محمد سعيد محفوظ النظريَّة النِّسبيَّة: نظريَّة استشرت وتفشت بتقدم العلوم الطبيعية، لاسيما الفيزياء، حيث بدأ العلماء المعاصرون يعيدون النظر إلى القانون العلمى وأنْ ليس بالضرورة قانون سببى يفتش عن أسباب وعلل حدوث الظاهرة؛ فهنالك أسباب عسيرة التفسير فى المطلق، فاقتضى ذلك تعديل الطرح المعروف المألوف: لماذا تحدث الظاهرة؟ واستحال إلى كيف تحدث الظاهرة، أى من السببية إلى الكيفية، حان الحين، مهاجمة مفهوم السببية، وإعادة النظر فيه .

وأيدت الاكتشافات هذا الاتِّجاه؛ إذ عجزت عن تفسير حركة الالكترونات حول النواة طبقا لميكانيكا نيوتن، وحين كان مبدأ السببية عهد ذاك آكدًا فى الاتِّجاه العلمى، ولمَّا كانت ماهية التّأويل "ترجيح أحد الاحتمالات دون قطع"[i](1)، ولمَّا كانت المجازات التَّأويليَّة تعتمد الذات وتترسمها، وتعتمل النفس، وتتمثلها، ولمَّا كانت القراءات، هى ينابيع ومصادر ومعجزات التّأويل

ولو قد تمايزت وتباينت من قارئ لآخر، ولو ما جاءت أصداؤها وآثارها جيشًا من التأويلات، لو كل أولئك أُخذ به فى الحسبان، لتيَّقَّنا من نسبية التأويلات لنسبية القراءة(2)، التى تأتى وفقًا لثقافة كل قارئ ومزاجه الثقافى، ووفقًا لآنية القراءة وترهيناتها، ولا توجد مباينة بين القُرَّاء وأنفسهم وكفى، بل بين القارئ ذاته؛ حيث يحتمل أن يعود على ما قاله بالنفى والسلب، إذا عنَّ له شئ ما وتكشفت الرؤية التَّأويليَّة وسطعت، حين موازاة قراءاته بقراءات لدَّاته، ولولا توالى القراءات والمفسرين، والمعطيات الثقافية، والمصادر التى تسترفدها العملية التَّأويليَّة، ولولا هذه النسبية فى كل أمر من هذه الأمور؛ إذ تغلف ذلك كله وتطبعه بطابعها ولولا، ولولا، لما عجت التَّأويليَّة بهذه الحرية الطاعنة فى الهرم العمرى الإبداعى، إنَّ الحرية التَّأويليَّة لمدينة، لمبدأ السببية فى ذيوع الصيت والانتشار وتبوأ المكانة السامقة، مدينة له بالجُعل والخلق والحياة؛ إذ هو يغذيها وقد كفانا هذا المبدأ مئونة وعناء تباين تأويلات القُرَّاء، بل تباين قراءة القارئ الواحد؛ اتكاء إلى النسبية، فلا يوجد برهان قاطع على أن هذا المعنى هو المعتمد، هو الأقوى نجاعة الأشهر نجازة، إن هذه النسبية إذا كانت ضاربة بأعماقها فى العلوم الرياضية والطبيعية، تلك العلوم، التى لا تتأرجح بين اثنين؛ إذ هى مطلق القيمة، مضبوطة الطروحات فمن الأحرى والأوفق أن تستعيرها التَّأويليَّة فتجدها أرضًا خصبة ومهادًا وثيرًا، متى اشترعت تؤِّول، وتفسر وتوضح، وتستوضح .

وممَّا له صلة بذات المبدأ، الحدوس أو التخمين:

فهى مرتكزات التّأويل، وهى فرضيات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع؛ إذ هى ضرب من التنبؤ؛ فمن العسير اختبارها؛ لذا فتشيع فيها النسبية وعدم الثبوتية اليقينية، فهذا مدعاة للحرية؛ إذ ليس لتلك التخمينات والحدوس، ضابط " مع العلم أن قوة الحدْس والتنبؤ لا يمكن إخضاعها لضوابط وقواعد معينة محددة "[ii](3) بل إنَّ مذاهب الفلاسفة الألمان، الذين عاشوا فى القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وأشهرهم: فيختة وهيجل وشوبنهاور، تتميز بميزات أهمها على الإطلاق: تعظيم شأن الهوى والحدس والحرية والتلقائية(4) ومادام الحدس فى صميمه تنبؤًا، فهو ولا ريب ينعم بآفاق جمة فى الحرية؛ إذ الخيال ليس قصرًا وحكرًا على أحد دون سواه إنَّما هو مُتاح مُباح على السواء، ويمكن استظهار النسبية فيه؛ جنوحًا إلى ذلك، على أية حال تغلغل الحدس واطمأنت إليه نفس المؤَّول واشترع يستمد منه بداياته التَّأويليَّة، وغدا لا يمكن استتاره بعدما ألف انتشاره وقدراته، بعدما علم اندثاره فى الجبرية، ومهما يكن من أمر فهو خيال واقعى معنوى ملموس سواء أقرَّ به قبل الفهم والتفسير، أو آنائه أو عقبه وإنْ كانت الكثرة الهادرة على أنَّه: يأتى قِبلا؛ إذ الفهم والتفسير، ومن ثمَّ التَّأويل: مرادفاته ومنتجات معجمه الذهنى وبالتالى، فإنَّه يتماشى مع هذا الطرح (نسبية المعرفة) .

إنَّ "العقل الإنسانى، لا يحيط بكل شئ"(5) وذاك يعلى هذا المنظور ويجعله يحتل مكانًا محوريًّا، فهذا (ستيوارت مل) "ليس لنا معرفة، غير معرفة الظاهر، ومعرفتنا بالظواهر، معرفة نسبية، وليست مطلقة"(6)، بل إنَّ الحدوس وما تمثله من وفرة وافرة لتجذر النسبية فيها، ربما كانت عائقًا ومانعًا ضعيفًا لدى البعض؛ فهى ذات حرية منقوصة؛ لذا وجب التخلص منها "وهنالك من يدعو إلى تحرر التَّأويل من ربقة الحدوس والانفلات من سطوته؛ إذ صبغ بها، ويمكن للتأويل أن يفرض نفسه كفضاء لما هو علمى وبالتالى يتحرر من سيطرة الحدوس ومصطلحات المعرفة الشعبية، هذا الطابع العلمى فى التَّأويل، لا يكون إلا من خلال عالم الأشياء نفسها"(7)، والتأويلات "لا تصدر عن منهج منضبط صارم يمكن أن يخضع للتلقين أو التعليم، بل تبنى على حدْس القارئ الباحث، عن مركز يستقطب كل جزئيات النص عبر قراءة سلبية تستسلم للنص، ينجم عنها هذا الإدراك الحدسى للمعنى"(8)، وهذا القول يمكن قبول بعضه ورفض بعضه الآخر: يمكن قبول إن التأويلات ليست بذات منهج منضبط صارم وهذا حق، بيد ما لا نرضاه ولا نرتضيه، قوله الآخر: إنَّ الحدْس ناتج عن قراءة سلبية، فلا يمكن لقراءة سلبية أن تنتج شيئا؛ إذْ هى صادرة عن ذات فاقدة هذا الشئ، وكذا أيضًا، قوله: إن الحدس ينبنى عليها؛ إذ كيف ينبنى حدس على لا شئ وكيف يدرك هذا اللاشئ معنى ما؟ إنَّ من يصدر عن كل هذا، حرىٌّ به أن يكتفى بالمعنى الظاهرى الأولى، وأبلغ رد على ذلك هو، أن "السيميائيات التَّأويليَّةلا تسلِّم بوجود قراءة عفوية ترتكز فى بناء مقولاتها على تخمينات أو حدوس غير معرفية؛ لكى تنتج معرفة، بل إنّهَا تستند إلى فرضية مسبقة، يمكن بواسطتها قول شئ ما عن الواقعة، وهى فرضية متوقفة فى طبيعتها على السياق التاريخى والثقافى؛ لأنَّها محددة ومعطاة فى هذا السياق (9).

ومن رحم النسبية يتوالد مبدأ الانفتاح؛ إذ هو فى المتن النسبي: -

وذلك فى قبول آراء الآخرين وقبول آراء الباث نفسه، وعدم الاقتصاد والاكتفاء برأى دونما آخر، مادام الأمر متعلقًا ومتصلًا بنسب الفهم ركيزة ودعامة التَّأويل، ثمَّ "إنَّ فعل الفهم لن يتحقق بين الباث والمتلقى أو بين واقع الأفراد، إلا إذا كان مبدعه ينطلق من مبدأ، هو الذى يعطى الشرعية لفهم الأراء، سواء أكانت شخصية، أم غيرية آراء الأخرين"(10)، ويأتى المجاز موافقا فى بعض علاقاته، وهى الغالبية الكاثرة، موافقًا، مسايرًا ركاب هذا الاتِّجاه، ومنه: علاقة المجاز المرسل: (السببية)، (يد).

فهى جارحة وهى نعمة، وهى قوة وقدرة، وهكذا تتوالى نسبية المعانى فى هذا المجاز .

وقوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ (11)، فالجمهور، على أن ذلك مجاز مرسل، علاقته المحلية: أطلق المحل وأراد الحال، (واسأل أهل القرية) إلا أن القرطبى ينفى ذلك، وأن المعنى (واسأل القرية)، وهى، وإن كانت جمادًا، فأنت نبى، والله ينطق لك الجماد، وأكد بذلك ابن حزم بقوله "وهو القادر على ما يشاء وكل ما يتشكل فى الفكر"(12) . والمجاز ههنا، قوامه: الحذف، حذف المضاف، وإنْ كان عبد القاهر الجرجانى، قد حمل بشدة حملة نكراء على القائلين: بمجاز الحذف، فى كتابه أسرار البلاغة(13) وقال فى ذلك أيضًا فى كتابه الأشهر: / (دلائل الإعجاز)(14)، ومنه قوله: وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ (15) ، فالمقصود بالرزق ههنا: المطر، وهو مجاز مرسل علاقته المسببية، ولكن البعض أبى ذلك، وقال: إنَّه العطاء مطلقا، وكذلك قوله: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ "(16)، أى لا معصوم، فهذا مجاز عقلى، وعلاقته المفعولية، والمراد: (معصوم)، وكذا: الطاعم الكاسى، والمقصود (المكسو)، وهكذا، وكذلك فى علاقة المجاز المرسل العمومية، مثل قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ (17)، فطائفة، قالت: إن المراد بالناس ههنا الرسول، وطائفة قائلة: إنَّه أبو بكر الصديق، وأخرى: إنَّه عمر بن الخطاب، ورابعة: إنَّه عثمَّان بن عفَّان و فى المجاز العقلى ذى العلاقة السبية، فى قوله فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ (18)، فالسبب، هو الله، و أكل الشجرة، أو وسوسة الشيطان، وقوله:

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ "(19)

على أن النعيم، هو الجنة، ومن رافض ذلك؛ إذ النعيم أشمل من ذلك كله، مثلا: رؤية الله عز وجل، وهذا هو المجاز المرسل ذو العلاقة الحالية، والمجاز المرسل ذو علاقة المجاورة فى قوله: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (20)، قِيل القلب، وقِيل الجسم، وقِيل النفس، وقِيل الخلق، ويسجل ابن الأثير اعتراضه على ذلك، قائلًا: "ليس بين الثياب والقلب معنى جامع، ولو كان بينهما معنى جامع؛ لكان التَّأويل صحيحًا"(5)، وأنكره ابن حزم، وأعجب العجب، أنَّ هؤلاء القوم يأتون إلى الألفاظ اللغوية، فينقلونها عن موضوعها، بغير دليل؛ فيقولون: معنى قوله تعالى:

"وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ"، ليس "الثياب المعهودة، وإنَّما، هو القلب"(21)، وكذلك، قوله: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ " "العلق: 17 ، مجاز مرسل علاقته الحالية، والمقصود: أهل ناديه، وكما مرَّ آنفا، فلقد أنكر ذلك، القرطبى؛ مستدلا بقول سيبوبه: "بأنْ لا حاجة لحذف، ولا إضمار"(22)، بل إنَّ بعضهم قد اشتطَّ فى ذلك؛ حين أنكر وجود مجاز أصلًا، والحقُّ "أنَّ هذه الأقوال جميعا، فيها نظر، كما أن الآية ليس فيها من حذف، ولا مجاز؛ وبذلك، فإنَّه أراد القرية نفسها"(23)، وهذا جريًا على مذهب الإمام عبد القاهر الجرجانى، بإطلاقه النكير على من أقر بوجود مجاز ههنا .على أن ابن الأثير قد أقر بمجاز الحذف؛ إذ يقول "والمراد (أهل القرية)،

(وأهل النادى)، ممَّن يصح سؤالهم؛ فلا يجوز اسأل الحجر، أو التراب"(24) .

إن القاسم المشترك فى هذا كله، هو مبدأ النسبية، نسبية المعانى، نسبية التَّأويل، حتَّى نسبية القراءة.(25)

وهناك المسافة الزمنية: - التى تمتد بين الإبداع والتّأويل، و هى مسافة تتسع لكل المعطيات الثقافية والأطروحات الآنية، وما قَبل الآنية، ومابعدها، وهى متطورة بتطور التقدم العلمى الهائل والكمى المعلوماتى، إنَّ مبدأ الحرية لضارب متجذر فى التَّأويل، مادام حدوده، الوجود المطلق، كما يزعم بذلك، هيدجر: "البعد التَّأويلى لا يتوقف عند الحدود، ولا يؤمن بمبدأ الضوابط؛ لأن منبعه الوحيد الوجود المطلق" .(26)

ولمَّا كان مبدأ النسبية، هو دعامة الحرية، ولمَّا كان قابلًا للتفاوت من مؤول لآخر، لمَّا كان هذا وذلك، فلقد وافق هذا الاتِّجاه، الاتِّجاه التَّأويلى المتطرف؛ حيث قد يشتتط ويغالى، ويمعن فى المبالغة والغلو؛ ركونا إلى هذا المبدأ، ويمثله: (نيتشه) و(هيدجر) و(فوكو) و(دريدا) فمع التأكيدعلى خلاقية المفسر؛ فمن المشكوك به أن يتمكن المفسر من التوصل للمعنى الأصلى للعمل، فكل التفسيرات لمعنى النص: "احتمالية نسبية"(27)، والقارئ بطبيعة الحال، بلا ريب، لا تتكشف له الأمور، حال تأويله المستغلق الفهم، الغامض ورويدًا رويدًا، كلما تقادم الزمان، واتضحت الرؤى أكثر، وتوالت تترى، كلما زاد التّأويل يضاحا واستيضاحا؛ فالقراءة الثالثة أكثر عمقًا من الثانية، والثانية أكثر عمقًا من الأولى، وهكذا، وهذه المسافة الزمانية بمثابة مسافة إعادة الرؤى؛ لكى يتبوأ التّأويل و ضعيته اللائقة الموائمة، ويصطنع تلك المواءمة اصطناعًا وكلما وازن المؤَّول بين فرضية الأحكام المسبقة، والأحكام الواقعية، وكلما وازن بين جملة المؤَّولات نفسها، كلما استطاع تأسيس منهجية تأويلية منضبطة، يقال عنها: إنَّها التَّأويليَّة النموذج، التَّأويليَّة المثالية، التى ربما تخلو من أى عوار، وأى نقص، وأية مثلبة؛ ولذا، فإنَّه يُعزى للمسافة الزمانية، يُعزى إليها، هذه التَّأويليَّة الناجزة "يمكن اعتبار المسافة الزمانية مؤسس لإمكانية إيجابية، ونتيجة للفهم؛ فليست هى مسافة للتجاوز، وإنَّما اتصال حىٌّ لعناصر تتجمع وتتراكم لتتحول إلى تراث، فالمسافة الزمانية التى تنتج المراقبة والفحص، ليست ذات سمو محدد وإنَّما تتطور وفق حركة متصلة للعالمية، أو الثقافة الشاملة"(28). لقد حُقَّ التّأويل، وآن له أن يَحقّ فى اكتسابه حرية، لا بأس بها، بفضل تلك المسافة الزمانية؛ إذ "تجعلنا نميز بين الأحكام المسبقة الخاطئة، والأخرى الصحيحة" .(29)

 

د. محمد سعيد محفوظ عبد الله – مصر

......................

الإحالات والتعليقات

(1) رهان التَّأويل- د/ محمد مفتاح – المركز الثقافى العربى – الدار البيضاء -سنة 2000 ص 148.

(2) انظر: المقاربة الهرمسية للوحى – قراءة فى الخطاب اللادينى – د/ نصر حامد أبو زيد رمضان - المعرفة – مجلة إسلامية -سنة 2011م ع 63/95 وانظر: نقد الخطاب الدينى – د/ نصر حامد أبو زيد -سنة 1995م ص 202 .

(3) فلسفة التَّأويل من شلايرماخر إلى دلتاى ص 187 .

(4) انظر: إشكاليات القراءة وآليات التَّأويل ص 20 وما بعدها .

(5) فلسفة التَّأويل عند غادامير ص 123 .

(6) مدخل جديد إلى الفلسفة – د/ عبد الرحمن بدوى – الكويت -سنة 1975م ص 122 .

(7) التّأويل و العلوم الإنسانية عند غادمير ص 109 .

(8) التَّأويليَّة من الرواية إلى الدراية – د/ لزعر مختار – منشورات الاختلاف – الجزائر -سنة 2011م ص 84.

(9) السيميائيات التَّأويليَّة– د/ عبدالله بريمى ص 13 .

(10) الحقيقة والمنهج ص 282 .

(11) يوسف: 82، انظر: مشكلات التَّأويل ص 24، انظر: الإحكام فى أصول الأحكام – ابن حزم – دار الحديث – القاهرة -سنة 1404ه ص 211.

(12) انظر: الجامع لأحكام القرآن ص 514 .

(13) انظر: أسرار البلاغة-ص416

(14) انظر: دلائل الإعجاز ص 301 حيث جحد مقولة مجاز الحذف فى هذه الآية، انظر: القارئ فى النص ص 101 ومشكلات التَّأويل ص 22، 23 .

(15) غافر: 13 .

(16) هود: 43 . وانظر مشكلات التَّأويل ص 25 وما بعدها .

(17) النساء: 54 .

(18) الأعراف: 27

(19) الانفطار: 13 والمطففين: 22 .

(20) المدثر: 4 .

(21) المثل السائر – ابن الأثير تحقيق / محمد محيى الدين عبد الحميد – القاهرة -سنة 1939م 1/240 .

(22) الإحكام فى أصول الأحكام ص 213 .

(23) الجامع لأحكام القرآن 2/215 والحقُّ أن هذا الإنكار من جانب سبيوية، لم يكن على إطلاقه؛ فهو هو، من عاد وأكد أن بالآية، حذفا "واسأل القرية "، وكذا فليدع ناديه )، فهذا جماد، فيجب الحذف، الكتاب 1/283، 284، مواضع الإنكار، الكتاب 1/26، مواضع الإقرار، فالقياس ههنا باطل فاسد .

(24) مشكلات التَّأويل– جميل الدين عبدالعزيز – الملتقى العلمى للتفسير وعلوم القرآن ص 27 ونحن لا نقره فيما ذهب إليه، فسيبويه نفسه، أنكر الحذف فى مواضع، وأقر به فى أخرى .

(25) انظر: المثل السائر 2/84.

(26) انظر: العقل المنغلق فى الثقافة العربية – مصطفى العراف – مجلة الفكر العربى المعاصر - -سنة 2013م ع 87 ص 159 – 160 .

(27) ثراء الحقيقة – هيدجر – ترجمة عبد الغفار مكاوى – دار الثقافة للنشر – القاهرة -سنة 1977م ص 53 .

(28) الاتِّجاهات الفلسفية المعاصرة ص 17 .

(29) المصدر نفسه ص 76 .

 

محمد كريم الساعديمن يتطلع الى الدول في زمن الأزمات يكتشف حقيقة البناء الذي قدمته الحضارة الإنسانية للمجتمعات وكيفية نهضت هذه المجتمعات بالتكاتف والتعاون في تأسيس أنظمة في الظاهر هي قادرة على إيجاد التمدن والتطور والحضارة في القرون الماضية الى الوقت الحاضر، لكن في الفترات والاخيرة تعرضت هذه المجتمعات ودولها الى هزات اقتصادية وصحية كشفت حقيقة هذه الانظمة القائمة على الافكار التي يعتقد أنها متطورة ومنها النظام الرأسمالي والليبراليات المتقدمة التي أوصلت الأنسان بسبب جريانها خلف التوسع والتطور التقني مبتعدة عن الإنسانية التي يجب أن تكون هي الأساس وليس التطور الذي يبعد الأنسان عن مكانه الحقيقي بين المخلوقات على هذا الكوكب . لقد تم التركيز على كل ما هو يضر بإنسانية الأنسان في جوانبه الروحية مقابل التركيز على مباهج الدنيا ومادياتها، لذلك تطورت الأزمات في دول العالم المتقدم ووصلت الى مرحلة الانغلاق التاريخي في أطاره الإنساني، وهذا ما يوجد في أغلب الشعوب تطوراً وسعادة ظاهرية كما يظن البعض، هذا التطور التقني الهائل الذي أضر بالبيئة والأنسان معا، وهنا يشير الفيلسوف الألماني (إدموند هوسرل) صاحب الفلسفة الظاهراتية، في كتابه (أزمة العلوم الأوربية الفينومينولوجيا الترانسندنتالية) الى هذه الأزمة قبل قرن كامل مما نحن فيه اليوم بالسؤال الذي طرحه:" لماذا لم يظهر أبداً في هذا الجانب طب علمي، طب للأمم وللجماعات فوق الوطنية؟ إن الأمم الأوربية مريضة، أوربا ذاتها توجد، كمل يقال، في أزمة . ليس ثمة أي نقص في من هم هنا بمثابة محترفي العلاج الطبيعي .بل إن سيلاً من اقتراحات الإصلاح الساذجة والمبالغ فيها يكاد يغمرنا . لكن لماذا فشلت علوم الروح التي عرفت تطوراً خصباً،"(1) .

ونحن نتساءل أيضاً، هل أن الأنسان قد فقد جزءا من البناء الروحي المكمل للجانب الفسيولوجي في ظل أزمة هذه العلوم ؟ وما هي طبيعة الأنسان التي جعلته فريسة سهلة للأمراض في ظل الانهيار الصحي والنفسي الحاصل في العالم ؟، فالأنسان العالمي الذي يريده التقدم التكنولوجي أن يكون عبداً للألة، والرأسمال، وللأنظمة التي قولبته في مجال عمل صارم حتى ساعات متأخرة من يومه، مما أنعكس سلباً على عدة جوانب في حياته منها:

- البعد الانساني: الذي فقده لصالح العمل دون أي رحمة في ظل أن الفرد يعمل حتى ينتج ويكون قادر على المشاركة في بناء المجتمعات الجديدة، لكن قد نسي إنسانيته في ظل هذه القوانين الصارمة .

- البعد الفسيولوجي: تراجع على مستوى الصحة البدنية بسبب ساعات العمل الطويلة، جعلت من جسده ضعيف وعرضة للأمراض وأرض خصبة لأي انتكاسة صحية أو وبائية على مستوى العالم ,

- البعد الاجتماعي: قد ضعفت الروابط بين ابناء العائلة الواحدة بسبب أرتباط أفرادها في العمل المستمر حتى ساعات متأخرة من اليوم، وعندما يصل الى سن التقاعد يكون قد فقد الكثير من الحميمية الروحية التي فقدها في التزامات العمل والإنتاج في أيام شبابه .

- البعد الأخلاقي: الذي أصبح مبني على وفق قوانين العمل الصارم، وليس على وفق التكافل والتواصل والرحمة .

كل هذه النقاط وغيرها من أجل أن تصل الحضارة الى أنسان دمية، له مواصفات ترتبط بعصر التكنولوجيا على حساب انسانيته التي ضحى بها بموافقته أو من عدمها، إذ لابدّ أن يخضع من أجل الرفاهية المزعومة التي تبعد الإنسانية لصالح التقنية الحديثة وهذا هو الأنسان الأخير، على وفق فكر الفيلسوف والمنظر الأمريكي (فرانسيس فوكوياما) في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) إذ يرى الآتي " إلا أنه على وجه الإجمال كان قرن السلام وقرن تزايد الرفاهية لم سبق له مثيل . فكان للتفاؤل إذاً سببان أساسيان: السبب الأول يكمن في الاعتقاد بأن العلم الحديث قد يحسن الحياة الإنسانية بمحو المرض والفقر . والطبيعة، وهذا الخصم القديم للإنسان سوف يجري السيطرة عليها بواسطة التقنية الحديثة بحيث تضطر الى خدمة أهداف سعادته .أما السبب الثاني فهو أن الحكومات الديمقراطية سوف تستمر في الانتشار في المزيد من البلدان "(2) . وفي هاتين النقطتين السابقتين قد حصل ابتعاد عن الأهداف المعلنة لها، فالتقنية قد جعلت من الأنسان بإنسانيته تابع لها، من اجل أن يحقق أفضل ما يريده رأس المال من هذه التقنية، لذا فقد وظف الأنسان لها، ولم يوظفها لصالح الأنسان، وفي النقطة الثاني قد حقق الانتشار فعلاً في مناطق الارض الأخرى لكن على حساب شعوبها، فالأنظمة الديمقراطية في الغرب التي يسيطر عليها نظام الرأسمالي قد انتجت انظمة دكتاتورية، أولاً ثم أنظمة قائمة على الصراعات القوميات والاديان والطوائف، ومن خلال هذه السيناريوهات، تدهور وتراجع الانسان الآخر في الشرق الأدنى والأوسط وافريقيا وامريكا اللاتينية وأمريكا الجنوبية، تراجعت فيها الإنسانية لصالح للدكتاتوريات التي أغرقت بالصراعات والقمع، ومن ثم بالتقاتل بين أبنائها لصالح مصلحة الغرب وسياساته التي انكشفت سياساته المخادعة في ظل الأزمات العالمية ومنها الحروب الكونية والاوبئة والامراض التي كشفت حقيقة الاستثمار في الانسان لصالح التقنية في الغرب والدول المتقدمة، وفي الأسلحة والحروب من أجل تسويق تقنيتها الى دول العالم الثالث أو الدول التي اصبح فيها الانسان هو أداة رخيصة بيد الدكتاتوريات أو الصراعات الدينية والمذهبية والقومية الساذجة التي تسوق لها السلاح بتقنياته المتقدمة التي من المفترض أن تحيي أمولها المدفوعة من الدول المتأخر الانسان ما فوق الوطني حسب تعبير الفيلسوف (أدموند هوسرل) أصبح تقتل هذا الانسان، من أجل بقاء مصالحها الضيقة، وهي لم تحقق الانجازات على المستويات الاقتصادية والزراعية والصحية وغيرها.

فالإنسان في كل من العالمين المتقدم والمتخلف هو تكّون بطريقتين مختلفتين على وفق ازمة العلوم العالمية هما:

1- إنسان التقنية الحديثة الذي أصبح عبداً للتقنية ومالكيها من الرأسماليين العالميين، وهذا الانسان فقد ثلاثة مقومات (إنسانية، واجتماعية، وفسيولوجية ) .

2- أنسان العالم المتخلف والذي ساعدت على تخلفه ايضاً الرأسمالية وتقنيتها الحديثة، بإيجادها أنظمة دكتاتورية كمرحلة أولى، انهكته في حروب وصراعات وقمع . وفي خطوة ثانية اوجدت له أنظمة ثانية قائمة على الاثنيات المتصارعة في دول قابلة للتقسيم، وبالتالي هذا الانسان لا حول له ولا قوة في ظل هذه الهيمنة من جهة، والصراعات الداخلية من جهة ثانية .

إذن، ما طبيعة الانسان الذي نطمح اليه، والذي يمكن أن يحقق انتصاراً على كل الظروف التي يواجهها في هذا المرحلة. أن الانسان الذي نعتقد به، هو الذي يجب أن يعيد إنسانيته في ظل هذه الظروف،فهو القادر على بناء حضارته الروحية والنفسية على وفق التوزيع العادل للثروات في الدول، وتقديم الإنسانية على كل شيء، وخصوصاً إذا ما نظرنا الى أن جميع الأديان السماوية والوضعية وجدت الأجل الانسان ومن أجل النهوض بقيمة الروحية والمادية على حد سواء بعيد عن الاستغلال، وخصوصاً إذا ما وضعنا أمامنا مواثيق الامم المتحدة التي تنادي بالتعايش السلمي، وحق التعلم والتعليم، وحق الحياة لكل فرد على هذه الارض، يجب أن نحصل على نظام دولي لا تكون فيه تراتبية والبقاء للأقوى، بل يكون البقاء لكل أنسان قادر على الحياة على هذه البسيطة . أنسان ينعم بثرواته الطبيعية، لا يجعل من الطبيعة عدو له، بل يحيها على وفق الاستثمار الامثل لها، الانسان الذي توضع كل رؤوس الاموال لخدمته، وكل التقنيات من أجل اسعاده، يكون قادر على تطويعها لخدمة الانسانية جمعاء . لكن هل القلة من اصحاب رؤوس الأموال تسمح بذلك ؟، وهل الانسان قادر على استرداد قوته البدنية وعلاقاته الاجتماعية، وسمته الانسانية في ظل هكذا ظروف؟ . وهل يستطيع العالم على ايجاد انسان ثالث، بين إنسان التقنية وإنسان التخلف؟

 

أ. د محمد كريم الساعدي

...........................

الهوامش

1- إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوربية الفينومينولوجيا الترانسندنتالية، ترجمة: د إسماعيل المصدق، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008، ص518.

2- فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: د فؤاد شاهين وأخرون، بيروت: مركز النماء القومي، 1993، ص38.

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: هذا التداخل التعقيبي كتبته بضوء عرض الباحث الفلسفي القدير العراقي المغترب حاتم حميد محسن لكتاب ثلاثة باحثين سورين اوفركارد، وباول جلبرت، وستيفن بيوود في أجابتهم عن تساؤل ما بعد الفلسفة : post philosophy

overgard ، Paul Gilbert and Stephen Buewood soren

المنشور على موقع المثقف اذار 2020.. ولتوضيح عنونة مقالتي هذه أقول لا يمكن القول اليوم في أدبيات الفلسفة الغربية أن ما بعد الحداثة لا يكون وليس حداثة حتى في حال تغيير الخطاب الفلسفي كمضامين ومباحث وقضايا مختلفة كذلك لا يمكن القول ما يعقب ما بعد الفلسفة لا يكون غير الفلسفة كمنهج ومفاهيم ونوضح ذلك في السطور القادمة.

كتاب ما بعد الفلسفة د. محمد جديدي

قبل أطلاعي على مقالة الباحث حاتم حميد محسن الذي اشار فيه عرضيا الى الفيلسوف الامريكي ريتشارد رورتي، لم أكن على علم أن الدكتور الباحث محمد جديدي الجزائري كان أصدر منذ عام 2010 كتابا بعنوان (ما بعد الفلسفة  - مطارحات رورتية ) نسبة الى الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي صاحب مصطلح ما بعد الفلسفة.

وعن طريق التعريف بكتاب دكتور جديدي على موقعي امازون وموقع البيان الالكترونيين حصلت على هذا الاقتضاب السريع دونما أطلاعي على الكتاب قراءة كاملا، أذ أعتبر الكاتب جديدي ريتشارد رورتي الفيلسوف المجدد الاشكالي المعاصر في دأبه بعث الفلسفة الذرائعية الامريكية عالميا بلباس جديد أختاره حديثا لها، ورورتي فيلسوف يساري أراد أيقاظ الذرائعية من سباتها وجمودها بخطاب يعبّر عن الفلسفة بخطاب لا فلسفي ، في مشهد ثقافي شاعري ميتافلسفي، ميتاديني، وما بعد حداثي.

ورغم ذلك حسب تأكيد دكتور جديدي أنه منذ عصر كانط تحولت الفلسفة الى فرع أكاديمي، أحدث تحولا في مفهموم الفلسفة ووظيفتها وصارت الجامعات تعج بأساتذة فلسفة وليس فلاسفة، كما يجد جديدي صعوبة الامساك بموقف رورتي من نهاية الفلسفة كون تصريحاته من جهة أولى لا تعلن عن موت الفلسفة بل أنها تؤكد أستمرارها. (انتهى الاقتباس بتصرف).

أود التنبيه أني لا أناقش في هذه المقالة أفكار كتاب محمد جديدي لأني لم أطلع عليه وأقرأه، ولا أعتمد ايضا من بحث الدكتور حاتم حميد محسن غير عنونة المقالة التي جاءت منقوصة (مابعد الفلسفة) واكملتها بكلمة (فلسفة) التي وردت عرضا في مبحثه المنشور وتمت أشارتي له، وعبارتين أو ثلاث أقتبستها عنه أشرت لها  في متن المقال. وأبدأ بملاحظة سريعة فهمتها من فقرات التعريف بكتاب الباحث جديدي، أن ما طرحه رورتي الفيلسوف الذرائعي المجدد تحت عنوان (ما بعد الفلسفة) أنصرف فيه عن مناقشته مفهوم ما بعد الفلسفة تماما في الانتقال الى معالجة قضايا تخص الادب والانسانيات والعلوم الطبيعية وعلوم اللغة والانثروبولوجيا وبعضا من قطوعات تاريخ الفلسفة مركزا على أسماء فلاسفة منذ ما قبل التاريخ وصولا لديكارت ونيتشة وكانط وليس انتهاءا بفلاسفة البنيوية والتفكيكية وفلاسفة علوم اللسانيات واللغة مختارا منهم قطوعات الاستشهاد بما يخدم غرضه في أخراج الفلسفة من ميدان الفلسفة الى ميدان (اللافلسفة) كسرد لا يمتلك خصوصية نوعية تماما مثلما فعل التوسير في مهاجمة المادية التاريخية في تجريدها من كل مراحل تاريخ الانسان انثروبولوجيا..أي أن التوسير حاول كتابة ماركسية جديدة بلا ماركس وكتابة مادية تاريخية بلا تاريخ أنساني... كذلك حاول رورتي خلق ذرائعية جديدة بأسم ما بعد الفلسفة بلا منطق وخطاب فلسفي يوّضح مستقبل الفلسفة.

أراد رورتي تحت وطأة أخلاصه الشديد لميراثه ومرجعيته الفلسفية في الذرائعية تجريد الفلسفة تاريخيا من خصائصها النوعية كسردية منطقية متفردة نوعيا عاشت طويلا لم تحتوها سرديات الاديان ولا الميتافيزيقا ولا الايديولوجيا ولا االانثروبولوجيا ولا مدارس الفنون بل كانت هي الرافد والمعين الذي أستقت منه هذه الاجناس التعبيرية الكثير من مفاهيمها عن الفلسفة... لذا كان لجوء رورتي الى معالجة أجناس سردية بعيدا عن منطلقات تاريخ التجديد في الفلسفة الى عملية تعرية الفلسفة من ملابسها دونما جدوى تحت شعار أورده دكتورجديدي في كتابه (التعبير عن الفلسفة بخطاب لا فلسفي )..أي أراد رورتي أيقاف قطار الفلسفة في أيجاد فلسفة وقوف نهائية عولمية لا تقوم على مواضعات الفلسفة المعهودة..

هنا لا أريد تحميل قطوعات رورتي من تاريخ الفلسفة ما يلائم طروحاته أكثر مما تحتمل لكني أجد فيها طالما كان ماثلا أمامنا رغبة وهدف رورتي بعث الذرائعية عولميا وأقفال مستقبل تقادمها الزمني، في محاولته تماما مجاراة عولمة فوكوياما في محاولته أيقاف قطار التاريخ عولميا أمريكيا ولا من تاريخ يعقب الانسان العولمي الاخير الذي بلغته الرأسمالية.. نجد هذه المحاكاة التي بدأها فوكوياما تاريخيا أستنسخها رورتي على صعيد الفلسفة بأسم الحفاظ على بقاء الفلسفة بدون خطاب فلسفي، وخارج أن تبقى تعبيرا سرديا منطقيا بميزات من نوع خاص لم تستطع جميع محاولات جعل الفلسفة علما طبيعيا ملحقا ولا فرعا من الرياضيات النجاح عبر عصور طويلة...الفلسفة منطق سردي نوعي خاص جدا لا يمكن دفنه حيّا بحجة لا بأس من الابقاء عليه كهامش تعبيري متحفي لا يمت للفلسفة وحياة الانسان بصلة. علما أن جوهر الفلسفة كسردية نوعية يكمن في تاريخانيتها كون الفلسفة تاريخا تراكميا نوعيا، فماذا يتبقى من الفلسفة في أخراجها عن مستقبلها التاريخي؟ حين تكون خطابا تاريخيا خارج الفلسفة؟

الفلسفة ومفترق طرق

لقد تنبأ العديدون من الفلاسفة على أمتداد عصور تاريخ الفلسفة، أنها ضرب مركزي معرفي منطقي سردي في علوم الانسانيات يمتلك خصوصية نوعية متفردة من ضروب السرديات الاخرى الادب، الدين، الايديولوجيا، علوم الانسانيات في مرتكز التاريخ. وتسير تدريجيا نحو أستنفاد قمة تألقها الحضاري وصولا الى مرحلة الشيخوخة المبكرة أمام التقدم العلمي بمتواليات رياضية من التسارع الموازي لتراجع الفلسفة عن مجاراتها العلم، وربما كان آخر تحذير خطير صدر عن عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنج قبل وفاته معلنا فيه أنه لا مستقبل حقيقي للفلسفة في موازاة تقدم العلوم الطبيعية التي سوف تحكم قبضتها على مناحي الحياة حتى المجال الكوني غير الميتافيزيقي الذي شغل الفلسفة قرونا طويلة وعلاقته بالانسان....وهو رأي يحتمل الكثير من النقاش كونه صادرا عن عالم بالفيزياء الكونية وليس عن فيلسوف.

أمام هذه الحقيقة التي ليست جديدة في عمرها الزمني فلسفيا نجد أنه جرت محاولات عديدة في وجوب جعل الفلسفة ضربا من الرياضيات كانت بداياتها منذ أفلاطون حين كتب عبارته الشهيرة على مدخل الاكاديمية الفلسفية التي أقامها لا يدخل علينا من يجهل علوم الرياضيات وأعقبه عديدون على أمتداد عصور تاريخ الفلسفة في تأكيدهم أن يكون للفلسفة منطقها الرياضي والعلمي من بينهم في العصور الحديثة ديكارت وهوسرل وهيوم وبراتراند رسل، ولعل أبرز من ختم ربط الفلسفة بالعلوم الطبيعية جاستون باشلار وغيره عديدون لا تحضرنا اسماؤهم.

لكن خلاصة القول يمكننا أجماله أن ما بعد الفلسفة كمفهوم جديد معاصر سيكون هو الفلسفة ذاتها كنوع أو تجنيس من التعبير النوعي السردي وليس غيرها تماما حالها حال ما يجري مثلما يخلف الحداثة ما بعد الحداثة سيخلف الفلسفة ما بعد فلسفة كنوع من التعبيرالانساني الذي ينأى بنفسه عن لغة العلم وسرديات الميتافيزيقا وأجناس الادب والتاريخ والايديولوجيا محتفظا بحرصه التعبير المتفرد عن الحياة والوجود كاملا بفهم شمولي تنفرد به الفلسفة ولا يجاريها فيه كل ضروب الابداع الفكري الثقافي والفني.. وكما لم تستطع ما بعد الحداثة اليوم دفن الحداثة كذلك لا يمكن لما بعد الفلسفة دفن الفلسفة بكل ميزاتها النوعية.

لو نحن أخذنا قليلا جانبا خارج نطاق تعالق الفلسفة مع علوم الانسانيات والسرديات الكبرى بدءا بالدين والتاريخ والميتافيزيقا وليس انتهاءا بالايديولوجيا السياسية وفلسفة اللغة الحديثة وعلوم اللسانيات أنما نجدها في حقيقتها الجوهرية تمثل هروبا الى أمام في عجز تسديد الاستحقاقات التي يمكن أن تحسب على الفلسفة في موازاة سيرها السلحفاتي البطيء أمام تقدم العلوم الطبيعية المتسارع، والثورة العظمى المفزعة التي أطلقها التقدم العلمي في أختراع تكنولوجيا الفضاء والتحكم بالجينات الموّرثة وتشطيرالذرة واختراع الانترنيت والحاسوب وعوالم الاتصالات والعالم الافتراضي وأنكفاء المطبوع الورقي (الكتاب) في تراجع تداوليته القرائية بما لم يشهده منذ تاريخ أختراع اللغة والكتابة قبل مئات العصور.

أن مأزق أنحسار العلوم الانسانية هو ليس مأزق مستقبل الفلسفة بل مأزق جميع ضروب المعرفة الثقافية ما كان منها متسّيدا قرونا طويلة قمة العطاء الثقافي عالميا على أنه أبداع معرفي ثقافي تداولي مكتوب ومطبوع ربما يأتي في مقدمتها حاليا أحتضار الشعرعالميا – عربيا (لا أقصد هنا ما يهمنا عربيا نوعين من الهبوط مما يسمى شعرا الاول شعر وكلمات الاغاني التي أوصلت اللغة العربية الفصحى للحضيض، والثاني الشعر الشعبي التعبوي الذي يهدم صرح وحدة اللغة العربية الفصحى التي هي القسمة المشتركة الوحيدة الباقية التي تجمع الامة العربية ولو لم يكن القران مكتوبا بالعربية الفصحى التي يتعامل بها مليار وسبعمائة مسلم لاندثرت العربية الفصحى وحلت محلها اللهجات العامية التي لا يفهم فيها اللبناني المغربي ولا يفهم العراقي المصري أو الليبي وهكذا)، حتى الفنون التشكيلية التي لا تستعين الكتاب تعبيرا لغويا فنيا كتابة لها بل تعتمد مساحة وكتل وفراغات اللوحة والالوان والتقنية الجمالية خارج منطوق اللغة التداولي المباشر هي الاخرى بدأت تحتضر في أبتداع فن اللامفهوم الذي تجاوز السريالية في غرائبيته الخارقة لكل مألوف والعودة الى البدائية بالفن واللجوء الى تسويق نوع من الفنتازيا المقرفة الجارحة للذائقة الجمالية لدى المتلقي حين يصل ذوق المتلقي وأصحاب مزادات الصالونات الفنية عالميا أن تباع لوحة فنان بأكثر من مئة الف دولار هي صورة حذاء مرفوع من بقعة مليئة بالاوساخ والقذارة والاوحال العالقة به وبأمثال هذا النوع من الابتذال الفني بأسم الفن خرج مفهوم الجمال في فن التشكيل أن يبقى عرفا ومفهوما متفقا التعريف به على أنه ذائقة روحية سامية.

هل ما بعد الفلسفة ما بعد بديهية؟

بالتاكيد أننا نتداول تعريف ماهو بديهي هو ما ليس ليس بحاجة لبرهان يؤكد حقيقته البديهية الصادقة وليس كل قوانين الطبيعة التي تحكم الانسان والوجود بحاجة البرهنة على صحتها بعد أكتشاف الانسان لها. وأكتشافها من قبل الانسان لا يعني خلقها بل يعني أنها موجودة فاعلة تحكم حياتنا والطبيعة والكوني حتى قبل أن يكتشف الانسان متأخرا لها ويعي أهميتها في تنظيم الطبيعة وحياة الانسان والكون.

يعبّر الراديكاليون الشكاك عن عدم وجود سبب (للاعتقاد بأن البديهية هي مصدر موثوق للدليل على شيء) نقلا عن مقالة الباحث حاتم محسن المشار لها.

في البحث عن معنى أن تكون الفلسفة ما بعد بديهية شأنها شأن الحداثة وما بعد الحداثة..ماذا نعتمد حين تكون الفلسفة مفهوما شموليا يستوعب مدارس الحداثة وما بعدها ولا تستطيع الاخيرة أستيعابها. الفارق الصعب تجاوزه هنا أن الفلسفة تاريخ معرفي انثروبولوجي رافق الانسان في وجوده منذ عشرات العصور بل الاف السنين على العكس من نظريات الحداثة وما بعد الحداثة فهي حصيلة تاريخية انثروبولوجية تمثل على حد تعبير أحد الفلاسفة المعاصرين الحداثة وما بعدها هي النتاج المتأخر للرأسمالية الامبريالية..أي أنهما(الحداثة وما بعد الحداثة) مراحل تاريخية متقدمة حضاريا تخللتها قطوعات من التاريخ (النوعي) الانساني بخلاف تاريخ الفلسفة فهو تاريخ ثابت تقريبا يتغيّر تراكما و نوعيا بطفرات لا تتجاوزفيه التطور المعرفي البطيء ،لذا الفلسفة  تتطور بطفرات نوعية بطيئة لا كما يتقدم العلم الطبيعي ويتطور بقفزات نوعية متسارعة زمنيا بل تتطورالفلسفة تاريخيا كعلم من علوم الانسانيات التي يغلب التراكم الكمي في تاريخها على الكيف لأن الفلسفة هي دوما قراءة في تاريخ ماض لها وليست قراءة في مستقبل تنبؤي أمامها كما هي مسيرة العلم في استشرافه فتوحاته المستقبلية الطموحة.

متى تكون البديهية حقيقة مطلقة؟

البديهية كحقيقة موضوعية هي أجماع كلّي عن شيء تمت البرهنة عليه في حيازته أسباب منح ثقة الاخرين بحقيقته الموضوعية المكتفية ذاتيا في البرهنة على صدقيتها.. وأصبحت هذه الحقيقة البديهية بمرور الوقت والتداول مسّلمة ممكن الاستدلال بها معرفيا دونما الحاجة الى توفير أسباب دحضها غير المتاحة حاضرا دوما. وتمتلك الاقرار الكافي الأجماعي على عدم الحاجة الى تفنيدها بعد معاملتها بموثوقية ثابتة زمنا طويلا وترحيلها الى مستقبل مفتوح النهايات..

والبديهية بهذا المعنى لا تكتسب صدقيتها بحكم العادة والتكرار (سبب ونتيجة) متلازمتان على الدوام بل بحكم أن البديهية حاضرة دوما كحقيقية معبّرة عن شيء صادق دائما في منطق العلم والتداول العلمي الموثوق بها.علما عدم وجود بديهيات تعتمدها الفلسفة بيقين قاطع لا يكون مصدرها العلم، فالفلسفة لا تنتج حقائق الاشياء بل تنتج مناهج استدلالية لمفاهيم تفسّر الحياة ووجود الانسان والظواهر الطبيعية والاشياء. والفلسفة لا تلتقي العلم بالتجربة بل تلتقي به بالمنهج الابستمولوجي.

البديهية المتفق عليها أجماعيا أنما هي مصطلح محدود عن شيء معين سبب ونتيجة لشيء أكتسب حقيقته البديهية وليس مفهوما غامضا شموليا يحتمل ما لا يمكن الاحاطة به من الشكوك التي تلازمه، ولا تحتاج البديهية سببا أو أسبابا تجعلها تكتسب موثوقيتها البديهية في كل مرة نحتاج الاستدلال بها أو محاولة التشكيك بصحتها، فالبديهيات ليست قضايا تفكيرية دوغمائية تخلع حقيقة التسليم بها في مصادرة أسباب تحققها البديهي الحاضرة بل هي  تمتلك أسباب الوثوقية المطلقة بصحتها البرهانية المتطاولة زمنيا في المستقبل.

فقولنا المعادلة الحسابية 1+1=2، هي بديهية لا تحتاج برهان صحتها اليوم ولا غدا ولا بعد مئات السنين فهي حقيقة مطلقة اكتسبت اليقين القطعي وليست حقيقة نسبية في كل زمان ومكان جديد تحتاج فيه براهين صدقية تؤكد بديهيتها. وهي لا تحتاج سببا برهانيا لها في تداوليتها اليقينية القطعية حاضرا ومستقبلا، ومثل ذلك عندما نقول الارض كروية فهي لا تحتاج براهين تؤكدها غير التي اكتسبتها علميا فيزيائيا منذ عصر كوبرنيكوس وغير ذلك مثلا مع قانون الجاذبية قبل نيوتن او مكونات الذرة وعلاقاتها البينية فيما بينها داخل الذرة قبل أنشتاين وعديد من علماء فيزياء الذرة والكون وهكذا فهذه حقائق علمية أكتسبت البداهة القطعية ولا يتوفر ما يدحضها لا حاضرا ولا مستقبلا.فكل هذه الحقائق البدهية كانت موجودة كقوانين ثابتة تحكم وجودنا وحياتنا الارضية قبل أكتشافها وتثبيت صحتها من قبل علماء أفذاذ عباقرة أخذت مجالها التطوري بما سبقها من منجزات غيرهم سبقوهم..

من المهم التفريق أن ما هو بديهي ثبتت صحته البرهانية العلمية لا يطاله الشك لأنه لم يعد فكرة تنظيرية مجردة تحتاج البرهنة على صحتها، الشك الذي يراود ويلازم ماهو بديهي على صعيد الفكر النظري وارد جدا لكنه لا ينطبق على حقائق علمية أكتسبت المسلمات البديهية بالبرهان القطعي التجريبي عليها كقوانين فيزيائية وعلمية..فبديهيات العلم حتى وأن كانت في بعضها نسبية فهي تختلف كليا عن مسلمات الفكر التجريدي غير البرهاني في نسبيته المفتوحة النهايات..

فالنظرية لا تمتلك حقيقتها البدهية المطلقة قبل البرهان التجريبي العلمي عليها. ونجد الفلسفة البراجماتية أعتمدت هذا الاختلاف بين النظرية المجردة والنظرية المثبتة صدقيتها برهانيا حين ربطت كل ما هو ناجح تجريبيا يكون نافعا مجتمعيا. وبذلك تكون الفلسفة الذرائعية العملية أبعدت مجال الشك عن النظريات التي أكتسبت برهانها التصديقي العملاني في صوابها وضرورتها في حياة الانسان. وبذلك أستبعدت البراجماتية في معاملتها جميع الافكار التي تمتلك نسقها التنظيري الاقناعي المنطقي على صعيد الفكر المجرد لكنها تفتقد التطبيق العملاني بالحياة خارج عدم صدقية تحقيقها المنفعة العامة.

لذا فالبديهية لا تصادر ما هو مدرك حقيقي ثبت برهانه، أو هي لا تحتاج الى برهان سببي مكرريلازم أعادة نفسه باستمرار..وحين نقول البديهية صادقة في حاضرها فليس ذلك نابع من حقيقة أن معظم بديهيات الحياة التي نعيشها هي معطى طبيعي لا تحتاج تأكيد حقيقتها في توّفر الاسباب البرهانية الاقناعية على بديهيتها الموجودية كحقائق نتعايش معها لا يمكن التشكيك الجدي بصحتها..كي لا يرتد التشكيك بها كبديهيات طبيعية لم تعد بحاجة الى براهين على التشكيك بوجودنا نحن البشر الذي حسمه ديكارت في عبارته انا افكر اذن انا موجود، وهنا يمثل الكوجيتو منتهى اليقين وليست بدايته في المعطى الطبيعي للانسان كموجود هو جزء من الطبيعة التي ليست هي الاخرى بحاجة براهين على تأكيدها كمعطى وجودي غير ميتافيزيقي بغض النظر عن الاستفهام العقيم عمن أعطى وأوجد (الطبيعة) ومكوناتها من ضمنها الانسان...

حين نقول البديهية صادقة في حاضرها مشكوك مستقبلا في صحتها،فالصحيح أن الشك لا يلازم ماهو بدهي حاضرا ولا يلازمه مستقبلا، حيث أن البديهية التي تمتلك حقيقتها الثابتة اليقينية القطعية برهانيا حاضرا لا يمكن الشك في عدم حقيقية صدقها مستقبلا والا أنتفت عنها ملازمة البديهة الصادقة في حاضرها قبل صدقها في مستقبلها.. فالمعادلة الرياضية س×ص= س ص لا يمكن أن تكون صحيحة اليوم في حاضرها وباطلة خاطئة ومشكوك بها مستقبلا..أو حقيقة أضلاع المثلث ثلاثة ومجموع زواياه الثلاث 180 درجة.فهذه حقائق بديهية قد اكتسبت صحتها الرياضية القطعية الصائبة الثابتة في كل زمان ومكان ولا مجال بطلانها مستقبلا..وهكذا نقول عن بديهية مركزية الشمس وكروية الارض ودورانها حول نفسها وحول الشمس أو نظام الجاذبية فتلك حقائق بدهية لا تحتاج البرهنة مجددا عليها وليس واردا الشك بها بعد الف عام ويزيد من الآن.ليس بسبب أكتشاف الانسان لها والبرهنة عليها وأنما لانها هي بديهيات كمعطى ميتافيزيقي موجود كقوانين تحكم الطبيعة والانسان والكوني وتعمل في الطبيعة والحياة بمعزل عن أرادة الانسان كحقائق ثابتة وقوانين مطلقة معرفية حتى قبل أكتشاف الانسان لها قبل الاف السنين ومعرفته بها وتسخيرها لخدمة حياته منذ وجدت الحياة على الارض.

البديهية بين العلم والفلسفة

بدءا نقر أنه لا يوجد بديهيات قطعية التسليم بها بالفلسفة كما هي بديهيات ومنجزات العلوم الطبيعية...  معظم بديهيات حقائق الفلسفة المنقوصة التي تحمل بذور شكوكها معها أنما يكون مصدرها منجزات العلوم الطبيعية وعلوم الرياضيات والهندسة وفيزياء الكون ليس بالمنطق والمنهج العلمي وأنما بمنهج الاستعارة الفلسفية لبعض منجزات العلوم الطبيعية، ولا تمتلك الفلسفة بديهيات قطعية يقينية يسترشد العلم بها بل العكس دوما تسترشد الفلسفة ببعض يقينيات العلم الناجزة.

ما تتفوق العلوم الطبيعية به على الفلسفة هو قدرتها على (أعطاء قول عن شيء ما، يكون ذو معنى محدد ومهم للعالم) على حد تعبير الباحث حاتم محسن في مقالته المشار لها.

ولو نحن أستعرنا هذا التعبير العلمي الى لغة الفلسفة نقول العلم الطبيعي بنتائجه المختبرية البرهانية والتطبيقية هي نقطة تنتهي برأس سطر،لا تحتاج بعده براهين أضافية لاعطائها مصداقية الاخذ العلمي المسّلم بها..في حين حقائق الفلسفة النسبية غير اليقينية بمجملها بالقياس العلمي المقارن فهي تمثل نقطة رأس سطرتحتاج براهين بعدية أضافية وتفسيرات جديدة لها على الدوام..الفلسفة تعتمد براهين المنطق العقلي لتمرير مصداقية حقائقها التنظيرية في وقت العلم يحتاج براهين العقل التجريبي لتثبيت صدقية حقائقه كقوانين فاعلة دائميا تحكم حياتنا في كل مستجداتها في كل زمان ومكان وفي جميع الظروف.

فالبديهة الفلسفية أي حقيقتها الصادقة لا وجود مطلق لها على خلاف الحقيقة العلمية، وحقائق الفلسفة تلازمها النسبية والنهايات المفتوحة على أحتمالات الصح والخطأ..الحقائق العلمية محدوديتها تكمن في أستحصالها برهانها الحقيقي في مسألة محددة لذا تكون شبه ثابتة تطاول الزمن ،على العكس من الفلسفة التي تعالج مفاهيم كلية جامعة تتجاوز التحديد في المفاهيم والقضايا التي تتناولها الى المطلق التعميمي...وتكون نسبيتها في ملازمة الشك وعدم التصديق بها منذ ولادتها وحتى زمن الاستغناء الممكن عنها. كما أن النظم الطبيعية والفيزيائية التي تحكمنا قوانينها والمتيسر لنا القبول معرفيا بها في تفسير ظواهر الحياة الحياة وموجوداتها ومحدودية الانسان في وجوده وقدراته أنما هي في المحصلة تكون آنية حاضرة نعيشها في حياتنا ولا ترتقي لزمن مستقبلي نتوقعه كما هو الحال مع منجزات العلوم.

العلوم الطبيعية ومنجزاتها العملانية التطبيقية تلجم جموح الفلسفة وتوقفها عند حدود لا يمكن للفلسفة تجاوزها بالبرهان على صدقية الاشياء وأثباتها كحقائق وقوانين تحكم الحياة وتلازم الانسان طويلا لعدم أمكانية تجاوزها بسهولة وفترات زمنية متسارعة يستطيعها العلم وتعجز الفلسفة عنه.

سلاح الفلسفة الذي يربك العلم هو الشك في قطعية التسليم بوجود حقائق غير نسبية مطلقة في كل شيء يخص الانسان والطبيعة وما يتفرع عنها من تخصصات تحسب للعلوم وليس للفلسفة..القطيعية الشكيّة الملازمة للوجود الانساني قديما أن مقياس كل شيء الانسان فقط كم ذهب له بروتاغوراس كوجود مطلق الكمال لم تعد صادقة في عصرنا بل الانسان مقياس كل شيء كوجود محدود القدرة والامكانيات ومحدودية فهمه وأستيعابه لحقائق وظواهر الحياة المعقدة المتغيرة باستمرار اليوم..وقصور أمكانية معرفة الانسان كل شيء على أنه يقين قاطع. وهذا المقياس الانسانوي يصدق على قضايا علمية ولا يتماشى مع أخرى علمية ايضا يمكن لمستقبل العلم دحضها وتفنيدها..

مستقبل العلم ومستقبل الفلسفة

الانسان كموجود نوعي قسمة مشتركة تتوزعها أبعاد ومجالات متعددة لا حصر لها، لكنها في المحصلة النهائية لا يمكن أستفراد أحد هذه الابعاد بمصادرة الابعاد الاخرى في فهم الانسان وفهم الحياة.. آخذين بكل الاهتمام الانسان كوجود ومعطى حيوي بلغ شأوا متقدما جدا في تقدمه العلمي والحضاري بما أصبح متعذرا جدا تسييج وجوده الطوعي المتكيف أن يكون انسانا في بعد واحد يحتكره العلم لا غيره ولا معه.كما من الخطأ الفادح التعويل على أن مستقبل الفلسفة كفيل بحل معضلات الانسان المستعصية التي يعيشها في مرحلة ما بعد العلم الافتراضية حيويتها في تقدمها المتسارع دوما على حيوية الفلسفة فلم ولن يشهد مستقبل الانسان أن تقود الفلسفة حياة الانسان لا في أسبقيتها على العلم ولا حتى بالسير في الموازاة معه وتاريخ البشرية يؤكد هذا كحقيقة مستقبلية ثابتة. فالفلسفة في مستقبل ما بعدها هي الفلسفة في حاضر ما قبلها لا يتغير طموحها القاصر أن لا تقود هي العلم بل الحقيقة تشير لقيادة العلم لها مستقبلا كما في حاضرها وماضيها من قبل.

العلم بمستطاعه أعطاء حلول لمستقبل الانسان بما تعجز عنه الفلسفة مستقبلا لكن هذا لا يمنع اصطدام العلم بجدران أبعاد فلسفية للانسان روحية ضميرية اخلاقية عاطفية نفسية لا يقوى العلم تلبيتها، وتبقى تلك الاحتياجات الانسانية خارج استغلاقات العلم التي تتعامل مع الانسان في بعده العلمي التقني الهائل فقط. الفلسفة بعد انساني لا يمكن للعلم مصادرته مستقبلا ويلغي بذلك أن الانسان وجود بلا حدود ولا متناهي من ناحية النهايات المفتوحة لوجوده المتطورعلى الدوام لكن ليس التطور وحيد الجانب الذي يبتغيه التطور العلمي  حاضره ومستقبله.

لا يجد الانسان ثقة مطلقة في مستقبل العلم أن لايحد طموحه ويحتويه بما يمليه عليه العلم بعيدا عما يرغبه الانسان هو أملاءه على الحياة التي يقودها العلم. صحيح أن العلم لم يوجد بالتضاد مع طموحات الانسان التي يفتقدها العلم لكنه يصبح عائقا أمام العديد من القضايا التي يجدها الانسان يقودها العلم في غير صالحه ومستقبل سعادته.

يشير ريتشارد رورتي قوله (الفلاسفة يقترحون صورا وأستعارات بدلا من أدعاء الحقيقة، ويشير العديدون الى ذكاء رورتي في تعبيره من حيث الاستعارات ليس فيها محتوى ايماني ادراكي). نقلاعن الباحث حاتم حميد محسن .

رورتي يقر بحقيقة لا يمكن للفلاسفة الافلات منها تلك أنهم حالمون بينما علماء الطبيعة يقظون بما فيه الكفاية وأكثر من اللازم. وبقيت مشكلة الفلسفة مع العلم مشكلة الروح بالجسد عند الانسان، من حيث ارادة فرض التعالي الروحي على مقتضيات ما يرغب أشباعه الجسد من غرائز. ويجد العلم معضلته في أنه غير مباح ولا مقبول محاكمة رغائب الجسد وافصاحاته الروحية  بمنطق العلم..الفلسفة تقف عاجزة أمام العلم الذي يجدها عبئا عليه ليس مسؤولا أن يتحمّل أوزارها.. وأمام جموح العلم المستقبلي هذا سيجد العلم أن حصيلة نجاحاته المتحققة هي في صناعته (روبوت) أنسان محشو بنشارة منجزات تقنية آلية ذكية يقوده بها العلم وربما يأتي اليوم الذي يعجز الانسان قيادة الذكاء العلمي المصنّع من قبله ..

مقولة رورتي الخاتمة

يطلق رورتي مسألة على جانب كبير من أهمية الوقوف عندها والتعقيد الفلسفي، والتي أطلقها بموازاة أيمانه القطعي بالفلسفة الذرائعية الامريكية التي لا يرغب مقاطعتها في أمور اساسية جوهرية..مفادها: (ما هو صادق ليس بالضرورة أن يكون مطابقا للحقيقة..The truth is not the fact) نقلا عن الباحث حاتم حميد محسن.كي لا نشغل انفسنا في الاستطراد نجد أن الحقيقة عند رورتي ليس أن تكون صادقة بل أن يكون صدقها نافعا، والصادق عرضي على الجوهر الذي هو حقيقة الشيء وهذه الاخيرة تكون عرضية ايضا على جوهر ولا قيمة لها ما لم تكن حقيقة نافعة في التطبيق.فليس مهما أن تكون الحقيقة مرتهنة بصدقيتها بل بمنفعتها..

أذن اصبح معنا حسب رورتي أن الصادق ليس حقيقيا في كل الحالات، كما أن الصدق ليس بمستطاعه الاحاطة والالمام بكل الاشياء، فما يبدو لنا صادقا لايكون حقيقيا من دون أمتلاكه وحيازته برهان حقيقته المرتهنة براجماتيا بمرجعية المنفعة الثابتة كمقياس لصدق الاشياء وصدق حقيقيقتها أيضا.والصدق حالة نسبية تحكم الفكر والمادة على السواء في نسبيتها، لذا يكون الصدق  بحكم نسبيته محكوما بالتغيير والتبديل والصيرورة على الدوام أمام ثبات أن الحقيقة النافعة ليس في صدقها بل في تعبيرها تحقيق منفعة الجميع فهي تكون غير نسبية مستقرة في المدى ما بعد المتوقع والمنظور..

هنا لا نغفل عند مقارنتنا الصدق والحقيقة كون كل حقائق الحياة هي نسبية وليست حقيقية مطلقة ومن غير هذا الفرز بين نسبية الصدق مع نسبية الحقيقية نقع في خطأ أعتبارنا أن ماهو صادق يكون حقيقيا أيضا لشيء واحد تجمعهما النسبية الافتراضية أو النسبية القائمة حضورا. فالصادق هو موقف متغّير على الدوام في حين تكون الحقائق ثابتة نسبيا على الدوام، فما نعّبر عن صدقه في زمان ومكان معين لا يلزم منه أن يكون حقيقيا صادقا نافعا يمكن التسليم به بشروط وظروف أخرى...

 

علي محمد اليوسف /الموصل.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (2)

أيا كانت الصورة التي تتلألأ أمام أعيننا حالما نتأمل وندرس ونحلل وننتقد ما وضعه ابن خلدون وأسس له في الموقف من التاريخ بشكل عام، فإننا نقف أمام ثلاثية فكرة التاريخ، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الحضارة، وما يرافقها من ثلاثية "التاريخ الطبيعي والماوراطبيعي" أو العمران البدوي والعمران الحضري، و"ديمومة الولادة والموت الملازمين لصيرورة العمران والدولة" و"حتمية الموت الحضاري"، بوصفها خاتمة "الموت الجميل". ووراء كل هذه الاكتشافات الكبرى التي جرى تأسيسها استنادا إلى التاريخ الواقعي للإنسان وأبعادها الماورائية تكشف عن الإدراك الفلسفي العميق لحدود التاريخ في مجرى العمران، وديموته في الإبداع الإنساني، والغاية البعيدة التي تلتمع وراء الوجود بوصفها معاناة الثقافة نفسها التي لا يحكمها المنطق المجرد. لكنها تحتوي في إعماقها على "عبرة" ينبغي الاتعاظ منها وبها من أجل مستقبل أفضل مبني على أسس الحق والعدالة، والرؤية الإنسانية الواقعية والعقلانية.

فقد احتوت فكرة التاريخ وفلسفته عند ابن خلدون على توحيد التفسير العقلي والواقعي للتاريخ ورؤية آفاقه من خلال دراسة نشوء الدولة وانحلالها. ومنها وبأثرها تبلورت عنده فكرة العبرة أو فلسفة العبرة، بوصفها الرحيق السياسي لتأمل التاريخ ودراسة مساره الفعلي والقوانين المتحكمة فيه. ومن ثم احتوت فكرة العبرة عنده على مستواها النظري والعملي، أي مستواها الفلسفي التاريخي والسياسي المستقبلي. إذ نعثر عنده على ما يمكن دعوته بالتأسيس الفلسفي السياسي والحضاري للعبرة. ومن ثم تحتوي على كل ما أراد ابن خلدون قوله. وليس اعتباطا أن يضع هو نفسه فكرة العبرة في صلب عنوان كتابه عندما اطلق عليه أسم (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب....). لقد أراد استخلاص العبر المتنوعة في تاريخ الأمم التاريخية الكبرى ومن عاصرها من خلال دراسة بدايتها ونهايتها في الدولة (الملك) والحضارة (العمران).

ففي مجال العبرة السياسية نراه يتوصل إلى فكرة مفادها، بأن اختلاف الأمة وقتالها فيما بينها فيما مضى "رحمة لمن بعدهم لكي يقتدي كل واحد منهم بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله"1 . وينطبق هذا بالقدر ذاته على اندثار الدول والحضارات، بمعنى إنه يجد فيها "رحمة" للعقل النظري في تأمل الماضي من اجل رؤية مستقبله، من ثم اتخاذ ما يراه مناسبا لتلافي السقوط، رغم ما في المسار التاريخي نفسه من قوة تقهر أكبر العقول ذكاء وأشد الإرادات عزيمة.

إننا نعثر عنده وفي كل ما كتبه واستحصله من نتائج مجردة كبرى على أسلوب جلي حينا ومستتر حينا آخر لكنهما يلتقيان في الحصيلة، ألا وهي إن تأمل ودراسة تجارب الأمم التي يمكن تتبعها بما في ذلك في متون الكتب التاريخية والأدب والفلسفة والأديان، ينبغي أن تهدف إلى صنع الأحكام السياسية منها. الأمر الذي يكشف عن أن تاريخ العبر بالنسبة له هو التاريخ الإنساني ككل. غير أن ما يميز ابن خلدون بهذا الصدد هو تتبعه لمسار الصيرورة التاريخية للفكرة السياسية، والواقع السياسي، ومن ثم التجربة السياسية. من هنا تتبعه ورسمه وتفسيره للمسار التاريخي للمؤسسات والأفكار والقيم والعقائد وليس لتاريخ وسيرة الأشخاص أيا كانوا.

انه يتناول الفكرة السياسية ضمن سياق فكرته عن العمران، أي عن التطور الحضاري للأمم. من هنا، على سبيل المثال، نفيه ورفضه للفكرة التي حاولت أن تجعل من النبي والنبوة قيمة ما فوق تاريخية ولابد منها بالنسبة لبناء النظام السياسي الاجتماعي الأفضل. إذ نراه يشدد على عدم وجوب النبوة في ميدان العلاقات الاجتماعية السياسية. وذلك لأن تجارب الأمم تكشف عن أن "الوجود وحياة البشر قد تتم من دون النبوة"2 . وعندما يتكلم عن أثر المناخ في حياة البشر، فإنه يشير إلى أننا لم نسمع بخبر بعثة النبوة (الرسالة) إلى المناطق التي تتسم بظروف مناخية قاسية (الأقاليم الشمالية والجنوبية). كما أكد على أن التاريخ يكشف عن أن النبوة تظهر في المناطق المعتدلة. بل ونراه يشدد على أن الله يختص بالنبوة أكثر الناس كمالا في خلقهم وأخلاقهم. ذلك يعني، إن قدرة النبوة على العمل والفعل تفترض قدرا من التطور الحضاري. وبدونه تصبح عديمة الفاعلية والتأثير، أو على الأقل أنها عاجزة عن إرساء أسس النظام الاجتماعي والسياسي الأمثل. بعبارة أخرى، إن النبوة بوصفها فكرة متسامية تفترض قدرا من التطور الثقافي والمعرفي. وإن النبوة قضية بشرية صرف. انطلاقا من أن الله لا يمكن أن يغفل بشرا دون آخر لاعتبارات خلقية وأخلاقية. كما يمكن تأويلها بطرق أخرى، إلا أن الجوهري فيها يبقى هو تأثر فكرة النبوة وارتباطها بالمناخ دون أن يرجعها إليه. وينطبق هذا في الواقع على كل القضايا والظواهر التي تناولها ضمن هذا النطاق.

ففي موقفه من الحرب ومذاهب الأمم فيها، ينطلق ابن خلدون من أن الحرب "أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل. وسبب هذا الانتقام في الأكثر أما غيرة ومنافسة، وأما عدوان، وأما غضب لله ودينه، وأما غضب للملك"3 . ففي فكرته هذه وتصنيفه نعثر على أربعة أصناف من الحروب، وهي: حروب الغيرة والمنافسة التي عادة ما تميز حروب العشائر والقبائل المتجاورة؛ وحروب العدوان التي أكثر ما تكون بين من اطلق عليهم ابن خلدون اسم "الأمم الوحشية"؛ وحروب الجهاد (غضب لله والدين)؛ واخيرا حروب الغضب للملك، إي الحروب التي تشنها الدولة ضد الخارجين عليها. ووضع الحرب الأولى والثانية تحت صنف البغي والفتنة، بينما اعتبر الثالثة والرابعة من "حروب الجهاد والعدل"4 . ذلك يعني إنه افرز ما يمكن دعوته بالحروب الظالمة والحروب العادلة. ومع انه اعتبر الحرب بحد ذاتها "انتقام" أي لا عقلانية ومدمرة بطبيعتها، إلا أنه وجد فيها ضرورة وعدلا حالما تكون فتنة مخربة لوحدة الدولة وقوتها. ذلك يعني، انه لم ينظر إلى الحرب بمعايير القيم الأخلاقية، رغم انه لا يلغيها، ولكنه نظر اليها باعتبارها جزء من المسار التاريخي الطبيعي للبشر بشكل عام والدولة بشكل. وبما أن الدولة بالنسبة له هي ذروة الاجتماع الإنساني وأساس الحضارة، من هنا أهميتها المافوق أخلاقية، أو بصورة أدق، أنها الصيغة المنِّظمة والضرورية لفاعلية الأخلاق بشكل عام والسياسية بشكل خاص. من هنا استنتاجه للفكرة السياسية العميقة والمستنبطة من تأمل التاريخ الواقعي عن أن حروب ما قبل العمران لا تصنع غير الدمار والفساد. ومن ثم لا قيمة فيها ولها بالنسبة للتمدن والثقافة والحضارة. على عكس الثالثة والرابعة بشكل خاص، أي تلك الحروب التي تسعى إلى الحفاظ على وحدة الدولة والقضاء على الفتن الداخلية، بوصفه الشرط الضروري للعمران المدني.

وعموما يمكننا رؤية استنباطه للعبر بمختلف أصنافها، التاريخية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وكثير غيرها. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية جباية الضرائب والغرامات، فإنه ينطلق من ضرورتها بالنسبة للدولة. غير انه حالما يتأمل التجارب التاريخية بهذا الصدد يتوصل إلى استنتاج يدعوه بالصفات السيئة لهذه الظاهرة. إذ نراه يشدد على أن ازديادها المستمر عادة ما يكون ليس للاستثمار في العمران بل لتلبية مصاريف البذخ والمتعة. الأمر الذي يؤدي مع مرور الزمن إلى الكساد. وذلك لأن هذا النوع من الجباية كما يقول ابن خلدون يفسد الاعتمار. بينما أقوى "الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين"، بمعنى تقليل الضرائب والغرامات5 . والشيئ نفسه يستنتجه من علاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي. فنراه من جهة يدعو إلى تدخل الدولة من خلال تنظيم الحياة الاقتصادية، كما يدعوها إلى دعم الملكية الخاصة والحفاظ عليها لما لها من أثر في تنمية النشاط الاقتصادي. وفي الوقت نفسه نراه ينتقد سلوكها المخالف لهذا الاستنتاج. وتوصل بهذا الصدد إلى فكرة سياسية اقتصادية وحضارية عميقة تقول، بأن تدخل الدولة ومنافستها للتجار والفلاحين يؤدي بالضرورة إلى إفساد الاقتصاد. وذلك لأن الدولة تمتلك من الموارد ما يكفي لخنق المتنافسين، بينما المنافسة بين القوى الاجتماعية الاقتصادية الضرورية للاقتصاد والاجتماع والعمران ومن ثم للدولة نفسها. ليس هذا فحسب، بل نعثر على استخلاص العبر من التاريخ في مختلف الميادين وتجاه جميع القضايا الكبرى والحساسة بالنسبة للدولة والحضارة، أي للتاريخ بوصفه فكرة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

  ابن خلدون: المقدمة، دار الفكر، ص173.

  ابن خلدون: المقدمة، ص34.

  ابن خلدون: المقدمة، ص213-214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص214.

  ابن خلدون: المقدمة، ص221.

 

زهير الخويلدي"أنا أكون لأني قادر على الوفاء بالوعد"1[1]

يبدو من الجهل القول بأن بول ريكور لا يعرف السياسة من جهة التفكير والممارسة، فهو قد ترأس قرابة عقد كامل الحركة المسيحية الاشتراكية من سنة 1958 إلى سنة 1969 التي انتمى إليها روكار ميشيل، كما أنه تدخل في الحرب التي اندلعت بين المدرسة الجمهورية والمدرسة الكاثولوكية واقترح جملة من الحلول الجريئة والمبتكرة ولكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ثم انه قد ترأس الفدرالية البروتستانتية للتعليم وتم تعيينه من أدغار فور الوزير الأول عميد كلية نانتير وبعد موافقة غير مباشرة من شارل ديغول وهي مسؤولية سياسية تحملها في وزارة التربية ولقد قَبِلَ هذا التعيين ضمن منظور تخيلي للمؤسسة ودورها في حوكمة الادارة واصلاح الجامعة2[2]. إن التردد المنهجي الذي وجد فيه بول ريكور نفسه بين الهرمينوطيقا والفنومينولوجيا وبين فن القصص السردي والمعرفة التاريخية لا يمكن تخطيه وفهمه إلا بالاعتماد على الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية التي تجمع بين التأويل والوصف وبين النقد وإعادة التشكيل وبين تفكيك اللاّمعنى وإنتاج المعنى حول العالم. كما أن تناول مسألة الوعد عند السارد الفاعل لا تخلو من مغامرات تخترق الأنساق ورهانات تضرب في الآفاق لما يقتضيه الكلام عن الوعد من استدعاء للمستقبل على حساب الحاضر والاستنجاد بحكم الحارس والتعويل على الضمير تحليا بالمسؤولية وتعبيرا عن الالتزام طلبا لشهادة الآخر الموعود أمام فعل الواعد. والحق أن الكل يرغب في الاعتراف من الكل ولا أحد يقتدر على تحقيق الرغبة من طرف واحد بشكل تام، والمفارقة تكمن عندما تتسبب العدالة نفسها من حيث هي ممارسة قانونية ذات أرضية سياسية في تأخير الاعتراف وتكرس الازدراء والتفاوت والتهميش وتُبقِي الحقوق الديمقراطية مجرد وعود وأقوال. لكن يمكن التمييز بين وعود مكتوبة ووعود شفوية وبين وعود صعبة التحقيق ووعود سهل المنال وبالتالي التشبث بالوعود هو نوع من الحلم اليوتوبي والسخرية من الوعود هو تعبير عن وعي تاريخي وحس ناقد. في الواقع ان الوعود الأكثر صلابة هي المرتبطة بالقناعات الوثوقية مثل وعود الدين والايدولوجيا والعلم والأعراف بينما الوعود الأقل صلابة تبقى مجرد ظنون وتخمينات مثل الوعود الاقتصادية والسياسية والعاطفية، ولذا يتراوح قطع الوعد بين الاتفاق على موعد والالتزام بالعهد وإبرام العقد والوفاء للحب. بهذا المعنى تكون وظيفة الهرمينوطيقا النقدية هي الحكم والتمييز بين وعود تأسيسية مصيرية يفترض أن يتم الوفاء والالتزام بها ووعود ترقيعية التفافية يجب كشف حيل السلطة في نطاقها وبؤر الرغبة في لغتها.

يراهن هذا المبحث على فهم الايتوس السياسي المعاصر ضمن المنعطف القانوني للرد على التوتر القائم بين الديني والمدني عبر تأويل الوعد لكي يكون ممرا آمنا من العدالة إلى الاعتراف عبر وساطة السرد.

القسم الإشكالي:

كيف يحترم المرء الوعد الذي قطعه على نفسه؟ ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر لكي ينجز ما وعد ويصبح حرا وينعت بالمصداقية ؟ وإذا امتنع عنه ذلك أليس عدم الوعد أفضل من وعد لا يتحقق؟ هل يعد المرء بالكثير من أجل تحقيق القليل؟ ما وجاهة التباطؤ في قطع الوعود من أجل الحرص على الوفاء بها؟ ألا يمثل الإخلاف بالوعود رذيلة وخروج عن الأخلاق المروءة؟ ماهو العقاب المناسب للإخلاف بالوعد؟ أين يمكن تنزيل الصفح أو الغفران في هذا السياق؟ وأي قيمة للوفاء بالوعود مع الأعداء؟ أليس من البلاهة الإكثار من الوعود دون تجسيم ووفاء؟ وبأي معنى يكون من أعطى وعدا بمثابة من قيد نفسه بالالتزام به؟

لكن من يعد من؟ بماذا يعد؟ أي ماهو موضوع الوعد؟ ولماذا يقدم وعودا؟ ومن أجل ماذا؟ وماهي الوسائل التي يعتمدها؟ أي بماذا تقطع الوعود؟ وماهي التبعات الحاصلة عن الالتزام بالوعود أو عن الإخلاف بها؟ وهل النقص في الاعتراف ناتج عن التلاعب بالعدالة أم إساءة استخدام الذاكرة والتنكر للوعود المقطوعة؟ وكيف يحوز تسجيل الوعد على الحدود الرابطة بين الهوية السردية والهوية الإيتيقية على مشروعيته؟

بيد أن التحدي الأول تفرضه الصلة بين الوعد من حيث هو قيمة أخلاقية ومبدأ معياري يستخدم في تنظيم العلاقات بين الأفراد والمجموعات والهرمينوطيقا من حيث هي نظرية في تأويل النصوص المكتوبة والأقوال الشفوية الموروثة والأعمال الرمزية التي تندرج ضمن الفن والتاريخ والدين والحياة وأيضا بوصفها تجربة لغوية تهدف إلى استخلاص المعنى وفهم الحياة البشرية ومعرفة غير المعروف فيها.

التحدي الثاني يفترضه استدعاء الفلسفة السياسية بغية النظر في قيمة إيتيقية والتأكيد على فكر سياسي مختلف والتركيز على الزوج المفهومي المتكون من الاعتراف والعدالة والأول من أجل علاج الازدراء والتأكيد على الكرامة والمشاركة والثاني من أجل الحد من التفاوت والاقتراب من المساواة والإنصاف.

التحدي الثالث هو المخاطرة التي تقوم بها الفلسفة عندما تقدم وعودا وتتناول من جهة المبدأ مسألة الوعد وذلك للخطورة التي يكتسبها هذا المفهوم وما يترتب عن الإخلال به من تداعيات سلبية وتبعات مجهولة، إذ يفترض تسلسل للوعود إلى ما لا نهاية أي وعد قبل الوعد المتعهد به ووعد آخر بعده ضمن علاقة الأنا بالآخر والنحن بالهم، وهناك وعود على مستوى الأقوال تريد أن تتحول إلى أفعال ملموسة ووعود مكتوبة تنتظر التحقق بإخراجها من دائرة الافتراضي الممكن إلى دائرة الواقع المتعين، بالإضافة إلى وعود دينية مبلغة يتم التخلي عنها عبر مسارات للعلمنة والتحديث ويتم استبدالها بوعود سياسية وحقوق مدنية3[3].

فما الفرق بين الوعد بالمعنى الإيتيقي والعقد بالمعنى السياسي؟ وهل يتم التخلص من الشراكة الاقتصادية والميثاق الديني؟ وكيف يمكن الاستفادة من الانعطاف الإيتيقي في الدراسات الفلسفية في الوفاء بالوعود؟ ما قصة الوعود التي لا نجد لها أثر في الواقع؟ ألا يتنزل الوعد ضمن التلازم التداولي بين القول والفعل بحيث لما يتم التعهد قولا فإن الوفاء يكون فعلا؟ولما لا يلتزم بها من قطعها على نفسه ولا تعرف طريقها؟ ماهي الوعود التأسيسية التي تميط الهرمينوطيقا عنها اللثام باشتغالها على الموروث الديني؟ والى مدى تتعرض الفلسفة للمساءلة عندما تطرق باب الوعد؟ وماهو الخطر الذي يمثله الوعد على الساحة السياسة؟ وهل المطلوب هو سياسة خالية من الوعود أم يفترض أن تلتزم السياسي بالوفاء بالوعود التي تعهد بها؟ وبأي معنى يشيد كل من الاعتراف والعدالة (التعارف العادل) الطريق الملكي نحو مجتمع غير شمولي؟

يمكن تجاوز هذا التباين الظاهر بين المصطلحين بالانتباه إلى وجود خيط رابط رهيف بين هرمينوطيقا الذات والقدرة على الوعد وبالتفكير في المفارقة الأولى التي تدعو إلى الاحتراس من إطلاق الوعود دون تروي وبينة من القدرة على الوفاء بممارسة تأويل الوضعية ومعرفة فضاء التجربة وفهم أفق الانتظار.

