من خلال المعنى39[39]. وآيته على ذلك أنه كلما كان التفسير المعرفي أكثر كلما أصبح الفهم أعمق واقتربت المعرفة من الواقع وامتلك الدماغ القدرة على إبلاغ المقاصد ومواءمة السياقات والتأقلم مع أطر الفكر واستخدام لغة الإشارات والرموز والحركات والطقوس وإبداع آثار فنية وإصدار أحكام ذاتية والتفكير في الوعي.

اللافت للنظر أن شانجو يميز بين الوعي بالذات والوعي بالآخرين ويحصر الوعي بالذات في المكان الواعي الذي يوجد وسط الدماغ وداخل المنطقة العصبية التي تجري فيها عمليات الإثارة للجهاز العصبي مثل اليقظة والتذكر والتخيل والتركيز والانتباه والإدراك والمعرفة والتصور والشعور والانطباع والوعي. على هذا النحو يحدث داخل المكان الواعي من الدماغ تفاعل دائم مع العالم الخارجي والتزام بدئي من قبل الذات تجاه العالم الخارجي والتقيد باتباع مجموعة من القواعد والسعي نحو بلورة توافقات اجتماعية.

من جهة مباينة ، يعتبر ريكور الوعي المكان المناسب للقيام بالحيطة والتعقل والتروي والمداولة والاختيار التفضيلي بالنسبة إلى تجارب فكرية وأحكام أخلاقية وأفعال بشرية بغية اختيار أنجع الوسائل لتحقيق أفضل الغايات. كما أن الوعي بالذات عند ريكور لا يتطلب تحديد المكان في النسيج العضوي بل يتوقف أيضا على الأخذ بعين الاعتبار تأثير البعد الزمني في التجربة المعيشة وشغل الذاكرة ودور النسيان.

بعد ذلك يأتي دور الذاكرة وما تمثله من حضور كبير في الوعي بالذات والوعي بالأخر وما تقتضيه من معرفة بالأحداث ودراية بالأشخاص وتطور بطيء واستدلال صريح وتراكم في الفعل وتماسك في التجربة ووحدة في هوية الذات ووفاء للماضي وإثراء للراهن وانتظار يقظ للمستقبل.

من هذا المنطلق تنطق الذاكرة بلغة الآثار وتحمل الشبكات العصبية الكثير من التسجيلات الثقافية والانطباعات الرمزية عن مواقف عاطفية ووضعيات ماضية وتقوم العلوم العصبية والعلوم العرفانية بإعادة إنتاجها وفك شفراتها وترجمتها وعكسها. غير أن مشكلة أخرى تظل عالقة أمام النظرية العصبية في المعرفة وتتمثل في دور فهم الغير في عملية فهم الذات وتطرح في إطار التفريق بين المادة والذاكرة وبين التصور المادي للطبيعة يرفض القناعات والنفس والتصور الروحاني للكون يقلل من بقاء المادة وقيمتها الأنطولوجية. وربما تكمن الصعوبة في انعدام القدرة على ملاحظة الحالات الذهنية للغير وعذاباته وآلامه ومقاصده وطموحاته وحقول فعله وتقلص فرص تمثيلها واستحالة الانتقال من ذات إلى أخرى.

اذا كان شانجو قد تبنى مادية معقلنة ومعرفة جدية ونظرية مسؤولة فإن ريكور قد أعاد تعريف مفهوم الروح بحيث صار يعني حالة ذهنية ووضع نفسي يكون عليه الوعي في درجة من التعالي بحيث يستطيع بلوغ الحق والخير والجمال والعدالة دون روية ويحرز على ترجمة تكامل تؤهله للتوقع والاستباق.

في المجمل إن هذه القدرات الأخلاقية والسلوكية التي ترتبت عن الوعي بالذات وبالعالم المحيط به تثير عدة استفهامات حول مكانها وموقعها ومصدرها وأصلها في الدماغ البشري وتدفع الفلسفة إلى البحث عن تأثير العلوم العصبية والعرفانية في تشكل علم المعيارية ودراسة وظيفة الدماغ والجهاز العصبي في التروي العملي والتعقل الإيتيقي. فهل ثمة صلة مباشرة بين ميلاد نظرية التطور البيولوجي وتنامي الحاجة إلى إيتيقا مستقبلية؟

3- الحكمة العملية والهيئات الاتيقية:

" ولا ريب أن التشديد هو على الشخص وكرامته، إلا أن الحياة البشرية بالإمكان فهمها أيضا بمعنى الامتداد الأوسع للشعوب بل وللجنس البشري بأسره"40[40]

ثمة إقرار مبدئي بوجود استعدادات عصبية قبلية للحكم الأخلاقي وقدرات عرفانية وراثية على التمييز بين الخير والشر وبين الضار والنافع عند الإنسان وقد تخص الفرد لوحده أو تتعلق بانتمائه إلى مجموعة.

والحق أن الفرد حسب رجل العلم جون بيير شانجو يخضع لقوة الغريزة الاجتماعية وتوجهه بشكل طبيعي القاعدة العامة والمعيار الكوني التي يفرزها الانتخاب الأخلاقي ولذلك المرء يمتلك لا الشعور الأخلاقي الفطري فحسب بل وأيضا الاستعداد القبلي للمداولة والتروي والتعيير والتدبير والتعقل والانجاز.

 لقد أظهر العلماء التطوريون الشعور الأخلاقي الوراثي في جملة العادات وملكة اللغة والذاكرة والتناغم وبينوا أن نمو المعايير الأخلاقية يتم من خلال الغرائز والجانب العضوي والوظائف الحيوية، وبهذا المعنى افترضوا تصورا كونيا عندما كشفوا التفسير العلموي عن الاستتباعات الإيتيقية والفلسفية للقول بحكم أخلاقي بيولوجي وأن يتم الانتقال من عالم ثبوتي خلقه الله إلى عالم تطوري خال من الغائية والغيبيات. مثل هذا الاعتقاد المسبق يرفضه ريكور ويرى أن غياب الغائية يؤدي إلى غياب التطور الخلاق وأن الطبيعة إذا فصلنها عن التساؤل الإنساني عن الأخلاق فإنها تفقد المعنى ولا تنجز عملا.

إذا كان شانجو قد أرجع الحكم الأخلاقي إلى إشباع الرغبة وأخضع المداولة والقاعدة الإيتيقية إلى إرضاء الغريزة وإذا كان تشارلز تايلور قد جعل من التقويمات القوية البنية الأخلاقية الأولى عند الإنسان فإن بول ريكور بحث في البنيات الأولية للقيم الأخلاقية في القدرات الإنسانية وأسند إلى التقويم مهمة التمييز بين الضار والنافع وبين الجيد والرديء وبين الحسن والقبيح ، وأقر بإمكانية توجيه المرء لأفعاله بطريقة جيدة دون الحاجة الى معرفة الدماغ بشكل معمق وأعطى قيمة للفرد بالكف عن النظر إليهم من زاوية التاريخ الطبيعي وإدراجه ضمن التاريخ الثقافي واعتبار أفكار المعيارية والكرامة والانتماء الى الدائرة الإنسانية والاستقلالية الذاتية والتوكيد الذاتي عن طريق الذات عينها هي المشكل المركزي في الأخلاقية السلوكية.

هكذا يطرح الفاعل الإيتيقي نفسه منذ البداية وفق تمشي تراجعي نحو الاستعداد القبلي وتحضير مخملي لإدخال الذات في الحياة الأخلاقية ونفي كل غائية طبيعية وطرح الذات في مواجهة المعيار وربط انبثاق التساؤل الإيتيقي بالقدرة على رسم الحدود الفاصلة بين الاحتمالي والإلزامي. كما ينتقل بول ريكور من الاستعدادات الطبيعية إلى الطرق الإيتيقية ويضع مسألة ابتكار مشروع إيتيقي على ذمة الإنسان وقدرته على توجيه حياته والتحكم في رغباته وفق ما يحدده المعيار وتفرضه القاعدة الأخلاقية وذلك بالتسلح بجرأة المعرفة والتخلي الطوعي عن الغطرسة والصلف. من المعلوم أنه توجد هوة عميقة بين التشبث بالجهل المركب والرغبة في التعلم الإنساني ويأتي الخطاب الفلسفي الفنومينولوجي ليردم هذه الهوة عن طريق الأخلاق ويضيف الأنا أقدر إلى تجربة التقويم التقني عن طريق المهارة المعيارية وذلك بالتركيز على ايثارية القيم الفردانية وجعل نسق المعايير توجه التصرفات البشرية وتسهل الحياة الاجتماعية.

إذا كان شانجو يفسر ظهور التجربة التقويم ضمن إطار تطوري ويقحمها ضمن التطور الثقافي ويجعل من النشاط العصبي علامة على محافظة النوع البشري على بقائه واستمراريته في الوجود ويعترف بوجود أسس بيولوجية للقواعد السلوكية فإن ريكور يكشف عن الطابع غير الجوهري في العلاقات بين الأفراد ويضع عين الذات في مواجهة المعيار ويؤول الاستمرارية في الوجود بالنسبة الى الكائن البشري بالبحث عن اللذة وتجنب الألم والميل نحو الجمال كاستعداد أصلي للحياة الجيدة والشعور بالواجب والإلزام والتناغم مع الطبيعة ورغبة التواجد مع النفس ومع الآخرين. هكذا يتميز النوع البشري بالاجتماعية والقدرة على الحكم الأخلاقي والتقويم والتعيير والإحالة الواعية إلى القيم الأخلاقية والارتقاء من العلاقات البيشخصية الى عتبة الإنسانية الحقيقية بالبحث عن قاعدة الكونية وتخطي ضيق الخصوصيات والطابع الجزئي والعرضي للفردانية. إن الطموح نحو إصباغ البعد الكوني على القيم هو ثمرة التقاطع بين النظري والعملي ونتيجة توجه الإنسان نحو طلب الحق والخير والعدل وذلك بالمرور من العاطفي نحو العرفاني ومن الإرث البيولوجي والثقافي للمعايير الأخلاقية إلى التفكير في دعوى الأسس الطبيعية للإيتيقا.

بعد ذلك يعتمد ريكور على البناء الجيني للإنسان وعلى التمثلات والمستوى التنظيمي للشخصية من أجل اسنتخدام ظرفي لمبادئ جزئية من الأخلاق المؤقتة والعرضية التي تساعد الإنسان على مواجهة المشاكل والاحراجات اليومية ويعترف بأن القول بوجد إيتيقا علمية هو يوتوبيا باردة وخطيرة. ولكنه يقر بوجود عدة منابع للشرعنة في وضع تنافسي ويضع الصراعات الثقافية في خانة العائق أمام بناء إيتيقا كونية.

في حين رأى جون بيير شانجو في الصراع بين الثقافات عائقا أمام بلورة اتيقا كونية وطبيعية وبرهن على ذلك بتفجر العنف الديني ومساهمة المعارك السياسية في تغذية الانقسام واستبدال السلم بالحروب.

على خلاف ذلك اعتقد ريكور في امكانية التفاهم بين الشعوب وكسب الثقة بين المجتمعات والحوار بين الثقافات عن طريق تبادل الكلام بالترجمة وبعث رسائل طمأنة بين الدول وتعزيز أواصر القربى والحوار العقلاني وتخليد الذكريات الجميلة والحسنة المشتركة ونسيان فترات التوتر ومحطات التصادم والخلاف.

غني عن البيان أن سبل تحصيل التسامح عديدة ويذكر ريكور منها دربي الكوني الإيتيقي والكوني الديني والتزود بالمعرفة العقلية والنظرية الموضوعية والذوق الفني والحس الجمالي. كما أن الإنسانية يمكن أن تتغلب على لغة العنف الديني وترسي فضيلة التسامح وإرادة الحياة المشتركة السلمية إذا عرفت كيف تطرح بجدية الأسئلة الحقيقية وتضع نصب أعينها الحقيقة والحكمة وتعثر على لغة مشتركة وتحاول بلوغ الإيتيقا الطبية دون المرور بطريق الدين الملغم وإنما بالتسلح بالأمل والتفاؤل وإرادة العيش المشترك.

علاوة على ذلك يمكن معالجة الشر الذي تعاني منه البشرية تحت مسمى الشعور بالذنب والإحساس باقتراف الخطيئة عن طريق وصف لغته وفعله وتحطيمه للمؤسسات وتعطيله لوظيفة الاستمرارية في الوجود وبعد ذلك التعرف على مصدره وبنيته الخفية وعلله المجهرية وأمراضه المستعصية والتوجه بعد ذلك إلى طلب النجدة وإنقاذ العمق الخير الكامن في الطبيعة البشرية.تبعا لذلك يحرص ريكور على بلوغ ايتيقا تعقلية تتخذ شكل هيئات ايتيقية في كل دائرة مهنية وبيئية واجتماعية وتتمثل مهمتها في البحث عن الخير المشترك لأفراد تلك المجموعات والمحافظة على الحياة وتحقيق السلامة والصحة والعافية ومحاربة الآفات والأمراض وفض النزاعات والصراعات. هكذا يسمي ريكور الايتيقا فنا تصالحيا بين الذات وعينها وبين الإنسان والعالم ويكون مقصده هو بلوغ جمالية العالم وتحقيق الانسجام مع الطبيعة وحسن التصرف والاقتصاد في الموارد والمنافع. كما تسعى المناقشات العقلانية حول المشاكل المستجدة إلى اتخاذ إجراءات وتدابير للوقاية من المخاطر والحماية من التهديدات المستقبلية وتحرص على درء المضار والمفاسد المترتبة وتحمل السلطات المسؤولية على تعرض البيئة والحياة والمهنة إلى ظروف ووضعيات قاسية ولاإنسانية. من هذا المنطلق تتصرف البيوإتيقا وفق منطق الإبداع والخلق والتجديد كلما اصطدمت بأسئلة وتحديات لا تقدر الطرق المعتادة والوسائل المتبعة على الرد عليها والخروج من مأزقها وتفكيك تورطها وتجنب مزالقها وتفضل إجراء نقاش مفتوح وتحويل القضية إلى رهان عمومي وتطلب تدخل الخبراء والمختصين. جملة القول أن الإيتيقا التصالحية تبقي على التنوع والاختلاف والتعدد في المناهج والمهارات والتقنيات للمراقبة والتحكم والتخلص من المخاطر وتقصد دائما تكوين منبرا إيتيقيا يترك جملة من التوصيات وتقديم نماذج وكراسات تحدد مهام وممارسات تلتزم بجملة من المعايير والقيم.

لكن كيف السبيل الى التأليف بين القاعدة المعيارية والمعالجة الوضعية؟

خاتمة:

"إن مشكلتنا هي مشكلة التقاطع بين الممارسة النظرية والممارسات الأخلاقية والسياسية"41[41]

في نهاية المطاف يؤكد ريكور على الوظائف العديدة التي تؤديها البيوإتيقا في الحياة الإنسانية ويرى أنها تحقق فائدة كبيرة على الصعيد المعرفي والتقدم العلمي من ناحية عندما تقوم بإجراءات استثنائية وتدخلات علاجية في مسار الأحداث وتجري تغييرات على الحياة وحينما تقوم بالتخلص من الأمراض وتطور وسائل العلاج وتحقق الشفاء وتعيد الصحة والاعتدال من ناحية أخرى[42]. من هذا المنطلق تنقسم الإيتيقا الصغرى إلى ثلاثة دوائر: الدائرة الأولى هي الدائرة الأرسطية التي يتم فيها استهداف الحياة الجيدة بواسطة إرادة الحياة ، والدائرة الثانية هي الدائرة الكانطية حيث يتم الالتزام بتطبيق المعايير الكونية، وفي النهاية تأتي دائرة الحكمة العملية وترتكز على أحكام التعقل والتدبير والتفكر واتخاذ القرارات للإجابة على الوضعيات الجزئية ومواكبة التغيرات43[43]. هكذا ينقسم الحكم الطبي الى ثلاثة مستويات: الأول هو المستوى التدبيري حيث تتشكل حكمة عملية نتيجة الدربة والتعلم والحدس وتقوم بتطبيق الأحكام على الحالات الفردية الخاصة وتبني علاقة بيشخصية بين المريض والطبيب. أما المستوى الثاني فهو آدابي حيث تعلو المعايير والأحكام على الفرديات وتتخذ طابع الإلزام والصورية والتجريد وتتجلى في قواعد عامة. في حين أن المستوى الثالث هو الحكم التفكري الذي يختلف عن الحكم التحديدي ويبحث عن إضفاء المشروعية على الأحكام في المستوى التدبيري التعقلي والمستوى الواجبي الآدابي ويهتم بمشاكل أساسية بالنسبة إلى الحياة الإنسانية مثل الصحة والسعادة والمرض والموت والوقاية والعلاج والسلامة44[44]. ان الحكم الطبي التدبيري يتعلق بالجزئي والفرادة والوضعيات الخاصة ويتناول التقنيات التي تخفف المعاناة التي يجدها الإنسان داخل المؤسسات والعائلة والمهنة وتصلح علاقته بذاته وتساعده على استعادة الصحة وتزرع فيه الأمل في الشفاء والرفاهية وتغير نظرته الخاطئة الى الصحة والمرض واللاسوي. في الواقع إن"الرغبة في التخلص من عبء المعاناة والأمل بالشفاء يمثلان الحافز الأكبر للعلاقة الاجتماعية التي تجعل من الطب ممارسة من جنس خاص يعود إرساؤها إلى أقدم العهود"45[45]. بناء على ذلك إن النواة الإيتيقية التي تؤسس العلاقة بين المريض والطبيب هي ميثاق علاج قائم على الثقة والسرية والمتابعة وبذل الجهد لمن يملك المعرفة والمهارة من أجل التشخيص وإعداد الوصفة وتوطيد الصلة وفي المقابل يطالب المريض بالالتزام بوعد اتباع نظام العلاج المقترح. جملة القول أن الايتيقا الطبية تقوم بإجراءات تدبيرية في مرحلة أولى وبعد ذلك تمارس وظائف نقدية في المستوى الأمري الواجبي في مرحلة ثانية وتصدر أحاما مضاعفة وتعمم المبادئ التبديرية الأساسية وتعالج الصراعات والحدود التي تفرض على التدخل العلاجي من الداخل ومن الخارج. ثم في مرحلة ثالثة تحيط الأحكام التعقلية بمشكلات أساسية في الأنثربولوجيا الفلسفية مثل الصحة والمرض والحياة والموت وتجعل الحكم الأخلاقي متجذرا في المستوى التفكري46[46]. من المعلوم أن الإيتيقا الطبية تنقسم إلى بعدين: الأول يتعلق بالعيادة ويرتكز على فضلية التدبير وتقنية دراسة الجزئي والتخفيف من المعاناة الفردية واتخاذ القرار المناسب للتدخل وجلب المتعة. أما الثاني فيتوجه نحو البحث البيوطبي ويدرس تأثر الممارسات الطبية بالروابط التي تقيمها الذات مع السياق الاجتماعي في العائلة والمهنة وتزويدها بمجموعة من القدرات والحوافز للشفاء. اللافت للنظر هو ظهور مفاهيم الشروط المتساوية للعلاج والموافقة المسترشدة واعتبار المريض مشارك متطوع في التجريب وتطور القانون الحيوي والحاجة إلى الهيئة القضائية تنظر في الاحراجات الإيتيقية التي أفرزها تطور الطب الاستقبالي وعلم الصيدلة الذي أفرزه تقدم البيولوجيا والفزيولوجيا,.لكن من هو المخول باتخاذ القرار في الحكم الطبي؟ والى حد تخضع الوصفة الطبية الى حكم قضائي؟ وهل يتداخل الحكم الطبي مع الحكم القضائي والحكم السياسي والحكم التاريخي؟

والحق أن الإيتيقا الطبيعة مطالبة بأن توفر جملة من التوصيات أهما:

- خدمة الفرد وجلب النفع للإنسانية والتقليل من المضار والتغلب على المرض.

- التدخل الجراحي من أجل استكشاف الجسد والحرص على استطالة الحياة البشرية.

- احترام الطبيب للحياة البشرية وتفانيه في العناية بالشخص وتقدير كرامته.

- حق الشريك في المعلومة واطلاعه على الحقيقة واجبارية الكشف الطبي عند الزواج.

- مبدأ التضامن يفترض التوزيع العمومي للعلاج والمساواة في الصحة وتوفير الأدوية.

- التبرع بالأعضاء وزرعها يحتاج الى الموافقة المستنيرة والحرية الفردية غير المحدودة.

- تحالف كل من الطبيب والمريض في مقاومتهما المشتركة للمرض والمعاناة وذلك بإشراك المريض في خطة علاجه ومتابعته وتحمل مسؤولية قراراته ونتائج فعله واعتراف المعالج بالقيمة الخاصة للطبيب والاستمرار في تلقي العلاج والالتزام بنظامه والقبول بنتائجه.

- ضرورة أن تراعي عملية تشريع القوانين في الطب العناية بالشخص ومصلحة المجتمع وأن تجمع بين التدبير التعقلي والفطنة الحكيمة والحكم التفكري وفضيلة المهارة [47]. المرور بالحالات العسيرة والأوضاع القصوى مثل العناد العلاجي والعقم الانجابي والإشراف على الانتحار والإجهاض والموت الرحيم والمرض القاتل يتطلب التحصن بتسويات تحكيمية ضمن وفاق تقاطعي تسعى الى التغلب على الهشاشة والتقليل من العطوبية وتؤمن الاستقلالية وتربط بين مطلب الصحة والأمل في حياة جيدة وتجعل من الغايات الأخلاقية مصادر اثبات عين الذات وتدابير انجاز الهوية الانسانية [48].

- يرتكز التوجه الإنساني في الممارسة الطبية على أن المريض ليس بضاعة مهما كانت التكلفة المادية للعلاج وتنص على علاقة التعاقد على عدم تعرض حياته للخطر مهما كان موقعه الاجتماعي وحالته المادية. وبالتالي تكون المعاناة البشرية هي أصل مولد الطب وواجب كل طبيب هو اغاثة كل شخص يكون في حالة خطر دون تمييز ولكل إنسان الحق في طلب العلاج والأمل في الشفاء مهما كان مرضه ووضعه ومهما كانت هويته.

هناك توازي معقول من جهة تدابير التشخيص والوصفة والحكم والتقرير بين الحكم الطبي كمشروع علاجي ينطلق من معارف نظرية ومعايير ويتجه نحو اتخاذ قرار عيني ملائم لحالة خاصة وجزئية والحكم القضائي ممثلا في التنازع بين المتهم والقانون ولسان الدفاع في حركة الذهاب والإياب بين الحالة والقاعدة كمشروع يكون رهانه المجاهرة بكلمة العدالة التوزيعية وإنصاف الأبرياء والصفح والصلح[49].

في الختام يخضع اتخاذ القرار في الحكم الطبي إلى ثلاثة معايير هي أولا ميثاق السرية الذي يرسخه حكم الوصفة الطبية والتزام المريض بمتابعة العلاج وتلقي الدواء واحترام بنود الوصفة. بعد ذلك يأتي حق المريض في معرفة الحقيقة مع حسن تروي الطبيب ومداولته وتوفير وضعية تلقي عند المريض تسهل عليه عملية تقبل أسباب مرضه وحقيقة حالته وأمله في الحياة. في المعيار الثالث تسمح الموافقة المستنيرة بإشراك المريض في تحمل المخاطر الناجمة عن علاجه ويحصل الطبيبة على الضمانة القانونية لخوض الصراع المشترك ضد المرض50[50]. لكن ما العمل اذا ما أفسد الحكم السياسي التوازي الأوثق بين الحكم الطبي والحكم القضائي؟ ولماذا يفترض ريكور انقلاب العلاقة وإضاءة الحكم الطبي الحكم القضائي؟ وكيف يفسر بول ريكور مثل هذا الإقرار:" يبدو كامل الجهاز القانوني مشروعا ضخما لعلاجات الأمراض الاجتماعية في كنف احترام اختلاف الأدوار"51[51] ؟ والى أي مدى تساهم البيوإتيقا الطبية والبيئية والمهنية في إعادة ترسيخ الرابطة الاجتماعية وفي وضع حد للنزاع بين القوى وفي إقامة الوئام؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...........................................

الاحالات والهوامش:

[1] Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, in Ricoeur, édition de l’Herne, Paris, 2004. p.79.

[2] Ricoeur ( Paul ), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990.pp.150.166.

[3] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، تعريب عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، 2003، صص. 543-591.

[4] Ricoeur ( Paul ), Ricoeur (Paul), Lectures 2, édition Seuil. Paris , 1992 . pp.304-319.

[5] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, édition Odile Jacob, Paris, 1998.335p.

[6] Kemp (Peter), le discours bioéthique, édition Cerf, Paris, 2004.p.99.

[7] Kemp (Peter), le discours bioéthique, op.cit.p.35.

[8] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، مرجع مذكور، صص.582-581.

[9] Jonas Hans, Principe responsabilité, traduit par Jean Greisch , édition Cerf, Paris, 199O

[10] Ricoeur (Paul) , Lecture 2, op.cit.p.304.

[11] Voir Ricoeur (Paul) , philosophie , éthique et politique, Entretiens et dialogues, édition seuil, Paris, 2017. Le texte "l’éthique entre le mal et le pire" , pages 171à 189.

[12] Voir Ricœur (Paul) , Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p312

[13] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.309.

[14] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.312.

[15] Voir Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p22.

[16] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.314.

[17] Voir Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.

[18] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.316.

[19] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.318.

[20] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.544.

[21] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.546

[22] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.547

[23] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.548

[24] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.549

[25] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.550

[26] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.552

[27] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.553

[28] Voir Michel Foucault, Naissance de la clinique, éditions PUF, Paris, 1963. 300 pages.

[29] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.554

[30] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.556

[31] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.557

[32] Ricœur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.49.

 

[33] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.56.

[34] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.7 9.

[35] Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, op. cit. pp.78.79.

[36] neuronates

[37] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.105.

[38] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.134.

[39] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.165.

[40] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.572.

[41] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.319.

[42] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.559

[43] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.321.

[44] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.560

[45] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.561

[46] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.561

 [47] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.575

[48] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.577

[49] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.579

[50] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، صص.581-580.

[51] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.591.

 ......................

المصادر والمراجع:

Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, édition Odile Jacob, Paris, 1998.335p.

Ricoeur ( Paul ), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990.

Ricoeur ( Paul ), Ricoeur (Paul), Lectures 2, édition Seuil. Paris , 1992 .

Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994,

Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.

Ricoeur (Paul) , philosophie , éthique et politique, Entretiens et dialogues, édition seuil, Paris, 2017.

Ricœur (Paul) , Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019,

Michel Foucault, Naissance de la clinique, éditions PUF, Paris, 1963. 300 pages.

Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, in Ricoeur, édition de l’Herne, Paris, 2004.

Kemp (Peter), le discours bioéthique, édition Cerf, Paris, 2004.p.99.

Jonas Hans, Principe responsabilité, traduit par Jean Greisch , édition Cerf, Paris, 199O.

بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، تعريب عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، 2003،

 

 

والحاجة الى تجاوز سوسيولوجيا بول باسكون

كشفت نتائج الإحصاء العام للسكان 2014 عن معطيات مهمة تتعلق بسرعة النمو الحضري والتي ارتفعت من نسبة 55.1 في إحصاء 2004 الى إلى 60،3 في المائة في إحصاء 2014، أي خلال مدة عشر سنوات، معدل التحول ارتفع ب 6 في المئة ، وهو مؤشر دال على طبيعة التحولات القادمة والجارية بالمغرب .

بعد احصاء 2014، يمكن الإقرار أن المغرب أصبح بلدا بأغلبية حضرية وان اغلب سكانه يقطنون المجالات الحضرية، وهو ما يستدعي اعادة لتفكير في هذه التحولات من خلال الانتقال من السوسيولوجية القروية الى الوسيولوجية لحضرية .

هذا الواقع الجديد، يسمح لنا بطرح جملة أسئلة للتفكير التجربة الحضرية بالمغرب من حيت طبيعتها وخصوصياتها والاشكالات المرتبطة بها . هذا الوضع الجديد يكشف الحاجة الى مجهود علمي متعدد الأبعاد من اجل تفسيره وتفسير الإشكالات المرتبطة به .

بناء عليه تكون السوسيولوجيا مطالبة بالانخراط الوظيفي للاشتغال على موضوع جديد وقضايا جديدة مرتبطة بالتحولات المجالية والاجتماعية الخاصة بالظاهرة الحضرية بالمغرب أي التركيز على المجالات الحضرية وما يرتبط بها من تحولات اجتماعية وتقافية وقيمية  .

التفكير السوسيولوجي في الظاهرة الحضرية والتجمعات البشرية يفترض الانفتاح على الارث السوسيولوجي في هذا المجال لاسيما فضاءات المدينة بمختلف بنياتها وانساقها، الامر  يفرض استدعاء تصورات مدرسة شيكاغو باعتبارها الارث السوسيولوجي الذي حدد الاطر النظرية والاجرائية لدراسة انساق المدن وخصوصيات الفعل داخلها .

اولا: دواعي التفكير في الموضوع .

السوسيولوجيا اذا لم تقدم خدمات فإنها لا تستحق دقيقة من التفكير بحسب بول باسكون، لذا فالجهد السوسيولوجي ينبغي ان يكون برغماتيا متجها لدراسة المشاكل الاجتماعية من اجل ضمان فعالية النسق العام

فالتحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي لاسيما التحولات المجالية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقيمية تفرض تفكيرا سوسيولوجيا عميقا،من أهم هذه التحولات الانتقال من المجال القروي المؤسس على قيم التضامن الالي الى المجالات الحضرية المعقدة والمتشابكة والتي يسود فيها التضامن العضوي وفق مقولات إميل دوركايم .

المجالات الحضرية وارتفاع نسبة النمو الحضري وبالمقابل تراجع المجالات القروية وفق مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط والتي كشفت المعطيات الاتية:

عدد سكان المملكة المغربية:، 33 مليون و848 ألف و242 نسمة.

عدد السكان: منهم 33 مليون و762 ألف و36 مواطنين .

عدد الاجانب: و86 الف و206 أجانب،

عدد الاسر: 7 ملايين و313 ألف و806 أسرة.

معدل النمو الديمغرافي السنوي، بين العشريتين السابقيتين لـ2014، قد انخفض من 1،38 في المائة إلى 1،25 في المائة.

التوزيع المجالي الحضري، قد ارتفع إلى 60،3 في المائة، بعد ما كانت 55،1 في المائة سنة 2004، معدل النموالديموغرافي الحضري: 2،1 في المائة

معدل النمو الديموغرافي القروي مقابل ناقص 0،01 في المائة

70.من السكان يتمركزون، حسب التقسيم الجهوي الجديد للمملكة، بخمس جهات، تضم كل واحدة منها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة، تتقدمها جهة الدار البيضاء الكبرى-سطات، بستة ملايين و862 ألف، تأتي بعدها، على التوالي جهة الرباط سلا-القنيطرة، وجهة مراكش آسفي، وجهة فاس مكناس، وجهة طنجة تطوان -الحسيمة

هذا الواقع الجديد للمغرب يكشف الانتقال نحو الواقع الحضري بما يفرض تغيير ادوات التفكير نتيجة تغيير مجال التفكيراي الانتقال من العالم القروي الى العالم الحضري .

وهو الامر الذي استدعى الاستفادة من الارث السوسيولوجي في مجال الظواهر الحضرية، وبالتالي الاستفادة من خدمات مدرسة شيكاغو .

ثانيا: الاطار النظري والمنهجي لمدرسة شيكاجو

مدرسة شيكاغو شكلت انعطافة اساسية في الفكر السوسيولوجي من خلال تغيير مسار ووجهة البحث السوسيولوجي،  من البحث الشمولي والنظري الى اعطاء الأسبقية للبحث الميداني والواقعي والاهتمام بالإحصائيات المناهج التجريبية كالملاحظة الموضوعية للواقع الاجتماعي والوثائق الشخصية والرسمية، وقد اعتبرت الدراسة التي أنجزها "توماس ويزنانسكي" حول "الفلاح البولوني" اول دراسة ميدانية، وكانت الغاية منها هي معرفة السلوكيات الغريبة والمتناقضة للمهاجرين البولونيين في الولايات المتحدة الأمريكية والتي ترتب عنها تشكل مشكلة اجتماعية. تتطرق الدراسة إلى الوصول لفهم "وضعية الفلاحين البولونيين في موطنهم الأصلي ثم وضعيتهم بعد هجرتهم لأمريكا، ومحاولة التعرف على نمط عيشهم في بولونيا ثم ما طرأ من تغير على نمط العيش هذا بعد هجرتهم إلى أمريكا.

وهذا ما يستدعي دراسة هذه الفئة من المهاجرين في مكان انطلاقهم وفي مكان الوصول، ومحاولة رصد أنماط وأشكال التفاعل والعلاقات التي ينسجونها فيما بينها بعد الهجرة والتي مع المهاجرين المنتمين لمختلف الأعراق والأجناس الأخرى، وهذا ما يستدعي بالضرورة التطرق إلى موضوع الاندماج أو الانصهار، ومسألة القيم والمعايير الاجتماعية ومظاهر سوء التنظيم الاجتماعي، وإعادة تنظيم."(1)

و تعتبر أول دراسة سوسيولوجية تعتمد هذا المنهج، الأمر الذي شكل قطيعة مع تقاليد البحث السوسيولوجية ذات المنحى النظري، أي الإنتقال من البحث النظري إلى البحث السوسيولوجي الميداني المعتمد على السيرة الذاتية والمراسلات الشخصية والجرائد والشهادات، نفس الشيء بالنسبة ل"روبير بارك" الذي شكل قاعدة معطيات من الوثائق حول المدينة ووضعها رهن إشارة الطلبة الراغبين في دراسة الظواهر الاجتماعية(2).

فمدرسة شيكاجو جعلت المعرفة السوسيولوجية أداة لمعرفة الواقع الاجتماعي كجهد وظيفي لمساعدة صناع القرار على بناء قرارات تدبيرية فعالة من اجل إيجاد حلول للمشاكل المستعصية والمرتبطة بالمجالات الحضرية، لاسيما تلك المتعلقة بالشغل والقيم والانحراف والجريمة والمخدرات والاحتجاجات .

فالمنهجية المعتمدة تركز على الوصف وتحليل طبيعة الحياة الاجتماعية بمدينة شيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية من اجل فهم طبيعة التحولات المرتبطة بهذه المجالا ت الاجتماعية الجديدة . كان الهدف الأساسي هو إنتاج معرفة وظيفية تساعد في إيجاد أدوات للتحليل والتفسير والمساعدة على صناعة القرار، وهو ما ينسجم مع توابث الفكر الأمريكي كفكر برغماتي يجعل من المنفعة هي أساس كل تفكير وغايته وفق توجهات فلسفة جون ديوي ووليم جيمس .

فالاهداف الاساسية لمدرسة شيكاجو هي تفسير التحولات الاجتماعية الكبيرة التي رافقت النمو الكبير الذي عرفته المدن الأمريكية، خاصة مدينة شيكاغو. من خلال دراسة عدة مؤسسات اجتماعية كأسر المهاجرين ووصفوا مونوغرافيا أحيائهم، وتحليل الجرائم المنتشرة بهذا الوسط الحضري.

التركيز على اليومي والعياني من خلال رصد تفاصيل الحياة اليومية بالمدينة جعل من هذه المقاربة المنهجية تتجاوز التفسير الغائي للظواهر الاجتماعية، وذلك باعتماد تحليل موضوعي للواقع الاجتماعي، وهو ما أعطى شهادة ميلاد للسوسيولوجيا التجريبية الأمريكية التي أثرت كثيراً في العديد من الباحثين في مجال العمل الإجتماعي الذين كانوا يتابعون دروسهم بجامعة شيكاغو(3).

فالتحليل السوسيولوجي حسب رأيهم يجب ان يتجه نحو دراسة الحالات عوض دراسة البنيات الاجتماعية الخفية، لأنها تمكن من فهم معنى تصرفات كل فرد وكذا معرفة الوضع الاجتماعي والثقافي كسياق عام محدد لهذه التصرفات .

المواضيع الأساسية لهذه المدرسة مرتبطة في البدايات التأسيسية بالمشاكل الإجتماعية لمدينة شيكاغو، خاصة المترتبة منها عن الهجرة إلى هذه المدينة مطلع القرن العشرين، حيت كانت شيكاغو مجالا صغيرا لا يضم سوى عشرة منازل سنة 1830 وبعد ستين عام اصبحت مدينة بمليون نسمة سنة . حركة التمدن رافقتها حركية وتغيرات اجتماعية على صعيد النسق الاجتماعي والقيم والعلاقات الاجتماعية،لاسيما علاقات التفاعل مع المهاجرين على اعتبار ان شيكاغو مدينة استقبلت الكثير من المهاجرين الأوروبيين الوافدين من الدول الأوروبية كألمانيا، إيرلاندا، إيطاليا، بولونيا وباقي دول اوربا الشرقية .

فالسوسيولوجيا الحضرية في لحظاتها التاسيسية ارتبطت بمدرسة شيكاغو وتاثيراتها ونتائجها، والتي أعطت الأسبقية في منهجية البحث لماهو وعياني وواقعي ، كما خصصت الكثير من أعمالها لمشكل سياسي واجتماعي مركزي يتعلق الأمر بقضية واندماج ملايين المهاجرين في المجتمع الأمريكي ( (4)

مايميز البحث السوسيولوجي لدى رواد مدرسة شيكاغو،هو تجاوز التأمل الانطباعي للظواهر والوقائع الاجتماعية إلى حالة النظر العلمي الاستكشافي، من خلال الانحياز إلى الواقع المدروس ودراسته تجريبيا وميدانيا . وهو ما يرسخ فكرة الفعل السوسيولوجي الساخن الذي يتفاعل مع الواقع في كثافته وغناه دون أي اختزال او تجزيئ . لهذا السبب يفهم لماذا يصر رواد هذه النظرية على تسمية أنفسهم بالتيار الميتودولوجي أي كتيار للاشتغال والعمل أكثر منه تيارا تأمليا ونظريا أو مدرسة فكرية .

فالتغييرات والتحولات المتسارعة بالمغرب لاسيما الانتقال من فضاء قروي الى فضاء حضري، وبنسبة تتجاوز 61 في المئة يفرض ضرورة تغيير مركز الاهتمام وتجديد أدوات البحث السوسيولوجي، مما يفرض الانتقال من السوسيولوجيا القروية لحظة بول باسكون نموذجا الى مرحلة السوسيولوجيا الحضرية .

فمدرسة شيكاجو، وما تبعها من تأسيس لتخصص علم الاجتماع الحضري يهدف الى فهم كيفية تفاعل الأفراد داخل النظم الاجتماعية الحضرية. وذلك خلافا لنظريات الشمولية والكلية لاسيما لدى الرواد المؤسسين بأوربا، حيت التركيز على المقولات والمفاهيم الكبرى مثل الطبقة والمجتمع والظاهرة أي الانتقال من الماكرو سوسيولوجيا الى الميكرو سوسيو لوجيا .

إن الموضوع الأساس الذي التي اشتغلت عليه مدرسة شيكاغو خلال هذه الفترة، تتمحور حول دراسة العلاقات المعقدة التي تربط بين الناس، في عالم متحول تحت تأثير إفرازات التصنيع التحضر والهجرة.

إن سوسيولوجيو مدرسة شيكاغو يتناولون المدينة كمختبر اجتماعي، جاعلين من العلاقات الإثنية والعرقية مجالا للدراسة. وبالتالي ستصبح أعمالهم عدة منهجية وتأملات نظرية شاهدة على تأسيس إرث سوسيولوجي" (5) .

فالسوسيولوجيا الحضرية تهدف إلى دراسة التفاعلات الاجتماعية الصغيرة الحجم التي تسعى إلى تقديم معنى ذاتي لكيفية تفاعل الفرد داخل مجتمعه ، وهو ما يتقاطع من توجهات واسس نظرية التفاعل الرمزي

فمدرسة شيكاغو كمرحلة تأسيسية لسوسيولوجيا الحضرية حاولت الإجابة عن سؤال واحد: كيف أن الزيادة في العمران خلال فترة الثورة الصناعية تساهم في زيادة عدد ونوع المشكلات الاجتماعية المعاصرة؟

فالسؤال الأساسي والذي كان بمثابة رهان هو دراسة أوجه العلاقة بين ارتفاع عدد السكان وارتفاع المشاكل المرتبطة بالكثافة السكانية ، انطلاقا من وقائع تاريخية خاصة بمدينة شيكاغو نفسها حيت لوحظ انه بعد أن توسع من بلدة صغيرة من 10،000 في منتصف القرن 18 إلى حاضرة الحضرية تضم أكثر من مليوني في نصف القرن 19 . كيف ان الارتفاع السكاني ادى الى ارتفاع عدد ونوع المشاكل الاجتماعية الناشئة في تلك الحقبة لاسيما المشاكل المرتبطة بالظروف المعيشية القاسية و انخفاض الأجور وساعات العمل الطويلة التي ميزت عمل العديد من المهاجرين الأوروبيين الذين وصلوا حديثا. وكيف ادت المشاكل الى انتقال الطبقة الوسطى بعيدا عن قلب المناطق الحضرية وإلى الضواحي الخارجي تجنبا للمشاكل المرتبطة باحياء الطبقات الفقيرة .

التغييرات المنهجية والاجرائية في البحث السوسيولوجي لسوسيولوجيا الحضرية بالمغرب نابع من ضرورة ابستيمولوجية مرتبطة بتغير المجال الاجتماعي والجغرافي، وهو مايفرض تجاوز مرحلة بول باسكون والانتقال من براديغم السوسيولوجيا القروية إلى براديغم سوسيولوجيا المجالات الحضرية والمدينية ( نسبة الى فضاء المدن )، وهو ما تكشفه المعطيات الصادرة عن وزارة الاسكان حيت ان عدد السكان المغرب الحضريين تضاعف بـ 40 مرة في ظرف قرن من الزمن، من خلال الانتقال من 442 ألف نسمة سنة 1900، موزعة على 30 مدينة، إلى أكثر من 19 مليون نسمة سنة 2014، الى موزعة على أكثر من 350 مدينة ومركز حضري .

كما ان المجتمع المغربي وبسبب عوامل المناخ الصعب والتحولات المناخية وحافزية العمل بالخارج ساهمت في ارتفاع معدل الهجرة الداخلية من العالم القروي الى العالم الحضري والمديني .

فالهجرة ونتائجها وتداعياتها على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والقيمي بالمجالات الحضرية كبيرة مما يفرض التفكير فيها ومواكبتها، وهو ما يستدعي الاستعانة بالفكر السوسيولوجي لمدرسة شيكاجو حول الظواهر الحضرية في افق تجاوز جاذبية بول باسكون المتمركزة حول العالم لقروي .

فسوسيولوجيا بول باسكون كانت مرتبطة بالعلم القروي وتراهن على تنمية الوعي لدى الفلاحين والساكنة القروية- من خلال أبحاثه التي بدأت بدراسات ومقالات متعددة حول المجتمع المغربي، وخاصة أطروحته حول حوزمراكش ، مرورا بتأطيره لطلبة المعهد الوطني للبحث الزراعي، إلى حدود الدراسات التي قام بها حول دار إليغ بتارودانت .

فالسوسيولوجيا الحضرية أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة التحولات التي عرفها المغرب والتي تهدف الى تملك الخطاب العلمي حول واقع المدن لمغربية والتحولات الاجتماعية المرتبطة به.

ثالثا: سوسيولوجيا الحضرية ودراسة فضاءات المدينة .

فالسوسيولوجيا لحضرية تهتم بحياة المدينة والنسق الثقافي والاجتماعي العام داخل المدينة كفضاء مشترك للعيش والحياة المشتركة، غير ان ظاهرة الهجرة وعلاقات التفاعل بين المجالين القرية والمدينة تشكل المجال الأساس للتفكير لاسيما موضوع الهجرة القروية باعتباره انتقالا بشريا مصحوبا بجملة من التفاعلات والتحولات الاجتماعية والقيمية داخل فضاءات المدينة، وما يرافق ذلك من عمليات الاندماج التدريجي الثقافة المدينية، وما يستدعيه هذا الانخراط من تحولات وتغيرات تطرأ على "البدوي"، وهو في طريقه ليتحول إلى "حضري"(6)..

إن علم الاجتماع الحضري قد استطاع تحويل "المدينة" إلى موضوع سوسيولوجي مع مدرسة شيكاغو، بل إن اسم هذه المدرسة ارتبط في علم الاجتماع بالمدينة التي نشأ فيها، وعرف روادها الأوائل بكتاباتهم الحضرية والمنهجية أكثر مما عرفوا بأي شيء آخر.

و يعتبر مانويل كاستلر وهو أحد السوسيولوجيين المعاصرين والذي اعتبر ان أن المجال الحضري باعتباره الموضوع المركزي للسوسوسيولوجيا الحضرية لم يعد يقوم فقط على الحجم والكثافة السكانية ، وإنما أصبح يقوم على الإنتاج الاقتصادي بالدرجة الأولى، فتراكم رؤوس الأموال وتمركز النشاط الصناعي والخدماتي بالوسط الحضري  فهو مجال منتج ومستهلك في الوقت ذاته .

و تعتبر السوسيولوجيا الحضرية  ان الفرد يعيش وضعا قلقا ومتوثرا بسبب رغبة الفرد في المدينة الى تأكيد ذاته وهو ما يولد وضعا صراعيا مع الاخرين نتيجة المنافسة عكس في العالم القروي ، الذي يحافط فيها الفرد هى ذاته دون اي تغير. فالمدينة ليست مجرد مجال جغرافي محايد ، بل هي فضاء معقد ومتشابك ، انها نمط عيش حضاري متعدد الإبعاد ومتغير باستمرار .

وتعتبرفضاءات المدينة وانساقها الموضوع الاساسي لسوسيولوجيا الحضرية ، حيت التركيز على مفهوم المدن وعلى الأساليب الحياتية الناجمة عن التفاعل اليومي والتي تشكل النمط العام للتنظيم الاجتماعي، وقد حدد السوسيولوجي آموس هاوليبحيث ي "أن التحديد المكاني للمجتمع بإعتباره منطقة جغرافية أو مساحة مكانية يشغلها مجموعات من الأفراد محاولة تعسفية في حق الصياغة المفاهيمية العامة للمصطلح، وإنه من الملائم أن نشير في تعريفه إلى المشاركة في الإيقاع اليومي والمنتظم للحياة الجمعية على أنها عامل أساسي يميز المجتمع المحلي، ويعطي لسكانه طابع الوحدة التنظيمية)(7)(.

اما ممثل الاتجاه الوظيفي فقد اعتبر ان المدينة هي جمع حشد من أفراد يشتركون في شغل منطقة جغرافية أو مساحة سكانية واحدة كأساس لقيامهم بأنشطتهم اليومية) (8)

كذلك يرى لويس ويرث "أن المجتمع المحلي يتميز بما له من أساس مكاني اقليمي يتوزع من خلاله الأفراد والجماعات الأنشطة، وبما يسوده من معيشة مشتركة تقوم على أساس الاعتماد المتبادل بين الأفراد،وخاصة في مجال تبادل المصلحة."

فمفهوم المدينة كفضاء للعيش المشترك ينظر في تصورات السوسيولوجيا الحضرية على انه أنه تجمع لأشخاص تنشأ بينهم صلات وظيفية، ويعيشون في منطقة جغرافية محلية خلال فترة محددة من الزمن، كما يشتركون في ثقافة عامة، وينتظمون في بناء اجتماعي محدد ويكشفون باستمرار عن وعي بتميزهم وكيانهم المستقل كجماعة بشرية .

فالموضوعات السوسيولوجية الخاصة بالمجال الحضري فتتمحور حول عدة قضايا اجتماعية وتقافية وقيمية واقتصادية ودينية منها: التطرف والتهميش والانحراف والبطالة والجريمة والادماج واعادة الادماج والسلوك لاحتجاجي، والتظاهرات الفنية والرياضية والثقافية وغيرها .

فدراسة المدينة يتيح لنا تحليل حجم المدينة وتأثيرها على الحياة الاجتماعية من خلال مفاهيم الحجم والكثافة وعدم التجانس هو ما يحدد التنظيم الاجتماعي داخل الوسط الحضري. فزيادة حجم المدينة يساهم في خلق طرق اتصال غير مباشرة لأن هناك استحالة على جمع السكان في حيز جغرافي واحد. كما أن ارتفاع عدد السكان يؤدي إلى تنوع المجتمع وإلى تقسيم العمل الاجتماعي، الشيء الذي يجعل أفراد المجتمع يتعاملون فقط وفق مجموعة من التبادلات الاجتماعية. إلى جانب ذلك فإن التنوع الاجتماعي يعمل بالضرورة إلى تحرير الأفراد من الضبط الاجتماعي الذي يمارسه أفراد الجماعة مثل ما يوجد في المجتمعات القروية وفق ما سماه اميل دوركايم بالتضامن الآلي المؤسس على التشابه .

من المواضيع الأساسية في السوسيولوجيا الحضرية موضوع الاندماج الاجتماعي حيت اعتبر لويس ويرت أن التحضر أسلوب حياة وليس تكيفا مع البيئة أو الطبيعة، لان الانسان ليس كالحيوان الذي يتكيف مع الطبيعة، أما الانسان فهو يبدع المدينة أي أن لكل مدينة طابعها وبالتالي فالتمدن مسألة ابداع وليس مجرد تكيف مع المجال البيئي او الطبيعي فقط ، كما يرى لويست ويرت بأنه لايمكن فهم المدينة الا انطلاقا من مجموعة من المراكز كأماكن الاقامة وأماكن الشغل ثم المصالح الاقتصادية للفرد والجماعة كالسوق على سبيل المثال .

كما يعتبر لويس ويرت ان المدينة هي موقع الخاص السيطرة الاقتصادية لقد ركز ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ ﻭﻴﺭﺙ ﺃﺴﺎسا ﻋﻠﻰ ﺘﺤﻠﻴل ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ، ﻓﻔﻲ ﻤﻘﺎل ﻟﻪ ﺒﻌﻨﻭﺍﻥ "اﻠﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ ﻜﻁﺭﻴﻘﺔ للحياة " والتي ﻨﺸﺭﻫﺎ ﺴﻨﺔ، 1938 ﻗﺩﻡ ﻭﻴﺭﺙ ﺘﺤﺩﻴﺩﺍ ﻭﺍﻀﺤﺎ ﻟﻠﻤﺩﺨل ﺍﻟﺴﻭﺴﻴﻭﺜﻘﺎﻓﻲ ﻓﻲ ﻤﻌﺎﻟﺠﺔ ﻤﺨﺘﻠﻑ ﺍﻟﻤﻭﻀﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ، ﻭ ﻭﻀﻊ ﻭﻴﺭﺙ ﺘﻌﺭﻴﻔﺎ ﺴﻭﺴﻴﻭﻟﻭﺠﻴﺎ ﻟﻠﻤﺩﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻬﺎ ﺍﻟﻤﺩﻴﻨﺔ ﺒﺄﻨﻬﻡ ﻤﻨﻌﺯﻟﻴﻥ ﻭ ﻴﺘﻌﺎﻤﻠﻭﻥ ﻤﻊ ﺍﻵﺨﺭﻴﻥ ﺒﻁﺭﻴﻘﺔ ﻏﻴﺭ ﺸﺨﺼﻴﺔ، ﻴﻘﻴﻤﻭﻥ ﺤﻭﺍﺠﺯ ﻋﺎﻁﻔﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺘﻬﻡ ﺒﺎﻵﺨﺭﻴﻥ ﻤﻤﺎ ﻴﺅﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻀﻌﻑ ﺍﻟﺘﻤﺎﺴﻙ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﺍﻟﻨﺎﺘﺞ ﻋﻥ ﺘﺯﺍﻴﺩ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ (9)

ﻜﻤﺎ ﻴﺭﻯ ﺒﺄﻥ ﺤﺠﻡ ﻭ ﻜﺜﺎﻓﺔ، ﻭ ﺘﻐﺎﻴﺭ ﻟﺴﻜﺎﻥ ﻴﺅﺩﻱ ﺒﻘﺩﺭ ﻜﺒﻴﺭ ﻭ ﻤﺘﻌﺩﺩ ﺍﻟﻭﺠﻭﻩ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﻤﺎﻴﺯ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ نتيجة تعدد الوظائف والمهام، وهو ما يتقاطع مع تصورات اميل دوركايم حول التضامن العضوي، ويتحقق الاندماج داخل فضاءات ومجالات المدينة نتيجة ﺍﻟﺘﺨﺼﺹ ﻭ ﺘﻘﺴﻴﻡ ﺍﻟﻌﻤل وﺘﻤﺎﻴﺯ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ.

و يعتبر لويس ويرت ان ﺘﻤﺎﻴﺯ ﺤﻴﺎﺓ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻴﻌﻴﺸﻭﻥ ﺩﺍﺨل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ، ﺘﻀﻌﻑ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ حيت اختلاف ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻋﻥ ﺒﻌﻀﻬﻡ ﺍﻟﺒﻌﺽ ﻓﻲ طبيعة حياتهم المتمايزة عن المجال القروي حيت يسود التشابه والانسجام مع الذات والاستمرارية وضعف منسوب التغيير. واعتبر ان ويرت أن التحضر يمثل شكلا من أشكال الوجود الاجتماعي لا يقتصر على توزيع الجماعات في أماكن اقامتها أو عملها او مصالحها الاقتصادية فالمدينة في جوهرها تمثل مركزا للسيطرة الاقتصادية والسياسية والثقافية ومحور تدور حوله جماعات وأنشطة متنوعة دون أن ترتبط فيها بينها بصلات أو علاقات شخصية أو اجتماعية حميمية، كما أشار الى أسباب ودوافع تكوين العلاقات في أوساط بعض الجماعات الاثنية أو المهاجرة ، غير انها سرعان ما تبدأ بالتفكك والاندثار مع تزايد الكثافة والتعقيد في حياة المدينة . فالمواضيع الاساسية داخل السوسيولوجيا الحضرية تشكل استمرارا لذات المواضيع التي عالجتها مدرسة شيكاغو،حيت ثم انجاز الكثير من الأعمال التي ركزت بشكل كبير على قضايا الهجرة والعلاقات الاجتماعية داخل المدينة والمشاكل الاجتماعية داخلها. فمدينة شيكاغو عرفت خلال بداية القرن العشرين، تغيرات كمية وكيفية مهمة، أضحت موضوعا للتحليل، فشكلت بالتالي "مختبرا اجتماعيا" لعلماء اجتماع مدرسة شيكاغو (10).

و يمكن التوقف عند الخطوط الناظمة والاساسية لمدرسة شيكاغو باعتبارها الاساس السوسيولوجي لدراسات ظاهرة التمدن التحولات المرتبطة بعمليات الانتقال من المجالات القروية الى المجالات الحضرية حيت نجد اهم توجهات مدرسة شيكاغو:

و تفكيك وإعادة تنظيم المجال الاجتماعي .

الضبط الاجتماعي بالمجالات الحضرية .

تكيف مع التغير داخل المدن .

المسؤولية الجماعية عند جانوفيتز M. Janowitz (وفي ضوء سعيه لتفسير عملية الانتقال من

مجتمعات التضامن الآلي البسيطة إلى مجتمعات التضامن العضوي المعقدة، تعرض دوركهايم، في أطروحته" تقسيم العمل الاجتماعي"، لكيفية احتلال الإنسان للمجال، وأبرز كيف تتكدس أعداد كبيرة من الناس في المدينة، وتتحقق بالتالي كثافة مادية أكبر، كفيلة بخلق كثافة روحية مرتفعة، الشيء الذي يجعل المدينة تمثل التنظيم الاجتماعي الأرقى والأفضل والأكثر تعقيدا(11).

فالسوسيولوجية الحضرية سواء مع تصورات ومبادئ مدرسة شيكاغو او مع البدايات والارهاصات الاولى لابحات وانتاجات اميل دوركايم الذي تحدث عن الكثافة الروحية لافراد المجتمع من خلال مقولتي التضامن الالي والتضامن العضوي، حيت أن هذه الكثافة الروحية، لا يمكن أن تنتج تأثيرها إلا إذا كانت المسافة الواقعية بين الأفراد نفسها مختصرة نتيجة سرعة وتطور طرق المواصلات وشبكات الاتصال؛ أي دون كثافة مادية.

فالكثافة الروحية والمعنوية أن تزيد دون أن تزيد الكثافة المادية في نفس الوقت، بل إنه من الخطأ، في نظر دروكهايم، الاعتقاد بأن التركز المادي يقود الى انتاج التركز الروحي لمجتمع ما عبر كثافة الطرق والسكك الحديدية، الخ. فهذه الأخيرة يمكن أن تخدم حركة الأعمال (العلاقات الاقتصادية المؤسسة على المصلحة الخاصة والنزعة الأنانية) أكثر منها الاندماج الروحي للساكنة(12).

وبالنسبة إلى دوركهايم، تأخذ المدينة الحديثة، باعتبارها مرآة كاشفة ومحللة للوقائع الاجتماعية وضعا مفارقا: فهي بقدر ما تبدو كتمظهر ملموس لنمط من التضامن العضوي ولطريقة من العيش المشترك، بقدر ما تمثل في الوقت نفسه، ميدانا للفردانية، حيث يتحرر الفرد من جماعات انتمائه ومرجعياته الأصلية، ويشرع في بناء علاقات جديدة مع الآخر، تعاقدية، مختارة ومفكر فيها، ومجردة من طابعها الإشراطي.

يمكن اعتبار دوركايم وابن اخته مارسيل موس الاكثر تاثيرا في بلورة توجهات البحث السوسيولوجي الحضري كما ستتبلور مع مدرسة شيكاغو، حيث طبق على موضوع "المدينة" التحليل المورفولوجي الدوركهايمي، الذي يقوم على الاهتمام بالطريقة التي يشغل بها الناس المجال، وبالحركات والتنقلات داخل المدينة وبشكل تجمعات الناس والمباني وانماط السكن والعيش والعلاقات وانما ط الفعل .

فسوسيولوجيا "المدينة، تهتم بدراسة السلوك البشري في الوسط الحضري"، يظهر هذا الربط وهذا التشريف لفيبر، من خلال قولة لويس ويرث التي تتصدر الترجمة الامريكية لكتاب فيبر "المدينة .

وبحكم أن مدرسة شيكاغو تتميز إلى جانب تخصصها الحضري باختيار منهجي خاص، ينتصر للبحث التجريبي الكيفي، تبلورت وتطورت في خضم الممارسة البحثية والانشغال بدراسة مختلف الظواهر والتحولات الاجتماعية التي عرفتها مدينة شيكاغو، وخاصة ظاهرتا الهجرة والتحضر والاندماج الاجتماعي

اهم ما يميز الاساس المنهجي لمدرسة شيكاغو هو الانطلاق من  وجهة نظر الفاعل الاجتماعي، العمل على دراسة وتحليل تصرفات الافراد و ودراسة علاقاتهم بالوسط المادي والاجتماعي المحيط بهم، أي محاولة كشف المعاني الذاتية التي يعطيها الفاعل لافعاله وللواقع الذي يعيشون فيه .

من اجل الوصول الى هذه الاهداف عملت مدرسة شيكاغو على تجريب واعتماد طرق بحث جديدة والاستعانة بتقنيات مغايرة للبحث التأملي من خلال البحث السوسيولوجي الكيفي والذي يتضمن مجموعة من التقنيات منها:

تحليل وفحص الوثائق الشخصية والخاصة

تحليل المراسلات الخاصة

تحليل الحكايات الشفوية ودراسة مضمونها

دراسة الحالات

اعتماد تقنية الملاحظة المباشرة

اعتماد تقنية الملاحظة المباشرة

اعتماد تقنية المقابلة

اعتماد تقنية الشهادة

تحليل المضمون

وترجع أهمية نص "المدينة كمختبر اجتماعي" لروبير إزرا بارك، في السوسيولوجيا الحضرية، إلى أنه غالبا ما يأخذ إلى جانب نص "المدينة، مقترحات بحث حول السلوك البشري في الوسط الحضري"، والذي يعتبر بمثابة البيان المؤسس لمدرسة شيكاغو.

وقد اعتبر بارك ان الهجرة الإنسانية طبيعية كما هي هجرة النباتات والحيوانات. وبالتالي سيؤكد على أن ظاهرة الهجرة الإنسانية قابلة للدراسة والتناول العلمي.

إن الجهاز المفاهيمي للمقاربة الإيكولوجية يرتكز على مفهومين أساسيين وهما: الاستخلاف (succession) والتوازن .(équilibre)

ان الهدف من دراسته لموضوع الهجرة هو ايجاد تبرير تبرير علمي لموجات الهجرات الاستيطانية في عهد الاستعمار المباشر الذي شهدته مناطق عدة من العالم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذا لتبرير الاستيطان بالعالم الجديد، وهكذا فإن المهاجرين الأوائل لأمريكا جاؤوا لاستخلاف الهنود الحمر في إطار تحولات طبيعية."(13) والاستخلاف حسب بارك لا يخص المستوى الجغرافي والديموغرافي فحسب بل يتعداه إلى مستوى الاستخلاف الثقافي المرتبط بثقافة العيش ونمطه.

كما اكد بارك في مفهوم التوازن أن التنظيم الاجتماعي للناس – المجتمع – يخضع لضوابط وقوانين ملزمة ومنظمة لعلاقاتهم الاجتماعية، بهدف الحفاظ على التوازن الطبيعي والاجتماعي. ولهذا " فالهجرة حسب بارك هي أولا وقبل كل شيء ظاهرة تعمل على إعادة التوازن للمجتمع."(14)

و اعتبر ان ظاهرة الهجرة هي مؤشر على التقدم والتحول والانتقال من وسط طبيعي إلى وسط ثقافي، منطلقا من فرضية تعزز هذا التحليل، مفادها: "إن المدينة هي السكن الطبيعي للإنسان المتحضر. وهذا ما جعله ينظر إلى الفلاح المهاجر للمدينة كفلاح نموذجي عندما يتخلى عن العادات والتقاليد والأعراف الخاصة بمجتمعه مقابل أن يصبح سيد نفسه من خلال عملية  "الانصهار" (assimilation) عبر الانتساب إلى القيم والتقاليد والعادات الحضرية، فعوض أن يصبح هذا الفلاح المهاجر مشكلا اجتماعيا بالمدينة، يتحول إلى فرد مندمج بالمجتمع الحضري عبر دخوله في نسق من التفاعلات والسير ورات الاجتماعية أو ما يسميه "بدورة العلاقات الإثنية( (15) .

فالتحولات المتسارعة وانتقال المغرب من بلد قروي الى بلد باغلبية حضرية حيت 60 من ساكنته أصبحت تعيش في الحواضر يفرض الاستعانة بخدمات السوسيولوجية الحضرية من اجل القدرة على دراسة هذه الفضاءات الاجتماعية والمجالية بما يسمح بإيجاد حلول لمختلف الاختلالات التي ترتبط بالنسق العام .

فسوسيولوجية الحضرية تسمح لنا بدراسة:

اولا: ادراك التمايز ين القرية والمدينة كفضاءات متمايزة .

ثانيا: ادراك معايير التمييز بين المجالين من خلال الاستعانة بالمعايير المتعددة الابعاد وتجاوز المعاييرالكمية الاحادية البعد .

ثالثا: دراسة انماط العيش داخل فضاءات المدينة من خلال السلوك اليومي للمواطن الحضري

رابعا: دراسة مختلف الخصائص الثقافية والاجتماعية التي تميز الحياة الحضرية

خامسا: دراسة انساق التحولات لدى المهاجر القروي الى المدينة ودراسة كافة انماط التكيف والتأقلم مع الوسط الحضري من أجل الاندماج فيه سوسيوثقافيا واقتصاديا، تكيفا نفسيا وعلائقيا وثقافيا واجتماعيا .

سادسا: دراسة التحضر كنمط تقافي مرتبط بشبكة قيم اجتماعية وتقافية ودينية .

سابعا: دراسة التنمية بالمجال الحضري

ثامنا: دراسة انساق التفاعل الاجتماعي ومعدل الحراك الشعبي

تاسعا: دراسة توحد القيم وتماسك الجماعة والارتباط بالنظم الادارية والمؤسساتية .

فالسوسيولوجيا الحضرية ومن خلال الارث التاسيسي لمدرسة شيكاغو تهدف الى دراسة حياة المدن والتفاعل الإنساني والتغيرات والمشاكل في المنطقة الحضرية وبذلك توفر مدخلات للتخطيط ورسم السياسات العمومية والتدبير الترابي .

لان دراسة المدن يعني توفير جهد وظيفي من اجل التحكم والاستفادة في افق تحقيق التنمية الحضرية ولعل اهم المواضيع المرتبطة بفضاءات المدن، نذكر التشغيل والادماج والاتجاهات الديموغرافية، والاقتصاد، والفقر، والعلاقات العرقية والاتجاهات الاقتصادية. المجال بناء انساني يجب فهمه وفق معطيات اجتماعية أو مدنية وثقافية ورمزية أو وفق معطيات صراعات طبقية احيانا باعتبار أن المدينة كلها رموز ثم رهانات القوة، كما أن بعض السلوكات الحضرية جد مفيدة من الزاوية المنهجية، سلوكات مثل المنافسة والتتابع والانتشار والحراكات الاحتجاجية كشكل من أشكال التعبير عن المدينة وغيرها من أساليب حياة المدن، كما ان مفاهيم مثل دور الفرد في المدينة ومهنته يمكن ان تساعد كثيرا في قطع مناطق القوة والضعف في أي مدينة .

 

د الفرفار العياشي - المغرب

....................

المراجع

1/ عبد الرحمن المالكي، الثقافة والمجال دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب، منشورات مختبر سوسويولوجيا التنمية الاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس، 2015، ص 114-11

2/ عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء 2016

3- فوزي بوخريص، الاندماج الاجتماعي والديموقراطية: نحو مقاربة سوسيولوجية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 5-6

4- http://sociologysearch.blogspot.com/2017/08/1890-1892-jonhn-d.html

5 -Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal، sociologie urbaine، éd Armand Colin، Paris، 2010. p32

5 -Alain coulon، L’école de chicago، éd Puf، (Que sais –je ?)، 2e édition، 1994. p، 3

7- Ndrea rea، maryse tripier، sociologie de l’immigration، ed la découverte، paris، 2003، p 8

8 - Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal، sociologie urbaine، éd Armand Colin، Paris، 2010. p11

9- Maris Robert،la société urbaine (phénomène sociologique)،paris 2002،p52

10- Breslau Daniel. L'Ecole de Chicago existe-t-elle?. In: Actes de la recherche en sciences sociales. Vol. 74، septembre 1988.Recherches sur la recherche. pp. 64-65

110- Vincent Kaufman et autres، Théories، Ouvrage collectif، Traité sur la ville، sous la direction de Jean-Marc Stébé et Hervé Marchal، éd Puf، 2009. p625

...........................