الإشكالية المركزية: هل حركة الوعد التي يقطعها الإنسان على نفسه هي شكل من أشكال التمثل الذاتي للذات أم أنها استجابة للذات نفسها في المستقل واستجابة للذوات الأخرى و العلاقات المستقبلية معها؟

في هذا السياق يتنزل سؤال ما الإنسان؟ الذي طرحه كانط، في إطار بحثه عن تعريف نقدي للفلسفة الكونية، في نهاية سلسلة الأسئلة التمهيدية: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟ وما الذي يجوز لي أن آمل؟، هذه الأسئلة الثلاثة ليست وحدها القادرة على التمهيد للسؤال الحاسم ما الإنسان؟ بل يجب ألا تبقى أسئلة ثلاثة متنوعة وأن يظل الجواب مقيد بالضرورة بسلسلة من المراحل التمهيدية (المعرفة والأخلاق والدين) وإنما يمكن التركيز على السمة الحاسمة التي يتضمنها الضمير أنا je في كل واحدة من هذه اللحظات الثلاثة: أنا أعرف، أنا أفعل، أنا آمل. يتحقق كل ذلك عن طريق البناء غير المباشر والتطوري لمعنى أنا الذي تتحرك ضمنه مصادر الفلسفة الأنثربولوجية بقسميها التحليلي اللغوي والفنومينولوجي التأويلي4[4].

والحق أن "الجواب السالب للسؤال حول من أنا؟ يحيل ليس فقط إلى السلبية بل أيضا إلى عري السؤال في حد ذاته"5[5]،هنا يجب استبدال أنا بالشخصية التي تكون في صورة محايدة من أجل التعبير عن الذاتSoi نفسها التي يمكن وصفها تخيليا. لعل السؤال الفلسفي من أنا؟ (qui suis-je ? ) يفيد السؤال: من يقدر على ماذا؟ Qui peut quoi ? الذي تم طرحه في اللاحق لتعديل الأسئلة التالية: من يريد ماذا؟ (qui veut quoi ?) من يقدر على الكلام؟ من يقدر على الفعل ؟ من هي الذات التي تقدر على تحمل تبعة أفعالها بالمعنى الأخلاقي؟ ومن يقدر على الوعد؟ (qui peut promettre ?) هل من الممكن توضيح القدرة على الوعد من خلال دراسة الأسئلة التالية من حيث هي تمثل خيطا ناظما: أي نوع من الفعل يتضمنه الكلام عن فعل الوعد؟ ومن يطرح أسئلة مليئة بالوعد؟ وأي رابط يمكن أن تشييده بين الوعد وفعل قطع الوعد؟ وماذا يعني التصريح بالمسؤولية تجاه الوعود؟ والى أي مدى تتحقق المسؤولية فرديا وجمعيا؟

في هذا الإطار ينطلق الجواب الذي يضعه ريكور قيد للاختبار من فكرة الإنسان بلا صفات:l’homme sans qualités،القول بأني لا شيء ينبغي أن تحافظ على شكلها المفارق: لاشيء يعني أنه لاشيء بالفعل يمكن إضافته إلى الأنا، فمن هو الأنا عندما يقال عنه أنه لا شيء؟ انه بالتحديد ذات محرومة من نجدة الهوية mêmeté 6.[6] لقد تم المرور من أنا مَن يريد Je suis celui qui veut إلى أنا مَن يقدر Je suis celui qui peut، فالوعد إذن هو حركة أو فعل يتم استكماله بواسطة فاعلين من الناس هم الواعد والموعود والشاهد عليهما.

القسم المفهومي:

1- الوعد promesse هو الإخبار عن عمل أمر معين في المستقبل وهو من الأمور التي لا يفعلها سوى الأوفياء من الناس الذين يخلصون النية ويتخلصون من النفاق ويتحلون بالالتزام. بذلك يسمح الوعد بأن يقوم الأنا بإخبار شخص ما بأنه سيقوم بعمل ما في المستقبل من أجله، ويعتبر الوفاء بالوعد من الأخلاق الحميدة التي يجب التحلي بها. لكن الخطورة أن يكون عناد الإرادة عند تصلب الأنا هو المرض الخفي للوعد. لقد اقترن الوفاء بالوعد باحترام المواعيد واستيفاء العهود وأداء الأمانات إلى أهلها وتقدير كرامة الإنسان. من الناحية الاصطلاحية الوعد الصادق هو كلام الشرف والتواصي بالحق والتناصح بالصبر والالتزام بالتطبيق وتحمل المسؤولية. فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بتقديم الوعود والإصرار على تحقيقها وبالتالي هو قادر على تقديم الوعود والاتجاه نحو الوفاء بها ولكن عندما تذهب وعوده سدى ويفشل في الالتزام نظرا لكثرة العراقيل وتزايد الرغبات والموانع فإنه يعزف عن التصريح بالوعود لتفادي الإخلاف والوقوع في الكذب والنفاق.

2- الاعتراف reconnaissance : المحنة التي لا يمكن التعرف عليها من طرف الكل وما لا يمكن الاعتراف به épreuve de méconnaissable ،غير أن الذات القادرة على الاعتراف soi capable de reconnaissance، قد تحقق المعجزة الصغيرة في الاعتراف إذا ما كان تعيين الهويةreconnaissance-identification يغادر المعروف من الذات وقد يبلغ مستوى عال بالاعتراف بغير الذات عينا Reconnaitre soi-même comme un autre.

3- العدالة justice : التركيز على فاعل العدالة: العادل، وعلى واجب العدالة، والإنصاف هو العدالة التوزيعية7[7]، والاقتراب من فكرة دوائر العدالة عند مايكل والزر بالقول بوجود حالات متعددة تطبق فيها العدالة وفق وضعيات مخصوصة والتقليل من أهمية القواعد العامة والقوانين الكلية ومراعاة الروابط الاجتماعية والنظام الرمزية التي تتقاسمه المجموعات والمنطق الداخلي الذي تدرك به كل مجموعة انتمائها للكل8[8]. لقد كشف ريكور عن وجود علاقة قرابة بين المبدأ الثاني للعدالة عند رولز حول التوازن المعقول والقناعات الأكثر أهمية ووصية الحب والتي ساعدته بأن يجازف بإظهار الشكل المتخفي لتقديرها النفعي9[9]. كما يسعى ريكور إلى تأكيد الفعل التعاضدي للحب والعدالة وذلك بتوجيه مسار الأخلاق لا إلغائها من أجل تصحيح مسار السياسة بإعادة قاعدة العدالة ضد ميلها النفعى باستخلاص المضمون المعياري للحب واعتبار التعريفات التراثية الدينية الثلاثة : النظرة المتساوية والتضحية بالنفس والمعاملة بالمثل صورا للحب تسبق العدالة. هكذا يحاول ريكور إيجاد توازن في الحياة اليومية على الصعيد الفردي والقانوني والاجتماعي والسياسي قابل للممارسة يصل إلى حد الإدماج الثابت بين الرأفة والسخاء في القانون الجنائي وقانون العدالة الاجتماعية ولقد تحفظ على وجود نظرية تداولية للعدالة10[10]، ورأى أن تكون العدالة الوسيط الضروري للحب بينما لا يستطيع الجب أن يدخل دائرة الممارسة والأخلاق إلا تحت مظلة العدالة11[11].

 

 

 

4- الهرمينوطيقا Herméneutique :l’art de comprendre

تكمن الهرمينوطيقا في نظرية أو فن الترجمة، والتأويل: لرسالة، أو حلم، أو أعراض لأمراض، أو قانون، أو علامة، أو نص. تتطلب هذه الملكة التأويلية للنصوص نظرة ثاقبة مثل تلك التي يتم بها تأويل خريطة. دعونا نسمي هذه الملكة معنى الاستفهام في النص والتفريق بين أسئلته، أي الملكة التي تمكن الذات من تخيل وجهات نظر مغايرة لوجهة نظرها الأصلية وتتصور أسئلة أخرى مختلفة عن السؤال الخاص بها. فكر الرمز، علم التأويل، التأويلية، منهج التفسير، الفلسفة التفهمية، فن الفهم. يجمع من خلال فلسفة التأويل بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود وبين الارتياب والإقرار وبين العوالم الرمزية وعالم النصوص وبين فهم الذات والمنعرج اللغوي وبين الإبداع الدلالي والتحبيك السردي وبين حكمة التعقل ونظرية الفعل. في الواقع البحثي والمعرفي ليست الهرمينوطيقا عند ريكور هي التفسير الديني exégèses bibliques وإنما تتناول مسألة التأويل بشكل دائري بين التفسير والفهم وتهتم بالأسس والغايات التي تتضمنها النصوص والعلامات النفسية. بهذا المعنى الهرمينوطيقا في البداية اهتمت بتحليل للرموز ثم تناولت بالدرس مختلف الاستعارات وبعد ذلك عرجت على تحليل القصص التاريخي والادبي وتأويل السرديات وعلى إثر ذلك انتقلت إلى نقد الأحداث التاريخية وتعقل الأفعال البشرية والظواهر الذاكرية والتجارب السياسية.

القسم التحليلي:

الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد:

لم يبلور بول ريكور تحليلا فلسفيا مرموقا (على شاكلة الوصف الفنومينولوجي أو التجربة التأويلية) عن مبحث الوعد إلا في المؤلفات التي كتبها بعد عام 1990 زمن"عين الذات غيرا" باعث هرمينوطيقا الذات وحينما دون سيرته الفلسفية ورحلته الوجودية بأسلوب شيق ضمن كتاب "مسار اعتراف"عام 2004. صحيح أن الكتابين تناول نفس المبحث: الوعد promesse وضمن نفس ورشة الهوية الشخصية، ولكن الاختلاف كان بينا في طريقة المعالجة والسياقات والرهانات حيث جعل ريكور في الكتاب الأول مفهوم الوعد في تعارض مع الطابعcaractère وفي الكتاب الثاني وضعه وجها لوجه مع الذاكرةmémoire .

-  التحليل الأول: الوعد والطبع:

الوفاء بالوعد هي النظرية الخارقة التي أبدعها ريكور في كتاب "عين الذات غيرا" وذلك عندما حرص على ربط إثبات الإنية وتحقيق كينونة الموجود بامتلاك القدرة على الوفاء بالوعد والالتزام بتنفيذ الأقوال. وإذا كان المرء يشهد الكثير من التغيرات منذ طفولته إلى كهولته مرورا بزمن الشباب فإنه يقوم بتطوير عدد من طباعه وعاداته وأذواقه في مأكله وملبسه ويذهب إلى حدود استبدال مواقفه السياسية والأخلاقية. وقد يتاح له تغيير ملامح وجهه من خلال عمليات التجميل ويمكنه أن يغير كل شيء من ذاته إلا كيانه، إذ كيف يشتغل في هذه الظروف من اجل المحافظة على شيء معين فيه يمكنه من التمييز بين الحق والباطل؟ ومن أنا في هذا التنوع بحيث يمكن الاعتماد عليّ ؟ وكيف أكون أصون ذاتي وسط التغيرات التي أحياها؟

ما يحافظ على هوية الذات متماسكة وسليمة بالرغم من تغيرات الزمن هو إعطاء وعود عن طريق الكلام، لأن عملية التصريح بالوعد من خلال القول هو التعهد بالالتزام به في فترة لاحقة والوفاء بصورة ملموسة في المستقبل من جل الغير الذي قلت له ذلك12[12]، فالغير لا يمكنه التصرف إلا عبر الوعد الذي تعد به الذات13[13].

على الرغم من التغيرات، فإن الذات تظل قادرة على الوفاء بوعده لعدة أيام وأعوام وعلى طول حياتها وحتى في ظل غياب الغير الذي كانت قد قدمت له وعدا بالكلام من أجل الالتزام بالمبدأ وإرضاء الضمير. فالهوية لا يمكن تصورها دون أن تحرز على دوام زمني مقبول. لهذا انصبت كل مجهودات ريكور حول تحيين نموذجين من الدوام في الزمان يختص بهما شكلان من الهوية الشخصية يشار إليهما بالعينه والذاته. بطبيعة الحل الهوية العينية هي هوية تطابقية عددية تتحرك وفق نموذج الطبع بينما الهوية الذاتية هي هوية مركبة من العديد من الأبعاد وتغير جملة من المتغيرات وتجد في الوعد رمزها الإبداعي والمحرك الذي تفجر به قدراتها على الخلق والتطور والتجديد وإعادة تشكيل الذات والتوجيه نحو المستقبل وفق اختيارات سديدة.

اللافت للنظر أن مصطلح الطابع سجل حضوره منذ الكتابات الأولى بول ريكور وخاصة أطروحة فلسفة الإرادة من خلال قسميها: الإرادي واللاإرادي والإنسان الخطاء، ولقد تم تصويره في صورة معارضة لقطب آخر، إذ كان قد شكل البعد المتناهي من الشخصية وطبيعته غير المختارة وبالتالي كان قد رسم حدودا لشكل من الهوية هو تحديدا الهوية العينية وكان قد تسبب في بقاء الذات هي عينها. في هذا المقام نجده قد صرح: " هذه الجوانب المختلفة للتناهي –منظور، حب الذات المنبثق من الذات، الإدمان والقصور- تجتمع كلها في الطبع...إن الطبع هو الانفتاح المتناهي لوجودي، مأخوذا ككل."14[14] أما في كتابه "عين الذات غيرا" فإن ريكور يعيد تأويل مفهوم الطبع بما يسمح له بربطه بالاستعدادات المكتسبة والرموز الثقافية وذلك لكي يقوم بإزالة خاصية الثبات التي يتصف بها وينزع عنه الاستقرار وينسب ما يسمه من بعد كلي.

- التحليل الثاني: الوعد والذاكرة:

في القطب المقابل يوجد الوعد، ومعه أصبح بالإمكان اقتران الفعل بالقول تصديق لعبارة أوستين : أن أقول هو أن أفعل"، وبأكثر دقة: أن أعد هو أن ألتزم في الغد بانجاز ما قلت اليوم بأني سأفعله. بيد أن إمكانية الوفاء بالعهد المقطوع عند الكلام المعطى تشير إلى استمرارية في الزمان لنوع آخر من صيانة الذات حيث تظل في تجردها تصارح نفسها بالتغير والتبدل عوض أن تطابق مع الهوية العينية للأشياء. على هذا النحو يقوم ريكور بحجز مصطلح الإنية ليمنحه للهوية الذاتية التي لا تقبل أن يتم اختزالها في الهوية العينية. لكن لا يمكن اختزال مشكل الوعد في قضية صيانة الذات من خلال حفظ كيانها من التغير وإنما يتم منح هذا القول إلى آخر، أي كل قول معطى هو مقيل إلى آخر وبالتالي يحقق منفعة الآخر. إن هذه البنية الحوارية هي التي تحفظ الوعد من المخاطر التي تستهدف والتي نبه منها كل من نيتشه ودريدا.

إن الوعد بماهو التزام بالمستقبل يصلح غير المتوقع ويتفادي الطارئ والمفاجئ والمداهم ويمكن أن يصير حسابا أو برنامجا يكشف من خلالهما عن إرادة صلبة وعنيدة والوسيلة الوحيدة التي تجنبنا هذا الخطر هي قلب نظام الأولوية بين الذات الواعدة ومنفعتها. إن الالتزام تجاه الغير يسبق ويؤسس الالتزام بإتمام الفعل. من هذا المنطلق يتحرك الوعد ضمن مطلبين أساسيين: الأول هو ضمان استمرارية الإنية عبر محافظة الذات نفسها على هويتها بالاستجابة لمطالب الآخر، والثاني يشهد على انجاز الإنية عبر وساطة الغيرية. في "مسار الاعتراف" يعمل ريكور على جعل الذاكرة تساهم في بقاء الهوية العينية دون أن تتناقض مع الدور المسند في السابق إلى الطبع ولكن يشير إلى أهمية البعد الزمني للطبع والزمانية الخاصة بالوعد. إذا كان الطبع هو الموضع الذي يترسب فيه الماضي الشخصي وتحرص الذاكرة على صيانته من التلاشي فإن الوعد يهتم بمعاصرة كل مبادرة تجعل من المستقبل أمرا ممكنا وتتيح إمكانية ولادة ثانية للذات عينها.

من المعلوم أن الوعد عند ريكور يعد إلى جانب الذاكرة وبدرجة أقل الصفح أحد الأقطاب التي تعول عليها الذات من أجل أن تصل الهوية الشخصية إلى مرتبة الاعتراف بذاتها وبالتالي يمثل الوعد هنا البعد الزمني للاعتراف بالذات ويتأسس في ذات الوقت على تاريخ الحياة للذات والتزاماتها تجاه المستقبل لمدة طويلة. لكن إذا ظهر تعارض واضح للعيان بين الهوية العينية la mêmetéوالهوية الذاتية l’ipséité كيف يتم إيجاد واسطة بينهما؟ وكيف يتسنى للهوية الشخصية التي تتميز بالدوام في الزمان أن تعيد تشكيل نفسها بالاستقطاب لغيرها وبالانفتاح على العالم والتطور تحت تأثير التجارب والاستفادة من تغيرات التاريخ؟

يعهد بول ريكور إلى مفهوم الهوية السردية القيام بهذه المهمة ولكن هذا النمط من الهوية من حيث هو نمط سردي يجد في صورة الشخصية البارزة personnage الأسلوب المناسب لانجاز الذات على أحسن وجه. على خلاف مفهوم الطبع الذي تعود الأدب الكلاسيكي على تعريفه بكونه تصور الذات لنفسها وفق نموذج المماثل يقوم ريكور بتوظيف مفهوم الشخصية التي لا تتحدد بماهو كائن فيها بل بما تقوم بفعله في الحال. عندما تشترك الشخصية في الحبكة بطريقة نوعية من جهة وتنخرط في سلسة من الأسباب والنتائج بطريقة مغمورة وحاملة معها ماضي موروث وطبع معين تتفرد به فإن السرد يحوز على القدرة التي تمكنه من منحها مبادرة من أجل الشروع في القيام بسلسلة من الأحداث وانجاز أفعال من جهة أخرى. إذا كانت الذات هي التي تقوم بالفعل فإنها تغوص في نسيج يفيض عليها ويسبقها ولكن يسمح لها بأن تمزق هذا النسيج وتخرج لكي تشيد شيئا آخر، فيمثل "السرد تاريخ هذا المرور من الواحد إلى الآخر"، ويكون ليس فقط تاريخ هذا الانتقال بل الموضع الوحيد الذي جرى فيه والشرط الوحيد الذي يجعله ممكنا. إذ كيف يمكن تجميع الحياة التي تتكون من فترات متقطعة وعناصر المتعددة وتجارب مشتتة في أمر واحد سوى السرد؟ ألا يمكن للشخصية التوسط بين قطبي الدوام في الزمن لجلب حل سردي للهوية الشخصية؟ وهل يمكن التعويل على الوعد في عملية ثبت الهوية الذاتية والالتزام بالعدالة؟

تحتل ظاهرة الوعد مكانة أساسية في المشروع الفلسفي عن ريكور الساعي إلى بناء هرمينوطيقا للذات، ولقد وضعه في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان" في قرابة مع مفهوم الشهادةTémoignage أين نجده يقول:" إن الوعد قبل أن يكون وعدا هو وعد المحافظة على الكلمة وبالتالي يتفادى الوعد الذي يعد نفسه. فما الفرق بين la promesse de tenir parole و la promesse elle même promise؟

هذه هي الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد كما قدمها بول ريكور في قسم كبير من مؤلفاته، فكيف يمكن قراءة عمل فني يصف ما يحدث عندما يضع عدد من الممثلين تخيليا وسط حبكة شخصية تقطع على نفسها وعد ويكون ذلك هو فعلها الأول؟

الرهانات العملية: تقاطع الاعتراف والعدالة: في التعارف العادل بين الإنية والغيرية عن طريق الوعد. لقد بحث مؤلف الإنسان الخطاء من خلال فلسفته السياسية والقانونية عن منزلة العادل في المدينة وانتبه إلى أن أزمة المشروعية التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تجد طريقها إلى الحل والانفراج وأن المطلوب هو إعادة تثمين السياسي عن طريق الاهتمام بمسألة الحق ومحاولة التأليف بين قدرات الذوات على استهداف الخير المشترك والأخذ بعين الاعتبار الوضع الهش الذي يكون عليه الأشخاص وتعرض المؤسسات إلى إمكانية التعطيل وإيجاد تقاطعات بين التوجهين من أجل ممارسة الحكم واتخاذ القرار الذي يؤول العادل في الوضعيات الخاصة ويقوم بتوزيع ما يستحقه كل واحد حسب حكم القاضي ومطلب المواطن بما يسمح بإعادة بناء رابط اجتماعي متين في مدينة مابعد صناعية ملتهبة15[15].

لقد صاغ ماكس فيبر مجموعة وعود العالِم عبر إتقان التركيب بين التفسير والفهم في دراسة الظواهر الإنسانية بغية توخي الفردانية المنهجية التي تلازم الحياد الأكسيولوجي على الصعيد الإيتيقي وترد الكيانات الجماعية إلى إنشاءات متفرعة عن تفاعلات بشرية وتقف على تلاشي سحرية العالم وطالبة الخلاص والإنقاذ من المعقولية التاريخية التي لا تزال تمثل أداة تحرر وفعلا مقاوما للإغراء العدمي الذي تمثلته النظريات النقدية 16[16]. بيد أن حارس الوعود حسب أنطوان غربون الذي قدم له ريكور يظل متمسكا بالمؤسسات القانونية للدولة الديمقراطية من أجل مواجهة التناقض الصارخ بين أزمة الشرعية التي تقلص نفوذها على الحياة العامة وظلم العدالة التي قوننت الحياة العامة والخاصة قصوويا وارتكبت الكثير من التعسف والقسوة17[17]. لكن ما طبيعة المؤسسات العادلة؟ وكيف انتقل ريكور من مفهوم العدالة إلى معنى العدالة؟

تدبير المؤسسات العادلة:

"لا يقلل معنى العدالة أي شيء من الاهتمام. انه يفترضه الى درجة أنه يتمسك بالأشخاص الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. من ناحية أخرى، تضيف العدالة الى الاهتمام بقدر ما يكون حقل تطبيق المساواة هو الإنسانية جمعاء"18[18]

لقد تحدث فلاسفة السياسة عن الدولة المدنية وعن عقل الدولة الكلي في مقابل عقول الأفراد الجزئية وعن العدالة ولكنهم لم يولوا عناية كبيرة ما عدى قلة منهم بمسألة المجتمع المدني وعن مؤسساته وبالخصوص الأسرة والشغل والشرطة ونظام الحاجات ودورها التوسطي الضروري للمرور من جزئية الفردي الى كلية الدولة من زاوية تحقيق المنفعة الاجتماعية والاقتصادية19[19]. بهذا المعنى يعتبر بول ريكور فيلسوف الإيتيقا التي تقدم وعدا للمواطنين بأن يعيشوا في حياة جيدة ومستكملة مع الغير أو الآخر في المؤسسات العادلة وأن تتوزع العدالة السياسية على مجموعة من الدوائر ولكنه أضاف جملة من الملاحظات النقدية حول صفات العادل والعلاقة بين الرئيس والفيلسوف وقام بالتمييز الإجرائي بين خصائص المؤسسات العادلة والمبادئ المعتمدة والتطبيقات الممكنة20[20].

لقد ركز ريكور على دور المؤسسات في استهداف العدالة وبحث عن استمراريتها في أداء دورها ومحافظتها على اشتغالها الناجع وآدائها لوظيفيتها وفرق بين الجيد والعادل ووضع بين الحياة الجيدة والمؤسسات العادلة وسيطا ضروريا هو الحياة المشتركة للذات مع الآخرين ومن أجلهم.

لكن ماهي العلاقة بين النظرية والممارسة أثناء تطبيق القوانين المنظمة من طرف المؤسسات لكي تكون عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وألا يجب أن تخضع الممؤسسات للحوكمة الجيدة؟

يقوم ريكور بوضع الحدود التي تتوقف عندها التصورات الإجرائية21[21] لدولة الحق أين يتم تثبيت المعضلات التي تعاني منها الديمقراطية ويحاول تنظيم المواجهات بين التصورات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضن المؤسسات دون أن يبلغ حلا نهائيا حولها. من المعلوم أن البديل المقترح من طرف بول ريكور عن التصور الإجرائي هو التجاوز النوعي من خلال اليوتوبيا ضمن الاطار الديمقراطي للعادل المفهوم كمساواة دون التخلي عن الكفاح من أجلها. ماذا ينبغي أن يفعل الكائن البشري لكي يعيش حياة جيدة؟ وماذا يجب أن يستهدف لكي يحيا جيدا؟

في الواقع من يريد من السياسي العادل أن يبلور له حياة جيدة ينبغي أن يعيش في مؤسسات عادلة وأجهزة ناجعة وأن يكون إنسانا قادرا على الكلام والفعل والوعد والاختيار والمبادرة وعلى العزوية ويجب أن يحرص على تقدير الذات واحترام المؤسسات وأن يعمل على دوام هذه المؤسسات. كما تتمحور السياسة العادلة عند ريكور حول دائرة الاهتمام بالغير والعناية به ومواساته والاشتياق إليه والتعاطف معه والتأثر به والتواصل معه ومؤازرته عند الضرورة وتقديم العون له عند الحاجة والارتباط به ومع غيره في علاقات شائكة ومعقدة في الحياة الاجتماعية من الولادة إلى الوفاة والتحول إلى رهينة الآخر ومتقبل سلبي أمام حضور الغير دون امتلاك أي قدرة ايجابية. بطبيعة الحال لا يقدر الإنسان أن يعيش حياة جيدة وهو في حالة عزلة ومنطوي على ذاته ولا تجمعه علاقات مع غيره ولا ينتمي إلى جماعة تاريخية ولا يشكل جزاء من البنيات الاجتماعي للعيش المشترك. من هذا المنطلق تساعد الإيتيقا من خلال مجموعة من القواعد الذهبية الكائن الإنساني على التمتع بالحياة الجيدة والمستكملة وذلك باستهداف معنى العدالة وعدم الاكتفاء بمفهومها النظري وشكلها القانوني وبمحبة الخير للغير على نفس منوال محبة الخير للذات والتضامن معه ومساندته عند الشدائد. على هذا الأساس تقف المؤسسة السياسية على نفس المسافة الفاصلة بين الأنا والآخر وتتميز بالحياد والموقف المتوازن من القوى المتصارعة وتتعامل بالتعاطف والمحبة والشفقة والتآزر. إذا كانت فكرة العدالة تفور الإطار القانوني لاحترام الغير من حيث هو مواطن فإن معنى العدالة يمنح الأرضية الإيتيقية للرأفة بالغير من حيث هو شريك والإحسان إليه من حيث هو صديق. بعد ذلك ينتقل ريكور بحذر شديد من سياسة المواجهة والتناظر بين الأنا والآخر في الفضاء المدني إلى سياسة التكامل والتآزر بين المتجاورين في نفس المجال المدني والمتقاسمين لنفس الفضاء العمومي22[22].

بعد ذلك يعود الى نقد هيجل لكانط في فكرة لااجتماعية الاجتماعي ويعتبر الفعل الأخلاقي بين الأشخاص دون عالم وبلا مجتمع فارغا وغير ناجع ويقوم بتثمين فكرة الأخلاق الاجتماعية23[23] وما تتوفر عليه من شيم ومكارم وأعراف وتقاليد تنظم العلاقات بين الأفراد في الجماعة التاريخية ويعتبر عالم الأنفس الطيبة هو عالم الإرادة الحسنة التي تريد فعل الخير المجرد ولكن ذلك الخير الفاقد للطابع الكلي وبالتالي يقوم الإنسان بفعل الخير دون أن يتمكن البتة من بلوغه بشكل متعين. لقد أرجع هيجل الأخلاق الى المجتمع ضمن علاقة الفرد مع غيره من الأفراد ومن أجل الآخرين في مجتمع مليء بالرغبات والممارسات والشيم العينية وفي عالم تنظمه جملة مؤسسات سياسية اجتماعية أين تتجسد الأفعال وتتخطى عتبة الجزئي والخاص والعيني لكل تعانق الكلي والكوني. لقد راهن ريكور على دور دولة الحق في بناء مؤسسات عادلة وشركات خاصة تشتغل في الإدارة والخدمات وتنظم الجوانب العمومية على غرار مؤسسات التعليم والصحة والقضاء. لقد ساند ريكور هيجل في تعويضه المبدأ الأخلاقي بالأخلاق الاجتماعية ولكنه تساءل عن عدم قدرتها على منع صعود النازية وكشف عن قوة الأخلاقية في المقاومة وتكنها من تأسيس فكرة معينة عن الإنسان العادل خارج إطار النسق السياسي الشمولي الذي اقترن مع الكارثة النازية. إذا كان هيجل يحيل العدالة إلى المجتمع فإن ريكور يفضل إحالتها إلى المؤسسات الشرعية من حيث هي شبكة تنبض بالحياة والفعل ومجال نشاط الفرد الإنساني من حيث هو ذات قادرة على بناء علاقات مع الأشخاص لا على قاعدة المحبة والصداقة حيث يغيب التبادل وتحضر الهدية وانما على قاعدة التوزيع المتوازن والتكامل الحقيقي حيث تتشكل صورة كل واحد ليس بوصفه أي كان وانما من حيث هو الشريك في النسق التوزيعي والذي يكون المستلم للقسمة العادلة24[24]. هل يمكن تأسيس مؤسسات عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة في دولة انطلقت في البناء الديمقراطي؟

تزايدت الشكوك حول علاقة المؤسسات الدستورية والسياسية بالعدالة وظهرت نزعة ريبية إزاء صوابية المؤسسات وفقدت الثقة في بلوغ دولة ديمقراطية قد تبتعد عن القانون وتقع في العنف. في هذا الصدد يفسر بول ريكور الهشاشة الكبيرة التي تتصف بها العلاقة البيذاتية وصعوبة تشييد حياة جيدة مع الآخرين ومن أجلهم بالتنبيه إلى عوامل كثيرة وأسباب عديدة على غرار طغيان النزعة الفردية وفقدان النزعة الاجتماعية وتزايد أشكال الانقسام والتنازع وتراجع التعاونية والقدرة على التفاهم. لقد أثر التعقيد الذي يتصف به المجتمع المعاصر على شروط التواصل وفرص الحوار وإمكانية إيجاد نقاط ارتكاز مشتركة وابرام تسويات بين المواطنين ودفع المستقبل إلى طرح أسئلة شائكة على المهمشين وتحميلهم مهام عويصة ليست من مشمولاتها وبالرغم من إقصائهم قواعد اللعبة. لقد أيد ريكور فكرة المجتمع الذي يتكون من ثقافات متعددة التي نادى بها تايلور ونقد النزعة الكونية المجردة عند هابرماس ورولز التي لا تعرف سوى بالمواطن الذي يقدم الحجج وليس الناس الذين يعيشون حياة طبيعية ووينتمون الى جماعات تاريخية ولهم عادات وتراث رمزي25[25]. غني عن البيان أنه يتعذر بناء مؤسسات عادلة لا تراعي الثراء الذي تتصف به الهوية الثقافية للأفراد على مستوى المضمون والقناعات الدينية والممارسات الاجتماعية التي يقوم بها المواطنين بصورة عادية. كما يقر ريكور بوجود مشكلة فيما يخص الكلي المجرد الذي يزعم إمكانية إلغاء جميع الفوارق بين الهويات وكل الاختلافات القائمة بين الجماعات ويتفطن الى كون التمفصل الفعلي ليس بين الكلي والجزئي بل بين الكلي المجرد والتاريخي ويبرز بصورة لافتة في التعارضات السياسية والاثنية. لقد جعل من قضية الهوية ومبدأ الاختلاف في مواجهة النزعة الكونية ودفع بالنقاش المواطني والجدل العمومي والانخراط في أفعال تواصلية في اتجاه بلورة رؤى متعددة حول المعايير والقيم التي تحدد دوائر الانتماء إلى الجماعة التاريخية26[26].

يطرح بعد ذلك معضلة الأولوية بين العادل27[27] والجيد28[28] وينتصر للعادل على حساب الجيد لأن الكائن البشري يمكنه معرفة العادل وتعريفه بسهولة أكثر من الجيد لأنه لا يتوقف على المساواة. على هذا الأساس يفرق بين توجهين حول مفهوم العادل:

-  التوجه الآدابي الذي فتحه كانط من خلال قاعدة الأمر القطعي التالي: افعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر ليس كوسيلة وإنما دائما أيضا كغاية في ذاتها.

-  التوجه الغائي الذي دشنه أرسطو من خلال توجيه الفعل البشري نحو الاكتمال والإتمام والذي اقترن في التفكير الأخلاقي المشترك بتحصيل السعادة من حيث هي فكرة قريبة.

إن قوة التوجه الآدابي تكمن في كليته وطابع المجرد وتنزهه عن المنفعة والراهنية التاريخية أما قوة التوجه الغائي فهي ترتكز على فكرة المعنى التي تتعلق بالوعد بالسعادة الذي يسبق السلوك29[29].

إذا كانت العدالة من حيث المبدأ هي إعطاء كل ذي حق حقه فإن غياب التوافق حول دلالة صفة الجيد بالنسبة للسلوك يؤدي إلى رفض التكافؤ بين مبدأ العدالة من حيث هي مساواة وتجربة الجيد مثلما وقع الابتعاد عن المماثلة بين مثال الخير عند أفلاطون والخير الإنساني كماهو عند أرسطو. على هذا الأساس يشير ريكور إلى القوة الدائمة والمقنعة التي تتصف بها علاقة العدالة والمساواة ويعتبر المساواة قيمة توجيهية في حياة المؤسسات بينما تعتبر الصداقة قيمة تضبط العلاقات بين الأشخاص الى جانب الشفقة والرأفة وحسن المجاورة والكرم وحسن الضيافة والجود والتآزر. لكنه يتساءل عن الأسباب التي جعلت المساواة تتحول إلى معيار رئيسي في كل المؤسسات في المجتمعات الديمقراطية ويقوم باستعادة أرسطو الذي عدها قابلة للقياس الكمي وليست سديمية. فإذا كانت الحياة الجيدة هي غاية العدالة وإذا كان مبدأ العادل الذي يطمح إليه الإنسان متماهي مع المساواة فإن هذه القيمة لا تضمن من جهة صعوبة التطبيق للناس بلوغ حياة جيدة بنفس الكيفية. إن المشكلة لا تكمن في السعادة من حيث هي هدف من الحياة وإنما تتعلق بالتبعات الضرورية التي تنتج عن هذه الحياة وبالمعيار الذي يحدد السعادة والذي يتراوح بين الإفراط في الذهاب إلى حد أبعد من تساوي الظروف دون توفر ضمانات ودون العمل على إزالة الفوارق وأشكال التمييز ودون التفكير في طريقة جيدة يمكن اعتمادها بغية التوزيع المرضي والمقبول للخيرات والفوائد. بناء على ذلك لا تفضي العدالة من حيث هي مساواة إلى الحياة الجيدة ولا إلى السعادة كخير وإنما قد يتعرض المرء عند مقابلته للآخر لألام التفاوت والظلم والمس من الكرامة والحط من القيمة وحتى عندما يتم الحكم لفائدة الضحايا وتنصفهم العدالة فإن آلامهم ومعاناتهم لم تمحى تماما30[30].

بطبيعة الحال يعتقد ريكور أن بناء دولة الحق يجعل التعايش ممكنا بين أفراد وجماعات تبدو جملة رغباتهم ومصالحهم متعارضة ولكنه يعترف ببقاء شرائح عديدة وكثيرة من المجتمع مهمشة ومقصية. لهذا يرفض الحديث عن رغبة الحياة المشتركة بين المواطنين في ظل غياب التوافق حول الخير في مجتمع تعددي وإجماع حول الحقوق المتساوية بين الأفراد المتزاحمة والمجموعات المتنوعة التي يمكن أن تخوض حروبا من أجل نيل حقوقها وتحول التنافس والتزاحم إلى تنازع وتصادم31[31].

الحل الأنثربولوجي الذي يقترحه للحد من هذه الغيرة الاجتماعية بين القوى المتصارعة هي المصاهرة ضمن علاقات القرابة من حيث هي تبادل رمزي تحكمه منظومة تقوم على المساواة وتسعى لكي تردم هذه القطيعة الأنثربوجية وتقلل من الخسائر والأضرار وتجعل من كل حرية مكتسبة طريقا نحو التقدم.

لكن هل يمكن اعتبار التباين حول العادل والجيد هو تباين عرضي وعابر أم عميق وأساسي؟

يحاول بول ريكور الخروج من هذه الورطة من خلال تفكيره في عبور التباين وتخطي الثنائية وذلك بالرجوع إلى مسألة الإنسان القادر على تجاوز الإقصاء والازدراء وتفادي التمييز والكف عن الانطواء والبحث عن المشترك وصنع التوافق وتدار النقص في المناصرة والمآزرة وتكثيف التعاون وذلك بالتعويل على المؤسسات التي تسعى باستمرار نحو معنى العدالة وتطوير المساواة غير الكافية32[32].

لكن ماذا يجدر فعله تأويليا في المؤسسات العادلة مع مساواة تكون ضرورية وغير كافية؟

يستنجد ريكور بالإيتيقا ويضع المحبة في المكان الذي كانت تحتله المساواة عند محاولته تأسيس العدالة ويؤكد على أن المحبة يمكن أن تستعيد المساواة حيث لا تكون موجودة ولا معطاة بل إنها تعمل على إذابة التوتر الذي كان قائما بين العادل والجيد من جهة المبدأ وتعتمد على منطق الوفرة المفرطة والزيادة عن الحاجة والجود والعطاء المبنى على الإيثار ونكران وتفضيل الغير وحب العدو بدل منطق التكافؤ الشكلي والتساوي الذي يفترض تبادل شيئين لهما نفس القيمة. فإذا كانت المحبة متفوقة على العدالة من جميع الجوانب فلأن العادل يحدث تعارضا بين المشروع والجيد من ناحية ويظل في حالة تعارض مع الجيد لما يفضل المحبة اللامتناهية من ناحية أخرى. لقد رجح ريكور خيار القاعدة الذهبية التي تربط بين المحبة والعدالة على الأوامر التي تدعو إلى تجنب الذات الفعل بالغير كل ما ترفض أن تفعله بنفسها على غرار الكذب والظلم والسرقة والقتل وعَوَّلَ على صياغة المقصد الإيتيقي وذلك بمنح الحصة الضامنة معه الحياة الجيدة ومن أجله33[33]. فإذا كانت المؤسسات العادلة تشهد توترا غير قابل للحل بين العادل والجيد فإن الاستنجاد بوجهة نظر المقصد الإيتيقي ومقارنة العدالة بالمحبة قد يساعد العادل على التخلص من البعد الماهي والاقتراب من الجيد ليس بالمعنى المطلق وإنما في مستواه التاريخي وضمن الوجود الإنساني.

البرنامج الذي يمكن أن تبلوره المؤسسات العلمانية الجمهورية التي تستهدف الوجود العادل هي الجمع بين العدالة والمحبة لكي تحصل على الجيد بحق وتستعيد المساواة حيث كانت غير معطاة. لكن ماهي الوسائل التي تمكن من زيادة قدرة المؤسسات العادلة على جعل الحياة الإنسانية جيدة؟

يصرح ريكور:" إن الدمج بثبات، خطوة بخطوة وبدرجة إضافية الشفقة والكرم في قواعدنا - القاعدة الجنائية وقاعدة العدالة الاجتماعية - مهمة معقولة للغاية، وإن كانت صعبة ولا تنتهي"34[34]. من هذا المنطلق ليست التيولوجيا بل الفلسفة هي التي يجب أن تميز الخلاف السري بين منطق الإفراط في الوفرة الذي تتحرك ضمنه المحبة ومنطق التكافؤ والتعادل التي تحتكم إليه العدالة المنصفة. يؤكد الشارح أوليفي آبل هذا الاقتران بين المحبة والعدالة ضمن كتابه الوعد والقاعدة الذي اشتغل فيه على إشكالية التعارض بين الشرعي والجيد وطالب فيه بالاستنجاد بالمحبة اللامتناهية بغية إصلاح المساوئ التي تقع فيها قاعدة العدالة عند حرصها على تطبيق المساواة أمام القانون35[35]. إن الفلسفة التي تدور حول الحق هي القادرة على المجاهرة بقولها من أجل الإنسان القادر ورفض أن تكون المشاركة مقتصرة على الحياة الفردية الجيدة التي يرغب فيها معظم الأنانيين أصحاب المآرب الضيقة وإنما واجب التواجد مع كامل الحقوق في المؤسسات العادلة مهما كان نوعها36[36]. لكن إلى أي مدى يتوقف بناء المؤسسات العادلة على اتخاذ قرارات صائبة من طرف المواطنين؟

القرار السياسي الصائب:

" قابلت بول ريكور، الذي أعاد تربيتي في الحقل الفلسفي"37[37]

لقيت الأفكار السياسية لبول ريكور الترحيب والقبول من جهة الخطاب الرسمي ومن جهة النضال الاجتماعي والحقوقي وخاصة بحثه المتواصل على الحياة الجيدة والديمقراطية التشاركية ودفاعه على التعددية واعتماده على الوساطات بغية إبرام المصالحات وإرادة العيش المشترك. لقد عثر عمونيال ماكرون لدى أستاذه ريكور على ثلاثة أفكار أساسية يمكن اعتمادها في الحقل السياسي: الفكرة الأولى هي جميع أشكال التمثيل والتمثيلية في السياسي، الفكرة الثانية تتعلق بموضوع العنف والشر في السياسي وشروط التقليل منهما، أما الفكرة الثالثة فهي التي تجعل منه واحدا من أهم الفلاسفة في أوروبا الذين دعوا إلى التعقلية من خلال التروي والمداولة والتدبير وضرورة الاحتكام إلى التعقل قبل الشروع في بناء فعل سياسي غير سديد وغير موزون38[38]. في هذا السياق يبحث ريكور في خصائص الحكم السياسي العادل ويقارنه بالحكم المعرفي والحكم الأخلاقي والحكم الجمالي ولكنه يزيد عن ذلك بتوقفه عند امتلاك السياسي القدرة على اتخاذ التدبير المناسب والقرار السديد بالتعقل والحيطة والحذر واضطلاعه بمسؤولية تدبير القرار السياسي الصائب وتحمل تبعاته. والحق أن أول شروط امتلاك القرار هو احترام إنسانية الإنسان الآخر ومنحه التقدير التام وربط العدالة بتقبل آخرية الآخر والذهاب إلى ابعد من علاقة التناظر معه ومواجهته والدخول في علاقة تعاون وتضمان تنبني على المحبة والصداقة والشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاهه ومؤازرته. فهل ينظر بول ريكور للسياسة الطبية وينادي بأن يكون القرار السياسي على غرار القرار الطبي؟

من المعلوم أن السياسة العادلة عند ريكور هي تلك التي تصدر قرارات صائبة وتحرص على الاهتمام بالمؤسسات العمومية وتحسن حوكمتها وتخلص المواطنين من المعاناة والآلام وتعالجهم من الأمراض وتقيهم من الأوبئة والآفات الاجتماعية كالعوز والحاجة والفقر والحرمان والكبت. كما تعمل على ردم الهوة الفاصلة بين المطالبة بالحريات الفردية اللامحدودة وتحقيق المنفعة الفردية والسلامة الشخصية والمحصول الربحي المقبول من جهة والمحافظة على المساواة في التوزيع العمومي للعلاج وإرساء قاعدة التضامن في منظومة الصحة العمومية من جهة ثانية39[39]. مثلما يكون الطبيب على ذمة المرضى ويضع جميع معارفه وخبراته تحت تصرف المؤسسات الصحية العمومية ويتحمل ميسؤولية الكاملة في تشخيص الأمراض والقيام بعلاجهم وإيقاف الآلام والتوجيه نحو الأدوية الضرورية للتخلص من المعاناة والعذاب يعمد السياسي الحاذق أيضا الى التعقل الحذر والروية الكافية إلى اختيار وسائل ناجعة وقرارات صائبة للخروج بالمجتمع من الأزمة ويعالج الملفات العالقة بالحكمة الضرورية والإصلاحات الجذرية ويقوم بفض النزاعات بالطرق السلمية ويخلق حوله مناخا من التأييد الشعبي والقبول الطوعي بغية بلورة تنمية ناجعة. والحق أن الكفاءة الفردية لوحدها قد لا تكون كافية لكي يتم إصدار قرار سياسي مناسب وموفق وإنما يجب أن يصدر القرار عن المؤسسة السياسية العادلة بعد أن يتم عرضه ومناقشته بشكل ديمقراطي حر داخل هيئات دستورية وأن يكون نابعا من تفاهم المتفاوضين والتزامهم المبدئي به. ربما الأشياء التي تحدث داخل المؤسسات السياسية وتمنعها من إصدار قرارات جيدة وحكيمة هو التنازع بين المحبة ازاء الواحد والعدالة إزاء الكل، أي التوتر بين المصالح الشخصية والفئوية والالتزام ببلوغ المصالح المشتركة والجماعية والذي يفضي إلى قرارات جائرة وحوكمة فاسدة أو سوء حوكمة40[40]. على ماذا تقوم السياسات العمومية؟ هل على خدمة قلة من الأفراد أم على مصلحة الجميع؟

يُعَوِّل ريكور بالأساس على وساطة المؤسسات العادلة التي تقدر على مساعدة المواطنين على بلوغ الحياة الجيدة في بيئة اجتماعية تجمع بين المحبة والعدالة وبين التساكن والتعاون والتكامل. بيد أنه يشترط الابتعاد عن منطق الإكراه والضغط والإقصاء والتمييز والاحتكار الفردي والفئوي في تشييد المؤسسات وعمله وذلك للتبعات الوخيمة والمخلفات السلبية التي تترب عنه وخاصة التنازع والافتراق والتعطيل وفي مقابل ذلك يدعو إلى الالتزام بالحكمة العملية والحوار العقلاني والحوكمة السديدة وتوجيه القرار نحو رؤية إيتيقية منفتحة وربطه بالموقف النزيه واللاّمتحيز. غاية المراد حسب ريكور هو توفير ثلاثة شروط بغية ميلاد حوكمة حسنة وخالية من الفساد والأخطاء ولكي ترى قرارات سياسية صائبة النور وتلامس أرض الواقع ومرحلة التنفيذ:

 الشرط الأول هو توفر مؤسسات عادلة، الشرط الثاني هو توفر مقررين أكفاء وعادلين، الشرط الثالث هو أن تسمح المؤسسات للمقررين المكلفين بأن يقوموا بمهامهم على أحسن وجه وأن توفر لهم الإمكانيات والدعم اللازم والإحاطة الممكنة ليتجاوزوا مرحلة التنظير نحو مرحلة التطبيق41[41]. بهذا المعنى يكون القرار صائبا حسب ريكور إذا ما كان التأسيس صلبا ومستندا على قواعد متينة وركائز وجيهة في مستوى المؤسسات والأشخاص وإذا ما جرت علاقة انسيابية وتفهمية بينهما.

يعود ريكور الى مفهوم عناصر التميز42[42] عند ماكنتاير التي تساعد الفاعل السياسي في التغلب على الفشل والتعثر وتمنحه القدرة على الفعل والإضافة والنجاح ولكنه يصفها بأنها خاصيات محايثة للممارسة43[43] ويقترح حيازته على مبادئ عامة في القانون وإتباعه لتوصيات في الممارسة الحسنة وذلك بالحرص على تشجيع الاستثمارات الاقتصادية المسؤولة وتقوية برامج التنمية المنصفة بما يضمن التقسيم العادل للثروة والسلطة والمعرفة والصحة وما يبقي على استمرارية الخير العام. كما يرتبط القرار السياسي الصائب بحسن التصرف في الموارد والأوقات والثروات والمواقف الصعبة ويشترط التوفيق في اختيار الأولويات باعتماد سياسة التروي وأسلوب المداولة ورصد الاعتمادات المالية للاستجابة لمجموعة المطالب الاستعجالية ولجملة الاحتياجات الضاغطة44[44]. هكذا يتحول السياسي الى حكم محايد في لعبة الطلبات المتنافسة في وضعيات اجتماعية معقدة ضمن ظروف سياسية صعبة ويعمل على تحديد سلم الأولويات في نسق الحاجات الضاغطة بالنسبة إلى المجتمع ويضبط الزمن المناسب للرد على مختلف الطلبات وفق جدول زمني واضح. بهذا المعنى تتحرك نظرية القرار الصائب ضمن سياسات الاعتراف بالغير ولعبة الممكنات في المسارات التقريرية المتبعة في مداولات الفاعلين وتترك فرص للمراجعة والتعديل وفق نظام الأوليات. كما يمكن للقرار السياسي أن يستأنس بالحكم الأخلاقي شريطة أن لا يتعدى الخطوط التي تقسم بين المسموح به والمدافع عنه في المناطق المعتدلة التي تقاوم كل نزعات التطرف والغلو والتفويت. والحق أن القرار الصائب حول تحديد الحق في الوضعيات المعقدة التي تشهد جملة من الاحراجات الحادة والمضيقات هو عدم تجاوز الحدود الفاصلة بين المسموح به والمحظور بعد ضبطها بدقة بالغة وتفادي المخاطرة وكل أشكال المقامرة والمساومة والمغامرة التي لا يمكن تقدير نتائجها بالعقل. لعل الرهان الذي يجب الحرص عليه يتكون من قسمين: الأول هو وضع قواعد مضبوطة بدقة ويكون الغرض منها توجيه الفاعل أثناء الاختيار نحو الأحسن، أما القسم الثاني فيتمثل في وضع قواعد إجرائية جيدة تحرص على التركيز والحوكمة وتستهدف إصدار قرارات سياسية عادلة وصائبة45[45]. هكذا ينبني القانون الذي يتم التوصل اليه بخصوص الهدف من الحياة أساسا على القواعد العميقة والقواعد الإجرائية في ذات الوقت ويقتضي وجود أصحاب قرار صائب وتوفر أكفاء عادلين في التقرير يقدروا على تحمل مسؤولية الحكم واحترام الأشخاص وحراسة الوعود والوفاء بالمواثيق.فكيف يمثل فن القيام بالتسويات وصناعة التفاهم المستعصي هو العملية الإجرائية الممكنة للحوكمة الجيدة؟

خاتمة:

" يبدو لي الخطر، في هذه الأيام، أكبر بكثير من تجاهل تقاطع الأخلاق والسياسة على الخلط بينهما"46[46]

يعد ريكور فيلسوف المؤسسات العادلة وحكيم القرار الصائب ولكنه يضطر الى الاشتغال على الزوج المفهومي للمحبة والعدالة بين أن اصطدم بالاحراجات والصعوبات التي يثيرها الزوج المفهومي للعدالة والصداقة وتعذر منح كل واحد الحصة المستحقة واستحالة العدالة كمساواة47[47]. في المجمل لا يكمن الإشكال في استهداف حياة جيدة ولا في الوجود مع الآخرين ضمن الإطار القانوني والاجتماعي ولا في الإحساس بمشاكلهم ومعايشة قضاياهم والتآزر معهم والتضحية في سبيلهم بل في تشييد مؤسسات عادلة تفعل قيمة المواطنة وتؤسس لتشاركية حقيقية معهم وتمنحهم حقوقهم بالتساوي وتشركهم في الحياة العمومية وإصدار القوانين المناسبة للمصلحة المشتركة. كما يمكن حسب ريكور بلورة جملة من القدرات الأساسية من تلاقي الفطري والمكتسب وتكون القاعدة الصلبة للإنسانية وتؤشر الهوية الشخصية بواسطة زمانية تكوينية على أن الشخص يصنع تاريخه الذي يعيشه. فالإنسان قادر على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد وعلى الانتساب لأفعالهimputabilité وعلى الوعد. وبهذا تقر الذات بقدرتها على الشهادة بأنها ذات مسؤولية وليست محايدة على الصعيد الأخلاقي والسياسي. إذا كانت العزوية هي قدرة أخلاقية صريحة تتيح للفاعل البشري التمسك بكونه الفاعل الحقيقي لأفعاله مهما كانت القوى العضوية والفيزيائية التي تعارضه أو تساعده وبذلك تسمح له بتحمل تبعات هذه الأفعال فإن الوعد هو ممكن على هذه القاعدة الأساسية التي تجعل الذات ملتزمة على صعيد القول على القيام بالفعل الذي تعهدت به في المستقبل ويحرص الوعد بذلك على الحد من الطابع المباغت الذي يصطبغ به المستقبل وخطر الخيانة والإخلال ويمكن أن تستمر الذات في وعدها بأن تقدم وعودا حول الوفاء بالوعود. في هذا السياق يجب التذكير بأن كل قدرة على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد تناظرها أنماط من الهشاشة والعجز واللاقدرة incapacité هي العطوبية ولذلك يميز ريكور بين العزو والعزوية . العزوimputation هو حكم يحمل على شخص من حيث هو القائم بفعل قابل بأن يكون معيرا أخلاقيا على أنه حسن أو قبيح .أما فكرة العزوية imputabilitéفهي أكثر جذرية لأنه تعبر عن قدرة الفاعل على الخضوع إلى حكم العزو وتحميله بالتالي تبعة أفعاله وذلك لكونه المسؤول الفعلي عن إتمام هذه الأفعال. بعد ذلك يبحث ريكور عن القدرة في جعل الذات تنتمي إلى نظام رمزي عال أي القدرة على الاعتراف بالحاجة إلى التعاون مع المجموعة التي تتقاسم معه وتتشارك نفس النظام الرمزي واعترافهم به وكذلك القدرة على تنزيل أفعاله وفق قاعدة العدالة وما يترتب عن ذلك من القدرة على الاعتراف المتبادل. إن هذه القدرات الأساسية التي يسعى الكائن البشري إلى التعبير عليها وحيازتها وتجسيمها في الواقع والتي تتعلق بالكلام والفعل والسرد والعزو لا تتضمن طلبا من الغير بالاعتراف به أو العكس، غير أن القدرة على الوعد تستدعي شاهدا يكون مقررا ويقوم باستقبال هذا الوعد وتوثيقه وتسجيله ومتابعة تنفيذه وإتمامه. لكن بالرغم من أن الوعد يسعى إلى فعل الخير للغير من حيث هو غائية إلا أن ذلك لا يتم إلا بالابتعاد عن الانتقام وتجنب الإيذاء وإحداث الضرر واقتراف الشر تجاه الغير من جهة الوعيد والتهديد والتحرش. كما إن وجود الغير ضروري للحديث عن المضمون الإيتيقي للوعد وعن الاعتراف بالمعنى القوي للكلمة في ظل اشتراط التشارك والتكامل عبر تخليص الرابط الاجتماعي من الاحتقار والازدراء وهضم الحقوق. بيد أن طلب الاعتراف ليس مجرد رغبة قابلة التحقيق من خلال الوجود الاجتماعي والقانوني والسياسي وإنما يقترن بالصراع ومواجهة العنف المسلط من المؤسسات والكفاح ضد أشكال اللاّعدالة والظلم والتمييز والسعي إلى تقدير القيمة الشخصية ضمن مجتمع عادل يحقق حياة جيدة ويتم فيه تبادل للإعتراف بين الذوات وبين الشخصيات وبين الثقافات وتقل مظاهر الفوارق وأشكال التفاوت وتتدعم في جسور التجاور وتجارب التقارب48[48]. في خاتمة المطاف يتحرك الوعد في السياسة العادلة ضمن دائر خير السلم المدني ويبتعد عن شر الحرب المدمرة ويجعل من التعاقد بين المتنافسين سدا يحول دون الوقوع في مستنقع العنف وشراك اللاتسامح ويستند على قواعد الحجاج من أجل الحصول على القناعات الأكثر وزنا ودقة في فن التسويغ. فإذا كانت المؤسسات السياسية ظالمة فإنها تسعى إلى قطع العلاقات بين الأشخاص وزرع الخوف والكذب والحزن والشر بشكل منهجي ووفق برمجة وتخطيط ويفقد الناس ثقتهم في قول أصدقائهم واذا صارت المؤسسات السياسية عادلة فإنها تزرع الرأفة والمحبة والمودة والبر بين الأشخاص وتقوى درجة الثقة وحسن المجاورة وتراهن على النزاهة والصراحة والشفافية وتبادل الاحترام لتشكيل فضاء مواطني تعددي ومفتوح يقوم على تحمل المسؤولية والمشاركة والمصلحة العامة. مجمل القول أن مطلب معرفة الإنساني في الإنسان يتوقف على الاعتراف من الإنسان بالإنسان، ولكنه لا يتم الاعتراف به بصورة كونية وبالانتماء إلى العائلة البشرية إلا عندما ينتفي الصراع ويتوطد السلم بشكل دائم ويعم الأمان والحماية لكل فرد ضمن كل مجموعة ويتشكل الرابط الاجتماعي وفق قاعدة الحلم وتتغلب الصداقة السياسية49[49] على مجتمع المواطنين. بأي معنى يمكن تنزيل الفعل السياسي عند عمونيل ماكرون في الفلسفة السياسية لبول ريكور وخاصة علاقة السياسي بالفيلسوف احراجات الذاكرة وطلب الصفح ومفارقات السياسي وجدلية الإيديولوجيا واليوتوبيا؟50[50] وهل تتماشي السرعة في اتخاذ القرار مع الزمن الطويل الذي تستغرقه النقاشات العمومية بين القوى السياسية المتنافسة؟وماهو المنوال التنموي الناجع للخروج من الأزمة؟ فهل يحقق اعتماد الصداقة والمحبة الاعتراف الذي وعد به الإنسان غيره في ظل استعصاء العدالة المنصفة والتعارف العادل؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

..............................

الاحالات والهوامش:

[1] Voir Ricœur (Paul), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990. réédition Points essais, Paris, 2015 ,

[2] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017, pp47-48.

 [3] Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

[4] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013. p306.

[5] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p375.

[6] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p374.

[7] Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Fevrier, 1988.

Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

[8] Paul Ricœur, le juste1, éditions Esprit, Paris, 1995, la pluralité des instances de justice, p121-142.

[9] Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008, p41-

[10] Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995, après Théorie de la justice de John Rawls, pp99-120.

[11] Paul Ricœur, Amour et justice, op.cit.p42.

[12] Ricœur Paul, Soi-même-comme-un autre, op.cit .p57.

[13] Ricœur Paul, Soi-même-comme-un autre, op.cit .p195,.

[14] ريكور (بول)، فلسفة الارادة، الانسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100

[15] Voir Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

[16] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, les promesses du monde de Pierre Bourtez ,pp173-180.

[17] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, le gardien des promesses d’Antoine Garapon,pp181-192

[18] Ricœur (Paul), Soi-même-comme un autre, édition ,op.cit.p236.

[19] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 017, N°439, p43.

[20] Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

[21] Procédurale

[22] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p45.

[23] Sittlichkeit

[24] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p46.

[25] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

[26] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

[27] Le juste

[28] Le bon

[29] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p48.

 

[30] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

[31] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

[32] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

 

[33] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

[34] Ricœur (Paul), Amour et justice, op.cit.p42.

[35] Abel Olivier, Paul Ricœur, la promesse et la règle, Edition Michalon, coll. le bien commun, Paris, 1997, p118.

[36] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p51.

[37] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

[38] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

[39] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p52.

[40] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

[41] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

[42] Etalons d’excellence chez MacIntyre.

[43] Biens immanents à la pratique.

[44] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p54.

[45] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p55.

[46] Paul Ricœur, Du texte à l’action, éditions du seuil, Paris, 1986, pp405-406.

[47] Paul Ricœur, penseur des institutions justes, in revue Esprit , Novembre 2017, N°439,pp40-72.

[48] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, capacités personnelles et reconnaissance mutuelle, op.cit pp445-451.

[49] Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

[50] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017, pp47-57.

المصادر والمراجع:

باللسان الفرنسي:

Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition seuil, Paris, 2014. Introduction

Paul Ricœur, Soi même comme un autre,, éditions du Seuil, Paris, 1990,.

Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008, p41-

Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995.

Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001.

Ricœur Paul, Parcours de la reconnaissance, éditions du seuil, 2OO4.

Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Février, 1988.

Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

Revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre 2017,

Revue Esprit, Novembre 2017, N°439.

 ريكور (بول)، فلسفة الإرادة، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100.

-مداخلة قدمت في مدرسة الدكتورا، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 09 أفريل، تونس، يوم 14 فيفري، 2018.

 

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون

إن الشخصيات الكبرى جزء من تاريخ الأمم، أي جزء من وعيها الذاتي. وبالتالي، يتوقف على فهم انجازها الحقيقي إرساء أسس التوحيد الاجتماعي والقومي الثقافي. وسواء كانت الشخصية عقلانية وذو نزوع إنساني أو بما يعارضها أو بالصد منها. فالأولى تعمق وعي الذات التاريخي الثقافي، والثانية تستثير وتشحذ وعي الذات التقدي العقلي. ومن ثم كلاهما يسهمان في إرساء طبقات التراكم العقلي والعقلاني للأفراد والجماعات والأمم. 

غير أن هناك اشكالية تتسم بقدر كبير من التعقيد تتلخص في نوعية الموقف من هذه الشخصيات الكبرى بالارتباط مع تباين واختلاف منهج الرؤية والمواقف القيميية. وهذا بدوره مرتبط، إلى جانب الخلاف المحتمل في كل ما له علاقة بالإنسان وتجاربه التاريخية، بنوعية ومستوى التجارب النظرية في تقيمها ومواقفها من تاريخها الذاتي. فانعدام أو ضعف الرؤية العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية عادة ما يثير ويؤجج نفسية وذهنية الخلاف البدائية، أي نفسية وذهنية التقليد والعيش بمعاييرها والحكم بمقاييسها. وليس مصادفة أن لا يجتمع العرب في مرحلتهم التاريخية الحالية وضعف تكاملهم الذاتي على مستوى الاجتماع والثقافة والنظام السياسي والفكرة القومية، بما في ذلك تجاه أعظم شخصياتهم التاريخية. وقد تكون الشخصية الوحيدة المجمع عليها هو النبي محمد فقط. مع أن الإجماع على عظمة الشخصيات الروحية والثقافية تفترض ادخال ما لا يقل عن بضعة آلاف منهم ممن يشكل من حيث إبداعه التاريخي رصيدا هائلا للحكمة العقلية والعقلانية والإنسانية. فلا إجماع حول قيمة الفلاسفة الكبار، ولا شيوخ الصوفية الملهمين، ولا أئمة الفقه ولا فحول الشعراء وعظماء الأدباء ورجال السياسة المؤسسين. ولعل الموقف من ابن خلدون يدخل أيضا ضمن هذا السياق الذي يكشف عن خلل الرؤية العقلية والعقلانية، وضعف الأسس الفعلية لوعي الذات القومي والعلمي. من هنا تداخل المواقف السياسية والاجتماعية بل والعرقية والإثنية في جدل المواقف من تقييمه. مع أن المواقف السياسية لا يمكنها أن تكون مصدرا للأحكام العلمية الدقيقة، دع عنك حالما تتطعم بغباء الجهل المعرفي، وبلادة الحس الذوقي، والتطفل الشاذ على فتات المعلومات "المنتخبة" من مزابل الحكاية والرواية. 

وليس مصادفة أن نقف أمام نوعين من التقييم والمواقف، متضادين. فرجال العلم والمعرفة الكبار، بل عظماء المؤرخين وفلاسفة التاريخ الأجانب من غير العرب أعتبروه من بين أعظم الشخصيات التاريخية الكبرى. فقد قال عنه أرنولد توينبي، بأن ابن خلدون ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. وقال عنه لاكوست الباحث الفرنسي المحترف بدراسة شخصية وإبداع ابن خلدون بأن كتاب ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ووصفه روزنتال في تقديمه لترجمته الخاص لكتاب (المقدمة) إلى الانجليزية كلمات كبيرة من الإطراء العميق والكبير. وقال عنه روجيه غارودي أن ابن خلدون هو عالم وفنان ورجل حرب وفقيه وفيلسوف يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر.

إن هذه التقييمات وكثير غيرها مما يصب ضمن هذا السياق من المواقف والتقييم مبنية على أساس المعاناة التاريخية العميقة والمتنوعة للفكرة العلمية وقيمة المنهج وعوالم السياسة التي تحمل بين تعرجاتها كل الاحتمالات والممكنات. ولكن مع ذلك كيف يمكن فهم قيمة الرجل السياسي المحنك والمهموم بفكرة الدولة وقيمة الحضارة والتمدن البشري؟ فقد كان ابن خلدون رجلا ذو تجربة سياسية كبيرة وهائلة تراكمت في ظل ظروف صعبة وقاسية وصراعات داخلية وخارجية عنيفة. فقد تمرس في الحكم وإدارة الدولة والنظام الحقوقي والاعتبار بالتاريخ. كما كان دبلوماسيا ماهرا. باختصار، انه كان يجمع في ذاته رجل السياسة والعلم. وهو جمع نادر جدا لم يكن له مثيل حتى ذاك الوقت. ولعل المقارنة الوحيدة الممكنة هنا هو ما سيقوم به مكيافيللي الناضج بعد حوالي قرن من الزمن. غير أن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. فقد حقق ابن خلدون فكرته السياسية في مجال فلسفة التاريخ والثقافة بينما مكيافيللي في ميدان النصائح السياسية العملية. فقد تراكمت شخصية ابن خلدون في ظل احتكاك شديد بين السياسة بوصفها فكرة المصالح وبين العلم بوصفه فكرة العقل النظري المجرد والمتسامي. من هنا نرى ملامحه العربية الإسلامية بوصفه أحد العلماء الكبار الذي واجه صراعات ومحن وفتن المرحلة بقدر هائل من الصبر والتأني والحكمة والروية. إذ عاش في ظل صراعات عنيفة في المغرب بين إمارات البربر (الموحدين والمرينين والحفصيين) على اشده. بينما كان المشرق العربي يعاني من أهوال الغزو التتري المغولي. وضمن هذه الحالة الحرجة في التطور التاريخي لإمارات ودويلات البقايا المتحطمة للخلافة التنقل والعمل بين الأندلس والمغرب ومصر والشام، أي في كل ربوع العالم العربي في مرحلة انهياره التاريخي وسقوطه المزمن. بل إن أحد أعظم أعماله (المقدمة) قد تفرغ له بعد أن تفرغ من الحياة السياسية المباشرة. فقد انجز كتابه الشهير على مدار أربع سنوات قضاها في كنف اصدقائه من بني عريف، الذين انزلوه بأحد قصورهم في "قلعة ابن سلامة" بمقاطعة وهران بالجزائر. وفيها تمكن من تصنيف (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر). وقدم له بمقدمة تحولت إلى مقدمة مستقلة قائمة بذاتها. انجزها وهو في نهاية العقد الخامس من عمره.

وما بعدها كانت حياته السياسية تحقيقا لما وضعه فيما يتعلق بالموقف من السياسة باعتباره اسلوبا وأداة لبلوغ المصالح، التي كانت تتطابق في ذهنيه ونفسيته وشخصيته مع فكرة الدولة والأمة، لا كما يصنفها صغار المتعلمين وأنصاف المثقفين والجهلة من يسار ثوري أحمق عبر إرجاع كل ما فيه إلى مهاترات المواقف السياسية المبتذلة على أساس قربه من السلطان وخنوعه أمام تيمورلنك! أما في الواقع فليس في سلوكه ما يوحي بالخنوع والجبن وخدمة السلطان أيا كان. فقد عمل معظم إن لم يكن جميع المفكرين والفلاسفة الكبار مع السلطة. وقد كن ذلك جزء من ثقافة المرحلة التي لم تعش بمعايير الحرية السياسة المعاصرة والفكرة الثورية المسطحة. مع إن المشكلة كانت قائمة. غير أن ابن خلدون لم ينحدر ولا في أية مرحلة من مراحل حياته إلى ممارسة ما لا يتفق مع فكرته العلمية عن التاريخ والسياسة. وهذه تفترض العمل بما يضمن مصالح الأمة والدولة وليس السلطة والأفراد. وهي فكرة تتخلل كل ما وضعه في المقدمة. فالسياسة بالنسبة له ليست فكرة أخلاقية، بل فكرة عملية محكومة بمسار التطور التاريخي وقانون صيرورة الدولة والنظام السياسي والحضارة. وحياته الشخصية لم تخل من مآس ودرامية كبيرة وعميقة. غير أن هذه الجوانب تبقى شخصية مع انه لا أمور شخصية في الشخصية الكبيرة. وبالتالي، فإن ما قام به وسلكه تجاه السلطات والدولة والحالات الحرجة في مسار التاريخ العربي في الشام وغيرها ينبغي فهمه ضمن هذا السياق.

فالمواقف "النقدية" التي أول من وضعها طه حسين وتابعها وتوسع في جوانبها السياسية والأخلاقية أعداد كبيرة من أصحاب الرؤية الراديكالية لا قيمة علمية كبيرة فيها. بل في أغلبها هي أقرب ما تكون إلى إهانة للعلم. والسبب هو أن أغلب هذه الكتابات والمواقف من جانب أهل الأدب ولكن ليس بالمعنى العربي الإسلامي الكلاسيكي، بل المعاصر. إذ أغلبهم ليسوا أدباء بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرتقي أي منهم الى مصاف احمد فارس الشدياق وأحمد أمين ومن بمستواهم وأمثالهم. وأغلب من يمثل هذه الرؤية والمواقف والأحكام هم من لصق بمختلف فنون الأدب أو ممن ينتمي إلى بعض فنونه المعاصرة، وأغلبها في الشعر والقصة والرواية. وبالتالي، فإن أحكامهم جميعا بدون استثناء لا يعتدّ بها ولا تصلح لأن تكون مصدرا للمعرفة العلمية والفكرية الرصينة. وذلك لأن أغلبهم أو جميعهم يتسمون بضعف المعارف أو انعدام الرؤية المنهجية العلمية وسوء فهم للثقافة التاريخية العميقة والفكرية النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص. وبالتالي فأحكامهم أهواء لا قيمة علمية فيها ولها. ولكنها واسعة الانتشار لأن الوعي السائد لحد الآن في العالم العربي هو وعي وجداني أو ديني إيماني أو لاهوتي أو شعري أو بياني أو سفسطي في أغلبه، أي بلا أصول علمية دقيقة ومحكّمة.

ففيما يخص طه حسين، فإن مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون تتسم بقدر واحد من البهرجة المبتذلة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أن كتابه عن ابن خلدون هو مجرد رسالة للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة[1]. ولا يشذ كتابه (رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917) بالفرنسية والتي نشرت بالعربية تحت عنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. تحليل ونقد). وفيها يشدد على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله "اللزوميات" و"رسالة الغفران"، والثاني في "مقدمته". وإن قمة هذا العمل بالنسبة له يقوم في "خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول"، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو ايضا حكم متسرع ولا علاقة له بادراك قيمة ومعنى الكل الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيهم ولكنهما ليس اكثرهم عبقرية واثر وقيمة. بل هناك المئات بل الالاف الذي يرتقون الى مستواهم ومن أهم وأعلى وأعمق قيمة وأثرا في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأن اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أن يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!

لقد لاحظ بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار "المبالغات" التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة زواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع انها وقائع معقولة جدا لم يعرف حياة الخلفاء العباسين في اوج تطورها. لقد كانت الدولة انذاك غنية جدا حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فان توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر لأنه لا شيئ جدي يمكن نقده بمعايير العقل النظري. اما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها فيمن سبقه. فابن خلدون أراد ان يجعل من التاريخ علما وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أن يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه "بقصور العقل البشري" الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعدا يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أن معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.

فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه "نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق". ذلك يعني إن حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فصلها ابن خلدون في مقدمته.إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية). غير أن مشكلة لطه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون عمياء! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالما اجتماعيا أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أن إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة فهي إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أن يكون "علم الاجتماع" بالمعنى الخلدوني والمعاصر يختلفان اختلافا كبيرا، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أن الجميع تعرف إن الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسعا جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت "تمصر" كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!).وإن نهضة مصر الأخيرة هي "بأثر الحملة البونابارتية المبارك"![2]. وهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمعقول والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.

بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة "خالف تعرف". وهو امر جلي فيما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في التاريخ الفكري العربي الحديث.   

أما الآراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، والتي وجدت في ابن خلدون نموذجا لفارس الخيانة! بينما توسع الآخرون بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر فيما تعرضت له دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.

بعبارة أخرى، إن القضية أكثر وأكبر تعقيدا من أن يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إن أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن ان القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.

وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجا لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. حيث كتب بهذا الصدد يقول، بأن "العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف...هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟"[3].

إن اشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد اكبر الاعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح - تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول (قبل شهر تقريبا). والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين فقط يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثرا ومؤلما بالنسبة للوجدان.

أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه "المقالات" أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أن يشفي غليل الاحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة.

إن ابن خلدون، كما يحبذ هو القول، عربي من أصول حضرمية، أي من العرب الأصليين! كما أن كل مقدمته مبنية على أساس تحليل نتاج الثقافة العربية الإسلامية وحضارتها. كما انه يضع العرب وإبداعهم الحضاري في مصاف الأمم التاريخية الكبرى آنذاك والمشهورة ضمن التصنيفات العامة بهذا الصدد، أي الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. والعرب هم الذين كّملوا وطوروا ما فيها.

فكلمة العرب بالنسبة لابن خلدون، بوصفها مصطلحا سوسيولوجيا تدخل فيها كل الأقوام في بداية تطورها. لهذا نراه يدخل فيها العرب في بداياتهم والبرير (الأمازيغ) والأكراد وغيرهم. فهو يشير الى هذه الأسماء بعينها. ومن غير المعروف لماذا أدخل الأكراد. يبدو من خلال السماع عن طبائعهم الخشنة وشدة البداوة. فباستثناء مرة واحد لا نعثر على أي أثر لهم في كتاب (المقدمة). بينما الأمر يختلف بالنسبة للبربر. فهو يضعهم ضمن القبائل والأقوام الأشد بداوة وتوحشا بما في ذلك في دول الأندلس والمغرب الكبير الحضارية. لكنه في الوقت نفسه يقيم بين إماراتهم آنذاك معززا مكرما. لقد كان البربر آنذاك يفهمون المعنى الدقيق لكلمة البداوة والتوحش بوصفها كلمة ذات أبعاد اجتماعية لا علاقة لها بالقوم والإثنية.

إن مضمون (المقدمة) كله مرتبط من حيث أبعاده النظرية والفعلية بتاريخ الثقافة العربية الإسلامية. من هنا حديثه عن الأمم الحضارية الكبرى التي أدخل فيها إلى جانب العرب الفرس والروم واليونان. أما الفهم السيئ لما في بعض عباراته بهذا الصدد فهو نتاح القراءة المسطحة وانعدام العقل النظري والثقافة الفكرية المتعلقة بدراسة التاريخ بشكل عام والثقافي بشكل خاص. لكن الخلل الجوهري يقوم هنا في أن الأغلبية إن لم يكن جميع من كتب عنه لم يفّرق بين الأبعاد الاصطلاحية والمنهجية في معنى كلمة (العرب). وهو ما سأشرحه في مجرى تحليل ودراسة ما وضعه في (المقدمة) في بحث خاص. وبغض النظر عن موقفه وكيف يبدو بالنسبة لذهنية الآخرين، فإن ما وضعه ابن خلدون أو ما توصل إليه من أحكام تخلو من أية أبعاد ذات طابع قيمي. إذ هي معدومة في (المقدمة). ومن ثم فإن كل ما فيها يبقى في نهاية المطاف جزءا من اجتهاده الشخصي، ومن ثم لا يعني صحته بالضرورة.

فالتاريخ الثقافي العربي الإسلامي يعرف ما يسمى بالحركة الشعوبية التي سعت للانتقاص من العرب في أحد مراحلهم التاريخية ووصفهم بالتوحش ومختلف أصناف الرذيلة. مع إنها حالة ومرحلة تلازم تاريخ الأمم الكبرى كلها بدون استثناء. وهو أيضا من اكتشافات وتحقيق ابن خلدون حول الانتقال من البداوة والتوحش إلى المدنية والحضارة، باعتبارها الحالة الضرورية والحتمية بالنسبة للشعوب والأمم الحضارية الكبرى كلها بدون استثناء. وفي نفس الوقت هناك مئات بل آلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة والفقهاء والأدباء والشعراء والمؤرخين وغيرهم ممن رفع شأن العرب الى مصاف "الأمة المقدسة"، بحيث رفعت لسانها إلى مصاف "لغة اهل الجنة"! وأيا كانت هذه الأحكام فإن العبرة، فيما لو استعملنا مصطلح ابن خلدون نفسه، تقوم في ما قرره التاريخ الواقعي والفعلي عن أن الحضارة التاريخية والكونية الكبرى ظلت تحمل أسم الحضارة العربية الإسلامية. اذ لا حضارة ولا ثقافة إسلامية بدون مقومها العربي. والعربي هنا كان يعادل وما يزال المعنى الثقافي وليس العرقي أو الإثني. فالعرب والعروبة والعربية بعد الإسلام هي فكرة ثقافية وليست عرقية أو اثنية. وفي هذا تكمن أحدى خصائصها الكبرى والجوهرية.

لقد سلك ابن خلدون بما يتوافق مع رؤيته الفلسفية عن التاريخ. فحتى في حال افتراض وجود الشر في سلوكه الحياتي الشخصي، وهذا ما لا يتحرر منه أي شخص، باستثناء شيوخ التصوف وأقطابها، هو القدر الذي لابد من ملازمته للخير الكبير والكثير. وإن ابداع ابن خلدون لفلسفته التاريخية هو الخير الكبير والكثير الذي يحرر قيمته وأثره ومعناه من كل ما جرى ويجري وصفه من جانب صغار العقول وأنصاف المتعلمين ووجدان الأدباء الصادق.

إن القيمة التاريخية الفعلية لابن خلدون تقف ما وراء الفضيلة والرذيلة بمعناها السياسي الجزئي والمباشر. انها تسبح وتمرح وتفعل وتؤثر في ميدان الفكرة النظرية التاريخية. ومن ثم عبرتها الفلسفية والثقافية والتاريخية. وهي جوانب يمكن رؤيتها في أعمق أعماق أفكاره بصدد نسب الخير والشر في المسار الحضاري وانعكاسه بما في ذلك في علاقة السلطة بأتباعها بما في ذلك تجاه رجال العلم والمعرفة والثقافة والفكر.

  فقد توصل ابن خلدون بهذا الصدد إلى فكرة تقول بأن احدى المكونات الجوهرية التي ترافق وتلازم انتقال المجتمع والدولة من البداوة إلى الحضارة، أي كل ما يرتبط بهيمنة وسيادة واستبداد الملك (السلطة والدولة) هو توسع مصادر الثروة وثرائها. وهذا بدوره يؤدي إلى الترف الذي يحصل على انعكاسه المتنوع في أبهة الحضارة وبهائها وازدهارها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الناصع منها والذي يكمن خلفه عدد هائل من الرذائل. والرذيلة بدورها جزء من ثقافة الدولة والمجتمع والحضارة. لهذا لم ينظر إليها ابن خلدون بمعايير ومقاييس الرؤية الأخلاقية وأحكامها المجردة (وهي الفكرة التي سيطورها مكيافيللي ولكن بمعايير قواعد العمل السياسي وليس بمعايير الرؤية التاريخية الفلسفية)، بل اعتبرها ضرورية أيضا من وجهة نظر المسار التاريخي الطبيعي للوجود الإنساني. وليس مصادفة إن يفرز في احدى ملاحظاته الدقيقة والنقدية في الوقت نفسه مفارقة الظاهرة الملازمة لتطور الثقافة والحضارة من أن السعادة والكسب يحصل غالبا لأهل الخنوع والتملق. وهي رؤية تاريخية وواقعية تتوافق مع منهجه العلمي والتاريخي الدقيق، أي الذي يقر بالظواهر كما هي ويحللها بمعايير تطورها الذاتي. انه يكشف عن رؤية نقدية لإحدى مفارقات الوجود الطبيعي والتاريخي للإنسان. ويحللها من خلال تطور الدولة وأدواتها المرتبطة بفكرة الإكراه. بمعنى أن الإكراه هو الوسيلة التي من خلالها يجري بناء الدولة ووحدة البشر. وبالتالي، فإن رذيلة الإكراه بمعايير الرؤية الأخلاقية هي فضيلة بمعايير الرؤية التاريخية والسياسية (وهي فكرة سيقول بها ماركس). غير أن للإكراه في الدولة عند ابن خلدون بعدا إيجابيا. إذ حالما يستتب الملك والسلطان ويكبر يصبح الجميع بالنسبة له سواء. ومن ثم يفّضل من يخضع له ويأتمر بأمره في كل شيئ. من هنا "سعادة" المتملقين وتعاسة أهل الشموخ والإباء. وليس مصادفة أن يكون "الكامل في المعرفة" سيئ الحظ كما يقول العامة، وذلك لأنه "حوسب بما رزق من المعرفة"[4]. وينطبق هذا على كافة أهل المعرفة والفقه والعلم وما إلى ذلك. وهنا يبدو سرّ الشكوى التاريخية والمعنوية التي يوجهها أهل العلم والمعرفة من تعاسة الواقع وسوء الحظ. وسبب ذلك الإكراه يقوم في أن التعاون المبني عليه "لا يحصل إلا بالإكراه عليهم لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع"[5]. والسبب الأعمق لذلك يقوم في أن الإنسان وأعماله تصدر عن روية واختيار، ومن ثم تختلف مواقفهم ومشاربهم، وبالتالي لا سبيل إلى وحدته إلا بالقوة والإكراه لكي يجري حفظ الوجود، أو كما يقول ابن خلدون "لابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء النوع"[6]. وبالتالي أعطى لعلاقة الجهل أو المعرفة والإكراه بعدا فلسفيا كما في علاقة الخير الشر القائمة في الوجود. فالخير هو من "العناية الربانية" بينما الشر أحد أعراض الوجود الضرورية كسائر الشرور الداخلة في "القضاء الإلهي" (كما سيقول به هيغل). فوجود الكثير من الخير يلازمه شر قليل وهو "معنى وقوع الظلم في الخليقة"[7]. وفيما لو جرى إزالة اللون التقليدي اللاهوتي في العبارة، فإن معنى "القضاء الإلهي" هنا هو قانون الوجود الطبيعي.

مما سبق يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن الأوصاف التي تلصق بابن خلدون معنى الرذيلة هو نتاج الرؤية المسطحة والغبية لحمقى "المثقفين"، وفي المقابل نعثر عند اغلبهم على تعظيم لمكيافيللي! مع أن الخلاف بينهما شاسع، لكنه يسير ضمن سياق العقل التاريخي والثقافي للأمم.

***

 ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.........................