الهوامش

(1) عبد الرحمن المالكي، الثقافة والمجال دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب، منشورات مختبر سوسويولوجيا التنمية الاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس، 2015، ص 114-11

(2) http://sociologysearch.blogspot.com/2017/08/1890-1892-jonhn-d.html

(3) Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal, sociologie urbaine, éd Armand Colin, Paris, 2010. p32

(4) Alain coulon, L’école de chicago, éd Puf, (Que sais –je ?), 2e édition, 1994. p, 3

(5) ndrea rea, maryse tripier, sociologie de l’immigration, ed la découverte, paris, 2003, p 8

(6) Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal, sociologie urbaine, éd Armand Colin, Paris, 2010. p11

(7) Maris Robert,la société urbaine (phénomène sociologique),paris 2002,p52

(8) احمد أمين ادم،المدينة وأنماط الحياة،دراسة في علم الاجتماع الحضري،دار الطليعة،بيروت،2011،ص46.

(9) فوزي بوخريص، الاندماج الاجتماعي والديموقراطية: نحو مقاربة سوسيولوجية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 5-6

(10) عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء 2016

(11) Breslau Daniel. L'Ecole de Chicago existe-t-elle?. In: Actes de la recherche en sciences sociales. Vol. 74, septembre 1988.Recherches sur la recherche. pp. 64-65

(12) Vincent Kaufman et autres, Théories, Ouvrage collectif, Traité sur la ville, sous la direction de Jean-Marc Stébé et Hervé Marchal, éd Puf, 2009. p625

(13) عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، إفريقيا الشرق 2016، ص 13

(14) المرجع نفسه، ص 135

(15) المرجع نفسه، ص 140

 

 

علي رسول الربيعيأفكر في الحاجة الى اثبات وجود حاجة ملحة للحوار بين مطالب العلمانيين والدينيين حول المعايير العالمية التي ترتبط بالبشر بصفتهم كبشر ومن هذا الموقع أفحص اراء المفكرين الذين تناولوا هكذا قضية ومن بينهم الدراسة القيمة لـ يوهانس مورسينك: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الأصول ، الصياغة ، والنوايا

Johannes Morsink's The Universal Declaration of Human Rights: Origins, Drafting, and Intent (1999(.

كتب مورسينك دراساته حول الوثيقة وتأثيرها على تطور نظام حقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أنها طرحت السؤال الأكثر إثارة للاهتمام، وهو: ماذا كان  هناك أساس أخلاقي واحد لحقوق الإنسان يمتد عبرالعديد من الثقافات، أو ما إذا كان هناك العديد من الأسس الأخلاقية المحددة ثقافيا، أوليس هناك أيً اسس.

تتناول دراسة مورسينك المهمة لتاريخ صياغة الإعلان، الطرق التي قدمت فيها القضايا الميتافيزيقية والفلسفية المرتبطة بالتجربة المسيحية بشأن التنوير للمشاركين لغة يمكن أن يطالبوا من خلالها بالتطبيق العالمي، تتيح الفرصة لإشراك العالمية الإسلامية. تتبع مورسينك بدقة وحساسية صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مرحلة تلو الأخرى، موضحأ معالم عملية التفكير واللغة العالمية التي ظهرت للتعبير عن القلق الدولي أزاء المضطهدين والفقراء والضعفاء سياسياً في العالم التي أسست لها التقاليد الدينية والإنسانية بالفعل مفردات يمكن تخصيصها للإعلان وتكون مناسبة له. في الوقت نفسه، ولتأكيد نوايا الصياغة الجيدة، رد مورسينك أيضًا على تهمة المركزية الإثنية الموجهة ضد الإعلان من جانب أولئك الذين يشككون في قابليته للتطبيق العالمي على جميع البشر من خلال تتبع المفاوضات المعقدة والصعبة التي جرت لتجنب أي لغة عرقية أو  ثقافية خاصة من شأنها أن تهزم بالفعل الغرض من  عالمية حقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أنه يدرس في الفصل الأخير لغة الإعلان للتحقيق في الافتراض بأن هناك صلة بين الإعلان العالمي وطرق  التفكير في عصر التنوير حول الأخلاق التي تكون عالمية شاملة وفي الوقت  نفسه علمانية. لكن هذه العلمانية ليست غير دينية تمامًا بمعنى أن الطبيعة والعقل، العنصران العلمانيان في الثالوث - كانا لا يزالان على مقربة من الله الذي تدفقا منه.        

كانت وجهة نظر التنوير عن الطبيعة البشرية مستمدة من فلسفات الحقوق الطبيعية، التي حددت المساواة بين الإنسان والحقوق غير القابلة للتصرف للبشر بمقتضى إنسانيتهم وليس لأي  بسبب غير جوهري أو خارجي. ومع ذلك، سعياً وراء الأخلاق العالمية لدعم حقوق الإنسان عبر التقاليد، فقد اتبع القائمون صياغة علمانية شاملة وأبقوا لغة الإعلان خالية من أي تعبير ديني. إن الأكثر لفتا للنظر، أنهم عزلوا االله عن الطبيعة والعقل. ومن المفارقات، أدى البحث عن الشمولية العالمية من خلال علمنة معايير حقوق الإنسان في مصادر الأخلاق التعددية إلى نسبية لا مفر منها.

مشكلة النسبية في سياق معايير وقيم حقوق الإنسان مشكلة قديمة. وكانت التجربة العملية للحياة في المجتمعات ذات الثقافات المختلفة السبب الجذري للنسبية في المناقشات الدولية حول معايير العدالة العابرة لحدود عبر الدولة. من الصحيح القول إنه على الرغم من كل الجهود الفكرية من أجل العلمنة الشاملة للأخلاق العالمية، فقد كان من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، بناء توافق في الآراء بشأن المعايير المشتركة للجنس البشري بأكمله في الاتفاقيات الدولية. علاوة على ذلك، كان فصل الأخلاق العالمية عن أي اعتبار اسسي من أجل استيعاب الثقافات والمجتمعات الوطنية المتنوعة، لسوء الحظ ، بمثابة  ذريعة لتجاهل التوجه العالمي لوثيقة حقوق الإنسان في مختلف البلدان الإسلامية حيث استخدمت السلطات السياسية مرارًا وتكرارًا النسبية الثقافية لتبرير عدم التزامهم بتعزيز بعض الحريات للمواطنين المسلمين وغير المسلمين. إن التصحيح الفوري لهذه المشكلة المستمرة، كما أحاجج دائما، يعتمد على توضيح العلاقة بين القيم العلمانية المعبر عنها في الوثيقة وفلسفات عصر التنوير في القرن الثامن عشر التي أثرت في تصور السمات المتأصلة للبشر. وما أريد أن أشير اليه تأكيدا هو أن مثل هذه الموضوعات هي أيضًا محور الأخلاق اللاهوتية الإسلامية (وليس بالضرورة الدراسات التشريعية القانونية) وأنها مقبولة لدى السلطاتالدينية الإسلامية التقليدية.

كان أولئك الذين شاركوا في صياغة الإعلان يبحثون في مسألة حماية حقوق الإنسان من تجربتهم التاريخية الخاصة وسياقهم الثقافي. وكانوا يستجيبون للمذبحة التي لحقت بضحايا الحرب العالمية الثانية والمحرقة في أوائل عام ١٩٤٤. كما عرض مورسينك بتفاصيل مثيرة للإعجاب، إن كل مادة من مواد الإعلان كانت تستجيب للحاجة الملحة لحماية شخصية الإنسان بجميع مظاهره في السياقات الاجتماعية والسياسية للدول القومية. إنه يكشف تمامًا أن مشاركة المسلمين كانت بسيطة، بمعنى أنه لم يكن هناك جهد حقيقي لتوضيح العقائد الإسلامية الشاملة للتعرف على موقف التقليدي من  فقرات مختلفة. علاوة على ذلك ، وكما يكشف ملف الممثلين المختلفين من الدول الإسلامية المشاركة مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وسوريا ، فإن ممثلي الدول الإسلامية كانوا من الأفراد المتعلمين علمانيًا، والذين تلقوا تدريبات قليلة في مجال حقوق الإنسان أو لم يحصلوا على التدريب في المصادر الأساسية للتقاليد الإسلامية حتى يتمكنوا من التعبير عن الدافع العالمي للعقائد الإسلامية الشاملة التي كانت ستثري النقاشات التي دارت حول قضايا مهمة مثل حرية الدين والضمير. في الواقع، كان جميل بارودي، الممثل السعودية في لجنة الصياغة، مسيحيا لبنانيا وكان يفتقر الى المؤهلات الإسلامية الأساسية للتحدث عن أي جوانب لاهوتية للإسلام بشكل قانوني وبصورة موثوقة.

استمر هذا الافتقار إلى المشاركة الإسلامية الجادة في إلقاء ظلال طويلة من الشك على الملامح الثقافية والسياسية للإعلان التي تكشف عن تحيز علماني – غربي مستمر. 

واخيرا اريد ان اشير الى أن خالد أبو الفضل وعبدالله أحمد النعيم من بين القلائل الذين ناقشوا حقوق الإنسان في سياق التقاليد الإسلامية.

 

د. علي رسول الربيعي

......................

Abou El Fad.I, Khaled. "A Distinctly Islamic View of Human Rights: Does It Exist and Is It Compatible with the Universal Declaration of Human Rights?" In Islam and Human Rights: Advancing a US-Muslim Dialogue. Ed. Shirin T. Hunter with Huma Malik. Washington, DC: CSIS Press, 2.005.

An-Nairn, Abdullahi A., Jerald D. Gort, Henry Jansen, and Hendrick M. Vroom, eds.

Human Rights and Religious Values: An Uneasy Relationship? Grand Rapids: Eedermans, 2004

 

 

علي رسول الربيعينقد رؤية إغناتيف من منظور الإسلام

إن النقاشات الإبستيمولوجية (المعرفية) والأنطولوجية ( الوجودية) حول أسس حقوق الإنسان مثيرة للجدل والخلاف. حجج تجنب مثل هذه النقاشات المثيرة للجدل، لمجرد أنها غير مهمة لتطوير أنظمة حقوق الإنسان، هي تعبير عن هزيمة فكرية. إذا كانت الشعوب المختلفة لاتفكر مثل بعضها البعض، فكيف يمكن للمرء أن يفترض أخلاق عالمية خالية من التقاليد ولا اسس لها، يمكن أن تكون مقبولة لدى شعوب العالم ذات العقلية الدينية دون أي محادثة لتهدئة مخاوفهم والشكوك؟

يتبع مايكل إغناتيف في كتابه: " حقوق الإنسان كسياسة وأوثان"

)Michael Ignatieff' Human Rights as Politics and Idolatry (2001(..(.

مقاربة برغماتية تجاه حقوق الإنسان. ويعتمد موقفه العلماني الليبرالي على الافتراض القائل بأن هناك قاسمًا مشتركًا للعقلانية يظل قائماً عند تحديد أو الغاء خصوصيات المعتقدات الدينية. إنه يعامل حقوق الإنسان باعتبارها "أدوات سياسية برغماتية " تطمح أن تكون فعالة قبل أن تطمح أن تكون أكثر شمولية في بياناتها. لاتساهم الأسباب الدينية، المستندة إلى مذاهب شاملة في بناء خطاب ملائم عن حقوق الإنسان طبقاً للتقييم العلماني لإغناتيف. ولا يمكن أن تضيف هذه الأسباب الدينية اي صفات شاملة عالمية يجب حمايتها من قبل نظام حقوق الإنسان. المطلوب هو أن تشكل الحماية من المعاملة القاسية وغيرالانسانية والمهينة غرض حقوق الإنسان وجوهر نظام حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، وفقًا لإغناتيف، لا يستلزم الإيمان بحقوق الإنسان الاعتقاد بوجودها بشكل مستقل عن الغرض الإنساني. كل ما نحتاج إلى تصديقه هو أن حقوق الإنسان وسائل مهمة لحماية البشر من القسوة والقمع والأنحطاط. وبالتالي، ليست هناك حاجة للاعتقاد والإصرار على مصدر إلهي أو طبيعي لحقوق الإنسان. يحرم إغناتيف حقوق الإنسان من أي وضع عقائدي، خشية أن يصبح مصدرًا لوثنية جديدة.

أدى هذا الإنكار لأساس أخلاقي واحد أو متعدد لحقوق الإنسان يمتد عبر العديد من الثقافات والتقاليد إلى الشك السائد في الدوائر الإسلامية التقليدية بأن الإعلان ليس أكثر من استمرار الخطاب الاستعماري المهيمن الذي يفرض إرادته من خلال نظام حقوق الإنسان. فمثلاً انتقد محمد عمارة في كتابه (الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لاحقوق، الكويت: عالم المعرفة، 1985، ص10- 9) الأصولية الإسلامية والعلمانية المسلمة على حد سواء لفشلها في إظهار واثبات حقوق الإنسان ضمن معايير المذاهب الإسلامية الشاملة. إن المعرفة أو الأفكار العلمانية التي تم إنتاجها تحت هيمنة المستشرقين والعقول المسلمة والتي تبعت الهيمنة الثقافية والحضارية الغربية كانت مذنبة بعدم فحص المصادر الإسلامية بعناية قبل الاتفاق مع الأطروحة الغربية التي تقول بعدم كفاية الإسلام وتقاليده التشريعية -القانونية لإصدار أي شيء مشابه الإعلان الدولي لحقوق الإنسان. إن وصفة العلمانيين المسلمين بأنه يجب على المرء أن يستمد حقوق الإنسان من الحضارة الغربية بدلاً من البحث عنها في المصادر الإسلامية، بحسب عمارة، يجب رفضها تمامًا لأنه لأنه ينم عن هيمنة غربية جديدة على المجتمعات الإسلامية.

ليس هناك شك في أن يمكن أن تخدم حقوق الإنسان أغراضاً متعددة يمكن التعبير عنها بطرق عديدة، ليس فقط عبر مجتمعات وثقافات مختلفة، ولكن داخلها كتعبير عن تعددية التقييمات الأخلاقية من قبل الكائن البشري. لا بد من تحديد سبب امتلاك البشر لحقوق في المقام الأول من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في المجتمعات التقليدية والتي تهيمن عليها التصورات الدينية. وهنا نريد أن نأخذ الإسلام عموما والفقه خصوصا حيث يتم التركيز على المسؤوليات دون أي ذكر للحقوق. فعلى الرغم من وجود غرض للحياة الإنسانية، إلا أن على الفرد المسلم أن يؤدي واجباته في المجتمع للتأكد من أن العدالة تسود في جميع المهام والأعمال البشرية. يُنظر إلى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية أو الاحترام المستحق للبشر بشكل صارم في أطار الخير الجماعي او الصالح العام وليس مستقلأً عنه. وتتحدث المذاهب الإسلامية في الوقت نفسه، عن خلق متساو للبشر، وأشتراكهم في الأصل أو النسب، وأنهم هبوا الأحترام والكرامة بوصفهم "أبناء آدم".

سيغلق تخلي إغناتيف عن الحجج الأسسية المتجذرة في الكرامة الإنسانية، والأغراض الإلهية، والقانون الطبيعي، والأفكار الفلسفية والأخلاقية ذات الصلة النقاش في المجتمعات الإسلامية حيث يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان بسهولة أكبر استنادا الى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية والخلق المتساوي للبشر من قبل الله. يُخلق البشر مع عقل بدهي حدسي وقدرة فطرية لمعرفة الصواب من الخطأ؛ ومع ذلك، أنهم بحاجة إلى الأرشاد الدائم والتوجيه المستمر من قبل الله للوفاء بأدوارهم الصحيحة والفاضلة في المجتمع. إن العلاقة بين الذات البشرية والكرامة الإنسانية هي نتيجة الخلق الهادف للبشر، بقصد إرشادهم إلى إنشاء نظام عام عادل. إن تجنب مثل هذه الحجج التأسيسية بوصفها غير مهمة كجزء من "الأدوات السياسية البراغماتية" لتعزيز نظام حقوق الإنسان، يعرض الإعلان نفسه لنسبية غير مقصودة. إن سبب تجنب إغناتيف الحجج الأسسية لأن الإعلان متوافق مع "التعددية الأخلاقية" هو جزء من هذه النسبية غير المقصودة التي تشير إلى أن كل ثقافة وشعب سيحددون في نهاية المطاف الشخصية البشرية ودورها وحماية ما يعتقدون أنه يتفق مع حكمهم الأخلاقي. إن المرجع في الأخلاق هو بالضرورة عمل بشري وليس موقف ايماني؛ ومع ذلك، فإن ما يضر بالكرامة الإنسانية لشخص آخر هو سلوك غير مقبول لا يمكن التوفيق بينه وبين أي نظام لحقوق الإنسان. ومع ذلك، لا أحد يشكك في الحاجة إلى إقناع أولئك الذين يسيئون استخدام حقوق الناس باسم سلطة مقدسة لإعادة النظر في عقائدهم لإدراك التناقض بين ما يقومون بتعليمه وممارسته.

يبين صوغ الإعلان بوضوح أن هناك عدة مصادر رئيسة لكتابة الفقرات الواردة في الوثيقة الحالية. وأن ما جعل من الممكن ظهور هذه اللغة المشتركة لحقوق الإنسان كان هذا التقاربً بدلاً من التمسك بتقاليد ثقافية أو فلسفية واحدة، على الرغم من أن بعض المسلمين يقولون، شكلت القيم الحديثة والعلمانية جوهر معايير وثيقة حقوق الإنسان. قد يكون من الشائع أفتراض أن الحجج حول الكيان الإنساني والكرامة والقانون الطبيعي تميل إلى أن تكون فلسفية ومجردة، وبالتالي من المغري القول ليس هناك الكثير من الأهمية العملية ستكون لها على المحك . لكن مثل هذا الافتراض سيكون متسرعا. فما هو على المحك في تحديد أسس حقوق الإنسان يتعلق في كثير من الاحيان بمدى "شرعية" الحديث عن حقوق الإنسان عند علماء الدين المسلمين. إن نظام حقوق الإنسان الذي يشجع الأجماع على الآراء هو أكثر توافقًا تجاه أحترام العديد من التقاليد الثقافية والفلسفية التي تتقارب أو تتلاقى لدعم مجموعة مماثلة من حقوق الإنسان. هإن ذا التقارب بين التقاليد الإنسانية الإسلامية والعلمانية، على سبيل المثال، وأن كان ليس كاملًا أو مثاليًا، لكنه أيضًا ليس تقارب في حقوق الإنسان من داخل تقاليد ثقافية أو فلسفية حديثة أو علمانية.

يشكك إغناتيف بالحاجة إلى أسس ميتافيزيقية لحقوق الإنسان مبنية على ادعاءات هي أفكار مجردة لا يجوز انتهاكها مثل أن البشر لديهم كرامة فطرية أو طبيعية، أو أنهم قد وهبوا قيمة ذاتية طبيعية وجوهرية. ويرى أن هذه الادعاءات المجردة مثيرة للجدل بذاتها وبالتالي ضارة بالنهوض بحقوق الإنسان وتضعف الحفاظ عليها وتعزيزها. والأفضل - كما يزعم- هو التخلي عن هذه الأنواع من الحجج الأسسية تمامًا والسعي لدعم حقوق الإنسان على أساس ما تفعله هذه الحقوق فعليًا للبشر.

أرى أن حجة إغناتيف خاطئة، فالمطلوب أن تبذل المحاولات على المستوى الدولي لحل الجوانب المثيرة للجدل في الأسس الأخلاقية للإعلان من أجل بناء اجماع متقاطع أو توافق في الآراء بين المواقف الثقافية والميتافزيقية المختلفة لتسجيل التعاون الكامل بين مختلف الشعوب والحكومات لفعل شيء ما أكثر من مجرد الكلام أزاء حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، فإن إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه الوثيقة العلمانية من وجهة النظر الإسلامية هي تهمة النسبية ضد مصادر المركزية الأوروبية للإعلان. لا يمكن الاستخفاف بتهمة النسبية هذه، والطريقة الوحيدة التي يمكن بها التغلب عليها هي الاعتراف بالحاجة إلى الحوار مع ادعاءات أو مطالب المذاهب الشاملة، سواء الدينية أو العلمانية. إن الهدف النهائي من هذا الحوار هو التوصل إلى توافق في الآراء حول الشخصية البشرية المرتبطة بالكرامة الإنسانية كعلامة خاصة للإنسانية التي يحق لها التمتع بحقوق الإنسان غير القابلة للتصرف.

يعتقد إغناتيف أنه على الرغم من أن أسس الاعتقاد في حقوق الإنسان قد تكون قابلة للطعن ومثيرة للخلاف، إلا أن الأسس البرغماتية- العملية للأعتقاد أكثر أماناً لحماية حقوق الإنسان. أرى أن الاعتبارات الأساسية، ضرورية لبناء اجماع متقاطع و توافق في الآراء بين القواعد أو المعاييرالعلمانية والدينية التي تدعم حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، نواجه في مجال "الإيمان" بحماية حقوق الإنسان، مشاكل عبر الثقافات والتقاليد. وبدون تأمين الاتفاقيات النظرية، من الصعب أن نرى كيف يمكننا إقناع العالم الإسلامي بأن الإعلان ليس "دينًا أوروبيًا علمانيًا".

فشل رفض إغناتيف للمصادر الأسسية لأسباب عملية للسماح بظهور نظام عالمي لحقوق الإنسان في فهم أن الثقافات المختلفة ومجموعة واسعة من الحضارات، على الرغم من خلافاتهم الأساسية حول مسائل مثل ما يشكل حياة إنسانية خيرة، لم ينكروا أبدًا وجود مظالم يرتكبها الأقوياء ضد بني البشر. والأهم من ذلك ، كما اثبت جيفري ستوت في كتابه "الديمقراطية والتقليد"، أن المفاهيم الدينية المتضاربة عن الخير في المجال العام، مهما كانت إشكالية، لا تقلل بأي حال من الأحوال من دور العقل العمومي في بناء اجماع متقاطع أو توافق متداخل في المجتمعات التعددية.

Stout, Jeffrey. Democracy and Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004, p. 2,67.

يشير جيفري ستوت – في هذا السياق- إلى اثنين من المفكرين الأميركيين البارزين في الديمقراطية الأمريكية ، وهما جون راولز وريتشارد رورتي، اللذان يريدان تقييد استخدام الأسباب الدينية بشدة في المناقشات العامة حول السياسة. يأخذ ستوت بجدية مخاوف هؤلاء المفكرين وأدعاءات خصومهم. رداً على أفتراضاتهم أو أدعاءاتهم التي تؤدي إلى إخفاء عمليا وواقعيا الأسباب دينية خشية أن يصبحوا غير معقولين لعدم قبولهم مفهوم قائم بذاته للعدالة كنقطة مرجعية ذات صلاحية كونية أو شمولية عالمية في النقاش السياسي في المجتمعات التعددية، يدافع ستوت عن "معقولية" الأسباب الدينية من خلال التركيز على المشاركة والأستماع الى أسباب محددة في الخطاب العام والإشارة إلى أن "يمكن أن يكون الشخص مواطناً معقولاً (متعاونًا اجتماعيًا) دون أن يؤمن بمفهوم مستقل للعدالة أو يلجأ اليه". ويلاحظ أن تعريف راولز للمعقول على أنه استعداد لحكم سلوكه وفقًا لمبدأ قابل للتطبيق عالميًا "يعني ضمنيًا عدم المعقولية كل شخص يختار الخروج من الشمروع التعاقدي، بصرف النظر عن الأسباب التي قد يكون لديه للقيام بذلك.

إن اللجوء إلى الأساس الميتافيزيقي للطبيعة البشرية الذي يؤدي إلى إدراك الحقل المعرفي للأخلاقية المشتركة بين المجموعات الثقافية المتباينة قد يعزز في الواقع من صدقية وصحة الحد الأدنى من الكرامة التي يستحقها جميع البشر طبقاً لحقيقة بسيطة تتمثل في أنهم خلقوا متساوين. وبالتالي، فان التنوع الديني وحتى الأنقسامات الدينية حول ماهو خير ليس أمرا ضاراً ولا معيقاً للبحث عن أعتقاد مشترك بما يجب أن يكون عليه الإنسان إنسانًا وما هي المعايير التي يمكن تحديدها في كل مجموعة من العقائد الشاملة التي التي تؤمن بها المجتمعات الدينية المختلفة والتي تتوافق مع الغرض المعلن لحقوق الإنسان، ألا وهو حماية الإنسان وكرامته. ومع ذلك ، يؤكد إغناتيف أن الالتزامات العالمية المتضمنة في حقوق الإنسان يمكن أن تتوافق مع النظريات الشاملة العالمية الأخرى فقط إذا كانت الشمولية العالمية المنصوص عليها في الإعلان هي "الحد الأدنى".

إن هذا مثير للمشاكل في المجتمع الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول أوصاف "رقيقة" و"الحد الأدنى" التي تعتمد على أوصاف "كثيفة" و"الحد الأعلى" للمذاهب الشاملة التي تعتقد فيها المجتمعات المختلفة. لدي المجتمع العالمي الكثير ليقوله عن إنجازاته (وإخفاقاته)، ولدى الإسلام مايضيفه إلى مناقشات المركزية الأوربية حول حقوق الإنسان ليصبح مشاركًا كاملاً في تطوير نظام حقوق الإنسان. هذا أمر إشكالي في المجتمعات الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول الأوصاف "الرقيقة" و"الحد الأدنى" التي تعتمد على الأوصاف "السميكة" و"القصوى" للمذاهب الشاملة التي تحتفظ بها المجتمعات المختلفة. والأهم من ذلك، لكي تضع- هذه الأوصاف- قواتها وراء عالمية الحد الأدنى، تحتاج إلى أن تثبت لمجتمعاتها الدينية حول العالم وللمجتمع الدولي أنه من المهم بالنسبة لنظام حقوق الإنسان استخراج مثل هذه "الحد الأدنى" للعالمية المتأصلة في المذاهب الدينية. من غير المفيد أن نتجاهل العقيدة الإسلامية أو أي عقيدة دينية شاملة أخرى باعتبارها ضيقة الفكر أو نسبية بدون أي تأثير في تطوير نظام حقوق الإنسان على الإطلاق.

الحاجة إلى البحث في المصادر الأساسية للعقائد الإسلامية في القرآن والتقليد لتثبت للمسلمين والمجتمع الدولي أنها تتقاسم لغة الأخلاق الإنسانية العالمية، بما في ذلك الكرامة الإنسانية، لتعزيز التزامها بحماية حقوق الإنسان. يتم الطعن في شرعية الإعلان في العالم الإسلامي باعتباره إهانة لوجهة نظر عالمية محورها الله حول غايات الكرامة الإنسانية. ونتيجة الصورة الملوثة للدعوة الغربية الانتقائية لحقوق الإنسان في مناطق معينة من العالم الذي ادى إلى استبعاد الآخرين وكذلك العنف الذي لا نهاية له ضد جماعات معينة، والتي انتهى بها الأمر الى القضاء على الحد الأدنى من الشرعية التي تتمتع بها حقوق الإنسان بين المسلمين أو في العالم الإسلامي. لا يمكن للناس مساعدة أنفسهم وحمايتها دون دعم السلطات الدينية التقليدية التي توفر بالفعل الشرعية لسلطات الدولة التي دأبت سحق حقوق شعبها باستمرار، بينما ترفض هذه السلطات السياسية المطالبة العالمية بالاتفاقيات الدولية. إذا كان من الممكن إثبات أن العقائد الإسلامية تشترك في عالمية حقوق الإنسان، بغض النظر عن الحد الأدنى، فسوف نفتح محادثة حقيقية بين المفهومين العلماني والإسلامي للذات الإنسانية والكرامة الإنسانية لحماية الأفراد المعتدى عليهم. بدون هذا التقدم النظري الأساسي في الجوانب الأساسية لحقوق الإنسان، ستستمر فجوة المصداقية بين الوثيقة الدولية والعالم الإسلامي في الاتساع، مما يجعل من الصعب تصديق أن الأفراد في المجتمعات التقليدية ذات العلاقات المجتمعية القوية يمكنهم ممارسة الفهم الأدنى لقدرتهم على حماية حقوقهم ضد الدولة الاستبدادية وممثليها. 

أتفق مع رأي إغناتيف بأن حقوق الإنسان مهمة لأنها تساعد الناس على مساعدة أنفسهم. ومع ذلك، يعتمد هذا الرأي على الثقة الليبرالية الغربية بالفرد المخوَّل الذي بعد أن نشأ في نظام سياسي ليبرالي، يمكن أن يفهم ويتعهد بحماية نفسه دون وجود نظام ديمقراطي دستوري، فلا يوجد فرد ليس لديه فهم بسيط لما يعني الكفاح من أجل الحقوق المدنية. إنه من الصحيح أن حقوق الإنسان هي لغة التمكين الفردي، وتمكين حماية أنفسهم من الظلم، إلا أن إغناتيف يتحدث في سياق التطور السياسي للأفراد في مجتمع ديمقراطي ليبرالي، حيث يُفهم معنى او تصور مثل الظلم نسبة الى تجربة المرء في نظام ديمقراطي يضمن بعض الحقوق الأساسية لمواطنيها. كيف يمكن للناس في العراق، على سبيل المثال، حماية أنفسهم بهذا النوع من التمكين عندما لا يكون لديهم أي خبرة في رؤية حالتهم الخاصة أو قدراتهم العقلانية كأدوات مهمة لتأكيد إنسانيتهم والدفاع عن أنفسهم؟

إن تفادي إغناتيف لأي اعتبار اسسي على المستوى الدولي يؤدي، في رأيي، إلى فرض تصور غربي للفردية حتى لو كان من الواجب أخذها بمعنى الفردية الأخلاقية التي تحمي التنوع الثقافي. تدعي الفردية الأخلاقية أنها نوع من التفكير الذي يجب أن يحترم الطرق المتنوعة التي يختارها الأفراد ليعيشوا حياتهم. إن طريقة التفكير هذه، وفقًا لإغناتيف، لاتكون فيها حقوق الإنسان سوى أجندة منهجية لـ "الحرية السلبية"، وهي مجموعة أدوات ضد القمع والأضطهاد، يكون للأفراد حرية استخدامها كما يرونها مناسبة في الإطار الأوسع للثقافة والمعتقدات الدينية التي يعيشون فيها. لكن في المجتمعات المسلمة حيث يتصور الناس تقليديًا فرديتهم في سياق حياتهم الجماعية، المطلوب أن تحمي حقوق الإنسان للأفراد كأفراد ضمن جماعات وأن يطلب من الجماعات تحقيق توازن عادل بين الاهتمامات الفردية والجماعية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

علي محمد اليوسفبدءا نسوق شهادات فلسفية متنوعة على مسألة الميتايزيقا التي هي في مقدمة السرديات الكبرى التي نبذتها ما بعد الحداثة بشدة  وما تحمله من محمولات خلافية إشكالية في زوايا الرصد والمعاينة فهيجل يصفها: نحن اذا أمعنا النظر في الميتافيزيقا وجدناها شكلت جزءا من التاريخ الوجودي للإنسان على مر العصور.. كما أعتبر كانط أن ما يدّعيه لا يبنتز من إن العقل هو الذي من شأنه أن يكشف حقيقة الإله هو محض كبرياء لا دليل عليها وتنسى عجز الإنسان المتأصل فيه...عجز الانسان في عدم تاكيده وجود الاله..

إن انساق الميتافيزيقا التي تتدّعي البرهنة العقلية عليها وخلود النفس، أنما رامت هدم أدعاءات الماديين الناكرة للروح والله، كماأعتبر كانط الدين والميتافيزيقا تنهض مع الوهم القائل بأنه بمستطاع ومكنة العقل البشري معرفة أمر الروح وطبيعة العالم وحقيقة الله، لكنه رغم ذلك سعى كانط  دحض أغلوطات الميتافيزيقا الدوغمائية (1).

كما يحدد أندريه لالاند العدمية في معجمه الفلسفي بأنها أول مذهب يقول بعدم وجود أي شي مطلق وثانيا هو مذهب ينفي وجود حقيقة أخلاقية – دينية.

أما نينشة فيقول: إذا كان الفكر الحديث ينظر إلى الوعي الإنساني بأعتباره أغترابا للطاقة الإنسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها عندما تتماهى مع اله أو قوة غير إنسانية بل تطالب الإنسان بالخضوع لها. وأهتم نيتشة بالشعور العفوي لدى الإنسان بنوازعه وغرائزه التي جعل منها أهم العناصر داخل الإنسان الأمر الذي أعتبرتفريغا للطاقة الإنسانية نفسها.هنا نيتشة اراد التعبير عن استنفاد طاقة الانسان الحيوية في الحياة في ركنها السلبي في تضييعها قيم الحياة الى محاولة البرهنة على مسائل الميتافيزيقا التي هي بالنهاية تكون تفريغا للطاقة الحيوية الخلاقة المزروعة بالانسان غريزيا فطريا.

نعود إلى أصل الإشكالية في علاقة الوعي بالمادة والموضوع والطبيعة، وبغض النظر عن حجاجنا الحاضر في أستقراء التاريخ الإنساني الحضاري فقد أصبحت كل من مثالية الوعي الهيجلي ومادية الوعي الماركسي يتجاذبهما التجاوز والاختلاف فالكثير من المفاهيم العصرية الفلسفية والعلمية والتاريخية دحضت وتجاوزت الهيجلية المثالية التأملية عند أكثر من فيلسوف لعل أبرزهم سارتر، براتراندرسل وكذا الحال جرى مع المادية التاريخية لدى ماركس في تبيان نواقص وثغرات ماركس بخاصة في تنبؤاته التي لم يتحقق منها شيئا في معظمها لعل أهمها تنبؤه في أنهيار الرأسمالية التي أنهارت الشيوعية قبلها وتنبؤه بثورة البروليتاريا في تقويض النظم الاستغلالية الامبريالية والنظم الثيوقراطية والدكتاتورية. وقد دحض الفيلسوف هربرت ماركوزة مسّلمة ماركس إن الطبقة العاملة ستقود مستقبل البشرية بسبب الغبن الطبقي الواقع عليها أذ اشار ماركوزة الى أن الرأسمالية العالمية أستطاعت أمتصاص نقمة الطبقة العمالية المنتجة في تحديد ساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعدي لها ووضعت لائحة طويلة تؤمن حقوق العمال مما جعل التناقض الاجحافي بينها وبين أصحاب رؤوس الاموال تخف وتتلاشى بما جعل الطبقة البروليتارية اليوم في ظل النظم الراسمالية تنعم بالحياة التي تؤمن لها حاجاتها الاساسية التي لا تشعرها بالدونية المجتمعية الطبقية..بمختصر التعبير فقد ازالت الراسامالية الامبريالية المعاصرة حدة التناقض الطبقي الذي ساد القرن التاسع ومنتصف العشرين.

كذلك فشل تبشير مارك حتمية انبثاق الثورات الاشتراكية في المجتمعات المتقدمة صناعيا مثل ألمانيا وانكلترا في حينها وإذا بالثورة الاشتراكية الشيوعية تنبثق في روسيا الإقطاعية زراعيا. وربما بقي الكثير من تنبؤات ماركس التي لم تتحقق لا تحضرنا في هذا المجال تم دحضها وبطلانها  بتدبير الرأسمالية ذاتها في تداخلها مع الخط التطوري الخيطي للتاريخ المحكوم بالحتمية الجدلية الذي اعتمدته الماركسية مرتكزا محوريا في قراءة مادية التاريخ.

كما جرت محاولات الترقيع والربط بين ايجابيات الفلسفتين هيجل / ماركس أو مجاوزتها كارث تاريخي فلسفي اقتصادي أنساني ثقافي لم يفقد حيويته الشغالة تماما. لعل أبرز فيلسوف حاول الربط بين الماركسية والوجودية هو سارتر وفشل في ذلك من أيجاد توليفة فلسفية تجمع مابين منطلقات ماركسية مع أخرى وجودية. ومثل هذا الفشل تكرر مع التوسير في كتابه نقد راس المال في محاولته جمع بعض المستجدات التنظيرية البنيوية مع الماركسية فأبتدع ماركسية بلا ماركس وتاريخية بلا تاريخ..

كما إن المدارس الفلسفية الحديثة مثل مذهب البراجماتية عند وليم جيمس وديوي وصولا إلى مدارس وفلسفة الحداثة والنيولبرالية وما بعد الحداثة وفي البنيوية التي أعتمدها التوسير في تفكيك الخطاب الماركسي جذريا معتبرا أياه من الأنساق السردية التاريخية الكبرى التي أنتهى زمنها ومثله فعل شتراوس وفوكو وغيرهما من اقطاب البنيوية، كل ذلك أختتم دورة حياته مع انبثاق عولمة فوكوياما في نهاية التاريخ والانسان الاخير كنظام شمولي في الاتصالات والتكنولوجيا الالكترونية وانتقال المعرفة وعولمة السياسة والاقتصاد والثقافة والهويات المحلية والقومية فوقف التاريخ الإنساني مجددا في بعض المفاهيم على رأسه بدلا من قدميه بشمولية مضامينه المعاصرة، المعرفة، العقائد، الأخلاق، الفنون، القانون، السياسة، القيم، الوعي، القدرات..الخ على سبيل المثال يشير فرانسيس ليوتار وهو أحد ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة  إلى ما سماه أنحلال السرديات الكبرى وجميع الايدلوجيات التي أستهلكها التاريخ البشري والإنسان فأصبحت تلك السرديات اليوم سلعة أستهلاكية تداولية كما في غيرها من السلع ويقصد ليوتار بذلك أن جميع الانساق التاريخية انثروبولوجيا في تطورها الانساني وتعاقباتها المتوالية وامتداداتها التراكمية والنوعية التي أوصلت العالم الإنساني اليوم بأكمله وأدخلته قطارما بعد الحداثة وتتويجا لها قطار العولمة على حد تعبير مارتن أندك.

هذه الأنساق سواء في التاريخ والسياسة أو في الآداب والفنون التي نفسها أستهلكها الإنسان أيضا، والتطاول الزمني الذي غادرها أصبحت اليوم سلعة أستهلاكية يحكمها قانون العرض والطلب ولم تعد توجد يقينيات ثابتة في جميع المعارف والايديولوجيات والإنساق الفلسفية فالكل حان أوان ضرورة مراجعته بنقدية عنيفة وتقليب صفحاته.

أعتبر ليوتار أن المظاهر الأساسية للحداثة اليوم هي ثلاث، الأولى تحرر الذات من رؤى العالم الدينية والصوفية، الثانية فكرة التاريخ بوصفها تمثل التقدم العقلاني للإنسانية، الثالثة هي إمكانيات مقاومة جعل الحياة برمتها سلعة استهلاكية.1)

أما بورديار وهو من فلاسفة ما بعد الحداثة أيضا فيذهب  في تحليله ما فوق الواقعية في التاريخ المعاصر بأكثر الطرق براعة في كتابه (وهم النهاية 1994) أنه مع تسارع عملية التغيير والتحول اثناء سير الحداثة فاننا وصلنا ألآن إلى النقطة التي تحدث عندها الأمور بسرعة كبيرة جدا لتحقيق المعنى.وإن تسارع الحداثة والتكنولوجيا والأحداث ووسائل الاتصالات والإعلام والتبادلات الاقتصادية والسياسية والجنسية قد دفعتنا للهروب من السرعة وجعلتنا نتحرر من المجال المرجعي للواقع والتاريخ ويزعم بورديار أن درجة البطء ودرجة المسافة ودرجة التحرر مطلوبة لأحداث نوع من التكثيف أو التبلور المهم لأحداث التاريخ التي نسميها تاريخا والتي قد فقدت في الثقافة المعاصرة (2).

ووفقا لخصوم ما بعد الحداثة فهي مراهق مدلل بشكل أناني بصورته الذاتية كوسيط لأحداث البدع والأزياء من الثقافة الحديثة الواسعة ويتجلى هذا الموقف في تقلبات مشهد الفن المعاصر الذي فقد كل اتصال مع الحقائق اليومية وفقد أهتمامه بالجمهور العام ودخل النخبوية في أضيق حضورها وتعتبر فنون اللامفهوم اليوم هي ذروة الخروج على جميع مواضعات ما يتصف به الفن من خصوصية ظل محتفظا بها الى ما قبل بروز ما بعد الحداثة في الفن.

وفي دراسات وسائل الإعلام نجد الافتنان بـ(السايبورغ) الكائنات الخرافية نصفها إنسان ونصفها الآخر اله أو حيوان كما يجري الاهتمام بالفضاء الالكتروني والخيال العلمي والسبرانية أو علم الضبط والتحكم الآلي الذي تتطلع جميعها نحو مستقبل تبدأ فيه الاختلافات بين البشر بطمس نفسها ويبدو من خلال ذلك أنه يتوجب علينا أن ننسى تماما أكثر من بليون شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة والكهرباء ناهيك عن شبكة الانترنيت العالمية(3).

يقول تايلور في معرض نقده لمفاهيم العولمة: الشر كل الشر في تبني رؤية ليبرالية جديدة تتعامى عن التناقضات الثقافية الكبرى وتؤمن بأن العولمة هي الحل الأمثل. عبارة تايلور السابقة ليست نقدا تصحيحيا صائبا وإنما هي تحامل غير مسوّغ يجافي الواقع لأن التناقضات الثقافية الكبرى التي أشار لها هي في طريقها إلى الانفراج والتراجع بضوء تطور الاتصالات وتبادل المثاقفة بين شعوب العالم قاطبة صغيرها وكبيرها قوّيها وضعيفها أصبحت المثاقفة العالمية اليوم ليس عامل تغذية التضاد والاختلاف والعداء المستحكم الذي كان سائدا في ظل هيمنة الايديولوجيات السياسية المنغلقة على نفسها أو ما يسمى الأنساق الكبرى، لذا فان مفاهيم ما بعد الحداثة والعولمة بفتحها باب التثاقف والاتصالات عالميا بين الشعوب وتبادل المعلومات والمعارف والتكنولوجيا وبروز وسيلة الانترنيت العابر للقارات والفضاءات في لحظات،  فتحت بابا كانت تعتقد أن مفاتيح غلقه وإيصاده بوجه من تشاء أميركا وأوربا لم يعد قائما من الناحية العملية وغير متاح ولا متيّسر في فقدان السيطرة وأنفلات مظاهر العولمة وتغطيتها لكل شعوب المعمورة قاطبة بدون تمييز.بمختصر العبارة أن العالم اليوم يتجه نحو مركزية مدنية ليست بالمعنى الحضاري المختص توّحد البشرية في صهر الهويات الثقافية من دون الغاء خصوصياتها، اذا ما توخينا حسن النية أن تكون العولمة في صلب أهتمامتها خارج جنون السياسة وفرض الهيمنة، في أن تكون السياسة ليست هي الوسيلة لتحقيق المثاقفة الحضارية. وجنون السياسة غير الرشيدة تكون المثاقفة الحضارية عالميا هي الكفيل الوحيد للجم طموحات السياسة المجنونة اللاعقلانية التي تتجاذبها أحيانا الفوضى.

أن التحوّطات غير المبررة عندما نتصور أن بأمكان نظام أستقطابي مركزي يمتلك كل الوسائل في صهر وتذويب خصوصيات العالم سياسيا أو اقتصاديا، أن يكون بمقدوره ومكنته تذويب الهويات العالمبة الثقافية الحضارية في مركزية محورية تدور حولها افلاك التنوعات الثقافية بميزاتها الهووية التي تريد الحفاظ عليها.

أن من مميزات معارف ومفاهيم فلسفة ما بعد الحداثة والعولمة إنها ليست مصطلحات أو  مسلمات متفق عليها أو ثابتة بل هي مفاهيم متغيرة تحتمل خلق إشكاليات التفسير والاختلاف والتأويل النفعي وكذلك في الدراسة والتناول وأحيانا نجد أختصار التداخل والاندماج العضوي ما بين الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة يأتي لصالح خلق تطرف قسري ناعم، لما يجب أن نعترف به معطيات معرفية عالمية ودخول العالم في معترك تصورات وتنظيرات جديدة في مختلف المناجي الحياتية.

هذا التطرف نجد مثاله في أفكار جون راولز (1921- 2002) اذ كان من أول المنادين في ظل مفاهيم العولمة هو أن يسمح في عالم اليوم بوجود دول (مارقة) خارقة للقوانين ومنتهكه لحقوق الإنسان ومعرضة السلام للخطر، ضد هذا الصنف من الدول يبيح جون راولز التدخل العسكري المسلح ويعتبره مشروعا في إسقاط أنظمة تلك الدول وواضح هنا إن هذه الفكرة برغم مظاهر جدتها فهي تجعله قريبا من فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة(4).

تأسيسا على التطبيق العملي لأفكار راولز في منطقة الشرق الأوسط بما عرف بثورات الربيع العربي التي تم إسقاط أنظمة دكتاتورية أستبدادية داست حقوق الإنسان الأولية المشروعة بالأحذية ولم تقم لطموحات شعوبها أي وزن في الحريات الأساسية ولا في الديمقراطية فكانت نهايتها بتدخل أجنبي عسكري مشرعن دوليا أو غير مشرعن جرى ذلك في العراق وليبيا وتونس واليمن وأفغانستان وباكستان والسودان وغيرها وهي بالفعل أنظمة دكتاتورية مارقة ظالمة لأبعد الحدود لكن ماذا بعد هذا التدخل وانهيار انظمة الدكتاتوريات؟ مرحلة ما بعد السقوط التي تعيشها الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بعد التدخل العسكري الأجنبي أورث تلك الشعوب بما أطلقت عليه الولايات المتحدة (الفوضى الخلاقة) التي أفرزت وأنعشت الإرهاب والتطرف الديني والسياسي أكثر من المتوقع في إدخال تلك الشعوب قسرا بقطار الحداثة والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، الأهداف التي بررت التدخل الأجنبي في إسقاط الدكتاتوريات في أفغانستان وبعض الدول العربية وكانت في المحصلة النهائية فوضى ليست خلاقة بل فوضى مدمرة انعشت التطرف المذهبي الديني والارهاب.

أما عن (البنبوية) من حيث هي تيار وحركة فلسفية نقدية في الحداثة شملت كما هو معلوم مجالات انسانية تاريخية ثقافية عديدة فالانثروبولوجيا عند كلود ليفي شتراوس والتحليل النفسي عند جاك لاكان والأدب عند رولان بارت والفلسفة عند لويس التوسير وميشيل فوكو، تشكلت البنيوية من تيارين تيار ينتصر للنسقية الكلية ويمثله شتراوس ولاكان وبارت والتوسير وتيار يقول بالاختلاف والتنوع ويمثله فوكو وديلوز ودريدا 5).

كما يذكر.دكتور مجدي عبد الحافظ إن النطاق الثقافي لما بعد الحداثة يوحي بشدة بالتعددية النقدية كما إن شرط ما بعد الحداثي هنا سيعتبر توصيفا لحالة تاريخية تدخل في قطيعة مباشرة مع الحداثة فتعمل على التخلي عن السرديات الكبرى أو الأنساق الفكرية المغلقة المرتبطة بالايديولوجيات التي كانت تطمح في إعطاء معنى كوني لحياة الإنسان مثل الفلسفات العديدة والطوباويات السياسية والايدولوجيات بعامة.

كما إن جاك دريدا في كتابه (الجراماتولوجيا) تعتريه فكرة التناقض حول العقل ولعل هذا التناقض يكمن في أن النص الكتابي الذي يعتمده دريدا بعد أن أستبعد نموذج الكلام، يرتبط بالاله اليهودي الذي كتب النص بيده مما يجعل النص المقصود (أثرا غائبا) ضاعت منه العلامات والمادة وإذا أضفنا إن دريدا يدّعي ببرنامجه هذا نقد الميتافيزيقيا بل الفكر الغائي ذاته ولسنا في معرض خلاف أو نقد أو حتى تناقض معه، ولعل هذا ما سبق ووضع هابرماس يده عليه في معرض نقده لـــ(جاك دريدا) عندما وجده يحاول تجاوز الميتافيزيقيا عن طريق (الدين) والصوفية اليهودية وهو ما أعتبره معاديا للعقل ولا يصب في الخط الحدائي بل ويناقضه(6).

كما إن جان فرانسو ليوتار فيلسوف ما بعد الحداثة كما مربنا يريد من الإنسان أن يكون واقعيا تجاه واقع الإنسان الذي يحياه الإنسان الغارق إلى أقصى حد في هيمنة التقنيات والعلوم على وجوده. اذ يطالبه بأن يتعايش مع تلك الهيمنة، لكن من دون ان يمنح التقنيات والعلوم اية ثقة، فمثلها لا يمكن منحه الثقة من أجل رفاهية الإنسان، ويبشر ليوتار هنا بحقبة ما بعد الحداثة، التي ستضمن برأيه الحفاظ على التنوع، عندها يجب على كل فرد ان يتكيف مع التنوع الثقافي للأخر، وبعيدا أن يكون معنى التكيف أن ينصهر الفرد في نموذج حضاري واحد. فليس ثمة معيار أو حكم أعلى يمكنه أن يفصل بين ماهو خير أو شر لدى مختلف الأطراف الحضارية(7).

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.........................

(1) د. محمد الشيخ / عالم الفكر، مج41، 2012، ص 28،29،37.

(2) المصدر السابق، ص10.

(3) المصدر السابق، ص36.

4) انظر د. عبدالرزاق الداودي، عالم الفكر، مج41، 2012، الفلسفة والثقافة في عصر العولمة، ص185.

6) د. مجدي عبدالحافظ / مصدر سابق / ص 152.

7) المصدر السابق، ص156.

 

 

زهير الخويلدي"كل فلسفة جديدة تبني ذاتها على أنقاض ما كانت قد رفضته من الفلسفات السابقة لها"1[1]

يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى التعليم بصفة عامة وتعليم الفلسفة بشكل مخصوص إلى الشروع في عملية تغييرية جذرية في المشهد التربوي وذلك بعد التراجع الملحوظ في المستوى والفشل في التكوين والاكتفاء بالبرمجة الآلية للعقول وإعادة إنتاج الأنظمة المعرفية والمراتب الاجتماعية القائمة والتغاضي عن الابتكار واتساع الفجوة الرقمية الفاصلة عن الدول التي حققت أرقاما وبلغت مستوى عالي في الجودة.

 أن ننشغل مع الناس بالفلسفة هو أن نجعلهم يتعلمون التفكير في حياتهم ويعيشون تفكيرهم وأن نستثمر كل التجارب التي يعيشونها في وجودهم اليومي من أجل الظفر بالمعنى واستخلاص العبر والفوز بالدروس وأن نفكر بطريقة مغايرة للسائد ونتفلسف على نحو مختلف من الأطر المرجعية للتفكير والنماذج المقولبة.

يقوم التعليم بمهام حيوية متنوعة تتجاوز جدران المؤسسات التي يتم فيها وتؤدي الفلسفة وظائف نوعية في تغيير الذهنيات وتهذيب الأنفس وتدريب الأجساد على الاعتدال وتثوير الأنظمة وتطوير المكاسب المدنية ويحتاج تعليم الفلسفة بين الفينة والأخرى التفاتة حقيقية من أجل تشريح السائد وضخ دماء منهجية جديدة.

يتعلق الأمر هاهنا بالتعلمية الفلسفية وليس ببيداغوجيا الدرس الفلسفي فقط ولا بمجرد إتباع منهجية للمقالة الفلسفية ولا بتحليل النصوص الفلسفية فحسب ويدور في فلك العلاقة القائمة والممكنة بين الفلسفة والتربية وفي محيط البرامج والمخططات والأفعال والأدوات وحول ميدان التطبيق والتجارب والغايات والأهداف.

تراهن التعلمية الفلسفية من وجهة نظر معاصرة على عملية شحذ التفكير الفلسفي من حيث هي موجهة نحو تنمية المهارة الأصلية لدى محبي الحكمة وتربطها بفهم دلالات الأحداث وتسويغ مختلف المواقف وتشتغل على جعل المربي متفلسفا من جهة الذكاء والإبداع والالتزام وتضمين الموقف البيداغوجي رؤية فلسفية واضحة المعالم ومفتوحة على الابتكار والإضافة تستوعب المتغيرات المعرفية والعناصر المتعددة.

المطلب الحقيقي الذي تتوجه به التربية إلى الفلسفة من خلال إيجاد رواق يتحمل أعباء معالجة مشاكلها والتغلب على مزالقها ومساعدتها على إخراجها من أزمتها يكاد يوازي المطلب الفعلي الذي تتوجه به الفلسفة نحو التربية من خلال بناء تعلمية ضمن رؤية معاصرة توقف حالة الفرار من صرامتها وجديتها وتضع حدا لمشاعر النفور من دروسها والعزوف عن كتبها والهروب من مفاهيمها وشخصياتها العجيبة.

لقد حدث تحول كبير في الفلسفة بسبب التغيرات التي وقعت على صعيد العلوم والمعرفة والثقافة وتبعه نفس الشيء على المستوى التربوي ويترتب عن ذلك القيام بتثوير طرائق تعليم الفلسفة والتربية عليها.

فكيف تعمل الفلسفة على تربية الإنسان على التمسك بالمبدأ والالتزام بالقيم والمثابرة على المنهج القويم؟ وماذا تضيف التربية إلى الفلسفة على مستوى النظر العقلي في العالم والتطبيق الميداني للقيم في المجتمع؟ وما المقصود بتعلمية فلسفية معاصرة؟ هل هي فلسفة معاصرة في التربية أم تربية معاصرة على الفلسفة؟ وأين يكمن التجديد على وجه التحديد؟ هل هو في المناهج المتبعة أو في إعادة تحيين المضامين والأسس؟ ومتى يحدث الإقلاع الفلسفي بالمشهد التربوي ومن ناحية مقابلة يتبلور التثوير التربوي للحقل الفلسفي؟ وكيف تمثل العلمانية شرط إمكان قيام تعلمية فلسفية للديني متلائمة مع التغيرات المجتمعية؟ وماهو الدور التربوي للفلسفة والدور الفلسفي للتربية في التوقي من التطرف العنيف والابتعاد عن الحلول القصووية؟ وعن أي تعلمية فلسفية تبحث التربية المعاصرة؟ وإلى أي مدى يمكن تصور وجود تربية دون فلسفة وكذلك فلسفة دون تعلمية وأيضا تعلمية دون معاصرة؟ هل يكتفي المربي بتدريس ما يعرفه عن الفلسفة أم يبحث من خلال الدرس وبمعية محبي الحكمة في ما لا يعرفه؟ وكيف يتفلسف كل مربي على طريقته ووفق أسلوبه؟ أليس تربية الإنسان بطريقة علمانية حوارية هو الغرض من الفلسفة النقدية التواصلية؟

يتبع التفكير الفلسفي في هذه الإشكاليات باللحظات المنطقية التالية:

- حدوث تحول في الفلسفة

- أولوية علمنة الفضاء التربوي

- التربية على الروح الفلسفية

- المرونة عند التغيير التاريخي

- المصداقية عند الاختبار العملي

ماهو مطلوب على محك النظر العقلي وفي الميزان المستقيم للعمل يكمن في تفادي المعارف الثابتة في مجالي التربية والفلسفة والنشاطوية العقيمة من طرف أشباه المربيين والسفسطائيين الجدد الذي يتاجرون بالمهنة والحرص على كسب المعارف النافعة للحاضر وإعداد الخبرات التي تتناسب مع تحديات المستقبل وجعل ممارسة التفلسف محور العملية التربوية واستثمار الإنتاج الأكاديمي في اتجاه الفضاء العمومي.

إذا كانت العلوم والتقنيات والفنون تتطور سريعا زمن العولمة فماذا عن التحولات التي تخضع لها الفلسفة؟

1- حدوث تحول في الفلسفة:

"الفلسفة هي في الواقع هذا السباق من المتغيرات التي تولي اهتماما لمرورهh إلى الحد الأقصى "2[2]

لقد شهدت الفلسفة خلال تاريخها الطويل حدوث العديد من التحولات والانزياح ، فلقد انتقلت من الاهتمام بالطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان، ومن اللف والدوران حول الكائن البشري إلى الاهتمام بالعلاقات التي يقيمها في محيطه سواء مع العالم أو مع غيره ، ولقد تبدلت أيضا في مستوى الموضوع فهي لم تعد فلسفة ماهية وجوهر ومفهوم بل صارت فلسفة وجود وواقعة وتجربة ولم تعد فلسفة ذات تفتش عن سبل تحصيل الوعي المطلق وبلوغ شمولية الفكرة الكلية بل صارت فلسفة لغة تصف أفعال الخطاب وتدبر معنى الحياة.

التحول في الفلسفة المعاصرة لم يحدث في مستوى الباراديغمات على رأي بعض المؤرخين: باراديغم الوجود ثم بارديغم الذات ثم باراديغم اللغة3[3]، وإنما أيضا في مستوى العبارة الفلسفية المستعملة نفسها فهي لم تعد اللغة المتداولة في الحياة اليومية ولا اللغة المستقرة في المجال الديني ولا اللغة المستعملة في العلم وإنما اللغة الرقمية التي يتم ضخها في شكل صور ورموز وأرقام ورسوم بيانية في العالم الافتراضي4[4].

لقد عبر كارل أتو أبل عن هذا الانزياح الهائل بربط الفلسفة المتعالية الكانطية بلغة الاتصالات الحديثة واعتبر الكلام الشرط القبلي لكل فهم سديد والكلية المتعالية الأولى التي تسمح بالبناء المنطقي للمعرفة5[5].

إذا كانت الفلسفة قد تعودت على التأسيس بالمعنى النقدي من خلال تجريد النظريات والمعارف التي تنتمي إلى العلوم الدقيقة واستخلاص ما يتناسب مع المصالح التي تتعلق بالمعرفة الإنسانية فإن المطلوب هو وضع برنامج للمعرفة العلمية ينجز وساطة بين النظرية والتطبيق عبر الأنثربولوجيا الفلسفة الاجتماعية.

لقد تمحور اهتمام الفلسفة المعاصرة حول التفكير في الآفاق الممكنة للتوسط بين النظرية والممارسة من خلال إعداد المبادئ التوجيهية للإنسان في العالم بغية استخدام التقدم المنهجي في إعادة البناء التاريخي.

بهذا المعنى يكمن التحول في الفلسفة المعاصرة في الانتقال من فلسفة متعالية للذات الخاصة إلى فلسفة تهتم بالبيذاتية والكليات التداولية وتسمح بالتواصل وتسهم في قيام إيتيقا النقاش وفق رؤية براغماتية عامة. على هذا الأساس سمح الاهتمام باللغة للفلسفة من الانفتاح على العالم والتفكير في الغيرية والتعددية الثقافية والنسبية المعرفية واستثمار الفهم القبلي الذي يتضمنه الشعر والأدب والكلام اليومي في مواجهة الراهن.

لقد تبدل الوضع الحالي للفلسفة بحيث صارت تهتم بدلالة اللغة وتصف عالم الحياة وتتدبر الذات عبر وساطة الرموز والنصوص وتتخلي عن المفهوم الفلسفي للحقيقة كشرط لأي علم وتحرص على التقاط المعنى ضمن التجارب التي يجريها الإنسان في وضعها التاريخي وتقوم بتأويل الوجود الاجتماعي وتجعل من النظرية النقدية للعلوم استراتيجية للتحرر الاجتماعي من الاغتراب وتسعى الى الاعتراف المتبادل.

هكذا ترتبط أنثربولوجيا المعرفة بالفلسفة التحليلية وتستخدم علوم الذهن من أجل تطوير نظرية في المعرفة تنقد الإيديولوجيا وتبحث في التطبيق المادي للمبادئ والقواعد التي تخص السلوك البشري وتفكر في تطور الذكاء الاصطناعي والبرمجيات الرقمية دون الوقوع في الاختزال والتبسيط والآلية الفجة.

يظهر البعد المزدوج للتحول الذي طرأ على الفلسفة المعاصرة حسب كارل أوتو آبل6[6] في المكانة الأولية التي تم منحها للغة من بين المفاهيم الأخرى من ناحية وفي الانتقال من الاهتمام بالذات العارفة من وجهة نظر الفلسفة المتعالية إلى البحث في الاجتماع البشري من زاوية التواصل وفق محاجة براغماتية واقعية وفي اتجاه رؤية ديمقراطية مشبعة بالنقاش العمومي وتحمل مسؤولية التبعات عند القيام الأفعال والوعود.

جملة القول أن عاجلية الفلسفة في الوقت الراهن تكمن في تعبيرها عن مشاكل الناس ونقد الحالة الحاضرة وبناء الشروط المواتية للخروج من التوتر بين الراهن والممكن وقول الحقيقة بصراحة ودون مواربة والنظر في المستقبل بحسب ما تقتضيه حجم الموارد الحيوية والاستراتيجيات المادية التي تضمن البقاء.

علاوة على ذلك تطرح الفلسفة جانبا كل الأوهام التقنية المعاصرة وتحدث ممرا في النسيج التاريخ للسلطة يسمح للحرية بالنمو والتبلور على الصعيد الاجتماعي والسياسي وتجدد رؤية البشر للزمان والعالم المحيط بهم وتتخلى عن اللغة الميتافيزيقية البالية وتتكلم بلهجة متداولة ولسان مبين وتشجع على الخلق والابداع.

كما تقاوم الفلسفة المعاصرة الغباء المبرمج والجهل المركب والحمق الموروث والبلاهة العلمية والوعي الزائف والمعرفة العمياء وتدافع عن المدينة ضد الهمجية التي تحاصرها وعن الحياة ضد العدمية التي تهددها وتركب المخاطر بغية التوقي من الحروب المدمرة والكوارث المهلكة وتتشبث بالحياة والأمل.

بطبيعة الحال تظل الفلسفة المعاصرة على استعداد تام للتفاعل مع الطارئ والمداهم والآتي والعرضي وفي أهبة لكي ما ليس موجودا بعد وكل ما سيحمله المستقبل للعالم من تغيرات وتحولات وغرائب وتعد نفسها لكي تواكب هذه الطوارئ وتنتقل من لحظة الوقاية إلى لحظة العلاج ومن رد الفعل إلى المبادرة.

غني عن البيان أن التعلمية الجديدة هي الأداة البيداغوجية الممكنة التي تستخدمها الفلسفة لكي تحارب في كل اتجاه وتشغل العقل في جميع الجبهات وتخوض التجارب في حقول متنوعة قصد المناورة والتكتيك والإقبال والإدبار وبغية ممارسة الترحال والسفر والهجرة والتسآل والبحث عن البدائل وإيجاد الحلول.

بهذا المعنى يترتب عن التحول الذي حدث للفلسفة في الحقبة المعاصرة معانقة الثورة والتغيير الجذري والمراجعة الهيكلية والتثوير الشامل للأبنية والمقولات والآليات والإبحار إلى الأعماق وتسلق الأعالي.

لكن ماذا لو كان من الحكمة اعتبار الواقع الافتراضي هو واقعنا الجديد؟ وهل من الممكن إعادة تأهيل الحكمة، بالمعنى الفلسفي للمصطلح، في عالم رقمي أصبح واقعنا الجديد بدل هذا العالم القديم التقليدي؟ وكيف يتم الاستفادة من هذه الثورة الرقمية الراهنة والتحول نحو التداولية في بناء تعلمية فلسفية مختلفة؟ أليس من المفروض تجذير العلمنة في التربية بغية تخليصها من كل الموانع اللاهوتية التي تشل الإبداع؟

2- أولوية علمنة الفضاء التربوي:

" لا تعني العلمنة فقط فقدان أو سقوط من الفضاء المقدس إلى الفضاء العادي، من الجماعة العضوية إلى الاجتماع بروابط الاتفاق، أو أيضا، من حضور الوجود إلى نسيانه، إنها تشير أيضا إلى حركة انعتاق"7[7]

إذا كانت أصول مفهوم العلمنة ضاربة في القدم وتعود إلى الفترة التي انتقل فيها الناس من الوحدة السحرية المقدسة للمجتمع العتيق إلى الأشكال الأولى من المجتمع المتحضر فإن مسار العلمنة لم يجد تطوره العميق إلا في القرن الأخير من التاريخ العالمي وفق المنظور الغربي حينما ظهر المجال الخاص وأتم انفصاله عن المجال العام وبدأ الجسم السياسي يتشكل خارج علاقات القرابة ووفق مبدأ المواطنة.

لقد عرف مصطلح العلمنة تاريخا متحركا ،وبدرجة أكثر دقة، مضطربا ولقد استعمل في سياق الحروب الدينية بين المذاهب بغية تشييد أرضية صلبة تقف عليها جميع الطوائف من أجل التفاوض والتفاهم وقصد الاتفاق على تحرير الشأن الديني من مراقبة السلطة ومساعدة رجال الدين على العودة إلى العالم الدنيوي.

والحق أن هذا المصطلح يستعمل بكيفية وصفية دون أن يتضمن أي حكم معياري مع تزايد الصراع حوله، بينما لفظ العلمانية sécularisme وظف في أغراض إيديولوجية مع شحنه بأحكام قيمة سلبية أو ايجابية.

أما من الناحية الايتيمولوجية فإن العلمنة تعني عرض الخيرات الدنيوية التي تمتلكها المؤسسة الدينية على النقاش العام والتقليص من النفوذ الذي تتمتع به المنظومة الدينية على الناس من جهة الوظائف أو الفوائد.

من الناحية الاصطلاحية يمكن استخراج مجموعة من التعريفات الآتية:

- العلمنة هي الفعل الذي يتم به التعامل مع رجال الدين أو المؤسسات الدينية على أنها ظواهر دنيوية تخضع للنسبية والتغير وتتعرض للتطور وبالتالي تمثل حركة قانونية تمر بمقتضاها من الوضع النظامي إلى الوضع الدنيوي.

- العلمنة هي العملية التي يتم بمقتضاها تحويل فائدة خاصة على ذمة السلطة الدينية إلى فائدة عامة على ذمة السلطة السياسية.