[1]  إن الانطباع الذي تولد عندي بعد قراءة كل ما كتبه طه حسين، هو انه لم يستمع لما كان يسمعه ممن يقرأ له حتى النهاية. والأسباب كثيرة. فمن الصعب الاستماع إلى كتب نظرية كبيرة جدا. لهذا كان يلتقط بعض مما يرسخ في الذاكرة من عبارات قابلة للفهم السريع. وليس مصادفة أن يكره الفلسفة لصعوبة فهمها، بل انه كان "يقرف" من الفلسفة الألمانية، وذلك لأنه لا يمكن فهمها بمجرد الاستماع اليها. بل انه وجد في كتابات العقاد الفلسفية اشياء متعبة ومرهقة مع انها سهلة بالنسبة لطبلة الصفوف الأولى لكلية الفلسفة. بل في اعتقادي انها معقولة حتى بالنسبة لطلبة المدارس الثانوية المتعلمين جيدا. بعبارة أخرى، انني اشك في انه استمع إلى كتاب نظري فلسفي حتى النهاية، أي انه لم يقرأ أي كتاب حتى النهاية. ومع أن لطه حسين ملكة ذهنية وذاكرة حافظة إلا انها لا تكفي في مجال العلم النظري. من هنا توجهه صوب التاريخ والأدب. فهنا مرتع الرواية والحكاية. أما الملكة الفعلية لطه حسين فتقوم في قدرته على ركوب موجة الشهرة من خلال "المفاجئات" التي يقدمها للثقافة التقليدية. وقد عاش طول عمره على هذه البضاعة تحت عنوان النقد والنزعة النقدية. وما قدمه وكتبه طه حسين لا نقد علمي ومنهجي ومنظومي فيه. فهو أقرب ما يكون إلى قاعدة "خالف تعرف" الواسعة الانتشار والصفة المميزة لأنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين. وقد كان طه حسين ينتمي من حيث الجوهر إلى هذا الصنف من الكتاب.

[2] طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد. سلسلة المئويات، مصر، القاهرة، 1925، ص184.

[3] عبد الرحمن منيف: لوعة الغياب. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. المركز الثقافي للنشر والتوزيع.الطبعة الثالثة 2003.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص311.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص310.

 

 

حيدر جواد السهلانيغوشيه سيرة وفكر: ولد الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه عام  (1946- ؟)، في منطقة الماش الفرنسية، من أب عامل طرقات وأم تعمل في الخياطة، غادر غوشيه وهو في الخامس عشر من العمر إلى وسط المدينة، وتلقى تعليمه في مدرسة المعلمين العليا، ودرس الفكر السياسي عام  (1968)، وقد رسمت لقاءاته الفكرية مع زوجته الطبيبة النفسانية غلاديس سوين واخرين من المفكرين مساراً غير معهود، لكنه مسار موسوعي. وقد عمل في التدريس ومن ثم انخرط في العمل النقابي، وتعرف على الأجواء السياسية التي كان يخيم عليها أنصار الشيوعية من جهة، ومناهضي ستالين من جهة أخرى، ومن ثم اهتم بالفلسفة من جانبها السياسي، وقد حضر ثلاث شهادات في الوقت نفسه، في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، وكان غوشيه في العشرينات من العمر عندما نصب الطلبة والعمال مع شرائح عديدة من المثقفين متاريسهم في شوارع باريس، خلال شهر مايو من عام (1968)، وقد سميت بثورة الطلاب، ورأى في تلك الأحداث تعبيراً عما كان يفكر فيه، حول ضرورة صياغة نظرية لتاريخ بديل، مما شكل أحد مشارب البحث في العديد من أعماله، ولم يتردد غوشيه في تكرار القول" عشت تلك الحركة مايو- 1968، بكثير من السعادة والحماس". وكان غوشيه يقطع مسافة (300،كيلو متر) للمشاركة في المظاهرات الاحتجاجية. يشغل مارسيل حالياً منصب مدير البحوث بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، وفي مركز بحوث السياسة  (ريمون آرون) وفي الوقت نفسه يتولى رئاسة تحرير مجلة  (Le Debat). يعتبر غوشيه من المهتمين بالسياسة، ومن أبرز الفلاسفة المعاصرين، الذين دافعوا في اتجاه تقوية التنظير المعرفي الإبستيمولوجي للعلمنة، حيث التحق بنظرية نزع السحر عن العالم التي ابتكرها ماكس فيبر،وأن كانت لها اصول في فلسفة نيتشه حول الدين. عمل غوشيه منذ البداية في الفلسفة السياسية، ويرى أن هناك وجود نوع من التباين بين مايعرفه السياسيون وبين مايقولونه علناً، وبالتالي يصبح السياسيون ليسوا أنفسهم عندما يتحدثون في مكتب أو جلسة مغلقة، وعندما يتحدثون أمام عدسات التصوير، ذلك بفعل خوفهم من الانزلاق في الحديث وإعلان نوع من اللجوء إلى الصمت، وهو مايعبر عنه بالجملة التالية السياسيون هم سجناء قناعاتهم، وأفضل مايمكنهم فعله هو ان يلوذوا بالصمت. ومن أهم مؤلفاته،  (فك السحر عن العالم، التاريخ السياسي للدين- 1985)، و (الدين في الديمقراطية- 1998)، و (الشرط السياسي- 2005)، و (من أجل فلسفة سياسية للتربية- 2013)، و (نشا الديمقراطية، أو مجيئ الديمقراطية في أربعة اجزاء، يتناول في الجزء الاول الثورة الحديثة ويحدد معالم المشروع العام للحداثة، والجزء الثاني يتناول أزمة الليبرالية، أما في الجزء الثالث يدرس الأنظمة الدكتاتورية في القرن العشرين، والجزء الرابع يتناول من العام 1970 إلى وقتنا الحاضر). (1)

المقدمة:

إن إشكالية العلاقة بين السياسة والدين ليست جديدة في الفكر السياسي، فهي تواكبه منذ نشوء الفلسفة في مهدها اليوناني، والتي تمحورت حول محورين: الدين والأيديولوجيا، فالدين بصفته القاعدة الاعمق للتفكير ولتحديد السلوك، شكل منذ نشوء التقاليد اليهودية والمسيحية محدداً شرعياً ورئيساً للسلطة والعلاقات الناجمة عنها، أما الأيديولوجيا فقد عوضت المرجعية الدينية في المجتمعات الغربية منذ عصر التنوير، إذ أزاحت سلطة الكنيسة وكرست مفاهيم العلمانية ومعيار التمثيل والانتخاب لتحل محله معيار قداسة الحاكم وسلطته الإلهية، وبعد المرور من مرجعية الدين إلى مرجعية السياسة، ظهرت في الغرب إشكالية أخرى، هي إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. وتقدم هذه الإشكالية حول طبيعة العقد الاجتماعي الذي ستقوم عليه الدولة. ويقدم لنا غوشيه صورة عن العلاقة بين الشأن الديني والشأن السياسي، أنطلاقاً من تاريخ الأفكار أو تاريخ اللاهوتيات، وربط ذلك بتاريخ الممارسات الاجتماعية، والتنافس الحاد بين مبادرة الأمير والمبادرة الدينية، ضمن سياق الروابط المستقلة للقوى، ليصل إلى الفرضية القائلة ببروز السياسي في الغرب خارج إطار الدين. وقد كان لكل من البناء الديني والسياسي مداه الخاص، وكان كل واحد منهما يتحدد بالآخر إلى أن فرض استقلالية عنه، وهكذا انبثقت ثنائية السلطة، سلطة زمنية وسلطة روحية. أن فكرة العقد الاجتماعي وفكرة رفعة القانون وفكرة التمثيل، وهي المقولات التي سيطالب بها الشعب لاحقاً بأسم بسط الحقوق السياسية، التي جاءت نتيجة خروج السياسي من المدى الديني، بعد ان أفلح البابا في أن يفرض على الامبراطورية لزوم الرجوع إلى الشعب ومحاصرته ضمن ميدان سياسي، وبذلك أن هناك شيء يجمع السلطة والدين، ولا يمكن فهمه فهماً تاماً إلا بدءاً من اللحظة التي ترضى فيها بأن نعتبرها ثمرة تحول للبنية القديمة للتمثيل، بين التمثيل التجسيدي في زمن الآلهة والتمثيل التفويضي في عالم المواطنين المتساويين. أن التغيرات التي تشهدها السياسة والدين، تشكل اختباراً لإعادة الصياغة الشاملة للعلاقات مابين العام والخاص. والقاسم المشترك بين الدين والسياسة هو الاعتقاد ، ولكن الاعتقاد الديني والاعتقاد السياسي ليسا متطابقين، فكل واحد منهما يحتاج إلى مجال خاص يتبلور فيه وينتج فيه مفاعيله الخاصة. (2) وقد بدأ يظهر التفريق بين الانتماء إلى المدينة والانتماء إلى الكنيسة، وكذلك التفريق بين الإنسان كعضو من أعضاء الإنسانية والإنسان المؤمن العضو في المسيحية،. وهكذا بدأت تتلاشى فكرة الثنائية الزمنية والروحية لتقوى فكرة استقلالية السياسة. وبدأت تنمو بذور فكرة العلمانية التي تتلخص بالتالي: السياسي موجود بذاته ومحكوم بما يصنع هويته، وهو متباين عن المدى الديني ولا ينظم من قبل الله (جل جلاله) بل يخضع لقوانين الطبيعة التي تتحقق بواسطة العقل. وسن القانون الذي ينظم المدى السياسي يعود إلى الشعب، ولا يملك سلطة الإكراه، إلا إذا عمل بواسطة القانون ولمصلحة الجماعة بأكملها، إلى جانب فكرة العلمانية ظهرت فكرة الدولة الحق ومبدأ الشرعية وفكرة الحق الطبيعي. أما في مايتعلق بالعلاقة بين الفرد والجماعة أو الطائفة، والعلاقة ما بين العام والخاص، لابد من الإشارة إلى أن الفرداوية شكلت علامة من علامات التاريخ الغربي، وأساس كل عمل اجتماعي فيه، لقد أختلطت الحداثة السياسية مع تحرير الفرد من الخضوع للمطلق ومع الصراع بين الفردية والشمولي، لنصل في النهاية إلى بناء دولة الفرد المواطن وخلق مقولة الشخص العام خشية أن تصل الجماعة الاجتماعية إلى حال التشتت والتفتت بين الأشخاص، إنها أساس فكرة التمثيل وفكرة التفويض اللذين يعززان استقلالية السياسي، ويجعل من الحاكم الزمني الممثل الطبيعي للجماعة وصاحب السلطة المطلقة المستندة إلى الصالح العام، أذن تأتي السلطة السياسية من التفاعل بين الأفراد وتأتي العلمنة من التمييز بين إرادة الله  (جل جلاله) وإرادة الإفراد. أما الكنيسة فهي مجموعة أفراد مؤمنين، ولم تعد فكرة الحق الإلهي في الحكم مقبولة من أحد. قادت هذه المفاهيم والمبادئ إلى فكرة العقد الاجتماعي، فالمجتمع البشري هو تلاقي في الإرادات الفردية ولا ينتظم إلا بتنسيق هذه الإرادات واجتماعها، وذلك من خلال تطبيق الميثاق الاجتماعي وهذا مايقدم مفهوماً جديداً للتمثيل، فالممثل هو ممثل المواطن والدولة، هي دولة المواطنة ودولة التوافق والتفويض. (3)

الدين:

كان الدين يسهم في تنظيم الجماعة، وفي تنظيم الدولة والدين هو من يرسي القواعد العامة، أذ سلطة الدين منزلة من عند الآخر وتهبط من فوق، وتفرض من نفسها من فوق بإرادة البشر، لكن الثورات الحديثة أعادتها إلى الأرض ( الثورة الإنجليزية وبعدها الثورة الأمريكية، ثم الثورة الفرنسية ووضعتها على مستوى الإنسان أكثر من ذلك، سوف تعمل تلك الثورات على جعل السلطة تنبثق من تحت، عوضاً عن الإتيان بها من فوق، وسوف تجهد على إنشائها بناء على فعل واع ينبع من إرادة المواطنين). ويرى غوشيه إن الخروج من الدين، لا يعني التخلي عن المعتقد الديني، وإنما الخروج من عالم يكون الدين فيه بحد ذاته منظماً بنيوياً، يوجه الشكل السياسي للمجتمعات ويعين البنية الاقتصادية للرباط الاجتماعي، وهذا القضية تندرج في إطار يتناقض مع فهم الظاهرة الدينية من منطق البنية الفوقية، فالمجتمعات الخارجة على الدين هي بالتحديد المجتمعات التي يمكن فيها اعتبار العامل الديني بنية فوقية بالمقارنة مع بنية تحتية تعمل في غيابه على نحو تام، وهذا خطأ، بيد أن خداع النظر هو ملازم لبنية المجتمعات الحديثة، وبالمقابل في المجتمعات التي سبقت هذا الحدث، يشكل العامل الديني جزءاً لا يتجزء من النشاط الاجتماعي، فالخروج من الدين هو في المحصلة الانتقال إلى عالم يستمر وجود الأديان فيه، ولكن ضمن شكل سياسي وتنظيم جماعي. (4) وأن الخروج من الدين لايزال مستمراً، فالخروج من الدين في أوربا يتواصل من حيث كان قد ابتدأ ، بل هو يصل إلى نسبة مذهلة، أذ تسجل انهيار بالعبادات والتراجع في الانتسابات، وتناقض الأرشادات الربانية، وقبل كل شيء ربما اضمحلال المؤسسات الدينية، فالكنائس لم تعد فعلياً تتمتع بالسلطة في تحديد الإيمان ولا تستطيع فرض أركان العقيدة، وذلك حتى في نظر أولئك الذين لا يزالون يعتبرون أنفسهم أتباعهم المخلصين، وهي أقل شأناً من ذلك بكثير في ما يتعلق بتحديد الخيارات السياسية أو ضبط الأخلاق. ويذهب غوشيه أنه بعد الثورات على الكنيسة بدأ المفكرون بقبول وطرح اراء حول الدين وأي دين يقبل، فبدى لهم أن الاخلاق هي المعيار الوحيد لقبول الدين، وصحيح أنه ليس للدولة دراية بشؤون الدين ولا تمتلك أي ديانة، ولكن ذلك لايدل بالضرورة على عدم اكتراث كامل من جانبها يقودها إلى أن تقبل من دون تميز أي مذهب يعرض نفسه على الناس تحت أسم الدين، فلابد للدولة أن تحكم عليها من المنظار الاخلاقي. والمهم في الدين هي القدرة على تقديم فكرة شاملة للعالم وللإنسان وقادرة على البرهنة على صحة الخيارات الشخصية والجماعية بشكل تام ونهائي، ولابد أن يكون لدينا دين في حدود معينة، يدخل في محل معيار ملزم وهو توافق هذه الرؤية للعالم مع الرؤية الديمقراطية السياسية ويحدد هذا المعيار اسم عقائد مدركة وعقلانية. (5) ويرى غوشيه أن الديمقراطية قوضت الدين، فأدى إلى انسحاب الدين من العالم المعاصر، ومن جهة اخرى تسببت الثورة العلمية في تراجع المنظور الديني للعالم المادي وهو ما أضعف تأثير الدين على التفكير العلمي ومناهج تفسير العالم المادي، وأن انسحاب الدين يظهر بشكل أكبر في الحقل السياسي والعلمي، حيث الدين منسحب تماماً إلا على صعيد المجال الخاص، ولكن مع ذلك يحافظ الدين على البعد الروحي.  (ونحن بدورنا لا نوافق غوشيه على طرحه انسحاب الدين عن العالم المعاصر، فكثير من الدول تحكم بالدين، ويكون أصل قوانينها الدين، وعلى الرغم نرى في الحكومات التي تدعي الحكم بالدين هي غير موفقه ومنصفه اتجاه شعبها). ويناقش غوشيه في عالم الحداثة، وتشكلها وتأثيرها على مصير الدين من منطلق أساسي يعتبر فيه أن زمن الحداثة الغربية وخاصة المجتمع الأوربي، هو زمن الخروج من الدين، ويعني غوشيه بالخروج من الدين ليس تهميش للدين ولاتمثل قطيعة مع الإيمان بالله، ولا تعني أن الناس باتوا لا يؤمنون بالله فهم لم يكونوا أقوياء الإيمان من قبل في كل الاحوال، إن إحدى أولى المؤشرات الصارخة على الدخول في الحداثة بصفتها خروجاً من الدين هي الإصلاح البروتستانتي الذي ولد رد فعل على ماعرف بالإصلاح الكاثوليكي. والدين عند غوشيه هو في اصله دين البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة، والدين يتضمن أولاً مبدأ الخارجية، أي القول بأن المجتمع يستمد قوانينه من خارجه لا من ذاته، ويتضمن ثانياً مبدأ المغايرة، أي القول بأن البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشر مثلهم، ويتضمن ثالثاً مبدأ الانفصال، أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره، بين الجماعة والمبدأ المؤسس والمشرع لها. وهذا البنيان الكامل للدين اخذ بالتفكك شيئاً فشيئاً في مجهود استغرق خمسة قرون وصولاً إلى عصرنا، بموازاة الإصلاح الديني، ثمة حدث برز على أنه معاصر، هو ظهور السياسة الحديثة الذي ولد على مدى قرن كامل مفهوم الدولة الحديثة، يمكنك أذن أن نرى كيف أن مساراً سياسياً ومساراً دينياً يغيران معطيان الإيمان بشكل كلي، في هذا السياق الخطي للتاريخ، احتلت السياسة الجغرافية التنظيمية والمعرفية التي كان الدين يسكنها، ويستمد قوته في المجال العام، وتشكيل وعي الإنسان، ومن ثم تجدد الوعي الاجتماعي بالتغير الحاصل، ونزع الطابع اللاهوتي عن مسار التاريخ، ومعه تسقط التبعية الدينية، وأنتقل الفرد والمجتمع إلى عصر عرف تحولاً كبيراً للايديولوجيا بتعبيراتها الجذرية والمعتدلة خلال الثلاثين سنة الماضية، مما أدى بدوره إلى إدخال الدين في عالم الاستقلالية الديمقراطية المعاصرة. وبذلك يرى غوشيه أننا نجد أنفسنا  في عصر يتجه فيه المعتقد الديني إلا يكون سياسياً، فيما يتجه المعتقد السياسي ألا يكون دينياً، وهذا يدخلنا في عصر جديد من تاريخ الإنسانية، يتميز بحسب أطروحة غوشيه بأربع خصائص أساسية يمكن أجمالها فيما يلي:

1-  تراجع الدين في تكوين مؤسسات الدولة والمجتمع المعاصر.

2-  خصخصة الدين، واحتلال البعد الفردي للدين مكان الصدارة أمام المعتقد الجماعي ودوره في الحياة العامة الأوربية خاصة.

3-  الفردانية الدينية، حيث أصبح الدين تفسيراً وممارسة، يخضع لنوع من التصور الفردي، بعيداً عن مفهوم الجماعة للدين الذي كان سائداً إلى حدود القرن التاسع عشر.

4-  الابتعاد عن الممارسات الدينية الكنسية، حيث ظهرت سلوكيات غير مؤسساتية للدين تؤمن بالنسبة الدينية، وتخرق النسق المعرفي الكنسي للدين، ويظهر ذلك في موجه الخروج الكبير عن نمط المنظومة الدينية، بأعتبارها نسقاً واحداً وثابتاً ولا يتحقق الإيمان إلا بالتبعية الدينية للكنيسة، إذ أثبتت الدراسات المتعددة في مختلف الدول الأوربية، ازدياد مهماً في نسبة المتدينين المخالفين للثقافة الدينية والسلوكية للكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية. (6) 

ومع ذلك لايزال المعتقد الديني يخط مساره دون أن يفقد مكانته الضمنية، في التفاعلات المجتمعية في زمن الحداثة والفردانية المعلمنة، ومن المؤشرات القوية على ذلك عودة الدين للمجال العام، وكذلك ظهور موجات جديدة من الأصوليات الدينية المركبة، التي تختلف عن الدين التقليدي المعروف تاريخياً، وفي هذا السياق يمكن للأصولية الدينية أن تغوي هؤلاء الشباب ويعتبرون قضيتهم شيئاً نبيلاً، إنهم يشعرون في أعماقهم بأنهم يتحولون إلى أشخاص جديري بالتقدير ويصبحون شخصيات مقسرة من خلال إنكار ذواتهم كأفراد وفقاً لمعاييرنا المعتادة، ولهذا يجب التنبيه إلى الحل العلمي لظاهرة الإرهاب في وسط الشباب، والذي يكمن في إيجاد سبل لتحقيق الفرد ذاته وسط مجتمع معقد التنظيم ومتعدد التفاعلات، وهذا منوط بداية بالتفكير المتعمق حول التعليم. ويرى غوشيه في الإسلام هو عقلنة للفكرة التوحيدية، أي أنه يقوم على تصور عقلاني للكائن المطلق، أذ أن الإسلام لا يتناقض مع الحداثة السياسية التي تكونت خارجه، وذلك لأنه يتضمن فكرة الفصل بين الديني والسياسي، والمذهب الإسلامي هو أكثر عقلنة، وينتج عن ذلك مذهب توحيدي أكثر جذرية وأكثر صرامة من مذهب اليهود الذي يقوم على عقيدة الشعب المختار، ومن مذهب المسيحيين الذي يقوم على عقيدة التجسيد، ويذهب غوشيه إلى وجود نزعة فلسفية في الإسلام، وأرادت من فكرة الله (جل جلاله) إبرازها من زاوية العقلانية، وكان ثم عدد كبير من الفلاسفة عملوا على بلورتها، ولكن هذا الفلسفة سرعان ما خفت نورها بعد توهج رائع، وذلك لعدة أسباب بسبب عدم تسامح الفقه، وبسبب النزعة الحرفية في قراءة النص. والفلسفة الإسلامية عقلانية في مقدماتها، لكن هذا العقل يذهب نحو الإيمان، ويقود إلى التأمل الصوفي لمعطى الوحي. والإسلام ليس غريباً عن الثقافة الغربية لوجود قرابة عميقة، بين هذا الدين والمسيحية بأعتبارهما دينين توحيديين، حتى ولو أنه من داخل هذين الدينيين هناك أختلاف عميق في المضامين الدينية، ويرى في الإسلام ليس دينياً مقاوم للعلمنة. (7)

السياسة:

يرى غوشيه أنه يجب على التنظيم السياسي لا يحدد سلفاً بالدين، فالدين ليس أساسياً و لا شائعاً، والتنظيم السياسي لايسبق إرادة المواطنين ولايعلو عليها، لأن قناعتهم تعد شخصية بالجوهر، كذلك لا يخضع التنظيم السياسي لغايات دينية، فهو على العكس يجب أن يفهم بطريقة تسمح بتعايش غايات عدة مشروعة، وضرورة أن تكون الدولة حيادية تجاه الدين، وأن فصل الدين عن السياسة، أعطى دافعاً لتعظيم السياسة، وأججت المواجهة مع فريق الانصياع إلى المقدس، وأدى إلى فهم النظام الذي يمكن البشر أنفسهم من وضع قوانينهم الخاصة بهم، أذ قامت مجابهة بين السياسة والدين، ومن ثم ظفرت السياسة بالفصل بين المجتمع المدني والدولة، وكان تحقيق الفصل يفترض كبت الإيمان القديم الحاضن في المجال الخاص، من خلال التأكيد على أن السياسة هي الحاضنة الجديدة له. (8) وقد أهتم غوشيه بالدين لأن هو المحرك الاساسي للمجتمع، وأهتم بالسياسة لأنها هي من تنظيم المجتمع، ويفرق غوشيه بين السياسة والسياسي، أما السياسة، وهي تعني الأنشطة التي تدور حول السلطة التمثيلية، أي السلطة الشرعية في مجتمعاتنا تلك السلطة التي تأتي عن طريق الانتخاب من قبل المواطنين وتتطلب سلسلة كاملة من الشروط  (من حرية الصحافة إلى وجود الأحزاب والمناقشات العمومية) إلا أن المجتمعات الليبرالية تريد إعادة كل شيء إلى السياسة، وفي هذا المنظور تنتج الحريات الفردية سلطة تمثلها رغم كونها سلطة محدودة بتلك الحريات الأولية، فالحريات الفردية هي الأساس. فيما يقتصر دور السلطة على الحفاظ على شروط إمكانية اشتغال مجتمع السوق، مجتمع يتولد من تألف حريات الفاعلين. أما السياسي، فهو شيء آخر مختلف تمام الأختلاف، إنه ما يسمح للمجتمع بالتماسك، وهو موجود منذ الأزل، ووظيفة السياسي هي إنتاج كينونة المجتمعات البشرية، والسياسي يضمن سيطرة المجتمعات على ذاتها. (9)

الدولة:

إن الدولة الغربية الحديثة التي سوف تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي والديمقراطية التمثيلية والديمقراطية العلمانية، لابد وأن تعتنق التعددية ( التعددية الفردية وتعددية المجتمعات)، ولايمكن لها أن تكون شمولية على الإطلاق، ذلك أن دينامية المجتمعات المنضوية في هكذا دول تؤدي إلى خلق تجمعات اجتماعية، اقتصادية ، دينية، ذات طابع سياسي، هذا التجمعات تحدد نفسها كل على حدى، تجاه كل التجمعات الأخرى، لتشكل مجتمع ما نسميه في مابعد بالمجتمع المدني الذي سوف يتمايز عن الدولة. ويرى غوشيه أن دولة الإنسان هي من صنع الإنسان، ومنذ ظهور الدولة، وجدت معها نقطة في قمة الهرم، وهي نقطة الوصل بين السماء والأرض، ويرى غوشيه في الملكية هي جسدت هذه النقطة. والدولة لم توجد بتاتاً لخدمة الدين، وإنما وجد الدين لخدمة الدولة، المصلحة العامة هي القاعدة التي يجب أن يبني عليها كل شيء في الدولة، الشعب أو السلطة العليا التي تؤمن على سلطة الشعب، هو الوحيد الذي له الحق في الحكم على توافق أي مؤسسة مع الصالح العام، مهما كانت هذا المؤسسة، وينص البند الأول من القانون المدني الخاص بالإكليروس على" أن القديس بطرس والذين تعاقبوا بعده من البابوات وحتى جميع رجال الدين لم يتلقوا من الله (جل جلاله) سوى النفوذ الذي سوف يسري على الأمور الروحانية التي تعني بالسعادة الأبدية وليس بتاتاً السلطة على الأمور الدنيوية والمدنية، ويجب على الملوك والحكام ألا يكونوا خاضعين، في ما يتعلق بالأمور الدنيوية، إلى أي نفوذ كنسي، وذلك بأمر من الله (جل جلاله) وألا يتم تعينيهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بواسطة سلطة رؤساء الكنيسة، وأن لا يكون بإمكان رعاياهم أن يعفو بأسم تلك السلطة من واجب الخضوع والطاعة لهم، أو يحنثوا بيمين الإخلاص لهم". ويستعرض غوشيه مراحل الثورات والحركات على الكنيسة، فيرى أن ثمرة هذا الثورات، هي التي أوصلت أوربا على الاخص إلى ثمرة الديمقراطية، ومن ضمن الثورات، ثورة عام (1688) في بريطانيا التي أسقطت حكم الحق الإلهي المطلق الذي كان مكرساً في بريطانيا منذ عام  (1660)، ومن ضمن الحركات أيضاً هو الاعتراض على القرار البابوي عام  (1713) وهذا الاعتراض يقوم على دعوة السلطتين بشكل صارم، ومن الداخل إلى القيام بواجبهما على السلطة الروحية واجب العودة إلى صفاء عقيدتها، وعلى السلطة الدنيوية واجب استقلالية سلطتها في مايخص امور الدين. وفي عام  (1801) تم الاتفاق بين الكنيسة والحكومة الفرنسية في خضوع الكنيسة خضوعاً كاملاً للسياسة السائدة، وتقوم الكنيسة بدور بدائي داخل المجتمع، والمجتمع لم يعد بتاتاً من صلاحياتها، ويؤكد الاتفاق على العودة إلى حرية المعتقدات، لكن في إطار تحريم العمل المؤسساتي  للكنيسة، وبذلك شكل نزعة الانفصال عن الكنيسة العامل الذي أسهم إسهاماً كبيراً في تمجيد الدولة والرفع من شأنها. فالدولة في خدمة المجتمع المدني، وهي من تصيغ الغايات العليا التي من شأنها العام ان تنشر تحت رايتها، ومن وظيفتها الحكم وتأمين التعايش السلمي بين المجتمع. (10) يريد غوشيه أن يعيد النظر في مسألة الدولة بالاستناد إلى تحليل الظاهرة الدينية في المجتمعات البدائية، وأن مفتاح مسألة الدولة ينبغي أن يبحث عنه في الجذور العميقة للواقعة الدينية، ذلك أن فهم السبب الذي من أجله أراد البشر بأجمعهم أن يكونوا مدينيين، والسبب الذي جعل المجتمعات أيضاً تصر على أن تعقل بان علة وجودها تتعلق بشيء مغاير لها، معناه فهم السبب الذي جعل قيام الدولة أمراً ممكناً في لحظة من لحظات الصيرورة الإنسانية -  الاجتماعية. أن تأسيس الدولة لم يكن متوافقاً مع بعد اجتماعي لم يسبق له أن ظهر على الاطلاق، وإنما مع تحول لبعد كان يوجد أصلا في صميم المجتمع، فالدولة هي الوجه الجديدة ، وظهرت نتيجة الانقسام الداخلي في المجتمع، فالدولة لم تظهر في المجتمعات التي تملك سيادة على نفسها، والحرية في تنظيم شؤونها والقدرة على أن تتغير طوعاً بفعل لعبة التراضي العام، ولاشك بأن حدوث الدولة يمثل تحولاً شاملاً في طريقة ادارة المجتمع لانفصاله عن البؤرة التي تكسب معناه وشرعيته. وأيضاً التغيرات في الدائرة الدينية هي السبب في مجيء الدولة، ويرى غوشيه، أنه لا أنجاز للدولة من دون تصفية الدين، وأن كانت الدول الأولى تملك جذورها في الدين، فأن المنطق الداخلي لنمو المقدرة الأولية يقضي بتقويض الدين. (11)

الديمقراطية:

إن الديمقراطية هي التعبير الرسمي الذي أطلق على الحالة السياسية التي سادت أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكلمة ديمقراطية تدل مبدئياً على حكومة الشعب، وقد اكتسبت معاني مختلفة نوعاً ما، لتتحول في نهاية المطاف إلى غاية سياسية، وهي العمل على أن يستعيد المجتمع البشري التمتع بالخيار الذاتي على المستوى الجماعي، وذلك بأن تكون السياسة مشروعاً للاستقلالية أي التحرر من أثر العامل الديني. ومع ذلك ترفع الديمقراطية من شأن الديانات وتميزها عن باقي السلطات الأخلاقية والروحية، فهي تشدد على الوظيفة المطلوبة من الديانات تأديتها وتنقذها من خطر اختزالها إلى مجرد ثقافات ويتم ذلك عبر إيضاح ماهو أبعد من التراث والعادات والتقاليد، إنها تحيي فيها الجوهر عبر الدعوة العلمية إلى الإصغاء إليها في غزارتها وعمقها الروحي، والعودة بها إلى أفاق دنيوية، مع الأستجابة التامة لأبعادها الدينية، ومن الواضح أن الديمقراطية تدار بقواعد اخلاقية متجذرة في المعتقدات الدينية، ومنظومات القيم المؤسسة على الدين أدى إلى إنصهار الدين في الديمقراطية بعد أن حصل تحول ضمني في محتوى العقيدة، ودفع بعدد كبير من المتدينين الذين يطمحون إلى أن يكونوا مواطنين صالحين مع بقائهم مؤمنين مخلصين، إلى الالتحاق بالركب الديمقراطي. والديمقراطية لم تجد سبيلاً إلى الاستقرار إلا بدءاً من اليوم الذي اكتشفت فيه أنه من الضروري القبول بالفارق من أجل تقدير الوفاق، بدلاً من البحث بلا جدوى عن التطابق، فالأرتباط الميتافيزيقي بين السلطة والمجتمع أبعد من أن يقرب بينهما بل هو عملياً يفصل بينهما، وكلما توفرت المطابقة بينهما في الجوهر كلما أزداد الفارق الوظيفي بينهما. وأن مادفع بالديمقراطية إلى أن تكتشف نفسها، وأن تؤكد نفسها ضمن إطار المجتمعات المفعمة بالإيمان، ويتسائل غوشيه كيف تصنع ديمقراطية من رجال دين؟ أن حل هذه المسألة أدى بطريقة محتومة إلى قيام صيغة خاصة، لإدراك سياسة الاستقلالية، وهكذا فإن أي فكرة عن الديمقراطية، لا يمكن أن تفهم إلا إزاء نقيضها وتبعاً للدور الذي نعطيه للدين. وهدف الديمقراطية هو أن يسترجع المجتمع البشري حقه في إدارة أسباب وجوده وغاياته. (12)

عصر الهويات:

يرى غوشيه أن عصرنا هو عصر الهويات، فالديمقراطية الجديدة قد تحولت إلى هويات، ما يعني في الوقت ذاته طريقة أخرى للإندماج فيها من الداخل، وطريقة أخرى للإنتماء إليها من الخارج، والذاتية الفردية هي من تضع الهوية، أن التعقيد الديمقراطي الذي يعمل على إعادة تأهيل المواد القديمة وليس بطريقة الإحياء الصريح لمعطيات قديمة عف عليها الزمن، وهذا يعني أنه قبل أن نتخوف من ظهور المجتمعات الناهضة، علينا من أن ننتبه إلى عامل الذاتية الذي يعمل في داخلها ويقوض ادعاءات التقليد لديها. ففي قلب التحول الجاري في العالم الديمقراطي يجري إعادة تقييم لهذا العالم يمليه غياب الأنظمة المخالفة له، وما يعيد تشكيل صورة استقلالية الجماعة البشرية عن الدين، هو واقع أن التبعية للدين توقفت عن امتلاك معنى سياسي مقبول،لم يعد تجسيد الخضوع للعالم الآخر في سلطة دنيوية يعني شيئاً لأحد أو مقبولاً من أحد. لقد استطاع الإخلاص الآلي للدولة أن يقوم مقام تعليل الوجود أو الإصابة عن الغايات النهائية، وذلك على مستوى كل فرد، في وقت لم يعد هناك أي أوامر إلهية ترسم مستلزمات العيش المشترك وتبني موجهات الفعل ومعايير السلوك، وهكذا قامت فكرة العلمانية، أي سياسة الاستقلال عن الدين، بالدور الرئيسي في رفعة الدولة. وتغلغل الروح الديمقراطية داخل فكرة الاعتقاد ذاتها، كانت النتيجة تحول المعتقدات إلى هويات دينية بعد أن تم التفريق الكامل بين التسامح، بوصفه مبدءاً سياسياً، وبين التعددية بأعتبارها مبدءاً فكرياً، وهنا قد ظهر تعريف جديد للهويات الدينية، أنه تعريف دنيوي يميل إلى وضعها في مصاف الثقافات بمعناها الأعم، أي مجموعة أنماط السلوك المتوارثة اجتماعياً والفنون والمعتقدات والمؤسسات ومنتجات العمل الإنساني. هذه الهويات لا تتوجه بالأولوية نحو السماء، وإنما همها الأساسي هو تحديد هويتها على الأرض، إن تحول الديانات إلى هويات هو نتاج التعددية الديمقراطية،وأن الطوائف الدينية تسعى إلى الانصهار الاجتماعي وإلى تأكيد هويتها وترغب في أن يتم الاعتراف بها بصفتها مكوناً لاجدال فيه من مكونات المجتمع، وعلى عكس القاعدة القديمة التي تفضي بالتخلي عن المميزات الخاصة للدخول في المجال العام، ترغب الهويات الجديدة بشكل عام والدينية بشكل خاص، في اعتبارها من ضمن المجال العام بسبب هويتها الخاصة بالذات، وترغب في أن يتم الاعتراف بها على هذا الأساس. إن السلطة السياسية محمولة بشكل طبيعي على الاعتراف بهذه الهويات، ذلك أن التحول الجوهري في السياسة يميل إلى أن يبعث في هذه الهويات الدينية مجدداً مكانة ومنفعة جديدتين وفقاً لحاجات المجال العام بالذات، وذلك بأعتبارها نظريات عامة في المعرفة وعقائد شاملة. أن تحول المعتقدات إلى هويات هو ثمن التعددية التي ذهبت إلى أبعد حدودها، ويصبح عندها أي تبشير بالدين مستحيلاً، وهذا ما يفسر التماسك الصلب والمرن في الوقت نفسه الذي تبديه هذه الهويات، إنها متصلبة من دون أن تكون عدائية، والمعتقد أمر يبرهن بالحجج، والهوية لاتبغي الإقناع، وهي في الوقت نفسه لاتقبل المعارضة، وهي لا يحركها من الداخل إيمان يسعى إلى فرض نفسه وبالمقابل هي متصلبة في وجه الخارج، في ما يتعلق بموضوع الاعتراف. ويرى غوشيه أن تحديد الهوية في هذا الوقت يختلف عن الماضي، فالمنطق المنظم هو منطق التعددية الراديكالية، كل أمرئ يعلم بأنه ليس في خصوصيته سوى جزء من كل أوسع تكون التعددية فيه غير قابلة للتجزئة، إنه ينهل منها الرغبة في تأكيد تميزه، على قدر رغبته في تأكيد وجوده، وفي أن يكون هناك إقرار صريح وعلني بأنه جزء فاعل في المجموعة، إذاً لتحديد الهوية الشخصية معنى إلا وفقاً للانعكاس الاجتماعي الذي يتخطاها، وتكمن الجدة في أنه على عكس القاعدة القديمة التي كانت تقضي بالتخلي عن المميزات الخاصة من أجل الدخول في المجال العام، تصبح الهوية الخاصة هي الأساس الذي يدخل المرء بأسمه في المجال العام، ينطبق هذا المنطق على الهويات بشكل عام، ولكن الهويات الدينية تطبقه في شكله الأشد وضوحا بسبب الدور الخاص الذي تحافظ عليه أو تستعيده. ويرى غوشيه أن الدين الجديد بدأ يتشكل أو يأخذ هوية فردية مستقلة، أذ التدين الهوياتي يؤدي دون قصد إلى علمنة الحياة، لأن اشتغاله المتضخم بالدين، يحول الدين في نهاية المطاف إلى دائرة مصالح حادة الاطراف أو ربما مشروع هيمنة لا يختلف عن الايديولوجيات السياسية العادية التي تستهدف الهيمنة بشكل صريح. (13)

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش:

1- ينظر مارسيل غوشيه: الإسلام والديمقراطية (حوار مع غوشيه)، ترجمة منوبي غباش، بحث منشور على شبكة الانترنيت، مؤمنون بلا حدود. وأيضاَ مارسيل غوشيه: سمة العالم الحديث (الجهل) بحث منشور على شبكة الانترنيت، الاستغراب.

2- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية (مسار العلمنة)، ترجمة شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ص7- 8- 9- 29- 95.

3- ينظر المصدر نفسه، ص10- 11.

4- ينظر المصدر نفسه، ص27.

5- ينظر المصدر نفسه، ص27- 29- 30- 33- 34- 68- 131- 132- 133.

6- ينظر مارسيل غوشيه: العودة الديني أو مفارقته (حوار مع غوشيه)، ترجمة الحسن علاج، بحث منشور على شبكة الانترنيت، الحوار المتمدن.

7- ينظر مهدي جعفر: مارسيل غوشيه وأطروحة انسحاب الدين من العالم المعاصر، بحث منشور على شبكة الانترنيت، مدونات الجزيرة.

8- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية، ص31- 32- 33- 24- 95.

9- ينظر فارس إيغو: مارسيل غوشيه والثورات العربية، بحث منشور على شبكة الانترنيت، الحوار المتمدن.

10- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية، ص11- 12- 24- 28- 53- 56- 57- 58- 126.

11- ينظر مارسيل غوشيه: العودة الديني أو مفارقته.

12- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية، ص7- 16- 30- 41- 84- 85.

13- ينظر المصدر نفسه، ص12- 13- 14- 15- 113- 117- 118- 121- 123

 

زهير الخويلدي"إن تمني العيش في كنف مؤسسات عادلة ليتعلق بالمستوى الأخلاقي عينه مثل الرغبة في تحقيق الذات والتبادل في الصداقة"1[1]

يعود الفضل الى جان نابرت1881 – 1960 في الانتباه الى وعورة الظرف الاستثنائي الذي تمر به البشرية وطرح السؤال الايتيقي في الفضاء الفلسفي الفرنسي باكرا والبحث عن مبادئ مؤقتة وشذرية والتطرق الى التجربة الباطنية للحرية وجمع عناصر تفكيرللحياة الأخلاقية دون أن يتبني نظرة شاملة باحثا عن طرائق تساعد على تنمية الروح وتعود الى الغائيات والى العالم وتربط الصلة بين قيم الفعل والوجود وبين قيم الفعل والمجموعات القيمية الأخرى على غرار أنظمة قيم الجمال والحقيقة والمجاورة عن طريق الوعي المحض بالذات للفعل الابداعي للقيم2[2]. لقد أحال هذا الفيلسوف التأملي على المادة الضرورية لاعادة بناء ايتيقا في نهاية القرن العشرين ولقد انطلق من وضع الذاتية على محك الشر والألم وجعل الرغبة في المطلق تستند على الاثبات الايتيقي ودرس تجربة الخطأ في إطار الوعي المحض الذي يتوجه نحو فهم ذاته وامتلاك اليقين3[3]. لقد أكد نابرت على ضرورة رفض الواقع المعطى ودعا من خلال يقظة الوعي المحض للمرور الى الأنساق الرمزية والاحتماء بأشكال جمالية مبتكرة ونماذج فنية بواسطة الإرادة والقصدية. بيد أن الاستشكال الفلسفي للقيم والصياغة الدقيقة للحاجة إلى استئناف المطلب الإيتيقي قد نهض بها تيودور أدرنو في كتابه المنسي أخلاق الحد الأدنى4[4] الذي ألفه بين 1944 و1947 بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وواصل فيه ما كان قد بدأه في مؤلفاته الأخرى وخاصة النظرية الاستيطيقية والجدلية السلبية وشذرات فلسفية من جدلية العقل وفلسفة الموسيقى الجديدة من إنتاج جملة من الأفكار حول الحياة الإنسانية المبتورة التي تعرضت للتشويه والتنكيل والاغتراب5[5]. لقد ولدت هذه التأملات في الحياة المهينة من رحم عسر الهضم الإيديولوجي عانى منه الإنسان الغربي ومثلت وجهة نظر ندمج فيها الالتزام السياسي بالحنين البرجوازي للفرد العقلاني الذي يريد إعادة بناء الأفق السياسي والاجتماعي والأخلاقي دون التخلي عن فكرة التحرر الممكن له. لكن كيف يمكن انقاذ القيمة الحقيقية والحال أنها توجد مغمورة بالميولات ويتعذر على أي كان بلوغها؟ وهل نمح بعض الاستقلالية للقيم أم يجب دفعها نحو الارتباط بوظائف الفكر؟ فيما يتمثل التقدم بالذات في تجربة قيم الفعل؟ هل يقتضي منح القيمة حق الاقامة في الكل أم يتطلب الاشتغال على تنميتها بالمشاركة في الكل؟ وبأي معنى تكون الإيتيقا ملزمة بالتدخل في الواقع وألا تظل التقنية الصناعية معالجة شكلية وعملية كمية تراكمية عندما تخفق في تحقيق رهانات مشتركة بين الذوات وتنحصر تدبيراتها في تقديم جملة من القواعد والوصايا الجزئية؟ كيف مثّل التفكير في الرعاية استدعاء للنظر المختلف نحو السياسات العمومية من جانب إيتيقي؟ وهل تتأسس الإيتيقا على الفطرة أم تعود إلى منابع ثقافية للذات؟ وهل تتفق مع الطبيعة أم تحترم المعيار؟ماهي الخصائص الايكولوجية التي تتميز بها الايتيقا اليوم؟ ومن يتحكم في مصير الحياة الراهنة؟ والي أي مدى يتوقف الحكم الطبي على قواعد الحكم الأخلاقي؟ ومتى يكون القرار في الحقل الايتيقي صائبا؟ ولماذا يتم اشتراط تركيز هيئات ايتيقية ؟ وهل يمنع ذلك من اصدار قرار ايتيقي كلي؟

1- الأخلاق والايتيقا:

" تظل الإيتيقا، في عالم ليس على ما يرام، سبب الوجود الوحيد للفلسفة"6[6]

 تنحدر الأخلاق من الجذر اللاتيني mores وتفيد جملة الشيم والأعراف والقواعد العامة في حين تشتق الإيتيقا من الجذر الإغريقي ethos وتتعلق بميدان الأفعال الفردية ومجال أحكام القيمة التي تحمل عليها. لقد دأب الناس على التفريق بين الوفاء والخيانة وبين الإخلاص والخديعة وبين الصدق والكذب وبين الشجاعة والاستقالة وبين الجرأة والخمول وبين التهور والتعقل وبين الإقدام والجبن وبين البر والبخل. واستعانوا أثناء هذا التمييز بمجموعة القيم التي توجه علاقاتهم مع الغير وتحدد كيفية تصرفهم في حالة وجودهم في وضعيات اجتماعية مغايرة لوضعياتهم الأخلاقية الأولية وتتأثر باندراجهم في العالم وتتغير بمرور حركة التاريخ وطبقات الميراث والعادات التي تشكل العلاقات الأسرية والاقتصادية والعاطفية. لقد جعل التفكير الأخلاقي شغله الشاغل الإجابة عن أسئلة: كيف ينبغي على المرء أن يعيش؟ وماذا يجب عليه أن يفعل؟ وماهو الهدف السامي من حياته؟ وما الغاية من فعل الخير وترك الشر؟ وماهي السعادة؟

لقد انصب اهتمام التفكير الأخلاقي حول موضوع السلوك الإنساني من جهة النوايا والرغبات والأفعال ومن جهة الحياة في بعدها العملي الذي كان الفلاسفة الإغريق قد أطلقوا عليه تسمية الممارسة Praxis. أما الفلسفة الأخلاقية فإنها ترنو إلى تحديد السلوك المشروع والصائب والمستقيم والمكتمل بواسطة العقل وتدرس الامتياز الإنساني والطرق المؤدية إلى الالتزام بالفضائل والابتعاد عن الرذائل وأسس الأخلاق وتنبثق من تلاشي الأخلاق الطبيعية والمشهورة التي تراكمت بالتجربة التاريخية ومن تعرضها لأزمة أربكت اليقين الأخلاقي لدى البشر وزعزعت البديهيات التي كانوا يستمدون منها قناعاتهم وتصوراتهم.تبدأ الفلسفة الأخلاقية عندما ينتزع الفكر العملي نفسه من العادات والتقاليد وقواعد الحياة المشتركة ويشعر بالحيرة والقلق والتردد في اتخاذ القرار واختيار السبيل أمام انقلاب المعايير وحالة الفراغ الأكسيولوجي ويجد نفسه أمام تصدع كبير في النظم القيمية وأمام أزمة روحية عميقة فيطلق حملة تجديد للوعي الخلقي. ;لا يتم بلورة تفكير أخلاقي متجدد إلا من خلال إعادة التفكير في أسس الأخلاق من طرف كانط ونيتشه وماركس وشلر وسارتر وبرجسن ونابرت و وأرندت ولفيناس ويانكليفيتش ودولوز وفوكو وريكور7[7]. لقد كشفت الماركسية عن الايديولوجيا التي تختفي وراء كل سلوك أخلاقي وربطتها بالعلاقات المادية وتطرقت البنيوية إلى النسق الرمزي وعلاقات القرابة وتحدثت الفرودية عن دور اللاشعور والغريزة. إذا كان ميشيل فوكو في سلسلته تاريخ الجنسانية قد ميز بين الأخلاق المسيحية للتعفف الصارم والعذرية والوفاء الأحادي والأخلاق الوثنية والفلسفة الأخلاقية القديمة في المجتمعات اليونانية والرومانية التي تشجع على الحرية والحياة والتعدد وتمجد الطبيعة واللذة الحسية والمتع الدنيوية والفنون وثقافة الجسد8[8] فإن بول ريكور قد نشر في قراءات 1 الذي نشر في عام 1990 نصا عن الأخلاق والايتيقا 9[9]درس فيه العلاقة بين المفهومين واختبر فيه فرضية الإيتيقا الأساسية التي يسعى إلى تشييدها من خلال جهود من سبقوه في الفلسفة ومعاصريه وطرح فيه السؤال التالي: هل ينبغي لنا التمييز بين الإيتيقا والأخلاق؟

في الواقع، لا شيء في الايتيمولوجيا أو في تاريخ استخدام الكلمتين يفرض هذا التمييز، إذ الكلمة الأولى متأتية من اللغة اليونانية، بينما جاءت الكلمة الثانية من اللغة اللاتينية، وكلاهما يشير إلى فكرة الشيم (الايتوسEthos ، والمورسMores ). زد على ذلك لا يتفق المؤرخون حول معنى الكلمتين وطبيعة العلاقة بينهما ولكنهم أجمعوا على ضرورة المحافظة عليهما معا والبحث أشكال الوصل والفصل بينهما. من جهة أخرى يمكن للمرء على التو أن يلحظ وجود فوارق بينهما من جهة الوظيفة والمقاصد ويركز انتباهه حول استهداف الحسن أو ما يتم فرضه بالإلزام والوجوب على مستوى الأفعال والخيارات. كما يرى ريكور أن دلالة حد الإيتيقا على قصد رغد الحياة بالقيام بأعمال حسنة هو مجرد اتفاق لا غير بينما إشارة مصطلح الأخلاق إلى الإلزامي ينم عن ضرورة كونية ويخضع إلى معايير وأوامر ونواهي. بناء على ذلك يعتمد ريكور على الموروث الفلسفي لتذليل صعوبة التمييز بين المفهومين والقول بتعارضهما ويرى بأن الموروث الأرسطي قد تناول مقصد الحياة الجيدة من منظوري غائي téléologique،بينما الموروث الكانطي قد اعتنى بالخضوع إلى المعايير وحدد الأخلاق من خلال خاصية إلزام المعيار والطابع الأمري للأفعال وفق المنظورية الأداباتية déontologique وحاول الخروج عن هذه الوثوقية الأرسطية والكانطية في ذات الوقت والبحث عن نحت مفهوما جديدا لتنظيم الأفعال في الحياة العملية. في هذا السياق قد يقودنا المعيار إلى التناقض وقد ينتبه المقصد الإيتيقي إلى فرادة الوضعيات الجزئية وبالتالي: أليس من الأجدى عند ريكور أن نمنح الأولوية للإيتيقا على المسألة الأخلاقية ؟ إلى أي مدى يمكن أن نختزل الإلزام الأخلاقي إلى تطبيق القاعدة المعيارية الاجتماعية؟ متى يمكن أن يتحقق واجب الوجود السعيد؟ وهل الشر والكذب والعنف والحرب هي من الرذائل المدانة دائما ؟ أين توجد القيمة الاعتبارية للمثل في الأخلاق؟ ماذا يتعلم الإنسان من الإحساس بالذنب؟ وهل من الضروري أن يخضع المقصد الإيتيقي إلى غربال المعيار والقاعدة الأخلاقية ؟ ألا تقتضي الحكمة العملية sagesse pratique عودة المعيار إلى المقصد والبحث عن شرعية القاعدة من استهداف الحياة الجيدة؟

2- غائية المقصد الإيتيقي:

" إن المقصد الإيتيقي يتمفصل... حول عناصر ثلاثة يكرم فيها بالتساوي الأنا والآخر القريب ثم الآخر البعيد: أن نعيش في خير مع الآخرين ومن أجلهم في إطار مؤسسات عادلة"10[10]

يعرف ريكور الإيتيقا بكونها استهداف الحياة الجيدة مع الآخرين ومن أجلهم في مؤسسات عادلة ويعطي المكونات الثلاثة للتعريف نفس الأهمية الإيتيقية وهم الوجود مع الغير والتضحية بالنفس من أجل الأغيار وعدالة المؤسسات التي تدافع على الحقوق وتنظم العلاقات بين الأفراد والدولة. لقد تحدث أرسطو عن الحياة الجيدة بالمعنى الإجرائي وليس بالمعنى الإلزامي وأشار إلى الاستهداف والتمني والحلم والأمل في التحقيق وإرادة الانجاز والتصميم على البلوغ وحب الإدراك والوصول. لكن هل يقدر الإنسان أن يحيا بشكل حسن وأن يستمر في الوجود بطريقة جيدة ويحقق سعادته ويستكمل اهتماماته ومشاريعه ويعتني بذاته ويتعدى مجرد الحلم ويتفق على الأمنيات ويتم انجاز مشروع الاشتغال بالذات والمصالحة مع الغير ويرتقي بالمؤسسة إلى مستوى العدالة الوظيفية. لكن هل من تناقض بين العناية بالذات وإيثار الغير؟ وكيف تشغل المؤسسة ضمن فضيلة العدالة؟ وهل نبدأ بالعناية بالذات قبل الاهتمام بالغير وقبل الشروع في تدبير الشروط العادلة للانتماء إلى المؤسسة؟أليس من المستحسن الانطلاق من العناية بالآخر والتوجه نحو إصلاح المؤسسات والتموقع في المدينة؟ إن لفظ الذات soi يستحق بالأساس كل التقدير على الصعيد الإيتيقي ويحتفظ بالاحترام على الصعيد الأخلاقي الأمري ويختلف عن الأنا الذي يرفض اللقاء بالغير ويبقى يتحرك ضمن نظرة الأنانوية. إن ما تقدر عليه الذات في حد ذاتها هو ن جهة أولى الاختيار بصورة تفضيلية ولأسباب معقولة وقصدية ومن جهة ثانية إحداث تغييرات في مجرى الأحداث وابتداء أمر معين في العالم والقيام بمبادرة. هكذا يكون تقدير الذات هو اللحظة التفكيرية للبراكسيس في شبكة الترتيب ضمن نظرية الفعل وحينما يقيم الإنسان أفعاله فهو يقيم نفسه كفاعل لفعله دون أن يتحول إلى مجرد قوة طبيعية أو وسيلة تقنية . لكن كيف يعيش الإنسان بشكل جيد مع الأخر؟ هل يعتني بذاته أم يحيا من أجل الغير؟ وهل الغير شريك أم عدو؟ ومن يضمن للذات عدم تحول الغير من شريك إلى عائق؟ ألا توجد مخاطر في انفتاح الذات على الآخر؟ وهل يتم تقدير الذات عندما يتخلى الأنا عن طابعه التفكيري وينفتح على العالم والمجتمع؟ وكيف يقع تقدير الذات في خطر الانطواء والانغلاق على العالم بدل الانفتاح على أفق الحياة الجيدة؟

إن العناية لا تضاف من الخارج إلى تقدير الذات بل متضمنة في البعد الحواري الذي تجريه مع الغير وبالتالي لا تتحقق العناية دون تقدير الذات ولا يحصل المرء على تقدير ذاته دون عناية مفرطة بها. أن نتحدث عن الذاتsoi ليس أن نقول أناmoi ، فالذات عند ريكور تتضمن الآخر غير الذات من أجل أن نتمكن من القول بأن أحدهم يحترم نفسه ويقدر ذاته بوصفها غيرا. إن التقدير المتقاطع بين الذات والغير يقتضي الابتعاد عن التجريد وطلب التبادل والتصريح بأن الأنت أيضا يستحق التقدير كذات وذلك لأنه كائن المبادرة والاختيار وقادر على الفعل وفق أسباب وترتيب الغايات وتغيير العالم. زد على ذلك يترتب عن القول بقاعدة التكامل في نظام التبادل بين الأشخاص أن الأنت قادر على تقدير ذاته والآخر يمكنه أن يقول أنا مثل الذات وأن يعامل نفسه كفاعل ومؤلف ومسؤول عن أفعاله. غير أن سر العناية لا ينكشف وغاية التكامل لا تتحقق إلا عند إتباع فضائل الصداقة والمحبة والتآلف حيث يقدر الواحد غيره مثلما يقدر نفسه ويتغلب على اللاّمساواة الناتجة عن خضوع المتعلم للأستاذ. هكذا تتشكل اللاّمساواة من ضعف الآخر ومعاناته ومن تفوق الذات وتمركزها على نفسها. إن هذا التفاوت لا يتم إصلاحه أو القضاء عليه باعتراف السيد بالعبد وبلورة تكامل منقوص وغير متكافئ وإنما بواسطة صداقة الغير حيث لا تكون الذات مطالبة بأن منح شيئا غير فعل الشكر. إن المعاملة بالمثل لا تؤدي دائما إلى تبادل الاعتراف والمساواة بين الأنا والآخر ولا تعكس حقيقة الصداقة بل تفضي إلى ردود أفعال مؤذية تجاه الغير وتحتج إلى منطق الجود والتضحية دون مقابل. على هذا النحو يتضمن المقصد الإيتيقي نحو حياة جيدة معنى العدالة ويتم بواسطة الاعتناء بالآخر البعيد الذي يوجد في منطقة الغرابة أبعد من الأنت وأشد التباسا من علاقة الوجه لوجه في العدالة. وبالتالي لا تتوقف الحياة الجيدة على العلاقات البيشخصية بل تتعدى ذلك إلى الحياة داخل المؤسسات وتشترط بناء مساواة تتكون من طبيعة مغايرة عن المحبة والصداقة والتوادد والإحسان وتقوم على الهبة والبذل والجود والعطاء وقريبة من الشراكة والرعاية والعناية التي تفرضها الأبعاد الإيتيقية لعدالة المؤسسة. من المعلوم أن المؤسسة تعرف بكونها بنى وأطر العيش المشترك للجماعة التاريخية والتي لا يمكن ردها أو اختزالها في العلاقات البيشخصية وتعتمد بالأساس على الإنتاج والتبادل والعدالة التوزيعية. تشهد المؤسسة بروز نظام من التقسيم والمحاصصة للحقوق والواجبات والعائدات والمداخيل والقدرات والمسؤوليات والمنافع والأعباء والصلاحيات التي تشير مشكل التوزيع بالنسبة للعدالة. ما يلفت ريكور الانتباه إليه هو اتساع حقل المؤسسة بالمقارنة مع علاقة الوجه لوجه في المحبة أو الصداقة وذلك بسبب مسارات التوزيع والقسمة التي تدفع المقصد الإيتيقي إلى تقدير الغير والغريب وإعطاء كل واحد حصته العادلة في نظام التوزيع مهما كان انتمائه وموقعه في الجماعة التاريخية. والحق أن ريكور يتحدث عن العدالة بالمعنى الإيتيقي مع المحافظة على المعنى الأخلاقي المشروع ويقوم بتسجيل العادل في مقصد الحياة الجيدة وفق علاقة الصداقة مع الغير واستخدام شرعي العقل. لقد شهدت فكرة العدالة تحولات عبر تاريخها الطويل فقد نشأت ضمن التراث الأسطوري واللاهوتي ولكنها امتلكت معنى جديدا في إطار المجتمعات المعلمنة ولم تعد ترتبط ببناء جملة من الأنساق القانونية بل تشير إلى التضامن مع المظلومين وإنصاف الضحايا والفئات الاجتماعية الأقل حظا. هكذا تشير العدالة إلى التوزيع والمساواة النسبية وتتفادى الصيغ الشكلانية التي يستعملها علماء القانون والأخلاق والسياسة وتعتبر نفسها مجرد فضيلة تواجه الظلم والتفاوت وترسم الطريق نحو حياة جيدة. فماهي الآدابية؟

3- إلزامية المعيار الأخلاقي:

"الأخلاق الكانطية في خطوطها العريضة هي ترجمة صحيحة للتجربة الأخلاقية المشتركة التي لا تعد وفقها واجبة إلا قواعد الفعل التي تنجح في اختبار الكونية"11[11]

بعد ذلك وفي مقام ثان يحاول ريكور إخضاع المقصد الإيتيقي نحو حياة جيدة إلى امتحان القاعدة المعيارية وذلك من أجل تخطي النزعات التي تثيرها النزعة الشكلانية وإدراج المعيار ضمن الحكم الأخلاقي وإثراء الإيتيقي بالأخلاق عبر المرور باللحظة الأمرية الآداباتية déontologique مع المحافظة على المكونات الثلاثة للمقصد الإيتيقي وتمتين الصلة الوثيقة بين الإلزام والشكلانية. في البداية المكون الأول لاستهداف حياة جيدة يوافق في الأخلاق مطلب الكلية universalité ولذلك اقترن الخضوع لامتحان المعيار بمطلب العقلانية بالإحالة المتشابكة بين مقصد الحياة الجيدة وتحقق العقل العملي. كما يقترن مطلب العقلانية بمطلب الكلية وذلك بواسطة تطبيق القاعدة الشكلية التي لا تقول ماذا يجب أن يفعل بل تضع المعايير التي تراقب قواعد الفعل في كل الظروف والمتغيرات والنتائج وتكون صالحة لكل الناس12[12]. لقد استخدم كانط الشكلانية لكي يبين أن الرغبة واللذة والسعادة ليست أشياء سيئة ولكنها لا تكفي لبلوغ الحياة الأخلاقية بل تعيق احترام الواجب وتعطل عملية الالتزام بالقاعدة المعيارية وتطبيقها على مستوى الفعل وبرر ذلك بطابعها التجريبي الحادث بالمقارنة مع المعيار المتعالي للكوننة universalisation واقتضى الأمر كذلك القول بالاستقلالية الذاتية autonomie أو بعبارة أخرى الحرية والقدرة على التشريع الذاتي autolégislation بوصفهما الرد الحقيقي من نظام الواجب على مقصد الحياة الجيدة. لقد أمنت الإنسانية منذ عصر النهضة إلى عصر الأنوار بوجود طبيعة بشرية واحدة يمكن أن تتأسس على مهادها أخلاق كونية ودعمت هذا الإيمان بالاعتقاد بأن إنسانية الإنسان قد تتحقق من خلال امتلاك العقل. لقد تقاسم كانط مثل غيره من معاصري تلك الحقبة هذه القناعة وأوكل مهمة التشريع الأخلاقي إلى العقل العملي وأسند وظيفة الحكم الأخلاقي الذي يستوجب إثبات حسن الفعل أو شره للفاعل القادر عليه ذاتيا. لقد أكد على أهمية الحرية من حيث هي قدرة على التحديد الذاتي والتمكين المجالي والاستقلالية والاكتفاء في دفع الأفراد إلى تنفيذ ما قرروه بأنفسهم وانجاز اختياراتهم بأنفسهم وتحويل المداولات إلى سلوكات سديدة. لو كان الناس مدفوعين الى الفعل عبر الأسباب والقوى الخارجية التي تظل غريبة عن إراداتهم فإنه يتعذر على الفكر الحديث بصورة فعلية عن فعل بالمعنى الدقيق للكلمة وتصير فكرة الأخلاق نفسها فاقدة للمعنى. لو تم تجريد الذات من قدرتها على الاختيار والتصميم والتنفيذ والإتمام وتم رفض حقيقة وجود فاعل متحكم في ذاته وسيد على نفسه ومسيطر على قراراته فإنه يؤدي إلى إضعاف كل الرهانات الأخلاقية. بطبيعة الحال لا يمكن التقليل حسب كانط في نظرية الواجب الأخلاقي التي يدافع ىعنها من دور الذات الفاعلة والحرة والواعية في التجربة الأخلاقية ولا يجوز إغفال مساحة الشفافية التي تتمتع بها عند اختيارها للأهداف المقصودة من أفعالها والوسائل التي تستعملها لتحقيقها.

 ينقد ريكور الواجب الأخلاقي ويعتبر رده على سؤال: ماذا يجب علي أن أفعل هنا والآن؟، ردا مجردا وفارغا ولا يشير إلى أي شيء جزئي بل يجعل القائم بالفعل هو الذي يطيع الأمر الذي وجهه إلى نفسه. لقد حاول كانط أن يردم هذه الهوية بأن وضع الأمر القطعي في الحقل الأخلاقي كمعادل للعناية في الحقل الإيتيقي وأثنى على الشخص الإنساني باعتباره غاية في حد ذاته وحائز على الكرامة ويستحق الاحترام وبالتالي رفض كانط علاقة الاستغلال بين الناس وأقر التفاعل عبر العلاقة العفوية والطبية الأصلية بينهم. غير أن ريكور يكشف زيف هذه البراءة المزعومة ويؤكد على ما تخلفه السلطة التي تمارسها إرادة على إرادة أخرى من تعنيف وكذب و ضحايا وذلك بسبب معاملتها اللآخرين دائما كوسائل وليس البتة كغايات.

من بين الأوامر التي توجهها الأخلاق ضد مخاطر العنف والاستغلال ومعاملة الآخرين كأدوات نجد ما يلي: -لا تقتل، - لا تسرق، و-لا تكذب وعامل الإنسانية وفق القانون الأخلاقي كغايات وليس كوسائل. وربما الغرض من هذه الأوامر هو منع انتهاك الحياة ووقف مصادرة الحقوق ومجابهة كل أشكال العنف. والقاعدة الذهبية للأخلاق التي تجسم الاستقلالية الذاتية autonomie وترسي الإنسانية humanité في التعامل مع الغير وتعده بالسماحة والاحترام والسلم هي : لا تفعل بغيرك ما لا تريد أن يفعله هو بنفسك .

لقد حول ريكور مفهوم العدالة من المجال الإيتيقي إلى المجال الأخلاقي بحيث لم تعد تعني أحد الفضائل كما الشأن عند أرسطو في مقابل رذائل الظلم والكذب والقتل والسرقة بل صارت تشير إلى نظرية متكاملة صاغها راولز وأدرج ضمنها مفاهيم الإنصاف والاختلاف والتعقل والحرية والاستحقاق والمنفعة العامة. لقد صاغ جون راولز نظرية العدالة وفق مقاربة إجرائية مضادة للنزعة الأرسطية الغائية téléologique وقريبة من الأداباتية déontologique الكانطية والتقاليد التعاقدية التي انتشرت عند مدرسة العقد الاجتماعي وجعل الوضع الأصلي يتصف بحجاب الجهالة ويقتضي القيام بالتروي والتدبير والمداولة من طرف أشخاص عقلاء حول توزيع المنافع ويصلون إلى إجراء منصف. كما نقد راولز النظرية النفعية لما تتميز به من طابع غائي عندما تعميم الخير على أكبر عدد من الناس وخاصة عند ستوارت مل وسيدويك.

إن الحل الإجرائي لمسألة العادل الذي أعلنته نظرية العدالة كإنصاف كما جاءت عند جان راولز قد اشتق مضامين مبادئ التوزيع المنصف من الوظيفة التي يؤديها العقد التفاوضي دون الالتزام بأي معيار للخير.

المبدأ الأول لا يمثل مشكلا عند ريكور لأنه يعبر عن مساواة المواطنين أمام القانون ويفرض قسمة عادلة لحقول الحرية ويعمل على تعديل معقول لأشكال المساواة الاجتماعية والاقتصادية حيث يتمتع كل واحد بنفس الفرص مع الآخرين وتتساوى الحظوظ وتظل الوظائف والمواقع مفتوحة أمام الجميع دون تمييز. والحق أن مبدأ العدالة النسبية المنحدر من أرسطو يستبعد المساهمات الفردية ولا يلتقي سوى مع نظرية القرار في سياق اللاّيقين ويدفع الحصة الدنيا إلى حدها الأعلى ويعتبر القسمة غير المتساوية هي العادلة ويعمل على زيادة نصيب المنافع والخيرات عند الأكثر حظ ويقلص من حصص ومنافع الأفراد الأقل حظ. لهذا السبب يوضح ريكور غياب المعنى الإيتيقي للعدالة عن النظرية الآداباتية déontologique عند راولز بالرغم من استنجاده بالاقتناعات الموزونة بشكل جيد من أجل بلورة تدبير حكيم وتوازن معقول بين الاقتناعات وبغية تفادي كل أشكال اللاّمساواة الفظيعة واللاّتسامح الديني والتمييز العنصري والاستبعاد الاجتماعي. يصعب حسب ريكور بلوغ هذا التوازن المعقول في الاقتناعات والأحكام الأخلاقية إذا تعلق الأمر تقسيم الثروة وتشريك المواطنين في السلطة وتظهر هوة كبيرة بين النظرية والواقع ويتطلب الأمر الانخراط في مسار معقد بين القاعدة الكلية والأحكام التفصيلية بغية انجاز تكيف متبادل بين الاقتناعات والقواعد الذاتية. لعل القاعدة الذهبية التي تتحرك ضمنها إلزامية المعيار الأخلاقي هي: لا تفعل لغيرك ما لا تريد أن يفعله بك وربما خير ما جاء به راولز حسب ريكور هي معارضته لتوزيع المساوئ على الضحايا وتشديده على توزيع المنافع على الفئات الفقيرة من أجل إنصافهم ومعالجة أشكال اللاّمساواة والغبن الذي تعرضوا له. لكن كيف يقتضي دافع العناية بالإنسان انجاز الانتقال من تقدير الذات إلى إنتاج المعنى الإيتيقي للعدالة؟

4- تراجيديا الحكمة العملية:

" في هذا الطور (تراجيديا الفعل) يكون الوعي الأخلاقي مدعوا في طوية الإنسان لوضع القرارات المتفردة التي أخذت في مناخ ريبية وصدامية حادة"13[13]

لما كان تطبيق نفس المعايير على وضعيات متعيّنة مختلفة ومتنوعة يؤدي إلى انبثاق النزاعات فإنه من الضروري أن تهرع المعيار الأخلاقي إلى الاستنجاد بالمقصد الإيتيقي من أجل التغلب عليها وفضها. لقد علمتنا التراجيديا الإغريقية وبالخصوص في ملحمة أنتيغون لسوفوكل أن الصراعات الحدية تنشئ من صعوبة تطبيق قاعدة معينة على مجموعة متنوعة من الأفعال والممارسات التي تتميز بالعنف والدموية. في هذا السياق تظهر تراجيديا الفعل من صعوبة تحديد الحكم الأخلاقي وتعثر عملية التمييز بين الأصدقاء والأعداء وتوفر أسس موضوعية للصراع والتزام قيمي لدى المتعصبين بضرورة الحرب وتعسف الاقتناعات وغياب سلطة القرار حول المعايير التي يجدر إتباعها والتدابير التي ينبغي القيام بها للمدينة. على هذا النحو تواجه الحكمة العملية الوضعية التراجيدية للفعل التي تتميز بالتمزق والتردد والنزاع وتستبدل القواعد الذاتية والمعايير الأخلاقية والقوانين الكلية بالاقتناعات الحاسمة والتي تستجيب إلى المعنى الإيتيقي الأكثر أصالة وتنهي حالة الحرب التي نشبت بين القيم والالتزامات الواثقة من نفسها.

لقد وضع ريكور في البداية مخططا من أجل فلسفة جديدة في الإرادة14[14] ولقد نظمت جمعية أعماق ريكور في باريس سنة 2014 يوما دراسيا بعنوان: نحو هرمينوطيقا الفعل: ريكور في مواجهة فلسفات الإرادة" خلصت فيه الى أهمية الفعل الإرادي في فلسفة بول ريكور الأنثربولوجية والى أن الفعل يتبع إستراتيجية كاملة تنتقل من علم الفعل الى فلسفة الفعل ومن تحليل اللغة العادية إلى أفعال الخطاب والبعد الأنطولوجي. لقد قام ريكور بالتمييز الإجرائي والمفهومي بين الإيتيقا والأخلاق بالرغم من إشارته إلى أنهما يحملان معنى مشترك ويتحركان على أرضية واحدة ويدلان على بعضهما ولكنه في كتاب عين الذات غيرا يلاحظ الدلالة السلبية بعض الشيء التي بدأت تتعلق بمفهوم الأخلاق في مقابل الترحيب والدلالة الايجابية للإيتيقا. لقد استفاد ريكور من التفريق الذي قام به ماكس فيبر في السياسي والعالِم بين إيتيقا المسؤولية التي تضع الفاعل أمام نتائج فعله وتنسبها إليه وإيتيقا الاقتناع التي تصرف النظر عند القيام بالفعل عن الاهتمام بالتبعات والمخاطر التي تنجر عنه ورأى أن الفاعل يجب أن يجمع بين النظريتين وألا يكتفي بواحدة فقط. هكذا تتابع الإيتيقا الحياة الجيدة بينما تحيل الأخلاق إلى الواجب وما يستوجبه من تطبيق واحترام للقانون. فإذا كانت الفضيلة تعني حسب ريكور الاستعداد لفعل الخير وترك الشر والمزاج المعتدل وتنزلت في حد أوسط بين الزيادة والنقصان وبين الإفراط والتفريط فإن الإيتيقا فن تطبيق قاعدة عامة في حالات جزئية ومعالجة المشاكل المستجدة والتحديات الطارئة التي تتسبب فيها التغيرات التاريخية والاكتشافات العلمية. لذا يمكن التمييز أيضا بين إيتيقا الفضيلة التي تسعى إلى بلوغ السعادة عن طريق القيام بالأعمال النافعة والابتعاد عن الأعمال الضارة، وهي إيتيقا قديمة تعود إلى أرسطو وإيتيقا الواجب التي أتى بها كانط واعتبرها بديلا عن الأولى وترتبط الإرادة الطيبة والنية السليمة والفعل السديد والقاعدة الأخلاقية العامة. يبدو وكأن الأخلاق الحقيقية تسخر من الأخلاق الشكلية التي يتظاهر المرء بالالتزام بمبادئها دون تطبيق تام وتجسيم حقيقي وكأن الحياة دون قواعد صارمة وقوانين مجردة أفضل وأرحب من الحياة الإلزامية. لقد وضع ريكور نظريته الأخلاقية حول إيتيقا الفضيلة ضمن رؤية مابعد حديثة 15[15]استفادت من التجديدات التي حصلت في الفلسفة التحليلية مع ميلاد مفهوم مابعد الفضيلة اليزابات أنسكومب وألسداير ماكنتايير16[16]. لقد ساند ريكور بعث هيئات إيتيقية في ميادين الصحة والطب والمهنة والبيئة والقضاء والإدارة والتعليم تنظر في تمفصلات الكوني والجزئي وتدرس بعض الحالات الخاصة على ضوء تنسيب القواعد العامة17[17]. حول هذا الموضوع تسمى غائية18[18] كل نظرية تحاول أن تضع معايير للفعل وفق السياق الذي يتنزل ضمنه وحسب التبعات التي تنجر عنه والتأثيرات الحاصلة من القيام به على الذات الفاعلة وعلى محيط الفعل. بينما تسمى آدابية19[19] كل نظرية تأخذ بعين الاعتبار قصد الفاعل من قيامه بالفعل وتحكم على الفعل بالسداد عندما يرضي الالتزامات التي تعهد بها الفاعل ويحترم القواعد والقوانين التي تحدد شروط الفعل وتنظمه. كما تعد أخلاق الواجب الكانطية خير مثال عن النظرية الآدابية بما أنها تلزم الإنسان بأن يفعل عبر الواجب وأن يطيع المر القطعي دون أن يأخذ بعين الاعتبار النتائج المتعينة التي تترتب عن عدم قيامه بذلك الفعل.

لقد انتقلت الإيتيقا إلى مجال الرعاية الصحية والعناية الطبية ودافعت على ضرورة الاهتمام بالفئات الهشة وتقديم المساعدة للمحتاجين وذلك بالإحاطة النفسية والعلاج الطبي والتدخل الإنساني والمواساة العاطفية. لقد شككت الإيتيقات التطبيقية التقييمات النسقية في كونية الفلسفة الأخلاقية التي تأسست حول العقل والمبادئ المجردة والقوانين الكلية ومفاهيم الإلزام وبيّنت استحالة تطبيقها بشكل يشمل الجميع وفتحت المجال للحديث عن طرق أخرى غير معهودة في التفكير الإيتيقي تنتبه إلى الحالات الخاصة التي تسقط من الحساب العقلاني وتمنح المشروعية الوجودية في الميدان الأخلاقي للعواطف والأحاسيس والمشاعر.لقد فكر ريكور في ذات الوقت بنفس الأهمية في الإرادي واللاإرادي وفي الاقتدار والعطوبية وفي الخير والعادل ووضع القيم الأخلاقية ضمن مجموعتين: المجموعة الأولى تمنح الخير مكانة مركزية ولها تاريخ عريق وتمارس جاذبية على الفاعل الأخلاقي بمجرد علمه بمصدر الخير، بينما المجموعة الثانية تعطي الأولوية للعادل على الخير وتنتمي إلى الحقبة المعاصرة وتمارس أمرا على الفاعل من القيمة الأخلاقية وتربط مفهوم العادل بجملة الالتزامات والوصفات والنصائح التي ينبغي على الفاعل القيام بها وتطبيقها. إذا كانت الإيتيقا الأرسطية جاذبة وتوفر للإنسان السبيل بغية تحصيل السعادة باعتبارها الخير الأسمى فإن الأخلاق الكانطية هي أمرية إلزامية بحكم فرضها على المرء عدة شروط سواء حول الرغبات أو المنافع. في كتاب عين الذات غيرا، يشير ريكور مرارا إلى أرسطو. ولكنه في الدراسة السابعة ("الذات والمقصد الأخلاقي") تبدو هذه الإشارة في نفس الوقت الأكثر تناسقاً والأكثر وضوحا، اذ يعترف بأنه لا يسير في الطريق لحظة مع أرسطو في الدراسة وانما المسار من البداية الى النهاية يظل أرسطيا. فماهي أسباب هذا التقارب؟ وهل يتعلق الأمر، بالنسبة إلىيه بالسير على أعقاب أرسطو أم بالدخول معه في حوار نقدي؟

من الواضح أن الإشارة إلى أرسطو تهدف إلى توضيح سؤالين: مسألة التبعية والمسألة الأخلاقية. أذكر أن هذه العلاقة هي محورية في قضية الكتاب: هو التفكير في النضج بحيث لا يأخذ شكل الإنغلاق على نفسه ولكن ينفتح على الآخر أو الأفضل، أنه يشهد على وجود شكل من أشكال الغيرية في قلب الذاتية. بهذه الطريقة وعلى هذا الأساس فقط، يمكن للذات أن تتخلص من أول شكل من أشكال الهوية العددية (idem) وتتخذ شكل الهوية الذاتية التي يطلقها عليها ريكور اسم الإنية ipseité. إنها علاقة مع النفس تمر عبر وساطة الغيرية وتضمن استمرار الهوية، لكن بصفة أخرى متغيرة ومتطورة، ولا تمثل هذه الغيرية تهديدا للهوية، بل تبنيها على نمط جديد وتثريها على نحو أفضل وتمنحها المعنى وتضعها في الزمن التاريخي والتجربة الواقعية. لكن بالنسبة لريكور، فإن أرسطو هو المفكر الأخلاقي بامتياز، الذي أظهر بوضوح أن الحياة الجيدة، المرتبطة بمفهوم الفضيلة، هي المقصد الأخلاقي الأول والنهائي20[20].

جملة القول أن الإيتيقا الريكورية تتكون من ثلاثة عناصر يعبر عنها بضرب ثلاثة أمثلة عن النزاعات المتفجرة في الحياة الإنسانية:

-  العنصر الأول هو تقدير الذات من حيث هو عناية بمعنى العدالة: تصطدم استقلالية الذات الأخلاقية بالقاعدة الشكلانية للكوننة universalisation وينبثق نزاع يشق عملية تقدير الذات في وضعيات جزئية متغيرة تمر على الذات وتشهد تبدل أحوالها وتراوحها بين الفعل والانفعال وبين الفرح والحزن وبين النجاح في التغلب على المصاعب والإخفاق والتعثر في الحياة.ان النزاع بين الكونية والخصوصية يشتد على مستوى الحياة الأخلاقية ويمزق أي انسجام بين القاعدة المعيارية الكلية للحكم الأخلاقي والوضعية التاريخية من جهة السياق الاجتماعي للفاعلين الجماعياتيين. لقد سقط العقل الغربي في نسخته الأوروبية القارية حسب ريكور في عالمية مزعومة بسبب تناقض بين إشادته بأخلاق حقوق الإنسان ودفاعه على الاختلافات الثقافية وحمله لواء التنوير وفرض نمط مقولب من التحديث على العالم واحتكار الغرب تصريف شؤون الكونية وإقصاء الخصوصيات وإسهاماتها في صناعة الحضارة العالمية. في مقابل ذلك يقترح ريكور بلورة توازن متروي بين الكونية والتاريخية وإجراء نقاش مطول ومعمق بين الثقافات من أجل الاتفاق على القيم الكونية التي يمكن تقاسمها والدفاع عليها لتحقيق مطلب التواصل بين الخصوصيات.

-  العنصر الثاني هو صراع الواجبات بين السجل الإيتيقي للعناية والسجل الأخلاقي للاحترام: ينشئ نزاع في العناية بين الحقيقة الأخلاقية والحماسة على معارضتها في فترة التدرج الإنساني من مرحلة إلى أخرى وتعرضه للتغيرات وهو ما يستدعي الحكمة العملية للتدخل ووزن التصرفات في هذه الفترة العسيرة من النمو وتكوين نواة للنصيحة تقارن بين وجهات النظر المتعددة وتزن القرارات وفق السياق وحسب المنظور في كنف المحبة والاحترام المتبادل وتعمل على بلورة جدلية بين العناية الموجهة نحو أشخاص بعينهم واحترام القواعد الأخلاقية والقانونية الموضوعة لمثل هذه الوضعيات الحدية. تشبه هذه الإيتيقا ما يحدث من نقاش داخل منظمة العفو الدولية وما يطرحه من تطبيقات الأخلاق الطبية وتوفير الرعاية الصحية للمسجونين مهما كانت درجة إجرامهم تجاه الإنسانية وضمان حريتهم بوصفهم ضحايا. يعود ريكور إلى مفهوم التعقل عند أرسطو في كتابه أخلاق إلى نيقوماخوس من أجل بلورة الحكم الأخلاقي في الوضعيات الجزئية المتغيرة ويقرنه بالحذر والحيطة والمداولة والتروي والحكمة العملية ويقر بالتطابق بين احترام الذات واحترام الغير وتوجيه النظام العملي وفق تعقلية فرنوزيسية مرنة عند الإنسان الفطن.

-  العنصر الثالث هو ما يكشفه الحكم الأخلاقي على وضعية من مشكل العدالة الذي يتجلى في الزوج المفهومي العادل واللاّعادل في السجل الإيتيقي ومع التقليد التعاقدي في السجل الأخلاقي: لا يأخذ التصور الإجرائي للعدالة عند راولز بعين الاعتبار تنوع الخيرات ولاتجانسها في عملية التوزيع للحصص بين المواطنين ولا يفرق بين توزيع المنافع المادية وتوزيع السلطة والمعرفة والمنافع المعنوية. كما أن المؤسسات التي تتكفل بعملية التوزيع تتعرض للعطوبية والتذبذب على مستوى المردود بسبب الفوارق الاجتماعية المجحفة وموقع المواطنين من سلطة القرار والأشخاص الذين يتحملون المسؤولية. لقد تفطن راولز نفسه لهذه المعضلة حينما أعطى الأولوية للخيرات الاجتماعية على الحريات والحقوق وهو ما فتح الطريق أمام مايكل والزار لنقده والتطرق إلى مسألة دوائر العدالة وتأثير تنوع الخيرات الموزعة على ماهية العدالة نفسها وفتحها لحالة من النزاع حول شروط المواطنة ومفهوم الاستحقاق.

 إن توزيع الرّفاه والسلامة والأمن والثروة ليس مثل توزيع السلطة والمسؤولية والوظائف والمواقع وبالتالي تفجر الصراعات حول الملكية وتفضيل العلاقات الشخصية وخرق القواعد القانونية يمكن أن يهدد بتمزيق وحدة مفهوم العدالة ويجعل الحكمة العملية في مواجهة مواقف محرجة تفقدها معقوليتها.توجد جملة من المطالبة المقنعة التي تحظى بالإجماع في الفضاء العام وهي الحماية والحرية والشرعية والتضامن ولذلك يدعو ريكور إلى تكوين خلية نصيحة في الدولة وتحويل الحكم السياسي إلى حكم حسب الوضعية وأن تكون الحكمة السياسية على هيئة نصيحة جيدة تنبع من تعقل حكيم وقرار موزون وأن تجسد العدالة روح الإنصاف بتخطي النزاعات وإصلاح القوانين وإعطاء الأولوية للفاعل المنصف على العادل.

لكن ماهي الضمانات التي يوفرها ريكور للذات الفاعلة لكي تملك الاقتدار عند التزامها بالحياة الايتيقية على ضوء قيمتي الانصاف والأمل؟

خاتمة:

" لا تصبح تلك الصيغ ...- استمرارية الذات، العناية بالأقرباء، المشاركة المواطنية في السيادة- قواعد ذاتية وملموسة للفعل إلا عند استعادتها وإعادة تشكيلها وصياغتها ضمن ايتيقات جهوية وخاصة..."21[21]

لقد شهد المسار الذي قطعه ريكور في معالجة المسألة القيمية القيام بعدة منعطفات أمهما الانطلاق من الأخلاق والتقاطع مع الإيتيقا الأساسية وفي نهاية المطاف الرسو حيث الايتيقات الجوهوية والخاصة. وإذا كان في مرحلة أولى أقر بأولوية الإيتيقا على الأخلاق أو حاجة الأخلاق إلى تدخل الإيتيقا لتخطي المأزق الذي وقعت فيه وإذا كان في مرحلة ثانية أكد على ضرورة مرور المقصد الايتيقي بالقاعدة المعيارية فإنه في مرحلة ثالثة وأخيرة قد نصص على مشروعية استنجاد المعيار بالمقصد وذلك لتتمكن الحكمة العملية من الانتباه إلى خصوصية الوضعيات وتقدر على فض النزاعات التي خلفها الوضع التراجيدي للفعل البشري. وإذا كانت الأخلاق هي الحد المرجعي القار الذي يعين حقل المعايير ويفرق بين المسموح به والمحظور ويدفع إلى الشعور بالواجب عند الفعل فإن الايتيقا هي الميتا-أخلاق التي توجد في موقع متعال أو الوجه المتقدم والمتأخر من المعايير وبالتالي توجد في الخلف وفي الأمام وتتوجه نحو التأصيل في الحياة والرغبة ونحو الإدراج ضمن الوضعيات الخاصة والسياقات الاجتماعية المختلفة.

لقد تحدث ريكور عن الإيتيقا الصغرى في كتابه عين الذات غيرا وعن الإيتيقا الأساسية بوصفها الإيتيقا الأمامية المتقدمة على المعايير ولكنه وضع الإيتيقا في صيغة المتعدد والكثرة وأشار إلى الإيتيقات الخلفية باعتبارها حقول ومجالات لإدراج المعايير والفضائل ضمن الحكمة العملية وعلى صعيد البراكسيس ونعتها أيضا باسم الإيتيقات الجهوية والخاصة وتحدث عن الإيتيقات الطبية والحقوقية والمهنية والخدمات والبيئة واستند في ذلك إلى أطروحة جورج مور التي ترى باستحالة رد ما ينبغي أن يكون إلى ماهو كائن. ما يلفت الانتباه هو وضع ريكورمملكة المعايير كوسيط بين الايتيقا الأمامية والايتيقات الخلفية واحداثه تقاطع بين المقاربة الغائية والمقاربة الأمرية ونيته الخروج عن هذين السياقين ضمن موقف متيميز هو تدبير الحكمة العملية بالاعتماد على مفاهيم العزو والعزوية والمقدرية والتفضيل المترو والعناية بالغير. فإذا كانت المقدرية capabilité تسمح بالحديث على فنومينولوجيا الانسان القادر على الفعل والكلام والسرد والتذكر والنسيان وتمكنه من الانتصار على الانسان المذنبcoupable والخطاء faillible فإن العزوية ascription بالأنغليزية أو imputabilité وimputation بالفرنسية هي الإضافة التي يقدمها ريكور في المجال الأخلاقي بالمقارنة مع أرسطو وكانط وسبينوزا لكي يدرج مفاهيم التقدير والاحترام والمسؤولية والعناية ضمن نسق المعايير وإدراجها بصورة مرنة في إطار شجاعة الوجود والحياة الجيدة. " إن العزوية هي القدرة لدى كل شخص على الوعي بذاته من حيث هو الفاعل الحقيقي للأفعال المنسوبة إليه"22[22] لكن إذا كان مشكل الشر الجذري لا يطرح ضمن تصور الخطيئة الأصلية بل ضمن مشكل العجز عن الفعل الحسن فكيف تساعد العزوية الإنسان على التعرف على القاعدة الصحيحة في الحالات الصعبة؟

  

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................

الإحالات والهوامش

[1] ريكور (بول)، العادل، الجزء الأول، تعريب مجموعة من الأكاديميين، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، طبعة أولى، 2003، ص.20.

[2] Nabert Jean, l’expérience intérieure de liberté et autres essais de philosophie morale, préfacier par Paul Ricœur, édité par PUF, Paris, 1994.

[3] Voir Nabert Jean, éléments pour une éthique, 1962, préfacier par Paul Ricœur, édité par Aubier, Paris, 1992.

[4] Voir Theodore Adorno, Minima Moralia, Réflexions à partir de la vie mutilée, éditeur : Payot et Rivages, 2003.

[5] لقد اعتبر هابرماس كتاب أدرنو عن الأخلاق الصغيرة تحفة فنية تجمع بين الأخلاقيين الفرنسيين والرومنطقيين الألمان وبلور فيه فيه نقدا جذريا للمجتمع المعاصر حيث عملت القوى الموضوعية على اضطهاد الكائن البشري في معظم وجوده الفردي ودعا فيه إلى الانعتاق من الاضطهاد وحول فيه فن الكتابة إلى فن للمقاومة وجعل من التأمل من حيث هو فن في التفكير وسيلة لممارسة الحياة.

[6] Grondin Jean, l’horizon herméneutique de la pensée contemporaine, édition Vrin, Paris, 1993,p142.

[7] Voir Ricœur (Paul), Préface au Code de déontologie médicale, introduit et commenté par louis René, édition du seuil, Paris, coll. Points Essais, 1996.

[8] فوكو ( ميشيل)، تاريخ الجنسانية،1 إرادة العرفان، 2 استعمال المتع، الانشغال بالذات، ترجمة محمد هاشم، إفريقيا الشرق، المغرب، 2004،

[9] Ricœur (Paul), éthique et morale (1990). In Lectures 1, Autour du politique, édition du Seuil.1991,

[10] ريكور (بول)، العادل، الجزء الثاني، مصدر مذكور، ص.360.

[11] ريكور (بول)، العادل، الجزء الثاني، مصدر مذكور، ص.345.

[12] "Si les hommes ne peuvent être incriminés, cessons d’appeler le mal un mal moral " :Kant Emmanuel, critique de la raison pratique, 1788, édition Gallimard, Paris, 1985.

[13] ريكور (بول)، العادل، الجزء الأول، مصدر مذكور، ص.30.

[14] Paul Ricœur, Archives Ricœur, Bibliothèque de l’Institut protestant de théologie, « Plan pour une nouvelle philosophie de la volonté », Classeur12, Dossier2, f.31534.31600.

[15] Ethique post-moderne

[16] Voir Alasdair C. Macintyre , Après la vertu, traduit par Laurent Bury, édition PUF, 1997.

[17] La casuistique

[18] Consequentialisme

[19] Déontologisme

[20] Sylvain Roux, Ethique et ipséité : Aristote dans la pensée de Paul Ricœur, in Revue Philosophie, N°132, 2017,1 . pages 100-111.

[21] ريكور (بول)، العادل، الجزء الثاني، مصدر مذكور، ص.355.

[22] ريكور (بول)، العادل، الجزء الثاني، مصدر مذكور، ص.353.

المصادر والمراجع:

بول ريكور، العادل، الجزء الأول، تعريب مجموعة من الأكاديميين، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، طبعة أولى، 2003،

بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، تعريب عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، 2003،

فوكو ( ميشيل)، تاريخ الجنسانية،1 إرادة العرفان، 2 استعمال المتع، الانشغال بالذات، ترجمة محمد هاشم، إفريقيا الشرق، المغرب، 2004،

Ricœur (Paul), éthique et morale (1990). In Lectures 1, Autour du politique, édition du Seuil.1991.

Ricœur (Paul), Archives Ricœur, Bibliothèque de l’Institut protestant de théologie, « Plan pour une nouvelle philosophie de la volonté », Classeur12, Dossier2, f.31534.31600.

Alasdair C. Macintyre , Après la vertu, traduit par Laurent Bury, édition PUF, 1997.

Kant (Emmanuel ), critique de la raison pratique, 1788, édition Gallimard, Paris, 1985.

Revue Philosophie, N°132, 2017,1 .

 

 

زهير الخويلدي"ليس الإنساني مجرد جزء بسيط من الطبيعة المطبوعة قديما بل هو تاريخ إبداعي لعين الذات وإعادة تشكيل للكون: بالأحرى الطبيعة القديمة تدخل في تاريخ البشر وفي حميمية حياتهم."1[1]

لقد اهتم بول ريكور بموضوع البيوإيتيقا إبان ظهورها في تاريخ الأفكار في مقالات متفرقة وخاصة في كتاب "عين الذات غيرا"2[2] وفي كتاب "العادل1"3[3] وفي قراءات2 حينما تناول مسألة العلاقة بين فلسفة البيولوجيا والإيتيقا عند هانس جوناس4[4]. ولكنه خصص لها حوارا كاملا مع جان بيير شانجو طبع فيما بعد في كتاب بعد تعديله تحت عنوان: " ما يجعلنا نفكر: الطبيعة والقاعدة"5[5]. ولقد دار الحديث أنذاك حول إمكانية تجاوز التعارض بين الخطاب العلمي والخطاب الأخلاقي وجرى البحث عن خطاب ثالث يصادر على وجود قواسم مشتركة وتبادل للخدمات ويتعامل مع مفهوم التمثل بوصفه الرابطة الحقيقية بين الذاتي والموضوعي وقد تمت الاتفاق على أن الأخلاق تظل صالحة لحماية المجتمع من المخاطر السلبية للعلوم والتطبيقات التقنية. كما وقع التطرق في هذا السياق إلى المشاكل الناتجة عن هيمنة الميديا وتردد حكمة المعاصرين أمام إحراجات الثورة البيولوجية واتجه الحوار نحو تشكيل لجان وطنية للإيتيقا الطبية والمهنية والبيئية تكون مهمتها النظر في الحالات المستعصية والتعويل على تظافر المنهجيات المتعددة.

من بين الإشكاليات التي أثيرت هي قدرة الفلسفة على التخلص من دغمائية البيولوجيا ونظرتها الوثوقية للمعارف الوضعية وتطبيقها الأعمى للنتائج العلمية وتوجهها النقدي نحو مواجهة التحديات التي فرضتها العلوم العرفانية cognitives وعلوم الأعصاب neurosciences. إذا سلمنا مع الشارح بيتير كامب بوجود أربعة مبادئ إيتيقية يجب أن يحترمها الإنسان للحصول على أسلوب حسن للحياة وهي السلامة intégrité والكرامةdignité والاستقلاليةautonomie والعطوبيةvulnérabilité فإنه يمكن التساؤل عن دور هذه المبادئ في ترشيد الحكم الطبي نحو العناية بالذات وتقديس حرمة الجسد الخاص وتوفير شروط حسن البقاء وأمل أطول في الحياة الجيدة والمنظومة الصحية المتكاملة والمتوازنة6[6].

من البديهي أن تهتم الإيتيقا بالحياة والوجود وتعتني بالذوات والمجموعات البشرية في اتجاه قهر التهرم وتحسين الطبع وتقوية المناعة والتقليل من التعرض للأمراض وتفادي الشر والعذاب والآلام وتفكر في منح الإنسانية وسائل إيتيقية مناسبة لحسن البقاء ضمن بيئة نظيفة وكوكب سليم من جميع الآفات والأوبئة.

على هذا النحو يميز بيتير كامب بين ثلاثة مستويات من الحكم الطبي في الإيتيقا الحياتية عند بول ريكور هي الحكم التحوطيprudentiel والحكم الأدابيdéontologique والحكم التفكيريreflexif 7 [7]. لكن ماهي ثمرات هذا الانفتاح من طرف الفلسفة على العضوي والحي والعصبي والعرفاني؟ هل كان الرهان من هذا الانفتاح المعقول هو تدبير المقصد الإيتيقي بالأساس ؟ أليس اللّقاء بين المعرفة والحكمة هو من المسائل الضرورية اليوم ؟ وما الفرق بين معرفة بواسطة الدماغ ومعرفة عن طريق الذات ؟ وأي غرض من توجيه التفكير الفلسفي نحو استمعان الوظيفة البيولوجية للجسم والدور العرفاني للدماغ ؟ وهل إدراك الذات من نوع إدراك العالم أم إدراك الأشخاص الآخرين ؟ وكيف يعقد الدماغ بين الفزيولوجي - الكيميائي والحالات الذهنية والتصوير العصبي؟ وألا تتبلور إيتيقا جديدة تقوم بإدراج المعياري في التاريخ الثقافي؟

مدار النظر هنا بالنسبة إلى هذا التفكير التعقلي في قيام الإيتيقا الكونية هو تجنب الارتكاز على أسس طبيعية وضعية قد تؤدي إلى العنف وتمكين الدماغ البشري من تفادي الالتباس والبساطة في وضع المعايير والأحكام وإنتاج خطاب ثالث حول المعرفة العصبية قادر على الفهم الأكثر حينما ينتج تفسيرا أعمق ويضع الإيتيقا بين الفلسفة الطبية وفلسفة الصحة وبين الايكولوجيا والسياسة الحيوية والبيئية.

يمكن وضع مخطط لهذا المبحث كما يلي:

- الإيتيقا الطبية وفلسفة البيولوجيا

- علوم الدماغ وفلسفة الروح

- الحكمة العملية والهيئات الإيتيقية

بأي معنى يمكن اعتبار الشغل الذي قام به بول ريكور مساهمة في قيام علم الصيدلة والفلسفة الطبية التي تجعل من الوقاية أهم من العلاج وتعتبر الحصول على الصحة العمومية حقا كونيا؟ وكيف يمكن التخلص من الداروينية الاجتماعية التي تسوق للبقاء للأقوى والصراع بين الأعراق والانتخاب الطبيعي في الحياة؟

1- الإيتيقا الطبية وفلسفة البيولوجيا:

" النجاحات الكبرى لفن العلاج يعود الفضل فيها إلى التطورات العلمية التي محركها الأول ليس تخفيف المعاناة بل معرفة أفضل بالعضوية البشرية"8[8]

لكي يقوم بدراسة العلاقة بين الطبيعة والقاعدة يعود بول ريكور إلى كتاب الفيلسوف هانس جوناس المعنون "مبدأ المسؤولية"9[9] وبدل تركيز جهوده على مفهوم العزوية ويقوم بتحميل الإنسان الفاعل والمتألم تبعة أفعاله الماضية يبحث في شروط الاستمرارية والبقاء على قيد الحياة في المستقبل بالنسبة للنوع البشري ويوكل مهمة تحديد مصير الحياة على الكوكب إلى الكائن العاقل ويعتبره المسؤول عما سيحدث للأجيال المقبلة ويتحرك ضمن هيريستيكا الخوف ويحذر من المخاطر المهددة للعالم بسبب تصحير الوجود وانعدام المعايير الضابطة للأفعال وتوجهها نحو الحياة الجيدة وسلامة الطبيعة10[10].

ان السبب الرئيسي الذي أدى بالبشرية إلى شعور بالخوف من المستقبل والوعي بالتهديد الذي قد يطال حياتها وقدرتها على المحافظة على كيانها وتعميرها للكوكب هي تزايد الأفعال الضارة بالطبيعة والنزاعات المدمرة والنمو السريع والهائل للتقنيات والعلوم والتفاوت بين الإمكانيات والأمنيات11[11].

لقد بان بالكاشف أن خطر الانقراض يحول الحياة إلى ضحية يخلفها الغباء المبرمج للآلات والوعي الأعمى للعلم ويتضاعف هذا التلف بتطبيق علوم الحياة بشكل مسقط على الإنسان والتلاعب بأعضاء الجسد بترا وزرعا واستبدالا وتخصيبا وتوليدا وبتصنيع الذكاء وتشريط السلوك بالانفعالات والغرائز.

 لعل أكبر خطأ تقع فيه البيولوجيا الكلاسيكية منذ قيامها في القرن 19هو اختزالها هوية الإنسان في طبيعته البيولوجية والتحكم في الجينات الوراثية وإجراء التجارب لتهذيب الطبع وقهر الشيخوخة ومعالجة الأمراض المستعصية وهو ما يحول الكائن البشري إلى رقم في سجلات البحث وجثة هامدة على طاولة التشريح ويوقعنا في الخلط بين السوي واللاّسوي والطبيعي الموروث والاصطناعي المضاف وفي تفسير تصرفاته وأفكاره وميولاته وذوقه عن طريق قانون المنعكس الشرطي وثنائية المثير والاستجابة12[12].

غير أن ريكور يميز بين الحياة بالمعنى اليومي عند الإنسان العادي والحياة من وجهة نظر علوم الأحياء والحياة من منظور الفلسفة الميتافيزيقية ويدعو إلى ضمان سلامة الحياة كما يعيشها شخصيا كل إنسان.

لقد أكد هانس جوانس في كتابه الثاني المهم "فنومينولوجيا الحياة" الذي ظهر عام 1966 على أن الحياة تقول نعم للحياة وتمنح الإنسان الدافع الذي يقوي لديه الرغبة في الحياة ويجعله يبحث بقوة عن معنى الوجود في العالم وحاول بعد ذلك إدماج نتائج فلسفة البيولوجيا داخل الفلسفة الإيتيقية مستثمرا بعض الأفكار الرمنطيقية المتغنية بالطبيعة وبعض التصورات البيئية ومنقذا الحرية الإنسانية من سجن الحتمية العضوية والتصورات الميكانيكية التي تفسر انبثاق الحياة عن طريق حدوث تفاعلات فزيولوجية كيميائية.

إذا كانت فلسفة البيولوجيا تكتفي بملاحظة الظواهر الحية الجزئية في ظروفها الأصلية ومحيطها الطبيعي وتحاول تفسيرها عن طريق افتراض قوانين كلية وتقوم بمجموعة تجارب قصد التثبت من صدق استنتاجاتها فإن الإيتيقا تبحث عن تخليص هوية الإنسان من البنية الثابتة وتتيح الفرصة للروح لكي تفكر في الجسد وتحرز الاستقلال النسبي عن الميول والأهواء وتعترف للذاكرة بالأولوية على المادة وتشهد للكائن بالقدرة على التنظيم الذاتي ومقاومة نزعات اللاانسانية التي تلقي بالذوات في يم اللاّوجود13[13].

هكذا تضع الإيتيقا طبيعة الإنسان في مواجهة مصيره وتحمله مسؤولية اختياراته وتمنح فرصة المداولة والروية واتخاذ القرار والانجاز وتربطه بالرغبة في الوجود وتحيل القيم المستحسنة إلى ذاته عينها.

من هذا المنطلق ترتكز عملية إثبات الذات عينها على الصعيد الأنطولوجي عبر تغليب إرادة الحياة والرغبة في التعمير والبناء على إرادة العدم والرغبة في التحطيم وعلى الصعيد الإيتيقي بالسماح للحياة بالعبور نحو تحقيق غاياته والمحافظة على قدرات الكائن على الفعل وتقديم حكم القيمة على حكم الواقع.

كما أن إحساس الإنسان بثقل المسؤولية ناتج عن التصميم على مواجهته للتلف الذي يتعرض له الوجود والعطوبية التي تهدد الارادة والعرضية التي تستخف باستمرار التوالد وحسن البقاء في الكوكب14[14].

هكذا تقارن الايتيقا بين مسؤولية الإنسان على استمرار الحياة البشرية في الأرض ومسؤولية الرعاية الأسرية ومسؤولية الدولة السياسية وتوصي بتظافر الجهود من أجل العزو وبناء فن التحكم في الآتي[15].

ربما مسؤولية الانسان تجاه الإنسان تقتضي أن يلبي نداء الواجب وأن يتصرف بعيون الحكمة وعقل البصيرة وأن يتدبر معاشه دون الإضرار بغيره ودون تخليف الضحايا والإساءة إلى الطبيعة ودون أن يقوم بحرمان الأجيال القادمة من حقوقهم في التمتع بحياة جيدة في بيئة سليمة وكوكب مأهول بالبشر.

كما يجدر أن يعتني المرء بالعنصر غير البيولوجي الذي تتكون منه طبيعته أي الجانب الرمزي وأن يتم تصويب فكرة الحياة في اتجاه تحقيق إنسانية الإنسان بدل الاكتفاء بإبراز الجوانب اللاّإنسانية فيه16[16].

اللافت للنظر أن الكائن البشري يجد نفسه ممزقا أمام خيارين وهما المحافظة على الحياة في الكوكب من جهة وإنقاذ الحرية الإنسانية من الاغتراب ومداهمة العبودية واستبداد الحتميات. لكنه يكتشف أن الثمن الذي يدفعه للمحافظة على الحياة باهض ومكلف ويؤدي إلى بروز مظاهر العدم ومخاطر تصحر الوجود وإمكانية خسارة الأهداف الإنسانية وتعطيل مشروع إعداد الإنسان للإقامة في الكوكب وتأهيله من الناحية الإيتيقية لكي يتمكن من حراسة الكينونة والاعتناء بالكوكب وحماية الخير الخاص بالناس مستقبلا17[17].

والحق أن بول ريكور يتفادى الوقوع في خطأ الاختزال الأنثربولوجي للإيتيقا ويميز بين المسؤولية تجاه الطبيعة والمسؤولية تجاه البشرية ويقترح أن يعمل الإنسان على ظهور ذوات مقتدرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية تتكفل بالتصدي للهشاشة وتوفر شروط تحقيق الإنسانية في المأهول في الأرض.

غني عن البيان أن الكرامة هي القيمة المركزية في المنظومة الإيتيقية التي انبثقت عن الفلسفة البيولوجية وأنها تعني معاملة الكائن كغاية ولا كوسيلة وذلك باحترام الغير وتقديره على نفس درجة احترام الذات وتقديرها والإبقاء على وضعيات حياة جيدة يستفيد منها الغير في المستقبل. يبدو التعويل على مبدأ الكرامة ناجعا لمقاومة كل اختزال لتعددية المواهب وتنوع الملكات وثراء التجارب التي تختزنها الطبيعة البشرية وللاعتراض على الاغتراب الناتج عن الاستغلال السياسي والاستثمار الاقتصادي للذات من طرف المجتمع الانضباطي والتأديبي وآليات الإنتاج الرأسمالي. إذا كان الإنسان الصانع هو محطم ماهر لغائية الطبيعة فإن الاستنجاد بالإيتيقا يعتبر أمرا مقضيا لإحياء التحالف القديم بينهما ووضع ضوابط للتقدم التقني وتنمية قابلية الاكتمال وواجب الوجود واحترام الإنسان سواء الموجود بالقرب من الذات أو الذي يتفق في حياته مع مبادئ الإنسانية18[18]. ولا يتعلق الأمر بتأسيس قيمة الخير في الكينونة فهذا يؤدي إلى افتراض وجود هوة بدئية بين الكينونة والخير وبين القيمة والواقع وبين المعيار والطبيعة بل يقتضي استهداف الوجود بدل اللاّوجود وتحقيق إنسانية الإنسان ونقل الرغبة إلى الفعل وترك الحياة تقول نعم للحياة19[19].

إجمالا، لقد وقع عمل هانز جوناس في حلقة هرمينوطيقية ضيقة تعتبر في البداية واجب الوجود هو الخير الأسمى وتعتبر بعد ذلك قيم المسؤولية والكرامة والحياة والإنسانية قيم جوهرية خاصة بالحياة البشرية.

علاوة على ذلك يعالج بول ريكور سنة 1997 الأفكار المستوحاة من الفلسفة البيولوجية عند الفرنسي الاخر جورج كنغيلام في كتابيه "السوي واللاّسوي" الذي ظهر عام 1943 و"معرفة الحياة" عام 1965. لقد ذهب ريكور إلى أبعد من مجرد وضع قواعد تفرض احترام كل كائن بشري دون تمييز وتطلع الى ما وراء فضيلة الصداقة وطالب بإيجاد مفهوم مميز للاحترام يوائم المريض والمصاب بإعاقة ذهنية وجسدية وذوي الاحتياجات الخاصة والكف عن التعريف السلبي لللاّسوي بوصفه مجرد مرض أي نقص بالمقارنة مع الكائن السوي افتراضيا والاعتراف باللاّسوي ككائن حي جدير بالاحترام بنيويا وإضفاء قيم ايجابية عليه. لكن ماهو الفرق المعياري بين السوي واللاّسوي؟ وكيف يعرف الحيّ؟ وما علاقة الحيّ بوسطه؟

لقد سيطرت نظرية المثير والاستجابة التي أتى بها العالم الروسي في الفيزيولوجيا بافلوف و طبقها عالم النفس السلوكي الأمريكي واطسن على المباحث الطبية التي تعالج السلوك البشري وتعاملت هذه النظرية مع الكائن الحي كمستجيب للمثيرات الخارجية تتغير ميوله العاطفية بحدوث حركية في الوسط الخارجي. غير أن ريكور يطعن في هذه النظرية منهجيا وتجريبيا ويشكك في تأثيرات الوسط ودور المثير وتفاعل العضوية ويصرح بأن " الحي ، من حيث أنه مختلف عن آلية فيزيائية، إنما يقيم مع وسطه علاقة جدلية من الحوار والتفاهم"20[20]، ويدعو إلى ضرورة ترك العضوية تعرف ذاتها وسطها وتتجه إليه بشكل حر.

الجدير بالإشارة أن جورج كنغيلام عوّض كلمة الوسط بلفظي المحيط والعالم وأكد على العلاقة المزدوجة والمتلائمة والقيمة الحيوية والمعاني المتعددة للحياة على المستوى البيولوجي والاجتماعي والوجودي.لكن كيف تعرف البيولوجيا اللاّسوي؟ وما الذي يعطي الكائن اللاّسوي الحياة والوجود بالرغم من أنه لاسوي؟

 تعمل الإيتيقا الطبية حسب بول ريكور القيام على التمييز بين الفيزيائي والبيولوجي وبين البعد القانوني والبعد المعياري وتؤكد على أن الفرد يتشكل في الحياة في تنوع كبير وعلاقته بالنوع تتضمن اللاّانتظام والشذوذ والقلق والارتباك ولكنها يمكن أن تكون علاقة عادية وتعرف النجاح والرفاه والسعادة والصحة.

غير أن مفهوم معيار الحياة ملتبس وإشكالي ويتراوح بين أن يكون المعدل أو المثل الأعلى، ولذلك يبقى تقويم الحياة عملا نسبيا وتظهر الحياة كمغامرة يعيشها الإنسان وتشهد الإخفاق والمحاولة وتمثل الصحة القدرة على مواجهة أشكال الاختلال البيولوجية والتشوهات الخلقية والاهتزازات النفسية والانحرافات الاجتماعية ومعالجة الأمراض والمخاطر والأوبئة والتهديدات الوجودية. كما أن الحياة الإنسانية ليست النمو والمحافظة على البقاء بل مواجهة المتغيرات والرد على الحاجيات في وضعيات مختلفة21[21].

هكذا يضع ريكور المرض كعقبة أمام الحياة وينفي وجود مرض في العالم الفيزيائي ويرفض وجود كائن انساني على قيد الحياة ولا يحتاج إلى الطب ويرى أن الانتقال من المرض إلى التعافي عن طريق العلاج بالأدوية والبحث عن الشفاء هو البحث عن شروط للمواءمة مع الظروف الجديدة في العالم الجديد الذي تعيش فيه الذات وعدم إجبار العضوية على الحياة في وسط غير ملائم وعالم ضيق وقاصر وناقص22[22].

والحق أن النظرة إلى اللاّسوي تتغير بتغير المعيار الذي يتبعه الإنسان في تحديد الفرق بين المريض الذي يعاني وبين السوي المعافى ويفكر في ترتيب العلاقة بين الحي ووسطه بوصفها علاقة تلاؤم وتكافؤ وتبادل الاحترام. فالقراءة السلبية ترى في اللاّسوي نقصا وقصورا في حين أن القراءة الايجابية ترى فيه كيفية أخرى للوجود في العالم له قوانينه الخاصة وتحكمه بنية مغايرة ويستحق المزيد من الاحترام23[23].

لعل التحقير الحيوي للمرض الذي اعتادت عليه البشرية ناتج عن الشعور الدائم بالتهرّم وتعرض المرء للخطر والتخوف من مداهمة الموت والإخفاق في التصدي للتوتر في علاقة مع الوسط والإسراع إلى العلاج والشفاء. بناء على ذلك إن السوي على المستوى الاجتماعي هو الفرد المستقل القادر على إدارة ذاتية لنمط حياته والاستجابة للمقاييس الاجتماعية للعيش المشترك مع ممارسته لوظائف اعتياديا24[24].

في الواقع أضحت مجالات الصحة والمرض والعلاج والشفاء والعذاب والسلامة من الأمور المعيرة اجتماعيا ومقننة من طرف الآخرين وتم الانتقال من المعيار الداخلي للحي إلى المعيار الخارجي للاجتماعي. لقد أدت الفوارق البيولوجية إلى تجاهل وإخفاء المعوقين واستبعادهم اجتماعيا وتحقير حيوي للنقص وقد تسببت هذه الدونية في توترات نفسية وتعكر الحالات المرضية وانتشار إعاقات ذهنية25[25].

كلما تقدمت الانسانية نحو كسب الخير والتأمين على الحياة والصحة والسعادة كلما صارت الظواهر اللاّسوية سوية وعادية وأصبحت الأمراض النفسية غير بعيدة عن بقية الأمراض العضوية وصارت الإقامة في العيادات بمثابة إقامة استشفائية مثل الإقامة في النزل قصد الترفيه والعناية بالذات26[26].

في هذا الإطار يقوم المريض بتعويض صفات القصور والإقصاء والعزلة بإرادة الحياة وروح المبادرة والموافقة المستنيرة على تلقي العلاج وإبرام ميثاق مع الطرف الطبي واقتسام السر والحرص على تحقيق الانتصار البطيء للدواء على المرض والتشبث بأمل الشفاء وتقوية الروابط العاطفية والوجدانية مع العالم.

يرفض ريكور ثقافة الاقصاء التي ترسم خطوط عزل بين الأصحاء والمعوقين ويدرج ذلك ضمن باب إثقال مسؤولية الفرد بأعباء جديدة ويعتبر ذلك بمثابة تسليط عنف جسدي وعقلي على الذات ويؤد ميشيل فوكو في إشارته على أن الحداثة لم تحرز انتصار العقل الطبي المستقل إلا على حساب إقصاء المريض اللاّمعقول واللامقبول ومعاملته بوصفه فاقد الصفة الإنسانية ويجب وضعه في السجن أو العيادة27[27].

هكذا يقر ريكور كما هو الشأن مع ميشيل فوكو في فكرته عن ميكروفيزياء السلطة التي ذكرها في كتابه مولد العيادة بوجود توازي خفي بين تاريخ السجن وتاريخ المستشفى وذلك لاشتراكهما في وظيفة العقاب والمراقبة وتحولهما الى مكان للعزل والازدراء والاستبعاد وينبه من إمكانية إصابة الإنسان بالمرض بسبب التخوف من الجزاء الاجتماعي والتهديد بالإقصاء والخشية من الجحيم الدنيوي وشيطنة الذات28[28].

لكن يمكن أن يتم تقويم الحياة على الصعيد الوجودي والاستدراك وذلك بأن يرجع الفرد لذاته ويقوم بتقويم نفسه عبر معايير شخصية وأن يحول حياته الى مشروع وينحت هوية شخصية يقذف بها في العالم29[29].

من هذا المنطلق لا يمكن تحديد نموذج صارم للحياة الجيدة عن طريق إحصاء معياري وإنما بواسطة المقاييس الذاتية للإنجاز واقتدار المرء على التعرف على ذاته وصناعة هويته الشخصية وبناء تاريخ حياة مفهوم ومقبول ومتناسق سرديا. وبالتالي يرتبط الاعتراف بالذات بتقدير غير الذات من خلال عمل التذكر والتأبين ويكون اللاّسوي هو الشخص الذي يخسر ذاته نتيجة الاكتئاب والاستسلام للحزن وفتور الهمة.

اذا كان الشخص السوي هو الذي يستهدف الحياة الجيدة وينجح في حيازة اقتدارات على الكلام والفعل والإلزام ويتسلح بشجاعة الكيان والرغبة في الوجود ويستمد تقدير لنفسه من توحيده لعمل الذاكرة والتأبين وربطه بين استحضار الماضي في التعرف على ذاته وتعيين مشروع يستشرفه في المستقبل ويعد به فإن اللاّسوي هو المستسلم للكلل والحزن واليأس وانعدام الرجاء والذي يمزقه الاضطراب النفسي والمريض إلى حد الموت بالعصاب والذهان والخوف من المستقبل والذي يرزح تحت وطأة التقاليد وأعباء الماضي.

والحق أن شجاعة حفظ الكيان هو الطريق الذاتي للعلاج من الأمراض وتخطي الفجائع والارتباكات في مواجهة الأوبئة وأن تقدير الذات يشترط موافقة متأنية وقبول محترم من الآخرين عن طريق الاعتراف والكرامة والأمل في علاقات محبة وتوادد واستبدال تبادل الإقصاء والازدراء بتبادل التقدير والطيبة30[30].

في هذا المقام تتمثل مهمة الطبيب على خلاف الدجال والمشعوذ في تكملة نقص التقدير ونقص الشجاعة التي يعاني منهما الشخص المريض بمنحه تقدير تكملة وتعويض حتى يرمم علاقاته مع الآخرين ويستعيد كرامته الانسانية وقيمته الاجتماعية وينتقل من وضع لاسوي للاهانة إلى منزلة سوية للاعتراف المتبادل.

لعل الرسالة الإيتيقية التي يبلغها الطبيب الى الفرد الذي يعد في صحة جيدة هي أن" المرض هو شيء آخر غير كونه عيبا ونقصا وبإيجاز كمية سلبية. انه كيفية أخرى للكيان في العالم"31[31]، وأن يعمل على بناء علاقات ود وتعاطف وتشارك في الحياة والمعاناة مع الكائن المريض وذلك لمساعدته على تحمل ألام مرضه والتغلب على لاعصمته وعطوبيته وهشاشته وتناهيه ويعبد له طريق العلاج والشفاء والتعافي.

لكن ألا يتطلب استكمال مشروع الإيتيقا الطبية امتحان العلاقة القائمة بين الذهني والنفسي والعضوي؟

2- علوم الدماغ وفلسفة الروح:

" ان دماغي لا يفكر، لكن حينما أفكر يمر شيئ معين دائما في دماغي .حتى لما أفكر في الله"32[32]

يطرح اللقاء بين الفلسفة والعلوم العصبية والعرفانية تحديد الوظائف البيولوجية للوعي ويلقي نظرة على النشاط الروحي للدماغ وملاحظة الظواهر الفيزيولوجية وإدراك تأثيرها على المعرفة البشرية. لقد سبق لغاستون باشلار وكارل بوبر وجاك مونو وأدغار موران ودومنيك ليكور أن تفطنوا إلى أهمية دراسة الظواهر البيولوجية العصبية ولكن الجديد عند ريكور هو البحث في منزلة الدماغ من الذات وذلك تحت تأثير الدراسات الأنجلوساكسونية في علوم الدماغ وفلسفة الروح Mind وما تطرح من إحراجات إيتيقية.

من المعلوم أن المعرفة العلمية بهذه الظواهر قد حققت نموا كبيرا وأفرزت ثورة معرفية حاسمة وتراكمت تجارب متنوعة ولكن الحكمة الأخلاقية المرافقة لنمو هذه المعرفة ظلت راكدة وعلى حالها ولم تقدر على المواكبة والرد على التحديات الجديدة التي برزت بعد ظهور الذكاء الاصطناعي والاستنساخ والتخصيب.

لقد انتبه عالم الأعصاب والأعضاء جان بيير شانجو إلى أن تطور المعارف العلمية حول الدماغ قد ساعد على انبثاق مجال جديد يسمى بالعلوم العرفانية sciences cognitives والتي أعادت امتحان العلاقة بين الجسم والروح واستبدلتها بالعلاقة بين الدماغ والفكر ونظرت في مسألة إعادة رسم الحدود التي تميز بين الوضعي والمعياري وبين الطبيعة والقاعدة وبين المعرفة العلمية والقاعدة الأخلاقية وبين معرفة الدماغ ومعرفة الذات عينها توصلت إلى التغلب على العديد من المشاكل العرفانية المعقدة التي عانى منها البشر.

غير أن التقدم العلمي يتملك وجها مضيئا ويحقق العديد من المنافع للإنسان ولكنه يحوز على وجه مظلم ويوقع العديد من الخسائر ويجلب معه العديد من المضار ولذلك تتدخل الإيتيقا الطبية لمراقبة نتائج العلوم العصبية والفزيولوجية وتقوم بتوجيه رسالتها نحو غايات إنسانية نبيلة وحماية المجتمع من مخاطر التقنية.

والحق أن ريكور لا يبحث عن تأسيس علم الأخلاق تشبه الأخلاق الوضعية التي شيد الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت لبنتها الأولى عندما وقع مفهوم الإيثارaltruisme وتحولت فيما بعد إلى إيديولوجيا للإقصاء ومثلت المهاد النظري لتشكل الداروينية الاجتماعية وشعاراتها سيئة الذكر عن الانتخاب الطبيعي والصراع من أجل الحياة والبقاء للأصلح بل عن بناء إيتيقا طبية تنقد مسارات التقدم وتوجه العلوم.

في الأثناء يبحث ريكور عن المنزلة الابستيمولوجية التي تستند إليها العلوم العصبية والعلوم العرفانية ويدرس مسألة العلاقات بين القانون الطبيعي والقاعدة الأخلاقية وينقد إسناد علم النفس السلوكي وظيفة التفكير الى عضو الدماغ واعتباره الطفولة هي المحدد لإدراك الأشياء ويحاول تخطي ثنائية الإحالة والجوهرية بين الذهني والجسدي وبين أنشطة الجسد الموضوعي وأفعال الحسد الخاص وذلك بإنتاج خطاب ثالث يصف كيفية تدخل الدماغ في الوعي وعلى زيادة الإدراك ودرجة العاطفة لدى الإنسان33[33].

تبعا لذلك فإن تقنيات الاستثمار العصبي تعطي دافعا موضوعيا للخروج من الانطواء ومعايشة الغير وإنتاج خطاب عن الجسد الخاص يعج بالوصايا الإيتيقية ويتوزع إلى المعياري والحقوقي والسياسي.

إذا كان رجل العلم الوضعي جان بيير شانجو يعتمد على تمثيل الجسد لبناء صلة بين البيولوجي والمعياري وبين اللغة التي يستعملها المرء والمواضيع التي يهتم بها وبين الجسم الموضوعي والخطاب الذاتي فإن الفيلسوف التأويلي ريكور يتساءل عن مدى مطابقة المعرفة الدماغية مع الوعي بالذات ويتظنن حول مسألة التمثيل ويكشف عن وقوعها في نوع من الخلط ويقر بتوجه المعرفة الإنسانية نحو ما يتمنى المرء القيام به وما يطمح إلى فعله ويدمج مسلمات أخلاقية في الوعي بالذات ويستنجد بمفهوم الاستطاعة والقدرة على الفعل ويدرج المعياري ضمن مسار التطور البيولوجي والتاريخ الثقافي للإنسانية.

هكذا طرحت العلوم العرفانية على الفلسفة المعاصرة في مداراته الثلاث أشد الأسئلة هولا وإحراجا وقد تعلقت بماهية الكائن ومستقبل الطبيعة البشرية و شكل علاقة الجسم بالروح ، كما عصفت الرياح بالمفاهيم القديمة والتصورات الحديثة التي ظلت متشبثة بالثبوتية والمادية والجوهرانية ومستبعدة للغائية والتناغم.

كما تم استبعاد فرضية وجود جانب روحاني بالمعنى الذي تراه الميتافيزيقا في النشاط النفسي لاعتبارات إيديولوجية مادية ولتفادي الوقوع في مسلمات تيولوجية قبلية ولكن الميتافيزيقا عادت من جديد في الحقبة المعاصرة لما علقت مصير البشر ورتبطهم بماهية التقنية ورهنت مستقبل الإنسان عند السيبرنيطيقا34.[34]

في هذا السياق يتنزل اهتمام الفلسفة بالعلوم العرفانية بوصفها مقاربة تقنية للجسد الإنساني وما يترتب عن ذلك من عولمة للمرض والتشخيص والدواء والعلاج والوقاية وتوظيف الأعضاء البشرية في منظومة الإنتاج الرأسمالية. كما تتنزل العلوم العرفانية في ما كان هيدجر قد أسماه ميتافيزيقا الكمبيوتر وتتمحور حول الحساب والعد والقياس وهندسة العضوية والإنتاج والإنتاجية والتبادل والاستهلاك وذلك باستعمال أدوات وآلات ذات آداء فعال ونجاعة عالية وقادرة على تعويض الأعضاء البشرية والأنشطة الذهنية.

بناء ذلك ميزت العلوم العرفانية بين التقنية التطبيقية وعلوم التكنولوجيا ونزلت ذلك في ما اشتهر بالتمييز الأنطولوجي بين الكائن والكائنات واعتبرت تطبيقات التقنية تظل خارجية عن الإنسان ووفرت له الوسائل والآليات المساعدة للتحكم في الظواهر والسيطرة على الطبيعة بينما التكنولوجيا عملت على تثوير طبيعته البيولوجية ودخلت في مكوناته العضوية والروحية وأثرت في طرق تفكيره ومسارات التنفيذ لديه35[35].

من المعلوم أن الفلسفة الديكارتية درست العلاقة بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي ووقعت في تبعية البرهنة النظرية للملاحظة الخبرية والمراوحة بين الفكر والمكان وادعت قدرة التمييز بين الجسم والروح.

 في هذا السياق يعود ريكور إلى هذه الدراسة وينتبه إلى أهمية الاستنجاد بفرضية الاله الضامن - الحافظ من طرف ديكارت قصد توحيد نظرته لماهية الإنسان وترتيب تصوره للعالم والبرهنة على حتمية اتصال النفس بالجسم وتميزها عنه ، ويشرع إمكانية تبادل المعلومات والحجج بين الفلاسفة والعلماء عبر إنتاج خطاب ثالث مشترك بينهما يثبت نموذجية الكوجيتو من ناحية ويعترف بقدرات الجسد من ناحية أخرى.

والحق أن شانجو يعتبر مسألة معرفة الذات أحد المسلمات الضمنية التي يرتكز عليها عمل علم النفس الاستبطاني ويشتغل على اظهار نقائصه ورسم الحدود التي يتوقف عندها وينتصر إلى تصور علم النفس السلوكي الذي يدعو المقاربة العلمية إلى دراسة الأشياء التي تحدث داخل الدماغ والعمل على تحديد طرق اشتغاله ووظائفه وقدراته وإمكانياته وأبعاده. كما أنه يعتبر الدماغ نسقا إسقاطيا يتميز عن الروح بالقدرة على التوقع وتحقيق السبق وإعطاء المعنى لأشياء مازلت غير موجودة ولكنها متوقعة ومفترضة ولذلك يسقط جملة من الملاحظات التخمينية على العالم الخارجي ويرسم شبكة واسعة من الدلالات الدائمة ويسمح باختبار الافتراضات والتثبت منها بالعودة الى التجارب الميدانية ويسعى الى التعرف على هوية العلاقات التي تربط بين تنظيم الدماغ وبنيته من جهة وبين الوظائف والنشاطات التي يقوم بها من جهة أخرى ويعمل على انتاج مجموعة من التمثلات الرمزية للأنشطة العضوية ويحاول ادراكها وتصورها.

في المقابل، يعترف ريكور من خلال تسلحه بالنظرة الفلسفية بوجود خطابين عن الدماغ بوصفه نسق من الإسقاطات على العالم الخارجي: الخطاب الأول هو الخطاب الفنومينولوجي الذي يعتبر الدماغ فعلا يمنح المعنى لاستباق. أما الثاني فهو الخطاب العلمي العصبي neuronal الذي يعتبر الإسقاط نشاطا ذهنيا.

من المعلوم أن ولادة علم النفس العصبي تمت على يد الطبيب الفرنسي المختص في علم التشريح بول بروكا Broca سنة 1861 لما بيّن الصلة بين التجويف الأيسر للدماغ وفقدان الكلام وتثبت من وجود صلة مباشرة بين البنية التي تتشكل من مساحة عصبية معينة والوظيفة التي تتمثل في تعطل وظيفة إدراكية.

لعل الرد الذي قدمه بول ريكور الفيلسوف على هذا التفسير العلمي العصبي هو الاعتماد على مقاربة منهجية متعددة وبينية حينما حرص على إظهار علاقة متينة بين بنية الدماغ والآلية النفسية psychisme والمراهنة على تشكل الوعي داخل الدماغ مع الاعتراف بغياب كل إدراك واعي أو وعي إدراكي للدماغ البشري. هكذا يتكون عضو الدماغ من مناطق عصبية خاصة بالتذكر والإحساس والانتباه والإدراك والتفكر ومناطق تمثل القوة المصورة والمتخيلة والمتوقعة وتوزع بتفاوت الأنشطة الكهربائية والكيميائية وتتحكم في حالات الذهن وقوة التركيز وتمنح الجهاز النفسي للذات الصلابة والتماسك والاستقرار.

كما يتحول التفسير العلمي الذي تم اقتراحه إلى مجرد ملاحظة للصور المرسلة بواسطة الدماغ ويجعل من كل موضوع فيزيائي عملية نفسية معقدة ويخصص مجموعة من الأنشطة الخاصة بالخلايا العصبية لإعطاء معنى لهذه التجربة. وبالتالي يتم الاتصال بالموضوعات الخارجية بواسطة نشاط العصبيات36[36] ويقوم الدماغ بإعادة بناء هذا الاتصال في شكل معلومات ومدركات وتمثل الذات مسرح التقاطع بين النفسي والعصبي. كما أن إدراك العالم الخارجي يتأثر بعدة عوامل كيميائية ويزيد وينقص في الشروط الذاتية للمعرفة تبعا لقوة أو ضعف الأنسجة العصبية وتدفق الشحنات الكهربائية في الخلايا الدماغية37[37].

بناء على ذلك يحرص الدماغ أو المخ على انتاج كلام رمزي مشترك يؤمّن عملية التضايف بين الأشياء المادية للعالم الداخلي والحالات الذهنية والمدركات العقلية للعالم الباطني وينظم الكثرة في وحدة متنوعة.

على المستوى المنهجي يقترح جون بيير شانجو نموذجا للموضوع الذهني يجمع بين البسيط والمعقد ويكفل قيام علاقة موضوعية بين النفسي والعصبي ويسند إلى الملاحظ مهمة إحداث علاقة تراسل بين الشبكات العصبية والنشاطات داخل الشبكات والحالات الذهنية الداخلية والتصرفات والتوجيهات.

علاوة على أن الدماغ البشري يتميز بخصائص عرفانية أخرى مثل التعقيد والترتيب والعفوية ويضيف شانجو خاصيات تقنية أخرى تتمثل في البناء المعماري العصبي الذي يستند إلى التوازي والاندماج والتكامل تمنح الدماغ قدرات عجيبة على إنتاج المدركات الذهنية وبلورة التراسل بين البنية والوظيفة.

بيد أن ريكور يعترض على هذه التفسير العلموي الاختزالي ويطالب بنمذجة التجربة المعيشة ويشير إلى قدرة الدماغ البشري على تمييز الألوان والأصوات والألحان والقراءة والكتابة بواسطة التنظيم العصبي. كما يضيف قدرة أخرى وهي قابلية المعرفة والفاعلية التلقائية والاستعداد البدئي وامتلاك وسائل الفعل. في الواقع ، ليس الدماغ البشري فاعلا بالمعنى التام بل هو مشروط بالمعنى وإسقاطي ومليء بالفعاليات الداخلية للتوقع ومفتوح على العالم وعلى اتصال بتجار بالغير ومشرع على أفق التجربة الكلية38[38].

غني عن البيان أن الموضوع الذهني هو حالة فيزيائية للدماغ تتشكل بتحريك مجموعة عصبيات منتخبة تنتمي إلى أحد مستويات البناء التراتبي الهرمي وتظهر في صورة تمثيل رمزي للمعطى الطبيعي المادي. إجمالا ، يدافع شانجو بحماسة عن قيام نظرية عصبية في المعرفة النفسية ترتكز على استعداد ذاتي للدماغ لكي ينفذ إلى العالم الخارجي عبر التمثل والانتباه ويقاوم العراقيل التي تمنعه من اختراق مادية الأشياء ويمرر المعرفة على محك الانتخاب وجاهزية المحيط للاستكشاف وقدرة الإنسان على استثمار العالم.

كما يقر بأن المرء يحوز على تمثيلات مسبقة وفعاليات عفوية منذ مرحلة الطفولة وأن الفعالية العرفانية الخاصة به تظهر عندما يتمكن من إنتاج المقولات والتمييز بين الانساني واللاّإنساني. غير أن ريكور يحذر من الاستعمال المبتذل لهذه الكلمات والمفاهيم ويعتبر النموذج الذي يتبعه تخميني وهجين ويقترح تركيز علاقات مع المعيش vécu عبر وساطة مفاهيم القصدية والدلالة والتجميع والوضع المشترك ومن خلال تناسق بين فهم التجربة المعيشة ويدعو إلى تفسير المعارف الموضوعية من خلال المعنى39[39]. وآيته على ذلك أنه كلما كان التفسير المعرفي أكثر كلما أصبح الفهم أعمق واقتربت المعرفة من الواقع وامتلك الدماغ القدرة على إبلاغ المقاصد ومواءمة السياقات والتأقلم مع أطر الفكر واستخدام لغة الإشارات والرموز والحركات والطقوس وإبداع آثار فنية وإصدار أحكام ذاتية والتفكير في الوعي.

اللافت للنظر أن شانجو يميز بين الوعي بالذات والوعي بالآخرين ويحصر الوعي بالذات في المكان الواعي الذي يوجد وسط الدماغ وداخل المنطقة العصبية التي تجري فيها عمليات الإثارة للجهاز العصبي مثل اليقظة والتذكر والتخيل والتركيز والانتباه والإدراك والمعرفة والتصور والشعور والانطباع والوعي. على هذا النحو يحدث داخل المكان الواعي من الدماغ تفاعل دائم مع العالم الخارجي والتزام بدئي من قبل الذات تجاه العالم الخارجي والتقيد باتباع مجموعة من القواعد والسعي نحو بلورة توافقات اجتماعية.

من جهة مباينة ، يعتبر ريكور الوعي المكان المناسب للقيام بالحيطة والتعقل والتروي والمداولة والاختيار التفضيلي بالنسبة إلى تجارب فكرية وأحكام أخلاقية وأفعال بشرية بغية اختيار أنجع الوسائل لتحقيق أفضل الغايات. كما أن الوعي بالذات عند ريكور لا يتطلب تحديد المكان في النسيج العضوي بل يتوقف أيضا على الأخذ بعين الاعتبار تأثير البعد الزمني في التجربة المعيشة وشغل الذاكرة ودور النسيان.

بعد ذلك يأتي دور الذاكرة وما تمثله من حضور كبير في الوعي بالذات والوعي بالأخر وما تقتضيه من معرفة بالأحداث ودراية بالأشخاص وتطور بطيء واستدلال صريح وتراكم في الفعل وتماسك في التجربة ووحدة في هوية الذات ووفاء للماضي وإثراء للراهن وانتظار يقظ للمستقبل.

من هذا المنطلق تنطق الذاكرة بلغة الآثار وتحمل الشبكات العصبية الكثير من التسجيلات الثقافية والانطباعات الرمزية عن مواقف عاطفية ووضعيات ماضية وتقوم العلوم العصبية والعلوم العرفانية بإعادة إنتاجها وفك شفراتها وترجمتها وعكسها. غير أن مشكلة أخرى تظل عالقة أمام النظرية العصبية في المعرفة وتتمثل في دور فهم الغير في عملية فهم الذات وتطرح في إطار التفريق بين المادة والذاكرة وبين التصور المادي للطبيعة يرفض القناعات والنفس والتصور الروحاني للكون يقلل من بقاء المادة وقيمتها الأنطولوجية. وربما تكمن الصعوبة في انعدام القدرة على ملاحظة الحالات الذهنية للغير وعذاباته وآلامه ومقاصده وطموحاته وحقول فعله وتقلص فرص تمثيلها واستحالة الانتقال من ذات إلى أخرى.

اذا كان شانجو قد تبنى مادية معقلنة ومعرفة جدية ونظرية مسؤولة فإن ريكور قد أعاد تعريف مفهوم الروح بحيث صار يعني حالة ذهنية ووضع نفسي يكون عليه الوعي في درجة من التعالي بحيث يستطيع بلوغ الحق والخير والجمال والعدالة دون روية ويحرز على ترجمة تكامل تؤهله للتوقع والاستباق.

في المجمل إن هذه القدرات الأخلاقية والسلوكية التي ترتبت عن الوعي بالذات وبالعالم المحيط به تثير عدة استفهامات حول مكانها وموقعها ومصدرها وأصلها في الدماغ البشري وتدفع الفلسفة إلى البحث عن تأثير العلوم العصبية والعرفانية في تشكل علم المعيارية ودراسة وظيفة الدماغ والجهاز العصبي في التروي العملي والتعقل الإيتيقي. فهل ثمة صلة مباشرة بين ميلاد نظرية التطور البيولوجي وتنامي الحاجة إلى إيتيقا مستقبلية؟

3- الحكمة العملية والهيئات الاتيقية:

" ولا ريب أن التشديد هو على الشخص وكرامته، إلا أن الحياة البشرية بالإمكان فهمها أيضا بمعنى الامتداد الأوسع للشعوب بل وللجنس البشري بأسره"40[40]

ثمة إقرار مبدئي بوجود استعدادات عصبية قبلية للحكم الأخلاقي وقدرات عرفانية وراثية على التمييز بين الخير والشر وبين الضار والنافع عند الإنسان وقد تخص الفرد لوحده أو تتعلق بانتمائه إلى مجموعة.

والحق أن الفرد حسب رجل العلم جون بيير شانجو يخضع لقوة الغريزة الاجتماعية وتوجهه بشكل طبيعي القاعدة العامة والمعيار الكوني التي يفرزها الانتخاب الأخلاقي ولذلك المرء يمتلك لا الشعور الأخلاقي الفطري فحسب بل وأيضا الاستعداد القبلي للمداولة والتروي والتعيير والتدبير والتعقل والانجاز.

 لقد أظهر العلماء التطوريون الشعور الأخلاقي الوراثي في جملة العادات وملكة اللغة والذاكرة والتناغم وبينوا أن نمو المعايير الأخلاقية يتم من خلال الغرائز والجانب العضوي والوظائف الحيوية، وبهذا المعنى افترضوا تصورا كونيا عندما كشفوا التفسير العلموي عن الاستتباعات الإيتيقية والفلسفية للقول بحكم أخلاقي بيولوجي وأن يتم الانتقال من عالم ثبوتي خلقه الله إلى عالم تطوري خال من الغائية والغيبيات. مثل هذا الاعتقاد المسبق يرفضه ريكور ويرى أن غياب الغائية يؤدي إلى غياب التطور الخلاق وأن الطبيعة إذا فصلنها عن التساؤل الإنساني عن الأخلاق فإنها تفقد المعنى ولا تنجز عملا.

إذا كان شانجو قد أرجع الحكم الأخلاقي إلى إشباع الرغبة وأخضع المداولة والقاعدة الإيتيقية إلى إرضاء الغريزة وإذا كان تشارلز تايلور قد جعل من التقويمات القوية البنية الأخلاقية الأولى عند الإنسان فإن بول ريكور بحث في البنيات الأولية للقيم الأخلاقية في القدرات الإنسانية وأسند إلى التقويم مهمة التمييز بين الضار والنافع وبين الجيد والرديء وبين الحسن والقبيح ، وأقر بإمكانية توجيه المرء لأفعاله بطريقة جيدة دون الحاجة الى معرفة الدماغ بشكل معمق وأعطى قيمة للفرد بالكف عن النظر إليهم من زاوية التاريخ الطبيعي وإدراجه ضمن التاريخ الثقافي واعتبار أفكار المعيارية والكرامة والانتماء الى الدائرة الإنسانية والاستقلالية الذاتية والتوكيد الذاتي عن طريق الذات عينها هي المشكل المركزي في الأخلاقية السلوكية.

هكذا يطرح الفاعل الإيتيقي نفسه منذ البداية وفق تمشي تراجعي نحو الاستعداد القبلي وتحضير مخملي لإدخال الذات في الحياة الأخلاقية ونفي كل غائية طبيعية وطرح الذات في مواجهة المعيار وربط انبثاق التساؤل الإيتيقي بالقدرة على رسم الحدود الفاصلة بين الاحتمالي والإلزامي. كما ينتقل بول ريكور من الاستعدادات الطبيعية إلى الطرق الإيتيقية ويضع مسألة ابتكار مشروع إيتيقي على ذمة الإنسان وقدرته على توجيه حياته والتحكم في رغباته وفق ما يحدده المعيار وتفرضه القاعدة الأخلاقية وذلك بالتسلح بجرأة المعرفة والتخلي الطوعي عن الغطرسة والصلف. من المعلوم أنه توجد هوة عميقة بين التشبث بالجهل المركب والرغبة في التعلم الإنساني ويأتي الخطاب الفلسفي الفنومينولوجي ليردم هذه الهوة عن طريق الأخلاق ويضيف الأنا أقدر إلى تجربة التقويم التقني عن طريق المهارة المعيارية وذلك بالتركيز على ايثارية القيم الفردانية وجعل نسق المعايير توجه التصرفات البشرية وتسهل الحياة الاجتماعية.

إذا كان شانجو يفسر ظهور التجربة التقويم ضمن إطار تطوري ويقحمها ضمن التطور الثقافي ويجعل من النشاط العصبي علامة على محافظة النوع البشري على بقائه واستمراريته في الوجود ويعترف بوجود أسس بيولوجية للقواعد السلوكية فإن ريكور يكشف عن الطابع غير الجوهري في العلاقات بين الأفراد ويضع عين الذات في مواجهة المعيار ويؤول الاستمرارية في الوجود بالنسبة الى الكائن البشري بالبحث عن اللذة وتجنب الألم والميل نحو الجمال كاستعداد أصلي للحياة الجيدة والشعور بالواجب والإلزام والتناغم مع الطبيعة ورغبة التواجد مع النفس ومع الآخرين. هكذا يتميز النوع البشري بالاجتماعية والقدرة على الحكم الأخلاقي والتقويم والتعيير والإحالة الواعية إلى القيم الأخلاقية والارتقاء من العلاقات البيشخصية الى عتبة الإنسانية الحقيقية بالبحث عن قاعدة الكونية وتخطي ضيق الخصوصيات والطابع الجزئي والعرضي للفردانية. إن الطموح نحو إصباغ البعد الكوني على القيم هو ثمرة التقاطع بين النظري والعملي ونتيجة توجه الإنسان نحو طلب الحق والخير والعدل وذلك بالمرور من العاطفي نحو العرفاني ومن الإرث البيولوجي والثقافي للمعايير الأخلاقية إلى التفكير في دعوى الأسس الطبيعية للإيتيقا.

بعد ذلك يعتمد ريكور على البناء الجيني للإنسان وعلى التمثلات والمستوى التنظيمي للشخصية من أجل اسنتخدام ظرفي لمبادئ جزئية من الأخلاق المؤقتة والعرضية التي تساعد الإنسان على مواجهة المشاكل والاحراجات اليومية ويعترف بأن القول بوجد إيتيقا علمية هو يوتوبيا باردة وخطيرة. ولكنه يقر بوجود عدة منابع للشرعنة في وضع تنافسي ويضع الصراعات الثقافية في خانة العائق أمام بناء إيتيقا كونية.

في حين رأى جون بيير شانجو في الصراع بين الثقافات عائقا أمام بلورة اتيقا كونية وطبيعية وبرهن على ذلك بتفجر العنف الديني ومساهمة المعارك السياسية في تغذية الانقسام واستبدال السلم بالحروب.

على خلاف ذلك اعتقد ريكور في امكانية التفاهم بين الشعوب وكسب الثقة بين المجتمعات والحوار بين الثقافات عن طريق تبادل الكلام بالترجمة وبعث رسائل طمأنة بين الدول وتعزيز أواصر القربى والحوار العقلاني وتخليد الذكريات الجميلة والحسنة المشتركة ونسيان فترات التوتر ومحطات التصادم والخلاف.

غني عن البيان أن سبل تحصيل التسامح عديدة ويذكر ريكور منها دربي الكوني الإيتيقي والكوني الديني والتزود بالمعرفة العقلية والنظرية الموضوعية والذوق الفني والحس الجمالي. كما أن الإنسانية يمكن أن تتغلب على لغة العنف الديني وترسي فضيلة التسامح وإرادة الحياة المشتركة السلمية إذا عرفت كيف تطرح بجدية الأسئلة الحقيقية وتضع نصب أعينها الحقيقة والحكمة وتعثر على لغة مشتركة وتحاول بلوغ الإيتيقا الطبية دون المرور بطريق الدين الملغم وإنما بالتسلح بالأمل والتفاؤل وإرادة العيش المشترك.

علاوة على ذلك يمكن معالجة الشر الذي تعاني منه البشرية تحت مسمى الشعور بالذنب والإحساس باقتراف الخطيئة عن طريق وصف لغته وفعله وتحطيمه للمؤسسات وتعطيله لوظيفة الاستمرارية في الوجود وبعد ذلك التعرف على مصدره وبنيته الخفية وعلله المجهرية وأمراضه المستعصية والتوجه بعد ذلك إلى طلب النجدة وإنقاذ العمق الخير الكامن في الطبيعة البشرية.تبعا لذلك يحرص ريكور على بلوغ ايتيقا تعقلية تتخذ شكل هيئات ايتيقية في كل دائرة مهنية وبيئية واجتماعية وتتمثل مهمتها في البحث عن الخير المشترك لأفراد تلك المجموعات والمحافظة على الحياة وتحقيق السلامة والصحة والعافية ومحاربة الآفات والأمراض وفض النزاعات والصراعات. هكذا يسمي ريكور الايتيقا فنا تصالحيا بين الذات وعينها وبين الإنسان والعالم ويكون مقصده هو بلوغ جمالية العالم وتحقيق الانسجام مع الطبيعة وحسن التصرف والاقتصاد في الموارد والمنافع. كما تسعى المناقشات العقلانية حول المشاكل المستجدة إلى اتخاذ إجراءات وتدابير للوقاية من المخاطر والحماية من التهديدات المستقبلية وتحرص على درء المضار والمفاسد المترتبة وتحمل السلطات المسؤولية على تعرض البيئة والحياة والمهنة إلى ظروف ووضعيات قاسية ولاإنسانية. من هذا المنطلق تتصرف البيوإتيقا وفق منطق الإبداع والخلق والتجديد كلما اصطدمت بأسئلة وتحديات لا تقدر الطرق المعتادة والوسائل المتبعة على الرد عليها والخروج من مأزقها وتفكيك تورطها وتجنب مزالقها وتفضل إجراء نقاش مفتوح وتحويل القضية إلى رهان عمومي وتطلب تدخل الخبراء والمختصين. جملة القول أن الإيتيقا التصالحية تبقي على التنوع والاختلاف والتعدد في المناهج والمهارات والتقنيات للمراقبة والتحكم والتخلص من المخاطر وتقصد دائما تكوين منبرا إيتيقيا يترك جملة من التوصيات وتقديم نماذج وكراسات تحدد مهام وممارسات تلتزم بجملة من المعايير والقيم.

لكن كيف السبيل الى التأليف بين القاعدة المعيارية والمعالجة الوضعية؟

خاتمة:

"إن مشكلتنا هي مشكلة التقاطع بين الممارسة النظرية والممارسات الأخلاقية والسياسية"41[41]

في نهاية المطاف يؤكد ريكور على الوظائف العديدة التي تؤديها البيوإتيقا في الحياة الإنسانية ويرى أنها تحقق فائدة كبيرة على الصعيد المعرفي والتقدم العلمي من ناحية عندما تقوم بإجراءات استثنائية وتدخلات علاجية في مسار الأحداث وتجري تغييرات على الحياة وحينما تقوم بالتخلص من الأمراض وتطور وسائل العلاج وتحقق الشفاء وتعيد الصحة والاعتدال من ناحية أخرى[42]. من هذا المنطلق تنقسم الإيتيقا الصغرى إلى ثلاثة دوائر: الدائرة الأولى هي الدائرة الأرسطية التي يتم فيها استهداف الحياة الجيدة بواسطة إرادة الحياة ، والدائرة الثانية هي الدائرة الكانطية حيث يتم الالتزام بتطبيق المعايير الكونية، وفي النهاية تأتي دائرة الحكمة العملية وترتكز على أحكام التعقل والتدبير والتفكر واتخاذ القرارات للإجابة على الوضعيات الجزئية ومواكبة التغيرات43[43]. هكذا ينقسم الحكم الطبي الى ثلاثة مستويات: الأول هو المستوى التدبيري حيث تتشكل حكمة عملية نتيجة الدربة والتعلم والحدس وتقوم بتطبيق الأحكام على الحالات الفردية الخاصة وتبني علاقة بيشخصية بين المريض والطبيب. أما المستوى الثاني فهو آدابي حيث تعلو المعايير والأحكام على الفرديات وتتخذ طابع الإلزام والصورية والتجريد وتتجلى في قواعد عامة. في حين أن المستوى الثالث هو الحكم التفكري الذي يختلف عن الحكم التحديدي ويبحث عن إضفاء المشروعية على الأحكام في المستوى التدبيري التعقلي والمستوى الواجبي الآدابي ويهتم بمشاكل أساسية بالنسبة إلى الحياة الإنسانية مثل الصحة والسعادة والمرض والموت والوقاية والعلاج والسلامة44[44]. ان الحكم الطبي التدبيري يتعلق بالجزئي والفرادة والوضعيات الخاصة ويتناول التقنيات التي تخفف المعاناة التي يجدها الإنسان داخل المؤسسات والعائلة والمهنة وتصلح علاقته بذاته وتساعده على استعادة الصحة وتزرع فيه الأمل في الشفاء والرفاهية وتغير نظرته الخاطئة الى الصحة والمرض واللاسوي. في الواقع إن"الرغبة في التخلص من عبء المعاناة والأمل بالشفاء يمثلان الحافز الأكبر للعلاقة الاجتماعية التي تجعل من الطب ممارسة من جنس خاص يعود إرساؤها إلى أقدم العهود"45[45]. بناء على ذلك إن النواة الإيتيقية التي تؤسس العلاقة بين المريض والطبيب هي ميثاق علاج قائم على الثقة والسرية والمتابعة وبذل الجهد لمن يملك المعرفة والمهارة من أجل التشخيص وإعداد الوصفة وتوطيد الصلة وفي المقابل يطالب المريض بالالتزام بوعد اتباع نظام العلاج المقترح. جملة القول أن الايتيقا الطبية تقوم بإجراءات تدبيرية في مرحلة أولى وبعد ذلك تمارس وظائف نقدية في المستوى الأمري الواجبي في مرحلة ثانية وتصدر أحاما مضاعفة وتعمم المبادئ التبديرية الأساسية وتعالج الصراعات والحدود التي تفرض على التدخل العلاجي من الداخل ومن الخارج. ثم في مرحلة ثالثة تحيط الأحكام التعقلية بمشكلات أساسية في الأنثربولوجيا الفلسفية مثل الصحة والمرض والحياة والموت وتجعل الحكم الأخلاقي متجذرا في المستوى التفكري46[46]. من المعلوم أن الإيتيقا الطبية تنقسم إلى بعدين: الأول يتعلق بالعيادة ويرتكز على فضلية التدبير وتقنية دراسة الجزئي والتخفيف من المعاناة الفردية واتخاذ القرار المناسب للتدخل وجلب المتعة. أما الثاني فيتوجه نحو البحث البيوطبي ويدرس تأثر الممارسات الطبية بالروابط التي تقيمها الذات مع السياق الاجتماعي في العائلة والمهنة وتزويدها بمجموعة من القدرات والحوافز للشفاء. اللافت للنظر هو ظهور مفاهيم الشروط المتساوية للعلاج والموافقة المسترشدة واعتبار المريض مشارك متطوع في التجريب وتطور القانون الحيوي والحاجة إلى الهيئة القضائية تنظر في الاحراجات الإيتيقية التي أفرزها تطور الطب الاستقبالي وعلم الصيدلة الذي أفرزه تقدم البيولوجيا والفزيولوجيا,.لكن من هو المخول باتخاذ القرار في الحكم الطبي؟ والى حد تخضع الوصفة الطبية الى حكم قضائي؟ وهل يتداخل الحكم الطبي مع الحكم القضائي والحكم السياسي والحكم التاريخي؟

والحق أن الإيتيقا الطبيعة مطالبة بأن توفر جملة من التوصيات أهما:

- خدمة الفرد وجلب النفع للإنسانية والتقليل من المضار والتغلب على المرض.

- التدخل الجراحي من أجل استكشاف الجسد والحرص على استطالة الحياة البشرية.

- احترام الطبيب للحياة البشرية وتفانيه في العناية بالشخص وتقدير كرامته.

- حق الشريك في المعلومة واطلاعه على الحقيقة واجبارية الكشف الطبي عند الزواج.

- مبدأ التضامن يفترض التوزيع العمومي للعلاج والمساواة في الصحة وتوفير الأدوية.

- التبرع بالأعضاء وزرعها يحتاج الى الموافقة المستنيرة والحرية الفردية غير المحدودة.

- تحالف كل من الطبيب والمريض في مقاومتهما المشتركة للمرض والمعاناة وذلك بإشراك المريض في خطة علاجه ومتابعته وتحمل مسؤولية قراراته ونتائج فعله واعتراف المعالج بالقيمة الخاصة للطبيب والاستمرار في تلقي العلاج والالتزام بنظامه والقبول بنتائجه.

- ضرورة أن تراعي عملية تشريع القوانين في الطب العناية بالشخص ومصلحة المجتمع وأن تجمع بين التدبير التعقلي والفطنة الحكيمة والحكم التفكري وفضيلة المهارة [47]. المرور بالحالات العسيرة والأوضاع القصوى مثل العناد العلاجي والعقم الانجابي والإشراف على الانتحار والإجهاض والموت الرحيم والمرض القاتل يتطلب التحصن بتسويات تحكيمية ضمن وفاق تقاطعي تسعى الى التغلب على الهشاشة والتقليل من العطوبية وتؤمن الاستقلالية وتربط بين مطلب الصحة والأمل في حياة جيدة وتجعل من الغايات الأخلاقية مصادر اثبات عين الذات وتدابير انجاز الهوية الانسانية [48].

- يرتكز التوجه الإنساني في الممارسة الطبية على أن المريض ليس بضاعة مهما كانت التكلفة المادية للعلاج وتنص على علاقة التعاقد على عدم تعرض حياته للخطر مهما كان موقعه الاجتماعي وحالته المادية. وبالتالي تكون المعاناة البشرية هي أصل مولد الطب وواجب كل طبيب هو اغاثة كل شخص يكون في حالة خطر دون تمييز ولكل إنسان الحق في طلب العلاج والأمل في الشفاء مهما كان مرضه ووضعه ومهما كانت هويته.

هناك توازي معقول من جهة تدابير التشخيص والوصفة والحكم والتقرير بين الحكم الطبي كمشروع علاجي ينطلق من معارف نظرية ومعايير ويتجه نحو اتخاذ قرار عيني ملائم لحالة خاصة وجزئية والحكم القضائي ممثلا في التنازع بين المتهم والقانون ولسان الدفاع في حركة الذهاب والإياب بين الحالة والقاعدة كمشروع يكون رهانه المجاهرة بكلمة العدالة التوزيعية وإنصاف الأبرياء والصفح والصلح[49].

في الختام يخضع اتخاذ القرار في الحكم الطبي إلى ثلاثة معايير هي أولا ميثاق السرية الذي يرسخه حكم الوصفة الطبية والتزام المريض بمتابعة العلاج وتلقي الدواء واحترام بنود الوصفة. بعد ذلك يأتي حق المريض في معرفة الحقيقة مع حسن تروي الطبيب ومداولته وتوفير وضعية تلقي عند المريض تسهل عليه عملية تقبل أسباب مرضه وحقيقة حالته وأمله في الحياة. في المعيار الثالث تسمح الموافقة المستنيرة بإشراك المريض في تحمل المخاطر الناجمة عن علاجه ويحصل الطبيبة على الضمانة القانونية لخوض الصراع المشترك ضد المرض50[50]. لكن ما العمل اذا ما أفسد الحكم السياسي التوازي الأوثق بين الحكم الطبي والحكم القضائي؟ ولماذا يفترض ريكور انقلاب العلاقة وإضاءة الحكم الطبي الحكم القضائي؟ وكيف يفسر بول ريكور مثل هذا الإقرار:" يبدو كامل الجهاز القانوني مشروعا ضخما لعلاجات الأمراض الاجتماعية في كنف احترام اختلاف الأدوار"51[51] ؟ والى أي مدى تساهم البيوإتيقا الطبية والبيئية والمهنية في إعادة ترسيخ الرابطة الاجتماعية وفي وضع حد للنزاع بين القوى وفي إقامة الوئام؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...........................................

الاحالات والهوامش:

[1] Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, in Ricoeur, édition de l’Herne, Paris, 2004. p.79.

[2] Ricoeur ( Paul ), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990.pp.150.166.

[3] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، تعريب عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، 2003، صص. 543-591.

[4] Ricoeur ( Paul ), Ricoeur (Paul), Lectures 2, édition Seuil. Paris , 1992 . pp.304-319.

[5] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, édition Odile Jacob, Paris, 1998.335p.

[6] Kemp (Peter), le discours bioéthique, édition Cerf, Paris, 2004.p.99.

[7] Kemp (Peter), le discours bioéthique, op.cit.p.35.

[8] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، مرجع مذكور، صص.582-581.

[9] Jonas Hans, Principe responsabilité, traduit par Jean Greisch , édition Cerf, Paris, 199O

[10] Ricoeur (Paul) , Lecture 2, op.cit.p.304.

[11] Voir Ricoeur (Paul) , philosophie , éthique et politique, Entretiens et dialogues, édition seuil, Paris, 2017. Le texte "l’éthique entre le mal et le pire" , pages 171à 189.

[12] Voir Ricœur (Paul) , Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p312

[13] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.309.

[14] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.312.

[15] Voir Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p22.

[16] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.314.

[17] Voir Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.

[18] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.316.

[19] Ricoeur ( Paul ) , Lecture 2, op.cit,p.318.

[20] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.544.

[21] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.546

[22] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.547

[23] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.548

[24] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.549

[25] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.550

[26] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.552

[27] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.553

[28] Voir Michel Foucault, Naissance de la clinique, éditions PUF, Paris, 1963. 300 pages.

[29] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.554

[30] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني،، مرجع مذكور، ص.556

[31] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.557

[32] Ricœur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.49.

 

[33] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.56.

[34] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.7 9.

[35] Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, op. cit. pp.78.79.

[36] neuronates

[37] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.105.

[38] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.134.

[39] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.165.

[40] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.572.

[41] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.319.

[42] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.559

[43] Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, op.cit.p.321.

[44] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.560

[45] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.561

[46] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.561

 [47] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.575

[48] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.577

[49] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.579

[50] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، صص.581-580.

[51] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ، مرجع مذكور، ص.591.

 ......................

المصادر والمراجع:

Ricoeur ( Paul ) et Changeux (Jean-Pierre) , Ce qui nous fait penser, la nature et la règle, édition Odile Jacob, Paris, 1998.335p.

Ricoeur ( Paul ), Soi Même Comme un Autre, édition du Seuil, Paris, 1990.

Ricoeur ( Paul ), Ricoeur (Paul), Lectures 2, édition Seuil. Paris , 1992 .

Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994,

Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.

Ricoeur (Paul) , philosophie , éthique et politique, Entretiens et dialogues, édition seuil, Paris, 2017.

Ricœur (Paul) , Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019,

Michel Foucault, Naissance de la clinique, éditions PUF, Paris, 1963. 300 pages.

Breton (Stanislas), la philosophie face aux sciences cognitives, in Ricoeur, édition de l’Herne, Paris, 2004.

Kemp (Peter), le discours bioéthique, édition Cerf, Paris, 2004.p.99.

Jonas Hans, Principe responsabilité, traduit par Jean Greisch , édition Cerf, Paris, 199O.

بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، تعريب عبد العزيز العيادي ومنير الكشو، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، 2003،

 

 

والحاجة الى تجاوز سوسيولوجيا بول باسكون

كشفت نتائج الإحصاء العام للسكان 2014 عن معطيات مهمة تتعلق بسرعة النمو الحضري والتي ارتفعت من نسبة 55.1 في إحصاء 2004 الى إلى 60،3 في المائة في إحصاء 2014، أي خلال مدة عشر سنوات، معدل التحول ارتفع ب 6 في المئة ، وهو مؤشر دال على طبيعة التحولات القادمة والجارية بالمغرب .

بعد احصاء 2014، يمكن الإقرار أن المغرب أصبح بلدا بأغلبية حضرية وان اغلب سكانه يقطنون المجالات الحضرية، وهو ما يستدعي اعادة لتفكير في هذه التحولات من خلال الانتقال من السوسيولوجية القروية الى الوسيولوجية لحضرية .

هذا الواقع الجديد، يسمح لنا بطرح جملة أسئلة للتفكير التجربة الحضرية بالمغرب من حيت طبيعتها وخصوصياتها والاشكالات المرتبطة بها . هذا الوضع الجديد يكشف الحاجة الى مجهود علمي متعدد الأبعاد من اجل تفسيره وتفسير الإشكالات المرتبطة به .

بناء عليه تكون السوسيولوجيا مطالبة بالانخراط الوظيفي للاشتغال على موضوع جديد وقضايا جديدة مرتبطة بالتحولات المجالية والاجتماعية الخاصة بالظاهرة الحضرية بالمغرب أي التركيز على المجالات الحضرية وما يرتبط بها من تحولات اجتماعية وتقافية وقيمية  .

التفكير السوسيولوجي في الظاهرة الحضرية والتجمعات البشرية يفترض الانفتاح على الارث السوسيولوجي في هذا المجال لاسيما فضاءات المدينة بمختلف بنياتها وانساقها، الامر  يفرض استدعاء تصورات مدرسة شيكاغو باعتبارها الارث السوسيولوجي الذي حدد الاطر النظرية والاجرائية لدراسة انساق المدن وخصوصيات الفعل داخلها .

اولا: دواعي التفكير في الموضوع .

السوسيولوجيا اذا لم تقدم خدمات فإنها لا تستحق دقيقة من التفكير بحسب بول باسكون، لذا فالجهد السوسيولوجي ينبغي ان يكون برغماتيا متجها لدراسة المشاكل الاجتماعية من اجل ضمان فعالية النسق العام

فالتحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي لاسيما التحولات المجالية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقيمية تفرض تفكيرا سوسيولوجيا عميقا،من أهم هذه التحولات الانتقال من المجال القروي المؤسس على قيم التضامن الالي الى المجالات الحضرية المعقدة والمتشابكة والتي يسود فيها التضامن العضوي وفق مقولات إميل دوركايم .

المجالات الحضرية وارتفاع نسبة النمو الحضري وبالمقابل تراجع المجالات القروية وفق مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط والتي كشفت المعطيات الاتية:

عدد سكان المملكة المغربية:، 33 مليون و848 ألف و242 نسمة.

عدد السكان: منهم 33 مليون و762 ألف و36 مواطنين .

عدد الاجانب: و86 الف و206 أجانب،

عدد الاسر: 7 ملايين و313 ألف و806 أسرة.

معدل النمو الديمغرافي السنوي، بين العشريتين السابقيتين لـ2014، قد انخفض من 1،38 في المائة إلى 1،25 في المائة.

التوزيع المجالي الحضري، قد ارتفع إلى 60،3 في المائة، بعد ما كانت 55،1 في المائة سنة 2004، معدل النموالديموغرافي الحضري: 2،1 في المائة

معدل النمو الديموغرافي القروي مقابل ناقص 0،01 في المائة

70.من السكان يتمركزون، حسب التقسيم الجهوي الجديد للمملكة، بخمس جهات، تضم كل واحدة منها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة، تتقدمها جهة الدار البيضاء الكبرى-سطات، بستة ملايين و862 ألف، تأتي بعدها، على التوالي جهة الرباط سلا-القنيطرة، وجهة مراكش آسفي، وجهة فاس مكناس، وجهة طنجة تطوان -الحسيمة

هذا الواقع الجديد للمغرب يكشف الانتقال نحو الواقع الحضري بما يفرض تغيير ادوات التفكير نتيجة تغيير مجال التفكيراي الانتقال من العالم القروي الى العالم الحضري .

وهو الامر الذي استدعى الاستفادة من الارث السوسيولوجي في مجال الظواهر الحضرية، وبالتالي الاستفادة من خدمات مدرسة شيكاغو .