- العلمنة هي النشاط الذي يؤدي إلى إلغاء وظيفة الهيمنة التي تتمتع بها مؤسسة دينية ووضعها على ذمة الهيئات الدستورية والمؤسسات السياسية.

- العلمنة هي الحركة التي بمقتضاها يتم منح خاصية دنيوية غير دينية وغير مقدسة إلى أشخاص أو مؤسسات وهيئات مدنية.

- العلمنة هي مسار من الاستبعاد التطوري لكل عنصر ديني يمارس تأثيرا في الحياة الإنسانية.

 تفيد العلمنة في معان فلسفية اللفظ الفرنسي Laïcisation والذي يدل على مسار تفقد عبره أشكال الحياة الاجتماعية وأنظمة المعرفة منزلتها الدينية سواء لما يتم تعويض المتدينين بمواطنين مدنيين أو لما تُحذف الاعتبارات الدينية من المعايير التقييمية للاختيارات الإدارية والأنساق التوجيهية للأفعال البشرية8[8].

لقد قدمت الدراسات العلمية للظواهر الاعتقادية خدمة كبيرة في اتجاه علمنة الحياة الدينية حينما قامت بتحليل هذه الظواهر بالانطلاق من كونها معطيات تجريبية ودون إصدار أحكام معيارية حول قيمتها.

من هذا المنطلق تفيد العلمنة في الأوساط التقدمية المناهضة للسلطات الدينية انعتاق الإنسان الحديث من هيمنة الدين، بينما تدل في الفضاءات المتعلقة بشدة بالتقاليد الدينية الانحراف عن الصراط المستقيم9[9].

بعد ذلك امتدت العلمنة إلى حقول شاسعة وصعدت من الدين والمجتمع والثقافة إلى الوعي والذوق والفرد وتحولت إلى ظاهرة كونية بالنسبة إلى المجتمعات الحديثة وانتشرت بطريقة مذهلة في مستويات الحياة.

بيد أن المجتمع الصناعي هو القوة المحركة لعملية العلمنة ضمن النشاط الاقتصادي وما ترب عنها من تغيير للمنظومة التشريعية في الميدان السياسي والإبقاء على الدين ضمن الحقل العائلي الخاص بالأفراد.

لقد ساهمت حركة العلمنة التي خضع لها المجال الديني في الخروج من فضاء قروسطي عتيق إلى السير العقلي في حقول تجريبية غير معهودة والتكلم مع الطبيعة والتواصل بين الذوات عن طريق لغة رياضية.

بيد أن خضوع الثقافة الدينية إلى العلمنةsécularisation لم يكن ثمرة الصدفة أو استجابة إلى توجهات فردية ومصالح ضيقة وإنما جسد تشكل وجهة نظر فلسفية وانبثق عن شغل فكري جماعي استمر لقرون.

بهذا المعنى يستمد اختيار موضوع العلمنة من أجل تحليل أزمة الحياة المعاصرة من كونها أثارت الانتباه إلى عملية نوعية عبرت مختلف مجالات الواقع الإنساني وميزت الفكر الفلسفي المعاصر من كل أبعاده.

كما تتراوح العلمنة بين معنى عام يرتكز على اختيار نظري وقضية تأويلية للحالة الواقعية للفلسفة ومعنى خاص يتعلق بالممارسة الاجتماعية من جهة البحث العمومي والعناية بالمجال الخاص من طرف الفلسفة. بيد أن المقصود من العلمنة الفلسفية هو مواجهة ضرورة إعادة تعريف منزلة الفلسفة بين الاختصاصات الأخرى وإمكانية استبدال الحاجة للتنظير باستعجال تدبير الكون والسكن في العالم وأنسنة العمل المضني.

بطبيعة الحال أضحت المسألة الأساسية في العلمنة الفلسفية هو إعادة وضع الفلسفة في معظم أروقة الثقافة الإنسانية والسعي إلى فتح أشرعتها على مختلف القطاعات المعرفية والرمزية من أجل إيجاد حل للأزمة.

والحق أن مسألة العلمنة قد اجتازت في الآن نفسه حقل الفلسفة وحقل الثقافة وتسببت في أفول المتعالي واندلاع أزمة إيديولوجيات وانحلال ميتافيزيقا العلم وانحسار النزعة التاريخية وخسوف أسطورة التقدم ومراجعة فكرة التاريخ من حيث هي تتابع مجموعة من الأحداث وفق خط مستقيم وبشكل عقلاني منظم.

علاوة على ذلك تشير حركة العلمنة إلى نهاية الفلسفة واقتصارها على مجموعة من التطبيقات العملية خاصة في المجال التواصلي عند هابرماس وفي عدد من التكنولوجيات التي أخضعت لها علوم الطبيعة وتطرح أيضا مسائل أزمة العقل والتفكير السالب والفكر الضعيف وكل الأشكال الناقدة للتقليد الميتافيزيقي.

يمكن كذلك الخروج من الفلسفة التي تهتم بالمبدأ من وجهة نظر متعالية وتبحث عن منهج عقلي للوجود وتنغمس في تطهير الكلام ضمن تمشي تحليلي للغة وفق نموذج مستوحى من العلم وبخوذ عملية تفكيكية لكل الموروث العلمي بفلسفة مفتوحة على الغيرية وعلى الخارج قادرة على تثمين تعدد الرؤى عن العالم.

لم تعد الفلسفة تدور في فلك نظرية متسامحة للثقافة ولا يمكن اختزالها في تفكيك الموروث الماضي ولا يجوز حصرها في الانتباه بقطاع على حساب إهمال قطاع آخر ولا يمكن تغيير موضوعها من مجال إلى آخر وذلك بتقديم يد العون المنهجي لها وإسنادها بالحجج اللازمة وإنما صار لزاما عليها أن تخرج الكائن من المأزق الذي تردى فيه بإخراج نفسها ذاتها من المضيق والانخراط في تجربة مغايرة من التفلسف.

التطرق إلى العلمنة ضمن سياق الخوض في العلاقات الواقعية والممكنة بين الفلسفة والدين التي يجب أن تؤمنها فلسفة الدين وتسهر على تمتينها الفلسفة الدينية هو تناول صيرورة ومصير الفلسفة من أفق المقدس والكف عن البحث عن فلسفة معلمنة بالتمام في صورة معرفة مطلقة والإقرار بوجود قاع تيولوجي لكل فكر يظل في حاجة مستمرة إلى مسارات علمنة وأنسنة من استهلاك ماهو حرام وتحويله إلى أمر عادي.

لقد عرفت كل الأديان بصورة مختلفة ومتفاوتة تجربة العلمنة وتمثلت في محاولة الربط بين ثنائية المقدس والدنيوي وجعل المعتقد الديني يواكب العصر وتمكين المؤمن من تبرير ممارساته التعبدية بالعقل العلمي.

يحمل مصطلح العلمنة دلالة مزدوجة تجمع بين الاعتراضي والتحرري ولقد ظهرت في البداية من حيث هي لحظة داخلية وأساسية في الحقل الديني ولكنها ما لبثت أن انتشرت في معظم الثقافة وأصبحت تعد المصير الذي ينتظر الإنسانية في المستقبل إذا ما تواصل على نفس المنوال تحديث وعقلنة تجربة القداسة.

بهذا المعنى تأثر الفكر الغربي بالفكر الوضعي بحيث "انغرست العلمنة في ماهية الدين الغربي ذاته (اليهودية والمسيحية)، من حيث هي تموضع تقني علمي للعالم في التأمل الإغريقي الأكثر عراقة"10[10].

لقد ترتب عن ذلك انقطاع الممارسة التشريعية عن العودة إلى الأصول الدينية وتوجه الفلسفة نحو تحرير الكائن البشري من وصاية اللاهوت وسيطرة التفكير الماورائي وإحداث قطيعة بين بعد الحاضر والذاكرة. لم تعد مهمة فلسفة العلمنة تنحصر في جعل العالم المقدس عالما عاديا وتمثل الأبعاد الدنيوية من الحياة واستبعاد الافتراضات الأخروية وإنما تتمثل في استذكار معنى الوجود خارج إطار ميتافيزيقا الحضور. بهذا المعنى تتخطى العلمنة مستوى الموجودات وتبلغ منابت الشعور الديني وأصول التبعية لللاّنهائي والوعي بالحاجة إلى المطلق وتجتاز النظام التاريخي والثقافي وتلتقي بالنظام الأنطولوجي لمعنى الوجود.

مقتضى القول أن اقتحام الفكر لتجربة العلمنة لا يتوقف عند التخلص من الدوغما الاعتقاد والتقليد ولا ينحصر في عملية تطهير المقولات الفلسفية من الرواسب الميتافيزيقية بل يستوجب أيضا التسلح بقيم التقدم ضد الارتداد نحو الماضوية والتلقيح من الاغتراب ومنع الديمقراطية من التحول إلى آفة الشمولية.

إذا عدنا إلى الفلسفة النقدية من أجل مواجهة هذه الأزمة المستفحلة فإننا نصطدم بارتياب الفلاسفة وحيرتهم وعزوفهم عن التدخل بصورة فعلية وعجزهم عن التأثير في الواقع والاقتصار على أفعال التأويل والتعليق والمتابعة والتبرير والتجميل والمسايرة والتحليل والتشخيص والانشغال بالدقة المفهومية وتشييد الأنساق.

من جهة ثانية يتم الاستنجاد بالتقنيين الاقتصاديين ورجال السياسة والخبراء في القانون والبرمجيات من أجل تقديم أيادي العون وبلورة جداول إحصائية وصياغة مشروع تنموي بديل وتنزيل المعرفة الأكاديمية في ميادين الإنتاج وحقول العمل قصد رصد الأسباب وتشخيص الأمراض وتحديد الأولويات وضبط الخيارات وتطوير آليات التصنيع وترشيد مسالك التوزيع والاستهلاك والمحافظة على الموازنات المالية وإصلاح المنظومة الجبائية ومراجعة طرق تدخل الدول والرفع من مساهمة المجتمع المدني واستبدال خطة العقلنة من الفوق بخطة العقلنة من تحت واستكمال التحديث وتجذير العلمنة ومواصلة السير في اتجاه ثقافة الديمقراطية والرفع من مؤشرات التحضر والتمدين وتقوية منسوب الأنسنة في العلاقات بين الذوات وبين المجموعات والتعويل على الفاعلين في المراجعة والنقد والمحاسبة والضغط والتعديل. لكن لماذا أدى التخوف من الوقوع في الإيديولوجيا إلى التفكير في التخلي التام عن مصطلح العلمنة من حيث هو غامض ومليء بالمغالطات وكثيرا ما يوقع المشتغل عليه في الخلط بين المفاهيم والخلف المنطقي؟

ماهو مفترض أن مسار العلمنة مرتبط بجملة من الإجراءات الفكرية والحركات المجتمعية التي يمكن أن تقع بصورة متعاقبة ومتزامنة وتتمثل في الانخراط في عملية عقلنة للتحديث ضمن حوكمة للديمقراطية.

إن القوى الرئيسية التي توجد بشكل فعلي وراء انطلاق تجارب العلمنة وانتشارها في عدد من المجالات تكمن في تعبيد مسارات العقلنة التي تم تحريرها بواسطة التحديث أي بواسطة تشييد نظام رأسمالي أولا ثم نظام اجتماعي اقتصادي صناعي في المجتمع بصفة عامة وفي المؤسسات السياسية بشكل خاص11[11].

لقد عبرت الأزمة الاجتماعية عن الوضعية التراجيدية التي يكون عليها الجسم السياسي ويمر بها النشاط الاقتصادي وعن صعوبة المواجهة مع الواقع المعقد والوضع النفسي المتشنج وعن ضعف الفكر العلمي والحاجة العاجلة إلى التدخل المباشر من أجل الإنقاذ وإيقاف الانهيار واستعادة الوعي بالتدارك السريع.

اللافت للنظر أن بعض النظريات السوسيولوجية التي أعقبت الدراسات الماركسية قد أفرغت العلمنة من شحنتها الإيديولوجية وتعاملت معها بوصفها تحقيق للمقاصد الكبرى وانجاز للمطالب الأساسية للدين ذاته.

"لا يستطيع الإنسان أن ينتمي في ذات الوقت إلى الله والى العالم ، وينبغي أن يختار إما الله أو العالم، إما الحياة أو الموت"12[12]. لكن ألا يوجود فرق بين العلمنة والعلوميةscientificité والعلمانية واللائكية؟

 أما العلمانية فهي اللائكيةlaïcité وتفيد حياد المؤسسات العمومية عن الانتماءات الطائفية والولاءات العقدية ويساعد اعتماد مبدأ العلمانية على بلورة صلة بين حب النظام الجمهوري واحترام سيادة العقل.

بهذا المعنى تكون اللائكية مفهوما فلسفيا سياسيا يفترض أن يتم تنظيم المدينة دون الرجوع إلى الأساس الديني وبالاعتماد على الإحالات التي تضمن الحقوق التامة للمواطنين ووفق ما تشير إليه مبادئ العقل.

لا تتوجه النظرة العلمانية التي صوبها بايل وفولتير ودالمبار وكوندرسيه إلى الفصل الكامل بين السياسي والديني فحسب بل تقر بمحايثة الموضوع السياسي وارتباطه بالتدبير البشري من خلال مدراتهم وأفعالهم ومصالحهم ضمن النظام العام للدولة واندراج الشؤون الدينية للنظام الخاص للحياة الإنسانية بشكل دقيق.

فكيف تم علمنة المؤسسة الدينية؟ وهل تم القيام بعملية علمنة المعتقد البشري؟ وما طبيعة المقدس المعلمن؟

" ليست أزمة المقدس تغييب لله من العالم في ذاته، بل تظهر بالفعل نمطا آخر من الصلة بالإلهي"13[13]

من الجلي أن فعل العلمنة لا يشمل الحقول التي انغرست فيها الأديان التاريخية والاجتماعية الكبرى سواء كانت التوحيدية المنزلة أو الطبيعية والوضعية فقط بل يغطي أيضا المجالات التي تتعلق بالمعتقد وحرية الضمير. بالتالي لا يستطيع الكائن البشري أن يعتقد ويختار القناعات الدينية التي يراها تعبر عن تصوراته للعالم وتجسد غائية الحياة البشرية التي يحلم بها إلا إذا مارس التفكير وبرهن على ميزات العقل والفهم والاختيار التي تضعه في مرتبة أنطولوجية مرموقة بالمقارنة مع بقية الكائنات الفاقدة لهذه الخصال. كما يحتفظ مفهوم العلمنة بنجاعة كبيرة وطاقة دلالية هائلة تجعله قادرا على الرد على جل التحديات ومجابهة الظروف الصعبة والإجابة على النقائض والاحراجات التي يخلفها وتخطي كل أشكال المقاومة الدينية له.

مع ظهور العلمنة بشكل رسمي لم يعد الدين يمثل الشأن العام ولم يبقى النسق المرجعي الذي تصدر عنه الحقائق والقيم والموجودات بل صار من المتاح تنسيبه ونقده ومقاربته بصورة علمية وتغييبه وإخراجه. كما تعمل على انجاز عملية إعادة تـأويل للموروث الثقافي من خلال المسارات التي تراكمت على تخومها وترسبت فيها الأشكال الرمزية والتجارب السردية وشكلت شروط إمكان فهم تجربتنا المشتركة عن العالم.

لا تعني العلمنة القول بموت الله وإفراغ العالم من الأرواح والقوى الغيبية والإبقاء على العناصر المادية ونفي التدخل الإلهي في الأرض بل الإيمان بالحرية الإنسانية والفعل البشري وجعل الوحي مجال للتأويل والانطلاق من الكلام الإلهي من حيث مرجعية رمزية للكلام البشري تشحن التاريخ بالدلالات والمعاني.

فعل العلمنة يتصل بالخلق الجديد لتجربة الإيمان عبر إعادة تشكيل النص الديني من خلال ارتياب الاجتهاد والحركة التأويلية الجذرية التي تعيد تأصيل الأصول وتتظنن على الأحكام القطعية وتزرع الشك في اليقين وتكشف زيف الوعود التأسيسية وتستأنف رحلة البحث عن الأقنعة التي تختفي وراءها الأخطاء السياسية.

العالم المعلن ليس مجرد عالم إنساني خال من حضور الإلهي وإنما هو عالم بشري دون آلهة ويتحرك داخل نظام كوسمولوجي يتضمن بدوره الكون بأسره ويجعل أفراد المجتمع في نشاط ثقافي وفكري دائم.

لكن ما دلالة مسار العلمنة بالنسبة للمضامين الدينية في التقاليد والمؤسسات التي دأبت على تأطيرها؟

ما يلفت النظر في الراهن هو أزمة المصداقية التي تعاني منه الأديان وبؤس الوضع الميتافيزيقي للكائن وذلك بعد فقدان المشروعيات الدينية قدرتها على الإقناع والتواصل مع تنوع متطلبات الحياة المعاصرة.

لم تعد الأديان قادرة على تبرير العذاب الذي يعاني منه الإنسان ولا تخفيف الأوجاع بالوعود الوهمية وذلك لكثرة الاستغاثات وطلب النجدة من الآلهة من أجل الإنقاذ والتدخل قصد العناية والعدل الأرضي.

في ظل الحروب الدينية والنزاعات حول المقدس واختفاء الآلهة وعجز القوى الغيبية عن تقديم العون يشعر المؤمن بالسأم والغبن ويكتوي بنار الواقع المر في ظل الفقر المادي والعاطفي والتعاسة الروحية ولا من بديل غير العبث الوجودي والعدمية القيمية واللاأدرية المعرفية وينهال جلدا على ذاته المرهقة.

اللافت للنظر أن العلمنة ليست فقط مسارا سياسيا يختتم بتعليق الحكم في المجال الديني وعدم الاكتراث حيال صمت القانون أمام مسألة الدين الحق بل أيضا مسألة أخلاقية وتتبع مسارا إيتيقيا ينطلق من نظرية تحديد حقل تطبيق القانون في المدرسة الجمهورياتية وتعمل على تدبير التنوع وحلحلة الخلافات وفض النزاعات في المجال التشريعي والميدان المعياري وتنتهي عند وضع قواعد أخلاقية للاحترام والتقدير. لذا تراهن العلمنة على المؤسسة التعليمية من أجل تحييد القناعات الدينية في تنظيم العلاقات والمراهنة على التمرين الفلسفي للعقل من أجل تأسيس قيم ووضع قواعد تساعد معظم الناس في الحصول على حياة جيدة.

على هذا الأساس تجري العلمنة إصلاحات دينية وثورات سياسية والتزامات أخلاقية وتوجيهات تربوية وتغييرات اجتماعية وفعاليات اقتصادية وعقلنة إدارية وتحديث حقوقي وتطور ديمقراطي وأنسنة ثقافية. كما أن العلمنة ممارسة جذرية وصيرورة تاريخية ومسار تنويري وفلسفة نقدية وانقلاب وجودي وفيض معرفي وحقيقة ثورية وسلاح فتاك ضد التقهقر وعملية انعتاقية من الجهل وممارسة عضوية للملتزمين.

والحق أن وظيفة العلمنة هي الحيلولة دون إكمال الإيمان الديني للجماعة انخراطه في المراوحة العقيمة بين الأشكال المدنسة للايديولوجيا والانتظارات الخيالية لليوتوبيا وإخراج المقدس من الأزمة التي يعانيها.

لقد أنتبه الإنسان المعاصر إلى أنه يعيش في عالم معلمن يدفع التقنيات إلى وضع شروط محددة لوجوده ومانعة لكل إرادة بشرية تتوجه نحو فتح أفق من أجل صناعة المستقبل ويظل يتأرجح بين التكرار الأبدي للواحد وإمكانية تحطيم ذاتي للاعتقاد ويغلق الباب أمام إمكانية الذهاب إلى ماهو أبعد من الثنائيات الحدية.

زد على ذلك انتهى الإنسان في الأزمنة الحديثة إلى الإقرار بأن معرفة الطبيعة وإضفاء المشروعية على السلطة من جهة السياسة والحق يقتضي تأسيس القوانين بصورة مستقلة عن الدين وبالاعتماد على العقل.

من جهة أولى يتخذ مسار العلمنة بعدا ذاتيا وبالتحديد عندما تتركز الجهود نحو علمنة المجتمع والثقافة وكذلك تصل إلى الوعي وتطرح مسألة تفكير الأفراد في وجودهم في العالم وتدبير حياتهم الخاصة14[14].

في هذا الإطار يتم إخراج مسائل الهوية والتربية والسلطة والثقافة والفنون من دائرة التأويلات الدينية ويقع التعامل معها من حيث هي رموز حضارية تتنزل ضمن المجال العادي وتتخذ جملة من الأحكام الدنيوية.

من جهة ثانية لا تنحصر العلمنة في المجهود الذي تبذله من أجل تمدين التراث الديني وعقلنة الوعي التاريخي بل تتسع من أجل إعطاء الكلمة إلى النظرية الاجتماعية من أجل إجراء حوارات عميقة مع الواقع والتدخل في قراءة المجتمع وحسم الصراع المجتمعي حول مضمون التحضر واتخاذ القرار حول المصير المحتوم الذي ينتظر الكوكب وبلورة مشروع انسي مركب يراعي التعددية ويتعقل الأحداث. لكن بأي معنى يوجد تناظر بين جهتي العلمنة ؟ وألا تحتاج العلمنة في مستوى الوعي الى العلمنة في المجتمع؟

لقد مست العلمنة جميع شرائح المجتمع وخاصة النساء والشباب في المدن والأرياف بالنسبة للشرائح الثرية والفئات المفقرة ولكن الطبقة الصناعية المنتجة من العمال قد مثلت بنيتها الاجتماعية الاقتصادية. بناء عن ذلك يجوز الحديث عن علمنة شاملة وعن عولمة العلمنة من خلال امتداد القوى الماسكة والفاعلة في مسار العلمنة لكي تغطي العالم بأسره وتصل للمجتمعات التقليدية والثقافات القومية المحافظة15[15].

 لقد قامت القوى الميسرة لعملية العلمنة بإخراجها من مستوى الحضور الداخلي في الوعي المدني إلى السياق المؤسساتي لكي تظهر في السلوك اليومي وتقوم بتنظيم الإجراءات الترتيبية للإدارة وتهيكل الدولة.

بهذا المعنى ليست العلمنة هي محاكاة النموذج المتقدم وتحقيق المزيد من التبعية للمركز عبر الغربنة16[16] بل تعول الوسائل الديناميكية التي توفرها الرأسمالية الصناعية والانتاجات الفكرية والثقافية والفنية للطبقة البرجوازية التي تتمظهر في أساليب الوجود وأشكال الحياة من حيث هي تقليص كبير من نفوذ الإيمانيين.

فعل العلمنة الذي يمكن الانخراط فيه والقيام به بالنسبة إلى المجتمع المدني والدولة لا يجدر تسويغه بتوجه إيديولوجي ولا حالة سياسية تعيشها المؤسسات وإنما هو ظاهرة تاريخية تدفع إليها عدد كبير من العوامل.

لا يمثل المخزون المادي من التراث الديني البنية التحتية للعلمنة ولا تشير الينابيع الروحية والاعتبارات الغيبية إلى البنية الفوقية للتجربة وإنما القاعدة العملية للحياة الاجتماعية والوظيفة التربوية والإيديولوجية.

بهذا المعنى يحتل الجدل حول العلمنة مكانة رئيسية في الدراسات الدينية والعلوم الاجتماعية والثقافية والقانونية والتفكير الفلسفي وتتنزل ضمن النقاش حول مشروعية تصميم العالم الحديث على الانعتاق التام من الموازين الثقيلة التي يمثلها الإرث الديني والتعويل على المراجعة النقدية العلمية والنظرية السياسية والثقافة الأدبية والتعبيرات الفنية والتفكيك الفلسفي من أجل تخطي النزاع التاريخي بين القوى التحديثية والمؤسسات الكونية التي تهتم بصيانة الرسالات السماوية وتسهر على طرق تفسيرها وشرحها للمؤمنين.

لقد حازت العلمنة على دلالتين تعكس التحولات التي حدثت في المعرفة والمجتمع وتتمثل في الإشارة إلى رفض الامتثال لأي مقياس للتقييم سواء كان صادر عن سلطة ماورائية أو نابع من قرار السلطة الدنيوية، ثم الاحتكام إلى الطابع الموضوعي الذي تتميز به اللغة القانونية بحكم انبثاقها عن القدرة التشريعية للعقل.

من هذا المنطلق يشتق اللفظ في الأصل من لغة قانونية و" يعود مصطلح العلمنة إلى نزاع معلن أو خفي بين عالم روحي وعالم أرضي، وكذلك في مجالات الحياة المدنية وفي مجالات الحياة الفردية "19[17].

لقد ترتب عن تفعيل هذه عملية العلمنة تحويل الخيرات الدنيوية من وصاية المؤسسة الدينية إلى حماية المؤسسات الخاصة وحيازة الأفراد وملكية الأجهزة المدنية والإقرار بالأدوار الحقوقية للمعابد في ميدان الحماية الاجتماعية والتربية الدينية وحقوق اللاّمتدينين في تبديل قناعاتهم وتبني تصورات فكرية مختلفة.

فما المقصود بعلمنة الفلسفة ؟ وكيف يجب المضي نحو اتمام علمنة العلمية الفلسفية في الفترة المعاصرة؟

ما يميز المشهد التربوي الراهن هو اندراجه ضمن سياق اجتماعي متقلب يعرف هو بدوره حراك شبابي وصناعة ثقافية وطفرة فنية تركز على ثقافة الترفيه وتنمية القيم النسوية ونقد الموروث الذكوري والأبوي وتوجه رسالة تعليمية تتسم بالتقطع والعمومية والسطحية والاختزالية وتشجع على التسلية والاستمتاع واللعب والاختباء وتحاول إشباع الايروس اليومي ضمن الأروقة الاتصالية ووفق الأساليب الافتراضية.

التركيز على التصوير وعلى الصياغة الرقمية والتكميم والمقاربة التوجيهية كان نتيجة محاولة لمواكبة السمات الأساسية التي يتصف بها الواقع المعولم وبحثا عن اللحاق بالعالم المتطور والمشاركة في التحضر ولكن المحاكاة تظل منقوصة وفاقدة للروح الإبداعية التي تتضمنها وتحولت إلى استنساخ آلي وعدة مسوخ مشوهة للتجارب وتطبيق آلي للنماذج دون إحاطة بالعواقب ودون مراعاة الخصوصيات وبلا فرز علمي.

والحق أن الذهاب في خيار لائكية التعليم الفلسفي في مجتمعات تراثية يؤدي الى مخاطر جمة ويثير ردود أفعال رافضة ويمكن بدل عن ذلك الانخراط في عملية علمنة مدروسة أكثر انفتاحا وتسامحا وعلى مراحل وإذا كانت اللائكية laïcité مفهوما يعبر عن فصل الدين عن شؤون الدولة والحكم وكذلك عدم تدخل رجال الدين في القضايا العامة وفصل دائرة الإيمان عن دائرة الحياة وجعل مسألة المقدس من الأمور الخاصة واذا كانت العلمانيةSécularisme تميز إجرائيا بين المجال العام والمجال الخاص وتتساهل مع معتقدات الأقليات وتحرص على حيادية الدولة وتعاليها على كل الأديان وضمانها للحرية الدينية فإن العلمنة Sécularisation تعني مسارا بطيئا يتحول المجتمع ذو الهوية التراثية والصلة الوثيقة مع القيم والمؤسسات الدينية نحو القيم المدنية والمؤسسات القانونية وعدم تدخل الدولة في القناعات الدينية للناس.

تحتاج العلمنة إلى مجموعة من الإجراءات التي تتعلق بالقيم المدنية والحياة العمومية وبالأرضنة والبعد الزمني والإطار التاريخي والمحيط الجغرافي والمناخ الثقافي وتشرح التعدد والتنوع والاختلاف والفوارق وتستفيد من عقلنة الفضاء السياسي ورقمنة الحقل الإداري وتحييد المؤسسات السيادية وترميز المقدس. فكيف تساعد هذه العلمنة على حسن تقبل القيم الفلسفية الكونية من طرف المتلقي والمربي على السواء؟

3- التربية على الروح الفلسفية:

" ليس على الفيلسوف أن يقدم اليقينيات المريحة ، أو أن يحدد معنى الحياة. دوره هو استكشاف العالم من حولنا لجعله غريبًا... الفلسفة تقوض أساس كل فكر، وتعيده إلى القلب الفارغ حيث يبدو نعم الاحتجاج ، وهناك أيضًا لفتة تعبر الحدود وتمس الغياب ذاته "18[18]

الروح الفلسفية تنهل من الروح النقدية والعقلانية المفتوحة والتفكير التجاوزي ولكنها ترنو إلى أن تتحول إلى روح تأسيسية وعقلانية تطبيقية وتفكير ميداني وتركز على الجهد التأليفي بين الأقطاب المتعارضة.

هنا يتم الانتقال من الاشتغال التخصصي على فلسفة التربية إلى الاعتناء بفنون الحكمة وتجويد الأساليب في البحث الفلسفي والاستعمالات المختلفة والمتنوعة للعقل في المجال الأكاديمي أو في المجال العمومي ويقع توجيه المجهودات نحو التربية على التفلسف في كل اختصاص وميدان بغية امتلاك الروح الفلسفية.

اللافت للنظر أن شرط إمكان التدرب على الروح الفلسفية هو الاشتغال على السيرة الذاتية للشخصيات الفلسفية والتركيز على التجارب الوجودية والمواقف الإنسانية والفضائل الأخلاقية والمبادئ السياسية وخاصة مسألة نبذ العنف وتوطيد السلم والسعي نحو الاندماج ورفض الإقصاء وتفضيل مبدأ المشاركة الجماعية على العمل الفردي والسعي نحو البنائية والتأسيس على المراوحة بين الانتظارية والتواكلية.

من هذا المنطلق بدل أن تكون التعلمية الفلسفية متمحورة حول المفاهيم الكلاسيكية مثل الحقيقة والوجود والماهية والجوهر والزمان والحرية والواجب والإرادة والسعادة والفضيلة والمدينة والنظام والعدالة والعقل والحكم والقيادة والذات والواقع والذوق والجمال والخير والسلم يجدر بها إدخال مفاهيم معاصرة ومعان راهنة مثل المعنى والرغبة والسلطة والشخص والتواصل والكرامة والمسؤولية والتحرر والصفح والإنصاف والاعتراف والاستطاعة والمواطنة والسيادة والحق والحذر والتدبير والعناية والتقدير والجليل.

في هذا الصدد يتم التركيز على منهجية التحليل التوضيحي وعلى التأليف الديناميكي بين معرفة العناصر التكوينية وعقلنة القوى الخارجية والتقليل من الاستنجاد بالمناهج المذهبية العقدية وتجنب المناهج الحدسية المباشرة وتوظيف المناهج الإبداعية والطرق التفاعلية التي تراهن على فاعلية المرسل في بعد الجاهزية الصناعية وتوظيف المهارات وايجابية المرسل إليه في مستوى اكتساب الملكات وتنمية مختلف الاقتدارات والمشاركة الحضورية في العملية البيداغوجية من جهة المواكبة الميدانية والمطالعة والنقاش والاستنتاج.

المهارات المستهدفة عبر هذه المنهجية التفاعلية المتداولة هي الإلمام بالقدرات الذهنية للطفل والإحاطة بخصوصية التفكير الفلسفي وتأثيرها على إيقاظ المحفزات العميقة والمجهود المبذول في الانتباه والحفظ والتخزين والذكاء والإدراك والمقارنة والتمييز والاستنتاج والدحض والبرهنة والإقناع والنقد والتشكيل.

إذا كانت المفاتيح الضرورية حسب إدغار موران من أجل تربية مستقبلية تقوم على معرفة وافية بالمعرفة المنجزة الى حد الآن وإحاطة مرضية بمختلف أبعاد الوضع البشري وانخراط في بناء الهوية الكوكبية المركبة ومواجهة معظم التحديات التي تنجر عن تزايد اللاّيقينيات وبذل الجهد مع الفاعلين من أجل فهم الراهن والاتفاق على إيتيقا إنسية فإنه من الضروري تغيير النماذج الإرشادية والتخلي الفوري عن النماذج القديمة والاستنجاد بالتفكير الحواري في مواجهة التناقض بين المصدر والنسق والتنازع بين الأطراف المشاركة والبحث عن الخيط الهادي بين المعارف ومحاولة الربط بين العناصر التي تتكون منها العلوم وتطبيق مبدأ عدم قابلية الاختزال على المنجز المعرفي وتجاوز التعارض بين الفاعل والبينية عبر النحو الشامل والتفتيش عن المولدات التي تعود إليها كل سببية والتحلي بالشجاعة في مواجهة الفوضى والاضطراب واللاّيقين وممارسة التفكير الاستراتيجي ووضع التصميمات والمخططات والتعامل مع كل فعل على أنه مبادرة تسعى إلى تحقيق رهان واعتبار النقد الذاتي نوع من الصحة الذهنية اليومية. وبالتالي " يريد مقصد الفكر لدى الفيلسوف الوصول إلى عمق الأشياء. لهذا السبب لا يترك تطور تفكيره للصدفة، إنه منهجي ومنظم ويستخدم لغة دقيقة، تتكيف مع نوع من التفكير الذي يتنزل في مستوى الأفكار"19[19]. فهل يجب أن تتخلى التعلمية الفلسفية الراهنة عن الدقة الأكاديمية والموضوعية المنهجية والمفهومية لكي تتمكن من الوصول بأفكارها إلى العقول وتقريب مضامينها إلى وجدان الجماهير والحس المشترك؟

4- التحلي بالمرونة عند التغيير التاريخي:

" لم تعد معرفة الفيلسوف متعالية ، بمعنى أنها ستتغلب على المعرفة العلمية ، بل هي غير متعالية أكثر من ذلك بما أن تحليل الفعل التربوي لم يقتصد فكرة المشروع البشري الذي يعطيها الشكل الممكن"20[20].

المرونة flexibilité هي مشتقة من الجذر اللاتيني flexibilitas وهي نوعية شيء مرن ورخو ومطواع وسهل الانقياد ويمكن أن يتكيف مع ظروف معينة على الرغم من صعوبتها والتحولات التي طرأت عليه.

المرونة هي فضيلة مضادة للتصلب والتعصب وتعني الانفتاح والانسيابية دون الوقوع في السيلان والهدر ودون بلوغ حدود الانمحاء والتلاشي والذوبان في الآخر والابتلاع من طرف ضبابية الواقع الاجتماعي.

التربية هي تمشي تحرري يتوزع إلى أروقة متعددة تضم مسار تغيير الذات ومجال العلاقة الإنسانية ومحور المشروع المستقبلي ودرب انجاز الذات باكتساب قدرات والوعي بها ودفعها نحو بناء المستقبل.

التربية العلمانية هي فكرة بصدد التبلور من خلال إعادة تأصيل العلاقة بين الديني والفلسفي وتتحرك حول أنطولوجيا الذات الفاعلة والمبادئ الإيتيقية التي تلتزم بتحقيقها في وجودها والوسائل التقنية التي تسمح بذلك وتشتغل على امتلاك المناهج العقلانية واللغوية التي تتيح قراءة مرنة ومعاصرة للسردية الدينية.

كما تطمح هذا التربية أن تصير أكثر علمية وتقنية دون التخلي عن المواد الحيوية التي تدرب على الحرية وتهتم بكلية الوجود وتعتني بالأبعاد الجسمانية والنفسية والذهنية والمهنية والروحية والمدنية للشخصية وتعيد بناء وتشكيل القيم الثقافية والرمزية التي تم توارثها عبر مجرى التاريخ وتمثل نواة أساسية للهوية.

تبلور التربية تواصلا كونيا بين الناس وتمس هذه العملية التواصلية كلية الموجودات وكل واحد بعينه بأن تدفعه إلى المشاركة وتنمية مهاراته وتفجير مواهبه وتجعل من التفاعل بين المتصلين طريقة مناسبة للخلق والابتكار والاستفادة المتبادلة ومناسبة لتقاسم مهمة الإشراف الحكيم على تدبير المعمورة وتنمية العالم.

كما تجري التربية جملة من الحوارات الكونية والتناظر التفاعلي بين الشعوب والدول والثقافات والأفراد والمجموعات من أجل مواجهة المشاكل التي تمنع التواصل والتعاون وإيجاد أرضية للتفاوض والتفاهم وخلق الأدوات والمناهج التي تساعد على المثاقفة وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة في الكوكب.

علاوة على ذلك تمنح التربية الإنسان القدرة على تجاوز المشاكل والصعوبات وتقديم الحلول البيداغوجية للتواصل بين العناصر المكونة للعملية التعليمية وتجعل من التدريس تجربة فاعلة قادرة على إتمام العمل وتلبية حاجيات المجتمع المعرفية والتقنية وبلورة المشاريع الإستراتيجية التي تحتاجها الإنسانية جمعاء.

تظل التربية نداء إلى القيم السامية ويقظة روحية واستفاقة معرفية ونهوض للمجتمعات وارتقاء للشعوب وتوسط بين الذات والعالم وتكوين للوعي وتفكير في التكامل بدل الإقصاء وفي التعادلية بدل التنازعية وتمثل فرصة للحوار الجاد والنقاش العمومي والمناظرة الأكاديمية بالأساليب اللغوية والحجاجية السلمية.

إذا كان كل تواصل هو تواصل مع شخص آخر فإن مهمة التربية الأولى هي تمتين جسور التواصل وذلك ببناء عالم الأشخاص وتشييد أدوات التفاوض وفق منطق متعدد القيم ورؤية للكون المفتوح وتهيئة المناخ الفكري للتحاور وتبادل وجهات النظر وقبول الآراء المخالفة وتنسيب القناعات الذاتية وقبول القيم الوافدة.

تجمع التربية بين المعرفة والفن والثقافة والعلم والطب والأخلاق والسياسة والاقتصاد وتهتم بجملة الأبعاد الجمالية والديناميكية العاطفية والمخيال الإبداعي للشخصية بغية تيسير عملية التواصل في الحياة الراهنة التي تتميز بالكسل والعبث والإفراط في اللعب والاستمتاع بالمسرات والإسراف في التبذير وتلبية اللذات.

تعول التربية على الجماليات من أجل فهم العالم الراهن وعلى الثقافة كعامل منح الشخصية وثبت الهوية ووسيلة للتعبير عن طبيعة المجتمعات الحالية وإحداث تغييرات هيكلية في ذهنية الأفراد الذين ينتمون إليه والتخلص من النمط الاستهلاكي في الحياة ومن اعتماد المعلومة المعممة واستخدام العقل في النقد والحكم.

من هذا المنطلق تبدو المرونة ضرورية للتغلب على الصعوبات واختيار الممكن من أجل بلوغ المستحيل وإتباع السياسة المرحلية والتدرج المنطقي وتقديم العاجل على الآجل وحلحلة المشاكل القريبة والتوقي من المشاكل البعيدة وجعل الواقعية والعقلانية والنفعية مرجعيات مفتوحة للتوقي من التصلب والميتاتاريخية.

تعول التعلمية الفلسفية المعاصرة بالخصوص على تجربة الخطأ وعلى التربية السلبية عن طريق إبراز الرذائل والأشياء والسلوكيات والعادات السيئة التي ينبغي تفاديها والتخلي عنها والابتعاد من الخوض فيها والتعلق بها والوقوع في ممارستها والتبشير بها قبل إعطاء ما يجب التقيد به من مهارات ايجابية وعادات محمودة وقبل الإشارة إلى ما ينبغي العمل على تطبيقه من فضائل ومكاسب تقود الكائن البشري إلى القمة.

هكذا تتمثل المرونة في مراعاة السياق العام والعفو في كل غلطة والرفق بالمتعلمين والتيسير في إعطاء الدروس وعند الامتحان والتقييم وإعطاء التراخيص في علاقة بتربية الأطفال والمراهقين والمنقطعين والمرضى والنساء والتسامح مع المعتقدات التقليدية والاعتدال في حب الذات وحسن الظن بالآخرين. لعل تحقيق مطلب التواصل هو أهم مكسب للفلسفة المعاصرة لكي يفك عزلتها ويخرجها من حالة الحصار المضروب عليها في زمن العولمة من طرف تجار الألم ومقاولي المعرفة وخبراء التسويق والدعاية.

بيد أن التواصل الفلسفي المنشود ليس التواصل الشفوي المباشر بين المشاركين في التجربة الفلسفية فقط ولا التواصل المكتوب بين المرسل والمرسل إليه تأليفا ومطالعة وترجمة وقراءة ولكنه تواصل مؤسساتي بين الشخصيات المفهومية ينبني على التفاعل والمثاقفة والمشاركة الفعلية في إعادة الإنتاج وإعادة التشكيل ويرنو الانتقال بالفلسفة من الاحتكار والشمولية إلى الديمقراطية والتشاركية ويشرعن تعدد الأطروحات.

لا تسعى الفلسفة الحية إلى إحراز التواصل الجماهيري كما تطالب بها السياسة ولا تناضل من أجل تحقيق المنفعة المادية للفلاسفة الحرفيين وإنما تبحث فقط عن التواصل الإيتيقي مع القيم الكونية ومع الراغبين في المعرفة من الضمائر الحية والمقبلين على التفكير والمتدربين على الفعل النقدي وغالبية محبي الحكمة. اذا كان التواصل بين البشر من الأمور اليومية والمتداولة والحيوية فإن التواصل بالمعنى التام للكلمة هو الأمور المفقودة ويتطلب توفر الكثير من الوسائط الرمزية والقنوات المحايدة والروابط الموضوعية التي تنتمي إلى عالم الحياة وخاصة اللغة والصورة وتبادل المعلومات بواسطة تقنيات معينة وتجارب مشتركة. قد لا يكفي الانخراط في النقاش العمومي للقول بالتواصل بين أطراف النقاش وإنما يمكن أن يكون مجال للتخاصم وتبادل العنف الرمزي والمادي ولذلك فإن شرط إمكان التواصل هو التفاهم بعد التفاوض وتسوية النزاعات بالطرق السلمية وعن طريق الترضية والوصول إلى اتفاقات تمثل حلولا وسطى للكل20[21].

لكن كيف تساعد المرونة النظرية على تسريع إعادة الهيكلة على الصعيد القيمي والسلوك الممارساتي؟

5- التزام المصداقية عند الاختبار العملي:

"ليس من دون جدوى أن يثير أستاذ الفلسفة هذا الاهتمام. إذا عرض على تلاميذه تصوراً متوازناً للتطور الانفعالي ومراحله وانحرافاته ، فإنه يساعدهم على تمييز هدف بحثهم ويضع موقعهم الحالي أفضلا"22[22]

تعتبر الفلسفة شرط قيام الإنسان بالفعل الحصيف الذي يجمع بين القيام بالواجب وتحمل المسؤولية ويكون محل احترام وتقدير من الجميع ويشبع الرغبة الفطرية في المعرفة ويحقق سعادة التفكير ومتعة التأمل في الكون ويتم عبر التكوين في الجانب المنهجي وإعادة صياغة للأسئلة الوجودية الطبيعية على أسس علمية.

تقوم الفلسفة على المصداقية في النظر وفي العمل من خلال الوفاء نحو الذات العاملة وأعمالها واكتشافاتها ومغامراتها والتوقي من الانفعالات السلبية التي تجلب الحزن والكراهية والحقد والخوف والجزع والتشاؤم والاشتغال على تنمية الانفعالات التي تنتج الفرح والشجاعة والإقدام والتفاؤل وتزيد من الأمل في الحياة.

أما المصداقية crédibilité فهي مشتقة من الجذر اللاتيني credibilitas الذي يعني طابع شيء مقبول ونافع يمكن استخدامه وخاصية شخص يمكن تصديقه والاعتماد عليه ويحظى بالثقة ومحل احترام وتقدير من طرف الناس وذلك لأسباب ذاتية وموضوعية ويتمتع بالخبرة والكفاءة والخصال الأخلاقية المعروفة.

يعد النشاط الفكري الذي تنخرط فيه الذات تجربة أصلية للتنبيه على طرائق تحصيل السعادة ووسائل إنتاج المعنى وإيقاظ الوعي من سباته وشحذ العزائم نحو تشغيل ملكة التخيل الخلاق والذاكرة السردية واستعمال العقل بمنهجية حرة ونقدية والاحتكام للتجربة الميدانية وتسديد الأعمال نحو جلب المنافع ودفع المضار.

على هذا الأساس يتم التعامل مع الفلسفة من حيث هي تساؤل عن الوجود وحيرة من تعقد الكون ودهشة أمام لغز العالم وإصغاء إلى نداء الأقاصي وبحث مستمر عن المسكن الآمن وتبتعد أن تكون نظرة مغلقة ومعرفة مطلقة ومذهبا مكتملا وعقيدة شاملة ونسقا منظوميا يدعي سيطرة تامة على الأشياء والأشخاص.

لقد تزايد الطلب الاجتماعي والسياسي على الفلسفة بشكل غير مباشر وبصورة غير معلنة نتيجة انسداد الآفاق وغياب البدائل ووصول القوى الفاعلة في الحياة العمومية إلى مأزق وتعميم الاضطراب واللاّيقين وبعد استمرار النزاع الإيديولوجي والتحارب بين المتنافسين على قيادة المرحلة وتنظيم الدولة 23[23].

لقد جاء الطلب على الفلسفة بغية تشخيص الأمراض ورصد العلل وتوصيف الآفات وتحديد المسؤوليات وتوجيه معظم الإرادات نحو القيام بالتشريح الطبي والتثوير التربوي والتغيير الجذري والإصلاح الفكري والتنوير الراديكالي والثورة الثقافية والأنسنة الدينية والعقلنة الشاملة لمختلف مستويات الحياة البشرية.

تمنح الفلسفة قوة عجيبة للمثقفين العضويين داخل الفضاء العمومي وتمثل سلاحا ثوريا لا يمكن الاستغناء عنه في مهام النضال الاجتماعي والصراع من أجل التحرر السياسي وتعطي للقوى الحية العدة المفاهيمية والرؤية الثاقبة التي تمكنها من رسم الدروب المفضية للحرية وترتب لها الأولويات وفق منطق الأصلح.

تتجدد الفلسفة عن طريق الإقرار بمحدودية العقل الإنساني من جهة والرغبة في المعرفة التي تنبثق من حاجة الأساس الأنطولوجي إلى المعقولية والمواجهة التراجيدية مع اللاّمعنى وعسر حسم معركة البناء والتوجه نحو استنطاق التجارب الصامتة للذوات واستشكال الأزمات التعبيرية عن الواقع الافتراضي.

لقد أرادت الفلسفة المعاصرة أن تنجو بنفسها من خلال الذهاب في اتجاه الطريق البراغماتي في نسخته الجديدة ضمن الفلسفة التحليلية ذات الحاضر الأنغلوساكسوني ولكن محاولتها باءت بالفشل مرة أخرى واحتاجت إلى نقد النقد لكي تعاود طرح الأسئلة حول منطلقاتها ومناهجها والأغراض التي تستهدفها.

والحق أن الفلسفة المعاصرة في مواجهة الكثير من القضايا الساخنة التي تعكر الوضع ولم تجد الإنسانية لها الحلول المقبولة وتعالجها بشكل مرضي وتتمثل في الحروب الإرهابية والحنين إلى الماضي والنزعة المحافظة والفكر الواحدي واللاتسامح الديني والنزعة العنصرية والمذهبية الوضعية والعولمة المتوحشة.

بهذا المعنى على الفلسفة أن تخرج من الجامعة إلى الشارع والمقهى والنادي والقاعة والمسرح والبيت وأن تتحاور مع كل الموجودين والموجودات في هذه الفضاءات ومن المطلوب أن يضطلع كل المشتغلين بالفلسفة مع غيرهم أمور تدبير مدائنهم وأن يقدموا النصح والخطة والتصور ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

غير أن الممارسات الجديدة للفلسفة وتوجهها الجدي نحو السجناء والأطفال والمرضى والعمال والعاطلين والمتقدمين في السن والعلماء ورجال الدين والقضاة والمحامين ورجال القانون والفيزيائيين والرياضيين لا ينبغي أن يكون على حساب المهام التقليدية التي ارتبطت بها وتراوحت بين الحقيقة والوجود والذات.

والحق أن أهم مؤسسة يمكن أن تسهر على استمرارية الفلسفة في المنظومة التربوية وفي الحياة الأكاديمية والسياق الثقافي والاجتماعي على السواء هو قسم الفلسفة الذي ينتمي إلى المؤسسة الجامعية وتتمثل مهمته في إعطاء معنى للحقيقة الفلسفية للطالب والهوية الفلسفية للمدرسين ويعتبر الإطار الأكاديمي الذي يضع الفلسفة في مواجهة مصيرها ويدفع المشتغلين بها إلى القيام بمهامهم على أحسن وجه وتطوير المضامين.

لكن كيف تستطيع الفلسفة المعاصرة المواءمة بين مطالب عتيقة ووظائف راهنة متجددة في كل حين؟

خاتمة:

" يبدو أن التعليم الفلسفي الذي يتطلبه العالم الحالي هو أنثروبولوجيا"24[24]

صفوة القول أن التفكير في موضوع التربية هو بعد فلسفي أصيل يقود إلى التساؤل عن الماهية الإنسانية بأسرها ويدفع الفلسفة الى معاودة طرح الاشكاليات التقليدية حول الهدف السامي من الحياة وجهة المصير الكوني والتفلسف في اعادة تأسيس مقام جديد يتسع للناس بالرغم من اختلافاتهم وفوارقهم في اللغة والدين.

إذا كانت الفلسفة هي ميدان الذي تتشكل فيه الالتباسات المبهمة وسوء التفاهمات التاريخية فإنها أيضا الحقل الذي يعبر فيه العقل عن عبقريته وطاقته التجديدية والمجال الذي ينتصر فيه الفكر على ظله والمدار الذي يمر من خلاله التنظير المعرفي إلى الالتزام المبدئي ويتخذ حوله الفهم البشري مسافة نقدية للفهم.

بهذا المعنى يجدر على الفلسفة أن تغادر مركزها وأن تكف عن تقولبها على ذاتها وأن تنفتح على تخومها وتترك الحرية للغتها المفهومية وغير المفهومية لكي تعبر عن تحفزاتها ومغامراتها في حلها وترحالها على حوافي الكينونة وعند تخوم الكوكب وأن تزرع في عمق الأرض البذور الأساسية للوجود في العالم.

المعرفة الفلسفية في الحقبة المعاصرة مطالبة بمنح المشروعية للفعالية الفلسفية بأن تتخصص في الشأن الكوكبي وتنهمك في تدبير الحياة ومقاومة تصحر الكينونة وترميز الثقافة السياسية بما يؤلها للتصدي لكل النزعات العدمية والمقاربات التقنية التبسيطية والتصنيع المفبرك للذكاء والبرمجة الرقمية للمعلومات.

من المفروض أن تجمع تعلمية الفلسفة المعاصرة في تربيتها للناشئة بين علمنة المقدس وتجذير التواصل:

تتم العلمنة من خلال تكوين ملكة الحكم لدى الإنسان وتهذيب الذائقة الفنية وشحذ العزيمة وتقوية البصيرة والاعتناء بالتربية العقلية والرياضة الذهنية والترفيع في درجة الذكاء لدى المتعلم والمعلم على السواء وتمتين الوساطة البيداغوجية والتركيز على بنائية الاستدلال ومنح التجربة وظيفية في تصحيح الأخطاء.

التربية الفلسفية المعاصرة هي التي تعيد الاعتبار للتكوين العقلي والتطبيق العملي وتنمي الشعور الأخلاقي بالعالم والإحساس الجمالي بالطبيعة وتؤكد ضرورة احترام الشخص الإنساني من جهة كرامته واختلافه وتربط المتعلم بالحاضر وتمنحه الأدوات لكي ينتبه للواقع ويعمل على تغيير الظروف المادية المحيطة به.

من المطلوب أن تجمع التعلمية الفلسفية المعاصرة بين الخطابة الجديدة والتأويل الذاتي وبين سوسيولوجيا الثورة وفلسفة القانون وأن تحرص على تدريس الفضاء العاطفي والنقد الثقافي والمقاربة الأنثربولوجية وعلم النفس الاجتماعي25[25] وأن تخوض غمار الممارسات الجديدة للتفلسف الحواري المفتوح التي انفتحت على الفضاء العام وأدمجت بعض الشرائح المهمشة واستخدمت مختلف وسائل الاتصال الحديثة.

كما يجد ران يواكب تدريس الفلسفة المتغيرات الحاصلة في الوضع البشري وأن تنفتح الفلسفة على الراهن وتقلل من الاهتمامات الميتافيزيقية وأن تغير بشكل جذري أساليب التدريس وتستفيد من الثورة الرقمية وأن تقتحم عالم التواصل والقضايا المجتمعية وتطرح بجدية على طاولة النقاش الأسئلة الكبرى حول آداب المهنة والحياة والصحة والبيئة وتعيد الاعتبار للبعد العملي والقيم المعنوية في الحياة الإنسانية وتتدخل في التخطيط العلمي للتصورات الكبرى وتضبط المحاور الأساسية في السياسة التربوية26[26].

لكن متى تتخلص الفلسفة من الخلط بين التربية والحكم وتكف عن إعداد المربيين بوصفهم حكام المستقبل؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

..................................

الإحالات والهوامش:

[1] Voir Michel Puech, la philosophie en clair, édition ellipses, Paris, 2004, p135.

[2] Jean-Pierre Faye, Par les transformations la philosophie, in Revue ah!, éthique esthétique , éditions cercle d’art, oui pour la philosophie, éditions cercle d’art, Bruxelles, 2005, pages 93à 102.

[3] Voir Tomas Kuhn, structure des révolutions scientifiques, édition Flammarion, Paris, 1972, p136.

[4] Voir Edgar Morin, l’esprit du temps, éditions Grasset, Fasquelle, Paris, 1962, réédition 1991,

[5] Voir Karl-Otto Appel, transformation de la philosophie, T1, 1973, traduit par Christiane Boushindhomme, Theirry Simonelli et Denis Trierweiler, éditions du Cerf, Paris, 2007, 434 Pages.

[6] Voir Karl-Otto Appel, transformation de la philosophie, T2, éditions du Cerf, Paris,2010. , 624 pages.

[7] la sécularisation de la pensée, recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo , traduit de l’italien par Charles Alunni, édition du Seuil, Paris, 1988. p12.

[8] Notions philosophiques, Laïcisation, tome1, dirigé par Sylain Auroux, édition PUF, Paris, 1990. p1432.

[9] Berger (Peter), la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, traduction française de Joseph Feisthauer , éditions du Centurion, Paris, 1971.pp172-173.

[10] la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo , traduit de l’italien par Charles Alunni, édition du Seuil, Paris, 1998. p12

[11] Berger (Peter), la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit, p210.

[12] Jean Sperna Weiland, qu’est-ce que la sécularisation ?, une tentative de définition, in Herméneutique de la sécularisation, éditions Montagne –Aubier, Paris, 1976. p87-88.

[13] la sécularisation de la pensée, recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo ,op.cit. p113.

[14] Berger Peter, la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit.p175.

[15] Berger Peter, la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit.p177.

[16] Occidentalisation

[17] Dal logo Alessandro, le nouveau polythéisme, in la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo,op.cit.p146.

[18] Edouard Delruelle, la philosophie sans conditions, in revue éthique esthétique, ah!,2, 2005, oui la philosophie, éditions cercle d’art, les amis de la revue de l’université de Bruxelles, 2005, p63.

[19] Claude Collin, Méthode de recherche philosophique, op.cit, p03.

[20] Michel Soetard, de l’éducation intellectuelle, in De l’éducation intellectuelle, héritage et actualité d’un concept, sous la direction de Jean Pierre Gaté, édition l’Harmattan, Paris, 2000, p178.

[21] Voir Habermas Jürgen, la théorie de l’agir communicationnel, 1981, Tome1 : rationalité de l’agir et rationalisation de société, tome2 : pour une critique de la raison fonctionnaliste, VI, édition Fayard, traduction française 1987.

[22] Pierre Colin, rôle de l’enseignement de la philosophie, in Recherches et débats du centre catholique des Intellectuels français, Cahier N°36, l’enseignement de la philosophie, pp136-137.

[23] Michel Tozzi, oui à la philosophie en classe et dans la cité, in Revue ah!, éthique esthétique , éditions cercle d’art, oui pour la philosophie, éditions cercle d’art, Bruxelles, 2005, pages 141 à 153.

[24] Lucien Jerphagnon, l’avenir de la philosophie : enseignement et vérité, in Recherches et débats du centre catholique des Intellectuels français, Cahier N°36, l’enseignement de la philosophie, p100.

[25]Voir Gaston Berger, Revue les études philosophiques, Didactique philosophique, Janvier –Mars, 1969, Edition PUF, Paris, 1969.

[26] Voir Jean Lefranc, enseignement philosophique et actualité, in Revue les études philosophiques, Enseignement et philosophie, Juillet – Septembre, 1979, , Edition PUF, Paris, 1979. Pages 267à 273.

 

 

علي اسعد وطفةحطِّمنا ريب الزمان كأننـــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمــــــا يفـــك

أبو العلاء المعري

يحتل مفهوم الزمان  صدارة المفاهيم الإشكالية في ميتافيزياء الفلسفة منذ القدم، وما زال الفلاسفة حتى اليوم يقفون في محراب هذا المفهوم بحثا عن أعمق أسرار الكون واكثرها التصاقا بوجود الإنسان وحياته على وجه الاطلاق. ومع أهمية الجهود الفلسفية التي بذلت في مقاربة مفهوم الزمن على مدى التاريخ ما زال مفهوم الزمن يشكل اللغز الأعظم الذي يتحدى عقل الإنسانية وفاهمة الإنسان. وفي هذا السياق يقول هنري برغسون "إن الزمن هو المعضلة الأساسية في الميتافيزيقا وعندما تستطيع الإنسانية أن تقدم إجابة واضحة عن سؤال الزمن فإنها تستطيع تجاوز كل الإشكاليات والمعضلات الوجودية التي تواجه حياة الإنسان والبشرية جمعاء. ويقول ريتشارد ب فينمان الحائز على جائزة نوبل في هذا الصدد: "نتعامل نحن علماء الفيزياء مع الزمن يومياً، ولكن لا تسألني عن ماهيته، إنه أصعب مما نستطيع إدراكه".

وقد أدرك كثير من العلماء المسلمين وفلاسفتهم صعوبة البحث في قضية الزمن ورأوا فيه مسلكا شائكا صعب المنال، فهذا فخر الدين الرازي في "المباحث المشرقية" يقرّ بهذه الصعوبة وتلك المشقة حيث يقول: "إعلم أني إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمن". وذاك أبو الحيان التوحيدي يعلن في كتابه "الهوامل والشوامل" صعوبة الخوض في أمر الزمن فيقول " إنه فن ينشف الريق ويضرع الخد ويجيش النفس، ويقيء المبطان، ويفضح المدعي، ويبعث على الإعتراف بالتقصير والعجز"، ويبين "أن العلم بحر، وفائت الناس منه أكثر من مدركه، ومجهوله أضعاف معلومه، وضنه أكثر من يقينه، والخافي منه أكثر من البادي وما يتوهمه فوق ما يتحققه".

لقد تساءل الفلاسفة منذ القدم عن ماهية الزمن ودورته وأبعاده وتشكلاته: هل الزمن مفهوم مجرد أم واقع محسوس أم كلاهما معا؟ هل الزمن دائري منغلق أم خطي مستقيم؟ هل هو متغير أم دائم سرمدي؟ ما الحدود الفاصلة بين الأزل والأبد والزمن؟ هل هو نسبي أم مطلق؟ هل يخضع للقياس والحساب؟ وكيف يمكن قياسه؟ ما هي العلاقة الأبدية بين الزمان والديمومة والمكان؟ هل الزمن جوهر منفصل بذاته أم متصل بغيره؟ ما العلاقة بين الله والقدر والزمن؟ هل يمكن اختراق الزمن وحصاره؟ هل يمكن ابتلاع الزمن ومصادرته؟ ما العلاقة بين الزمن والضوء والمكان؟ تلك هي بعض الأسئلة التي طرحتها الفلسفة عبر تاريخها المديد عبر العصور والقرون.

والإنسانية لم تتقدم كثيرا في حل هذه المعضلة الوجودية الميتافيزيائية منذ بداية التاريخ، فما زال العلماء حتى اليوم على الرغم من التقدم الهائل في الفيزياء يشعرون بالحيرة والدهشة إزاء هذا المفهوم الذي يسحر الإنسان ويسخر منه في الوقت نفسه، ومن منا لا يشعر بهذه الحيرة القديمة وهذا السحر الهادئ عندما يردد مقولة هيرقليطس "لا يستطيع المرء أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري من حوله ابدا ". ففي الومن تكمن معضلة البدء والولادة والحياة ثم الموت والفناء.

فالزمان يستثير سؤالين كبيرين الزمان، يتمثل الأول في ماهية الزمان في حين يتمثل الثاني في كيفية قياسه، والسؤال الأول يخص الفلاسفة أما الثاني فيخص الفيزيائيين والعلماء. ويعتقد الكثيرون أن السؤال الأول بقي من غير جواب نهائي وقد يبقى إلى الأبد.

ومهما تكن الصعوبة التي تكمن في جوهر هذه الأسئلة، ومهما تكن التحديات التي يواجهها الإنسان في في في مقاربة هذه الأسئلة الميتافيزيائية بامتياز فإن البحث والتأمل في مسألة الزمان يقع في دائرة التأمل الفلسفي الذي يتسم بالروعة والجمال حيث تكون الرحلة من الزمان رحلة في ميتافيزياء العقل التي تتميز بسحر لا يفوقه سحر وجمال لا يعلو عليه أي جمال لأنها ترحال في مسألة الكينونة وبحث في ماهيات الوجود وأبعاد الحياة.

في ماهية الزمن:

الزمان مفهوم فلسفي بالغ التعقيد وتعريفه غالبا محفوف بالخطر. وفي هذا يقول القديس أغسطين: إنني لا أعرف الزمن حينما أسأل عنه وعندما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبدا". وليس من السهل أبدا تعريف هذا المفهوم الميتافيزيائي الذي يتدفق بكل أشكال التعقيد، فالزمان كما يقول أوغسطين نفسه موجود بوجود الكون، وهو توأم الوجود، وأن الله لم يخلق الكون في الزمان بل خلق الزمان مع الكون.

لقد عرف أفلاطون الزمن بأنه الصورة المتحركة لما هو أزلي في اتجاه الأبدية، حيث يكون الزمن حركة متواصلة تبدأ من الأزل لتصب في نهايات الأبد الذي لا نهاية بعده. ونجد صدى هذا التعريف في قاموس أكسفورد الذي عرف الزمن بأنه "الفراغ المُكوّن من الوجود المستمر". ولا يختلف تعريف اكسفورد عن القاموس الانجليزي المتقدم Advanced English Dictionary إذ يعرفه بأنه "المسار المستمر من التجارب التي تمر فيها الأحداث من المستقبل إلى الحاضر إلى الماضي. وتعرفه موسوعة كولومبيا الأمريكية " بأنه "ترتيب متعاقب لكل الأحداث أو الفاصل بين حدثين في هذه السلسلة المتعاقبة". ويتضمن مفهوم الزمن إلى جانب ترتيب تعاقب الأحداث تزامنها، أي حدوثها في زمن واحد، ومدتها، كما يتضمن هذا المفهوم الحاضر وهو ما يحدث الآن والماضي وهو ما حدث وانتهى، والمستقبل وهو ما سيحدث لاحقا. وتستعمل اللغات كلها أفعالا تدل على هذه الحالات الثلاث غير أن الحاضر سرعان ما يصبح ماضيا، والمستقبل حاضرا، فالزمن يدور دورته وينقش آثاره فينا، وما المراحل التي يمر بها الإنسان من الطفولة إلى المراهقة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة إلا دليل على تأثير الزمن فينا، وأمارات بصماته علينا.

ومن أجمل التعاريف لمفهوم الزمن وأعقدها وأكثرها براعة وعبقرية نجده عند أبو العلاء المعري في كتابه رسالة الغفران حيث يقول " المكان هو شيء أقل جزء فيه لا يحتوي على شيء، والزمان هو شيء أقل جزء فيه يحتوي على كل المدركات، والكون هو ما قل وما كثر". ويعرف أبي البركات البغدادي في كتابه "المعتبر في الحكمة" أن وجود الأشياء مقيد بمقدار وجودها بحيث لا يمكن تصور موجود ما من غير تصور مقدار مدته حيث يكونالزمن "مقدار الوجود".

لقد توقف كيركغور عند معنى اللحظة التي يراها حالة مطلقة في الزمن حيث تذوب فيها كل الأزمان. فاللحظة هي الأهم عند كيركغور لأنها كل لحظة هي بداية لحركة الزمن القادمة من المستقبل أو النازعة إلى الماضي. ونستطيع أن نقارن آراء كيركغور وآراء هيدغِّر ونعارض فيما بينها: فبينما يرى الأول في الماضي نمطًا من أنماط التفكير أو التجلِّي، يَسِمُ الثاني الماضي بسمة التكرار؛ وفي حين يختزل كيركغور الحاضر بكونه اللحظة أو التحول، يربط هيدغِّر الحاضر بفعل الكشف. أما المستقبل فهو انعتاق لدى كيركغور وحدس لدى هيدغِّر. وباختصار نقول: الزمن هو شيء لا يمكننا أن نلمسه أو نراه ولكننا نرى آثاره التي ترتسم على أجسامنا التي تكبر ثم تهرم ثم تموت كما هو الحال في بقية الأشياء في الكون، ولأننا لا نراه يأخذ الزمن صورة هو البعد الرابع للكون كما يتصوره اينشتاين.

الزمان بين الكينونة والتجريد:

تساءل الفلاسفة واستغرقوا في التساؤل: هل للزمان وجود حقيقي أم أنه تجريد في العقل والخيال؟ يتصدى الفيلسوف الألماني النقدي الكبير عمانويل كانط في كتابه "نقد العقل الخالص " لهذا السؤال معلنا أن الزمان مفهوم ذهني تجريدي يقوم في العقل، وتتمثل وظيفته في استيعاب الخبرات والأحداث التي يتوالى حدوثها في الكون، وعلى ها الأساس يرفض أن يكون للزمان وجودا حقيقيا، ويسحب تصوره هذا على المكان فالمكان كما هو الزمان مفهوم تجريدي، حيث اعتاد الإنسان أن يرى الأشياء في سياق تموضعها وتراتتبها على اختلاف المسافات بينها وأملى عليه هذا الاعتياد شعوراً تجريديا بوجود المكان.