ثانيا: الاطار النظري والمنهجي لمدرسة شيكاجو

مدرسة شيكاغو شكلت انعطافة اساسية في الفكر السوسيولوجي من خلال تغيير مسار ووجهة البحث السوسيولوجي،  من البحث الشمولي والنظري الى اعطاء الأسبقية للبحث الميداني والواقعي والاهتمام بالإحصائيات المناهج التجريبية كالملاحظة الموضوعية للواقع الاجتماعي والوثائق الشخصية والرسمية، وقد اعتبرت الدراسة التي أنجزها "توماس ويزنانسكي" حول "الفلاح البولوني" اول دراسة ميدانية، وكانت الغاية منها هي معرفة السلوكيات الغريبة والمتناقضة للمهاجرين البولونيين في الولايات المتحدة الأمريكية والتي ترتب عنها تشكل مشكلة اجتماعية. تتطرق الدراسة إلى الوصول لفهم "وضعية الفلاحين البولونيين في موطنهم الأصلي ثم وضعيتهم بعد هجرتهم لأمريكا، ومحاولة التعرف على نمط عيشهم في بولونيا ثم ما طرأ من تغير على نمط العيش هذا بعد هجرتهم إلى أمريكا.

وهذا ما يستدعي دراسة هذه الفئة من المهاجرين في مكان انطلاقهم وفي مكان الوصول، ومحاولة رصد أنماط وأشكال التفاعل والعلاقات التي ينسجونها فيما بينها بعد الهجرة والتي مع المهاجرين المنتمين لمختلف الأعراق والأجناس الأخرى، وهذا ما يستدعي بالضرورة التطرق إلى موضوع الاندماج أو الانصهار، ومسألة القيم والمعايير الاجتماعية ومظاهر سوء التنظيم الاجتماعي، وإعادة تنظيم."(1)

و تعتبر أول دراسة سوسيولوجية تعتمد هذا المنهج، الأمر الذي شكل قطيعة مع تقاليد البحث السوسيولوجية ذات المنحى النظري، أي الإنتقال من البحث النظري إلى البحث السوسيولوجي الميداني المعتمد على السيرة الذاتية والمراسلات الشخصية والجرائد والشهادات، نفس الشيء بالنسبة ل"روبير بارك" الذي شكل قاعدة معطيات من الوثائق حول المدينة ووضعها رهن إشارة الطلبة الراغبين في دراسة الظواهر الاجتماعية(2).

فمدرسة شيكاجو جعلت المعرفة السوسيولوجية أداة لمعرفة الواقع الاجتماعي كجهد وظيفي لمساعدة صناع القرار على بناء قرارات تدبيرية فعالة من اجل إيجاد حلول للمشاكل المستعصية والمرتبطة بالمجالات الحضرية، لاسيما تلك المتعلقة بالشغل والقيم والانحراف والجريمة والمخدرات والاحتجاجات .

فالمنهجية المعتمدة تركز على الوصف وتحليل طبيعة الحياة الاجتماعية بمدينة شيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية من اجل فهم طبيعة التحولات المرتبطة بهذه المجالا ت الاجتماعية الجديدة . كان الهدف الأساسي هو إنتاج معرفة وظيفية تساعد في إيجاد أدوات للتحليل والتفسير والمساعدة على صناعة القرار، وهو ما ينسجم مع توابث الفكر الأمريكي كفكر برغماتي يجعل من المنفعة هي أساس كل تفكير وغايته وفق توجهات فلسفة جون ديوي ووليم جيمس .

فالاهداف الاساسية لمدرسة شيكاجو هي تفسير التحولات الاجتماعية الكبيرة التي رافقت النمو الكبير الذي عرفته المدن الأمريكية، خاصة مدينة شيكاغو. من خلال دراسة عدة مؤسسات اجتماعية كأسر المهاجرين ووصفوا مونوغرافيا أحيائهم، وتحليل الجرائم المنتشرة بهذا الوسط الحضري.

التركيز على اليومي والعياني من خلال رصد تفاصيل الحياة اليومية بالمدينة جعل من هذه المقاربة المنهجية تتجاوز التفسير الغائي للظواهر الاجتماعية، وذلك باعتماد تحليل موضوعي للواقع الاجتماعي، وهو ما أعطى شهادة ميلاد للسوسيولوجيا التجريبية الأمريكية التي أثرت كثيراً في العديد من الباحثين في مجال العمل الإجتماعي الذين كانوا يتابعون دروسهم بجامعة شيكاغو(3).

فالتحليل السوسيولوجي حسب رأيهم يجب ان يتجه نحو دراسة الحالات عوض دراسة البنيات الاجتماعية الخفية، لأنها تمكن من فهم معنى تصرفات كل فرد وكذا معرفة الوضع الاجتماعي والثقافي كسياق عام محدد لهذه التصرفات .

المواضيع الأساسية لهذه المدرسة مرتبطة في البدايات التأسيسية بالمشاكل الإجتماعية لمدينة شيكاغو، خاصة المترتبة منها عن الهجرة إلى هذه المدينة مطلع القرن العشرين، حيت كانت شيكاغو مجالا صغيرا لا يضم سوى عشرة منازل سنة 1830 وبعد ستين عام اصبحت مدينة بمليون نسمة سنة . حركة التمدن رافقتها حركية وتغيرات اجتماعية على صعيد النسق الاجتماعي والقيم والعلاقات الاجتماعية،لاسيما علاقات التفاعل مع المهاجرين على اعتبار ان شيكاغو مدينة استقبلت الكثير من المهاجرين الأوروبيين الوافدين من الدول الأوروبية كألمانيا، إيرلاندا، إيطاليا، بولونيا وباقي دول اوربا الشرقية .

فالسوسيولوجيا الحضرية في لحظاتها التاسيسية ارتبطت بمدرسة شيكاغو وتاثيراتها ونتائجها، والتي أعطت الأسبقية في منهجية البحث لماهو وعياني وواقعي ، كما خصصت الكثير من أعمالها لمشكل سياسي واجتماعي مركزي يتعلق الأمر بقضية واندماج ملايين المهاجرين في المجتمع الأمريكي ( (4)

مايميز البحث السوسيولوجي لدى رواد مدرسة شيكاغو،هو تجاوز التأمل الانطباعي للظواهر والوقائع الاجتماعية إلى حالة النظر العلمي الاستكشافي، من خلال الانحياز إلى الواقع المدروس ودراسته تجريبيا وميدانيا . وهو ما يرسخ فكرة الفعل السوسيولوجي الساخن الذي يتفاعل مع الواقع في كثافته وغناه دون أي اختزال او تجزيئ . لهذا السبب يفهم لماذا يصر رواد هذه النظرية على تسمية أنفسهم بالتيار الميتودولوجي أي كتيار للاشتغال والعمل أكثر منه تيارا تأمليا ونظريا أو مدرسة فكرية .

فالتغييرات والتحولات المتسارعة بالمغرب لاسيما الانتقال من فضاء قروي الى فضاء حضري، وبنسبة تتجاوز 61 في المئة يفرض ضرورة تغيير مركز الاهتمام وتجديد أدوات البحث السوسيولوجي، مما يفرض الانتقال من السوسيولوجيا القروية لحظة بول باسكون نموذجا الى مرحلة السوسيولوجيا الحضرية .

فمدرسة شيكاجو، وما تبعها من تأسيس لتخصص علم الاجتماع الحضري يهدف الى فهم كيفية تفاعل الأفراد داخل النظم الاجتماعية الحضرية. وذلك خلافا لنظريات الشمولية والكلية لاسيما لدى الرواد المؤسسين بأوربا، حيت التركيز على المقولات والمفاهيم الكبرى مثل الطبقة والمجتمع والظاهرة أي الانتقال من الماكرو سوسيولوجيا الى الميكرو سوسيو لوجيا .

إن الموضوع الأساس الذي التي اشتغلت عليه مدرسة شيكاغو خلال هذه الفترة، تتمحور حول دراسة العلاقات المعقدة التي تربط بين الناس، في عالم متحول تحت تأثير إفرازات التصنيع التحضر والهجرة.

إن سوسيولوجيو مدرسة شيكاغو يتناولون المدينة كمختبر اجتماعي، جاعلين من العلاقات الإثنية والعرقية مجالا للدراسة. وبالتالي ستصبح أعمالهم عدة منهجية وتأملات نظرية شاهدة على تأسيس إرث سوسيولوجي" (5) .

فالسوسيولوجيا الحضرية تهدف إلى دراسة التفاعلات الاجتماعية الصغيرة الحجم التي تسعى إلى تقديم معنى ذاتي لكيفية تفاعل الفرد داخل مجتمعه ، وهو ما يتقاطع من توجهات واسس نظرية التفاعل الرمزي

فمدرسة شيكاغو كمرحلة تأسيسية لسوسيولوجيا الحضرية حاولت الإجابة عن سؤال واحد: كيف أن الزيادة في العمران خلال فترة الثورة الصناعية تساهم في زيادة عدد ونوع المشكلات الاجتماعية المعاصرة؟

فالسؤال الأساسي والذي كان بمثابة رهان هو دراسة أوجه العلاقة بين ارتفاع عدد السكان وارتفاع المشاكل المرتبطة بالكثافة السكانية ، انطلاقا من وقائع تاريخية خاصة بمدينة شيكاغو نفسها حيت لوحظ انه بعد أن توسع من بلدة صغيرة من 10،000 في منتصف القرن 18 إلى حاضرة الحضرية تضم أكثر من مليوني في نصف القرن 19 . كيف ان الارتفاع السكاني ادى الى ارتفاع عدد ونوع المشاكل الاجتماعية الناشئة في تلك الحقبة لاسيما المشاكل المرتبطة بالظروف المعيشية القاسية و انخفاض الأجور وساعات العمل الطويلة التي ميزت عمل العديد من المهاجرين الأوروبيين الذين وصلوا حديثا. وكيف ادت المشاكل الى انتقال الطبقة الوسطى بعيدا عن قلب المناطق الحضرية وإلى الضواحي الخارجي تجنبا للمشاكل المرتبطة باحياء الطبقات الفقيرة .

التغييرات المنهجية والاجرائية في البحث السوسيولوجي لسوسيولوجيا الحضرية بالمغرب نابع من ضرورة ابستيمولوجية مرتبطة بتغير المجال الاجتماعي والجغرافي، وهو مايفرض تجاوز مرحلة بول باسكون والانتقال من براديغم السوسيولوجيا القروية إلى براديغم سوسيولوجيا المجالات الحضرية والمدينية ( نسبة الى فضاء المدن )، وهو ما تكشفه المعطيات الصادرة عن وزارة الاسكان حيت ان عدد السكان المغرب الحضريين تضاعف بـ 40 مرة في ظرف قرن من الزمن، من خلال الانتقال من 442 ألف نسمة سنة 1900، موزعة على 30 مدينة، إلى أكثر من 19 مليون نسمة سنة 2014، الى موزعة على أكثر من 350 مدينة ومركز حضري .

كما ان المجتمع المغربي وبسبب عوامل المناخ الصعب والتحولات المناخية وحافزية العمل بالخارج ساهمت في ارتفاع معدل الهجرة الداخلية من العالم القروي الى العالم الحضري والمديني .

فالهجرة ونتائجها وتداعياتها على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والقيمي بالمجالات الحضرية كبيرة مما يفرض التفكير فيها ومواكبتها، وهو ما يستدعي الاستعانة بالفكر السوسيولوجي لمدرسة شيكاجو حول الظواهر الحضرية في افق تجاوز جاذبية بول باسكون المتمركزة حول العالم لقروي .

فسوسيولوجيا بول باسكون كانت مرتبطة بالعلم القروي وتراهن على تنمية الوعي لدى الفلاحين والساكنة القروية- من خلال أبحاثه التي بدأت بدراسات ومقالات متعددة حول المجتمع المغربي، وخاصة أطروحته حول حوزمراكش ، مرورا بتأطيره لطلبة المعهد الوطني للبحث الزراعي، إلى حدود الدراسات التي قام بها حول دار إليغ بتارودانت .

فالسوسيولوجيا الحضرية أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة التحولات التي عرفها المغرب والتي تهدف الى تملك الخطاب العلمي حول واقع المدن لمغربية والتحولات الاجتماعية المرتبطة به.

ثالثا: سوسيولوجيا الحضرية ودراسة فضاءات المدينة .

فالسوسيولوجيا لحضرية تهتم بحياة المدينة والنسق الثقافي والاجتماعي العام داخل المدينة كفضاء مشترك للعيش والحياة المشتركة، غير ان ظاهرة الهجرة وعلاقات التفاعل بين المجالين القرية والمدينة تشكل المجال الأساس للتفكير لاسيما موضوع الهجرة القروية باعتباره انتقالا بشريا مصحوبا بجملة من التفاعلات والتحولات الاجتماعية والقيمية داخل فضاءات المدينة، وما يرافق ذلك من عمليات الاندماج التدريجي الثقافة المدينية، وما يستدعيه هذا الانخراط من تحولات وتغيرات تطرأ على "البدوي"، وهو في طريقه ليتحول إلى "حضري"(6)..

إن علم الاجتماع الحضري قد استطاع تحويل "المدينة" إلى موضوع سوسيولوجي مع مدرسة شيكاغو، بل إن اسم هذه المدرسة ارتبط في علم الاجتماع بالمدينة التي نشأ فيها، وعرف روادها الأوائل بكتاباتهم الحضرية والمنهجية أكثر مما عرفوا بأي شيء آخر.

و يعتبر مانويل كاستلر وهو أحد السوسيولوجيين المعاصرين والذي اعتبر ان أن المجال الحضري باعتباره الموضوع المركزي للسوسوسيولوجيا الحضرية لم يعد يقوم فقط على الحجم والكثافة السكانية ، وإنما أصبح يقوم على الإنتاج الاقتصادي بالدرجة الأولى، فتراكم رؤوس الأموال وتمركز النشاط الصناعي والخدماتي بالوسط الحضري  فهو مجال منتج ومستهلك في الوقت ذاته .

و تعتبر السوسيولوجيا الحضرية  ان الفرد يعيش وضعا قلقا ومتوثرا بسبب رغبة الفرد في المدينة الى تأكيد ذاته وهو ما يولد وضعا صراعيا مع الاخرين نتيجة المنافسة عكس في العالم القروي ، الذي يحافط فيها الفرد هى ذاته دون اي تغير. فالمدينة ليست مجرد مجال جغرافي محايد ، بل هي فضاء معقد ومتشابك ، انها نمط عيش حضاري متعدد الإبعاد ومتغير باستمرار .

وتعتبرفضاءات المدينة وانساقها الموضوع الاساسي لسوسيولوجيا الحضرية ، حيت التركيز على مفهوم المدن وعلى الأساليب الحياتية الناجمة عن التفاعل اليومي والتي تشكل النمط العام للتنظيم الاجتماعي، وقد حدد السوسيولوجي آموس هاوليبحيث ي "أن التحديد المكاني للمجتمع بإعتباره منطقة جغرافية أو مساحة مكانية يشغلها مجموعات من الأفراد محاولة تعسفية في حق الصياغة المفاهيمية العامة للمصطلح، وإنه من الملائم أن نشير في تعريفه إلى المشاركة في الإيقاع اليومي والمنتظم للحياة الجمعية على أنها عامل أساسي يميز المجتمع المحلي، ويعطي لسكانه طابع الوحدة التنظيمية)(7)(.

اما ممثل الاتجاه الوظيفي فقد اعتبر ان المدينة هي جمع حشد من أفراد يشتركون في شغل منطقة جغرافية أو مساحة سكانية واحدة كأساس لقيامهم بأنشطتهم اليومية) (8)

كذلك يرى لويس ويرث "أن المجتمع المحلي يتميز بما له من أساس مكاني اقليمي يتوزع من خلاله الأفراد والجماعات الأنشطة، وبما يسوده من معيشة مشتركة تقوم على أساس الاعتماد المتبادل بين الأفراد،وخاصة في مجال تبادل المصلحة."

فمفهوم المدينة كفضاء للعيش المشترك ينظر في تصورات السوسيولوجيا الحضرية على انه أنه تجمع لأشخاص تنشأ بينهم صلات وظيفية، ويعيشون في منطقة جغرافية محلية خلال فترة محددة من الزمن، كما يشتركون في ثقافة عامة، وينتظمون في بناء اجتماعي محدد ويكشفون باستمرار عن وعي بتميزهم وكيانهم المستقل كجماعة بشرية .

فالموضوعات السوسيولوجية الخاصة بالمجال الحضري فتتمحور حول عدة قضايا اجتماعية وتقافية وقيمية واقتصادية ودينية منها: التطرف والتهميش والانحراف والبطالة والجريمة والادماج واعادة الادماج والسلوك لاحتجاجي، والتظاهرات الفنية والرياضية والثقافية وغيرها .

فدراسة المدينة يتيح لنا تحليل حجم المدينة وتأثيرها على الحياة الاجتماعية من خلال مفاهيم الحجم والكثافة وعدم التجانس هو ما يحدد التنظيم الاجتماعي داخل الوسط الحضري. فزيادة حجم المدينة يساهم في خلق طرق اتصال غير مباشرة لأن هناك استحالة على جمع السكان في حيز جغرافي واحد. كما أن ارتفاع عدد السكان يؤدي إلى تنوع المجتمع وإلى تقسيم العمل الاجتماعي، الشيء الذي يجعل أفراد المجتمع يتعاملون فقط وفق مجموعة من التبادلات الاجتماعية. إلى جانب ذلك فإن التنوع الاجتماعي يعمل بالضرورة إلى تحرير الأفراد من الضبط الاجتماعي الذي يمارسه أفراد الجماعة مثل ما يوجد في المجتمعات القروية وفق ما سماه اميل دوركايم بالتضامن الآلي المؤسس على التشابه .

من المواضيع الأساسية في السوسيولوجيا الحضرية موضوع الاندماج الاجتماعي حيت اعتبر لويس ويرت أن التحضر أسلوب حياة وليس تكيفا مع البيئة أو الطبيعة، لان الانسان ليس كالحيوان الذي يتكيف مع الطبيعة، أما الانسان فهو يبدع المدينة أي أن لكل مدينة طابعها وبالتالي فالتمدن مسألة ابداع وليس مجرد تكيف مع المجال البيئي او الطبيعي فقط ، كما يرى لويست ويرت بأنه لايمكن فهم المدينة الا انطلاقا من مجموعة من المراكز كأماكن الاقامة وأماكن الشغل ثم المصالح الاقتصادية للفرد والجماعة كالسوق على سبيل المثال .

كما يعتبر لويس ويرت ان المدينة هي موقع الخاص السيطرة الاقتصادية لقد ركز ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ ﻭﻴﺭﺙ ﺃﺴﺎسا ﻋﻠﻰ ﺘﺤﻠﻴل ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺎﻗﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ، ﻓﻔﻲ ﻤﻘﺎل ﻟﻪ ﺒﻌﻨﻭﺍﻥ "اﻠﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ ﻜﻁﺭﻴﻘﺔ للحياة " والتي ﻨﺸﺭﻫﺎ ﺴﻨﺔ، 1938 ﻗﺩﻡ ﻭﻴﺭﺙ ﺘﺤﺩﻴﺩﺍ ﻭﺍﻀﺤﺎ ﻟﻠﻤﺩﺨل ﺍﻟﺴﻭﺴﻴﻭﺜﻘﺎﻓﻲ ﻓﻲ ﻤﻌﺎﻟﺠﺔ ﻤﺨﺘﻠﻑ ﺍﻟﻤﻭﻀﻭﻋﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ، ﻭ ﻭﻀﻊ ﻭﻴﺭﺙ ﺘﻌﺭﻴﻔﺎ ﺴﻭﺴﻴﻭﻟﻭﺠﻴﺎ ﻟﻠﻤﺩﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻬﺎ ﺍﻟﻤﺩﻴﻨﺔ ﺒﺄﻨﻬﻡ ﻤﻨﻌﺯﻟﻴﻥ ﻭ ﻴﺘﻌﺎﻤﻠﻭﻥ ﻤﻊ ﺍﻵﺨﺭﻴﻥ ﺒﻁﺭﻴﻘﺔ ﻏﻴﺭ ﺸﺨﺼﻴﺔ، ﻴﻘﻴﻤﻭﻥ ﺤﻭﺍﺠﺯ ﻋﺎﻁﻔﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺘﻬﻡ ﺒﺎﻵﺨﺭﻴﻥ ﻤﻤﺎ ﻴﺅﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻀﻌﻑ ﺍﻟﺘﻤﺎﺴﻙ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺤﻠﻲ ﺍﻟﻨﺎﺘﺞ ﻋﻥ ﺘﺯﺍﻴﺩ ﺍﻟﺤﻀﺭﻴﺔ (9)

ﻜﻤﺎ ﻴﺭﻯ ﺒﺄﻥ ﺤﺠﻡ ﻭ ﻜﺜﺎﻓﺔ، ﻭ ﺘﻐﺎﻴﺭ ﻟﺴﻜﺎﻥ ﻴﺅﺩﻱ ﺒﻘﺩﺭ ﻜﺒﻴﺭ ﻭ ﻤﺘﻌﺩﺩ ﺍﻟﻭﺠﻭﻩ ﻤﻥ ﺍﻟﺘﻤﺎﻴﺯ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ نتيجة تعدد الوظائف والمهام، وهو ما يتقاطع مع تصورات اميل دوركايم حول التضامن العضوي، ويتحقق الاندماج داخل فضاءات ومجالات المدينة نتيجة ﺍﻟﺘﺨﺼﺹ ﻭ ﺘﻘﺴﻴﻡ ﺍﻟﻌﻤل وﺘﻤﺎﻴﺯ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ.

و يعتبر لويس ويرت ان ﺘﻤﺎﻴﺯ ﺤﻴﺎﺓ ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﺫﻴﻥ ﻴﻌﻴﺸﻭﻥ ﺩﺍﺨل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺒﻨﺎﺀ، ﺘﻀﻌﻑ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ حيت اختلاف ﺍﻷﻓﺭﺍﺩ ﻋﻥ ﺒﻌﻀﻬﻡ ﺍﻟﺒﻌﺽ ﻓﻲ طبيعة حياتهم المتمايزة عن المجال القروي حيت يسود التشابه والانسجام مع الذات والاستمرارية وضعف منسوب التغيير. واعتبر ان ويرت أن التحضر يمثل شكلا من أشكال الوجود الاجتماعي لا يقتصر على توزيع الجماعات في أماكن اقامتها أو عملها او مصالحها الاقتصادية فالمدينة في جوهرها تمثل مركزا للسيطرة الاقتصادية والسياسية والثقافية ومحور تدور حوله جماعات وأنشطة متنوعة دون أن ترتبط فيها بينها بصلات أو علاقات شخصية أو اجتماعية حميمية، كما أشار الى أسباب ودوافع تكوين العلاقات في أوساط بعض الجماعات الاثنية أو المهاجرة ، غير انها سرعان ما تبدأ بالتفكك والاندثار مع تزايد الكثافة والتعقيد في حياة المدينة . فالمواضيع الاساسية داخل السوسيولوجيا الحضرية تشكل استمرارا لذات المواضيع التي عالجتها مدرسة شيكاغو،حيت ثم انجاز الكثير من الأعمال التي ركزت بشكل كبير على قضايا الهجرة والعلاقات الاجتماعية داخل المدينة والمشاكل الاجتماعية داخلها. فمدينة شيكاغو عرفت خلال بداية القرن العشرين، تغيرات كمية وكيفية مهمة، أضحت موضوعا للتحليل، فشكلت بالتالي "مختبرا اجتماعيا" لعلماء اجتماع مدرسة شيكاغو (10).

و يمكن التوقف عند الخطوط الناظمة والاساسية لمدرسة شيكاغو باعتبارها الاساس السوسيولوجي لدراسات ظاهرة التمدن التحولات المرتبطة بعمليات الانتقال من المجالات القروية الى المجالات الحضرية حيت نجد اهم توجهات مدرسة شيكاغو:

و تفكيك وإعادة تنظيم المجال الاجتماعي .

الضبط الاجتماعي بالمجالات الحضرية .

تكيف مع التغير داخل المدن .

المسؤولية الجماعية عند جانوفيتز M. Janowitz (وفي ضوء سعيه لتفسير عملية الانتقال من

مجتمعات التضامن الآلي البسيطة إلى مجتمعات التضامن العضوي المعقدة، تعرض دوركهايم، في أطروحته" تقسيم العمل الاجتماعي"، لكيفية احتلال الإنسان للمجال، وأبرز كيف تتكدس أعداد كبيرة من الناس في المدينة، وتتحقق بالتالي كثافة مادية أكبر، كفيلة بخلق كثافة روحية مرتفعة، الشيء الذي يجعل المدينة تمثل التنظيم الاجتماعي الأرقى والأفضل والأكثر تعقيدا(11).

فالسوسيولوجية الحضرية سواء مع تصورات ومبادئ مدرسة شيكاغو او مع البدايات والارهاصات الاولى لابحات وانتاجات اميل دوركايم الذي تحدث عن الكثافة الروحية لافراد المجتمع من خلال مقولتي التضامن الالي والتضامن العضوي، حيت أن هذه الكثافة الروحية، لا يمكن أن تنتج تأثيرها إلا إذا كانت المسافة الواقعية بين الأفراد نفسها مختصرة نتيجة سرعة وتطور طرق المواصلات وشبكات الاتصال؛ أي دون كثافة مادية.

فالكثافة الروحية والمعنوية أن تزيد دون أن تزيد الكثافة المادية في نفس الوقت، بل إنه من الخطأ، في نظر دروكهايم، الاعتقاد بأن التركز المادي يقود الى انتاج التركز الروحي لمجتمع ما عبر كثافة الطرق والسكك الحديدية، الخ. فهذه الأخيرة يمكن أن تخدم حركة الأعمال (العلاقات الاقتصادية المؤسسة على المصلحة الخاصة والنزعة الأنانية) أكثر منها الاندماج الروحي للساكنة(12).

وبالنسبة إلى دوركهايم، تأخذ المدينة الحديثة، باعتبارها مرآة كاشفة ومحللة للوقائع الاجتماعية وضعا مفارقا: فهي بقدر ما تبدو كتمظهر ملموس لنمط من التضامن العضوي ولطريقة من العيش المشترك، بقدر ما تمثل في الوقت نفسه، ميدانا للفردانية، حيث يتحرر الفرد من جماعات انتمائه ومرجعياته الأصلية، ويشرع في بناء علاقات جديدة مع الآخر، تعاقدية، مختارة ومفكر فيها، ومجردة من طابعها الإشراطي.

يمكن اعتبار دوركايم وابن اخته مارسيل موس الاكثر تاثيرا في بلورة توجهات البحث السوسيولوجي الحضري كما ستتبلور مع مدرسة شيكاغو، حيث طبق على موضوع "المدينة" التحليل المورفولوجي الدوركهايمي، الذي يقوم على الاهتمام بالطريقة التي يشغل بها الناس المجال، وبالحركات والتنقلات داخل المدينة وبشكل تجمعات الناس والمباني وانماط السكن والعيش والعلاقات وانما ط الفعل .

فسوسيولوجيا "المدينة، تهتم بدراسة السلوك البشري في الوسط الحضري"، يظهر هذا الربط وهذا التشريف لفيبر، من خلال قولة لويس ويرث التي تتصدر الترجمة الامريكية لكتاب فيبر "المدينة .

وبحكم أن مدرسة شيكاغو تتميز إلى جانب تخصصها الحضري باختيار منهجي خاص، ينتصر للبحث التجريبي الكيفي، تبلورت وتطورت في خضم الممارسة البحثية والانشغال بدراسة مختلف الظواهر والتحولات الاجتماعية التي عرفتها مدينة شيكاغو، وخاصة ظاهرتا الهجرة والتحضر والاندماج الاجتماعي

اهم ما يميز الاساس المنهجي لمدرسة شيكاغو هو الانطلاق من  وجهة نظر الفاعل الاجتماعي، العمل على دراسة وتحليل تصرفات الافراد و ودراسة علاقاتهم بالوسط المادي والاجتماعي المحيط بهم، أي محاولة كشف المعاني الذاتية التي يعطيها الفاعل لافعاله وللواقع الذي يعيشون فيه .

من اجل الوصول الى هذه الاهداف عملت مدرسة شيكاغو على تجريب واعتماد طرق بحث جديدة والاستعانة بتقنيات مغايرة للبحث التأملي من خلال البحث السوسيولوجي الكيفي والذي يتضمن مجموعة من التقنيات منها:

تحليل وفحص الوثائق الشخصية والخاصة

تحليل المراسلات الخاصة

تحليل الحكايات الشفوية ودراسة مضمونها

دراسة الحالات

اعتماد تقنية الملاحظة المباشرة

اعتماد تقنية الملاحظة المباشرة

اعتماد تقنية المقابلة

اعتماد تقنية الشهادة

تحليل المضمون

وترجع أهمية نص "المدينة كمختبر اجتماعي" لروبير إزرا بارك، في السوسيولوجيا الحضرية، إلى أنه غالبا ما يأخذ إلى جانب نص "المدينة، مقترحات بحث حول السلوك البشري في الوسط الحضري"، والذي يعتبر بمثابة البيان المؤسس لمدرسة شيكاغو.

وقد اعتبر بارك ان الهجرة الإنسانية طبيعية كما هي هجرة النباتات والحيوانات. وبالتالي سيؤكد على أن ظاهرة الهجرة الإنسانية قابلة للدراسة والتناول العلمي.

إن الجهاز المفاهيمي للمقاربة الإيكولوجية يرتكز على مفهومين أساسيين وهما: الاستخلاف (succession) والتوازن .(équilibre)

ان الهدف من دراسته لموضوع الهجرة هو ايجاد تبرير تبرير علمي لموجات الهجرات الاستيطانية في عهد الاستعمار المباشر الذي شهدته مناطق عدة من العالم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذا لتبرير الاستيطان بالعالم الجديد، وهكذا فإن المهاجرين الأوائل لأمريكا جاؤوا لاستخلاف الهنود الحمر في إطار تحولات طبيعية."(13) والاستخلاف حسب بارك لا يخص المستوى الجغرافي والديموغرافي فحسب بل يتعداه إلى مستوى الاستخلاف الثقافي المرتبط بثقافة العيش ونمطه.

كما اكد بارك في مفهوم التوازن أن التنظيم الاجتماعي للناس – المجتمع – يخضع لضوابط وقوانين ملزمة ومنظمة لعلاقاتهم الاجتماعية، بهدف الحفاظ على التوازن الطبيعي والاجتماعي. ولهذا " فالهجرة حسب بارك هي أولا وقبل كل شيء ظاهرة تعمل على إعادة التوازن للمجتمع."(14)

و اعتبر ان ظاهرة الهجرة هي مؤشر على التقدم والتحول والانتقال من وسط طبيعي إلى وسط ثقافي، منطلقا من فرضية تعزز هذا التحليل، مفادها: "إن المدينة هي السكن الطبيعي للإنسان المتحضر. وهذا ما جعله ينظر إلى الفلاح المهاجر للمدينة كفلاح نموذجي عندما يتخلى عن العادات والتقاليد والأعراف الخاصة بمجتمعه مقابل أن يصبح سيد نفسه من خلال عملية  "الانصهار" (assimilation) عبر الانتساب إلى القيم والتقاليد والعادات الحضرية، فعوض أن يصبح هذا الفلاح المهاجر مشكلا اجتماعيا بالمدينة، يتحول إلى فرد مندمج بالمجتمع الحضري عبر دخوله في نسق من التفاعلات والسير ورات الاجتماعية أو ما يسميه "بدورة العلاقات الإثنية( (15) .

فالتحولات المتسارعة وانتقال المغرب من بلد قروي الى بلد باغلبية حضرية حيت 60 من ساكنته أصبحت تعيش في الحواضر يفرض الاستعانة بخدمات السوسيولوجية الحضرية من اجل القدرة على دراسة هذه الفضاءات الاجتماعية والمجالية بما يسمح بإيجاد حلول لمختلف الاختلالات التي ترتبط بالنسق العام .

فسوسيولوجية الحضرية تسمح لنا بدراسة:

اولا: ادراك التمايز ين القرية والمدينة كفضاءات متمايزة .

ثانيا: ادراك معايير التمييز بين المجالين من خلال الاستعانة بالمعايير المتعددة الابعاد وتجاوز المعاييرالكمية الاحادية البعد .

ثالثا: دراسة انماط العيش داخل فضاءات المدينة من خلال السلوك اليومي للمواطن الحضري

رابعا: دراسة مختلف الخصائص الثقافية والاجتماعية التي تميز الحياة الحضرية

خامسا: دراسة انساق التحولات لدى المهاجر القروي الى المدينة ودراسة كافة انماط التكيف والتأقلم مع الوسط الحضري من أجل الاندماج فيه سوسيوثقافيا واقتصاديا، تكيفا نفسيا وعلائقيا وثقافيا واجتماعيا .

سادسا: دراسة التحضر كنمط تقافي مرتبط بشبكة قيم اجتماعية وتقافية ودينية .

سابعا: دراسة التنمية بالمجال الحضري

ثامنا: دراسة انساق التفاعل الاجتماعي ومعدل الحراك الشعبي

تاسعا: دراسة توحد القيم وتماسك الجماعة والارتباط بالنظم الادارية والمؤسساتية .

فالسوسيولوجيا الحضرية ومن خلال الارث التاسيسي لمدرسة شيكاغو تهدف الى دراسة حياة المدن والتفاعل الإنساني والتغيرات والمشاكل في المنطقة الحضرية وبذلك توفر مدخلات للتخطيط ورسم السياسات العمومية والتدبير الترابي .

لان دراسة المدن يعني توفير جهد وظيفي من اجل التحكم والاستفادة في افق تحقيق التنمية الحضرية ولعل اهم المواضيع المرتبطة بفضاءات المدن، نذكر التشغيل والادماج والاتجاهات الديموغرافية، والاقتصاد، والفقر، والعلاقات العرقية والاتجاهات الاقتصادية. المجال بناء انساني يجب فهمه وفق معطيات اجتماعية أو مدنية وثقافية ورمزية أو وفق معطيات صراعات طبقية احيانا باعتبار أن المدينة كلها رموز ثم رهانات القوة، كما أن بعض السلوكات الحضرية جد مفيدة من الزاوية المنهجية، سلوكات مثل المنافسة والتتابع والانتشار والحراكات الاحتجاجية كشكل من أشكال التعبير عن المدينة وغيرها من أساليب حياة المدن، كما ان مفاهيم مثل دور الفرد في المدينة ومهنته يمكن ان تساعد كثيرا في قطع مناطق القوة والضعف في أي مدينة .

 

د الفرفار العياشي - المغرب

....................

المراجع

1/ عبد الرحمن المالكي، الثقافة والمجال دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب، منشورات مختبر سوسويولوجيا التنمية الاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس، 2015، ص 114-11

2/ عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء 2016

3- فوزي بوخريص، الاندماج الاجتماعي والديموقراطية: نحو مقاربة سوسيولوجية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 5-6

4- http://sociologysearch.blogspot.com/2017/08/1890-1892-jonhn-d.html

5 -Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal، sociologie urbaine، éd Armand Colin، Paris، 2010. p32

5 -Alain coulon، L’école de chicago، éd Puf، (Que sais –je ?)، 2e édition، 1994. p، 3

7- Ndrea rea، maryse tripier، sociologie de l’immigration، ed la découverte، paris، 2003، p 8

8 - Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal، sociologie urbaine، éd Armand Colin، Paris، 2010. p11

9- Maris Robert،la société urbaine (phénomène sociologique)،paris 2002،p52

10- Breslau Daniel. L'Ecole de Chicago existe-t-elle?. In: Actes de la recherche en sciences sociales. Vol. 74، septembre 1988.Recherches sur la recherche. pp. 64-65

110- Vincent Kaufman et autres، Théories، Ouvrage collectif، Traité sur la ville، sous la direction de Jean-Marc Stébé et Hervé Marchal، éd Puf، 2009. p625

...........................

الهوامش

(1) عبد الرحمن المالكي، الثقافة والمجال دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب، منشورات مختبر سوسويولوجيا التنمية الاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الأداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس، 2015، ص 114-11

(2) http://sociologysearch.blogspot.com/2017/08/1890-1892-jonhn-d.html

(3) Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal, sociologie urbaine, éd Armand Colin, Paris, 2010. p32

(4) Alain coulon, L’école de chicago, éd Puf, (Que sais –je ?), 2e édition, 1994. p, 3

(5) ndrea rea, maryse tripier, sociologie de l’immigration, ed la découverte, paris, 2003, p 8

(6) Jean –Marc Stébé et Hervé Marchal, sociologie urbaine, éd Armand Colin, Paris, 2010. p11

(7) Maris Robert,la société urbaine (phénomène sociologique),paris 2002,p52

(8) احمد أمين ادم،المدينة وأنماط الحياة،دراسة في علم الاجتماع الحضري،دار الطليعة،بيروت،2011،ص46.

(9) فوزي بوخريص، الاندماج الاجتماعي والديموقراطية: نحو مقاربة سوسيولوجية، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 5-6

(10) عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء 2016

(11) Breslau Daniel. L'Ecole de Chicago existe-t-elle?. In: Actes de la recherche en sciences sociales. Vol. 74, septembre 1988.Recherches sur la recherche. pp. 64-65

(12) Vincent Kaufman et autres, Théories, Ouvrage collectif, Traité sur la ville, sous la direction de Jean-Marc Stébé et Hervé Marchal, éd Puf, 2009. p625

(13) عبد الرحمن المالكي، مدرسة شيكاغو ونشأة سوسيولوجيا التحضر والهجرة، إفريقيا الشرق 2016، ص 13

(14) المرجع نفسه، ص 135

(15) المرجع نفسه، ص 140

 

 

علي رسول الربيعيأفكر في الحاجة الى اثبات وجود حاجة ملحة للحوار بين مطالب العلمانيين والدينيين حول المعايير العالمية التي ترتبط بالبشر بصفتهم كبشر ومن هذا الموقع أفحص اراء المفكرين الذين تناولوا هكذا قضية ومن بينهم الدراسة القيمة لـ يوهانس مورسينك: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الأصول ، الصياغة ، والنوايا

Johannes Morsink's The Universal Declaration of Human Rights: Origins, Drafting, and Intent (1999(.

كتب مورسينك دراساته حول الوثيقة وتأثيرها على تطور نظام حقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أنها طرحت السؤال الأكثر إثارة للاهتمام، وهو: ماذا كان  هناك أساس أخلاقي واحد لحقوق الإنسان يمتد عبرالعديد من الثقافات، أو ما إذا كان هناك العديد من الأسس الأخلاقية المحددة ثقافيا، أوليس هناك أيً اسس.

تتناول دراسة مورسينك المهمة لتاريخ صياغة الإعلان، الطرق التي قدمت فيها القضايا الميتافيزيقية والفلسفية المرتبطة بالتجربة المسيحية بشأن التنوير للمشاركين لغة يمكن أن يطالبوا من خلالها بالتطبيق العالمي، تتيح الفرصة لإشراك العالمية الإسلامية. تتبع مورسينك بدقة وحساسية صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مرحلة تلو الأخرى، موضحأ معالم عملية التفكير واللغة العالمية التي ظهرت للتعبير عن القلق الدولي أزاء المضطهدين والفقراء والضعفاء سياسياً في العالم التي أسست لها التقاليد الدينية والإنسانية بالفعل مفردات يمكن تخصيصها للإعلان وتكون مناسبة له. في الوقت نفسه، ولتأكيد نوايا الصياغة الجيدة، رد مورسينك أيضًا على تهمة المركزية الإثنية الموجهة ضد الإعلان من جانب أولئك الذين يشككون في قابليته للتطبيق العالمي على جميع البشر من خلال تتبع المفاوضات المعقدة والصعبة التي جرت لتجنب أي لغة عرقية أو  ثقافية خاصة من شأنها أن تهزم بالفعل الغرض من  عالمية حقوق الإنسان. والأهم من ذلك، أنه يدرس في الفصل الأخير لغة الإعلان للتحقيق في الافتراض بأن هناك صلة بين الإعلان العالمي وطرق  التفكير في عصر التنوير حول الأخلاق التي تكون عالمية شاملة وفي الوقت  نفسه علمانية. لكن هذه العلمانية ليست غير دينية تمامًا بمعنى أن الطبيعة والعقل، العنصران العلمانيان في الثالوث - كانا لا يزالان على مقربة من الله الذي تدفقا منه.        

كانت وجهة نظر التنوير عن الطبيعة البشرية مستمدة من فلسفات الحقوق الطبيعية، التي حددت المساواة بين الإنسان والحقوق غير القابلة للتصرف للبشر بمقتضى إنسانيتهم وليس لأي  بسبب غير جوهري أو خارجي. ومع ذلك، سعياً وراء الأخلاق العالمية لدعم حقوق الإنسان عبر التقاليد، فقد اتبع القائمون صياغة علمانية شاملة وأبقوا لغة الإعلان خالية من أي تعبير ديني. إن الأكثر لفتا للنظر، أنهم عزلوا االله عن الطبيعة والعقل. ومن المفارقات، أدى البحث عن الشمولية العالمية من خلال علمنة معايير حقوق الإنسان في مصادر الأخلاق التعددية إلى نسبية لا مفر منها.

مشكلة النسبية في سياق معايير وقيم حقوق الإنسان مشكلة قديمة. وكانت التجربة العملية للحياة في المجتمعات ذات الثقافات المختلفة السبب الجذري للنسبية في المناقشات الدولية حول معايير العدالة العابرة لحدود عبر الدولة. من الصحيح القول إنه على الرغم من كل الجهود الفكرية من أجل العلمنة الشاملة للأخلاق العالمية، فقد كان من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، بناء توافق في الآراء بشأن المعايير المشتركة للجنس البشري بأكمله في الاتفاقيات الدولية. علاوة على ذلك، كان فصل الأخلاق العالمية عن أي اعتبار اسسي من أجل استيعاب الثقافات والمجتمعات الوطنية المتنوعة، لسوء الحظ ، بمثابة  ذريعة لتجاهل التوجه العالمي لوثيقة حقوق الإنسان في مختلف البلدان الإسلامية حيث استخدمت السلطات السياسية مرارًا وتكرارًا النسبية الثقافية لتبرير عدم التزامهم بتعزيز بعض الحريات للمواطنين المسلمين وغير المسلمين. إن التصحيح الفوري لهذه المشكلة المستمرة، كما أحاجج دائما، يعتمد على توضيح العلاقة بين القيم العلمانية المعبر عنها في الوثيقة وفلسفات عصر التنوير في القرن الثامن عشر التي أثرت في تصور السمات المتأصلة للبشر. وما أريد أن أشير اليه تأكيدا هو أن مثل هذه الموضوعات هي أيضًا محور الأخلاق اللاهوتية الإسلامية (وليس بالضرورة الدراسات التشريعية القانونية) وأنها مقبولة لدى السلطاتالدينية الإسلامية التقليدية.

كان أولئك الذين شاركوا في صياغة الإعلان يبحثون في مسألة حماية حقوق الإنسان من تجربتهم التاريخية الخاصة وسياقهم الثقافي. وكانوا يستجيبون للمذبحة التي لحقت بضحايا الحرب العالمية الثانية والمحرقة في أوائل عام ١٩٤٤. كما عرض مورسينك بتفاصيل مثيرة للإعجاب، إن كل مادة من مواد الإعلان كانت تستجيب للحاجة الملحة لحماية شخصية الإنسان بجميع مظاهره في السياقات الاجتماعية والسياسية للدول القومية. إنه يكشف تمامًا أن مشاركة المسلمين كانت بسيطة، بمعنى أنه لم يكن هناك جهد حقيقي لتوضيح العقائد الإسلامية الشاملة للتعرف على موقف التقليدي من  فقرات مختلفة. علاوة على ذلك ، وكما يكشف ملف الممثلين المختلفين من الدول الإسلامية المشاركة مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وسوريا ، فإن ممثلي الدول الإسلامية كانوا من الأفراد المتعلمين علمانيًا، والذين تلقوا تدريبات قليلة في مجال حقوق الإنسان أو لم يحصلوا على التدريب في المصادر الأساسية للتقاليد الإسلامية حتى يتمكنوا من التعبير عن الدافع العالمي للعقائد الإسلامية الشاملة التي كانت ستثري النقاشات التي دارت حول قضايا مهمة مثل حرية الدين والضمير. في الواقع، كان جميل بارودي، الممثل السعودية في لجنة الصياغة، مسيحيا لبنانيا وكان يفتقر الى المؤهلات الإسلامية الأساسية للتحدث عن أي جوانب لاهوتية للإسلام بشكل قانوني وبصورة موثوقة.

استمر هذا الافتقار إلى المشاركة الإسلامية الجادة في إلقاء ظلال طويلة من الشك على الملامح الثقافية والسياسية للإعلان التي تكشف عن تحيز علماني – غربي مستمر. 

واخيرا اريد ان اشير الى أن خالد أبو الفضل وعبدالله أحمد النعيم من بين القلائل الذين ناقشوا حقوق الإنسان في سياق التقاليد الإسلامية.

 

د. علي رسول الربيعي

......................

Abou El Fad.I, Khaled. "A Distinctly Islamic View of Human Rights: Does It Exist and Is It Compatible with the Universal Declaration of Human Rights?" In Islam and Human Rights: Advancing a US-Muslim Dialogue. Ed. Shirin T. Hunter with Huma Malik. Washington, DC: CSIS Press, 2.005.

An-Nairn, Abdullahi A., Jerald D. Gort, Henry Jansen, and Hendrick M. Vroom, eds.

Human Rights and Religious Values: An Uneasy Relationship? Grand Rapids: Eedermans, 2004

 

 

علي رسول الربيعينقد رؤية إغناتيف من منظور الإسلام

إن النقاشات الإبستيمولوجية (المعرفية) والأنطولوجية ( الوجودية) حول أسس حقوق الإنسان مثيرة للجدل والخلاف. حجج تجنب مثل هذه النقاشات المثيرة للجدل، لمجرد أنها غير مهمة لتطوير أنظمة حقوق الإنسان، هي تعبير عن هزيمة فكرية. إذا كانت الشعوب المختلفة لاتفكر مثل بعضها البعض، فكيف يمكن للمرء أن يفترض أخلاق عالمية خالية من التقاليد ولا اسس لها، يمكن أن تكون مقبولة لدى شعوب العالم ذات العقلية الدينية دون أي محادثة لتهدئة مخاوفهم والشكوك؟

يتبع مايكل إغناتيف في كتابه: " حقوق الإنسان كسياسة وأوثان"

)Michael Ignatieff' Human Rights as Politics and Idolatry (2001(..(.

مقاربة برغماتية تجاه حقوق الإنسان. ويعتمد موقفه العلماني الليبرالي على الافتراض القائل بأن هناك قاسمًا مشتركًا للعقلانية يظل قائماً عند تحديد أو الغاء خصوصيات المعتقدات الدينية. إنه يعامل حقوق الإنسان باعتبارها "أدوات سياسية برغماتية " تطمح أن تكون فعالة قبل أن تطمح أن تكون أكثر شمولية في بياناتها. لاتساهم الأسباب الدينية، المستندة إلى مذاهب شاملة في بناء خطاب ملائم عن حقوق الإنسان طبقاً للتقييم العلماني لإغناتيف. ولا يمكن أن تضيف هذه الأسباب الدينية اي صفات شاملة عالمية يجب حمايتها من قبل نظام حقوق الإنسان. المطلوب هو أن تشكل الحماية من المعاملة القاسية وغيرالانسانية والمهينة غرض حقوق الإنسان وجوهر نظام حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، وفقًا لإغناتيف، لا يستلزم الإيمان بحقوق الإنسان الاعتقاد بوجودها بشكل مستقل عن الغرض الإنساني. كل ما نحتاج إلى تصديقه هو أن حقوق الإنسان وسائل مهمة لحماية البشر من القسوة والقمع والأنحطاط. وبالتالي، ليست هناك حاجة للاعتقاد والإصرار على مصدر إلهي أو طبيعي لحقوق الإنسان. يحرم إغناتيف حقوق الإنسان من أي وضع عقائدي، خشية أن يصبح مصدرًا لوثنية جديدة.

أدى هذا الإنكار لأساس أخلاقي واحد أو متعدد لحقوق الإنسان يمتد عبر العديد من الثقافات والتقاليد إلى الشك السائد في الدوائر الإسلامية التقليدية بأن الإعلان ليس أكثر من استمرار الخطاب الاستعماري المهيمن الذي يفرض إرادته من خلال نظام حقوق الإنسان. فمثلاً انتقد محمد عمارة في كتابه (الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لاحقوق، الكويت: عالم المعرفة، 1985، ص10- 9) الأصولية الإسلامية والعلمانية المسلمة على حد سواء لفشلها في إظهار واثبات حقوق الإنسان ضمن معايير المذاهب الإسلامية الشاملة. إن المعرفة أو الأفكار العلمانية التي تم إنتاجها تحت هيمنة المستشرقين والعقول المسلمة والتي تبعت الهيمنة الثقافية والحضارية الغربية كانت مذنبة بعدم فحص المصادر الإسلامية بعناية قبل الاتفاق مع الأطروحة الغربية التي تقول بعدم كفاية الإسلام وتقاليده التشريعية -القانونية لإصدار أي شيء مشابه الإعلان الدولي لحقوق الإنسان. إن وصفة العلمانيين المسلمين بأنه يجب على المرء أن يستمد حقوق الإنسان من الحضارة الغربية بدلاً من البحث عنها في المصادر الإسلامية، بحسب عمارة، يجب رفضها تمامًا لأنه لأنه ينم عن هيمنة غربية جديدة على المجتمعات الإسلامية.

ليس هناك شك في أن يمكن أن تخدم حقوق الإنسان أغراضاً متعددة يمكن التعبير عنها بطرق عديدة، ليس فقط عبر مجتمعات وثقافات مختلفة، ولكن داخلها كتعبير عن تعددية التقييمات الأخلاقية من قبل الكائن البشري. لا بد من تحديد سبب امتلاك البشر لحقوق في المقام الأول من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في المجتمعات التقليدية والتي تهيمن عليها التصورات الدينية. وهنا نريد أن نأخذ الإسلام عموما والفقه خصوصا حيث يتم التركيز على المسؤوليات دون أي ذكر للحقوق. فعلى الرغم من وجود غرض للحياة الإنسانية، إلا أن على الفرد المسلم أن يؤدي واجباته في المجتمع للتأكد من أن العدالة تسود في جميع المهام والأعمال البشرية. يُنظر إلى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية أو الاحترام المستحق للبشر بشكل صارم في أطار الخير الجماعي او الصالح العام وليس مستقلأً عنه. وتتحدث المذاهب الإسلامية في الوقت نفسه، عن خلق متساو للبشر، وأشتراكهم في الأصل أو النسب، وأنهم هبوا الأحترام والكرامة بوصفهم "أبناء آدم".

سيغلق تخلي إغناتيف عن الحجج الأسسية المتجذرة في الكرامة الإنسانية، والأغراض الإلهية، والقانون الطبيعي، والأفكار الفلسفية والأخلاقية ذات الصلة النقاش في المجتمعات الإسلامية حيث يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان بسهولة أكبر استنادا الى الادعاءات المتعلقة بالكرامة الإنسانية والخلق المتساوي للبشر من قبل الله. يُخلق البشر مع عقل بدهي حدسي وقدرة فطرية لمعرفة الصواب من الخطأ؛ ومع ذلك، أنهم بحاجة إلى الأرشاد الدائم والتوجيه المستمر من قبل الله للوفاء بأدوارهم الصحيحة والفاضلة في المجتمع. إن العلاقة بين الذات البشرية والكرامة الإنسانية هي نتيجة الخلق الهادف للبشر، بقصد إرشادهم إلى إنشاء نظام عام عادل. إن تجنب مثل هذه الحجج التأسيسية بوصفها غير مهمة كجزء من "الأدوات السياسية البراغماتية" لتعزيز نظام حقوق الإنسان، يعرض الإعلان نفسه لنسبية غير مقصودة. إن سبب تجنب إغناتيف الحجج الأسسية لأن الإعلان متوافق مع "التعددية الأخلاقية" هو جزء من هذه النسبية غير المقصودة التي تشير إلى أن كل ثقافة وشعب سيحددون في نهاية المطاف الشخصية البشرية ودورها وحماية ما يعتقدون أنه يتفق مع حكمهم الأخلاقي. إن المرجع في الأخلاق هو بالضرورة عمل بشري وليس موقف ايماني؛ ومع ذلك، فإن ما يضر بالكرامة الإنسانية لشخص آخر هو سلوك غير مقبول لا يمكن التوفيق بينه وبين أي نظام لحقوق الإنسان. ومع ذلك، لا أحد يشكك في الحاجة إلى إقناع أولئك الذين يسيئون استخدام حقوق الناس باسم سلطة مقدسة لإعادة النظر في عقائدهم لإدراك التناقض بين ما يقومون بتعليمه وممارسته.

يبين صوغ الإعلان بوضوح أن هناك عدة مصادر رئيسة لكتابة الفقرات الواردة في الوثيقة الحالية. وأن ما جعل من الممكن ظهور هذه اللغة المشتركة لحقوق الإنسان كان هذا التقاربً بدلاً من التمسك بتقاليد ثقافية أو فلسفية واحدة، على الرغم من أن بعض المسلمين يقولون، شكلت القيم الحديثة والعلمانية جوهر معايير وثيقة حقوق الإنسان. قد يكون من الشائع أفتراض أن الحجج حول الكيان الإنساني والكرامة والقانون الطبيعي تميل إلى أن تكون فلسفية ومجردة، وبالتالي من المغري القول ليس هناك الكثير من الأهمية العملية ستكون لها على المحك . لكن مثل هذا الافتراض سيكون متسرعا. فما هو على المحك في تحديد أسس حقوق الإنسان يتعلق في كثير من الاحيان بمدى "شرعية" الحديث عن حقوق الإنسان عند علماء الدين المسلمين. إن نظام حقوق الإنسان الذي يشجع الأجماع على الآراء هو أكثر توافقًا تجاه أحترام العديد من التقاليد الثقافية والفلسفية التي تتقارب أو تتلاقى لدعم مجموعة مماثلة من حقوق الإنسان. هإن ذا التقارب بين التقاليد الإنسانية الإسلامية والعلمانية، على سبيل المثال، وأن كان ليس كاملًا أو مثاليًا، لكنه أيضًا ليس تقارب في حقوق الإنسان من داخل تقاليد ثقافية أو فلسفية حديثة أو علمانية.

يشكك إغناتيف بالحاجة إلى أسس ميتافيزيقية لحقوق الإنسان مبنية على ادعاءات هي أفكار مجردة لا يجوز انتهاكها مثل أن البشر لديهم كرامة فطرية أو طبيعية، أو أنهم قد وهبوا قيمة ذاتية طبيعية وجوهرية. ويرى أن هذه الادعاءات المجردة مثيرة للجدل بذاتها وبالتالي ضارة بالنهوض بحقوق الإنسان وتضعف الحفاظ عليها وتعزيزها. والأفضل - كما يزعم- هو التخلي عن هذه الأنواع من الحجج الأسسية تمامًا والسعي لدعم حقوق الإنسان على أساس ما تفعله هذه الحقوق فعليًا للبشر.

أرى أن حجة إغناتيف خاطئة، فالمطلوب أن تبذل المحاولات على المستوى الدولي لحل الجوانب المثيرة للجدل في الأسس الأخلاقية للإعلان من أجل بناء اجماع متقاطع أو توافق في الآراء بين المواقف الثقافية والميتافزيقية المختلفة لتسجيل التعاون الكامل بين مختلف الشعوب والحكومات لفعل شيء ما أكثر من مجرد الكلام أزاء حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، فإن إحدى المشكلات الرئيسة التي تواجه الوثيقة العلمانية من وجهة النظر الإسلامية هي تهمة النسبية ضد مصادر المركزية الأوروبية للإعلان. لا يمكن الاستخفاف بتهمة النسبية هذه، والطريقة الوحيدة التي يمكن بها التغلب عليها هي الاعتراف بالحاجة إلى الحوار مع ادعاءات أو مطالب المذاهب الشاملة، سواء الدينية أو العلمانية. إن الهدف النهائي من هذا الحوار هو التوصل إلى توافق في الآراء حول الشخصية البشرية المرتبطة بالكرامة الإنسانية كعلامة خاصة للإنسانية التي يحق لها التمتع بحقوق الإنسان غير القابلة للتصرف.

يعتقد إغناتيف أنه على الرغم من أن أسس الاعتقاد في حقوق الإنسان قد تكون قابلة للطعن ومثيرة للخلاف، إلا أن الأسس البرغماتية- العملية للأعتقاد أكثر أماناً لحماية حقوق الإنسان. أرى أن الاعتبارات الأساسية، ضرورية لبناء اجماع متقاطع و توافق في الآراء بين القواعد أو المعاييرالعلمانية والدينية التي تدعم حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، نواجه في مجال "الإيمان" بحماية حقوق الإنسان، مشاكل عبر الثقافات والتقاليد. وبدون تأمين الاتفاقيات النظرية، من الصعب أن نرى كيف يمكننا إقناع العالم الإسلامي بأن الإعلان ليس "دينًا أوروبيًا علمانيًا".

فشل رفض إغناتيف للمصادر الأسسية لأسباب عملية للسماح بظهور نظام عالمي لحقوق الإنسان في فهم أن الثقافات المختلفة ومجموعة واسعة من الحضارات، على الرغم من خلافاتهم الأساسية حول مسائل مثل ما يشكل حياة إنسانية خيرة، لم ينكروا أبدًا وجود مظالم يرتكبها الأقوياء ضد بني البشر. والأهم من ذلك ، كما اثبت جيفري ستوت في كتابه "الديمقراطية والتقليد"، أن المفاهيم الدينية المتضاربة عن الخير في المجال العام، مهما كانت إشكالية، لا تقلل بأي حال من الأحوال من دور العقل العمومي في بناء اجماع متقاطع أو توافق متداخل في المجتمعات التعددية.

Stout, Jeffrey. Democracy and Tradition. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004, p. 2,67.

يشير جيفري ستوت – في هذا السياق- إلى اثنين من المفكرين الأميركيين البارزين في الديمقراطية الأمريكية ، وهما جون راولز وريتشارد رورتي، اللذان يريدان تقييد استخدام الأسباب الدينية بشدة في المناقشات العامة حول السياسة. يأخذ ستوت بجدية مخاوف هؤلاء المفكرين وأدعاءات خصومهم. رداً على أفتراضاتهم أو أدعاءاتهم التي تؤدي إلى إخفاء عمليا وواقعيا الأسباب دينية خشية أن يصبحوا غير معقولين لعدم قبولهم مفهوم قائم بذاته للعدالة كنقطة مرجعية ذات صلاحية كونية أو شمولية عالمية في النقاش السياسي في المجتمعات التعددية، يدافع ستوت عن "معقولية" الأسباب الدينية من خلال التركيز على المشاركة والأستماع الى أسباب محددة في الخطاب العام والإشارة إلى أن "يمكن أن يكون الشخص مواطناً معقولاً (متعاونًا اجتماعيًا) دون أن يؤمن بمفهوم مستقل للعدالة أو يلجأ اليه". ويلاحظ أن تعريف راولز للمعقول على أنه استعداد لحكم سلوكه وفقًا لمبدأ قابل للتطبيق عالميًا "يعني ضمنيًا عدم المعقولية كل شخص يختار الخروج من الشمروع التعاقدي، بصرف النظر عن الأسباب التي قد يكون لديه للقيام بذلك.

إن اللجوء إلى الأساس الميتافيزيقي للطبيعة البشرية الذي يؤدي إلى إدراك الحقل المعرفي للأخلاقية المشتركة بين المجموعات الثقافية المتباينة قد يعزز في الواقع من صدقية وصحة الحد الأدنى من الكرامة التي يستحقها جميع البشر طبقاً لحقيقة بسيطة تتمثل في أنهم خلقوا متساوين. وبالتالي، فان التنوع الديني وحتى الأنقسامات الدينية حول ماهو خير ليس أمرا ضاراً ولا معيقاً للبحث عن أعتقاد مشترك بما يجب أن يكون عليه الإنسان إنسانًا وما هي المعايير التي يمكن تحديدها في كل مجموعة من العقائد الشاملة التي التي تؤمن بها المجتمعات الدينية المختلفة والتي تتوافق مع الغرض المعلن لحقوق الإنسان، ألا وهو حماية الإنسان وكرامته. ومع ذلك ، يؤكد إغناتيف أن الالتزامات العالمية المتضمنة في حقوق الإنسان يمكن أن تتوافق مع النظريات الشاملة العالمية الأخرى فقط إذا كانت الشمولية العالمية المنصوص عليها في الإعلان هي "الحد الأدنى".

إن هذا مثير للمشاكل في المجتمع الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول أوصاف "رقيقة" و"الحد الأدنى" التي تعتمد على أوصاف "كثيفة" و"الحد الأعلى" للمذاهب الشاملة التي تعتقد فيها المجتمعات المختلفة. لدي المجتمع العالمي الكثير ليقوله عن إنجازاته (وإخفاقاته)، ولدى الإسلام مايضيفه إلى مناقشات المركزية الأوربية حول حقوق الإنسان ليصبح مشاركًا كاملاً في تطوير نظام حقوق الإنسان. هذا أمر إشكالي في المجتمعات الدولية حيث لا يوجد اتفاق حول الأوصاف "الرقيقة" و"الحد الأدنى" التي تعتمد على الأوصاف "السميكة" و"القصوى" للمذاهب الشاملة التي تحتفظ بها المجتمعات المختلفة. والأهم من ذلك، لكي تضع- هذه الأوصاف- قواتها وراء عالمية الحد الأدنى، تحتاج إلى أن تثبت لمجتمعاتها الدينية حول العالم وللمجتمع الدولي أنه من المهم بالنسبة لنظام حقوق الإنسان استخراج مثل هذه "الحد الأدنى" للعالمية المتأصلة في المذاهب الدينية. من غير المفيد أن نتجاهل العقيدة الإسلامية أو أي عقيدة دينية شاملة أخرى باعتبارها ضيقة الفكر أو نسبية بدون أي تأثير في تطوير نظام حقوق الإنسان على الإطلاق.

الحاجة إلى البحث في المصادر الأساسية للعقائد الإسلامية في القرآن والتقليد لتثبت للمسلمين والمجتمع الدولي أنها تتقاسم لغة الأخلاق الإنسانية العالمية، بما في ذلك الكرامة الإنسانية، لتعزيز التزامها بحماية حقوق الإنسان. يتم الطعن في شرعية الإعلان في العالم الإسلامي باعتباره إهانة لوجهة نظر عالمية محورها الله حول غايات الكرامة الإنسانية. ونتيجة الصورة الملوثة للدعوة الغربية الانتقائية لحقوق الإنسان في مناطق معينة من العالم الذي ادى إلى استبعاد الآخرين وكذلك العنف الذي لا نهاية له ضد جماعات معينة، والتي انتهى بها الأمر الى القضاء على الحد الأدنى من الشرعية التي تتمتع بها حقوق الإنسان بين المسلمين أو في العالم الإسلامي. لا يمكن للناس مساعدة أنفسهم وحمايتها دون دعم السلطات الدينية التقليدية التي توفر بالفعل الشرعية لسلطات الدولة التي دأبت سحق حقوق شعبها باستمرار، بينما ترفض هذه السلطات السياسية المطالبة العالمية بالاتفاقيات الدولية. إذا كان من الممكن إثبات أن العقائد الإسلامية تشترك في عالمية حقوق الإنسان، بغض النظر عن الحد الأدنى، فسوف نفتح محادثة حقيقية بين المفهومين العلماني والإسلامي للذات الإنسانية والكرامة الإنسانية لحماية الأفراد المعتدى عليهم. بدون هذا التقدم النظري الأساسي في الجوانب الأساسية لحقوق الإنسان، ستستمر فجوة المصداقية بين الوثيقة الدولية والعالم الإسلامي في الاتساع، مما يجعل من الصعب تصديق أن الأفراد في المجتمعات التقليدية ذات العلاقات المجتمعية القوية يمكنهم ممارسة الفهم الأدنى لقدرتهم على حماية حقوقهم ضد الدولة الاستبدادية وممثليها. 

أتفق مع رأي إغناتيف بأن حقوق الإنسان مهمة لأنها تساعد الناس على مساعدة أنفسهم. ومع ذلك، يعتمد هذا الرأي على الثقة الليبرالية الغربية بالفرد المخوَّل الذي بعد أن نشأ في نظام سياسي ليبرالي، يمكن أن يفهم ويتعهد بحماية نفسه دون وجود نظام ديمقراطي دستوري، فلا يوجد فرد ليس لديه فهم بسيط لما يعني الكفاح من أجل الحقوق المدنية. إنه من الصحيح أن حقوق الإنسان هي لغة التمكين الفردي، وتمكين حماية أنفسهم من الظلم، إلا أن إغناتيف يتحدث في سياق التطور السياسي للأفراد في مجتمع ديمقراطي ليبرالي، حيث يُفهم معنى او تصور مثل الظلم نسبة الى تجربة المرء في نظام ديمقراطي يضمن بعض الحقوق الأساسية لمواطنيها. كيف يمكن للناس في العراق، على سبيل المثال، حماية أنفسهم بهذا النوع من التمكين عندما لا يكون لديهم أي خبرة في رؤية حالتهم الخاصة أو قدراتهم العقلانية كأدوات مهمة لتأكيد إنسانيتهم والدفاع عن أنفسهم؟

إن تفادي إغناتيف لأي اعتبار اسسي على المستوى الدولي يؤدي، في رأيي، إلى فرض تصور غربي للفردية حتى لو كان من الواجب أخذها بمعنى الفردية الأخلاقية التي تحمي التنوع الثقافي. تدعي الفردية الأخلاقية أنها نوع من التفكير الذي يجب أن يحترم الطرق المتنوعة التي يختارها الأفراد ليعيشوا حياتهم. إن طريقة التفكير هذه، وفقًا لإغناتيف، لاتكون فيها حقوق الإنسان سوى أجندة منهجية لـ "الحرية السلبية"، وهي مجموعة أدوات ضد القمع والأضطهاد، يكون للأفراد حرية استخدامها كما يرونها مناسبة في الإطار الأوسع للثقافة والمعتقدات الدينية التي يعيشون فيها. لكن في المجتمعات المسلمة حيث يتصور الناس تقليديًا فرديتهم في سياق حياتهم الجماعية، المطلوب أن تحمي حقوق الإنسان للأفراد كأفراد ضمن جماعات وأن يطلب من الجماعات تحقيق توازن عادل بين الاهتمامات الفردية والجماعية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

علي محمد اليوسفبدءا نسوق شهادات فلسفية متنوعة على مسألة الميتايزيقا التي هي في مقدمة السرديات الكبرى التي نبذتها ما بعد الحداثة بشدة  وما تحمله من محمولات خلافية إشكالية في زوايا الرصد والمعاينة فهيجل يصفها: نحن اذا أمعنا النظر في الميتافيزيقا وجدناها شكلت جزءا من التاريخ الوجودي للإنسان على مر العصور.. كما أعتبر كانط أن ما يدّعيه لا يبنتز من إن العقل هو الذي من شأنه أن يكشف حقيقة الإله هو محض كبرياء لا دليل عليها وتنسى عجز الإنسان المتأصل فيه...عجز الانسان في عدم تاكيده وجود الاله..

إن انساق الميتافيزيقا التي تتدّعي البرهنة العقلية عليها وخلود النفس، أنما رامت هدم أدعاءات الماديين الناكرة للروح والله، كماأعتبر كانط الدين والميتافيزيقا تنهض مع الوهم القائل بأنه بمستطاع ومكنة العقل البشري معرفة أمر الروح وطبيعة العالم وحقيقة الله، لكنه رغم ذلك سعى كانط  دحض أغلوطات الميتافيزيقا الدوغمائية (1).

كما يحدد أندريه لالاند العدمية في معجمه الفلسفي بأنها أول مذهب يقول بعدم وجود أي شي مطلق وثانيا هو مذهب ينفي وجود حقيقة أخلاقية – دينية.

أما نينشة فيقول: إذا كان الفكر الحديث ينظر إلى الوعي الإنساني بأعتباره أغترابا للطاقة الإنسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها عندما تتماهى مع اله أو قوة غير إنسانية بل تطالب الإنسان بالخضوع لها. وأهتم نيتشة بالشعور العفوي لدى الإنسان بنوازعه وغرائزه التي جعل منها أهم العناصر داخل الإنسان الأمر الذي أعتبرتفريغا للطاقة الإنسانية نفسها.هنا نيتشة اراد التعبير عن استنفاد طاقة الانسان الحيوية في الحياة في ركنها السلبي في تضييعها قيم الحياة الى محاولة البرهنة على مسائل الميتافيزيقا التي هي بالنهاية تكون تفريغا للطاقة الحيوية الخلاقة المزروعة بالانسان غريزيا فطريا.

نعود إلى أصل الإشكالية في علاقة الوعي بالمادة والموضوع والطبيعة، وبغض النظر عن حجاجنا الحاضر في أستقراء التاريخ الإنساني الحضاري فقد أصبحت كل من مثالية الوعي الهيجلي ومادية الوعي الماركسي يتجاذبهما التجاوز والاختلاف فالكثير من المفاهيم العصرية الفلسفية والعلمية والتاريخية دحضت وتجاوزت الهيجلية المثالية التأملية عند أكثر من فيلسوف لعل أبرزهم سارتر، براتراندرسل وكذا الحال جرى مع المادية التاريخية لدى ماركس في تبيان نواقص وثغرات ماركس بخاصة في تنبؤاته التي لم يتحقق منها شيئا في معظمها لعل أهمها تنبؤه في أنهيار الرأسمالية التي أنهارت الشيوعية قبلها وتنبؤه بثورة البروليتاريا في تقويض النظم الاستغلالية الامبريالية والنظم الثيوقراطية والدكتاتورية. وقد دحض الفيلسوف هربرت ماركوزة مسّلمة ماركس إن الطبقة العاملة ستقود مستقبل البشرية بسبب الغبن الطبقي الواقع عليها أذ اشار ماركوزة الى أن الرأسمالية العالمية أستطاعت أمتصاص نقمة الطبقة العمالية المنتجة في تحديد ساعات العمل وتامين الضمان الصحي والتقاعدي لها ووضعت لائحة طويلة تؤمن حقوق العمال مما جعل التناقض الاجحافي بينها وبين أصحاب رؤوس الاموال تخف وتتلاشى بما جعل الطبقة البروليتارية اليوم في ظل النظم الراسمالية تنعم بالحياة التي تؤمن لها حاجاتها الاساسية التي لا تشعرها بالدونية المجتمعية الطبقية..بمختصر التعبير فقد ازالت الراسامالية الامبريالية المعاصرة حدة التناقض الطبقي الذي ساد القرن التاسع ومنتصف العشرين.

كذلك فشل تبشير مارك حتمية انبثاق الثورات الاشتراكية في المجتمعات المتقدمة صناعيا مثل ألمانيا وانكلترا في حينها وإذا بالثورة الاشتراكية الشيوعية تنبثق في روسيا الإقطاعية زراعيا. وربما بقي الكثير من تنبؤات ماركس التي لم تتحقق لا تحضرنا في هذا المجال تم دحضها وبطلانها  بتدبير الرأسمالية ذاتها في تداخلها مع الخط التطوري الخيطي للتاريخ المحكوم بالحتمية الجدلية الذي اعتمدته الماركسية مرتكزا محوريا في قراءة مادية التاريخ.

كما جرت محاولات الترقيع والربط بين ايجابيات الفلسفتين هيجل / ماركس أو مجاوزتها كارث تاريخي فلسفي اقتصادي أنساني ثقافي لم يفقد حيويته الشغالة تماما. لعل أبرز فيلسوف حاول الربط بين الماركسية والوجودية هو سارتر وفشل في ذلك من أيجاد توليفة فلسفية تجمع مابين منطلقات ماركسية مع أخرى وجودية. ومثل هذا الفشل تكرر مع التوسير في كتابه نقد راس المال في محاولته جمع بعض المستجدات التنظيرية البنيوية مع الماركسية فأبتدع ماركسية بلا ماركس وتاريخية بلا تاريخ..

كما إن المدارس الفلسفية الحديثة مثل مذهب البراجماتية عند وليم جيمس وديوي وصولا إلى مدارس وفلسفة الحداثة والنيولبرالية وما بعد الحداثة وفي البنيوية التي أعتمدها التوسير في تفكيك الخطاب الماركسي جذريا معتبرا أياه من الأنساق السردية التاريخية الكبرى التي أنتهى زمنها ومثله فعل شتراوس وفوكو وغيرهما من اقطاب البنيوية، كل ذلك أختتم دورة حياته مع انبثاق عولمة فوكوياما في نهاية التاريخ والانسان الاخير كنظام شمولي في الاتصالات والتكنولوجيا الالكترونية وانتقال المعرفة وعولمة السياسة والاقتصاد والثقافة والهويات المحلية والقومية فوقف التاريخ الإنساني مجددا في بعض المفاهيم على رأسه بدلا من قدميه بشمولية مضامينه المعاصرة، المعرفة، العقائد، الأخلاق، الفنون، القانون، السياسة، القيم، الوعي، القدرات..الخ على سبيل المثال يشير فرانسيس ليوتار وهو أحد ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة  إلى ما سماه أنحلال السرديات الكبرى وجميع الايدلوجيات التي أستهلكها التاريخ البشري والإنسان فأصبحت تلك السرديات اليوم سلعة أستهلاكية تداولية كما في غيرها من السلع ويقصد ليوتار بذلك أن جميع الانساق التاريخية انثروبولوجيا في تطورها الانساني وتعاقباتها المتوالية وامتداداتها التراكمية والنوعية التي أوصلت العالم الإنساني اليوم بأكمله وأدخلته قطارما بعد الحداثة وتتويجا لها قطار العولمة على حد تعبير مارتن أندك.

هذه الأنساق سواء في التاريخ والسياسة أو في الآداب والفنون التي نفسها أستهلكها الإنسان أيضا، والتطاول الزمني الذي غادرها أصبحت اليوم سلعة أستهلاكية يحكمها قانون العرض والطلب ولم تعد توجد يقينيات ثابتة في جميع المعارف والايديولوجيات والإنساق الفلسفية فالكل حان أوان ضرورة مراجعته بنقدية عنيفة وتقليب صفحاته.

أعتبر ليوتار أن المظاهر الأساسية للحداثة اليوم هي ثلاث، الأولى تحرر الذات من رؤى العالم الدينية والصوفية، الثانية فكرة التاريخ بوصفها تمثل التقدم العقلاني للإنسانية، الثالثة هي إمكانيات مقاومة جعل الحياة برمتها سلعة استهلاكية.1)

أما بورديار وهو من فلاسفة ما بعد الحداثة أيضا فيذهب  في تحليله ما فوق الواقعية في التاريخ المعاصر بأكثر الطرق براعة في كتابه (وهم النهاية 1994) أنه مع تسارع عملية التغيير والتحول اثناء سير الحداثة فاننا وصلنا ألآن إلى النقطة التي تحدث عندها الأمور بسرعة كبيرة جدا لتحقيق المعنى.وإن تسارع الحداثة والتكنولوجيا والأحداث ووسائل الاتصالات والإعلام والتبادلات الاقتصادية والسياسية والجنسية قد دفعتنا للهروب من السرعة وجعلتنا نتحرر من المجال المرجعي للواقع والتاريخ ويزعم بورديار أن درجة البطء ودرجة المسافة ودرجة التحرر مطلوبة لأحداث نوع من التكثيف أو التبلور المهم لأحداث التاريخ التي نسميها تاريخا والتي قد فقدت في الثقافة المعاصرة (2).

ووفقا لخصوم ما بعد الحداثة فهي مراهق مدلل بشكل أناني بصورته الذاتية كوسيط لأحداث البدع والأزياء من الثقافة الحديثة الواسعة ويتجلى هذا الموقف في تقلبات مشهد الفن المعاصر الذي فقد كل اتصال مع الحقائق اليومية وفقد أهتمامه بالجمهور العام ودخل النخبوية في أضيق حضورها وتعتبر فنون اللامفهوم اليوم هي ذروة الخروج على جميع مواضعات ما يتصف به الفن من خصوصية ظل محتفظا بها الى ما قبل بروز ما بعد الحداثة في الفن.

وفي دراسات وسائل الإعلام نجد الافتنان بـ(السايبورغ) الكائنات الخرافية نصفها إنسان ونصفها الآخر اله أو حيوان كما يجري الاهتمام بالفضاء الالكتروني والخيال العلمي والسبرانية أو علم الضبط والتحكم الآلي الذي تتطلع جميعها نحو مستقبل تبدأ فيه الاختلافات بين البشر بطمس نفسها ويبدو من خلال ذلك أنه يتوجب علينا أن ننسى تماما أكثر من بليون شخص في العالم لا يستطيعون الحصول على المياه النظيفة والكهرباء ناهيك عن شبكة الانترنيت العالمية(3).

يقول تايلور في معرض نقده لمفاهيم العولمة: الشر كل الشر في تبني رؤية ليبرالية جديدة تتعامى عن التناقضات الثقافية الكبرى وتؤمن بأن العولمة هي الحل الأمثل. عبارة تايلور السابقة ليست نقدا تصحيحيا صائبا وإنما هي تحامل غير مسوّغ يجافي الواقع لأن التناقضات الثقافية الكبرى التي أشار لها هي في طريقها إلى الانفراج والتراجع بضوء تطور الاتصالات وتبادل المثاقفة بين شعوب العالم قاطبة صغيرها وكبيرها قوّيها وضعيفها أصبحت المثاقفة العالمية اليوم ليس عامل تغذية التضاد والاختلاف والعداء المستحكم الذي كان سائدا في ظل هيمنة الايديولوجيات السياسية المنغلقة على نفسها أو ما يسمى الأنساق الكبرى، لذا فان مفاهيم ما بعد الحداثة والعولمة بفتحها باب التثاقف والاتصالات عالميا بين الشعوب وتبادل المعلومات والمعارف والتكنولوجيا وبروز وسيلة الانترنيت العابر للقارات والفضاءات في لحظات،  فتحت بابا كانت تعتقد أن مفاتيح غلقه وإيصاده بوجه من تشاء أميركا وأوربا لم يعد قائما من الناحية العملية وغير متاح ولا متيّسر في فقدان السيطرة وأنفلات مظاهر العولمة وتغطيتها لكل شعوب المعمورة قاطبة بدون تمييز.بمختصر العبارة أن العالم اليوم يتجه نحو مركزية مدنية ليست بالمعنى الحضاري المختص توّحد البشرية في صهر الهويات الثقافية من دون الغاء خصوصياتها، اذا ما توخينا حسن النية أن تكون العولمة في صلب أهتمامتها خارج جنون السياسة وفرض الهيمنة، في أن تكون السياسة ليست هي الوسيلة لتحقيق المثاقفة الحضارية. وجنون السياسة غير الرشيدة تكون المثاقفة الحضارية عالميا هي الكفيل الوحيد للجم طموحات السياسة المجنونة اللاعقلانية التي تتجاذبها أحيانا الفوضى.

أن التحوّطات غير المبررة عندما نتصور أن بأمكان نظام أستقطابي مركزي يمتلك كل الوسائل في صهر وتذويب خصوصيات العالم سياسيا أو اقتصاديا، أن يكون بمقدوره ومكنته تذويب الهويات العالمبة الثقافية الحضارية في مركزية محورية تدور حولها افلاك التنوعات الثقافية بميزاتها الهووية التي تريد الحفاظ عليها.

أن من مميزات معارف ومفاهيم فلسفة ما بعد الحداثة والعولمة إنها ليست مصطلحات أو  مسلمات متفق عليها أو ثابتة بل هي مفاهيم متغيرة تحتمل خلق إشكاليات التفسير والاختلاف والتأويل النفعي وكذلك في الدراسة والتناول وأحيانا نجد أختصار التداخل والاندماج العضوي ما بين الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة يأتي لصالح خلق تطرف قسري ناعم، لما يجب أن نعترف به معطيات معرفية عالمية ودخول العالم في معترك تصورات وتنظيرات جديدة في مختلف المناجي الحياتية.

هذا التطرف نجد مثاله في أفكار جون راولز (1921- 2002) اذ كان من أول المنادين في ظل مفاهيم العولمة هو أن يسمح في عالم اليوم بوجود دول (مارقة) خارقة للقوانين ومنتهكه لحقوق الإنسان ومعرضة السلام للخطر، ضد هذا الصنف من الدول يبيح جون راولز التدخل العسكري المسلح ويعتبره مشروعا في إسقاط أنظمة تلك الدول وواضح هنا إن هذه الفكرة برغم مظاهر جدتها فهي تجعله قريبا من فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة(4).

تأسيسا على التطبيق العملي لأفكار راولز في منطقة الشرق الأوسط بما عرف بثورات الربيع العربي التي تم إسقاط أنظمة دكتاتورية أستبدادية داست حقوق الإنسان الأولية المشروعة بالأحذية ولم تقم لطموحات شعوبها أي وزن في الحريات الأساسية ولا في الديمقراطية فكانت نهايتها بتدخل أجنبي عسكري مشرعن دوليا أو غير مشرعن جرى ذلك في العراق وليبيا وتونس واليمن وأفغانستان وباكستان والسودان وغيرها وهي بالفعل أنظمة دكتاتورية مارقة ظالمة لأبعد الحدود لكن ماذا بعد هذا التدخل وانهيار انظمة الدكتاتوريات؟ مرحلة ما بعد السقوط التي تعيشها الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط بعد التدخل العسكري الأجنبي أورث تلك الشعوب بما أطلقت عليه الولايات المتحدة (الفوضى الخلاقة) التي أفرزت وأنعشت الإرهاب والتطرف الديني والسياسي أكثر من المتوقع في إدخال تلك الشعوب قسرا بقطار الحداثة والديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، الأهداف التي بررت التدخل الأجنبي في إسقاط الدكتاتوريات في أفغانستان وبعض الدول العربية وكانت في المحصلة النهائية فوضى ليست خلاقة بل فوضى مدمرة انعشت التطرف المذهبي الديني والارهاب.

أما عن (البنبوية) من حيث هي تيار وحركة فلسفية نقدية في الحداثة شملت كما هو معلوم مجالات انسانية تاريخية ثقافية عديدة فالانثروبولوجيا عند كلود ليفي شتراوس والتحليل النفسي عند جاك لاكان والأدب عند رولان بارت والفلسفة عند لويس التوسير وميشيل فوكو، تشكلت البنيوية من تيارين تيار ينتصر للنسقية الكلية ويمثله شتراوس ولاكان وبارت والتوسير وتيار يقول بالاختلاف والتنوع ويمثله فوكو وديلوز ودريدا 5).

كما يذكر.دكتور مجدي عبد الحافظ إن النطاق الثقافي لما بعد الحداثة يوحي بشدة بالتعددية النقدية كما إن شرط ما بعد الحداثي هنا سيعتبر توصيفا لحالة تاريخية تدخل في قطيعة مباشرة مع الحداثة فتعمل على التخلي عن السرديات الكبرى أو الأنساق الفكرية المغلقة المرتبطة بالايديولوجيات التي كانت تطمح في إعطاء معنى كوني لحياة الإنسان مثل الفلسفات العديدة والطوباويات السياسية والايدولوجيات بعامة.

كما إن جاك دريدا في كتابه (الجراماتولوجيا) تعتريه فكرة التناقض حول العقل ولعل هذا التناقض يكمن في أن النص الكتابي الذي يعتمده دريدا بعد أن أستبعد نموذج الكلام، يرتبط بالاله اليهودي الذي كتب النص بيده مما يجعل النص المقصود (أثرا غائبا) ضاعت منه العلامات والمادة وإذا أضفنا إن دريدا يدّعي ببرنامجه هذا نقد الميتافيزيقيا بل الفكر الغائي ذاته ولسنا في معرض خلاف أو نقد أو حتى تناقض معه، ولعل هذا ما سبق ووضع هابرماس يده عليه في معرض نقده لـــ(جاك دريدا) عندما وجده يحاول تجاوز الميتافيزيقيا عن طريق (الدين) والصوفية اليهودية وهو ما أعتبره معاديا للعقل ولا يصب في الخط الحدائي بل ويناقضه(6).

كما إن جان فرانسو ليوتار فيلسوف ما بعد الحداثة كما مربنا يريد من الإنسان أن يكون واقعيا تجاه واقع الإنسان الذي يحياه الإنسان الغارق إلى أقصى حد في هيمنة التقنيات والعلوم على وجوده. اذ يطالبه بأن يتعايش مع تلك الهيمنة، لكن من دون ان يمنح التقنيات والعلوم اية ثقة، فمثلها لا يمكن منحه الثقة من أجل رفاهية الإنسان، ويبشر ليوتار هنا بحقبة ما بعد الحداثة، التي ستضمن برأيه الحفاظ على التنوع، عندها يجب على كل فرد ان يتكيف مع التنوع الثقافي للأخر، وبعيدا أن يكون معنى التكيف أن ينصهر الفرد في نموذج حضاري واحد. فليس ثمة معيار أو حكم أعلى يمكنه أن يفصل بين ماهو خير أو شر لدى مختلف الأطراف الحضارية(7).

 

علي محمد اليوسف/الموصل

.........................

(1) د. محمد الشيخ / عالم الفكر، مج41، 2012، ص 28،29،37.

(2) المصدر السابق، ص10.

(3) المصدر السابق، ص36.

4) انظر د. عبدالرزاق الداودي، عالم الفكر، مج41، 2012، الفلسفة والثقافة في عصر العولمة، ص185.

6) د. مجدي عبدالحافظ / مصدر سابق / ص 152.

7) المصدر السابق، ص156.

 

 

زهير الخويلدي"كل فلسفة جديدة تبني ذاتها على أنقاض ما كانت قد رفضته من الفلسفات السابقة لها"1[1]

يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى التعليم بصفة عامة وتعليم الفلسفة بشكل مخصوص إلى الشروع في عملية تغييرية جذرية في المشهد التربوي وذلك بعد التراجع الملحوظ في المستوى والفشل في التكوين والاكتفاء بالبرمجة الآلية للعقول وإعادة إنتاج الأنظمة المعرفية والمراتب الاجتماعية القائمة والتغاضي عن الابتكار واتساع الفجوة الرقمية الفاصلة عن الدول التي حققت أرقاما وبلغت مستوى عالي في الجودة.

 أن ننشغل مع الناس بالفلسفة هو أن نجعلهم يتعلمون التفكير في حياتهم ويعيشون تفكيرهم وأن نستثمر كل التجارب التي يعيشونها في وجودهم اليومي من أجل الظفر بالمعنى واستخلاص العبر والفوز بالدروس وأن نفكر بطريقة مغايرة للسائد ونتفلسف على نحو مختلف من الأطر المرجعية للتفكير والنماذج المقولبة.

يقوم التعليم بمهام حيوية متنوعة تتجاوز جدران المؤسسات التي يتم فيها وتؤدي الفلسفة وظائف نوعية في تغيير الذهنيات وتهذيب الأنفس وتدريب الأجساد على الاعتدال وتثوير الأنظمة وتطوير المكاسب المدنية ويحتاج تعليم الفلسفة بين الفينة والأخرى التفاتة حقيقية من أجل تشريح السائد وضخ دماء منهجية جديدة.

يتعلق الأمر هاهنا بالتعلمية الفلسفية وليس ببيداغوجيا الدرس الفلسفي فقط ولا بمجرد إتباع منهجية للمقالة الفلسفية ولا بتحليل النصوص الفلسفية فحسب ويدور في فلك العلاقة القائمة والممكنة بين الفلسفة والتربية وفي محيط البرامج والمخططات والأفعال والأدوات وحول ميدان التطبيق والتجارب والغايات والأهداف.

تراهن التعلمية الفلسفية من وجهة نظر معاصرة على عملية شحذ التفكير الفلسفي من حيث هي موجهة نحو تنمية المهارة الأصلية لدى محبي الحكمة وتربطها بفهم دلالات الأحداث وتسويغ مختلف المواقف وتشتغل على جعل المربي متفلسفا من جهة الذكاء والإبداع والالتزام وتضمين الموقف البيداغوجي رؤية فلسفية واضحة المعالم ومفتوحة على الابتكار والإضافة تستوعب المتغيرات المعرفية والعناصر المتعددة.

المطلب الحقيقي الذي تتوجه به التربية إلى الفلسفة من خلال إيجاد رواق يتحمل أعباء معالجة مشاكلها والتغلب على مزالقها ومساعدتها على إخراجها من أزمتها يكاد يوازي المطلب الفعلي الذي تتوجه به الفلسفة نحو التربية من خلال بناء تعلمية ضمن رؤية معاصرة توقف حالة الفرار من صرامتها وجديتها وتضع حدا لمشاعر النفور من دروسها والعزوف عن كتبها والهروب من مفاهيمها وشخصياتها العجيبة.

لقد حدث تحول كبير في الفلسفة بسبب التغيرات التي وقعت على صعيد العلوم والمعرفة والثقافة وتبعه نفس الشيء على المستوى التربوي ويترتب عن ذلك القيام بتثوير طرائق تعليم الفلسفة والتربية عليها.

فكيف تعمل الفلسفة على تربية الإنسان على التمسك بالمبدأ والالتزام بالقيم والمثابرة على المنهج القويم؟ وماذا تضيف التربية إلى الفلسفة على مستوى النظر العقلي في العالم والتطبيق الميداني للقيم في المجتمع؟ وما المقصود بتعلمية فلسفية معاصرة؟ هل هي فلسفة معاصرة في التربية أم تربية معاصرة على الفلسفة؟ وأين يكمن التجديد على وجه التحديد؟ هل هو في المناهج المتبعة أو في إعادة تحيين المضامين والأسس؟ ومتى يحدث الإقلاع الفلسفي بالمشهد التربوي ومن ناحية مقابلة يتبلور التثوير التربوي للحقل الفلسفي؟ وكيف تمثل العلمانية شرط إمكان قيام تعلمية فلسفية للديني متلائمة مع التغيرات المجتمعية؟ وماهو الدور التربوي للفلسفة والدور الفلسفي للتربية في التوقي من التطرف العنيف والابتعاد عن الحلول القصووية؟ وعن أي تعلمية فلسفية تبحث التربية المعاصرة؟ وإلى أي مدى يمكن تصور وجود تربية دون فلسفة وكذلك فلسفة دون تعلمية وأيضا تعلمية دون معاصرة؟ هل يكتفي المربي بتدريس ما يعرفه عن الفلسفة أم يبحث من خلال الدرس وبمعية محبي الحكمة في ما لا يعرفه؟ وكيف يتفلسف كل مربي على طريقته ووفق أسلوبه؟ أليس تربية الإنسان بطريقة علمانية حوارية هو الغرض من الفلسفة النقدية التواصلية؟

يتبع التفكير الفلسفي في هذه الإشكاليات باللحظات المنطقية التالية:

- حدوث تحول في الفلسفة

- أولوية علمنة الفضاء التربوي

- التربية على الروح الفلسفية

- المرونة عند التغيير التاريخي

- المصداقية عند الاختبار العملي

ماهو مطلوب على محك النظر العقلي وفي الميزان المستقيم للعمل يكمن في تفادي المعارف الثابتة في مجالي التربية والفلسفة والنشاطوية العقيمة من طرف أشباه المربيين والسفسطائيين الجدد الذي يتاجرون بالمهنة والحرص على كسب المعارف النافعة للحاضر وإعداد الخبرات التي تتناسب مع تحديات المستقبل وجعل ممارسة التفلسف محور العملية التربوية واستثمار الإنتاج الأكاديمي في اتجاه الفضاء العمومي.

إذا كانت العلوم والتقنيات والفنون تتطور سريعا زمن العولمة فماذا عن التحولات التي تخضع لها الفلسفة؟

1- حدوث تحول في الفلسفة:

"الفلسفة هي في الواقع هذا السباق من المتغيرات التي تولي اهتماما لمرورهh إلى الحد الأقصى "2[2]

لقد شهدت الفلسفة خلال تاريخها الطويل حدوث العديد من التحولات والانزياح ، فلقد انتقلت من الاهتمام بالطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان، ومن اللف والدوران حول الكائن البشري إلى الاهتمام بالعلاقات التي يقيمها في محيطه سواء مع العالم أو مع غيره ، ولقد تبدلت أيضا في مستوى الموضوع فهي لم تعد فلسفة ماهية وجوهر ومفهوم بل صارت فلسفة وجود وواقعة وتجربة ولم تعد فلسفة ذات تفتش عن سبل تحصيل الوعي المطلق وبلوغ شمولية الفكرة الكلية بل صارت فلسفة لغة تصف أفعال الخطاب وتدبر معنى الحياة.

التحول في الفلسفة المعاصرة لم يحدث في مستوى الباراديغمات على رأي بعض المؤرخين: باراديغم الوجود ثم بارديغم الذات ثم باراديغم اللغة3[3]، وإنما أيضا في مستوى العبارة الفلسفية المستعملة نفسها فهي لم تعد اللغة المتداولة في الحياة اليومية ولا اللغة المستقرة في المجال الديني ولا اللغة المستعملة في العلم وإنما اللغة الرقمية التي يتم ضخها في شكل صور ورموز وأرقام ورسوم بيانية في العالم الافتراضي4[4].

لقد عبر كارل أتو أبل عن هذا الانزياح الهائل بربط الفلسفة المتعالية الكانطية بلغة الاتصالات الحديثة واعتبر الكلام الشرط القبلي لكل فهم سديد والكلية المتعالية الأولى التي تسمح بالبناء المنطقي للمعرفة5[5].

إذا كانت الفلسفة قد تعودت على التأسيس بالمعنى النقدي من خلال تجريد النظريات والمعارف التي تنتمي إلى العلوم الدقيقة واستخلاص ما يتناسب مع المصالح التي تتعلق بالمعرفة الإنسانية فإن المطلوب هو وضع برنامج للمعرفة العلمية ينجز وساطة بين النظرية والتطبيق عبر الأنثربولوجيا الفلسفة الاجتماعية.

لقد تمحور اهتمام الفلسفة المعاصرة حول التفكير في الآفاق الممكنة للتوسط بين النظرية والممارسة من خلال إعداد المبادئ التوجيهية للإنسان في العالم بغية استخدام التقدم المنهجي في إعادة البناء التاريخي.

بهذا المعنى يكمن التحول في الفلسفة المعاصرة في الانتقال من فلسفة متعالية للذات الخاصة إلى فلسفة تهتم بالبيذاتية والكليات التداولية وتسمح بالتواصل وتسهم في قيام إيتيقا النقاش وفق رؤية براغماتية عامة. على هذا الأساس سمح الاهتمام باللغة للفلسفة من الانفتاح على العالم والتفكير في الغيرية والتعددية الثقافية والنسبية المعرفية واستثمار الفهم القبلي الذي يتضمنه الشعر والأدب والكلام اليومي في مواجهة الراهن.

لقد تبدل الوضع الحالي للفلسفة بحيث صارت تهتم بدلالة اللغة وتصف عالم الحياة وتتدبر الذات عبر وساطة الرموز والنصوص وتتخلي عن المفهوم الفلسفي للحقيقة كشرط لأي علم وتحرص على التقاط المعنى ضمن التجارب التي يجريها الإنسان في وضعها التاريخي وتقوم بتأويل الوجود الاجتماعي وتجعل من النظرية النقدية للعلوم استراتيجية للتحرر الاجتماعي من الاغتراب وتسعى الى الاعتراف المتبادل.

هكذا ترتبط أنثربولوجيا المعرفة بالفلسفة التحليلية وتستخدم علوم الذهن من أجل تطوير نظرية في المعرفة تنقد الإيديولوجيا وتبحث في التطبيق المادي للمبادئ والقواعد التي تخص السلوك البشري وتفكر في تطور الذكاء الاصطناعي والبرمجيات الرقمية دون الوقوع في الاختزال والتبسيط والآلية الفجة.

يظهر البعد المزدوج للتحول الذي طرأ على الفلسفة المعاصرة حسب كارل أوتو آبل6[6] في المكانة الأولية التي تم منحها للغة من بين المفاهيم الأخرى من ناحية وفي الانتقال من الاهتمام بالذات العارفة من وجهة نظر الفلسفة المتعالية إلى البحث في الاجتماع البشري من زاوية التواصل وفق محاجة براغماتية واقعية وفي اتجاه رؤية ديمقراطية مشبعة بالنقاش العمومي وتحمل مسؤولية التبعات عند القيام الأفعال والوعود.

جملة القول أن عاجلية الفلسفة في الوقت الراهن تكمن في تعبيرها عن مشاكل الناس ونقد الحالة الحاضرة وبناء الشروط المواتية للخروج من التوتر بين الراهن والممكن وقول الحقيقة بصراحة ودون مواربة والنظر في المستقبل بحسب ما تقتضيه حجم الموارد الحيوية والاستراتيجيات المادية التي تضمن البقاء.

علاوة على ذلك تطرح الفلسفة جانبا كل الأوهام التقنية المعاصرة وتحدث ممرا في النسيج التاريخ للسلطة يسمح للحرية بالنمو والتبلور على الصعيد الاجتماعي والسياسي وتجدد رؤية البشر للزمان والعالم المحيط بهم وتتخلى عن اللغة الميتافيزيقية البالية وتتكلم بلهجة متداولة ولسان مبين وتشجع على الخلق والابداع.

كما تقاوم الفلسفة المعاصرة الغباء المبرمج والجهل المركب والحمق الموروث والبلاهة العلمية والوعي الزائف والمعرفة العمياء وتدافع عن المدينة ضد الهمجية التي تحاصرها وعن الحياة ضد العدمية التي تهددها وتركب المخاطر بغية التوقي من الحروب المدمرة والكوارث المهلكة وتتشبث بالحياة والأمل.

بطبيعة الحال تظل الفلسفة المعاصرة على استعداد تام للتفاعل مع الطارئ والمداهم والآتي والعرضي وفي أهبة لكي ما ليس موجودا بعد وكل ما سيحمله المستقبل للعالم من تغيرات وتحولات وغرائب وتعد نفسها لكي تواكب هذه الطوارئ وتنتقل من لحظة الوقاية إلى لحظة العلاج ومن رد الفعل إلى المبادرة.

غني عن البيان أن التعلمية الجديدة هي الأداة البيداغوجية الممكنة التي تستخدمها الفلسفة لكي تحارب في كل اتجاه وتشغل العقل في جميع الجبهات وتخوض التجارب في حقول متنوعة قصد المناورة والتكتيك والإقبال والإدبار وبغية ممارسة الترحال والسفر والهجرة والتسآل والبحث عن البدائل وإيجاد الحلول.

بهذا المعنى يترتب عن التحول الذي حدث للفلسفة في الحقبة المعاصرة معانقة الثورة والتغيير الجذري والمراجعة الهيكلية والتثوير الشامل للأبنية والمقولات والآليات والإبحار إلى الأعماق وتسلق الأعالي.

لكن ماذا لو كان من الحكمة اعتبار الواقع الافتراضي هو واقعنا الجديد؟ وهل من الممكن إعادة تأهيل الحكمة، بالمعنى الفلسفي للمصطلح، في عالم رقمي أصبح واقعنا الجديد بدل هذا العالم القديم التقليدي؟ وكيف يتم الاستفادة من هذه الثورة الرقمية الراهنة والتحول نحو التداولية في بناء تعلمية فلسفية مختلفة؟ أليس من المفروض تجذير العلمنة في التربية بغية تخليصها من كل الموانع اللاهوتية التي تشل الإبداع؟

2- أولوية علمنة الفضاء التربوي:

" لا تعني العلمنة فقط فقدان أو سقوط من الفضاء المقدس إلى الفضاء العادي، من الجماعة العضوية إلى الاجتماع بروابط الاتفاق، أو أيضا، من حضور الوجود إلى نسيانه، إنها تشير أيضا إلى حركة انعتاق"7[7]

إذا كانت أصول مفهوم العلمنة ضاربة في القدم وتعود إلى الفترة التي انتقل فيها الناس من الوحدة السحرية المقدسة للمجتمع العتيق إلى الأشكال الأولى من المجتمع المتحضر فإن مسار العلمنة لم يجد تطوره العميق إلا في القرن الأخير من التاريخ العالمي وفق المنظور الغربي حينما ظهر المجال الخاص وأتم انفصاله عن المجال العام وبدأ الجسم السياسي يتشكل خارج علاقات القرابة ووفق مبدأ المواطنة.

لقد عرف مصطلح العلمنة تاريخا متحركا ،وبدرجة أكثر دقة، مضطربا ولقد استعمل في سياق الحروب الدينية بين المذاهب بغية تشييد أرضية صلبة تقف عليها جميع الطوائف من أجل التفاوض والتفاهم وقصد الاتفاق على تحرير الشأن الديني من مراقبة السلطة ومساعدة رجال الدين على العودة إلى العالم الدنيوي.

والحق أن هذا المصطلح يستعمل بكيفية وصفية دون أن يتضمن أي حكم معياري مع تزايد الصراع حوله، بينما لفظ العلمانية sécularisme وظف في أغراض إيديولوجية مع شحنه بأحكام قيمة سلبية أو ايجابية.

أما من الناحية الايتيمولوجية فإن العلمنة تعني عرض الخيرات الدنيوية التي تمتلكها المؤسسة الدينية على النقاش العام والتقليص من النفوذ الذي تتمتع به المنظومة الدينية على الناس من جهة الوظائف أو الفوائد.

من الناحية الاصطلاحية يمكن استخراج مجموعة من التعريفات الآتية:

- العلمنة هي الفعل الذي يتم به التعامل مع رجال الدين أو المؤسسات الدينية على أنها ظواهر دنيوية تخضع للنسبية والتغير وتتعرض للتطور وبالتالي تمثل حركة قانونية تمر بمقتضاها من الوضع النظامي إلى الوضع الدنيوي.

- العلمنة هي العملية التي يتم بمقتضاها تحويل فائدة خاصة على ذمة السلطة الدينية إلى فائدة عامة على ذمة السلطة السياسية.

- العلمنة هي النشاط الذي يؤدي إلى إلغاء وظيفة الهيمنة التي تتمتع بها مؤسسة دينية ووضعها على ذمة الهيئات الدستورية والمؤسسات السياسية.

- العلمنة هي الحركة التي بمقتضاها يتم منح خاصية دنيوية غير دينية وغير مقدسة إلى أشخاص أو مؤسسات وهيئات مدنية.

- العلمنة هي مسار من الاستبعاد التطوري لكل عنصر ديني يمارس تأثيرا في الحياة الإنسانية.

 تفيد العلمنة في معان فلسفية اللفظ الفرنسي Laïcisation والذي يدل على مسار تفقد عبره أشكال الحياة الاجتماعية وأنظمة المعرفة منزلتها الدينية سواء لما يتم تعويض المتدينين بمواطنين مدنيين أو لما تُحذف الاعتبارات الدينية من المعايير التقييمية للاختيارات الإدارية والأنساق التوجيهية للأفعال البشرية8[8].

لقد قدمت الدراسات العلمية للظواهر الاعتقادية خدمة كبيرة في اتجاه علمنة الحياة الدينية حينما قامت بتحليل هذه الظواهر بالانطلاق من كونها معطيات تجريبية ودون إصدار أحكام معيارية حول قيمتها.

من هذا المنطلق تفيد العلمنة في الأوساط التقدمية المناهضة للسلطات الدينية انعتاق الإنسان الحديث من هيمنة الدين، بينما تدل في الفضاءات المتعلقة بشدة بالتقاليد الدينية الانحراف عن الصراط المستقيم9[9].

بعد ذلك امتدت العلمنة إلى حقول شاسعة وصعدت من الدين والمجتمع والثقافة إلى الوعي والذوق والفرد وتحولت إلى ظاهرة كونية بالنسبة إلى المجتمعات الحديثة وانتشرت بطريقة مذهلة في مستويات الحياة.

بيد أن المجتمع الصناعي هو القوة المحركة لعملية العلمنة ضمن النشاط الاقتصادي وما ترب عنها من تغيير للمنظومة التشريعية في الميدان السياسي والإبقاء على الدين ضمن الحقل العائلي الخاص بالأفراد.

لقد ساهمت حركة العلمنة التي خضع لها المجال الديني في الخروج من فضاء قروسطي عتيق إلى السير العقلي في حقول تجريبية غير معهودة والتكلم مع الطبيعة والتواصل بين الذوات عن طريق لغة رياضية.

بيد أن خضوع الثقافة الدينية إلى العلمنةsécularisation لم يكن ثمرة الصدفة أو استجابة إلى توجهات فردية ومصالح ضيقة وإنما جسد تشكل وجهة نظر فلسفية وانبثق عن شغل فكري جماعي استمر لقرون.

بهذا المعنى يستمد اختيار موضوع العلمنة من أجل تحليل أزمة الحياة المعاصرة من كونها أثارت الانتباه إلى عملية نوعية عبرت مختلف مجالات الواقع الإنساني وميزت الفكر الفلسفي المعاصر من كل أبعاده.

كما تتراوح العلمنة بين معنى عام يرتكز على اختيار نظري وقضية تأويلية للحالة الواقعية للفلسفة ومعنى خاص يتعلق بالممارسة الاجتماعية من جهة البحث العمومي والعناية بالمجال الخاص من طرف الفلسفة. بيد أن المقصود من العلمنة الفلسفية هو مواجهة ضرورة إعادة تعريف منزلة الفلسفة بين الاختصاصات الأخرى وإمكانية استبدال الحاجة للتنظير باستعجال تدبير الكون والسكن في العالم وأنسنة العمل المضني.

بطبيعة الحال أضحت المسألة الأساسية في العلمنة الفلسفية هو إعادة وضع الفلسفة في معظم أروقة الثقافة الإنسانية والسعي إلى فتح أشرعتها على مختلف القطاعات المعرفية والرمزية من أجل إيجاد حل للأزمة.

والحق أن مسألة العلمنة قد اجتازت في الآن نفسه حقل الفلسفة وحقل الثقافة وتسببت في أفول المتعالي واندلاع أزمة إيديولوجيات وانحلال ميتافيزيقا العلم وانحسار النزعة التاريخية وخسوف أسطورة التقدم ومراجعة فكرة التاريخ من حيث هي تتابع مجموعة من الأحداث وفق خط مستقيم وبشكل عقلاني منظم.

علاوة على ذلك تشير حركة العلمنة إلى نهاية الفلسفة واقتصارها على مجموعة من التطبيقات العملية خاصة في المجال التواصلي عند هابرماس وفي عدد من التكنولوجيات التي أخضعت لها علوم الطبيعة وتطرح أيضا مسائل أزمة العقل والتفكير السالب والفكر الضعيف وكل الأشكال الناقدة للتقليد الميتافيزيقي.

يمكن كذلك الخروج من الفلسفة التي تهتم بالمبدأ من وجهة نظر متعالية وتبحث عن منهج عقلي للوجود وتنغمس في تطهير الكلام ضمن تمشي تحليلي للغة وفق نموذج مستوحى من العلم وبخوذ عملية تفكيكية لكل الموروث العلمي بفلسفة مفتوحة على الغيرية وعلى الخارج قادرة على تثمين تعدد الرؤى عن العالم.

لم تعد الفلسفة تدور في فلك نظرية متسامحة للثقافة ولا يمكن اختزالها في تفكيك الموروث الماضي ولا يجوز حصرها في الانتباه بقطاع على حساب إهمال قطاع آخر ولا يمكن تغيير موضوعها من مجال إلى آخر وذلك بتقديم يد العون المنهجي لها وإسنادها بالحجج اللازمة وإنما صار لزاما عليها أن تخرج الكائن من المأزق الذي تردى فيه بإخراج نفسها ذاتها من المضيق والانخراط في تجربة مغايرة من التفلسف.

التطرق إلى العلمنة ضمن سياق الخوض في العلاقات الواقعية والممكنة بين الفلسفة والدين التي يجب أن تؤمنها فلسفة الدين وتسهر على تمتينها الفلسفة الدينية هو تناول صيرورة ومصير الفلسفة من أفق المقدس والكف عن البحث عن فلسفة معلمنة بالتمام في صورة معرفة مطلقة والإقرار بوجود قاع تيولوجي لكل فكر يظل في حاجة مستمرة إلى مسارات علمنة وأنسنة من استهلاك ماهو حرام وتحويله إلى أمر عادي.

لقد عرفت كل الأديان بصورة مختلفة ومتفاوتة تجربة العلمنة وتمثلت في محاولة الربط بين ثنائية المقدس والدنيوي وجعل المعتقد الديني يواكب العصر وتمكين المؤمن من تبرير ممارساته التعبدية بالعقل العلمي.

يحمل مصطلح العلمنة دلالة مزدوجة تجمع بين الاعتراضي والتحرري ولقد ظهرت في البداية من حيث هي لحظة داخلية وأساسية في الحقل الديني ولكنها ما لبثت أن انتشرت في معظم الثقافة وأصبحت تعد المصير الذي ينتظر الإنسانية في المستقبل إذا ما تواصل على نفس المنوال تحديث وعقلنة تجربة القداسة.

بهذا المعنى تأثر الفكر الغربي بالفكر الوضعي بحيث "انغرست العلمنة في ماهية الدين الغربي ذاته (اليهودية والمسيحية)، من حيث هي تموضع تقني علمي للعالم في التأمل الإغريقي الأكثر عراقة"10[10].

لقد ترتب عن ذلك انقطاع الممارسة التشريعية عن العودة إلى الأصول الدينية وتوجه الفلسفة نحو تحرير الكائن البشري من وصاية اللاهوت وسيطرة التفكير الماورائي وإحداث قطيعة بين بعد الحاضر والذاكرة. لم تعد مهمة فلسفة العلمنة تنحصر في جعل العالم المقدس عالما عاديا وتمثل الأبعاد الدنيوية من الحياة واستبعاد الافتراضات الأخروية وإنما تتمثل في استذكار معنى الوجود خارج إطار ميتافيزيقا الحضور. بهذا المعنى تتخطى العلمنة مستوى الموجودات وتبلغ منابت الشعور الديني وأصول التبعية لللاّنهائي والوعي بالحاجة إلى المطلق وتجتاز النظام التاريخي والثقافي وتلتقي بالنظام الأنطولوجي لمعنى الوجود.

مقتضى القول أن اقتحام الفكر لتجربة العلمنة لا يتوقف عند التخلص من الدوغما الاعتقاد والتقليد ولا ينحصر في عملية تطهير المقولات الفلسفية من الرواسب الميتافيزيقية بل يستوجب أيضا التسلح بقيم التقدم ضد الارتداد نحو الماضوية والتلقيح من الاغتراب ومنع الديمقراطية من التحول إلى آفة الشمولية.

إذا عدنا إلى الفلسفة النقدية من أجل مواجهة هذه الأزمة المستفحلة فإننا نصطدم بارتياب الفلاسفة وحيرتهم وعزوفهم عن التدخل بصورة فعلية وعجزهم عن التأثير في الواقع والاقتصار على أفعال التأويل والتعليق والمتابعة والتبرير والتجميل والمسايرة والتحليل والتشخيص والانشغال بالدقة المفهومية وتشييد الأنساق.

من جهة ثانية يتم الاستنجاد بالتقنيين الاقتصاديين ورجال السياسة والخبراء في القانون والبرمجيات من أجل تقديم أيادي العون وبلورة جداول إحصائية وصياغة مشروع تنموي بديل وتنزيل المعرفة الأكاديمية في ميادين الإنتاج وحقول العمل قصد رصد الأسباب وتشخيص الأمراض وتحديد الأولويات وضبط الخيارات وتطوير آليات التصنيع وترشيد مسالك التوزيع والاستهلاك والمحافظة على الموازنات المالية وإصلاح المنظومة الجبائية ومراجعة طرق تدخل الدول والرفع من مساهمة المجتمع المدني واستبدال خطة العقلنة من الفوق بخطة العقلنة من تحت واستكمال التحديث وتجذير العلمنة ومواصلة السير في اتجاه ثقافة الديمقراطية والرفع من مؤشرات التحضر والتمدين وتقوية منسوب الأنسنة في العلاقات بين الذوات وبين المجموعات والتعويل على الفاعلين في المراجعة والنقد والمحاسبة والضغط والتعديل. لكن لماذا أدى التخوف من الوقوع في الإيديولوجيا إلى التفكير في التخلي التام عن مصطلح العلمنة من حيث هو غامض ومليء بالمغالطات وكثيرا ما يوقع المشتغل عليه في الخلط بين المفاهيم والخلف المنطقي؟

ماهو مفترض أن مسار العلمنة مرتبط بجملة من الإجراءات الفكرية والحركات المجتمعية التي يمكن أن تقع بصورة متعاقبة ومتزامنة وتتمثل في الانخراط في عملية عقلنة للتحديث ضمن حوكمة للديمقراطية.

إن القوى الرئيسية التي توجد بشكل فعلي وراء انطلاق تجارب العلمنة وانتشارها في عدد من المجالات تكمن في تعبيد مسارات العقلنة التي تم تحريرها بواسطة التحديث أي بواسطة تشييد نظام رأسمالي أولا ثم نظام اجتماعي اقتصادي صناعي في المجتمع بصفة عامة وفي المؤسسات السياسية بشكل خاص11[11].

لقد عبرت الأزمة الاجتماعية عن الوضعية التراجيدية التي يكون عليها الجسم السياسي ويمر بها النشاط الاقتصادي وعن صعوبة المواجهة مع الواقع المعقد والوضع النفسي المتشنج وعن ضعف الفكر العلمي والحاجة العاجلة إلى التدخل المباشر من أجل الإنقاذ وإيقاف الانهيار واستعادة الوعي بالتدارك السريع.

اللافت للنظر أن بعض النظريات السوسيولوجية التي أعقبت الدراسات الماركسية قد أفرغت العلمنة من شحنتها الإيديولوجية وتعاملت معها بوصفها تحقيق للمقاصد الكبرى وانجاز للمطالب الأساسية للدين ذاته.

"لا يستطيع الإنسان أن ينتمي في ذات الوقت إلى الله والى العالم ، وينبغي أن يختار إما الله أو العالم، إما الحياة أو الموت"12[12]. لكن ألا يوجود فرق بين العلمنة والعلوميةscientificité والعلمانية واللائكية؟

 أما العلمانية فهي اللائكيةlaïcité وتفيد حياد المؤسسات العمومية عن الانتماءات الطائفية والولاءات العقدية ويساعد اعتماد مبدأ العلمانية على بلورة صلة بين حب النظام الجمهوري واحترام سيادة العقل.

بهذا المعنى تكون اللائكية مفهوما فلسفيا سياسيا يفترض أن يتم تنظيم المدينة دون الرجوع إلى الأساس الديني وبالاعتماد على الإحالات التي تضمن الحقوق التامة للمواطنين ووفق ما تشير إليه مبادئ العقل.

لا تتوجه النظرة العلمانية التي صوبها بايل وفولتير ودالمبار وكوندرسيه إلى الفصل الكامل بين السياسي والديني فحسب بل تقر بمحايثة الموضوع السياسي وارتباطه بالتدبير البشري من خلال مدراتهم وأفعالهم ومصالحهم ضمن النظام العام للدولة واندراج الشؤون الدينية للنظام الخاص للحياة الإنسانية بشكل دقيق.

فكيف تم علمنة المؤسسة الدينية؟ وهل تم القيام بعملية علمنة المعتقد البشري؟ وما طبيعة المقدس المعلمن؟

" ليست أزمة المقدس تغييب لله من العالم في ذاته، بل تظهر بالفعل نمطا آخر من الصلة بالإلهي"13[13]

من الجلي أن فعل العلمنة لا يشمل الحقول التي انغرست فيها الأديان التاريخية والاجتماعية الكبرى سواء كانت التوحيدية المنزلة أو الطبيعية والوضعية فقط بل يغطي أيضا المجالات التي تتعلق بالمعتقد وحرية الضمير. بالتالي لا يستطيع الكائن البشري أن يعتقد ويختار القناعات الدينية التي يراها تعبر عن تصوراته للعالم وتجسد غائية الحياة البشرية التي يحلم بها إلا إذا مارس التفكير وبرهن على ميزات العقل والفهم والاختيار التي تضعه في مرتبة أنطولوجية مرموقة بالمقارنة مع بقية الكائنات الفاقدة لهذه الخصال. كما يحتفظ مفهوم العلمنة بنجاعة كبيرة وطاقة دلالية هائلة تجعله قادرا على الرد على جل التحديات ومجابهة الظروف الصعبة والإجابة على النقائض والاحراجات التي يخلفها وتخطي كل أشكال المقاومة الدينية له.

مع ظهور العلمنة بشكل رسمي لم يعد الدين يمثل الشأن العام ولم يبقى النسق المرجعي الذي تصدر عنه الحقائق والقيم والموجودات بل صار من المتاح تنسيبه ونقده ومقاربته بصورة علمية وتغييبه وإخراجه. كما تعمل على انجاز عملية إعادة تـأويل للموروث الثقافي من خلال المسارات التي تراكمت على تخومها وترسبت فيها الأشكال الرمزية والتجارب السردية وشكلت شروط إمكان فهم تجربتنا المشتركة عن العالم.

لا تعني العلمنة القول بموت الله وإفراغ العالم من الأرواح والقوى الغيبية والإبقاء على العناصر المادية ونفي التدخل الإلهي في الأرض بل الإيمان بالحرية الإنسانية والفعل البشري وجعل الوحي مجال للتأويل والانطلاق من الكلام الإلهي من حيث مرجعية رمزية للكلام البشري تشحن التاريخ بالدلالات والمعاني.

فعل العلمنة يتصل بالخلق الجديد لتجربة الإيمان عبر إعادة تشكيل النص الديني من خلال ارتياب الاجتهاد والحركة التأويلية الجذرية التي تعيد تأصيل الأصول وتتظنن على الأحكام القطعية وتزرع الشك في اليقين وتكشف زيف الوعود التأسيسية وتستأنف رحلة البحث عن الأقنعة التي تختفي وراءها الأخطاء السياسية.

العالم المعلن ليس مجرد عالم إنساني خال من حضور الإلهي وإنما هو عالم بشري دون آلهة ويتحرك داخل نظام كوسمولوجي يتضمن بدوره الكون بأسره ويجعل أفراد المجتمع في نشاط ثقافي وفكري دائم.

لكن ما دلالة مسار العلمنة بالنسبة للمضامين الدينية في التقاليد والمؤسسات التي دأبت على تأطيرها؟

ما يلفت النظر في الراهن هو أزمة المصداقية التي تعاني منه الأديان وبؤس الوضع الميتافيزيقي للكائن وذلك بعد فقدان المشروعيات الدينية قدرتها على الإقناع والتواصل مع تنوع متطلبات الحياة المعاصرة.

لم تعد الأديان قادرة على تبرير العذاب الذي يعاني منه الإنسان ولا تخفيف الأوجاع بالوعود الوهمية وذلك لكثرة الاستغاثات وطلب النجدة من الآلهة من أجل الإنقاذ والتدخل قصد العناية والعدل الأرضي.

في ظل الحروب الدينية والنزاعات حول المقدس واختفاء الآلهة وعجز القوى الغيبية عن تقديم العون يشعر المؤمن بالسأم والغبن ويكتوي بنار الواقع المر في ظل الفقر المادي والعاطفي والتعاسة الروحية ولا من بديل غير العبث الوجودي والعدمية القيمية واللاأدرية المعرفية وينهال جلدا على ذاته المرهقة.

اللافت للنظر أن العلمنة ليست فقط مسارا سياسيا يختتم بتعليق الحكم في المجال الديني وعدم الاكتراث حيال صمت القانون أمام مسألة الدين الحق بل أيضا مسألة أخلاقية وتتبع مسارا إيتيقيا ينطلق من نظرية تحديد حقل تطبيق القانون في المدرسة الجمهورياتية وتعمل على تدبير التنوع وحلحلة الخلافات وفض النزاعات في المجال التشريعي والميدان المعياري وتنتهي عند وضع قواعد أخلاقية للاحترام والتقدير. لذا تراهن العلمنة على المؤسسة التعليمية من أجل تحييد القناعات الدينية في تنظيم العلاقات والمراهنة على التمرين الفلسفي للعقل من أجل تأسيس قيم ووضع قواعد تساعد معظم الناس في الحصول على حياة جيدة.

على هذا الأساس تجري العلمنة إصلاحات دينية وثورات سياسية والتزامات أخلاقية وتوجيهات تربوية وتغييرات اجتماعية وفعاليات اقتصادية وعقلنة إدارية وتحديث حقوقي وتطور ديمقراطي وأنسنة ثقافية. كما أن العلمنة ممارسة جذرية وصيرورة تاريخية ومسار تنويري وفلسفة نقدية وانقلاب وجودي وفيض معرفي وحقيقة ثورية وسلاح فتاك ضد التقهقر وعملية انعتاقية من الجهل وممارسة عضوية للملتزمين.

والحق أن وظيفة العلمنة هي الحيلولة دون إكمال الإيمان الديني للجماعة انخراطه في المراوحة العقيمة بين الأشكال المدنسة للايديولوجيا والانتظارات الخيالية لليوتوبيا وإخراج المقدس من الأزمة التي يعانيها.

لقد أنتبه الإنسان المعاصر إلى أنه يعيش في عالم معلمن يدفع التقنيات إلى وضع شروط محددة لوجوده ومانعة لكل إرادة بشرية تتوجه نحو فتح أفق من أجل صناعة المستقبل ويظل يتأرجح بين التكرار الأبدي للواحد وإمكانية تحطيم ذاتي للاعتقاد ويغلق الباب أمام إمكانية الذهاب إلى ماهو أبعد من الثنائيات الحدية.

زد على ذلك انتهى الإنسان في الأزمنة الحديثة إلى الإقرار بأن معرفة الطبيعة وإضفاء المشروعية على السلطة من جهة السياسة والحق يقتضي تأسيس القوانين بصورة مستقلة عن الدين وبالاعتماد على العقل.

من جهة أولى يتخذ مسار العلمنة بعدا ذاتيا وبالتحديد عندما تتركز الجهود نحو علمنة المجتمع والثقافة وكذلك تصل إلى الوعي وتطرح مسألة تفكير الأفراد في وجودهم في العالم وتدبير حياتهم الخاصة14[14].

في هذا الإطار يتم إخراج مسائل الهوية والتربية والسلطة والثقافة والفنون من دائرة التأويلات الدينية ويقع التعامل معها من حيث هي رموز حضارية تتنزل ضمن المجال العادي وتتخذ جملة من الأحكام الدنيوية.

من جهة ثانية لا تنحصر العلمنة في المجهود الذي تبذله من أجل تمدين التراث الديني وعقلنة الوعي التاريخي بل تتسع من أجل إعطاء الكلمة إلى النظرية الاجتماعية من أجل إجراء حوارات عميقة مع الواقع والتدخل في قراءة المجتمع وحسم الصراع المجتمعي حول مضمون التحضر واتخاذ القرار حول المصير المحتوم الذي ينتظر الكوكب وبلورة مشروع انسي مركب يراعي التعددية ويتعقل الأحداث. لكن بأي معنى يوجد تناظر بين جهتي العلمنة ؟ وألا تحتاج العلمنة في مستوى الوعي الى العلمنة في المجتمع؟

لقد مست العلمنة جميع شرائح المجتمع وخاصة النساء والشباب في المدن والأرياف بالنسبة للشرائح الثرية والفئات المفقرة ولكن الطبقة الصناعية المنتجة من العمال قد مثلت بنيتها الاجتماعية الاقتصادية. بناء عن ذلك يجوز الحديث عن علمنة شاملة وعن عولمة العلمنة من خلال امتداد القوى الماسكة والفاعلة في مسار العلمنة لكي تغطي العالم بأسره وتصل للمجتمعات التقليدية والثقافات القومية المحافظة15[15].

 لقد قامت القوى الميسرة لعملية العلمنة بإخراجها من مستوى الحضور الداخلي في الوعي المدني إلى السياق المؤسساتي لكي تظهر في السلوك اليومي وتقوم بتنظيم الإجراءات الترتيبية للإدارة وتهيكل الدولة.

بهذا المعنى ليست العلمنة هي محاكاة النموذج المتقدم وتحقيق المزيد من التبعية للمركز عبر الغربنة16[16] بل تعول الوسائل الديناميكية التي توفرها الرأسمالية الصناعية والانتاجات الفكرية والثقافية والفنية للطبقة البرجوازية التي تتمظهر في أساليب الوجود وأشكال الحياة من حيث هي تقليص كبير من نفوذ الإيمانيين.

فعل العلمنة الذي يمكن الانخراط فيه والقيام به بالنسبة إلى المجتمع المدني والدولة لا يجدر تسويغه بتوجه إيديولوجي ولا حالة سياسية تعيشها المؤسسات وإنما هو ظاهرة تاريخية تدفع إليها عدد كبير من العوامل.

لا يمثل المخزون المادي من التراث الديني البنية التحتية للعلمنة ولا تشير الينابيع الروحية والاعتبارات الغيبية إلى البنية الفوقية للتجربة وإنما القاعدة العملية للحياة الاجتماعية والوظيفة التربوية والإيديولوجية.

بهذا المعنى يحتل الجدل حول العلمنة مكانة رئيسية في الدراسات الدينية والعلوم الاجتماعية والثقافية والقانونية والتفكير الفلسفي وتتنزل ضمن النقاش حول مشروعية تصميم العالم الحديث على الانعتاق التام من الموازين الثقيلة التي يمثلها الإرث الديني والتعويل على المراجعة النقدية العلمية والنظرية السياسية والثقافة الأدبية والتعبيرات الفنية والتفكيك الفلسفي من أجل تخطي النزاع التاريخي بين القوى التحديثية والمؤسسات الكونية التي تهتم بصيانة الرسالات السماوية وتسهر على طرق تفسيرها وشرحها للمؤمنين.

لقد حازت العلمنة على دلالتين تعكس التحولات التي حدثت في المعرفة والمجتمع وتتمثل في الإشارة إلى رفض الامتثال لأي مقياس للتقييم سواء كان صادر عن سلطة ماورائية أو نابع من قرار السلطة الدنيوية، ثم الاحتكام إلى الطابع الموضوعي الذي تتميز به اللغة القانونية بحكم انبثاقها عن القدرة التشريعية للعقل.

من هذا المنطلق يشتق اللفظ في الأصل من لغة قانونية و" يعود مصطلح العلمنة إلى نزاع معلن أو خفي بين عالم روحي وعالم أرضي، وكذلك في مجالات الحياة المدنية وفي مجالات الحياة الفردية "19[17].

لقد ترتب عن تفعيل هذه عملية العلمنة تحويل الخيرات الدنيوية من وصاية المؤسسة الدينية إلى حماية المؤسسات الخاصة وحيازة الأفراد وملكية الأجهزة المدنية والإقرار بالأدوار الحقوقية للمعابد في ميدان الحماية الاجتماعية والتربية الدينية وحقوق اللاّمتدينين في تبديل قناعاتهم وتبني تصورات فكرية مختلفة.

فما المقصود بعلمنة الفلسفة ؟ وكيف يجب المضي نحو اتمام علمنة العلمية الفلسفية في الفترة المعاصرة؟

ما يميز المشهد التربوي الراهن هو اندراجه ضمن سياق اجتماعي متقلب يعرف هو بدوره حراك شبابي وصناعة ثقافية وطفرة فنية تركز على ثقافة الترفيه وتنمية القيم النسوية ونقد الموروث الذكوري والأبوي وتوجه رسالة تعليمية تتسم بالتقطع والعمومية والسطحية والاختزالية وتشجع على التسلية والاستمتاع واللعب والاختباء وتحاول إشباع الايروس اليومي ضمن الأروقة الاتصالية ووفق الأساليب الافتراضية.

التركيز على التصوير وعلى الصياغة الرقمية والتكميم والمقاربة التوجيهية كان نتيجة محاولة لمواكبة السمات الأساسية التي يتصف بها الواقع المعولم وبحثا عن اللحاق بالعالم المتطور والمشاركة في التحضر ولكن المحاكاة تظل منقوصة وفاقدة للروح الإبداعية التي تتضمنها وتحولت إلى استنساخ آلي وعدة مسوخ مشوهة للتجارب وتطبيق آلي للنماذج دون إحاطة بالعواقب ودون مراعاة الخصوصيات وبلا فرز علمي.

والحق أن الذهاب في خيار لائكية التعليم الفلسفي في مجتمعات تراثية يؤدي الى مخاطر جمة ويثير ردود أفعال رافضة ويمكن بدل عن ذلك الانخراط في عملية علمنة مدروسة أكثر انفتاحا وتسامحا وعلى مراحل وإذا كانت اللائكية laïcité مفهوما يعبر عن فصل الدين عن شؤون الدولة والحكم وكذلك عدم تدخل رجال الدين في القضايا العامة وفصل دائرة الإيمان عن دائرة الحياة وجعل مسألة المقدس من الأمور الخاصة واذا كانت العلمانيةSécularisme تميز إجرائيا بين المجال العام والمجال الخاص وتتساهل مع معتقدات الأقليات وتحرص على حيادية الدولة وتعاليها على كل الأديان وضمانها للحرية الدينية فإن العلمنة Sécularisation تعني مسارا بطيئا يتحول المجتمع ذو الهوية التراثية والصلة الوثيقة مع القيم والمؤسسات الدينية نحو القيم المدنية والمؤسسات القانونية وعدم تدخل الدولة في القناعات الدينية للناس.

تحتاج العلمنة إلى مجموعة من الإجراءات التي تتعلق بالقيم المدنية والحياة العمومية وبالأرضنة والبعد الزمني والإطار التاريخي والمحيط الجغرافي والمناخ الثقافي وتشرح التعدد والتنوع والاختلاف والفوارق وتستفيد من عقلنة الفضاء السياسي ورقمنة الحقل الإداري وتحييد المؤسسات السيادية وترميز المقدس. فكيف تساعد هذه العلمنة على حسن تقبل القيم الفلسفية الكونية من طرف المتلقي والمربي على السواء؟

3- التربية على الروح الفلسفية:

" ليس على الفيلسوف أن يقدم اليقينيات المريحة ، أو أن يحدد معنى الحياة. دوره هو استكشاف العالم من حولنا لجعله غريبًا... الفلسفة تقوض أساس كل فكر، وتعيده إلى القلب الفارغ حيث يبدو نعم الاحتجاج ، وهناك أيضًا لفتة تعبر الحدود وتمس الغياب ذاته "18[18]

الروح الفلسفية تنهل من الروح النقدية والعقلانية المفتوحة والتفكير التجاوزي ولكنها ترنو إلى أن تتحول إلى روح تأسيسية وعقلانية تطبيقية وتفكير ميداني وتركز على الجهد التأليفي بين الأقطاب المتعارضة.

هنا يتم الانتقال من الاشتغال التخصصي على فلسفة التربية إلى الاعتناء بفنون الحكمة وتجويد الأساليب في البحث الفلسفي والاستعمالات المختلفة والمتنوعة للعقل في المجال الأكاديمي أو في المجال العمومي ويقع توجيه المجهودات نحو التربية على التفلسف في كل اختصاص وميدان بغية امتلاك الروح الفلسفية.

اللافت للنظر أن شرط إمكان التدرب على الروح الفلسفية هو الاشتغال على السيرة الذاتية للشخصيات الفلسفية والتركيز على التجارب الوجودية والمواقف الإنسانية والفضائل الأخلاقية والمبادئ السياسية وخاصة مسألة نبذ العنف وتوطيد السلم والسعي نحو الاندماج ورفض الإقصاء وتفضيل مبدأ المشاركة الجماعية على العمل الفردي والسعي نحو البنائية والتأسيس على المراوحة بين الانتظارية والتواكلية.

من هذا المنطلق بدل أن تكون التعلمية الفلسفية متمحورة حول المفاهيم الكلاسيكية مثل الحقيقة والوجود والماهية والجوهر والزمان والحرية والواجب والإرادة والسعادة والفضيلة والمدينة والنظام والعدالة والعقل والحكم والقيادة والذات والواقع والذوق والجمال والخير والسلم يجدر بها إدخال مفاهيم معاصرة ومعان راهنة مثل المعنى والرغبة والسلطة والشخص والتواصل والكرامة والمسؤولية والتحرر والصفح والإنصاف والاعتراف والاستطاعة والمواطنة والسيادة والحق والحذر والتدبير والعناية والتقدير والجليل.

في هذا الصدد يتم التركيز على منهجية التحليل التوضيحي وعلى التأليف الديناميكي بين معرفة العناصر التكوينية وعقلنة القوى الخارجية والتقليل من الاستنجاد بالمناهج المذهبية العقدية وتجنب المناهج الحدسية المباشرة وتوظيف المناهج الإبداعية والطرق التفاعلية التي تراهن على فاعلية المرسل في بعد الجاهزية الصناعية وتوظيف المهارات وايجابية المرسل إليه في مستوى اكتساب الملكات وتنمية مختلف الاقتدارات والمشاركة الحضورية في العملية البيداغوجية من جهة المواكبة الميدانية والمطالعة والنقاش والاستنتاج.

المهارات المستهدفة عبر هذه المنهجية التفاعلية المتداولة هي الإلمام بالقدرات الذهنية للطفل والإحاطة بخصوصية التفكير الفلسفي وتأثيرها على إيقاظ المحفزات العميقة والمجهود المبذول في الانتباه والحفظ والتخزين والذكاء والإدراك والمقارنة والتمييز والاستنتاج والدحض والبرهنة والإقناع والنقد والتشكيل.

إذا كانت المفاتيح الضرورية حسب إدغار موران من أجل تربية مستقبلية تقوم على معرفة وافية بالمعرفة المنجزة الى حد الآن وإحاطة مرضية بمختلف أبعاد الوضع البشري وانخراط في بناء الهوية الكوكبية المركبة ومواجهة معظم التحديات التي تنجر عن تزايد اللاّيقينيات وبذل الجهد مع الفاعلين من أجل فهم الراهن والاتفاق على إيتيقا إنسية فإنه من الضروري تغيير النماذج الإرشادية والتخلي الفوري عن النماذج القديمة والاستنجاد بالتفكير الحواري في مواجهة التناقض بين المصدر والنسق والتنازع بين الأطراف المشاركة والبحث عن الخيط الهادي بين المعارف ومحاولة الربط بين العناصر التي تتكون منها العلوم وتطبيق مبدأ عدم قابلية الاختزال على المنجز المعرفي وتجاوز التعارض بين الفاعل والبينية عبر النحو الشامل والتفتيش عن المولدات التي تعود إليها كل سببية والتحلي بالشجاعة في مواجهة الفوضى والاضطراب واللاّيقين وممارسة التفكير الاستراتيجي ووضع التصميمات والمخططات والتعامل مع كل فعل على أنه مبادرة تسعى إلى تحقيق رهان واعتبار النقد الذاتي نوع من الصحة الذهنية اليومية. وبالتالي " يريد مقصد الفكر لدى الفيلسوف الوصول إلى عمق الأشياء. لهذا السبب لا يترك تطور تفكيره للصدفة، إنه منهجي ومنظم ويستخدم لغة دقيقة، تتكيف مع نوع من التفكير الذي يتنزل في مستوى الأفكار"19[19]. فهل يجب أن تتخلى التعلمية الفلسفية الراهنة عن الدقة الأكاديمية والموضوعية المنهجية والمفهومية لكي تتمكن من الوصول بأفكارها إلى العقول وتقريب مضامينها إلى وجدان الجماهير والحس المشترك؟

4- التحلي بالمرونة عند التغيير التاريخي:

" لم تعد معرفة الفيلسوف متعالية ، بمعنى أنها ستتغلب على المعرفة العلمية ، بل هي غير متعالية أكثر من ذلك بما أن تحليل الفعل التربوي لم يقتصد فكرة المشروع البشري الذي يعطيها الشكل الممكن"20[20].

المرونة flexibilité هي مشتقة من الجذر اللاتيني flexibilitas وهي نوعية شيء مرن ورخو ومطواع وسهل الانقياد ويمكن أن يتكيف مع ظروف معينة على الرغم من صعوبتها والتحولات التي طرأت عليه.

المرونة هي فضيلة مضادة للتصلب والتعصب وتعني الانفتاح والانسيابية دون الوقوع في السيلان والهدر ودون بلوغ حدود الانمحاء والتلاشي والذوبان في الآخر والابتلاع من طرف ضبابية الواقع الاجتماعي.

التربية هي تمشي تحرري يتوزع إلى أروقة متعددة تضم مسار تغيير الذات ومجال العلاقة الإنسانية ومحور المشروع المستقبلي ودرب انجاز الذات باكتساب قدرات والوعي بها ودفعها نحو بناء المستقبل.

التربية العلمانية هي فكرة بصدد التبلور من خلال إعادة تأصيل العلاقة بين الديني والفلسفي وتتحرك حول أنطولوجيا الذات الفاعلة والمبادئ الإيتيقية التي تلتزم بتحقيقها في وجودها والوسائل التقنية التي تسمح بذلك وتشتغل على امتلاك المناهج العقلانية واللغوية التي تتيح قراءة مرنة ومعاصرة للسردية الدينية.

كما تطمح هذا التربية أن تصير أكثر علمية وتقنية دون التخلي عن المواد الحيوية التي تدرب على الحرية وتهتم بكلية الوجود وتعتني بالأبعاد الجسمانية والنفسية والذهنية والمهنية والروحية والمدنية للشخصية وتعيد بناء وتشكيل القيم الثقافية والرمزية التي تم توارثها عبر مجرى التاريخ وتمثل نواة أساسية للهوية.

تبلور التربية تواصلا كونيا بين الناس وتمس هذه العملية التواصلية كلية الموجودات وكل واحد بعينه بأن تدفعه إلى المشاركة وتنمية مهاراته وتفجير مواهبه وتجعل من التفاعل بين المتصلين طريقة مناسبة للخلق والابتكار والاستفادة المتبادلة ومناسبة لتقاسم مهمة الإشراف الحكيم على تدبير المعمورة وتنمية العالم.

كما تجري التربية جملة من الحوارات الكونية والتناظر التفاعلي بين الشعوب والدول والثقافات والأفراد والمجموعات من أجل مواجهة المشاكل التي تمنع التواصل والتعاون وإيجاد أرضية للتفاوض والتفاهم وخلق الأدوات والمناهج التي تساعد على المثاقفة وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة في الكوكب.

علاوة على ذلك تمنح التربية الإنسان القدرة على تجاوز المشاكل والصعوبات وتقديم الحلول البيداغوجية للتواصل بين العناصر المكونة للعملية التعليمية وتجعل من التدريس تجربة فاعلة قادرة على إتمام العمل وتلبية حاجيات المجتمع المعرفية والتقنية وبلورة المشاريع الإستراتيجية التي تحتاجها الإنسانية جمعاء.

تظل التربية نداء إلى القيم السامية ويقظة روحية واستفاقة معرفية ونهوض للمجتمعات وارتقاء للشعوب وتوسط بين الذات والعالم وتكوين للوعي وتفكير في التكامل بدل الإقصاء وفي التعادلية بدل التنازعية وتمثل فرصة للحوار الجاد والنقاش العمومي والمناظرة الأكاديمية بالأساليب اللغوية والحجاجية السلمية.

إذا كان كل تواصل هو تواصل مع شخص آخر فإن مهمة التربية الأولى هي تمتين جسور التواصل وذلك ببناء عالم الأشخاص وتشييد أدوات التفاوض وفق منطق متعدد القيم ورؤية للكون المفتوح وتهيئة المناخ الفكري للتحاور وتبادل وجهات النظر وقبول الآراء المخالفة وتنسيب القناعات الذاتية وقبول القيم الوافدة.

تجمع التربية بين المعرفة والفن والثقافة والعلم والطب والأخلاق والسياسة والاقتصاد وتهتم بجملة الأبعاد الجمالية والديناميكية العاطفية والمخيال الإبداعي للشخصية بغية تيسير عملية التواصل في الحياة الراهنة التي تتميز بالكسل والعبث والإفراط في اللعب والاستمتاع بالمسرات والإسراف في التبذير وتلبية اللذات.

تعول التربية على الجماليات من أجل فهم العالم الراهن وعلى الثقافة كعامل منح الشخصية وثبت الهوية ووسيلة للتعبير عن طبيعة المجتمعات الحالية وإحداث تغييرات هيكلية في ذهنية الأفراد الذين ينتمون إليه والتخلص من النمط الاستهلاكي في الحياة ومن اعتماد المعلومة المعممة واستخدام العقل في النقد والحكم.

من هذا المنطلق تبدو المرونة ضرورية للتغلب على الصعوبات واختيار الممكن من أجل بلوغ المستحيل وإتباع السياسة المرحلية والتدرج المنطقي وتقديم العاجل على الآجل وحلحلة المشاكل القريبة والتوقي من المشاكل البعيدة وجعل الواقعية والعقلانية والنفعية مرجعيات مفتوحة للتوقي من التصلب والميتاتاريخية.

تعول التعلمية الفلسفية المعاصرة بالخصوص على تجربة الخطأ وعلى التربية السلبية عن طريق إبراز الرذائل والأشياء والسلوكيات والعادات السيئة التي ينبغي تفاديها والتخلي عنها والابتعاد من الخوض فيها والتعلق بها والوقوع في ممارستها والتبشير بها قبل إعطاء ما يجب التقيد به من مهارات ايجابية وعادات محمودة وقبل الإشارة إلى ما ينبغي العمل على تطبيقه من فضائل ومكاسب تقود الكائن البشري إلى القمة.

هكذا تتمثل المرونة في مراعاة السياق العام والعفو في كل غلطة والرفق بالمتعلمين والتيسير في إعطاء الدروس وعند الامتحان والتقييم وإعطاء التراخيص في علاقة بتربية الأطفال والمراهقين والمنقطعين والمرضى والنساء والتسامح مع المعتقدات التقليدية والاعتدال في حب الذات وحسن الظن بالآخرين. لعل تحقيق مطلب التواصل هو أهم مكسب للفلسفة المعاصرة لكي يفك عزلتها ويخرجها من حالة الحصار المضروب عليها في زمن العولمة من طرف تجار الألم ومقاولي المعرفة وخبراء التسويق والدعاية.

بيد أن التواصل الفلسفي المنشود ليس التواصل الشفوي المباشر بين المشاركين في التجربة الفلسفية فقط ولا التواصل المكتوب بين المرسل والمرسل إليه تأليفا ومطالعة وترجمة وقراءة ولكنه تواصل مؤسساتي بين الشخصيات المفهومية ينبني على التفاعل والمثاقفة والمشاركة الفعلية في إعادة الإنتاج وإعادة التشكيل ويرنو الانتقال بالفلسفة من الاحتكار والشمولية إلى الديمقراطية والتشاركية ويشرعن تعدد الأطروحات.

لا تسعى الفلسفة الحية إلى إحراز التواصل الجماهيري كما تطالب بها السياسة ولا تناضل من أجل تحقيق المنفعة المادية للفلاسفة الحرفيين وإنما تبحث فقط عن التواصل الإيتيقي مع القيم الكونية ومع الراغبين في المعرفة من الضمائر الحية والمقبلين على التفكير والمتدربين على الفعل النقدي وغالبية محبي الحكمة. اذا كان التواصل بين البشر من الأمور اليومية والمتداولة والحيوية فإن التواصل بالمعنى التام للكلمة هو الأمور المفقودة ويتطلب توفر الكثير من الوسائط الرمزية والقنوات المحايدة والروابط الموضوعية التي تنتمي إلى عالم الحياة وخاصة اللغة والصورة وتبادل المعلومات بواسطة تقنيات معينة وتجارب مشتركة. قد لا يكفي الانخراط في النقاش العمومي للقول بالتواصل بين أطراف النقاش وإنما يمكن أن يكون مجال للتخاصم وتبادل العنف الرمزي والمادي ولذلك فإن شرط إمكان التواصل هو التفاهم بعد التفاوض وتسوية النزاعات بالطرق السلمية وعن طريق الترضية والوصول إلى اتفاقات تمثل حلولا وسطى للكل20[21].

لكن كيف تساعد المرونة النظرية على تسريع إعادة الهيكلة على الصعيد القيمي والسلوك الممارساتي؟

5- التزام المصداقية عند الاختبار العملي:

"ليس من دون جدوى أن يثير أستاذ الفلسفة هذا الاهتمام. إذا عرض على تلاميذه تصوراً متوازناً للتطور الانفعالي ومراحله وانحرافاته ، فإنه يساعدهم على تمييز هدف بحثهم ويضع موقعهم الحالي أفضلا"22[22]

تعتبر الفلسفة شرط قيام الإنسان بالفعل الحصيف الذي يجمع بين القيام بالواجب وتحمل المسؤولية ويكون محل احترام وتقدير من الجميع ويشبع الرغبة الفطرية في المعرفة ويحقق سعادة التفكير ومتعة التأمل في الكون ويتم عبر التكوين في الجانب المنهجي وإعادة صياغة للأسئلة الوجودية الطبيعية على أسس علمية.

تقوم الفلسفة على المصداقية في النظر وفي العمل من خلال الوفاء نحو الذات العاملة وأعمالها واكتشافاتها ومغامراتها والتوقي من الانفعالات السلبية التي تجلب الحزن والكراهية والحقد والخوف والجزع والتشاؤم والاشتغال على تنمية الانفعالات التي تنتج الفرح والشجاعة والإقدام والتفاؤل وتزيد من الأمل في الحياة.

أما المصداقية crédibilité فهي مشتقة من الجذر اللاتيني credibilitas الذي يعني طابع شيء مقبول ونافع يمكن استخدامه وخاصية شخص يمكن تصديقه والاعتماد عليه ويحظى بالثقة ومحل احترام وتقدير من طرف الناس وذلك لأسباب ذاتية وموضوعية ويتمتع بالخبرة والكفاءة والخصال الأخلاقية المعروفة.

يعد النشاط الفكري الذي تنخرط فيه الذات تجربة أصلية للتنبيه على طرائق تحصيل السعادة ووسائل إنتاج المعنى وإيقاظ الوعي من سباته وشحذ العزائم نحو تشغيل ملكة التخيل الخلاق والذاكرة السردية واستعمال العقل بمنهجية حرة ونقدية والاحتكام للتجربة الميدانية وتسديد الأعمال نحو جلب المنافع ودفع المضار.

على هذا الأساس يتم التعامل مع الفلسفة من حيث هي تساؤل عن الوجود وحيرة من تعقد الكون ودهشة أمام لغز العالم وإصغاء إلى نداء الأقاصي وبحث مستمر عن المسكن الآمن وتبتعد أن تكون نظرة مغلقة ومعرفة مطلقة ومذهبا مكتملا وعقيدة شاملة ونسقا منظوميا يدعي سيطرة تامة على الأشياء والأشخاص.

لقد تزايد الطلب الاجتماعي والسياسي على الفلسفة بشكل غير مباشر وبصورة غير معلنة نتيجة انسداد الآفاق وغياب البدائل ووصول القوى الفاعلة في الحياة العمومية إلى مأزق وتعميم الاضطراب واللاّيقين وبعد استمرار النزاع الإيديولوجي والتحارب بين المتنافسين على قيادة المرحلة وتنظيم الدولة 23[23].

لقد جاء الطلب على الفلسفة بغية تشخيص الأمراض ورصد العلل وتوصيف الآفات وتحديد المسؤوليات وتوجيه معظم الإرادات نحو القيام بالتشريح الطبي والتثوير التربوي والتغيير الجذري والإصلاح الفكري والتنوير الراديكالي والثورة الثقافية والأنسنة الدينية والعقلنة الشاملة لمختلف مستويات الحياة البشرية.

تمنح الفلسفة قوة عجيبة للمثقفين العضويين داخل الفضاء العمومي وتمثل سلاحا ثوريا لا يمكن الاستغناء عنه في مهام النضال الاجتماعي والصراع من أجل التحرر السياسي وتعطي للقوى الحية العدة المفاهيمية والرؤية الثاقبة التي تمكنها من رسم الدروب المفضية للحرية وترتب لها الأولويات وفق منطق الأصلح.

تتجدد الفلسفة عن طريق الإقرار بمحدودية العقل الإنساني من جهة والرغبة في المعرفة التي تنبثق من حاجة الأساس الأنطولوجي إلى المعقولية والمواجهة التراجيدية مع اللاّمعنى وعسر حسم معركة البناء والتوجه نحو استنطاق التجارب الصامتة للذوات واستشكال الأزمات التعبيرية عن الواقع الافتراضي.

لقد أرادت الفلسفة المعاصرة أن تنجو بنفسها من خلال الذهاب في اتجاه الطريق البراغماتي في نسخته الجديدة ضمن الفلسفة التحليلية ذات الحاضر الأنغلوساكسوني ولكن محاولتها باءت بالفشل مرة أخرى واحتاجت إلى نقد النقد لكي تعاود طرح الأسئلة حول منطلقاتها ومناهجها والأغراض التي تستهدفها.

والحق أن الفلسفة المعاصرة في مواجهة الكثير من القضايا الساخنة التي تعكر الوضع ولم تجد الإنسانية لها الحلول المقبولة وتعالجها بشكل مرضي وتتمثل في الحروب الإرهابية والحنين إلى الماضي والنزعة المحافظة والفكر الواحدي واللاتسامح الديني والنزعة العنصرية والمذهبية الوضعية والعولمة المتوحشة.

بهذا المعنى على الفلسفة أن تخرج من الجامعة إلى الشارع والمقهى والنادي والقاعة والمسرح والبيت وأن تتحاور مع كل الموجودين والموجودات في هذه الفضاءات ومن المطلوب أن يضطلع كل المشتغلين بالفلسفة مع غيرهم أمور تدبير مدائنهم وأن يقدموا النصح والخطة والتصور ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

غير أن الممارسات الجديدة للفلسفة وتوجهها الجدي نحو السجناء والأطفال والمرضى والعمال والعاطلين والمتقدمين في السن والعلماء ورجال الدين والقضاة والمحامين ورجال القانون والفيزيائيين والرياضيين لا ينبغي أن يكون على حساب المهام التقليدية التي ارتبطت بها وتراوحت بين الحقيقة والوجود والذات.

والحق أن أهم مؤسسة يمكن أن تسهر على استمرارية الفلسفة في المنظومة التربوية وفي الحياة الأكاديمية والسياق الثقافي والاجتماعي على السواء هو قسم الفلسفة الذي ينتمي إلى المؤسسة الجامعية وتتمثل مهمته في إعطاء معنى للحقيقة الفلسفية للطالب والهوية الفلسفية للمدرسين ويعتبر الإطار الأكاديمي الذي يضع الفلسفة في مواجهة مصيرها ويدفع المشتغلين بها إلى القيام بمهامهم على أحسن وجه وتطوير المضامين.

لكن كيف تستطيع الفلسفة المعاصرة المواءمة بين مطالب عتيقة ووظائف راهنة متجددة في كل حين؟

خاتمة:

" يبدو أن التعليم الفلسفي الذي يتطلبه العالم الحالي هو أنثروبولوجيا"24[24]

صفوة القول أن التفكير في موضوع التربية هو بعد فلسفي أصيل يقود إلى التساؤل عن الماهية الإنسانية بأسرها ويدفع الفلسفة الى معاودة طرح الاشكاليات التقليدية حول الهدف السامي من الحياة وجهة المصير الكوني والتفلسف في اعادة تأسيس مقام جديد يتسع للناس بالرغم من اختلافاتهم وفوارقهم في اللغة والدين.

إذا كانت الفلسفة هي ميدان الذي تتشكل فيه الالتباسات المبهمة وسوء التفاهمات التاريخية فإنها أيضا الحقل الذي يعبر فيه العقل عن عبقريته وطاقته التجديدية والمجال الذي ينتصر فيه الفكر على ظله والمدار الذي يمر من خلاله التنظير المعرفي إلى الالتزام المبدئي ويتخذ حوله الفهم البشري مسافة نقدية للفهم.

بهذا المعنى يجدر على الفلسفة أن تغادر مركزها وأن تكف عن تقولبها على ذاتها وأن تنفتح على تخومها وتترك الحرية للغتها المفهومية وغير المفهومية لكي تعبر عن تحفزاتها ومغامراتها في حلها وترحالها على حوافي الكينونة وعند تخوم الكوكب وأن تزرع في عمق الأرض البذور الأساسية للوجود في العالم.

المعرفة الفلسفية في الحقبة المعاصرة مطالبة بمنح المشروعية للفعالية الفلسفية بأن تتخصص في الشأن الكوكبي وتنهمك في تدبير الحياة ومقاومة تصحر الكينونة وترميز الثقافة السياسية بما يؤلها للتصدي لكل النزعات العدمية والمقاربات التقنية التبسيطية والتصنيع المفبرك للذكاء والبرمجة الرقمية للمعلومات.

من المفروض أن تجمع تعلمية الفلسفة المعاصرة في تربيتها للناشئة بين علمنة المقدس وتجذير التواصل:

تتم العلمنة من خلال تكوين ملكة الحكم لدى الإنسان وتهذيب الذائقة الفنية وشحذ العزيمة وتقوية البصيرة والاعتناء بالتربية العقلية والرياضة الذهنية والترفيع في درجة الذكاء لدى المتعلم والمعلم على السواء وتمتين الوساطة البيداغوجية والتركيز على بنائية الاستدلال ومنح التجربة وظيفية في تصحيح الأخطاء.

التربية الفلسفية المعاصرة هي التي تعيد الاعتبار للتكوين العقلي والتطبيق العملي وتنمي الشعور الأخلاقي بالعالم والإحساس الجمالي بالطبيعة وتؤكد ضرورة احترام الشخص الإنساني من جهة كرامته واختلافه وتربط المتعلم بالحاضر وتمنحه الأدوات لكي ينتبه للواقع ويعمل على تغيير الظروف المادية المحيطة به.

من المطلوب أن تجمع التعلمية الفلسفية المعاصرة بين الخطابة الجديدة والتأويل الذاتي وبين سوسيولوجيا الثورة وفلسفة القانون وأن تحرص على تدريس الفضاء العاطفي والنقد الثقافي والمقاربة الأنثربولوجية وعلم النفس الاجتماعي25[25] وأن تخوض غمار الممارسات الجديدة للتفلسف الحواري المفتوح التي انفتحت على الفضاء العام وأدمجت بعض الشرائح المهمشة واستخدمت مختلف وسائل الاتصال الحديثة.

كما يجد ران يواكب تدريس الفلسفة المتغيرات الحاصلة في الوضع البشري وأن تنفتح الفلسفة على الراهن وتقلل من الاهتمامات الميتافيزيقية وأن تغير بشكل جذري أساليب التدريس وتستفيد من الثورة الرقمية وأن تقتحم عالم التواصل والقضايا المجتمعية وتطرح بجدية على طاولة النقاش الأسئلة الكبرى حول آداب المهنة والحياة والصحة والبيئة وتعيد الاعتبار للبعد العملي والقيم المعنوية في الحياة الإنسانية وتتدخل في التخطيط العلمي للتصورات الكبرى وتضبط المحاور الأساسية في السياسة التربوية26[26].

لكن متى تتخلص الفلسفة من الخلط بين التربية والحكم وتكف عن إعداد المربيين بوصفهم حكام المستقبل؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

..................................

الإحالات والهوامش:

[1] Voir Michel Puech, la philosophie en clair, édition ellipses, Paris, 2004, p135.

[2] Jean-Pierre Faye, Par les transformations la philosophie, in Revue ah!, éthique esthétique , éditions cercle d’art, oui pour la philosophie, éditions cercle d’art, Bruxelles, 2005, pages 93à 102.

[3] Voir Tomas Kuhn, structure des révolutions scientifiques, édition Flammarion, Paris, 1972, p136.

[4] Voir Edgar Morin, l’esprit du temps, éditions Grasset, Fasquelle, Paris, 1962, réédition 1991,

[5] Voir Karl-Otto Appel, transformation de la philosophie, T1, 1973, traduit par Christiane Boushindhomme, Theirry Simonelli et Denis Trierweiler, éditions du Cerf, Paris, 2007, 434 Pages.

[6] Voir Karl-Otto Appel, transformation de la philosophie, T2, éditions du Cerf, Paris,2010. , 624 pages.

[7] la sécularisation de la pensée, recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo , traduit de l’italien par Charles Alunni, édition du Seuil, Paris, 1988. p12.

[8] Notions philosophiques, Laïcisation, tome1, dirigé par Sylain Auroux, édition PUF, Paris, 1990. p1432.

[9] Berger (Peter), la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, traduction française de Joseph Feisthauer , éditions du Centurion, Paris, 1971.pp172-173.

[10] la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo , traduit de l’italien par Charles Alunni, édition du Seuil, Paris, 1998. p12

[11] Berger (Peter), la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit, p210.

[12] Jean Sperna Weiland, qu’est-ce que la sécularisation ?, une tentative de définition, in Herméneutique de la sécularisation, éditions Montagne –Aubier, Paris, 1976. p87-88.

[13] la sécularisation de la pensée, recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo ,op.cit. p113.

[14] Berger Peter, la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit.p175.

[15] Berger Peter, la religion dans la conscience moderne, essai d’analyse culturelle, op.cit.p177.

[16] Occidentalisation

[17] Dal logo Alessandro, le nouveau polythéisme, in la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la direction de Gianni Vattimo,op.cit.p146.

[18] Edouard Delruelle, la philosophie sans conditions, in revue éthique esthétique, ah!,2, 2005, oui la philosophie, éditions cercle d’art, les amis de la revue de l’université de Bruxelles, 2005, p63.

[19] Claude Collin, Méthode de recherche philosophique, op.cit, p03.

[20] Michel Soetard, de l’éducation intellectuelle, in De l’éducation intellectuelle, héritage et actualité d’un concept, sous la direction de Jean Pierre Gaté, édition l’Harmattan, Paris, 2000, p178.

[21] Voir Habermas Jürgen, la théorie de l’agir communicationnel, 1981, Tome1 : rationalité de l’agir et rationalisation de société, tome2 : pour une critique de la raison fonctionnaliste, VI, édition Fayard, traduction française 1987.

[22] Pierre Colin, rôle de l’enseignement de la philosophie, in Recherches et débats du centre catholique des Intellectuels français, Cahier N°36, l’enseignement de la philosophie, pp136-137.

[23] Michel Tozzi, oui à la philosophie en classe et dans la cité, in Revue ah!, éthique esthétique , éditions cercle d’art, oui pour la philosophie, éditions cercle d’art, Bruxelles, 2005, pages 141 à 153.

[24] Lucien Jerphagnon, l’avenir de la philosophie : enseignement et vérité, in Recherches et débats du centre catholique des Intellectuels français, Cahier N°36, l’enseignement de la philosophie, p100.

[25]Voir Gaston Berger, Revue les études philosophiques, Didactique philosophique, Janvier –Mars, 1969, Edition PUF, Paris, 1969.

[26] Voir Jean Lefranc, enseignement philosophique et actualité, in Revue les études philosophiques, Enseignement et philosophie, Juillet – Septembre, 1979, , Edition PUF, Paris, 1979. Pages 267à 273.

 

 

علي اسعد وطفةحطِّمنا ريب الزمان كأننـــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمــــــا يفـــك

أبو العلاء المعري

يحتل مفهوم الزمان  صدارة المفاهيم الإشكالية في ميتافيزياء الفلسفة منذ القدم، وما زال الفلاسفة حتى اليوم يقفون في محراب هذا المفهوم بحثا عن أعمق أسرار الكون واكثرها التصاقا بوجود الإنسان وحياته على وجه الاطلاق. ومع أهمية الجهود الفلسفية التي بذلت في مقاربة مفهوم الزمن على مدى التاريخ ما زال مفهوم الزمن يشكل اللغز الأعظم الذي يتحدى عقل الإنسانية وفاهمة الإنسان. وفي هذا السياق يقول هنري برغسون "إن الزمن هو المعضلة الأساسية في الميتافيزيقا وعندما تستطيع الإنسانية أن تقدم إجابة واضحة عن سؤال الزمن فإنها تستطيع تجاوز كل الإشكاليات والمعضلات الوجودية التي تواجه حياة الإنسان والبشرية جمعاء. ويقول ريتشارد ب فينمان الحائز على جائزة نوبل في هذا الصدد: "نتعامل نحن علماء الفيزياء مع الزمن يومياً، ولكن لا تسألني عن ماهيته، إنه أصعب مما نستطيع إدراكه".

وقد أدرك كثير من العلماء المسلمين وفلاسفتهم صعوبة البحث في قضية الزمن ورأوا فيه مسلكا شائكا صعب المنال، فهذا فخر الدين الرازي في "المباحث المشرقية" يقرّ بهذه الصعوبة وتلك المشقة حيث يقول: "إعلم أني إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمن". وذاك أبو الحيان التوحيدي يعلن في كتابه "الهوامل والشوامل" صعوبة الخوض في أمر الزمن فيقول " إنه فن ينشف الريق ويضرع الخد ويجيش النفس، ويقيء المبطان، ويفضح المدعي، ويبعث على الإعتراف بالتقصير والعجز"، ويبين "أن العلم بحر، وفائت الناس منه أكثر من مدركه، ومجهوله أضعاف معلومه، وضنه أكثر من يقينه، والخافي منه أكثر من البادي وما يتوهمه فوق ما يتحققه".

لقد تساءل الفلاسفة منذ القدم عن ماهية الزمن ودورته وأبعاده وتشكلاته: هل الزمن مفهوم مجرد أم واقع محسوس أم كلاهما معا؟ هل الزمن دائري منغلق أم خطي مستقيم؟ هل هو متغير أم دائم سرمدي؟ ما الحدود الفاصلة بين الأزل والأبد والزمن؟ هل هو نسبي أم مطلق؟ هل يخضع للقياس والحساب؟ وكيف يمكن قياسه؟ ما هي العلاقة الأبدية بين الزمان والديمومة والمكان؟ هل الزمن جوهر منفصل بذاته أم متصل بغيره؟ ما العلاقة بين الله والقدر والزمن؟ هل يمكن اختراق الزمن وحصاره؟ هل يمكن ابتلاع الزمن ومصادرته؟ ما العلاقة بين الزمن والضوء والمكان؟ تلك هي بعض الأسئلة التي طرحتها الفلسفة عبر تاريخها المديد عبر العصور والقرون.

والإنسانية لم تتقدم كثيرا في حل هذه المعضلة الوجودية الميتافيزيائية منذ بداية التاريخ، فما زال العلماء حتى اليوم على الرغم من التقدم الهائل في الفيزياء يشعرون بالحيرة والدهشة إزاء هذا المفهوم الذي يسحر الإنسان ويسخر منه في الوقت نفسه، ومن منا لا يشعر بهذه الحيرة القديمة وهذا السحر الهادئ عندما يردد مقولة هيرقليطس "لا يستطيع المرء أن يستحم في ماء النهر الواحد مرتين لأن مياها جديدة تجري من حوله ابدا ". ففي الومن تكمن معضلة البدء والولادة والحياة ثم الموت والفناء.

فالزمان يستثير سؤالين كبيرين الزمان، يتمثل الأول في ماهية الزمان في حين يتمثل الثاني في كيفية قياسه، والسؤال الأول يخص الفلاسفة أما الثاني فيخص الفيزيائيين والعلماء. ويعتقد الكثيرون أن السؤال الأول بقي من غير جواب نهائي وقد يبقى إلى الأبد.

ومهما تكن الصعوبة التي تكمن في جوهر هذه الأسئلة، ومهما تكن التحديات التي يواجهها الإنسان في في في مقاربة هذه الأسئلة الميتافيزيائية بامتياز فإن البحث والتأمل في مسألة الزمان يقع في دائرة التأمل الفلسفي الذي يتسم بالروعة والجمال حيث تكون الرحلة من الزمان رحلة في ميتافيزياء العقل التي تتميز بسحر لا يفوقه سحر وجمال لا يعلو عليه أي جمال لأنها ترحال في مسألة الكينونة وبحث في ماهيات الوجود وأبعاد الحياة.

في ماهية الزمن:

الزمان مفهوم فلسفي بالغ التعقيد وتعريفه غالبا محفوف بالخطر. وفي هذا يقول القديس أغسطين: إنني لا أعرف الزمن حينما أسأل عنه وعندما يتعلق الأمر بتفسيره فإنني لا أعرفه أبدا". وليس من السهل أبدا تعريف هذا المفهوم الميتافيزيائي الذي يتدفق بكل أشكال التعقيد، فالزمان كما يقول أوغسطين نفسه موجود بوجود الكون، وهو توأم الوجود، وأن الله لم يخلق الكون في الزمان بل خلق الزمان مع الكون.

لقد عرف أفلاطون الزمن بأنه الصورة المتحركة لما هو أزلي في اتجاه الأبدية، حيث يكون الزمن حركة متواصلة تبدأ من الأزل لتصب في نهايات الأبد الذي لا نهاية بعده. ونجد صدى هذا التعريف في قاموس أكسفورد الذي عرف الزمن بأنه "الفراغ المُكوّن من الوجود المستمر". ولا يختلف تعريف اكسفورد عن القاموس الانجليزي المتقدم Advanced English Dictionary إذ يعرفه بأنه "المسار المستمر من التجارب التي تمر فيها الأحداث من المستقبل إلى الحاضر إلى الماضي. وتعرفه موسوعة كولومبيا الأمريكية " بأنه "ترتيب متعاقب لكل الأحداث أو الفاصل بين حدثين في هذه السلسلة المتعاقبة". ويتضمن مفهوم الزمن إلى جانب ترتيب تعاقب الأحداث تزامنها، أي حدوثها في زمن واحد، ومدتها، كما يتضمن هذا المفهوم الحاضر وهو ما يحدث الآن والماضي وهو ما حدث وانتهى، والمستقبل وهو ما سيحدث لاحقا. وتستعمل اللغات كلها أفعالا تدل على هذه الحالات الثلاث غير أن الحاضر سرعان ما يصبح ماضيا، والمستقبل حاضرا، فالزمن يدور دورته وينقش آثاره فينا، وما المراحل التي يمر بها الإنسان من الطفولة إلى المراهقة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة إلا دليل على تأثير الزمن فينا، وأمارات بصماته علينا.