اعتبر كانط ان الزمن ليس سوى صورة الحس الداخلي أو صورة الحدس المحض لدينا تجاه انفسنا وحالتنا الداخلية، والزمن وفق كانط لا يمكن ان يكون تعيّناً للظاهرات الخارجية، فهو لا ينتمي الى هيئة ولا الى موضع، على العكس من ذلك انه يحدد علاقة التصورات بحالتنا الداخلية، وهذا يعني أن الزمن ليس سوى الصورة التي تحدس بها الروح نفسها كمقدرة حسية.

ويعتقد كثير من العلماء المعاصرين أن الزمان مفهوم تجريدي وليس مفهوما يتعين وجوده واقعيا، وفي هذا يقول نيوتن في كتابه "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" "الزمان الحقيقي الموضوعي الرياضي ينساب دون أن يتأثر بأي شكل خارجي، فالزمان هو ما ينشأ في ذهن الإنسان من ملاحظة التتابع (تتابع الأحداث)، بمعنى أنه لو وقفت الحركة وليست حركة الأرض والشمس، وإنما الحركة بمفهومها الكامل، الذرات والجزيئات والجسيمات الدقيقة، سيختفي الزمان، وينبني على ذلك أن الزمان هو المعادل التجريدي لحركات الموجودات في الكون.

وفي هذا السياق، يرى كاريل بأن الزمن ياخذ صورة الحركة الذاتية في الأشياء، "فكل كائن جامد أو حي يشتمل على حركة داخلية وحالات متعاقبة، ونسق خاص به، ومثل هذه الحركة هي الزمن الفطري ويمكن قياسها بالرجوع إلى حركة كائن آخر، وعلى هذا الأساس يمكن قياس عمر الإنسان بالزمن الشمسي لأنه يسكن الأرض وليس في كوكب أو مكان آخر".

وقد أشار جان بياجيه إلى الزمان بوصفه تتابع الأحداث في المكان والشعور بذلك سيكولوجيا، وهذا يعني أن تتابع الأحداث يؤدي إلى تكوين فكرة الزمان ومفهومه. وهذا يعني وفقا لهذا الاتجاه أن الزمان افتراض ذهني وليس وجودا موضوعيا جامدا في الوجود، فالزمان يمتلك طابعا سيكولوجيا يستند إلى الخبرة المباشرة للإنسان التي تبدأ وتتواصل منذ مرحلة الطفولة.

ما بين الزمان والمكان:

يشكل كل من الزمان والمكان احداثيي الوجود إذ يستحيل فهم الزمان وإدراكه إلا من خلال صلته بالمكان والحركة. وقد اقترن مفهوم المكان في النظرية النسبية بمفهوم الزمان وتجلى هذا الاقتران في معادلات رياضية مجردة ومعقدة. لقد أسس نيوتن الميكانيك الكلاسيكية على ثلاث مطلقات: المكان المطلق والزمان المطلق والحركة المطلقة. وذلك مقابل المكان النسبي والزمان النسبي والحركة النسبية عند انشتاين. لقد افترض نيوتن إطلاقية الزمان والمكان بديهيا دون أن يبرهن على ذلك رياضيا. وافترض أن الزمان المطلق يتجلى على صورة واحدة بالنسبة لجميع الملاحظين للحدث رغم تباعدهم مكانيا. ونظرية نيوتن هذه تجد صداها في النظرية القائلة بجوهرية الزمان، حيث يكون الزمان جوهرا أزليا لا يرتبط بالحركة والكتلة والسرعة.

ولكن النظرية النسبية جاءت برأي مختلف فيه رفض واضح لمفهوم الزمان المطلق والنظر إليه على أنه بعد من ابعاد الوجود في ثلاثية المكان وأحادية الزمان. وقد أدرك ابن سينا طبيعة هذه العلاقة بين الزمان والمكان فوصف الزمان بأنه مقدار للحركة المستديرة من جهة المتقدم والمتأخر لامن جهة المسافة، وبما أن الحركة متصلة فالزمان متصل، وهذا يعني أن الزمان لا يمكنه أن يكون بدون حركة (تغير)، وليست هناك حركة بدون مادة تتألف من أجزاء متنقلة من حال إلى حال ومن موضع إلى آخر. ومن هنا نرى تحديده لمفهوم مادية الزمان.

فالمكان ذو أبعاد ثلاثة، أما الزمان فيعرف ببعده الواحد، ويعبر المكان عن توزيع الأشياء الموجودة وجودا تلقائيا، على حين أن الزمان يعبر عن تتابع وجود الظواهر حيث تحل الواحدة محل الأخرى. والزمان لا يرتد، بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد – من الماضي إلى المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي. وقد نسف تطور العلم الفكرة الميتافيزيقية القائلة بأن الزمان والمكان يوجدان بشكل مستقل عن العمليات المادية وبانفصال كل واحد عن الآخر. ولا تنطلق المادية الجدلية من الارتباط البسيط بين الزمان والمكان مع المادة في الحركة، بل من واقعة أن الحركة هي ماهية الزمان والمكان، وأن المادة والحركة والزمان والمكان بالتالي لا تنفصل. وقد تأكدت هذه الفكرة في الفيزياء الحديثة. وقد أدرك علماء الطبيعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الطبيعة الموضوعية للزمان والمكان، ولكنهم أن الزمان ينفصل عن المكان وأن كل منهما مستقل بذاته عن المادة والحركة.

ويمكن القول في النهاية إن المكان هو علة وجود الزمان، ولا يمكننا معرفة قيمة الزمن إلا بإدراكنا علاقته بالمكان أي من خلال كون مادي يظهر أثر الزمان عليه أو يؤطّر شكله. طبعا هذا الربط هو وجهة نظر تحيلنا إلى معرفة الزمن وإلى نسبيته بالنسبة إلى المكان، وبالتالي إلى الزمان المطلق الذي يسكن في المكان المطلق أيضا، أي كلما تأطّر المكان كلما ضاق الزمان وكلما اتسع المكان كلما أطلق الزمان، ولعل قيام الإنسان بتأطير الزمان بالمكان سعيا للسيطرة عليه والتحكم به، وربما لإلغائه.

نسبية الزمان:

احتار الفلاسفة في تحديد طبيعة الزمان من حيث هو مطلق أم نسبي، وكان ألبرت أينشتين عندما يجد صعوبة في شرح نظريته للعامة حول نسبية الزمان يسوق هذا المثال المتشبع بالطرافة والظرافة: "إذا جلست مع حسناء فاتنة ساعتين فإنهما تمران كدقيقتين، وإذا جلست دقيقتين على موقد (فرن) فإنهما تمران كساعتين"، فاللحظات السعيدة تنقضي بسرعة هائلة واللحظات البائسة ثقيلة كالسنين الطويلة.

وليس خفيا هنا أن أنشتاين يتحدث عن الزمان السيكولوجي للفرد وهو الزمان نفسه الذي يذكره الشاعر بن تريس في قوله " عندما كنت في المهاد أنام وأبكي كأن الزمان يزحف، وحين صرت صبياً أضحك وألهو وألعب كان الزمان يخطو، وحين رأتني السنون رجلاً قوياً أيِّداً كان الزمان يجري، والآن وأنا في خريف العمر فإن الزمان يطير.

وعلى خلاف الزمن السيكولوجي فإن نسبية الزمان ترتبط غالبا بالسرعة والكتلة والجاذبية كما يشرح لنا انشتاين في نظريته النسبية. يشرح لنا آنشتاين في نظريته النسبية أن الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة. وقد بين انشتاين أن الزمن يزداد تباطؤاً كلما ازدادت سرعة الجسم المتحرك، وبالتالي فإن زيادة سرعة جسم معين تدفع الزمن إلى التباطؤ، وعندما تصل سرعة الجسم إلى سرعة الضوء فإن الزمن يتوقف، ويرى بعض العلماء أن تجاوز سرعة الضوء يدفع الزمن إلى الحركة بشكل عكسي حيث يبدأ الجسم بالعودة إلى الوراء في الزمن.

لقد أورد انشتاين أمثلة عديدة على نسبية الزمن منها التوأم الذي ينطلق أحدهما إلى الفضاء بسرعة الضوء لعام في الفضاء ويبقى الآخر على الأرض وبعد سنة ضوئية يعود التوأم ليجد أخاه قد أصبح في العدم. ودعانا إلى نتخيَّل امرأة حامِل (في الشهر الثالث من حَمْلِها مثلاً) انطلقت من الأرض بمركبة فضائية، تسارَعت حتى قاربت سرعتها سرعة الضوء، ثمَّ عادت إلى الأرض، وقد استغرقت رحلتها الفضائية، ذهاباً وإياباً، ستَّة أشهر، بحسب ساعتها هي. لقد وَضَعَت مولودها ما أن وصلت إلى الأرض. إنَّ عُمْر هذه المرأة قد زاد ستَّة أشهر فحسب. إذا سأَلَتْ هذه المرأة، عند عودتها، عن زوجها، فسوف يُخْبِرونها، عندئذٍ، أنَّ زوجها قد مات منذ مئات، أو آلاف، أو ملايين، السنين!

وكل هذه الأمثلة تعني أن الومن نسبي ولكل زمنه وإن قياس الومن مرهون بالسرعة والكتلة والانحناء والجاذبية وشكل الأجرام الفضائية والكونية .

اتجاه الزمان:

هل يأخذ الزمان خطا مستقيما يبدأ من الماضي ليصب في المستقبل؟ أم أنه ينطلق من المستقبل ليصب في الماضي؟ أم أنه زمن دائري مغلق لا بداية له ولا نهاية أبدا. هل حقًّا أن الوجود ينطوي على "عَوْدٍ أبدي"؟ أم أن التيار الزمني سهم وحيد الاتجاه، يمتد من الأزل إلى الأبد أو من الأبد إلى الأزل؟ إن كان ثمة عَوْدٌ أبدي، فما من شكٍّ في أن الزمن سيكون دائريًّا.

من أكثر الطروحات سحراً التي استلهمت الحضارة اليونانية قديما كان اقتراح نيتشه في القرن التاسع عشر في نظرية العود الأبدي التي هي فكرة ميتولوجية بامتياز. وفقاً لهذا الاقتراح فالزمن هو دائرة تعيد نفسها بلا توقف وكل لحظة هي أبدية تتكرر الى ما لا نهاية، كل ما يحصل وكل الحصيلة التاريخية التي يتضمنها الماضي والحاضر والمستقبل حصلت مرات لامتناهية في الماضي وستتكرر هي ذاتها مرات لامتناهية في المستقبل. وعلى هذا المنوال يعيد «الوجود» نفسه الى ما لانهاية (يدخلنا دولوز لاحقاً من خلال قراءته لنيتشه في متاهة عودة انتقائية وهذا شأن آخر).

لقد انطلق نيتشه من الزمن المستقيم ليبلغ الزمن الدائري؛ ومثله فعل الهنود، لكنْ لعلل مختلفة. أما العالم بولتزمَن فقد أتتْ محاولاتُه على العكس من ذلك تمامًا: ذلك أنه سعى إلى استنتاج الزمن المستقيم الوحيد الاتجاه من الزمن الدائري، مستخدمًا تقنيات فيزيائية صرفة، لكنه فشل في نهاية المطاف.

إننا، وفق هيغل، لا ندرك لحظات وأمكنة، لكننا ندرك هنات وآنات (جمع آن). إن هيغل هو مؤسِّس الفكرة العلمية المعاصرة المتعلقة بالمتصل الزماني–المكاني أي الزمكان أو الآن–هنا. والزمن لدى هيغل هو الحالة المجردة للإحساس والإدراك، وهو العامل غير المحسوس فيما هو محسوس. إن الزمان والمكان هما مجرَّدان من مجرَّدات للكون الخارجي (في المقارنة مع الكون الداخلي). والزمن هو الحادث نفسه، البارز ثم المندثر، وهو تجريد للنفي وللتدمير. وهكذا يشكِّل سياقُ الأشياء الواقعية الزمنَ؛ لكن فكرة الزمن تبقى فكرة خالدة، أي أنها فكرة لازمنية.

يبين أنشتاين وجود علاقة بين الجاذبية وبين انحناء الفراغ ذي البعد الزمني الرابع (بإضافة الزمن إلى الأبعاد الثلاثة المعتادة: الطول والعرض والارتفاع)، مما يجعل للكون (المادي) أربعة أبعاد، ثلاثة إحداثيات منها مكانية وإحداث رابع زمني، ولا يمكن فصل هذه الإحداثيات عن بعضها البعض، إذ هي متصلة ببعضها بما يسمى الزمكان Space-time، وقد انتمت هذه النظرية إلى تصور آخر للزمان يأخذ فيه هيئة منحنى، يتصل أوله بآخره، حيث يكون فيه الأبد أزلا، كما يكون الأزل أبدا[1]. وهذا التصور يغير الفهم التقليدي للزمن من أنه شريط ممتد، سقط من الأزل إلى ساحة الواقع والتاريخ فتحلل إلى ماض وحاضر ومستقبل، وأنه فيما بعد سوف يرفع إلى مستوى الأبد، حيث يزول الواقع وينتهي التاريخ، وتستمر الأبدية إلى ما لانهاية، فبمقتضى النظرية الجديدة يكون الزمان دائرة كل جزء فيها، أو كل آن، هو الأبد وهو الأزل، وهو الماضي والحاضر والمستقبل، وبمعنى آخر فإن النظرية تطرح مفهوما جديدا يعني أن الزمان هو كل جزء فيه وكل آن منه، وأنه هو الأزل وهو الأبد.

الزمن والتغيير

الزمن صنو التغيير والتغير وكل تغيير يعتري الشيء يجب أن يَسْتَغْرِق زمناً، وبعبارة أخرى الزمن إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله. والفرق في الزمان" هو الوجه الآخر لـ "الفَرْق في المكان"، فليس من "فَرْق في الزمان" لا يَقْتَرِن بفَرْق في "الطول"، أو "العرض"، أو "الارتفاع"، أو الحجم، أو "المسافة"، أي بـ "فَرْق في المكان". وليس من فَرْق في المكان والزمان لا يُنْتِجه "تغيير آخر" يعتري الشيء.

فالأشياء والظواهر تنشأ في الزمان، وتزول في الزمان، فكل شيء له "لحظة نشوء"، و"لحظة زوال والشيء لا يُمْكنه أبداً أن يكون خالداً، أو أزلياً ـ أبدياً، أو سرمدياً. إنَّه ينشأ ليزول حتماً. وهذا الشيء بين نشوئه وزواله "يتغيَّر" وينبغي له أن يتغيَّر، فليس من شيء نشأ، فزال؛ من غير أن يعتريه التغير بين نشوئه وزواله.

وباختصار يمكن القول بأن "الزمن" إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله.

وفي الطبيعة أنماط كثيرة من الساعات، فكل شيء يَعْرِف "تغييراً منتظَماً" يُمْكِن اتِّخاذه ساعةً نقيس بها الزمن الذي يستغرقه التغيير في سائر الأشياء. و"مقياس الزمن" إنَّما هو أن يُقاس معدَّل التغيُّر في جسم ما (كمعدَّل نبضات قلب إنسان حي) نِسْبَةً إلى "تغيُّر منتظَم" في جسم آخر (دقَّات الساعة مثلاً). ولو أنَّ نَبْض قلبي يتسارَع تارةً، ويتباطأ طوراً، لَمَا اسْتَطَعْتُ أن اتَّخِذ منه ساعة، فـ "الساعة" يجب أن تكون "تغييراً منتظَماً".

خلاصة:

يرى هيغل ان مفهوم الزمن المجرد احد اكثر البداهات خواء وهو من البداهات التي تنتمي الى مرحلة بدائية من تطور العقل. ولا يمكن ان يكون معياراً لزمنية الوعي أو الروح. كل آن تنفي الآن التي تسبقها بينما مفهوم الآن المجرد ليس سوى النفي نفسه مأخوذاً بشكل مستقل عن كل آن متحققة. لاحقاً في «المنطق الكبير» يعرّف هيغل الزمن بأنه الخارج اللامتعين (لكل آن متعينة) مأخوذ بذاته في شكل مستقل عن كل آن محددة.

أما هيدجر الذي يتناول الزمن في كتابه «الكون والزمان» أن معنى الكون لا يمكن ان يفهم إلا في أفق الزمنية ومعنى الاثنين ووحدتهما الماهوية لا يمكن ان يفهم إلا من خلال تلقفهما كحضور، ويرى أن الوقت بلا نهاية في ذهن كل انسان لأنه النهاية نفسها بالمعنى الأكثر راديكالية للكلمة.

وقد فهم ماركس بفلسفته المادية ومنهجه الجدلي على أن الزمن" توأم "الحركة"، وهو جزء لا يتجزأ من وجود المادة، التي تتحرَّك دائماً في "المكان" و"الزمان". وقد اشتملت تلك الفلسفة على أفكارٍ تسمح لها، بأن تكون على وفاق أساسي وجوهري مع مفهوم الزمن كما أنشأه وطوَّره آينشتاين.

أما آينشتاين، في سعيه إلى حلِّ لُغْز "الزمن"، توصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "الزمن" هو "البُعْد الرابع"، الذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أبعاد المكان الثلاثة (الطول، والعرض، والارتفاع). وعليه، ما عاد ممكناً أن نتصوَّر "المكان" و"الزمان" على أنَّهما شيئان منفصلان، فاتحادهما الذي لا انفصام فيه عُبِّر عنه لغوياً بمصطلح "الزمان ـ المكان (= "الزمكان")" Space – Time.

فالزمن هو الإطار العام للوجود والخلود والصيرورة ويبقى اللغز الذي لا يضاهيه لغز في سابق الأيام وسرمدها حيث سيقف كل جيل في محراب هذا الزمن متسائلا وربما مرددا معنا قول أبو العلاء المعري:

والدهرُ إعدامٌ ويُسرٌ وإبرامٌ ونقضٌ ونهارٌ وليلْ

يُفنِي ولا يَفنى ويُبْلِي ولا يَبلى ويأتي برخاءٍ ووَيلْ

وما أجمل أن نختم هذه المقالة بالمعاني الحالدة في قول أبو العلاء المعري شاعر الفلاسفة وأديب الشعراء

حطِّمنا ريب الزمان كأننــــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمـــــــــــا يفك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

علي أسعد وطفة

.................

[1] الأزل: استمرار الوجود في الماضي إلى غير نهاية فهو ما لا يكون مسبوقا بالعدم، أما الأبد فهو (استمرار الوجود في المستقبل).

 

زهير الخويلدي"معرفة الحقيقة (الظاهرة، وما إلى ذلك) هو معرفة السبب: لا يمكن للمرء معرفة الحقيقة إذا كان لا يعرف السبب"1

نحن نجرب وتتكون لدينا خبرة. كما نختبر العالم بألوانه وأشكاله وأصواته وروائحه، ونختبر الكل ويتم اختبارنا من خلال تقلبات الحياة. على هذا الأساس لا يمكن الاستغناء عن التجربة ويجب أن يكون لكل إنسان تجاربه الخاصة. إن التجربة تصبح خبرة وهي جزء مما يعنيه أن تكون إنسان وتساهم في تطور الإنسان كانسان. لذلك تنعكس الفلسفة بكل طريقة ممكنة على طبيعة التجربة ودورها في تطوير الفن والسياسة والأخلاق والدين والمعرفة وتشمل مختلف مستويات الحياة أي علاقة المرء بذاته والغير والعالم. في البداية يمكن التمييز بين التجربة من حيث هي لقاء الوعي مع الواقع الخارجي يترتب عنه جلب معرفة جديدة لجانب من هذا الواقع من ناحية أولى والتجربة المفهومة بوصفها وقائع معاشة، من خلال التفكير، تكشف عن جانب جديد من الواقع من ناحية ثانية . من هذا المنطلق يعد مفهوم التجربة ليس فقط أحد أهم المفاهيم في الفلسفة، بل هو أيضًا واحد من أكثر المفاهيم تعقيدًا ومن أعسر الإشكاليات التي عرفها تاريخ الفلسفة. يوجد جانبين من التجربة في نصوص أرسطو: الإمبيريا empeiria تعني شيئين - التجربة التي نحصل عليها عن طريق الممارسة والتي تتمثل في إتقان القدرات العملية، وكذلك التجارب التي تم جمعها وتكديسها ومراكمتها أثناء لقاء الإنسان العامي بالعالم، لذلك يحددها على أنها معرفة خاصة بأشياء معينة. لكن التجربة يمكن أن تحدد أيضًا العملية التي يتم عبرها تعديل معرفتنا وقدراتنا ومعاييرنا بشكل متبادل. لكن ما هو الدور الذي يسنده أرسطو للتجربة في نظريته الفلسفية؟ وبأي معنى يعتبر المعلم الأول الفيلسوف التجريبي الأول؟ وكيف مثل الاستقراء حجر الزاوية في اتجاهه التجريبي؟ وماهي تبعات هذا القول؟

يدرس أرسطو طبيعة التجربة ومكانتها في نظرية العلم الطبيعي وفلسفة الكون والحكمة العملية ودرجات الكمال في المعرفة الحيوانية وفي المعرفة الإنسانية ويتتبع نشأة التجربة وعلاقتها بالعقل البشري،من جهة هدفه وعاداته وحاجتها إلى معرفة المبادئ الأولى ويثير التساؤل عن تكوين التجربة. لعل مفهوم التجربة عند أرسطو مستمد من مجموع المعرفة كما يسعى إلى تحصيل ذلك كل متدرب مستجد. كما يجري الإنسان تجاربه عن طريق حاسة اللمس وغريزة الحذر والتعلم وبواسطة التماثل ويكتسب درجات من الكمال في المعرفة عن طريق التجربة empeiria والفن والعلم والحكمة ويضيف التعود habitus . في هذا السياق يؤكد المعلم الاول على أهمية التجربة الحسية في بناء العلم الطبيعي بقوله:"من فقد حسا ما فقد فقد علما ما".

 في الواقع يدرس أرسطو ظروف تشكل التجربة ويتبنى نظرة واقعية تعتمد على المعطى الطبيعي والعادات التي يكتسبه الإنسان من المجتمع ولكنه يعول على نمط من المعرفة يرجع إلى المبادئ المطلقة والعلل الأولى. في كتاب الميتافيزيقا يرى أرسطو بأن لكل إنسان رغبة طبيعية في المعرفة ويبرهن على ذلك من خلال اللذة التي تحصل له عندما يتوفر على جملة من الادراكات الحسية سواء شم العطور أو النظر الى المناظر الطبيعية الخلابة أو اللوحات الفنية المرسومة أو التماثيل أو الاستماع للألحان الموسيقية والأنغام الغنائية. من المعلوم أن الحيوان يتقاسم مع الإنسان المعرفة الحسية وممارسة التجربة ولكن الإنسان يتفوق عليه بقدرته على تنظيم التجربة والاستفادة منها. لذلك ليست التجربة العلم بل العلم والفن يأتيان من التجربة2 . من المفارقات أن يدافع أرسطو على التجربة ويرى أننا لا نصل إلى تكوين تصورات عامة يقوم عليها العلم إلا عن طريق تجريد لعدد كبير من التجارب المتشابهة لأن الذين يعتمدون إلى التجربة يحققون نجاحات بالمقارنة مع أولئك الذين يهملون التجربة ولا يعتمدون إلا على المعرفة المجردة والنظريات الفكرية والمقاربة العقلانية ولذلك تم النظر إليه على أنه فيلسوف تجريبي طبيعي بالتعارض مع أفلاطون الفيلسوف العقلاني المثالي. ينطلق أرسطو من الفرضية التالية: العقل لا يمكننا إلا من معرفة التصورات العامة بينما التجربة تجعلنا نعرف الحالات الخاصة وكذلك في المجال العملي لا يتعلق الأمر بالقواعد الكلية بل بالمعطيات الجزئية. والآية على ذلك أن الطبيب لا يعالج الإنسان بصفة عامة بل يعتني بشكل ملموس بإنسان بعينه- سقراط. والحق أن الاستدلال يمكننا من معرفة أسباب الأشياء بينما التجربة تكتفي فقط بالإشارة إلى حقيقة وجود الأشياء دون الخوض في مسالة أسس هذه الأشياء والمبادئ التي تقوم عليها في وجودها وتترك مهمة معرفة أسبابها والإحاطة بكلياتها للعقل الذي يتفوق عليها من هذه الناحية ويسبقها بفضيله ماهو ثابت على ماهو متغير. غني عن البيان أن الفلسفة من حيث هي حكمة تتخذ لنفسها موضوعا يدور حول معرفة الأسباب الأولى والمبادئ القصوى. فهي وليدة الدهشة والتعجب من الظواهر التي تحيط بالإنسان منذ ولادته ويكتشف بمرور الوقت غرابتها. غير أن العلوم تنقسم الى صنفين: الأول يطلب لذاتها عن طريق التأمل النظري وهي علوم غايات والثاني يطلب لغيره من خلال التجربة وتعلم الصنائع بغية الاستفادة منها وهي علوم وسائل تحقق عدد من المنافع. في كتاب الفيزياء يؤكد أرسطو أن معرفة شيء معين تنبني على معرفة أسبابه الأولى وليس مظاهره الخارجية وحدد الأسباب وفق أنواع أربعة هي:

السبب الأساسي: "هو الذي يجعل الشيء ما هو"، السبب المادي: المادة التي يتكون منها الشيء، السبب الدافع: أصل حركة الشيء ويسمى أيضا العلة الفاعلة، ثم السبب الغائي: وهو الهدف الذي يصنع من أجله شيء ما، بمعنى آخر هو أن الشيء الجيد هو أن الخير وهو الغاية لكل ما يحدث ويتحرك في هذا العالم. لكن أرسطو أثار الإشكاليات التالية: هل يتم دراسة أسباب حدوث الأشياء من قبل علم واحد أم عدة علوم؟ هل يقتصر العلم الأول على معرفة المبادئ الأولى للوجود أم مبادئ البرهنة والتوضيح؟ وهل يدرس العلم الجواهر والأسس أم المحمولات والأعراض؟ وهل تكتمل المعرفة بالشيء بالإلمام بالجزئيات والعناصر؟

لقد أدى هذا التصور إلى مراجعة تاريخ الفلسفة ووصف حكماء الطبيعة بالفلاسفة وتثمين مجهود كل من أناكسيماندريس وأمبيذوكليس لقولهما بالسبب المادي وقولهما بأن التغيرات المتعددة التي يعيشها الواقعة من جهة أعراضها فإن وراء ذلك يوجد شيء مادي ثابت هو الجوهر وسبب كل شيء وطبيعته ومبدأ وجوده، ولقد أطلق عليه هراقليطس اسم النار وعند أناكسيمانس يسمى الهواء وعند طاليس يسمى الماء. بيد أن هذا التصور عاجز عن تفسير الحركة خاصة وأن المادة لا يمكنها أن تفسر الحركة وتقتصر على مبدأ الثبات وبالتالي يجد هذا التصور الطبيعي صعوبة في الإجابة عن سؤال: من أين تأتي حركة الأشياء؟

لقد نفي بارمينيدس وزينون لأيلي وجود الحركة لكي يحافظا على منزلة السبب المادي وفي المقابل يجدر قبول الحركة بصورة بديهية إذا ما تمت الرجوع إلى السبب الفاعل بوصفه قوة محدثة للتغير في الأشياء. لكن الاكتفاء بالحركة والمادة لا يسمح بتفسير مبادئ الخير والترتيب والانتظام في الكون ولذلك احتاج أناكساغور إلى افتراض وجود عقل كوني يتم تعريفه كوسموس يكون منظم للفوضى ويمثل أصل العالم. لقد اقتحم أرسطو تفاصيل العقائد ما قبل السقراطيين ولكي يبين لاكفايتها. فإذا كانت المحبة عند بارمنيدس هي السبب الغائي والسبب الفاعل في ذات الوقت أي المبدأ الكوني لجميع الأشياء فإن الكوسموس لا يعرف الخير والجمال والمحبة بل النزاع والظلم والشر ولذلك أضاف أبيذوكليس إلى النسق الكراهية وطرح أناكساغور النوس كمبدأ كوني يحقق التوازن والانسجام بين هذه المتضادات: المحبة والكراهية. كما اعتقد ديموقريطس في مبادئ الوجود واللاّوجود والفراغ والامتلاء لكي يفسر اختلاف صور الأشياء، بينما اعتبر الفيثاغوريون المبادئ الرياضية وخاصة الأعداد والأشكال الهندسية مبادئ جميع الموجودات. لقد استخدم أرسطو مبدأ النوس أو العقل لكي ينقد المثل الأفلاطونية ويعثر على السبب المباشر الذي أوجد الظواهر وقام بتنظيمها من خلال التناسب بين المبادئ والانسجام بين الكيفيات الأربعة والأسباب الأربعة. لقد جمع أرسطو بين المعقول الأفلاطوني الثابت الذي يتحرك ضمن الماهيات الكلية والمحسوس المتغير باستمرار عند هراقليطس وتلميذه كراتيل وسعى للبحث عن التعريفات والمسائل الأخلاقية عند سقراط3 . إذا كان جميع الناس يرغبون في المعرفة بشكل طبيعي فإن البحث عن الحقيقة يتراوح بين العسر واليسر إذ لا أحد يعزف عن الفضول المعرفي ولكن لا أحد يزعم بأنه قادر لوحده أن يبلغ الحقيقة التامة والنهائية. وبالتالي تقوم معرفة حقيقية الظواهر بالأساس على معرفة أسبابها وبهذا الحقائق الأبدية هي المبادئ والجواهر. لكن ماهي المناهج التي يستخدمها أرسطو عند دراسته ظواهر الطبيعة؟ هل يعتمد على الرياضيات؟

كلا، لأن الرياضيات هي علم الأشياء العقلية ولا تصلح إلا لدراسة المواضيع غير المادية، لذلك ليست هذه الطريقة المناسبة في دراسة الطبيعة لكون هذه الأخيرة تتكون من المادة وتعرف الحركة والتغير. هناك طريقتان للمعرفة عند أرسطو إما بالبرهان العقلي أو بالاستقراء التجريبي. أما مبادئ العلم فقد تم الحصول عليها بإتباع مسار الاستقراء. بهذا المعنى يحتل الاستقراء induction مكانة بارزة في نظرية أرسطو بالنظر الى أنه يسمح من جهة أولى بالحصول على معرفة بالكليات والصور والمبادئ التي تمثل الركائز الأولى التي تتم عليها عمليات البرهنة، ولكنه يعمل على المرور من الخاص إلى العام وذلك باتباع الطريق الذي يقود من حالات مفردة الى تصور عام. في هذا السياق يقول أرسطو: " من الواضح أنه من الضروري أن يكون الاستقراء هو ما يجعلنا نعرف المبادئ، لأنه بهذه الطريقة ينتج الإحساس نفسه لنا الكلي". هكذا يتكون الاستقراء من حدس العقل للضروري وراء العام أو المعتاد الذي يمنحه الإحساس. المهم هو الانطلاق من الوقائع الملاحظة بصورة جيدة لكي لا يتجاهل العقل أهمية المادة والصورة والعرض والماهية التي يتمثل كلها الموضوع الخاص للعلم من أجل الوصول الى مبادئ الأشياء.

الاستقراء هو أساس وقاعدة كل معرفة ودون الاعتماد عليها والانطلاق منه لا يمكن تكوين اي علم. إذا كان الاستقراء يفضل التفكير في الحالات الفردية التي تكرر نفسها بطريقة منتظمة، وتؤدي بنا الحالة إلى العام، فإن النوس يؤدي بنا إلى معرفة مطلقة بالسبب والجوهر: " من الضروري تحديد عدد أنواع الاستدلالات الجدلية. هناك الاستقراء من ناحية والمنطق من ناحية أخرى...بالنسبة للاستقراء، فهو الانتقال من الحالات الخاصة إلى الكوني: على سبيل المثال، إذا كان الطيار الأكثر مهارة هو الذي يعرف، وإذا كان هو نفسه بالنسبة للسائق، فعندئذ، بشكل عام، هو الذي يعرف في كل حالة أنه الأفضل"4 . إذا كانت فلسفة أرسطو تتضمن نزعة تجريبية وتولي عناية خاصة بالاستقراء، كيف هيمن المنطق الاستنباطي على المعرفة وتحولت الفلسفة العقلانية الأرسطية إلى اكبر عائق أمام تقدم البحث العلمي؟

 

د. زهير الخويلدي

.............................

الإحالات والهوامش:

 [1]Voir  Aristote, Métaphysique, Livre A. traduction de J. Tricot, édition Broché, librairie philosophique Vrin, 2000.

 [2] Voir Michel Siggen, L’expérience chez Aristote, Aux confins des connaissances sensible et intellectuelle en perspective aristotélicienne,  édition Peter Lang, 2005, 473 pages.

[3] Voir Aristote, la physique, traduction de Pierre Pellegrin, édition G F, Paris, 1999.

[4] Aristote, Topiques, traduction de J. Tricot,  édition Vrin, Paris,1950, p. 28-29

 المصادر:

Aristote, Métaphysique, Livre A. traduction de J. Tricot, édition Broché, librairie philosophique Vrin, 2000.

Aristote, la physique, traduction de Pierre Pellegrin, édition G F, Paris, 1999.

Aristote, Topiques, traduction de Jules Tricot,  édition Vrin, Paris,1950

المراجع:

Michel Siggen, L’expérience chez Aristote, Aux confins des connaissances sensible et intellectuelle en perspective aristotélicienne,  édition Peter Lang, 2005, 473 pages.

 

كاتب فلسفي

 

 

 

علي رسول الربيعيأبدى الكثير من الباحثين والسياسيين اهتمامًا كبيرًا بما طرح الفيلسوف الأمريكي جون راولز فكرة " الإجماع المتقاطع " أو "الإجماع المتداخل" بمعنى "توافق الآراء". إن قراءة متأنية من أجل تقديم فهم مختلف لهذه الفكرة، تمكننا القول أن هناك ثلاثة مستويات من "الإجماع المتقاطع". الأول، أن يتعامل الأشخاص ذو المواقف المختلفة مع بعضهم البعض بالموقف المعقول والمقبول نفسه. الثاني، أن يدعم الأشخاص الذين يحملون قيمًا مختلفة المعايير نفسها على اساس قيمهم الخاصة أو عن طريق أخذ بالأعتبار وجهات نظر بعضهم البعض في الخطاب الأخلاقي. الثالث، أن الأشخاص الذين لديهم "مصادر أخلاقية" مختلفة للمعايير المشتركة مع الآخرين، ومع ذلك أنهم على استعداد للمشاركة في عملية الحصول على معرفة مشتركة تهدف إلى "دمج الآفاق" في المستقبل. لا ينبغي مناقشة الإجماع المتقاطع على هذه المستويات فقط، أيً في الفلسفة السياسية، أو اكتشافها في الثقافة السياسية، ولكن في الممارسة السياسية أيضًا.

تم الاعتراف على نطاق واسع بتنوع القيم أو تعدديتها كميزة رئيسية في عصرنا على الصعيدين الدولي والمحلي، حيث تعتبر هذه الظاهرة سببًا رئيسيًا لجهود عديد من البلدان لتعزيز "عالم متناغم" في الخارج و"مجتمع منسجم" في الداخل. وأن تبرير "عالم متناغم" و "مجتمع منسجم" بهدف أنجاز ما يمكن أن نسميه "وئام بدون توحيد" كما تصف هذا الوضع حكمة الشرق القديمة. إنه ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "البحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالاختلافات" الذي تبناه مؤتمر باندونغ في عام 1955، أو شعار "الوحدة في التنوع" أو "الوحدة" في الأختلاف" الذي رفعه الاتحاد الأوروبي.

تتضمن هذه التسميات أو المصطلحات الثلاثة، في رأيي، فكرة هي أننا يجب أن نحترم التنوع بالإضافة إلى الوحدة، ولكن لا يوضح أي منها كيف يرتبط هذان الجانبان بسلاسة مع بعضهما البعض. يذكرنا هذا بفكرة "الإجماع المتقاطع"، التي يستعملها داعيتها الرئيس، جون راولز، وأخرون، للتعامل مع قضية الاستقرار السياسي في المجتمعات المحلية التعددية وقضية الثقافات المتعددة وحقوق الإنسان على المستوى العالمي. من أجل معرفة أكثر وضوحًا ما إذا كان هذا المفهوم مفيدًا في الإجابة عن المشكلة التي تتعلق بالتنوع والوحدة في الوقت نفسه، فإننا سنناقش الأفكار التي يقترحها المفكرون في مختلف البلدان و المدارس الفكرية لتفسير هذا المفهوم. أريد أن أزعم أن هذه الفهومات المختلفة لفكرة "توافق الآراء" أو " الإجماع المتقاطع" يمكن قراءتها كتوصيفات لمستويات مختلفة من الإجماع المتداخل التوافقي الذي يمكن الوصول إليه في تعاملنا مع التعددية بهدف "الاستقرار الاجتماعي" طبقاً لراولز. هذا يعني أيضًا أنه يمكن التغلب على بعض أوجه القصور الموجودة في كل من هذه الأفهومات، وخاصة في الصيغة الأكثر شهرة وهي صوغ راولز للفكرة، من خلال التكامل المتبادل بينهما.

1

ظهرمفهوم "الإجماع المتقاطع" أو الإجماع المتداخل" لأول مرة في كتاب "نظرية العدالة" الذي نشره راولز عام 1971 عندما قال: يمكن أن تؤدي العديد من الخلافات بين المواطنين في فهمهم للعدالة إلى أحكام سياسية مماثلة. هذه الأحكام السياسية المماثلة، كما يقول، هي "متداخلة أكثر من كونها إجماعاً صارمًا." والآثار المنطقية لوجود هذا النوع من الإجماع بسيطة للغاية: فـ" يمكن أن تسفر المقدمات المختلفة عن النتيجة نفسها."[1]

تحولت فكرة الإجماع المتقاطع منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، من فكرة تمر سريعا في كتاب راولز السابق عن العدالة إلى أداة مفاهيمية رئيسية في عمله الأخير "الليبرالية السياسية " للتعامل مع "المفهوم السياسي للعدالة" الذي ينظم المؤسسات التي أقرتها المذاهب الدينية والفلسفية والأخلاقية الرئيسة التي يحتمل أن تستمر في مجتمع من جيل إلى آخر.[2] إن فكرة راولز هذه هي أحد الأفكار الرئيسة الثلاثة في كتابه"الليبرالية السياسية"، والفكرتان الأخرى هما " أولوية الحق على الخير" و" العقل العمومي".[3]

إن ما يطلق عليه راولز "الليبرالية السياسية" يختلف عن صيغة توماس هوبز عن الليبرالية وكذلك عن صيغة عمائويل كانط وجون ستيوارت ميل عنها. تعتبر الليبرالية عند هوبز حل وسط مؤقت بين مصالح الأفراد والجماعات التي تنسقها وتوازنها بعض المؤسسات المصممة جيدًا. تستند الليبرالية عند كانط وميل إلى بعض العقائد الميتافيزيقية أو المذاهب الأخلاقية "الشاملة". لا يمكن لأيً من الصيغتين، وفقًا لراولز، أن يحل مشكلة الاستقرار الاجتماعي في ظل ظروف التعددية: فحالما يتغير ميزان القوى، فإن الاستقرار القائم عليه يتوقف. تتعامل الكانطية والنفعية الليبرالية بوصفها عقائد شاملة، في حالة أخرى، مع "الاستقلالية" و"الفردية" باعتبارها مفاهيم رئيسية في التعبير عن رؤية أطراف معينة، لا يمكنها دعم المؤسسات الأساسية لمجتمع توجد فيه العديد من المذاهب الشاملة الأخرى سواء كانت علمانية أو غير علمانية.

إن مفتاح هذا الموقف هو حقيقة "التعددية المعقولة"[4] كما في طرح راولز. يشير مصطلح "التعددية" إلى وجود "مذاهب شاملة" متنوعة، ويشير المصطلح "معقولة" أولاً وقبل كل شيء إلى موقف وعقلية أولئك المستعدين، في سياق العلاقات بين الأفراد، للانخراط في تعاون عادل، وأتباع القواعد العامة طالما يتبعها الأخرون وعلى قدم المساواة. يختلف هذا عن "العقلاني" حيث يشير الأخير إلى الاختيار الدقيق للوسائل الفعالة لأهداف معينة، أو الترتيب الحكيم لأهداف مختلفة ضمن خطة حياة كاملة. فمن أجل أن يكون لأيً مجتمع حقيقة اجتماعية تسمى التعددية المعقولة، "ينبغي أن يكون المواطنون معقولين بهذا المعنى. يعتقد راولز أنه يمكن وصف المجتمعات الليبرالية في الغرب المعاصر بهذه الطريقة؛ وبالتالي، يمكن اعتبار حقيقة" التعددية المعقولة "، في رأي رولز، الأساس الفعلي والداعم السياسي الثقافي لفكرته عن" العدالة كأنصاف"، من بين المفاهيم السياسية الأخرى للعدالة.

هناك زحزحة مثيرة للاهتمام، في موقف راولز المُبيًن أعلاه، بين دور الفيلسوف ودور المواطن: بينما يرى رولز أن لا يبرر الفيلسوف المفهوم السياسي من وجهة نظرنظام فلسفي معين؛ على المواطن أن يتصرف مثل الفيلسوف، بمعنى أن عليه أن يفهم ويدعم مفهوم للعدالة من وجهة نظره هو أو رؤيته للعالم ونظامه القيمي بالإضافة إلى تبريره عن طريق العقل العام. عندها فقط ،كما يقول رولز، يمكن أن يكون هناك "استقرار نتيجة للأسباب الصحيحة"[5] في ظل التعددية. وعندها فقط يمكن أن تحضى فكرته عن "العدالة كأنصاف" بقبول الناس على أساس الأسباب وليس نتيجة لضغط خارجي، أو جهل الفرد. تختلف هذه "الأسباب" من شخص لآخر، والإجماع على فكرة معينة توصل إليها أشخاص مختلفون لهذه الأسباب هو ما يسمى "الإجماع المتقاطع".

جذبت فكرة الإجماع المتقاطع، اهتمامًا واسعًا بين المنظرين السياسيين والاجتماعيين منذ أن تمت الدعوة إليها، خاصة منذ أوائل التسعينيات،. سأناقش في ما يلي، بعض التفسيرات والتفصيلات للفكرة بوصفها مفيدة من وجهة نظري في جهودنا لاستكشاف إمكاناتها في التعامل مع مسألة الاستقرار السياسي في المجتمعات المحلية التعددية ومسألة القواعد الثقافية المتعددة لحقوق الإنسان العالمية على المستوى العالمي.

2

يمكن فهم فكرة الأجماع المتقاطع كتوافق في الآراء في المرحلة الأولى على أنها الحالة التي يكون فيه الأشخاص، على الرغم من اختلاف مواقعهم بشأن مسألة معينة، متشابهين في مواقفهم تجاه بعضهم البعض: فهم يعاملون بعضهم البعض بطريقة معقولة.

السمة الرئيسة لهذا الفهم لفكرة "الإجماع المتقاطع" كتوافق للآراء هي فك الارتباط بين "المعقول" و "التوافق" والتأكيد على العلاقة بين "المعقول" و"الخلاف". لقد أولى جميع الذين يدافعون عن ما يسمى بـ "نظرية إجماع الحقيقة" من بيرس إلى هابرماس، اهتمامًا خاصًا بالعلاقة بين "المعقولية" و"الإجماع"، فيما يتعلق بـ "الإجماع المعقول" أو "الإجماع العقلاني" على أنه يضمن الحقيقة، فحقيقة الأفتراض أو القضية تعني الوعد بتحقيق إجماع معقول على ما قيل. أو بتعبير هابرماس: " تعني الوعد بالتوصل إلى إجماع عقلاني حول ما يقال."[6] لا يطبق هابرماس نظرية الإجماع على مشكلة الحقيقة فحسب، بل على مشكلة الصحة المعيارية أيضًا، وما الذي يجعل الإيفاء بالوعد للتوصل إلى إجماع عقلاني أمرًا عمليًا بدلاً من مجرد خطاب نظري. في الخطابات العملية، "معايير العمل هذه هي فقط التي يمكن لجميع الأشخاص المتضررين أن يتفقوا عليها كمشاركين في الخطابات العقلانية."[7]

على الرغم من أن هابرماس أواضح أن المواقف الحقيقة بعيدة عن أن تكون كاملة، وأن هدف التوصل إلى توافق في الآراء أبعد ما يكون عن اليقين، إلا أنه يعطينا انطباع أنه، من بين مختلف الأفكار حول مشكلة معينة، وطالما أنها تختلف عن بعضها البعض، فواحدة على الأقل ليست عقلانية أو معقولة. بمعنى آخر، يبدو أن هابرماس يعترف بإمكانية وجود "إجماع معقول" ويرفض إمكانية ظهور "خلاف معقول"، لكن الأخيرة فكرة رئيسية في الليبرالية السياسية لراولز. ووفقًا لراولز، أن العديد من الخلافات ربما لا تكون ناتجة عن تحيزاتنا وجهلنا وأنانيتنا وتفكيرنا الذي نتمناه؛ ولكن لأن هناك في الحياة السياسية وفي عملية ممارسة قدرتنا على التفكير والحكم، والتعقيدات التي تنطوي عليها العلاقات بين الأهداف والوسائل، وفي تقييم أدعاءات كل شخص، وفي تطبيق قدرتنا النظرية ووزن الأدلة لدينا وهلم جرا، الكثير من الصعوبات التي لايمكن تجنبها الا بالكاد وشق الأنفس. يصف راولز هذه الصعوبات بأنها "أعباء الحكم"؛ ونتيجة لهذه الأعباء، حتى الأشخاص المعقولون للغاية قد يصدرون أحكام مختلفة بشأن المشكلة نفسها: " نصدر العديد من أحكامنا الأكثر أهمية في ظل ظروف لا يتوقع فيها أن يصل الأشخاص الذين يعملون وفقا لما يمليه الضمير ويتمتعون بسلطات تفكير كاملة، حتى بعد الحصول على احرية مناقشة، الى النتيجة نفسها".[8]

تحظى فكرة راولز حول "الخلاف المعقول" بتقدير كبير من قبل الفيلسوف النرويجي غرامين ، الذي يعتقد أن راولز أظهر بشكل مقنع "موقف المحاججة المثالي بالمعنى الذي يطرحه هابرماس يخضع لأعباء الحكم"،[9] ولا يجب أن نتوقع أبدًا سوف تختفي الخلافات تماما على المدى الطويل. وأستنتج من ذلك أن "الفاعلين السياسيين المعقولين يجب أن يتعلموا التعايش مع خلافات معقولة"[10] لأن هذه "الخلافات" ناتجة عن "أعباء الحكم"، وغالبًا ما نكون راضين عن "إجماع متقاطع" بدلاً من "توافق مؤهل كامل" أيً توافق يمتلك الأهلية الكافية "[11] أو ما يسميه هابرماس begruendete Konsensus"توافق مبرر"،[12] وهذا يعني إجماعًا على أساس أسباب مقبولة من قبل جميع المعنيين. لايركز غرامين على ضرورة " الإجماع المتقاطع" وتوافق الآراء نتيجةً لعدم احتمالية "الإجماع المؤهل"، ولكن على عدم ملاءمة إثارة المشكلات التي لا يمكننا أن نتوقع التوصل إلى إجماع مؤهل بشأنها في المناقشة العامة ولا الى نتيجة معقولية بمعنى "الخلاف المعقول". ولكي نكون أكثر دقة، فإن النقطة التي يشدد عليها غرامين هي ما يسميه راولز "طريقة التجنب"معبراً عنها قائلاً: "باتباع طريقة التجنب، نحاول، قدر الإمكان، عدم تأكيد أو إنكار أي آراء دينية أو فلسفية أو أخلاقية أو تفسيراتهم الفلسفية المرتبطة بالحقيقة ووضع القيم ".[13]

تضمين فكرة "الخلاف المعقول" في فكرة الإجماع المتقاطع "أمر مهم حقًا للوحدة السياسية والاستقرار الاجتماعي في ظل ظروف التعددية، لأننا في كثير من الحالات نحتاج إلى تجنب البحث عن أي إجماع مؤهل، ايً يدعي أنه يمتلك الأهلية الكافية، أو أي إجماع يعتمد على أسباب مشتركة تبدو بعيدة عن متناولنا. ومع ذلك يعاني هذا الفهم للتوافق من ضعف كونه سلبي للغاية لأنه يركز أكثر على "التقاطع" أو التداخل بدلا من "الإجماع"، أويركز أكثر على "الخلاف" بدلا من "الاتفاق". يلعب، في فكرة الخلاف المعقول، كل من" الخلاف "و" الاتفاق "دورًا مهماً : فيكون" الخلاف المعقول" معقولاً "لأن يشترك الأشخاص في ميزة المعقولية نفسها في مواقفهم تجاه بعضهم البعض، وفي المذاهب التي يحملونها في بعض الأحيان ايضاً، كما يجادل راولز. والقول إن الأشخاص معقولون، وفقًا لرولز، يعني أنهم مستعدون "لأقتراح مبادئ ومعايير كشروط تعاونية عادلة والالتزام بها طواعية، مع التأكيد على أن الآخرين سوف يفعلون ذلك أيضًا."[14] والقول إن هذه العقيدة معقولة، يعني أن هذا المبدأ يلبي المطالب النظرية في الاتساق والتماسك بمستوى معين، ويلبي المطالب العملية بطريقة معينة لترتيب وموازنة القيم المختلفة، والمستقرة بمرور الوقت ولا تخضع للتغييرات المفاجئة وغير المبررة.[15]

3

يمكن فهم الإجماع المتقاطع " في المرحلة الثانية على أنه الموقف الذي يختلف فيه الأشخاص حول قيمهم ولكنهم يتفقون على المعايير: الأشخاص الذين يحملون قيم مختلفة يقبلون ويتبعون مجموعة مشتركة من المعايير. يمكن اعتبار الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور كحالة نموذجية للجهود المبذولة للتمييز المفاهيمي بين "المعيار" و "القيمة" ثم تطبيق هذا التمييز على فهم فكرة " الإجماع المتقاطع". يقول تايلور عند مناقشة مشكلة ما هو إجماع غير إجباري: "أفترض أنه سيكون مثل ما يصفه راولز في كتاب " الليبراليه السياسية" بأنه" إجماع متقاطع ".[16] ويقول ايضاً، إنه يمكن أن نجد في جميع الثقافات إدانة للإبادة الجماعية والقتل والتعذيب والعبودية، وما تعبر عنه هذه الإدانات هي معايير العمل التي عليها إجماع عالمي. يوجد أسفل معايير العمل المشترك هذه "قيم اساسية عميقة "، "عادة ما تنتمي إلى تبريرات غير متوافقة مع بعضها البعض.[17]

يعتمد تايلور هنا على التمييز المفاهيمي بين المعيار والقيمة لكن لم يوضحهُ بالتفصيل؛ في حين يلعب هذا التمييز دورًا مهمًا في نظرية هابرماس عن الفعل التواصلي . إن تطور هذا التمييز، حسب هابرماس، هو إنجاز مهم في عملية تنمية الوعي الأخلاقي الفردي وفي عملية ترشيد حياة المجتمع. عندما أنتقد هابرماس راولز بخصوص معاملته الحقوق كخيرات في التجربة المثالية لـ "الموضع الأصلي"، كان بقصد توضيح أنه يمكن تلخيص الاختلافات بين "المعيار" (الذي تنتمي إليه الحقوق) و "القيم" (التي تنتمي إليها الخيرات)، أيً تختلف القواعد عن القيم في أربعة نقاط هي: أولاً، في علاقتها بالقواعد الحاكمة كضد للفعل الغائي؛ ثانياً ، بشكل ثنائي بدلاً من الترميز والتصنيف التدريجي لمطالب الصلاحية؛ ثالثا، في مطلقيتها بدلا من الارتباط النسبي؛ وأخيراً، المقاييس التي يجب أن تفي بها انظمة المعايير تكون بديلاً أو ضد أنظمة القيم.[18]

تظهر هذه الفروق المجردة بين المعايير والقيم في طرق تطبيقها في الحياة اليومية: يختلف الرد على المشكلة "ما يجب أن أفعله"، على أساس المعايير بشكل قاطع عن الرد على أساس القيم. يأمرني المعيار أن أفعل شيئا، بينما تنصحني القيمة أن أفعل شيئا آخر. يخبرنا السابق ما هو جيد للجميع، أو ما هو في صالح الجميع، في حين يخبرنا الأخير ما هو جيد بالنسبة لي أو لنا.

على الرغم من أن كلاهما يقبل التمييز المفاهيمي بين القواعد والقيم، والاتفاق على أن الأشخاص ذوي القيم المختلفة يمكنهم قبول واتباع المعايير نفسها، إلا أن هابرماس وتايلور ينظران الى العلاقة بين المعايير والقيم بشكل مختلف. بينما يعتقد تايلور، مثل رولز، أن القيم المختلفة يمكن أن تكون أساس بديل للمعايير نفسها، فإن هابرماس يولي المزيد من الاهتمام لتبرير المعايير في الخطاب الأخلاقي Ethics (المتعلق بالسؤال "ما هو جيد لجميع الأطراف المعنية") بدلاً من الخطاب الأخلاقيMoral ( المتعلق بالسؤال "ما هو خير أو جيد بالنسبة لي أو" بالنسبة لنا). يعترف هابرماس بأن يتم التوصل في المجتمعات التعددية إلى إجماع سياسي في الأساس بين الأشخاص الذين لديهم "قيم" مختلفة (وذات اهتمامات مختلفة) بشأن "معايير" مشتركة (بما في ذلك "المبادئ" باعتبارها "معايير رفيعة المستوى")،[19] ولكنه يجادل بأنه علينا التمييز بين "الإجماع" كحدث اجتماعي و "الإجماع" باعتباره إنجازًا معرفيًا، أو التمييز بين القبول، والمقبولية.[20] يمكن أن يخضع الأفراد لأتفاقات على معيار معين على أساس يمكن أن تلقى أنظمة قيمهم القبول؛ لكن الأشخاص الذين يدعون مقبولية المعيار يجب أن يعطوا أسبابًا في سياق أو سيرعملية النقاش مع الآخرين وأن يتمكنوا من إقناعهم بقبول هذه الأسباب باعتبارها صحيحة. فليس المشاركين في هذا النقاش مجرد مراقبين للأشياء، ولا أعضاء في المجموعة الثقافية التي تناقش قيمهم المشتركة، بل مشاركون في "خطاب أخلاقي يطالب كل منهم بأن يكون لديه وجهة نظر أخلاقية"، ولكن لايعتبرها الطريقة الأخلاقية الوحيدة في الحياة. بمعنى أن المشاركين في الخطاب الأخلاقي يحتاجون عادةً إلى التوصل إلى توافق في الآراء مع أشخاص من ثقافات مختلفة وأنظمة قيم أخرى؛ وللقيام بذلك، ينبغي أن يكون لديهم الكفاءة لفهم منظور بعضهم البعض، أو حتى اتخاذ وجهة نظر مثالية، من أجل تقرير ما إذا كان معيار معين فيه مصلحة متساوية لجميع المعنيين.

لا يوافق راولز على انتقادات هابرماس له، لكن في رده على هابرماس، يحاول أن يزيل سوء فهم" هابرماس" له ويقترب من موقف هابرماس. فيرى إن " الإجماع المتقاطع" على المفاهيم السياسية للعدالة، ليست اتفاق مصالح يسعى السياسيون إلى تحقيقها في السياسة اليومية، بل هو "الإجماع المتقاطع المعقول"؛ وأنه معقول لأن لايتم تبرير المفهوم السياسي على اساس العقل العمومي في المرحلة الأولى، ثم يُعطى التبرير الكامل من قبل أعضاء المجتمع المدني كمواطنين أفراد في المرحلة الثانية، ولكن يقدم تبريراً عامًا من قبل المجتمع السياسي في شكل إجماع متقاطع بين جميع الأعضاء المعقولين في المجتمع السياسي نتيجة لتضمينهم المفهوم السياسي في وجهات نظرهم الشاملة المعقولة ايضاً.[21] يجادل راولز بأن الاستقرار الذي يسعى إليه هو "الاستقرار للأسباب الصحيحة"، و" الإجماع المتقاطع" الذي يقوم عليه هذا النوع من الاستقرار يتطلب في الواقع شيئًا قد يسميه هابرماس "منظور أخلاقي". يوضح راولز في تفسير ما يسميه "التوازن الواسع والعام" نواة هذا التبرير العام، ويصفه بأنه "توازن موضوعي بالكامل: أي أن كل مواطن قد أخذ في الاعتبار منطق وحجج كل مواطن آخر."[22]

هنا نقطة واحدة تستحق اهتمامًا خاصًا، هي أن هابرماس يجادل في التمييز بين "الإجماع" كحدث اجتماعي و"الإجماع" باعتباره إنجازًا إبستيمولوجيا (معرفيًا)، أو تمييزًا بين قبول معيار ما ومقبولية معيار ما، وليس فقط من أجل فصل "الاستقرار للأسباب الصحيحة" من الاستقرار دون هذه الأسباب، ولكن أيضًا لتجنب فهم خصوصي أو سياقي لمبادئ العدالة. يشدد رولز على دور الثقافة السياسية في نظريته،بأوصفها أساس واقعي لليبرالية السياسية في المجتمع الديمقراطي كما يرى.

يقول راولز:" تتميز الثقافة السياسية لمجتمع ديمقراطي دائمًا بتنوع العقائد الدينية والفلسفية والأخلاقية المتعارضة وغير القابلة للتوفيق بينها. إن يعضها معقولة تمامًا، ويعتبر هذا التنوع بين العقائد أو المذاهب الليبرالية السياسية المعقولة نتيجة حتمية لقوى العقل البشري في العمل في ظل المؤسسات الحرة الدائمة على المدى الطويل.[23]

تقوم مفاهيم راولز مثل "التعددية المعقولة"،"الاستعمال العمومي للعقل"، و"الإجماع المتقاطع" حول مفهوم العدالة، وما إلى ذلك، على أساس هذه الثقافة السياسية وتوفير أدوات مفاهيمية لفهم الذات. إن الثقافة السياسية باعتبارها واقع، هي شيء خاص أو معين؛ وإذا كانت تستند مبادئ العدالة على المستوى العام إلى الثقافة السياسية لمنطقة معينة أو تقليد معين فقط ، فهناك خطر مستتر يتمثل في التخلي عن طلب التبرير العالمي لهذه المبادئ. يمكن أن يؤدي هذا الموقف الخصوصي إلى نتيجتين. من ناحية، سيكون من الصعب، إيجاد عناصر في الثقافة السياسية القائمة تكون أساساً للنقد ولتجاوز هذه الثقافة والمؤسسات القائمة عليها. من ناحية أخرى، سيجعل من الصعب التحدث عن عالمية أو شرعية عالمية لمؤسسة معينة خارج مجتمع معين وتقاليده الثقافية. لا يتفق هابرماس مع ريتشارد رورتي، الذي يعتبر راولز زميلًا له "بموقف تاريخي مناهض للعولمة".[24] لكن هابرماس يصر على أنه من أجل الحفاظ على مسافة واضحة عن هذا الاتجاه، ينبغي وضع تصور للعدالة يتحقق من خلال توضيح تأويلي لتقليد ممكن أختباره في خطاب أخلاقي لمعرفة ما إذا كان ليس مقبولاً فحسب، ولكن له مقبولية أيضاً.[25]

عندما نتفق مع هابرماس في التأكيد على أهمية "التبرير الأخلاقي" للمعايير المشتركة مقابل تبرير القيمة المنفصل أو التبرير الأخلاقي، لابد أن نضيف أن هابرماس ربما أهمل حقيقة هي: أنه، من المهم للغاية أن يتم قبول عالمية المفهوم السياسي ومبادئ العدالة من قبل الناس من قلوبهم أو على أساس قيمهم العميقة الجذور، وأن الاستقرار الاجتماعي الذي يدعمه القبول بالمعنى الذي يقول به راولز، يختلف أختلافاً كبيرأً عن الاستقرار الاجتماعي الذي يتم المحافظة عليه بطرق أخرى، مثل التسوية المؤقتة للمصالح وتوازن القوى، أو حتى الإكراه والخداع. بالنظر إلى التمييز بين المعايير والقيم، ووجود الاتفاق على المعايير والخلاف حول القيم، فقد يكون لدينا كلا النوعين من المبررات للمعايير المشتركة في الوقت نفسه: التبرير لمبادئ الصحيح والخاطئ الأخلاقي moral justification والمبرر الأخلاقي ethical justification وليس فقط الدافع الأخلاقي، كما يقول هابرماس.

4

يمكن فهم "الإجماع المتقاطع"، في المرحلة الثالثة، على أنه الموقف الذي يعترف فيه مختلف الأشخاص بأنه على الرغم من عدم أتفاقهم في الحاضر، فأنهم على استعداد للتوصل إلى اتفاق في المستقبل: بمعنى أن الأشخاص ذوو الآراء والمواقف المختلفة اليوم منخرطون في تعايش سلمي والتواصل على قدم المساواة من أجل تعميق فهمهم المتبادل وحتى السعي إلى "دمج الآفاق" غدا أو بعد غد.

يعتقد كل من راولز وتايلور، كما ذكرنا أعلاه، أنه من الأهمية بمكان لأصحاب القيم المختلفة فهم ودعم المعايير التي يتفقون عليها والواردة من أنظمة القيم الخاصة بكل منهم. هنا يجب أن نولي المزيد من الاهتمام لحقيقة أنه على الرغم من الأتفاق على أهمية دعم القيم للمعايير، ألاً أنهم يفهمون هذه الأهمية من وجهات نظر مختلفة. يوضح راولز دعم القيم للمعايير أو المبادئ التي توفرها المذاهب الشاملة بشكل أو بآخر من خلال دائرة تأويلية: فمن ناحية، ستدعم المذاهب الشاملة المفهوم السياسي للعدالة طالما كانت معقولة؛ ومن ناحية أخرى، يتميز المجتمع الليبرالي بـ "أولوية الحق على الخير"، وهذا يعني " يجب أن تحترم الأفكار المقبولة عن الخير حدود المفهوم السياسي للعدالة وتخدم دورًها فيه".[26] يكتفي راولز باثبات أن أنظمة القيم المعقولة المختلفة يمكن أن تدعم مجموعة المعايير أو المبادئ نفسها، وهذا النوع من الدعم يكفي لتحقيق "الاستقرار للأسباب الصحيحة" بالنسبة له. لذلك، لا يحاول، كما يفعل هابرماس، الخروج من هذه الدائرة عن طريق نظرية الخطاب أو البراغماتية الشاملة؛ ولا يشدد، مثل تايلور، على الأهمية الكامنة للدعم القائم على القيمة للمعايير المشتركة فيما يتعلق بكرامة الفرد وشؤون المجتمع. يعتقد تايلور أنه على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بين مختلف العقائد اللاهوتية والميتافيزيقية، وغالباً ما لا يتصرف الناس بطرق يقولون أو يفكروا في اتباعها، فهناك درجة عالية من الإجماع على مطالب العدالة والمحبة، وأهميتها. ولكن ما هو الأساس لهذا الإجماع؟ ما هي "المصادر الأخلاقية" للقواعد والمعايير التي نتفق عليها؟ تعتبر المصادر الأخلاقية للمعايير الشاملة والعالمية، من وجهة نظر تايلور، مهمة للغاية، لأنها تتعلق بمشكلة كيفية " فرض هذه المعايير".[27] وقد تنشأ هذه المعايير لأننا نشعر بأننا ملزمون للقيام بذلك الفعل أو لأننا سنشعر بالذنب أو غير راضين عن أنفسنا إذا لم نتبع هذه المعايير. ويعتقد تايلور " هناك اختلاف تام بين أن نتحرك بإحساس قوي بأن البشر يستحقون المساعدة أو المعاملة بعدالة، والإحساس بكرامتهم أو قيمتهم،"[28] أو نتيجة للشعور بالذنب أو الضيق والرضا عن النفس."[29]

إنه من السهل إدراك أن المعايير العالمية لها مصادر أخلاقية، ولكن ليس من السهل التعامل مع حقيقة أن هذه المصادر الأخلاقية لا تختلف فيما بينها فحسب بل في صراعات حادة في كثير من الأحيان. إن كلا من الليبرالية السياسية لراولز ونظرية الخطاب الديمقراطي لهابرماس، هما في التحليل الأخير، معالجة لهذه المشكلة الحديثة والصعبةً. يعارض تايلور الجهود التي يمثلها راولز وهابرماس لتجنب الصراع بين مختلف المصادر الأخلاقية للمعايير العالمية من خلال مقاربة أونهج إجرائي تجاه الأخلاق. يعترف تايلور أنه من الصعب الحفاظ على المصادر الأخلاقية أو الروحية بأنواعها المختلفة وتجنب نفيها المتبادل وتدميرها لابعضها. يأخذ تايلور هذه المهمة كتحدي خطير يجب مواجهته، في نهاية كتابه "مصادر الذات" المنشورة عام 1989، ويأخذ احتمال أن يواجه هذا التحدي ويأمل أن يكون مقتنعًا به،[30] لكنه غير قادر على إعطاء أسباب كافية لذلك . لم يخفي تايلور اللون الديني لهذا الأمل في ذلك الوقت، لكنه حاول في وقت لاحق إعطاء هذا الأمل تبريراً فلسفية بدلاً من التبرير الديني، الذي يمثل النواة الراي القائل: أنه يمكن لمختلف أنظمة القيم ووجهات النظر العالمية، من خلال الحوارات القائمة على الاحترام المتبادل، والسعي من أجل التفاهم المتبادل، بدمج الآفاق. هنا تأتي النقطة الرئيسية لما أسميه المرحلة الثالثة من الإجماع المتقاطع.

يوضح تايلور، في الورقة المذكورة أعلاه المنشورة في عام 1996 حول الإجماع المتقاطع فيما يتعلق بحقوق الإنسان، الحالة التي يمكن أن تبرر حقوق الإنسان من خلال نزعة الإنسنة أو فكرة القدرة البشرية على أتخاذ القرارات وفرضها على العالم الغربية والمطالب البوذية لأهيمسا (مبدأ اللاعنف تجاه جميع الكائنات الحية)، حيث يأخذها كدليل على أنه يمكن أن تحصل المعايير العالمية على توافق في الآراء بين الثقافات. لكنه أشار على الفور إلى أن هذا النوع من الإجماع ليس نهاية مرضية: "يجب أن تتبعها محاولات فهم أعمق وألاً ستبقى مكاسب الاتفاق هشة".[31] لا يمكن أن يكون الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ظل هذا الشرط كاملاً. علاوة على ذلك، فإن فمثل هذا الإجماع الذي تم التوصل اليه في ظل مثل هذا الوضع لا يصاحبه عادة الاحترام الكافي المتبادل ، فالاحترام لا غنى عنه لضرورة تجديد الإجماع من خلال التعامل مع الخلافات في عصرنا باستمرار: إذا كان هناك إحساس قوي من كل طرف بأن الأساس الروحي للطرف الآخر مثير للسخرية وأدنى منزلة، وبلا قيمة، فإن هذه المواقف لا يمكن إلا أن تستنزف إرادة الموافقة مع أولئك الذين يحملون هذه الآراء مع إثارة الغضب والاستياء عند أولئك الذين انخفض تقديرهم.[32]

لذلك يؤكد تايلور على أهمية التفاهم المتبادل:"العلاج الوحيد للأزدراء هنا هو الفهم".[33] يكون التفاهم المتبادل بين القيم المختلفة الكامنة وراء المعايير المشتركة ،في بعض الحالات، هو مستوى أعلى من التوافق الذي تم تحقيقه بعد الإجماع المتقاطع حول المعايير، كما في حالة الإنسانوية أو الأنسنة الغربية والفكرة البوذية لأهيمسا حيث يتعين عليهم الأنتقال الى إلى تبادل الاحترام من خلال التفاهم المتبادل بعد التوصل إلى توافق في الآراء بشأن حقوق الإنسان. ومع ذلك يكون التفاهم المتبادل بين القيم الأساسية المختلفة، في بعض الحالات، هو الخطوة الأولى نحو توافق متقاطع محتمل بينهما، لأنه، كما تظهر حالة الفجوة بين الغربيين الحديثين وبعض المجتمعات غير الغربية بشأن مسألة المساواة بين الجنسين، إذا لم يكن هناك حد أدنى من الاحترام المتبادل بين الموقفين، فمن الصعب البدء في تقليل الفجوة بينهما منذ البداية.

أرى أن يكون للفهم المتبادل للقيم المختلفة أو رؤى العالم التي لها إجماع متقاطع حول القواعد والمبادئ المشتركة، أمر مهم ليس فقط لأنه يمكن من تعزيز الإجماع، ولكن لأن يمكن العلاقات المعنية تحسين وإثراء نفسها أيضًا. يبدو الإجماع المتقاطع بالمعنى الذي يقول به راولز ثابت أساسا؛ فلا توجد تغييرات كبيرة داخل وجهات النظر العالمية أو رؤى العالم المختلفة، أو أنظمة القيم، أو المذاهب الشاملة بعد الدخول في مرحلة توافق الآراء. ذكر رولز أن الثقافة السياسية للديمقراطية الليبرالية يمكن أن تؤثر على رؤى العالم المختلفة، وأنه في ظل هذه الثقافة السياسية، ستصبح بعض هذه الرؤى أكثر عقلانية. لكن راولز لم يلتفت الى احتمال ظهوررؤى للعالم مختلفة في الحوارات ويحدث تغييرها وتحسينها من خلال هذه الحوارات أو على الأقل لم يشدد على هذا الأحتمال. "يطالب تايلور بأن" يسعى الإجماع المجرد "العاري" إلى المضي قدماً نحو اندماج الآفاق"؛[34] لكن لايوافق رولز على هذا الطلب، ونحن لانتفق معه ربما ايضاً، لأن الاندماج الكامل للآفاق ليس بالضرورة مرغوبًا فيه، حتى إذا كان ذلك ممكنا. لكن بعض المطالب الضمنية في فكرة "دمج الآفاق" تستحق اهتمامنا الجاد: فعلى سبيل المثال، علينا أن نبذل قصارى جهدنا لفهم فكرة لا نوافق عليها في البداية؛ وأن نبذل قصارى جهدنا لنكون غير عدائيين أزاءها وأكثر تسامحًا واحترامًا لها.

لم يعد الإجماع المتقاطع بهذا المعنى مجرد "حدث اجتماعي" كما أشار إلى ذلك هابرماس عندما أنتقد راولز، ولا حتى مجرد إنجاز إدراكي بالمعنى الذي يقول به هابرماس، ولكنه هو أيضًا نمواً روحياً أو تقدماً حضارياً شاملاً وخلاقاً على حد سواء. هناك العديد من الطرق المختلفة في العالم ولكنها تأخذ الوجهة نفسها. فهناك مائة المداولات ولكن تؤدي الى نتيجة واحدة: إن العلاقة بين " طرق مختلفة كثيرة" و"الوجهة نفسها"، وبين مئات المداولات" و"النتيجة الواحدة"، ليست علاقة بين وسائل وغايات، أو بين عمليات وأهداف. ولا تعني عمليات التعلم الجماعي والتقدم الحضاري بهذا المعنى، استبدال الواحدة بالآخرى، ولا نقل كل شيء إلى المستوى نفسه؛ وليس مضامينها أو مواضيعها محددة سلفا أو ثابتة إلى الأبد.

5

أريد أن أثير ، في الجزء الأخير من الدراسة، مسألة العلاقة بين النظرية والتطبيق، وهي محور اهتمام دائم لاسيما في التقليد الماركسي. في رأيي، يعتبر الوصول إلى توافق في الآراء بين الناس وبين الشعوب، ممارسة تاريخية المطلوب أن نشارك فيها جميعًا بطريقة معقولة.

تستحق بعض أفكار لي زيهو اهتمامنا في هذا الصدد بوصفه أحد أهم الفلاسفة الصينيين المعاصرين، أيً كفكر من اقصى الشرق يثني على أفكار فيلسوف من اقصى الغرب، أقصد على فكرة راولز حول "الإجماع المتقاطع"، وأحد المفاهيم الأساسية التي تتعلق بالتمييز بين "الحق" و"الخير". يرى لي زيهو هناك نوعان من الأخلاق، تسمى أحدهما "الأخلاق المجتمعية"، والآخر "الأخلاق الدينية". تهتم الأخلاق المجتمعية بمشكلة الحق، بينما تهتم الأخلاق الدينية بمشكلة الخير. يقول لي زيهو: تتفق نظرية راولز حول الإجماع المتقاطع مع هذا التمييز تمامًا، وهذا يعني فصل معايير العمل ومبادى الحياة في مختلف المجتمعات والمناطق والبلدان والثقافات في العالم الحديث عن العقائد والمعتقدات والعواطف والأخلاق التي تروج لها مختلف تقاليد الأديان و"العقائد"، وقطع العلاقات السببية لهذه المعايير والقواعد في المعنى التاريخي والنظري. لا نحتاج، على سبيل المثال، لتتبع مطالب الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية في المجتمعات الحديثة العودة إلى المسيحية أو الثقافة اليونانية؛ يجب أن نعترف بوضوح بأن هذه المبادئ السياسية والقانونية يتم اتباعها عادة في العلاقات الحديثة بين الأشخاص.[35]

تعبر الجملة الأخيرة من المقطع المذكور أعلاه عما يعتقد لي زيهو أنه فهمه الخاص أو إسهامه الخاص في فهم فكرة "الإجماع المتقاطع". لا يبدو أن رولز، وفقًا لما قاله لي زيهو، قد قدم تفسيراً واضحًا للسؤال عن كيف يمكن تحقيق الإجماع المتقاطع على مستوى الأخلاق السياسية المنفصلة عن التقاليد الدينية أو الثقافة أو المعتقد ومن أين يأتي ذلك الأجماع. يعتمد رد لي زيهوعلى هذه المشكلة على الأطروحة الماركسية الكلاسيكية القائلة بأن القانون والأخلاق باعتبارها بنية فوقية يتحددان على أساس الحياة الاقتصادية والمادية: فالموضوعية الشاملة والعالمية لما يسمى "الأخلاق المجتمعية الحديثة"، كما يقول لي زيهو، تأتي من تقارب العالم أو الأندماجه في حياتنا الاقتصادية.[36] وإن التغييرات في حياتنا الأخلاقية والروحية، نتيجة للتقارب في حياتنا المادية اليومية، بما في ذلك الضروريات الأساسية للحياة، والرعاية الطبية، والعمل، والنقل، والترفيه، والمعلومات، وما إلى ذلك، أنه لا مفر منها في اتجاه تنامي الوعي الذاتي للفرد وتحريره واستقلاله. فيقول: وهذا هو"ما تطلبه الليبرالية والأخلاق المجتمعية الحديثة".

إن للأفراد فقط الالتزام بالحد الأدنى من الواجبات في الحياة الحديثة، واتباع الحد الأدنى من القواعد أو المعاييرالعامة، مثل الاحتفاظ بالعقود، ورعاية الممتلكات العامة، واحترام النظام، واتباع القواعد الأخلاقية المهنية، والوفاء بالخدمة العسكرية الإلزامية، وتجنب إلحاق الأذى بالآخرين، إلخ. إن انتهاك هذه المطالب "غير أخلاقي" بغض النظر عما إذا كانت انتهاكًا للقانون أيضًا، لأنها تضر بترتيب حياتنا المشتركة وحقوق الآخرين.[37]

يؤكد لي زيهو على أهمية مشكلة الأساس التاريخي أو الواقعي لفكرة " الإجماع المتقاطع" وهو محق في ذلك. فهذه المشكلة مهمة لأن الكثير من الناس في هذه المجتمعات الثقافية المختلفة يقبلون ويتبعون المعايير أو المبادئ نفسها، لذا المطلوب شرحها وتفسيرها لهم من منظورين على الأقل. من ناحية ، تعتبر هذه المعايير المقبولة عالميًا متطلبات وظيفية للأنظمة التي تقود حياتنا ونعيش بها بالمعنى الحديث؛ وطالما تعمل هذه الأنظمة، فهذه المعايير لها قوة ملزمة يتعين علينا الخضوع لها. من ناحية أخرى، نتيجة لحياتنا في هذا العالم الحديث حيث يتم اتباع هذه المعايير كقاعدة، فإننا نميل إلى استيعابها وأستبطانها؛ أو، بعبارة أخرى، لقد أصبحنا اجتماعيًين بشكل أو بآخر بطريقة تنظمها هذه المعايير. ولا يفسرهذا سبب وجوب اتباع هذه القواعد المشتركة فقط ، ولكن أيضًا لماذا نحن على استعداد دائمًا لأتباعها. تقع على النظريات الأخلاقية إعطاء إجابة مبررة من الناحية النظرية على السؤال "الحديث" المشهور "لماذا نكون أخلاقيين على الإطلاق؟". لكن طالما تعمل، ما أطلق عليها لي زيهو "الأخلاق المجتمعية"، بشكل جيد بالنسبة للأشخاص العاديين الذين خضعوا لعمليات تنشئة اجتماعية طبيعية، فليس هناك مشكلة بالمعنى الحقيقي. أن مشكلة "لماذا تكون أخلاقية؟" (أو "لماذا تكون أخلاقية بالطريقة التي تحددها" الأخلاق المجتمعية "بالمعنى الذي يقول به لي زيهو؟) تم حلها من الناحية النظرية، وفي الممارسة أو في الحياة اليومية. وهذا الحل متضمن فكرة ماركس التي تقول: تجد "الألغاز التي ضللت النظرية حلها العقلاني في الممارسة الإنسانية وفي فهم هذه الممارسة".[38] ومن هنا جاءت الفكرة الماركسية حول أولوية "تغيير العالم" على "تفسيره".[39]

ولا ينبغي لنا، وبالروحية نفسها، أن نبحث عن الأساس الفعلي للرغبة أو للاستعداد لأتباع المعايير المشتركة فقط، ولكن البحث عن الأساس الفعلي لرغبة كل منا في احترام "المصادر الأخلاقية" للمعايير المشتركة أيضًا. علاوة على ذلك، لا ينبغي لنا أن نبحث عن الجهود الفعلية لبناء الأساس الفعلي للرغبة في اتباع المعايير المشتركة فقط ، ولكن نحترم مبررات ودوافع الآخرين التي تستند الى قيًم لأتباع هذه المعايير في الوقت نفسه. إن الإجماع المتقاطع "ليس مجرد فكرة تمت مناقشتها في الفلسفة السياسية، ولا مجرد حقيقة مكتشفة في الثقافة السياسية، ولكن هدف يجب أن نسعى لتحقيقه في الممارسة السياسية أيضًا.

ولكن لا يكفي، في رأيي، رؤية الضرورة الوظيفية للمعايير الاجتماعية المشتركة والآلية النفسية لاتباع هذه المعاييرفقط. فلا ينبغي لنا، على وجه الدقة، إهمال بُعد صحة المعايير أو أختصارمشكلة صلاحيتها بمشكلة واقعها. ترتبط هاتان المشكلتان ارتباطًا وثيقًا وعلينا أكتشافها من خلال دراسة التاريخ الفكري العربي/ الإسلامي في العقود الماضية. لكن لاتعني العلاقة بينهما تكامل الاثنين أو أندماجهما. ولا ينبغي لنا أن نفسر و نوضح كيف ولماذا يتم قبول معايير "الأخلاق المجتمعية" بشكل شامل ولكل شخص فقط، ولكن أن نفسر ونشرح أسباب لماذا تستحق هذه المعايير أن تكون مقبولة بشكل شامل ولكل شخص أيضًا. يجب ألا نقبل أي شيء "كـواجب" لأنه ببساطة أصبح " موجود" أو بسبب التنبؤ بأنه سوف يصبح "موجود". هناك دائمًا عناصر متعددة وممكنات في الواقع، ونحن بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن هذه العناصر والإمكانيات التي يجب حفظها أو تطويرها أو تحقيقها، والتي يجب تقليلها أو حتى إزالتها من ناحية. ومن ناحية أخرى، نحن الآن في وضع تكون فيه وسائلنا التقنية لإعادة بناء بيئتنا وحتى على مستوى الكرة الأرض ككل قوية جدًا لدرجة أن بعض إساءة استخدام هذه الوسائل يمكن أن يؤدي إلى عواقب قد لا تكون لدينا وأجيالنا القادمة على الأرجح فرصة للتعويض. ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون لأطروحة ماركس الشهيرة: "يصنع البشر تاريخهم الخاص، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، ولكن في ظل الظروف المعطاة أو التي يجدونها قائمة، وموروثة من الماضي".[40] قراءة جديدة. صحيح أننا لا نصنع تاريخنا كما يحلو لنا، ونصنع دائمًا التاريخ في ظل ظروف قائمة مستقلة عنا ارادتنا وآتية من الماضي. لكن، إذا كان لدينا فقط، وأعتقد أن لدينا، مساحة صغيرة لأختيار القيام بهذا وليس ذاك، فينبغي أن نكون واضحين في حقيقة أن خيارنا الآن سيصبح على الفور جزءًا من "الظروف القائمة والتي عثرنا عليها مباشرة، وأنها ستكون منقولة أو موروثة من الماضي بالنسبة للأجيال اللاحقة. ونظرًا لحجم القوة التكنولوجية التي لدى البشرية في هذا العصر، فيمكن لخطا صغير نرتكبه الآن أن يحدث فرقاً كبيراً في المستقبل. وبهذا المعنى، لدينا مسؤولية تجاه أجيالنا المستقبلية لا تقل عن أي أجيال سابقة كانت تتحملها أجيالها اللاحقة. من غير المنطقي والخطير في ظل هذا الشرط التأكيد على أولوية التغييرات الاجتماعية أكثر من التغييرات الأخلاقية وتبرير الصلاحية الشاملة العالمية لمعايير العمل العامة من حيث التقاء الحياة الاجتماعية والمادية فقط.

إن السبب وراء ضرورة أخذ فكرة الإجماع المتقاطع على محمل الجد، في الواقع، هو حقيقة أن العولمة الاقتصادية المتسارعة التي تعززها تكنولوجيا المعلومات ونظام التجارة العالمي لديها ميل إلى تسوية الاختلافات الثقافية وتجانس مناطق ثقافية مختلفة في العالم. بدون تنظيم عملية هذه العولمة العملية، تصبح ستجد الحياة الاجتماعية والمادية "أرضية موضوعية" ليس فقط من أجل الصحة العالمية للمعايير الثقافية العابرة للعمل الاجتماعي، ولكن أيضًا لقمع واستبدال أو الحل محل التنوع الثقافي والقيمي. المطلوب أن نكون جادين في فكرة الإجماع المتقاطع من أجل مقاومة "الميل الموضوعي" للتجانس والحد من الثقافات والقيم المتعددة.

لذا تحتاج الأطروحة الماركسية حول العلاقة بين النظرية والتطبيق، إلى دراسة جادة وفهم متجدد عند تطبيقها في مناقشتنا فكرة الإجماع المتقاطع. استصواب الإجماع المتقاطع وإمكانية توافق الآراء في أيامنا هذه مسألة نظرية وعملية، وينبغي النظر إلى الاتصال الوثيق لهذين الجانبين.

أولاً ، تعني "الممارسة" هنا الجهود المشتركة للناس على مستوى المجتمعات المحلية أو الدولية. والاعتراف بأنه في كلا النوعين من المجتمعات هناك مهمة لإقامة "إجماع متقاطع"، ولابد أن نكون واضحين في التمييز بين الحالتين: فبينما حدود المجتمع المحلي عادة هي نفسها الدولة ذات السيادة، لاتوجد حكومة عالمية للتفاعل مع المجتمع الدولي. لذلك، من المهم جدا بذل المزيد من الجهود لدراسة حدود وخصائص "التعددية" و"التوافق" في كل حالة بذاتها.

ثانياً ، تعني "النظرية" هنا التسويغ النظري لكل من الصلاحية الشاملة العالمية للمعايير والتوافق المتبادل بين المعايير العامة والقيم الخاصة. كلا النوعين من التسويغ صعب، والأخير هو الأكثر صعوبة. إن أعتبار "الإجماع المتقاطع" بلا معنى لايجد عندها التوافق المعايير والقيم مايستند اليا.

وأخيراً وليس آخراً، لا يعني "الجمع" بين النظرية والتطبيق هنا أن يهتم المتخصصين في التنظير أكثر بالأساس العملي لنظرياتهم وأولئك المتخصصين في التطبيق أو الممارسة يجب أن يهتموا أكثر بالتوجيه النظري فقط ، ولكن يعني أيضًا أن كلا النوعين من الاشخاص عليهم أن يحاولوا الجمع بين المواقف النظرية والعملية في كيفية أداء عملهم وكذلك في ما يفعلونه. فمن ناحية، أن يدرك أولئك الذين من المفترض أن يقوموا بعمل نظري أنهم "يغيرون" العالم من خلال "تفسير العالم" في عالم مليء بالكلمات الأساسية مثل " الاقتصاد القائم على المعرفة " "عصر المعلومات"و" استهلاك الرموز". يذكرنا الوعي العملي، من منظور فكرة " الإجماع المتقاطع"؛ بأولئك الذين ينأخذون بنظر الأعتبار أهمية تجنب ومقاومة الأنشطة التي من شأنها إلحاق الأذى بثقافات المجتمعات الأخرى باسم حرية التعبير التي شوهدت في بعض البلدان الأوروبية في السنوات الأخيرة. من ناحية أخرى، يجب أن يدرك من يقومون بالتطبيق أو هذه الممارسات الالتزام بالمشاركة في الخطابات المستنيرة من أجل بناء قراراتنا لأتخاذ إجراءات مشتركة على أحكام مستنيرة ومدروسة جيدًا. ويذكرنا الوعي النظري، من وجهة نظر فكرة "الإجماع المتقاطع"، بأهمية أن يبذل العاملين بالمجال العملي المزيد من الجهود لإدراج وجهات نظر ثقافية ومواقف قيمية مختلفة في عمليات التداول المتعلقة بصنع القرارات وتنفيذها طالما لم تنتهك المبادئ العالمية والمعايير المشتركة.

 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[1]John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard Uni­versity Press, 1971, p. 387.

[2] John Rawls, 'The Domain of the Political and Overlapping Consensus," in John Rawls, Collected Papers, ed. Samuel Freeman (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999), p. 473.

[3] John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1996), pp. 173, 212.

[4] Rawls, Political Liberalism, p.36.

[5] John Rawls, "Reply to Habermas," in Rawls, Political Liberalism, pp. 388-389.

[6] Jurgen Habermas,2002On the Pragmatics of Social Interaction: Preliminary Studies in the Theory of Communicative Action, MIT Press (MA). p. 137.

[7] Jurgen Habermas, Between Facts and Norms Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, trans. William Rehg (Cambridge, MA: The MIT Press, 1996), p. 107.

[8] Rawls, Political Liberalism, p. 58.

[9] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation; in Philosophy beyond Borders: An Anthology of Norwegian Philosophy, ed. Ragnar Fjetland and Nils Gilje (Bergen: SVT Press, University of Bergen, 1997), p. 276.

[10] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation. p. 276.

[11] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation. p. p. 289 n. 3.

[12] Jürgen Habermas, On the Pragmatics of Social Interaction: Preliminary Studies in the Theory of Communicative Action,MIT Press, 2002, p.135.

[13]Harald Grimen, ''Reasonable Disagreement; • pp. 279-280. See John Rawls, "The Idea of an Overlapping Consensus," in Rawls, Collected Papers, p. 434.

[14] Rawls, Political Liberalism, p. 49.

[15] Rawls, Political Liberalism, p. 59.

[16] Charles Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights,'' East Asian Challenge for Human Rights, ed. Joanne R. Bauer and Daniel A. Bell (London: Cambridge University Press,1999), p. 124.

[17] Charles Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights,'' East Asian Challenge for Human Rights, p.125.

[18] Jurgen Habermas, ''Reconciliation through the Public Use of Reason," The Journal of Philosophy 92, no. 3 (March 1995): 115.

[19] Jurgen Habermas, The Theory of Communicative Action, Volume 2, trans.Thomas McCarthy (Boston: Beacon Press, 1987, p. 174).

[20] Habermas, ''Reconciliation," ''Reconciliation through the Public Use of Reason,” p. 122.

[21] Rawls, "Reply to Habermas," pp. .386-387.

[22]Rawls, Political Liberalism. p. 385.

[23] Rawls, Political Liberalism, pp. 3--4.

[24]Habermas, Between Facts and Norms, p. 62.  مقتبس من :

[25] Habermas, "Reconciliation,'' p. 122.

[26] Rawls, Political Liberalism, p. 176.

[27] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity (Cambridge, Harvard MA: University Press,1989), p. 515.

[28] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 515.

[29] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 516.

[30]Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 521.

[31] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 137.

[32] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[33] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[34] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[35] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999 (Beijing: SDX Press), p. 71.

[36] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999, p. 71.

[37] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999, 72.

[38] Karl Marx: 'Theses on Feuerbach," in The Marx-Engels Reader, second edition, ed. Robert C. Tucker (New York/London: W.W. Norton &Company, 1978), p.145.

[39] أشير هنا إلى أكثر الاراء شهرة لكارل ماركس في كتابه "أطروحات عن فويرباخ": "لقد قام الفلاسفة بتفسير العالم فقط ، بطرق مختلفة؛ لكن الهدف من ذلك هو تغييره". أنظر: Tucker, The Marx-Engels Reader, p. 145.

[40] Karl Marx: 'The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte," in Tucker, The Marx-Engels Reader, second edition, p. 595.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (6)

لفد توصل ابن خلدون في احد استنتاجاته للقول بأن "البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما، لأنه أول مطالب الإنساني الضروري. ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها"[1]. وليس هذه الاستنتاج سوى الصيغة العامة التي تحدد فكرة الترابط التاريخي والانتقال العضوي في المسار التاريخي.

وحدد هذا بدوره ما يمكن دعوته بفلسفة الدولة والنظام السياسي، أي تفسير الأسباب القائمة وراء ظهور الدولة أولا ثم نظامها السياسي ثانيا. ومن خلالهما وفي مجراهما تتبلور معالم الثقافة الخاصة ونمطها الحضاري. ذلك يعني إن الدولة بالنسبة لابن خلدون هي مقدمة التاريخ الفعلي، أو تاريخ العمران المدني، أي الحضاري. وأسس لهذه الفكرة من خلال دراسة أهمية وفاعلية الصراع الاجتماعي والسياسي بوصفه القوة الصانعة للدولة. فالدولة بالنسبة له تظهر بأثر الصراع، وإن الصراع هو أسلوب وقوة ظهور الدولة. وبالتالي، فإن ظهور الدولة مرتبط بالصراع الاجتماعي السياسي، بوصفه القوة القادرة على ضبط الجميع بالقوة والقانون. لقد أبعد ابن خلدون القوى الغيبية و"الطبيعة الإنسانية" من تفسير التاريخ ومساره، واستعاض عنهما بقوة العلاقات المادية (الاقتصادية والسياسية) ونشاط الناس، باعتبارها عملية طبيعية. وبهذا يكون قد سحب البساط من تحت الأرجل العرجاء للخرافات والأساطير، ومن ثم الرؤية الأسطورية والخرافية.

إن وضع هذه الفكرة، هو بحد ذاته انجاز هائل للفكر التاريخي وفكرة التاريخ وفلسفته. فإذا كانت الدولة بالنسبة للفكر التاريخي السابق له تندرج أو تتطابق مع جرد أحداثها وما وقع فيها، فإنها تتحول في فكر ابن خلدون ورؤيته التاريخية ومنهجه الفلسفي، إلى حالة أو صيرورة يفترض إدراكهما الصحيح تأمل ماهية الدولة نفسها وبداية نشوئها وكيفيتها وأسبابها. ليس ذلك فحسب، بل وتتبع أيضا الغاية من نشوئها. وبالخلاف عن كثير ممن قبله وبعده (مثل هيغل) لم يتناول هذه القضية بمعايير الفكرة الغائية ولا العقل الآلهي ولا الله، بل نظر إليها باعتبارها عملية طبيعية. انه نظر إلى ظهور الدولة وتطورها واندثارها على أنها عملية طبيعية (كما سيقول بها ماركس لاحقا). من هنا حديثه عن أولوية الدولة والعمران وضرورة معرفة علل وجودهما وأسبابه. ذلك يعني، إن مسار التاريخ بالنسبة له لم يكن (ولم يعد) مسرحا للصدفة أو الإرادة العابرة أو العناية الإلهية أو الفكرة المجردة.

ووضع الأسس النظرية لهذه الفكرة في آرائه القائلة، بأن الشيئ الطبيعي في صيرورة الدولة هي الغلبة بالعصبية. وبالتالي، فإن الدولة تشكل بداية نفي البداوة ومن ثم إرساء أسس الحضارة، كما في قوله "طور الدولة من أولها بداوة"[2]. فالدولة هي القوة الضرورية لتنظيم حياة البشر وإيقاف النزعة الحيوانية عند حدودها والاستعاضة عنها بقوة القانون. من هنا اعتباره للمك "منصب طبيعي للإنسان". وذلك لأن البشر لا يستطيعون العيش إلا باجتماعهم وتعاونهم على سبل تحصيل قوتهم وضرورات الحياة. من هنا ظهور أساليب المعاملة، ولاحقا السلطان من اجل تنظيم الحياة لما في "الطبيعة الحيوانية من الظلم والجور"[3]. وانطلق فيموقفه هذا من أن وجود البشر فوضى وحرب ودمار بدون الحكم والحاكم، الذي يزع بعضهم إلى بعض. فالحكم والحاكم هو الوازع الأكبر. والحاكم بمقتضى "الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"[4].

من هنا تتضح معالم الفكرة التي أراد ابن خلدون التأسيس لها، ألا وهي إن الدولة تظهر قبل المدن. والمدن هي امتداد وتجسيد لما في الدولة من إمكانية على العمران الجديد. لكن العمران وتوسعه مرتبط بالدولة. فكلما توسعت الدولة كلما توسع العمران. وبالتالي، فإن كثرة الثروة مرتبطة بكثرة الأعمال. لاسيما وإن العمل، حسبما يقول ابن خلدون، هو مصدر الثروة. ومن ثم، فإن كثرة الأعمال هي مصدر الرقي والعمران الواسع من الرفاهية والترف والغنى كما في قوله "إذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ودعتهم أحوال الرفاه والغنى إلى الترف وحاجاته"[5].

وشكلت هذه المقدمة النظرية العامة منطلق رؤية لكل ما يحدث في مجرى صيرورة الدولة ونظمها السياسي، بما في ذلك الكوامن الدفينة فيها والتي تؤدي مع مرور الزمن إلى ضعف وانحلال الدولة نفسها، لكي تظهر من جديد بعصبية جديدة. وذلك لأن تاريخ الدولة هو حركة دائمة ومتنوعة من الصيرورة والفناء، أي كل ما يشكل مضمون التاريخ السياسي والاجتماعي والحضاري للوجود الإنساني. من هنا نقده العميق لما يمكن دعوته بذهنية الطلاسم والخزعبلات في موقفها من الأسباب الكامنة وراء ظهور الدولة وانحلالها، أي أمام الحالة الفعلية للتاريخ السياسي ومستقبله. وانطلق في موقفه هذا من أن التشوف إلى المستقبل ومحاولة معرفة ما سيحدث صفة ملازمة للبشر. وتناول مختلف نماذج هذه الذهنية التي ظهرت وتبلورت في تاريخ الإسلام والدول الإسلامية. واعتبرها اقرب ما تكون إلى ألغاز ورموز في النظر إلى الواقع والمستقبل. وعثر على نماذج عديدة لها مما يسمى بكتاب الجفر وقصائد شعرية منسوبة إلى ابن سينا وابن عربي وغيرهم. واعتبرها جميعا لا أساس علمي لها وفيها بما في ذلك من حيث نسبتها. كما أنها غير مفهومة. بل وجد في هذا النوع من الألغاز والطلاسم أساليب للحيلة والدهاء السياسي، وكذلك أحد المؤشرات على انحلال الدولة. وبالأخص حالما تتحول الحيلة والخزعبلات إلى قوة سياسية فاعلة في تعيين أو عزل الوزراء وما شابه ذلك[6].

وقد يكون نقد الاستبداد السياسي وما يرافقه من الظلم والجور وضعف العدالة وانعدام المساواة، بوصفها مقدمات انحلال الدولة وسقوطها إحدى أهم الأفكار النقدية والمستقبلية أو ما يمكن دعوته بفكرة الدمار الكامن في الظلم بالنسبة للدولة والمجتمع. ولم تكن هذه الفكرة مجهولة بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي، غير أنها كانت في الأغلب تندرج ضمن سياق الرؤية الأخلاقية والموقف الأخلاقي. وفي حالات معينة كانت ترتقي إلى مصاف الفكرة الشرعية، أي النظر إليها بمعايير القانون. لكنهما كلاهما كانا أقرب إلى النصيحة والاعتبار. ومن ثم لم يرتقيا من حيث الجوهر إلى مصاف الفكرة السياسية المستقلة، التي تسحب وراءها الموقف الأخلاقي لا أن تختبئ خلفه. والجديد الذي قدمه ابن خلدون لهذا الصدد هو ابراز الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لماهية وأثر الظلم والاستبداد. من هنا قوله، بأن "العدوان على الناس في اموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت ايديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب"[7]. وتوصل بأثر تأمل الواقع وتجارب الدول والأمم على ممر التاريخ إلى استنتاج يقول، بأن "الظلم مخرب للعمران، وإن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض. ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها ولم يقع فيها خراب. واعلم إن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر. فلما كان المصر كبيرا وعمرانه كثيرا واحواله متسعة بما لا ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرا، لأن النقص إنما يقع بالتدرج. فإذا خفي بكثرة الأحوال وإتساع الأعمال في المصر لم يظهر أثره إلا بعد حين. وقد تذب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خراب المصر"[8]. بمعنى إن الخراب المترتب على الظلم والفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى خراب الدولة والحضارة بغض عما يبدو على سطح الوجود من هدوء نسبي. وذلك لأن كمية الخراب أو التدرج فيه يؤدي مع مرور الزمن الى تحول نوعي تندثر فيه الدولة قبل أن تخرب البلاد. وبالتالي، فإن العبرة العميقة تقوم هنا ليس في النظر إلى مظاهر الموجودات، بل إلى حقيقة الوجود الفعلي للدولة والحضارة. من هنا موقفه النقدي العميق الذي شدد فيه على نوعية الظلم الاجتماعي والاقتصادي، باعتباره أس الظلم السياسي والخراب العمراني، كما في قوله:"من أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق"، وإن "تكرر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا عن السعي فيها جملة. فأدى ذلك إلى انتقاض العمران"[9]. وأعظم من كل ما سبق هو "التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع. إن نتيجة هذا السلوك تؤدي إلى خسارة رأس المال عند الجميع ومن ثم كساد الأسواق"[10].

لقد بحث ابن خلدون في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، باعتبارها كلا واحد قائما وفاعلا بالنسبة لإرتقاء الدولة وسقوطها. فإذا كان صعود الدولة مرتبط بصعود العصبية واستحكامها وقدرتها الفعلية على الاستيلاء على الملك (السلطة) ومن ثم الدولة، فإن سقوطها هو النتيجة المترتبة على ضعف وإنهاك العصبية بوصفها العلمية التي تلازم تطور الدولة والحضارة وما يرافقه في الأغلب من نخر لمكوناتها ومقوماتها بأثر الظلم الاجتماعي الاقتصادي والجور السياسي أو الاستبداد. وكشف ابن خلدون عن مختلف مظاهر انحلالها وسقوطها قبل انهيارها التام. وقد اشار من بين أغلب مظاهر الانحلال وسقوط الدولة والحضارة إلى ظاهرة الحجاب. وتوصل في مجرى ملاحظاته التاريخية إلى أن ظاهرة احتجاب الملوك عن الرعية هو "دليل على هرم الدولة ونفاد قوتها والخشية على أنفسهم"[11]. لكن الشيء الأهم والأعمق في أفكار ابن خلدون بهذا الصدد تقوم في تحليله لكيفية حدوث الخلل في الدولة. واعتبر أن خللها الجوهري يقوم في خلل الأسس التي تبنى عليها الدولة نفسها، وأفرز من بينها سببان أساسيان هما كل من الجيش والمال. فالملك، كما يقول ابن خلدون مبني على أساسين إذا تطرق الخلل إليهما تخلخلت الدولة وهما كل من شوكة العصبية والمال. والمقصود بالشوكة والعصبية كما يقول ابن خلدون هو الجند. وحالما تأخذ العصبية بالتحلل بأثر تطور الدولة والحضارة، فإنها تفقد أحد أسسها الضرورية. وليس مصادفة أن يتوسع بهذا الصدد على مثال الفكرة والحالة السياسية المقلقة آنذاك، ألا وهي قضية وفكرة المهدي السياسية. وتوصل بأثر دراستها وتحليلها ونقدها إلى استنتاج عام كرره في مواقع عديدة من مقدمته ألا وهو تقرير ما يرتقي عنده إلى مصاف البديهة السياسية وهي انه "لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية، تظهره وتدافع عنه... فعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ما بقي في الحجاز"[12]. أما السبب الثاني فهو قوام الجند وما تحتاج إليه الدولة[13]. وبالتالي، فإن كثرة الإسراف فيه عدوى للمجتمع، بحيث يؤدي إلى أن يصبح التبذير من أخلاق الجميع. وتضافر هذين السببين يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد والظلم، من ثم تفكك الدولة إلى دويلات حتى تظهر قوة أقوى وأشد تقضي عليهم[14]. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاح عام يقر بأن نزول الانحلال في الدولة والانحطاط في الحضارة يؤدي إلى حالة لا يمكن إيقافها. واعتبر ذلك أمرا طبيعيا بل وضروريا، أي ملازما للوجود نفسه. فالعوارض المؤدية إلى هرم الدولة عديدة، كما يقول ابن خلدون، و"إنها كلها أمور طبيعية لها. وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الأمراض. وما يحدث للدولة نفس الشيء وتلافيه أمر مستحيل"[15]. ويمكن ايقافه مؤقتا أو جزئيا فقط، أما الزوال فلا!

إن هذه النتيجة القاسية، التي تقفل إمكانية الإصلاح، ومن ثم الاستناد عليه في التطور المستديم، تستمد مقوماتها من التاريخ الفعلي السابق والمعاصر لابن خلدون. وقد يكون هذا الاستنتاج يحمل في أعماقه نوعا من التشاؤم المغري عن أن النهاية واحدة لابد منها، وهي حتمية الموت والزوال. ومن ثم يضع الفكرة السياسية والتأمل النظري تجاه الحاضر والمستقبل أمام تأمل العبرة الضرورية ومواجهتها كما هي. بينما يمكنها أن تجبر السلطة والنظام السياسي على النظر الى المستقبل بمعايير هذه الحتمية القاتلة. مع إن تجارب التاريخ القديم والمعاصر تكشف عن أن العبرة لا يمكنها صناعة رؤية سياسية عقلانية دائمة على الأقل ما زال الوجود الإنساني لم يتجاوز حالة وجوده الطبيعي إلى مراحل التاريخ الماوراطبيعي.

وقد اقلقت هذه الحالة الحرجة للوجود التاريخي السياسي ذهنية ابن خلدون وتأمله المستقبلي. لكنه بقي حيا وفاعلا ضمنها بوصفها الحالة الطبيعية كالهرم والموت بالنسبة للإنسان. وبالتالي، فإن الإقرار بيقين الموت لا ينفي العمل من اجل الحياة، بل على العكس انه يدفع به صوب المعنى و"حقائق الأبد"، والذي وجد تعبيره عند ابن خلدون بما يمكن دعوته بفلسفة العبرة التاريخية والسياسية.

ينطلق اين خلدون من أن حقيقة الدولة هي العمران، وأن كل منها هو ظاهر وباطن الآخر. من هنا تشديده على الترابط الجوهري بينهما. فهو ينطلق من أن العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها أمره. ذلك يعني إن العمران المتطور والحفاظ عليه وديمومته وتطوره يفترض وجود مؤسسة سياسية هي الدولة ونظام حكمها، أي نظامها السياسي. وهذا بدوره وثيق الارتباط بالأسس الطبيعية الضرورية القائمة في اجتماع البشر. ووضع ابن خلدون هذه في عبارة تقول، بأن "الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران". وانه "لابد لهم في الاجتماع من وازع حازم يرجعون إليه وحكمه"[16]. وإن هذا الرجوع للحكم تارة يكون مستندا إلى شرع، وتارة إلى سياسة عقلية وتارة إلى سياسة مدنية. وهي الأشكال التي عثر عليها في مجرى تأمله للتاريخ السياسي للأمم السابقة والمعاصرة له، أي للتاريخ الإنساني العام. فالمشترك بينها هو السياسة، بينما أساليبها تختلف بما يستجيب للمقدمات النظرية أو العقائدية لكل منها.

فما يميز السياسة الشرعية: هو ربطها للدين والدنيا بالشكل الذي يجعل من سلوك الإنسان والجماعة والأمة محكوما بفكرة ايمانية حول جوهرية الثواب والعقاب. بمعنى جمعها بين الرؤية الإيمانية والعقلية. إنها تأخذ من السياسة العقلية ما يتعلق بالسلطان، لكنها تضيف لهما وتحتكم أيضا إلى قوانين الشرع وقيم الإسلام الأخلاقية وآدابه. وقدم وصية طاهر بن الحسين (ت- 207 للهجرة) لابنه عبد الله عندما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما عام 206 للهجرة، نموذجا لهذه الرؤية وليس استنفاذا تاما لها. اما السياسة العقلية، فإنها ترفع فكرة الثواب إلى رؤية الحاكم، أي إلى السلطة السياسية. فهي التي تحدد معنى وحقيقة الثواب انطلاقا من إدراكها لحقيقة المصلحة العامة. وهي سياسة، كما يقول اين خلدون، محكومة بالمنفعة الدنيوية. بمعنى إن نفعها في الدنيا فقط. الأمر الذي حدد طبيعة عملها وأساليبها لبلوغ الغاية. فهي تعمل على وجهين كما يقول ابن خلدون. الأول ويراعي فيها المصالح العامة ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، كما كان الحال عند الفرس وهي سياسة الحكمة، والثاني يراعى فيها اساسا مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة. بمعنى إنها تتمثل أما تقاليد الحكمة العقلية أو تقاليد القهر والاستبداد. أما الثالثة فهي السياسة المدنية، التي تتطابق في فكر وموقف ابن خلدون مع فكرة المدينة الفاضلة التي يقول بها الفلاسفة. الأمر الذي يجعلها تختلف اختلافا هائلا عما هو سائد في الوعي العادي عنها. وذلك لأن مقصودهم بالسياسة هنا ليس ما هو موافق للسياسة الشرعية والعقلية، كما يقول ابن خلدون، بل لمراد آخر وهو "إن هذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها على جهة الغرض والتقدير".

بهذا يكون ابن خلدون قد اقر بتنوع النماذج السياسية في الحكم دون أن يفصح عن أفضلية أي منها بصورة مطلقة، رغم انه يميل نسبيا إلى أفضلية السياسة الشرعية التي تتطابق في نظره ومواقفه مع فكرة الشرعية الإسلامية. والسبب يقوم في أنها تحافظ على وحدة الروح والجسد، والحياة وما بعدها، ومن ثم تضمن للإنسان حقوقه بمعايير الفكرة المتسامية، وليس حسب الاجتهاد السياسي العقلي الذي لا يخلو من نفسية وذهنية المصلحة والنزوات وما شابه ذلك. أما الفكرة الفلسفية عن المدينة الفاضلة، فإنها تتخذ في رؤية ابن خلدون منحى الصيغة المثلى والنموذجية ولحد ما الخيالية، لكنها تحتوي على جميع الفضائل التي يمكنها استثارة الوعي السياسي لبلوغ الكمال. مع إن كل ما في فكر ابن خلدون أقرب إلى الواقعية الصارمة التي لا يتخللها أي مزاج خيالي من أي نوع كان.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص136.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص286-287.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص271. هنا ملاحظة واقعية ودقيقة. إذ إننا نعثر على مختلف مظاهر هذه الحالة زمن انحطاط الدول والمجتمعات بما في ذلك الحديثة. ففي مجرى انحلال الدولة السوفيتية نهاية القرن العشرين اخذت الطلسمات والسحر (تحت غطاء علم النفس وما شابه ذلك) وغرائب الوعي البدائي بالانتشار السريع بحيث احتلت الشخصيات "السحرية" موقعا مهما في الوعي الاجتماعي والسياسي وشاشات التلفزيون والجرائد. وهذه بدورها لم تكن معزولة عن "السحر السياسي" أي التلاعب بعقول البشر والوعي الجمعي. وهي ملاحظة اكتشفها ابن خلدون قبل قرون عديدة من الزمن.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص227.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص228.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص229.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص229.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص231.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص259.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص233.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص236.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص232-233.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص240.

 

حيدر جواد السهلانييقول عبد الرحمن بدوي: "إن فلسفة جبرييل مارسيل (1889- 1973) يستمدها من تجاربه الذاتية والباطنية، ولهذا أتخذت تأملاته صورة اليوميات، ولا نجد له أثراً فلسفياً على هيئة كتاب، إنما كل انتاجه يوميات أو مقالات، ولهذا يصعب، بل يستحيل عليه أن يستخلص من مؤلفاته مذهباً محكم، اذ مارسيل صاحب خواطر وشذرات، ولذلك جاءت فلسفته غير تامة."(1) ويرى بوشنسكي أن موقف مارسيل مغرق في رفض إقامة نظام فلسفي، مما ينتج عنه أن مذهبه يبدو أصعب فهماً في جملته من مذهب أي فيلسوف وجودي آخر، والواقع أنه لم يوجد أحد من الباحثين نجح حتى اليوم في عرض فلسفته على نحو منظم، لهذا السبب سنذكر الأمور الجوهرية في العرض الذي يلي.(2) وقد أتجه البحث الفلسفي عند مارسيل منذ البداية إلى توضيح مانسميه (بوجود الله) و(خلود الروح) ويعتقد مارسيل أنه قبل أن نعرف ما إذا كان من الواجب علينا أن نسلم أو لانسلم بوجود الله، لابد من أن نوضح أولاً معنى كلمة (وجود) ذلك أن حل هذا المشكلات الأساسية التي هي بحكم تعريفها تتعلق بوجود ما وتضع وجودي موضع السؤال، لا يمكن أن نتصوره إلاداخل إطار فلسفة عينية، وعلى هذا فقد كان مارسيل يطمع في إقامة (فلسفة للوجود الفردي) أكثر مما يطمع في إقامة فلسفة للوجود بوجه عام، لأنه يجوز ألا تكون هذه الفلسفة الأخيرة شأنها في ذلك شأن كثير من المذاهب الأخرى، مذهباً مجرداً أو نظرية في الوجود، لأن الذي يتحكم من البداية إلى النهاية هو التجربة الوجودية، وهذا التجربة غير محدودة عملياً، سواء من ناحية الامتداد أو من ناحية العمق وينبغي على الوجودية أن ترحب بكل ماتحمله الحياة الأجتماعية والملاحظة وتأمل التجربة التي تعيشها في أشد ما فيها من عنصر شخصي، وعليها أن ترحب بكل ما يمكن أن يحمله ذلك من طابع أصيل، بل بكل ما كان علامة على بحث أو قلق، حتى في الخطأ والأنحرافات الشائعة، ويجب أن نسلم بأن الخطوة الأولى للبحث تكون من الناحية الصورية موجهة إلى تكوين فلسفة عينية، أذ لابد من التحرر من سلطان النزعة العقلية المثالية، ويرى مارسيل لابد من إدماج التجربة الذاتية من حيث هي تجربتي أنا، في نسق معقول على نحو فعال، وذلك مع احتفاظها بسماتها الفردية بل بنقائضها أيضاً، اذ الوجود هو المجال الرئيسي في الميتافيزيقا والعالم يضرب بجذوره في الوجود، ويرى مارسيل نحن في التجارب الوجودية ندرك الوجود في حقيقته العينية المباشر ونشعر بتأكيدنا إياه في آن واحد، وهنا يكون العقل والفكر شيئاً واحداً، ويكون الكوجيتو (أنا أفكر) و(أنا موجود) شيئاً واحداً.(3) ينطلق مارسيل من مقولة (أنا موجود) تلك هي المقولة التي يبدأ منها مارسيل، والوجود في جسد، ويجعل الإنسان يخوض الحياة في علاقة مع الواقع، وفي عملية بحث عن الذات في اعماق الذات نفسها وفي العالم، أي أن البحث عن الوجود في العالم محور من محاور فلسفته الأساسية، ويفضل مارسيل مصطلح فلسفة الوجود أو السقراطية الجديدة لتحديد فكره، ويفضل تسميته سقراط الجديد، وكان يوصف مارسيل بأنه وجودي مسيحي، وهو بهذا يقف في الطرف المقابل لسارتر، وغلبت عليه نزعة تفاؤلية قريبة من التوجه الذي أرساه كيركجارد، وسيطر على فكره هاجس الطابع العارض والزائل لكل حرية، ويرى أن التعايش المشترك بين البشر أمر حتمي، ويعتبر أن الإيمان بالرب قادر على تبديد أسرار المصير الإنساني المأساوي وحل مشكلاته.

ينطلق مارسيل في فهمه للفلسفة من التجربة المنقولة في الفكر، وهي أدراك بقدر المستطاع من الوضوح، فالتقدم الفلسفي يكمن في مجموعة الخطوات المتتالية التي بها تتجسد الحرية، التي كانت تدرك على أنها مجرد قدرة على قول نعم أو لا. وعمل الفلسفة يكمن قبل كل شيء في التعمق ببعض المواقف الروحية، والفلسفة تنكر إمكانية بلوغ شيء آخر غير مانسميه (حالاتي النفسية) فالمظاهر ليس سوى شكل من أشكال الكبرياء والتعلق بالذات.(4)  والفلسفة لا تدرس المشكلات، بل نحن نحياها، والفلسفة هي التي تعطي معنى لتاريخ الفلسفة، بل أنه لن تكون ثمة فلسفة عينية، دون توتر يتجدد دائماً وينزع إلى الخلق بين الأنا وأعماق الوجود التي توجد فيها وبواسطتها، والفلسفة لاتكون فلسفة بالمعنى الحقيقي إلا بقدر ما تفضي إلى سر الوجود، ويرى أن الخطأ الرئيسي في الفلسفة ينحصر في أنها تنزل السر إلى مرتبة المشكلة أو إلى موضوعية بحثه على زعم أنها تحصل بذلك على وضوح أكمل.(5) وبذلك أن الفلسفة عند مارسيل لم تصدر عن تفكيره إلا عن تجربة خاصة، ولم يهتم إلا بما أتصل بطبيعة عمله ووافق نفسه، وبذلك جعل تأملاته الفلسفية وليده تجارب ذاتية معينة وخلاصة مواقف نفسية صافية، ونقطة البداية عند مارسيل هو الجسد البشري، ويرى أن ثمة علاقة غامضة تربط الذات بالجسد فتجعل منه وسيطاً ضرورياً للشعور بأي شيء، ولكن هذا الجسد لا يعبر عن كل الوجود ولا يستوعب صميم الذات، وإنما يسمح بإيجاد مسار خاص تختلط فيه إشعاعات الذات بأصداء العالم الخارجي، فكأن الوجود في نظره ليس حقيقة أو واقعة بقدر ماهو عمل واكتساب، وفي هذا التقدير هو تلك الدرجة السامية من الذاتية، حين يكون بوسع الإنسان أن يخلق نفسه بنفسه، وأن يتقبل المسؤولية االمترتبة على كل أفعاله، بحيث يظل دائماً في محاولة للعلو على نفسه.(6)

الإيمان عند مارسيل هو إيمان بأنت، أي الإيمان بوجودك المفصول عن وجودي، ويبرز الإيمان على أنه إيمان بالله(جل جلاله)، والإيمان ليس مجرد الإيمان بأخلاقك وفضائل وعقائد، بل هو الإيمان بالأنت الحاضر حضوراً مستقل عن دائرة الأنا التي تعيقه وتحدده، وأن وجود الإنسان هو وجوده بفقد معناه دون الآخر، ولفهم الذات لابد من فهم الآخر كإنطلاق عبر الإيمان. ومن واجب المؤمن أن يعي كل ما فيه من لا إيمان، فالإيمان والكفر متحدة في نفس واحدة، والإيمان هو رأي، والرأي قد يكون لأعتبار مصلحتنا الشخصية أو ينحاز للشعور العاطفي. ويربط مارسيل الإيمان بالوجود، فأذا دخلت إلى الإيمان فذلك من حيث كونه موجود، وليس من حيث كونه فكراً عاماً، ومع ذلك على الإيمان أن يشارك في طبيعة الإحساس، بأعتبار أن المسألة الماورائية هي العثور بالفكر أو بما وراء الفكر على عصمة جديدة، أن الإيمان هو بمعنى الكلمة وليس الأعتقاد، والإيمان هو إيمان الأنت، أي بواقع شخصي. والإيمان هو موضوع نحن محمولون على عقلنته أي على تزويره، لأننا نرى في الإيمان شكلاً ناقصاً وحتى غير صافي، والإيمان هو معطى فكري، وتأتي الأنا لتمارس عليه التفكير، والإيمان لايتناول فقط الكائن، إنما هو من الكائن، هو كائني، وهو حقاً عمق الأنا، ويدخل الإيمان للفحص الضميري، لذلك الإيمان هو العمق الذاتي، ويرى مارسيل أن التناقض هو من يوضح الإيمان إذ يرى أن التأكيد بأنني أؤمن من غير أن يرغمني تأمل دقيق حول عوزي على أن أتبين للحال أنني لا أؤمن، لكن هذا اللا أؤمن لاتتوضح إلا بالإيمان التي تأتي لتحدها لا تلغيها. والإيمان هو أفعال تحدد وتعد، بل بما أحرره أو أشعه للغير، بعبارة أخرى من ماهية الإيمان الواقعي إلا يكون متمثلاً في شيء بملكيته يمكن الأعتزاز به.(7) والإيمان يكتشف في السلوك، والإيمان يصاحب كل مجهود إنساني حقيقي يدل دلالة واضحة على أنه بالنسبة إلى الإنسان الذي يشقى ويناضل يوجد معنى للكون، ويرى مارسيل بالضد من أولئك الذين يرونه إلا شكل من أشكال السذاجة والضعف، أذ الإيمان فضيلة وقوة وليس ضعف وعجز، ويرى أن الواقع موضوع الإيمان ليس من تلك الموضوعات التي يمكن أن تتحقق من صدقها وأن تحكم فيها، وذلك لأن هذا الموضوع ليس شيئاً خارجياً يفرض وجوده، على مستوى الحقيقة الموضوعية، وإنما هو حقيقة أبعد عمقاً مما أنا عليه بالنسبة إلى نفسي (الله أقرب إلى نفسي من نفسي). ويرد مارسيل ويبين موضوع الإيمان من الشك، ويرى أن موضوع الإيمان يعرض على وجه الدقة بوصفه متعالياً بالنسبة إلى الشروط التي تقتضيها كل تجربة، وعلى هذا يجب أن نعترف بأنه كلما أستخلص الإيمان نفسه بكل نقائه انتصر على النزعة الشكية التي لايمكن أن تضع قيمته موضع التساؤل إلا لأنها تبدأ بتكوين فكره عنه تشوه طبيعته، ويضيف مارسيل إلى أنه كلما أقتربت النفس من الإيمان أزدادت اقتناعاً بأنها عاجزة تمام العجز عن إيجاده، أذا ينبغي أن نتفق على أن الإيمان لايمكن إلا أن يكون تسليماً، أو هو بتعبير أدق لايمكن إلا أن يكون كشفاً، وهو تسليم وأجابة على دعوة صامته تنادي النفس دون أن ترغمها أي أرغام، وعند من يملك الإيمان يبدو عدم التصديق كأنه رفض،وكثير مايكون هذا الرفض صوره لعدم الانتباه والحياة الحديثة، التي تشتت الإنسان وتجرده من إنسانيته، وبذلك الإيمان ليس بنفسه حركة للنفس ولا انتقالاً إلى حالة أخرى ولا هو الخطاف، وذلك أنه لايمكن إلا أن يكون شهادة مستمرة.(8) والإيمان يتحدد بالمشاركة، وفكرة المشاركة من الأفكار الأساسية في مذهب مارسيل، ويقصد بها أولاً مفهومها في الأفلاطونية المحدثة بخاصة، بمعنى أننا نشارك في الكون، وأن بضعة منا تضم بضعة من الكون، وفي هذا يقول الإيمان هو شعور المرء، أنه بمعنى مافي داخل الألوهية، وميزة الإيمان في نظر مارسيل هو أنه يجعل المرء يدرك، أنه ليس مجرداً، وليس العالم مجرد، بل يجتمع الموضوع والذات في فعل الإيمان، ويفهم مارسيل المشاركة يمعنى الشعور بالاعتماد التام بإزاء العلو الألهي منظوراً إليه على أنه قوة مستقلة تماماً وحرة، ويقول عن المشاركة إنها تلك العلاقة بين الحرية الأنسانية والحرية الإلهية التي هو سر الكون المركزي، فلم يعد يفهمها بالمعنى الأفلاطوني، أي أعطاء طبيعة واحدة لجملة أفراد، بل على أنها العلاقة الروحية بين حريتين توافق كل منهما الأخرى وتتحدان معاً مع أحترام كل منهما.(9)  وبذلك الإيمان عند مارسيل هو أخلاص لشخص أكثر من تأييد لصيغة أعتقادية، والإيمان يمنح الحياة معناها وينير طريق صاحبه، والإيمان ليس مجرد ملجأ ضد كآبة الحياة، بل هو على الضد من ذلك.(10)

 الإيمان يتجلى في الكنيسة بتعابير إنسانية وبوزارة إنسانية، فهو عقيدة وسلطة عقائدية، وبما أن حياة المسيح تتجلى في الكنيسة بأسرار حسية وبوزارة إنسانية فهي سر وكهنوت، ويميز مارسيل بين الكنيسة الجسد السري، الذي هو يبقى أبدياً، حيث المسيح وحده الرأس، وحيث لايمكن تمثل إلا سلم قداسة وفضيلة، بحيث في هذا الترتيب قد يكون البابا أبعد عن المسيح من أمرأة جاهلة متواضعة، والكنيسة أو التنظيم، حيث يوجد سلطة ومرؤوسين، والتي هي جسم بالمعنى السوسيولوجي والقانوني للكلمة، ويرى مارسيل على الكنيسة تحسين الإنسان أن تكون مايريدها الله أن تكون في الإيمان. ويرى في التسامح أنه مرتبط بالإيمان، ويقع التسامح في منطقة حدودية وتقريبا على الحدود المتبادلة للشعور وللموقف أو السلوك، والتسامح هي نوعاً من علاقة بالغير، أو بالآخر من حيث هو آخر، وأن فعل التسامح يعني فعل التحمل، وأن التسامح هو نفي النفي، إنه ضد اللاتسامح، ويبدو أنه يظهر التسامح قبل اللاتسامح ليس أولياً، إنه في العمل ماهو التأمل على صعيد الفكر، فهو أذا في كل الأحوال، لايعقل من دون قوة معينة تسنده ويرتبط نوعاً ما بها، بقدر ما يرتبط بحالة ضعف، وبقدر ما لايكون ذاته بقدر ما لا يكون تسامحاً، ويتعلق التسامح بالأمانة والصدق، والتسامح يشترك مع التعصب بأنهما كلاهما يزولان بأسم المصلحة العليا.(11)

يذهب مارسيل إلى أننا محتاجون الله(جل جلاله) في كثير من المواقف ونقوم بدعاء مرسل من أعماق فاقتي، ويفترض هذا الدعاء تواضعاً جذرياً عند الذات، تواضعاً تستقطبه المفارقة نفسها للذي يتضرع إليه. والحياة الخاصة هي وحدها التي تقدم المرآة حيث يأتي لينعكس اللامتناهي، وأن البحث في الماورائيات هو تأمل في فعل الإيمان المنظور إليه في صفاته وفي الشروط التي تسمح له بالبقاء، وفعل الإيمان هو يعقل ذاته، ومع ذلك يرى مارسيل المحاولة للوصول إلى الله(جل جلاله) هي محاولة يائسة. وأن البرهان ليس فقط لايمكنه أن يحل محل الإيمان، بل بمعنى عميق يفترضه، وأن واقع الإيمان هو أتصال بين الذات وبين الغير، لايمكن أن يتم إلا على أساس وضع ملموس معين.(12) ونحصل عن طريق الإيمان على نوع من الكشف المتعلق بالله (جل جلاله) الذي يصبح بالنسبة لي شخصاً، أذ الإنسان لايستطيع أن يفسر نفسه لنفسه، أو أن يفهم نفسه إلا إذا انفتح على علو.(13) ويرى مارسيل أننا نتوجه تلقائياً نحو إدراك الكيان المطلق الذي يشكل سر بالنسبة للعقل، ولا سبيل إلى اكتشاف هذا السر إلا عن طريق الأختبار المعاش، وأنه لكي نجيب على التساؤلات الخاصة بوجود الإله، علينا قبل ذلك أن نحدد على نحو دقيق مفهوم الوجود ذاته، ومع ذلك لايمكن البرهنة على وجود الإله عن طريق الوسائل العقلانية، إنما يلتقي الإنسان بالإله على نفس المستوى الذي يلتقي فيه بالآخر، أي مستوى(الأنت) في إطار المحبة والعبادة، ويكون هذا اللقاء نوعاً من المشاركة في الوجود الحق، وهي مشاركة ربما تبدأ مع محض وضع الفيلسوف لتساؤلاته الفلسفية.(14) ويعترف مارسيل بتأثير الذات الألهية، الموجود الأعلى التي يشاركها في الوجود على نفسه في توجهة نحو وجوده.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش

1- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص242.

2- ينظر بوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ترجمة عزت قرني، عالم المعرفة، ص239.

3- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ترجمة فؤاد كامل، دار الآداب، ص238- 247.

4- ينظر جبرييل مارسيل: الخطوط الأولى لفلسفة ملموسة، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات، ص44.

5- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص240- 248.

6- ينظر سعيد العشماوي: تاريخ الوجودية في الفكر البشري، دار الوطن العربي، ص124.

7- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات ،ص48- 84- 88- 102.

8- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص246- 254.

9- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، 245- 246.

10- ينظر معنى الوجودية(دراسة توضيحية مستقاة من اعلام الفلسفة الوجودية)، مكتب دار الحياة، ص105- 106.

11- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ص126- 147.

12- ينظر المصدر نفسه، ص48- 81.

13- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص251.

14- ينظربوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ص240.

15- ينظر معنى الوجودية، 105.

 

أولا: ضبط المشكلة: إن من أهم المسائل التي تثار حول طبيعة المنطق هي مسألة طبيعته من حيث الصورية والمادية. هل المنطق يختص بصورة الفكر وبالتالي فهو صوري، أم يختص بالأشياء في ذاتها ومضمونها المادي وبالتالي فهو مادي؟

يقول المنطقي الانجليزي جونسون:" إن المنطق يحاول تحليل ونقد الفكر، وهذا التحليل قد يتعلق بالفكر نفسه أو بمبادئه وصوره، وقد يتعلق بمضمون الفكر أو بمحتواه"(74). لقد كانت هذه هي المشكلة التي واجهت الباحثين في المنطق. والتي على أساسها قسم المناطقة المنطق إلى قسمين منطق صوري، ومنطق مادي. الأول يبحث في صورية الفكر فقط، بغض النظر عن الموضوعات التي يبحث فيها، والثاني يهتم بالناحية الموضوعية للفكر أي الأشياء. ولهذا كان موضوع المنطق الصوري هو البحث في القواعد التي تجعل الفكر متفقا مع ذاته؛ عدم تناقض الفكر مع القواعد التي وضعها بذاته. يبحث فقط في القواعد والشروط التي تضمن لنا الانتقال من المقدمات إلى النتائج دون تناقض. هذه القواعد والشروط صورية خالصة ولا علاقة لها بمضمون الفكر أو الواقع المادي الموضوعي. فقط ينبغي أن نميز هنا بين صورة الفكر والفكر كفعل وهو موضع لعلم النفس، ولا علاقة للمنطق بـذلك. ومن هنا فعمل المنطق الصوري هو أن يقدم لنا القواعد التي تجعل استدلالنا صحيحا من الناحية المنطقية(75).

أمــا موضوع المنطـــق المـادي فهو وضع القواعـد الـــتي تجعـل الفكـر متطابقـا مع الواقـع (الأشياء) أي أن تعبـر في الذهـن علـى مـا هـي عليـه في الخـارج.

فإذا قلنا مثلا "إذا سقط المطر ابتلت الأرض".، ونظرنا إلى القضية من الناحية الصورية لا نبحثها إلا من حيث لزوم التالي عن المقدم وصحة الارتباط، أما إذا كان المقصود هو صحة هذه القضية من حيث الواقع فهذا شيء آخر، يستلزم منا البحث في مادة القضية ومضمونها. هل تنطبق على الواقع أم لا؟ هل هي تنطبق على شيء خارجي أم هي مجرد افتراض ذهني؟ نلاحظ أن هناك اختلاف واضح أن نبحث القضية من حيث صورتها فقط وأن نبحثها من حيث مضمونها.

اختلف المناطقة حول هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى أن المنطق صوري، لا يبحث إلا في صورة الفكر، أي في قوانين عامة تنطبق على التفكير المجرد بصفة مطلقة، وأن البحث في الجانب المادي أو مضمون الفكر ليس منطقا وإنما هو بحث يرتبط بفلسفة العلوم أو علم المناهج. فعمل المنطق هو البحث في المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، ولهذا فالمنطق يستبعد كل اعتبار لمادة الفكر. فهو صوري خالص(76). لم يوافق التجريبيون على هذا بل ذهبوا إلى أنه لا يمكن الفصل بين الفكر والمادة فهما شيء واحد يكوّن المنطق، فالفكر عيني، مادي وليس هناك فكر مجرد. وعلى أساس هذا التقسيم أصبح المنطق الصوري محصورا في نظرية القياس وبعض لواحقها، ويكون المنطق المادي يشمل  الاستدلال الاستقرائي وغيره من صور الاستدلال الحديثة. قبل اتخاذ مقاربة من هذه المشكلة ينبغي الرجوع بها إلى واضع المنطق نفسه أرسطو، ثم من جاء بعده حتى العصر المعاصر.

ثانيا: موقف أرسطو من صورية المنطق وماديته

لقد نظر أرسطو إلى التصورات على أنها متسلسلة في الذهن بطريقة معينة تخضع لقواعد عامة يسير عليها العقل، وهو يربط بين هذه التصورات بغض النظر عما تشير إليه هذه التصورات من واقع خارجي خاضع للتجربة؛ فهذه التصورات تترابط لتكون القضايا، وهذه الأخيرة تكون حملية أو شرطية، ولكل منهما صورته وقواعده العقلية العامة.

وإذا ما انتقلنا إلى ربط هذه القضايا فإننا نجد أنفسنا أمام القياس الأرسطي، وهو بدوره له شروطه، وقواعده، وصوره التي تشكل منها وقالبه بصفة عامة هو المقدمتين والنتيجة.

وهذا ما يجعلنا نقرر على حد تعبير علي عبد المعطي أن المنطق الأرسطي كان منطقا صوريا إلى حد كبير، لا يهتم بتطابق الفكر مع الواقع بقدر ما يهتم ببيان القواعد العامة التي يسير بمقتضاها الفكر وهو يربط التصورات في قضايا ثم يربط القضايا في أقيسة. ويواصل عبد المعطي بقوله ومع هذا فنحن لا نستطيع أن نجزم بأن المنطق عند أرسطو كان صوريا خالصا، وإن كانت هذه غاية أرسطو في تحليلاته الأولى. إلا أنه في تحليلاته الثانية يتحدث عما يسمى الآن بمناهج البحث في العلوم، أو بمعنى آخر، يتحدث عن الاستدلال من حيث انطباقه على موضوع العلم. وهذا ما يرجع بنا إلى المنطق المادي الذي يهتم بانطباق الفكر مع الواقع(77).