ومن أجمل التعاريف لمفهوم الزمن وأعقدها وأكثرها براعة وعبقرية نجده عند أبو العلاء المعري في كتابه رسالة الغفران حيث يقول " المكان هو شيء أقل جزء فيه لا يحتوي على شيء، والزمان هو شيء أقل جزء فيه يحتوي على كل المدركات، والكون هو ما قل وما كثر". ويعرف أبي البركات البغدادي في كتابه "المعتبر في الحكمة" أن وجود الأشياء مقيد بمقدار وجودها بحيث لا يمكن تصور موجود ما من غير تصور مقدار مدته حيث يكونالزمن "مقدار الوجود".

لقد توقف كيركغور عند معنى اللحظة التي يراها حالة مطلقة في الزمن حيث تذوب فيها كل الأزمان. فاللحظة هي الأهم عند كيركغور لأنها كل لحظة هي بداية لحركة الزمن القادمة من المستقبل أو النازعة إلى الماضي. ونستطيع أن نقارن آراء كيركغور وآراء هيدغِّر ونعارض فيما بينها: فبينما يرى الأول في الماضي نمطًا من أنماط التفكير أو التجلِّي، يَسِمُ الثاني الماضي بسمة التكرار؛ وفي حين يختزل كيركغور الحاضر بكونه اللحظة أو التحول، يربط هيدغِّر الحاضر بفعل الكشف. أما المستقبل فهو انعتاق لدى كيركغور وحدس لدى هيدغِّر. وباختصار نقول: الزمن هو شيء لا يمكننا أن نلمسه أو نراه ولكننا نرى آثاره التي ترتسم على أجسامنا التي تكبر ثم تهرم ثم تموت كما هو الحال في بقية الأشياء في الكون، ولأننا لا نراه يأخذ الزمن صورة هو البعد الرابع للكون كما يتصوره اينشتاين.

الزمان بين الكينونة والتجريد:

تساءل الفلاسفة واستغرقوا في التساؤل: هل للزمان وجود حقيقي أم أنه تجريد في العقل والخيال؟ يتصدى الفيلسوف الألماني النقدي الكبير عمانويل كانط في كتابه "نقد العقل الخالص " لهذا السؤال معلنا أن الزمان مفهوم ذهني تجريدي يقوم في العقل، وتتمثل وظيفته في استيعاب الخبرات والأحداث التي يتوالى حدوثها في الكون، وعلى ها الأساس يرفض أن يكون للزمان وجودا حقيقيا، ويسحب تصوره هذا على المكان فالمكان كما هو الزمان مفهوم تجريدي، حيث اعتاد الإنسان أن يرى الأشياء في سياق تموضعها وتراتتبها على اختلاف المسافات بينها وأملى عليه هذا الاعتياد شعوراً تجريديا بوجود المكان.

اعتبر كانط ان الزمن ليس سوى صورة الحس الداخلي أو صورة الحدس المحض لدينا تجاه انفسنا وحالتنا الداخلية، والزمن وفق كانط لا يمكن ان يكون تعيّناً للظاهرات الخارجية، فهو لا ينتمي الى هيئة ولا الى موضع، على العكس من ذلك انه يحدد علاقة التصورات بحالتنا الداخلية، وهذا يعني أن الزمن ليس سوى الصورة التي تحدس بها الروح نفسها كمقدرة حسية.

ويعتقد كثير من العلماء المعاصرين أن الزمان مفهوم تجريدي وليس مفهوما يتعين وجوده واقعيا، وفي هذا يقول نيوتن في كتابه "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" "الزمان الحقيقي الموضوعي الرياضي ينساب دون أن يتأثر بأي شكل خارجي، فالزمان هو ما ينشأ في ذهن الإنسان من ملاحظة التتابع (تتابع الأحداث)، بمعنى أنه لو وقفت الحركة وليست حركة الأرض والشمس، وإنما الحركة بمفهومها الكامل، الذرات والجزيئات والجسيمات الدقيقة، سيختفي الزمان، وينبني على ذلك أن الزمان هو المعادل التجريدي لحركات الموجودات في الكون.

وفي هذا السياق، يرى كاريل بأن الزمن ياخذ صورة الحركة الذاتية في الأشياء، "فكل كائن جامد أو حي يشتمل على حركة داخلية وحالات متعاقبة، ونسق خاص به، ومثل هذه الحركة هي الزمن الفطري ويمكن قياسها بالرجوع إلى حركة كائن آخر، وعلى هذا الأساس يمكن قياس عمر الإنسان بالزمن الشمسي لأنه يسكن الأرض وليس في كوكب أو مكان آخر".

وقد أشار جان بياجيه إلى الزمان بوصفه تتابع الأحداث في المكان والشعور بذلك سيكولوجيا، وهذا يعني أن تتابع الأحداث يؤدي إلى تكوين فكرة الزمان ومفهومه. وهذا يعني وفقا لهذا الاتجاه أن الزمان افتراض ذهني وليس وجودا موضوعيا جامدا في الوجود، فالزمان يمتلك طابعا سيكولوجيا يستند إلى الخبرة المباشرة للإنسان التي تبدأ وتتواصل منذ مرحلة الطفولة.

ما بين الزمان والمكان:

يشكل كل من الزمان والمكان احداثيي الوجود إذ يستحيل فهم الزمان وإدراكه إلا من خلال صلته بالمكان والحركة. وقد اقترن مفهوم المكان في النظرية النسبية بمفهوم الزمان وتجلى هذا الاقتران في معادلات رياضية مجردة ومعقدة. لقد أسس نيوتن الميكانيك الكلاسيكية على ثلاث مطلقات: المكان المطلق والزمان المطلق والحركة المطلقة. وذلك مقابل المكان النسبي والزمان النسبي والحركة النسبية عند انشتاين. لقد افترض نيوتن إطلاقية الزمان والمكان بديهيا دون أن يبرهن على ذلك رياضيا. وافترض أن الزمان المطلق يتجلى على صورة واحدة بالنسبة لجميع الملاحظين للحدث رغم تباعدهم مكانيا. ونظرية نيوتن هذه تجد صداها في النظرية القائلة بجوهرية الزمان، حيث يكون الزمان جوهرا أزليا لا يرتبط بالحركة والكتلة والسرعة.

ولكن النظرية النسبية جاءت برأي مختلف فيه رفض واضح لمفهوم الزمان المطلق والنظر إليه على أنه بعد من ابعاد الوجود في ثلاثية المكان وأحادية الزمان. وقد أدرك ابن سينا طبيعة هذه العلاقة بين الزمان والمكان فوصف الزمان بأنه مقدار للحركة المستديرة من جهة المتقدم والمتأخر لامن جهة المسافة، وبما أن الحركة متصلة فالزمان متصل، وهذا يعني أن الزمان لا يمكنه أن يكون بدون حركة (تغير)، وليست هناك حركة بدون مادة تتألف من أجزاء متنقلة من حال إلى حال ومن موضع إلى آخر. ومن هنا نرى تحديده لمفهوم مادية الزمان.

فالمكان ذو أبعاد ثلاثة، أما الزمان فيعرف ببعده الواحد، ويعبر المكان عن توزيع الأشياء الموجودة وجودا تلقائيا، على حين أن الزمان يعبر عن تتابع وجود الظواهر حيث تحل الواحدة محل الأخرى. والزمان لا يرتد، بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد – من الماضي إلى المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي. وقد نسف تطور العلم الفكرة الميتافيزيقية القائلة بأن الزمان والمكان يوجدان بشكل مستقل عن العمليات المادية وبانفصال كل واحد عن الآخر. ولا تنطلق المادية الجدلية من الارتباط البسيط بين الزمان والمكان مع المادة في الحركة، بل من واقعة أن الحركة هي ماهية الزمان والمكان، وأن المادة والحركة والزمان والمكان بالتالي لا تنفصل. وقد تأكدت هذه الفكرة في الفيزياء الحديثة. وقد أدرك علماء الطبيعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الطبيعة الموضوعية للزمان والمكان، ولكنهم أن الزمان ينفصل عن المكان وأن كل منهما مستقل بذاته عن المادة والحركة.

ويمكن القول في النهاية إن المكان هو علة وجود الزمان، ولا يمكننا معرفة قيمة الزمن إلا بإدراكنا علاقته بالمكان أي من خلال كون مادي يظهر أثر الزمان عليه أو يؤطّر شكله. طبعا هذا الربط هو وجهة نظر تحيلنا إلى معرفة الزمن وإلى نسبيته بالنسبة إلى المكان، وبالتالي إلى الزمان المطلق الذي يسكن في المكان المطلق أيضا، أي كلما تأطّر المكان كلما ضاق الزمان وكلما اتسع المكان كلما أطلق الزمان، ولعل قيام الإنسان بتأطير الزمان بالمكان سعيا للسيطرة عليه والتحكم به، وربما لإلغائه.

نسبية الزمان:

احتار الفلاسفة في تحديد طبيعة الزمان من حيث هو مطلق أم نسبي، وكان ألبرت أينشتين عندما يجد صعوبة في شرح نظريته للعامة حول نسبية الزمان يسوق هذا المثال المتشبع بالطرافة والظرافة: "إذا جلست مع حسناء فاتنة ساعتين فإنهما تمران كدقيقتين، وإذا جلست دقيقتين على موقد (فرن) فإنهما تمران كساعتين"، فاللحظات السعيدة تنقضي بسرعة هائلة واللحظات البائسة ثقيلة كالسنين الطويلة.

وليس خفيا هنا أن أنشتاين يتحدث عن الزمان السيكولوجي للفرد وهو الزمان نفسه الذي يذكره الشاعر بن تريس في قوله " عندما كنت في المهاد أنام وأبكي كأن الزمان يزحف، وحين صرت صبياً أضحك وألهو وألعب كان الزمان يخطو، وحين رأتني السنون رجلاً قوياً أيِّداً كان الزمان يجري، والآن وأنا في خريف العمر فإن الزمان يطير.

وعلى خلاف الزمن السيكولوجي فإن نسبية الزمان ترتبط غالبا بالسرعة والكتلة والجاذبية كما يشرح لنا انشتاين في نظريته النسبية. يشرح لنا آنشتاين في نظريته النسبية أن الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة. وقد بين انشتاين أن الزمن يزداد تباطؤاً كلما ازدادت سرعة الجسم المتحرك، وبالتالي فإن زيادة سرعة جسم معين تدفع الزمن إلى التباطؤ، وعندما تصل سرعة الجسم إلى سرعة الضوء فإن الزمن يتوقف، ويرى بعض العلماء أن تجاوز سرعة الضوء يدفع الزمن إلى الحركة بشكل عكسي حيث يبدأ الجسم بالعودة إلى الوراء في الزمن.

لقد أورد انشتاين أمثلة عديدة على نسبية الزمن منها التوأم الذي ينطلق أحدهما إلى الفضاء بسرعة الضوء لعام في الفضاء ويبقى الآخر على الأرض وبعد سنة ضوئية يعود التوأم ليجد أخاه قد أصبح في العدم. ودعانا إلى نتخيَّل امرأة حامِل (في الشهر الثالث من حَمْلِها مثلاً) انطلقت من الأرض بمركبة فضائية، تسارَعت حتى قاربت سرعتها سرعة الضوء، ثمَّ عادت إلى الأرض، وقد استغرقت رحلتها الفضائية، ذهاباً وإياباً، ستَّة أشهر، بحسب ساعتها هي. لقد وَضَعَت مولودها ما أن وصلت إلى الأرض. إنَّ عُمْر هذه المرأة قد زاد ستَّة أشهر فحسب. إذا سأَلَتْ هذه المرأة، عند عودتها، عن زوجها، فسوف يُخْبِرونها، عندئذٍ، أنَّ زوجها قد مات منذ مئات، أو آلاف، أو ملايين، السنين!

وكل هذه الأمثلة تعني أن الومن نسبي ولكل زمنه وإن قياس الومن مرهون بالسرعة والكتلة والانحناء والجاذبية وشكل الأجرام الفضائية والكونية .

اتجاه الزمان:

هل يأخذ الزمان خطا مستقيما يبدأ من الماضي ليصب في المستقبل؟ أم أنه ينطلق من المستقبل ليصب في الماضي؟ أم أنه زمن دائري مغلق لا بداية له ولا نهاية أبدا. هل حقًّا أن الوجود ينطوي على "عَوْدٍ أبدي"؟ أم أن التيار الزمني سهم وحيد الاتجاه، يمتد من الأزل إلى الأبد أو من الأبد إلى الأزل؟ إن كان ثمة عَوْدٌ أبدي، فما من شكٍّ في أن الزمن سيكون دائريًّا.

من أكثر الطروحات سحراً التي استلهمت الحضارة اليونانية قديما كان اقتراح نيتشه في القرن التاسع عشر في نظرية العود الأبدي التي هي فكرة ميتولوجية بامتياز. وفقاً لهذا الاقتراح فالزمن هو دائرة تعيد نفسها بلا توقف وكل لحظة هي أبدية تتكرر الى ما لا نهاية، كل ما يحصل وكل الحصيلة التاريخية التي يتضمنها الماضي والحاضر والمستقبل حصلت مرات لامتناهية في الماضي وستتكرر هي ذاتها مرات لامتناهية في المستقبل. وعلى هذا المنوال يعيد «الوجود» نفسه الى ما لانهاية (يدخلنا دولوز لاحقاً من خلال قراءته لنيتشه في متاهة عودة انتقائية وهذا شأن آخر).

لقد انطلق نيتشه من الزمن المستقيم ليبلغ الزمن الدائري؛ ومثله فعل الهنود، لكنْ لعلل مختلفة. أما العالم بولتزمَن فقد أتتْ محاولاتُه على العكس من ذلك تمامًا: ذلك أنه سعى إلى استنتاج الزمن المستقيم الوحيد الاتجاه من الزمن الدائري، مستخدمًا تقنيات فيزيائية صرفة، لكنه فشل في نهاية المطاف.

إننا، وفق هيغل، لا ندرك لحظات وأمكنة، لكننا ندرك هنات وآنات (جمع آن). إن هيغل هو مؤسِّس الفكرة العلمية المعاصرة المتعلقة بالمتصل الزماني–المكاني أي الزمكان أو الآن–هنا. والزمن لدى هيغل هو الحالة المجردة للإحساس والإدراك، وهو العامل غير المحسوس فيما هو محسوس. إن الزمان والمكان هما مجرَّدان من مجرَّدات للكون الخارجي (في المقارنة مع الكون الداخلي). والزمن هو الحادث نفسه، البارز ثم المندثر، وهو تجريد للنفي وللتدمير. وهكذا يشكِّل سياقُ الأشياء الواقعية الزمنَ؛ لكن فكرة الزمن تبقى فكرة خالدة، أي أنها فكرة لازمنية.

يبين أنشتاين وجود علاقة بين الجاذبية وبين انحناء الفراغ ذي البعد الزمني الرابع (بإضافة الزمن إلى الأبعاد الثلاثة المعتادة: الطول والعرض والارتفاع)، مما يجعل للكون (المادي) أربعة أبعاد، ثلاثة إحداثيات منها مكانية وإحداث رابع زمني، ولا يمكن فصل هذه الإحداثيات عن بعضها البعض، إذ هي متصلة ببعضها بما يسمى الزمكان Space-time، وقد انتمت هذه النظرية إلى تصور آخر للزمان يأخذ فيه هيئة منحنى، يتصل أوله بآخره، حيث يكون فيه الأبد أزلا، كما يكون الأزل أبدا[1]. وهذا التصور يغير الفهم التقليدي للزمن من أنه شريط ممتد، سقط من الأزل إلى ساحة الواقع والتاريخ فتحلل إلى ماض وحاضر ومستقبل، وأنه فيما بعد سوف يرفع إلى مستوى الأبد، حيث يزول الواقع وينتهي التاريخ، وتستمر الأبدية إلى ما لانهاية، فبمقتضى النظرية الجديدة يكون الزمان دائرة كل جزء فيها، أو كل آن، هو الأبد وهو الأزل، وهو الماضي والحاضر والمستقبل، وبمعنى آخر فإن النظرية تطرح مفهوما جديدا يعني أن الزمان هو كل جزء فيه وكل آن منه، وأنه هو الأزل وهو الأبد.

الزمن والتغيير

الزمن صنو التغيير والتغير وكل تغيير يعتري الشيء يجب أن يَسْتَغْرِق زمناً، وبعبارة أخرى الزمن إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله. والفرق في الزمان" هو الوجه الآخر لـ "الفَرْق في المكان"، فليس من "فَرْق في الزمان" لا يَقْتَرِن بفَرْق في "الطول"، أو "العرض"، أو "الارتفاع"، أو الحجم، أو "المسافة"، أي بـ "فَرْق في المكان". وليس من فَرْق في المكان والزمان لا يُنْتِجه "تغيير آخر" يعتري الشيء.

فالأشياء والظواهر تنشأ في الزمان، وتزول في الزمان، فكل شيء له "لحظة نشوء"، و"لحظة زوال والشيء لا يُمْكنه أبداً أن يكون خالداً، أو أزلياً ـ أبدياً، أو سرمدياً. إنَّه ينشأ ليزول حتماً. وهذا الشيء بين نشوئه وزواله "يتغيَّر" وينبغي له أن يتغيَّر، فليس من شيء نشأ، فزال؛ من غير أن يعتريه التغير بين نشوئه وزواله.

وباختصار يمكن القول بأن "الزمن" إنَّما هو "التغيُّر"، فإذا "أسْرَع" الزمن، أسْرَع التغيُّر، وإذا "أبطأ" الزمن أبطأ التغيُّر. والتغيير الذي يعتري الشيء، حتماً، إنَّما هو الذي فيه، وبه، يستوفي الشيء شروط زواله، فالشيء إنَّما يختلف ويتغيَّر بما يؤدِّي، حتماً، إلى زواله. وليس "النمو"، أو "التطوُّر"، الذي يَعْرِفه الشيء سوى الوجه الآخر لعملية الإعداد والتهيئة لأسباب وعوامل زواله.

وفي الطبيعة أنماط كثيرة من الساعات، فكل شيء يَعْرِف "تغييراً منتظَماً" يُمْكِن اتِّخاذه ساعةً نقيس بها الزمن الذي يستغرقه التغيير في سائر الأشياء. و"مقياس الزمن" إنَّما هو أن يُقاس معدَّل التغيُّر في جسم ما (كمعدَّل نبضات قلب إنسان حي) نِسْبَةً إلى "تغيُّر منتظَم" في جسم آخر (دقَّات الساعة مثلاً). ولو أنَّ نَبْض قلبي يتسارَع تارةً، ويتباطأ طوراً، لَمَا اسْتَطَعْتُ أن اتَّخِذ منه ساعة، فـ "الساعة" يجب أن تكون "تغييراً منتظَماً".

خلاصة:

يرى هيغل ان مفهوم الزمن المجرد احد اكثر البداهات خواء وهو من البداهات التي تنتمي الى مرحلة بدائية من تطور العقل. ولا يمكن ان يكون معياراً لزمنية الوعي أو الروح. كل آن تنفي الآن التي تسبقها بينما مفهوم الآن المجرد ليس سوى النفي نفسه مأخوذاً بشكل مستقل عن كل آن متحققة. لاحقاً في «المنطق الكبير» يعرّف هيغل الزمن بأنه الخارج اللامتعين (لكل آن متعينة) مأخوذ بذاته في شكل مستقل عن كل آن محددة.

أما هيدجر الذي يتناول الزمن في كتابه «الكون والزمان» أن معنى الكون لا يمكن ان يفهم إلا في أفق الزمنية ومعنى الاثنين ووحدتهما الماهوية لا يمكن ان يفهم إلا من خلال تلقفهما كحضور، ويرى أن الوقت بلا نهاية في ذهن كل انسان لأنه النهاية نفسها بالمعنى الأكثر راديكالية للكلمة.

وقد فهم ماركس بفلسفته المادية ومنهجه الجدلي على أن الزمن" توأم "الحركة"، وهو جزء لا يتجزأ من وجود المادة، التي تتحرَّك دائماً في "المكان" و"الزمان". وقد اشتملت تلك الفلسفة على أفكارٍ تسمح لها، بأن تكون على وفاق أساسي وجوهري مع مفهوم الزمن كما أنشأه وطوَّره آينشتاين.

أما آينشتاين، في سعيه إلى حلِّ لُغْز "الزمن"، توصَّل، أوَّلاً، إلى أنَّ "الزمن" هو "البُعْد الرابع"، الذي يتِّحد اتِّحاداً لا انفصام فيه مع أبعاد المكان الثلاثة (الطول، والعرض، والارتفاع). وعليه، ما عاد ممكناً أن نتصوَّر "المكان" و"الزمان" على أنَّهما شيئان منفصلان، فاتحادهما الذي لا انفصام فيه عُبِّر عنه لغوياً بمصطلح "الزمان ـ المكان (= "الزمكان")" Space – Time.

فالزمن هو الإطار العام للوجود والخلود والصيرورة ويبقى اللغز الذي لا يضاهيه لغز في سابق الأيام وسرمدها حيث سيقف كل جيل في محراب هذا الزمن متسائلا وربما مرددا معنا قول أبو العلاء المعري:

والدهرُ إعدامٌ ويُسرٌ وإبرامٌ ونقضٌ ونهارٌ وليلْ

يُفنِي ولا يَفنى ويُبْلِي ولا يَبلى ويأتي برخاءٍ ووَيلْ

وما أجمل أن نختم هذه المقالة بالمعاني الحالدة في قول أبو العلاء المعري شاعر الفلاسفة وأديب الشعراء

حطِّمنا ريب الزمان كأننــــــا -- زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وما الإنسان في التطواف إلا -- أسيرٌ للزمان فمـــــــــــا يفك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

علي أسعد وطفة

.................

[1] الأزل: استمرار الوجود في الماضي إلى غير نهاية فهو ما لا يكون مسبوقا بالعدم، أما الأبد فهو (استمرار الوجود في المستقبل).

 

زهير الخويلدي"معرفة الحقيقة (الظاهرة، وما إلى ذلك) هو معرفة السبب: لا يمكن للمرء معرفة الحقيقة إذا كان لا يعرف السبب"1

نحن نجرب وتتكون لدينا خبرة. كما نختبر العالم بألوانه وأشكاله وأصواته وروائحه، ونختبر الكل ويتم اختبارنا من خلال تقلبات الحياة. على هذا الأساس لا يمكن الاستغناء عن التجربة ويجب أن يكون لكل إنسان تجاربه الخاصة. إن التجربة تصبح خبرة وهي جزء مما يعنيه أن تكون إنسان وتساهم في تطور الإنسان كانسان. لذلك تنعكس الفلسفة بكل طريقة ممكنة على طبيعة التجربة ودورها في تطوير الفن والسياسة والأخلاق والدين والمعرفة وتشمل مختلف مستويات الحياة أي علاقة المرء بذاته والغير والعالم. في البداية يمكن التمييز بين التجربة من حيث هي لقاء الوعي مع الواقع الخارجي يترتب عنه جلب معرفة جديدة لجانب من هذا الواقع من ناحية أولى والتجربة المفهومة بوصفها وقائع معاشة، من خلال التفكير، تكشف عن جانب جديد من الواقع من ناحية ثانية . من هذا المنطلق يعد مفهوم التجربة ليس فقط أحد أهم المفاهيم في الفلسفة، بل هو أيضًا واحد من أكثر المفاهيم تعقيدًا ومن أعسر الإشكاليات التي عرفها تاريخ الفلسفة. يوجد جانبين من التجربة في نصوص أرسطو: الإمبيريا empeiria تعني شيئين - التجربة التي نحصل عليها عن طريق الممارسة والتي تتمثل في إتقان القدرات العملية، وكذلك التجارب التي تم جمعها وتكديسها ومراكمتها أثناء لقاء الإنسان العامي بالعالم، لذلك يحددها على أنها معرفة خاصة بأشياء معينة. لكن التجربة يمكن أن تحدد أيضًا العملية التي يتم عبرها تعديل معرفتنا وقدراتنا ومعاييرنا بشكل متبادل. لكن ما هو الدور الذي يسنده أرسطو للتجربة في نظريته الفلسفية؟ وبأي معنى يعتبر المعلم الأول الفيلسوف التجريبي الأول؟ وكيف مثل الاستقراء حجر الزاوية في اتجاهه التجريبي؟ وماهي تبعات هذا القول؟

يدرس أرسطو طبيعة التجربة ومكانتها في نظرية العلم الطبيعي وفلسفة الكون والحكمة العملية ودرجات الكمال في المعرفة الحيوانية وفي المعرفة الإنسانية ويتتبع نشأة التجربة وعلاقتها بالعقل البشري،من جهة هدفه وعاداته وحاجتها إلى معرفة المبادئ الأولى ويثير التساؤل عن تكوين التجربة. لعل مفهوم التجربة عند أرسطو مستمد من مجموع المعرفة كما يسعى إلى تحصيل ذلك كل متدرب مستجد. كما يجري الإنسان تجاربه عن طريق حاسة اللمس وغريزة الحذر والتعلم وبواسطة التماثل ويكتسب درجات من الكمال في المعرفة عن طريق التجربة empeiria والفن والعلم والحكمة ويضيف التعود habitus . في هذا السياق يؤكد المعلم الاول على أهمية التجربة الحسية في بناء العلم الطبيعي بقوله:"من فقد حسا ما فقد فقد علما ما".

 في الواقع يدرس أرسطو ظروف تشكل التجربة ويتبنى نظرة واقعية تعتمد على المعطى الطبيعي والعادات التي يكتسبه الإنسان من المجتمع ولكنه يعول على نمط من المعرفة يرجع إلى المبادئ المطلقة والعلل الأولى. في كتاب الميتافيزيقا يرى أرسطو بأن لكل إنسان رغبة طبيعية في المعرفة ويبرهن على ذلك من خلال اللذة التي تحصل له عندما يتوفر على جملة من الادراكات الحسية سواء شم العطور أو النظر الى المناظر الطبيعية الخلابة أو اللوحات الفنية المرسومة أو التماثيل أو الاستماع للألحان الموسيقية والأنغام الغنائية. من المعلوم أن الحيوان يتقاسم مع الإنسان المعرفة الحسية وممارسة التجربة ولكن الإنسان يتفوق عليه بقدرته على تنظيم التجربة والاستفادة منها. لذلك ليست التجربة العلم بل العلم والفن يأتيان من التجربة2 . من المفارقات أن يدافع أرسطو على التجربة ويرى أننا لا نصل إلى تكوين تصورات عامة يقوم عليها العلم إلا عن طريق تجريد لعدد كبير من التجارب المتشابهة لأن الذين يعتمدون إلى التجربة يحققون نجاحات بالمقارنة مع أولئك الذين يهملون التجربة ولا يعتمدون إلا على المعرفة المجردة والنظريات الفكرية والمقاربة العقلانية ولذلك تم النظر إليه على أنه فيلسوف تجريبي طبيعي بالتعارض مع أفلاطون الفيلسوف العقلاني المثالي. ينطلق أرسطو من الفرضية التالية: العقل لا يمكننا إلا من معرفة التصورات العامة بينما التجربة تجعلنا نعرف الحالات الخاصة وكذلك في المجال العملي لا يتعلق الأمر بالقواعد الكلية بل بالمعطيات الجزئية. والآية على ذلك أن الطبيب لا يعالج الإنسان بصفة عامة بل يعتني بشكل ملموس بإنسان بعينه- سقراط. والحق أن الاستدلال يمكننا من معرفة أسباب الأشياء بينما التجربة تكتفي فقط بالإشارة إلى حقيقة وجود الأشياء دون الخوض في مسالة أسس هذه الأشياء والمبادئ التي تقوم عليها في وجودها وتترك مهمة معرفة أسبابها والإحاطة بكلياتها للعقل الذي يتفوق عليها من هذه الناحية ويسبقها بفضيله ماهو ثابت على ماهو متغير. غني عن البيان أن الفلسفة من حيث هي حكمة تتخذ لنفسها موضوعا يدور حول معرفة الأسباب الأولى والمبادئ القصوى. فهي وليدة الدهشة والتعجب من الظواهر التي تحيط بالإنسان منذ ولادته ويكتشف بمرور الوقت غرابتها. غير أن العلوم تنقسم الى صنفين: الأول يطلب لذاتها عن طريق التأمل النظري وهي علوم غايات والثاني يطلب لغيره من خلال التجربة وتعلم الصنائع بغية الاستفادة منها وهي علوم وسائل تحقق عدد من المنافع. في كتاب الفيزياء يؤكد أرسطو أن معرفة شيء معين تنبني على معرفة أسبابه الأولى وليس مظاهره الخارجية وحدد الأسباب وفق أنواع أربعة هي:

السبب الأساسي: "هو الذي يجعل الشيء ما هو"، السبب المادي: المادة التي يتكون منها الشيء، السبب الدافع: أصل حركة الشيء ويسمى أيضا العلة الفاعلة، ثم السبب الغائي: وهو الهدف الذي يصنع من أجله شيء ما، بمعنى آخر هو أن الشيء الجيد هو أن الخير وهو الغاية لكل ما يحدث ويتحرك في هذا العالم. لكن أرسطو أثار الإشكاليات التالية: هل يتم دراسة أسباب حدوث الأشياء من قبل علم واحد أم عدة علوم؟ هل يقتصر العلم الأول على معرفة المبادئ الأولى للوجود أم مبادئ البرهنة والتوضيح؟ وهل يدرس العلم الجواهر والأسس أم المحمولات والأعراض؟ وهل تكتمل المعرفة بالشيء بالإلمام بالجزئيات والعناصر؟

لقد أدى هذا التصور إلى مراجعة تاريخ الفلسفة ووصف حكماء الطبيعة بالفلاسفة وتثمين مجهود كل من أناكسيماندريس وأمبيذوكليس لقولهما بالسبب المادي وقولهما بأن التغيرات المتعددة التي يعيشها الواقعة من جهة أعراضها فإن وراء ذلك يوجد شيء مادي ثابت هو الجوهر وسبب كل شيء وطبيعته ومبدأ وجوده، ولقد أطلق عليه هراقليطس اسم النار وعند أناكسيمانس يسمى الهواء وعند طاليس يسمى الماء. بيد أن هذا التصور عاجز عن تفسير الحركة خاصة وأن المادة لا يمكنها أن تفسر الحركة وتقتصر على مبدأ الثبات وبالتالي يجد هذا التصور الطبيعي صعوبة في الإجابة عن سؤال: من أين تأتي حركة الأشياء؟

لقد نفي بارمينيدس وزينون لأيلي وجود الحركة لكي يحافظا على منزلة السبب المادي وفي المقابل يجدر قبول الحركة بصورة بديهية إذا ما تمت الرجوع إلى السبب الفاعل بوصفه قوة محدثة للتغير في الأشياء. لكن الاكتفاء بالحركة والمادة لا يسمح بتفسير مبادئ الخير والترتيب والانتظام في الكون ولذلك احتاج أناكساغور إلى افتراض وجود عقل كوني يتم تعريفه كوسموس يكون منظم للفوضى ويمثل أصل العالم. لقد اقتحم أرسطو تفاصيل العقائد ما قبل السقراطيين ولكي يبين لاكفايتها. فإذا كانت المحبة عند بارمنيدس هي السبب الغائي والسبب الفاعل في ذات الوقت أي المبدأ الكوني لجميع الأشياء فإن الكوسموس لا يعرف الخير والجمال والمحبة بل النزاع والظلم والشر ولذلك أضاف أبيذوكليس إلى النسق الكراهية وطرح أناكساغور النوس كمبدأ كوني يحقق التوازن والانسجام بين هذه المتضادات: المحبة والكراهية. كما اعتقد ديموقريطس في مبادئ الوجود واللاّوجود والفراغ والامتلاء لكي يفسر اختلاف صور الأشياء، بينما اعتبر الفيثاغوريون المبادئ الرياضية وخاصة الأعداد والأشكال الهندسية مبادئ جميع الموجودات. لقد استخدم أرسطو مبدأ النوس أو العقل لكي ينقد المثل الأفلاطونية ويعثر على السبب المباشر الذي أوجد الظواهر وقام بتنظيمها من خلال التناسب بين المبادئ والانسجام بين الكيفيات الأربعة والأسباب الأربعة. لقد جمع أرسطو بين المعقول الأفلاطوني الثابت الذي يتحرك ضمن الماهيات الكلية والمحسوس المتغير باستمرار عند هراقليطس وتلميذه كراتيل وسعى للبحث عن التعريفات والمسائل الأخلاقية عند سقراط3 . إذا كان جميع الناس يرغبون في المعرفة بشكل طبيعي فإن البحث عن الحقيقة يتراوح بين العسر واليسر إذ لا أحد يعزف عن الفضول المعرفي ولكن لا أحد يزعم بأنه قادر لوحده أن يبلغ الحقيقة التامة والنهائية. وبالتالي تقوم معرفة حقيقية الظواهر بالأساس على معرفة أسبابها وبهذا الحقائق الأبدية هي المبادئ والجواهر. لكن ماهي المناهج التي يستخدمها أرسطو عند دراسته ظواهر الطبيعة؟ هل يعتمد على الرياضيات؟

كلا، لأن الرياضيات هي علم الأشياء العقلية ولا تصلح إلا لدراسة المواضيع غير المادية، لذلك ليست هذه الطريقة المناسبة في دراسة الطبيعة لكون هذه الأخيرة تتكون من المادة وتعرف الحركة والتغير. هناك طريقتان للمعرفة عند أرسطو إما بالبرهان العقلي أو بالاستقراء التجريبي. أما مبادئ العلم فقد تم الحصول عليها بإتباع مسار الاستقراء. بهذا المعنى يحتل الاستقراء induction مكانة بارزة في نظرية أرسطو بالنظر الى أنه يسمح من جهة أولى بالحصول على معرفة بالكليات والصور والمبادئ التي تمثل الركائز الأولى التي تتم عليها عمليات البرهنة، ولكنه يعمل على المرور من الخاص إلى العام وذلك باتباع الطريق الذي يقود من حالات مفردة الى تصور عام. في هذا السياق يقول أرسطو: " من الواضح أنه من الضروري أن يكون الاستقراء هو ما يجعلنا نعرف المبادئ، لأنه بهذه الطريقة ينتج الإحساس نفسه لنا الكلي". هكذا يتكون الاستقراء من حدس العقل للضروري وراء العام أو المعتاد الذي يمنحه الإحساس. المهم هو الانطلاق من الوقائع الملاحظة بصورة جيدة لكي لا يتجاهل العقل أهمية المادة والصورة والعرض والماهية التي يتمثل كلها الموضوع الخاص للعلم من أجل الوصول الى مبادئ الأشياء.

الاستقراء هو أساس وقاعدة كل معرفة ودون الاعتماد عليها والانطلاق منه لا يمكن تكوين اي علم. إذا كان الاستقراء يفضل التفكير في الحالات الفردية التي تكرر نفسها بطريقة منتظمة، وتؤدي بنا الحالة إلى العام، فإن النوس يؤدي بنا إلى معرفة مطلقة بالسبب والجوهر: " من الضروري تحديد عدد أنواع الاستدلالات الجدلية. هناك الاستقراء من ناحية والمنطق من ناحية أخرى...بالنسبة للاستقراء، فهو الانتقال من الحالات الخاصة إلى الكوني: على سبيل المثال، إذا كان الطيار الأكثر مهارة هو الذي يعرف، وإذا كان هو نفسه بالنسبة للسائق، فعندئذ، بشكل عام، هو الذي يعرف في كل حالة أنه الأفضل"4 . إذا كانت فلسفة أرسطو تتضمن نزعة تجريبية وتولي عناية خاصة بالاستقراء، كيف هيمن المنطق الاستنباطي على المعرفة وتحولت الفلسفة العقلانية الأرسطية إلى اكبر عائق أمام تقدم البحث العلمي؟

 

د. زهير الخويلدي

.............................

الإحالات والهوامش:

 [1]Voir  Aristote, Métaphysique, Livre A. traduction de J. Tricot, édition Broché, librairie philosophique Vrin, 2000.

 [2] Voir Michel Siggen, L’expérience chez Aristote, Aux confins des connaissances sensible et intellectuelle en perspective aristotélicienne,  édition Peter Lang, 2005, 473 pages.

[3] Voir Aristote, la physique, traduction de Pierre Pellegrin, édition G F, Paris, 1999.

[4] Aristote, Topiques, traduction de J. Tricot,  édition Vrin, Paris,1950, p. 28-29

 المصادر:

Aristote, Métaphysique, Livre A. traduction de J. Tricot, édition Broché, librairie philosophique Vrin, 2000.

Aristote, la physique, traduction de Pierre Pellegrin, édition G F, Paris, 1999.

Aristote, Topiques, traduction de Jules Tricot,  édition Vrin, Paris,1950

المراجع:

Michel Siggen, L’expérience chez Aristote, Aux confins des connaissances sensible et intellectuelle en perspective aristotélicienne,  édition Peter Lang, 2005, 473 pages.

 

كاتب فلسفي

 

 

 

علي رسول الربيعيأبدى الكثير من الباحثين والسياسيين اهتمامًا كبيرًا بما طرح الفيلسوف الأمريكي جون راولز فكرة " الإجماع المتقاطع " أو "الإجماع المتداخل" بمعنى "توافق الآراء". إن قراءة متأنية من أجل تقديم فهم مختلف لهذه الفكرة، تمكننا القول أن هناك ثلاثة مستويات من "الإجماع المتقاطع". الأول، أن يتعامل الأشخاص ذو المواقف المختلفة مع بعضهم البعض بالموقف المعقول والمقبول نفسه. الثاني، أن يدعم الأشخاص الذين يحملون قيمًا مختلفة المعايير نفسها على اساس قيمهم الخاصة أو عن طريق أخذ بالأعتبار وجهات نظر بعضهم البعض في الخطاب الأخلاقي. الثالث، أن الأشخاص الذين لديهم "مصادر أخلاقية" مختلفة للمعايير المشتركة مع الآخرين، ومع ذلك أنهم على استعداد للمشاركة في عملية الحصول على معرفة مشتركة تهدف إلى "دمج الآفاق" في المستقبل. لا ينبغي مناقشة الإجماع المتقاطع على هذه المستويات فقط، أيً في الفلسفة السياسية، أو اكتشافها في الثقافة السياسية، ولكن في الممارسة السياسية أيضًا.

تم الاعتراف على نطاق واسع بتنوع القيم أو تعدديتها كميزة رئيسية في عصرنا على الصعيدين الدولي والمحلي، حيث تعتبر هذه الظاهرة سببًا رئيسيًا لجهود عديد من البلدان لتعزيز "عالم متناغم" في الخارج و"مجتمع منسجم" في الداخل. وأن تبرير "عالم متناغم" و "مجتمع منسجم" بهدف أنجاز ما يمكن أن نسميه "وئام بدون توحيد" كما تصف هذا الوضع حكمة الشرق القديمة. إنه ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "البحث عن أرضية مشتركة مع الاحتفاظ بالاختلافات" الذي تبناه مؤتمر باندونغ في عام 1955، أو شعار "الوحدة في التنوع" أو "الوحدة" في الأختلاف" الذي رفعه الاتحاد الأوروبي.

تتضمن هذه التسميات أو المصطلحات الثلاثة، في رأيي، فكرة هي أننا يجب أن نحترم التنوع بالإضافة إلى الوحدة، ولكن لا يوضح أي منها كيف يرتبط هذان الجانبان بسلاسة مع بعضهما البعض. يذكرنا هذا بفكرة "الإجماع المتقاطع"، التي يستعملها داعيتها الرئيس، جون راولز، وأخرون، للتعامل مع قضية الاستقرار السياسي في المجتمعات المحلية التعددية وقضية الثقافات المتعددة وحقوق الإنسان على المستوى العالمي. من أجل معرفة أكثر وضوحًا ما إذا كان هذا المفهوم مفيدًا في الإجابة عن المشكلة التي تتعلق بالتنوع والوحدة في الوقت نفسه، فإننا سنناقش الأفكار التي يقترحها المفكرون في مختلف البلدان و المدارس الفكرية لتفسير هذا المفهوم. أريد أن أزعم أن هذه الفهومات المختلفة لفكرة "توافق الآراء" أو " الإجماع المتقاطع" يمكن قراءتها كتوصيفات لمستويات مختلفة من الإجماع المتداخل التوافقي الذي يمكن الوصول إليه في تعاملنا مع التعددية بهدف "الاستقرار الاجتماعي" طبقاً لراولز. هذا يعني أيضًا أنه يمكن التغلب على بعض أوجه القصور الموجودة في كل من هذه الأفهومات، وخاصة في الصيغة الأكثر شهرة وهي صوغ راولز للفكرة، من خلال التكامل المتبادل بينهما.

1

ظهرمفهوم "الإجماع المتقاطع" أو الإجماع المتداخل" لأول مرة في كتاب "نظرية العدالة" الذي نشره راولز عام 1971 عندما قال: يمكن أن تؤدي العديد من الخلافات بين المواطنين في فهمهم للعدالة إلى أحكام سياسية مماثلة. هذه الأحكام السياسية المماثلة، كما يقول، هي "متداخلة أكثر من كونها إجماعاً صارمًا." والآثار المنطقية لوجود هذا النوع من الإجماع بسيطة للغاية: فـ" يمكن أن تسفر المقدمات المختلفة عن النتيجة نفسها."[1]

تحولت فكرة الإجماع المتقاطع منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، من فكرة تمر سريعا في كتاب راولز السابق عن العدالة إلى أداة مفاهيمية رئيسية في عمله الأخير "الليبرالية السياسية " للتعامل مع "المفهوم السياسي للعدالة" الذي ينظم المؤسسات التي أقرتها المذاهب الدينية والفلسفية والأخلاقية الرئيسة التي يحتمل أن تستمر في مجتمع من جيل إلى آخر.[2] إن فكرة راولز هذه هي أحد الأفكار الرئيسة الثلاثة في كتابه"الليبرالية السياسية"، والفكرتان الأخرى هما " أولوية الحق على الخير" و" العقل العمومي".[3]

إن ما يطلق عليه راولز "الليبرالية السياسية" يختلف عن صيغة توماس هوبز عن الليبرالية وكذلك عن صيغة عمائويل كانط وجون ستيوارت ميل عنها. تعتبر الليبرالية عند هوبز حل وسط مؤقت بين مصالح الأفراد والجماعات التي تنسقها وتوازنها بعض المؤسسات المصممة جيدًا. تستند الليبرالية عند كانط وميل إلى بعض العقائد الميتافيزيقية أو المذاهب الأخلاقية "الشاملة". لا يمكن لأيً من الصيغتين، وفقًا لراولز، أن يحل مشكلة الاستقرار الاجتماعي في ظل ظروف التعددية: فحالما يتغير ميزان القوى، فإن الاستقرار القائم عليه يتوقف. تتعامل الكانطية والنفعية الليبرالية بوصفها عقائد شاملة، في حالة أخرى، مع "الاستقلالية" و"الفردية" باعتبارها مفاهيم رئيسية في التعبير عن رؤية أطراف معينة، لا يمكنها دعم المؤسسات الأساسية لمجتمع توجد فيه العديد من المذاهب الشاملة الأخرى سواء كانت علمانية أو غير علمانية.

إن مفتاح هذا الموقف هو حقيقة "التعددية المعقولة"[4] كما في طرح راولز. يشير مصطلح "التعددية" إلى وجود "مذاهب شاملة" متنوعة، ويشير المصطلح "معقولة" أولاً وقبل كل شيء إلى موقف وعقلية أولئك المستعدين، في سياق العلاقات بين الأفراد، للانخراط في تعاون عادل، وأتباع القواعد العامة طالما يتبعها الأخرون وعلى قدم المساواة. يختلف هذا عن "العقلاني" حيث يشير الأخير إلى الاختيار الدقيق للوسائل الفعالة لأهداف معينة، أو الترتيب الحكيم لأهداف مختلفة ضمن خطة حياة كاملة. فمن أجل أن يكون لأيً مجتمع حقيقة اجتماعية تسمى التعددية المعقولة، "ينبغي أن يكون المواطنون معقولين بهذا المعنى. يعتقد راولز أنه يمكن وصف المجتمعات الليبرالية في الغرب المعاصر بهذه الطريقة؛ وبالتالي، يمكن اعتبار حقيقة" التعددية المعقولة "، في رأي رولز، الأساس الفعلي والداعم السياسي الثقافي لفكرته عن" العدالة كأنصاف"، من بين المفاهيم السياسية الأخرى للعدالة.

هناك زحزحة مثيرة للاهتمام، في موقف راولز المُبيًن أعلاه، بين دور الفيلسوف ودور المواطن: بينما يرى رولز أن لا يبرر الفيلسوف المفهوم السياسي من وجهة نظرنظام فلسفي معين؛ على المواطن أن يتصرف مثل الفيلسوف، بمعنى أن عليه أن يفهم ويدعم مفهوم للعدالة من وجهة نظره هو أو رؤيته للعالم ونظامه القيمي بالإضافة إلى تبريره عن طريق العقل العام. عندها فقط ،كما يقول رولز، يمكن أن يكون هناك "استقرار نتيجة للأسباب الصحيحة"[5] في ظل التعددية. وعندها فقط يمكن أن تحضى فكرته عن "العدالة كأنصاف" بقبول الناس على أساس الأسباب وليس نتيجة لضغط خارجي، أو جهل الفرد. تختلف هذه "الأسباب" من شخص لآخر، والإجماع على فكرة معينة توصل إليها أشخاص مختلفون لهذه الأسباب هو ما يسمى "الإجماع المتقاطع".

جذبت فكرة الإجماع المتقاطع، اهتمامًا واسعًا بين المنظرين السياسيين والاجتماعيين منذ أن تمت الدعوة إليها، خاصة منذ أوائل التسعينيات،. سأناقش في ما يلي، بعض التفسيرات والتفصيلات للفكرة بوصفها مفيدة من وجهة نظري في جهودنا لاستكشاف إمكاناتها في التعامل مع مسألة الاستقرار السياسي في المجتمعات المحلية التعددية ومسألة القواعد الثقافية المتعددة لحقوق الإنسان العالمية على المستوى العالمي.

2

يمكن فهم فكرة الأجماع المتقاطع كتوافق في الآراء في المرحلة الأولى على أنها الحالة التي يكون فيه الأشخاص، على الرغم من اختلاف مواقعهم بشأن مسألة معينة، متشابهين في مواقفهم تجاه بعضهم البعض: فهم يعاملون بعضهم البعض بطريقة معقولة.

السمة الرئيسة لهذا الفهم لفكرة "الإجماع المتقاطع" كتوافق للآراء هي فك الارتباط بين "المعقول" و "التوافق" والتأكيد على العلاقة بين "المعقول" و"الخلاف". لقد أولى جميع الذين يدافعون عن ما يسمى بـ "نظرية إجماع الحقيقة" من بيرس إلى هابرماس، اهتمامًا خاصًا بالعلاقة بين "المعقولية" و"الإجماع"، فيما يتعلق بـ "الإجماع المعقول" أو "الإجماع العقلاني" على أنه يضمن الحقيقة، فحقيقة الأفتراض أو القضية تعني الوعد بتحقيق إجماع معقول على ما قيل. أو بتعبير هابرماس: " تعني الوعد بالتوصل إلى إجماع عقلاني حول ما يقال."[6] لا يطبق هابرماس نظرية الإجماع على مشكلة الحقيقة فحسب، بل على مشكلة الصحة المعيارية أيضًا، وما الذي يجعل الإيفاء بالوعد للتوصل إلى إجماع عقلاني أمرًا عمليًا بدلاً من مجرد خطاب نظري. في الخطابات العملية، "معايير العمل هذه هي فقط التي يمكن لجميع الأشخاص المتضررين أن يتفقوا عليها كمشاركين في الخطابات العقلانية."[7]

على الرغم من أن هابرماس أواضح أن المواقف الحقيقة بعيدة عن أن تكون كاملة، وأن هدف التوصل إلى توافق في الآراء أبعد ما يكون عن اليقين، إلا أنه يعطينا انطباع أنه، من بين مختلف الأفكار حول مشكلة معينة، وطالما أنها تختلف عن بعضها البعض، فواحدة على الأقل ليست عقلانية أو معقولة. بمعنى آخر، يبدو أن هابرماس يعترف بإمكانية وجود "إجماع معقول" ويرفض إمكانية ظهور "خلاف معقول"، لكن الأخيرة فكرة رئيسية في الليبرالية السياسية لراولز. ووفقًا لراولز، أن العديد من الخلافات ربما لا تكون ناتجة عن تحيزاتنا وجهلنا وأنانيتنا وتفكيرنا الذي نتمناه؛ ولكن لأن هناك في الحياة السياسية وفي عملية ممارسة قدرتنا على التفكير والحكم، والتعقيدات التي تنطوي عليها العلاقات بين الأهداف والوسائل، وفي تقييم أدعاءات كل شخص، وفي تطبيق قدرتنا النظرية ووزن الأدلة لدينا وهلم جرا، الكثير من الصعوبات التي لايمكن تجنبها الا بالكاد وشق الأنفس. يصف راولز هذه الصعوبات بأنها "أعباء الحكم"؛ ونتيجة لهذه الأعباء، حتى الأشخاص المعقولون للغاية قد يصدرون أحكام مختلفة بشأن المشكلة نفسها: " نصدر العديد من أحكامنا الأكثر أهمية في ظل ظروف لا يتوقع فيها أن يصل الأشخاص الذين يعملون وفقا لما يمليه الضمير ويتمتعون بسلطات تفكير كاملة، حتى بعد الحصول على احرية مناقشة، الى النتيجة نفسها".[8]

تحظى فكرة راولز حول "الخلاف المعقول" بتقدير كبير من قبل الفيلسوف النرويجي غرامين ، الذي يعتقد أن راولز أظهر بشكل مقنع "موقف المحاججة المثالي بالمعنى الذي يطرحه هابرماس يخضع لأعباء الحكم"،[9] ولا يجب أن نتوقع أبدًا سوف تختفي الخلافات تماما على المدى الطويل. وأستنتج من ذلك أن "الفاعلين السياسيين المعقولين يجب أن يتعلموا التعايش مع خلافات معقولة"[10] لأن هذه "الخلافات" ناتجة عن "أعباء الحكم"، وغالبًا ما نكون راضين عن "إجماع متقاطع" بدلاً من "توافق مؤهل كامل" أيً توافق يمتلك الأهلية الكافية "[11] أو ما يسميه هابرماس begruendete Konsensus"توافق مبرر"،[12] وهذا يعني إجماعًا على أساس أسباب مقبولة من قبل جميع المعنيين. لايركز غرامين على ضرورة " الإجماع المتقاطع" وتوافق الآراء نتيجةً لعدم احتمالية "الإجماع المؤهل"، ولكن على عدم ملاءمة إثارة المشكلات التي لا يمكننا أن نتوقع التوصل إلى إجماع مؤهل بشأنها في المناقشة العامة ولا الى نتيجة معقولية بمعنى "الخلاف المعقول". ولكي نكون أكثر دقة، فإن النقطة التي يشدد عليها غرامين هي ما يسميه راولز "طريقة التجنب"معبراً عنها قائلاً: "باتباع طريقة التجنب، نحاول، قدر الإمكان، عدم تأكيد أو إنكار أي آراء دينية أو فلسفية أو أخلاقية أو تفسيراتهم الفلسفية المرتبطة بالحقيقة ووضع القيم ".[13]

تضمين فكرة "الخلاف المعقول" في فكرة الإجماع المتقاطع "أمر مهم حقًا للوحدة السياسية والاستقرار الاجتماعي في ظل ظروف التعددية، لأننا في كثير من الحالات نحتاج إلى تجنب البحث عن أي إجماع مؤهل، ايً يدعي أنه يمتلك الأهلية الكافية، أو أي إجماع يعتمد على أسباب مشتركة تبدو بعيدة عن متناولنا. ومع ذلك يعاني هذا الفهم للتوافق من ضعف كونه سلبي للغاية لأنه يركز أكثر على "التقاطع" أو التداخل بدلا من "الإجماع"، أويركز أكثر على "الخلاف" بدلا من "الاتفاق". يلعب، في فكرة الخلاف المعقول، كل من" الخلاف "و" الاتفاق "دورًا مهماً : فيكون" الخلاف المعقول" معقولاً "لأن يشترك الأشخاص في ميزة المعقولية نفسها في مواقفهم تجاه بعضهم البعض، وفي المذاهب التي يحملونها في بعض الأحيان ايضاً، كما يجادل راولز. والقول إن الأشخاص معقولون، وفقًا لرولز، يعني أنهم مستعدون "لأقتراح مبادئ ومعايير كشروط تعاونية عادلة والالتزام بها طواعية، مع التأكيد على أن الآخرين سوف يفعلون ذلك أيضًا."[14] والقول إن هذه العقيدة معقولة، يعني أن هذا المبدأ يلبي المطالب النظرية في الاتساق والتماسك بمستوى معين، ويلبي المطالب العملية بطريقة معينة لترتيب وموازنة القيم المختلفة، والمستقرة بمرور الوقت ولا تخضع للتغييرات المفاجئة وغير المبررة.[15]

3

يمكن فهم الإجماع المتقاطع " في المرحلة الثانية على أنه الموقف الذي يختلف فيه الأشخاص حول قيمهم ولكنهم يتفقون على المعايير: الأشخاص الذين يحملون قيم مختلفة يقبلون ويتبعون مجموعة مشتركة من المعايير. يمكن اعتبار الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور كحالة نموذجية للجهود المبذولة للتمييز المفاهيمي بين "المعيار" و "القيمة" ثم تطبيق هذا التمييز على فهم فكرة " الإجماع المتقاطع". يقول تايلور عند مناقشة مشكلة ما هو إجماع غير إجباري: "أفترض أنه سيكون مثل ما يصفه راولز في كتاب " الليبراليه السياسية" بأنه" إجماع متقاطع ".[16] ويقول ايضاً، إنه يمكن أن نجد في جميع الثقافات إدانة للإبادة الجماعية والقتل والتعذيب والعبودية، وما تعبر عنه هذه الإدانات هي معايير العمل التي عليها إجماع عالمي. يوجد أسفل معايير العمل المشترك هذه "قيم اساسية عميقة "، "عادة ما تنتمي إلى تبريرات غير متوافقة مع بعضها البعض.[17]

يعتمد تايلور هنا على التمييز المفاهيمي بين المعيار والقيمة لكن لم يوضحهُ بالتفصيل؛ في حين يلعب هذا التمييز دورًا مهمًا في نظرية هابرماس عن الفعل التواصلي . إن تطور هذا التمييز، حسب هابرماس، هو إنجاز مهم في عملية تنمية الوعي الأخلاقي الفردي وفي عملية ترشيد حياة المجتمع. عندما أنتقد هابرماس راولز بخصوص معاملته الحقوق كخيرات في التجربة المثالية لـ "الموضع الأصلي"، كان بقصد توضيح أنه يمكن تلخيص الاختلافات بين "المعيار" (الذي تنتمي إليه الحقوق) و "القيم" (التي تنتمي إليها الخيرات)، أيً تختلف القواعد عن القيم في أربعة نقاط هي: أولاً، في علاقتها بالقواعد الحاكمة كضد للفعل الغائي؛ ثانياً ، بشكل ثنائي بدلاً من الترميز والتصنيف التدريجي لمطالب الصلاحية؛ ثالثا، في مطلقيتها بدلا من الارتباط النسبي؛ وأخيراً، المقاييس التي يجب أن تفي بها انظمة المعايير تكون بديلاً أو ضد أنظمة القيم.[18]

تظهر هذه الفروق المجردة بين المعايير والقيم في طرق تطبيقها في الحياة اليومية: يختلف الرد على المشكلة "ما يجب أن أفعله"، على أساس المعايير بشكل قاطع عن الرد على أساس القيم. يأمرني المعيار أن أفعل شيئا، بينما تنصحني القيمة أن أفعل شيئا آخر. يخبرنا السابق ما هو جيد للجميع، أو ما هو في صالح الجميع، في حين يخبرنا الأخير ما هو جيد بالنسبة لي أو لنا.

على الرغم من أن كلاهما يقبل التمييز المفاهيمي بين القواعد والقيم، والاتفاق على أن الأشخاص ذوي القيم المختلفة يمكنهم قبول واتباع المعايير نفسها، إلا أن هابرماس وتايلور ينظران الى العلاقة بين المعايير والقيم بشكل مختلف. بينما يعتقد تايلور، مثل رولز، أن القيم المختلفة يمكن أن تكون أساس بديل للمعايير نفسها، فإن هابرماس يولي المزيد من الاهتمام لتبرير المعايير في الخطاب الأخلاقي Ethics (المتعلق بالسؤال "ما هو جيد لجميع الأطراف المعنية") بدلاً من الخطاب الأخلاقيMoral ( المتعلق بالسؤال "ما هو خير أو جيد بالنسبة لي أو" بالنسبة لنا). يعترف هابرماس بأن يتم التوصل في المجتمعات التعددية إلى إجماع سياسي في الأساس بين الأشخاص الذين لديهم "قيم" مختلفة (وذات اهتمامات مختلفة) بشأن "معايير" مشتركة (بما في ذلك "المبادئ" باعتبارها "معايير رفيعة المستوى")،[19] ولكنه يجادل بأنه علينا التمييز بين "الإجماع" كحدث اجتماعي و "الإجماع" باعتباره إنجازًا معرفيًا، أو التمييز بين القبول، والمقبولية.[20] يمكن أن يخضع الأفراد لأتفاقات على معيار معين على أساس يمكن أن تلقى أنظمة قيمهم القبول؛ لكن الأشخاص الذين يدعون مقبولية المعيار يجب أن يعطوا أسبابًا في سياق أو سيرعملية النقاش مع الآخرين وأن يتمكنوا من إقناعهم بقبول هذه الأسباب باعتبارها صحيحة. فليس المشاركين في هذا النقاش مجرد مراقبين للأشياء، ولا أعضاء في المجموعة الثقافية التي تناقش قيمهم المشتركة، بل مشاركون في "خطاب أخلاقي يطالب كل منهم بأن يكون لديه وجهة نظر أخلاقية"، ولكن لايعتبرها الطريقة الأخلاقية الوحيدة في الحياة. بمعنى أن المشاركين في الخطاب الأخلاقي يحتاجون عادةً إلى التوصل إلى توافق في الآراء مع أشخاص من ثقافات مختلفة وأنظمة قيم أخرى؛ وللقيام بذلك، ينبغي أن يكون لديهم الكفاءة لفهم منظور بعضهم البعض، أو حتى اتخاذ وجهة نظر مثالية، من أجل تقرير ما إذا كان معيار معين فيه مصلحة متساوية لجميع المعنيين.

لا يوافق راولز على انتقادات هابرماس له، لكن في رده على هابرماس، يحاول أن يزيل سوء فهم" هابرماس" له ويقترب من موقف هابرماس. فيرى إن " الإجماع المتقاطع" على المفاهيم السياسية للعدالة، ليست اتفاق مصالح يسعى السياسيون إلى تحقيقها في السياسة اليومية، بل هو "الإجماع المتقاطع المعقول"؛ وأنه معقول لأن لايتم تبرير المفهوم السياسي على اساس العقل العمومي في المرحلة الأولى، ثم يُعطى التبرير الكامل من قبل أعضاء المجتمع المدني كمواطنين أفراد في المرحلة الثانية، ولكن يقدم تبريراً عامًا من قبل المجتمع السياسي في شكل إجماع متقاطع بين جميع الأعضاء المعقولين في المجتمع السياسي نتيجة لتضمينهم المفهوم السياسي في وجهات نظرهم الشاملة المعقولة ايضاً.[21] يجادل راولز بأن الاستقرار الذي يسعى إليه هو "الاستقرار للأسباب الصحيحة"، و" الإجماع المتقاطع" الذي يقوم عليه هذا النوع من الاستقرار يتطلب في الواقع شيئًا قد يسميه هابرماس "منظور أخلاقي". يوضح راولز في تفسير ما يسميه "التوازن الواسع والعام" نواة هذا التبرير العام، ويصفه بأنه "توازن موضوعي بالكامل: أي أن كل مواطن قد أخذ في الاعتبار منطق وحجج كل مواطن آخر."[22]

هنا نقطة واحدة تستحق اهتمامًا خاصًا، هي أن هابرماس يجادل في التمييز بين "الإجماع" كحدث اجتماعي و"الإجماع" باعتباره إنجازًا إبستيمولوجيا (معرفيًا)، أو تمييزًا بين قبول معيار ما ومقبولية معيار ما، وليس فقط من أجل فصل "الاستقرار للأسباب الصحيحة" من الاستقرار دون هذه الأسباب، ولكن أيضًا لتجنب فهم خصوصي أو سياقي لمبادئ العدالة. يشدد رولز على دور الثقافة السياسية في نظريته،بأوصفها أساس واقعي لليبرالية السياسية في المجتمع الديمقراطي كما يرى.

يقول راولز:" تتميز الثقافة السياسية لمجتمع ديمقراطي دائمًا بتنوع العقائد الدينية والفلسفية والأخلاقية المتعارضة وغير القابلة للتوفيق بينها. إن يعضها معقولة تمامًا، ويعتبر هذا التنوع بين العقائد أو المذاهب الليبرالية السياسية المعقولة نتيجة حتمية لقوى العقل البشري في العمل في ظل المؤسسات الحرة الدائمة على المدى الطويل.[23]

تقوم مفاهيم راولز مثل "التعددية المعقولة"،"الاستعمال العمومي للعقل"، و"الإجماع المتقاطع" حول مفهوم العدالة، وما إلى ذلك، على أساس هذه الثقافة السياسية وتوفير أدوات مفاهيمية لفهم الذات. إن الثقافة السياسية باعتبارها واقع، هي شيء خاص أو معين؛ وإذا كانت تستند مبادئ العدالة على المستوى العام إلى الثقافة السياسية لمنطقة معينة أو تقليد معين فقط ، فهناك خطر مستتر يتمثل في التخلي عن طلب التبرير العالمي لهذه المبادئ. يمكن أن يؤدي هذا الموقف الخصوصي إلى نتيجتين. من ناحية، سيكون من الصعب، إيجاد عناصر في الثقافة السياسية القائمة تكون أساساً للنقد ولتجاوز هذه الثقافة والمؤسسات القائمة عليها. من ناحية أخرى، سيجعل من الصعب التحدث عن عالمية أو شرعية عالمية لمؤسسة معينة خارج مجتمع معين وتقاليده الثقافية. لا يتفق هابرماس مع ريتشارد رورتي، الذي يعتبر راولز زميلًا له "بموقف تاريخي مناهض للعولمة".[24] لكن هابرماس يصر على أنه من أجل الحفاظ على مسافة واضحة عن هذا الاتجاه، ينبغي وضع تصور للعدالة يتحقق من خلال توضيح تأويلي لتقليد ممكن أختباره في خطاب أخلاقي لمعرفة ما إذا كان ليس مقبولاً فحسب، ولكن له مقبولية أيضاً.[25]

عندما نتفق مع هابرماس في التأكيد على أهمية "التبرير الأخلاقي" للمعايير المشتركة مقابل تبرير القيمة المنفصل أو التبرير الأخلاقي، لابد أن نضيف أن هابرماس ربما أهمل حقيقة هي: أنه، من المهم للغاية أن يتم قبول عالمية المفهوم السياسي ومبادئ العدالة من قبل الناس من قلوبهم أو على أساس قيمهم العميقة الجذور، وأن الاستقرار الاجتماعي الذي يدعمه القبول بالمعنى الذي يقول به راولز، يختلف أختلافاً كبيرأً عن الاستقرار الاجتماعي الذي يتم المحافظة عليه بطرق أخرى، مثل التسوية المؤقتة للمصالح وتوازن القوى، أو حتى الإكراه والخداع. بالنظر إلى التمييز بين المعايير والقيم، ووجود الاتفاق على المعايير والخلاف حول القيم، فقد يكون لدينا كلا النوعين من المبررات للمعايير المشتركة في الوقت نفسه: التبرير لمبادئ الصحيح والخاطئ الأخلاقي moral justification والمبرر الأخلاقي ethical justification وليس فقط الدافع الأخلاقي، كما يقول هابرماس.

4

يمكن فهم "الإجماع المتقاطع"، في المرحلة الثالثة، على أنه الموقف الذي يعترف فيه مختلف الأشخاص بأنه على الرغم من عدم أتفاقهم في الحاضر، فأنهم على استعداد للتوصل إلى اتفاق في المستقبل: بمعنى أن الأشخاص ذوو الآراء والمواقف المختلفة اليوم منخرطون في تعايش سلمي والتواصل على قدم المساواة من أجل تعميق فهمهم المتبادل وحتى السعي إلى "دمج الآفاق" غدا أو بعد غد.

يعتقد كل من راولز وتايلور، كما ذكرنا أعلاه، أنه من الأهمية بمكان لأصحاب القيم المختلفة فهم ودعم المعايير التي يتفقون عليها والواردة من أنظمة القيم الخاصة بكل منهم. هنا يجب أن نولي المزيد من الاهتمام لحقيقة أنه على الرغم من الأتفاق على أهمية دعم القيم للمعايير، ألاً أنهم يفهمون هذه الأهمية من وجهات نظر مختلفة. يوضح راولز دعم القيم للمعايير أو المبادئ التي توفرها المذاهب الشاملة بشكل أو بآخر من خلال دائرة تأويلية: فمن ناحية، ستدعم المذاهب الشاملة المفهوم السياسي للعدالة طالما كانت معقولة؛ ومن ناحية أخرى، يتميز المجتمع الليبرالي بـ "أولوية الحق على الخير"، وهذا يعني " يجب أن تحترم الأفكار المقبولة عن الخير حدود المفهوم السياسي للعدالة وتخدم دورًها فيه".[26] يكتفي راولز باثبات أن أنظمة القيم المعقولة المختلفة يمكن أن تدعم مجموعة المعايير أو المبادئ نفسها، وهذا النوع من الدعم يكفي لتحقيق "الاستقرار للأسباب الصحيحة" بالنسبة له. لذلك، لا يحاول، كما يفعل هابرماس، الخروج من هذه الدائرة عن طريق نظرية الخطاب أو البراغماتية الشاملة؛ ولا يشدد، مثل تايلور، على الأهمية الكامنة للدعم القائم على القيمة للمعايير المشتركة فيما يتعلق بكرامة الفرد وشؤون المجتمع. يعتقد تايلور أنه على الرغم من وجود اختلافات كبيرة بين مختلف العقائد اللاهوتية والميتافيزيقية، وغالباً ما لا يتصرف الناس بطرق يقولون أو يفكروا في اتباعها، فهناك درجة عالية من الإجماع على مطالب العدالة والمحبة، وأهميتها. ولكن ما هو الأساس لهذا الإجماع؟ ما هي "المصادر الأخلاقية" للقواعد والمعايير التي نتفق عليها؟ تعتبر المصادر الأخلاقية للمعايير الشاملة والعالمية، من وجهة نظر تايلور، مهمة للغاية، لأنها تتعلق بمشكلة كيفية " فرض هذه المعايير".[27] وقد تنشأ هذه المعايير لأننا نشعر بأننا ملزمون للقيام بذلك الفعل أو لأننا سنشعر بالذنب أو غير راضين عن أنفسنا إذا لم نتبع هذه المعايير. ويعتقد تايلور " هناك اختلاف تام بين أن نتحرك بإحساس قوي بأن البشر يستحقون المساعدة أو المعاملة بعدالة، والإحساس بكرامتهم أو قيمتهم،"[28] أو نتيجة للشعور بالذنب أو الضيق والرضا عن النفس."[29]

إنه من السهل إدراك أن المعايير العالمية لها مصادر أخلاقية، ولكن ليس من السهل التعامل مع حقيقة أن هذه المصادر الأخلاقية لا تختلف فيما بينها فحسب بل في صراعات حادة في كثير من الأحيان. إن كلا من الليبرالية السياسية لراولز ونظرية الخطاب الديمقراطي لهابرماس، هما في التحليل الأخير، معالجة لهذه المشكلة الحديثة والصعبةً. يعارض تايلور الجهود التي يمثلها راولز وهابرماس لتجنب الصراع بين مختلف المصادر الأخلاقية للمعايير العالمية من خلال مقاربة أونهج إجرائي تجاه الأخلاق. يعترف تايلور أنه من الصعب الحفاظ على المصادر الأخلاقية أو الروحية بأنواعها المختلفة وتجنب نفيها المتبادل وتدميرها لابعضها. يأخذ تايلور هذه المهمة كتحدي خطير يجب مواجهته، في نهاية كتابه "مصادر الذات" المنشورة عام 1989، ويأخذ احتمال أن يواجه هذا التحدي ويأمل أن يكون مقتنعًا به،[30] لكنه غير قادر على إعطاء أسباب كافية لذلك . لم يخفي تايلور اللون الديني لهذا الأمل في ذلك الوقت، لكنه حاول في وقت لاحق إعطاء هذا الأمل تبريراً فلسفية بدلاً من التبرير الديني، الذي يمثل النواة الراي القائل: أنه يمكن لمختلف أنظمة القيم ووجهات النظر العالمية، من خلال الحوارات القائمة على الاحترام المتبادل، والسعي من أجل التفاهم المتبادل، بدمج الآفاق. هنا تأتي النقطة الرئيسية لما أسميه المرحلة الثالثة من الإجماع المتقاطع.

يوضح تايلور، في الورقة المذكورة أعلاه المنشورة في عام 1996 حول الإجماع المتقاطع فيما يتعلق بحقوق الإنسان، الحالة التي يمكن أن تبرر حقوق الإنسان من خلال نزعة الإنسنة أو فكرة القدرة البشرية على أتخاذ القرارات وفرضها على العالم الغربية والمطالب البوذية لأهيمسا (مبدأ اللاعنف تجاه جميع الكائنات الحية)، حيث يأخذها كدليل على أنه يمكن أن تحصل المعايير العالمية على توافق في الآراء بين الثقافات. لكنه أشار على الفور إلى أن هذا النوع من الإجماع ليس نهاية مرضية: "يجب أن تتبعها محاولات فهم أعمق وألاً ستبقى مكاسب الاتفاق هشة".[31] لا يمكن أن يكون الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ظل هذا الشرط كاملاً. علاوة على ذلك، فإن فمثل هذا الإجماع الذي تم التوصل اليه في ظل مثل هذا الوضع لا يصاحبه عادة الاحترام الكافي المتبادل ، فالاحترام لا غنى عنه لضرورة تجديد الإجماع من خلال التعامل مع الخلافات في عصرنا باستمرار: إذا كان هناك إحساس قوي من كل طرف بأن الأساس الروحي للطرف الآخر مثير للسخرية وأدنى منزلة، وبلا قيمة، فإن هذه المواقف لا يمكن إلا أن تستنزف إرادة الموافقة مع أولئك الذين يحملون هذه الآراء مع إثارة الغضب والاستياء عند أولئك الذين انخفض تقديرهم.[32]

لذلك يؤكد تايلور على أهمية التفاهم المتبادل:"العلاج الوحيد للأزدراء هنا هو الفهم".[33] يكون التفاهم المتبادل بين القيم المختلفة الكامنة وراء المعايير المشتركة ،في بعض الحالات، هو مستوى أعلى من التوافق الذي تم تحقيقه بعد الإجماع المتقاطع حول المعايير، كما في حالة الإنسانوية أو الأنسنة الغربية والفكرة البوذية لأهيمسا حيث يتعين عليهم الأنتقال الى إلى تبادل الاحترام من خلال التفاهم المتبادل بعد التوصل إلى توافق في الآراء بشأن حقوق الإنسان. ومع ذلك يكون التفاهم المتبادل بين القيم الأساسية المختلفة، في بعض الحالات، هو الخطوة الأولى نحو توافق متقاطع محتمل بينهما، لأنه، كما تظهر حالة الفجوة بين الغربيين الحديثين وبعض المجتمعات غير الغربية بشأن مسألة المساواة بين الجنسين، إذا لم يكن هناك حد أدنى من الاحترام المتبادل بين الموقفين، فمن الصعب البدء في تقليل الفجوة بينهما منذ البداية.

أرى أن يكون للفهم المتبادل للقيم المختلفة أو رؤى العالم التي لها إجماع متقاطع حول القواعد والمبادئ المشتركة، أمر مهم ليس فقط لأنه يمكن من تعزيز الإجماع، ولكن لأن يمكن العلاقات المعنية تحسين وإثراء نفسها أيضًا. يبدو الإجماع المتقاطع بالمعنى الذي يقول به راولز ثابت أساسا؛ فلا توجد تغييرات كبيرة داخل وجهات النظر العالمية أو رؤى العالم المختلفة، أو أنظمة القيم، أو المذاهب الشاملة بعد الدخول في مرحلة توافق الآراء. ذكر رولز أن الثقافة السياسية للديمقراطية الليبرالية يمكن أن تؤثر على رؤى العالم المختلفة، وأنه في ظل هذه الثقافة السياسية، ستصبح بعض هذه الرؤى أكثر عقلانية. لكن راولز لم يلتفت الى احتمال ظهوررؤى للعالم مختلفة في الحوارات ويحدث تغييرها وتحسينها من خلال هذه الحوارات أو على الأقل لم يشدد على هذا الأحتمال. "يطالب تايلور بأن" يسعى الإجماع المجرد "العاري" إلى المضي قدماً نحو اندماج الآفاق"؛[34] لكن لايوافق رولز على هذا الطلب، ونحن لانتفق معه ربما ايضاً، لأن الاندماج الكامل للآفاق ليس بالضرورة مرغوبًا فيه، حتى إذا كان ذلك ممكنا. لكن بعض المطالب الضمنية في فكرة "دمج الآفاق" تستحق اهتمامنا الجاد: فعلى سبيل المثال، علينا أن نبذل قصارى جهدنا لفهم فكرة لا نوافق عليها في البداية؛ وأن نبذل قصارى جهدنا لنكون غير عدائيين أزاءها وأكثر تسامحًا واحترامًا لها.

لم يعد الإجماع المتقاطع بهذا المعنى مجرد "حدث اجتماعي" كما أشار إلى ذلك هابرماس عندما أنتقد راولز، ولا حتى مجرد إنجاز إدراكي بالمعنى الذي يقول به هابرماس، ولكنه هو أيضًا نمواً روحياً أو تقدماً حضارياً شاملاً وخلاقاً على حد سواء. هناك العديد من الطرق المختلفة في العالم ولكنها تأخذ الوجهة نفسها. فهناك مائة المداولات ولكن تؤدي الى نتيجة واحدة: إن العلاقة بين " طرق مختلفة كثيرة" و"الوجهة نفسها"، وبين مئات المداولات" و"النتيجة الواحدة"، ليست علاقة بين وسائل وغايات، أو بين عمليات وأهداف. ولا تعني عمليات التعلم الجماعي والتقدم الحضاري بهذا المعنى، استبدال الواحدة بالآخرى، ولا نقل كل شيء إلى المستوى نفسه؛ وليس مضامينها أو مواضيعها محددة سلفا أو ثابتة إلى الأبد.

5

أريد أن أثير ، في الجزء الأخير من الدراسة، مسألة العلاقة بين النظرية والتطبيق، وهي محور اهتمام دائم لاسيما في التقليد الماركسي. في رأيي، يعتبر الوصول إلى توافق في الآراء بين الناس وبين الشعوب، ممارسة تاريخية المطلوب أن نشارك فيها جميعًا بطريقة معقولة.

تستحق بعض أفكار لي زيهو اهتمامنا في هذا الصدد بوصفه أحد أهم الفلاسفة الصينيين المعاصرين، أيً كفكر من اقصى الشرق يثني على أفكار فيلسوف من اقصى الغرب، أقصد على فكرة راولز حول "الإجماع المتقاطع"، وأحد المفاهيم الأساسية التي تتعلق بالتمييز بين "الحق" و"الخير". يرى لي زيهو هناك نوعان من الأخلاق، تسمى أحدهما "الأخلاق المجتمعية"، والآخر "الأخلاق الدينية". تهتم الأخلاق المجتمعية بمشكلة الحق، بينما تهتم الأخلاق الدينية بمشكلة الخير. يقول لي زيهو: تتفق نظرية راولز حول الإجماع المتقاطع مع هذا التمييز تمامًا، وهذا يعني فصل معايير العمل ومبادى الحياة في مختلف المجتمعات والمناطق والبلدان والثقافات في العالم الحديث عن العقائد والمعتقدات والعواطف والأخلاق التي تروج لها مختلف تقاليد الأديان و"العقائد"، وقطع العلاقات السببية لهذه المعايير والقواعد في المعنى التاريخي والنظري. لا نحتاج، على سبيل المثال، لتتبع مطالب الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية في المجتمعات الحديثة العودة إلى المسيحية أو الثقافة اليونانية؛ يجب أن نعترف بوضوح بأن هذه المبادئ السياسية والقانونية يتم اتباعها عادة في العلاقات الحديثة بين الأشخاص.[35]

تعبر الجملة الأخيرة من المقطع المذكور أعلاه عما يعتقد لي زيهو أنه فهمه الخاص أو إسهامه الخاص في فهم فكرة "الإجماع المتقاطع". لا يبدو أن رولز، وفقًا لما قاله لي زيهو، قد قدم تفسيراً واضحًا للسؤال عن كيف يمكن تحقيق الإجماع المتقاطع على مستوى الأخلاق السياسية المنفصلة عن التقاليد الدينية أو الثقافة أو المعتقد ومن أين يأتي ذلك الأجماع. يعتمد رد لي زيهوعلى هذه المشكلة على الأطروحة الماركسية الكلاسيكية القائلة بأن القانون والأخلاق باعتبارها بنية فوقية يتحددان على أساس الحياة الاقتصادية والمادية: فالموضوعية الشاملة والعالمية لما يسمى "الأخلاق المجتمعية الحديثة"، كما يقول لي زيهو، تأتي من تقارب العالم أو الأندماجه في حياتنا الاقتصادية.[36] وإن التغييرات في حياتنا الأخلاقية والروحية، نتيجة للتقارب في حياتنا المادية اليومية، بما في ذلك الضروريات الأساسية للحياة، والرعاية الطبية، والعمل، والنقل، والترفيه، والمعلومات، وما إلى ذلك، أنه لا مفر منها في اتجاه تنامي الوعي الذاتي للفرد وتحريره واستقلاله. فيقول: وهذا هو"ما تطلبه الليبرالية والأخلاق المجتمعية الحديثة".

إن للأفراد فقط الالتزام بالحد الأدنى من الواجبات في الحياة الحديثة، واتباع الحد الأدنى من القواعد أو المعاييرالعامة، مثل الاحتفاظ بالعقود، ورعاية الممتلكات العامة، واحترام النظام، واتباع القواعد الأخلاقية المهنية، والوفاء بالخدمة العسكرية الإلزامية، وتجنب إلحاق الأذى بالآخرين، إلخ. إن انتهاك هذه المطالب "غير أخلاقي" بغض النظر عما إذا كانت انتهاكًا للقانون أيضًا، لأنها تضر بترتيب حياتنا المشتركة وحقوق الآخرين.[37]

يؤكد لي زيهو على أهمية مشكلة الأساس التاريخي أو الواقعي لفكرة " الإجماع المتقاطع" وهو محق في ذلك. فهذه المشكلة مهمة لأن الكثير من الناس في هذه المجتمعات الثقافية المختلفة يقبلون ويتبعون المعايير أو المبادئ نفسها، لذا المطلوب شرحها وتفسيرها لهم من منظورين على الأقل. من ناحية ، تعتبر هذه المعايير المقبولة عالميًا متطلبات وظيفية للأنظمة التي تقود حياتنا ونعيش بها بالمعنى الحديث؛ وطالما تعمل هذه الأنظمة، فهذه المعايير لها قوة ملزمة يتعين علينا الخضوع لها. من ناحية أخرى، نتيجة لحياتنا في هذا العالم الحديث حيث يتم اتباع هذه المعايير كقاعدة، فإننا نميل إلى استيعابها وأستبطانها؛ أو، بعبارة أخرى، لقد أصبحنا اجتماعيًين بشكل أو بآخر بطريقة تنظمها هذه المعايير. ولا يفسرهذا سبب وجوب اتباع هذه القواعد المشتركة فقط ، ولكن أيضًا لماذا نحن على استعداد دائمًا لأتباعها. تقع على النظريات الأخلاقية إعطاء إجابة مبررة من الناحية النظرية على السؤال "الحديث" المشهور "لماذا نكون أخلاقيين على الإطلاق؟". لكن طالما تعمل، ما أطلق عليها لي زيهو "الأخلاق المجتمعية"، بشكل جيد بالنسبة للأشخاص العاديين الذين خضعوا لعمليات تنشئة اجتماعية طبيعية، فليس هناك مشكلة بالمعنى الحقيقي. أن مشكلة "لماذا تكون أخلاقية؟" (أو "لماذا تكون أخلاقية بالطريقة التي تحددها" الأخلاق المجتمعية "بالمعنى الذي يقول به لي زيهو؟) تم حلها من الناحية النظرية، وفي الممارسة أو في الحياة اليومية. وهذا الحل متضمن فكرة ماركس التي تقول: تجد "الألغاز التي ضللت النظرية حلها العقلاني في الممارسة الإنسانية وفي فهم هذه الممارسة".[38] ومن هنا جاءت الفكرة الماركسية حول أولوية "تغيير العالم" على "تفسيره".[39]

ولا ينبغي لنا، وبالروحية نفسها، أن نبحث عن الأساس الفعلي للرغبة أو للاستعداد لأتباع المعايير المشتركة فقط، ولكن البحث عن الأساس الفعلي لرغبة كل منا في احترام "المصادر الأخلاقية" للمعايير المشتركة أيضًا. علاوة على ذلك، لا ينبغي لنا أن نبحث عن الجهود الفعلية لبناء الأساس الفعلي للرغبة في اتباع المعايير المشتركة فقط ، ولكن نحترم مبررات ودوافع الآخرين التي تستند الى قيًم لأتباع هذه المعايير في الوقت نفسه. إن الإجماع المتقاطع "ليس مجرد فكرة تمت مناقشتها في الفلسفة السياسية، ولا مجرد حقيقة مكتشفة في الثقافة السياسية، ولكن هدف يجب أن نسعى لتحقيقه في الممارسة السياسية أيضًا.

ولكن لا يكفي، في رأيي، رؤية الضرورة الوظيفية للمعايير الاجتماعية المشتركة والآلية النفسية لاتباع هذه المعاييرفقط. فلا ينبغي لنا، على وجه الدقة، إهمال بُعد صحة المعايير أو أختصارمشكلة صلاحيتها بمشكلة واقعها. ترتبط هاتان المشكلتان ارتباطًا وثيقًا وعلينا أكتشافها من خلال دراسة التاريخ الفكري العربي/ الإسلامي في العقود الماضية. لكن لاتعني العلاقة بينهما تكامل الاثنين أو أندماجهما. ولا ينبغي لنا أن نفسر و نوضح كيف ولماذا يتم قبول معايير "الأخلاق المجتمعية" بشكل شامل ولكل شخص فقط، ولكن أن نفسر ونشرح أسباب لماذا تستحق هذه المعايير أن تكون مقبولة بشكل شامل ولكل شخص أيضًا. يجب ألا نقبل أي شيء "كـواجب" لأنه ببساطة أصبح " موجود" أو بسبب التنبؤ بأنه سوف يصبح "موجود". هناك دائمًا عناصر متعددة وممكنات في الواقع، ونحن بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن هذه العناصر والإمكانيات التي يجب حفظها أو تطويرها أو تحقيقها، والتي يجب تقليلها أو حتى إزالتها من ناحية. ومن ناحية أخرى، نحن الآن في وضع تكون فيه وسائلنا التقنية لإعادة بناء بيئتنا وحتى على مستوى الكرة الأرض ككل قوية جدًا لدرجة أن بعض إساءة استخدام هذه الوسائل يمكن أن يؤدي إلى عواقب قد لا تكون لدينا وأجيالنا القادمة على الأرجح فرصة للتعويض. ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون لأطروحة ماركس الشهيرة: "يصنع البشر تاريخهم الخاص، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، ولكن في ظل الظروف المعطاة أو التي يجدونها قائمة، وموروثة من الماضي".[40] قراءة جديدة. صحيح أننا لا نصنع تاريخنا كما يحلو لنا، ونصنع دائمًا التاريخ في ظل ظروف قائمة مستقلة عنا ارادتنا وآتية من الماضي. لكن، إذا كان لدينا فقط، وأعتقد أن لدينا، مساحة صغيرة لأختيار القيام بهذا وليس ذاك، فينبغي أن نكون واضحين في حقيقة أن خيارنا الآن سيصبح على الفور جزءًا من "الظروف القائمة والتي عثرنا عليها مباشرة، وأنها ستكون منقولة أو موروثة من الماضي بالنسبة للأجيال اللاحقة. ونظرًا لحجم القوة التكنولوجية التي لدى البشرية في هذا العصر، فيمكن لخطا صغير نرتكبه الآن أن يحدث فرقاً كبيراً في المستقبل. وبهذا المعنى، لدينا مسؤولية تجاه أجيالنا المستقبلية لا تقل عن أي أجيال سابقة كانت تتحملها أجيالها اللاحقة. من غير المنطقي والخطير في ظل هذا الشرط التأكيد على أولوية التغييرات الاجتماعية أكثر من التغييرات الأخلاقية وتبرير الصلاحية الشاملة العالمية لمعايير العمل العامة من حيث التقاء الحياة الاجتماعية والمادية فقط.

إن السبب وراء ضرورة أخذ فكرة الإجماع المتقاطع على محمل الجد، في الواقع، هو حقيقة أن العولمة الاقتصادية المتسارعة التي تعززها تكنولوجيا المعلومات ونظام التجارة العالمي لديها ميل إلى تسوية الاختلافات الثقافية وتجانس مناطق ثقافية مختلفة في العالم. بدون تنظيم عملية هذه العولمة العملية، تصبح ستجد الحياة الاجتماعية والمادية "أرضية موضوعية" ليس فقط من أجل الصحة العالمية للمعايير الثقافية العابرة للعمل الاجتماعي، ولكن أيضًا لقمع واستبدال أو الحل محل التنوع الثقافي والقيمي. المطلوب أن نكون جادين في فكرة الإجماع المتقاطع من أجل مقاومة "الميل الموضوعي" للتجانس والحد من الثقافات والقيم المتعددة.

لذا تحتاج الأطروحة الماركسية حول العلاقة بين النظرية والتطبيق، إلى دراسة جادة وفهم متجدد عند تطبيقها في مناقشتنا فكرة الإجماع المتقاطع. استصواب الإجماع المتقاطع وإمكانية توافق الآراء في أيامنا هذه مسألة نظرية وعملية، وينبغي النظر إلى الاتصال الوثيق لهذين الجانبين.

أولاً ، تعني "الممارسة" هنا الجهود المشتركة للناس على مستوى المجتمعات المحلية أو الدولية. والاعتراف بأنه في كلا النوعين من المجتمعات هناك مهمة لإقامة "إجماع متقاطع"، ولابد أن نكون واضحين في التمييز بين الحالتين: فبينما حدود المجتمع المحلي عادة هي نفسها الدولة ذات السيادة، لاتوجد حكومة عالمية للتفاعل مع المجتمع الدولي. لذلك، من المهم جدا بذل المزيد من الجهود لدراسة حدود وخصائص "التعددية" و"التوافق" في كل حالة بذاتها.

ثانياً ، تعني "النظرية" هنا التسويغ النظري لكل من الصلاحية الشاملة العالمية للمعايير والتوافق المتبادل بين المعايير العامة والقيم الخاصة. كلا النوعين من التسويغ صعب، والأخير هو الأكثر صعوبة. إن أعتبار "الإجماع المتقاطع" بلا معنى لايجد عندها التوافق المعايير والقيم مايستند اليا.

وأخيراً وليس آخراً، لا يعني "الجمع" بين النظرية والتطبيق هنا أن يهتم المتخصصين في التنظير أكثر بالأساس العملي لنظرياتهم وأولئك المتخصصين في التطبيق أو الممارسة يجب أن يهتموا أكثر بالتوجيه النظري فقط ، ولكن يعني أيضًا أن كلا النوعين من الاشخاص عليهم أن يحاولوا الجمع بين المواقف النظرية والعملية في كيفية أداء عملهم وكذلك في ما يفعلونه. فمن ناحية، أن يدرك أولئك الذين من المفترض أن يقوموا بعمل نظري أنهم "يغيرون" العالم من خلال "تفسير العالم" في عالم مليء بالكلمات الأساسية مثل " الاقتصاد القائم على المعرفة " "عصر المعلومات"و" استهلاك الرموز". يذكرنا الوعي العملي، من منظور فكرة " الإجماع المتقاطع"؛ بأولئك الذين ينأخذون بنظر الأعتبار أهمية تجنب ومقاومة الأنشطة التي من شأنها إلحاق الأذى بثقافات المجتمعات الأخرى باسم حرية التعبير التي شوهدت في بعض البلدان الأوروبية في السنوات الأخيرة. من ناحية أخرى، يجب أن يدرك من يقومون بالتطبيق أو هذه الممارسات الالتزام بالمشاركة في الخطابات المستنيرة من أجل بناء قراراتنا لأتخاذ إجراءات مشتركة على أحكام مستنيرة ومدروسة جيدًا. ويذكرنا الوعي النظري، من وجهة نظر فكرة "الإجماع المتقاطع"، بأهمية أن يبذل العاملين بالمجال العملي المزيد من الجهود لإدراج وجهات نظر ثقافية ومواقف قيمية مختلفة في عمليات التداول المتعلقة بصنع القرارات وتنفيذها طالما لم تنتهك المبادئ العالمية والمعايير المشتركة.

 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[1]John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard Uni­versity Press, 1971, p. 387.

[2] John Rawls, 'The Domain of the Political and Overlapping Consensus," in John Rawls, Collected Papers, ed. Samuel Freeman (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999), p. 473.

[3] John Rawls, Political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1996), pp. 173, 212.

[4] Rawls, Political Liberalism, p.36.

[5] John Rawls, "Reply to Habermas," in Rawls, Political Liberalism, pp. 388-389.

[6] Jurgen Habermas,2002On the Pragmatics of Social Interaction: Preliminary Studies in the Theory of Communicative Action, MIT Press (MA). p. 137.

[7] Jurgen Habermas, Between Facts and Norms Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, trans. William Rehg (Cambridge, MA: The MIT Press, 1996), p. 107.

[8] Rawls, Political Liberalism, p. 58.

[9] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation; in Philosophy beyond Borders: An Anthology of Norwegian Philosophy, ed. Ragnar Fjetland and Nils Gilje (Bergen: SVT Press, University of Bergen, 1997), p. 276.

[10] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation. p. 276.

[11] Harald Grimen, "Reasonable Disagreement and Epistemic Resignation. p. p. 289 n. 3.

[12] Jürgen Habermas, On the Pragmatics of Social Interaction: Preliminary Studies in the Theory of Communicative Action,MIT Press, 2002, p.135.

[13]Harald Grimen, ''Reasonable Disagreement; • pp. 279-280. See John Rawls, "The Idea of an Overlapping Consensus," in Rawls, Collected Papers, p. 434.

[14] Rawls, Political Liberalism, p. 49.

[15] Rawls, Political Liberalism, p. 59.

[16] Charles Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights,'' East Asian Challenge for Human Rights, ed. Joanne R. Bauer and Daniel A. Bell (London: Cambridge University Press,1999), p. 124.

[17] Charles Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights,'' East Asian Challenge for Human Rights, p.125.

[18] Jurgen Habermas, ''Reconciliation through the Public Use of Reason," The Journal of Philosophy 92, no. 3 (March 1995): 115.

[19] Jurgen Habermas, The Theory of Communicative Action, Volume 2, trans.Thomas McCarthy (Boston: Beacon Press, 1987, p. 174).

[20] Habermas, ''Reconciliation," ''Reconciliation through the Public Use of Reason,” p. 122.

[21] Rawls, "Reply to Habermas," pp. .386-387.

[22]Rawls, Political Liberalism. p. 385.

[23] Rawls, Political Liberalism, pp. 3--4.

[24]Habermas, Between Facts and Norms, p. 62.  مقتبس من :

[25] Habermas, "Reconciliation,'' p. 122.

[26] Rawls, Political Liberalism, p. 176.

[27] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity (Cambridge, Harvard MA: University Press,1989), p. 515.

[28] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 515.

[29] Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 516.

[30]Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modernity Identity, p. 521.

[31] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 137.

[32] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[33] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[34] Taylor, "Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights; ' p. 138.

[35] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999 (Beijing: SDX Press), p. 71.

[36] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999, p. 71.

[37] Li Zehou: Historical Ontology and Five Essays from 1999, 72.

[38] Karl Marx: 'Theses on Feuerbach," in The Marx-Engels Reader, second edition, ed. Robert C. Tucker (New York/London: W.W. Norton &Company, 1978), p.145.

[39] أشير هنا إلى أكثر الاراء شهرة لكارل ماركس في كتابه "أطروحات عن فويرباخ": "لقد قام الفلاسفة بتفسير العالم فقط ، بطرق مختلفة؛ لكن الهدف من ذلك هو تغييره". أنظر: Tucker, The Marx-Engels Reader, p. 145.

[40] Karl Marx: 'The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte," in Tucker, The Marx-Engels Reader, second edition, p. 595.

 

ميثم الجنابيقراءة فلسفية جديدة لفلسفة ابن خلدون (6)

لفد توصل ابن خلدون في احد استنتاجاته للقول بأن "البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما، لأنه أول مطالب الإنساني الضروري. ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها"[1]. وليس هذه الاستنتاج سوى الصيغة العامة التي تحدد فكرة الترابط التاريخي والانتقال العضوي في المسار التاريخي.

وحدد هذا بدوره ما يمكن دعوته بفلسفة الدولة والنظام السياسي، أي تفسير الأسباب القائمة وراء ظهور الدولة أولا ثم نظامها السياسي ثانيا. ومن خلالهما وفي مجراهما تتبلور معالم الثقافة الخاصة ونمطها الحضاري. ذلك يعني إن الدولة بالنسبة لابن خلدون هي مقدمة التاريخ الفعلي، أو تاريخ العمران المدني، أي الحضاري. وأسس لهذه الفكرة من خلال دراسة أهمية وفاعلية الصراع الاجتماعي والسياسي بوصفه القوة الصانعة للدولة. فالدولة بالنسبة له تظهر بأثر الصراع، وإن الصراع هو أسلوب وقوة ظهور الدولة. وبالتالي، فإن ظهور الدولة مرتبط بالصراع الاجتماعي السياسي، بوصفه القوة القادرة على ضبط الجميع بالقوة والقانون. لقد أبعد ابن خلدون القوى الغيبية و"الطبيعة الإنسانية" من تفسير التاريخ ومساره، واستعاض عنهما بقوة العلاقات المادية (الاقتصادية والسياسية) ونشاط الناس، باعتبارها عملية طبيعية. وبهذا يكون قد سحب البساط من تحت الأرجل العرجاء للخرافات والأساطير، ومن ثم الرؤية الأسطورية والخرافية.

إن وضع هذه الفكرة، هو بحد ذاته انجاز هائل للفكر التاريخي وفكرة التاريخ وفلسفته. فإذا كانت الدولة بالنسبة للفكر التاريخي السابق له تندرج أو تتطابق مع جرد أحداثها وما وقع فيها، فإنها تتحول في فكر ابن خلدون ورؤيته التاريخية ومنهجه الفلسفي، إلى حالة أو صيرورة يفترض إدراكهما الصحيح تأمل ماهية الدولة نفسها وبداية نشوئها وكيفيتها وأسبابها. ليس ذلك فحسب، بل وتتبع أيضا الغاية من نشوئها. وبالخلاف عن كثير ممن قبله وبعده (مثل هيغل) لم يتناول هذه القضية بمعايير الفكرة الغائية ولا العقل الآلهي ولا الله، بل نظر إليها باعتبارها عملية طبيعية. انه نظر إلى ظهور الدولة وتطورها واندثارها على أنها عملية طبيعية (كما سيقول بها ماركس لاحقا). من هنا حديثه عن أولوية الدولة والعمران وضرورة معرفة علل وجودهما وأسبابه. ذلك يعني، إن مسار التاريخ بالنسبة له لم يكن (ولم يعد) مسرحا للصدفة أو الإرادة العابرة أو العناية الإلهية أو الفكرة المجردة.

ووضع الأسس النظرية لهذه الفكرة في آرائه القائلة، بأن الشيئ الطبيعي في صيرورة الدولة هي الغلبة بالعصبية. وبالتالي، فإن الدولة تشكل بداية نفي البداوة ومن ثم إرساء أسس الحضارة، كما في قوله "طور الدولة من أولها بداوة"[2]. فالدولة هي القوة الضرورية لتنظيم حياة البشر وإيقاف النزعة الحيوانية عند حدودها والاستعاضة عنها بقوة القانون. من هنا اعتباره للمك "منصب طبيعي للإنسان". وذلك لأن البشر لا يستطيعون العيش إلا باجتماعهم وتعاونهم على سبل تحصيل قوتهم وضرورات الحياة. من هنا ظهور أساليب المعاملة، ولاحقا السلطان من اجل تنظيم الحياة لما في "الطبيعة الحيوانية من الظلم والجور"[3]. وانطلق فيموقفه هذا من أن وجود البشر فوضى وحرب ودمار بدون الحكم والحاكم، الذي يزع بعضهم إلى بعض. فالحكم والحاكم هو الوازع الأكبر. والحاكم بمقتضى "الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"[4].

من هنا تتضح معالم الفكرة التي أراد ابن خلدون التأسيس لها، ألا وهي إن الدولة تظهر قبل المدن. والمدن هي امتداد وتجسيد لما في الدولة من إمكانية على العمران الجديد. لكن العمران وتوسعه مرتبط بالدولة. فكلما توسعت الدولة كلما توسع العمران. وبالتالي، فإن كثرة الثروة مرتبطة بكثرة الأعمال. لاسيما وإن العمل، حسبما يقول ابن خلدون، هو مصدر الثروة. ومن ثم، فإن كثرة الأعمال هي مصدر الرقي والعمران الواسع من الرفاهية والترف والغنى كما في قوله "إذا كثرت الأعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ودعتهم أحوال الرفاه والغنى إلى الترف وحاجاته"[5].

وشكلت هذه المقدمة النظرية العامة منطلق رؤية لكل ما يحدث في مجرى صيرورة الدولة ونظمها السياسي، بما في ذلك الكوامن الدفينة فيها والتي تؤدي مع مرور الزمن إلى ضعف وانحلال الدولة نفسها، لكي تظهر من جديد بعصبية جديدة. وذلك لأن تاريخ الدولة هو حركة دائمة ومتنوعة من الصيرورة والفناء، أي كل ما يشكل مضمون التاريخ السياسي والاجتماعي والحضاري للوجود الإنساني. من هنا نقده العميق لما يمكن دعوته بذهنية الطلاسم والخزعبلات في موقفها من الأسباب الكامنة وراء ظهور الدولة وانحلالها، أي أمام الحالة الفعلية للتاريخ السياسي ومستقبله. وانطلق في موقفه هذا من أن التشوف إلى المستقبل ومحاولة معرفة ما سيحدث صفة ملازمة للبشر. وتناول مختلف نماذج هذه الذهنية التي ظهرت وتبلورت في تاريخ الإسلام والدول الإسلامية. واعتبرها اقرب ما تكون إلى ألغاز ورموز في النظر إلى الواقع والمستقبل. وعثر على نماذج عديدة لها مما يسمى بكتاب الجفر وقصائد شعرية منسوبة إلى ابن سينا وابن عربي وغيرهم. واعتبرها جميعا لا أساس علمي لها وفيها بما في ذلك من حيث نسبتها. كما أنها غير مفهومة. بل وجد في هذا النوع من الألغاز والطلاسم أساليب للحيلة والدهاء السياسي، وكذلك أحد المؤشرات على انحلال الدولة. وبالأخص حالما تتحول الحيلة والخزعبلات إلى قوة سياسية فاعلة في تعيين أو عزل الوزراء وما شابه ذلك[6].

وقد يكون نقد الاستبداد السياسي وما يرافقه من الظلم والجور وضعف العدالة وانعدام المساواة، بوصفها مقدمات انحلال الدولة وسقوطها إحدى أهم الأفكار النقدية والمستقبلية أو ما يمكن دعوته بفكرة الدمار الكامن في الظلم بالنسبة للدولة والمجتمع. ولم تكن هذه الفكرة مجهولة بالنسبة للفكر السياسي الإسلامي، غير أنها كانت في الأغلب تندرج ضمن سياق الرؤية الأخلاقية والموقف الأخلاقي. وفي حالات معينة كانت ترتقي إلى مصاف الفكرة الشرعية، أي النظر إليها بمعايير القانون. لكنهما كلاهما كانا أقرب إلى النصيحة والاعتبار. ومن ثم لم يرتقيا من حيث الجوهر إلى مصاف الفكرة السياسية المستقلة، التي تسحب وراءها الموقف الأخلاقي لا أن تختبئ خلفه. والجديد الذي قدمه ابن خلدون لهذا الصدد هو ابراز الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لماهية وأثر الظلم والاستبداد. من هنا قوله، بأن "العدوان على الناس في اموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت ايديهم عن السعي في ذلك. وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب"[7]. وتوصل بأثر تأمل الواقع وتجارب الدول والأمم على ممر التاريخ إلى استنتاج يقول، بأن "الظلم مخرب للعمران، وإن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض. ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها ولم يقع فيها خراب. واعلم إن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر. فلما كان المصر كبيرا وعمرانه كثيرا واحواله متسعة بما لا ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرا، لأن النقص إنما يقع بالتدرج. فإذا خفي بكثرة الأحوال وإتساع الأعمال في المصر لم يظهر أثره إلا بعد حين. وقد تذب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خراب المصر"[8]. بمعنى إن الخراب المترتب على الظلم والفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى خراب الدولة والحضارة بغض عما يبدو على سطح الوجود من هدوء نسبي. وذلك لأن كمية الخراب أو التدرج فيه يؤدي مع مرور الزمن الى تحول نوعي تندثر فيه الدولة قبل أن تخرب البلاد. وبالتالي، فإن العبرة العميقة تقوم هنا ليس في النظر إلى مظاهر الموجودات، بل إلى حقيقة الوجود الفعلي للدولة والحضارة. من هنا موقفه النقدي العميق الذي شدد فيه على نوعية الظلم الاجتماعي والاقتصادي، باعتباره أس الظلم السياسي والخراب العمراني، كما في قوله:"من أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الأعمال وتسخير الرعايا بغير حق"، وإن "تكرر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا عن السعي فيها جملة. فأدى ذلك إلى انتقاض العمران"[9]. وأعظم من كل ما سبق هو "التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع. إن نتيجة هذا السلوك تؤدي إلى خسارة رأس المال عند الجميع ومن ثم كساد الأسواق"[10].

لقد بحث ابن خلدون في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، باعتبارها كلا واحد قائما وفاعلا بالنسبة لإرتقاء الدولة وسقوطها. فإذا كان صعود الدولة مرتبط بصعود العصبية واستحكامها وقدرتها الفعلية على الاستيلاء على الملك (السلطة) ومن ثم الدولة، فإن سقوطها هو النتيجة المترتبة على ضعف وإنهاك العصبية بوصفها العلمية التي تلازم تطور الدولة والحضارة وما يرافقه في الأغلب من نخر لمكوناتها ومقوماتها بأثر الظلم الاجتماعي الاقتصادي والجور السياسي أو الاستبداد. وكشف ابن خلدون عن مختلف مظاهر انحلالها وسقوطها قبل انهيارها التام. وقد اشار من بين أغلب مظاهر الانحلال وسقوط الدولة والحضارة إلى ظاهرة الحجاب. وتوصل في مجرى ملاحظاته التاريخية إلى أن ظاهرة احتجاب الملوك عن الرعية هو "دليل على هرم الدولة ونفاد قوتها والخشية على أنفسهم"[11]. لكن الشيء الأهم والأعمق في أفكار ابن خلدون بهذا الصدد تقوم في تحليله لكيفية حدوث الخلل في الدولة. واعتبر أن خللها الجوهري يقوم في خلل الأسس التي تبنى عليها الدولة نفسها، وأفرز من بينها سببان أساسيان هما كل من الجيش والمال. فالملك، كما يقول ابن خلدون مبني على أساسين إذا تطرق الخلل إليهما تخلخلت الدولة وهما كل من شوكة العصبية والمال. والمقصود بالشوكة والعصبية كما يقول ابن خلدون هو الجند. وحالما تأخذ العصبية بالتحلل بأثر تطور الدولة والحضارة، فإنها تفقد أحد أسسها الضرورية. وليس مصادفة أن يتوسع بهذا الصدد على مثال الفكرة والحالة السياسية المقلقة آنذاك، ألا وهي قضية وفكرة المهدي السياسية. وتوصل بأثر دراستها وتحليلها ونقدها إلى استنتاج عام كرره في مواقع عديدة من مقدمته ألا وهو تقرير ما يرتقي عنده إلى مصاف البديهة السياسية وهي انه "لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية، تظهره وتدافع عنه... فعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلا ما بقي في الحجاز"[12]. أما السبب الثاني فهو قوام الجند وما تحتاج إليه الدولة[13]. وبالتالي، فإن كثرة الإسراف فيه عدوى للمجتمع، بحيث يؤدي إلى أن يصبح التبذير من أخلاق الجميع. وتضافر هذين السببين يؤدي بالضرورة إلى الاستبداد والظلم، من ثم تفكك الدولة إلى دويلات حتى تظهر قوة أقوى وأشد تقضي عليهم[14]. وتوصل بأثر ذلك إلى استنتاح عام يقر بأن نزول الانحلال في الدولة والانحطاط في الحضارة يؤدي إلى حالة لا يمكن إيقافها. واعتبر ذلك أمرا طبيعيا بل وضروريا، أي ملازما للوجود نفسه. فالعوارض المؤدية إلى هرم الدولة عديدة، كما يقول ابن خلدون، و"إنها كلها أمور طبيعية لها. وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الأمراض. وما يحدث للدولة نفس الشيء وتلافيه أمر مستحيل"[15]. ويمكن ايقافه مؤقتا أو جزئيا فقط، أما الزوال فلا!

إن هذه النتيجة القاسية، التي تقفل إمكانية الإصلاح، ومن ثم الاستناد عليه في التطور المستديم، تستمد مقوماتها من التاريخ الفعلي السابق والمعاصر لابن خلدون. وقد يكون هذا الاستنتاج يحمل في أعماقه نوعا من التشاؤم المغري عن أن النهاية واحدة لابد منها، وهي حتمية الموت والزوال. ومن ثم يضع الفكرة السياسية والتأمل النظري تجاه الحاضر والمستقبل أمام تأمل العبرة الضرورية ومواجهتها كما هي. بينما يمكنها أن تجبر السلطة والنظام السياسي على النظر الى المستقبل بمعايير هذه الحتمية القاتلة. مع إن تجارب التاريخ القديم والمعاصر تكشف عن أن العبرة لا يمكنها صناعة رؤية سياسية عقلانية دائمة على الأقل ما زال الوجود الإنساني لم يتجاوز حالة وجوده الطبيعي إلى مراحل التاريخ الماوراطبيعي.

وقد اقلقت هذه الحالة الحرجة للوجود التاريخي السياسي ذهنية ابن خلدون وتأمله المستقبلي. لكنه بقي حيا وفاعلا ضمنها بوصفها الحالة الطبيعية كالهرم والموت بالنسبة للإنسان. وبالتالي، فإن الإقرار بيقين الموت لا ينفي العمل من اجل الحياة، بل على العكس انه يدفع به صوب المعنى و"حقائق الأبد"، والذي وجد تعبيره عند ابن خلدون بما يمكن دعوته بفلسفة العبرة التاريخية والسياسية.

ينطلق اين خلدون من أن حقيقة الدولة هي العمران، وأن كل منها هو ظاهر وباطن الآخر. من هنا تشديده على الترابط الجوهري بينهما. فهو ينطلق من أن العمران البشري لابد له من سياسة ينتظم بها أمره. ذلك يعني إن العمران المتطور والحفاظ عليه وديمومته وتطوره يفترض وجود مؤسسة سياسية هي الدولة ونظام حكمها، أي نظامها السياسي. وهذا بدوره وثيق الارتباط بالأسس الطبيعية الضرورية القائمة في اجتماع البشر. ووضع ابن خلدون هذه في عبارة تقول، بأن "الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران". وانه "لابد لهم في الاجتماع من وازع حازم يرجعون إليه وحكمه"[16]. وإن هذا الرجوع للحكم تارة يكون مستندا إلى شرع، وتارة إلى سياسة عقلية وتارة إلى سياسة مدنية. وهي الأشكال التي عثر عليها في مجرى تأمله للتاريخ السياسي للأمم السابقة والمعاصرة له، أي للتاريخ الإنساني العام. فالمشترك بينها هو السياسة، بينما أساليبها تختلف بما يستجيب للمقدمات النظرية أو العقائدية لكل منها.

فما يميز السياسة الشرعية: هو ربطها للدين والدنيا بالشكل الذي يجعل من سلوك الإنسان والجماعة والأمة محكوما بفكرة ايمانية حول جوهرية الثواب والعقاب. بمعنى جمعها بين الرؤية الإيمانية والعقلية. إنها تأخذ من السياسة العقلية ما يتعلق بالسلطان، لكنها تضيف لهما وتحتكم أيضا إلى قوانين الشرع وقيم الإسلام الأخلاقية وآدابه. وقدم وصية طاهر بن الحسين (ت- 207 للهجرة) لابنه عبد الله عندما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما عام 206 للهجرة، نموذجا لهذه الرؤية وليس استنفاذا تاما لها. اما السياسة العقلية، فإنها ترفع فكرة الثواب إلى رؤية الحاكم، أي إلى السلطة السياسية. فهي التي تحدد معنى وحقيقة الثواب انطلاقا من إدراكها لحقيقة المصلحة العامة. وهي سياسة، كما يقول اين خلدون، محكومة بالمنفعة الدنيوية. بمعنى إن نفعها في الدنيا فقط. الأمر الذي حدد طبيعة عملها وأساليبها لبلوغ الغاية. فهي تعمل على وجهين كما يقول ابن خلدون. الأول ويراعي فيها المصالح العامة ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، كما كان الحال عند الفرس وهي سياسة الحكمة، والثاني يراعى فيها اساسا مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة. بمعنى إنها تتمثل أما تقاليد الحكمة العقلية أو تقاليد القهر والاستبداد. أما الثالثة فهي السياسة المدنية، التي تتطابق في فكر وموقف ابن خلدون مع فكرة المدينة الفاضلة التي يقول بها الفلاسفة. الأمر الذي يجعلها تختلف اختلافا هائلا عما هو سائد في الوعي العادي عنها. وذلك لأن مقصودهم بالسياسة هنا ليس ما هو موافق للسياسة الشرعية والعقلية، كما يقول ابن خلدون، بل لمراد آخر وهو "إن هذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها على جهة الغرض والتقدير".

بهذا يكون ابن خلدون قد اقر بتنوع النماذج السياسية في الحكم دون أن يفصح عن أفضلية أي منها بصورة مطلقة، رغم انه يميل نسبيا إلى أفضلية السياسة الشرعية التي تتطابق في نظره ومواقفه مع فكرة الشرعية الإسلامية. والسبب يقوم في أنها تحافظ على وحدة الروح والجسد، والحياة وما بعدها، ومن ثم تضمن للإنسان حقوقه بمعايير الفكرة المتسامية، وليس حسب الاجتهاد السياسي العقلي الذي لا يخلو من نفسية وذهنية المصلحة والنزوات وما شابه ذلك. أما الفكرة الفلسفية عن المدينة الفاضلة، فإنها تتخذ في رؤية ابن خلدون منحى الصيغة المثلى والنموذجية ولحد ما الخيالية، لكنها تحتوي على جميع الفضائل التي يمكنها استثارة الوعي السياسي لبلوغ الكمال. مع إن كل ما في فكر ابن خلدون أقرب إلى الواقعية الصارمة التي لا يتخللها أي مزاج خيالي من أي نوع كان.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] ابن خلدون: المقدمة، ص97.

[2] ابن خلدون: المقدمة، ص136.

[3] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[4] ابن خلدون: المقدمة، ص148.

[5] ابن خلدون: المقدمة، ص286-287.

[6] ابن خلدون: المقدمة، ص271. هنا ملاحظة واقعية ودقيقة. إذ إننا نعثر على مختلف مظاهر هذه الحالة زمن انحطاط الدول والمجتمعات بما في ذلك الحديثة. ففي مجرى انحلال الدولة السوفيتية نهاية القرن العشرين اخذت الطلسمات والسحر (تحت غطاء علم النفس وما شابه ذلك) وغرائب الوعي البدائي بالانتشار السريع بحيث احتلت الشخصيات "السحرية" موقعا مهما في الوعي الاجتماعي والسياسي وشاشات التلفزيون والجرائد. وهذه بدورها لم تكن معزولة عن "السحر السياسي" أي التلاعب بعقول البشر والوعي الجمعي. وهي ملاحظة اكتشفها ابن خلدون قبل قرون عديدة من الزمن.

[7] ابن خلدون: المقدمة، ص227.

[8] ابن خلدون: المقدمة، ص228.

[9] ابن خلدون: المقدمة، ص229.

[10] ابن خلدون: المقدمة، ص229.

[11] ابن خلدون: المقدمة، ص231.

[12] ابن خلدون: المقدمة، ص259.

[13] ابن خلدون: المقدمة، ص233.

[14] ابن خلدون: المقدمة، ص236.

[15] ابن خلدون: المقدمة، ص232-233.

[16] ابن خلدون: المقدمة، ص240.

 

حيدر جواد السهلانييقول عبد الرحمن بدوي: "إن فلسفة جبرييل مارسيل (1889- 1973) يستمدها من تجاربه الذاتية والباطنية، ولهذا أتخذت تأملاته صورة اليوميات، ولا نجد له أثراً فلسفياً على هيئة كتاب، إنما كل انتاجه يوميات أو مقالات، ولهذا يصعب، بل يستحيل عليه أن يستخلص من مؤلفاته مذهباً محكم، اذ مارسيل صاحب خواطر وشذرات، ولذلك جاءت فلسفته غير تامة."(1) ويرى بوشنسكي أن موقف مارسيل مغرق في رفض إقامة نظام فلسفي، مما ينتج عنه أن مذهبه يبدو أصعب فهماً في جملته من مذهب أي فيلسوف وجودي آخر، والواقع أنه لم يوجد أحد من الباحثين نجح حتى اليوم في عرض فلسفته على نحو منظم، لهذا السبب سنذكر الأمور الجوهرية في العرض الذي يلي.(2) وقد أتجه البحث الفلسفي عند مارسيل منذ البداية إلى توضيح مانسميه (بوجود الله) و(خلود الروح) ويعتقد مارسيل أنه قبل أن نعرف ما إذا كان من الواجب علينا أن نسلم أو لانسلم بوجود الله، لابد من أن نوضح أولاً معنى كلمة (وجود) ذلك أن حل هذا المشكلات الأساسية التي هي بحكم تعريفها تتعلق بوجود ما وتضع وجودي موضع السؤال، لا يمكن أن نتصوره إلاداخل إطار فلسفة عينية، وعلى هذا فقد كان مارسيل يطمع في إقامة (فلسفة للوجود الفردي) أكثر مما يطمع في إقامة فلسفة للوجود بوجه عام، لأنه يجوز ألا تكون هذه الفلسفة الأخيرة شأنها في ذلك شأن كثير من المذاهب الأخرى، مذهباً مجرداً أو نظرية في الوجود، لأن الذي يتحكم من البداية إلى النهاية هو التجربة الوجودية، وهذا التجربة غير محدودة عملياً، سواء من ناحية الامتداد أو من ناحية العمق وينبغي على الوجودية أن ترحب بكل ماتحمله الحياة الأجتماعية والملاحظة وتأمل التجربة التي تعيشها في أشد ما فيها من عنصر شخصي، وعليها أن ترحب بكل ما يمكن أن يحمله ذلك من طابع أصيل، بل بكل ما كان علامة على بحث أو قلق، حتى في الخطأ والأنحرافات الشائعة، ويجب أن نسلم بأن الخطوة الأولى للبحث تكون من الناحية الصورية موجهة إلى تكوين فلسفة عينية، أذ لابد من التحرر من سلطان النزعة العقلية المثالية، ويرى مارسيل لابد من إدماج التجربة الذاتية من حيث هي تجربتي أنا، في نسق معقول على نحو فعال، وذلك مع احتفاظها بسماتها الفردية بل بنقائضها أيضاً، اذ الوجود هو المجال الرئيسي في الميتافيزيقا والعالم يضرب بجذوره في الوجود، ويرى مارسيل نحن في التجارب الوجودية ندرك الوجود في حقيقته العينية المباشر ونشعر بتأكيدنا إياه في آن واحد، وهنا يكون العقل والفكر شيئاً واحداً، ويكون الكوجيتو (أنا أفكر) و(أنا موجود) شيئاً واحداً.(3) ينطلق مارسيل من مقولة (أنا موجود) تلك هي المقولة التي يبدأ منها مارسيل، والوجود في جسد، ويجعل الإنسان يخوض الحياة في علاقة مع الواقع، وفي عملية بحث عن الذات في اعماق الذات نفسها وفي العالم، أي أن البحث عن الوجود في العالم محور من محاور فلسفته الأساسية، ويفضل مارسيل مصطلح فلسفة الوجود أو السقراطية الجديدة لتحديد فكره، ويفضل تسميته سقراط الجديد، وكان يوصف مارسيل بأنه وجودي مسيحي، وهو بهذا يقف في الطرف المقابل لسارتر، وغلبت عليه نزعة تفاؤلية قريبة من التوجه الذي أرساه كيركجارد، وسيطر على فكره هاجس الطابع العارض والزائل لكل حرية، ويرى أن التعايش المشترك بين البشر أمر حتمي، ويعتبر أن الإيمان بالرب قادر على تبديد أسرار المصير الإنساني المأساوي وحل مشكلاته.

ينطلق مارسيل في فهمه للفلسفة من التجربة المنقولة في الفكر، وهي أدراك بقدر المستطاع من الوضوح، فالتقدم الفلسفي يكمن في مجموعة الخطوات المتتالية التي بها تتجسد الحرية، التي كانت تدرك على أنها مجرد قدرة على قول نعم أو لا. وعمل الفلسفة يكمن قبل كل شيء في التعمق ببعض المواقف الروحية، والفلسفة تنكر إمكانية بلوغ شيء آخر غير مانسميه (حالاتي النفسية) فالمظاهر ليس سوى شكل من أشكال الكبرياء والتعلق بالذات.(4)  والفلسفة لا تدرس المشكلات، بل نحن نحياها، والفلسفة هي التي تعطي معنى لتاريخ الفلسفة، بل أنه لن تكون ثمة فلسفة عينية، دون توتر يتجدد دائماً وينزع إلى الخلق بين الأنا وأعماق الوجود التي توجد فيها وبواسطتها، والفلسفة لاتكون فلسفة بالمعنى الحقيقي إلا بقدر ما تفضي إلى سر الوجود، ويرى أن الخطأ الرئيسي في الفلسفة ينحصر في أنها تنزل السر إلى مرتبة المشكلة أو إلى موضوعية بحثه على زعم أنها تحصل بذلك على وضوح أكمل.(5) وبذلك أن الفلسفة عند مارسيل لم تصدر عن تفكيره إلا عن تجربة خاصة، ولم يهتم إلا بما أتصل بطبيعة عمله ووافق نفسه، وبذلك جعل تأملاته الفلسفية وليده تجارب ذاتية معينة وخلاصة مواقف نفسية صافية، ونقطة البداية عند مارسيل هو الجسد البشري، ويرى أن ثمة علاقة غامضة تربط الذات بالجسد فتجعل منه وسيطاً ضرورياً للشعور بأي شيء، ولكن هذا الجسد لا يعبر عن كل الوجود ولا يستوعب صميم الذات، وإنما يسمح بإيجاد مسار خاص تختلط فيه إشعاعات الذات بأصداء العالم الخارجي، فكأن الوجود في نظره ليس حقيقة أو واقعة بقدر ماهو عمل واكتساب، وفي هذا التقدير هو تلك الدرجة السامية من الذاتية، حين يكون بوسع الإنسان أن يخلق نفسه بنفسه، وأن يتقبل المسؤولية االمترتبة على كل أفعاله، بحيث يظل دائماً في محاولة للعلو على نفسه.(6)

الإيمان عند مارسيل هو إيمان بأنت، أي الإيمان بوجودك المفصول عن وجودي، ويبرز الإيمان على أنه إيمان بالله(جل جلاله)، والإيمان ليس مجرد الإيمان بأخلاقك وفضائل وعقائد، بل هو الإيمان بالأنت الحاضر حضوراً مستقل عن دائرة الأنا التي تعيقه وتحدده، وأن وجود الإنسان هو وجوده بفقد معناه دون الآخر، ولفهم الذات لابد من فهم الآخر كإنطلاق عبر الإيمان. ومن واجب المؤمن أن يعي كل ما فيه من لا إيمان، فالإيمان والكفر متحدة في نفس واحدة، والإيمان هو رأي، والرأي قد يكون لأعتبار مصلحتنا الشخصية أو ينحاز للشعور العاطفي. ويربط مارسيل الإيمان بالوجود، فأذا دخلت إلى الإيمان فذلك من حيث كونه موجود، وليس من حيث كونه فكراً عاماً، ومع ذلك على الإيمان أن يشارك في طبيعة الإحساس، بأعتبار أن المسألة الماورائية هي العثور بالفكر أو بما وراء الفكر على عصمة جديدة، أن الإيمان هو بمعنى الكلمة وليس الأعتقاد، والإيمان هو إيمان الأنت، أي بواقع شخصي. والإيمان هو موضوع نحن محمولون على عقلنته أي على تزويره، لأننا نرى في الإيمان شكلاً ناقصاً وحتى غير صافي، والإيمان هو معطى فكري، وتأتي الأنا لتمارس عليه التفكير، والإيمان لايتناول فقط الكائن، إنما هو من الكائن، هو كائني، وهو حقاً عمق الأنا، ويدخل الإيمان للفحص الضميري، لذلك الإيمان هو العمق الذاتي، ويرى مارسيل أن التناقض هو من يوضح الإيمان إذ يرى أن التأكيد بأنني أؤمن من غير أن يرغمني تأمل دقيق حول عوزي على أن أتبين للحال أنني لا أؤمن، لكن هذا اللا أؤمن لاتتوضح إلا بالإيمان التي تأتي لتحدها لا تلغيها. والإيمان هو أفعال تحدد وتعد، بل بما أحرره أو أشعه للغير، بعبارة أخرى من ماهية الإيمان الواقعي إلا يكون متمثلاً في شيء بملكيته يمكن الأعتزاز به.(7) والإيمان يكتشف في السلوك، والإيمان يصاحب كل مجهود إنساني حقيقي يدل دلالة واضحة على أنه بالنسبة إلى الإنسان الذي يشقى ويناضل يوجد معنى للكون، ويرى مارسيل بالضد من أولئك الذين يرونه إلا شكل من أشكال السذاجة والضعف، أذ الإيمان فضيلة وقوة وليس ضعف وعجز، ويرى أن الواقع موضوع الإيمان ليس من تلك الموضوعات التي يمكن أن تتحقق من صدقها وأن تحكم فيها، وذلك لأن هذا الموضوع ليس شيئاً خارجياً يفرض وجوده، على مستوى الحقيقة الموضوعية، وإنما هو حقيقة أبعد عمقاً مما أنا عليه بالنسبة إلى نفسي (الله أقرب إلى نفسي من نفسي). ويرد مارسيل ويبين موضوع الإيمان من الشك، ويرى أن موضوع الإيمان يعرض على وجه الدقة بوصفه متعالياً بالنسبة إلى الشروط التي تقتضيها كل تجربة، وعلى هذا يجب أن نعترف بأنه كلما أستخلص الإيمان نفسه بكل نقائه انتصر على النزعة الشكية التي لايمكن أن تضع قيمته موضع التساؤل إلا لأنها تبدأ بتكوين فكره عنه تشوه طبيعته، ويضيف مارسيل إلى أنه كلما أقتربت النفس من الإيمان أزدادت اقتناعاً بأنها عاجزة تمام العجز عن إيجاده، أذا ينبغي أن نتفق على أن الإيمان لايمكن إلا أن يكون تسليماً، أو هو بتعبير أدق لايمكن إلا أن يكون كشفاً، وهو تسليم وأجابة على دعوة صامته تنادي النفس دون أن ترغمها أي أرغام، وعند من يملك الإيمان يبدو عدم التصديق كأنه رفض،وكثير مايكون هذا الرفض صوره لعدم الانتباه والحياة الحديثة، التي تشتت الإنسان وتجرده من إنسانيته، وبذلك الإيمان ليس بنفسه حركة للنفس ولا انتقالاً إلى حالة أخرى ولا هو الخطاف، وذلك أنه لايمكن إلا أن يكون شهادة مستمرة.(8) والإيمان يتحدد بالمشاركة، وفكرة المشاركة من الأفكار الأساسية في مذهب مارسيل، ويقصد بها أولاً مفهومها في الأفلاطونية المحدثة بخاصة، بمعنى أننا نشارك في الكون، وأن بضعة منا تضم بضعة من الكون، وفي هذا يقول الإيمان هو شعور المرء، أنه بمعنى مافي داخل الألوهية، وميزة الإيمان في نظر مارسيل هو أنه يجعل المرء يدرك، أنه ليس مجرداً، وليس العالم مجرد، بل يجتمع الموضوع والذات في فعل الإيمان، ويفهم مارسيل المشاركة يمعنى الشعور بالاعتماد التام بإزاء العلو الألهي منظوراً إليه على أنه قوة مستقلة تماماً وحرة، ويقول عن المشاركة إنها تلك العلاقة بين الحرية الأنسانية والحرية الإلهية التي هو سر الكون المركزي، فلم يعد يفهمها بالمعنى الأفلاطوني، أي أعطاء طبيعة واحدة لجملة أفراد، بل على أنها العلاقة الروحية بين حريتين توافق كل منهما الأخرى وتتحدان معاً مع أحترام كل منهما.(9)  وبذلك الإيمان عند مارسيل هو أخلاص لشخص أكثر من تأييد لصيغة أعتقادية، والإيمان يمنح الحياة معناها وينير طريق صاحبه، والإيمان ليس مجرد ملجأ ضد كآبة الحياة، بل هو على الضد من ذلك.(10)

 الإيمان يتجلى في الكنيسة بتعابير إنسانية وبوزارة إنسانية، فهو عقيدة وسلطة عقائدية، وبما أن حياة المسيح تتجلى في الكنيسة بأسرار حسية وبوزارة إنسانية فهي سر وكهنوت، ويميز مارسيل بين الكنيسة الجسد السري، الذي هو يبقى أبدياً، حيث المسيح وحده الرأس، وحيث لايمكن تمثل إلا سلم قداسة وفضيلة، بحيث في هذا الترتيب قد يكون البابا أبعد عن المسيح من أمرأة جاهلة متواضعة، والكنيسة أو التنظيم، حيث يوجد سلطة ومرؤوسين، والتي هي جسم بالمعنى السوسيولوجي والقانوني للكلمة، ويرى مارسيل على الكنيسة تحسين الإنسان أن تكون مايريدها الله أن تكون في الإيمان. ويرى في التسامح أنه مرتبط بالإيمان، ويقع التسامح في منطقة حدودية وتقريبا على الحدود المتبادلة للشعور وللموقف أو السلوك، والتسامح هي نوعاً من علاقة بالغير، أو بالآخر من حيث هو آخر، وأن فعل التسامح يعني فعل التحمل، وأن التسامح هو نفي النفي، إنه ضد اللاتسامح، ويبدو أنه يظهر التسامح قبل اللاتسامح ليس أولياً، إنه في العمل ماهو التأمل على صعيد الفكر، فهو أذا في كل الأحوال، لايعقل من دون قوة معينة تسنده ويرتبط نوعاً ما بها، بقدر ما يرتبط بحالة ضعف، وبقدر ما لايكون ذاته بقدر ما لا يكون تسامحاً، ويتعلق التسامح بالأمانة والصدق، والتسامح يشترك مع التعصب بأنهما كلاهما يزولان بأسم المصلحة العليا.(11)

يذهب مارسيل إلى أننا محتاجون الله(جل جلاله) في كثير من المواقف ونقوم بدعاء مرسل من أعماق فاقتي، ويفترض هذا الدعاء تواضعاً جذرياً عند الذات، تواضعاً تستقطبه المفارقة نفسها للذي يتضرع إليه. والحياة الخاصة هي وحدها التي تقدم المرآة حيث يأتي لينعكس اللامتناهي، وأن البحث في الماورائيات هو تأمل في فعل الإيمان المنظور إليه في صفاته وفي الشروط التي تسمح له بالبقاء، وفعل الإيمان هو يعقل ذاته، ومع ذلك يرى مارسيل المحاولة للوصول إلى الله(جل جلاله) هي محاولة يائسة. وأن البرهان ليس فقط لايمكنه أن يحل محل الإيمان، بل بمعنى عميق يفترضه، وأن واقع الإيمان هو أتصال بين الذات وبين الغير، لايمكن أن يتم إلا على أساس وضع ملموس معين.(12) ونحصل عن طريق الإيمان على نوع من الكشف المتعلق بالله (جل جلاله) الذي يصبح بالنسبة لي شخصاً، أذ الإنسان لايستطيع أن يفسر نفسه لنفسه، أو أن يفهم نفسه إلا إذا انفتح على علو.(13) ويرى مارسيل أننا نتوجه تلقائياً نحو إدراك الكيان المطلق الذي يشكل سر بالنسبة للعقل، ولا سبيل إلى اكتشاف هذا السر إلا عن طريق الأختبار المعاش، وأنه لكي نجيب على التساؤلات الخاصة بوجود الإله، علينا قبل ذلك أن نحدد على نحو دقيق مفهوم الوجود ذاته، ومع ذلك لايمكن البرهنة على وجود الإله عن طريق الوسائل العقلانية، إنما يلتقي الإنسان بالإله على نفس المستوى الذي يلتقي فيه بالآخر، أي مستوى(الأنت) في إطار المحبة والعبادة، ويكون هذا اللقاء نوعاً من المشاركة في الوجود الحق، وهي مشاركة ربما تبدأ مع محض وضع الفيلسوف لتساؤلاته الفلسفية.(14) ويعترف مارسيل بتأثير الذات الألهية، الموجود الأعلى التي يشاركها في الوجود على نفسه في توجهة نحو وجوده.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش

1- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص242.

2- ينظر بوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ترجمة عزت قرني، عالم المعرفة، ص239.

3- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ترجمة فؤاد كامل، دار الآداب، ص238- 247.

4- ينظر جبرييل مارسيل: الخطوط الأولى لفلسفة ملموسة، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات، ص44.

5- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص240- 248.

6- ينظر سعيد العشماوي: تاريخ الوجودية في الفكر البشري، دار الوطن العربي، ص124.

7- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات ،ص48- 84- 88- 102.

8- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص246- 254.

9- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، 245- 246.

10- ينظر معنى الوجودية(دراسة توضيحية مستقاة من اعلام الفلسفة الوجودية)، مكتب دار الحياة، ص105- 106.

11- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ص126- 147.

12- ينظر المصدر نفسه، ص48- 81.

13- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص251.

14- ينظربوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ص240.

15- ينظر معنى الوجودية، 105.

 

أولا: ضبط المشكلة: إن من أهم المسائل التي تثار حول طبيعة المنطق هي مسألة طبيعته من حيث الصورية والمادية. هل المنطق يختص بصورة الفكر وبالتالي فهو صوري، أم يختص بالأشياء في ذاتها ومضمونها المادي وبالتالي فهو مادي؟

يقول المنطقي الانجليزي جونسون:" إن المنطق يحاول تحليل ونقد الفكر، وهذا التحليل قد يتعلق بالفكر نفسه أو بمبادئه وصوره، وقد يتعلق بمضمون الفكر أو بمحتواه"(74). لقد كانت هذه هي المشكلة التي واجهت الباحثين في المنطق. والتي على أساسها قسم المناطقة المنطق إلى قسمين منطق صوري، ومنطق مادي. الأول يبحث في صورية الفكر فقط، بغض النظر عن الموضوعات التي يبحث فيها، والثاني يهتم بالناحية الموضوعية للفكر أي الأشياء. ولهذا كان موضوع المنطق الصوري هو البحث في القواعد التي تجعل الفكر متفقا مع ذاته؛ عدم تناقض الفكر مع القواعد التي وضعها بذاته. يبحث فقط في القواعد والشروط التي تضمن لنا الانتقال من المقدمات إلى النتائج دون تناقض. هذه القواعد والشروط صورية خالصة ولا علاقة لها بمضمون الفكر أو الواقع المادي الموضوعي. فقط ينبغي أن نميز هنا بين صورة الفكر والفكر كفعل وهو موضع لعلم النفس، ولا علاقة للمنطق بـذلك. ومن هنا فعمل المنطق الصوري هو أن يقدم لنا القواعد التي تجعل استدلالنا صحيحا من الناحية المنطقية(75).

أمــا موضوع المنطـــق المـادي فهو وضع القواعـد الـــتي تجعـل الفكـر متطابقـا مع الواقـع (الأشياء) أي أن تعبـر في الذهـن علـى مـا هـي عليـه في الخـارج.

فإذا قلنا مثلا "إذا سقط المطر ابتلت الأرض".، ونظرنا إلى القضية من الناحية الصورية لا نبحثها إلا من حيث لزوم التالي عن المقدم وصحة الارتباط، أما إذا كان المقصود هو صحة هذه القضية من حيث الواقع فهذا شيء آخر، يستلزم منا البحث في مادة القضية ومضمونها. هل تنطبق على الواقع أم لا؟ هل هي تنطبق على شيء خارجي أم هي مجرد افتراض ذهني؟ نلاحظ أن هناك اختلاف واضح أن نبحث القضية من حيث صورتها فقط وأن نبحثها من حيث مضمونها.

اختلف المناطقة حول هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى أن المنطق صوري، لا يبحث إلا في صورة الفكر، أي في قوانين عامة تنطبق على التفكير المجرد بصفة مطلقة، وأن البحث في الجانب المادي أو مضمون الفكر ليس منطقا وإنما هو بحث يرتبط بفلسفة العلوم أو علم المناهج. فعمل المنطق هو البحث في المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، ولهذا فالمنطق يستبعد كل اعتبار لمادة الفكر. فهو صوري خالص(76). لم يوافق التجريبيون على هذا بل ذهبوا إلى أنه لا يمكن الفصل بين الفكر والمادة فهما شيء واحد يكوّن المنطق، فالفكر عيني، مادي وليس هناك فكر مجرد. وعلى أساس هذا التقسيم أصبح المنطق الصوري محصورا في نظرية القياس وبعض لواحقها، ويكون المنطق المادي يشمل  الاستدلال الاستقرائي وغيره من صور الاستدلال الحديثة. قبل اتخاذ مقاربة من هذه المشكلة ينبغي الرجوع بها إلى واضع المنطق نفسه أرسطو، ثم من جاء بعده حتى العصر المعاصر.

ثانيا: موقف أرسطو من صورية المنطق وماديته

لقد نظر أرسطو إلى التصورات على أنها متسلسلة في الذهن بطريقة معينة تخضع لقواعد عامة يسير عليها العقل، وهو يربط بين هذه التصورات بغض النظر عما تشير إليه هذه التصورات من واقع خارجي خاضع للتجربة؛ فهذه التصورات تترابط لتكون القضايا، وهذه الأخيرة تكون حملية أو شرطية، ولكل منهما صورته وقواعده العقلية العامة.

وإذا ما انتقلنا إلى ربط هذه القضايا فإننا نجد أنفسنا أمام القياس الأرسطي، وهو بدوره له شروطه، وقواعده، وصوره التي تشكل منها وقالبه بصفة عامة هو المقدمتين والنتيجة.

وهذا ما يجعلنا نقرر على حد تعبير علي عبد المعطي أن المنطق الأرسطي كان منطقا صوريا إلى حد كبير، لا يهتم بتطابق الفكر مع الواقع بقدر ما يهتم ببيان القواعد العامة التي يسير بمقتضاها الفكر وهو يربط التصورات في قضايا ثم يربط القضايا في أقيسة. ويواصل عبد المعطي بقوله ومع هذا فنحن لا نستطيع أن نجزم بأن المنطق عند أرسطو كان صوريا خالصا، وإن كانت هذه غاية أرسطو في تحليلاته الأولى. إلا أنه في تحليلاته الثانية يتحدث عما يسمى الآن بمناهج البحث في العلوم، أو بمعنى آخر، يتحدث عن الاستدلال من حيث انطباقه على موضوع العلم. وهذا ما يرجع بنا إلى المنطق المادي الذي يهتم بانطباق الفكر مع الواقع(77).

ويذهب النشار إلى أنه من المؤكد أن المنطق عند أرسطو لم يكن شكليا بحتا، فنحن نستطيع أن نجد عنده نوعين من أنواع المنطق: المنطق الصغير وهو دراسة قوانين الفكر خالصة ومجردة من كل مضمون، وهذا ما هو متعارف عليه الآن بالمنطق الضيق (نظرية القياس) وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الأولى. والمنطق الكبير، وهو ينطبق على مناهج البحث، وهو دراسة عمليات العقل منطبقة على هذا العلم أو ذاك وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الثانية(78). أو ما يسمى بالبرهان. وينتهي النشار من هذا التحليل إلى أن المنطق عند أرسطو لم يكن صوريا بحتا وإن كان الجزء الأكبر منه تغلب فيه الناحية الشكلية. بل أن التحليلات الأولى والتي تعتبر بأنها صورية وشكلية، فيها جانب مادي بدليل أن هناك من يذهب إلى أن أرسطو وصل إلى الكثير من قواعد القياس وإلى المقولات نفسها بواسطة تحليل مادي(79).

وكان أرسطو يوصف بأنه ذو نزعة واقعية يقول أبو يعرب المرزوقي:" فرغم أن الواقعية الصورية المفارقة للرياضي تبدو، مغايرة تمام المغايرة للواقعية الصورية المحايثة، إلا أن مجال تحديد الرياضي بالإضافة إلى الطبيعي يبقى واحدا عند أفلاطون وأرسطو. فكلاهما يحدده بما ينسبه إليه من حضور في الطبيعي؛ ومن ثم فهما يعترفان له بالواقعية، أعني بالوجود والقيام الذاتي.." (80).

وقد سبق وأن بيّنا في الفصل الأول كيف أن المناطقة المسلمين قد فهموا هذا التوجه عند أرسطو، ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا: الذي كان يرى أنه إذا كان المنطق يمدنا بقواعد تعصمنا من الخطأ، فهو صوري ومادي في الوقت نفسه. فإذا كان هذا الفكر يتجه نحو صورة الفكر، فإنه يتجه كذلك نحو مادته، وأنه إذا كان أرسطو شكليا في التحليلات الأولى، فإنه مادي في بحثه عن البرهان، بل يحاول أن يطبق هذه القوانين الصورية في كثير من كتبه الأخرى، التي اعتبرها مفكرو الإسلام جزء من المنطق (كالجدل والأغاليط والخطابة والشعر)، فهو لا يبحث في هذه المؤلفات في صورة الفكر فقط بل يبحث أيضا في مادته(81). غير أن المناطقة المسلمين المتأخرين اعتبروا المنطق صوريا فحسب وحصروه في مبحثين مبحث التصورات ومبحث التصديقات. يقول ابن خلدون:" ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق" وإن من هذا التغيير تكلمهم في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادته وحذفوا النظر فيه بحسب المادة"(82).

أما السبب الذي جعل أرسطو ينظر إلى المنطق على أنه صوري ومادي في الآن نفسه إنما يتضح بالعودة إلى مصادر هذا المنطق والبيئة التي نشأ فيها والتي فصلناها في الفصل الأول. ويذهب النشار أيضا إلى أن هناك أبحاث كثيرة في عصرنا بحثت الجانب المادي في المنطق الأرسطي وأنه مجرد تجريد لأسس فيزيقية بحثها أرسطو، وانتهى منها إلى وضع منطقه الصوري(83).

لكن تحت تأثير الشراح وخاصة شراح العصور الوسطى (المتأخرين منهم) فهم المنطق الأرسطي على أنه منطق صوري بحت.

يقول تريكو في هذا الصدد:" إن العصور الوسطى كانت العهد الذهبي للمنطق الأرسطي الشكلي بكل معانيه الشكلية وقد عمقت من هذه المنطق وذهبت به إلى النهاية في الصورية وأقاموه على النظرة الماصدقية وتركوا النظرة المفهومية التي يقوم عليها القياس" وأبرز المنطقيين حسب تريكو في هذا العصر بالذات وأبعدهم عن الواقع هو ريمون لول Raymond LULL(84).

يقول النشار:" عرف المدرسيون المنطق الأرسطي معرفة كاملة، ولكن فكرة أرسطو عن المنطق لم تؤخذ عندهم أخذا كاملا فقد اعتبروا المنطق صوريا بحتا، وعلما متمايزا منبثقا عن ذاته منفصلا... عن الواقع... وغارقا في ميكانيكية بحتة ومنتهيا إلى استدلال وبرهنة جوفاء"(85). وبدأت الثورة على هذا المنطق الشكلي العقيم الذي لا يرتبط بالواقع كما وصفوه في عصر النهضة."

فقد هاجم (راموس Ramus) الأورغانون فأفسد نظرية القياس من أصولها، ووضع (بيكون Bacon) أورغانونه الجديد الذي يقوم على التجربة وتصور منطقا استقرائيا بعيدا عن                                                                                                                   روح أرسطو". وأتم ديكارت هزيمة أرسطو. وأسس العلم الحديث فحولت الكيفية إلى الكمية على حد تعبير تريكو(86). وصارت الرياضيات هي المنطق الحقيقي لما تتميز به من دقة  لغة ومنهجا.  وفي العصر الحديث دأب جل المناطقة على اعتبار المنطق صوري ومادي معا. يذهب كينز بعد التساؤل حول صورية المنطق وماديته هل المنطق صوري أم مادي؟ ذاتي أم موضوعي؟ يتعلق بالفكر وتناسقه الذاتي أم يتعلق بالأشياء؟ فيجيب قائلا:" إنه من المعتاد أن نقول أن المنطق صوري يهتم فقط بصورة الفكر أي بطريقتنا في التفكير المبتعدة عن الموضوعات المشخصة التي نفكر فيها، كما أنه من المعتاد أيضا أن نقول أن المنطق مادي من حيث أنــه يشير إلى الموضوعات المختلفة التي نفكـــر فيها.

ويقرر بعد ذلك أن المنطق صوري من جهة، ذلك أنه لا يتناول وقائع مادية، كما أن الاستدلال فيه يكون له نمط معين أو صورة محددة، كما أن الموضوعات الرئيسية في المنطق ليست إلا محاولة للكشف عن أكثر الأنماط أو الصور دقة والتي يمكن رد كل استدلالاتنا إليها- وينتهي إلى أن المنطق مادي من حيث أنه يشبع فضولنا بواسطة ملأ هذه الصور المنطقية بمادة موضوعية مستمدة من العالم الخارجي. ومن هنا فالمنطق عند كينز صوري ومادي في الآن عينه(87).

ويرى لاتا وماكبث، أن الفكر يرتبط دائما بموضوع، وأنه يكون متصلا باستمرار بموضوعاته، وأنه لا يوجد فكر مجرد تماما، فالفكر ليس منفصلا عن الموضوعات أو إطارا مستقلا عنها، رغم أننا نستطيع أن نميز بين الفكر وبين موضوعاته، ففي الطبيعيات نحن نفكر في المادة والطاقة، وفي البيولوجيا نفكر في الحيات، وفي علم النفس نفكر في العمليات العقلية والنفسية الداخلية، وفكرنا يختلف من علم إلى آخر منهجا وإطارا بحسب اختلاف موضوعات هذه العلوم. الأمر نفسه ينطبق على المنطق، فهو يبحث في الصور الفكرية الملائمة لموضوعاته(88). وهذا ما عبر عنه كينز في قوله:" إن العلوم كلها صورية من حيث أنها تجرد الصور من الموضوعات... وأن المنطق هو أكثر هذه العلوم تجريدا وتعميما وصورية"(89). ونفهم من هذا أن العلوم لا تختلف عن بعضها البعض إلا في درجة الصورية أي أن بعضها أكثر صورية من الآخر.

ولعل هذا ما عبر عنه بوزنكيت حين ذهب إلى أن المادة لا توجد بدون صورة، وأن العلوم تتجه بأكملها إلى البحث عن تلك الصورة التي قلنا أنها ترتبط بالمادة، ويخلص بوزنكيت إلى أن كل العلوم صورية، وأن المنطق علم صوري وأن الهندسة علم صوري وحتى الفيزيقا علوم صورية، فكل العلوم صورية لأنها تتعقب الخصائص والصور الكلية للأشياء(90).

إلا أن العلوم عند بوزنكيت تختلف في درجة الصورية، فكل علم يعالج نوعا من الكيفيات التي تكون بمثابة صوره، ولكن صور هذه العلوم تكون مادة بالنسبة إلى المنطق، ومن ثم يجوز لنا أن نقرر " بأن المنطق أعلى العلوم صورية".

و ما نلاحظه على هذه المواقف المختلفة وإن كانت لا تختلف عن الموقف الأرسطي كما حددناه سابقا، فإنها تثير مشكلة هي المشكلة نفسها التي يطرحها الموقف الأرسطي. هل يمكن اعتبار المنطق ومناهج البحث شيئا واحدا؟ فإذا كان الموقف الأرسطي واضحا في التحليلات الأولى وهو أن المنطق علم صوري بحت، فإنه يعود في التحليلات الثانية إلى الواقع المادي لبرهنة تلك الصور. وهذا يجعلنا نفترض أنه كان يميز بين المنطق ومناهج البحث. فالصورية كانت بغية أرسطو وأن البرهان يأتي كمرحلة ثانية، وإن كان لا يصرح بذلك، نحن نستند في هذا الاستنتاج إلى طبيعة العلوم في تلك البيئة -و حتى في البيئة الإسلامية فيما بعد- لم يكن هناك انفصال بين العلوم والفلسفة. بل كانت الفلسفة تضم كل العلوم. لكن ما نلاحظه على هذه المواقف الحديثة- التي تعرف المنطق بأنه صوري ومادي معا- هي أنها لا تفصل بين المنطق ومناهج البحث وهذا على حد تعبير عبد الرحمن بدوي هو تقليد في كتب المنطق في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كما تشهد على ذلك كتب: جون ستوارت مل نظام المنطق،  سيغوارث المنطق، و.ف. برادلي المنطق، ج.ن. كينز دراسات وتدريب في المنطق الصوري. هـ .و.ب جوزيف مقدمة للمنطق. و.أ.س ستبينغ مقدمة حديثة للمنطق. وجونسون المنطق. وعشرات الكتب الأخرى، لكن لا يجد ما يمنع من اعتبار مناهج البحث في العلوم فرعا مستقلا عن المنطق رغم الصلة الوثيقة بينهما(91).

نخلص من خلال هذا التحليل الموجز إلى أن المنطق علم صوري، لأن طبيعة المنطق تقتضي بأنه لا يكون إلا صوريا. لكن ما هو مفهوم الصورية في المنطق؟ وهل الصورية تعني –كما هو شائع – الانفصال عن الواقع، وأن كون المنطق صوريا فهو عقيم؟

ثالثا: مفهوم الصورية في المنطق

يذهب موساوي إلى أن المنطق سواء في صورته القديمة أو في صورته المعاصرة لا يمكن أن يكون إلا صوريا بمعنى أنه يتعلق بصورة الفكر، أي بالطريقة التي نفكر بها دون أن ننظر إلى محتوى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها(92).

ويذكر لوكاشيفيتش عبارتين يقول عن الأولى أنها مأخوذة من كتاب المنطق لكينز يقول فيها:" يقال عادة إن المنطق صوري، من حيث أنه لا يتعلق إلا بصورة الفكر، أي بالنحو الذي نفكر عليه دون نظر إلى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها". والثانية يقول أنها مأخوذة من كتاب تاريخ الفلسفة للأب ويكلستون: "كثيرا ما يوصف المنطق الأرسطي بأنه منطق صوري. وهذا الوصف ينطبق على منطق أرسطو من حث هو تحليل لصورة الفكر". ثم يقول :" في هذين الاقتباسين عبارة لا أفهمها هي صورة الفكر"(93).

فينفي أن يكون المنطق علم قوانين الفكر كما يفهمه المتأثرون بالنزعة السيكولوجية. هذه النزعة التي تعد علامة على تدهور المنطق في الفلسفة الحديثة على حد تعبيره، وحسبه لا نجد لهذا المفهوم أثرا في كتاب (التحليلات الأولى). وهو الكتاب الذي عرض فيه أرسطو نظرية القياس. ويقرر كذلك أن المنطق لا يبحث في كيف يجب أن نفكر فهذه مهمة يختص بها فن يشبه فن تقوية الذاكرة. فعلاقة المنطق بالفكر لا تختلف عن علاقة الرياضيات به(94). ونفهم من هذا أن المنطق ليس علما معياريا.

فإذا كانت قواعد وقوانين المنطق تصاغ، عادة بصيغة الفعل "يجب"، فقد نفهم معان كثيرة من هذا الفعل:

معنى الإلزام: مثال يجب أن يحترم السائق إشارات المرور ومخالفتها تعرضه للعقوبة.

المعنى الشرطي: مثال: "يجب أن يكون الطالب مجتهدا إذا أراد النجاح". فالوجوب هنا مشروط بإرادة النجاح وليس أمرا مطلقا.

المعنى الصوري: مثال:"يجب أن يكون التالي صادقا في حالة صدق المقدم في علاقة اللزوم المادي" فالوجوب هنا يتعلق بصورة العلاقة لا بمضمونها لأنه يخص قاعدة اللزوم فقط.

إن هذا المعنى الأخير لفعل "يجب" هو المقصود في المنطق وكما هو واضح لا يفهم منه المعنى المعياري. كذلك المنطق لا يتناول الصدق من وجهة نظر مبحث القيم الذي يهتم بطبيعة القيم وأصلها وتطورها وعلاقاتها بالظروف الاجتماعية والتاريخية. فالمنطق يهتم بالصدق كقيمة بالمعنى الإخباري فقط؛ من حيث مطابقة الأقوال الخبرية (القضايا البسيطة) للوقائع التي تعبر عنها. أما بالنسبة للقضايا المركبة فصدقها صوري بحت يتحدد بدلالة القضايا البسيطة من خلال الرابط المنطقي الذي يربط بينها(95).  إذن فصورة الفكر هي البحث عن العلاقات القائمة بين أجزاء الفكر بغض النظر عن محتوى الأجزاء.

تتكون صورة الشيء من العلاقات الكائنة بين أجزائه، بغض النظر عن مادة تلك الأجزاء، فنقول عن الشكل المعين إنه على صورة الهرم،إذا كانت العلاقات بين أجزائه مما يجعله على تلك الصورة الهرمية،مهما تكن مادته، إذ قد يصنع الهرم من حجر أو خشب أو ورق أو غير ذلك من المواد. ولو فككنا أجزاء الساعة وكوّمناها على المنضدة دون زيادة أو نقص، لما بقيت ساعة كما هي، لأنها فقدت صورتها حين تغيرت العلاقات التي كانت تربط بين أجزائها.

و المادة التي تعنينا في بحثنا هي الكلمات وما إليها من رموز، وهنا كذلك تكون صورة الكلام هي العلاقات الكائنة بين الأجزاء، بغض النظر عن تلك الأجزاء نفسها، ولذا فقد تكون الصورة واحدة في عبارتين مع اختلاف العبارتين في اللفظ والمعنى، مثال ذلك:

(مسألة صعبة) و(مدينة كبيرة).

فالعلاقات التي تربط جزئي كل من العبارتين، هي علاقة صفة بموصوف، ولو رمزنا في كلتا العبارتين بالرمز (س) للشيء الموصوف كائنا ما كان بالرمز (ص) للصفة كائنة ما كانت استطعنا أن نرمز لكل من العبارتين السابقتين بالصورة الرمزية ص (س) [ومعناها ص تصف س] ومن ثم يتبين كيف يتّحدان في الصورة رغم اختلافهما في اللفظ والمعنى. وبلغة المنطق هناك موضوع نحمل عليه محمولا معينا دون تحديد لمادة كل من هذا الموضوع والمحمول. فهناك صورة واحدة يمكن أن نسميها في هذه الحالات- مهما كان عددها ومهما كانت مادتها- (الصورة الحملية).

خذ مثالا آخر هاتين العبارتين:

1- الجزائر بين تونس والمغرب.

2-  الكتاب بين الدواة والقلم.

فهما مختلفان في اللفظ والمعنى، ولكنهما متحدان في الصورة لاتحادهما في العلاقات الكائنة بين أجزائها، ولو استبدلنا بأسماء الأشياء رموزا في العبارة الأولى، مع احتفاظنا بالعلاقة، وجدنا الصورة متمثلة في الصورة الرمزية:(س بين ص وط) وهي صيغة رمزية تصلح صورة للعبارة الثانية كذلك(96).

وخذ مثالا ثالثا عبارتين أخريين مختلفتين مادة ومتحدتين في الصورة:

1- الحكم إما صادق أو كاذب.

2- الحكومة إما دستورية أو مستبدة.

3- فالصورة في كلتي العبارتين هي: (س إما ص أو ط).

ومن الملاحظ في هذه الأمثلة التي أسلفناها. أننا كلما أردنا استخراج الصورة من عبارة معينة،

استبعدنا ألفاظا واستبقينا أخرى، ومن هذه التي نستبقيها تتألّف الصورة، ففي عبارة (الجزائر بين تونس والمغرب)- مثلا – استبعدنا كلمات (الجزائر) و(تونس) و(المغرب) واستبقينا كلمتي (بين) و(و) فلما وضعنا رموزا بدل الكلمات المبعدة نتجت لنا الصورة الآتية:

(س) بين(ص) و(ط).

والفرق بين هذين النوعين من الألفاظ هو هذا: فأما الكلمات المستبعدة فأسماء لأشياء في عالم الواقع، ولذلك فهي تسمى بالكلمات الشيئية، وأما الكلمات الأخرى التي منها تتكون صورة العبارة فهي لا تسمى شيئا في عام الواقع، إذ ليس في عالم الأشياء شيء اسمه (و)؛ وإنما نضيف أمثال هذه الكلمات لنربط بها السماء الشيئية في بناء واحد، ولذلك جاز لنا أن نسميها بالكلمات البنائية، أو بالكلمات المنطقية، إذ على الرغم من أنها لا تدل على شيء في عالم الواقع، إلا أنه يستحيل علينا بناء فكرة بغيرها؛  ولئن كانت الألفاظ الشيئية من شأن العلوم الأخرى، فالكلمـات البنائية على وجه التحديد موضوع المنطق، فهو وحده الذي يحلل أمثال هذه الكلمات (إذا) و(إما... أو...) و(كل) و(بعض) و(ليس) ...إلخ. وهي كلها كلمات لا يمكن الاستغناء عنها في صياغـة كلامنـا –تكوين أفكارنا- مع أنها بذاتها لا تدل على مسميات بعينها في عالم الأشياء(97).

إن الصورة المنطقية تتعدد بتعدد الطرق التي ترتبط بها الألفاظ والجمل أو القضايا، وتكون دراسة المنطق منصبة على الشروط التي ترتبط بها هذه الصور دون المكونات الفعلية، ومن هنا جاء وصفه بالصورية(98).

يعـرض بلانشي بعض الأمثلة، يحاول أن يوضح من خلالها المقصود بصورة الفكر والصدق الصوري:

1- كل مثلث ذو ثلاثة أضلاع، إذن كل ذي ثلاثة أضلاع مثلث.

2- كل مثلث ذي أربعة أضلاع، إذن فبعض ذي أربعة أضلاع مثلث.

نلاحظ هنا أن الاستنباط الأول غير صحيح رغم صدق مقدمتيه، وأن الاستنباط الثاني صحيح رغم كذب مقدمتيه. إن هذا التمييز بين الاستنباطين ناتج عن مقابلتنا  للصدق المادي بالصدق الصوري، فنقول عن استدلال صحيح إنه صادق بصورته، بصرف النظر عن صدق مادته، أي مضمونه(99).  ويسمى المنطق صوريا لأنه لا يهتم إلا بهذه الصورة.

ويواصل بلانشي قائلا: ولننظر مرة أخرى في  هذا القياس الذي ينسب لأرسطو، رغم أن هناك من يعتبره من وضع المشّائين.

كل إنسان فان

وسقراط إنسان

إذن فسقراط فان

إن صحة هذا الاستدلال ليست مرتبطة بالشخص الذي وقع عليه: فإذا صح هذا الاستدلال على سقراط فهو يصح على كل إنسان آخر في كل زمان وفي أي مكان، ومن هنا يمكننا أن نستبدل اسم سقراط بحرف (س) وهو متغير شخصي، يقوم بدور المتغير غير المعين ويمكن أن نضع مكانه أي إنسان أيا كان. ويمكننا أن نكتب الاستدلال مرة أخرى في هذه الصورة.

كل إنسـان فان

(س) إنســان

إذن (س) إنسان

ولنقم بخطو ثانية. لأن صحة الاستدلال لا تتوقف على التصورين الموجودين فيه: وهما إنسان وفان. فيمكن استبدالهما بالحرفين الرمزيين -دون أن يفقد الاستدلال شيئا من قوته- (هـ) و(و). ونكتب الاستدلال على هذا الشكل:

كل  هـ - و

س – هـ

إذن  س – و

وبهذا نكون قد استخلصنا الهيكل المنطقي للاستدلال وذلك بتعريته تدريجيا من محتواه الأول، ويبقى هذا الاستدلال صحيحا أيا كانت مادته، لأن صحته لا تتوقف إلا على صورة القالب الذي يظل ثابتا(100).

فإذا قلنا أن المنطق يبحث في صورة الفكر، نفهم من ذلك أنه يستخلص العلاقات التي تربط أجزاء الكلام، ثم يصنف تلك العلاقات ليميز بين المتشابه والمتباين، ومن ثم قيل عن المنطق أنه علم صوري، أي أنه يعنى بصورة الكلام دون مادته ومعناه(101).

والصورة لا تقتصر على المنطق وحده، وإنما تشمل كل العلوم، ولكن بدرجات؛ فكل قانون علمي هو تجريد لعلاقة لوحظت بين وقائع الطبيعة، بعد طرح الوقائع الجزئية ذاتها التي تمت ملاحظتها واستخلاص القانون منها، بواسطة الاستقراء والتعميم(102).

ووصف المنطق بالصورية يرجع إلى أنه لا يتعلق بمادة دون غيرها، بل شأنه دائما أن يضع المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، لهذا لابد للمنطق أن يكون عاما عمومية مطلقة، ولا يمكن الوصول على هذه الدرجة من التعميم بالاعتماد على مادة التفكير المحـــــــــددة.

فكلما ابتعد أي علم من العلوم عن المادة ازدادت درجة عموميته ولهذا استبعد المنطق كل اعتبار لمادة الفكر، فكانت مبادئه على قدر كبير من التعميم، وأصبح موقعه في أعلى سلم التعميم بين العلوم كلها، فهو علم صوري خالص(103).

خاتمة

المنطق الأرسطي رغم ما لحقه من تشويه لطبيعته من طرف الشراح والمتشيعين لهم من المدرسيين يبقى علما صوريا. فبالرغم من أن المنطق المعاصر هو أكثر صورية وتجريدا، فإن هذا ليس حجة على أنه يختلف عن المنطق الأرسطي. فالمنطق القديم أو المعاصر لا يمكن أن يكون إلا صوريا، بل كل العلوم تنطوي على جانب صوري، إلا أن هذه الصورية التي تكون مرادفة للتعميم أو التجريد، تكون نسبتها أعلى في المنطق، ثم تأتي الرياضيات بعد المنطق في درجة صوريتها أو عموميتها، ثم العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية.

إن وصف المنطق كونه صوريا بالعقيم يلزم عنه وصف كل العلوم بالعقم، وهي نظرة لا يقبلها أي عقل سليم. فكون المنطق يتناول قضايا أكثر تعميما أو تجريدا، لا يعني أنه منفصل عن الواقع بقدر ما يعني أن درجة الصورية فيه أعلى من العلوم الأخرى.

إن الموضوعية في العلوم تقترن بدرجة التجريد أو الصورية. إن التجريد أصبح أمرا ضروريا في كل العلوم المعاصرة، فكلما أزداد العلم تعميما في قوانينه ازداد صورية، وكلما أزداد صورية أزداد موضوعية. وهو ما تثبته العلوم الفيزيائية من خلال النظريات الفيزيائية، فقد مرت النظرية العلمية بمراحل: نذكر منها مرحلة الارتباط بالحس والمعطيات الحسية، حيث كانت تكاد تخلو من اللمحات العقلية التفسيرية إلا في أضيق نطاق. وبالرغم من أن هذه المرحلة قد طالت لفترة بعيدة في حياة الإنسان، إلا أن الإنسان استطاع أن ينتقل إلى مرحلة ثانية، عندما أكتشف أن المعرفة الوصفية لا تكفي لفهم الطبيعة. أما في المرحلتين الثالثة والرابعة فقد خَفَتَ صوت المعرفة الوصفية وقل المضمون التجريبي، فاسحا المجال أمام اتساع أفق النظر العقلي، وبذلك صارت تفسيرات النظرية شديدة العمومية وأكثر دقة وقدرة على التنبؤ. ومن هذا تتضح لنا أهمية التجريد والتفكير الصوري في تطور العلوم ودقتها وهو ما يسعى إليه علم المنطق، باعتباره أعلى العلوم صورية.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

........................

الهوامش

(74) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق،  مقدمة.

(75) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص17-18.

(76) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012، ص28-29.

(77) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص6-7.

(78) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19.

(79) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(80) أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994، ص 144-145.

(81) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19-20.

(82) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، مرجع سابق،  ص264.

(83) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص21.

(84) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص42.

(85) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص22.

(86) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق،  ص44.

(87) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص3.

(88) المرجع نفسه، ص4.

(89) المرجع نفسه، ص5.

(90) المرجع نفسه، ص5.

(91) عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، مرجع سابق،  ص54.

(92) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص26.

(93) يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961، ص25.

(94) المرجع نفسه، ص26.

(95) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص27-28.

(96)عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص20-21.

(97) المرجع السابق، ص 22-23.

(98) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26-27.

(99) روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009، ص14.

(100)روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، مرجع سابق، ص16.

(101) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص21-23.

(102) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص32.

(103)محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص25.

 

قائمة المصادر والمراجع

1- أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (تاريخها ومشكلاتها)، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998.

2- أحمد الأهواني، أفلاطون، ط1، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1965.

3- ابن سينا، منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق، المكتبة السلفية الهاهرة، 1910.

4- ابن سينا، الشفاء،-قسم المنطق- مراجعة، إبراهيم  مدكور، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1952.

5- أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، معهد المناهج، 2007.

6- أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، معهد المناهج، 2007.

7- ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، ط1، دمشق، 2004.

8- أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة السعادة محافظة مصر،ط1، 1512.

9- أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994.

10- أندري لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، مج1، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط2، بيروت، 2001.

11- إدموند هوسرل، مباحث منطقية، ج1، تر، موسى وهبه، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2010.

12- الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تح، إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1989.

13- بدوي عبد الفتاح محمد، فلسفة العلوم الطبيعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2011.

14- برتراند رسل، أصول الرياضيات، ترجمة محمد مرسي أحمد وأحمد فؤاد الأهواني، ج1، دار المعارف، القاهرة، 1962.

15- بيتر كونزمان، فرانز- بيتر بوركارد، فرانز فيدمان، أطلس الفلسفة تر، جورج كتورة، المكتبة الشرقية، ط2، بيروت، 2007.

16- بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر،(ب ت).

17- جول تريكو، المنطق الصوري، تر، محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.

18- ويلارد كواين، بسيط المنطق الحديث، نقل أبو يعرب المرزوقي، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1996.

19- روبير بلانشي، المنطق وتاريخه من أرسطو حتى راسل، تر، خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

20- روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009.

21- محمود فهمي زيدان، المنطق الرمزي نشأته وتطوره دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979.

22- محمد مهران، علم المنطق، دار المعارف القاهرة، 1978.

23- محمد ثابت الفندي، أصول المنطق الرياضي،دار النهضة العربية، ط1، بيروت،1972.

24- محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم- ج1- تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1982.

25- ماهر عبد القادر محمد علي، التطور المعاصر لنظرية المنطق،دار النهضة العربية، بيروت، 1988.

26- محمد محمد قاسم، نظريات المنطق الرمزي، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002.

27-  محمد عزيز نظمي، المنطق الصوري والرياضي، المكتب العربي الحديث، السكندرية، مصر، 2003.

28- نجيب حصادي، أسس المنطق الرمزي المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت.

29- عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، وكالة المطبوعات الكويت، دار الفكر، بيروت، لبنان.

30- عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، سليمان زاده، ط2، 1429 هـ.

31- عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء مراكش، المملكة المغربية، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990.

32- علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعيةن الأسكندرية، القاهرة، 1988.

33- علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، دار المعرفة الجامعية، 2000.

34- عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012.

35- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، عمان، 2012.

36- يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961.

37- يوسف محمود، المنطق الصوري( التصورات والتصديقات)، ط1، دار الحكمة، الدوحة، 1994.

38- فؤاد كامل، جلال العشري، الموسوعة الفلسفية المختصرة، دار القلم، بيروت،لبنان، بدون تأريخ.