ويذهب النشار إلى أنه من المؤكد أن المنطق عند أرسطو لم يكن شكليا بحتا، فنحن نستطيع أن نجد عنده نوعين من أنواع المنطق: المنطق الصغير وهو دراسة قوانين الفكر خالصة ومجردة من كل مضمون، وهذا ما هو متعارف عليه الآن بالمنطق الضيق (نظرية القياس) وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الأولى. والمنطق الكبير، وهو ينطبق على مناهج البحث، وهو دراسة عمليات العقل منطبقة على هذا العلم أو ذاك وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الثانية(78). أو ما يسمى بالبرهان. وينتهي النشار من هذا التحليل إلى أن المنطق عند أرسطو لم يكن صوريا بحتا وإن كان الجزء الأكبر منه تغلب فيه الناحية الشكلية. بل أن التحليلات الأولى والتي تعتبر بأنها صورية وشكلية، فيها جانب مادي بدليل أن هناك من يذهب إلى أن أرسطو وصل إلى الكثير من قواعد القياس وإلى المقولات نفسها بواسطة تحليل مادي(79).

وكان أرسطو يوصف بأنه ذو نزعة واقعية يقول أبو يعرب المرزوقي:" فرغم أن الواقعية الصورية المفارقة للرياضي تبدو، مغايرة تمام المغايرة للواقعية الصورية المحايثة، إلا أن مجال تحديد الرياضي بالإضافة إلى الطبيعي يبقى واحدا عند أفلاطون وأرسطو. فكلاهما يحدده بما ينسبه إليه من حضور في الطبيعي؛ ومن ثم فهما يعترفان له بالواقعية، أعني بالوجود والقيام الذاتي.." (80).

وقد سبق وأن بيّنا في الفصل الأول كيف أن المناطقة المسلمين قد فهموا هذا التوجه عند أرسطو، ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا: الذي كان يرى أنه إذا كان المنطق يمدنا بقواعد تعصمنا من الخطأ، فهو صوري ومادي في الوقت نفسه. فإذا كان هذا الفكر يتجه نحو صورة الفكر، فإنه يتجه كذلك نحو مادته، وأنه إذا كان أرسطو شكليا في التحليلات الأولى، فإنه مادي في بحثه عن البرهان، بل يحاول أن يطبق هذه القوانين الصورية في كثير من كتبه الأخرى، التي اعتبرها مفكرو الإسلام جزء من المنطق (كالجدل والأغاليط والخطابة والشعر)، فهو لا يبحث في هذه المؤلفات في صورة الفكر فقط بل يبحث أيضا في مادته(81). غير أن المناطقة المسلمين المتأخرين اعتبروا المنطق صوريا فحسب وحصروه في مبحثين مبحث التصورات ومبحث التصديقات. يقول ابن خلدون:" ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق" وإن من هذا التغيير تكلمهم في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادته وحذفوا النظر فيه بحسب المادة"(82).

أما السبب الذي جعل أرسطو ينظر إلى المنطق على أنه صوري ومادي في الآن نفسه إنما يتضح بالعودة إلى مصادر هذا المنطق والبيئة التي نشأ فيها والتي فصلناها في الفصل الأول. ويذهب النشار أيضا إلى أن هناك أبحاث كثيرة في عصرنا بحثت الجانب المادي في المنطق الأرسطي وأنه مجرد تجريد لأسس فيزيقية بحثها أرسطو، وانتهى منها إلى وضع منطقه الصوري(83).

لكن تحت تأثير الشراح وخاصة شراح العصور الوسطى (المتأخرين منهم) فهم المنطق الأرسطي على أنه منطق صوري بحت.

يقول تريكو في هذا الصدد:" إن العصور الوسطى كانت العهد الذهبي للمنطق الأرسطي الشكلي بكل معانيه الشكلية وقد عمقت من هذه المنطق وذهبت به إلى النهاية في الصورية وأقاموه على النظرة الماصدقية وتركوا النظرة المفهومية التي يقوم عليها القياس" وأبرز المنطقيين حسب تريكو في هذا العصر بالذات وأبعدهم عن الواقع هو ريمون لول Raymond LULL(84).

يقول النشار:" عرف المدرسيون المنطق الأرسطي معرفة كاملة، ولكن فكرة أرسطو عن المنطق لم تؤخذ عندهم أخذا كاملا فقد اعتبروا المنطق صوريا بحتا، وعلما متمايزا منبثقا عن ذاته منفصلا... عن الواقع... وغارقا في ميكانيكية بحتة ومنتهيا إلى استدلال وبرهنة جوفاء"(85). وبدأت الثورة على هذا المنطق الشكلي العقيم الذي لا يرتبط بالواقع كما وصفوه في عصر النهضة."

فقد هاجم (راموس Ramus) الأورغانون فأفسد نظرية القياس من أصولها، ووضع (بيكون Bacon) أورغانونه الجديد الذي يقوم على التجربة وتصور منطقا استقرائيا بعيدا عن                                                                                                                   روح أرسطو". وأتم ديكارت هزيمة أرسطو. وأسس العلم الحديث فحولت الكيفية إلى الكمية على حد تعبير تريكو(86). وصارت الرياضيات هي المنطق الحقيقي لما تتميز به من دقة  لغة ومنهجا.  وفي العصر الحديث دأب جل المناطقة على اعتبار المنطق صوري ومادي معا. يذهب كينز بعد التساؤل حول صورية المنطق وماديته هل المنطق صوري أم مادي؟ ذاتي أم موضوعي؟ يتعلق بالفكر وتناسقه الذاتي أم يتعلق بالأشياء؟ فيجيب قائلا:" إنه من المعتاد أن نقول أن المنطق صوري يهتم فقط بصورة الفكر أي بطريقتنا في التفكير المبتعدة عن الموضوعات المشخصة التي نفكر فيها، كما أنه من المعتاد أيضا أن نقول أن المنطق مادي من حيث أنــه يشير إلى الموضوعات المختلفة التي نفكـــر فيها.

ويقرر بعد ذلك أن المنطق صوري من جهة، ذلك أنه لا يتناول وقائع مادية، كما أن الاستدلال فيه يكون له نمط معين أو صورة محددة، كما أن الموضوعات الرئيسية في المنطق ليست إلا محاولة للكشف عن أكثر الأنماط أو الصور دقة والتي يمكن رد كل استدلالاتنا إليها- وينتهي إلى أن المنطق مادي من حيث أنه يشبع فضولنا بواسطة ملأ هذه الصور المنطقية بمادة موضوعية مستمدة من العالم الخارجي. ومن هنا فالمنطق عند كينز صوري ومادي في الآن عينه(87).

ويرى لاتا وماكبث، أن الفكر يرتبط دائما بموضوع، وأنه يكون متصلا باستمرار بموضوعاته، وأنه لا يوجد فكر مجرد تماما، فالفكر ليس منفصلا عن الموضوعات أو إطارا مستقلا عنها، رغم أننا نستطيع أن نميز بين الفكر وبين موضوعاته، ففي الطبيعيات نحن نفكر في المادة والطاقة، وفي البيولوجيا نفكر في الحيات، وفي علم النفس نفكر في العمليات العقلية والنفسية الداخلية، وفكرنا يختلف من علم إلى آخر منهجا وإطارا بحسب اختلاف موضوعات هذه العلوم. الأمر نفسه ينطبق على المنطق، فهو يبحث في الصور الفكرية الملائمة لموضوعاته(88). وهذا ما عبر عنه كينز في قوله:" إن العلوم كلها صورية من حيث أنها تجرد الصور من الموضوعات... وأن المنطق هو أكثر هذه العلوم تجريدا وتعميما وصورية"(89). ونفهم من هذا أن العلوم لا تختلف عن بعضها البعض إلا في درجة الصورية أي أن بعضها أكثر صورية من الآخر.

ولعل هذا ما عبر عنه بوزنكيت حين ذهب إلى أن المادة لا توجد بدون صورة، وأن العلوم تتجه بأكملها إلى البحث عن تلك الصورة التي قلنا أنها ترتبط بالمادة، ويخلص بوزنكيت إلى أن كل العلوم صورية، وأن المنطق علم صوري وأن الهندسة علم صوري وحتى الفيزيقا علوم صورية، فكل العلوم صورية لأنها تتعقب الخصائص والصور الكلية للأشياء(90).

إلا أن العلوم عند بوزنكيت تختلف في درجة الصورية، فكل علم يعالج نوعا من الكيفيات التي تكون بمثابة صوره، ولكن صور هذه العلوم تكون مادة بالنسبة إلى المنطق، ومن ثم يجوز لنا أن نقرر " بأن المنطق أعلى العلوم صورية".

و ما نلاحظه على هذه المواقف المختلفة وإن كانت لا تختلف عن الموقف الأرسطي كما حددناه سابقا، فإنها تثير مشكلة هي المشكلة نفسها التي يطرحها الموقف الأرسطي. هل يمكن اعتبار المنطق ومناهج البحث شيئا واحدا؟ فإذا كان الموقف الأرسطي واضحا في التحليلات الأولى وهو أن المنطق علم صوري بحت، فإنه يعود في التحليلات الثانية إلى الواقع المادي لبرهنة تلك الصور. وهذا يجعلنا نفترض أنه كان يميز بين المنطق ومناهج البحث. فالصورية كانت بغية أرسطو وأن البرهان يأتي كمرحلة ثانية، وإن كان لا يصرح بذلك، نحن نستند في هذا الاستنتاج إلى طبيعة العلوم في تلك البيئة -و حتى في البيئة الإسلامية فيما بعد- لم يكن هناك انفصال بين العلوم والفلسفة. بل كانت الفلسفة تضم كل العلوم. لكن ما نلاحظه على هذه المواقف الحديثة- التي تعرف المنطق بأنه صوري ومادي معا- هي أنها لا تفصل بين المنطق ومناهج البحث وهذا على حد تعبير عبد الرحمن بدوي هو تقليد في كتب المنطق في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كما تشهد على ذلك كتب: جون ستوارت مل نظام المنطق،  سيغوارث المنطق، و.ف. برادلي المنطق، ج.ن. كينز دراسات وتدريب في المنطق الصوري. هـ .و.ب جوزيف مقدمة للمنطق. و.أ.س ستبينغ مقدمة حديثة للمنطق. وجونسون المنطق. وعشرات الكتب الأخرى، لكن لا يجد ما يمنع من اعتبار مناهج البحث في العلوم فرعا مستقلا عن المنطق رغم الصلة الوثيقة بينهما(91).

نخلص من خلال هذا التحليل الموجز إلى أن المنطق علم صوري، لأن طبيعة المنطق تقتضي بأنه لا يكون إلا صوريا. لكن ما هو مفهوم الصورية في المنطق؟ وهل الصورية تعني –كما هو شائع – الانفصال عن الواقع، وأن كون المنطق صوريا فهو عقيم؟

ثالثا: مفهوم الصورية في المنطق

يذهب موساوي إلى أن المنطق سواء في صورته القديمة أو في صورته المعاصرة لا يمكن أن يكون إلا صوريا بمعنى أنه يتعلق بصورة الفكر، أي بالطريقة التي نفكر بها دون أن ننظر إلى محتوى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها(92).

ويذكر لوكاشيفيتش عبارتين يقول عن الأولى أنها مأخوذة من كتاب المنطق لكينز يقول فيها:" يقال عادة إن المنطق صوري، من حيث أنه لا يتعلق إلا بصورة الفكر، أي بالنحو الذي نفكر عليه دون نظر إلى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها". والثانية يقول أنها مأخوذة من كتاب تاريخ الفلسفة للأب ويكلستون: "كثيرا ما يوصف المنطق الأرسطي بأنه منطق صوري. وهذا الوصف ينطبق على منطق أرسطو من حث هو تحليل لصورة الفكر". ثم يقول :" في هذين الاقتباسين عبارة لا أفهمها هي صورة الفكر"(93).

فينفي أن يكون المنطق علم قوانين الفكر كما يفهمه المتأثرون بالنزعة السيكولوجية. هذه النزعة التي تعد علامة على تدهور المنطق في الفلسفة الحديثة على حد تعبيره، وحسبه لا نجد لهذا المفهوم أثرا في كتاب (التحليلات الأولى). وهو الكتاب الذي عرض فيه أرسطو نظرية القياس. ويقرر كذلك أن المنطق لا يبحث في كيف يجب أن نفكر فهذه مهمة يختص بها فن يشبه فن تقوية الذاكرة. فعلاقة المنطق بالفكر لا تختلف عن علاقة الرياضيات به(94). ونفهم من هذا أن المنطق ليس علما معياريا.

فإذا كانت قواعد وقوانين المنطق تصاغ، عادة بصيغة الفعل "يجب"، فقد نفهم معان كثيرة من هذا الفعل:

معنى الإلزام: مثال يجب أن يحترم السائق إشارات المرور ومخالفتها تعرضه للعقوبة.

المعنى الشرطي: مثال: "يجب أن يكون الطالب مجتهدا إذا أراد النجاح". فالوجوب هنا مشروط بإرادة النجاح وليس أمرا مطلقا.

المعنى الصوري: مثال:"يجب أن يكون التالي صادقا في حالة صدق المقدم في علاقة اللزوم المادي" فالوجوب هنا يتعلق بصورة العلاقة لا بمضمونها لأنه يخص قاعدة اللزوم فقط.

إن هذا المعنى الأخير لفعل "يجب" هو المقصود في المنطق وكما هو واضح لا يفهم منه المعنى المعياري. كذلك المنطق لا يتناول الصدق من وجهة نظر مبحث القيم الذي يهتم بطبيعة القيم وأصلها وتطورها وعلاقاتها بالظروف الاجتماعية والتاريخية. فالمنطق يهتم بالصدق كقيمة بالمعنى الإخباري فقط؛ من حيث مطابقة الأقوال الخبرية (القضايا البسيطة) للوقائع التي تعبر عنها. أما بالنسبة للقضايا المركبة فصدقها صوري بحت يتحدد بدلالة القضايا البسيطة من خلال الرابط المنطقي الذي يربط بينها(95).  إذن فصورة الفكر هي البحث عن العلاقات القائمة بين أجزاء الفكر بغض النظر عن محتوى الأجزاء.

تتكون صورة الشيء من العلاقات الكائنة بين أجزائه، بغض النظر عن مادة تلك الأجزاء، فنقول عن الشكل المعين إنه على صورة الهرم،إذا كانت العلاقات بين أجزائه مما يجعله على تلك الصورة الهرمية،مهما تكن مادته، إذ قد يصنع الهرم من حجر أو خشب أو ورق أو غير ذلك من المواد. ولو فككنا أجزاء الساعة وكوّمناها على المنضدة دون زيادة أو نقص، لما بقيت ساعة كما هي، لأنها فقدت صورتها حين تغيرت العلاقات التي كانت تربط بين أجزائها.

و المادة التي تعنينا في بحثنا هي الكلمات وما إليها من رموز، وهنا كذلك تكون صورة الكلام هي العلاقات الكائنة بين الأجزاء، بغض النظر عن تلك الأجزاء نفسها، ولذا فقد تكون الصورة واحدة في عبارتين مع اختلاف العبارتين في اللفظ والمعنى، مثال ذلك:

(مسألة صعبة) و(مدينة كبيرة).

فالعلاقات التي تربط جزئي كل من العبارتين، هي علاقة صفة بموصوف، ولو رمزنا في كلتا العبارتين بالرمز (س) للشيء الموصوف كائنا ما كان بالرمز (ص) للصفة كائنة ما كانت استطعنا أن نرمز لكل من العبارتين السابقتين بالصورة الرمزية ص (س) [ومعناها ص تصف س] ومن ثم يتبين كيف يتّحدان في الصورة رغم اختلافهما في اللفظ والمعنى. وبلغة المنطق هناك موضوع نحمل عليه محمولا معينا دون تحديد لمادة كل من هذا الموضوع والمحمول. فهناك صورة واحدة يمكن أن نسميها في هذه الحالات- مهما كان عددها ومهما كانت مادتها- (الصورة الحملية).

خذ مثالا آخر هاتين العبارتين:

1- الجزائر بين تونس والمغرب.

2-  الكتاب بين الدواة والقلم.

فهما مختلفان في اللفظ والمعنى، ولكنهما متحدان في الصورة لاتحادهما في العلاقات الكائنة بين أجزائها، ولو استبدلنا بأسماء الأشياء رموزا في العبارة الأولى، مع احتفاظنا بالعلاقة، وجدنا الصورة متمثلة في الصورة الرمزية:(س بين ص وط) وهي صيغة رمزية تصلح صورة للعبارة الثانية كذلك(96).

وخذ مثالا ثالثا عبارتين أخريين مختلفتين مادة ومتحدتين في الصورة:

1- الحكم إما صادق أو كاذب.

2- الحكومة إما دستورية أو مستبدة.

3- فالصورة في كلتي العبارتين هي: (س إما ص أو ط).

ومن الملاحظ في هذه الأمثلة التي أسلفناها. أننا كلما أردنا استخراج الصورة من عبارة معينة،

استبعدنا ألفاظا واستبقينا أخرى، ومن هذه التي نستبقيها تتألّف الصورة، ففي عبارة (الجزائر بين تونس والمغرب)- مثلا – استبعدنا كلمات (الجزائر) و(تونس) و(المغرب) واستبقينا كلمتي (بين) و(و) فلما وضعنا رموزا بدل الكلمات المبعدة نتجت لنا الصورة الآتية:

(س) بين(ص) و(ط).

والفرق بين هذين النوعين من الألفاظ هو هذا: فأما الكلمات المستبعدة فأسماء لأشياء في عالم الواقع، ولذلك فهي تسمى بالكلمات الشيئية، وأما الكلمات الأخرى التي منها تتكون صورة العبارة فهي لا تسمى شيئا في عام الواقع، إذ ليس في عالم الأشياء شيء اسمه (و)؛ وإنما نضيف أمثال هذه الكلمات لنربط بها السماء الشيئية في بناء واحد، ولذلك جاز لنا أن نسميها بالكلمات البنائية، أو بالكلمات المنطقية، إذ على الرغم من أنها لا تدل على شيء في عالم الواقع، إلا أنه يستحيل علينا بناء فكرة بغيرها؛  ولئن كانت الألفاظ الشيئية من شأن العلوم الأخرى، فالكلمـات البنائية على وجه التحديد موضوع المنطق، فهو وحده الذي يحلل أمثال هذه الكلمات (إذا) و(إما... أو...) و(كل) و(بعض) و(ليس) ...إلخ. وهي كلها كلمات لا يمكن الاستغناء عنها في صياغـة كلامنـا –تكوين أفكارنا- مع أنها بذاتها لا تدل على مسميات بعينها في عالم الأشياء(97).

إن الصورة المنطقية تتعدد بتعدد الطرق التي ترتبط بها الألفاظ والجمل أو القضايا، وتكون دراسة المنطق منصبة على الشروط التي ترتبط بها هذه الصور دون المكونات الفعلية، ومن هنا جاء وصفه بالصورية(98).

يعـرض بلانشي بعض الأمثلة، يحاول أن يوضح من خلالها المقصود بصورة الفكر والصدق الصوري:

1- كل مثلث ذو ثلاثة أضلاع، إذن كل ذي ثلاثة أضلاع مثلث.

2- كل مثلث ذي أربعة أضلاع، إذن فبعض ذي أربعة أضلاع مثلث.

نلاحظ هنا أن الاستنباط الأول غير صحيح رغم صدق مقدمتيه، وأن الاستنباط الثاني صحيح رغم كذب مقدمتيه. إن هذا التمييز بين الاستنباطين ناتج عن مقابلتنا  للصدق المادي بالصدق الصوري، فنقول عن استدلال صحيح إنه صادق بصورته، بصرف النظر عن صدق مادته، أي مضمونه(99).  ويسمى المنطق صوريا لأنه لا يهتم إلا بهذه الصورة.

ويواصل بلانشي قائلا: ولننظر مرة أخرى في  هذا القياس الذي ينسب لأرسطو، رغم أن هناك من يعتبره من وضع المشّائين.

كل إنسان فان

وسقراط إنسان

إذن فسقراط فان

إن صحة هذا الاستدلال ليست مرتبطة بالشخص الذي وقع عليه: فإذا صح هذا الاستدلال على سقراط فهو يصح على كل إنسان آخر في كل زمان وفي أي مكان، ومن هنا يمكننا أن نستبدل اسم سقراط بحرف (س) وهو متغير شخصي، يقوم بدور المتغير غير المعين ويمكن أن نضع مكانه أي إنسان أيا كان. ويمكننا أن نكتب الاستدلال مرة أخرى في هذه الصورة.

كل إنسـان فان

(س) إنســان

إذن (س) إنسان

ولنقم بخطو ثانية. لأن صحة الاستدلال لا تتوقف على التصورين الموجودين فيه: وهما إنسان وفان. فيمكن استبدالهما بالحرفين الرمزيين -دون أن يفقد الاستدلال شيئا من قوته- (هـ) و(و). ونكتب الاستدلال على هذا الشكل:

كل  هـ - و

س – هـ

إذن  س – و

وبهذا نكون قد استخلصنا الهيكل المنطقي للاستدلال وذلك بتعريته تدريجيا من محتواه الأول، ويبقى هذا الاستدلال صحيحا أيا كانت مادته، لأن صحته لا تتوقف إلا على صورة القالب الذي يظل ثابتا(100).

فإذا قلنا أن المنطق يبحث في صورة الفكر، نفهم من ذلك أنه يستخلص العلاقات التي تربط أجزاء الكلام، ثم يصنف تلك العلاقات ليميز بين المتشابه والمتباين، ومن ثم قيل عن المنطق أنه علم صوري، أي أنه يعنى بصورة الكلام دون مادته ومعناه(101).

والصورة لا تقتصر على المنطق وحده، وإنما تشمل كل العلوم، ولكن بدرجات؛ فكل قانون علمي هو تجريد لعلاقة لوحظت بين وقائع الطبيعة، بعد طرح الوقائع الجزئية ذاتها التي تمت ملاحظتها واستخلاص القانون منها، بواسطة الاستقراء والتعميم(102).

ووصف المنطق بالصورية يرجع إلى أنه لا يتعلق بمادة دون غيرها، بل شأنه دائما أن يضع المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، لهذا لابد للمنطق أن يكون عاما عمومية مطلقة، ولا يمكن الوصول على هذه الدرجة من التعميم بالاعتماد على مادة التفكير المحـــــــــددة.

فكلما ابتعد أي علم من العلوم عن المادة ازدادت درجة عموميته ولهذا استبعد المنطق كل اعتبار لمادة الفكر، فكانت مبادئه على قدر كبير من التعميم، وأصبح موقعه في أعلى سلم التعميم بين العلوم كلها، فهو علم صوري خالص(103).

خاتمة

المنطق الأرسطي رغم ما لحقه من تشويه لطبيعته من طرف الشراح والمتشيعين لهم من المدرسيين يبقى علما صوريا. فبالرغم من أن المنطق المعاصر هو أكثر صورية وتجريدا، فإن هذا ليس حجة على أنه يختلف عن المنطق الأرسطي. فالمنطق القديم أو المعاصر لا يمكن أن يكون إلا صوريا، بل كل العلوم تنطوي على جانب صوري، إلا أن هذه الصورية التي تكون مرادفة للتعميم أو التجريد، تكون نسبتها أعلى في المنطق، ثم تأتي الرياضيات بعد المنطق في درجة صوريتها أو عموميتها، ثم العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية.

إن وصف المنطق كونه صوريا بالعقيم يلزم عنه وصف كل العلوم بالعقم، وهي نظرة لا يقبلها أي عقل سليم. فكون المنطق يتناول قضايا أكثر تعميما أو تجريدا، لا يعني أنه منفصل عن الواقع بقدر ما يعني أن درجة الصورية فيه أعلى من العلوم الأخرى.

إن الموضوعية في العلوم تقترن بدرجة التجريد أو الصورية. إن التجريد أصبح أمرا ضروريا في كل العلوم المعاصرة، فكلما أزداد العلم تعميما في قوانينه ازداد صورية، وكلما أزداد صورية أزداد موضوعية. وهو ما تثبته العلوم الفيزيائية من خلال النظريات الفيزيائية، فقد مرت النظرية العلمية بمراحل: نذكر منها مرحلة الارتباط بالحس والمعطيات الحسية، حيث كانت تكاد تخلو من اللمحات العقلية التفسيرية إلا في أضيق نطاق. وبالرغم من أن هذه المرحلة قد طالت لفترة بعيدة في حياة الإنسان، إلا أن الإنسان استطاع أن ينتقل إلى مرحلة ثانية، عندما أكتشف أن المعرفة الوصفية لا تكفي لفهم الطبيعة. أما في المرحلتين الثالثة والرابعة فقد خَفَتَ صوت المعرفة الوصفية وقل المضمون التجريبي، فاسحا المجال أمام اتساع أفق النظر العقلي، وبذلك صارت تفسيرات النظرية شديدة العمومية وأكثر دقة وقدرة على التنبؤ. ومن هذا تتضح لنا أهمية التجريد والتفكير الصوري في تطور العلوم ودقتها وهو ما يسعى إليه علم المنطق، باعتباره أعلى العلوم صورية.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

........................

الهوامش

(74) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق،  مقدمة.

(75) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص17-18.

(76) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012، ص28-29.

(77) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص6-7.

(78) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19.

(79) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(80) أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994، ص 144-145.

(81) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19-20.

(82) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، مرجع سابق،  ص264.

(83) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص21.

(84) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص42.

(85) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص22.

(86) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق،  ص44.

(87) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص3.

(88) المرجع نفسه، ص4.

(89) المرجع نفسه، ص5.

(90) المرجع نفسه، ص5.

(91) عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، مرجع سابق،  ص54.

(92) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص26.

(93) يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961، ص25.

(94) المرجع نفسه، ص26.

(95) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص27-28.

(96)عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص20-21.

(97) المرجع السابق، ص 22-23.

(98) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26-27.

(99) روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009، ص14.

(100)روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، مرجع سابق، ص16.

(101) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص21-23.

(102) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص32.

(103)محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص25.

 

قائمة المصادر والمراجع

1- أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (تاريخها ومشكلاتها)، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998.

2- أحمد الأهواني، أفلاطون، ط1، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1965.

3- ابن سينا، منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق، المكتبة السلفية الهاهرة، 1910.

4- ابن سينا، الشفاء،-قسم المنطق- مراجعة، إبراهيم  مدكور، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1952.

5- أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، معهد المناهج، 2007.

6- أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، معهد المناهج، 2007.

7- ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، ط1، دمشق، 2004.

8- أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة السعادة محافظة مصر،ط1، 1512.

9- أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994.

10- أندري لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، مج1، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط2، بيروت، 2001.

11- إدموند هوسرل، مباحث منطقية، ج1، تر، موسى وهبه، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2010.

12- الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تح، إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1989.

13- بدوي عبد الفتاح محمد، فلسفة العلوم الطبيعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2011.

14- برتراند رسل، أصول الرياضيات، ترجمة محمد مرسي أحمد وأحمد فؤاد الأهواني، ج1، دار المعارف، القاهرة، 1962.

15- بيتر كونزمان، فرانز- بيتر بوركارد، فرانز فيدمان، أطلس الفلسفة تر، جورج كتورة، المكتبة الشرقية، ط2، بيروت، 2007.

16- بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر،(ب ت).

17- جول تريكو، المنطق الصوري، تر، محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.

18- ويلارد كواين، بسيط المنطق الحديث، نقل أبو يعرب المرزوقي، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1996.

19- روبير بلانشي، المنطق وتاريخه من أرسطو حتى راسل، تر، خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

20- روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009.

21- محمود فهمي زيدان، المنطق الرمزي نشأته وتطوره دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979.

22- محمد مهران، علم المنطق، دار المعارف القاهرة، 1978.

23- محمد ثابت الفندي، أصول المنطق الرياضي،دار النهضة العربية، ط1، بيروت،1972.

24- محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم- ج1- تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1982.

25- ماهر عبد القادر محمد علي، التطور المعاصر لنظرية المنطق،دار النهضة العربية، بيروت، 1988.

26- محمد محمد قاسم، نظريات المنطق الرمزي، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002.

27-  محمد عزيز نظمي، المنطق الصوري والرياضي، المكتب العربي الحديث، السكندرية، مصر، 2003.

28- نجيب حصادي، أسس المنطق الرمزي المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت.

29- عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، وكالة المطبوعات الكويت، دار الفكر، بيروت، لبنان.

30- عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، سليمان زاده، ط2، 1429 هـ.

31- عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء مراكش، المملكة المغربية، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990.

32- علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعيةن الأسكندرية، القاهرة، 1988.

33- علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، دار المعرفة الجامعية، 2000.

34- عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012.

35- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، عمان، 2012.

36- يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961.

37- يوسف محمود، المنطق الصوري( التصورات والتصديقات)، ط1، دار الحكمة، الدوحة، 1994.

38- فؤاد كامل، جلال العشري، الموسوعة الفلسفية المختصرة، دار القلم، بيروت،لبنان، بدون تأريخ.

 

 

علي محمد اليوسفسؤال فلسفة اللغة: يطرح بول ريكور تساؤله اللغوي الفلسفي المزدوج (كيف يكون الخطأ ممكنا اذا كان الكلام دائما يعني أن نقول شيئا؟ فكيف يمكننا أن نقول ما ليس بشيء.؟

ويعبر افلاطون عن هذا المعنى الوارد في تساؤل ريكور (الكلمة بذاتها ليست صادقة ولا كاذبة برغم أن تشكيلة الكلمات قد تعني شيئا ولا تدل على شيء)1، ويضيف بول ريكور تعقيبا على أفلاطون أن حامل هذه المفارقة هو الجملة وليست الكلمة.. لكن هذا لا يلغي تساؤل ريكور أستغرابه كيف يمكننا أن نقول ما ليس بشيء؟

مقاربة أولية الخطأ في تعبير الكلام واللغة عموما لا عصمة من الوقوع فيه ولا عصمة من الوقوع في منطقة قطبي التجاذب الرمادية بين الصدق واللاصدق في تعبيراتنا الكلامية والخطابية، ولا يكون التعبير عن الشيء لغويا قاصرا ولا صادقا كافيا بمعزل عن أدراكه الحسي والعقلي الناقص بالضرورة..

أننا تعودنا أن نفهم التعبير عن الشيء لغويا صحيحا في حال مطابقة اللفظ مع مدلوله المدرك واقعيا، أي مطابقة مافي الاذهان مع ما في الاعيان بتعبير لغة المناطقة، نلاحظ ذكاء التعبير مطابقة مافي (الاذهان) وليس مطابقة مافي (اللغة) مع ما في الاعيان من أشياء في عالمنا الخارجي رغم التداخل المستحيل انفكاك أشتباكه بينهما (بين اللغة والذهن).. هنا ما يقصده المناطقة هو التطابق في الادراك وليس التطابق في تعبير اللغة عن الاشياء مع حتمية التداخل العضوي بينهما الذي لايمكن فصله بسهولة.. فالادراك هو الوعي العقلي بالشيء لذا يتعذر فصله عن لغته في التعبير عنه.. واللغة لا تعبّر عن شيء لا يدركه العقل.. لذا يكون سهلا تلبية رغبة ريكور أستحالة التعبيربالكلمات عن شيء لا معنى له..

هذه المقولة تعطينا فسحة كبيرة أن الخطأ في عجز التعبير عن الشيء كما هو في حقيقته وتمامه ليس سببه عجز اللغة فقط وأنما عجز الذهن (الدماغ) أيضا في عدم أحاطة التعبير اللغوي عن الشيء أحاطة حقيقية تماما، وأذا عدنا الى مسلمة أن الذهن وسيلة تفكيره العقلي هو اللغة في تمّثلاته الصورية لمدركات الواقع والخيال أصبح معنا أشكالية من يتحّمل مسؤولية أن بعض ما نقوله لغويا ليس صادقا وليس كاذبا في ذات الوقت؟ هل هي مسؤولية اللغة أم العقل؟ في تعييننا الشيء المقصود في عالمنا الخارجي وهذا غير كاف لحسم أشكالية أن لا نكون مخطئين ولا صادقين في تعبيراتنا اللغوية عنها..

دلالة اللفظة أو الكلمة وحتى العبارة في حال سعينا مطابقتها مع الشيء كموجود مادي متعيّن لا يكون بالضرورة كافيا أننا عبّرنا عن ذلك الشيء في حقيقته. وأحتمال أن تكون تلك المطابقة زائفة خاطئة وارد جدا.. فالتعبير عن الشيء لغويا لا يعني معرفته بل يعني أدراكه فقط ومعرفة الشيء هي غير أدراكه الحسي.. ليس في مقايسة خداع الحواس لنا بل بأكثر على صعيد عجز اللغة التعبير عن مدركات العقل معرفيا وليس موجوديا في عالم الاشياء.. في أدراك صفات الاشياء وخواصها الخارجية الفيزيائية المتاحة وما هو غير متاح أدراكه ولا معرفته هو الاكثر.. والكلام حين يقول شيئا منطوقا لا يكون معصوما من خطأ أن لا يكون ذلك الكلام لا يحمل معنى كاف في تعبيره عن مقصوده تماما في كل موجودات وشؤون الحياة.أدراك الشيء والتعبير عنه لغويا لا يعني ذلك معرفته حقيقة.. أدراك الشيء هو أولى مراحل معرفته..

أما الاشكال وألمازق الحقيقي الذي طرحه ريكور في شطر تساؤله المار بنا هو كيف وهل نستطيع التعبير بالكلمات عن (اللامعنى) أي عن شيء بلا معنى؟ وهل هذا المطلوب واردا في صياغته الفلسفية المعجزة التي تدخلنا في متاهة من التحليل غير المجدي في أشتباك وجود الشيء وتعبير اللغة عنه وأدراك العقل له، منظومة ثلاثية متعالقة ومتداخلة ليس سهلا الجزم بأهمية وأولوية من هو المسؤول فيها عن تعبير الانسان اللغوي..

لغة الشعر وهذاءات الجنون

الحقيقة هذا التعالق اللغوي التلفيقي بين الشاعر والمجنون كتبت في توضيحه مرات عديدة في ثنايا مقالاتي ومباحثي الفلسفي وما يدعوني تكرار التداخل هو أستحضار بول ريكور لهذا التعالق أستشهادا منه بكل من هيدجر وفوكو أن لغة الشاعر تتماهى مع لغة المجنون في تعبيرهما عن حقيقة عالمنا الزائف ونشدانهما تحقيق عالمنا الاصيل..

ولم يكن هيدجر وفوكو تعبيرهما عن هذا المعنى مستمدا من تحليل سايكولوجي يقوم على تغليب اللاشعور في تعبيري الشاعر والمجنون من حيث هو عند الشاعر لاشعورسليم غير مرضي مسيطر عليه لغويا شعريا بينما يكون اللاشعور عند المجنون مرضا عقليا وانفصاما ذهنيا ويعتبر ما ينتجه لاشعوره من هذاءات صوتية ليست لغة ولا معنى لها كتداعيات لاشعورية أيضا وتوصيف لغة المجنون تعبير خاطيء تماما أوضحه لاحقا.. لا ينتظم الفكر فيه – في اللاشعورالذي هو تداعيات من الهلوسات الاعتباطية التي تلغي رقابة العقل عليها وتنظيمها - ولا تستطيع اللغة الافصاح عن نفسها في اللاشعور بنظام أستقبالي مفهوم من غيره ..

لكن علينا في حرارة الاطلاق الفلسفي الذي طرحه كلا من هيدجر وفوكو في أستحصال مثل هذا الاستنتاج كمسلمة فلسفية وجوب الترّيث والتفريق أولا بين لغة الشاعر وهذاءات المجنون التي هي ليست لغة في كل المعاييرالفنية والنحوية في تعريف معنى اللغة.. ولا غبار على حقيقة الاقرار أن الشاعر يخرق النظام اللغوي التداولي التواصلي (الطبيعي) بتعبيره الشعري القائم على تفكيك مألوفية نظام اللغة النسقي المعهود في الخطاب الجمعي التواصلي عن قصد يدخل في صميم الشكل الجمالي الذي نجده بلغة الشاعر..

فالشعر الحديث والمعاصر عربيا وحتى عالميا خرج على المواضعات اللغوية القارة في الموروث الشعري الكلاسيكي على أنه نمط من تعبير اللغة الموزون المقفّى الذي يمتلك خاصيتي الخطابة والانشاد الغنائي أذ كانت أرجحية الالقاء الشعري على كتابته التداولية القرائية لعصور طويلة سائدا.. فخرق النظام النسقي المألوف في اللغة عند الشاعر لا تكون فيه اللفظة والعبارة الشعرية تدل على مطابقة الشيء في وجوده المادي بالعالم الخارجي.. والمجاز البلاغي تنحسر حريته في تعبير الشاعر.. فالشاعر يستخدم لغة الاشارة والرمز والعلامة والاستعارة والمجاز والتاويل والبلاغة والكناية والتوليد والتركيب والترادف والغموض في نظام اللغة الشعرية خارج المتعارف عليه في كلامنا وخطابنا التواصلي الجمعي مجتمعيا.. وبهذا يكون الشعر قولا غيرنثري ولا سردي يشبه الكلام العادي بل لغة نوعية خاصة بتراكيبها الافصاح عن دلالاتها وعوالمها الخيالية جماليا فنيا تجعل من الشعر تعبيرا تشكيليا لغويا خاصا وليس كلام مخاطبة مجتمعية..

ولا يلزم الشاعر من ذلك أن تكون لغته الشعرية مفهومة أستقباليا من أول وهلة عند سماعها مثلما كان الشعر العربي تحديدا هو شعر خطابي غنائي تطرب له الاذن وتستمتع به الذائقة الاستقبالية الفطرية المباشرة لأنشاده والتغني به كمؤنس للنفس وترويح للقلب في مزجه ما بين الواقع والخيال.. وهذه الميزة لا تزال سارية المفعول في قراءة معظم شعرنا قديما وحديثا القائم على الالتزام ببحور الشعر من وزن وقافية ونبرة غنائية موسيقية وخطابية منبرية عالية.. فيما أندثرت هذه الميزة الالقائية تقريبا في الشعر العالمي الذي أخذ منحى التوصيل الفكري الجمالي الشعري كتابة وليس ألقاءا ألا في النادر القليل.. خير مثال نسوقه هنا حول هذه الظاهرة بما يخص الشعر العربي عندنا اليوم هو تراجع ميزة الالقاء الخطابي الغنائي في شعر الفصحى مقارنة عنه في الشعر الشعبي الذي هو في صميمه شعر تعبوي خطابي يقوم على الالقاء تأثيريا أكثر من كتابته تواصليا..

ونعود الى تفكيك اللغة وبعثرة أنتظامها النسقي في الشعر الحديث التي هي قصدية جمالية - فكرية يريد الشاعر بلوغها كشكل مجدد في تعبير اللغة ومنحها معان غير مسبوقة في تلازم الشكل الجديد مع محتواه المضموني المرافق له.

أما هذاءات المجنون فهي أصوات عشوائية لتداعيات اللاشعور يطلقها صاحبها في عجزه التعبير عما يرغب توصيله لغيره، وهي هذاءات تخرق نظام الكلام السمعي الجمعي في عدم مطابقة المنطوق مع دلالته المادية أو المدركة في عالمنا الخارجي.. ونستقبلها – أي هذاءات الجنون - كتداعيات غير مفهومة يفرزها اللاشعور عند المجنون.. الذي لاتؤطر هذاءاته الصوتية ولا تأخذ شكلا لغويا كما هو الحال مع تفكيك الشاعر لنظام اللغة.. وهي عند المجنون بالمعنى الدقيق أصوات لا تمت للغة بصلة لا شكلا ولا مضمونا.. وتفكيك نظام اللغة لدى الشاعر لا يشبهه أبدا تكسير نظام اللغة وتشتيتها كمفردات لا تجانس صوتي لغوي يجمعها بهذاءات المجنون على أنهما تعبير لغوي واحد (لغة الشاعر وهذاءات المجنون في أختلافهما الجوهري) كما يرغبه كل من هيدجر وفوكو.. .

لذا فمقولة هيدجر وفوكو الموحدة حول حقيقة لغة الشاعر تلتقي لغة المجنون في تعبيرهما عن وجودنا الاصيل والحقيقي بالحياة غير دقيقة ولا صحيحة من الناحية الفلسفية المنطقية.. الا في حالة واحدة فقط هي عندما نكون على دراية تامة أن واقعنا وعالمنا المعاش الذي نحياه هو غير حقيقي بالمدرك العلمي وليس بالتعبير الفلسفي المجرد ويحتاج لغة خارج المدرك المتداول التعبير عنه وبهذا أستحالة معرفية كوننا لا نتملك المعيارية الموثوقة بالتسليم لمثل ذلك الافتراض في وجود عالم حقيقي أفضل نطمح تحققه بلغة الشاعر وهذاءات المجنون الهلاوسية.. .. ويبقى طموح الوصول الى عالم حقيقي أصيل مثل هذا المتخيّل مرهون في تعبير الشاعر والمجنون عنه طموح قاصر غير مقبول ولا قابل التحقق منه كونه لا يدرك وجوده الحاضرالزائف كي يسعى أستبداله بالحقيقي الاصيل الغائب.

ربما يكون معنا أستدراكا مقبولا أذا ما أعتبرنا الشاعر يمكنه التعبير عن عوالم بديلة لعالمنا الذي نعيشه، وأن لغته الشعرية هي عوالم من اليوتوبيات الجميلة التي تريحنا يقيمها الشاعر على أنقاض عالمنا الحالي البائس الزائف الذي نعيشه رغما عنا.. وهذا لا ينسحب على قدرات المجنون المقّيدة بهذاءاته كون المجنون لا يهرب من واقعنا الذي هو أساسا غير مدرك من قبله كي يرفضه لا في سويته الطبيعية ولا في زيفه الواجب التغيير في محاولته أعطائنا البديل الأفضل في واقع يخترعه المجنون لنا.. كما أن لغة الشاعر في نشدانها عالم حقيقي أصيل يصبح متاحا بمجرد التعبير عنه بلغة الشعروالجنون هو طموح لا واقعي ولا يحتمل حضوره.. .تحقيق عالم أنساني أصيل هو تظافر جهود العلم والمعرفة والفلسفة والسلوك والاقتصاد والارادة وغيرها من عوامل مشتركة متداخلة..

كما قلنا ونعيدها ثانية هذاءات الجنون هي أصوات ليست لغوية وأنما هي تداعيات هستيرية لا يمكننا تصورها ولا أستقبالها ولا فهم المراد المقصود منها.. وهي خروج تام وليس جزئي على نظام اللغة المألوف وخرق قوانينها دونما توّفر الوعي القصدي ولا الهدف المنشود على أختلاف مع الشاعر الذي يخرق قوانين اللغة العادية بوعي قصدي ينشد أن تكون اللغة الشعرية شكل جمالي قبل أن تكون ملفوظات تعبيرية لغوية أو مكتوبة تعبيريا لا تخرق النظام اللغوي الاستهلاكي الذي يتعمده الشاعر..

الكلمة ومغزاها

الكلمة كمفردة لغوية منطوقة أو مكتوبة قصدية لا تكون صادقة ولا كاذبة ألا اذا وردت ضمن سياق منظومة لغوية متماسكة على الاقل في جملة تمثل جزءا من خطاب أو نص.. وأخرج فينجشتين كل ملفوظ لغوي من أهميته ومعناه لا يكون جزءا تعبيريا في مجرى الحياة مفضّلا عليه الصمت في عجز اللغة أن تكون وحدة بنائية تستمد حيويتها من طبيعة الواقع المعيش.. والا كانت المفردة اللغوية أو العبارة ضربا من الهلوسة اللغوية التي لا معنى لها ولا فائدة مرجوّة منها..

واذا ما كانت العبارة أو الجملة هي وحدة علاقات بنيوية ضمن منظومة نسقية لغوية تستوعب محمولاتها من المعنى العام بأنتظام المفردة ضمن ترصيف بنيوي متماسك، يصبح الخطاب في فلسفة اللغة في مفهوم ما أطلق عليه فلاسفة اللغة التحوّل اللغوي في الفلسفات البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية وغيرها في تجاوزهم أن يكون خطاب اللغة تعبيرا عن العالم الخارجي بضمنه الانسان كموجود محوري في الحياة والتاريخ،،

وحسب التفريق الارسطي بين الاسم كمفردة نحوية لغوية وبين الفعل أيضا كمفردة نحوية تكون (ميزة الاسم أنه مدلول لمعنى، بينما يكون الفعل فضلا عن أنطوائه على معنى فهو يشير الى زمن حدوث فعل )2 عندنا في العربية ماضي وحاضر ومستقبل..

اسم الشيء دلالة لغوية كافية في التعبير عن شيء موجود متعين مادي أم خيالي.. أما الفعل فهو أضافة محموله لمعنى ألا أنه يشير الى (تزمين) لا يتوفر عليه الاسم.. فالاسم معرفة لغوية عن الشيء لا تمتلك تزمينا كما هي الحال مع الفعل عندما نقول كرة فهي أسم للدلالة على موجود مادي محسوس.. وفعل (نلعب) فهو دلالة لمعنى اللعب مضافا لها (زمن) اللعب فألاختلاف بينهما كبير.. وترابط نوعية دلالة الفعل وتزمينه مع الاسم كموجود مدرك في تعدد ورودهما ضمن تعبير عبارات وجمل يتشكل منها خطاب لغوي.. ويشير بول ريكور الى (أن الشفرة اللغوية - المقصود بها عوالم النسق الداخلية في أنفصالها التام عن العالم الخارجي - هي التي تضفي البنية المحددة على الانظمة اللغوية التي نعرفها بوصفها لغات متعددة متكلمة تتعلمها جماعات لغوية مختلفة، عليه لا تعني اللغة هنا القدرة على التحدث ولا الكفاءة المشتركة على التكلم بل تشير الى البنية الخاصة للنسق اللغوي الخاص بها)3

نفهم من هذا أن ريكور يعتبر النسق اللغوي الداخلي هومنظومة الخطاب المعوّل عليه ولا يكتسب خطاب اللغة أهميته من القدرة على التحدث وأنما من فعالية تأثيره ضمن تشكيله بنى نسقية خاصة بعوالم داخلية لا يستمد الخطاب منها دلالاته ولا (محمولات معانيه الا بمقدار أن تكون لغة خاصة تهم مجموعة بشرية في مجتمع معين)4.. في هذا نفهم قصدية ريكور أن خطاب جماعة مجتمعية معينة لا تشكل خطابا معرفيا ثقافيا لتلك المجموعات، بل تشكل ظواهره نظاما لغويا يستهلك نفسه بالحوار والمحادثة ورتابة الحياة اليومية وحل مشاكلها وقضاء حاجاتها التي تحكمه في ظاهره ولا تحكمه في بواطنه ومدلولاته العابرة للاستهلاك الزمني كحوار.. الى منظومة لغوية داخلية في تشكيل عوالم خاصة بها لا علاقة تربطها بالواقع العياني لموجودات العالم الخارجي..

مقومات علم اللغة في البنيوية

1- المقاربة التزامنية – في البنيوية - يجب أن تسيق أية مقاربة تعاقبية لأن الانظمة والانساق يمكن فهمها وتعّقلها أكثر من المتغيرات. 5

التعاقب الزمني الذي يقوم على الصيرورة المستمرة الدائمة كحوادث ووقائع تكون بمجملها تشكيل عوالم لغوية ليس بالضرورة معبّر أمين عنها هي في واقعها ثبات مرحلي لموجودات يطالها التغيير المستمر، يختلف ولا يشبه التزامن الذي تحدده اللغة بحدود أكثر من حدث تزامني متواشج ضمن نظام لغوي وأنساق لغوية أكثر من أمكانية رصده كتعاقب تزميني في عالم الاشياء.. التعاقب في تعبير اللغة هو نسق لغوي داخلي في التعبير عن موجودات محكومة بثبات نسبي محكوم بعوامل خارج فاعلية اللغة الاهتمام به، على خلاف التزامن الذي يرصد ويتعامل مع متغيرات يحدها الزمن ولا يحدها الوجود الحسي الادراكي لها خارجيا، أي خارج اللغة وليس خارج الزمن الادراكي لها..

2- ليس لأية وحدة منخرطة في نظام معين معنى مستقل، بل هي تستمد معناها من النظام ككل، الكلمة المنفردة ليس لها معنى في ذاتها، بل تستمد معناها من الوحدات والكلمات الاخرى المجاورة لها في السياق التي ترد فيه.6،

بحسب دي سوسير وبضوء تعابير ريكور ليس للكلمات قيم أيجابية أو وجود مادي في نظام العلامات بل هناك فروقا تجعل من علم اللغة علما يهتم بالخواص الشكلية للغة في مقابل الخواص الجوهرية، أي الخواص التي تضفي وجود قيم أيجابية مستقلة على المفردات اللغوية تراهن عليها اللغة أو علم الدلالة السيمياء بشكل عام، هنا يظهر لدينا التعارض الجلي الواضح حين تكون المفردة اللغوية هي قيمة أيجابية لمعنى شيء محدد بخلاف ما تريده البنيوية في تجريدها المفردة عن المنظومة الواقعية وسحبها الى مصاف التجريد النسقي السيميائي الذي يعول عليه علم اللغة في البنيوية والتأويلية.. بمعنى أكثر وضوحا النسق اللغوي الدال لمعرفة الخارج الواقعي لا قيمة حقيقية له في سيمياء علم اللغة الذي يهتم بايجاد علاقات لا ينتظمها واقع الحياة بما هي بل منظومات علاقات داخل تشكيلات بنية اللغة.. ودلالة المعنى المراد من المفردة لا يحمل واقعية المردود السيميائي لها وأنما يكون في وضعها ضمن نطاق شكل السياق الذي ينتظمها بعيدا عن معناها غير المتحقق في العالم الخارجي.

3- في الانظمة المحدودة – منظومات الدلالة اللغوية - تكون جميعها ضمنية في داخلية أي بمعنى علاقة اللغة بالواقع الخارجي غير السيميائي منفصمة لا علاقة ترابطية بينهما.. 7 ولا غرابة بذلك عندما نعرف أن أنفصام العلاقة أن يكون الخطاب اللغوي ليس تعبيرا عن واقع وانما هو نسق ضمني يقوم ببناء علاقات داخل منظومة لغوية لا علاقة لها بالعالم الخارجي بل توازيه.. من هنا تكون الانظمة السيميائية اللغوية هي أنظمة مغلقة تكون فيها علاقة اللغة بالواقع منفصمة هي من صميم أهتمامات الفلسفة البنيوية ومن بعدها تأويلية بول ريكور..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش

1- بول ريكور، نظرية التاويل.. الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي ص 34

2- المصدر اعلاه ص 35

3- المصدر اعلاه ص 26

4- المصدر اعلاه ص 28

5- المصدر اعلاه ص 29

6- المصدر اعلاه ص30

7- المصدر اعلاه ص 31

 

 

مقدمة: يتفق الجميع على أن مؤسس المنطق كعلم استنتاجي هو أرسطو، فهو أول من هذّب المنطق ووضع له القواعد والشروط التي جعلت منه علما استنتاجيا مستقلا. لكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن المنطق ولد كاملا مع أرسطو وأنه لم يخط خطوة إلى الأمام، كما ذهب إلى ذلك كانط. وإن كنا نوافق كانط في شطر المعادلة الأول القائل أن المنطق بدأ مع أرسطو كعلم ولكن ليس كممارسة، فإننا نخالفه في الشطر الثاني من المعادلة القائل أنه انتهى عنده، فيمكن أن نعتبر المنطق الأرسطي هو بداية للمنطق لكنه ليس هو المنطق. فقد عرف المنطق تطورات كثيرة منذ أرسطو حتى أيامنا هذه، وما ألّفه أرسطو في هذا العلم نقله فيما بعد تلاميذه وشراحه، وحدثت تغيرات وإضافات، عن قصد أو عن غير قصد، أثرت سلبا على فهم طبيعة المنطق. فهناك من الشرّاح -وخاصة المتأخرين منهم- من حصره في مبحثي التصورات والتصديقات ففهمه البعض على أنه صوري بعيد عن الواقع ولا حاجـة ولا جـدوى من دراسته، وهناك من ربطه بالفلسفة اليونانيـة واعتبره تابعا لميتافيزيقا أرسطو ولا يمكن اعتباره علما مستقلا. وهناك من نظر إلى قواعد المنطق الأرسطي على أنها فطرية ولا يحتاج الإنسان لتعلمها إلى غير ذلك من المشكلات التي تدرج فيما يسمى بما حول المنطق*. وربما أهم هذه المشكلات، هي مشكلة صورية ومادية المنطق. إن وصف المنطق الأرسطي بالصورية دون غيره يُوضع موضع جدل، ذلك أن المنطق أيا كان زمانه أو نوعه فهو صوري أي لا يتعلق بأمور جزئية. وقد حاولنا في هذا البحث أن نتناول – بقدر ما تسمح به طبيعة موضوعنا والهدف منه- أراء المناطقة في هذه المسألة، ساعين إلى فهم حقيقة هذه المشكلة وما ينتج عنها من تشويه وتضليل في فهم طبيعة المنطق. لهذا كان سعينا من ه>ه الدراسة المتواضعة يتمثل في ضرورة إزالة ذلك الغموض حول بعض ما ألصق بالمنطق الأرسطي من أوصاف ونعوت. إن تدريس تحليلات أرسطو وما يتصل بها، رغم ما لحق بها -كما أشرنا إلى ذلك في البداية- من تغيرات وإضافات من طرف المشّائين والمتشيعين لهم من المدرسيين وغيرهم، تحت عنوان المنطق الصوري، إن هذه التسمية تُبطن تشويها لطبيعة المنطق، ويمكن تبرير ذلك بمايلي:

1- إن هذه التسمية التي تستعمل -عن قصد أو عن غير قصد- للتمييز بين المنطق القديم والمنطق المعاصر، المعروف بالمنطق الرياضي أو الرمزي قد توحي بوجود منطقين منفصلين تماما، الأول صوري والثاني غير صوري، وهذا فيه تضليل وتشويه لطبيعة المنطق، ذلك أن المنطق لا يمكن أن يكون إلا صوريا.

2- إن وصف المنطق وحده بأنه صوري، من غير تحديد لمفهوم الصورية في المنطق أدى إلى تأويلات وصلت حد التناقض في وصف المنطق الأرسطي خاصة والمنطق القديم عامة. وقد ترتب على هذه التفسيرات الخاطئة والمغرضة في كثير من الحالات تشويه خطير لمفهوم المنطق.

3- من هذه التفسيرات لمفهوم الصورية في المنطق، أنها تعني عدم مراعاة الواقع؛ لا علاقة للمنطق الصوري بالواقع. وهذا يوحي بأنه عقيم ولا فائدة من دراسته. هذه من النتائج التي تلزم عن استعمال الصورية بدون تحديد، ووصف المنطق الأرسطي بأنه صوري دون غيره من فروع المنطق.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإن تعلم المنطق وقواعده هو السبيل إلى الإلمام بقواعد تحصيل اليقين، والقدرة على تمييز صحيح الفكر من فاسده، ولعل ذلك ليس له من مسلك سوى تعلم المنطق والإلمام بقواعده. وهي غاية ترنو إليها العقول وتأخذ بالألباب.

 إنه ومن خلال مطالعاتنا المتواضعة لما كتب حول مشكلة المنطق بين الصورية والمادية، وجدنا أن الذين تناولوا هذه المسألة، تناولوها كعناصر جزئية من أبحاثهم، ولم يولوا أهمية كبيرة لها رغم ما تنطوي عليه من خطورة، وما يلزم عنها من سلبيات. وبذلك نتوخى من هذه الدراسة هدفين أساسيين أحدهما نظري، ويتمثل في محاولة توضيح معنى الصورية في المنطق. لما يترتب عن عدم فهم المعنى المقصود لهذه الكلمة من تفسيرات أدت في الكثير من الحالات إلى تشويه مفهوم المنطق. والهدف الثاني عملي ويتمثل في محاولة تصحيح المفاهيم السائدة في تدريس المنطق وتجاوز التقسيم التقليدي الذي يقسم المنطق إلى صوري تقليدي ورياضي معاصر، بينما المنطق لا يمكن أن يكون إلا صوريا، لأن تلك طبيعته وجوهره.

و لدراسة هذا الموضوع فإن الإشكالية يمكن صياغتها كما يلي:

هل المنطق الأرسطي صوري اهتم بصورة الفكر دون مادته، أم أنه صوري ومادي في الآن نفسه؟ تفرعت الإجابة على هذه الإشكالية إلى المشكلات التالية: هل المنطق ولد كاملا مع أرسطو، وما هي الظروف التي أدت إلى نشأة المنطق؟ ما هو مفهوم الصورية في المنطق؟

 وانطلاقا من أن طبيعة الموضوع هي التي تحدد طبيعة المنهج، كان يلزم أن نتبع منهجا تاريخيا استقرائيا تتبعنا من خلاله الظروف التي أدت إلى نشأة المنطق، ثم أراء المناطقة من مختلف المراحل التاريخية حول المنطق وذلك من خلال تعريفاتهم له. بالإضافة إلى المنهج التحليلي المقارن بين هذه التعريفات والآراء بغية تحديد موقف من الإشكالية نعتبره مقاربة لها.

I- نشأة المنطق تطوره وتعريفه

أولا: نشأة المنطق وتطوره

 يعـزى إلى أرسطو الفضل في وضع وتنظيم الفكر بما يسمى بالمنطق، فقد اشتهر بين الدارسين للمنطـــق أن أول من وضع المنطـــق هو الفيلسوف اليونــــاني أرسطو في القرن الرابــــع قبل الميــــــلاد (384-324) . وقد اعتقد الكثير من المفكرين والفلاسفة أن مبدع المنطق قد أبلغه الكمال مرة واحدة (1) . "ولم يكن كانط (1724-1804) معبرا إلا عن رأي مشترك عندما كتب في صيغة شهيرة، أن المنطق لم يتمكن من التقدم خطوة واحدة منذ أرسطو. ولقد ساد هذا الاعتقاد تقريبا حتى نهاية القرن التاسع عشر وفي تلك الحقبة من الزمن لم يكن بروشار (1858-1907) يتردد في القول "إن المنطق علم جاهز ويمكننا التأكيد بدون خوف أن عصر الابتكارات قد انسد في وجه المنطق" (2) .

 غير أنه لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أن المنطق لم يكن موجودا من حيث الاستعمال قبل أرسطو، وأنه لم يسبقه أحد إلى ذلك، وإنما يجب أن نفهم من هذا أن أرسطو هو أول من دوّن هذا العلم وقعّد له ومن ثم صار علما مستقلا بذاته. (3) . ومما يوضح أن المنطق كان موجودا من حيث الاستعمال، استدلالات الفلاسفة السابقين على أرسطو، كاستخدام الجدل "الذي يعني المناقشة المؤسسة على نحو ما، منظمة – عادة في حضور جمهور يتابع اللعبة- كأنها نوع من المبارزة بين متحاورين يدافعان عن أطروحتين متناقضتين" (4) . إن هذه المناقشة لاشك كانت تحكمها جملة من القواعد والشروط تقود إلى التغلب على الخصم وإثبات الأطروحة.

و هو الفن نفسه الذي استخدمه السفسطائيون كذلك في محاورة الخصوم وإظهار بطلان أطروحاتهم.

 ومنه فالجدل أتخذ معان مختلفة. يقول روبير بلانشي (1898-1975):" فمتى وبمن تم التوصل إلى هذا النقاش الذي رفعه إلى مقام الفن؟ إن الجواب عند أرسطو أيضا. إنه كان يعتبر زينون الإيلي (490-430) مبتكر الجدل" (5) . ويعلق بلانشي على ذلك بما يلي: "ولا شك أنه كان يقصد الاستعمال الذي أدخله زينون على ممارسة المناقشات الفلسفية بأسلوب الخفض حتى الامتناع الذي كان يستعين به الرياضيون من قبل لاسيما الفيثاغوريون في برهانهم الشهير على امتناع مقارنة خط الزاوية مع ضلع المربع" (6) . كذلك نجد أن الفيثاغوريين قد تكلموا بشكل كلي في الرياضة ووضعوا فيها النظريات كالحساب والهندسة، وأقاموا عليها الأدلة العقلية، ولا شك أن طريقة الاستدلال والاستنتاج الرياضية هي من الطرق المنطقية؛ عبارة عن مقدمات تلزم عنها نتائج (7) .

 وفي هذا الصدد يذكر أحمد موساوي ما ذهبت إليه الباحثة الفرنسية "فيريو ريموند أنطوانيت" مايلي:" إن المنطق الكلاسيكي هو نتيجة لقرون من التفكير حول مشكلة المنطق الذي بدأ في فجر تاريخ الفلسفة عند المفكرين السابقين على عهد سقراط، وإن كان بارمينيدس (530-440) الإيلي هو أول من صاغ مبدأ الهوية فإن زينون الإيلي (490-430 ق.م) قد لعب دورا أكثر أهمية من وجهة نظر تاريخ المنطق، إذ أن حججه مع الفيتاغوريين قد قدمت النموذج الأول للبرهان بالخلف، كما أنه، من ناحية أخرى أول من لاحظ استحالة الترجمة الدقيقة للواقع المتصل بواسطة لغة غير متصلة وترجمة الواقع المتحرك بواسطة اللغة الساكنة" (8) .

وقد أورد محمود فهمي زيدان جدل زينون على شكل صورتين الصورة الأولى ويسميها الرد إلى المحال، والصورة الثانية وهي على شكل برهان بالخلف. وعلى سبيل المثال نذكر الصيغة الثانية (البرهان بالخلف) .

مقدمة كبرى: إذا كان (أ) هو (ب) فإن (ح) هو (د) .

مقدمة صغرى: لكن (ح) ليس (د) .

إذن (أ) ليس (د) (9) .

 المورد الثاني للجدلي (المجادل) حسب بلانشي، هو ما كان يمارسه السفسطائيون في تعليم فن الخطابة وإيقاع الخصم في الأغاليط." ولقد أشتهر السفسطائيون بمهارتهم في هذا الفن وذهبوا إلى حد الاعتزاز بذلك، ويقال أن " بروتاغوراس" كان يتبجح بقدرته، " على أن يجعل الحجة الأسوأ تبدو وكأنها هي الأحسن". من هنا جاء اسم (السفسطائية) الذي أطلق على تلك المماحكات الزائفة عمدا" (10) . وإن كان قد خالفه في هذه التسمية الكثير من المفكرين إلا أن الذي يهمنا هو ممارسة السفسطائيون للجدل لأغراض أخرى غير البحث عن الحقيقة، وهذا يبّين أنهم انحرفوا عن الهدف الأسمى للعلم، وهو الوصول إلى حقائق الأشياء. لقد ادعوا أنه لا حق ولا باطل في الواقع بل رأوا أن الحق ما يراه الشخص حقا، والباطل ما يراه الشخص باطلا، انطلاقا من اعتبارهم أن الفرد هو مقياس الحقيقة وأن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة. ومن هنا ينبغي أن نميز بين الجدل عند زينون والسفسطائيين، رغم أن بلانشي لا يشير إلى ذلك صراحة، إلا أن عبد الرحمن بدوي يرى أن جدل الأول هو الدفاع عن مذهب أستاذه فيما الجدل السفسطائي الهدف منه كان الوصول إلى نتائج سلبية...تتمثل في إثبات عدم وجود حقيقة ثابتة مطلقة (11).

 يذكر الدكتور يوسف محمود ما قاله ألكسندر ماكوفلسكي في كتابه تاريخ علم المنطق:" أن ديمقريطس (460-370ق.م) أتخذ موقفا عدائيا من السفسطائيين... وتذكر الكتب التاريخية للمنطق أن ديمقربطس" هو المؤسس لأول نسق منطقي في اليونان القديمة، فقد كتب رسالة خاصة في المنطق أو القانون تقع في ثلاثة كتب. وكان ديمقريطس كما يقول أرسطو هو من بين جميع الفلاسفة الطبيعيين أول من أقام فلسفته بواسطة التصورات والتعريفات المنطقية". ويرتكز البحث عن الحقيقة عند ديمقريطس على ثلاثة معايير هي الإحساس والفكر والممارسة (12) . نلاحظ من هذا النص أن بداية التحول والبحث عن قواعد تضبط البحث عن الحقيقة بدأ من خلال الرد على السفسطائيين."الذين جعلوا هدفهم تعليم المواطنين فن الإقناع بغض النظر عن الصدق والكذب، وكان الغموض اللغوي هو سلاحهم في الإقناع والنفي والإثبات" (13) . وبما أن سلاح السفسطائيين هو عدم الدقة في استعمال الألفاظ والعبارات وتعمد الغموض للإيقاع بالخصم في التناقض فكان يلزم " لدحض حججهم لا بد من تحليل طرق البرهنة التي يعتمدون عليها من أجل اكتشاف ما تنطوي عليه من مغالطات وقد كانت نقطة التحول من الناحية التاريخية في هذا الموضوع تتمثل في موقف الفيلسوف اليوناني سقراط (470-399 ق.م) " (14) . دافع سقراط عن الحقيقة المطلقة والأخلاق المطلقة، ووقف مثلما وقف ديمقريطس ضد النزعة النسبية ونزعة الشك، وذلك من خلال تحليل لغة السفسطائيين باستخدام تحليل المفاهيم وهو موضوع له صلة بقسم التصورات المنطقية. والطريق المؤدي إلى تحديد الحقيقة هو الاستقراء والتعريف أي الذهاب من الأشياء الفردية إلى المفهوم الكلي أو التصور الثابت الذي لا يلحقه التغير، ومنه فالاستقراء السقراطي هو عملية تكوين التصورات. وبذلك يمكن التمييز بين ما يرجع إلى ماهية الشيء المطروح للمناقشة وبين ما لا يرجع إليها.

وبهذه الطريقة تتشكل التصورات ابتداء من المتماثلات (15) .

يقول جول تريكو:" لا يمكن التقليل من أهمية سقراط بالنسبة إلى تاريخ المنطق نفسه" (16) . "وتظهر الطريقة السقراطية في محاورات أفلاطون (427-348ق.م) التي تجري على لسان سقراط. في هذا المجال تشكل القسمة الثنائية عند أفلاطون خطوة إلى الأمام نحو التفكير الذي يخضع لقواعد صريحة" (17) . يعترف بلانشي بما أسهم به أفلاطون من خلال اعترافه بالمهارة الفائقة التي تدار وتكتب بها المحاورات ولكن بمبادئ ضمنية. فإذا كان يذكر بعض القائلين بوجود أخطاء منطقية في محاورات أفلاطون إلا أنه لا يذهب معهم إلى حد اتهامه بعدم الدراية بالمنطق. مثلا الخطأ الذي تضمنته محاضرة جورجياس والذي يقول فيه بأنه "إذا كانت نفس عاقلة نفسا طيبة فإن التي تكون في وضع معاكس لوضع النفس العاقلة هي نفس سيئة". ويعلق بلانشي على هذا بأنه يمكن أن يكون استنتاجا حسنا ويمكن أن يكون استنتاجا سيئا وحتى يوضح هذا الخطأ فقد عبر عنه رمزيا إذا كانت A هيB فإنه يمكن الاستنتاج من Non A إلىNon B. وبالتالي فالاستنتاج المشروع منطقيا والذي يقننه تضاد الوضع يسير باتجاه معاكس من Non Bإلى Non A وقد تفطن أفلاطون أنه من الخطأ التحول من القضية كل A هيB إلى كل B هيA بدليل أنه حاول أن يبرهن على استحالة ذلك، بل كتب صفحة بكاملها ليبين أن الشجعان إذا كانوا حذرين فلا يلزم من ذلك أن الحذرين هم شجعان (18) .

 رغم هذه الأخطاء التي تنسب لأفلاطون إلا أن بلانشي يؤكد دوره في التحضير لظهور المنطق المقنّن.

و يستشهد على هذا أن أفلاطون في آخر حياته فكّر في موضوع المنطق وذلك من خلال مقارنته بين علم الفلك وعلم المنطق، بما أن حركة الأفلاك تحكمها قوانين فإنه استنتج وجود قوانين تخضع لها الأحكام العقلية، استنتج بلانشي هذه الملاحظة بالاعتماد على نص اقتبسه من كتاب Timée حيث صاغ أفلاطون هذه الأطروحة بقوله:" إذا كان إله ما قد اقترح لأجلنا حضورية النظر، فذلك لكي نطبقها، ونحن نتأمل دورات العقل[ الإلهي] على الدورات التي تجتاز فينا عمليات الفكر؛ وهذه الدورات هي من نفس تلك الدورات، ولكن تلك ثابتة وهذه متبدلة دائما؛ وبفضل هذه الدراسة نساهم في الحسابات الطبيعية الصحيحة.و بتقليدينا الحركات الإلهية الخالصة من كل خطأ على الإطلاق، يمكننا أن نقدم وجبة لضلال أولئك الذين هم في داخلنا". ويعلق بلانشي على هذا النص بقوله:" والحال فهذه الدراسة هي موضوع المنطق بالذات" (19) . وهذا يبيّن أهمية أعمال أفلاطون في نشأة المنطق كعلم فيما بعد وبالضبط مع تلميذه أرسطو. لذا يذهب بلانشي إلى أن تأثير مفكر ما لا يقف عند حدود العمل الذي يمارسه مباشرة وإنما أيضا الردود التي يستثيرها (20) . من طرف معاصريه أو من يأتي بعده وهو ما اعتبره بلانشي دليلا ثانيا على تحضير أفلاطون للمنطق. ويتضح هذا من خلال الصعوبات التي يثيرها الجدل الأفلاطوني القائم على القسمة الثنائية. وهو ما لاحظه أرسطو من خلال انتقاده لهذا الأسلوب في الاستدلال.

 ينقسم الجدل الأفلاطوني، إلى جدل صاعد وآخر هابط أو نازل وهنا ينبغي أن نوضح حركتا هذا الجدل وما هي العيوب التي تضمنها؟ وكيف تجاوزها أرسطو مؤسسا ما يسمى بعلم المنطق ؟

 الجدل الصاعد كما يسميه أغلب الفلاسفة والمناطقة وتكون حركة العقل فيه الانتقال من الجزئيات المحسوسة إلى الكليات المجردة، يطلق عليها بلانشي اسم (الفكرة العليا) (21) .

 يعرفه تريكو:"الجدل الصاعد أو التجميع غايته المعرفة الحدسية للمثل لمسيرة منظمة حتى الجنس الأعلى الذي هو الواحد أو الموجود" (22) . وهذا يشبه إلى حد ما الاستقراء الأرسطي.

الجدل الهابط ( النازل) أو القسمة الثنائية بمعنى انقسام النوع إلى أنواع ويعني بيان أعم الأجناس التي يندرج فيها الشيء، ثم تمييز الجنس بذكر الفصل، ومن مجموع الجنس والفصل نحصل على تعريف الشيء الذي يحد المعنى ( أي يضع له حدود) لذلك سمي الحد" (23) . وكما لاحظ بلانشي أن الجدل الأفلاطوني يرتفع من الأفراد إلى الأنواع ثم إلى الأجناس، ببيان الصفات الجوهرية ليصل بها العقل في النهاية إلى صفة ثابتة أزلية تعم جميع الصفات." وهكذا تتحول فلسفة المفهوم السقراطية، لتصبح فلسفة الفكرة الأفلاطونية، وهي فلسفة تنظر، كما نعرف، إلى الأفكار وكأنها نوع من الموجودات، الموجودات بمعزل عن الأشياء المفردة التي تلعب بالنسبة إليها دور الأصول" (24) .

إن هذه القسمة التصنيفية هي التي انتقدها أرسطو بالنظر إلى الصعوبات التي تنتج عنها، منها مثلا أنه من الصعوبة تفسير المقدمة الوصفية التي من الشكل s هيp أو p هي جزء من s، هذا النقص دفع أرسطو إلى إصلاح جدل أستاذه فأوصله ذلك إلى اكتشاف المنطق. فمن القسمة أو الفصل نصل إلى التعريف الشامل انطلاقا من الفكرة، ويشرح بلانشي هذا الأسلوب بلغة رمزية لما يريد أن يقوله أفلاطون. مثلا لكي نوضح مفهوم s يتوجب الانطلاق من مفهوم أوسع هو A، ثم نقسم A إلى مفهومين B أو Non B وهما حدان متناقضان وشاملان، فإذا وضعنا المفهوم s في أحدهما لابد أن ننفيه من القسم الثاني حتى يمكن تحديد معناه بشكل أفضل، ثم نقسم القسم المعين تقسيما ثنائيا وهكذا حتى نصل إلى ما نريد توضيحه.

 ويورد بلانشي هنا مثال الصيد حيث يعتبر الصيد بالصنارة (فن) s لكن يمكن أن نقسم الفن إلى فنون الإنتاج وفنون الامتلاك ومن بين هذه الأخيرة بعضها يتم بالتبادل وبعضها الآخر بالحيازة، وفي هذه الأخيرة بعضها صراع وبعضها طراد...إلخ (25) . هذه القسمة رآها أرسطو بأنها"ليست منهجا استنتاجيا، لأنها تتطلب في كل خطوة حوارية الحصول على موافقة المحاور قبل الانتقال إلى الخطوة التي تليها فهي تفتقر إلى الحد الأوسط الذي يربط بين الحدين الأصغر والأكبر ويجعل النتيجة تصدر بالضرورة" (26) .

 ذلك أنه عندما قسم المرتبة A إلى مرتبتين ثانويتين هما B وNon B فكيف نثبت أن S التي هي جزء من B يمكن أن تنتمي إلى B وليس إلى Non B. إن هذا المطلب يقتضي أن يكون الطرف المحاور موافقا على ذلك، وهذه الموافقة تتطلبها كل مرحلة من مراحل التقسيم وهذا النقص هو الذي اقتضى وجود حد أوسط،" وعن طريق اكتشاف الحد الأوسط يعتبر أرسطو المؤسس الحقيقي للمنطق إذ أنه توصل إلى إقامة نظام استنتاجي يعتمد على قواعد معبر عنها بصورة صريحة تمكن من استخراج صور الاستدلالات المنطقية التي كانت متضمنة في المعرفة السائدة في عصره" (27) . وبتعبير بلانشي" المطلوب هو قلب العلاقة الشمولية بين A وB والحال فمن S هي A نتمكن وفقا لكون A داخلة فيB أو غير داخلة، من الاستنتاج بالضرورة أن S هي B أو أنها ليست B. ولتوضيح هذه الفكرة مثل بلانشي لها برسمين الأول للقسمة الأفلاطونية والثاني للقياس الأرسطي.

 واخترنا عرض هذين الرسمين التوضيحيين بالرموز المستعملة من طرف بلانشي؛ لم نعربها.

القسمة الأفلاطونية القياس الأرسطي:

1379 المنطق الصوري

 إذن S هي ؟ إذن S هيB إذن S هي Non B (28) . لقد كان أرسطو من خلال نظرية القياس، يهدف إلى تصنيف الموضوعات الطبيعية والبحث عن العلل، ومن هنا كان المنطق الأرسطي تحليلا للفكر العلمي الذي كان سائدا في عصره موضوعا ومنهجا، والغرض الذي قام على تحقيقه المنطق عند أرسطو هو أن غاية العلم معرفة العلل معرفة يقينية. لذلك رفض كل أنواع الاستدلالات التي لا تحقق غرضه وفضل القياس الحملي لأن نتيجته يقينية (29) . لكن التحليل الأرسطي الذي انحصر في الصورة الحملية وحدها، لم يكن ليستوعب كل صور العلاقات بين الموضوعات؛ وهي صور لا حصر لها كما سيتبّين مع المنطق المعاصر. فلم يعد مفهوم المنطق محصورا في نظرية القياس الأرسطية أو في نظرية الأقيسة الشرطية الرواقية (30) . إن تطور المنطق منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أيامنا هذه جعله يصعد إلى قمة العلوم الدقيقة. ولم يعد الفاصل بينه وبين الرياضيات واضحا كما كان في العصور التاريخية القديمة والوسيطية والحديثة (31) .

و كانت المحاولة البارزة في موضوع تطوير المنطق في الاتجاه الصوري للوصول إلى القوانين التي تصلح للتطبيق في كل مجالات الفكر، هي المحاولة التي قام بها ابن سينا 980-1037) وتبعه في ذلك بعض الذين أتوا من بعده ثم توقفت تلك المحاولة بسبب ما آلت إليه الحضارة الإسلامية من انحطاط. وكانت المحاولة الثانية الجديرة بالذكر في هذا الموضوع هي تلك التي قام بها ليبنتز Leibniz 1646-1716) والتي حاول من خلالها تحديد منطق للفكر الإنساني في مجالاته المختلفة. حيث يرى راسل وأتباعه أن ليبنتز هو الأب المؤسس للمنطق الرياضي. ولم تسجل بعد ليبنتز أي محاولة جادة في هذا الموضوع حتى القرن التاسع عشر 19 حيث قام أ. دي مورغان Augustus De Morgan (1806-1871) بوضع الأسس الأولى لمنطق العلاقات في كتابه المنطق الشكلي أو إحصاء الاستدلال الضروري والشكلي سنة 1847. وتطورت هذه الأعمال فيما بعد عند كل من جفونزJevons، فينVenn، وشرودرSchroder. وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت في ألمانيا أعمال غوتلوب فريجهGottlob Frege (1848-1925) . التي فتحت مرحلة جديدة في تطور المنطق الرياضي، صورنة الرياضيات، وتأسيس المذهب المنطقاني القائل بأن كل الرياضيات ترد إلى المنطق. وفي الفترة نفسها تقريبا ظهرت في إيطاليا أعمال جيوسيب بيانوGiuseppe Peano 1858-1932) التي أسست للغة مصورنة المعروضة في كتابه المترجم Formulaire de mathemetiques. أما المساهمة الأساسية التي أعطت دفعة قوية لظهور المنطق الرياضي في شكله المعاصر فجاءت من خلال كتاب كل من برتراند راسل Bertrand Russell (1872-1970) وألفرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead (1823-1905) مبادئ الرياضيات Principia mathematica (1910-1913) . إن ظهور المنطق الرياضي بشكله المعاصر كان نتيجة أعمال استغرقت قرونا كما هو واضح من خلال العرض التاريخي الموجز السابق. انطلقت من النقص الذي تميز به المنطق التقليدي، وبعد محاولات عديدة من أجل إنشاء منطق يصلح لكل مجالات الفكر انتهت إلى الصورة التي استقرت عليها عند كل من راسل ووايتهد. إذن فالمنطق الرياضي ليس سوى تسمية للمنطق المصورن؛ أي أن المنطق الرياضي ليس منطقا خاصا بالرياضيات دون سواها من العلوم والمعارف، بل إن قوانينه تشمل كل مجالات الفكر لأنها صيغ فارغة من أي محتوى تخضع لقواعد معينة في بنائها واشتقاقاتها وتحويلاتها. ويمكن أن تملأ بأي محتوى علمي أو معرفي. إن المنطق الرياضي لا يتميز عن المنطق القديم بثوبه الرياضي أي استخدام لغة الرموز فالرموز كانت موجودة في الرياضيات وفي المنطق قبل ظهور المنطق الرياضي، بل لأنه أستطاع أن يقدم للرياضيات الصورية التي أدت بها، إلى تدقيق لغتها، وقيامها على أسس منطقية خالصة.

 وبهذا تحققت الغاية التي قصد إليها أرسطو وكل المناطقة من بعده، والمتمثلة في الوصول إلى القوانين الكلية التي يخضع لها الفكر، بالمفهوم المنطقي، مهما يكن موضوعه (الصورية الخالصة) (32) .

ثانيا: تعريف المنطق

إن علم المنطق اتخذ طول تاريخه أسماء متعددة نذكر منها:

1- الديالكتيك:عند أفلاطون وكان موضوعه هو تحليل التصورات وتركيبها (محاورة السفسطائي)، واستخدم الاسم نفسه شيشرون للدلالة على كل المنطق. منطق البرهان، ومنطق الاحتمال وبقي هذا الاستعمال حتى القرن السابع عشر.

2- الأورغانون: وهو العنوان الذي أعطي لمجموع مؤلفات أرسطو في المنطق، وترجع هذه التسمية إلى القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد. وكلمة أورغانون معناها (آلة) ويكون أرسطو قد أشار إلى هذه التسمية-حسب عبد الرحمن بدوي- في مؤلفه الطوبيقا لكن لم تستعمل بالتحديد للدلالة على علم المنطق إلا مع الأسكندر الأفروديسي في شرحه للتحليلات الأولى (33) . كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن الفلاسفة المسلمين قد تأثروا بهذه التسمية عندما سموا المنطق بالآلة أو الصناعة.

3- القانون: سمي كذلك المنطق بالقانون ( قاعدة، ونموذج) وذلك عند الأبيقوريين لأنه يتضمن قواعد المعرفة والحقيقة.

4- طب العقل: وهي تسمية أطلقها شيشرون وذلك لأن هدف المنطق عنده هو علاج أنواع الضعف الطبيعية في الذهن البشري بواسطة قواعد صورية للوصول إلى المعرفة الصحيحة (34) .

5- التحليلات: وهو الاسم الذي استعمله أرسطو في كتاباته المنطقية (35)، وكان يقصد بذلك تحليل الفكر إلى عناصره ( التحليلات الأولى والتحليلات الثانية).

6- علم المنطق (لوجيكية): وهو الاسم الذي عرف به هذا العلم بوجه عام، فلا نجده بالمعنى الاصطلاحي للدلالة على هذا العلم إلا في مؤلفات من القرن الأول قبل الميلاد وذلك عند شيشرون، وذلك جنبا إلى جنب مع كلمة ديالكتيك الموجودة عند أفلاطون. إذن ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد استعملت الكلمتان علم المنطق وديالكتيك معا للدلالة على نفس العلم، وهو علم المنطق (36) موسوعة.

إذن تسمية علم المنطق بهذا الاسم هو الذي عرف به هذا العلم بوجه عام، وهو الاسم المتداول دون اختلاف. لكن الاختلاف استمر حول تعريف علم المنطق. فماذا تعني كلمة منطق؟ وهل المنطق علم أم فن؟ وإذا كان علما فهل هو علم نظري أم معياري؟

 ينبغي أن ننبه هنا وكما ذكرنا سابقا أن أرسطو لم يطلق على هذا العلم اسم المنطق (لوجيكا) وإنما استعمل كلمة التحليلات. وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن بدوي:"إننا لا نعرف على وجه الدقة من هو أول من استعمل كلمة منطق (Logike) هذه للدلالة على علم المنطق.

و يفترض برانتيل (Prantl) في كتابه "تاريخ المنطق في الغرب" استنادا إلى إشارة بوثتيوس (Boëtius) أن من الممكن أن تكون من وضع شرّاح أرسطو وضعوها اصطلاحا من أجل أن يقابلوا بين الأورغانون لأرسطو وبين الديالكتيك (الجدل) عند الرواقيين ولعل ذلك كان في عهد " أندرونيقوس الرودسي" في (القرن الأول قبل الميلاد)، ويدل استعمالها عند شيشرون (القرن الأول قبل الميلاد)، وعند الأسكندر الأفروديسي (القرن الثاني بعد الميلاد)، وجالينوس (القرن الثاني بعد الميلاد)، على أنها قد أصبحت شائعة الاستعمال في (القرن الثاني بعد الميلاد) (37) .

 تشيـر كلمــة المنطــق من ناحية الاشتقاق اللغوي إلى الكلام أو النطق، كما تشير من ناحية أخرى- إذا ابتعدنا عن الأصل اللغوي واقتربنا من الكلمــة اليونانية (لوغوس) Logos إلى العقل أو الفكر أو البـرهان (38) .

لكن الفلاسفة العرب والمسلمين لكــي يقتربــوا من المعنى الثـــاني ميزوا بين نوعين من النطق: نطق ظاهري وآخر باطني، الأول يشير إلى الكـــلام أو التحــدث، الثاني يشير إلى المعقـــولات ومحاولة إدراكـها. يقـــول الجــرجاني في هذا التمييز:" النطق يطلق على الظاهري وهو التكلم، وعلى الباطني وهو إدراك المعقــولات، وهذا الفن (المنطــق) يقــوي الأول ويسـلك بالثاني مسلك الســـداد، فبهذا الفن يتقوى ويظهر كلا المعنى النطق للنفس الإنسانية المسماة بالناطقة، فاشتق له اسم المنطق" (39) .

 لكن ينبغي الابتعاد عن الاشتقاق اللغوي للتمييز بين الحدود والتصورات والقضايا والعبارات، للوصول إلى المعنى الاصطلاحي لكلمة منطق وهو أنه علم الفكر أو العلم الذي يهدف إلى تحديد القوانين العامة للتفكير (40)، مهما كانت اللغة التي يستخدمها المنطقي. هذا فيما يتعلق بالتسمية والاشتقاق اللغوي، لكن هل هناك اتفاق حول تعريف المنطق من الناحية الاصطلاحية؟

 إن كلمة Logic (منطق) في اللغة الانجليزية أو ما يناظرها في اللغات الأوروبية الحديثة فهي مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة (لوغوس) ( Logos)، التي تعني العقل أو الكلام. وترد هذه الكلمة كجزء من أسماء كثيرة، مثل علم الجيولوجيا Geology، وعلم البيولوجيا Biology، وعلم النفس Psychology. وغير ذلك من العلوم، ليدل على البحث المنظم وعن القوانين والمبادئ العامة التي يتوصل إليها هذا العلم أو ذلك طبقا لبعض المعايير العقلية والإجراءات التجريبية (41) .

يقول علي عبد المعطي:"لقد تعددت تعريفات المنطق،و لا يمكن تحديد تعريف واحد له".

و يذكر أربع اتجاهات في تعريف المنطق هي:

- الاتجاه الأول يعتبر المنطق آلة أو صناعة ويقصد منه تلك الفائدة العملية التي تستفاد من تطبيق قواعد المنطق على الحكام والاستدلالات في العلوم الأخرى ويصنف ضمن هذا الاتجاه تعريفي ابن سينا وبورت روايال.لكنه لا يوافق على هذا التعريف لأنه حسبه اعتبار أي علم من العلوم ومنها المنطق فنا يعني ربطه بالجانب العملي التطبيقي، بينما العلم في أساسه نظري، ثم يأتي التطبيق بعد ذلك أو قد لا يأتي.

- والاتجاه الثاني يذهب في رأيه إلى اعتبار المنطق علم صناعة وعلم نظري في الوقت نفسه ويعرض هنا تعرفي كل من غوبلو (1858- 1935) فيلسوف ومنطقي فرنسي. وريتشارد هويتلي (بالإنجليزية: Richard WHATELY) (1787-1863م) هو كاتب وأسقف إنجليزي. غير أنه يعتبر أن اجتماع صناعة وعلم يعتبر تناقضا لأن العلم النظري هدفه الحقيقة بغض النظر عن نفعها وإنما يأتي التطبيق مع العلوم التطبيقية.

- أما الاتجاه الثالث حسبه فيعرف المنطق بأنه علم معياري والمقصود بذلك هو أن قوانين المنطق تصبح بمثابة المعايير الثابتة التي ينبغي أن يستند إليها كل تفكير صحيح. ويصنف ضمن هذا الاتجاه أبو حامد الغزالي، ويضيف أن الذي أثار مسألة التمييز بين العلم النظري والعلم المعياري هو "ويليام فونت (1832-1920) ألماني، يعتبر المؤسس لعلم النفس التجريبي" الذي اعتبر المنطق والجمال والأخلاق علوما معيارية. لكن على عبد المعطي يرى أيضا أن هذه الفكرة كذلك تحمل تناقضا معتمدا على موقف عالم الاجتماع الفرنسي " لوسيان ليفي-بريل (1857 – 1939)، فيلسوف وعالم اجتماع، وأثنولوجي فرنسي " ونقده للتصور المعياري للأخلاق والنقد نفسه يمكن أن يوجه للمنطق؛ أي لا يوجد علم معياري.

- وينتهي إلى اتجاه أخير يعرّف المنطق بأنه علم نظري، حيث يعتبر هذا التعريف من أنسب التعريفات للمنطق الصوري والمنطق الرمزي على حد سواء. ويورد هنا تعريفات الكثير من المناطقة نذكر منهم جيفونز، كينز،، هاملتون، هيجل، سوزان استبنغ، جورج بول، ...إلخ (42) . بالرغم من أن علي عبد المعطي يتبنى تعـريف هذا الاتجاه القائل بأن المنطق علم، إلا أننا نلاحظ على هذه التصنيفات لتعريفات المناطقة والفلاسفة للمنطق أنها غير دقيقة فمثلا ابن سينا يعرف المنطق بأنه علم نظري وصناعة. كذلك فهو لا يورد تعريف واضع المنطق أرسطو، يضاف إلى هذا أيضا تصنيفه لتعريف كينز ضمن الاتجاه الأخير يتعارض مع مضمون هذا التعريف للمنطق، بأنـه علم معيـاري وهو ما يؤكـده علي سامي النشار في شرحـــه لتعريف كينز (43) .

 من هذه الملاحظات ينبغي أن نتجه اتجاها آخر في تعريف المنطق وذلك بالرجوع إلى السياق التاريخي لنشأة هذا العلم، ونتخّير نماذج من التعريفات تخص تطور المنطق عبر التاريخ.

1- تعريف أرسطو: يعرف أرسطو المنطق بأنه: "آلة العلم، وموضوعه الحقيقي هو العلم نفسه، أو هو صورة العلم" (44) . ينبغي أن نشير هنا أن أرسطو عندما وضع تصنيفه للعلوم ميز بين ما كان منها علما نظريا غايته المعرفة كالفيزيقا والرياضيات والفلسفة الأولى، وما كان منها عمليا غايته السلوك مثل الأخلاق والسياسة، وما كان منها إنتاجيا غايته أنتاج شيء جميل أو مفيد مثل فن الشعر.أما المنطق فلم يذكره ضمن هذه العلوم (45) . ولعل السبب في عدم اعتباره المنطق علما من العلوم أي جزء من الفلسفة فيعود – في نظره- إلى أن المنطق علم قوانين الفكر بصرف النظر عن موضوع ذلك الفكر. ولذلك فهو يعده علما ومدخلا لجميع العلوم وآلة لها على اختلاف أنواعها. إذ أن المنطق نوع من المعرفة لابد من اكتسابه وإتقانه قبل الدخول في تعلم أي علم آخر (46) .لذلك أطلق عليه شراح أرسطو اسم الآلة أو الأورغانـــون*.

باعتبار أنه مقدمة لكل العلوم تساعد على التفكير السليم، ولم يطلق أرسطو اسم المنطق على أبحاثه وإنما استخدم كلمة التحليلات؛ أي تحليل التفكير إلى استدلالات، والاستدلالات إلى أقيسة، والأقيسة إلى عبارات وحدود (47) .

2- تعريف ابن سينا: يجعل ابن سينا من المنطق مدخلا لكل العلوم الفلسفية عند أرسطو يقول:" ولما افتتحت هذا الكتاب ابتدأت بالمنطق وتحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب المنطق.." (48) . ويذكر علي سامي النشار تعريف ابن سينا للمنطق:" المنطق

هو الصناعة التي تعرفنا من أي الصور والمواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدا، والقياس الصحيح الذي يسمى برهانا" ويرى أن تعريف ابن سينا يقرر أن المنطق آلة نظرية صورية نتوصل بها إلى الحد الصحيح والقياس البرهاني، وبهذا لم يضف جديدا للتعريف الأرسطي (49) . ويورد ابن سينا تعريفا آخر للمنطق فيقول:" والعلم الذي يطلب ليكون آلة، فقد جرت العادة في هذه البلدان أن يسمى علم (المنطق)، ولعل له عند قوم آخرين اسم آخر، لكننا نؤثر أن نسميه الآن بهذا الاسم المشهور" (50) .

 وهذا التعريف كما هو واضح يعتبر المنطق فنا لتمييز صحيح الأحكام والاستدلالات من فاسدها. كما يقرر ابن سينا أن لهذا الفن أسماء أخرى.

3- تعريف أبو حامد الغزالي:" فعلم المنطق هو القانون الذي به يميز صحيح الحد والقياس عن فاسدهما، فيتميز العلم اليقيني عما ليس يقينيا وكـأنه الميزان والمعيار للعــلوم كلها" (51) .

وهو تعريف لا يختلف في جملته عن تعريف أرسطو على حد تعبير النشّار، فهو يصف المنطق بالقانون أي أنه الآلة الصناعية النظرية.

4- تعريف القديس توما الأكويني:" هو الصناعة التي توجه عمل العقل ذاته والتي بفضلها يسير الإنسان في عمله العقلي بشكل منظم وسهل وبلا خطأ" (52) . يرى النشّار أن أوضح تعريف لتعريفات المسحيين في العصور الوسطى للمنطق، إنما نجده عند القديس توما الأكويني.

5- تعريف بورت روايال: أرنولدArnauld (1612-1694) ونيكولNicole (1615-1659) "المنطق هو الصناعة التي يحسن بها الإنسان قيادة عقله في معرفة الأشياء عند التعلم أو التعليم" (53) . ويصفه تريكو بالتعريف الرشيق. ويلاحظ النشار أن أول تعريف عند المحدثين هو تعريف بورت رويال، باعتباره فن اكتشاف ووفن برهنة في الوقت نفسه، حيث نجد خطوة في فهم المنطق وتعريفه، قد نجدها مصرحا بها في المنطق الأرسطي. وإن كانت متضمنة فيه (54) .

6- تعريف رابييه:" المنطق هو علم العمليات والطرق التي يتأسس بواسطتها العلم". ويقدم رابييه أيضا تعريفا آخر يبرز فيه تميز المنطق الصوري عن علم المناهج فيقول:" المنطق هو علم شروط مطابقة الفكر لذاته وشروط مطابقة الفكر لموضوعاته، التي متى اجتمعت كانت الشروط الضرورية والكافية للصدق" (55) . ومن هذا التعريف يتضح لنا أن المنطق ليس علما خالصا ومستقلا عن الواقع بصورة مطلقة كما يصوره الكثير من المناطقة والفلاسفة. إن الصوّر الفكرية ليست صورا عقلية خالصة مستقلة عن الواقع بمختلف مفاهيمه بل يجب أن تنطبق على الأشياء والوقائع في العالم الخارجي.يقول تريكو:" إن المنطق الصوري وخلافا لرأي المدرسيين الانحطاطيين وهاملتن HAMILTON، فإنه لا يكفي نفسه بنفسه.و الحاصل أنه يجب أن ينطبق على شيء، وأن يكون معمولا من أجل العلم. ولقد أدرك ذلك أرسطو: فنظريته في القياس كما بسطها في (التحليلات الأولى) ليست سوى عمل تحضيري لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة" (56) .

 وهذا ما جعل النشار يعلق على كل هذه التعريفات بأنها لم تخرج عن نطاق التعريف الأرسطي (57)، وحتى التغيير الذي حدث باكتشاف المنطق الرياضي ما هو إلا امتداد للمنطق الأرسطي والفرق في درجة الصورية. ولكن كيف يمكن الجمع بين كون المنطق علما وفنا في الوقت نفسه؟

ثالثا: المنطق أعلم هو أم فن؟

 إن هذه المسألة تتعلق بطبيعة المنطق وغايته، هل هو دراسة نظرية بحتة لا علاقة لها بطرق العمل وإجراءاته الفعلية؟ اختلف الناظرون في هذه المسألة فمنهم من قرر بأنه علم لا يهتم إلا بالكشف عن المبادئ أو القوانين التي تنطوي عليها مفردات موضوعه ومن هذه الناحية فهو يشترك مع بقية العلوم الأخرى على اختلاف موضوعاتها في محاولة الكشف عن المبادئ التي ينطوي عليها موضوعه الخاص وهو الفكر أو صورة الفكر.

 ومن الباحثين من يذهب على أن المنطق فن أكثر منه علم، لأنه يرشدنا ويوجهنا للتفكير الصحيح. ويرى فريق آخر أن المنطق علم وفن في آن واحد (58) . إن تحديد موقف من هذه المسألة يقتضي تحديد معنى علم ثم معنى فن ثم تحديد العلاقة بينهما.

 "إن العلم هو مجموعة القواعد العامة النظرية التي في الذهن، عن قسم من أقسام المعرفة الإنسانية، والفن هو تطبيق تلك القواعد في العالم الخارجي: أي إحداث أثر لما هو في الذهن في الخارج" (59) . ويحدد محمد مهران معنيين مختلفين لكلمة فن فقد نعني بها المهارة في إنجاز عمل كما قد تعني المعرفة النظرية بالطريقة التي يتم بها إنجاز هذا العمل على أفضل وجه ممكن. وفي هذا المعنى الأخير تكون كلمة فن مرادفة لكلمة علم، أو على الأقل أن الفن يفترض العلم فإذا كان شخصا مثلا ماهرا في قيادة السفن فهذا يفترض أن يكون على علم بقواعد الملاحة. ثم يواصل في شرح هذه العلاقة قائلا:" والآن فإننا إذا أخذنا كلمة فن بهذا المعنى الأخير كان في وسعنا أن نطلق على المنطق اسم فن، وبالتالي يكون من الواضح أن المنطق لو كان فنّا لوجب أولا أن يكون علما، لأن دراسة طبيعة التفكير الصحيح لابد لها أن تسبق إعطاء تعليمات لكي يفكر الإنسان بطرقة صحيحة" (60) . وينتهي بعد هذا التحليل إلى أن المنطق بمعناه الدقيق لا يطلق إلا على معنى واحد منهما هو المعرفة الدقيقة بطبيعة التفكير وصوره، فالمنطق لا يقدم "وصفة" يحصل بها الإنسان على معرفة عن جميع الموضوعات بل مهمته أن يصبح على وعي بطبيعة التفكير الذي تم إتباعه في تلك العلوم. وبهذا يقرر أن المنطق علم وليس فنا ولعل السبب الذي جعل البعض ينظر إليه على أنه فن يرجع إلى اعتباره في نظرهم بطبيعته "معياري" أي يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير الصحيح (61) .

ويرى النشّار:"أن المناطقة اختلفوا حول مسألة طبيعة المنطق اختلافا كبيرا. فالبعض منهم يرى أنه إذا كان المنطق صوريا، فهو علم قائم في ذاته وبذاته، وإذا اعتبرناه ماديا، فهو فن، على أننا يجب أن نلتمس حل المشكلة أولا عند واضع المنطق" (62) . فيذهب إلى أن أرسطو لم يعط فكرة واضحة عن طبيعة المنطق هل هو علم أم فن؟ رغم أنه يطلق على هذا العلم تارة اسم الآلة وتارة أخرى يدعوه بالعلم التحليلي*. وينتهي إلى أن المنطق عند أرسطو ليس جزء من الفلسفة أي أنه ليس علما من علومها. وكنا قد أشرنا إلى هذا في تحديدنا لتسميات المنطق عبر التاريخ وكذلك عند شرحنا لتعريف أرسطو للمنطق.

أما الشراح الأسكندريون فتبنوا نزعة توفيقية حيث اعتبروا المنطق مقدمة للفلسفة وجزء منها في الوقت نفسه (63) .

 وانتقلت المشكلة إلى العالم الإسلامي، فترى الإسلاميين يصورون النزاع حول طبيعة المنطق تصويرا بارعا. فيذهب الخوارزمي -أحد مؤرخي العلم في العالم الإسلامي- إلى أن معنى الفلسفة هو علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، ويذكر أنها تنقسم قسمين، أحدهما نظريا والآخر عمليا، أما المنطق فيرى" أن بعض الفلاسفة جعله حرفا ثالثا غير هذين، ومنهم من جعله جزء من أجزاء العلم النظري، ومنهم من جعله آلة للفلسفة، ومنهم من جعله جزء منها وآلة لها" (64) .ويرد النشار مصدر هذه الآراء إلى كتابات الشراح المتأخرين ومنهم سمبليقيوس وأمونيوس والأسكندر الأفروديسي ويعتمد في هذا القول على قراءة هاملان لتقسيمات هؤلاء الشرّاح للكتب الأرسطية.

 ويستطرد قائلا أن هذه التقسيمات انتقلت إلى العالم الإسلامي وشغلت فلاسفة الإسلام المشّائيين بحيث كانت كتاباتهم تستهل بهذه المسألة هل المنطق جزء من الفلسفة أو هو جزء سابق عليها؟ ويذكر من بين هؤلاء أبو نصر الفارابي كشارح مشّائي لأرسطو والذي حسبه لا يعطي رأيا ثابتا في المسألة، فهو يعتبره مرة جزء من الفلسفة، ومرة أخرى يعتبره آلة لها. ثم يعلق على هذا الموقف هل كان الفارابي يشعر بهذا التعارض في موقفه من هذه المسألة أم أنه كان مجرد ناقل لما وصل إليه من أراء؟ (65) . لكن يبدو أن الشطر الأول من المسألة هو الصائب أي أن الفارابي كان يشعر بهذه الطبيعة المزدوجة للمنطق، والدليل على ذلك هو ما ذهب إليه ابن سينا في المدخل ولخصه إبراهيم مدكور كما يلي: "لقد بذل جهدا عنيفا (ابن سينا) في إثبات أن الدراسات الفلسفية لا يمكن أن تكون إلا نظرية وعملية، لأنها إما أن تنصب على الوجود الذهني أو الوجود الخارجي؛ وأن النظرية لا يمكن إلا أن تكون طبيعية، رياضة محضة، وعلما إلهيا؛ وأن العملية لا يمكن إلا أن تكون سياسية وتدبير منزل، وأخلاقا. ومع هذا ينتهي إلى القول بأنه يمكن أيضا أن يعتبر كل بحث نظري فلسفة، سواء اتصل بأحد الوجودين السابقين أو بهما معا، آو أعان على فهمهما" (66) .

 وعليــه فالمنطـــق صالح أن يكون آلة للفلسفة أو جــزء منها يقول ابن سينا:"فمــن تكــون الفلسفة عنده متناولة للبحث عن الأشياء، من حيث هي موجــودة، منقسمة إلى الوجودين المذكورين، فلا يكون هذا العلم (المنطــق) عنده جزء من الفلسفة. ومن حيث هو نافع في ذلك فيكون عنده آلة في الفلسفة. ومـن تكون الفلسفة عنـده بحث نظـري، ومن كل وجه، يكون أيضا هذا عنده جزء من الفلسفة، وآلة لسائر أجزاء الفلسفة" (67) .

 ومن هنا فابن سينا يذهب إلى أن المنطق له طابع نظري وعملي في آن واحد، فهو علم لما يشتمل عليه من قوانين وقواعد ودراسات نظرية، وآلة تؤدي إلى استخلاص المجهول من المعلوم (راجع تعريفنا للمنطق عند ابن سينا. وهذه نظرة أرسطية) .

 لكن المتأخرين من المناطقة المسلمين نظروا إلى المنطق نظرة رواقية بحتة واعتبروه جزء من الفلسفة. وفي العصور الوسطى المسيحية نجد الاختلاف نفسه فهناك من تبنى النظرة الأرسطية كما عبر عنها ابن سينا والتي تعتبر المنطق علما وفنا وهناك من تبنى النظرة الرواقية التي تعتبره علما (68) . أما في العصور الحديثة فقد اعتبر ديكارت ) 1595 René DESCARTES (1650 المنطق فنا ويظهر ذلك من خلال كتابيه "مقال في المنهج" و"قواعد لهداية العقل". كما كتب مناطقة بورت روايال "فن التفكير" (69) .

و في العصور الحديثة والمعاصرة نجد عودة إلى التعريف الرواقي للمنطق بأنه علم لكن مع إدراج مناهج البحث في إطار المنطق وهذا تقليد في كتب المنطق في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين (70) . فيعرفه جيفونز بأنه" علم قوانين الفكر" كما يرى كينز أن المنطق " هو العلم الذي يستقصي المبادئ العامـة للفكــر الصحيـح، وأن موضوعـــه هـو تفسير الأحكام لا باعتبارها ظواهر سيكولوجية وإنما باعتبارها معبرة عن معارفنا ومعتقداتنا. ويتجه المنطـق على وجـه خـاص نحـو تحديــد الشــروط التي ننتقل بفضلها من أحكام معروفة لنا إلى أحكام أخرى نستنبطها من الأولى" (71) . وهذا التعـــريف يعطي للمنطق طبيعة معيارية وهو أمر لم يعد مقبــولا أي لا يمكن الجمـــع بين كـون المنطـق علمـا ومعياريـا.

و جاء في مؤلف سوزان استبنغ " مقدمة حديثة في المنطق" حاولت أن توفق فيه بين المنطق الصوري والمنطق الرمزي، حيث ردت المنطق الأخير إلى المنطق الصوري القديم، وذهبت إلى أن المنطق الحديث (أي ما يسمى بالمنطق الرمزي أو الرياضي) ما هو إلا تعديل أو إصلاح للمنطق القديم وعرفت المنطق بأنه " علم قوانين الفكر الضرورية" (72) .

 وهناك تعريفات أخرى وأن اختلفت، لكنها تكاد تتفق على أن المنطق علم ويظهر لنا من خلال هذا العرض لمختلف المواقف حول طبيعة المنطق أنه "ليس علما معياريا يحدد الكيفية التي يجب أن نفكر بها، فالمنطق لا يتناول الصدق من وجهة نظر مبحث القيم الذي يركز بالدرجة الأولى على طبيعة القيم وأصلها وتطورها وعلاقاتها بالظروف التاريخية والاجتماعية. فالمنطق يتناول الصدق كقيمة بالمعنى الإخباري فقط" (73) . فالمنطق علم لكن هل هو علم صوري أم مادي أو صوري ومادي معا؟ هذا ما سنحاول تحليله ومناقشته في الفصل التالي.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

...................................

الهوامش

 (1) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، ط1، دار الحكمة، الدوحة، 1994، ص23.

 (2) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه من أرسطو حتى راسل، تر، خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص9.

 (3) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، ط1، دمشق، 2004، ص264.

 (4) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص25.

 (5) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص25.

 (6) المرجع نفسه، ص 26.

 (7) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص24.

 (8) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، معهد المناهج، 2007، ص 71-72.

 (9) محمود فهمي زيدان، المنطق الرمزي نشأته وتطوره دار النهضة العربية، بيروت لبنان، 1979.

 (10) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص26.

 (11) عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، وكالة المطبوعات الكويت، دار الفكر، بيروت، لبنان، ص126-127.

 (12) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص25.

 (13) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص72.

 (14) المرجع نفسه، ص 73.

 (15) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص26-27.

 (16) جول تريكو، المنطق الصوري، تر، محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص31.

 (17) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص73.

 (18) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص28-29.

 (19) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص29-30.

 (20) المرجع نفسه، ص 30.

 (21) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 (22) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص5.

 (23) أحمد الأهواني، أفلاطون، ط1، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1965، ص110.

 (24) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص31.

 (25) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص32.

 (26) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص73.

 (27) المرجع نفسه، ص 73-74.

 (28) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص33.

 (29) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، ص230-231.

 (30) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، معهد المناهج، 2007، ص23.

 (31) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، ص 21.

 (32) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، ص37-40.

 (33) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، سليمانزاده، ط2، 1429 هـ، 474.

 (34) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص473.

 (35) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، ص74.

 (36) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص474.

 (37) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص474.

 (38) علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دارالمعرفةالجامعية، الأسكندرية، القاهرة، 1988، ص 19.

 (39) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 (40) المرجع السابق، ص20.

 (41) محمد مهران، علم المنطق، دار المعارف القاهرة، 1978، ص16-17.

 (42) أسس المنطق الرياضي، علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، مرجع سابق، ص21-25.

 (43) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، دار المعرفة الجامعية، 2000، ص15.

 (44) المرجع نفسه، ص6.

 (45) أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (تاريخها ومشكلاتها)، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص251-252.

 (46) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص18.

 (47) أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية، مرجع سابق، ص252.

 (*) وهو العنوان الذي جمعت تحته كتابات أرسطو المنطقية وتشمل ( كتاب المقولات، كتاب العبارات، التحليلات الأولى، التحليلات الثانية، كتاب الجدل، كتاب المغالطات، وأضاف المناطقة في الحضارة الإسلامية –في الغالب- كتاب إساغوجي لفورفوريوس، ومعناه المدخل وأضاف البعض كتاب الخطابة وكتاب الشعر. ( أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة ص74-79) .

 (48) ابن سينا، الشفاء، مر، إبراهيم مدكور، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1952، ص11.

 (49) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص7.

 (50) ابن سينا، منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق، المكتبة السلفية القاهرة، 1910، ص5.

 (51) أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة السعادة محافظة مصر،ط1، 1512، ص 6-7.

 (52) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، مرجع سابق، ص22.

 (53) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 (54) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص10.

 (55) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص22.

 (56) المرجع نفسه، ص25.

 (57) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص16.

 (58) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26.

 (59) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (60) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26-27.

 (61) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 (62) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (63) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (64) الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تحقيق، إبراهيم الأبياري دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1989، ص153.

 (65) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص45-46.

 (*) التحليلات الأولى والتحليلات الثانية.

 (66) ابن سينا، الشفاء، مرجع سابق، ص53.

 (67) ابن سينا، الشفاء –المدخل- مرجع سابق، ص15-16.

 (68) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص47.

 (69) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص30.

 (70) عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء مراكش، المملكة المغربية، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990، ص54.

 (71) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص31-32.

 (72) المرجع السابق، ص33-34.

 (73) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، مرجع سابق، ص27-28.

 

علي محمد اليوسفجدل الفكروالواقع: نجد في التضاد الجدلي الهيجلي (أن حركة الافكار هي نفسها حركة الاشياء، وصراع التضاد هو قانون النمو التطوري)(1)

فموجودات الطبيعة ومكوناتها، والوجود والحياة والتاريخ بمجملها، تتداخل معها علاقة الفكر الانساني وأرادة التغيير القائمة على رصد الفكر لحركة الاشياء في تضادهما المستمر، ويرتبط الفكر والواقع بعلاقة جدلية متخارجة في التأثير لكليهما.. فالواقع لا يتطور بمعزل عن الفكر ولا الفكر يتطور بمعزل عن الواقع.. ومعرفة حقيقة الاشياء تكون بمرجعية مقارنة خصائصها المدركة بما تختزنه الذاكرة في معرفة غيرها من الاشياء بالتجربة والتكرار.. فمعرفة الشيء لا تكون من غير مخزون تجريبي في الذهن يساعد على فهمه وتفسيره بالمقارنة المغايرة بغيره.. .بمعنى معرفة الشيء لا تدرك من غير ذخيرة ذهنية مكتسبة ومختزنة بالذاكرة تخص غيره من الاشياء ليجد حضوره المعرفي الخاص به في تلك المقارنة المعرفية.. ولا يكون الدماغ خلوّا من المعارف القبلية الفطرية والمكتسبة في معرفته مواضيع الوعي والادراك.. .

التضاد الجدلي ليس قانونا يحكم الوجود والطبيعة في وجودهما المستقل وحسب.. وأنما هو ناتج تضاد الفكر الانساني وتقاطعه مع تلك القوانين كعامل موضوعي خارجي يعمل على أنضاج الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيق طفرات تغيراتها الكمية وتحوّلاتها الكيفية على السواء.. والواقع في كل تمظهراته هو مواضيع الفكروالوعي، لكن لا يكون الفكر موضوعا مدركا من الواقع.. الواقع بجميع مكوناته واشتمالاته لا يدرك الفكر كما يدرك الفكر الواقع..

الفكر يستمد فاعليته وحيويته الجدلية في التغيير من أسبقية أنطولوجيا الموجودات في العالم الخارجي عليه، التي يدخل معها الفكر في تضاد جدلي متخارج كعامل موضوعي مساعد لتطورها الذاتي، والموجودات التي يرصدها الفكر خارجيا أنما هي تحمل جدلها الخاص بها في التناقض الذاتي الداخلي الذي يحدد صفاتها الخارجية مع ماهياتها الذاتية أو جواهرها المحتجبة خلف صفاتها الخارجية البائنة.. مواضيع الادراك الفكري تحمل تناقضين من الجدل، الاول هو الجدل الذي يعتمل داخل الاشياء ذاتيا ولا يقوى على تغييرها منفردا، الثاني هو التناقض الجدلي مع الفكر الخارجي الموضوعي الذي به ومن خلاله وناتجه يحصل التطور والانتقالات التغييرية في الاشياء..

الاشياء والموجودات الواقعية المادية تدخل في علاقة تضاد خارجي مع الفكر الانساني وأرادة التغيير المستمر وبذلك تمتلك قدراتها التطورية التي تكون معطلة ذاتيا في الاشياء قبل تداخل الجدل الفكري معها.. .. ويكون ناتج هذه العلاقة الجدلية المتخارجة تطور كل من موجودات الواقع والفكر الانساني المتعالق معها كليهما، ، أي أن الفكر في الوقت الذي يستهدف الاشياء في التغيير هو الآخر يتغير أيضا في موازاة تغييره الاشياء.. كما أن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي والطبيعة لا تتغير ذاتيا بفعل التناقض الذي يعتمل داخلها من غير ما دخولها مع تناقض جدلي مع الفكر الانساني الذي هو العامل الموضوعي الخارجي في أحداث التطور المطلوب في واقع الاشياء والموجودات كما اشرنا له سابقا.. الفكريقود الموجودات الى حالات ومراحل متغيرة تطورية مستمرة.. والفكر يقود الواقع ولا يقود الواقع الفكر، ومهمة الفكر تحفيز الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيقه قفزات من حالة تطورية الى حالة جديدة تطورية أخرى أكثر تقدما وهكذا..

أن من المهم الاشارة له الى أن الواقع لا يتغير ذاتيا ولا يغير الافكار بقدر أمكانية وقدرات الافكار تغييرها واقع الاشياء في سيرورتها التطورية.. لكن يبقى الفكر ملزما أن يتغير هو أيضا في مواكبته التطور الحاصل في متغيرات الواقع ويكون تطوره سابقا على تطور واقع الاشياء بأستمرار دائما.. وحركة التغيير في الواقع لا تستبق حركة التغيير بالفكر والا أنعدم حضور تأثير وأهمية الفكر في قيادة تغييره الواقع .. وفي الوقت الذي يكون الفكر عاملا موضوعيا في تسريعه الجدل الذاتي التطوري المعتمل داخل الاشياء فهو يستمد من حركة الواقع المتغيرة تطوره هو الآخر في استباقه وتقدمه على حركة التغيير بالاشياء.. الفكر يكون على الدوام سابقا حركة الاشياء ويكون في وضع قيادي في سحبه الموجودات وراءه في تطورها الحركي المتغير على الدوام، والفكر ليس أنعكاس الواقع على وفق آلية ميكانيكية تفتقد الجدل التنموي بين الاشياء من جهة وتعالق الفكر تنمويا بها من جهة أخرى.. والفكر يدرك الواقع ليس لمعرفته فقط وانما لتغييره بانتظام..

عليه يمكننا القول أن الواقع بكل مكوناته وموجوداته المادية المستقلة أنما هي تحمل عوامل التضاد والتناقض داخليا لكنها تعجز عن أحداث التغيير المطلوب بقواها الذاتية المجردة عن قيادة الفكر لهذا التناقض بل في وجوب دخول تناقض الاشياء الذاتية مع الفكر الذي يمثل العامل الموضوعي المحرك لجدل التناقض الداخلي واكسابه التطور المتلاحق على الدوام معه في تخارج يحقق أرادة التغيير والتطورعلى مراحل من التجديد المستمر.. الفكر الجدلي التطوري في جوهره أرادة ملزمة في نشدانها تغيير الواقع، والفكر الذي لا تقوده قصدية أرادة تحقيق الهدف يكون فكرا أعزلا من أمكانية قيادة تناقضات الواقع وفي تحقيق التطورات المستمرة فيه..

تعالق الواقع والفكروبينهما العقل

( العقل هو جوهر الكون، وتصميم الكون عقلي خالص ومطلق)(2)، الفكر نتاج عقلي لا يعمل في غياب الواقع المادي للاشياء أو في غياب الموضوع المتخيل من الذاكرة، بمعنى الفكر لا فاعلية له تذكر في غياب مواضيع تفكيره المادية والخيالية، والفكر قوة مادية يكتسب ماديته من علاقته الجدلية بالواقع في تخارجه مع مواضيعه المدركة.. والفكر من غير مدركات مواضيعه لا قيمة له وغير موجود اذ بالموضوع المدرك وحده في تعالقه الجدلي به هو وحده الذي يحدد قيمة الفكر وأهميته.. الواقع والفكر وجهين لعملة واحدة لا يكتسب احدهما قيمته بمعزل عن الاخر أوفي غياب حضور أحدهما المتعالق مع الآخر.. وحضور فاعلية العقل تكون الى جانب الفكر بعّلة الفكر أنه نتاج عقلي بخلاف الواقع الذي هو وجود مستقل لا علاقة للعقل في أيجاده بل علاقة العقل به في وجوب تغييره.. العقل يكسب الفكر ماديته في تعالقه الجدلي مع الواقع، ويبقى الفكر والواقع وسيلتي أدراك العقل يؤثر بهما ويصوغهما حسب مقولاته العقلية لكنه يحتفظ بمسافة رصد وتخليق تجعل من أستقلالية العقل حقيقة مطلقة على العكس من نسبيتي الواقع والفكر، فهما موضوعي ادراك عقلي وليسا حقائق مطلقة خارج وصاية العقل عليهما.. وأخيرا يبقى الفكر الوسيلة الوحيدة لفهم الواقع وتغييره عقليا بتجريد اللغة..

التاريخ والفكر

يبقى التاريخ في النهاية مسارا عشوائيا لمختلف الوقائع والاحداث لا تحكمه الضرورة الحتمية في الزامها تطوره ذاتيا، التاريخ لا يتطور تصاعديا بقوى خفية تلهمه التقدم الى أمام من غير أرادة انسانية تقود حوادثه نحو الافضل أو الاسوأ على السواء تبعا لنوعية الارادة في تغيير ورسم مساراته الفوضوية التي تدخل عليه الصدف العفوية والصدف المصّنعة.. ولو كان مسار التاريخ حتمية تطورية تحكمها الضرورة لما كانت ولادة العولمة بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي، فالعولمة لم تكن حتمية تحكمها الضرورة بل هي انبجاس تاريخي طاريء رأسماليا ولد من العشوائية والصدفة المصنّعة التي تحكم التاريخ أكثرمنها حصيلة وثمرة روحية التاريخ التي كما تذهب له التنظيرات الفلسفية يسير بقوى خفيّة تقود مساره الى مراحل متقدمة متصاعدة، ..

التاريخ تحقيب زمني بعدي لا قبلي لا سيطرة للانسان عليه قبل وقوعه وحدوثه ويبقى الاستدلال عليه في التحقيب الزمني له فقط وليس في تحقيبه الانثروبولوجي الذي هو متحفية التاريخ وليس حيوية التاريخ.. التاريخ ملهم.. نعم ملهم.. التاريخ يقود نفسه نحو غايات مرسوم بلوغها له سلفا.. لا.. معرفتنا التاريخ هي معرفة الفكر لزمن الوجود.. أدراك لأحداث أنثروبولوجية ماضية من العبث أن تحكم الاحياء في قانون كان الاجدر أن يحدث هذا ولم يحدث ذاك.. وهذا دليل قاطع أن التاريخ أخطاء قاتلة نتيجة فوضوية مساراته المتعثرة بالصدف العشوائية على الدوام.. والمسكوت عنه في التاريخ هو نبش في الوقوف على فوضوية وعشوائية المسار التاريخي.. ألتاريخ بمجمله هو ناتج تصحصح أخطائه في مساره الفوضوي..

ويبقى فهمنا التاريخ أنه قراءة فكرية في النهاية، التاريخ يبقى حضوره كنتاج الفكر الذي يقود وقائع وأحداث التاريخ المتحفية الانثروبولوجية، وتورخة التاريخ في جوهرها عملية فكرية في تنظيم مسارالتاريخ، والفكر هو أرادة التغيير الانساني الهادف بعيدا وبمعزل عن أمكانية التاريخ أن يصنع تطوراته الخطيّة ذاتيا، ومن غير تنظيم الفكر الانساني لعشوائية مسار التاريخ لا يخرج هذا الاخير من مطبّات الأعاقة والصدف الطارئة على تشكيل أحداثه ووقائعه، ، وقائع وأحداث التاريخ هي نظام الافكار المحكومة بأرادة التغيير المستمر الدائم نحو الافضل..

المادة والفكر

علاقة المادة بالفكر تعتبر أهم مبحث فلسفي أستحدث لاحقا بعد مبحثي الانطولوجيا والميتافيزيقا ، منذ نشأة الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد، وعلى أمتداد قرون طويلة من تاريخ الفلسفات المثالية وصل مبحث علاقة الفكر بالمادة الى تمفصّل جوهري متمايز كبير بمجيء كلا من هيجل وفيورباخ وماركس في القرن التاسع عشر.. وقبل هذا التاريخ كانت الفلسفة بمجمل مباحثها نزعات مثالية صرفة أشتملت على أرهاصات مادية متناثرة لا يعّول عليها كثيرا تمّثلت في نزعات مادية بدئية لدى كل من ديمقريطس في الذرات الذي أخذها عنه لايبتنز في الموناداة وهيرقليطس في الحركة والتغيير المستمرين اللذين يحكمان المادة وظواهر الحياة التي أخذها عنه هيجل في الحركة والديالكتيك..

نستطيع الجزم أن الفلسفات جميعها الى ماقبل القرن التاسع عشر وقبل مجيء ماركس، كانت فلسفات مثالية محورها الارتكازي هو الفكر التجريدي المحض الذي يعالج الواقع المادي بتصورات عقلية ذهنية تكتفي بتفسير بعض مظاهر الحياة ولا تمت بصلة لمحاولة تغييرها وتبديلها.. وقد ورثت النزعات الفلسفية المثالية الحديثة التي رافقت نشوء الماركسية المادية، أهمية أسبقية وأولوية الفكر على المادة معتبرة الفكر المجرد جوهر مستقل قائم بذاته يستطيع تفسير العالم ولا وجود لشيء أسمه مادة أو واقع خارجي يحتوي مكونات لا حصر لها، ولا وجود حتى لعقل خارج تصورات الذهن الواصلة عبر الحواس.. فقد أنكر بيركلي المادة في وجودها المتموضع واقعيا في عالم الاشياء معتبرا اياها صورا في الذهن، وذهب ديفيد هيوم في نفس المنحى في أنكاره العقل ومبدأ العليّة السببية، معتبرا العلاقات التي تربط العلة بالمعلول هي تجربة تتكرس في الذاكرة بحكم التكرار والتجربة حتى تصبح العادة في حكمنا على الاشياء.. وفي نفس المنحى المثالي ذهبت التجريبية الانكليزية الحديثة والتحليلية عند جورج مور وبيراتراندرسل مستفيدة من أرث كانط المثالي وبيكون وجون لوك التجريبي الى أفشاء التفكير المثالي الفلسفي المناويء للماركسية، كما عمدت الفلسفة البراجماتية الامريكية في نفس المنحى لدى أقطابها ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي.. الذين رفعوا شعارهم المعروف بالمنفعة العملانية للافكار، والافكار صحيحة ليس باتساقها المنطقي بل بما تحمله من أمكانية تحقيق المنفعة الواقعية التطبيقية في الحياة..

وبمجيء أقطاب المادية الماركسية الثلاثة هيجل ، فيورباخ، وماركس، ظهرت الفلسفة المادية منتصف القرن التاسع عشر وبداية العشرين بأجلى صور التمايز عن المثالية، فقد بعث هيجل مبدأ الديالكتيك أو الجدل في تأكيده أهمية الحركة والتناقض، وذهب معاصره المنشق عنه فيورباخ الى تبني نزعة مادية أراد تطبيقها تحديدا على نشأة الاديان في ثلاث من أهم مؤلفاته الفلسفية، ليأتي من بعدهما كلا من ماركس وأنجلز ليكملا المسيرة في وضع قوانين المادية الديالكتيكية على صعيد المادة ، والمادية التاريخية على صعيد التطور الانثروبولوجي والسيوسيولوجي الطبقي.. ومن الجدير الاشارة له في دراسة علاقة الفكر بالمادة التي أشبعت تناولا فكريا وفلسفيا لدى أقطاب فلاسفة المادية الماركسية بدءا من لينين وستالين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ ولوكاتش وغرامشي وعشرات وأكثر غيرهم.. أن علاقة الفكر بالمادة تفرض فرز وتشخيص نوعية الفكر الذي هو حركة دائبة متغيّرة على الدوام في علاقته بالمادة التي تكون في حال من الحركة غير المدركة التي توهم بالسكون والثبات.. من جنبة أخرى المادة ليست هي الفكر ولا الفكر هو المادة، فالمادة باعث للفكر وحافز له على تناول مواضيع أدراكاته بالتفسير والتحليل والتأويل والعّلة، والفكر الذي هو في سمته الاساس المميزة له أنه عقلاني مصدره العقل تقابله المادة في لا عقلانيتها أنها لا تعي ذاتها ولا تدرك ما حولها ولا تفهم علاقاتها بغيرها، فهي وجود انطولوجي لا عقلاني مجرد من الفاعلية الادراكية.. والمادة وجود لا يمتلك الادراك لكنها تمثل موضوع الادراك للفكر، المادة وجود سلبي لاقيمة حقيقية له من غير معالجة الفكر لها، ..

أخيرا ما الذي يجعل أي من المذهبين الفلسفيين المادي أم المثالي قادرا على خدمة الانسان ومواكبة تطور الحياة ؟ طبعا هنا يبرز دور العلم في كلمة الفصل، فالعلم بمنجزاته الهائلة لم يعتمد الفلسفات المثالية التي لا تجد في الحياة غير تصورات الذهن المجردة المعزولة، وانما يعتمد العلم التجربة التي تقوم على أسبقية المادة التي هي الركن الاساس في التفكير المادي والمثالي والعلمي على السواء.وتبقى المحصلة في صحة تطبيق الافكار على تغيير الواقع.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

 1.2، ويل ديورانت، قصة الفلسفة ص 379

 

 

 

علي محمد اليوسفاللغة والفكر لا يحضران سوّية ألا في محاولة تنفيذ أيعازات مصنع الحيوية البشرية في الاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا وأكتملت مهمة أعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكرجديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء.بمعنى أن ادراك العقل للاشياء ليس لمجرد معرفتها ولكن لتخليقها من جديد حسب مقولات العقل التجديدية له كما يذهب له كانط..

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز أدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة أذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من أدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك أستحالة أدراكية تعجيزية للعقل في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا بوسيلة اللغة التي هي وسيلة نقل تفكير العقل بالاشياء والمواضيع التي يدركها..

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكرحسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر...وأن اللغة مبتدأ ومنتهى أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي...جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية أدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم أدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل وأدراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل العقل في تمثلاته مواضيع الادراك المستمدة من الذاكرة والخيال وتكون اللغة متموضعة خارج العقل حين يكون الموضوع المعبر عنه ماديا في وجوده المستقل في عالم الموجودات والاشياء خارج العقل، عندها في كلتا الحالتين يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل الاثنتي عشرة مقولة حسب كانط ببعضها وليس بمجملها حسب نوعية الموضوع المدرك عقليا ونوعية تخليقه ثانية بالفكر اللغوي بعد تمثله ادراكيا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة ليس من اجل معرفتها فقط كما ذكرنا سابقا.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت بالذهن خياليا، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا وموجودا...وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا بصور لغوية وخارجيا بوسيلة اللغة ايضا، أنما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة ...أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك لشيء في زمن واحد...وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي المادي أو خيالي مصدره الذاكرة.

نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة...بأعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين أدركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

نأتي الآن الى معالجة أصل أمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها أستحالة أدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في أستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها عقليا، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها وهذا لا يتم من غير الوعي العقلي الادراكي لموضوعه وبغير ذلك لا تمتلك اللغة فاعلية التعبير عن الموضوع وكذا الحال مع الحواس في أدراكها الموجودات فلا قيمة لها من غير مرجعية أسنادهما بمدركات العقل فالحواس تدرك المحسوسات على وفق منظومة الجهاز العصبي التي ترتبط بالدماغ الذي هو جزء العقل الفاعل بالادراك.كما ان الحواس لا تستطيع التعبير عن واقع الاشياء دونما وصاية العقل عليها وتوجيهها..

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة تعبيرا خارجيا عن موضوع تفكيره الا على أنها جزء من الفكر كتصور لغوي فالوعي الادراكي يتمثل الموجودات بصور وعلامات ومرموزات اللغة التي هي جميعها تجريد ذهني يعبّر عن موجودات العالم الخارجي..

وملازمة الفكر الذي هو وسيلة العقل في الادراك غير المنفصل عن تعبير اللغة فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة في ادراك العقل للاشياء والموجودات في العالم الخارجي.. خارج الدماغ أو العقل في وجود الاشياء مستقلة كموجودات، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه ثانية، فلا يدرك الموضوع او الشيء خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.وبنفس الآلية يكون تفكير العقل بمواضيع الخيال في تمثُلها صوريا لغويا..

وعندما يتجسد ويتّعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة بخلاف مواضيع (الخيال والذاكرة) في الذهن، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة أدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون أدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة. وجميعها تشكل منظومة العقل الادراكية للاشياء المادية والمواضيع المتخيّلة عل السواء.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا... فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية أنشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

أن اللغة أثناء زمانية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل... فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور الفكر وحده، ولكن التفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه أشكالية تؤكد أستحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات أدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكر داخله...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي محمد اليوسفنيتشة والبداية: لم يكن نيتشة على حذر كاف مسؤول حين أطلق عبارته الاستفزازية موت الاله، ولم يكن على تقدير تنبؤي صادق مع نفسه لما ستجّر اليه تلك المقولة من عواقب تدميرية خارج حساباته الفلسفية على صعيد وجود ملتبس انساني لم تحسم فيه العديد من علامات الاستفهام.. لم يستهدف ثيولوجيا الدين تحديدا كما أراد نيتشة في موت الاله، ولم يدرك مدى تبعات مقولته السائبة تلك على تداعيات فكرية معرفية ستطال الانسان والعقل والسرديات الكبرى في الفلسفة والعقل والتاريخ ومختلف علوم الانسانيات من بعده التي أستنفدت حقيقتها الجوهرية بالاجترار وعمقت التصّحر الثقافي الساذج المتطرف في تبني الجدب الخوائي للوجود الانساني في تقويض وجوده كائنا محوريا واستبعاده – المعرفي خارج منظومة الحياة الفكرية اللغوية وأعتباره موجودا متشيئا لا قيمة أستثنائية له يعلو بها على مكونات وأشياء الطبيعة غيره.

لم يكن نيتشة في مقولته تلك سوى نزوة أستفزايزية لتقويض ثيولوجيا الدين ممثلة بسلطة الكنيسة المطلقة فقط تحديدا وزعزعة الايمان القطعي الدوغمائي في التسليم لما يجب هدمه وتقويضه من كهنوت وضعي زائف طاريء جرى تجييره لزيادة عذابات الانسان في جحيم الحياة.. موت الاله نيتشويا كان الفخ الذي نصبه نيتشة في غابة مليئة بخرافات وقهر وأستلاب القيم الانسانية في العصور الوسطى الاوربية على صعيد تغوّل أنحرافات لاهوت الدين عن مساره الطبيعي كمنقذ للانسان في الحياة، ولم يكن نيتشة يدرك أن موت الاله سيتبعه موت الانسان كقيمة عليا في رأسمال الحياة والا ما كان وضع الانسان الذي أراد أنقاذه من ورطته الكهنوتية الوضعية في وهدة سقوطه بورطة أكبر أن يكون فيما تلا عصر نيتشة أنسانا متشيئا لا قيمة أنسانية حقيقية يحملها ولا قيمة روحية سامية يدافع عنها جديرة بالاهتمام المعرفي الفلسفي...

الفخ المربك الذي نصبه نيتشة ولم يحاول غيره تقليده بل التمسك الخاطيء به لم يكن في وارد فلسفة نيتشة أن يكون الانسان بعد موت الاله أسعد حالا منه العيش في ظل الاله الذي الحي الذي لم يمته نيتشة ولن يموت..وهنا خطأ نيتشة بحق الانسان كمخلوق ميتافيزيقي ديني بالفطرة وليس مخلوقا تصنيعيا ملحدا بالفكرالعبثي في تقويض كل متبنياته التي أكتسبها عبر العصور في الفلسفات التي أعقبت موت نيتشة بداية القرن العشرين ..الحقيقة التي يجري التغافل عنها أن نيتشة في مقولته التي أصبحت الكتاب المقدس الزائف للملحدين أنه لم يقتل الله بقدر أغتياله الانسان كموجود ديني ميتافيزيقي كان ولا يزال جحيمه في الحياة أكبر من جحيمه الموعود به في السماء..ولم يكن موت الاله ولا بقائه الحي سببا بذلك..الخلل كان ولا زال ليس في الايمان بالله من عدمه بل الخلل في الكهنوت الوضعي ولاهوت الاديان والخرافات المليئة بها الكتب التي توصف بالمقدسة وتدعي محتوياتها الزائفة أنها من وحي الاله الخالق..وليس أبتداعات خرافية تهويلية لأناس أشتروا ثراءهم الدنيوي بأسم التضليل الديني التعبوي في نشر وتعميم الجهال والتخلف والخرافة..

البنيوية ونهاية الانسان

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن التاسع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة والحياة، والمرتكز الثاني هو علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات اليقينية الكبرى من ضمنها الدين... كلاهما الانسان كوجود ومنظومة اللغة في انفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على أزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في أستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرف أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح نحته لاول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي التي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الاحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون الانسان..

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن أعتماد ايديولوجيا السياسة التي أستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض أذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو فأستأثرت الفلسفتان البنيوية - التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض دونما البناء في أعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذها المطلوب، وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض أنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا (اثنولوجيا الاقوام البدائية) والتوسير في أستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال.. وبارت على صعيد الادب في موت المؤلف، ولاكان في علم النفس، وفوكو في أستدافه كل شيء يطاله بدءا من الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

اذا ما سمحنا لانفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لاقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز أمتداد فلسفي لتطوير مفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور في فلسفة التاويل الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطويره منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه (حيث وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا، البنيوية، الوجودية، التاويلية، الماركسية، ونظرية الثقافة والتفكيك، والتحليل اللغوي ونظريات اللغة، وأخيرا انثروبولوجيا الدين)1 وقد أفاد ريكور في منهجه البنيوي التاويلي من ميراث فلاسفة التاويل غادمير، وشلاير ماخر، وأخيرا دلتاي..

الانفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الاحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضر (الانسان) الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة، نقول عمدت البنيوية الى تشييئه الالغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل الى اليوم...

هذا الانفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان في أعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من أحتكار علاقتها بالواقع وأستئثارها التعبير عنه وحدها.. ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة.. وهذا (الانفصام جعل من الانظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له)2

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها،وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية به بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح..

وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري انسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب على ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بنى الاشياء وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل الصيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة... هذا النمط النسقي اللغوي (يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية، حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) 3 فقد تم أغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة له وركنه جانبا خارج أهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل أشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

البنيوية وفنجشتين

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها، واللغة هي الوسيط بين العقل والاشياء في تعالقهما معرفيا.. هذا الفهم أعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في أعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والاحالة والارجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها حتى فلسفيا.. هذا التوجه قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه، فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي، فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الانفصال التام التعبير عن الواقع الانساني بالحياة؟

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد أخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية يسير في توازيه مع الواقع هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الاهتمام به... وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل تفسير العالم الخارجي... ولا أهمية يمتلكها القيام بذلك..

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي طرح فينجشتين أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة - حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتاثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى ..

هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى الا في صيرورة الحياة وجريانها المتدفق والانسان جزء هام في هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبر رفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكور قوله (لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به)4 . وكان سبق لاقطاب البنيوية أن أخرجو اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض، واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام)5

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل مع الواقع الحياتي، في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا، ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا، أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي، تسمه فردية المتكلم، والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر، وهو أي الكلام أخيرا عارض لانتهاء دوره الاستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع انتهاء وتفرق المتحادثين المشاركين في أنتاجية وأستهلاك الكلام الجماعي في التحاور.

بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

في مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو انها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي،وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا، وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة )6،

هيدجر والتماهي مع البنيوية

هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها أنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت حقيقتها مكفولة في أنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة.) هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة لغة الشاعر عن (اللاوجود)، أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل تماما في رقابة اللغة الشاعرية، فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل أنما هو تداعيات الخيال الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي محاولة الوصول تخوم العبث اللغوي في التعبير..أحياء نسخة سريالية مستهلكة كان أندريه بريتون رائدها الاول في قول الشعر معتبرا القصيدة الشعرية هي حطام العقل الذي مصدره غياب الشعور المطلق وأستلهم بيان بريتون سلفادور دالي في التشكيل الفني الجمالي ورسم اللوحة التي كانت بحق تحطيما للعقل.

هذه الميزة المتفردة التي خلعها هيدجر على الشاعر أنه الوحيد القادر ومعه المجنون لدى فوكو التعبير عن الوجود الاصيل الذي هو اللاوجود في حقيقته جعلت حمى وطيس التجاوب لدى فوكو الاستجابة المتماهية مع هيدجر في أعلى مستوياتها، وذهب أبعد منه في أهمية أنفصال اللغة تمثلاتها الواقع العياني فوجد هو الآخر في لغة الشاعر التهويمية المفككة المتقافزة في وصاية تداعيات اللاشعور عليها.. وأضافة فوكو المتطرفة الجديدة لدى فوكو أنما جاءت على صعيد وشم الثقافة الغربية المعاصرة في لقاء (الشعر والجنون) والجنون هنا لا يأتي (بمعنى المرض العقلي وانما هو تجربة جديدة في اللغة والاشياء )7.ويؤكد فوكو تطرفه في أعتباره (الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيلا مستحدثا رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية)8.

لا جدوى التعليق أن اللغة كنظام تعبير دلالي معرفي في تفسير وفهم الواقع يمكنه الخروج على هذه المواضعات التي تكون اللغة فيه نظام توليدي متطور في مواكبته الحياة الانسانية في جريانها..ولا غرابة اذا ما وجدنا أن لغة الشعر التي تلتقي هذاءات الجنون حسب رغبة فوكوفي التعبير عن حقيقتنا تخرج عن تلك المواضعات تماما.. بأعتبار لغة الشاعر وهذاءات المجنون رغم التباين والاختلاف الشاسع لغتان من نوع خاص يتحكم بهما اللاشعور في تغييب رقابة العقل الذي تتصف اللغة عندهما بميزات التداعي والتفكك وعدم الانتظام وأبهام المعنى وغيرها.. والجملة بالمنظور البنيوي هي خروج على المألوف وسمة التجديد فيها أنها تلغي دلالة المفردة من المعنى من جهة وخروج الجملة أو العبارة المألوفة قدرتها التعبير عن الواقع بل في وجوب الانفصال عنه..

أما أن يكون التفكيك والتحليل والتقويض هو أستجابة محاكية للتماثل مع تمزّقات الانسان كونه شيئا طارئا في وجوده بين نظام الاشياء في الوجود الاصيل الذي ينشده ويبتغيه هيدجر خارج وجود الانسان الزائف الذي يعيشه، وأن لغة التعبير الحقيقية عن الوجود الاصيل معقودة على الشاعر وهذاءات المجنون فهي تفلسف يحمل أكثر من علامة أستفهام عديدة متروكة النهايات بلا أجابات مقنعة الا بمنطق العبث والعدمية في التفلسف البنيوي – التفكيكي المزدوج..

أختم بملاحظة أن كلامي في أدانتي لغة الشاعرالسريالية في تفكيك النسق اللغوي التي لا تعبر عن حقيقة الواقع في تفكيك النسق اللغوي المألوف، ناقشته أدانته بالمقالة من منطلق بنيوي فلسفي تفكيكي تحليلي، وهذا يختلف عن تناول خروج لغة الشاعر عن المألوف لغويا في قول الشعر والنقد الادبي الذي يدرس تفكيك خطاب اللغة الشعرية جماليا وليس تعبيرا فلسفيا..مما يبيح للشاعر الخروج عن النظام النسقي المالوف للغة في كتابة الشعر كتعبير أدبي وليس كتعبير فلسفي..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش

1- بول ريكور، نظرية التاويل.. الخطاب وفائض المعنى ..ترجمة سعيد الغانمي ص8

2- المصدر اعلاه ص 11

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه نفس الصفحة

5- المصدر اعلاه ص 12

6- المصدر اعلاه ص 14

7- د. محمد المزوغي، فوكو والاشياء، موقع كوة الالكتروني، شباط 2020

8- المصدر اعلاه

 

علي محمد اليوسفأن التاريخ البشري الماضي والحاضر هو ليس ما كان فقط بل وما سيكون، وأي مسعى لأعطاء معنى قيمي هدفي تنبؤي للتاريخ في غير مساره العشوائي الذي تحكم تصحيحه الارادة الانسانية، هو نوع من دوغمائية الافكار والنظريات المتورّخة للمسار التاريخي المتصاعد خطيّا، وهذا لا ينفي أبدا قدرة ورغبة وأمكانيات الانسان من الوصول بالمسار المستقبلي للتاريخ الى (بعض) الاهداف المرسومة والمعدّة سلفا في عقلنته المسار التاريخي بأرادته على وفق منهج مادي سيسيولوجي.. وهذا يختلف عن دوغمائية الافكار التي تأتي لاحقا في دراسة التاريخ وتضع له أهدافا نظرية ومنهجيات عقب حدوث وقائعه حسب قناعة المؤرخ، .

دوغمائية الافكار في دراسة التاريخ هي محاولة الامساك بحركة التطور التاريخي وتجييره لحساب التنظيرات التي تسندها وترعاها أجندة سياسية، مسألة لا جدوى من الاعتداد والاخذ بها. وهذه الدوغمائية النظرية في تفسير التاريخ محكومة بالتضاد مع وقائع الاحداث الحّية والسيرورة الانسانية المتطورة للتاريخ ومع مساره العشوائي العفوي أيضا الذي تحكمه المصادفات التي تدخل على مسار أنتظامه المتّعثر باستمرار والتي تقوم بتعديلها وتوجيهها الارادة الانسانية المثابرة.

أن في الاستقراء السببي لوقائع التاريخ المدوّنة ومراحل سيرورتها التطورية، ومحاولة تطويع العشوائية والصدف المتتالية الى منهجية ايديولوجية تخدم السياسي، هي محاولات تؤرخ لوضع نظريات واستنتاجات توفيقية – نفعية قد تفيد توجهات سياسية - سلطوية أو تفيد البشرية في مباحث الانثروبولوجيا أو غيرها من المجالات البحثية...في دراسات أنتقائية لعيّنات وأهتمامات معينة تربط التاريخ بالفلسفة، أو التاريخ بالاجتماع أو التاريخ بعلم النفس ، أو التاريخ بحرب أو حروب، أو التاريخ ببطولة فردية، أو التاريخ بقائد ونخبة ثورية منظمة أو فوضوية وهكذا، وتوظيف ذلك مع ما تحمله العشوائيات والمصادفات في الوصول الى أيجاد تبريرات أقناعية لعوامل ومسببات حدوث تلك الوقائع. وأهم أنجاز لها أنها تخلص الى نتيجة لماذا حصل هذا ولم يحصل ذاك؟

ميزة العشوائية والمصادفات في المسار التاريخي التطوري عبر العصور، هو تقاطعها مع النظريات والفلسفات والمناهج التي تريد دراسة تلك العشوائيات والمصادفات بيقين الغائيات الخطيّة و منهجيات الحتميات التي يقحمونها في دراسة السيرورة التاريخية في قطع المراحل...أن حرية المسار التاريخي المتطور على الدوام هي حرية غير مشروطة أبدا وغير ملزمة ولا ملتزمة أصلا.وبهذا المعنى يقول سارتر(أن جميع الامور تحدث بالمصادفة التي هي ميزة لكل وجود). ونعتقد مقولته صحيحة في فهم متناقضات الحياة بواقعية قبل أن تصدر صحتها عن فيلسوف مميز.

لم يعد العالم ينشد حضارة

أن التنوع الهوياّتي في عصر العولمة مثلا يرفع شعار السعي في الاسهام بصنع تاريخ انساني جامع (مدنية معاصرة) موحدة لحاضر ومستقبل البشرية، على وفق مبدأ ورغبة توظيف هذا التنوع الهوياتي العالمي أيجابيا، والاستجابة الى تحقيق أرادة الشعوب الخالصة في نشدان أستحضار مشتركات وتكامل يساهم به الجميع لخلق مدنية ثقافية مشتركة جامعة... لعل أبرز المستجدات التي جاءت بعد العولمة هي أن التاريخ المتصاعد حضاريا ومنجزات العلم الهائلة وضعت مفهوم الحضارات الانسانية في متاحف الاثار ومدونات المؤرخين ليدخل الانسان عصر صناعة مدنية انسانية جامعة تساهم بها كافة الشعوب المؤهلة الدخول في هذا المعترك المستقبلي..ولم يعد هناك في مستقبل البشرية جزر حضارية منفصلة غير متكاملة مع غيرها بتاثير تطور المعلوماتية التبادلية ومنجزات العلم وكذلك تطور الاتصالات وغيرها من وسائل التمدين البشري المعاصر.. فمفهوم الحضارة اليوم أن يكون لك حضورا محسوبا معترفا به في عالم اليوم الذي هو عالم موحد تمدينيا فقط ولا مجال ان يكون العالم حضاريا موحدا، أمثلة ذلك اليابان، الصين، كوريا الجنوبية، ماليزيا، اندنوسيا وهكذا..

أنه أصبح من الطريف في عالمنا اليوم أن نعكس مقولتي صومائيل هينتكتون في صراع الحضارت ومقولة فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ كالتالي، التاريخ العولمي اليوم بدأ ولم يتوقف وهو بداية تاريخ الشعوب المتنافسة كل حسب مؤهلاته وطاقاته الابداعية الاسهام بصنع المدنية العالمية المتحضرة الجامعة لمختلف الشعوب في تنوعاتها الاثنية والدينية والسياسية ونهاية نشدان دول العالم أقامة حضارات على شكل جزر متباعدة تعايش أستحالة بقائها في تفرد خاطيء مزعوم يقود العالم فيه اليوم علم المعلوماتية والاتصالات والاقتصادات المتنافسة..ولا مجال لصراع حضارات مستقبلية في ظل سباق أقامة مدنية عالمية معاصرة بخصوصيات وبصمات شعوب العالم المتنوعة..ومن المستبعد تكرار حماقات سياسية في حروب أفتعالية لا ينجو أحد من مصائبها وكوارثها ولا يتحملها عالم اليوم..

صيرورة تاريخ الماضي

يبقى المحرك الذاتي للتاريخ يعمل بالارادة الانسانية في تقويم وتجاوز الاخطاء الى جانب اشتمالات العشوائية وتوالي المصادفات الصادمة غير المحسوبة ولا المتوقعة تاريخيا، التي تعمل بالتوازي مع هذا المسار وتتقاطع معه أحيانا. وكذلك تتقاطع مع جبروت الطغاة ونوازع السياسة المتطرفة والايديولوجيات السياسية المتعالية في شن الحروب لاشباع رغبة التسلط والهيمنة وقهر الضعيف وحرف المسار التاريخي عن كل قيمة أخلاقية وتغليب نوازع الشرعلى الخير، وهذه الوقائع التاريخية بمجملها تحركها الظروف الاجتماعية والدينية المتطرفة والثقافية ومنهجيات السياسة والايديولوجيات وغيرها التي تنعدم معها حركة التاريخ الانسانية الواعية والمدركة المراد حضورها كغايات مرسومة سلفا لتخدم مصالح البشر قاطبة. وعموما يأتي الاصلاح لهذه الانحرافات الشاذة تاريخيا بتقديم الكثير من التضحيات بغية الاصلاح وأرساء قيم الخير والحرية والانسانية والمساواة من قبل الشعوب لا من قبل الايديولوجيات السياسية ولا من قبل المنهجيات النظرية أو السلطات السياسية الحاكمة.

أن التاريخ من غير الجهد الانساني العملاني الذي لا يمتلك أرادة ذاتية حيّة تقوده الى أمام، مالم يتوفرفيه الوجود الانساني الفاعل الذي يحاول سحب التاريخ الى مواقع متقدمة بوعي أجتماعي ومنهج قصدي محدد الاهداف، وما يصنع التاريخ المستقبلي هو ما يقوم الانسان بأنجازه بوعي قصدي هادف وما يستطيع تحقيقه أو الفشل به حاضرا، فالتاريخ المتحقق وغير المتحقق هو أولا وأخيرا يبقى كيانا معنويا يحضر أو لايحضر، على وفق قدرات الانسان وطموحاته في صنع سيرورته المتقدمة الى أمام.

أنه لمن الصعوبة أيجاد تعميمات وأحكام عامة مطلقة تصلح أن تكون قوانين يعمل بمقتضاها التطور التاريخي ملزمة له.ومن هنا تعددت الرؤى والافكار في ربط التاريخ بالفلسفة أوبالدين أو بالسياسة والايديولوجيا أوبالانثروبولوجيا أو بالاقتصاد أو بالبيئة والجغرافيا أو بعلم النفس او بالاجتماع أو بالبطل والحاكم وهكذا.

هذا التنوع التناولي- التداولي في دراسة التاريخ يجعلنا أمام حقيقة أن حوادث التاريخ البشري لا ينتظمها مسار ذاتي منتظم متطور واحد، كما لا توجد حتمية تاريخية يسعى التاريخ بلوغها بأمكانات وأستلهامات ذاتية محرّكة له بمعزل عن أرادة الانسان الواقعية في تغيير حوادث التاريخ نحو الافضل.

لا بد لنا من تثبيت ما ذهبت له فلسفة الحداثة في أدانتها الحتمية التاريخية الى التشكيك في مراحل التاريخ الرسمي (الكلاسيكي)، تاريخ الايديولوجيات الثلاث، الايديولوجيا الماركسية، وايديولوجيا الرأسمالية الليبرالية والمعولمة، وأخيرا أيديولوجيات العالم الثالث الهجينة بضمنها ديكتاتوريات القومنة وديكتاتوريات التدين السياسي المذهبي...

كما أن توظيف تعالق التاريخ بالدين أو تعالقه بالسياسة والايديولوجيات القائدة و الخادمة له بمحاولات دوغمائية تضع الماضي في صورة المستقبل الجديد والزاهر المستمد من روحية الماضي محكومة بالفشل وسوء تقدير حركة التاريخ ومحاولة حصرها قسرا تحت هيمنة السياسي ورغائبه، في كتابة التاريخ بأجندة الحاكم السياسية وايديولوجيا السياسة المتنفذة.

بدأ التاريخ كما هو الدين بالاساطيروالميثولوجيا وأنتقل ألى مرحلة الدين يقود الحياة والتاريخ ومرّ بسّير الملوك والحكام والابطال ليصل مرحلة الايديولوجيات السياسية ويصطدم أخيرا بالعلم التجريبي- العقلاني الذي وضع خطوطا حمراء أمام كل توجهات السرديات الماضوية الكبرى والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية، أن يكون لها دور حقيقي تستطيع أن تلعبه في ترسيم الحاضر أو المستقبل تريخيا...وأن النظرة الاحيائية للتاريخ كماض لم تعد تعني المستقبل بشيء الذي يحكمه العلم والتكنولوجيا المتطورة باستمرار وتوقف تصنيع ما يعرف قديما بحضارات الشعوب المتعددة والمتنوعة. التي جعلت من العلم والتاريخ مساران متوازيان لا يلتقيان. (ليس المقصود بهذا هنا العلوم الانسانية والتاريخ جزء منها وأنما المقصود العلوم الطبيعية التجريبية).

أن تاريخ الدول والملوك والحكام وابطال الحروب الكارثية والتطرف والفتوحات والهيمنة الغاشمة التي سادت ثم بادت كانت عوامل أشتغالها وديناميكية محركاتها هي النزوات الفردية المنحرفة والانانية والوحشية والحماقات والرعونة في أختلاق المنازعات وسفك الدماء لا غير... وبهذا النوع من التاريخ ورثت البشرية الاوراق الساقطة التافهة منه، لما تم حجبه من تاريخ عن معاناة وكوارث ملايين البشر في الحياة التي لا تواسيها ولا تعطيها حقها كل هالات التعظيم والخلود للسلطة والحاكم.

أن تحقيق المؤرخ للمدونات وأعادة تفسيرها ودراستها وأختراع النظريات التحليلية ووضع المناهج لها ، وما يكتشفه من الخفي غير المعلن والمستور في حوادث التاريخ، لا يمنح التاريخ أية مصداقية على أن مساره ذاتي أستلهامي تطوري في تغليب نوازع الخير والقيم والانسانية فيه على الدوام ، وأنما كانت جدوى التصحيحات تأتي من فاعلية تضحيات أناس صححوا المسار المنحرف لمرحلة أو مراحل من التاريخ، وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، ولم يكن للتاريخ أي قدرة ذاتية روحية أو أمكانية أن يصحح مساره الخاطيء بقواه غير المنظورة وحده.

غالبية الموروث من التاريخ هو أنحرافات الحاكم وحب الهيمنة والسيطرة والتوسع الامبراطوري، أو بروز حركات وحشية همجية تتلذذ بسفك الدماء بأسم أمتلاكها الحقيقة الدينية أو الحقيقة التاريخية، كل هذا وعلى شاكلته ورثت البشرية عامة تاريخا بائسا، تداخلت حوادثه مع المسار الاعتباطي والمصادفاتي للتاريخ.

ويؤكد هذا أن التاريخ في جميع مراحله الماضية لم تكن تحكم مساره الغائيات والحتميات المرسومة الاهداف سلفا، للارتقاء بالانسانية في معارج التقدم والازدهار. والعلامات المضيئة المشرقة التي جاءت على طفرات نوعية مرحلية محدودة في منطقة دون اخرى من العالم، كانت ردود أفعال الانسان المضطهد والطبقات الفقيرة التصحيحية ورفع ظلم وجور وقائع تاريخية مرعبة تمت ازالتها بارادة وتضحيات قوى أنسانية مغيبّة عن صناعة التاريخ الحقيقي على حساب تلميع صورة الحاكم المتنفذ في أذكاء نشوة تحقيق الامبراطوريات.

وما حصل في هذا التطور ليس من حكمة الحاكم ولا من حكمة التاريخ في أن غائية أنسانية مثلى تعيش بأحشاء التاريخ و تأخذ بمساره الانساني المتقدم.فالتاريخ بداية ومنتهى هو من صنع أرادة الانسان له فقط في علاقاته وتطور وسائل عيشه (الانسان) أجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وحبه لقيم الحرية والعدل والمساواة.

أقصى أفادة لنا من التاريخ وحوادثه ووقائعه هو أستذكار ومراجعة تفيدنا بالعظة والتحسّب في أجتناب تكرار الخطأ والاخطاء مرات عديدة.وما نظريات وفلسفات ومنهجيات التاريخ سوى فذلكات عابرة لاكاذيب سابقة لها في التجّني على التاريخ دينيا ولاهوتيا وايديولوجيا، سادت قرونا من عمر البشرية والتي أبهضت التاريخ بما لا يحتمل النهوض في تعويض البديل.

أن فلسفة الوجود الانساني هي فلسفة تاريخه (تاريخ الانسان) لا غير، وهي أسبق في توليدها علامات أستفهام وتساؤلات بلا نهاية تحفيزية تغييرية تكون أجاباتها في التطبيق الواقعي في الحياة هو خلق تاريخية متطورة على الدوام.ولا يحق ولا بمقدور تجربة أمة من الامم أو شعب من الشعوب أن تسحب تجربتها على أمم وشعوب أخرى تمتلك تمايزات جمّة وأختلافات عديدة عنها، ومنهج دراسة تاريخ شعب له خصوصية ومرحلة تاريخية مميزة ، تؤكد أستحالة تعميم تلك التجربة على الآخر المختلف عنها بخصوصيات يتفرد بها.

والتاريخ من غير المفيد أخضاعه لقوانين طبيعية تعمل بمعزل عن ارادة الانسان وفاعليته في مصنع الحيوية البشرية، قوانين التاريخ الحقيقية هي القوانين الوضعية المستمدة من التحقيب الزماني والجغرافي الديموغرافي التي تنطلق من الوجود الانساني الفاعل وتنتهي به. وأن التاريخ خلال مساره الطويل لم يكن يتقدم بحوافز غائية تخلع عليه من قبل المؤرخ أو الدارس، كما أن التاريخ لا يهتدي بنظريات منظورة أو غير منظورة تسحبه خلفها.ولا يوجد حتميات يصلها التاريخ من دون وعي وادراك وأرادة ومسار يصنعه ويقوده الانسان، فالحتميات والاهداف نتيجة عاملي الارادة الذاتية وملائمة الظروف الموضوعية وهذا ما لا يتوفر عليه التاريخ ذاتيا في مساره العفوي قبل دخول الارادة الانسانية عليه. فحركة التاريخ حركة عشوائية ومصادفات غير محسوبة ، تتداخل بها ومعها ردود الافعال الانسانية ونفسيات الحاكم أو القائد المتنفذ والدين والايديولوجيات والنزوات المريضة ونوازع الخير ويقظة الضمير وحب الانسانية وغير ذلك كثير.

نقد المادية التاريخية

نجد في الفلسفة تداخلا مفهوميا مربكا في تناول المادية التاريخية بين تيّارات ومذاهب الفلسفة الغربية عموما، فعبارة سارتر على سبيل المثال (أن المادة حقيقة بشرية تكتسب معناها وخصائصها بفعل الانسان فقط.) أنما تمثل مداخلة خلفيتها الماركسية واضحة... وهذه عبارة لا تغني عن كتب ومؤلفات عديدة تفصح تداخل الوجودية مع الماركسية ليس على صعيد الجدل فقط وأنما على مستوى جميع القضايا التي تهم الفلسفة والتاريخ والمعرفة والعلوم.ويقول سارتر في مقدمة كتابه (نقد العقل الجدلي) أن (الماركسية هي فلسفة العصر، وأن الوجودية ليست سوى أيديولوجيا تعيش على هامش الفلسفة الماركسية).... هذا بمعزل عن القول أن سارتر كان ماركسيا منتميا للحزب الشيوعي الفرنسي قبل أنسحابه وقطع علاقته بالماركسية متبنيّا الوجودية، وبقيت الافكار الشيوعية حاضرة في خلفيته الفلسفية حينما حاول من دون جدوى خلق فلسفة توفيقية تلفيقية تأخذ عن الماركسية أشياء، وتأخذ من الوجودية أشياء اخرى، في محاولته خلق نوع من توليفة فلسفية فيها من التكامل أو التجديد غير المسبوق في الماركسية وفشلت محاولته تلك.وكان نقده للماركسية لا يخلو من تهمة توجيهه الدوغمائية الفكرية لها حين يعتبر الماركسية تنطلق من مسلمات يقينية قاطعة جاهزة تلبسها وقائع الحياة والتاريخ الانساني قسرا.

وفي المنحى ذاته نجد جيرالد كوهين، في كتابه (المادية والصراع الطبقي ص17) ينسب لسارتر تهمته الدوغمائية في أدانته الماركسية: (أنه بدون الحاجة الى أعادة بناء الماركسية من الفكرة النقدية، أن الماركسية أصبحت نوعا قبليا وعقائديا من المعرفة التي تضع الاحداث داخل أطار مفاهيمي قبل دراستها، فهي قررت مقدما ماذا يجب أن يكون عليه كل شيء.) وفي هذا التعبيرأضحت الماركسية بنظر سارتر والفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية وما بعد الحداثة عموما من السرديات الكبرى التي يتوجب مراجعتها بنقد معرفي وفلسفي قوي، وبذلك أعطى سارتر الراية بيد أقطاب البنيوية لتنفيذ ما دعا له وخاصة لالتوسير صاحب كتاب نقد راس المال.

وقول هيجل (أن الفكرة بدون واقع هي فكرة صورية فارغة لا معنى لها، وتصبح الفكرة حيّة ولها أمتداد من خلال الواقع فقط) هي مقولة لا تخرج عن الفهم المادي الجدلي الماركسي المنبثق أساسا من التفكير المثالي الذي أدين به هيجل.

لكن هذا لا يعني أن سارتر الوجودي المنشّق عن الماركسية أو التوسير البنيوي المنشّق هو الآخر عن الماركسية لا يعاديان الماركسية بضراوة، فالوجودية والبنيوية كلتاهما تناهضان الجدل الماركسي وتعتبرانه من مخلفّات الايديولوجيا والسرديات الكبرى التي لم تعد صحيحة ولا صالحة في دراسة التاريخ تحديدا وأن عبارة أنجلز (ان انهيار جميع الانظمة الفلسفية التأملية أمر حتمّي) هي عبارة أكثر من أستفزازية لدى متبنّي الطروحات المثالية ومن بعدهم الوجودية والبنيوية في التزامهم المنهج النقدي المثالي في مواجهة الماركسية بماديتها العلمية الجدلية.

كما يشن أرتيجا نقدا لاذعا على تبني الماركسية حتمية التطور الخطي للتاريخ قائلا: (الآنية الزائفة، - في اشارة الى الذوات الماركسية المفكّرة - ، التي تحدثت عن حتمية تاريخية تخضع الاشياء والبشر لقوانينها ، بأعتبارهم ضمن اشياء العالم).يلاحظ الربط الفكري والتعبيري المشترك في تلاقي سارتر مع أرتيجا في نقدهما الماركسية من نفس منطلق أنها فلسفة دوغمائية تحاول ألباس الواقع مفردات النظرية الجاهزة المعدة سلفا، وتطويعها مراحل التاريخ لمنطلقاتها الجدلية.

الحتمية التاريخية ومابعد الحداثة:

مسألة الحتمية التاريخية التي تعتمدها الماركسية في المادية التاريخية وتعتمدها العولة ايضا في نهاية التاريخ، هي مسألة تحتمل النقاش المستفيض ليس مجالها هنا، الا أنه من المؤكد لا البنيوية ولا الوجودية ولا غيرهما من فلسفات حديثة، أعطت دحضا بديلا منهجيا علميا مقنعا يمكن الأخذ به في أعتبار الحتمية التاريخية التي جاءت بها الماركسية عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفّات الايديولوجيا.فلا تزال ساحة الفلسفة والفكر والمعرفة خالية من نظرية تاريخية تلغي وتبطل النظرية المادية التاريخية علميا وفلسفيا.وبهذا الصدد أشارت الباحثة الامريكية (كميل باليا) بأن البنيوية في حجاجها للماركسية أثبتت انها فاقدة الصلابة الفكرية الفلسفية أمامها.

وأن من المهم جدا الاشارة له أن الحتمية في التقدم التاريخي لم تكن حكرا على الماركسية فقط ، بل أن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تعارض الوجودية وتتماشى وتماليء البنيوية لها في منطلقاتها الفكرية، فهي تلتقي مع الماركسية حول الحتمية التقدمية مثاليا للتاريخ، طبعا من منطلقات لا تعترف بأهمية الجدل في المادية التاريخية حسب التنظير الماركسي التقليدي لها، في تحريك التاريخ نحو الامام.

وتذهب هذه المنطلقات الفلسفية ما بعد الحداثية من واقعة أن الانسان بطبيعته مسكون بتغيير حياته ونشدان تحقيقه الأفضل على الدوام، وبحسب (جيدنجز)، وهو من فلاسفة الحداثة صاحب النظرية الخطيّة العلمية في التطور التاريخي يذهب (أن التاريخ الانساني يصعد من مرحلة الى أخرى صعودا غائيا ارتقائيا دائميا)9 وهي نظرية الحداثة في تطور التاريخ.

واضح أن ما بعد الحداثة لا تنكر التطور الغائي للتاريخ بفعل ما يشبه (الروح المطلق) الذي دعا له هيجل مثاليا، ومأخذ الحداثة على التطور الماركسي للتاريخ هو من مصدر الأدانة الايديولوجية الماركسية في تفسير التطور الغائي من منطلقات ثورية طبقية في التغيير التاريخي.

أن نقد تيارات الحداثة وما بعد الحداثة التي تدين التطور الغائي المتصاعد للتاريخ، كما دعت له الماركسية من منطلق الادانة الايديولوجية للتفسير الغائي، وليس الفلسفي حصرا كما تفهمه وتدعو له فلسفات ما بعد الحداثة، وأبلغ تعبير عن ذلك يأتينا من (يورغين هابرماس) أبرز فلاسفة الحداثة المعاصرين قوله وبنبرة قاطعة (ان أنساق التفكير الكبرى – السرديات الكبرى – قد سقطت ولم يعد لها وجود)1، الحداثة وما بعد الحداثة لا تخفي رفضها وتشكيكها بالتاريخ (الرسمي) المعاصرالقائم على أختلاف (الايديولوجيا) الذي كانت تتوزعه ثلاثة اقطاب ايديولوجية، ايديولوجياالفكرالشيوعي، وايديولوجياالفكرالرأسمالي، وفكرأوايديولوجيات العالم الثالث بمختلف تنوعاتها الهجينة التلفيقية.هذا هو مجمل الايديولوجيات المؤثرة سابقا والى اليوم في ترسيم التاريخ البشري والحضاري للانسانية.

واضح أن هابرماس يقصد الانساق الكبرى هي سرديات الايديولوجيا التي تتصدرها ايديولوجيا الماركسية. (التي لها حجج تنبؤية بالمستقبل وسقطت سقوط الانساق الفكرية المغلقة، والدعوة موجهة اليوم الى انساق فكرية مفتوحة تتلاقى فيها الافكار المتباينة المختلفة).2 وهذا تأكيد أدانة صريحة هدفها الاساس النيل أكثر من (الايديولوجيا) الماركسية في منطلقاتها الاساسية.الا أن ما يحسب لهابرماس في دعوته فتح قنوات التواصل أمام الجميع تحمل الكثيرالمطلوب مما يحتاجه العصر والحضارة العالمية.

لكن أدانة التطور الغائي حداثيا لم يسلم هو الآخر من نقودات لاذعة خارج مدارات التفلسف والايديولوجيا، في (أعتبار أن حكاية التاريخ الصاعد في المجتمعات المختلفة كلام باطل، والا لماذا ظهرت الفاشية والنازية لو أن المسألة تتعلق بالارتقاء الصاعد كما يزعم انصار الحداثة، فالحقيقة أن التاريخ ليس صاعدا على الدوام بل قد يرتد ويتراجع ومن ثم يتقدم، ونظرية التقدم التاريخي المطلق قول لا اساس له من الصحة)3.

وهذه الانتقادات اللاذعة هنا تدين الارتقاء الايديولوجي للتاريخ وحصرا ايديولوجيا الماركسية، بنفس وقت ادانتها للارتقاء التاريخي (الفوضوي) الذي تنادي به الحداثة وما بعد الحداثة.علما أن البنيوية لا تؤمن أصلا بوجود تاريخ كانت لارادة الانسان دورا في تشكيله وانبثاقه.وبذا تبقى الغائية أو الحتمية التاريخية تدور في دائرة مغلقة لا يعرف أمدها ولا مبتغاها يوصل الى اين؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

** الاقتباسات بين مزدوجتين بلا ترقيم ماخوذة عن الكتاب المصدر لهذه الدراسة

عبد الوهاب جعفر/البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر/ كما بعضها الاخر مقتبس عن سيد ياسين في ندوة فكرية بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة.

 

1- المصدر اعلاه ص 108

2- المصر السابق نفسه ص 199

3- المصر السابق ص 211

 

 

علي محمد اليوسفهناك مقولات عديدة فلسفية صدرت عن سارتر واقطاب الفلسفة البنيوية حول أدانتهم جدل المادية التاريخية الماركسية كانت مثار نقاش فلسفي حاد وعنيف بين الماركسيين والوجوديين والبنيويين على السواء...فقد أصدر سارتر كتابه (نقد العقل الجدلي) وأصدرشتراوس كتابه (التفكيرالمتوحش) وأقتفى أثره لاكان في كتابه (كتابات) في علم النفس وأستقر المقام مع أكثرهم ضراوة عدائية للماركسية التوسير في كتابه (نقد رأس المال) كما أصدر فوكو كتابه (الكلمات والاشياء).

من المباحث المهمة في هذه المؤلفات البنيوية وغيرها العديد كانت جميعها تدين المنهج الجدلي الماركسي في المادية التاريخية ليس من خلال التفنيد النقدي الفلسفي المباشر، في التحليل المادي الفلسفي للتاريخ بل محاولتهم تحويل مفهوم البنية المادية للوجود والاشياء الى مفهوم ميتافيزيقي مثالي وتسويق الجدل برؤى مثالية بعيدة عن علاقة التأثير المتبادل مع الواقع العيني للمجتمعات البشرية... أي أبعاد الجدل عن محيطه الشغّال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والطبيعة والتاريخ كما سبق لهيجل ذلك قبل تصحيح ماركس جدله المثالي...وأعتبارهم الجدل الماركسي أصبح من كلاسيكيات الفلسفة المعاصرة والسرديات الكبرى التي تجاوزتها ما بعد الحداثة.

وحين يوجّه النقد من البنيوية والوجودية الى الماركسية في صلب مرتكزها العامل الاقتصادي المتداخل بالحراك الاجتماعي الطبقي أنه مبعث التطور الذي يقود الى التغيير والتطور التاريخي، فأن البنيوية تعمّدت من جانبها أيضا أعتماد علم اللغة والتاريخ البدائي الاثنولوجي لاقوام ماقبل التاريخ الذي يقوم في مختلف توجهاته أعتماد مثالية فجّة في النقد السطحي للمادية التاريخية، في فلسفتها كبنية محورية جدلية لها الدور الحاسم في أحداث التطورات التاريخية الانثروبولوجية... وفي أسقاط البنيوية ايضا القطوعات التأريخية للاقوام البدائية على التفكير الفلسفي المعاصر القرن العشرين وما تلاه..

وأهتم كلود ليفي شتراوس باللغة الى جانب اركيولوجيا الاقوام البدائية ما قبل التاريخ على أن اللغة ظاهرة ثقافية تميّز الانسان عن الحيوان – وهي مقولة مقتبسة عن ديكارت وقبله افلاطون وبعده عشرات من الفلاسفة – وأن علاقة أرتباط اللغة الوثيق بالانثروبولوجيا تعتبر المرتكز الاساس الذي بموجبها يمكننا فهم التطور التاريخي، وليس الجدل الديالكتيكي الذي تعتمده الماركسية الذي أصبح من مخلفات السرديات الايديولوجية التي تمت مغادرتها حسب الادانة البنيوية وما بعد الحداثة... علما أن الجدل في المادية التاريخية محور ومرتكز أشتغاله هو تاريخ الانسان أنثروبولوجيا في جميع مراحله التطورية على مفهوم التناقض الحاد بين التفاوت الطبقي.. والجدل ليس له فعالية مجردة عن التاريخ واقتصارها على الفكر فقط..

وقد كانت لأفكار دي سوسير عالم وفيلسوف اللغة، وجاك دريدا، ورولان بارت ونعوم جومسكي وآخرين، الاثر الكبير في محاولة أعتماد مركزية ما سمّي التحول اللغوي في مراجعة وتصحيح تاريخ الفلسفة عموما، وكان أكبر الفلاسفة المعارضين لهذا التوجه هو فيلسوف المنهج التحليلي التجريبي العلمي الانجليزي براتراند رسل وريث التجريبية التحليلية العقلانية عن جون لوك وديفيد هيوم وجورج مور، في أدانتهم أن تكون مركزية الفلسفة أصبحت هي علوم اللغة واللسانيات كما تفهمها البنيوية والتفكيكية على السواء معتبرين فلاسفة التحليلية الانجليز أن الاشتغال على منهج اللغة تفكيكيا بلاغيا في أدانة مفاهيم الفلسفة غير مجدية ويمكن أن تكون هذه الفلسفات اللغوية قواميس في نحو اللغة لا علاقة لها بقضايا الفلسفة ويمكنها دراسة الادب منهجيا بما هو تجنيس ادبي وليس نحو اللغة في المعرفة الفلسفية...ومن نافل القول بهذا المجال أن علاقة براتراند رسل بفنجشتين بقيت مأزومة الى حد العداء بينهما..

كما يجد شتراوس رائد الفلسفة البنيوية أن التاريخ هو منهج لا ينتسب اليه موضوع بعينه، لكنه يبقى رغم ذلك ضروريا لفحص تكامل العناصر في أي بناء أنساني أو غير أنساني، ونعت التوسيرصاحب كتاب نقد الرأسمال لماركس بدوره الايديولوجيا الماركسية بأنها ليست أفكارا وأنما هي أكاذيب جميلة في محاولة عجز فلسفي وهروب منه بعدم أمكانية دحض الافكار الماركسية علميا فلسفيا.

ولتكريس هذا النمط من التفكير المثالي وأحيانا التجريدي غير المادي يذهب شتراوس الى أن (التاريخ كعلم ينبغي فهمه من أن طبيعته لا تختلف عن طبيعة الاسطورة)... ويفهم من هذا أن التاريخ هو مجموعة أحلام جماعية أسطورية للشعوب والجماعات البدائية لا ينتظمها قوانين تحكمها تطوريّا، لكنما لا تخلو من عقلانية سحرية حسب شتراوس وفلاسفة البنيوية، وأنها مراحل لا تاريخية تتقبّل الشروحات المتباينة الكثيرة عنها وفي دراستها...لكنها تحمل محمولات لا تستبعد التأويل الخرافي وتضخيم ميثالوجيا الاساطير الكاذبة على حساب الواقعة التاريخية التي تثبتها التنقيبات الاركيولوجية..

بمعنى أكثر تكثيفا أن شتراوس أراد أن يخرج التاريخ من تاريخيته التحقيبية التطورية الانثروبولوجية المادية تحديدا وينقله الى مصاف الاساطير والميثولوجيا والملاحم والسحر والكهانة، في دراسة التاريخ الانساني في نموذجه البدائي على شكل قطوعات ساكنة لا يحكمها التغييرالخطي المتسارع، لذا تكون هذه القطوعات التاريخية بلا تاريخ، أو بتعبير أدق خارج التحقيب التاريخي الذي بدأ مع أختراع الانسان الكتابة المسمارية بحدود 3200 ق.م أي ما يطلق عليه العصرالحجري النحاسي الاول الذي كان تتويجا لازدهار عصر الزراعة 7 الاف ق. م التي هي بداية صنع الانسان للحضارة الانسانية تلتها بعد أقل من قرن الكتابة الهيروغليفية في الحضارة الفرعونية المصرية..

أن الاسطورة لعبت دورا أساسيا محوريا في أنبثاق الاديان في أشكالها الوثنية، وكان للاسطورة والدين البدائي دورا مهما في صنع تاريخ أنسان ماقبل التدوين أي ماقبل أختراع الكتابة... وتأثير الاسطورة طال حتى الاديان التوحيدية التي بات التشكيك بتلك الديانات كاليهودية بالذات أنما تقوم على مرتكز اسطوري وصل حد أن النبي موسى لا وجود حقيقي له متجاوزين حتى ما ذهب له فرويد أن موسى لم يكن سوى شخص مصري وليس نبيا..!! وقصة رميه رضيعا في سلة طافية في النيل مأخوذة عن اسطورة وضع سرجون الاكدي الرضيع في قفة من القصب في نهر الفرات في عراق الحضارة الاكدية بعد السومرية، ومثلها المآخذ والثغرات الكبيرة جدا في حدوث الطوفان في عصر نوح التي أصلها اسطورة سومرية حدثت في عصر الملك السومري اتنوبشتم ولا علاقة تربطها بما جاء في الكتب الدينية المقدسة في مقدمتها التوراة ونسبتها الى النبي نوح الذي يستحيل ان تحدث تلك الاسطورة في ذلك الزمن السحيق بما تم أخراجه ...وهكذا.

الجدل والوجود غير الموجود:

يميّز سارتر بين نوعين من الجدل التاريخي، الاول ويطلق عليه (الجدل الحقيقي) وهو الذي يعتبره خاصّية المجتمعات التي لها تاريخ انثروبولوجي مدوّن، والثاني يطلق عليه (الجدل التكراري) القصير الأجل وهوما تختّص به المجتمعات البدائية التي لا تاريخ لها كما أوضحناه في عبارات سابقة.(1) أي الاقوام البدائية التي لم تعرف الكتابة ولا تدوين تاريخها وكل ما وصلنا منها هي الاثار واللقى الباقية غير المندثرة، فقد كانت تلك الاقوام لا تعرف غير الكلام الشفاهي غير المكتوب أو المدّون لذا أصبح نعتها بالاقوام البدائية التي لا تمتلك تاريخا بسبب جهلها الكتابة في عدم تدوين تاريخها..

كما أن سارتر يقارن بين الاثنولوجي، والمؤرخ في فهمهما جدل التاريخ: (أذ يرى الاثنولوجي في التاريخ حركة تعرقل الخطوط – يقصد المسارات الحركية التطورية الخطيّة للتاريخ – في حين يجدها المؤرخ في دوام وأستمرار البناءات) (2) اللاشعورية والشعورية المستنبطة من دراسة التاريخ بمنهج تأملي وأحيانا في تجميع أحصائي ميداني يفيد في تعميم خلاصة نتائج الجزء على الكل والخاص على العام وبالعكس.

ويطرح سارتر من خلال الجدل التاريخي أشكالية فلسفية معقّدة، هي الذات الانسانية والوجود الفردي للانسان منطلقا من (أن حقيقة الانسان تكمن في أنه الموجود الوحيد الذي يسأل عن وجوده بأستمرار، أوهو الموجود المتحقق براكسيا.)(3) أي المتحقق وجودا بالفعل العملي المنتج... وكان بهذا على خلاف مع الفلسفة البنيوية التي تتجاهل الذات تماما...وقد عمل بول ريكور في تطويره مفهوم الذات في منهجه التاويلي أنه عمل على تحرير البنيوية من بعدها الاطلاقي في تذويبها الذات الانسانية فكانت (تعال بلا ذات) تماشيا مع طروحات ما بعد الحداثة التي جعلت فوكو ينكر أن يكون للانسان تلك الاهمية التي أستمدها من الفلسفة قرونا طويلة، كما عمد ريكور تحرير ظاهرية هوسرل أيضا من بعدها السايكولوجي حيث هي (ذاتية بلا تعال). للمزيد مراجعة كتاب ريكور نظرية التاويل وفائض المعنى.

أن الانسان حسب سارتر يتساءل عن وجوده المقلق مرّة باعتباره موجودا كمعطى طبيعي انثروبولوجي - بيولوجي، وكينونة أنسانية تاريخية متفردّة نوعيا، والتي تكون تساؤلاته الدائمية قرين وجوده المادي البيولوجي المفارق، ومرّة أخرى يكون الانسان هو الموجود المتحقق براكسيا (بالارادة والفعل والعمل) كناتج وجوده في الطبيعة وفي تناقضاته الوجودية الدائمة المستمرة مع وعيه لذاته ومع الاشياء والمحيط.

أن هذا السبق الجدلي لسارتر ومن قبله لهيجل يعود لصاحبه هيراقليطس الأب الروحي للجدل والصيرورة والتغييرفي مقولته: أنك لا تعبر النهر مرّتين في تاكيده الصيرورة تحكم الموجودات والاشياء جميعها، وعبارته الجدلية الثانية (أن الوجود واللاوجود شيء واحد موجود وغير موجود) وكما هو مثبّت في تاريخ الفلسفة أعتمد هيجل كثيرا على آراء ومقولات هيراقليطس التغييرية المتحركة، هراقليطس له الفضل والاسبقية الاولى في أن كل شيء بالوجود في حال من الحركة الدائمية المستمرة (صيرورة) غير ثابتة، وهو المحرك الاول في أختراع هيجل الجدل أو الديالكتيك المادي، ومنها هذه العبارة التي مرّت بنا سنوضحها وقد وضّحها هيجل بقوله (أن حركة الشيء تفصح عن أن الشيء موجود وغير موجود أيضا) أي أن هيجل يقصد وقبله هيراقليطس طالما أن (الحركة) تحكم كل شيء موجود، فيصبح حينها وجود الشيء متحركا لا يختلف عن وجوده ثابتا، فهو ثابت ومتحرك في نفس الوقت، لذا هو موجود وغير موجود في محكومية الحركة المستمرة له ، والحركة تجعل من الموجود (الثابت) غير موجود في وقت واحد أو بتعبير أوضح في(آنية) زمنية واحدة...

نلاحظ بالعودة الى سارتر أنه يعبّر عن رؤى فلسفية ماركسية لم يستطع الخلاص منها لازمته في مرجعية تداعيات فكرية لم يستطع الخلاص من تاثيرها عليه بعد أنفصاله عن الحزب الشيوعي الفرنسي، بأن الوجود الانساني يتحقق بالفعل الانساني كأرادة تقوم على الفعل والحرية وصنع الحياة الانفرادية الذي يفارق به حياة الحيوان، كما نجد نفس هذه المداهنة مع الماركسية لدى ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية قوله (أن للتاريخ والانثروبولوجيا موضوعا واحدا مشتركا، هو الحياة الاجتماعية وأن هدفهما الواحد فهم الانسان بشكل أفضل وأحسن).(4) — معظم فلاسفة الوجودية والبنيوية وغيرها من تيارات فلسفية كانوا جميعهم ماركسيين وشيوعيين لذا نجد صعوبة خلاصهم من خلفياتهم الفكرية التي لازمتهم لاشعوريا بعد انشقاقهم عن الاحزاب الشيوعية ----.

أن المنهج الجدلي الصارم (أنما يفترض أحلال المقولات التاريخية، محل المقولات المنطقية وبدلا عنها) (5) بمعنى أن دراسة الانسان تاريخيا في صيرورته المتغيّرة على الدوام، أي في واقعه، العملي والاجتماعي العيني هو ما تؤكد عليه الماركسية، بدلا من دراسة الانسان تاريخيا (صوريا تجريديا وظاهراتيا) في مقولات فلسفية منطقية مثالية يجري تداولها على مستوى الفلسفة وعلوم المعرفة. أي أن تلك المفاهيم المثالية هي التي تقوم عليها أدبيات الفلسفات الوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية، في التسليم أن الفكر التأملي التجريدي هو الذي يخلق للانسان تواريخه (مراحل التاريخ) على مدى العصور، التي تنعدم معها الصلة بالانسان كواقع عيني وجودي حيوي متغيّر ومتطّور غير ساكن... أي أن الانسان لا يصنع تاريخه بنفسه نتيجة حراكه الدائم طبقيا أجتماعيا .، وهي منطلقات فكرية مغرقة في مثاليتها الى أبعد الحدود... فليس هناك تاريخ انساني لم ولا تصنعه أرادة الانسان على الارض.

من هنا نرى أهمية عبارة دي لاكروا (أن عصرنا يشهد نهاية المنهج المنطقي في تفسير التاريخ).ليس بتأثير العلم وأنجازاته العظيمة فحسب، وأنما بأتجاه تأكيد أهمية تغيير الوجود الانساني نحو الافضل على صعيدي المعرفة والفلسفة على السواء.أي (نهاية الجهد الانساني الذي يحاول الامساك بالعلاقات الثابتة بين أفكار محضة تخرج عن الصيرورة التاريخية للفرد والانسانية) (6).

وأذا كان المنهج المنطقي الوضعي يفترض أمكانية معرفة الانسان والعالم من الخارج، فأن منهج الديالكتيك يكتشف النفس الانسانية وهي تعي ذاتها تدريجيا أو عندما تخلق ذاتها من خلال تناقضاتها وأيجاد حلول ومخارج منها لتطوير ذاتها.(7)

أنه مع الاقرار بالاختلاف أن الانسان لا يمتلك طبيعة واحدة (بيولوجية، فيزياوية، نفسية لا تختلف وغير متغيّرة أو شبه ثابتة، أو طبيعة مشتركة ثابتة لا تتغيّر مع غيره من نوعه على مّر العصور، نجد البنيوية وقعت في مطب يحسب عليها لا لها، عندما حاولت تأسيس انثروبولوجيا نسقية معرفية تصورية أستنباطية ، في محاولتها الغاء الجدل المادي التاريخي، وشطب الغائية الحتمية في تطورية التاريخ مراحليا حسب التفاوت الطبقي المتصارع على الدوام في رغبة تحقيق مصالح الطبقة الاقوى اقتصاديا كما تذهب له الماركسية، سواء في النظر الى دراسة المجموعات البشرية المتعددة من خلال التزامن البنيوي وليس التحقيب التاريخي الذي تعتمده الماركسية، أي أن البنيوية درست مراحل تاريخية لعيّنات قبائلية واقوام كقطوعات تاريخية ساكنة، وليس من منطلقات التحقيب التاريخي الماركسي والحضاري للصيرورة التاريخية المراحلية المتغيّرة انثروبولوجيا على الدوام في تظافر عوامل عدة تكون سببا في أحداث تلك التطورات التصاعدية في التاريخ انثروبولوجيا.

وعلى الرغم من الاختلاف في الطبيعة الانسانية بين الجماعات البدائية من جهة، وبين المجتمعات المعاصرة من جهة أخرى فأنه (من الممكن – حسب البنيويون – أن يقوم هناك اتصال حقيقي، وتفاهم أيضا متبادل بين الفريقين المتمايزين.)(8) والمقصود بالتبادل والتفاهم هنا هو أيجاد أستنباطات نسقية بحثية مستخلصة وفلسفة بناءات تجمع القضايا التي كانت تهم الجماعات البدائية مع المجتمعات المعاصرة من حيث أن البنيوية تذهب الى أن المشاكل والقضايا التي كانت تشغل الانسان قديما وحاضرا هي قضايا مشتركة تقريبا، ولا توجد فروقات جوهرية كبيرة بينها من حيث معالجة معنى الوجود الانساني... ومن هذا الفهم والتبادل المقصود بين عدم وجود طبيعة أنسانية واحدة ثابتة غير متطورة، وبين الاتصال الممكن الدائم بين شعوب وجماعات الجنس البشري، أعادت أثنولوجيا البنيوية بصورة متجددة مسألة أيديولوجيا الوجود في تفسير تاريخ الجماعات والاقوام، لكن ليس بالاقتراب من الفهم الايديولوجي الماركسي الذي جرى نبذه وتحريم الأخذ به.

ولما كانت نقطة الضعف في الفلسفة الوجودية، هي الانطلاق من مسلمة (أمتناع التواصل بين الذوات) الانسانية المنفردة، نجد سارتر يستنجد بايديولوجيا الوجود أيضا للخروج من مازقه الوجودي أن الانسان وجود لذاته بدلا من وجوده من أجل الاخرين...معتبرا الانسان يحمل عبء حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين أيضا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1- د.عبد الوهاب جعفر، البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر ص 183 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- نفس المصدر ص 183

3- نفس المصدر ص 211

4- نفس المصدر ص 216

5- نفس المصدر ص 222

6- نفس المصدر ص 225

7- نفس المصدر ص 231

8- نفس المصدر ص 238

 

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: عوضا عن الخاتمة (9-9)

إن احدى المفارقات المدهشة لمصير الماركسية والفكرة الشيوعية تقوم في صراعهما العلني والمستتر، مع أنها من أصل وجذر واحد. بمعنى إن الفكرة الشيوعية هي الوجه السياسي والعملي والمستقبلي لحصيلة الاجتهاد النظري (الفلسفي) لماركس. وإن سبب هذه المفارقة يكمن أولا وقبل كل شيئ في تعايش العلم (الفلسفي) والأيديولوجية (السياسية). ومن ثم ضمور الأولى لصالح الفكرة الحزبية. ومن تداخل هذه القوى المتعارضة والمختلفة والمتضادة أحيانا جرى صنع ظاهرة تحول الأيديولوجية الشيوعية إلى العدو اللدود للماركسية. وهي ظاهرة يصعب حدّها بمعايير المنطق، لكنها أكثر واقعية من المنطق نفسه! وهي الظاهرة التي يمكن رؤيتها على مثال أغلب التجارب السياسية و"الفكرية" للأحزاب الشيوعية. 

كما إننا نعثر في هذه الحالة المفارقة للماركسية، أي تحولها إلى قوة أيديولوجية عارمة على نجاحها التاريخي وسقوطها السياسي أيضا. فإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد (كما ظهرت في البروتستانتية)، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع عشر (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجّسد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا". ومع كل ازدياد في توسع مفهوم الجماهير (الفلاحون والفئات الرثة ثم الشرق بأكمله!) توسع مدى تطابق وتماهى ماركس مع "ماركسية" الأحزاب، والأيديولوجية الماركسية مع هتاف الجماهير. عندها أصبح ماركس الشخصية الأقرب إلى العقول البسيطة والبطون الفارغة. بمعنى تحولت الماركسية بهيئة الشيوعيىة الى دين من نوع جديد مع إن كل ما فيها معاد للدين. بل وكانت الفلسفة الأكثر تنظيما لفكرة النفي الفلسفي للأديان والأيمان الديني. من هنا واقع المفارقة النموذجية بهذا الصدد والتي نعثر عليها عند اتباعها. والمقصود بذلك هو أن اتباع الشيوعية عادة ما يتهمون رفاق الدرب القدماء بالمروق والخيانة حالما يخرجون من قيود الماركسية بوصفها اجتهادا نظريا، بينما غيّر ماركس تبعيته في ميدان الفكر الفلسفي والسياسي ما لا يقل عن سبع مرات!! وهذه في الواقع من فضائله. فالفكر الكبير ليس متقلبا بل نقديا. والماركسية مجرد فكرة لا غير شأنها شأن كل ما سبقها ولحقها. أما تحويلها الى عقيدة فقد قتلها وجعلها أداة بأيدي الحمقى والمغفلين. إن محاولة الإبقاء على ماركس أيقونة أو مسبحة بأيدي عجائز العقول الخربة والأنفس الميتة وعنفوان الغرائز الجسدية يجعل مما فيه قوة قاتلة ومدمرة شأن احاديث النبي والقرآن وأقوال السلف "الصالح" بأيدي السلفيات الإسلامية المتشددة، أي همجية لا علاقة لها بأصول الفكر والفكرة والرجال. بحيث نرى هيمنة فكرة وأسلوب المحرمات في الأحزاب الشيوعية لا تقل عما عليه الأمر في السلفيات المتشددة. بمعنى تمثلها لنموذج التحريم والتجريم. إن تحويل هذه القواعد الدينية ونقلها إلى الحزب جعل منه كيانا أقرب ما ميكون إلى محاكم تفتيش لها كهنتها وجلاديها. لكن أفضع ما فيها كونها موجهة ضد اتباعها! وهذه كنيسة غريبة! وقد ترتب على هذا الاثر التخريبي للاحزاب تدمير منظومة القيم بشكل عام والعلمية بشكل خاص. بحيث يمكننا رؤية الجرأة العارمة للتجريح والهجوم والتدمير والاستعداد للقتل وما شابه ذلك من قبل أميين وجهلة وأنصاف متعلمين ومن ذوي الشهادات الرسمية الفارغة! ومن بين نوادر هذه الحالة إن احد الأشخاص قد هاجمني مرة بشدة وعنف "ثوري" على مقال نقدي ضمن هذا السياق، لا تتعدى حصيلته "العلمية" مدرسة متوسطة وثلاث سنوات في السجن! وإن السبب القائم وراء هذه الظاهرة هو أن الأيديولوجيا زمن! لهذا سرعان ما تضمحل وتتلاشى بحيث لا تبقي من آثارها على شيئ غير غباء "مجتهد" وذهنية متشنجة ونفسية متعصبة تلازمها في الأقوال والأعمال.

إن مهمة نقد الشيوعية هنا وغيرها لا تهدف إلى نقد الشيوعية كما هي بوصفها فلسفة، مع ضرورته، ولكنه يهدف أساسا إلى تعليم العقل السياسي مرونة الانفتاح بما في ذلك على النفس، وتحريره من ثقل الأيديولوجية الطاغي. فإذا كنت تكره الطغيان، فلا بأس بالبدء به أولا من النفس. فالايمان الاجوف بالأفكار قبل تفحصها النقدي هو طغيان الجهل والعبودية. وقد التقيت بشخصيات شيوعية حزبية "قائدة" لم تقرأ في حياتها مقالا للينين. أما ماركس فإنهم لم يسمعوا إلا ببعض كتبه. الأمر الذي جعل من الشيوعية والماركسية مجرد صيغة مناسبة للذهنية السياسية الحزبية ونفسية الطوائف، ومن الذهنية السياسية والأيديولوجية نفسية الإيمان. وقد كانت تلك الوسيلة "المثلى" والملازمة لهذا النمط من التفكير والنفسية أن يجري احتكار الفكرة من جانب أزلام الاحزاب. بحيث جرى ربط الأحزاب بالفكر، وأزلام الأحزاب بالفكر. بحيث اخذت بالانتشار، بأثر ذلك، ظاهرة "مفكرون" جهلة وأنصاف متعلمين. بل و"مفكرون" و"منظرون" لم يكتبوا شيئا!! فكيف يظهر مفكرون بلا فكر؟! وعلماء بلا علم؟! وحثالة في هيئة مبدعين؟!

إنها الحالة التي يتجسد فيها انقلاب القيم والمفاهيم. بحيث يؤدي إلى استعداد الجميع للتقلب والتبدل دون تراكم ذاتي. شيوعي حتى الجلد وقت الجَلد، ثقيل كالجاموس في أهوار العراق، هادئ وثقيل وقت الراحة والعلف، ومتحمس وسريع الحركة وقت الهروب. بحيث نرى امثلة عديدة كيف يترك "قادة" الأحزاب الشيوعية وهم في السبعين والثمانين من العمر ويتبارون في الدفاع عنه أو مباركته في مناسبات "الولادة" و"الشهادة"! إن السبب وراء هذه المفارقة الغبية بسيط للغاية، ولا علاقة لها بالفكر، بقدر ما لها علاقة بالنفس. بمعنى الخوف من تمزيق القاعدة التي جرى تربيتها على هذا النمط. عندها ستبدأ سكاكين الرحمة في تشريح الجلد الرقيق عن اللحم العتيق، وإبراز كل بواطن النفس والجسد، أي كل ما لا ينبغي التعرض له.

إن احتكار الماركسية من جانب الأحزاب الشيوعية قد أدى إلى نتائج عملية بائسة بالنسبة لفكرة الحزب والتاريخ السياسي والدولة والأمة والثقافة. فهل يمكن للمرء أن يكون مفكرا ماركسيا؟ لا يمكن! لأنه مجرد تابع، أو في أفضل الأحوال تلميذ نجيب. ففي تقاليد الإسلام على سبيل المثال يقولون عن المجتهد الكبير "إمام" أي من يتقدم بين اقرانه (لأنه مسلم). لكنه يمكنه أن يكون صاحب مدرسة في علم الكلام والفلسفة والتصوف الخ. وبالمقارنة، لا يمكن للمرء أن يكون في الأحزاب الشيوعية سوى ايديولوجيا فقط، أي منّظرا في مجال الأيديولوجيا. وليس مصادفة أن يجري مصادرة فكرة "الطليعة" في التجارب الشيوعية جميعا. والأولية هنا للاستعداد والقدرة على المصادرة. من هنا بلورة فكرة ومفاهيم "الطليعة السوفيتية" في كل شيئ (الأمم، والتاريخ، والأحزاب، والفكر، والعلم، والحقيقة، والعمال، باختصار في كل شيئ). وما هو الغريب في الأمر؟ فقد قال لينين (الحزب هو عقل وضمير الطبقة العاملة). وأصبح ذلك شعارا للدولة والحزب. وللفكرة معناها الأيديولوجي ومعناها الفعلي. الأول وهي رغبة حالما تصطدم بالواقع، فإنها تتحول بالضرورة إلى مصادرة. الأمر الذي نعثر عليه في تجارب الأحزاب الشيوعية جميعا. ولا يمكنها التخلي عن ذلك إلى أن تنقرض. وذلك لأن "طليعبتها" تعادل معنى مصادرة العقل والضمير. مما يحولها مع مرور الزمن إلى انحطاط متراكم. وهي حالة يمكن رؤيتها على مثال الانحطاط البياني في شخصياتها الكبرى. فمن شخصيات ماركسية اولية كبرى مثل كاوتسكيي وبليخانوف ولينين وتروتسكي وأمثالهم يتحول ستالين إلى رجل الفكر الأول مع أن حصيلته العلمية والمعرفية مدرسة دينية اولية فقط! وهي ظاهرة يمكن العثور عليها في تجارب الأحزاب الشيوعية في كل مكان. بمعنى هبوطها المستمر. ففي المشرق العربي نعثر على بكداش (سوريا) وعزيز محمد (العراق)، باختصار اكراد وفكر مثل وصحراء وسحر! وتلك مصيبة يا أم عمرو!

وفي حالة تخصيص هذه الظاهرة في العالم العربي التي أدت في نهاية المطاف إلى خاتمة تعيسة ومثيرة للسخرية بالنسبة لتجارب الأحزاب الشيوعية، فتقوم في تحول الأيديولوجية الشيوعية "العربية" إلى أيديولوجية أقليات قومية وعرقية ودينية. وهكذا كان الحال في كل مكان. وليس مصادفة أن يرفضها جميع رجال الفكر الكبار في العالم اجمع. وفي هذا كانت وما تزال تكمن مأساة ماركس والماركسية. بل إن سقوط الشيوعية في كل مكان مرتبطا بهيمنة الأقلية. فجميع الدول التي انهارت فيها الشيوعية كانت بسبب هيمنة الأقليات في قيادة الحزب الشيوعي، كما نراه في الاتحاد السوفيتي وأوربا والعالم العربي وغيرها. والاستثناء الوحيد للصين، لأنه لا أقلية هنا. والأولوية فيها للدولة والأمة. أما الحزب والأيديولوجية فهي أداة معمرة. وعلى العكس من ذلك، حالما تهيمن الأقلية، فإن الأيديولوجية والحزب تصبح أداة مدمرة. وهي عبرة فيما يبدو متأخرة بالنسبة للأحزاب الشيوعية. ولكنها مهمة لغيرهم. (انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي