محمود محمد علي (المنطلقات والمفاهيم)

ميشيل بولانى: عالم كيمياء فيزيائية وفيلسوف علم لم يثبت حضوره فى قلب مجتمع الفلاسفة بالقدر الكافي الذي أثبته فى مجتمع العلماء، ولد بالمجر سنة 1889 من أسرة يهودية مرموقة، درس الطب بجامعة بودابست Budabest ، لكنه كان مهتماً بالكيمياء الفيزيائية، حيث حصل فيها على الدكتوراه عام 1913، ثم عمل بمؤسسة الكيمياء الفيزيائية ببرلين . وفى عام 1944 بدأ يهتم بفلسفة العلم . وفى عام 1948 قام بتدريس كُورس شخصي في العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة مانشستر، وفى عام 1950 سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام بالتدريس فى معظم الجامعات الأمريكية، وتوفى سنة 1976 . ومن أعماله: " العلم والأيمان والمجتمع: و" المعرفة الشخصية " و" البعد المضمر " و" المعرفة والوجود" و"منطق الحرية " و" دراسة الإنسان "؟.. علاوة على العديد من المقالات مثل " العبقري فى العلم " و" الخيال المبدع " و" الثورة العلمية " و" العلم والواقع " و" العلم: الملاحظة والاعتقاد " .

وأما بالنسبة للعقلانية المضمرة عند ميشيل بولانى، وهى موضوع مقالنا فهي تعبر تعبيراً واضحاً عن نظريته في المعرفة المضمرة Tacit Knowing، تلك النظرية التي تؤكد على أن القسط الأكبر من نجاح رجل العلم يتوقف على معرفة مضمرة، أي على معرفة مكتسبة خلال الممارسة العلمية والتي لا يمكن التعبير عنها صراحة، وهى معرفة هامة ذات شأن عن الطبيعة التي يتم اكتسابها من خلال تعلم الدارسين علاقة التماثل، ثم تتجسد بعد ذلك في طريقة لرؤية المواقف الفيزيقية قبل أن تتمثل في قواعد أو قوانين . كما أن هذه المعرفة تبين لنا بأنه ليس لدينا اتصال مباشر بما نعرفه نحن، وليست لدينا قواعد ولا قوانين عامة تتيح لنا التعبير عن هذه المعرفة، وأن القواعد التي تهيئ لنا هذه الصلة إنما تشير إلى المنبهات لا الاحساسات، والمنبهات لا نعرفها إلا من خلال نظرية محكمة الصياغة، وفى حالة عدم وجود هذه النظرية تصبح المعرفة الكامنة في المسار الواصل بين المنبه والإحساس معرفة مضمرة.

والمعرفة المضمرة تمثل جوهر المعرفة الشخصية عند بولانى، تلك المعرفة التي تركز على البعد الشخصي للمعرفة العلمية، فإذا كان العلم يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أن العلم ذاته نشاط ذو سمه شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص، وإنجازاتهم وكشوفهم جميعاً تتطلب تعهداً والتزاما شخصياً بوجهة ما للنظر وقابلية العلم المستمرة للاختبار والتكذيب والتصويب، تعنى أن هذه الوجهة من النظر قد تكون خاطئة وثمة فرض ما يجب استبعاده.

وفى هذا تؤكد عقلانية بولانى كما يرى بعض الباحثين على عدم وجود قواعد يمكن برمجتها في حاسب آلي، كما أنها ليست هوى شخصي أو مزاج خاص، ذلك لأنها لا تتم إلا في إطار مجتمع من العلماء قد أعدهم إعداداً خاصاً ولهم مقصد كلى عام . كل هذا لا يقرأ مباشرة من المعطيات التجريبية، بل يتضمن وثبة عقلية خلاقة تنبع من ا لعالِم العبقري الذي يبدل قصارى جهده في الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة التى استوعبها من خلال الإدراك الحسي، ثم قدح ذهنه ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، هذا الحل يمثل حدساً فردياً لا تدركه إلا الموهبة العلمية والعبقرية الخلاقة في انشغالها العميق بالمشكلة التي تبدو فى الواقع مضمرة  .

وهكذا نجد أن تفسير بولانى لظاهرة العلم يتقدم بتوازن حصيف بين جانبين هما: البصيرة الفردية لخيال العالم من ناحية، وتقبل المجتمع العلمي لهذه الرؤية ودوره النقدي إزائها من الناحية الأخرى.

وفى حقيقة الأمر أننا فى هذا البحث سنقصر اهتمامنا على دراسة العقلانية المضمرة كما عرضها بولانى فى كتاباته ومقالاته منتهجين فى ذلك منهجاً تحليلياً مقارناً يرتكز على تحليل نصوص بولانى والوقوف على كل ما تحويه من أراء وأفكار، هذا إلى جانب المقارنة بين عقلانية بولانى وغيرها من العقلانيات الأخرى . لذلك فإن هذا البحث يدور حول محورين أساسياً هما:-

- مفهوم العقلانية المضمرة .

- العقلانية المضمرة وعلاقتها بالعقلانيات الأخرى .

أولاً: مفهوم العقلانية المضمرة:

ترتكز فلسفة بولانى على التفكير الكلى Holistic Thinking ، وبالذات حول كيفية حدوث مثل هذا التفكير، وكيف يتسنى للعالم أو المفكر التأمل بعمق في معرفة هذا التفكير. ويرى بولانى أن القوة الأساسية لفهم هذا التفكير فهماً عميقاً تكمن في الحصول على نظرة للإحساس الناجم من جوانب عديدة للموقف، وهذه القوة تنبثق من دافع فسيولوجىPhysiological Urge   يكمن في أعضاءنا الحسية التي تجعلنا نفهم بشكل عقلاني " الانطباعات " Imprssions  التي نستقبلها. ويطلق بولانى على هذه القوة " المعرفة المضمرة " واضعاً في اعتباره أننا لا نستطيع بشكل واضح أن نصف ذلك صراحة.

ويرى بولانى أن الأدراك الحسي Perception  الذي تعول علية النظرية الجشتالطية Gestalt Theory  خير مثال لتوضيح المعرفة المضمرة، على أساس أنه يشتمل على عملية تأويل الاحساسات بحيث يزودنا بما في عالمنا الخارجي من أشياء أو وقائع أو أحداث يمكن إدراك معالمها Clues في تعريفات كلية Whole Terms  .

وهنا يؤكد بولانى فيقول: " علينا أن نبدأ بحقيقة أننا نستقبل العديد من عناصر الضوء والظل من الأشياء، وتتوافر لدينا معارف عديدة في ذاكرتنا، والتي تساعدنا على إدراكنا الحسي لها. وبالرغم من ذلك نحن لا ندرك عناصر من الضوء والظل أو أجراء من المعلومات التي في ذاكرتنا .إن ما نراه هو عبارة عن أشياء ذات أشكال محددة Definite Shapes وأماكن وحركات ومعاني محددة أيضاً أي جشتالطات وذلك لو استخدمنا تعريفاً عاماً.

إن الجديد هنا في وصف بولانى لعملية الإدراك الحسى يكمن في أنه أخذ من علماء النفس الجشتالط، فكرة أنه لا يمكن وصف الحَدثْ سواء كان خبرة أو فعلاً باعتباره أحداث صغيرة مستقلة . ويُسمى هذا الحدّثْ جشتالط  "  Gestalt “   بالألمانية ويترجم إلى شكل Form  أو   بنية Structure "  .

ثم يصف بولانى هذا الحدث في عملية المعرفة المضمرة فيقول " عندما نرى الجشتالط فإننا نعتمد على الأجزاء والعناصر، ولكننا لا ننظر إليها؛ إننا  نراها بشكل ثانوي كمشيرات pointers إليه . إننا لا نعرف بشكل مدرك ماهية هذه المشيرات، ولو أننا مثلاً حاولنا أن نخمن ما تخبرنا به الملامح أن الجشتالط يرمز إلى شخص ما، فإننا سنخمن ما استخدمناه بالأمس، وليست تلك المشيرات الجزئية التي نستخدمها الآن، إن المعالم الخاصة بتلك الأشياء لا يمكن التحدث عنها بصراحة ؛ إذ أنه ليس بمقدور أي شخص أن يخبرنا عن كيفية ارتباط هذه المعالم ببعضها. ويسميها بولانى بأنها معروفة على نحو مضمر Tacitly Known   .

ويؤكد بولانى على أن التكامل المضمر Tacit Integration  هو الاسم الذي يصف هذه العملية، وذلك من خلال مهارة Skill  تتكون عن طريق التدريب والممارسة  Practice. يقول بولانى: " لكي تكتسب معرفة جيدة، ولكي يتم تدريبك على التشخيص الطبي، يجب أن تمر خلال مقرر طويل من الخبرة تحت توجيه وإرشاد معلم . فإذا لم يستطع الطبيب الممارس إدراك بعض الأعراض المعينة للمرض لما استطاع وصفها، فيجب أن يعرف شخصياً هذا العرض بشكل أصلى بحيث يتمكن الدارس من معرفة وصف الأعراض، ويجب عليه أيضاً أن يدرك بشكل تام الفرق بين هذه الحالات، وعليه أن يتمكن من تطبيق معرفته بشكل عملي " ؛ وفى فقرة أخرى يقول بولانى " العلم يحتاج إلى مهارة العالِم، وأنه من خلال التدريب على مهارته يتسنى له أن يشكل معرفته العلمية "  .

ثم يصف بولانى دور مهارة التدريب والممارسة من خلال التحولات التي وقعت داخل التجربة الإدراكية لطالب طب يتعلم كيف يقوم بالتشخيص من خلال صورة الأشعة السينية فيقول: " تصوروا طالباً في الطب يتابع درساً في تشخيص الأمراض الرئوية بالأشعة السينية، إنه ينظر داخل غرفة مظلمة إلى آثار سواء على شاشة مشعة وضعت على صدر أحد المرضى ويستمع إلى الطبيب المختص في التصوير الإشعاعي . يعلق للحاضرين في لغة تقنية على الخصائص ذات الدلالة في مناطق الظل تلك . إن الطالب يتيه في البداية تيهاً تاماً، لأنه لا يستطيع أن يرى في صورة صدر معين سوى ظلال القلب والأضلع تتوسطها بعض البقع على هيئة عنكبوت . ويبدو الخبير وكأنه يحبك رواية من بنات أفكاره، فالطالب لا يرى شيئاً مما يدور حول الحديث . وبحضوره لهذا النوع من الحصص أسابيع عديدة . وبإمعانه في النظر في كل الصور الجديدة للحالات المختلفة التي تعرض أمامه، سيولد لديه بصيص من الفهم، وسيصل بالتدريج إلى صرف نظره عن الأضلع ليميز الرئتين . وسينتهي بمثابرته اليقظة إلى أن ينكشف له مشهد غنى بالتفاصيل ذات الدلالة من تغيرات فيزيولوجية وتحولات مرضية وندوب وتعفنات مزمنة ودلائل على مرض حاد، وعندئذ يدخل إلى عالم جديد، وهو إن استمر لا يرى سوى جزء مما يراه الخبراء . فإن الصور تتخذ منذ الآن معناها وكذلك التعليقات التي تقدم حولها.

وإذا كانت المعرفة المضمرة تتمثل من خلال مهارة نكتسبها التدريب والممارسة ؛ فإن بولانى يؤكد بأنها ذات صلة بالمهارات الجسدية Bodily Skills  على أساس أن جسدنا هو الوسيلة التي بواسطتها نعرف العاَلم، وهذه المهارات الجسدية تتضمن وعياً رئيسياً Focal Awareness  لما نحاول أن نفعله، ووعياً ثانوياً Subsidiary Awareness  لكل مكونات فعلنا، ولما كنا لا نستطيع أن ندرك بشكل نقدي أي من تلك المكونات والفعل، فإنه من الضروري أن نثق بأنفسنا ونثق كذلك في مهارات الآخرين الذين نتفاعل معهم . إن المعرفة تعد شخصية في المقام الأول فيما يتعلق بوجود المكونات المضمرة Tacit Component ، وفى المقام الثاني تعد شخصية كذلك فيما يتعلق بضرورة الثقة بهذه المكونات.

ثم يدعونا بولانى إلى أن ننظر بعد ذلك إلى أن الوعي الأساس والوعي الثانوي لهما وظيفة هامة بالنسبة للمهارات الجسدية ؛ حيث يقول: " فلو وضعنا فى الاعتبار استخدام آلة مثل الشاكوش Hommer لدق مسمار، فإننا نلاحظ كلاً من المسمار والشاكوش، ولكن بطريقة مختلفة . إننا نشاهد تأثير ضرباتنا على المسمار بطريقة فعاله .  وعندما نحضر الشاكوش لا نشعر أن مقبضه قد أثر في كفة اليد التي نمسكه بها  ولكن ما نركز عليه هنا هو أن رأس الشاكوش قد طرقت المسمار . ولكن بمعنى محدد نكون بالتأكيد متيقظين لما تشعر به يدنا وأصبعنا التي تمسك بالشاكوش . وهذا ما يجعلنا مهتمين بالتحكم فيه ومسكه بطريقة فعالة ودرجة الانتباه التي نوليها إلى المسمار تأخذ نفس المدى، ولكن بطريقة مختلفة من المشاعر . وهنا يمكن أن نقول أنني لدينا وعى ثانوي بالشعور الموجود في كفة اليد تمسك بالشاكوش والتي تنعكس وتتحول إلى وعى رئيسي نحو قيامي بدق المسمار.

وهنا يريد بولانى أن يوضح أن الأشياء التي ينصب عليها اهتمامنا الرئيسي هي المسامير التي تدق، في حين أن الأداة المتمثلة في الشاكوش تمثل اهتمام ثانوي . ولما كانت الاحساسات الخاصة بالأصابع على الآلة لا تلاحظ من خلال الوعى الثانوي، فيمكن أن تستخدم كإرشاد للآلة، حيث أن الآلة تعمل كجزء في جسمنا . وبالتالي يمكننا أن نستخدم أيدينا بدلاً من الآلة في هذا المثال.

إلا أن النقطتين اللتين يريد بولانى إلقاء الضوء عليهما تظهران بشكل واضح باستخدام الآلة، وذلك على النحو التالي.

النقطة الأولى:- أن جسمنا ذو امتدادات Extensions  معروفة تقريباً في ضوء الوعي الثانوي – ونعتمد في ذلك في الحصول على معرفة العالم .

النقطة الثانية:- كل الوقائع Particulars  التي تحدث تكاملاً في أي معرفة مضمرة تكمن في داخل أنفسنا من خلال الاحساسات التي تنطبع على شبكية العين Retina  فيما مضى كفكر يشكل الصور Images  التي يمكن أن تلاحظ بشكل مركز، وكل الذكريات والاعتقادات التي نستنتجها من الأشياء الثانوية . وطبقاً للإدراك العام Common Sense  عن التأثير الذي نستشعره في أجسادنا يقول بولانى: "  إننا نعيش في مجموعة من الوقائع مشيرين إلى جشتالط معطى، هذا الجشتالط يتضمن الأدوات التي نستوعبها أو نحاكيها لأجسادنا . وهكذا فإن هناك طريقة ثالثة تكون فيها المعرفة شخصية، وهى أن كل معرفتنا المضمرة تكون متجسدة ".

وهذا التجسيد Embodiment  كما يذهب بولانى هو الذي يعرض الجانب الذاتي لعلاقتنا بالجشتالط، فعندما نبدأ بالواقع ونصبح مقتنعين بما نراه أو ندركه يكون له مغزى Significance   بكونه حقيقياً أو مقبولاً . وبالتالي فإننا نلزم أنفسنا بهذا الإدراك الحسي، حيث نتحرك نحوه ونقتنع به ونعتمد عليه، وذلك من خلال باعث Motivation  يتمثل في الالتزام Commitment . هذا الالتزام يوحي يباعث عاطفى Passionate ، حيث أنه يمثل المجال الكلى للقيم في العلم وفى الحياة . وقد ناقشه بولانى تحت عنوان " الانفعالات العقلية " Intellectual Passions .

والالتزام في رأى بولانى ذو طبيعة قطبية Polar ، بمعنى أن النهاية الداخلية لها أساس في قوتنا الباطنية الذاتية Subjective Indwelling  والنهاية الخارجية لها أساس في الواقع Reality  الذي نلتزم به . ويؤكد بولانى بأنه " علينا أن تلتزم بذلك، فإذا لم نلتزم بذلك كأن نتشكك في أن خياراتنا وتفصيلاتنا الذاتية تفسد تفكرينا، فإنها سوف تهدد الهدف الكلى الذي نلزم به أنفسنا للشيء أو الآخر بوصفة وجود حقيقي . وبالتالي فسوف نغير التزاماتنا " .

وهنا يستخدم بولانى مصطلح شخصي Personal  ليتخطى الفجوة بين الذات والموضوع، وهو في هذا لا يقلل من قوة الشيء الموضوعي كشيء موضوعي، ولكنه يضيف إليه قوة أخرى وهى المشاركة الشخصية للذات نفسها، وهذه المشاركة تمثل تصورات شخصية مسبقة تلعب فيها الذات الإنسانية دوراً مهماً في شرح الظواهر وتفسيراتها وكشف قوانينها من خلال قوة الحدس الفردي الذي لا يخضع للتحليل المنطقى.

ويوضح بولانى ذلك مؤكداً أن الكشف العلمي يتم من خلال المعرفة المضمرة التي ترى أن البحث العلمي ليس عملية آلية، بل عملية خلق وإبداع، والعبقرية المبدعة بمنزلة العنصر الفاعل فلا يمكن الوصول إلى القانون أو النظرية عن طريق خطوات منهجية، وإنما الكشف العلمي نتوصل إليه بناءً على خطوتين : الأولى " مقصودة " وهى الدراسة، والأخرى " التلقائية " وتتمثل في الحدس الفردي الذي يستوعبه العاِلم عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، ثم قدح ذهن العالم ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، وهذا الحل هو الحدس الفردي الذي لا تتنبه إليه إلا عبقرية العالم في إنشغالها العميق بالمشكلة المضمرة وتأتى ظهور النظرية في لحظات أو ساعات أو حتى أيام، حيث نندهش ونصرخ مهللين . وبعدها نتوقف عن إجهاد عقلنا عن إنتاج هذه النظريات أو الأفكار .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيالنظرفي عودة وهابرماس

على الرغم من أن معظم المفكرين والباحثين الذين درسوا هذه المشكلة كان بينهم إجماع واسع ضد استخدام الأسباب الدينية في الحياة السياسية، إلا أنه لا يزال هناك قدر كبير من الخلاف بينهم حول التفاصيل1.

يشير البعض إلى أن لا يجب أن يتدخل الدين في المداولات السياسية أبدًا  بينما يعتقد البعض الآخر أنه قد يلعب دورًا اعتمادًا على نوع السؤال السياسي المطروح، أو المنصب الخاص الذي قد يشغله شخص ما، أو المكان الذي تحدث فيه المداولات. أنا لا أقصد أشراك جميع الحجج المتضمنة في ما اسميه القيود التداولية. بدلاً من ذلك،  أفحص ما أعتبره أكثر الحجج إقناعاً المتاحة ضمن الإجماع وأكشف لماذا أخطأوا لأسباب أخلاقية وتجريبية.

يرتكب الإجماع الواسع لصالح القيود التداولية أخطاء أخلاقية وتجريبية  لأنه يبالغ في تقدير كل من معقولية وجاذبية النظام السياسي "المقيد" وتهديد النظام "الديني". ينسج أنصار القيود التداولية معًا مجموعة من المطالب التي تبدو مقنعة مما يجعل هذه القيود أحد ركائز النظام الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، لكنها لا تصمد  أمام الفحص الدقيق، خاصة تلك التي تفكك خيوطهم الأخلاقية والتجريبية الناظمة. أريد ان أركز أولاً على ادعاءات القيود التداولية، ولا سيما تلك التي تدافع عن أولوية العلمانية ومن ثم الأسباب  العمومية .أقترح (من موقع  نقدي ودافع البحث عن اسباب اقوى) أن  فلاسفة  مثل روبرت عودة، ويورغن هابرماس، وجون راولز يرفضون بسرعة الأسباب الدينية على أنها مشتبه فيها إبستيمولوجيا وأخلاقياً، كما أنهم يقدمون أيضًا ادعاءات تجريبية غير مبررة تقول أن الخصخصة السياسية للدين شبه حتمية أو قدرة هذه الأدعاءات على إثارة الصراع السياسي. وعليه أن أدعاء القيود التداولية  أنها تمثل الى حد ما جهد لضمان الشرعية السياسية في نظام ديمقراطي دستوري يتميز بتعددية أخلاقية واسعة وعميقة، لا يمكن أن تصمد. إنه طموح بشكل مفرط فيما يتعلق بدرجة التوافق الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن نتوقعها في ظل ظروف التعددية وغير مدركين للقول أن الجهود المبذولة للدفع في أي حال قد تؤدي إلى نتائج عكسية للغاية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

1-  للأطلاع على النقاشات الموسعة حو الأسباب الدينية  أنظر:

Audi, Robert. "The Place of Religious Argument in a Free and Democratic Society." San Diego Law Review 30 (1993): 677- 702.

Audi, Robert.Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge and New York: Cambridge University Press, 2000.

Audi, Robert. “The State, the Church, and the Citizen." In Religion and Cotemporary Liberalism, ed. Paul J. Weithman. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1997.

Audi, Robert, and Nicholas Wolterstorff. Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Political Debate. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1997.

Berkowitz, Peter. "John Rawls and the Liberal Faith." Wilson Quarterly 26, no. 2 (2002): 60-70.

Carter, Stephen L.God's Name in Vain: The Wrongs and Rights of Religion in Politics, 1st. edn. NewYork: Basic Books, 2000.

Chaplin, Jonathan. "Beyond Liberal Restraint: Defending Religiously Based Arguments in Law and Public Policy." University of British Columbia Law Review 33, no. 3 (2000): 617-46.

Dombrowski, Daniel A. Rawls and Religion: The Case for Political Liberalism. Albany: State University of New York Pres s, 2001.

Eberle, Christopher J. "Basic Human Worth and Religious Restraint." Philosophy and Social Criticism 35, no. 1-2 (2009): 151-81.

Christopher J. Eberle, "Religion, Pacifism and the Doctrine of Restraint;' Journal of Religions Ethics 34, no. 2 (2006);

Christopher J. Eberle, Religious Conviction in Liberal Politics. New York: Cambridge University Press, 2002.

Elshtain, Jean "State-Imposed Secularism as a Potential Pitfall of Liberal Democracy." Paper presented at the Religious Liberty Conference, Prague, Czech Republic, 2000.

Greenawalt, Kent. Private Consciences and Public Reasons. New York: Oxford University Press, 1995.

  Habermas,Jurgan On the Relations between the Secular Liberal State and Religion." In Political Theologies: Public Religions in a Post-Secular World, ed. Hent De Vries and Lawrence Sullivan. New York: Fordham University Press, 2006.

Habermas, "Religion in the Public Sphere"; JeffJordan, "Religious Reasons and Public Reasons," PublicAffairs Quarterly 11, no.3 (1997);

Krause, Sharon R. Civil Passions: Moral Sentiment and Democratic Deliberation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.

Larmore, Charles. "The Moral Basis of Political Liberalism." Journal of Philosophy 96, no. 12 (1999): 559-626.

Macedo, Stephen. “Transformative Constitutionalism and the Case of Religion: Defending the Moderate Hegemony of Liberalism." Political Theory 26, no. 1 (1998): 56-80.

Parkinson, John. Deliberating in the Real World. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Perry, Michael J. Religion in Politics: Constitutional and Moral Perspectives. New York: Oxford University Press, 1997.

Rawls, John."The Idea of Public Reason Revisited." In The Law of Peoples, ed. John Rawls.Cambridge: Harvard University Press, 1999.

Rosenblum, Nancy L., ed. Obligations of Citizenship and the Demands of Faith.

Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.

Swaine, Lucas. "Deliberate and Free: Heteronomy in the Public Square."Philosophy and Social Criticism 35, no. 1- 2 (2009): 183-213.

Talisse, Robert. "Dilemmas of Public Reason: Pluralism, Polarization, and Instability." In The Legacy of John Rawls, ed. Thom Brooks and Fabian Freyenhagen. New York: Continuum, 2005.

Weithman, Paul J.Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.

 

 

حاتم حميد محسنأحاديث ابكتيتوس (Discourses) هي سلسلة من المحاضرات للفيلسوف الرواقي ابكتيتوس كتبها تلميذه اريان عام 108 ميلادي وجرى فهمها كشكل من العلاج النفسي، يقوم به الفيلسوف الذي يتبنّى دور المعالج.

وكما يتضح من المقارنة، طبقا لابكتيتوس ، فان الوظيفة الصحيحة للفيلسوف المهني هي مشابهة لوظيفة الطبيب النفسي او المعالج وذلك من ناحيتين، اولاً، ان اولئك الذي يعانون من أمراض فيزيقية يبحثون عن مشورة المعالج ليصف لهم العلاج المناسب بهدف استعادة الحالة الطبيعية للصحة. بالمشابه، اولئك الذين معهم أمراض في الروح (الذهن) يبحثون عن مشورة الفيلسوف ليصف لهم الوصفة الملائمة للعلاج بهدف استعادة الحالة الطبيعية للصحة النفسية والسعادة.

ثانياً، لا احد يتوقع ان تكون زيارة المرضى للطبيب سارة، المرضى يجب ان يعترفوا بأعراضهم المرضية الخاصة، يبحثون عن العلاج الطبي الخاص بهم، ويكونون راغبين لتنفيذ وصفة العلاج بصرف النظرعن عدم الراحة فيها. ونفس الشيء بالنسبة للفيلسوف، مراجعوه يجب ان يعترفوا بأعراضهم الخاصة (المتضمنة عدم الرضا بالحياة)، يسعون لمشورة خاصة، وينفذون و برغبة العلاج (غير السار) عادة.وكما يقول ابكتيتوس:

"مدرسة الفيلسوف، يا رجال هي عيادة طبية: لا يجب عليكم مغادرتها بسعادة وانما مع ألم. لأنكم لم تكونوا في صحة جيدة قبل دخولكم اليها".

رسالة ابكتيتوس هي الحفاظ على الصحة النفسية، والفلسفة هي الشرط المسبق. ان وصفة العلاج ليست سهلة ولا سارة ولكن لو اُتبعت ، فان الطالب الملتزم يستطيع التغلب على الاستياء ويحقق حالة دائمة من الرفاهية النفسية. باختصار، سنرى كيف انجز ابكتيتوس دوره كمعالج للروح، ولكن لابد اولاً، من ملاحظة سريعة عن الميتافيزيقا.

ثيولوجيا ابكتيتوس

كُتب الكثير عن ثيولوجيا ابكتيتوس وإشاراته المتواصلة لزيوس والآلهة. واذا كان تصوّر ابكتيتوس للآله يختلف كثيرا عن التصورات الحديثة باعتبار اننا بما لدينا من عقلانية فنحن نشترك بجزء من الاله زيوس ضمن أنفسنا ولا نحتاج اي شيء خارجي لحياة سعيدة ، لذا فاننا سوف نتجنب اي نقاشات جادة حول الثيولوجي او الميتافيزيقا في هذا المقال، ونقتصر بدلا من ذلك فقط على تغطية الأبعاد الاخلاقية لتعاليم ابكتيتوس. والسبب هو ان طريقة العلاج الموجودة في (الأحاديث) التي وُصفت لمساعدة الطالب على الحصول على الحرية النفسية المطلقة هي طريقة فعّالة بصرف النظر عن موقف المرء الميتافيزيقي النهائي. وسواء اعتقد المرء باله أعلى ، او نظام وحدة الوجود، او فوضى ذرية، فلايزال الموقف هو ان الشيء الوحيد الذي ضمن السيطرة التامة للمرء هي حكمه الشخصي وحده. نحن لا نستطيع السيطرة على الأحداث الطبيعية او الناس الآخرين او حتى على صحتنا (كليا)، لكننا نحتفظ فعلا بالسيادة الحتمية على عقيدتنا وهذا بالضبط وحصرا هو مجال التحسين الذاتي الأخلاقي بصرف النظر عن افكار المرء حول وجود نظام حتمي او فوضى في الكون.

القارئ، بالطبع، ربما يعارض بأن السيادة النهائية على عقيدة المرء تفترض سلفا وجود الرغبة الحرة وان الرغبة الحرة هي في الحقيقة وهم. هنا سوف نتجنب هذه القضية لسببين:

1- برجماتيا، من المستحيل لأي شخص ان يعتقد حقا انه لا يستطيع السيطرة على عقيدته الخاصة

2- ان كنت تتخلى عن السيطرة على عقيدتك لقوى قدرية، فلا معنى هناك في مناقشة أي شيء ، لأن كل شيء بما في ذلك (اعتقادك او عدم اعتقادك بالرغبة الحرة) هو خارج عن سيطرتك. لذلك، نحن سوف نأخذها كمسلمة بديهية اننا نحتفظ بالسيطرة على الأشياء التي نؤمن بها والأهداف التي نضعها لأنفسنا. اذاً ما هو التشخيص الرئيسي الذي يسبب لنا الكثير من المعاناة ، وما هي خيارات العلاج المتوفرة لنا من التقاليد الرواقية؟ قبل الاجابة، يجب علينا ان نفحص اولاً تصوّر ابكتيتوس للطبيعةالانسانية.

الطبيعة الانسانية، العقلانية، والسعي وراء السعادة

الشيء الجيد لطلاب الفلسفة الرواقية ، طبقا لابكتيتوس ، هي انهم سلفا لديهم المعرفة المسبقة والميول للعيش بسعادة وبحياة حرة من المنغصات النفسية. مهمة الفيلسوف هي ببساطة الحفاظ على هذه الحالة الطبيعية من الصحة عبر تشخيص وتصحيح الافكار الشاذة والسلوك، تماما كما يصف المعالج المضاد الحيوي لإزالة الالتهابات البكتيرية.

بالنسبة لايبكتاتوس، كل الكائنات الانسانية تشترك برغبة فطرية وقدرة ليكونوا سعداء، عقلانيين، ويعيشوا مع الآخرين. الانسان كما ذكر ارسطو، عقلاني، سياسي، حيوان اجتماعي. كذلك، الناس لديهم انجذاب طبيعي للحقيقة والانسجام وكراهية طبيعية للصراع وعدم الانسجام. الناس باتّباعهم العقل ، يؤمنون بعقائد ويتصرفون بطرق معينة بسبب انهم يعتقدون انها طريقة صحيحة وصادقة للتفكير والسلوك. لا احد يضع هدفا للايمان بعقائد زائفة وغير منسجمة، او يتصرف بطرق غير عقلانية. اللاعقلانية هي المفردة التي نطبّقها على عقائد الآخرين ، وليس على أنفسنا.

طبقا لما تقدم، اذا كنا غير مقتنعين بحياتنا، ذلك بسبب ، اننا رغم ايماننا بعقلانية عقائدنا وافعالنا، لكننا في الاساس أخطانا في أحكامنا. انها مهمة الفيلسوف ليشير لنا كيف اننا مخطئون وكيف بدلا من ذلك "نستخدم الانطباعات بشكل ملائم ".هذا كان الاتجاه البيداغوجي الاساسي لكل المدارس الفلسفية القديمة (الرواقية، الايبيقورية، الارسطية، الافلاطونية، الشكية)، لكن التقاليد الرواقية كانت هي التقنية العلاجية الجدّية والأكثر فاعلية (ولهذا اصبح للرواقية التأثير العميق على تطور العلاج السلوكي الادراكي الحديث).

بالنسبة للرواقيين، في اتجاههم العادل، الذي يميزهم عن كل المدارس المنافسة كانت الفكرة بأن السعادة يمكن تحقيقها من خلال بلوغ الحرية النفسية التامة وغير المقيدة، وبدلا من المتعة فان هذا هو الخير الأسمى .

كل انسان ، كحيوان عقلاني و اجتماعي، لديه القدرة على تحقيق السعادة ، لكن بما ان هناك العديد من الطرق يكون فيها الناس غير سعداء ، فهم يقعون في مآزق نفسية وثقافية تمنعهم من هذا البلوغ. هذه المآزق هي مختلف انواع المصائب الفردية والعالمية الناجمة عن جعل سعادة المرء خاضعة لأشياء خارجة عن سيطرته .

التشخيص Diagnosis:عبودية نفسية مفروضة ذاتيا

الحقيقة الاستثنائية حول الرواقية هي تحديدها للمشكلة الاساسية المسؤولة عن كل المعاناة الانسانية وهي الرغبة في الاشياء التي ليست ضمن سيطرتنا، او بعبارة اخرى العبودية النفسية المفروضة ذاتيا للأحداث الخارجية وللناس من حولنا. ما الذي يجعلنا غير سعداء؟عموما، نحن جُعلنا غير سعداء حينما تكون هناك اشياء نرغبها ولا نستطيع امتلاكها او عندما تكون هناك اشياء نمتلكها حقا ولكن لا نهتم بها ونسعى لتجنّبها.السعادة ببساطة هي حالة لا يرغب فيها المرء شيء اكثر او اقل مما يمتلك. ايبيكتوس أدرك ان هذه الحالة يمكن تحقيقها بشكل دائم لو ان المرء يدرّب ذهنه على قبول الأحداث تماما كما تحدث امامه.

اذا كان ابكتيتوس يشير مرارا لطلابه كعبيد – كما ورد في الأحاديث – ذلك بسبب انهم يفترضون رؤى تضعهم تحت عبودية دائمة للناس الآخرين وللأحداث الخارجية (1). يقول ابكتيتوس:

"كل شخص هو عرضة لمن يمتلك السيطرة على ما يريد او لا يريد، لأن صاحب السلطة هذا يستطيع منح ذلك الشيء او سلبه . اذا كان اي شخص يريد ان يكون حرا، عندئذ دعه لا يريد اي شيء ولا يسعى لتجنب اي شيء تحت سيطرة الآخرين، والاّ هو سيكون عبدا".

طبقا لهذا، من الخطأ محاولة تأمين السعادة من خلال، اكتساب الشهرة لأن الرغبة في الشهرة تضعك في عبودية للآخرين الذين تبحث انت عن ثنائهم. وبالمثل، الرغبة بالنقود والسلطة تضع المرء في عبودية بدرجة او باخرى لاولئك الذين يستطيعون منحها او سلبها بعيدا. فقدان الشهرة او النقود او الثروة او السلطة – والذي قد يحدث في اي لحظة بصرف النظر عن افضل الجهود التي يبذلها الشخص – سوف يؤدي الى معاناة نفسية حادة طالما ان رفاهية المرء ترتبط بشيء شديد التقلّب وغير شخصي ومعتمد على الآخرين. حتى مجرد التفكير بضياع هذه الأشياء الخارجية سيخلق للمرء مستوى دائم من القلق والخوف.

التطبيق الرواقي للتفكير، يعلّمنا ان حالة متسقة وموثوقة من الرضا تتحقق فقط حين يربط الانسان نفسه مع الاشياء التي تحت سيطرته الكاملة وهي الحكم والفضيلة اللذان لن يضيعا ولن يُمنحا الاّ طوعا.

لذلك فان معاناة الانسان والقلق والخوف هي نتاج للخوف من فقدان شيء خارجي ، وهذا يضع المرء في عبودية دائمة.الطريقة الوحيدة للتغلب على هذه المحنة هي بتحرير المرء من الاعتماد على الاشياء الخارجية عبر التحوّل نحو الداخل (الذات) ولما يهم المرء ويسيطر عليه حقا.

العلاج: تربية العقل والفضيلة

من الملاحظ ان ايبكتيتوس يضع اللوم كليا في عدم سعادة المرء على اكتاف المرء ذاته. السبب هو ان الشيء الوحيد الذي نحن مسؤولون عنه وتحت سيطرتنا التامة هو أحكامنا وليس الأحداث او الانطباعات التي نواجهها (الاحاسيس، المشاعر، الافكار العابرة). طالما ان السعادة والرفاهية مقتصرة على عالم الأحكام ، وان أحكامنا هي كليا ضمن اختيارنا، فان رفاهيتنا هي كليا ضمن اختيارنا ايضا. اذا كنا غير سعداء ، فان أحكامنا هي خاطئة، وطالما نحن نحتفظ بالسيطرة الكاملة على أحكامنا، فاننا لدينا القوة لتغييرها وبذلك نحسّن رفاهيتنا التفسية.

لم تكن هذه دائما هي الرؤية الشائعة. نحن عادة نلوم كل شيء الاّ انفسنا في عدم سعادتنا وحظنا التعيس. نحن نُقاد برغباتنا للاشياء الخارجية ونسلّم حريتنا طوعا لمن حولنا ولقوى وراء سيطرتنا. هذه هي مآزق نفسية نحن باستمرار نقع بها ، وهي تتأثر بالمآزق الثقافية للحياة المعاصرة. نحن تعلّمنا وقُصفنا باستمرار بتعليمات لتضخيم تقييمنا للمؤثرات الخارجية وتقليل قيمة شخصيتنا وقدرتنا العقلية. وبدلا من التركيز على تطوير الشخصية ، نحن حريصون على صنع نقود كافية وتراكم كافي للسلع ليجعلنا نبدو ناجحين امام الآخرين. نحن نضع انفسنا في عبودية لأصحاب الأعمال ولثناء جيراننا على حساب احترامنا الذاتي وقيمنا وقناعتنا الداخلية.

الترياق لهذا التقييم السطحي للاشياء الخارجية هو امر بسيط وهو عبر التحول نحو الداخل بالتركيز على الذات وتطوير الشخصية ومن ثم تحقيق حرية نفسية تامة. هذه هدية اُعطيت لنا من الطبيعة او من الآلهة كما يقول ابكتيتوس. انها متوفرة لكل شخص وفي كل الأزمان حتى اثناء فترات المحن والقلق الشديد. هنا يذكر ابكتيتوس كيف نتعامل مع الشدائد:

"ماذا اذاً في ايدينا ليساعدنا في مثل هذه الطوارئ؟ لماذا وما هو الشيء الآخر عدا ان نعرف ماذا لي وماذا ليس لي ، ماذا في حوزتي من قوة وماذا ليس في حوزتي ؟انا يجب ان اموت، فهل يجب ان اموت انينا ايضا؟ انا يجب ان اُسجن، فهل يجب ان أحزن على ذلك ايضا؟انا يجب ان اُرحّل الى المنفى، فهل هناك ما يمنعني من الرحيل مع ابتسامة وهدوء مرح؟.. انت تستطيع ربط أقدامي بالسلاسل ، ولكن حتى الاله زيوس لا يستطيع التغلب على قدرتي في الاختيار".

التعليق بشأن زيوس يُعد هاما هنا. ابكتيتوس طوال الأحاديث يذكّرنا بانه بينما اجسامنا الفيزيقية تمثل جزءا ضئيلا من الكون، لكن قدرتنا العقلية تضعنا بنفس مستوى الآلهة. هو يكتب:

"الا تعرف كم انت جزء تافه مقارنة بالكل؟ فيما يتعلق بجسمك ذلك صحيح، ولكن بشأن عقلك فانت لست اسوأ ولا أقل من الآلهة. ان حجم العقل لا يمكن قياسه بالطول والارتفاع وانما بقيمة الأحكام". انه فقط عبر تربية العقل وفي تطوير الفضيلة نستطيع العيش كالالهة على الارض، غير منزعجين بالاحداث الخارجية. ورغم ان هذا الهدف النهائي للممارسة الرواقية لايمكن ادراكه كليا، لكن يجب على المرء بذل الجهد. كما يذكر ابكتيتوس:

"ذلك ما حققه سقراط ذاته عبر عدم الاهتمام بأي شيء عدا العقل في جميع الاشياء التي واجهها. وانت بالرغم من انك لم تصل الى سقراط بعد لكنك يجب ان تعيش على الاقل كما يرغب اي شخص في ان يكون كسقراط".

اذا كنت تريد ان تكون كسقراط (يعتقد ابكتيتوس انك يجب)، و تريد علاج حالتك من العبودية النفسية، فان وصفة العلاج الضرورية هي واضحة: لا ترغب في أي شيء عدا ما يحدث، لا ترغب اي شيء وراء ما تمتلكه حاليا، ركّز على تطوير الفضيلة المسترشدة بالعقل، ضع اهدافا واسّس افضليات ولكن لا تصبح مضطربا نفسيا ان هي لم تتحقق، استعملْ كل الشدائد والصعوبات كفرص لممارسة قرارك الرواقي، عالج كل الموقف والصعوبات بالطريقة المثالية بالنظر داخليا لما تستطيع انت عمله وليس خارجيا لما يستطيع الآخرون عمله لك.

عندما تتبنّى هذه الممارسات ، انت تدريجيا تصبح مدركا كم هو متهور سلوك بعض الناس. منْ يشتكي من شيء ما ليس ضمن سيطرته عدا السخيف؟. من يضحي باحترامه الذاتي وعمله الذاتي على شيء لا يمكن تجنّبه عدا من لم يتعلم الفلسفة؟. مع ان هذه الممارسة قد تكون صعبة لكن المكافأة ستكون حرية نفسية تامة.

الانعكاسات على المجتمع

قد يحصل لدى القارئ انطباع بان تركيز ابكتيتوس الكلي على تطوير شخصية الفرد، لا يشير الى ان هناك شيء ذو معنى يقوله حول الاخلاق بالمعنى الأوسع للتصرف المناسب تجاه الآخرين.

ولكن، كما سنرى، ان فلسفة ابيكتيتوس لها نتائج اجتماعية ثرية . عندما يفهم المرء ان الخير الوحيد الصحيح للانسان هو العقل والفضيلة، وان جميع الناس يشتركون بنفس القدرة العقلية، عندئذ يكون المرء مجبرا لإدراك ان ما هو خير لنفسه هو خير للآخرين كما صيغ من جانب ابيكتيتوس في القاعدة الذهبية: "ما تريد تجنبه من معاناة لنفسك ، حاول ان لا تفرضه على الآخرين".

وفي مكان آخر يذكر ابكتيتوس:

"انت تتجنب العبودية، مثلا، تحرص بأن لا تستعبد احدا ، لأنك عندما تقبل العبودية من الآخرين ، انما انت تؤكد عبوديتك. لأن الرذيلة لا تشبه الفضيلة، ولا الحرية تشبه العبودية. مثلما لا يرغب الفرد المعافى حضور المريض من حوله ولا يقبل باولئك الذين يعيشون معه وهم في حالة مرض، كذلك لا يقبل الفرد الحر ان يُخدم من عبيد، ولا يقبل ايضا حالة العبودية لمن يعيشون معه".

العقل يجبرنا للاعتراف بان ما هو خير لنا هو خير للاخرين، وان الرغبة بالمعاناة للاخرين هي اكبر نفاق، وان العيش بوجود المرض او العبودية هو غير مرغوب لصحة الروح.

 كان ابيكتيتوس مواطنا عالميا. قال يجب ان نكون مثل سقراط الذي ذكر:

" ... عندما تُسأل عن بلدك لا تقل انا من أثينا او من كورينثوس وانما قل انا مواطن في العالم".

رغم اختلاف الناس في الجسم او الجغرافية او الثروة المادية، لكنهم يشتركون بنفس القدرة العقلانية التي اُعطيت لهم من الله او الطبيعة. كل الناس ككائنات عاقلة، يشتركون بروابط عالمية وواجب بأن لا يفرضوا على غيرهم ما لا يرغبون فرضه عليهم. طالما ان ما نحتفظ به من سيطرة كاملة على قدرتنا العقلية وشخصيتنا الفاضلة، هو ما نرغب به لأنفسنا، لذلك نحن بالمثل يجب ان نرغب نفس الشيء لكل البشرية.

هذا التحول نحو الداخل من خلال تطوير الشخصية الاخلاقية للمرء يجعل من المحتمل ان يشارك المرء بأعمال ايثار، لأن الفرق بين الأنوية والتضحية سيختفي، مثلما يختفي ايضا التمييز العشوائي الذي يقسم الانسانية حسب العرق والطبقة والجنس. اذا انا لم اعد ارغب باستغلال الناس للحصول على الاشياء الخارجية (نقود، سلطة، شهرة)، فسوف افقد عادة استعمال الآخرين كوسيلة لغاية، ويمكن ان ابدأ بتصور الآخرين كأناس متساوين.وبهذا فان علاج ابيكتيتوس لعدم السعادة الفردية هو نفس العلاج الذي نريده للمجتمع ككل.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) العبودية التي يصف بها ايبكتيتوس طلابه تشبه عبودية اولئك الذين سُجنوا في كهف افلاطون، افلاطون استخدم الكهف ليصف صعود الروح الى العالم العلوي، الذي تتجسد فيه فكرة الخير. الناس الذين في الكهف يرون فقط ظلالا للاشياء التي تظهر امامهم وليس الضوء الحقيقي للواقع. هؤلاء قُيدت رقابهم وسيقانهم منذ الطفولة، وبقوا في نفس المكان غير قادرين على تحريك رؤوسهم ، لذا هم يستطيعون النظر فقط الى الامام. بهذا هم ليسوا احرارا ولابد من تحريرهم وتمكينهم من مغادرة الكهف لكي ينتقلوا من عالم الظل(الوهم) الى العالم المشرق(الحقيقة).

 

علي رسول الربيعيالفرق الذي يصنعه العنف

يعتقد كوفر أنّه من الممكن الحدّ من سلطة تفضيل معنى ينزع إلى القتل في تفسير القانون على حساب معاني أخرى وصناعة السّلام وفقا لنظام قانونيّ، فعلى القانون أن يفلت من الالتزام بضرورة العنف؛[1] قد يتصوّر كوفر أنّ القضاة يتحكّمون بوسائل فرض الألم وتنفيذ حكم الموت في لحظة واحدة، ومن ثمّة فهم يتسامحون بحكمة مع الرّؤى المعياريّة المتنوّعة المحرّضة أو الاستفزازيّة. لكن لا يمكن التّوفيق بين العنف والقانون أبدًا بشكل كافٍ ومُرضٍ لأنّهما من الحقائق الاجتماعية المتصارعة التي لا يمكن لأيّ قدر من البراعة النّظريّة أن يجعلهما منسجمين.[2]

نسلّم جدلًا بكون الرّسائل المركزيّة المبثوثة من خلال مقالتي "النّاموس والسّرد" و“العنف والكلام” ليست متوافقة أساساً وبشكل منطقيًّ، فهما على مستوى النّشاط العمليّ مخاصمين لبعضها البعض. إذ تمارس إكراهات العمل الموصوفة في “العنف والكلام” قيودا ذاتيّة على قضاة الدّولة في سلطة اتّخاذ القرار، وفي تفسير النّصّ القانونيّ واختيار وفرض معنى وحيد من بين معاني متعدّدة (Jurispathic). وأوّل تلك الإكراهات هي التّخلّص من الدّوافع الأوّليّة باعتبارها مطلبا من المطالب العقلانيّة لعموميّة وموضوعيّة الأحكام والقرارات،[3] وهناك من الإكراهات الأخرى ما قد يستمدّ وجوده من ذلك التّفاعل الهشّ والمطلوب بين "تنظيم النّاس" وبين الرّغبة في أن يكون عنف القانون قابلا للتّنفيذ والتّدجين على حدّ سواء.

فمن أين لتلك المسافة بين الفكر والعمل، بين الأحكام والقرارات أن تُعدّ في حالة القانون نعمة وصعوبة  في آن واحد؟ قد تكون نعمة إذا لم يكن هناك أيّ مسافة فعليّة بين قرار قضائيّ وبين تطبيقه على الآخرين، وهذا يعني أنّه إذا طُلب من القضاة أن يقوموا بأنفسهم بفرض عقوبة الألم والموت الذي تقتضيه أحكامهم فسيحصل عنف قليل، لكن والحال أنّ هذه المسافة تُشكّل صعوبة لأنها تقتضي إيجاد طريقة لاجتياز الفجوة بين تفسير القاضي للنّصّ القانونيّ وبين التّنفيذ الفعليّ والمادّيّ للقرار القضائيّ ومثاله حالة الجلاد. هل في هذه الحالة ما يربط الانتقال من الكلمة القانونيّة الى الفعل؟ فالانتقال يقوم هنا بأمرين: أولًا، يُبقي على القاضي منفصلا عن الفعل نفسه وبمنأى عنه وإن ظلّ مرتبطًا به، لكن تنفيذ هذه القرارات القضائيّة يجعل القضاة متورّطين أخلاقيّا إلى حدّ ما. ثانيًا، يربط الفعل بالأمر أي يربط بين الجلاّد و القاضي عبر القرار القضائيّ، وبطريقة تتغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بإنزال الألم والموت. يبدو أنّ هذا هو المسار الاساس الذي يجعل متطلبات "تنظيم النّاس" ممكنًة بالنسبة للقانون كنشاط عمليّ وكفكر يُعمل به ليؤدّي وظيفته في الجوانب العمليّة من حياة المجتمع.

هناك قصّة أخرى يمكن سردها لا تتعلّق بالأسباب لكن بلغة التّبرير، والأخلاق ونواحي أخرى، إنّها قصّة يرويها الضّبّاط والقائمون على تنفيذ القانون الواحد منهم للآخر: إنّهم يعتقدون أنّ ما يقومون به مبرّرا، وهذه القناعة هي ما يفسّر قدرتهم على نقض الموانع العرفيّة مقابل القيام بالعنف. فهم يعتقدون أنّ الأعمال التي يؤدّونها هي أعمال ضروريّة بالفعل، وأنّهم المخوّلون حصراً لتنفيذها.

وبما أنّهم يميلون للتّصرف مباشرة عند تنفيذ المرسوم القضائيّ دون مبالاة بأيّ قيد، فإنّ هذا الأمر يبقى إشكاليّا ومحيّراً.[4]هناك شيء واحد يدفع للاعتقاد بأنّ هذه الأفعال ضروريّة ولها ما يبرّرها أنه افتراض نظام موحّد ومبرّر من القواعد والعقوبات يجعل ممارسة الإكراه مبرّرة أيضا. ولسدّ هذه الفجوة تكون الحاجة ملحّة إمّا إلى تأكيد معقول لصحّة قرارات التّدخّل بالقوّة للفصل في النّزاعات، أو إلى توسّط فاعلين ومسؤولين آخرين، أو إلى كليهما.

وحيث إنّ القانون من وجهة نظر كوفر ليس نظامًا شكليًّا ولكنّه مؤسّسة تفسيريّة،[5]فمن الواضح أنّ من ميزة وخصوصيّة أيّ قرار عدم انفصاله تمامًا عن الفاعل الذي يقوم به.[6] وهذا لا يستتلزم البحث فيما إذا كانت هذه الأحكام والقرارات صحيحة أو غير صحيحة، ولكنّه يعني أنّ ضمان هذه الأحكام لا يتحدّد تمامًا بالرّجوع فقطّ إلى قواعد النّظام وحده،[7] إذ يملك ممارسو هذه القواعد الخيار لفهمها من جديد دائمًا، ولرؤيتها على ضوء جديد وتفسيرها بطرق جديدة لكي تكون مقنعة.[8] يجب على المسؤولين القانونيّين والقضاة خاصّة أن يفسّروا ويقيسوا ويوازنوا، بطرق ليست ثابتة ولكن مرنة، فليس لديهم أيّ مبرّر للتّصرّف بلامبالات تُجاه النّصوص. لأنّه لا ينبغي لأحكامهم أن تكون ذات طابع شخصيّ أو نتاجا لنزوة أو تحيّزا أو تفضيلا غير معتمد، أنها ينبغي أن تكون غير قابلة للتّصرّف الشّخصيّ.[9] يعني ذلك أنّ هذه الأحكام تحمل أثر أصحابها، وتدلّ على منظورهم، وعلى مجموع افتراضاتهم ووجهات نظرهم كأصحاب قرار، لا أن تكون  ذات تأثير على مضمون الأحكام الصّادرة.

إنّ تنفيذ حكم بحقّ مدعًى عليه عن جريمة تحت سقف القانون هو نتيجة حكم القاضي بذلك، وهو حكم كان يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا لولا ميول وتصوّرات وفهم وتفسير ذلك القاضي للنّصوص القانونيّة.[10] هذا لا يستلزم بالطّبع وجوب أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة الكاملة عن القرارات التي يتّخذونها حيث إنّ ما يقرّرون يتشكّل بقوّة لاعتبارات ليست لديهم أيّ سلطة عليها كالقوانين ذات الصّلة، والقرارات السّابقة، وإجراءات الرّقابة.[11] ينخرط القضاة في القرارات التي يتخذون وفي تفسير القانون بصفة خاصّة، ويُتوقّع أن تعتمد أهليّة هذه الأحكام وقدرتها على الاستمرار على الجانب العمليّ، وعلى التّحليلات والحجج، وعلى تهيئتها لأن تسعف الشّرطة القضائيّة في القيام بالتّنفيذ.

من المفترض أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة بوصفهم مفسّرين للقانون فيما يتخذون من قرارات ويصدر عنهم من أحكام تُشكّل جزءًا ممّا يأخذ كوفر بعين الاعتبار عندما يتصوّر إمكانيّة تدجين عنف القانون. فهؤلاء القضاة هم وسيلة "نقل" نظام القواعد القائمة وتنزيلها على أجساد البشر وأرواحهم ألما وموتا. ليست مسؤوليّة القضاة كبيرة لأنّهم قد يكونوا غير قادرين على فعل ما يجب القيام به، ولكنّها كبيرة عندما ينخرطون كفاعلين أخلاقيّين ما يعطيهم متّسعا أوسببًا كافيًا للتّصرّف بتفكير أكثر عمقًا[12] وبالتّأكيد، هذا يكفي لاختبار "إيمانهم والتزامهم".[13]

وبناءً عليه، فإنّ على القضاة المنخرطين في "تنظيم النّاس" ويمارسون عنف القانون أن يستوفوا الشّروط المنصوص عليها والمحدّدة مسبقا للإذن أو السّماح بهذا السّلوك أو ذاك، وأن يقدّموا باعتبار ما يتّخذون من قرارات هم مسؤلون عنها الضّمانات اللاّزمة سواء منها المتعلّقة بصحّة تلك القرارات أو المتعلّقة بسلامة التّنفيذ من عيوب الشّطط بمراقبة تدخّلات الفاعلين والمسؤولين والإشراف عليها. فانخراطهم في ذلك العنف بإصدار أحكام يرون أنّ لها أسبابًا مقنعة وقرارات يعتقدون أنّ إصدارها تمّ بطريقة صحيحة ومنصفة، وبالنّظر إلى الطّابع الخاصّ لهذه المشاركة فإنّهم يساهمون في تبرير يسمح للآخرين بالتّصرّف بالوكالة.

لقد أشار كوفر إلى عائق مزعج يواجه مشروعه التّرميميّ، إنّه المشكلة النّاتجة عن الصّعوبات التي تواجه القضاة والمسؤولين القانونيّين الآخرين في إيجاد القناعة اللاّزمة لعنف القانون ولتنظيم استخدامه عند الضّرورة. يقول كوفر: "إنّه لمواجهة هذه الصّعوبة من داخل المجتمعات التّفسيريّة الخاصّة التي تسمح بالعنف وتبرّره، لا بدّ من توفير المبرّرات القويّة والأسباب المقنعة"،[14] فبدون هذه الأسباب والمبررات لا يمكن ولن يكون عنف القانون منظّمًا ومنتشرًا على نحو فعّال.

يقدّم العنف مبرّرا قويّا للأعمال القانونيّة،[15] ونتيجة هذه الحقيقة هي تعزيز العلاقة بين نظام قانونيّ إمبرياليّ هو بحاجة مستمرّة إلى إيجاد أو توليد مبرّرات قويّة وبين المجتمعات ذات المعايير المشتركة التي تكون تصوّراتها عن الحقّ والخير في نزاع أو خلاف مع ما يتطلّب القانون. وبسبب تلك المبرّرات التي استحدثتْ لأجل استدامة العنف يصبح النّظام القانونيّ عدوانيّا بالإصرار على فرض تصوّره ووجهة نظره كنسخة وحيدة للحقّ، وفي ذلك يقول هادلي أركز:

"عندما نستدعي لغة الأخلاق، فإنّنا نمدح ونلوم، نُثني ونُدين، نُحَيّي ونَسْخَر، نوافق ونعترض. بالتالي، قد لا يكون هناك معنًى لإلقاء هذه الأحكام على الآخرين ما لم يكن مفترضًا أنّ هناك معايير للحكم في متناولنا ومتناولهم تسمح لهم بأن يعرفوا أنّ ما يقومون به هو الصّواب أو الخطأ. فعندما نستدعي لغة الأخلاق فإنّنا نتحرّك بعيدًا عن بيانات الذّوق الشّخصيّ والمعتقد الخاصّ؛ إنّنا نقدّم الحكم على الأشياء الصّحيحة أو الخاطئة، عادلة أو غير عادلة عمومًا".[16]

لذلك يكون التّفسير القانونيّ الذي يهتمّ بالعنف مطلوبا، ليروي سردا يجعل المطالب التي يفرض تنفذيها مطالب موضوعيّة،[17] من حيث إنّ التّفسير القانونيّ يسعى ليس فقطّ لإظهار أنّ قراراته قويّة يمكن الدّفاع عنها من النّاحية الفنّيّة، ولكن لأنّها جديرة بأن تُفرَض ضدّا على إرادة الذين يقاومونها لأنّهم يستحقّون أن يذوقوا الألم الذي يتمّ باسمها".[18] وهو ما أدّى بحسب كوفر إلى "صعود أسهم المؤسّسة التّفسيريّة"،[19] وشجّع القضاة على خلق قصّة مُدعّمة معياريًّا تكفي للتّغلّب على التّحفّظ، ولإقناع المسؤولين الآخرين بعدم التّدخّل. وهو أيضا ما يجعل تقييد هذه القصّة والحدّ من ميلها إلى اكتساح مجالات وساحات جديدة أكثر صعوبة، الشيء الذي يستدعي تعزيز التّسامح في مواجهة هذا التّحدّي الخطير.[20]

إنه لمن الصّعب حقّا التّفكير في مثل هذه القصص من غير تذكّر مناقشات كوفر ودعوته إلى خلق المعنى القانونيّ حيث يشير إلى أنّ هذه العمليّة تنطوي على الالتزام والتّطابق، وعلى الموضوعيّة فيقول: إنّ "خلق المعنى القانونيّ يتطلّب التّفاني والالتزام، ويتطلّب الموضوعيّة".[21]ويأخذ كوفر هنا بعين الاعتبار مواقف وسلوك مختلف أفراد المجتمعات المعزولة الذين يُستغرَب أن يكون هناك أيّ انفصال جذريّ بينهم وبين مجتمع قضاة الدّولة، وتوقّع من هؤلاء أن يعترفوا بعرضيّة واحتماليّة المعاني والمبرّرات التي ولدت في هذا المجتمع. فلا يمكن أن يحصل العنف دون الشّعور بأنّ هناك ما يبرّره، وإذا حصل ذلك، فمن غير المرجّح أن تكون هناك قيود ذاتية على التّبرير.

لذلك فإنّ الأمور هي أكثر تعقيدًا كما يذكّرنا كوفر بشكل قاطع، يُساهم القاضي كما رأينا في تشكيل جهاز موظّفي الشّرطة وقوى الأمن الذين يشعرون أخلاقيًّا بأنّهم "أحرار" ليقوموا بالعنف القانونيّ فيؤثّرون بدورهم على القانون الذي ينفّذون أو يفرضون بالإكراه. ومع أنّ هؤلاء لا يقومون بمراجعة الاستحقاقات الموضوعيّة لأمر القاضي فهناك حدود أو قيود على ما تمّ توكيلهم للقيام به، وعلى الظّروف التي بموجبها سينجزون ذلك. فالقاضي الذي يُصدر الأوامر والقرارات يأمل منهم القيام بمهامّهم مع الحرص على أن يكون الإنجاز مطابقا للمراسيم ملتزما بالقيود.

إنّ التّفسير القانونيّ ليس حرًّا أبدًا، فهو يرتبط ارتباطا متبادلاً بالأدوار التي يصدر عنها أو يوجّه إليها، ويترتب على ذلك توتّر دائم بين إنتاج معنًى قانونيّ أكثر تماسكًا بطريقة يستحسنها دوركين، وبين "توليد إجراءات فعّالة في سياق عنيف".[22] لكن قد يكون لهذا القيد المفروض على التّفسير القانونيّ فضيلة تدجين وتلطيف عنف القانون على وجه التّحديد، غير أنّه يطرح مسألة الإكراهات المنطقيّة والبراغماتيّة، الاجتماعية والأخلاقيّة التي تتخلّص من قانون الدّولة لكي تصبح لها سلطة اتّخاذ القرار بتفضيل معنى من بين المعاني المتعدّدة ((Jurispathic لأجل إلغاء الأوامر المعياريّة الأخرى خلافًا لدعوة كوفر في نهاية مقالة "الناموس والسّرد".

وعودا على بدء، وكما تمّت الإشارة إليه في مقالة “العنف والكلام” فإنّ "تنظيم الناس" نعمة ونقمة في نفس الآن من حيث هو أمر ضروريّ لقانون يعني التّعامل مع الألم والموت. قانون يوفّر أجهزة تسعف على نحوٍ فعّال في تحوِيل الفكر إلى عمل يمكن أن ينتج عنف القانون بطريقة معتدلة خاضعة للسّيطرة عمومًا. فتكون تفاعلات النّظام القانونيّ الدّولتيّ مع الرّؤى المعياريّة المتنافسة محدّدة بتلك الأوضاع والظّروف، وفي هذه الأوضاع لا يكون القضاة أحراراً في القيام بتفسير قانونيّ دون عوائق، ولكن يجب أن تلبّي قراراتهم شروط ممارسة العنف. لذلك وعن سبيل المثال، فإنّ القاضي الذي يعيش في عالم يتضمّن نظاما ضدّ تعدّد الزّوجات، قد يجد أسبابًا قانونيّة مقنعة ليجد استثناءً لمجتمع انعزاليّ معيّن يؤمن بمبدأ تعدّد الزّوجات. أمّا إن كان القرار "الصّحيح" و"الأفضل" هو الاستجابة بشكل مناسب للتّنظيم الاجتماعيّ للعنف، فمن غير المرجّح أن يُراعَى هذا الاستثناء. إنّ الدّرس المستفاد من مقالة “العنف والكلام” هو أنّ الفكر لا ينتج عملا لا يتأثّر به، وأن تفسيره يتحوّل بحكم الضّرورة استجابة لسياقه العنيف.

يُغيًر العنف الأشياء والأشخاص ويغيًر القانون الأشياء والأشخاص أيضا، والقضيّة هي أنّ قدرة الذين يفرضون إرادتهم على الآخرين، أي أولئك الذين يستعملون الإكراه ليكفلوا الانسجام فيما بينهم سيرتّبون الأسباب والذّرائع لتبرير عدم احترامهم لما في محيطهم من تعدّد واختلاف. قد تضعف الفروقات الجديدة إذا كانت لا تدحض التّبريرات القديمة، وهذا يجعل كوفر مُحقًّا عندما اعتبر أنّ فائض الإفتاء بقضايا الضّمير يتعارض مع مطالب التّضامن بالتّأكيد. فإذا كان هذا صحيحا فهو شرط لا غنًى عنه لعنف قانون فعّال.

ما يسعى كوفر إلى الإقناع به، هو أنّ الشّعراء والفلاسفة غير المثقلين بالحاجة إلى الجانب العمليّ والتّطبيقيّ لأفكارهم هم أحرار في زيادة التّمايزات والاختلافات، يتصرّفون بحرّيّة في اختبار وجهات نظر متعارضة. وكما سبق الإشارة إليه، فإنّ الحاجة إلى القيام بالعنف تُحدث الاختلاف والفرق بحدوث الألم والموت، فعندما يتعلق الأمر بذلك مواقف لا يمكن التّراجع عنها، لأن ما يحدث يكون القضاة هم المسؤولون بشكل مباشر عنه. في العالم التّفسيريّ للقانون لا تُملي النّصوص أو يحدّد العقل وحده النّتيجة، بل على العكس من ذلك، ففي عالم يتطلّب العنف الشّرعيّ تتشكّل "النّتيجة الصّحيحة" في جزء منها من خلال الالتزامات المشتركة والمعاني العامّة التي تجعل مشروع التّعاون بشأن القانون ممكناً.

حتى ولو لم تكن هذه الالتزامات والمعاني مقنعة كلّيًّا ولا مشتركة أو عامّة، فإنّه يجب احترامها إذا ما أُريـدَ الحفاظ على قدرة القانون الهشّة على ممارسة العنف. لأنّ ثمن هذه القدرة، هو تصرّف يعادي رؤى وأوامر أنظمة معياريّة أخرى، خلافًا لما ورد في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" من دعوة إلى "وقف تقييد النّاموس" و "إلى عوالم جديدة". يربط العنف الفكر بالعمل، ونتيجة لذلك يجعل القانون أقلّ تسامحًا فيما يتعلّق بالتّعدّد والاختلاف، فقدرة القانون على أن يكون جرميًّا أو قاتلاً تميل إلى جعله سلطة لاتّخاذ القرار بين المعاني المتعدّدة (Jurispathic)، وهذا ضدّ أمل كوفر الحماسيّ.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] حول إمكانية مثل ذلك الهروب، انظر:

Dumm,T. “The Fear of Law,” Studies in Law, Politics and Society 10 (1990): p.29.

Drucilla Cornell, “The Violence of the Masquerade: Law Dressed Up as Justice, “Cardozo Law Review 11 (1990), p. 1047

[2] انظر: Taylor, “Desire of Law/Law of Desire

[3] انظر:

Thomas, N., The View from Nowhere (New York: Oxford University Press, 1986); and Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979)

[4] لكن انظر: Kelman and Hamilton, Crimes of Obedience

[5] انظر:

Stanley, F., “The Law Wishes to Have a Formal Existence,” in The Fate of Law, ed. Austin, S., and Thomas R. K, T., Ann Arbor: University of Michigan Press, 1991.

Dworkin, R., “Law as Interpretation,” Texas Law Review 60 (1982), p.527

[6] على حد تعبير Stanley فإنّ عبارة "التّفسير" ليست فن التّشكيل ولكن هي فن البناء. إنّ المفسرين لا يفكون رموز القصائد؛ بل يصنعونها".

(Is There a Text in This Class?) Cambridge: Harvard University Press, 1980),p. 327)

وأيضا:

Levinson,S., “Law as Literature,” p.373

[7] للإطّلاع  على مناقشة مفيدة حول هذه النقطة انظر:

Hart, H, L, A., on formalism and rule skepticism in The Concept of Law (Oxford: Clarendon Press, 1961), chapter 7

[8] انظر: Fish, Is There a Text in This Class?

[9] حول التّمييز الشّخصيّ والذّاتيّ انظر: Nigel, The View From Nowhere, pp.152-53

[10] لمعالجة عامّة لهذا الموضوع انظر:

Noonan, J., Persons and Masks of The Law: Cardozo, Holmes, Jefferson, and Wythe as Makers of Masks (New York: Farrar, Strauss & Giroux, 1976)

[11] المسألة هنا هي عن القيد الذي تفرضه الحقائق القانونيّة والسّياسيّة، وهي تقع في صميم المناقشات النّظريّة التّفسيريّة نظر:

Levinson, “Law as Literature” and Gerald Graff,” Keep off the Grass, ‘Drop Dead’ and Other Indeterminacies, “Texas Law Review 60 (1982),p. 405

[12] عن ضرورة التّشاور في صنع القرار الأخلاقيّ، انظر:

Maguire, D., The Moral Choice (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1978).

Charles Larmore, Patterns of Moral Complexity (Cambridge: Cambridge University Press, 1987)

[13] يقول كوفر: "لا يمكن أن يكون تفسير القانون صالحًا إذا لم يكن هناك من هو على استعداد ليعيشه"

(Nomos and Narrative,” p.44)

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] يقصد بالتّبرير القويّ ذلك التّبرير الكافي لشرح عمل يكون له أصل أو مصدر آخر غير كونه عمل إرادة أو قوّة صرفة. انظر:

Hadley A., First Things (Princeton: Princeton University Press, 1986), p.20

[16] المرجع نفصه، 22-24.pp

[17] "تستددعي نصوص القانون القيام بعمليّة تفسير لأجل التّنزيل على الوقائع موضوع النّوازل المعروضة على القضاء، وتنشد عملية التّفسير هذه تحقيق الخير الذي هو في حدّ ذاته تفسيرا وليس أمرا نهائيّا لما يمكن أن يكون، فهي من هذه النّاحية وعد بالتّوفيق الكامل... ولكن حتى مع ذلك، فإن قانون القانون هو ما نبرر به تفسيرنا من خلال مناشدتنا الخير. عندما يتمّ الدّفاع عن التّفسير القانونيّ باعتبار أنّ ما يشرعه هو الخير، فإنّه يُفرض على الآخر كما لو أنّه قد تمّ إنجاز الخير او تحقيقه" (Cornell, From the Lighthouse,” p.1712)

[18] انظر:

Minow, M., Making All the Difference: Inclusion, Exclusion, and American Law (Ithaca: Cornell University Press, 1990) pp. 60-65

[19] Cover, “Nomos and Narrative” p.51

[20] على حدّ تعبير Minow (Making All the Difference, pp. 64-65) "تسعى اللّغة القانونيّة لأن تطبق عالميًّا، بغضّ النّظر عن الصّفات الخاصّة للفرد، إلاّ أنّ الكونيّة المجرّدة في كثير من الأحيان، "تأخذ الجزء بالكلّ، تأخذ الخاصّ بالكونيّ والجوهريّ، والحاضر بالأبديّ ... "في ذلك اليوم، ستفشل العدالة بإقرار منظورها الخاصّ ونفوذها في تعيين الفرق فيما يتعلّق ببعض القواعد غير المعلنة".

[21] .Cover, “Nomos and Narrative,” p.45

[22] Cover, “Violence and the Word” p.1629

 

 

علي رسول الربيعيالتّنظيم الاجتماعيّ للقانون: في إنجازات العنف المنظّم

واصل كوفر الذي حوّل العنف إلى سلام بطريقة مبدعة تخيّله عن صنع السّلام بين عنف القانون وضبط النّفس والتّسامح لاعتقاده أنّ ذلك ضروريّ جدًّا للقانون. لم يكن ممتنعا بالنّسبة له أن يحدّد الظّروف التي تجعل عنف القانون مؤثّرا بشكل فعليّ في العالم لاسيما وقد تناول باهتمام بالغ في مقالتين بعنوان: "العنف والكلمة" و"قيود التّفسير الدّستوريّ" الدّور المهمّ الذي يضطلع به القضاة في التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، حيث رأى أنّهم  يرأسون قمّة "هرم العنف".[1]

وبشكل مجازيّ فإنّ الهرم يكوّن مفهوم التّنظيم الاجتماعيّ في مقالة "العنف والكلمة"، وهو يعني تسلسلا صارما واضح المعالم لعنف الدّولة يطابق التّسلسل الهرميّ للمؤسّسات القانونيّة نفسها".[2]ونظرًا للصّورة المُقدّمة للقضاة الذين يرأسون قمّة هذا التّسلسل يصبح من الطّبيعيّ طرح التّساؤل ليس عن كيفيّة تفسيراتهم للنّصّ القانونيّ وعمّا إن كانت تقيّد العوالم أو تخلق عوالم جديدة، ولكن وبالأحرى عمّا يحدث لتلك التّفسيرات عند اكتمال العمل التّفسيريّ إن كان سمع بها أحد أو اهتمّ لها أيّ شخص.

فإذا كانت الإجابة بالنّفي، فسنواجه وضعا القانون لا يستطيع معه القانون نشر إكراهه القسري، وهو وضع قد يكون مرحّبا به من قبل النّاموس ولكن لا يكون مرحّبا به بمجرد الإقرار بأن العنف هو بالفعل داخل مجتمعنا ونظام حكمنا. وعن هذا يقول كوفر: "لوقف المعاناة قليلا أي لوقف فرض العنف يتعيّن إعطاء القانون لأولئك الذين هم على استعداد للقيام بذلك". [3] وإذا لم يكن هكذا فقد يتجرّأ الآخرون من هم في أسفل سلّم القيادة على استعمال الإكراه والقسر بشكل فرديّ مستقلّ فوضويّ وغير منضبط وهو بالتّأكيد ضدّ كلّ من الاحتمالين: سواء بالنّسبة لاحتمال السّيطرة على العنف بشكل عامّ في المجتمع، أو بالنّسبة لاحتمال الدّولة الخارجة عن القانون لأنّ الرّؤية اللّيبراليّة في القانون تنظّم نفسها بنفسها.[4]

يبدو كوفر في مقالته عن "النّاموس والسّرد" وكأنّه يقف مع المعنى ضدّ السّلطة،  لكنّه في مقالتيه عن "العنف والكلمة" وعن "قيود التّفسير الدّستوريّ" يبدو كأنّ تحالفه مع المعنى قد تزعزع، ويتّضح ذلك  حين يقول:

"إذا كانت فكرة الموت والألم تُعدّ في جوهر التّفسير القانونيّ من الأفكار السّيّئة فلا ضير من ذلك، لإنّه لن يكون هناك أفضل من مجتمع الحجّة ومن قرّاء وكُتّاب النّصوص والمفسّرين، طالما أنّ الموت والألم يُشكّلان جزءا من عالمنا السّياسيّ فمن الضّروريّ أن يكونا في جوهر القانون. لن يكون البديل عنهما مقبولًا لأنّهما موجودان حقيقة داخل سياساتنا، ولكنّه سيكون خارج الانضباط لقواعد اتّخاذ القرارات الجماعيّة في معزل عن الجهود الفرديّة الرّامية إلى تحقيق نتائج من خلال تلك القواعد".[5]

لا نرى في هذه الجمل حضورا للنّاموس، كما لا نرى تأكيدا واضحا على قدرات وفضائل المجتمع التّعدّديّ، ولكنّنا نجد ما يحيل إلى خطر الصّراع وإلى التّفاعلات التي قد تجري عند الحدود الفاصلة معياريّاً بين المجتمعات المُوحّدة أو المندمجة. لذلك نجد أنّ عمل كوفر هو استحضار لكابوس هوبز (Hobbes) عن الموت والألم غير المنضبطين داخل جسم النّظام السّياسيّ ولكن خارج نطاق القواعد.[6] ففي نظره يتحقّق النّظام والسّلام فقطّ عندما يتجسّد التّفسير القانونيّ وتتحقّق ظروف وشروط "هيمنة فعالة ومؤثّرة".[7] لأنّه في حال عدم حصول ذلك تصبح "حالات الأخذ بالثّأر والمقاومة والانتقام"[8] واردة في المجتمع.

ولعلّ في إشادة كوفر "بقواعد القرار الجماعيّ" وبالأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق النّتائج من خلال الالتزام بها يعبر عن انتقال من هوبز إلى لوك، أي انتقال من حركة السّلطة ضدّ الحرّيّة إلى القواعد ضدّ الفوضى. والملاحظ هنا كذلك، تخيل عالم خارج القانون لاستحضار وتبرير الانضباط "للقواعد".[9] فانطلاقًا من كابوس هوبز كفرضيّة مؤسّسة خطا كوفر لتبرير عنف القانون باعتبار ما يفرض من انضباط قسريّ، والتّساؤل هنا هو عن مدى كفاية مفهوم لوك عن "انضباط قواعد القرار الجماعيّ"، بالإضافة إلى إحياء الانضباط حيثما وُجِدَ.

إنّ هذا الانضباط الذي تتمّ به السّيطرة على انتشار الإكراه، وهذا التّنظيم الذي يقوم به القضاة من خلال تفسيراتهم للنّصوص القانونيّة يقفان في تناقض صارخ مع حالات انعدام القانون وحالات العنف غير المنضبط الذي أشار إليه كوفر بمثال الإعدام من دون محاكمة[10]حيث "يختفي النّاس ويموتون فجأة بدون أيّة مراسم للعزاء داخل السّجن دون أيّ مبرّر، ودون أيّ تفويض لدفنهم".[11] فالنّظر من الدّاخل ضدّ شبح العنف غير المنضبط يجعل انضباط قواعد القرار الجماعيّ في اعتقاده إنجازا يستحق التّقدير. يقول: "علينا أن نتوقّع من عنف القرارات التّفسيريّة للقضاة تنظيما كاملا تقريبا، ويعتبر مثل هذا التّنظيم الجيّد للعنف إنجازاً".[12]

لقد اهتمّ كوفر بهذا "الإنجاز" من خلال فهم كيف تُتَرجِم التّفسيرات القضائيّة النّصوص القانونيّة إلى أفعال، وكيف تصبح العبارات القضائيّة أعمال عنف. يعني ذلك أنّه عندما يواجه القضاة مشكلة تفسيريّة فإنّهم يواجهون مشكلتين وليس واحدة: الأولى، هي مشكلة المعنى في حدّ ذاته، أي كيفيّة تحديد وتبرير تأويل مُرضٍ للنّصّ إن لم يكن متفوّقًا على ايّ تـأويل أخر.[13] أمّا الثانية، فهي مشكلة التّنفيذ، أي كيفية ضمان أن يعمل الآخرون بناءً على الأسس والطّرق التي يحدّدها القرار النّاتج عن ذلك التّفسير.

ففيما يتعلّق بالأولى أي بمشكلة المعنى، أخذ كوفر بعين الاعتبار مرّة أخرى التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، لكن من خلال تنظيم التّفسير والتّبرير الاجتماعيّ، كتب يقول: "لا يعمل أيّ قاضٍ منفردًا لأنّ تطبيق فهم القانون في مجال الألم والموت يتطلّب الموافقة الإيجابيّة أو السّلبية للعقول القانونيّة الأخرى".[14] فقبل أن تُترجم العبارات القانونيّة إلى أفعال يجب على القضاة الآخرين سواء كانوا قضاة استئناف ينظرون في قرار ابتدائيّ، أو كانوا من أعضاء المحكمة الابتدائيّة أن يقتنعوا بعبارت القرار المتّخذ، وبأنّ تفسير النّصّ القانونيّ منطقيّ ومعقول. وبعبارة أوضح، يجب أن يقتنعوا بأنّ تفويض العمل له ما يبرّره، وأنّ العبارات توفّر تبريرًا كافيًا للعنف المقضي به. لذلك، يُعدّ مجتمع القضاة دائمًا مجتمع تفسير وتبرير، لأنّ "التّبرير بالنّسبة لأولئك الذين يفرضون العنف مهمّ للغاية".[15]

بما أنّ القضاة لا يقومون بأنفسهم بالأفعال التي تُجيزها قراراتهم، فإنّهم يعتمدون على الآخرين في الأدوار أو الوظائف المؤسّسيّة الموجودة لتنفيذ الأوامر، وجعل تلك القرارات نافذة المفعول في الواقع. لقد وضّح كوفر هذه الحقيقة الواقعيّة المألوفة من خلال النّظر في قرارات الأحكام الجنائيّة التي يقوم بها القضاة في ميدانهم"،[16] والتي تعتمد على "هيكلة التّعاون" بين الشّرطة والسّجّانين وباقي المنفّذين "بناء على أوامر القاضي لضمان عدم هروب السّجين، وحماية القضاة والمدّعين العامّين والشّهود والسّجانين من الانتقام".[17] وتعمل هيكلة هذا التّعاون على التّغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة التي تكبح "إلحاق الألم بالآخرين"،[18] فبالنّسبة له الحقيقةً الأساس هي أنّه يمكن التّغلّب على تلك الموانع "بناء على أمر من القاضي".

يقوم القضاة من خلال هيكلة التّعاون بالعمل التّفسيريّ الذي يجعل من أفعال عنف القانون "أفعالًا مفهومة"[19] بالنّظر إلى "الاهتمام التّلقائيّ النّسبيّ بأوامر القضاء"،[20] "لذلك فإنّ أولئك الذين ينفّذون هذه الأوامر قادرون على أن يحيلوا إلى القاضي المسؤوليّة الأخلاقيّة الأساس لأعمال العنف التي قاموا بها".[21] فالسّياق المؤسّسيّ للتّفسير القانونيّ يتيح ما يمكن التّنبّؤ به من مجموعة الرّدود على القرارات القضائيّة، "رغم أنّ هذا غير ضروريّ من النّاحية المنطقيّة"،[22] غير أنّ في هذه الفجوة ما بين الضّرورة وما يمكن التّنبّؤ به يحاول كوفر معرفة الطّريقة التي يضبط بها التّفسير نفسه من خلال الحاجة إلى عمل أولئك الذين يقومون بعنف القانون فعلًا لتنظيمه والسّيطرة عليه في الوقت نفسه.[23]

يتطلّب الانتقال من التّفكير في التّفسير إلى التّفكير في التّنفيذ النّظر في احتمالين بداية، فقد تُحلّ مشكلة تنفيذ العمل التّفسيريّ وما يدلي به من مبرّرات، وقد تمتلك قراءات النّصوص حجّيّة موثوقة ومقنعة تقدّم تحليلات لا يمكن لأيّ عاقل أن يختلف عليها. كما قد يتمّ التّنفيذ على شكل سلسلة من القرّاء المتعاقبين: يقرأ القاضي النّصّ، ثمّ مدير الشّرطة، ثمّ السّجّان، فيقرأ الجميع، ولو بشكل مستقل، النص بالطريقة نفسها، ويتبنى جميعهم التبريرات نفسها ، ونتيجة لذلك، يتبنى جميعهم الالتزامات نفسها. ولكن  كوفر من خلال مُعطى نظريّته الخاصّة في التّفسير حيث يكون عالم المعنى هو عالم الحرّيّة وليس عالم السّلطة والحكومة[24] أستكشف احتمالا ثانيًا لفهم كيف يمكن أن تُترجم القراءات القانونيّة إلى أفعال.

فقد وجد من ناحية أولى، أنّه يمكن العثور على الجواب اذا ما غيّر القضاة طريقة قراءتهم وأخذوا بالاعتبار ردود فعل الآخرين في سلسلة الأوامر. ومن ناحية ثانية في هيكليّة الحكومة البيروقراطيّة والأدوار التي تضمن الامتثال التّلقائيّ نسبيًّا لأيّة قراءة تصدر من شخص يمارس السّلطة القضائيّة.[25] ففيما يتعلّق بالنّاحية الأولى، قد يكون انتباه القضاة إلى فهم المعنى بريئًا كما لو كانوا شعراء أو كتّابا أدبيّين، وسيكونون أحرارا في العمل كما هو هرقل عند رونالد دوركين طبقا لإحساسهم بأنّ هذه هي أفضل نظريّة للمعنى وللأخلاق السّياسيّة،[26] وأنً قيامهم بذلك سيُنقذ المعنى من خطر تخليّه عن السّيطرة على أجهزة عنف الدّولة.

على كلّ حال، يسعى القضاة كعادتهم في أداء واجبهم العادي لضمان استجابة هذه الأجهزة، ووفقًا لوجهة نظره لا تعني الأعمال التّفسيريّة من النّاحية القانونيّة شيئًا إذا لم يتبنّاها أحد. وبالتّالي فإنّ القضاة ليسوا أحرارًا،[27] ولا يمكنهم في غفلة شعريّة تضمين أشياء من خارج النّصّ. إنّ التّفسيرات والمبرّرات القانونيّة التي يقدّمها القضاة هي دائمًا، ويجب أن تكون دائمًا واعية بالسّياق المؤسّساتيّ والتّنظيميّ الذي يتمّ به تلقّيها وترجمتها إلى أفعال. يقول كوفر: "تتطلّب ممارسة التّفسير فهم ما سيفعل الآخرون وما تتحدّث به المحكمة، في كثير من الحالات، قد يكون تعديل هذا الفهم، بغض النظر عن مدى ضلالته، هو الرد المؤسّسيّ المحتمل. وفي حال تعذر ذلك، يضحي المُفسّر في الرّبط بين فهم ما يجب فعله وبين الفعل في حدّ ذاته".[28]

"فبصرف النّظر كيف سيكون سوء التّوجيه أو التّضليل" كان تفكير كوفر واضحاً حول أولئك المسؤولين عن الفعل بدلًا من الكلام. ولهذا السّبب يجب أن يكون تأثّر الجمهور ضئيلاَ هنا. لذلك فهو يرى أنّ على القاضي أن يتذكّر أنّه قاضٍ وليس شاعرًا، ويأخذ بعين الاعتبار دائمًا الاستجابات المؤسّسيّة المحتملة لضمان أن تكون قراءاته مقنعة إن لم تكن صافية وفعّالة وممتازة. وعلى هذا الأساس، يتشكّل التّفسير القانونيّ بعمق من خلال إدراك الطّابع المشروط للتّنفيذ، فيتبدّل المعنى ويتحوّل ليكون ضامنًا لاتّباع حكم القاضي. لا تعني القراءة الممتازة لنصّ قانونيّ أن تحظى بثناء النّقّاد، لكنّها تنبّه وتثير الاستجابات اللاّزمة لدى المسؤولين الذين يقومون بأعمال العنف التي تسمح بها تلك القراءة.

عندما أخذ كوفر التّنظيم الرّأسيّ للقانون بعين الاعتبار بدت نظرته الفوضويّة للدّرجات السّفلى من هرم يقف القضاة على رأسه مثيرًا للرّيبة "فعندما يُفسّر القضاة القانون في سياق رسميّ يُتوقّع كشف العلاقة الوثيقة بين الأوامر والأفعال التي ينتدبون لها أو يكلفون بها، كما يُتوقّع أن تؤدي أوامرهم دور المحفّزات الفعليّة للعمل. فعن سبيل المثال، لا يُتوقّع أن تتصادم مداولات السّجّانين والحرّاس مع الإجراءات المقرّرة بأوامر قضائيّة".[29]

إنّ اللّغة التي وصف بها كوفر ترجمة الأوامر القضائيّة إلى إجراءات قانونيّة غامضة وغير مألوفة، فهو لم يحدّد ما إن كانت العلاقة بين أوامر القضاة وبين الأفعال التي يقوم بهاالآخرون مبنيّة على التّجربة والاختبار وتشير إلى "ما نتوقّع"، أم أنّ لها بدلًا من ذلك بُعُدا معياريّا يُشير إلى "ما ينبغي أن نتوقع". يبدو مع كوفر إذن أنّ البديل المُتَخَيّل الذي يُولّد "الأفضليّات والتّوقّعات" هو جهاز عنف الدّولة غير المستجيب للالتزام والانضباط.

"عندما يُفسّر القضاة نصّا قانونيّا فإنّهم يحفّزون عامل السّلوك داخل المؤسّسات والمنظّمات الاجتماعيّة، فيظهرون على مستوًى معيّن من الفهم، أو يقدّمون في الواقع لجمهورهم المقصود فهمهم للعالم المعياريّ. إلاّ أنّه وعلى مستوًى آخر ينخرطون في آليّة عنيفة حيث يفقد الجزء الأكبر من جمهورهم القدرة على التّفكير والعمل بشكل مستقلّ".[30] قد يتوقّع المرء عند هذه النّقطة أنّ كوفر قد ثار ضدّ أفكاره الخاصّة في مواجهة مثل هذا السّلوك البيروقراطيّ الجامد وغير المعقول، وتمرّد ضدّ استغلال السّلطة التّفسيريّة لتعليق "القدرة على التّفكير والتّصرّف بشكل مستقلّ" لأنّ ذلك متوقّع من كوفر الفوضويّ، أو كوفر التّعدّديّ المعياريّ الذي يحتضن ويثني على نظريّة تنظيم اجتماعيّ تسمح بتعدّد مواقع التّفسير، وبالمواقع التي تسود فيها القراءات البديلة لأنّ تفكيك مركزة سلطة التّفسير تدخل المراكز المعنيّة في تنافس حول تفسير القانون، وهو ما يساعد على الحدّ من عنفه، وعلى تسوية المشاكل المتعلّقّة بتعقيدات تسلسل إصدار الأوامر.

لكنّه تخلّى عن المعنى (الحرّيّة) آخذا بمتطلّبات النّظام في عالم التّفسير بنظر الاعتبار لأجل أن يكون العنف منظّما. وضبط المعنى بواسطة متطلّبات الانضباط نفسها، فناهض إمكانيّات الإكراه غير المنضبط، ونظر إلى التّفسير القانونيّ والتّنظيم الاجتماعيّ للقانون من داخل القانون نفسه كمجال لتحقيق "أيّ إنجاز ممكن لتدجين العنف"[31] وتحويل الإكراه إلى إقناع، وتحويل الحرب إلى سلام.

ليس من المستغرب أن يكون هذا التّفاؤل من وراء قبوله بعنف القانون، فقد كتب كما لو أنّ هذا العنف لن يكون له ثمن يدفعه القانون نفسه،[32] لذلك يمكن جمع تعليمات وتوصيّات قانون الدّولة التي أعرب عنها في "النّاموس  والسّرد" و “العنف والكلمة” كالتّالي:

الامتناع عن العنف حيثما كان ذلك ممكنًا، السّماح بأن تزدهر عوالم جديدة، ولكن من أجل الحياة يجب أن لا ننسى أنّ عنف القانون ضروريّ في بعض الأحيان. ومع ذلك يجب ألاّ يكون متاحا بشكل تلقائيّ وإنّما بحسب الحاجة إليه. في النّهاية، فإنّه بقدر ما يعتبر العنف المعتدل والمراقب إنجازا مطلوبا لتنظيم النّاس، بقدر ما هو معقّد وهشّ.

يتضح من هذا الكلام إصرار كوفر على أن يكون عنف القانون مقنّنا محدود الاستعمال وذلك لاقتناعه بأنّ المجتمع يعيش عوالم معياريّة في ظلّ النّاموس، من غير أن يلتفت إلى أنّ العنف قد يدمر بسهولة هذا النّاموس على الرّغم من الحاجة إلى معاييره للدّفاع عن المعياريّة والحفاظ عليها. تُشير الدّعوة إلى الضّبط والتّقييد المذكورة في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" أساسًا إلى أنواع من المحاكمات حيث يكون استخدام الإكراه مناسبًا وله ما يبرّره؛ مع أنّ الإصرار على هذه المحاكمات النّاذرة نسبيًّا، وعلى استعمال الإكراه القانونيّ بشكل منضبط ومحدود ينسجم مع القناعة بأنّ بعض هذا الإكراه ضروريّ ينبغي تطبيقه بشكل فعّال في تلك المناسبات. إذن، لكي يقوم القانون بالدّور المنوط به يجب أن يكون عنيفًا لكن بأدنى حدّ ممكن. إنّ التفات كوفر لعنف القانون في مقالة "العنف والكلمة" تشير إلى أنه بالرّغم من أسبقيّة المعياريّة على القانون تبقى هناك ضرورة لعنف القانون، كما تبقى الحاجة إلى تأمين ظروف استخدامه على نحو فعّال وكفوء أيضًا.

يأتي السّؤال عن إمكانيّة الحصول على ذلك بكلتي الوسيلتين، وعمّا إن كان بالوسع توفير شروط الاستخدام الفعّال للإكراه التي حدّدها ببصيرة نافذة، وطوّر من خلالها في الوقت نفسه نظاما قانونيّا منضبطا، متسامحا ومشجعا في الموقف من الرّؤى المعياريّة البديلة. كما يأتي السّؤال عن إمكانية أن يكون القانون قاتلا بتبنّي معنًى وحيدا من بين معاني متعدّدة وبدون أن تكون له سلطة اتّخاذ القرار بحسب مصطلح (Jurispathic) الذي أشار به إلى سلطة الحكومة وممارستها للحكم عبر قمع أو إبادة القيم التي تتعارض مع قيمها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Cover, “Violence and the Word” 1609

[2] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” in Austin Sarat and Thomas R. Kearns” Law’s Violence [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992], pp.3-4

[3] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation “p. 833

[4]Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgettingأنظر:

[5]  .Cover, “Violence and the Word,” p.1628

[6] للحصول على تحليل مماثل ولكن في سياق مختلف، انظر:

Gary, P., “Reason and the Mob” Tikkun 2 (1987), p.28

[7] Cover, “Violence and the Word,” p. 1616

[8]  المرجع نفسه، 1616. انظر أيضًا:

Susan, J., Wild Justice: The Evolution of Revenge (New York: Harper & Row, 1983)

[9] انظر  Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgetting”

[10]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[11] المرجع نفسه.، 1624 في مكان واحد، يبدو كوفر انه يفكر بأفتراض وقضية مختلفة تمامًا، يقول: " أنه يجب أن يُنظر إلى العنفو كإشكالية بنفس الطريقة فيما إذا كان سيتم تنفيذه بامر من قاضي المحكمة ، او من قبل رجل مافيا." لكنه عاد فأنسحب بسرعة  قائلاً ، " أرجو أن تلاحظوا هنا جيدًا، أنني لا اقول أن هنام مساواة في كل عنف المبرر منه وغير المبرر. وأدعي بأنه إشكالي بنفس الطريقة. وأعني بذلك، شكل التحليل الذي نقدمه لتحديد  فيما إذا كان للعنف ما يبرره أو لا هو يتم بالطريقة نفسها. الطريقة نفسها إذا كان هناك أيً خير  عام وعلى الأطلاق لن تعطي الجواب نفسه فيما يتعلق بالحالات المتباينة." (إنظر، Folktales of Justice,” p.182 and note 15) .

[12]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[13]  بطبيعة الحال، هناك كثير من النّقاش في النّظريّة القانونيّة والدّستوريّة. انظر عن سبيل المثال:

Snford Levinson, “Law as Literature,” Texas Law Review 60 (1982), p.373; and Ernest, W,, “Legal Formalism: On the Immanent Rationality of Law, “Yale Law Journal 97, 1988,P.949

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] المصدر نفسه، 1629. يكون التّركيز على تبرير الحكم كبيراً بشكل خاصّ لاسيما في الحالات التي يكون فيها العنف المسموح به أشد حدّةً. يتمثل هذا في حكم الإعدام بوصف هذا الحكم بالغ الصّرامة ونهائيّا لا يمكن إلغاؤه، فيكون الإلحاح والتّركيز على الكلمة – التّفسير الذي يشرّع ويؤسّس للتّبرير القانونيّ لهذا الحكم. فيشكّل حكم الإعدام المظهر الأكثر وضوحا للعنف في التّفسير القانونيّ، حيث يكون فرض هذا الحكم اختبارا قويّا للإيمان والالتزام بحكم المفسّر (المصدر نفسه ص 1622)، يصبح الإيمان والالتزام الاختبار النّهائيّ للتّفسير، والمعيار النّهائيّ الذي سيتمّ على أساسه قياس قوّة الإقناع في التّبرير.

[16] المرجع نفسه، 1618.

[17] المرجع نفسه، 1619.

[18] المرجع نفسه، 1613. على حدّ تعبير كوفر، "عندما يكون كبح العنف كاملًا، لن يكون للقانون ضرورة؛ إذ لو لم يكن القانون قادرا على التّغلّب على العنف من خلال إشارات اجتماعيّة فإنّه لن يكون ممكناً أو جائز الحدوث. (المرجع نفسه). للإطّلاع على مناقشة مفيدة حول مخاطر تجاوز ذلك الكبح، انظر:

Herbert, K., and Hamilton, V, Lee., Crimes of Obedience: Toward a Social Psychology of Authority and Responsibility, New Haven: Yale University Press, 1989)

[19] Cover, “Violence and the Word” p.1617

[20] المرجع نفسه، 1626.p

[21] المرجع نفسه، 1626-27.pp.

[22] المرجع نفسه، 1611.p

[23] لأنّه يمكن التّنبّؤ بالأجوبة، فإنّه يمكن للقضاة درس أو مراجعة أعمالهم التّفسيريّة الخاصّة باعتبار أنّ لديهم تأثيرا على العالم؛ ولأنّ الأجوبة ليست ضروريّة منطقيًّا، يجب على القضاة أن يكونوا متيقّظين للظّروف التي تحافظ على جودة التّنبّؤ في الإدارة والتّنفيذ.

[24] انظر، Cover “Nomos and Narrative”, p. 18.

[25] على حدّ تعبير  Cover: "لا ينتظر السّجّان والحارس والمنفّذ مكالمة هاتفيّة من عالم أو فقيه أو أي ناقد قبل تنفيذ حكم الإعدام بالسّجناء مهما قد تكون تفسيرات أولئك مقنعة. إنّهم ينتظرون أمر القاضي فقطّ، وبقدر ما يحمل ذلك الأمر في طيّاته من دلائل رسميّة يكون النُّطق بالصّفة القضائيّة." (“Violence and the Word” p.1625)

[26] انظر، Ronald Dworkin, “Hard Cases” Harvard Law Review 89 (1975):p. 1057

[27] Cover, “Violence and the Word,” p.1617

[28] المرجع نفسه، 1612.p

[29] المرجع نفسه، 1613-14.pp

[30] المرجع نفسه، 1615.p

[31] المرجع نفسه، 1628.p

[32] من الواضح أنّ كوفر لم يكن فوضويًّا كثيرًا بقدر ما كان غير مبالٍ بتمايز الإعدام خارج نطاق القانون (أو آلية تشغيل الشّرطة بعيداً)، عن الإعدام بعد المحاكمة ومراجعة الاستئناف. لم يكن لدى كوفر هذا النّفور الرّومانسي من العنف ولا مثل هذا التّعاطف غير المشروط مع الحرّيّة على حساب النظام، لكنّه رفض العنف تمامًا.

 

علي رسول الربيعيمعيارية القانون

إنّ وصف كوفر لعنف القانون هو جزء من مشروع كبير، ففي الحين الذي يقدّم فيه تصوّرًا مميّزًا عن القانون يستكشف الموضوعات الكلاسيكيّة في النّظريّة السّياسيّة والقانونيّة التي تتعلّق بالمعنى والسّلطة، بالحرّيّة والنّظام، بالمجتمع والدّولة.[1] تبدأ نظريّة كوفر السّياسيّة والقانونيّة مع افتراض أنّنا "نعيش في ناموس، في عالم معياريّ، نخلق فيه باستمرار عالم الحقّ والباطل، القانونيّ وغير القانونيّ، الصّالح والباطل" ونحافظ عليه.[2]"فالنّاموس يشكّل "وجودنا" الاجتماعيّ كما تشكّل الكتلة والطّاقة والزّخم العالم المادّيّ، وإنّ فهمنا لبنية العالم المعياريّ ليست أقلّ أهمّيّة أو قيمة من فهمنا لبنية العالم المادّيّ".[3]

تقف هذه الصّورة المعياريّة بوصفها شرطا أساسا لحياة المجتمع الإنسانيّ في تناقض صارخ مع الصّورة اللّيبراليّة لمجتمع من دون قانون بوصفها حرب الجميع ضدّ الجميع.[4] فبالنّسبة لكوفر، يُعدّ العالم الذي يقع خارج القانون عالما اجتماعيّا مكوًنا من مجتمعات محلّيّة وجماعات لكلّ واحد منها رؤية مميّزة عن الخير تشجّع على الالتزام بها بدلًا من عالم معزول أو أفراد متنافرين،[5] إنّه عالم من الرّؤية والالتزام والقيم والطّموحات المشتركة وليس عالم المصالح المتعارضة، إنّه عالم النّاموس. إنّ مهمّة القانون هي المشاركة في ذلك النّاموس وتأييد ولادة رؤية معياريّة وحياة ملتزمة؛ فمهمّة القانون هي التّسامح والاحترام وتشجيع التّنوّع المعياريّ حتى عندما يُولِّد هذا التّنوّع معارضة لقواعد وأوامر القانون نفسه. إنّ خطر القانون يكمن في مواجهة هذا التّنوّع من خلال الإصرار على تفوّق نظامه وأوامره، أذ إنّ قيامه بذلك سيقيًد النّاموس.

فهو يعتبر أنّ القانون هو أكثر من مجرّد قواعد وأوامر تشرّعها مؤسّسات الدّولة،[6] وأنّ دولة القانون عليها أن تجسّد رؤية معياريّة وتعبّر عنها لأنّها من وجهة نظره هي القوّة الخاصّة والمهمّة بالنّسبة لأيّ نظام قانونيّ ودستوريّ، ويضرب عن ذلك مثلا بدستور الولايات المتّحدة الذي يعتبر بياناً للقيم وليس مجموعة قواعد.[7]ففي اعتقاده يساهم القانون في صياغة وتوضيح الطّرق التي تجري بها الحياة في الحاضر وعلى ضوئها يتمّ تحديد الإمكانات المستقبليّة، فلا ينشأ القانون من خلال عقد أوعلاقات طويلة الأمد بين أفراد يسعون لصياغة أهداف مشتركة كما يعتقد اللّيبراليّون،[8] ولا من أوامر الحكومات والحكام أو الملوك.[9]

يربط القانون النّاموس بالسّرد، أي بسرد الخبر أو قصّة الحدث بحسب كوفر،[10] "فالقانون والسّرد مرتبطان بشكل لا ينفصل"،[11] ويشير في مقالته عن "التّاريخ والمصير، عن البداية والنّهاية، عن التّفسير والغاية".[12] الى "إنّ المتن القانونيّ لا يتضمّن مجموعة القوانين فقطّ، وإنّما يتضمّن اللّغة وسرديّات الأساطير في ذلك المتن أيضًا"، ويشمل السّرديّات التي"تؤسّس نماذج السّلوك" كذلك، يوصف القانون هنا بكونه "مخزونا من التّحركّات ومعجما للعمل المعياريّ"[13] ولا تتضمّن الرّوايات السّردية للقانون الصّور والمُثُل العليا فقطّ لكنّها تتناول الأوضاع الجارية فيما يمكن أو يجب أن تكون عليه أيضا، "فـالنّاموس هو العالم الحاضر الذي يتشكّل بواسطة نظام يشدّ الواقع بالرّؤية".[14]

وعلى هذا الأساس يعتقد كوفر أنّه بقدر ما يكون هناك أهتمام بصحّة النّاموس، بقدر ما لن تكون هناك حاجة للدّولة".[15] لأنّ قانون الدّولة يوفّر مصدرا واحداً للمعنى من بين مصادر عديدة، مصدرًا لا يمكنه بحكم ارتباطه بمطلبها أن يزعم لرؤيته المعياريّة الوحيدة الصّحّة أو التّفوّق على رُؤًى مختلفة في أماكن أخرى.[16] فهو يوفّر رؤية واحدة فقطّ عن الخير والمصلحة، ويبني جسراً واحداً من جسور عديدة تربط بين العالم بالفعل، وبين الحقائق البديلة التي تشمل التّصوّر البشريّ عن المستقبل.[17] لهذا، عندما يفسّر القاضي قانون الدّولة ويضفي عليه معنًى فإنّ ذلك يكشف عن أنّ هناك  تفسيرات ومعاني أخرى للقانون في مجتمعات تقع خارج نطاق الدّولة، وهذا ما يجعل المعنى المقدّم من قبل القاضي للقانون لايمتلك تفوّقا تأويليّا بشكل مسبق، ولا يضمن أن ينجز بشكل منتظم.

إذا قبلنا وأذعنّا لتفسيرات القضاة فلا بدّ من إيجاد أسباب لذلك، وفي سياق البحث عن تلك الأسباب كان كوفر قد رفع عاليًا من معيار قياس تأثير قانون الدّولة حتى حينما بدأ يتوقّع حصول التّوتّر بينها وبين مصادر القانون الأخرى. لقد دافع كوفر عن فكرة أنّ "الحضارة القانونيّة العظيمة تتّسم بثراء النّواميس التي فيها والتي تساعد على تكوينها".[18]

تصبح الحضارة القانونيّة العظيمة ثريّة من خلال تنوّع الرّؤى والالتزامات التي تتضمّنها، ففي كلّ ناموس عدد وفير من القوانين، وفيه من جهة أخرى خصوبة في مبدأ أو قاعدة خلق المعاني القانونيّة، الى الحد الذي يخلق مشكلة  تتطلب حلأ سواء من قبل للمحكمة أو الدّولة.[19]

فما يخلق إشكاليّة الدّولة والقانون في اعتقاد كوفر ليس القليل من النّظام ولكن الكثير منه، وليس ضعف العالم الأخلاقيّ ولكن كثافته المرتفعة. مع ذلك، فإنّ إشكاليّة الدّولة وقوانينها قد بدأت مع شبح الصّراع كما هو في الفكر السّياسيّ اللّيبراليّ. وفي هكذا عالم، على قانون الدّولة أن يلعب دورًا متواضعًا ومُقيّدًا،[20] كما ينبغي على قانون الدّولة أن يكون متسامحاً يحترم نظم الخيارات المعياريّة الأخرى بدلًا من محاولة ثنيها عن القيام بدورها، أو تدميرها بالإكراه الشّرس المستعمل بشكل روتينيّ.[21]

في واقع كهذا الذي نعيش، فإنّ قانون الدولة يُسحب في اتجاهين بحسب كوفر، ونتيجة لذلك ينشأ فيه "توتّر جوهريّ"،[22] فهو من ناحية يشارك في توليد المعنى المعياريّ، ومن ناحية أخرى يلعب دورا في مجال الرّقابة الاجتماعيّة ويستعمل العنف لفرض مفهومه الخاصّ عن النّظام. إنّ صنع المعنى، وتوليد المعنى المعياريّ في المجتمعات المتعدّدة يجعل مهمّة الحفاظ على النّظام صعبة ومعقّدة، لهذا يقول كوفر: "يُمارس الانقسام الجذريّ بين التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة، وبين تنظيم القانون من حيث المعنى طابعا غير منضبط للمعنى وتأثيرًا مزعزعًا لاستقرار السّلطة".[23] إنّ المعنى هو دائمًا أكبر ممّا يمكن أن تستوعبه السّلطة، وحيثما يلجأ القانون إلى السّلطة فإنّه يُقرّ بحدود وقصور المعنى.

تُعدّ هذه الصّيغة نموذجًا فعليّاً لعمل كوفر، لا يمكن ضبط المعنى طبقا لحمولته الدّلاليّة فقطّ، فاذا ما تركت السّلطة لذاتها فإنها ستكون مستقرة أو ثابتهّ، وبالتالي فأن المعنى والسّلطة، أو التّفسير والعنف يعملان منفصلان كقوى توتّر في آن مع بعضهما وضدّ بعضهما البعض. وبما أن المعنى غير مقيّد هو ميدان الحرّيّة، فأن "التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة" هو مجال النّظام. ورغم جهود كوفر لأن ينأى بنفسه عن هذه الصّيغة، تبقى المشكلة الأساس للمجتمع والسّياسة والقانون هي كما حدّدتها اللّيبراليّة،[24] مشكلة الحرّيّة والنّظام التي يعاد إدراجها ووصفها والتّأكيد عليها في النّقاش دائمًا.[25]

يبدو وكأنّ التّماسك الدّاخليّ لأنظمة المعنى والنّظام الموجود بالفعل، فضلا عن هشاشة السّلطة وإمكانات الحرّيّة المتاحة في إطار ذلك النّظام ينفلت من نظرة كوفر كما ينفلت من النّظرة اللّيبراليّة. فكوفر يرى أنّ عالم المعنى والتّفسير هو فقطّ العالم المرن الذي يمكن أن يكون العالم الحرّ عالم التّعدّد والممكن والمتخيّل؛ وهو بحسب فوكو (Foucault)[26] يولّد التّسلسل الهرميّ للسّلطة في أيّ نشاط لتوليد المعنى. لقد توصّل كوفر رغم الجهود التي بذلها لتفسير وإعطاء معنى لعنف القانون، وللسّلطة والعنف إلى أنّ ميدان العنف والسّلطة موجود خارج نطاق المعنى والتّفسير. وهكذا يصبح العالم الإجتماعيّ، السّياسيّ، والقانونيّ عالمًا متوترًا يتحرك باتّجاه أحد الأقطاب ثمّ يلتفّ ليدور باتّجاه الآخر، إنّه عالم يشكّل فيه المعنى خطرًا على السّلطة دائمًا، لأنّ السّلطة تعني موت المعنى دائماً.

يلعب القضاة دورًا محوريًّا في إنجاز وتحقيق رؤية كوفر فيما يتعلّق بالتّنوّع، وبالثّقافة الغنيّة معياريّا، وبحالة الانضباط وضبط النّفس، فهم ينهضون في نظره بدور حاسم في وظيفة وموقع العنف في القانون. يقفون بين الحرّيّة والسّلطة على الخطّ الذي يفصل الخطأ عن الصّواب فيما بين المعنى وبين الاحتمالات التّفسيريّة للنّصّ القانونيّ (الحرّيّة)، وبين القدرة على تبنّي معنى واحد وفرضه بالإكراه بوصفه المعنى الصّحيح والوحيد (النّظام)، لذلك فهم في جميع أعمالهم يعتبرون "جماعة عنف".[27]

هناك معنيان مترابطان دفعا كوفر للتّفكير بالقضاة كجماعة عنف، ينطوي الأوّل على قدرة القضاة بوصفهم موظّفي الدّولة على نشر القوّات المسلّحة التي تفرض القسر والإكراه.[28] فالقضاة إذن هم جماعة عنف لأنّهم قادرون على استعمال القوّة المادّيّة وحملها على تحقيق تفسيراتهم للقانون وتنفيذها ميدانيّا على أرض الواقع.[29] وينطوي الثّاني على تحوّل القضاة إلى جماعة عنف عندما يقمعون ويقلّلون من الثّراء المعياريّ للعالم الاجتماعيّ: "فهم يحكمون أو يصدرون الأوامر والقرارات بسبب وجود العنف، لكنّهم والحالة هذه لا يخلقون القانون بقدر ما يقتلونه. وفي مواجهة النّموّ الوافر لمئات التّقاليد القانونيّة يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ القرار بتبنّي معنًى وحيدا من عدّة معانٍ. أيً يعتبرون المعنى الذي يتبنّون هو المعنى الوحيد أو التّفسير الوحيد للقانون فيدمّرون أو يحاولون تدمير كلّ ما هو غيره".[30] لقد دعا كوفر القضاء والقضاة الذي يمثّلونه إلى أن يكونوا "أقلّ إكراها وتدميرًا للقانون"، وأن يكونوا أقلّ إصرارًا على الواحديّة وأقلّ التزاماً بالتّسلسل الهرميّ المفروض على الرّؤى المعياريّة، كما دعاهم إلى عوالم جديدة والتّوقّف عن وضع القيود على النّاموس".[31]

يُشكّل عنف قانون الدّولة مانعًا قويًّا وعائقًا كبيرًا إذا ما نظرنا إليه من الخارج، أيً من خلال وجهة نظر النّاموس، ومن وجهة نظر العوالم الممكنة أوغير القائمة بالفعل حتى الآن. إنهّ من وجهة نظر كوفر أكراه غير ضروريّ لبناء العالم عبر الأنشطة المعياريّة فهو يدمّر التزامات الجماعات والجمعيّات خارج الدّولة. إذ لا يتفق هذا الإكراه مع شبكة المعتقدات والممارسات والفهم الذي يجعل من وجود النّاموس ممكناً، إنّه يضع حدًّا ونهاية للتّفسير ولبنية المعنى، أنه يقطع النّقاش ويضع حدًّا للدّوافع أو الحوافز التّأويليّة. فالبعد القسريّ للقانون هو بحد ذاته بعد مُدمِّر لإمكانية التّفسير.[32]

يُمثّل عنف القانون تهديدًا مستمرًّا لمشاركة القانون الرّئيسة في إنتاج وحفظ المعنى في المجتمعات ذات المعياريّة المتنوّعة، فبسبب الأدوار التي يقوم بها قانون الدولة من صنع السلام وحفظ الحدود، ولا سيما التهديد بأن يصبح استبداديا في طابعه؛ وصفاته ألأساس في أن يكون عامّاً وشاملاً فأن ذلك يُبنى عليه أن يكون له " الحق"  أن يقوم بحظر ما يجب أو ما لايجب القيام به إذا ما كان هناك للقانون وجود على الأطلاق. ومن هنا فإنّه من السّهل بالنّسبة لقضاة الدّولة أن يقوموا بحفظ النّظام من خلال سيادة قانون واحد، لذلك تجدهم يصرّون على هذا التّوحيد تحت عنوان قانون الدّولة. وبتكريس هذا الأسلوب يتمّ تدمير الجهود الرّامية إلى إتاحة الالتزام بمصادر معياريةْ أخرى وبمصادر غنيّة للمعنى. وبهذا يهدّد عنف القانون القانون نفسه من خلال الإفراط في تنظيم ما يسمّيه مصادر القانون. فيضرّ عنف القانون بمصادر القانون بعض الأحيان ليس بدوافع استبداديّة بل من الإفراط في احترام المطلّبات البيروقراطيّة للدّولة. لذلك يدعو كوفر إلى التّواضع والانضباط  اتّجاه المجتمعات المعياريّة خارج الدّولة، ويسمح لنفسه فيما يتعلّق ببروقراطيّة الدّولة بأن يتخيّل القاضي رغم اندراجه بالفعل في هرم السّلطة مقاوما متميزا ينقذ المعنى والحرّيّة من إكراهات العنف والنّظام. ومن خلال هذا التّصوّر  تشتغل على ما يبدو حجّة مألوفة لسيادة القانون التي يتمّ بها تعيين سلطة القاضي بصرف النّظر عن بقيّة أجهزة الدّولة الإداريّة.

يُشير عنف القانون على مستوى معيّن إلى عدم كفاية معياريّة، وإلى عدم قدرة السّرديّات المهيمنة على فرض السّيطرة. ويُشير أيضًا إلى عدم القدرة على خلق وحفظ ناموس موحّد في عالم النّواميس المتنافسة. ففي كلتا الحالتين يُثير توظيف الإكراه أسئلةً حول الأساس المعياريّ المبرّر لذلك الإكراه، فإذا كان استعمالا بسبب عدم التّحديد، أو بسبب تآكل التّفاهمات المعياريّة فإنّ ذلك لا يعدّ مبرّرا كافيا للعنف.

قد يكون الإكراه القانونيّ أكثر إشكاليّة من حيث الوضوح والشّفافيّة عندما يُستخدم ضدّ أوامر وأنظمة معياريّة معارضة، لأنّ اللّجوء إلى ما يطلق عليه كوفر "تفوّق المرجع الذّاتيّ للنّظام" لا يساهم في حلّ قضيّة المعياريّة هنا. وبعيدًا عن كون التفوّق تبريراً حقيقيّاً فإنّ ادّعاءه مجرّد رفض ساذج للانخراط في السّؤال عن موضوعية التّبرير. يصرّ "تأويل السّلطة القضائيّة" على أنّ النّظام فوق كلّ اعتبار،[33] لكنّه لا يقوم بأيّ فعل لإثبات هذا التّفوّق المعياريّ. قد يكون من الصّعب تبرير عنف القانون لأولئك الذين سوف يُستخدم ضدّهم خصوصًا إذا كان القانون يفتقر لهذه الصفة أي صفة التّفوّق المعياريّ، لذلك يبدو  من خلال رؤية كوفر للقانون أنّ استخدام الإكراه ضدّ الأوامر المعياريّة المتنافسة أمر مشكوك فيه وغير خاضع لسيطرة القانون.

يُذعن القضاة للعنف في كثير من الأحيان وبشكل روتيني جدًّا؛ ويؤكّدون بشدّة على سيادة قانون الدّولة في كثير من الأحيان وبشكل روتينيّ جدًّا كذلك. ففي كلا الوضعين يعتقد كوفر أنّ قانونا يتبنّى معنًى واحداً ويلغي المعاني الأخرى يقوم بتدمير النّاموس وهو في غير حاجة إلى ذلك التّدمير إلاّ لتأكيد مطلب يتعلّق بالضّبط والتّنظيم فقطّ وهو ما يُشكّل خطرًا كبيراً على عالم المعنى. تبقى "الطّوائف المتصارعة" معينا لا ينضب للالتزام القيميّ تضفي على الحياة معنىً معياريّاً حاسماً في غياب نظام تعليم ثقافيّ عالميّ مستقرّ واسع النّطاق. إنّ تقييد تلك الطّوائف بقانون يتبنّى معنًى واحداً يلغي المعاني الأخرى يبدّد التزاماتها ويدمّر طموحاتها ويهدّد بقوّة المصادر الرّئيسة للقيم التّعبيريّة. فهو من هذه النّاحية تهديد جدّيّ بإلغاء التّنوّع في عاالم متعدّد يُفْتَرَضُ أنّه غنيّ بتنوّعه الخلاّق معياريّاً، لأنّ عنفه هذا يقف عائقا في طريق والتّسامح والأحترام. ولموقفه المعلن هذا من التّعدّد والتّنوّع والتّسامح قد يتوقع المرء من كوفر تصوّر رؤية لقانون ينبذ العنف وينأى عن القسر والإكراه، لكن ما يلبث أن يجد في نظرته للعلاقة بين القانون والأوامر المعياريّة الأخرى لحظات غامضة من الحزن، من القلق، ومن النّقد.

لا يستطيع كوفر أن يتصوّر القانون دون عنف، لكنّه يصرّ بالمقابل على أنّ "مبدأ التّشريع الذي يولّد معنى القانون (jurisgenerative) في جميع المجتمعات لا وجود له أبدًا بمعزل عن العنف".[34] لقد كتب حول تنظيم عنف القانون، لاسيما حول الطّريقة التي "تنتقل بها السّلطة القضائيّة من خلال الطّبقات الدّنيًا لإدارة العدالة وإقامتها" ودعا إلى جانب دوغلاس هاي إلى "الاحتفاء بسلامة واستقامة السّلطة من الأمر بالعنف".[35] لقد رأى هاي أنّ عبارة "احتفاء" لا تبدو مناسبة تمامًا في طرح كوفر عند توصيف موقفه تُجاه التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون، فهو يتناول في تحليل العلاقة بين العنف والتّفسير القانونيّ التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون بأسلوب عالم الاجتماع الذي يحقّق في الوقائع وليس بأسلوب المتحمّس المحتفل بما قد يعثر عليه، الشّيء الذي حرّك نقده للآخرين مع الإعراب عن الأسف لواقع العنف والتّعبير عن عدم التّسليم بحاجة القانون إلى القيام بذلك العنف.

إنّ اللّغة التي استعملها كوفر لوصف النّاموس غير منظّمة، غير محكمة يتّضح فيها خوفه حين يقول: "أطلقوا العنان وحلوا القيود، قد تكون العوالم التي تمّ إنشاؤها غير مستقرّة، وقد تكون طائفيّة في تنظيمها الاجتماعيّ، وفصاميّة غير متماسكة في خطابها، حذرة وعنيفة أو شديدة في تفاعلاتها".[36] ففي وصفه "الصّراع الطائفيّ" يبيّن أنّ "المسارات التّفسيريّة ليست معزولة"[37] عن بعضها لاسيما وقد سنّت قانونا خاصّا بها في عوالم معياريّة بوجود دينامكيّات متقلّبة ومتفجّرة. لذلك فإنّ مشروع "الحفاظ على العالم يتطلّب طاقة لا تقلّ عن طاقة خلقه".[38] ويصبح القضاة في هذه العمليّة، بالنسبة له، حتى وهم ينشرون العنف "جماعة سلام".[39]

هكذا لم يعد عنف القانون عائقا ولا كابحا بعد أن كان يبدو ابتداءً غير ملائم للنّاموس ولأعمال القضاء عندما يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ قرار بتبنّي معنى وحيد على حساب معاني أخرى عديدة (Jurisgenerative)، في مجتمعات محلّيّة وروابط داخل ناموس تمّ ترويضه بتآلف القانون مع العنف على نحو يبدّد الخطر فلا تعود هناك حاجة إلى الزّيادة في الضّمان، ولا يتمّ دفع أيّ ثمن في المقابل. وفي هذا السّياق يعرب كوفر عن الأمل من خلال توجيه نداء للقضاة يدعوهم إلى مقاومة النّزعة الإداريّة لتجنّب الإفراط في العنف والتّوافق مع نظام قانونيّ يرضي وينسجم مع عوالم معياريّة متنوّعة. والمقلق أنّ أغلب القضاة سيرفضون بعنف ودون داعٍ أيّ نقد وأيّ تطلّع إلى عالم معياريّ خارج قانون الدّولة، وبذلك سيدمّرون النّاموس ويدمّرون سرد الحدث الذي يعتمد عليه القانون نفسه. لقد ابتعد كوفر في هذا التّحوّل المتخيّل للعنف إلى السّلام من النّقد ليعيد ذكر الاعتذار اللّيبراليّ عن قانون يعتمد على الإكراه.[40]

 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] في هذا الاستكشاف (انظر Nomos and Narrative” 4 ") يترك كوفر المقدّمات المنطقيّة للفكر السّياسيّ اللّيبراليّ لكنّه يبقى مرتبطًأ بها بنفس الوقت. إنّ رحيله عن الّليبراليّة يظهر في تفضيله الجماعتيّة على الفرديّة، وإصراره على أولويّة القِيَم على المصالح. تظهر ارتباطاته الّليبراليّة في استخدام نزعتين متعارضتين هما الحرّيّة والنّظام لوصف ضغوطات الحياة الاجتماعيّة البشريّة، وفي اعتذاره المتردّد عن عنف دولة القانون وتأييده. للحصول على مقارنة لافتة، انظر:

Judith, S., “The Liberalism of Fear’ in Liberalism and Moral Life,ed. Nancy Rosenblum (Cambridge: Harvard University Press, 1990)

[2] Cover, “Nomosand Narrative” 4

[3] المرجع نفسه، 5

[4] انظر، Hobbes, Leviathan,184-85. على حد تعبير Shklar: "يمكن القول إنّ الخوف عالميّ كما إنّه فيزيولوجيّ دون قيد أو شرط. ... أن تكون على قيد الحياة يعني أن تخاف ... إنّ الخوف الذي نخشى منه هو الخوف من الألم الذي يلحق بنا من الآخرين بقتلنا أو تشويهنا (“Liberalism of Fear,” 29).

[5] انظر أيضًا:

Michael, S., Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1982)

 

[6] كان كوفر يخشى "أن يتعرّف طلاب القانون على العالم المعياريّ بواسطة الأدوات المهنيّة للرّقابة الاجتماعيّة،" وقد أكّد على أنّ "المؤسّسات الرّسميّة للقانون هي جزء صغير من الكون المعياريّ الذي يجب أن يستدعي اهتمامنا" (“Nomos and Narrative” 4)  انظر أيضًا:

Garet, “Meaning and Ending"

[7] انظر:

Robert, P., “Theories of Constitutional Interpretation” in Law and the Order of Culture

[8] للإطّلاع على مناقشة موقع العقد في الفكر اللّيبراليّ انظر:

Vicente Medina, Social Contract Theories Political Obligation or Anarchy (Savage, Md.: Rowman & Littlefield, 1990)

أيضًا:

Michael, L Social Contract (Atlantic Highlands, N.J.: Humanities Press, 1986)

[9] انظر:

John Austin., The Province of Jurisprudence Determined, “Law as the Sovereign’s Commands” in “The Nature of Law: Readings in Legal Philosophy, ed. M.P. Golding (New York: Random House, 1966)

[10] "إنّ فرض قوّة معياريّة" على شؤون عامّة حقيقيّة أو وهميّة هو كما يؤكّد كوفر فعل لخلق سرديّة. لذلك تُعتبر جميع أنواع السّرديّات التّاريخيّة، والخياليّة، والتّراجيديّة، والكوميديّة (وليس فقطّ القانون) أنّها قضايا شؤون عامّة تعرّضت لمختلف "مجالات القوّة المعياريّة". فكلّ منها بما في ذلك القانون، هو"نموذج" لعالم اجتماعيّ بُنيَ وفُرز وتشكّل وتحوّل من قبل مجموعة مستقرّة نسبيًّا من الالتزامات المعياريّة وتطلّعاتها. وخلاصة القول: "إنّ الرّموز التي تربط نظامنا المعياريّ بالبنى الاجتماعيّة للواقع ولرؤانا لما يمكن أن يكون العالم هي رموز سرديّة"

(“Nomos and Narrative” 10) للإطلاع على مناقشات أخرى عن طبيعة وإمكانيّات السّرديّة انظر:

Robert, S., and Robert Kellog, The Nature of Narrative (London: Oxford University Press, 1966), and Miller, D, A., Narrative and Its Discontents: Problems of Closure in the Traditional Novel (Princeton: Princeton University Press, 1981)

[11] Cover, “Nomos and Narrative” p.5

هذه النّقطة قد تمّ التّسليم بها على نطاق واسع انظر:

“Symposium on Legal Storytelling,” University of Michigan Law Review 87 (1989), pp. 2073-2496

[12]Cover, “Nomos and Narrative” p.5.

[13] المرجع نفسه، ص 9

[14] المرجع نفسه. 9

[15] المرجع نفسه، 11. هنا نسمع مرّة أخرى أصداء فوضوية ل Cover انظر

Cover, “Folktales of Justice” p.181.

[16] واصفًا موقف كنيسة مينونت بوصفها لا كاثوليكيّة ولا بروتستانتيّة

Mennonite Church in Bob Jones University v. U.S. (103 S. Ct. 2017 1983)

يزعم كوفر أنّ "ضمن نطاق المعنى الدّستوريّ فإنّ فهم ال Mennonite يفترض وضعا يساوي أو أعلى من ذلك الممنوح لفهم قضاة المحكمة العليا. في هذا المجال من المعنى فإن جماعة ال Mennonite قد خلقت قانونًا على أكمل وجه كما يفعل القاضي" (Nomos and Narrative,” p.28)

[17] يعرض كوفر هنا تعاطفه مع التّعدّديّة القانونيّة الجذريّة، انظر:

Merry, S., ‘‘Legal Pluralism’’ Law and Society Review 22, 1988, p869.

وأيضا:

Griffiths,J., ‘‘What Is Legal Pluralism?’’ Journal of Legal Pluralism 24, 1986, p.1.

[18] Cover, “Nomos and Narative,” 6

[19] المرجع نفسه 40. للإطلاع على وجهة نظر مختلفة جدًّا حول نفس المشكلة انظر:

Martin Shapiro, Courts (Chicago: University of Chicago Press, 1981)

[20] Cover, “Nomos and Narrative” p.12

[21] المرجع نفسه، 53

[22] Cover, “Violence and the Word” 1602, note 2

[23] Cover, “Nomos and Narrative” p.18

[24] للإطلاع على دراسة عميقة وغنيّة عن  طبيعة التّوتّرات بين طروحات كوفر واللّيبراليّة  انظر:

Sherwin, “Law, Violence, and Illiberal Belief”

[25] انظر Unger, Roberto., Knowledge and Politics, New York, Free Press, p.1975

[26]  انظر

Foucault, M., Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writtings, 1972-1977, trans,Colin Gordon. (New York: Pantheon, 1980(

[27] Cover, “Nomos and Narrative” p.53

[28] قدّم كوفر تفصيلا لهذا العنف في “Violence and the Word”

[29] يظهر العنف المنسّق والخاضع للانضباط من خلال الأفعال والقرارات التّفسيريّة للقضاة، فالقضاة من هذا المنظور الدّاخليّ لكوفر في تحرٍّ وفحصٍ يجعله إنجازًا له أهمّيّة اجتماعية كبيرة. يضغط الوعي بالحاجة إلى تنظيم ومراقبة العنف بدوره على الأنشطة التّفسيريّة للقضاة الذين يجلسون على "هرم العنف" كما دعاه كوفر انظر:

(“Violence and the Word” 1609)فيتحوّل التّفسير ويصبح مختلفًا بوجود العنف كما عبر عن ذلك بالقول: "يجري التّفسير القانونيّ في حقل الألم والموت". (المرجع نفسه، 1601). "يحدث التّفسير القانونيّ على ساحة المعركة بل إنّه جزء من معركة تنطوي على أدوات الحرب والشّعر. في الوافع إنّ القانون الدّستوريّ يرتبط بعمق بشكل رئيس بالحرب أكثر من ارتباطه بالشّعر" (“The Bonds of Constitutional Interpretation, 817)، إلاّ أنّ عنف القانون ليس مجرّد قضيّة تفسير؛ إنّه بالإضافة إلى ذلك مسألة تنظيم اجتماعيّ، ومسألة تنفيذ القرارات القضائيّة، ومسألة ترجمة الأوامر إلى أفعال عنيفة.

[30] Cover, “Nomos and Narrative,” p.53

"يرى كوفر أنّ قانون الدّولة ومن خلال قوّته المتفوّقة يقوم بإيقاف الإبداع التّأوليّ للمبدأ المنتشر في جميع أنحاء المجتمع" (“Nomos and Narrative,” 44)

ويرى ستنانفورد ليفنسونSanford Levinson  أنّ كوفر في هذه الفقرة  يكتب عن عنف "مجازيّ بكلّ بساطة" انظر:

Levinson, “Conversing About Justice” Yale Law University 100 (1991): 1855, 1865

[31]over, “Nomos and Narrative,” p.68

[32]“Nomos and Narrative” p. 48)

[33] يوضع القانون في أشدّ تجاربه عند مواجهة القضاة لالتزامات المقاومين المعياريّة، وعند العصيان المدنيّ، وعند وجود أفراد من مجتمعات معيّنة على استعداد للمعاناة بسبب معتقداتهم. فعند مواجهة هذه الاختبارات والطّعن فيما لديهم من وهم التّفوّق المزعوم لتّفسيراتهم الخاصّة، فإن القضاة يلجأون إلى تبريرات عقلانيّة لنشر العنف، وهو ما يسمّيه كوفر "مبادئ الاختصاص القضائيّ" (“Nomos and Narrative” 55). وتوفر هذه المبادئ "اعتذارات عن الدّولة نفسها وعن عنفها" (المرجع نفسه، 54). بالتّالي فإنّهم يبالغون في رأيه في تقدير السّلطة والنّظام، ويقلّلون من تقدير المعنى والحرّيّة (انظر “Folktales of Justice” 180-81 ). ترتكز مبادئ الاختصاص القضائيّ على خوف عميق من الخلافات والمشاكل التي تخلق الاختلاف، ونتيجة لذلك فهي تعزّز مبادئ الانغلاق وتبرّر التّعصّب تُجاه الرّؤى المعياريّة المغايرة للاتزامات المنصوص عليها في قانون الدّولة. إنّ الاختصاص القضائيّ هو وسيلة لتجنّب المشاركة المعياريّة؛ فهو يسمح للقضاة بأن يفصلوا أنفسهم عن العنف الذي يأذنون به، ويتجنّبون قياس قوّة التزامهم بالعنف في مقابل الاقتناع بفهم القانون. لذلك يعتقد كوفر أنّهم يختلفون، وأنّهم لعزوف عن ممارسة التزاماتهم التّفسيريّة هم في الغالب أقلّ شأناً من المقاومين الذيين يعرّضون أنفسهم للمعاناة والموت في سبيل معتقداتهم..

[34]Cover, “Nomos and Narrative” p.40

[35] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” Law’s Violence in Austin Sarat and Thomas Kearns [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992] p. 141

[36] Cover, “Nomos and Narrative” 16

[37] المرجع نفسه، 60

[38] المرجع نفسه

[39] المرجع نفسه

[40] انظر، Shklar, “ The Liberalism of Fear”

أيضًا،  Unger, Knowledge and Politics

 

مهدي الشهيد العلويإن المواطنة موضوع وافد من الثقافة السياسية الغربية، بحمولة فكرية تاريخية، ترتبط بصيرورة تشكل الدولة الغربية الحديثة، عبر تاريخها الطويل، الممتد إلى الحقبة اليونانية.إذ لايمكن تجاهل دور تأملات الفلاسفة الإغريق في تحديد المفاهيم الأولية للحداثة السياسية، كالحرية، القانون، الديمقراطية، العدالة، ... اهتمت الفلسفة السياسية اليونانية، بتمييز المواطن وتحديد شروطه، خصوصا مع سياسة أرسطو، الذي تعتبر أعماله السياسية بداية قوية لتشكل مفهوم المواطنة، كمنظومة حقوق وواجبات، تحدد وضعية المواطن، وتؤطر أفعاله، داخل الدولة. إن ارتباط المواطنة بفلسفة الحقوق والواجبات، سيجعل منها عنوانا بارزا لكل مشروع سياسي واجتماعي، يريد النهوض بوضعية المواطن وتجويد الحياة السياسية.ولعل مشروع جون جاك روسو، يعتبر واحدا من ابرز هذه المشاريع، حيث جعل من المواطنة بعثا مدنيا جديدا للكائن السياسي، يتخلص بموجبه من مفاسد السياسة ويستطيع من خلاله تشييد الدولة الديمقراطية كدولة حرية ومساواة وعدالة.

والمواطنة من المفاهيم الفلسفية السياسية التي نجدها حاضرة في انشغالات العديد من التخصصات المعرفية الأخرى. كعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم السياسية...ويرجع ذلك بالأساس إلى الطابع السياسي الحداثي للمفهوم، فهو يعكس بشكل جلي تمركز الحياة الاجتماعية على الفرد-الإنسان، الذي يضع القواعد والمبادئ التي ينتج من خلالها حياته، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وتعتبر قضية المواطنة من القضايا التي لازالت تستحوذ على الفكر الإنساني المعاصر، بل إنها من ابرز إشكاليات العالم اليوم الذي يسعى إلى تكريس حقوق الإنسان وتطويرها، وتوثيق الروابط بين المجتمعات، والإرتقاء بالمواطن، والحد من تزايد النزاعات والصراعات السياسية والإجتماعية.فقد باتت المواطنة المعيار الأساسي الذي يتم توظيفه في قياس جودة الأنظمة السياسية والتنظيمات الاجتماعية والحكم على تحضر الدول وتقدم الأمم.

غير أن التطورات التي عرفها مفهوم المواطنة عبر صيرورة تشكله، زادت من تعقيد تركيبته المفاهيمية.بحيث صارت المواطنة كتلة من المفاهيم المتداخلة ذات الأبعاد الأخلاقية والسياسية والتاريخية والثقافية والكونية.هذا التشابك ألمفاهيمي للمواطنة مع مفاهيم ذات حمولة فكرية كثيفة، كمفهوم الحرية، العقل، الدولة، القانون، المساواة، الديمقراطية، .. طرح جملة من الصعوبات في ما يتعلق بالإحاطة بدلالة المواطنة وبالتالي ترجمتها إلى واقع اجتماعي يساهم في تغيير جذري للأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة في العديد من الدول، ومن بينها دول عالمنا العربي.

حرصت العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت هذا الموضوع، على توضيحه وتفكيكه رغبة منها في تقريبه من وعينا العربي، .واستدماجه في تربتنا السياسية العربية.غير أن هذا المفهوم لازال يتطلب مجهودات كبيرة، من أجل تثبيته بشكلل سليم في منظومة القيم العربية. في هذا الإطار سنحاول في هذا العمل، الكشف عن ألأبعاد الأخلاقية والسياسية والإجتماعية، للمواطنة، التي تبرزها كقيمة مركبة من قيم أخلاقية وسياسية، لابد من فهمها لكي نجد لها تقاطعا يتلاءم مع خصوصية قيمنا العربية. لأجل ذلك ارتأينا مقاربة الأسئلة التالية:

ماهي المواطنة؟ هل هي مجرد ارتباط ثقافي معطى داخل جماعة، أم أنها ارتباط مشروط بتوافر قيم إنسانية؟ هل هي مجرد صفة سياسية جاهزة أم وضع إنساني يتم بناؤه بمقومات أخلاقية واجتماعية وسياسية محددة؟ إذا كانت المواطنة وضعا إنسانيا مبنيا، ماهي شروط إنتاجه؟

 

إن مقاربة هذه الأسئلة، ليس أمرا يسيرا، نظرا للشساعة الدلالية لمفهوم المواطنة، ونظرا لدينامكيته، وحركيته التي تتدخل فيها مقتضيات السياقات التاريخية والثقافية والسياسية والفكرية.لذلك سنحاول أن نقتصر على استهداف لحظتين أساسيتين في تاريخ المفهوم، لحظة البداية ولحظة التشكل.وأظن أن تحليل اللحظتين يسعفنا في التعرف على أهم ملامح هذا المفهوم وإدراك ابرز شروطه.وهذا ما سيتطلب منا تسليط الضوء على نقطتين أساسيتين:

الأولى تتعلق بافتراض أن الإرهاصات الأولى للمواطنة ارتبطت بالتفكير السياسي اليوناني، خصوصا مع الفلسفة السياسية الأرسطية التي يمكن اعتبارها محاولة أولى لتقديم مفهوم المواطنة من خلال الحرص على إبراز الصورة الحقيقية للمواطن في المدينة اليونانية. إضافة إلى كونها تجميعا منظما للتجربة السياسية اليونانية وإعادة ترتيبها بشكل جد مكثف.(1)

أما الثانية فتتعلق بافتراض أن تبلور المعنى السياسي واللإجتماعي والإنساني للمواطنة، بشكل عميق- والذي لازالت له امتدادات قوية في السياسة المعاصرة- ارتبط بالتحليل الفلسفي للمجتمع في نظرية العقد الاجتماعي، خصوصا مع جون جاك روسو، الذي تعتبر نظريته في العقد الاجتماعي أكثر تأثيرا في الفكر السياسي الغربي، حيث وجهته نحو مراجعة جذرية للعديد من المفاهيم السياسية كمفهوم المواطن ومفهوم السلطة والقانون ...وبالتالي توجيهه نحو تصور جديد للمواطنة، والحرص على تنزيله في الأرض السياسية، لدرجة أن كتابه "العقد الاجتماعي" اعتبر إنجيلا للثورة الفرنسية .(2)

1- في البدء كان المواطن:

منذ أن أعلن أرسطو قولته الشهيرة "الإنسان حيوان سياسي"؛ والتي قصد بها أن الإنسان لا يكتمل وجوده إلا داخل المدينة؛ بدأ مفهوم المواطنة يشغل اهتمام أرسطو. لذلك سنجد في سياسته الإرهاصات الأولى لهذا المفهوم، من خلال محاولة تعريفه للمواطن في كتاب "السياسة"، والذي اعتبر فيه أن المواطن لايتحدد بخاصية الإقامة فقط، ، فهي وحدها غير كافية لتمييز المواطن، نظرا لكون بعض الفئات كالصناع والعبيد والنساء و... هم أجزاء من المجتمع، يقيمون في المدينة، لكنهم يفتقرون لصفة المواطنة، فهم ليسوا مواطنين.إن الذي يميز المواطن هو المشاركة في الوظائف والمهام السياسية، أي ذاك الذي يقوم بادوار سياسية تتمثل في اتخاذ قرارات تهم تدبير شان الجماعة التي ينتمي إليها.سواء على مستوى وضع القوانين أو تنفيذها.يقول أرسطو:" ندعو مواطن دولة من له في تلك الدولة حق الاشتراك في السلطة الاستشارية والسلطة القضائية".(3)

ومعلوم أن إقصاء أرسطو لهذه الفئات من صفة المواطنة له مبرراته التي لها علاقة بخصوصية المجتمع الآثيني في ذلك الوقت.فقد كان مجتمعا عبوديا، كما أن وضعية المرأة فيه كانت متدنية، حيث لم يكن التشريع الإغريقي يعترف بأهمية المرأة وبقيمتها الإنسانية، التي اعتبرها أقل بكثير من الرجل.

أما موقف أرسطو من العبيد، والذي يساير فيه موقف أستاذه أفلاطون، فقد اعتبر فيه العبد عبدا بالطبيعة والسيد سيدا بالطبيعة.كما أن المرأة بالنسبة إليه هي إدني بالطبيعة من الرجل، ودورها لايتعدى القيام بأشغال البيت وتزويده بالأطفال كما يزود العبد الأسرة بمتطلباتها.( 4)

يتحدد المواطن في المنظور السياسي الأرسطي إذن، بمحددات عرقية، فهو يوناني الأصل، وأخرى جنسية، فهو رجل وليس امرأة، وأخرى اجتماعية، فهو ليس من طبقة العبيد أو الصناع أو...إضافة إلى محدد سياسي، وهو المشاركة في تدبير الشؤون العامة.كما يتمتع المواطن بمجموعة من الحقوق الأخرى، إلى جانب الحق السياسي، كالحقوق الاجتماعية والإقتصادية والثقافية، والقانونية التي على الدولة إن أرادت أن تكون فاضلة، أن تصونها. وقد بين هذه الحقوق في مختلف أعماله السياسية، ك"دستور الأثينيين"و "كتاب السياسة" و" الأخلاق الى نيقوماخوس". كما شدد فيها على ضرورة إقرار مبدأ المساواة بين المواطنين والحرص على التنشئة الاجتماعية السليمة التي تخول إعداد المواطن الصالح.داخل المدينة الفاضلة.

وعليه فإن المواطنة، لدى أرسطو، صفة تتحدد بشروط عرقية وجنسية واجتماعية، وسياسية، هذه الصفة التي تعبر عن علاقة قانونية بين الفرد-المواطن والمدينة، بموجبها يشارك في السلطة، ويتمتع بمختلف الحقوق.لهذا، أمكننا القول أن أرسطو في محاولته تحديد المواطن في علاقته بالسلطة، يكون أول من وضع بذور مفهوم المواطنة بمعناه السياسي الضيق.

الظاهر أن مواطنة أرسطو، مواطنة غير مكتملة، فهي مواطنة تفتقد للمواطنة، نظرا لغياب أحد أهم مقومات المواطنة الكاملة وهو المقوم الاجتماعي الإنساني، الذي يقتضي توفر المساواة والإنصاف والحرية، لتقوية الإحساس بالانتماء إلى الجماعة السياسية.فمواطنة أرسطو تقصي العبيد والأجانب ممن ليسوا يونانيين والنساء وغيرهم من الفئات الأخرى، كالصناع والحرفيين والمزارعين، .... هذه الفئات التي استبعدها أرسطو عن الحق السياسي في المشاركة في اتخاذ القرار، ونزع عنها صفة المواطن.انها مواطنة انتقائية، اصطفائية، وإقصائية، تقوم على شروط عرقية وجنسية وطبقية، .ظلت محكومة بنظرة ثنائية، تقابل بين المواطن وغيره ممن ليسوا مواطنين.فهي بهذا المعنى تواجد سياسي-سياسي، اكثر منه تواجد انساني-سياسي.

ان محاولة أرسطو تحديد ماهية المواطن، من حيث شروطه وصفاته وواجباته وحقوقه، تبرز بشكل جلي أن الفلسفة السياسية الأرسطية، رغم ميولاتها العقلانية طغى عليها المعطى العرقي والطبقي في تصورها للمواطنة.حيث ظلت مسكونة بهاجس تحليل السياسة من زاوية مفهوم المواطن- اليوناني .لكن على الرغم من ذلك ستمهد للتفكير في علاقة الفرد-الانسان بالدولة، كعلاقة مشاركة في السلطة، وبالتالي بداية تشكل المعالم الكبرى للمواطنة التي ستتحدد كولادة مدنية جديدة للإنسان، خصوصا في نظرية العقد الاجتماعي.هذه النظرية التي ستعيد تأثيث الفكر السياسي الغربي بمفاهيم جديدة، سعت من خلالها إلى تجاوز المنظور السياسي التقليدي، المحكوم بنزعة تصنيفية ثنائية، مهد إليها الفكر السياسي اليوناني منذ أفلاطون وعمقها التحليل الفلسفي السياسي الأرسطي، لما ميز بين المواطن وغير المواطن من العبيد والحرفيين و...هذه الثنائية التي سنجد لها امتدادا قويا في الفكر السياسي الغربي القروسطي، الذي حكمته ثنائية الكافر والمؤمن في تحديد موقع الفرد من المواطنة داخل الدولة الدينية.

إذن، ماهو التطور الذي عرفه مفهوم المواطنة، في نظرية العقد الاجتماعي، والذي شكل ولادة مدنية جديدة للإنسان السياسي ؟ما المقصود بالولادة المدنية للإنسان؟وماهي شروط تحققها؟

كلها أسئلة سنحاول مقاربتها من خلال تعقب صيرورة الولادة الثانية للكائن السياسي، في نظرية العقد الاجتماعي لدى جون جاك روسو، احد رواد هذه النظرية وأكثرهم تأثيرا في الفكر السياسي الغربي ألأنواري.

2- الولادة المدنية للإنسان:

مع جون جاك روسو، ستتخذ المواطنة بعدا إنسانيا عميقا، لكونها ستعبر بقوة عن الإنسان –المواطن، الذي سيخرج من رحم الدولة الحديثة، باعتبارها تنظيما اجتماعيا معقلنا، يقوم على دعامتي الحرية والمساواة. فالوضعية السياسية للفرد، ستتوحد بوضعيته الإنسانية، لكونها سترتبط بشكل وثيق بمبادئ الحرية والعقل والواجب ... بعيدا عن المحددات العرقية والدينية والطبقية ....سيؤسس روسو لمواطنة جديدة انطلاقا من تعرية نقدية للمجتمع الحديث، كشف من خلالها عن مفاسده السياسية من جهة، لينتقل إلى تقديم المواطنة كانبثاق جديد لمدنية جديدة، من جهة أخرى، وذلك وفق شروط محددة.

2-1- المواطنة، الحلم الضائع في المجتمع الحديث:

يشكل كتاب "أصل التفاوت" لحظة فكرية جد مهمة في الوعي السياسي لجون جاك روسو، ستكون وراء بلورة تصور جديد للمواطنة، كولادة مدنية جديدة للإنسان. في هذه اللحظة سيوجه روسو سهام نقده إلى المجتمع السياسي الذي عاصره والذي توارت فيه المعالم الإنسانية للمواطنة. يقول روسو:"لا يتوهم القراء أني أجرؤ على المباهاة بأني إهتديت إلي ما هو صعب الإهتداء إليه، لقد بدأت بسوق بعض البراهين، وحاولت الإعتماد على بعض الافتراضات لا أملا بحل المسألة، بل قصد إيضاحها وحصرها في نطاق حالها الراهنة". (5) وقد اعتمد روسو في ذلك على منهج نقدي مقارن، قابل فيه بين إنسان ما قبل السياسة، الإنسان الطبيعي وإنسان السياسة، معلنا إعجابه بالإنسان الطبيعي، وبحياته الطبيعية- وان كان إنسان حالة الطبيعة مجرد افتراض- فهو كائن يحظى بقيم فطرية نبيلة، مرتبطة بغرائز التعاطف والشفقة، إضافة إلى غريزة البقاء التي يحققها بتحصيل الطعام وتجنب الألم. (6) وهذه الشروط هي التي جعلت منه كائنا سعيدا لايعرف للتفاوت ولا للإستبداد ولا للعبودية معنى .

إن الاستبداد والعبودية، واللإستغلال إفرازات للمجتمع السياسي الحديث، كمجتمع اصطناعي متحضر، مجتمع العلم والصناعة، الذي فتح أبواب التفاوت على مصراعيها - معلوم أن روسو ميز بين نوعين من التفاوت، تفاوت طبيعي، تفرضه الطبيعة:كالتفاوت على مستوى الجسم والعقل والقدرات...وتفاوت أدبي أو سياسي، ناتج عن احتكار امتيازات من طرف جماعة على حساب الأكثرية - من خلال احتكار السلطة والثروة والإمتيازات؛ مما ساهم في توليد التمايزات وتفاقم مظاهر الاستغلال والتسلط. وتهييج مشاعر المنافسة الشرسة، المتمركزة على الذات، والتي تؤجج لهيب الأنانية المتوحشة، وتزيد من هيمنة النزعة الفردانية، التي تعطي الأولوية للمنفعة الشخصية على حساب المنفعة العامة، وتبرر التنصل من المسؤولية، وتفادي التضحية في سبيل مصلحة الجماعة. وكلها انحرافات اجتماعية ناتجة عن انزلا قات سياسية، ساهمت في انتهاك الحقوق، والمس بالكرامة، وتبرير العبودية والإستبداد؛ لتجعل من المواطنة في بعدها الإنساني حلما مفقودا، لدرجة أن المساواة صارت طموحا بعيد المنال، والحرية باتت أنشودة يرددها الناس كي تساعدهم على تحمل مختلف أشكال التسلط والقهر والإقصاء.

لقد افسد المجتمع السياسي الحديث على الإنسان، صفاء عيشه وهناء حياته التي كانت لديه في حالته الأصلية الطبيعية، لما ضاعت الحرية والمساواة في شذوذ السلطة وانحرافات القانون. إن نقد روسو للمجتمع الحديث، يبرز أن للاجتماع الإنساني مفاسد جمة، إذا لم يتم الإنتباه إليها من خلال الكشف عن مسبباتها، ستضيع مقومات المواطنة بمعناها السياسي والإنساني.

من الواضح أن مجتمعاتنا العربية اليوم، تجتمع فيها كل المفاسد الاجتماعية التي أبرزها روسو في نقده للمجتمع الغربي الحديث في القرن الثامن عشر، لذلك فإن هذه المجتمعات في أمس الحاجة إلى التصالح مع ذاتها، من خلال مراجعة نفسها، والوقوف بكل جرأة وشجاعة على فشلها الذريع في تشييد صرح المواطنة، ومعه بناء الإنسان –المواطن.وذلك بالكشف الموضوعي عن الأسباب الحقيقية التي توجد وراء انزلاقاتها وانحرافاتها. ولعل من ابززها تعميق التفاوت بين الأفراد، عن طريق توزيع الإمتيازات الريعية بحسب الإنتماءات العرقية والسياسية والطائفية والطبقية، قصد شراء الذمم والولاءات، حفاظا على استمرارية الإستبداد.

إن تعميق التفاوت هو العلة السياسية الحقيقية والموضوعية وراء تردي أوضاع المواطنة في معظم بلداننا العربية، التي تعيش وهم الحداثة السياسية.فالمواطنة فيها تبقى  مجرد فكرة، أو نظرية تعبر عن حلم من أحلام اليقظة، بعيدا كل البعد على آن يتحول إلى نمط اجتماعي للعيش. أو مجرد كلمة يضعها السياسي المسؤول، في حقيبته مع قنينة عطر ونظارات ....لينمق بها خطابه كما ينمق مظهره بنظاراته وعطره.ستظل هذه العلة قائمة، ما لم يتم؛كشرط أول؛ الاعتراف بخطورتها في تمزيق الرابطة الاجتماعية وتهديد التماسك الاجتماعي. ثم العمل؛كشرط ثان؛ على وضع حد لتفاقمها، وذلك من خلال تجديد التعاقدات، والحرص على تنمية وعي الإلتزام والمشاركة.

2-2- المواطنة، أو الولادة الثانية للإنسان:

إن الوقفة الروسوية النقدية، على المجتمع الحديث، مهدت لإعلانه عن ولادة إنسان سياسي جديد، ومجتمع جديد، من خلال تجديد جذري لمفهوم المواطنة، وذلك في تحفته السياسية "العقد الاجتماعي". فماهي الدلالة الجديدة للمواطنة، والتي أعلنت عن ولادة مدنية أو ولادة سياسية ثانية للإنسان؟

2-2-1- في مضمون الولادة المدنية للإنسان:

إن فكرة المواطنة، كما تبلورت في ثنايا كتاب "العقد الاجتماعي"، تقوم على مبدأ محوري، هو الإلتزام بما تعاقدت عليه الجماعة، كشرط لتقوية الإنتماء إليها.وهذا ما يضفي على المواطنة، من منظور روسو، صبغة أخلاقية وسياسية ووجدانية، تجعل منها القوة التي تزيد الجماعة تماسكا، وتلاحما؛ فهي – أي المواطنة- الجدار الممانع لتطرف النزعة الفردانية الهائجة، التي تعتبر العامل الرئيسي في إفساد الحياة الاجتماعية وتلويث الممارسة السياسية، التي يتحول فيها مفهوم المواطن إلى معنى أجوف، فارغ من دلالته الأخلاقية والسياسية، ليصبح مجرد اسم على غير مسمى.

إن الإنسان المدني الجديد، أو بالأحرى المواطن الجديد، هو إنسان الالتزام بالقواعد والقوانين التي اتخذتها المدينة كموجهات أساسية لحياتها العامة.وهذا ما يتيح له اكتساب مميزات أخلاقية وفكرية ووجدانية خاصة.انه إنسان الواجب، الذي يستطيع أن يطوّع شهوته ويهذبها، ليضع حدا لهمجية الأنانية وارتجالية المنفعة الشخصية، التي تجلب المفاسد الاجتماعية والرذائل السياسية. هذا المولود السياسي هو "الشخص المدني" الذي يحترم ما تقتضيه الحياة العامة من قوانين وما تستوجبه من قواعد، تمكنه من الإندماج سياسيا وأخلاقيا في الجسم الاجتماعي.الرجل المتأدب اجتماعيا، الذي يستطيع التمييز بين فردانيته ذات النزوعات الأنانية، التي تحكمها المنفعة الشخصية، وبين النزعة الجماعية التي تحكمها المصلحة العامة. فإنسان المدينة،  يعرف جيدا أين تتقاطع المصلحة الشخصية والمصلحة العامة.

هذا الالتزام الذي يميز الكائن السياسي الجديد، يخول توفير مناخ جماعي سياسي، هو بمثابة فضاء يتيح للمواطن تطوير قدراته العقلية والمعرفية والفكرية والمهارية. وبتعبير أدق، الإنسان المدني الجديد، كائن متطور ومبدع داخل صيرورة اجتماعية سياسية متوازنة، يطبعها الحس الجماعي، بدل الحس الفرداني الأناني. إنه إنسان حقيقي، بجوهر أخلاقي، هو الإلتزام، وبمظهر قانوني، ووجدانيي، وفكري يبرز سمو روح هذا الكائن المدني الجديد. وهذا ما صرح به روسو في قوله:"هذا الانتقال من حال الطبيعة إلى حال المدنية أوجد في الإنسان تبدلا ملحوظا، إذ أحل في سلوكه العدل محل الوهم الفطري، وأكسب أفعاله أدبا كان يعوزه من قبل، عند ذاك فقط إذ حل صوت الواجب محل الباعث المحرك- الجسماني، والحق محل الشهوة". (7.)

ان هذه الصفات التي تميز المواطن الجديد، والتي تستمد منها المواطنة دلالتها الأخلاقية والسياسية، لا تقدمها السماء هبة، ولا ينتظر تحققها معجزة، ولا يمكن أن تحل في المجتمع صدفة، بل هي مكاسب مدنية تحتاج إلى تحقق جملة من الشروط الأساسية، سيفيض فيها جون جاك روسو. فماهي هذه الشروط التي تحقق الولادة المدنية الجديدة للإنسان؟

2-2-2- في شروط الولادة المدنية للإنسان:

العقد الاجتماعي كما تصوره روسو، هو في جوهره تأسيس لوعي سياسي جديد، يتغيّى تجديد العلاقات الإجتماعية والسياسية من خلال تنقية الرابطة الإجتماعية من شوائبها العرقية والاقتصادية والدينية، بإقامتها على التعاقد القانوني، وكذا تخليص علاقات السلطة من الإستبداد بإقامة السيادة على الحرية.على اعتبار أن الحرية هي الحالة الأصلية، أو حالة ما قبل المجتمع، وهي الشرط الجوهري لتكوين المجتمع المدني، لأنه لو لم يكن الإنسان حيوانا حرا وفاعلا، لما أسس مجتمعا مدنيا.

هذا الوعي العقلاني بالحياة المدنية، كحياة اجتماعية مشتركة، يمتلكها الجميع، وليست ملكا لأحد والجميع فيها شركاء، وأحرار، ؛من شانه إن ينتج المواطنة كواقع اجتماعي، سياسي وإنساني، وفق جملة من الشروط.

تعتبر المواطنة حياة اجتماعية تعاقدية مشتركة، يلتحم فيها الأفراد مشكلين جسما اجتماعيا واحدا. وشرط هذه الوحدة هو تعميم السيادة، الذي يضع حدا للتحكم والسيطرة والاستعباد، بحيث لايكون أحد سيدا على أحد.ويتأتى ذلك من خلال تمكين الجميع من حقه السياسي المتمثل في المشاركة في اتخاذ القرار، أو بالأحرى وضع القواعد والقوانين التي يتم من خلالها تدبير الحياة العامة.بهذا المعنى تتحقق الحرية والمساواة، كشرطين أخلاقيين، من شروط المواطنة الجديدة.

إن الحرية، هي اتخاذ القرار والخضوع له في نفس الوقت، هي المشاركة في وضع القانون والإمتثال له؛وهذا ما يحقق الاستقلال التام للفرد عن إرادة فرد آخر. فعندما يشارك الجميع في وضع القرار، يخضع الفرد للجميع ولا يخضع لأحد، أي أنه يخضع لإرادته التي أصبحت إرادة عامة.هكذا تأخذ الحرية، في المواطنة الجديدة شكلين متكاملين، فهي من جهة أولى مشاركة سياسية، في صنع القرار، كما أنها من جهة ثانية، سلوك مدني، هو بمثابة ترجمة عملية للإرادة العامة. إنها حرية أخلاقية من جهة خضوع الفرد لإرادته، كما أنها حرية مدنية من جهة امتثاله للقانون. إما المساواة فهي خضوع الجميع للقانون دون تمييز إو مفاضلة، مادام القانون منتوجا للجماعة، يعبر عن إرادتها.

إن تحقق قيمتي الحرية والمساواة كدعامتين أساسيتين للمواطنة مشروط بتوفر شرط جوهري في القانون، وهو الإرادة العامة، أي القانون الذي تضعه الجماعة وتتوافق عليه، بحيث يخدم مصلحة الجميع ولايتقيد بمصلحة شخصية.ومن أهم أدوار الدولة التي شدد عليها روسو، هي حماية القانون ورعايته لأنها بذلك ترعى المصلحة العامة وتحمي الجماعة، فهي المنفذ للإرادة العامة، الذي يحرص على ضمان الحقوق وصيانتها. أما إذا كان القانون معبرا عن إرادة شخص او اقليه، فهذا يعني انتفاء الحرية والمساواة، وإحلال الاستعباد والاستبداد والتفاضل السياسي وبالتالي ضياع المدنية وتشوه الكائن السياسي. فالقانون الذي لايمثل الأمة ولايمثل الإرادة العامة، تتكسر على جدرانه، كل قيم المواطنة. مثل هذه القوانين، تنتهك الحقوق، وتنسف الوجود الأخلاقي للجماعة، وتعمق التفاوت، وتشرع للامساواة، وتخنق أنفاس الحرية، لأنها تمأسس للعبودية.

ولكي يتحقق شرط الإرادة العامة في القانون، لابد من أن يكون مصدر تشريعه هو الجماعة نفسها.هذه الأخيرة التي تمثلها الأغلبية، التي اعتبرها روسو القوة الوطنية العامة.هكذا يبرز الشرط الأخر من شروط المواطنة، وهو الديمقراطية التي تكفل للجماعة وضع قوانينها الخاصة، التي لها صلة قوية بحاجياتها المباشرة.و تمكنها من أن تحكم نفسها بنفسها من اجل نفسها.فالتشريع الديمقراطي وحده الكفيل بوضع حد لانفرادية القرار، واستبداد الحاكم، وضمان سيادة الآمة. وفق هذا التنظيم الاجتماعي يصبح الأفراد أحرارا ومتساوون بالحق الوضعي، فتعتلي العدالة عرش المدينة.

غير أن الوجود المدني للإنسان، لم يتحقق بالشكل الذي كان يرغب فيه، بفعل تجاوزات الإرادة الفردية وخروقاتها، التي عاقت ترجمة تلك الشروط إلى واقع اجتماعي سياسي حقيقي. ولعل الإنحرافات السياسية التي تعيشها بعض الدول الرائدة في الديمقراطية، بفعل الإختراق السافر للمصالح الرأسمالية لجسم الديمقراطية، وتعطيل وظائفه الحيوية تشهد على ذلك. ومن ثم اختلفت نتائج العقد الاجتماعي، عن الأهداف المنشودة منه.هكذا يتحمل الإنسان مسؤولية إفساد المدنية وإعاقة المفعولات الإنسانية للعقد الاجتماعي وإجهاض ولادته المدنية الجديدة.

خاتمة

يتضح أن المواطنة وضع إنساني سياسي، جديد، تجاوز حدود العرق والمعتقد والمقدس والدم والطبقة والجنس، التي تقيد بها في بداية نشأته، ليعبر عن تعايش الإرادات داخل صيرورة تحولات أخلاقية ومعرفية ووجدانية، ترتقي بوجود المواطن في مستواه الفردي وفي مستواه الاجتماعي. نحو الحرية والمساواة.ولن يتحقق هذا الوضع المنشود، أو بالأحرى الولادة الجديدة كوجود مدني جديد ينشده التعاقد الاجتماعي، إلا داخل سياق اجتماعي تعاقدي، يفصل بين السيادة والإرادة الفردية، ويحول دون انحرافها.هذا الانحراف الذي يجر مختلف مفاسد الاجتماع السياسي، وخصوصا التفاوتات اللامشروعة والمفتعلة، التي تضع حدا للمساواة وتقلص من حجم الحرية. وبالتنالي تجهض ظهور المواطن كفاعل حر وأساسي في الحياة الاجتماعية والسياسية.

ينبغي إذن، أن يتم اعتماد المواطنة، ليس فقط كمشروع سياسي، بل أيضا كمشروع اجتماعي، إنساني، يستوعب مختلف بنيات المجتمع، السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.بحيث تكون المواطنة أسلوب عيش ونمط حياة، أي مدنية كاملة ومتكاملة، تجدد نفسها بشكل مستمر في تناغم مع مختلف مكوناتها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما حاولت نظرية العدالة الإجتماعية المعاصرة التركيز عليه، خصوصا مع جون راولز.

 

مهدي الشهيد العلوي - المغرب

..............................

1- فاردوارد موريس، موسوعة مشاهير العالم، الجزء 5، دار الصداقة العربية للطباعة والنشروالتوزيع، لبنان، ط1، 2002، ص 17

2- ف.فولغن، فلسفة الانوار، ترجمةهنرييت عبودي، دار الطليعة، لبنان، ط1، ص، 232

3- أرسطو: السياسة، ترجمة، اوغسطين ببارة البوليسي، اللجنة العربية لترجمة الروائع، طبعة، 1969، صفحة 295

4- إمام عبد الفتاح إمام:أرسطو والمرأة، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط 1996، صفحة 5

5- جون جاك روسو، كتاب "في اصل التفاوت"، ترجمة بولس غانم، النخبة اللبنانية، بيروت، ص30

6- روسو جان جاك، في العقد الاجتماع، ت: ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت ص 31

7- نفس المصدر، صفحة 25

 

 

علي محمد اليوسفملاحظة تمهيدية:

هذا الجزء الثاني من الدراسة التي ارتأيت تقسيمها جزئين لأخفف على القاريء وطأة التعبير الفلسفي فيها، والاجهاد الذي يتجشمه في محاولة النفاذ الى صلب ما ارغب توصيله في معالجة مبحث فلسفي شائك واشكالي ملتبس غامض تتوزعه الفلسفة من جهة في تضادها مع العلم من جهة أخرى، فما تذهب له الفلسفة في تجريدها المنهجي موضوعة كيف يعي الانسان الزمن؟ كما فعلت في تناولي الموضوع من جنبة فلسفية لا تتطابق ربما مع الفهم العلمي الفيزيائي.

بالتاكيد منهج الفلسفة التجريدي عن وعي الزمن يختلف عن منهجية دراسة الزمن الكوني فيزيائيا وعلاقته بالوجود الطبيعي والانسان المحكوم بقوانين الفيزياء والرياضيات والكم وغير ذلك من نظريات علمية لها تداخل مع الموضوع، ويلاحظ أني لم أعتمد في الورقة بجزئيها الاول والثاني على مصدر توثيقي فلسفي ولا مصدر توثيقي علمي يسند وجهة نظري الفلسفية ويقي ربما الدراسة من الوقوع في الاخطاء العلمية في علم النفس وعلم وظائف الاعضاء - الجهاز العصبي تحديدا..وتبقى حقيقة أن كل الافكار الفلسفية وحتى النظريات العلمية حول ماهية الزمن وعلاقته بالوجود هي نظريات واجتهادات نسبية لا تحمل الصواب التام لكنها خطوة ممكن أن تفتح منافذ الطريق الصحيح في الاضافة وتصحيح الاخطاء.

الزمان والعقل

الزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي، ولا يحتاجه في حالة تخليق الذهن للاشياء استبطانيا في الدماغ، الدماغ يفكر بتمثلات صور الاشياء ذهنيا في رمزية اللغة وتعبير الفكر عن الوعي العقلي بهما في تجريد لا زماني داخل العقل... ولا يقوم العقل بالتفكير الذهني بالاشياء كموضوعات زمانية تجريديا بل كموجودات مكانية في العالم الخارجي، أي الزمان ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل وحسب بل هو وسيلة لأيصال مدركات الاشياء للعقل ونقلها من العقل الى الاشياء ثانية... والعقل يقوم بمعالجة مدركاته في تعينّها كمواضيع واشياء والزمان ليس موضوعا لادراك العقل ولا من ضمن أهتماماته، وعلاقة الادراك الزماني للاشياء بالعقل التخليقي لها هو في توصيل الزمان مدركات العالم الخارجي له وأعادتها ثانية الى الموجودات بالوعي العقلي عنها وتعبير اللغة والفكر لها..

كما هو الحال في مشابهة وظيفة الحواس في تعالقها مع الاشياء من جهة ومع الوعي الادراكي العقلي بها من جهة اخرى..... العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان أثناء نومه في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة وأختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم زماني لها من جهة أخرى.....

وسيلة العقل في التفكير بالاشياء في الذهن هو التفكيرالمجرد واللغة الصورية في تمثّلها تجريدا فقط وليس الزمان كوسيلة أدراك عقلي موضوعا يدركه العقل من ضمنها....تفكير العقل الذهني لا يحتاج الزمن الادراكي للاشياء بل يحتاجها موضوعات مكانية يجري تجريدها في الذهن عند معالجة العقل لها بمقولاته المعرفية والتفسيرية.

أن من المهم معرفة أن لغة تفكير العقل بالاشياء تكون لازمانية بصرف الاهتمام أنها تستطيع التعبير عن الزمن كتحقيب توقيتي خارج زمانها العقلي وتكون عندها اللغة نتاج ذهني لم يأخذ حيّز التنفيذ في الواقع.. لذا تكون لغة العقل في الذهن تجريدا لا زمانيا قبل تعبيرها عن الاشياء كمواضيع ومدركات خارجية، ولغة الذهن الاستبطانية داخليا خاصية التفكير العقلي بشيء محدد وليست لغة الذهن هي ذاتها لغة تفكير عقلي عامة في التعبير عن الاشياء بالعالم الخارجي.

ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء نوم الحالم في غياب الوعي أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان كقطوعات زمانية وليست قطوعات تاريخية أو في توقيتاته الزمنية المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي الواقعي في مرجعية الزمان للعقل، كما وتلغي الذهنية في التفكير عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم، وعدم تنظيم صورالمكان المتداخلة زمانيا - مكانيا في أستلام عقل النائم لها من ذاكرة الحالم فقط في أثناء لاوعيه،.

مجمل وعديد صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لها في أشكال من تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وأدراكها في وجودها المادي الخارجي واقعيا في حالة يقظة العقل يكون شعوريا منظّما لأن مدركات الزمان لها يكون منتظما، وهو غيره نجده في تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم التي لا وصاية للعقل عليها في أدراكها منتظمة غير مشّوشة وعشوائية في انتقالاتها المكانية وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل أدراكي غير منتظم بسبب غياب الزمن الادراكي المنظم الذي هو قرين الشعور وليس اللاشعور.

الانسان لا يدرك الزمان وجودا ماديا ولا مدركا حدسيا كموضوع في الذهن، في حيويته وأهميته في حالة وعيه الحدسي به في أستدلال العقل لأدراكه موجودات الطبيعة في وجوداتها المستقلة، ولا يدرك العقل الزمان في اللاشعور أثناء النوم، كذلك الزمان لا يدركه اللاوعي في ثباته وسكونه أثناء النوم....،فالعقل شغّال من غير تنظيم أدراكي للاشياء في غياب الادراك الزماني اللاواعي أثناء النوم بسبب أن العقل لا يدرك نظام وتنظيم مدركاته من دون أن يقوم الزمان بهذه المهمة قبله أو بعده أو معه لا فرق بذلك فتنظيم الادراك بين العقل والزمان مشتركة وليس مهما معرفة الاسبقية الادراكية لأي منهما على الآخر....،

كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي، أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي عند الانسان أثناء النوم في الاحلام، ولا يتدّخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وأدراكه موجودات الطبيعة من الاشياء في اليقظة،.

وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية أدراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان في أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس، والجهاز العصبي الناقل، وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء وأعطاء تفسيرات لها...

وكل هذه الفعاليات البيولوجية المعقّدة المعجزة تكون معطّلة في غياب فاعلية الزمان أدراكه الاشياء في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الاشياء... العقل كما هي الحواس أيضا تحتاج الزمن الادراكي لنقل فعالياتها الادراكية الى ذهن الانسان...ولا أدراك للاشياء مكانا في غياب زمن أدراكها، والحواس لا تدرك الاشياء مكانا من غير أدراك زماني ملازم لها متطابق معها في الادراك....

الزمان في حال كونه معطى أدراكيا قبليا ثابتا في الذهن كوسيلة أدراك العقل للاشياء كما يذهب له كانط، أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة الى العقل أو الذهن كما في علم نفس وظائف الاعضاء فهو في كلتي الحالتين يكون الزمان حدسا في ملازمته الضرورية الوعي في تجليّاته الفكرية وليس موضوعا للادراك، ولا يدرك النائم الحالم الزمان في حالة اللاوعي عنده... كما أن ألزمان لا يدرك ذاته بأختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في محاولته أدراك ذاتيته المغيبّة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات والانتقالات خارج الزمان والمكان المدركان في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة...أي أن النائم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته. وخرق قوانين الطبيعة لا يتم الا في تغييب الزمن لا شعوريا وهذا متحقق في غياب الوعي بالزمن عند الحالم....

وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة  فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي أو اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينتظمّها،  ويكون فيها اللاشعور في أوج فعاليته المتحررة في غياب وصاية الزمان التنظيمية لهذه الصور المتقافزة بالذهن في عشوائية نجدها في الاحلام مثلما لا نجدها في وصاية الزمان على الشعور والوعي في اليقظة وقيامه تنظيم المدركات الحسية والعقلية.

الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا في معرفة الاشياء والوعي بها... بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به كمواضيع أدراكية له، لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان كموضوع له سوى من خلال حدس تجليّاته الاستدلالية في أدراكه ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات الحسية المادية للاشياء...

كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا كما هو الحال عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة المرافقة عنده من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور على مستوى تغييب الادراك العقلي له زمانيا، واللاوعي مرادف اللاشعور، لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزماني والمكاني، يلغي الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الوقائع الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والليل والنهار والفصول وغير ذلك أيضا.

في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم لا يدرك الانسان ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه حالة ثبات في أنعدام الزمن المنظّم الواجب في ملازمته صور تداعيات الاشياء مكانا عند الشخص الحالم، ولا يمكنه أدراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان المنظّم للاشياء الصورية الحلمية في ترتيبه قطوعات المكان ، بخلاف آلية الزمان الادراكية في وعيه الاشياء والطبيعة كما هي في حالة اليقظة، عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء، ونقله معطيات المحسوسات للذهن التجريدي، فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتا أو تحقيبا تاريخيا، ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغير ومكان خارق لقوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم ، عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطيرأدراك الاشياء بانتظام زمني وأنتظام مكاني معا،..

هنا نؤكد لما سبق أوضحناه أن المكان في غياب أدراك الزمان له غير موجود الا في وجوده المستقل في الطبيعة كمتعين مادي ولا وجود ادراكي له بالذهن قبل أدراك الزمان له وتنظيم الوعي به.... العقل عاجز عن أدراك الاشياء قبل أدراك الزمان لها أو برفقة الوعي بها...، ووجود الشيء مكانا في الطبيعة لا يمنح العقل أدراكه له من غير أدراك زمني له يزامنه في تسهيل مهمة العقل أدراكه.   واللاشعور يدرك وجود الاشياء وأجترار الذاكرة الصور القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية حالمة لا يداخلها الزمني في حلم غياب الشعورأثناء النوم...

أدراك الاشياء مكانيا في اليقظة وحضور الشعور أنما هو (زمن) حدسي قبلي يأتي بعد وجود الاشياء في العالم الخارجي المحسوس، وبعد أدراك العقل لها وأستقرارها في الذهن يعطي الذهن صحة مدركاته الاشياء في تنظيم ألوعي المعرفي بها في تداخل الادراك بين الزمان والعقل. والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته، وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة، أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة واجزائها وتعاقب الليل والنهار وليس أنتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة وليس في اللاشعورالذي يكون فيه حضور الزمن غير منتظم وغائب تقريبا.

أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي أو وقائعي له أنما هو عمل أفتراضي (تزمين) لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء والتاريخ، ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو التقسيم أو التحقيب التاريخي في زمان مدرك كموضوع وأنما كقطائع تزامنية أفتراضية واقعية، كما يعيش الانسان الزمن كوسيلة في تنظيم مدركاته الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن (بذاته) أو معرفة الانسان ماهيته فالزمن ليس موضوعا للادراك ولكنه وسيلة العقل في الادراك كما أشرنا له أكثر من مرة....

ألزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكه لنتائجه الاستدلالية وفي ملازمته الشعور فقط وليس اللاشعور...الزمن في تنظيم الانسان له على مدار الساعة وانتهاءا بالتحقيب التاريخي له ماض وحاضر ومستقبل، أنما هي عملية يقوم بها الانسان في تنظيم مدركاته للاشياء والوجود انطولوجيا وليس تنظيم الزمن في علاقته بالمكان في الطبيعة.

والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في أنتظام أدراك الاشياء عقليا...فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس أدراك الزمان لها فالزمن مرصد واحد ولا يتأثر بحركة الاشياء ،...

والزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء... والزمن يدرك حركة الاشياء في سيرورتها ولا يدرك الاشياء في ثباتها المكاني الافتراضي كما ذهب له كانط، فالمكان تلازمه الحركة ويعيه الزمن ، فثبات الاشياء المكاني في أدراك الزمان لها هو في واقعه الحقيقي أدراك الاشياء زمانيا فقط ليس بالنسبة لأدراك العقل وليس لأدراك الزمن، بمعنى الزمن وسيلة أدراك الموضوعات والاشياء في زمانية هي خاصيته في أحتوائه الاشياء كمدركات مكانية ينقلها للعقل ، وبالحقيقة المثبّتة صحتها علميا أنما يكون الزمن بهذه الحالة في أدراكه مكانية الاشياء في مهمة تسهيل أدراك العقل لها هي مدركات ألزمان لذاته فقط ويكون وجود الشيء مكانا أنما هو مدرك زماني...أمام هذه الحقيقة العلمية ذهب برجسون الى تخطئته العلم بمنطق الفلسفة الخاطيء.(تراجع مقالتنا بعنوان كانط والمعطى القبلي للزمان والمكان).ومقالتنا الثانية كانط وقالبا الزمان والمكان في الادراك العقلي).

الزمان يدرك ذاتيته المرتبطة بالعقل ولا يدرك الاشياء في وجودها المكاني المستقل الا بأستثناء أفتراضي أن يكون الزمان مدركا عقليا يسيّره العقل كيفما يشاء ويريد.. وأنه ليس هناك زمن لا تكون فاعليته من غير عقل أنساني يسيّره....وهذا خلاف المنطق الفلسفي والعلمي فالزمان وجود قبلي في ملازمته حدس العقل الانساني له، والزمن يعمل في الطبيعة كواحد من قوانين الطبيعة المستقلة التي لا قدرة للانسان في السيطرة عليه سواء أدركه الانسان أو لم يدركه، فالزمن قرين وجود قوانين الطبيعة قبل أن يكون قرين وجود عقل الانسان والوعي في تكوين معارفه وتشكيل مدركاته.... وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد، نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كوجود انطولوجي، كذات وموضوع معا، بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة يعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم أثناء اليقظة وأثناء النوم ولا يتوقف العقل عن حضوره الواعي والتفكيري الا بعد ممات الانسان.

الاحلام واللاشعور

وفي غياب الزمن التوقيتي أو التحقيبي للتداعيات اللاشعورية أثناء النوم كما يجري في الاحلام، تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة،ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر تلك القوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه، والتي يستحيل على الانسان في عالمنا الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري، والسبب في هذا هو غياب الزمن في تنظيم تداعيات اللاشعور في صور الاشياء المتقافزة عشوائيا في الاحلام .. .. .أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية، ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأشخاص يمتلكون بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض، ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا أثناء الاحلام، وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسي العقلي وتنظيم الزمان لمدركات الاشياء... كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا فأدراك الاشياء منتظمة لا يتم من غير ملازمة الزمان أدراكها والوعي بها ، ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد عشوائي تتداخل فيه صور الأمكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام... وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم أدراكاتنا وأساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته في حدس الزمان وليس في أدراكه، ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه، بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه وأستعباده له منذ الولادة وحتى الممات ، فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل مكانا وليس زمانا في حقيقته،، فادراكنا الزمان هو في حقيقته ادراكا مكانيا فالعقل يدرك الثبات والحركة خارج فهمه ماهية الزمن ، بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان بها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعيبالرّغم ممّا لموضوع العلاقة بين القانون والعنف من الأهمّيّة الواضحة، ألاً إنّه لم يكتب عنه سوى القليل،[1] فقد تجنّب المشرّعون المعاصرون الخوض فيه على الرّغم من المطارحات البارزة والمناقشات العديدة التي تناولت القوانين العقابيّة والتّدابير القسريّة[2] إلى أن تناوله كوفر[3] وأعاد فيه النّظر؛ فليس من المبالغة القول إنّ ماقبل كتاباته عن عنف القانون، كان هذا الموضوع معرّضًا لخطر الضّياع من النّظرية القانونيّة المعاصرة.[4]وبهذا نعني أنّه قبل اشتغاله على الموضوع كان الباحثون المعاصرون قد فقدوا إلى حدٍّ كبير الميل إلى التفكير فيه والاشتغال عليه، بل إنّ عنف القانون ونقده لم يجد من الاهتمام إلاّ القليل في النّظريّة القانونيّة، ولم يكن ذلك نتيجة سهو أو إهمال، ولكنّه كان بالأحرى نتيجة التّركيز على القانون بوصفه إكراهًا قسريًّا يقتل مرّة واحدة وإلى الأبد شبح الطّغيان. فقبل دراسات كوفر كان الاهتمام بالمعنى والمعياريّة وليس بالقوّة المادّيّة وبالإكراه هي القضيّة المركزيّة في النّقاش القانونيّ.[5] وقد تمّ التّعامل مع العنف حيثما وُجِدَ بقدر من الهامشيّة كشيء ثانويّ لا وظيفة له.[6] وفي هذا الإطار لم يكن الاحتفاء بوفاة وحش هوبز مسألة سهلة بعدما أحْيَتِ الدّراسة ما هو واقعا مستمرّا لا يمكن تجنّبه من جديد: إنّه عنف القانون، وقد كان هذا جزءًا من إنجاز كوفر.

لم يعتقد كوفر أنّ القانون هو إكراه وقسر فقطّ، وإنّما أصّر على أنّ عنفه لم يكن شيئا هامشيًّا. فقد رأى أنّ جميع "إجراءات تفسير القانون تشير إلى فرصة فرض العنف على الآخرين، فعندما ينطق القاضي بالنّصّ القانونيّ طبقا لفهمه، فستكون النّتيجة أن يفقد شخص ما حرّيته، أو ممتلكاته، أو أولاده، أو حتى حياته".[7] وكما قال كارل أوليف كرونا(Karl Olive crona) قبل كوفر بخمسين عامًا تقريبًا: 

"يُعدّ القانون والإكراه أو القسر وفقًا لخطّ الفكر القديم والمعروف أمران متضادّان، وعلى هذا النّحو وُضِع الإكراه في مواجهة القانون. وبالنّظر إلى الاستخدام المكثّف للإكراه تحت اسم القانون في تنظيم الدّولة، فإنّ النّقيض مخطئ بشكل واضح. يتضمّن القانون كما هو مطبّق في الحياة الحقيقيّة نوعا معيّنا من الإكراه، فهو ينظّم ويضبط القوّة المستخدمة ضدّ المجرمين، والمَدِينين وغيرهم وفقًا للأنماط التي وضعها المشرّعون".[8]

وبرأي كوفر، فإنّه "لا يمكن للتّفسير القانونيّ ولا للعنف الذي ينتج عنه أن يكونا مفهومين بشكل صحيح بعيدًا عن بعضهما البعض".[9] لقد كتب كوفر عن العلاقة التلازمية بين العنف والقانون[10] حتى يُعيد إلى الأذهان ما كان يخشى عليه أن يُنسى في ظروف الاندفاع لاستيعاب القانون في الدّراسات الإنسانيّة[11] أيً ما وصفه "بتنظيم الممارسة الاجتماعيّة للعنف".[12]

لقد اكتشف كوفر عندما فَكّر بهذه الممارسة نقصا أعطى القانون شكلًا وطابعًاغير قابلين للتّكرار في أيّ نشاط تفسيريّ لا يترك أثرا على أجساد الأشخاص.[13] لقد واجه بفهمه النّاقد طريقة تأثير الرّغبات على التّفسير المنتج للعنف[14] مدركاً كيف يؤدًي حمَلُ سياق الكلام على معنى واحد الى سيادة هذا المعنى ويُبطل جميع المعاني الأخرى؛ ولفت الأنتباه إلى أن القوّة المادّيّة المتاحة للدّولة التي تستعملها ضدّ أولئك الذين تحدّوا سلطتها هي أكثر أنواع العنف بؤسا وشدّة[15].

قد يُترجم هكذا الإكراه بشكل روتينيّ إلى ألم ودم وموت إذا لم يكن مدروسا بشكل منظّم شديد الحذر يورد مبرّرات قويّة، ويعتمد بشكل واضح على القواعد والنُّظم المعترف بها، لذلك نظر إليه كوفر كما لو كان مرادفا للعنف. وهو يُصرّ "في هذا" على أنّ القضاة وغيرهم ممّن يمارسون سلطة الدّولة هم مختلفون عن الشّعراء والنّقّاد والفنّانين،[16] وللتّعبير عن البرم من الإصرار على القول بتشابه العنف التّفسيريّ الممارس من قبل الشّعراء والنّقّاد والفنّانين نقديّا وفنّيّا والعنف الممارس من قبل القضاة حذّر من أنّه "لن يُكون هناك أيّ قيمة في الإصرار على عنف الشّعر القوي، والشّعراء الأقوياء. فهذا لايساوي حتى عنف أكثر القضاة ضعفاً، لأنّ عنف هؤلاء القضاة عنف حقيقي تمامًا، وواقع ملموس مباشرة، ولا يحتاج لأيّ تفسير أو أيّ نقد يكشفه، ولعلّ أوضح دليل عليه هو الذّهاب في زيارة إلى أقرب سجن لمشاهدة آثاره المدمّرة".[17] إنّ العنف الذي أبرزه كوفر في هذا المقطع هو العنف الذي لا يحتاج إلى أيً وسيط للتّمثيل بما أنّه عنف واضح وفعليّ يتحدث عن نفسه بشكل مباشر. فهو يجعل كلّ تمثيل غير ضروريّ وغير ملائم على حدٍّ سواء،[18] إنّه عنف يمكن أن يُرى بالعين المجرّدة وأن يُستشعَر به مباشرة، وهو على عكس "عنف التّحليل النّفسيّ للأدب أو التّوصيف المجازي للنّقاد والفلاسفة".[19]

لم يهتمّ كوفر كثيرًا بالتّشذيب الإبستيمولوجيّ (المعرفيّ)  في حديثه عن العنف، فقد لجأ الى أمر أكثر إلحاحًا وأكثر واقعيّة من مناقشة العلاقة بين العنف وتمثّله حين قال: إذهب وانظر مباشرة بكل بساطة  الى ما يقع خلف السّؤال عن الخبرة والمعرفة بالقانون، الى الشّرطة وأسلحتهم، والسّجّانين وسجونهم. لقد حذّر فقهاء القانون من نسيان الحدود التي تعدّ جوهريّة بالنّسبة للتّفسير القانونيّ، ومن المبالغة في أيّ تفسير يمكن أن يُسنِد أو يؤيد عنف الدّولة أو يشكّل معنًى مشتركا في أيّ وقت.[20] أراد كوفر من فقهاء القانون أن يفتحوا أعينهم ليروا ما اعتقدَ أنّه لا يمكن تجاهله لأنّه قد يكون عملاً محفوفاً بالمخاطر بسبب العمى المتعمّد.

فهو يرى أنّ المأساة المستمرّة التي يعاني منها القانون هي تلك الطّريقة التي يقوم فيها العنف"بتشوّيه" المعنى، وبالتالي فإنّ ذلك المعنى لا يمكن أن يكون مجرّدا وصافيا في ظلّ واقع عنيف. ولجعل هذا بمثابة بيان حول الممارسة القانونيّة التزم البحث عن المعنى الصّافي غير المشوّه معبّرا عن ذلك بالقول:

" قد نرمي من خلال قواسمنا المشتركة الحقّة إلى استخلاص معايير الوحدة المجردة والخالصة لخلق ناموس (nomos) شفّاف وصاف تمامًا في مخيّلتنا. إنّ ما يجب القيام به، ومعنى ما يجب القيام به، ووقوف مصادر الالتزام المشترك مكشوفة. يظهر القانون الشفّاف واضحًا للجميع ولا يحتاج إلى أيّ شرح أو تفسير".[21]

وأمام هذا الالتزام يحقّ للمرء أن يطلب من كوفر تحديد أيً عالم يكون فيه المعنى أو يمكن أن يكون فيه نقيّاً ومجرّدا،[22] ففي صلب المجتمعات المحلّيّة يقيم الشّعراء والنّقّاد تقاليدا وأعرافا "تترك آثارًا" على نشاطهم التّفسيريّ، وسيكون البحث عن المعنى الصّافي أو المجرّد بعيدا عن واقع تلك المجتمعات بحثا بدون جدوى. بالتّالي فإنّه يتطلًب أن يكون التّركيز ليس على حقيقة التّشويه الذي يُدخله العنف، ولكن على الطّريقة التي يقوم فيها العنف بالتشويه وتأتي لصالحه مقارنة مع عوامل الأخرى تقوم بعمليّة التّشويه. لقد أثار كوفر هذه المسألة إلاّ أنّه لم يتناولها بالفحص والتّحليل.

لم يكن اهتمام كوفر بالعنف حصيلة نقاش أكاديميّ صارم فقطّ وإنّما نشأ كتعبير عن قلق وشكوك عميقة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين القانون والعنف، ونتيجة لتخيّلات ذات مسحة طوباويّة. لقد كشفت كتاباته عن الانخراط العميق في التّفكير بإمكانات القانون نفسه في صلته بالعنف،[23] لقد كتب كما لو أنّه بالإصرار والتّكرار يمكن أن يساعد قراءه على  المعرفة والشعور بإمكانيّة قيام حياة اجتماعيّة سلميّة ومستقرّة التي غالبا ما يتم القضاء عليها من خلال فرض عنف القانون. مشيرا إلى أنّ عنف القانون طريق للعدم، آخذا على محمل الجدّ واقع اليأس وألم الحياة اليوميّة معتبرا أنّ القانون هو المسؤول عنها والمساهم فيها.[24]

لقد حقّق كوفر اختراقًا مفاهيميًّا فائق الأهمّيّة إزاء التّراكمات الفكريّة التي يُنْظَرُ إليها بوصفها "مبجّلة"، والتي نجحت تقريبًا في إخفاء تامّ لأرتباط العنف بالقانون. ووفقًا لهذا التّرابط، فإنّه عندما يُشكّل العنف جزءًا من القانون فإنّه يصير منظّما، ومتحوّلا يُدْعَى باسم آخر غير العنف فيسمى "الإكراه الشّرعيّ".[25] لقد هدّد هذا التّحوّل اللاّفت الذي يُنظر إليه الآن بعين الرّيبة والشّكّ، والذي جاء نتيجة لوجهة نظر تشكّك في النّظريّة القانونيّة والأخلاقيّة كما لو كان تعريفا صحيحا وحقيقة ثابتة ذات معنى وحيد مفاده أنّ إكراه القانون لا يمكن أن يكون ابدًا مثل العنف.[26] يرى ممثّلو وجهة النّظر هذه أنّه لا يمكن أن يكون القانون بطبيعته عنيفًا مهما عظُمَ استخدامه الوحشيّ والشّرّير للإكراه.[27]

يبقى إكراه القانون مرئيّا جدّاً، ولا يمكن للتّلاعب الدّلاليّ به أن يُبطل عنف القانون سواء سُمّيَ إجبارا، إكراها أو عنفا. فإنجازُ كوفر يُعدّ ذا أهمّيّة بالغة إذ استطاع أن ينقذ "عنف القانون" من وضع شبيه بالسّفسطة، لقد قلب تقريبًا كلّ الافتراضات السّائدة والمعروفة حوله.

لقد عمد كوفر وبشكل متكرّر أن لا يكتب عن قوّة شرعيّة القانون بل عن عنفه، ونعتقد أنّه قام بذلك من أجل تّحدّي الفرضيّة الشّائعة التي تعتبر إكراه القانون أمراً تلقائيًّا ومشروعا، وأنّه يختلف معياريّا اختلافا يستلزم افتراض أنّ له ما يبرّره. فخلافًا لهذه الفرضيّة اعتقد كوفر أنّ عنف القانون عنف غير سويّ أوشاذّ ولا يوجد سبب "طبيعيّ" لاعتباره عنفا مختلفا بالشكل أو على نحو يجعل مستساغا القبول بالافتراض المتعلّق بشرعيّته. وعلى العكس من ذلك توجد أسباب أقوى بكثير من مسـألة التّساهل مع عنف القانون ومنها النّظر إليه كشكل متعارض وغير منسجم مع القانون. إن هذه واحدة من الحروب التي لا يمكن تجنّبها، والتي تقف ضدّ الغرض من القانون وشدّة الحاجة إلى مساهمته في المعاني الاجتماعيّة والثّقافيّة.

فشبح عنف القانون يكمن عنده "بين فكرة وواقع المعنى المشترك"،[28] وتكشف هذه الجملة بشكل مباشر وببساطة عن أدراكه لهذا الواقع الذي تغيّر فيه عنف القانون في العالم المعاصر، وهو واقع مقلق جدًّا حتى إنّ "شبح العنف هذا" يمكن أن يقف حاجزاً بين التّجربة الموجودة بالفعل حاضرًا وبين إمكانية تحقيق "الفكرة" التي أشار إليها بقوله أعلاه. ومع ذلك فإنّه قبِلَ عنف القانون ودافع عنه بدلًا من شجبه،[29]محاولا التّوفيق بين هذا العنف وبين القانون نفسه.

وهكذا فإنّ قراءة العنف عند كوفر يعني الذّهاب في اتّجاهات مختلفة بين قصّة حزينة عن العنف الذي لا مفرّ منه، وبين دعوة إلى استكشاف أشباحه،[30] فعلى الرّغم من الطّابع المأساويّ لعنف القانون يعتبره كوفر بأنّه يمثّل جانبا من جوانب القانون، لكن في الوقت نفسه يريد من هذا الجانب أن يكون متسامحًا رافضا الاستسلام للعنف وإن شكّل جزءًا لا يتجزّأ من القانون. فهو يرفض الاعتراف بالطّريقة التي يشوّه بها العنف القانون ويحدّ من إمكاناته وآفاقه. ولكي نفهم لماذا وكيف قام كوفر بذلك، علينا أن نتناول أفكاره حول طبيعة القانون ومكانته في الحياة الاجتماعيّة، ومن ثمّة نأخذ بالاعتبار آراءه عن ضرورة ومبرر إيجاد أجهزة الإكراه التي يتطلّبها القانون.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] من المؤكّد أنّ هناك استثناءات ملحوظة ومهمّة انظر:

Gerth and Mills, From Max Weber; Hans Kelsen, General Theory of Law and the State, trans. Anders Wedberg (New York: Russell and Russell, 1945): Noberto Bobbio, “Law and Force,” Monist 48 (1965): 321. James Brady and Newton Garver, Justice, Law, and Violence (Philadelphia: Temple University Press, 1991(

[2] للحصول على نظرة مفيدة أو على ملخّص لهذا العمل انظر:

Jack Gibbs, Crime, Punishment, and Deterrence (New York: Elsever, 1975(

[3] تعامل العلماء المعاصرون مع عنف القانون كمسألة واضحة لا تتطلّب كثيرا من الاهتمام المتواصل، واختاروا بدلًا من ذلك، التّشديد على صفات القانون الأيديولوجيّة والتّفسيريّة وعلى تأكيد المعنى. ومع أنّه لم يدّعِ أحد أنّ القانون لا يعاقب ولا يُكره على القيام بأمر ما، فإن الكثيرين قد دفعوا  تلك الحقائق إلى الهامش أو ادّعوا أنّ العنف في القانون رمزيّ وعرضيّ عند التّصدّي لفهم ماهية القانون. لمزيد من الشّرح حول هذا التّطوّر انظر:

Robert, G., “New Developments in Legal Theory, in The Politics of Law: A Progressive Critique, David Kairys (New York: Pantheon, 1990(.

[4] منذ أن كتب كوفر“Violence and The Word” ، كان هناك إحياء للاهتمام بموضوع العنف وعلاقته بالقانون. انظر عن سبيل المثال: Derrida, “ Force of Law” .

[5] هذا لا يعني أنّ تدخّله قد انحرف عن مساره، أو أنّه كان يهدف إلى عرقلة هذا التّطوّر للحصول على أمثلة حديثة عن التّركيز أو التّأكيد على المعنى وعلى المعياريّة، انظر:

James, B, White., Justice as Translation (Chicago: University of Chicago Press, 1990), and Robert Post ed., Law and the Order of Culture (Berkeley: University of California Press, 1991)

 

[6] أوضح بجلاء هذه النقطة ميتشيل فوكو انظر:

Michel, F., Discipline and Punish: The Birth of the Prison, Alan Sheridan (New York: Pantheon, 1977; paperback, Vinage Books, 1979).

[7] Cover, “Violence and The Word,” p.1601.

[8] Olivecrona, Law as Fact, pp. 126, 134.

[9] Cover, “Violence and The Word,”, p. 1601.

[10] "أن تكون مترجمًا بلغة القانون يعني أنّك قوّة وممثلا يخلق التّأثيرات على الرّغم من وجود العنف أو في مواجهته" (Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation,” 833) . انظر أيضًا

Drucilla, C., “From the Lighthouse: The Promise of Redemption and the Possibility of Legal Interpretation” Cardozo Law Review 11 (1990) p. 1687

[11] على الرّغم من أنّ كوفر سخّر طاقته الفكريّة المميّزة لمشروع دراسات قانونيّة مفتوحة لدوافع إنسانيّة همّت موادّ وتخصّصات العلوم الإنسانيّة كالتّاريخ والأدب والفلسفة والدّين، إلاّ أنّه كان يؤمن أنّه لا يمكن للقانون أن يتوافق مع تلك الموادّ ولا أن يتطابق بسهولة مع تلك الدّوافع. لكنّه كان توّاقًا لاستكشاف أوجه التّشابه بين القانون والعلوم الإنسانيّة، فضلًا عن الأبعاد التّأويليّة للنّشاط القانونيّ في بناء المجتمع، ,وتقديم أوجه متعدّدة لمعنى القانون. غير أنّه أبدى قلقًا من أنّ التّركيز الحصريّ على ذلك من شأنه ان يخلق وجهة نظر مشوّهة قد تشجّع أو تتسامح من دون قصد مع عنف القانون، والأسوأ من ذلك، أن يصبح ممكنا العيش بسهولة ورضا مع هذا العنف. لقد اعترف كوفر صراحة أنّ إستكشاف الاختلافات والضّغوطات والمضايقات في العلاقة بين القانون والعلوم الإنسانيّة، قد يبدو عند النّظر إلى طبيعة كتاباته السّابقة "مستغربًا وحتى متناقضًا" (The Bonds of Constitutional Interpretation” p 815) لكنّ حبّه للتّعدّد والتّنوّع والاختلاف كان نقطة خلاف رئيسة مع غيره من الباحثيين الذين سعوا إلى فرض "وحدة" أساس بين إنتاج المعنى، وبين الأنشطة التّفسيريّة للقانون وعمل العلوم الإنسانيّة (المرجع نفسه 815) فبرفضه وحدة القانون والعلوم الإنسانيّة التي تهتمّ بها وجد ألعن موقع له.

[12] انظر ملاحظة رقم 2 Cover, “Violence and The Word”, p.1602,

[13] قد يكون استكشاف كوفر للاختلاف بين القانون والمؤسّسات التّفسيريّة الأخرى، كما قد تكون طبيعة خلافه مع الآخرين حول الجهود الرّامية إلى تشجيع المنح الدّراسيّة القانونيّة متعدّدة التّخصّصات أفضل لمحة في حاشية طويلة من كتابه "Violence and the Word”(note 2, 1601-02)". ففيها يلاحظ كوفر أنّ "انفجارًا للمنح الدّراسية القانونيّة قد حصل بوضع التّفسير في صلب القانون"؛ لقد أقرّ بنوعيّة لغة القانون البلاغيّة والتّفسيريّة وفي صنع المعنى. وبذلك يكون تحالفه مع علماء قانونيين آخرين إنجازا وواقعا مقرّرا انظر

"Ronald, D.,“ Law as Interpretation, )Texas Law Review 60 [1982]: 527), James Boyd White

لقد لاحظ مع بعض الحذر أنّ "الجانب العنيف للقانون وارتباطه بالتّفسير والبلاغة قد تمّ تجاهله أو التّقليل منه بشكل منتظم في الدّراسات الإنسانيّة" (“Violence and the Word,” note 2, 1602). وبما أنّ القانون مرتبط بالعنف، وبسبب العواقب المؤلمة لكلّ نشاط قانونيّ، ولأنّ تفسيرات ذلك النّشاط ومعانيه قد حفرت على الأجساد يدّعي كوفر أنّه لا يمكن للقانون ان يكون مجرّد مجال آخر لصنع المعنى والتّفسير.

[14]  في العنف والتّفسير انظر

Harold, B., The Anxiety of Influence: A Theory of Poetry (New York: Oxford University Press, 1973(.

 [15] هذا لا يعني أنّه ينفي العنف التّفسيريّ للمرسوم القانونيّ يقول: " إنّ وجهة نظري هي أنّ القضاة لا يقومون بهذا النّوع من العنف الرّمزيّ في أصله الأدبيّ كالذي يقوم به الشّعراء، لكنّهم يقومون بالإضافة إلى ذلك بشكل أكثر حرفيّة في العنف من خلال تفسيرات لا يشاركهم بها الشّعراء"

(“Violence and the Word,” 1609, note 20)

[16] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation” 818

[17] المرجع نفسه.، 818.

[18] في اوجه قصور التّمثيل في عوالم الألم والعنف، انظر

Elaine, S., The Body in Pain: The Making and Unmaking of the World (New York: Oxford University Press, 1985), 3-11.

[19] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation,” 818-19.

[20] Cover, “Violence and the Word,” 1628.

[21] Cover, “Nomos and Narrative,” 14. 

[22] يدّعي ريتشارد شيرون التّسليم "بأنّ كلّ معنى يحتوي في داخله على طارئ وخدّاع. فمن خلال الفهم وباستننطاق التّاريخ البشريّ لا يمكن تصوّر الكلام مجرّدا عن سياقه التّاريخيّ والاجتماعيّ. ومن هذا المنظور، يصبح حاضرا في الخطاب المعنى الخادع (أو الجانب الوهميّ) وفكرته ( بمعنى الحرمان من التّحيّز) حتى عندما يسقط التّفسير بإيجاز بتشريع قسريّ"

)Sherwin, R., Law, Violence, and Illiberal Belief, “Georgetown Law Journal 78 [1990) p.1785, 1808

[23] هكذا، فإنّه ليس من المستغرب أن يطلب من قرّاءه النّظر إلى عالم القانون من زاوية أولئك المتعلّقين بشدّة بالرّؤى المعياريّة التي تتعارض تمامًا مع القانون. لقد طالب بالنّظر إلى عالم القانون من منظور المقاومة والعصيان المدنيّ، وكتب بشكل مؤثّر ببلاغة وبإعجاب بمعجزة الشّهداء، أولئك الذين يتمسّكون بالرّؤية المعياريّة بقوّة في مواجهة تدمير العالم، وألم تحطيم العالم. انظر (Violence and the Word” 1604). ما هو اكثر إثارة ودهشة عندما يطالب بالنّظر إلى عالم القانون من وجهة نظر المتّهم الجنائيّ العادي والسّجين المحكوم بالإعدام، اللّذين تتضاءل لديهم مسائل التّبرير والمعنى والسّلطة التّفسيريّة (انظر المرجع نفسه. ،1608).

إنّ نيّة القيام بذلك لم تكن تعني عدم مساواة المجرم العادي أو السّجين المحكوم بالإعدام مع  المقاوم أو الشّهيد على حدّ تعبيره عند الحديث عن المحكومين: "إذا أظهرت بعضا من شعور التّعاطف مع ضحايا هذا العنف (عنف العقوبة الجرميّة)، فإنّ هذا أمر مضلّل. في كثير من الأحيان يكون توازن الرّعب في هذا الصّدد كما كنت أريد أن يكون" (Violence and the Word” 1608) ، أو على حدّ تعبيره في مكان آخر حول عقوبة الإعدام: "أنا لست مع إلغاء عقوبة الإعدام إذا كانت عقوبة دستوريّة وهي كذلك ... ويجب أن يكون هناك أموات. إنّ دستورنا ليس دستورا أفلاطونيّا، فنحن لا نحكم على طبيعة اشكال عقوبة الإعدام التي لا يمكن أن تتحقّق مادّيًّا"

(“The Bonds of Constitutional Interpretation” 831)، إنّ الطّلب أن نرى عالم القانون كما يراه المجرم والمُدان يعيدنا إلى قلق كوفر إزاء الدّور التّفسيريّ في الدّراسات القانونيّة؛ حيث من المرجّح أنّنا في دراسات العلوم الإنسانيّة حول القانون  سننتبه إلى الصّوت الواضح لأولئك الذين يعملون مع النّصوص القانونية من اؤلئك الذين لا يعملون، وتقريبًا الصّوت غير المسموع لأولئك الخاضعين لعنف القانون. انظر

McClesky v. Kemp, 107 S.Cr. 1756, 1794 (1987) Justice Brennan dissenting

[24] انظر  Cover, (Violence and the Word In Elaine Scarry (The Body in Pain)

وجد كوفر شخصا قد كتب بشجاعة عن معرفة وتجربة الألم دون أن يدرك حدود قدرة الغير على معرفة وتجربة ألم شخص آخر. لقد كان من الشّجاعة أن يحذو حذوه في ذلك حينما تناول الإبلاغ  بالأضرار الحاصلة والألم الذي يختبره المرء على المستوى الدّنيوي فضلًا عن الأعمال القانونيّة الأكثر دراماتيكيّة. لقد كتب عن العنف والألم كما لو أنّه شخص يعي تمامًا حدود قدرته الذّاتيّة على الإبلاغ التّامّ. كتب عن العنف والألم وعلى الرّغم من قيامه بذلك فإنّه عبّر عن إيمان عميق بقدرة الإنسان على عبور العالمين، أي على الانتقال من عالم التّجربة إلى عالم الإمكانيّة، ومن عالم الحاضر إلى عالم المستقبل.

[25] انظر

Wolff, “Violence and the Law”

أيضًا

Jan Narveson, “Force, Violence, and Law, in “Justice, Law, and Violence

[26]  انظر Bobbio, “Law and Force.”

[27] انظر Wolff, “Violence and the Law,” p.59

[28]over, “Violence and the Word,” 1629

[29] انظر Sherwin, “Law, Violence, and Illiberal Belief,” 1797.

[30] هذه دعوة قد يقوم بها الآخرون انظر عن سبيل المثال Derrida, “Force of Law”

 

 

سامي عبد العالهناك فارق حَذِر بين القوة والسلطة رغم إحلال الكلمتين أحياناً داخل اللفظة الواحدة نفسها: power، إذ تنطوي القوةُ على أبعاد ماديةٍ وأخرى رمزية تمنحُ وجودَّها معنى بعيداً. وهي أيضاً القدرةُ على بث فاعليتها الخفية عبر نفوذها المقبول داخل المجتمعات، مثل فكرة القوة الناعمة soft power للدول التي صاغها المفكر الأمريكي جوزيف ناي. حيث تحدث عن الانتاج الثقافي والفني وأثره في السياسات الخارجية وأهميته للدول وبخاصة أمريكا.

أما السلطة فهي الجانب الصلب hard من القوة، لدرجة أنَّها تتميز بطابع ملموسٍ. مثل سلطة الدولة التي تشمل إنفاذ القانون وإدارة المؤسسات والضبط السياسي،  وكذلك سلطة المجتمع في دائرة العادات والتقاليد حيث يصعب مخالفتها وتُشعِر الأفراد بعقاب فوري- قلَّ أو كثر- عند الخروج عليها. والفارق المشار إليه يؤكد أنَّ القوة بإمكانها الذهاب إلى فضاء أكبر شأناً، إذ تجري على نطاق تأويلي، فهي حيث تسري، تجسدُ وضعاً مؤوَّلاً في وجود نظامٍ رمزي سائد.

من هنا ترجع آفاق القوة الخاصة بأيِّ كيان عام إلى طبيعة النتائج المترتبة عليها، وإلى أي مدى ستغدو القوة مؤثرةً، وإلى ماذا ستتحول. وفي هذا قد يقول المنطق السياسي إنّ أهمية المجال العام ترتكز على قاعدة الدولة، لأنَّها ستمارس آثاره المحتملة على نطاق ابعد، لتلتقط الأنظمة الحاكمة طرف الخيط من الشعوب (فهي القاعدة العريضة والأساسية للدول) وتعيد ترتيب أولويات وجودِّها الجمعي.

لكن أحوال الواقع المراوغ تذهب بالمجال العام إلى حد التشوّه تحت سقف الأنظمة المستبدة. فلرُبما تكون غطاءً زائفاً (كبُرقُّع الحياء) يُظهر أكثر مما يُخفي. أي أنَّ هيكلاً تنظيمياً اسمه الدولة هو وسيط مهترئ لا يمنع التلاعب بالإرادة العامة، بل قد يُنكِّل بشعوبها إلى حدِّ الإنهاك اليومي. وإذا كانت الدولة جهازاً سياسياً لإدارة شئون المجتمعات، فالسلطة غالباً ما تحكم قبضتها على الأوضاع العمومية. وبالمقابل فإنَّ هاجس الرفض لسياسات الهيمنة على الشعوب لا يغيب مطلقاً، بل يلِّحُ من حين لآخر. ولكي يجري ترويضها ستكون الدولة على موعد مع " تقنيين" فاعلية مجالها العام بحسب ما تريد .

قصداً هي تحدد أيَّة قوى يمكن أنْ يعكسها، والانعكاسreflection كلمة ضرورية في مكانها القلق هنا. حيث أنَّ أغلب معوقات الأنظمة السياسية تكمن في تأجيل أية قوى كلية الجانب (مثل إرادة الشعوب) وحجب تأثيرها على النطاق ذاته. وأنَّ الدولة لصالح السلطة تسعى لاحتكار الفعل السياسي من جانب جنسه وطبيعته وآثاره وتحولاته التالية.

عندما وصف توماس هوبز الدولة بأنَّها تنين أسطوري، أي اللوفيثان Leviathan(الكلمة اسم لوحش أسطوري ورد ذكره في التوراة)، لم يكن مستغرباً سريان هذا التوحش الشرس في أنفاس الأنظمة السياسية، حتى غدا قدرة مراوغةً على إقامةٍ ثقيلة الوطأة فوق أنفاس الشعوب ذات الإرادة. ومنذ ذلك الحين كان على الدولة ألاَّ تخيف مواطنيها وحسب، إنما أنْ تنتج الخوف في أشكال ضرورية (قوة ردع رسمي وعمومي من جنس المجال العام). وعليه كان ينبغي للدولة برأي ماكس فيبر أنْ تحتكر استعمال العنف وتعيد انتاجه. وبالتدريج يتحول العنف من دائرة التقنيين المرتبطة بــ" القوانين" إلى أسلوب عمل وآلية رمزية لهش المناوئين للأنظمة (انتاج صولجان السلطة).

والبرجماتية السياسية تذهب إلى مدى أوسع في صلب المؤسسات العامة، لأنَّها بخلفية السلطة تجعل من ذاتها ملْحاً ضرورياً في أية أفعال يومية. فالمواطن قد يجد أشباحاً بلا وجوه (رموز- شعارات- خطاب – أشخاص) تتحدث باسم الدولة وقد يجد استعصاءً أمام فهم الشئون العامة. لأن نظاماً حاكماً ليس يقتفي أثر شيء قدر ما يتحسس كتلة مجاله العام(الشعوب). فلئن وجدها متمردة وباستطاعتها فك القيود المفروضة، فإنه يخضها لقانون جاذبية من نوع خفي كالقوانين وعمليات الضبط السياسي، بحيث تستطيع الدولة إدارة فيزياء المجال العام بسهولة .

وليس بعيداً عن الفكرة السابقة أنَّ بعض الدول العربية- حتى بعد الربيع العربي العاصف- تتعامل مع الجماهير بلغة الكتلة المادية، أي الحشود (التجمع، الغوغاء، الرعاع، الدهماء). وهي كلمات لا تخرجُ عن قاموس السياسة الذي يزن التصورات بأفعال حسيةٍ ويبرز انعدام الأخذ بالتنوع.

حاصل ذلك أنَّ الأثر الإيجابي للمجال العام (أي يفعل ويثور) تجاه نفسه هو صفة " مضافة " إليه. لأنَّ مجالاً كهذا يوازي في أعين السياسيين فوضى غير خلاقة بالمرة، في خلط معيب بين المجال كفضاء رمزي وبين تصورات مسبقة حول أفعال الكائنات الإنسانية. كأنَّهم مجموع من شواش بشري عضوي organic chaos على طريقة الفيلم السينمائي المصري (أفواه وأرانب).

حان الآن سؤالٌ يبدو متأخراً: كيف يتسم هذا المجال بقوة أصيلة ؟ وهل هي قوة خاصة أم يكتسبها من شيء آخر؟ في هذا الشأن يعد المجال العام أكبر عناصر  الوجود السياسي تأثيراً. وهو كذلك غير قابل للاحتواء ولا التدجين... وحتى لو حدث الاحتواء تاريخياً نتيجة ظروف قمعية قاهرة فلن يفلح في بلوغ مآربه.

إنَّ قوة المجال العام ليست إلاَّ هو بشحمه ولحمه (الاجتماعي + السياسي). فلأول وهلة يسير ذلك الفضاء بحسب قانون الهوية الأرسطي: أ هي أ (أ  أ) لكن ستمثل ممارساته المتغيرة عملية تنقض هذه المعادلة. أي أنَّ عنصر الزمن حاضر دوماً في بنيته عن بكرة أبيها. وهاهنا تكمن القوة كلها في هذه السيرورة process المحققة لغاياته دون إدراكها إلا بتطورات وأحداث. فهو مسار متواصل ونسبي لا يكف عن التحول إلى ذاته لا إلى أي شيء آخر، وقد كسب المجال العام  حقوقاً تاريخية من مرحلة إلى أخرى. لأنَّ الهوية التي نظن أنَّها تمسك عليه حركته إنما هي درجة تطابقه مع عناصره المختلفة، المتغايرة، المنفلتة، المتمردة، المتقلبة. بيد أنَّ مفارقة الاختلاف تجعل التطابق لأي مجال عام مستحيلاً بحكم عناصره السابقة. إذ تفرض على وجوده تغيراً مستمراً نحو الأفضل، نحو تحقيق أهدافه، وسيكون تنوعه دافعاً لهدم أية سلطة تحاول الهيمنة عليه.

يُفترض أنْ تكون القوة التي يجسدها المجال العام جامعةً مانعةً، لأنَّها تمثل حائط صد سياسي لكل شيء سواه. وجزء من المفارقة أنْ تؤدي أوضاعه المفترضة دوراً في عدم استيفاء شروط قبوله لأية نظام حاكم إلاَّ مؤقتاً. ذلك من حيث كونه مجالاً لا يخضع للوصف الإيجابي. أي: أننا لا نضمن القول بأنَّه سيقبل مجاناً هذا الحاكم أو ذاك، ولا أنه سيؤيد هذا الوضع أو ذاك، ولا أنّه سيؤكد هذه السياسات أو تلك. بهذا التفكير كأن المجال معنى عام يتخصص لأجل اللفظ المحدود بينما الأصح أن يصاغ اللفظ ليناسب المعنى الأكثر اتساعاً.

إذن طبيعة المجال العام وأوصافه وتحديداته تسير بطريقة اللاهوت السالب negative theology، فاللاهوت ضمن هذا الاتجاه يستعمل ميتافيزيقا السلب من أجل إثبات ما لا يثبت. حيث يقول عن الله: هو ليس محسوساً ولا مادياً ولا فكرة ولا كائناً اعتيادياً ولا صورة ولا شكلاً... إلى آخر التحديدات التي لا تحتوي في الحقيقة على أي تحديد. وإذا كانت الأوصاف السالبة تتحقق بالتقريب من خلال تفاعل عملية الوصف مع ذهنية الواصف، فهي تتلخص في ماهية المجال العام بالطريقة ذاتها. والمسألة أن  معنى الإله عندما يدخل وجوده الدنيوي لا يوجد في دلالته الميتافيزيقية، بل يُتأوَّل بحسب آليات الواقع وممارساته . وبالتالي فالمجال العام ليس أحادياً ولا ديكتاتوريا ولا وسلطوياً، إنه يتنوع ويقلب كافة الإمكانيات دون نهاية.

إنَّ مفهوم هذا المجال كأبرز نتاجات الحداثة السياسية مازال يردد صيغة النفي اللاهوتي بأسلوب دنيوي. فالوجود الكلي المتميز به دون انحياز إنَّما يؤخذ كمرجعية للتشريع والسلطة والتواصل الإنساني. والطريف أن التحول لم يقض على الصدى الميتافيزيقي، إنما أعطاه خاصية الاستقلال العمومي. ونحن نعرف أن الميتافيزيقا حين تخضع لما هو إنساني، تتقمص شكلاً آخر من التأثير. ويلعب عدم القابلية للتحديد دوراً رئيساً في فتح المجال العام أمام احتمالات لا تتوقف، أمام أوجه ثرية، أمام تغيرات غير متوقعة إذ يعطي وجوده زخماً كلياً. ولذلك كانت الشعوب هي المحك في تغير المجتمعات وتحقيق الاهداف العامة.

وستأتي قوة المجال العام (كل القوة) في تجسيد معالم خاصة لا مجرد كتلة عينية concrete mass تنطوي على فراغات للحركة. والقوة من ثمَّ هي تلك المعالم نفسها بمنطق السلب كما أشرت. كلما تمَّ سلب خاصية سيجري البحث عن خواصٍ أخرى.. وهكذا دواليك.  فلا توجد دولة تعيش عصرها (أو هكذا تريد) يمكن أن تغفل تطلعات شعبها وكيف سينال حقوقه وتنميتها إلاَّ إذا كانت دولة متخلفة. وهذا ما يضعها تحت التساؤل والنقد المتواصلين.

أولاً: المعيارية:

يمثل المجال العام معياراً لوجوده وبناءً لتحقيق أهدافه دون مبارحةٍ. وبالتالي لا يقبل التعيُّن بصورة واحدةٍ داخل سياج مغلقٍ يفرضه النظام الحاكم. سياسة المعيار لها سلطة السلب التام إزاء تغليب أية فئة أو طبقة على أخرى، بمعنى أنه لكي يحقق المجال ذاته عليه أن يسلب غيره (الذي يناقض عموميته وتنوعه وحقوقه ومكتسباته). فالنظام السياسي لن يستوفي أية شروط يخصصها المجال العام وإن انطبقت عليه. وستمثل السلطة نمط العجز السائد وليست القوة المنتظرة. لأن الذي ينتج أية سلطة عامة واضعاً إياها في حالة اختبار- أو هكذا يفترض- هي إرادةٌ جمعيةٌ لا تنحاز إلي السلطة بالضرورة.

بالتوازي تتجسد قوة المجال في معايير تتفلت من أي انغلاق ومن أي تطابق معها. أي هي نقصان مزدوج نحو الطلب المباشر لأجل تحقيق الأهداف المبتغاة لمجتمع مليء بالاختلافات فكراً وفعلاً. والدليل أن الأنظمة السياسية تتغير وتتبدل في إطار ما تحققه للمجتمعات من عدمه. والمعايير تعنى أن النموذج المتصور لمطالب الحالة الإنسانية هو نموذج يتميز بصلاحية زمنية فقط. لأنَّ المجتمعات مليئة بكل الأطياف والمذاهب والأفكار والأيديولوجيات وتقتضي المعايير الأخذ بهذا الزخم الحي. فالمعيار من طبيعة ما يريده الناس ويسبقهم نحو المستقبل. وما النظام السياسي (أو أي نظام) إلاَّ إمكانية نسبية لأوضاع غير قابلة للاختزال Irreducible.

والمعيارية تستجيب لمسألة مهمة كالتالي: كيف يمكن أن يعبر أي نظام سياسي عن تطلعات شعبه دون إقصاء؟ وهل الحق في الوجود المختلف يعد أكبر من أية قوة ولو كانت هيكل الدولة؟ من ثم تكون الأسئلة ناقدة بالدرجة الأولى. وربما لا تنتظر الحالة السياسية حتى يرتكب النظام الحاكم أخطاءً متكررةً. لأن الطابع المعياري ينقض ممارسات الأنظمة ويلقي بثغراتها على قارعة الحياة العامة. وهذا هو السر وراء تغيُر الأنظمة من وقتٍ لآخر لمجرد أنها لم تكن على مستوى التطلعات الشعبية. والديمقراطية من تلك الجهة تلبي فقط استجابة السياسة لإمكانيات تالية ضمن مرحلة مختلفة. الديمقراطية هي الصورة الأقرب لحقائق أي مجال عام. بطريقة واضحة هي "أفضل أسوأ " الحلول للتعبير عن معايير الحياة العامة بمضمونها الثري، أي هي صورة مرنة وباستطاعة المجال إدخال تطورات عليها بحسب خصوصية المجتمعات.

ثانياً: الرفض:

ليس الرفض قرارا تتخذه الجماهير إزاء نظام سياسي ما ولا إزاء ممارسات تمس حياتها. وبخاصة أن القرار يعتبر أخر مرحلة لعمليات من المعرفة والتفكير والحوار والمناقشة والتواصل وتكوين الآراء العامة. الرفض عبارة عن وعي قائم على تنوير العقول وتوافر الشفافية والحرية اللتان تتيحان التعبير والنقد الثوري.

وتتناسب قوة المجال العام في هذه النقطة طردياً مع زيادة درجة الوعي. فالأخير ليس صعيداً نظرياً لكنه " وعي عضوي " بطريقة انطونيو جرامشي(المثقف العضوي). أيضاً هذا الوعي تاريخي ويتميز بالقدرة على الفعل الذي يتسق مع معيارية المجال العام، بحيث ينخرط الفرد في أنشطة عملية كاشفةٍ وأنْ يكون وجوده السياسي جزءاً من الحركة اليومية.

ونظراً للتباين الذي تحرسه السلطة وتتلاعب به بين الغايات والوقائع، فلسان الحال والمآل سيمثل علامة استفهام حول الأوضاع السياسية. وإذا كانت الديمقراطية تبلور الرفض عبر صناديق الاقتراع، فإن آلياتها هي تطبيق فاعل لمنطق الرفض على نحو آمن. فالناخب يذهب ليرفض سياسات بعينها، لكنه أيضاً يمارس إنسانيته التي تعمل وفقاً للقانون الأكثر عمومية.

الرفض عبارة عن توجهات وآراء ومشروعات تحمل إمكانية التأثير في الواقع بكل تراكمه. فالمواطنون بتنوعهم لديهم إمكانيات متاحة من الرفض. ذلك بحكم كونهم أعضاء فاعلين في السياق العام، وهم دوما قادرين على فرز المواقف ونقد الآراء. ونتيجة الوعي الذي يتوافر لدى الأفراد سيكونون جزءاً من المشهد سلباً وإيجاباً.

والرفض من تلك الزاوية قوة حرة للمجال العام قادرة على إعادة تشكيله، وهو تلقائياً سيكون الإجابة المعمول بها إزاء أية انحرافاتٍ. وفي الغالب سيطرح البدائل المتاحة وصولاً إلى الأفضل. وإذا كان النظام السياسي يهتم بتكريس سلطته فإن مجالاً عاماً بإمكانه أن يساءل الوضع من جذوره. والخطورة المحدقة: أنَّ السياسيين يندمجون في حالة من الحضور الأعمى blind presence للسلطة، فيفقدون إحساسهم بحركة الواقع. السلطة عادة هي حاجز الصوت الذي يحافظ على الأوضاع السائدة في المجتمعات. وإليها ينتمي الخطاب وأنماط العزل وأساليب القبول الاجتماعي. لكنها قد تصيب أصحابها بعدم القدرة على التمييز والبلاهة إمام خطورة الأحداث كأنها مخدر موضعي قوي التأثير.

ثالثاً: التنوع:

سياسياً ليس التنوع صيغة رياضية تفيد جمع الأفراد إلى بعضهم البعض كأنهم أحجار، لكن التنوع حالة تعبر عن الأفراد والجماعات والمذاهب والثقافات كما هي دون نقصان. فضلاً عن أنَّ تلك الأشياء لا تُجمع لكونه منطوية على خصوصية تثري أي مجال عام.

ولنا أنْ ندعها عناصر حرة طليقة إلاَّ ما يفيد التواصل المشترك ويحقق ثراء التنوع إلى مداه الأبعد. والسلطة التي تحاول جمعاً حسابيا إنما تنسى شيئاً مهماً: أنَّ التنوع هو الأصل في القضايا المشتركة، وأن القضاء عليه تحت سياج شامل يجعل من المجتمع كهفاً لا خروج منه.

ولذلك ما لم تجل كل التوجهات والعقائد مكانها الكامل متمثلة كما هي فلن يحقق المجال العام وجوده. والمبررات هنا غير منطقية لأن التبرير يعني مساءلة شيء لا ينبغي مساءلته. أي أن التنوع كذلك لأن المجال العام هو التنوع ذاته، والتبرير سيتم بالتبرير كتحصيل حاصل، لأنَّ الوضع برمته هو وضع إنساني. إذن المجال العام بوصفه إنسانياً غير قابل للتبرير. ولنتابع كون التنوع طبيعياً بالدرجة الأولى، أي هو يختلف في ذاته بحكم تنوع البشر. وما يحافظ عليه هو هذا الاتفاق الضمني حول الاعتراف المتبادل بالاختلاف، لكن لا يحُول ذلك دون الالتقاء لدى المصالح المشتركة بين أطياف المجتمع.

رابعاً: الاختلاف:

وهو يشكل طبيعة التنوع الإجمالي بمعناه السابق. بصيغة أخرى يعد الاختلاف عملية إنتاج لزخم الحياة العامة. وما لم يكن راسخاً في جميع الجوانب: الحياة، الثقافة، المذاهب، الأيديولوجيات، الديانات، الأفعال، فلن يأخذ المجال العام أسمه الفعلي.

ليس الاختلاف بين عناصر الشعوب وسيلة ولا خطوة مرحلية، لكنه أساس بنائي، هو جذور داخل نسيج التنوع البشري. وكل تطور وكل طرح لبدائل إنما يرتكز زمنياً على الاختلافات. وهو الذي يترك المجال العام عمومياً بهذا الوصف الذي يكاد يكون مطلقاً. إن وجود الأطياف المتباينة داخل المجال العام ليس مصادفة ولا هو غطاء سطحي. وهذا يعني أن تكوين المجال سيظل متنوعاً مهما حاولت الأنظمة السياسية حجبه في فترات الاستبداد.

ويأخذ الاختلاف شكل الحياة وتنوعها كموقف ايجابي هذه المرة. أي أن المجال العام ما عليه إلاَّ أن يجسد تباينها إلى حد التناقض. والمفارقة أنَّه كمجال سياسي لن يستطيع رغم الرؤى والمواقف المشتركة أن يخفف من حدة الاختلافات، ورغم ذلك هو أمر مطلوب حتى يتطور الوضع إلى الأفضل. وهذا يشير إلى كون أي اختلاف وقوداً لمزيد من النظر في الأحوال الجارية وعدم تمكين أية سلطة من المكوث دون خلخلة.

وخطأ السلطة القائمة أنْ تفرض نوعاً من وحدة المكونات زعماً بضرورة الاتفاق، وهذا الأمر سيكون مصيره الفشل في النهاية، لأنَّه ليس مطلوباً أن يصبح الناس نسخاً مشوهة من بعضهم البعض، كما أنه من المستحيل ضم الاختلافات تحت سقف واحد. إن المجال العام هنا قبول ضمني لتبادل الآراء والتسليم بالحقوق الإنسانية بحيث يتيح للكل التعبير عن وجوده دون حواجز. وبالوقت نفسه فإن فرض تمط واحد من الوجود ليس فقط إهداراً لقيمة التنوع بل يمثل خرافة.

خامساً: الاستمرارية:

لا يوجد مجال عام غير مفتوح على فعل الزمن. وهو فعل تطوري بالأساس. من ثم كانت الاستمرارية هي الطريق الذي يواصل دفع المجال نحو أهدافه. لأن الاختلاف لا يسمح بركود سياسي دون تحريك دفة التغيير. وهذا ما يجعل الاستمرارية عملاً مقصوداً على نحو جمعي. ليس يقطعه الناس بمفردهم بل لكونهم متنوعين فهم يرمون إلى ما هو قادم.

وإذا أردنا صيغة للاستمرارية فهي الاختلافات في التنوع غير القابل للاختزال. مما يكشف طبيعة الأنظمة السياسة ويدفع المجال العام إلى البحث عن نظام آخر أقرب إلى ما يريد. وهذا مؤداه:  وجود قوة كامنة في صلب التنوع الإنساني بالمفهوم السابق، ولنلاحظ أن أغلب أحداث الربيع العربي كما وقعت كانت نتيجة الصور الذهنية لتنوع مجتمعاته. فالفاعلون يريدون استمرارية تخص تحرير المجال العام من الاستبداد والديكتاتورية. ونظراً لأن المستقبل حاضراً فلن تغلق الطرق المؤدية إلى الاختلاف الذي هو وقود الاستمرار.

صحيح يمكن أن يتباطأ المجال العام في إيقاع حركته وقد يتقلص، غير أنه سينفض عن نفسه غبار، ولن يكل من فتح آفاق أخرى نتيجة العصر الذي يعيشه. فالتنوع الذي يفعل أفعاله بالداخل سرعان ما يلفت النظر إلى وجود مسارات أخرى للسياسة والمعرفة والتاريخ، وذلك شريطة توافر الوعي الجمعي الناضج. وهو وعي ناقد، متمرد بالضرورة وإن لم يكن ليبدو كذلك للوهلة الأولى.

سادساً: عدم القابلية للتوظيف:

يصعب استعمال المجال العام لأغراض خاصةٍ تحت قهر التسلط وعنف الدولة طوال الوقت. وبالآن ذاته ينبغي الحذر اليقظ من طبيعة التوظيف إنْ وُجد. لكون المجال بيئة سياسية خصبة لفوضى شاملة أول ضحاياها النظام الحاكم. في جميع الأنظمة الديكتاتورية قد تتبني السلطة أيديولوجيا ومصالح للسيطرة على المجتمعات، إلاَّ أن حالة التنوع والاختلاف لن تصمت طويلاً. فرغم اللعب على الشحن الأيديولوجي لكن نهايته معروفة، إذ يؤدي إلى سيادة النمط الواحد مما ينذر بانفجار الثورة من أقرب نقطة ممكنة.

وهنا تكمن القوة في الوعي الفارز للموقف والأفعال، ولذلك تحاول الأنظمة الديكتاتورية قمع الوعي تحت بند الحفاظ على هيبة الدولة والخوف من الفوضى. والأغرب أن يتحول القمع أو التوظيف إلى خاصيتين تنضمان لصالح المجال العام. فالواقع سيسرع بانفجار الأوضاع كما رأينا في بعض مجتمعات الربيع العربي على ما ذكرت. وهذا يصب تاريخياً لصالح المجال لا ضده، لأن أي نظام لا يمكنه تجاهل أسباب انفجار الأوضاع. من قبل.

والقوة أيضاً في عدم التمكن إطلاقاً من عنق الإنسان العمومي بالمعنى السابق. وبالطبع هناك مناطق ضعف وثغرات، لكنها هي نفسها مناطق القابلة للتغير. ففي المجال العام تصبح السلبيات دلائل على أن الأوضاع الآسنة لن تدوم.

سابعاً: فضاء متخيل:

المجال العام ليس حيزاً مكانياً معروف الحدود والأشكال، لكنه فضاء مرن بحكم اختلافاته وتنوعه. والخيال هو القوة الوفيرة التي تتحقق نتيجة فائض الحياة الإنسانية، نتيجة سيولة الفكر وسيرورة الوعي، إذ يرسم آفاق الزمن القادم مع الآمال المطروحة لواقع أفضل. وهو جانب رحب تلتقي لديه أخيلة الأفراد والجماعات دون أن تندمج في هوية واحدة.

إن الخيال في هذا المجال ليس آلية ولا مجرد حشو وهمي للأدمغة، لكنه فعل على صعيد القوة، بل هو إحدى القوى الكامنة في نسيج المجال العام وتحولاته. وربما الخيال في إجماله غير متعين بإطار صارم، فمن الصعوبة بمكان التحدث عن الخيال الاجتماعي أو عن الخيال السياسي سوى أن هذين الجانبين متوافران بإدهاش في الوجود المؤول لكل مجال عام. لكونه يشد التطلعات إلى آفاق جديدة كما يترقبها الفاعلون الاجتماعيون.

ودون شك فإنَّ الخيال يترك آثاره البعيدة فيما يسكن الواقع أحياناً، لأنه بمثابة منتج الصور المدهشة التي ترسم للحياة بشكل تلقائي. وفي عصور الأزمات يشتعل الخيال كما لو لم يكن من قبل، لأنَّ العلاقة طردية بين الاستبداد وبين تفتق الخيال عن إمكانيات غير معهودة. وبالتالي سيكون الخيال منفذاً لتصورات جديدة وطريفة تماماً- كما يقول تشارلز تايلور  - حيث يتبلور المجال العام على هيئة صور وسرديات وقصص تحمل آفاق مشتركة بين الناس، وكيف يتصورون حياتهم وأهم الآمال المعقودة عليها بخلاف قيود الواقع.

وأخيراً... ربما تتجمع المعالم السابقة لتشكل ثورة تحت الرماد في عصور الانحطاط السياسي والخنوع والغسق الإنساني. ولو تشمم الحاكم المستبد بعضاً منها فقط، لأيقظت هواجسه الدفينة كأنَّه سيزيف يحمل صخرة المصير المتدحرجة دون تثبيتها بالأعلى. وهي التي ستدهسه مراراً تمهيداً لرفعها كرة أخرى. ومع ذلك لم يتعلم ديكتاتور ولا طاغية، ولم يرتدع نظام سياسي قامع للمجال العام إزاء ملهاته الساخرة حتى يرى بأم عينه.

 

سامي عبد العال

 

علي محمد اليوسفبداية وتقديم: لا أنصح من لا يمتلك استعداد المطاولة الفلسفية والصبر قراءة هذه الورقة الفلسفية الشائكة الصعبة، فهي متاهة أتعبتني لكنها تستحق بذل الجهد في قراءتها وفهمها، وأرحب بكل تعليق معرفي فلسفي جاد عليها شرط أن لا يخرج عن صلب الموضوع المطروح بما يغني الورقة تفنيدا أو أضافة وسأهمل الرد على كل رأي لا يتسم بالامانة ألمعرفية والمناقشة الرصينة حال حصوله من أجل الوصول الى قناعات مرضية هي حصيلة تفاعل الرأي الاخر معها.

الورقة لم تعالج الموضوع من جنبة علمية كما في دراسة علم وظائف الاعضاء الخاص بالدماغ والجملة العصبية، كما لا تعالجه من جنبة دراسات علم النفس وتداخلها مع علم فيزياء وبيولوجيا وظائف الاعضاء، بل الورقة بحث فلسفي في محاولة فهم الادراكات الموضوعية المادية في مشاكلة تعالق الزمن بالوجود بمنهج الفلسفة وليس بمنطق تجريبية العلم الصارمة، لهذا يلاحظ أن الورقة البحثية خلو من مصادر علمية تخص علم النفس أوعلم وظائف الاعضاء والفيزياء. ولا أدعي لمضمون هذه الورقة العصمة الفلسفية ولا الدقة العلمية الكاملة فهي تمثل أجتهاد فلسفي فكري يتناول موضوعا بالغ التعقيد والمداخلات المفتوحة لم أعتمد فيه مصدرا واحدا.

الزمان والوجود

الوجود مفهوم مطلق غير محدود الصفات ولا يمتلك المتعينات المادية غير معروف الماهية أو الجوهر خارج معرفتنا موجوداته المحتواة، والوجود خال من المعنى والدلالة من غير محمولاته من الموجودات والاشياء التي يدركها الانسان.

الوجود كمفهوم تجريدي هو استدلال افتراضي لموجودات متعينة من غيرها لا يكتسب الوجود قيمة معرفية ولا معنى ويبقى لفظة خالية من مضمونها، ومعنى الوجود انما يكون في معرفة موجوداته فقط اذا وجدت وبغير ذلك فهو تجريد لفظي للدلالة على مفهوم تجريدي لا علاقة فيزيائية تربطه بألمعرفة والادراك.

والوجود أفتراض أستدلالي على موجوداته التي تدخل بعلاقات بينية، والموجودات مكونات مستقلة فيزيائية أو خيالية يمكن أدراكها بمعزل عن عدم ادراكنا ماهية الوجود والزمن.

وعي الموجود بذاته (المقصود هنا الانسان) هو الذي يخلع على الوجود معناه الاستدلالي وليس معناه الادراكي، فالوجود مفهوم تجريدي غير متعّين انطولوجيا لا يمكن ادراكه كوجود لا يحمل موجودات ادراكية له تمثل محتوياته الصفاتية أو الماهوية. وهو مفهوم ميتافيزيقي ليس له دلالة انطولوجية سوى بموجوداته، بل هو علاقة تجريدية استدلالية على غيره من الموجودات كما هو مفهوم الزمان، الضوء، الهواء، وغيرها.. والموجودات المتعينة ادراكيا هي قطوعات وجودية مستقلة مكانيا - زمانيا فيما بينها ترتبط أو لا ترتبط بعلاقات بينية .

والوجود الذي لا ندرك ماهيته تكون ذاتيته متداخلة في موجوداته الانطولوجية المدركة. ولا ندرك العلاقات البينية بينها كذات ماهوية ولاعلاقتها بالوجود بما هو موجود وعلاقتها بها التي يكون من غيرها الموجود وجودا فارغا بلا معنى أي يكون عدما وليس وجودا.

يقول الطوسي نقلا عن عبد الرحمن بدوي (الزمان ظاهر الآنية، خفي الماهية)، نجد فهمنا التعبيري الخاص في ملاحقة مقصود المعنى في العبارة، أن الزمان أدراك مكاني بدلالة توقيت زمانيته، ولا يكتسب الزمان خاصية الادراك به الا في متعيناته المكانية. فالزمان في حقيقته التجريدية التي ندركها بمؤثراتها في غيرها من الاشياء والموجودات أنما يكون مدلولها الزماني هو المكان. فنحن ندرك الزمان تجريدا في تداخله مكانا ولا ندركه كموجود مستقل يمتلك خاصية ماهوية يمكننا حدسها.

فالمكان هو المعنى الحقيقي لماهية الزمن وشعورنا غير المباشر به. والمكان لا ينوب عن الزمان في الادراك، والمكان لا يمكن ادراكه من غير زمن يلازمه ويداخله على الدوام. كما أن الزمان لا يمكن حدسه ألا بدلالة المكان التي هي الموجودات الانطولوجية فيزيائية كانت أم خيالية. المكان ثابت زمانيا كمدرك عقلي مادي متحرك مكانيا في زمان حركي تغييري غير منظور، والزمان يدرك الاشياء في حركتها وانتقالاتها كما يدركها وهي ثابتة ايضا. فالزمان سيرورة مكانية متغيرة على الدوام بخلاف المكان الذي هو ثبات زمني في ادراك الزمن له وليس في ادراك العقل له، والموجود مكانا قد يدرك ذاته لكنه لا يدرك زمانه الذي به يكون مدركا مكانيا – زمانيا معا. فنحن ندرك انتقالات وسيرورات وتبدلات الامكنة التي يداخلها الزمن من غير أدراكنا الزمن بمعزل عن أدراكنا المكان.

في أدراكنا الاشياء لا ينوب الزمان عن المدرك المكاني لها ولا ينوب المكاني عن مدركه الزماني لها، والمكان بدون زمانية متحركة دائمية تحكمه يصبح موجودا غير مدرك كون الزمان حركة غير منظورة والمكان سكون متعيّن بالاشياء، أي المكاني بلا زمانية تلازمه يصبح بلا دلالة ادراكية مكانية متعينة. الزمان خفي الماهية والصفات له كما يعبر الطوسي لكنه معروف الصفات في مدركاته المؤثرة بالاشياء والموجودات التي به توجد وبها يعرف الزمان كموجودات متعينة مكانيا.

الزمان سيرورة وجودية غير متعينة ادراكيا لا في صفاتها ولا في ماهيتها، فصفات الزمن هي صفات محتوياته من الموجودات المتباينة المستقلة، وماهيته لا تدرك الا بمعرفة موجوداته الجوهرية في داخله. علما أن الطوسي لا يعبّر عن الآنية كقطع زمني moment وأنما يفهمها الواجب الوجود بذاته ويقصد به الذات الالهية فقط. معظم الفلاسفة المسلمين القدامى في العصرين العباسي والاندلسي لا يفارقون مبدأ وجوب أنقياد الفلسفة للدين وليس الدين تتقدمه وتقوده الفلسفة والا أتهموا بالزندقة والكفر.كما أن جميع معارف ذلك العصرين لا تحمل استقلالية معرفية عن وصاية الدين عليها لذا نجد الفلسفة في مداخلتها الدين تكون في غاية الحذر من الانزلاق الحاضر في تهمة الضلالة.

الزمان والتزامن

حين نقول التزامن فالمقصود به كدلالة لغوية منطقية لا تعني معنى الزمن ولا دلالته، من حيث التزامن هو (قطوعة زمنية) نسبية متعينة بموجودين أو أكثر في علاقة تزامنية واحدة، وفي تعدد موجودات التزامن العلائقية وأشتراكهم بالقطع التزامني الواحد. فالتزامن توصيف علائقي يطلق على الاشياء وموجودات العالم الخارجي المستقلة داخل كل حيّز وجودي، المرتبطة بعلاقات بينية شيئية فيما بينها وفي تخارجها المكاني – الزماني الجدلي الذي لا ينفصل عن الوجود كمفهوم لا نعيه ولا ندركه من غير أدراكنا لموجوداته.....

وبهذا المعنى يكون التزامن (قطع) زمني يفرضه حدوث ووقوع أكثر من موجودين في علائقية تزامنية واحدة، التزامن قطع مؤقت ونسبي بخلاف الزمن الذي هو مطلق لامتناه سرمدي غير محدود بوجود. من السهولة أن نعي التزامن كتحقيب لوقائع زمنية تصبح تاريخية مثلا لكن من الصعب المحال أن نعي الزمان كماهية ولا كصفات خارج توصيف مؤثراته.

ولو تساوى التزامن مع الزمن في تداخل غير منفصل فلا يبقى للتزامن مفهوم يميّزه عن الزمن، فالزمن تجريد والتزامن متعين فيزيائي ويفقد التزامن خاصيته الماهوية أنه قطع زمني محدود حادث بين تعالق موجودين اثنين أو اكثر في ملازمة الزمن اللامحدود لهما ادراكيا..فالتزامن هو تحقيب زمني تماما كما نطلق على الثانية والدقيقة والساعة واليوم والاسبوع والسنة تحقيبات زمنية أي قطوعات زمنية تنتمي لزمن جزئي متعين وليس زمانا مطلقا مفتوح على اللانهائية.

التزامن حدث زماني نسبي لا يحكم الموجودات في كلياناتها الوجودية كما هو الحال مع الزمن الذي يحكم الموجودات والطبيعة والانسان في كلية غير ماهوية له ندركه بها ولا صفات خارجية له نتلمسها ونحس بها الا من خلال مدركاتنا لذواتنا وموجودات الحياة والعالم الخارجي من حولنا.الزمان ملازمة الوجود في سرمدية مطلقة ليس لها نهاية، والتزامن هو قطع زمني لموجودات متعالقة تزامنيا مع بعضها.

نسبية انشتاين والزمن

ما جاء به انشتاين في نسبية الزمان باعتباره قانون فيزيائي محكوم بالكتلة والسرعة والمسافة بالقياس الكوني (المعادلات الرياضية)، وأن الزمن يتباطأ كلما زادت سرعة الجسم أذا ما بلغت سرعته تساوي أو تزيد على سرعة الضوء بالثانية، (سرعة الضوء 301 الف كيلومتر / ثانية) وبذلك وضع انشتاين حدّا لما جاء به نيوتن في الزمان المطلق ايضا بالقياس العلمي الفيزيائي الكوني، أن الزمن لانهائي وسرمدي مطلق لا يمكن لعقولنا البشرية المحدودة الاحاطة به ومعرفته، لكننا عندما نقول الزمان مطلق في المنهج الفلسفي أنما نقصد هذه الاطلاقية خارج منطق مطلق الزمن في مفهوم علم الرياضيات الفيزيائية الكوني، فالزمن بالمعنى الفلسفي في وجود الانسان على الارض هو تحقيب زمني محدود في وسيلة العقل الانساني ادراكه الموجودات والعالم الخارجي من حولنا ليس بمنطق المعادلات الرياضية والفيزيائية وأنما بمنطق القطوعات الزمنية التحقيبية في ادراكنا الاشياء. بدءأ من الثانية وصولا للفصول الاربعة.

هذا التحقيب الزماني الارضي الذي ينتظم حياتنا أنما هو في حقيقته مطلق الوجود الانساني على الارض في الطبيعة وليس مطلق الزمان الكوني في النسبية العامة الذي لا يحد بحدود معرفية ولا ندركه في لانهائيته وسرمديته. نحن نعيش الزمن الارضي في نسبية تحقيبية زمانية تقوم على مطلق وجودي ارضي وليس مطلق وجودي كوني تحكمه النسبية العامة. والا أصبحت الفلسفة منطقا رياضيا ملحقا يقوم على فيزيائية المعادلات الرياضية وليس على فيزيائية الحياة الارضية.. بالحقيقة أننا نعيش الزمن بنسبية تحقيبية زمنية محدودة بحياتنا على الارض ولا نعيش الزمن باطلاقية سرمدية لانهائية كونية لا ندركها في وجودنا بالحياة.

أن اللاوعي يتجاوز الزمن.. سيجموند فرويد

اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة الانسان النفسية السلبية الساكنة التي لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمن العشوائي الذي يكتنفها، لعدم أدراك حالة اللاشعورأو اللاوعي للزمن من حيث الزمان وسيلة أدراك عقلي وليس موضوعا للادراك بل يدرك العقل الزمن حدسا أستدلاليا في معرفة غيره من أشياء الطبيعة والموجودات، ...

والانسان لا يعي الزمن أدراكا حسّيا شعوريا موضوعيا لا في اليقظة ولا في المنام... بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة، وليس هناك من أدراك شعوري لا يداخله الزمن، ولا قيمة حقيقية للزمان في حالة اللاوعي أو اللاشعور لسبب أنه لا يقوم بتنظيم مدركاته كما هو الحال مع الزمن في الشعور..

لذا فالزمان المنظّم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية عند الانسان من غير وعي به وأرادة وتكون الذات النائمة الحالمة متحررة من سطوة الزمان المنتظم عليها نهائيا، لأنه لا وجود للزمان الواقعي المحسوس كموضوع في أدراك العقل بل هو وسيلة العقل في أدراكه ألاشياء في حالة الشعوروالوعي الانطولوجي بها وليس في واقعها الحلمي الصوري التجريدي المبعثرغير المنظّم، والزمان يمتلك حضورا وهيمنة على الانسان في وعيه، ولا سيطرة من الانسان على الزمن لا في وعيه ولا في غير وعيه في حالة اللاشعور... من المفارقة أن نجد العقل يراجع اخطاؤه ذاتيا ويصححها بسيطرة العقل على توليداته التعبيرية باللغة والسلوكية بالحياة، في حين نفتقد أمكانية سيطرة عقل الانسان على مسار الزمن الذي يحكم عقل الانسان ولا يحكمه عقل الانسان.

وعدم حاجة عقل الانسان للزمان في حالة اللاوعي بسبب أن الزمن في حضوره بالاحلام وغياب الوعي الادراكي المنتظم عند الانسان يكون حضوراعشوائيا على شكل قطوعات استرجاعية من تداعيات الذاكرة لا قيمة واقعية لها بحياة الانسان الواعية بعد الاستيقاظ وربط تأويل أستشراف وقائع المستقبل في التنبؤ بما يحدث من خلال تداعيات حلم المنام أنما هي شعوذة تهم الباراسايكولوجيا ولا تهم العقل الانساني الذي يحترمه حامله.....

والزمان في حالة اللاشعور هو حالة من التداعي الصوري المتداخل في عشوائية مرور صور الاشياء مكانيا في ذهن الحالم التي لا ينتظمها أدراك الزمن لها كما هي في حالة الشعور الطبيعي فنرى تلك الحوادث الاسترجاعية بالاحلام هي قطوعات متقافزة ربما كانت منتظمة عقليا لكن لا تاثير لها في واقع حياة الانسان...،

أن الزمان الذي لا يدرك الاشياء بمعزل عن العقل أنما يدركها زمانيا فقط والعقل يدركها مكانيا فقط بوسيلة توصيل الزمن لها، ....هذا ما نتخيله يحدث في أدراكاتنا...في حين الحقيقة أن العقل يدرك الاشياء في تداخل زماني ومكاني مدرك بالحواس معا أولا.... لذا نجد أن الزمان يدرك الثابث والمتحرك مكانيا من الاشياء بآلية واحدة في لحظة واحدة هي خاصية أدراك الزمان للاشياء بعيدا عن فهم الادراك العقلي المكاني الثابت لها الذي يمنحه الزمان للعقل في أدراكه وجود الاشياء مكانيا وليس مجردا من الزمان الادراكي لها، ....كل موجود مكاني لا يدرك الا بمداخلة زمانية معه.

وفي هذه النقطة بالذات يكون للزمان أولوية أدراكية على العقل في أمتلاكه القدرة على منح العقل أدراك الاشياء مكانيا بوسيلة الزمن غير المدركة ماهيتها عقليا كموضوع بل كوسيلة أدراكية للاشياء، الزمان وسيلة أدراك عقلي ولا يكون موضوعا أدراكيا للعقل.

العقل لا يستطيع أدراك الاشياء في وجودها المادي مكانيا بغياب أولوية أدراك الزمان لها قبل الحواس والجهاز العصبي والعقل أو في تزامن واحد، هذا في حال فرضيتنا أنه لا وصاية للعقل على الزمن ولا تبعية للزمان وراء العقل. فكلاهما جوهران منفصلان يوحدهما الادراك العقلي للشيء. لا نعرف ايهما أسبق ادراكيا للشيء العقل أم الزمان أم كليهما عملية ادراكية واحدة لا فاصل بينها؟

والمدرك مكانا هو ما يمّثل كل وعي العقل بالشيء المدرك، ومدرك العقل مكانيا للشيء يسحب معه زمانية ذلك المدرك بل يفهمه العقل كوجود موضوعي مكاني مجردا من زمانيته التي لا يدركها العقل الا في حركة الموجود المكانية...والمقصود هنا زمانية الشيء في وجوده المادي وليس في وجوده الادراكي العقلي.. ادراك العقل لزمانية الشيء لا تطابق أدراكية الزمان لمكانيته تماما. زمن العقل ادراك مكاني بينما ادراك الزمن للاشياء ادراكا زمانيا حركيا مكانيا متجددا على الدوام .

وأدراك العقل يهمه معرفة الاشياء في وجودها كمواضيع للادراك ألمتعيّن أنطولوجيا مكانا وليس في زمانيتها المغيبّة عنه التي هي وسيلة العقل لادراك الاشياء في متخّيل مكاني فقط مجردا من حدس العقل حضور الزمن أو لا حضوره كملازم ضروري في جعل الزمان المدرك للعقل هو مدرك مكاني فقط كما يرغبه ويريده العقل...في مفهوم العقل انه لا وجود لمكان في غياب ملازمة زمنه.

فمثلا قولنا هذا كرسي فالعقل لا يدرك مكان الكرسي حسب التوقيت الزمني الساعة كذا من اليوم كذا مثل قولنا هذا كرسي الساعة الواحدة ظهرا!! ..الخ.فالزمن في ادراك الكرسي مكانا هو الحاضر الغائب في وقت واحد، فالكرسي مكان زمني ثابت للعقل متغير زمنيا الذي لا يحس بالزمن بنفس وقت الكرسي هو مكان زمني متغير مطلق للزمن الذي يلازمه في كل لحظة من ثباته أو حركته.

فمعالجة المدركات بالعقل لا يحتاج زمانية أدراكها بل يحتاجها كموضوعات موضوعية موجودة مكانا كمتعيّنات مادية في الذهن، في حين يعجزالعقل عن جعله الزمان موضوعا لادراكه بل الزمن هو وسيلة العقل في أدراكه وجود الاشياء في مكانيتها فقط...

كما لا يتسنى للعقل أدراك الشيء في زمانيته بل في مكانه المتعين والعقل لا يحتاج الزمن في تفكيره المجرد داخليا لكنه قطعا يحتاج مدركات متعينة مكانيا في الذهن تجري معالجتها كمواضيع للادراك منقولة له عبر الحواس في وعي الزمان لها وتنظيم أدراكها قبل وعي العقل بها.......وفي هذا تكون أسبقية الوعي الزماني للاشياء على مدركات العقل لها أنطولوجيا...أي لا يمكن ادراك الشيء مكانا من دون زمن يلازمه ماديا..

لماذا يحتاج العقل الزمان في أدراكه الاشياء مكانا؟ ألا يمتلك العقل آلية غير أعتماده الزمان في أدراكه الموجودات والاشياء مكانيا في وجودها الخارجي فقط بلا زمن يداخلها؟

الجواب على هذا التساؤل فيما نراه هو طالما لايكون أدراك الاشياء مكانا الا بوساطة وسيلة الزمان، لذا لا يكون بمقدور العقل الاستدلال في وعيه الاشياء وأدراكه لها كموضوعات بمعزل عن أدراكها الزماني، أذ لا يوجد أدراك عقلي للاشياء مكانا قبل أدراك العقل لها زمانا.... وهذا يتم في عملية التخارج الخارجية التي تربط الزمان والعقل في عملية الادراك للاشياء في وجودها الانطولوجي.

اشكالية تداخل العقل والزمان في عملية الادراك

ماذكرناه قبل أسطر يضعنا في أشكالية جوهرية هامة جدا، هو كيف يكون الزمان وسيلة أدراك تنظيمية للاشياء والموجودات قبل توصيلها للعقل، في وقت أن الزمان وسيلة أدراك عقلي لا يعرف العقل الادراكي كنهها ولا ماهيتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى الزمان فعالية ووسيلة أدراك ألاشياء وتوصيلها للعقل في وقت هو أي الزمان معطى قبلي أدراكي للعقل لا يعي ذاته وربما لا يعي ما يقوم به في عملية الادراك العقلي للاشياء؟ وربما يكون دور الزمان في أدراك الاشياء أفتراضا مغلوطا، وهذا غير صحيح ولن يكون لأستحالة أدراك العقل الاشياء بالحواس كموجودات مكانية فقط من غير ملازمة ذلك الادراك الحسّي زمن أدراكها....

وهذا يجعلنا نذهب ونلوذ الى ترجيح مفهوم كانط للزمان أنه معطى قبلي في الذهن سابق على أي وجود أو أدراك عقلي من دونه..... ومن هنا يكون الادراك الزماني للاشياء سابقا على أدراك الحواس والعقل للاشياء مكانا على الاقل في تراتيبية الادراك بدءا من الحواس وانتهاءا بالدماغ والذهن عبر منظومة الجهاز العصبي المعقدة، والزمان لا يعي الاشياء في أدراكها ألا بتوجيه مسّبق من العقل في الوصاية عليه وتوجيهه كوسيلة في الادراك لكنه يبقى الزمان لا يشكل موضوعا للادراك من قبل العقل أي لا يفهم العقل ماهية الزمان أكثر من الحدس الاستدلالي به في معرفة الاشياء...ويبقى الادراك الحسي للاشياء زمانيا سابقا أدراك العقل لها تجريديا مكانا، وهذا تحليل تراتيبي فكري فلسفي منطقي مجرد لا يلزم العلم الأخذ به لما تحتويه عملية الادراك من تعقيد يشترك به وجود الشيء والاحساس به وحركته وكذلك تداخل كل من الزمان والعقل عبر الجهاز العصبي المستقبل والموصل للادراكات الى المخ.

ويبقى التساؤل المحيّر قائما ومشروعا كيف تكون علاقة تواصل الادراك الزماني للاشياء في ملازمته العقل الادراكي وأيهما أقرب للتصديق لاوعي الزمان في الادراك أم وعي العقل في الادراك وأرتباط الوعي الزماني بوصاية العقل عليه ؟؟ وكيف يرتبط أدراك الزمان مع أدراك الحواس والعقل للاشياء في عملية واحدة؟؟ وأيهما له الأسبقية والاولية بذلك؟؟ وهل ممكنا للزمان أدراك الاشياء بمعزل عن وصاية العقل عليه وتوجيهه؟؟ لا نجد المسألة سهلة تنتهي بأجوبة فلسفية منطقية غير مهتدية بما يقوله العلم بهذا المجال الاشكالي الذي ربما لا يمتلك هو الآخر جوابا شافيا. لكن من المرجح ذهابنا انقيادية الزمن لوصاية العقل اذ خارج هذه الوصاية أي في تغليبنا اسبقية الزمان على العقل ندخل في فوضى .

وتبقى مهمة البت في علاقة الارتباط الادراكي للاشياء مابين العقل والزمان ووفق أية آلية تتم لا تستطيع الفلسفة ولا المنطق الاجابة الشافية عنه....كما وليس من مهامهما القيام بذلك وأنما تبقى الاجابة على عاتق ومسؤولية العلم الفيزيائي والطبي التخصصي في علم فسلجة الدماغ والجهاز العصبي، فالفلسفة في النهاية هي تجريد فكري منطقي لا تخضع منطلقاته ومباحثه الفلسفية الى نوع من التجريب المختبري أو التحليلي العلمي.

قد يكون من السهل علينا معرفة أكتشاف العلم كيف ترى عين الانسان والآلية الفسلجية المعقدة التي تجري بين الضوء والعين والدماغ والجهاز العصبي ومثلها مع بقية الحواس كالسمع والتذوق وغيرهما، لكن نجد من الصعوبة العلمية الأجابة كيف تتم عملية التفكير الوظائفي في الدماغ علميا قبل عجز الفلسفة الاجابة عن ذلك على حد معرفتي!؟ لا أعتقد العلم توصّل الى معرفة ألآلية التي يتم بها تفكير العقل ذاتيا بمواضيعه الادراكية داخل المخ وكيف يقوم بتخليق وتفسير وفهم مواضيعه المدركة قبل أعادتها الى العالم الخارجي مجددا على وفق تصوراته وتمثلاته.... وسأطرح وجهة نظري في مقاربة توضيحية لهذا اللألتباس الشائك.

يتبع في ج2

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي محمد اليوسفتجنّب الفلاسفة الخوض في مبحث معنى (الوعي) وأعتبروه من القضايا الفلسفية الشائكة الاشكالية المرتبطة بفلسفة العقل واللغة والتكوين البايولوجي النفسي للانسان، وعاد رد الاهتمام به مجددا كمبحث فلسفي معّقد مع ظهور الاهتمام بفلسفة اللغة وفلسفة العقل والمعنى في القرن العشرين. وأصبح البحث عن معنى الوعي فلسفيا لا يقل أهمية ولا أمكانية أنفصاله عن العناية بفلسفة العقل واللغة في نظرية المعنى.

اللغة والفكر لا يحضران سوّية ألا في محاولة تنفيذ أيعازات مصنع الحيوية البشرية في الاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا وأكتملت مهمة أعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكرجديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء.

بمعنى أن ادراك ووعي العقل للاشياء ليس لمجرد أدراكها ومعرفتها ولكن لهدف تخليقها من جديد حسب مقولات العقل التجديدية لها كما يذهب له كانط أن كل مدرك عقلي زمانا ومكانا هو موضوع خاضع لمقولات العقل في تخليقه ثانية بالاضافة وليس خلقه كموجود ثان من جديد فالفكر أعزل عندما يفهمه البعض هو خلق موجودات من عدم سابق على موجودات متعينة انطولوجيا..

لذا أرتبط الوعي قصديا بهدف مدرك يروم تحققه مسبقا وكان فرانز برينتانو (1838 – 1917) هو الفيلسوف الذي يرجع له الفضل الاول في بذره البذرة الاولى التي تجاوز بها مثالية الوعي عند ديكارت وأخذ بالوعي القصدي عنه تلامذته أقطاب الفلسفة الوجودية هوسرل وسارتر ومن قبلهما برجسون وأختتم هذا المبحث الفلسفي الاشكالي جون سيرل الفيلسوف الامريكي الذي تقوم فلسفته على الوعي القصدي حصرا في القرن العشرين الذي يرجع الفضل له في تثويره الاهتمام بالوعي وماهيته وكيف نعرفه.

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له فلسفة اللغة وجميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز أدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة وبينهما وبين الوعي أيضا رغم ترابطهم ثلاثتهم ضمن منظومة الادراك العقلي جميعا كحلقات لا يمكن أنفراط واحدة منها كي لا تسبب شللا تاما في أدراك العقل المنّظم للاشياء.

وهل الفكر واللغة والوعي تحمل مدلولات فلسفية منفصلة ومختلفة خارج منظومة العقل الادراكية؟ أذا كانت هذه المفردات تحمل منفردة مدلولات متباينة مختلفة في التعبير عن الموضوع الواحد بأكثر من أدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة والوعي والعقل هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟؟. بالحقيقة التي ليس بالمستطاع القفز فوقها هو نعم يكون التفريق بين الحواس والوعي والذهن والجهاز العصبي واخيرا العقل هو لمقضيات التفلسف المصطلحي على حساب منظومة العقل البايولوجية كما يعرفها العلم وليس الفلسفة.

هنا اللغة والفكر والوعي الملازم لهما في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر ولا الفكر عن الوعي، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك أستحالة أدراكية تعجيزية للعقل في أمتناع الفكر واللغة والوعي عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا انطولوجيا بوسيلة اللغة التي هي وسيلة نقل تفكير العقل بالاشياء والمواضيع التي يدركها..

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكرحسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر...وأن اللغة مبتدأ ومنتهى أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي كما هي عند ولفريد سيلارز(1912 – 1989)...جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية أدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم أدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل والوعي وأدراكهما الموجودات والاشياء.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل وعي العقل في تمّثلاته مواضيع الادراك المستمدة من الذاكرة والخيال وتكون اللغة متموضعة خارج العقل حين يكون الموضوع المعبر عنه ماديا في وجوده المستقل في عالم الموجودات والاشياء خارج العقل، عندها في كلتا الحالتين يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما.

فبهما(الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل الاثنتي عشر حسب كانط ببعضها وليس بمجملها حسب نوعية الموضوع المدرك عقليا ونوعية تخليقه ثانية بالفكر اللغوي بعد تمثله وعيا ادراكيا، وفي هذا يكون وعي العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة ليس من أجل معرفتها فقط كما ذكرنا سابقا بل بهدف تغييرها حيث يكون الوعي قصديا.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت بالذهن خياليا أي هو الوعي الصوري اللغوي الاستبطاني في تمّثل موضوعاته، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل في وعيه واقعيا ماديا وموجودا...

وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا بصور لغوية وخارجيا بوسيلة اللغة ايضا، أنما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة.. أي أن العقل والوعي واللغة والفكر يجمعهم جميعا (وحدة الموضوع) المدرك لشيء في زمن واحد...وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من موجودات العالم الخارجي المادي أو خيالي مصدره الذاكرة.

نذّكر أن فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.. بأعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين أدراكاته للموجودات والاشياء الخارجية. كذلك يكون العقل والوعي هما وجهين لعملة واحدة ايضا.

نأتي الآن الى معالجة أصل أمكانية فصل الفكر عن اللغة أو عن الوعي، على أنها أستحالة أدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في أستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها بالوعي العقلي، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها وهذا لا يتم من غير الوعي العقلي الادراكي لموضوعه وبغير ذلك لا تمتلك اللغة فاعلية التعبير عن الموضوع وكذا الحال مع الحواس في أدراكها الموجودات فلا قيمة لها من غير مرجعية أسنادها بمدركات العقل فالحواس تدرك المحسوسات على وفق منظومة الجهاز العصبي التي ترتبط بالدماغ الذي هو جزء العقل الفاعل بالادراك.كما أن الحواس لا تستطيع التعبير عن واقع الاشياء دونما وصاية العقل عليها وتوجيهها..

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر الصامت ذاته فقط ولا يحتاج اللغة تعبيرا خارجيا عن موضوع تفكيره الا على أنها جزء من الفكر كتصور لغوي فالوعي الادراكي يتمثل الموجودات بصور وعلامات ومرموزات اللغة التي هي جميعها تجريد ذهني يعبّر عن موجودات العالم الخارجي وعن موضوعات الخيال الداخلية..

وملازمة الفكر الذي هو وسيلة العقل في الادراك غير المنفصل عن تعبير اللغة فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة في ادراك العقل للاشياء والموجودات في العالم الخارجي.. خارج الدماغ أو العقل في وجود الاشياء مستقلة كموجودات، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه ثانية، فلا يدرك الموضوع أو الشيء خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر تواصليا من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.وبنفس الآلية يكون تفكير العقل بمواضيع الخيال في تمثُلها صمتا صوريا لغويا قبل نقلها لغة مكتوبة أو لغة مسموعة أو لغة صامتة كما في الفنون التشكيلية..

وعندما يتجسد ويتّعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة بخلاف مواضيع (الخيال والذاكرة) في الذهن، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة فيها، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة أدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون أدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة. وجميعها تشكل منظومة العقل الادراكية للاشياء المادية والمواضيع المتخيّلة عل السواء.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا... فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية أنشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

أن اللغة أثناء زمانية تفكير العقل بموضوعه صمتا استبطانيا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل... فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم عنه حضور اللغة الافصاحية عنه ومعه لكنه يلزم حضور الفكر وحده في صمت اللغة الصورية، والتفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه أشكالية تؤكد أستحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات أدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكرالصامت داخله...

وعي الوجود المطلق والموجود

يقسّم الفلاسفة الوجود بالنسبة لوعي وادراك العقل الانساني له الى نوعين :

الاول الوجود المطلق الذي لا يمكننا الاحاطة به والالمام بحدوده فهو لامتناه غير متعّين فيزيائيا، كما لا يستطيع الانسان بلوغ مدارج متقدمة من الوصول له وتحققه كما يفعل المتصوفة محاولتهم التقرّب درجات في معرفة الخالق كوجود الهي مطلق لا يستطيع الانسان مجاراته في القدرة والامكان، فالوجود المطلق مفهوم ميتافيزيقي غامض ليس سهلا على الوعي الادراكي فهمه أو حيازة بعض صفاته. وهذا المفهوم ذهب له باسكال.

وأشار سارتر الى أهمية تحقيق الانسان لوجوده الخالص الذي هو مطلق وجودي لكنه وجد فيه طريقا مسدودا.فتراجع بالاستعاضة عنه فينامينالوجيا بمفهوم الموجود بذاته (الماهية) أو الجوهر وكذلك في الموجود لذاته والاخرين.

الوجود المطلق بالنسبة للانسان هو وجود ميتافيزيقي غير متحقق فهو ليس مرتبة في الوعي يريد صاحبه بلوغها، بل هو ضياع الوعي في لا محدودية ولا نهائية الوجود المطلق، وفي تعبير هيجل عن المطلق الوجودي (والموجود يجب أن يكون شيئا مستقلا عنا تمام الاستقلال، وفيه لا تقوم الرابطة بيننا وبينه بطريقة ضرورية،وكل ما نستطيع أن نحدد به الوجود المطلق هو أن نقول أنه الهوية الخالصة والسوية المطلقة ).(نقلا عن عبد الرحمن بدوي عن هيجل ص 383 من مؤلفات الشباب).

ثانيا الموجود المحدود، أي الموجود بما هو موجود كائن متعين بالوعي الادراكي له. وهو الموجود الملازم لماهيته غير المدركة أو الوعي بها كموضوع، فالماهية عند الانسان ليست معطى ناجزا حمولة ذاتية وليست موضوعا مدركا من غير صاحبها وأنما هي سيرورة من التكوينات البنائية للذات الانسانية كجوهر يحتجب خلف صفاته الخارجية التي هي مدرك حسّي للغير بخلاف الماهية عن الصفات فهي مدرك شعوري للفرد في وعيه لذاته.

شعور الانسان بوجوده هو شعور بذاته كجوهر يحمل صفات وماهية مميزة عن غيره، ويكون أدراك صفاته متاحا لغيره دونما أدراك ماهيته من غيره نوعه الذي هو الانسان الاخر.فماهية الانسان تبلورتطوري بنائي مستمر من التكوين المحكوم بالزمن التغييري التراكمي والنوعي معا الذي هو الحياة التي يحياها الفرد كخاصية تميزه عن الاخرين.

هل شعور الانسان بذاته شعورا مكانيا أم شعورا زمانيا أم كليهما معا؟

كنا اشرنا في سطور سابقة حين يشعر الانسان بذاته كصفات وماهية، تكون الصفات الخارجية موضوعا ادراكيا له ولغيره من نوعه، ويكون الادراك زمانيا – مكانيا مشتركا لا يمكننا الفصل بينهما فما هو مدرك مكانا يلزم عنه أن يكون مدركا مكانا في نفس الوقت والمكان والعكس صحيح ايضا.

فالموجود المدرك مكانا هو ذاته الموجود المدرك زمانا، والموجود مكانا يتعذر ادراكه عقليا من غير ملازمة الزمنية لادراكه.ادراك الشيء ليس معرفة خلقه من جديد،فالشيء الموجود يحتفظ على الدوام بوجوده المستقل في عالم الاشياء ولا تطاله مدركاتنا ألا بتوفر وعي قصدي يستهدفه بالمعرفة ويبقى موجودا مستقلا في حال تغاضينا عن أدراكه ومحاولة معرفته.

أما ادراك الماهية خارج الادراك الذاتي فيكون غير متحقق، فالماهية هي غير الصفات البائنة خارجيا التي يطالها الادراك زمانيا ومكانيا ولا يطال الماهية فهي سيرورة من التكوين البنائي الذاتي للانسان الفرد لوحده دون غيره أي الماهية أو الجوهرالانساني ليست موضوعا لوعي ادراكي بل مفهوم تجريدي.

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 

علي رسول الربيعيالإسلام والعلمانية وتحديات حقوق الإنسان (5)

أن الواجب أو الضرورة الأخلاقية هي فعل مطلوب عقلائيا (وجوب عقلي بلغة الفقهاء) لأستنادة إلى قواعد أخلاقية تنبثق عن الطبيعة البشرية- أيً الى أسس القانون الطبيعي. يستلزم الواجب العقلاني نظامًا أخلاقيًا موضوعيًا قائمًا على الإرادة والعدل الإلهيين، ويكون تقييمه واضحًا للعقل الإنساني. وبالمقارنة مع الالتزام المستدل عليه عقلانيًا، تُعد العقيدة القائلة بأن إرادة الله هي المصدر النهائي لتصور للألزام الأخلاقي القائم على الوحي (الواجب الشرعي) كتعبير عن إرادة الله المطلقة. يقدم العقل الحر، وفقًا للمعتزلة ، مبرراً لتصور الواجبات المعتادة كجزء من تحقيق إرادة الله، وهي الضرورة المبنية على الوحي (واجب شرعي) من أجل أن يحقق الناس الفلاح في الدنيا والثواب في الآخرة. أن الفرق بين العقل والواجب القائم على الوحي هو أن الفعل القائم على الشعور الأخلاقي بالواجب، وفقًا للقرآن، هو جزء من التقليد والأمرالأبدي (سنة الله)، وهو القانون الطبيعي، وهدف للتفكير البشري؛ فبينما يعمل الأنبياء الواجب القائم على الوحي تجاه أتباعهم لتحقيق إرادة الله في الرخاء للبشر؛ يقوم العمل الأخلاقي على المعايير الأخلاقية والاجتماعية التي تكون عالمية وقابلة للتطبيق على جميع البشر كبشر. علاوة على ذلك، من حيث هدفه المتمثل في تعزيز العلاقات بين البشر، فإن الالتزام الأخلاقي يُستمد من أسس المعايير الأخلاقية التي تتبع الطبيعة البشرية الأساسية. ويؤدي العمل القائم على الوحي إلى اكتشاف الواجبات المطلوبة دينيًا وهي حصرية بالضرورة، من حيث أنها لا تنطبق إلا على العضوية داخل المجتمع الديني .

قد يدفع هذا الوصف  لهذين النوعين من الإجراءات الضرورية القارئ إلى اعتبار الالتزام الأخلاقي القائم على الوحي في الإسلام  أنه شامل ولديه قدرة على أن يكون شاملاً في المجال العام. والواقع، مثلاعلى ذلك نريد مناقشة، إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام القائم على افتراض أن الإسلام التاريخي، كنظام شامل، قادر على أن يصبح مصدرًا لحقوق الإنسان العالمية.

إن الآثار الدينية لإعلان القاهرة كما هو، وافتقاره إلى أي تعبير لاهوتي- أنطولوجي (وجودي) عن الشخصية الإنسانية وقدرتها على معرفة الصواب من الخطأ بناءً على العقائد- الكلامية (اللاهوتية) الإسلامية حول الطبيعة والكرامة الإنسانية لا تترك مجالًا كبيرًا لمنظِّر حقوق الإنسان لتقدير الإمكانيات التأسيسية في الإسلام للأنخراط في مطالب العلمانية بالعالمية بشروطها الخاصة. بمعنى آخر، وفقًا لإعلان القاهرة ، فإن الأسباب التي يجب على المسلمين إعمال حقوق الإنسان من خلالها في مجتمعاتهم هي أنهم مسلمون، وليس لأنهم بشر أولاً وقبل كل شيء. مثل هذا النهج الخاص لحامل حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف في إعلان القاهرة كبديل أو كرد فعل إسلامي على الإعلان العالمي يبطل حقًا زعمه بأنه عالمي، لأنه يخدم في المقام الأول أعضائه بوصفهم أصحاب حقوق مميزة- مهما كانت هذه العضوية كبيرة - دون الاهتمام بتقديم حقوق عالمية متساوية لجميع البشر الذين هم بشر بشريين. لابد أن يؤدي حديث جماعة الإيمان في هذه الوثيقة الإسلامية عن الخصوصية الذاتية ("هناك نحن، كمسلمين، الذين يؤمنون.. في التزامنا بإقامة نظام إسلامي")، إلى التمييز ضد أولئك الذين يقفون خارج حدود الجماعة. إن تقييمي النقدي لإعلان القاهرة أساسي، لأن لايمكن أن تأتي المهمة المتمثلة في تحديد الأساس الإسلامي لحقوق الإنسان إلا من خلال التحليل المضني لللاهوت العام (أو السياسي كما يطلق عليه البعض)  الإسلامي – ولأنه  مجال للتقييم النقدي للأداء السياسي لأولئك الذين في في السلطة – الذي بقى معلق في معظم العالم الإسلامي بسبب الحكم غير الديمقراطي الذي يعوق أي نقد لهؤلاء الموجودين في السلطة وأي محاولة لتنفيذ الحقوق الأساسية للمحكومين.

إن القضية الحاسمة التي تم تجنبها عمدا من قبل إعلان القاهرة هي البعد السياسي للتقييم اللاهوتي فيما يتعلق بالطبيعة البشرية والنظام العام العادل في التقليد الإسلامي التاريخي. لايرفض أغلبية  الفقهاء والقادة المسلمين التقليديين اعتبار البشر كائنات عقلانية فقط، وأنهم أيً البشر قادرون على توجيه انفسهم واستنباط معيارًا للحكم أستنادا الى عقلهم يتناسب وبيئتهم، ولكنهم    ينكرون أيضًا – طبقا للخلفية الأشعرية- أن هناك أي شيء شر بطبيعته أو خير بجوهره يمكن إدراكه بالعقل من قبل البشرولا يعتمد على إرادة الله. علاوة على ذلك، وربما أن رفض ادعاء الوثيقة بأنها عالمية هو إنكار أساس عقائدي لفكرة أن الإنسان يولد حرًا ويساوي جميع البشر الآخرين في الخلق.

سواء يمكن أن تكون الأخلاق اللاهوتية (الكلامية) الإسلامية بمثابة الأساس لخطاب حقوق الإنسان في الإسلام أم لا، فإن جوهر مشكلة العلاقة بين الإسلام وحقوق الإنسان يعود إلى اللامبالاة التاريخية بين الفقهاء المسلمين تجاه اللاهوت العقلاني وعلاقته بالأخلاق في الخطاب الديني الإسلامي. يوفر المذهب الأشعري القائل  بأن إرادة الله هي المصدر النهائي للأخلاق وأن هذه الشريعة هي تعبير عن السيادة المطلقة لله تبرير السيادة المطلقة للحكام المسلمين كمظهر لسلطة الله المطلقة. من ناحية أخرى، فإن عقيدة المعتزلة بالإرادة الحرة البشرية والفاعلية البشرية الأخلاقية تبرر المهمة الحقيقية للأخلاق وكذلك الضرورة الأخلاقية، أي فهم الحياة الأخلاقية وتأكيدها كمظهر للإرادة العقلانية الممنوحة للبشرية كجزء من إرادة الله بوصفها خلق هادف. بهذا المعنى، ترتبط الشريعة والضرورة الأخلاقية بالفضيلة التي هي مصدر القيم التي يمكن تمييزها من قبل العقل البشري. عنئذ توصف هذه الشريعة بأنها قانون طبيعي، ومبدأه الأساسي هو المساواة بين جميع البشر كمتلقين لطبيعة إلهية.

إن هذا الفهم للطبيعة المشتركة للبشر وقدرتهم العقلانية على أن يكونوا أخلاقيين يمكن نعتهم بانهم أمة واحدة (مجتمع واحد). وعليه لا يمكن أن يتعارض جوهر الإنسانية مع هذه الطبيعة المشتركة، والتي هي مصدر الخير الاجتماعي المشترك والمسؤولية البشرية تجاه الله في التمسك بها أيضًا. إن هذه البنية الأخلاقية  للمجتمع الإنساني من حيث الصالح العام في عقيدة العدالة عند المعتزلة هو ما يجب التأكيد عليه في الخطاب الإسلامي لحقوق الإنسان. من المؤكد لا يصف مبدأ العدالة المعتزلة طريقة تحقيق مجتمع عادل. لكنه يؤكد على القدرة والمسؤولية البشرية عن تأسيس نظام عام عادل حيث يتم احترام الأفراد على أساس عقلاني للضرورة الأخلاقية، والذي يستبعد المعاملة التمييزية وغير العادلة لشخص ديني أو ثقافي آخر.

ليس من الصعب معرفة لماذا لم يعامل الفقهاء المسلمون التقليديون الأخلاق الكلامية الأصولية (اللاهوتية) الإسلامية كنظام مستقل، متميز عن الأحكام الفقهية التي تتعامل مع أوامر الله ومحظوراته، ولماذا لم يطور الفقهاء المسلمون أبدًا نظرية منهجية للقانون الطبيعي بآرائه البارزة التي تعبر عن عقلانية مبنية على مبادئ لا تقبل الجدل، الفردية على اساس الحقوق الطبيعية للبشر وغير القابلة للتصرف، وتقديم برنامج للإصلاح الاجتماعي يدعو إلى إنهاء جميع المؤسسات السياسية التي ترتكب الظلم في المجال العام. على النقيض من ذلك، طرح العقلانيون المسلمون، علماء الكلام المعتزلة السنة والشيعة، أسس مثل هذه النظرية الإسلامية للقانون الطبيعي عندما شرحوا المعرفة الأخلاقية التي ادعوا فيها أن المعرفة الأخلاقية موضوعية ومكتسبة بشكل عقلاني من خلال العقل الحر. كانت هذه العقيدة الأخيرة هي الأساس للقيمة الأخلاقية الإنسانية والفردية الأخلاقية - وهما الشرطان الأساسيان للمطالبة بحقوق الإنسان العالمية.

تفترض اللغة الحديثة لحقوق الإنسان القدرات الأخلاقية للشخص مسبقًا في ممارسة حقوقه. وبالتالي، فإن قدرة  الشخص على التأثير الأخلاقي شرط مسبق لممارسة حقوق الإنسان. فبدون الممارسة الحرة للإرادة، لا يمكن أن يتوقع من صاحب الحقوق اتخاذ قرار أخلاقي وقبول المسؤولية عن أفعاله. يفترض الحق الأخلاقي القدرة على التصرف بما يتوافق مع القانون الطبيعي. إن أمتلاك الحق  يعني أن يكون لديك القدرة  التصرف بشكل صحيح بطريقة أو بأخرى؛ التصرف بهذه الطريقة هو ممارسة هذا الحق1.

تحتاج المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم إلى المشاركة بشكل جماعي ونشط في تعزيز القدرة البشرية على التصرف بما يتوافق مع متطلبات ما هو صحيح أخلاقياً من خلال تحدي الافتقار إلى هذه الحساسيات الأخلاقية بين أعضاء المؤسسة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي . أنا أعتبر ذلك تحديًا لحقوق الإنسان أمام الفقهاء المسلمين، الذين يبدو أنهم اتخذوا موقفًا سلبيًا تجاه الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان للأقليات غير المسلمة أو المنشقين في المجتمع المسلم داخل حدود الدول القومية الحديثة. هذا الموقف السلبي، في رأي، هو نتيجة القبول غير النقدي للموقف الأشعري الموروث فيما يتعلق بالطبيعة البشرية وتأييد الأطروحة القائلة بأنه لا يوجد مفهوم للقانون الطبيعي أو أي فكرة عن شخصية أخلاقية مستقلة في الإسلام.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

1- فمثلا بصفتي مالك منزل، لدي القدرة على تأجير جزء منه كلما رغبت في ذلك ؛ إذا كان هناك شخص أخر لايملك المنزل وقام بتأجيره فأنه بهذا  ينتهك القانون الأخلاقي، ولكن كيف أجعل ذلك الشخص الآخر يعترف بحقي  اذا لم تكن هناك أي سلطة تمنعه من التصرف بهذه الطريقة؟ وهنا تصبح الأعراف الاجتماعية مصدراً هاماً للتوافق مع القانون الأخلاقي ضمن حدود القانون الطبيعي. توفر القوة غير الرسمية للمجتمع الضغوط الأخلاقية اللازمة. ويعمل المجتمع ككل كحامي للحقوق من خلال تنظيم قواعد القانون أو الأخلاق بحيث لا يحصل أي عمل من الظلم دون لوم.

 

 

حسن عبود النخيلة إلماحة في تأملية الميتامسرح

إذا كانت الجدلية القائمة  بين النسخة والأصل، والحقيقة والوهم، والواحد والمتعدد، والساكن والمتحرك، والمرئي واللامرئي، أفكار تكرس الخاصية التأملية في الممارسة الميتامسرحية، وتؤسس لمنظومتها الفكرية، فإن للفكر السفسطائي مكانته في هذا الجانب، عبر تركيزه على المفارقة القائمة بين الحقيقي والوهمي بوصفهما يتولدان من منهجية (صدق الأضداد) التي يقوم عليها الفكر السفسطائي الذي (يجعل الرأي صادقاً وكاذباً في آن واحد . ذلك انك عندما تبدي رأياً حول موضوع ما فأن رأيك هو لك الواقع الصحيح وفقاً للمنهج، أما بالنسبة للآخرين ممن يقضون في الموضوع فهي أنهم يعارضون رأيك هذا، فلابد أن رأيهم هم أيضاً واقع صحيح وفق المنهج ذاته، فما هي النتيجة المترتبة؟ المترتب على ذلك هو انك ترتأي لنفسك آراء صحيحة واقعية وترتأي للآخرين آراء وهمية فرأيك إذن صادق وخاطئ)(1) .

وهكذا منحت الفلسفة السفسطائية الأحكام الفكرية مجرىً واسعاً من الحركة لا تحده حدود، وعبر تعدد صور الحقيقة بتعدد القائلين بها يتهيأ للوهمي عوامل حضوره  - بخاصة - وانه لم يعد هناك حكم ثابت تجاه المظاهر الحياتية، وحيال الموجودات . فلم يعد هناك من منطق عقلي لتقرير الحقيقة، وإنما المنطق الوحيد هو منطق الإحساس، وقد أكد هذا الأمر (بروتاجوراس)، وهو يقارن ما بين الإدراك العقلي والإدراك ألحسي فعلى حد قوله: (العقل الخالص من حيث انه يختلف عن الإدراك الحسي أو حتى من حيث انه معيار صحيح كالإدراك الحسي خرافة)(2) . 

وهذا الانسياق خلف الإدراك الحسي هو أساس التوالد في الحقائق اللامتناهية، المحكومة بكم من الذين يُعملون إحساسهم تجاه ذات الموضوع أو غيره .

وهو من قاد بالنتيجة أيضاً إلى فن تحرري جرئ مشحون بالتأمل، لا يحفل بالمقدس أو العقلي . ولعل المثال البارز على هذه النزعة السفسطائية التي اجترأت على تحطيم الثوابت الفكرية والدينية والدرامية، هو (يوربيدس)، عبر أسلوبه المسرحي الذي تجسد على الصعيدين البنائي والفكري، وقد برزت الخاصية التأملية الميتامسرحية، في اعتماده على جانبي الفن والواقع والحقيقة والوهم، اللذان يطرحهما في مسرحياته وقد تغذيا بشكل واضح بالمعطيات السفسطائية .

فعلى صعيد المجاورة بين الفن والواقع اعتمد (يوربيدس) حيلة الإله من الآلة* التي تمثل استخداماً فنيا ادخله (يوربيدس) عبر مجريات الحبكة الدرامية، ويتبدى عبر هذا الاستخدام لحظة الفصل بين الواقع والفن، إذ تتقاطع الخاتمة المتأتية من خلال الإله من الآلة مع المسار الواقعي الذي يقدمه (يوربيدس) لأنه يشكل علامة اقتحام للطبيعة التسلسلية المنطقية للحدث – ويبرز ذلك بشدة في مسرحية (ميديا) .

ويتبدى من زاوية ثانية التقاطع والجدل بين ثنائية الحقيقة والوهم، عبر الأيديولوجية التي تلجأ إليها شخصياته في تعاطيها لمفاهيم تنزع إلى خدمة إيديولوجيا الشك (فقد تأثر ببروتاجوراس وبروح التفكير الحر التي سادت عصره، ولذا ترى معالجته للأساطير مشوبة بالشك والنقد الهادم)(3).

إن هذا الشك بصوته المتعالي الذي يجعل من الأفكار، والقيم، والعقائد، محلاً للمراجعة والتأمل يساند في إبراز الخاصية التأملية الميتامسرحية، وهو يستند بمرجعياته وأصوله إلى المعطيات الفكرية لكل من (بروتاجوراس) و(جورجياس)، وعلى الرغم مما يجمع بين الاثنين من طابع فكري مشترك  لكنهما يختلفان في مديات الإقرار بموضوع نسبية الحقيقة، فمن ناحية (بروتاغوراس) يرى أن مقاليد البت بأمر الحقيقي واللاحقيقي تعود إلى الإنسان وحده فـ (الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، سواء ما تعلق منها بحقيقة تلك التي توجد، أو ببطلان تلك التي لا توجد)(4).

وفي ضوء ذلك يكون كل إنسان مشروعاً لإقرار الحقيقة، ومن ثم تتعدد الحقائق بتعدد أطرافها على اختلاف مستوياتهم، وتلغى سيادة المفهوم الثابت، أو الحقيقة الخالصة، وتبنى على الحقيقة الواحدة حقائق لا متناهية .

أما (جورجياس) فإنه يستبعد من الأساس الإمكانات المرتبطة بفكرة بلوغ الحقيقة، إذ يذهب إلى القول  بالحجج الثلاث الآتية: (1- لا وجود لشيء، و2- إذا وجد أي شيء، فلا يمكن معرفته، و3- حتى لو كانت المعرفة ممكنة، فلا يمكن مشاركة الآخرين بها)(5).

وما أفاد منه (يوربيدس) من خلال تأثره بالأفكار التي جاء بها كل من (بروتاجوراس) و(جورجياس) هو بروز نبرة الشك في نصوصه وتعاليها أحياناً، وقد تبدت في موقفه من الآلهة والإنسان، بخاصة، ونتج على أثرها تقديمه لشكل فني يمتاز بخصوصيته لكي يحقق انعكاساً يتواشج مع هذه الأفكار. في ضوء ذلك تكون البنية الدرامية المفككة – قصدياً- عند (يوربيدس) - بعدها منتجة للخاصية التأملية -، تكون هذه (البنية) – كما يصفها – (احمد عتمان) – (الوسيلة الأكثر ملاءمة لنقل أفكاره الجديدة، التي لم تكن منسجمة تمام الانسجام مع عصر الشاعر .)(6) .

هكذا تحقق هذه البنية الدرامية المفككة صورة للأفكار المفككة بالمقابل، وعبر جدلية الاثنين اللذين يتجاذبان قطبي الحقيقة والوهم، والفن والواقع، تسري الخاصية التأملية وتقوى في بعض من مسرحيات (يوربيدس) .

 

د. حسن عبود النخيلة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهــــــوامش

 

) د. محمد حسين النجم، السوفسطائية في الفكر اليوناني اطروحتها ونقدها، ط1 (بغداد : بيت الحكمة، سلسلة عالم الحكمة رقم (3)، 2008)،  ص 225- 226.

(2) المصدر نفسه، ص 119 .

* الاله من الالة : هو حل خارجي للعقدة المسرحية ذلك لانه يأتي في الغالب من خارج الاحداث، وقد وصفت هذه الحيلة المسرحية بـ " إله من الآلة " لأن الاله كان يظهر فجأة في نهاية المسرحية مرفوعاً على احدى الآلات ليكون فوق مستوى البشر والاحداث الارضية الجارية . د. احمد عتمان، مقدمة مسرحية : هرقل مجنوناً، تأليف:  يوربيدس (القاهرة : المركز القومي للترجمة، 2009)، ص 14.

(3) برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية : الكتاب الاول الفلسفة القديمة ، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، مراجعة : أحمد أمين ،(القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010)،  ص 147.

(4) أ.هـ . آرمسترونغ، مدخل الى الفلسفة القديمة،ترجمة : سعيد الغانمي، ط1  (بيروت : المركز الثقافي العربي، 2009)  ، ص 48.

(5) غنار سيكربك و نِلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة الى القرن العشرين ، ترجمة : د. حيدر حاج اسماعيل، ط1، (بيروت : المنظمة العربية للترجمة، 2012)  ص 93.

(6)  د. احمد عتمان، مقدمة مسرحية :  هرقل مجنونا، تأليف : يوربيدس، ترجمة وتقديم : احمد عتمان، ط2، (القاهرة : المركز القومي للترجمة، 2009)، ص 24 .

 

محمد كريم الساعديتنطلق قراءتنا في دراسة الشعبوية ومسرح الشارع في كون هنالك مقاربات سياسية أجتماعية بين المصطلحين على مستوى المنظور الحالي في ظل الثورات العالمية والتغيرات في بنية الشعوب الثقافية في أعقاب متغيرات في الشارعين السياسي والاجتماعي الذي بات يحكم الكثير من دول العالم اليوم، ومن هنا نتساءل هل يوجد علاقة بين المصطلحين على المستوى الاشتغالي في تحريك الافكار لدى الشعوب ؟، وهل أن الشعبوية كحركة سياسية قد وظفت كل الوسائل المطروحة ومنها الفنون، وخاصة مسرح الشارع في تنفيذ توجهاتها السياسية والأجتماعية ؟ والسؤال الثالث وهو المهم، هل أن كلا المصطلحين يستهدفان كسر الانظمة السياسية  والفنية؟ . هذه التساؤلات وغيرها من الطبيعي أن تطرح في ظل الظروف الراهنة وخاصة في الدول العربية التي اجتاحت أنظمتها السياسية الربيع العربي المدعوم بشكل فعال من بعض الحركات السياسية ومنها الشعبوية وأنواع الفنون ومنها مسرح الشارع الذي أصبح من أهم الحركات الفنية المواكبة لهذه الثورات .

من هذه المقدمة القصيرة لابدّ أن نستعرض كل من مفهوم  (الشعبوية)، ومفهوم ( مسرح الشارع) ومن ثم نبحث المقاربات بينهما على مستوى الفعل الأشتغالي في الفترة الحالية .

فالشعبوية:مصطلح (يشمل كل خطاب سياسي موجه إلى الطبقات الشعبية في بلد ما، وقائم على انتقاد نظامه السياسي ومؤسساته القائمة ونخبه المجتمعية ووسائل إعلامه)(1) . والشعبوية هي (أيديولوجية، أو فلسفة سياسية، أو نوع من الخطاب السياسي الذي يستخدم الديماغوجية ودغدغة عواطف الجماهير بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى العكسية. حيث يعتمد بعض المسؤولين على الشعبوية لكسب تأييد الناس والمجتمعات لما ينفذونه أو يعلنونه من السياسات، وللحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية).(2) وهذا المصطلح تعود نشأته إلى الفترة الواقعة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر،حين بدأت نزعتها في كل من روسيا القيصرية والولايات المتحدة. وكانت في الأصل تُطلق على حركة زراعية ذات ميول اشتراكية سعت لتحرير الفلاحين الروس حوالي 1870، وتزامنت مع تنظيم احتجاجات في الريف الأميركي موجهة ضد المصارف وشركات السكك الحديدية. وبحلول منتصف القرن العشرين أخذ هذا المصطلح صبغة وطنية واجتماعية حررته من الارتباط بالتوجه الاشتراكي، خاصة في منطقة أميركا اللاتينية ولا سيما الأرجنتين.(3)

وللشعبوية ثلاثة خصائص هي:-

- أنها نظام يعتمد سياسات تحظى بشعبية على المدى القصير ولكن غير مستدامة في المدى الطويل، وعادة في مجال السياسات الاجتماعية .

- ترتبط الشعبوية بتعريف ”الشعب” والذي هو اساس الشرعية .

- الشعبوية تتعلق بأسلوب القيادة. اذ اتجه القادة الشعبويون الى تطوير عبادة شخصية حول انفسهم مرتدين عباءة السلطة الكاريزمية التي تتواجد بشكل مستقل عن المؤسسات مثل الاحزاب السياسية. (4)

بماذا تتميز الشعبويَّة:

1- إنَّها ليست عقيدة سياسيَّة أو أيديولوجيا، وذلك لأنَّها لا تتجسَّد في نمط محدَّد أو نظام سياسي بعينه ولا في مضامين فكريَّة واحدة، وهي تختلف عن الحركات ذات الطابع الثوري التقليدي.

2- هي أسلوب جديد يتخذ شكل الاحتجاج وردود الأفعال تتبنّاه حركات متنوّعة تزعم انتسابها جميعها إلى الشعب والتعبير عنه.

3- وهي غالباً ما تكون خارج السلطة وحين تصل إلى السلطة تفقد في الغالب مبرّر وجودها، خصوصاً افتقارها إلى مشروع سياسي واضح ومحدَّد.

4-  زعمها تمثيل الشعب وحدها، وعلى نحو حصري، خصوصاً حين يتمّ ربط ذلك أخلاقيّاً بالشعبويين بصورة دائمة وغير قابلة للقياس، فمنافستها النخبة الفاسدة حسب رأي القائمين عليها .

5-  رفضها التعدّديَّة والاعتراف بالآخر، لأنَّها وحدها من يحقّ له تمثيل الشعب.

6- ارتباطها بسياسات الهويَّة، وهذه الأخيرة تتطلّب الاعتراف بشروط عادلة للعيش المشترك، لا سيَّما بتوفّر الأسس السليمة لفكرة المواطنة والاتحاد الطوعي لمواطنين أحرار متساوين.(5).

أما المصطلح الثاني الذي نريد أن نتناوله في هذا المقال فهو (مسرح الشارع)، وهذا المصطلح يعني: (به الفرجة المليئة بالضجيج والموسيقى والرقص والألعاب البهلوانية والقافية والإيقاع والأوزان والألوان، فهو بمعنى آخر: فرجة المسرح في أوسع معانيها وتعريفاتها، وهو كشيء .. يختلف عن مستوى المسرحية  ذات الفصول (...) المكسب الوحيد والفائدة التي يجنيها أصحابه تتوقف على الممثلين والمؤدين الذين يستطيعون بمهاراتهم احتجاز هؤلاء المتفرجين والاحتفاظ بهم حتى نهاية العرض)(6). وكذلك فإن مسرح الشارع يعني بـ(أداء مسرحي يعرض في الأماكن العامة المطلة على الهواء الطلق دون تحديد جمهور معين. حيث يمكن أن تكون في: مراكز التسوق، مواقف السيارات، الأماكن الترفيهية كالحدائق، زوايا الشارع. وتم مزاولة مسرح الشارع في البداية كنشاط من قبل الموسيقيين المتجولين، أو في المهرجانات والمسيرات، ولكن هو تحديدا يقام من خلال مجموعة من الممثلين المتميزين في مجال فنون الأداء)(7).

ما هي مبررات تقديم مسرح الشارع؟:

1- تتعدد دوافع فناني الأداء لاختيار الشارع لعرض مسرحية فنية، ومنها ثقافية كدعوة لنقل رسالة إنسانية عبر موجة من التفاعلات والحركة، معتبرين أن الشارع يقدم مساحة من الحرية أكبر في الطرح والتفاعل وخلق الجسور بين المؤدي والمتلقي.

2- ومنها مادية تستمد مرجعتيها من عدم قبول العمل المسرحي في المؤسسات الثقافية، لتعدد الشروط الاجتماعية والسياسية التي تلتزم بها هذه المؤسسات.

3- ومنها أن تكون النصوص محددة ضمن إطار يقيد الفنان أحيانا نحو إطلاق الفكرة.

4- كما يؤكد العاملون في المجال أن مسرح الشارع يلغي المسافة بين العرض والجمهور، ليترك هو في خلق أحداث المسرحية وتفاعلاتها.(8)

إذن، من خلال التعرف السريع على المصطلحين، نعمل في لاستخراج عدد من المقاربات بينهما في الرؤية والمقاصد في ظل الاشتغالات السياسية والاجتماعية لكليهما، وهذه المقاربات التي نعتقدها هي كالاتي:

1- يتحيز مسرح الشارع الى مفهوم مناؤة للسلطة والركون الى الشعب من أجل أن يكون أداة مهمة في مجال النقد وخاصة السياسي والاجتماعي ،كونه يعيب على كل الأساليب الفنية التي سبقته في مجال العمل المسرحي الذين لم يقدموا نقداً بصورة فعالة من خلال أعمالهم الفنية كونهم كانوا يركنون الى الاساليب الفنية غير المباشرة في النقد كون الفن لديهم قائم على مبدأ الابتعاد عن المباشرة والسطحية في تقديم الخطابات المسرحية، بينما أصحاب مسرح الشارع يقدمون النقد المباشر للسلطة بكافة أشكالها وهذه الخاصية هي ما تميز أصحاب هذا المسرح عن المشتغلين في المسرح التقليدي. وهذا التمييز يقترب من نفس مبدأ الشعبوية التي تعمل على نقد كل الأنظمة السياسية التي سبقتها كونها تنادي بمبدأ الذهاب بشكل مباشر الى اساليب النقد من أجل الإطاحة بها من خلال الشعب دون اللجوء الى وسائل غير مباشرة في النقد الساسي والإجتماعي ، وهو ما يعمله مسرح الشارع الى سحب البساطة الفرجوي من المسرح التقليدي بكافة أشكاله ومسمياته.

2- مسرح الشارع هو أسلوب قائم على مبدأ الاحتجاج السياسي والاجتماعي ضد السلطات بكافة أشكالها، وركونه الى الجماهير من خلال استهدافها في أماكنها المختلفة، وليس دعوة الجماهير الى قاعات مغلقة كما هو المسرح التقليدي، وكذلك تفعل الشعبوية التي ترى نفسها بأنها أسلوب جديد في شكل الاحتجاج وردود الأفعال تتبنّاه حركات متنوّعة غايتها الوصول الى الصيغ الاحتجاجية ، وهي تزعم انتساب جميع حركاتها وتحركاتها إلى الشعب والتعبير عنه وعن قضاياه .

3- الأماكن التي يقصدها مسرح الشارع هي أماكن عامة وليست أماكن مخصصة للمسرح كما في مسرح العلبة، وهو ما جعل كل الاماكن المفتوحة والعامة هي ساحة لعروض مسرح الشارع، كذلك الشعبوية هي لا تقصد الأماكن المخصصة للعمل السياسي في التعبير عن نواياها السياسية،كما في صناديق الاقتراع، أو المؤسسات الدستورية الأخرى فهي دائما ما تكون في الشارع مع الشعب وهو ما تريد أن تعبر عنه في سياساتها للوصول الى أهدافها السياسية .

4- مسرح الشارع يعمل على افتعال مناظرة بين الرأيين تكتب بحرفية كبيرة يكون هدفها النهائي كشف زيف أطروحات الطرف المناوئ وتفنيدها تفنيدا كاملا، والشعبوية تتخذ من هذا الاسلوب في طرح القضايا التي من شأنها أن تجعل الطرف الآخر يقع في نفس المناظرات لكن ليس من خلال محطات التلفزة أو وسائل الأعلام الأخرى، بل من خلال الشارع ذاته الذي يستند اليه مسرح الشارع في ذلك .

5- يزعم مسرح الشارع هو أفضل من يمثل قضايا الشعب من خلال قربه من قضاياه السياسية والأجتماعية، وهو من يمثلهم كون المسرح التقليدي هو مسرح النخبة ، كذلك فإن الشعبوية زعمها تمثيل الشعب وحدها، وعلى نحو حصري، خصوصاً حين يتمّ ربط ذلك أخلاقيّاً بالشعبويين بصورة دائمة وغير قابلة للقياس، فمنافستها نخبة فاسدة.

6-  مسرح الشارع على الرغم أنه لا يعارض المسارح الأخرى علنا، لكنه يرفض كونها تنافسه في قربه من الجماهير والعمل على تحمل قضاياه، وهنا يكون رفض التعددية الفنية والثقافية أمر وارد في هذا المجال، كذلك الشعبوية فيه ترفض التعدّديَّة والاعتراف بالآخر، لأنَّها تعتقد بأنها وحدها من يحقّ لها تمثيل الشعب.

7- كل من مسرح الشارع والشعبوية يعملان على الأسلوب العاطفي في تعاملهما مع الجماهير ومن أجل الوصول الى غاياتهم السياسية والأجتماعية، جاعلين من العقل وأساليبه وحججه مرتبة ثانية في مقاصدهما، وبالتالي الركون للعاطفة في أثارة الجماهير هو من الخصائص المهمة في عملهما مع الجماهير.

8- خاصية الارتجال في مسرح الشارع هي من النقاط المهمة التي يتميز بها العمل المسرحي المقدم في الشارع، كما أن هذا المبدأ في السياسة تعمل عليها الشعبوية في تعاملها مع الأحداث التي تريد زج الجماهير بها في صراعها مع الأنظمة التي تعتقدها فاسدة، وتتبع نخب سلطوية فاسدة أيضاً.

9- السياسة ونقدها هي الهدف الاسمى التي تعملان عليه كل من مسرح الشارع والشعبوية، وكأنهما أصبحا من أولوياتهم في العمل الجماهيري مبتعدين عن الاساليب والمعايير التي أوجدها كل من العمل السياسي التقليدي، والفني التقليدي في مجال النقد .

إن هذه المقاربات بين المصطلحين وغيرها التي لا يسعها هذا المقال أن يشملها كلها، فكل من المصطلحين يريدان أن يكونا الأقرب الى الجماهير والأقرب الى تطلعاتهم في مجال السياسة والفن، وكلاهما يعملان على تحطيم القيم التي يستند اليها الطرف المقابل لهما، فالأنظمة التي تقابل الشعبوية تمتلك مؤسسات تحدد اليات عملها من خلال المؤسسات الدستورية والسلطات الشرعية التي تعد النافذة الرسمية التي يتم من خلالها التغيير على العكس من الشعبوية التي لا تعد هذه المؤسسات هي الوسيلة الحقيقية للتغير، بل الجماهير هي الحاكمة في طبيعة هذا التغيير من خلال الشارع والاحتجاجات، كذلك مسرح الشارع الثائر على كل القيم الفنية والجمالية السابقة والتي يرى فيها ترف ليس الا، كونها لا تتفاعل مع الجماهير، بل مع النخبة التي أغلبها تكون فنية مغلقة على نفسها، وهنا يعمل القائمون على مسرح الشارع على هدم هذه القيم لصالح بناء طريقة تواصل جديدة مع الجمهور من خلال الشارع ذاته بمسمياته وأماكنه المختلفة .

 

أ.د محمد كريم الساعدي

......................

الهوامش

(1) موسوعة الجزيرة: الشعبوية.. تيار سياسي يرسم ملامح مستقبل الغرب،

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/conceptsandterminology .

(2) موقع معرفة: الشعبوية، https://www.marefa.org/,

(3) موسوعة الجزيرة: نفسه .

(4) فرانسيس فوكوياما: ما هي الشعبوية ؟ ترجمة: أ. م. د. حسين أحمد السرحان، https://annabaa.org/.

(5) د. عبد الحسين شعبان: الشعبويَّة والديمقراطيَّة، https://www.mominoun.com/.

(6) ألان ماكدونالد، ستيفن ستكلي، فيليب هوثورن: مسرح الشارع، ترجمة: عبد الغني داود، أحمد عبد الفتاح، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999، ص12.

(7)  مسرح الشارع.. رسالة ثقافية ارتجال فني يحاكي الحياة اليومية:صحيفة البيان الإمارتية، صفحة:فكر وفن،  23 رمضان 1441هـ - 16 مايو 2020 م .

https://www.albayan.ae/five-senses/culture .

(8) مسرح الشارع.. رسالة ثقافية ارتجال فني يحاكي الحياة اليومية:صحيفة البيان الإمارتية، صفحة:فكر وفن،  23 رمضان 1441هـ - 16 مايو 2020 م .

https://www.albayan.ae/five-senses/culture.

 

 

علي محمد اليوسفبداية: هل يستنفد الوعي ذاتيته الادراكية في تموضعه بعالم الاشياء كما هو الشأن مع الفكر واللغة في تموضعهما التعبير عن موضوع ادراكي للعقل؟

أجابة بول ريكور المقاربة عن تساؤلنا هو (أن الوعي يستنفد ذاته بتاسيس وحدة المعنى والحضور في الموضوع، والوعي ليس وحدة الشخص بذاته ولذاته،ليس لأحد الاشخاص،فالانا أفكر هي فقط صورة لعالم هو بعامة مجرد مشروع لموضوع)1.

نفهم من هذا أن الوعي الفردي يتحول في تموضعه الى فعالية جماعية ويفتقد ميزته أنه فعالية فردية كما في طبائع علاقة الوعي الانفرادي بالاشياء. والوعي الفردي حين يستنفد ذاتيته في تموضعه بالشيء يصبح ويتحول الى وعي جمعي في التلقي الاستقبالي للشيء من بعد التعبير عنه لغويا. اذن الوعي بشيء معيّن هو خاصية فردية منفردة وهذا لا يمنع تكرار فرديتها مع عدد لا محدود من الناس. لكن عندما يتحول الوعي من ادراك تجريدي لشيء يموضعه العقل في عالم الاشياء كينونة مستقلة بصفات عقلية معينة عندها يتحول الوعي من تجريد ادراكي الى جزء من موضوع مادي ويستنفد الوعي ذاتيته كوعي مجرد. وكذا نفس الحال مع اللغة في فقدانها خصوصيتها الفردية حينما تتحول الى تموضع في الاشياء.

ونقول حين يستنفد الوعي ذاتيته الادراكية العقلية في موضعته بشيء كموضوع مدرك عقليا فهو يفقد الذاتية فكريا تجريديا بمعزل عن فيزيائية أرتباطه العضوي الفسلجي بالعقل التي لا تفنى ذاتيته المدركة في موضعته الاشياء في التعبير عنها بالفكر واللغة ويصبح الوعي بالشيء هو في تموضعه التاويلي جماعيا ولا يكون الوعي بعد موضعته وعيا منفردا يهم شخصا بعينه دون غيره..

الوعي جوهر تجريدي لافييزيائي من حيث مصدره التخليقي المرتبط به العقل كجوهر فيزيائي بالمعنى البيولوجي.. الوعي يتموضع في عالم الاشياء بلغة التجريد والفكر المجرد معا بنفس وقت الوعي هو غير عضو بيولوجي يتبع المنظومة الادراكية العقلية الفسلجية التي هي بمجموعها تمثل العقل  كجوهر مادي خاصيته الماهوية الوعي الذكي في توليد الافكار والتعبير اللغوي، فالوعي يبقى ارتباطه بمنظومة العقل تجريدا لغويا في المعنى هو أقرب علاقة  بالفكر واللغة التعبيرية منه الى قربه من العقل كجوهر بيولوجي مادي. اذا كانت مقولة ديكارت تذهب الى أن العقل جوهر منفصل عن الجسم ماهيته التفكير، فهذا يسمح لنا القول أن تفكير العقل لا يأخذ حّيز التنفيذ حين لا تكون ماهيته اللغة.

وفي الوقت الذي نجد العقل يحمل خاصيتي التجريد والبيولوجيا معا فأن الوعي والفكر واللغة تبقى حلقات تجريدية في منظومة العقل الفيزيائية . فيزيائية العقل تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ في تخليقه الوعي الذهني للاشياء. والوعي والفكر واللغة تجريد ماهوي لجوهر العقل المادي في كل الاحوال.

ويبقى تبادل موضعة الوعي للاشياء دونما أنفصاله عن منظومة الادراك العقلي البيولوجية أو التجريدية.. فحيثما يكون العقل تكون ملازمة الوعي القصدي له ولا يتبّقى أثرا للوعي بعد تموضعه المادي في الشيء كمثل اللغة المتموضعة في الشيء الذي عبّرت عنه فهي تصبح لغة القاريء المتلقي وليس لغة العقل المجرد في التعبير قبل موضعة العقل لها بالاشياء ..

الوعي في تموضعه بالشيء أنما يتوّسل اللغة ولا أختلاف هنا في تموضع اللغة بالشيء عن تموضع الوعي لنفس ذلك الشيء فاللغة التموضعية تبقى وعيا مفتوحا مفصحا عن احتمالات تاويلية تواصلية على مستوى تعدد القراءات. تموضع الوعي يتلاشى بالشيء لأنه نشاط فردي متموضع مثل تموضع اللغة بالشيء،،، وتموضع اللغة بالشيء تبقى تاويلا جماعيا في التلقي المفتوح المتعدد رغم أنبعاثها الصادر عن الوعي الفردي لشخص بعينه دون غيره..

من الخطأ تصورنا انعدام معنى الوعي في تموضعه واستنفاد ذاته باشياء العالم الخارجي وفي مواضيع الادراك داخل النفس على أنه تجريد وعوي ذهني ادراكي فائض عن حاجة منظومة الادراك العقلي التي تحتويه ولا أهمية ضرورية له في شان حضوره عن غيابه.يذهب بعض الفلاسفة مع خطأ أعتبار الوعي لا يمثّل شيئا على الاطلاق والوعي بنظرهم مصطلح تداولي لا معنى محدد له شأنه شأن العقل غير الفيزيائي فهو لا يمكننا تعريف ماهيته.ما جعل جلبرت رايل يطلق عبارته الصادمة العقل ليس شيءا على الاطلاق. نفس تموضع الوعي التجريدي يطال تموضع تجريد الفكر واللغة ايضا بتعالقهما بالوعي والعقل فكليهما يفقدان ذاتيتهما في موضعتهما في موضوع الادراك العقلي بخلاف العقل فهو جوهر لا يفقد ذاتيته في تموضعه الادراكي للاشياء تجريدا صوريا كما هو الحال مع الوعي واللغة. العقل ليس واسطة تموضعية بذاتها كما هو الحال مع الفكر والوعي واللغة فهي وسائل تموضع تفكير العقل ولا ينوبون عنه لا في الادراك ولا في التموضع.

طاقة العقل التوليدية للفكر واللغة تستنفد نفسها في تموضعها لغويا في موضوعها، ويبقى العقل جوهرا فيزيائيا في علاقته بالجسم وليس علاقته بتجريدات الفكر واللغة في أستخدام العقل لهما وسيلة تعبير واحدة مندمجة مع بعضها. وتصبح الاضافات لمعنى الموضوع أو الخطاب أو النص فعالية جماعية في التلقي الاستقبالي وليست فعالية فردية كما في تموضعها  لاول مرة في نص أو موضوع أو شيء.

الوعي توسيط ضروري وحاجة ماسّة تتوسط بين العقل والاشياء لا يفقد حضوره الدائم تجريدا في ملازمة العقل وسيلة موضعته الاشياء ويبقى الوعي في كل الحالات في لا تموضعه عالقا في فضاء التفكير العقلي وهو لا يكتفي بمهمة توسيل تجريدي نقله لمدركات العقل كونه حلقة منظومية غير بيولوجية في جهاز العقل الادراكي. الوعي تجريد لغوي هادف لمعنى معيّن يكون تموضعه بالاشياء بوسيلة اللغة في التعبير.

فالوعي تفكير لغوي حضوري تجريدي يلازم العقل سواء أستنفد ذاتيته التعبيرية التواصلية في المنظومة العقلية الادراكية في تعبير الفكر واللغة وموضعة الاشياء به كوسيلة تنفيذ اجراءات العقل الصادرة عنه، أم بقي تفكيرا صوريا تجريديا لغويا صامتا معلقا بالذهن غير متموضع بالاشياء، ويبقى حلقة حاضرة على الدوام في تلك المنظومة العقلية كتجريد يتوسط كلا من العقل والموضوع في تعبير اللغة والفكرعن موضوعات الوعي الذهني. وكما يتوسط الانسان كجوهر مادي - روحي بين الطبيعة والله، يتوسط الوعي بين العقل واللغة. وبين العقل والاشياء ايضا.

ميزة الوعي في ملازمته العقل هو في لامادية الوعي في وقت هو وسيلة العقل في التعبير عن مدركاته التجريدية للاشياء. ويفقد الوعي الفردي تجريده في تموضعه بالاشياء، ويبقى محتفظا بتجريده كما هي خاصية اللغة التجريدية في أفصاحهما(الوعي واللغة) عن ماهية العقل المادية في التفكيرالادراكي الهادف.

أهم ميزة للعقل أنه منظومة ادراكية مزدوجة وتركيبة متناقضة كما تبدو لاول وهلة فهو يجمع بين الجوهر المادي البيولوجي كدماغ من جهة والجوهرغير المادي غير البيولوجي التجريدي كنظام لغوي ماهيته التفكير من جهة أخرى، يحمل العقل صفتين متداخلتين هما أنه اولا جوهر مادي بيولوجي من ناحية ارتباطه بالمنظومة التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ عبرالجملة العصبية الناقلة والمصدّرة للافكار واللغة.، والصفة الثانية للعقل المتكاملة المتداخلة مع الصفة الاولى التي ذكرناها هي أنه جوهر لا فيزيائي ولا مادي فهو تجريد في تعامله مع الفكر واللغة كتعبير تجريدي عن المواضيع والاشياء المادية والخيالية على السواء، والعقل مادي حين يكون جوهرا بيولوجيا فيزيائيا يرتبط بالجسم في منظومة الحواس والجملة العصبية... والعقل جوهرا لا مادي حين يكون تعبيرا تجريديا بالفكر واللغة عن الاشياء. ميزة العقل كجوهر مادي ماهيته الفكر واللغة والوعي ومجموع هذه الفعاليات العقلية هي تجريدات علاماتية واشارية صادرة عن جهاز بيولوجي فيزيائي عضوي يشّكل جزءا من تكوين جسم الانسان هو الدماغ أو العقل بمفهومه التجريدي اللافيزيائي.

فكيف يصدر ما هو مادي من تجريد  لغوي واع قصديا عن جوهر لا مادي هو العقل والعكس صحيح كيف يصدر ماهو تجريد لا مادي عن عقل هو جوهر مادي بيولوجي مسؤول عن الجسم بكل شيء؟؟ مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته التفكير تعبير أختزالي ناقص فالعقل ليس كل ماهيته وجوهره التفكير بالوعي والفكر واللغة.

ويعبّر جوزيف ليفني عن هذه الاشكالية أن ميزة العقل هو الوعي ولمّا كان الوعي هو غير فيزيائي فكيف يستطيع العقل اللامادي ادراك المادي من الاشياء والمحسوسات في العالم الخارجي؟ وأطلق على هذه الاشكالية مصطلح (الفجوة التفسيرية ) التي بقيت بلا حل.

الوعي في الوقت الذي نتصوره فيه جوهرا توسيليا متميزا متعالقا بجوهر العقل المتعالي على الاشياء والواقع والمتعالق بها لا يكون تجريدا خارج موضعة ذاته في الاشياء، بل هو يكتسب ماديته شأنه شأن الفكر واللغة في تموضعهما في موضوع أو خطاب أو نص، ويبقى الوعي والفكر واللغة خاصية ذكية شغّالة ملازمة للعقل تجريديا على الدوام، بمعنى هذه الماهيات الثلاثة لجوهر العقل (الوعي، الفكر، واللغة) تكتسب ماديتها في موضعتها في الاشياء ولا تكتسب ماديتها في صدورها عن العقل القائم على التجريد فقط بعلاقته التعبيرالصوري اللغوي عن مدركاته .

والوعي تجريد لا يعمل في فراغ خارج منظومة العقل الادراكي. الوعي توليف عقلي من نوع خاص في تعاليه على الموضعة الادراكية حين يصبح الوعي كما هو شأن الذهن العقلي جوهرا فيزيائيا بيولوجيا لا تستنفده اللغة في تعبيرها عن مضمونها التوصيلي وعن محتواها التموضعي، وبتعبير مقارب لريكور ( فاذا كان الانسان – المقصود الوعي العقلي – توسيطا بين الوجود والعدم، فهو اولا يجري توسطات في الاشياء، والتعالي هو شرط كل تحول من اسطورة الخليط ومن بلاغة البؤس في الخطاب الفلسفي)2، بالحقيقة أن اللغة تسنفد ذاتيتها وتستنفد وعي العقل التجريدي معها في موضعتها للاشياء.

الوعي بهذا المعنى هو الجوهر الذي يتوسط العقل ومدركاته (المواضيع) لكنه لا ينوب عنه في الوظيفة التعبيرية المتموضعة.. كما هو الانسان الذي يتوسط الوجود والعدم، ولا يمكن لوعي الانسان القيام بالتوسيط بين الاشياء دونما تحقق وعيه الاشتراطي في تعاليه على التموضع في الوجود قبل أن يفقد ذاتيته الخاصة في تذويته الاشياء من خلال موضعته لها وتموضعه فيها (وفائض هذا التذويت التموضعي يكون مجرد تفكير متعال لا يسمح لبلوغه مستوى العقل)3.

من المهم التذكير أن خاصية الفكرواللغة هما توليد عقلي في كل الاحوال ومختلف الظروف.الوعي ليس مصدر العقل في التفكير بل هو وسيط في موضعته تفكير العقل بواسطته.وكل فائض في تذويت الوعي المتموضع بالاشياء هو فائض متناسب نسقيا في تعبيراللغة... وتعالي الوعي على موضعته لموضوعه لا يكون مجرد تفكير لا يبلغ مستوى العقل، من حيث أن الوعي هو فكر متموضع لغويا تجريديا وهو أنابة عن تموضع عقلي بالاشياء قبل تموضعه الشيئي فكريا في متعينات الادراك. تموضع الوعي يكون ماديا كما هو تموضع الفكر واللغة فهما يصبحان ماديان في تعبيرهما عن الاشياء ولا علاقة تبقى لهما ولا وصاية عليهما خارج المعنى اللغوي والمعرفي.

توليفة الوعي العملي

التوليف العملي حسب بول ريكور هو الانتقال (من انا افكر الى انا اريد، انا ارغب، انا أقدر، هذا هو المملوء الضخم الذي نريد أدماجه بالفكر)4.

مادية الوعي المتموضعة في الاشياء أنما تقوم على تنفيذ أرادة الوعي الذاتية وانتقاله من التجريد اللفظي الى مرحلة تذويت الاستيعاب الكلياني لما ترغبه الذات في تحقيقها الارادة الواعية بمقصودها، بول ريكور لا يعيرأهتماما ويتغاضى عن التفكير الوعوي التجريدي بقوله (تجريد الوعي هو تجريد المرشد، الخيط الموصل الذي أعطاه لنفسه، فالتفكير المتعالي – الذي هو وعي تجسيدي – هو تفكير انطلاقا من الشيء، تفكير بمقتضيات أمكان تحقق موضوعية الشيء، وعالم الاشياء ليس سوى البنية التجريدية لعالم حياتنا)5.

تأرجح وعي الارادة الذاتية أن يكون متعاليا تجريديا يحمل خصوصيات الفكر واللغة اللذين يمليانهما على واقع العالم الخارجي ينطلق حسب فهم ريكور من الاشياء المتموضعة وعويا تذويتيا من حيث يعتبر ريكور العالم هو بنية تجريدية في حياتنا، قبل أن يكون عالما ماديا نستقي منه معاييرنا ونمتحن فيه اراداتنا وقدراتنا في محاولتنا تطويعه للفهم والاستيعاب أن لم يكن محاولة فهمه على الاقل. لم يعد الوجود الواقعي لاشياء العالم الخارجي يمتلك أدنى قيمة مثيرة تجلب أنتباه الاهتمام الفلسفي التي تتمحور اليوم في الفلسفة الاولى هي نظرية المعنى في اللغة.

نرى من المهم التنبيه الى مسألة وردت عرضيا في تعبير ريكور السابق على أن الوعي بالشيء مستمد من نتاج وجود الشيء باستقلالية أدراكية، ولا يعتبر ريكور الوعي هو قاسم مشترك وحصيلة تكاملية بين مثيرات الحواس ومفاعيل الدماغ الاسترجاعية عن موقف العقل من الشيء المدرك.. الوعي ليس رد فعل يأتي عن طريق الاحساسات بالشيء بمعزل عن فاعلية التداخل مع العقل أو الذهن تحديدا.

فوعي ما تدركه الحواس لا قيمة حقيقة له من غير أستقبالية الذهن العقلي لما تدركه الحواس وينقله الوعي الادراكي للعقل، بهذا المعنى لا يكون الوعي منتجا عقليا صرفا ولا يكون رد فعل نقل الاحساسات الصادرة عن الحواس للذهن فقط ايضا بل هو الحصيلة الجدلية التي تتوسط بين الفعاليتين اللتين ذكرناهما.صحيح تعبير ريكور العالم هو بنية تجريدية في حياتنا وقوله هذا هو مرجعية عدم أستعداده الفلسفي الهورمنطيقي مغادرة أننا ندرك ونفهم ونفسر العالم من حولنا على أنه بنية تجريدية بالوعي والفكر واللغة وخارج هذه البديهة ليس هناك من عالم جدير أن يثير أنتباهنا معرفته، وبغير هذه الوسائل ليس هناك قيمة نعتد الاخذ بها أن العالم وجود مادي سابق قبلي يمنحنا الوعي والتفكير العقلي في محاولة فهمه، ويقر ريكور في عبارته السابقة أولوية العالم من حولنا على بعدية التفكير به وليس قبلية أدراكه ومعرفته على أسبقية وجوده.

بضوء ما مررنا به نتساءل: هل من الممكن أن يكون تعالي الوعي المرتبط بالواقعي للاشياء هو مصدر تعالي التفكير المجرد عليها؟

لا نعتقد الاشكالية القائمة بين تعالي الواقع على الفكر أوبالعكس تعالي الوعي على الواقع من السهولة التي يراد حسمها في ظل مغادرة الفلسفة لكلاسيكية الطروحات التي أستنفدت نفسها في تبادل أرجحية الفكر على الواقع أو العكس وأيهما يؤثر تاثيرا أنقياديا أو قياديا للاخر.قضية مستحكمة عالقة في تاريخ الفلسفة اثارها هيجل ليستلمها من بعده تلامذته كلا من وجهة نظر خاصة به (ماركس، انجلز، فيورباخ، وشتيرنر) وعدد لا يحصى من بعدهم.

فلاسفة البنيوية والتفكيكية وأخيرا التاويلية التي ينتمي لها ريكور جميعهم يجمعون على أن وعي المعنى اللغوي الفكري أصبح مبتدأ ومنتهى فهمنا العالم من حولنا، وهذا يقودنا حتما الى تلك التناسبات المتعاكسة في تعالي الوعي ليس بمقايسة أهمية الوقائع والاشياء بل في مصادرة تلك الاهمية. وكيف لنا فهم تعبير ريكور بضوء ما أشرنا له سابقا قوله (نسق الفلسفة ليس هو تكرار الحياة،تكرار الوجود والممارسة العملية – براكسيس – أو أي ما نرغب قوله)6.

هذا النسق السكوني في الفهم التاويلي الفلسفي لدى ريكور في محورية نظرية المعنى بعيدا عن الانغماس في ظواهر الحياة اليومية الذي ترى فيه التأويلية الفلسفية تكرارا مملا لتصنيع الحياة في رتابتها التكرارية في الممارسة العملية اليومية Praxes أنما هي بالحقيقة مرجعية بحث تاويلي (هرمنطيقي) لايجاد نظام وعوي لغوي يبني ويشيد نسقا تراكميا من البحث في ملاحقة المعنى داخل اللغة وليس الاهتمام بمنهجية واقعية مفروضة من خارجها. وهذه الملاحقة التتابعية في البحث عن المعنى داخل موضعة اللغة في النص ليست على ارتباط جدلي في موضعة اللغة الواقع في تجديد صنع الحياة.بول ريكور لا يقيم وزنا فلسفيا للواقع اليومي المعيش الرتيب كما وليس من مهام الفلسفة المعاصرة اليوم بعد التحول اللغوي التعبير عن حياة الانسان الاستهلاكية المتكررة التي تتوزعها رغبة العمل اليومي وأشباع الغرائز البيولوجية للانسان. قضايا الانسان في فلسفة العقل واللغة أصبحت خارج اهتمامات مباحث الفلسفة اليوم التي تقوم بمجملها على نظرية المعنى.

ما يهمنا هنا أن تموضع الوعي اللغوي في عالم الاشياء أنما هو اندثار الوعي في موضعة الشيء وتلاشيه كجزء منه وليس كطاريء خارجي يستهدفه في هذا التذويت داخل موضعة اشياء العالم الخارجي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش

1- بول ريكور، فلسفة الارادة – الانسان الخطاء، ت عدنان نجيب الدين ص 85

2- المصدر نفس الصفحة

3- المصدر نفس الصفحة

4- المصدر ص 84

5- المصدر ص 88

6- المصدر ص89

 

حاتم حميد محسنبما ان كل من الرواقية وتعاليم ابيقور هما من بين أبرز الحركات الفلسفية في الفترة الهيلستينية، فان العديد من الباحثين اهتموا بالمقارنة بين الاثنين. كلا الحركتين يجب النظر اليهما كطريقة في الحياة او كمرشد للسعادة (Gr.eudaimonia). بالنسبة لايبيقور، تهتم الفلسفة اساسا بـ "صحة الروح وبالتالي السعادة" (Diognest Laertes X,122). وبالمثل، الرواقي (ماركوس اوريليوس) أعلن صراحة ان الفلسفة وحدها يمكن ان ترشدنا خلال التغيير المستمر في الوجود الانساني (التأملات، 11، 17)، بينما شيشرون كتب بان "الفلسفة هي فن الحياة"(On The Ends,111,4).

هذا العرض القصير يقدم نظرة عامة للاختلافات والتشابهات الهامة بين الحركتين ورؤيتهما لكيفية العيش الجيد. سنقارن اولا بين رؤية الايبيقورية والرواقية للمتعة والفضيلة، بعدها سنناقش اهمية موضوع الموت لدى كل من المدرستين.واخيرا سنوضح كيف ان افكار كلا الحركتين احتوتا على عناصر اجتماعية واخرى غير اجتماعية في أحكامهما على الكيفية التي يجب ان يرتبط بها المرء بالكائنات البشرية الاخرى.

المتعة والفضيلة

اذا كان ابيقور والرواقيون يتفقون على ان الفلسفة طريقة في الحياة، فهم يختلفون في مواصفات الحياة السعيدة. ابيقور يُنسب له الادّعاء الشهير بان المتعة وحدها معيار للحياة الجيدة، حيث ان صحة الروح والحياة السعيدة هما عبارة عن ممارسة أعظم متعة . لكن رؤية ابيقور المفرطة هي اكثر تعقيدا مما تبدو عليه اول وهلة. هو يؤكد اننا يجب ان نكون حذرين ونختار فقط المتعة التي لا تستلزم عودة الألم (بالاضافة الى اننا احيانا يجب ان نختار الألم لانه يعطينا أعظم متعة). النشاطات مثل الطعام الفاخر والشراب تستلزم متعا تعود بالألم، هذه العادات تغرس رغبات لا متناهية بالإسراف غير الضروري والذي يترك الروح قلقة وفي حالة عدم توازن(1).

لو اخذنا هذا في الاعتبار، فان المتعة هي فكرة معقدة بالنسبة لايبيقور. سلبيا، تُفهم المتعة كغياب للألم، ايجابيا، تُفهم المتعة كاشباع للرغبات الاساسية وتحقيق هدوء البال. هذا يُعد هاما بالنسبة لرؤية ابيقور لسعادة الانسان. ابيقور يرى ان الانسان السعيد يمتلك التعقل والحكمة، والذي يعني اساسا انه قادر على الحكم الصحيح حول ما سيجلب له المتعة الحقيقية وما سيجلب له القلق والألم غير الضروري. لكي تكون سعيدا يعني ان تكون حذرا، ولكي تكون حذرا يعني ان تعرف طبيعة المتعة.

هذه الاعتبارات هامة اذا اردنا فهم رؤية ابيقور للفضيلة. ابيقور يعرّف قيمة الفضيلة تبعا لعلاقتها بالمتعة. باختصار، هو أشار الى ما يمكن ان نسميه "الفضيلة المشروطة بالمتعة" hedonistic conditional of virtue. هذه الشرطية تقول اذا كانت الفضيلة لا تجلب لنا المتعة، فنحن يجب ان لا نتصرف وفقا لها. لهذا، ابيقور يرى الفضيلة فقط كقيمة أداتية: من حيث المبدأ، التصرف الفاضل يكون عقلانيا فقط بمقدار ما يجلب لنا المتعة، الفضيلة فعلا تجلب لنا المتعة. طبقا لابيقور، الفضائل "بطبيعتها مرتبطة بالحياة السارة" ولذلك فان العيش الفاضل يكون شرطا ضروريا للعيش بسعادة.

اما في الرواقية، لكي نفهم رؤيتها للمتعة والفضيلة، نحن يجب ان نفهم تمييزها بين 1- مستوى الخير والشر 2- المستوى غير المختلف.

1- مستوى الخير والشر يمكن فهمه وفق الاسلوب الرواقي التالي:

أ- الشيء يكون خيرا فقط اذا كان يساهم في تشكيل السعادة

ب- الشيء الوحيد الذي يشكّل السعادة هو الفضيلة

ج- لذلك، فان الشيء الوحيد الجيد هو الذي يستلزم الفضيلة.

عبر اتّباع هذا المنطق، فان الشيء يكون شرا فقط عندما يتعلق بمنع السعادة ومنع ممارسة الفضيلة (بمعنى، ان الشيء يكون شرا فقط عندما يتعلق بالرذيلة). كذلك، والاكثر اهمية، الفكر الرواقي يعرّف الفضيلة باعتبارها تعتمد حصرا على الذهن. فكما يكتب سينيكا: "السعادة تسكن في مكان واحد فقط، في الذهن ذاته"(Letter LXXIV). بكلمة اخرى، فضيلة الفرد لا تقع في الكيفية التي تجسّد بها الافعال ذاتها في العالم وما تؤدي اليه من نتائج ملموسة مرتبطة بظروف معينة.بدلا من ذلك، الفضيلة تقع حصرا في نوعية الذهن الذي يتبنّى تلك الافعال.

2- المستوى غير المختلف indifferent يُفهم مباشرة في ضوء العلاقة مع مستوى الخير والشر. اي ان كل شيء لا يستلزم الفضيلة ولا الرذيلة (كلا النزعتين اللتين يُعرّفان حصرا بواسطة الذهن) هو غير مختلف. هذا يعني ان اشياءً مثل الصحة والثروة والصداقة والمرض والموت يجب ان لا تُصنف كخير او شر. كل هذه الاشياء ليست تحت سيطرتنا، انها خارجية بالنسبة لأذهاننا ولفضيلتنا، ولذلك هي لا فرق فيها لكي نعيش حياة جيدة(2).

لكي نلخص، وفق الاستدلال المنطقي أعلاه من الواضح انه بالنسبة للرواقي فقط الأحداث او الظواهر التي تتعلق بفضيلة فرد معين، او خصائص ذهنه، يمكنها ان تحمل خصائص الخير والشر. لاشيء آخر، لا شيء خارجي لذهن الفرد يمكنه ان يحوز على مكانة هذه الخصائص.

مما تقدم نستطيع ملاحظة الاختلاف بين أخلاق الايبيقوريين والرواقيين. الرؤية الاخلاقية الثورية للرواقيين ليست الفضيلة وسيلة مثلما تدّعي شروط المتعة الايبيقورية. بدلا من ذلك، الفضيلة هي استحقاق باطني واضح. اخلاق الرواقيين ليس فيها عناصر متعة. فيما وراء هذا المدخل، يعرّف الرواقيون المرح (ابتهاج عقلاني) كمضاد للمتعة، ويعرّفون الحاجة wish (شهوة عقلانية) كمضاد للرغبة desire (Diogenes Laertes V11,116).

بناءً على هذا، فان المتعة والرغبة يُعرّفان كحالات عاطفية غير جيدة.لكي نستنتج، كلا الايبوقورية والرواقية يسعيان الى روح صحية سلمية. ابيقور من خلال غياب الألم والاضطراب من الخوف والرغبات غير الضرورية، الرواقيون من خلال الروح المنظّمة بانسجام، المحكومة بالعقل والتصرف بفضيلة. اختلاف واحد حاسم هو في ان ابيقور، طالما يعتبر المتعة الشيء الوحيد للقيمة الداخلية، فهو يضع الخير والشر في مستوى الاحساس:"كل الخير والشر يتكونان في الاحساس". بالمقابل، الرواقيون يضعون الخير والشر في مستوى الفضيلة القائمة في اذهاننا : الخير والشر يتشكلان فقط من الموقف الذي نتخذه تجاه الاحاسيس. هذا اختلاف هام بين الاثنين.

2- الموت

كل من الايبيقوريون والرواقيون وجدوا الموت موضوعا ضروريا للفلسفة. ابيقور كتب بان "الموت هو حرمان من الإحساس" والذي يعني ان الموت ليس شيئا من الألم الكبير لنا، الموت هو ببساطة لا شيء بالنسبة لنا. كذلك، سينيكا كتب ان "الموت هو تحرّر من جميع المعاناة"، بينما ايرليوس يقول لا يهم ما اذا كان هناك اله ام لا، الفاضل لا يجب ان يخاف من الموت .

وفق المنظور الايبيقوري، عندما نتوقف عن الخوف من الموت ونفهم انه لا يعني شيئا بالنسبة لنا، فان التوقّع المقلق لآلام الموت والرغبة المقلقة للخلود سيختفيان.

وفي المنظور الرواقي، الموت ليس شرا لأنه جزء من عمل الطبيعة وان الرجل الحكيم سوف لن يسمح لنفسه ان يكون لاعقلانيا بالخوف منه . هذا القبول بالموت هو تحرير في كلا الرؤيتين. انه ينهي مرض الخوف ويقدّم فرصة للعيش في الحاضر بمتعة تامة و فضيلة. لكي تتعلم العيش الجيد هو ان تتعلم الموت الجيد (Diogenes Laertes X,126).

في كلا الرؤيتين، ادراك طبيعة الموت هو علامة حقيقية للانسان الحكيم . في فهم الموت بالطريقة اعلاه، يصبح الحكيم متفوقا على مصيره وقدره. طالما يعيش الحكيم الايبيقوري، هو يبقى حذرا ويعرف ان المتعة يمكن انجازها بسهولة من خلال الحياة البسيطة وان الموت ليس بالشيء الذي يُخاف منه. "في توقّع اي شر قبل ان يتحقق"، الرواقي الحكيم يتحمل كل جروح الهجمات من الحظ ويُبقي روحه منظّمة مع ذهنه المتحرر المحكوم بالعقل .في هذا التفوّق – من الكفاية الذاتية، فان سعادة الحكيم تبدو كمن يشبه الاله. لدى كل من الايبيقوريين والرواقيين(3)، يرحب الشخص الحكيم بالموت ولكن بينما لايزال ينتظره، هو يعيش بكفاءة طبقا لعلاجات الفلسفة.

3- الكائن الاجتماعي

اخيرا، سوف نتطرق باختصار لواحدة من الافكار الهامة في كلا المدرستين. وهي فكرة الكائن الانساني ككائن اجتماعي. كل من الرواقيين والايبيقوريين يطورون ما نسميه عناصر "اجتماعية" pro-social و "غير اجتماعية" non-socialفي وصفهم للكائن الانساني ككائن اجتماعي.

في الرواقية، نجد عناصر اجتماعية هامة في العقيدة بان كل الكائنات الانسانية تشارك بجماعة بسبب حقيقة ان كل الكائنات الانسانية هي كائنات عاقلة- وهي العقيدة المركزية لدى الرواقية. وبدقة اكثر، ان البشر بطبيعتهم يميلون للتعاون والعمل مجتمعين- هم ينجزون وظائفهم في العالم عندما يعيشون من خلال هذه الميول الاجتماعية (Meitations 11,1).

الرواقيون ينظرون الى العدالة في ضوء القانون الطبيعي. طبقا لهم، العدالة توجد في الطبيعة، "الكل هو اجتماعي"، ومهمتنا ان نعيش طبقا لهذه العدالة الطبيعية.

الصداقة الحقيقية – كما يعتقد ارسطو مثلا – ليست شيئا يسمح به الرواقي المتحفظ لنفسه. هذا العنصر جرى التعبير عنه بوضوح في كتابات سينيكا: هنا، الصداقة ليست ذات قيمة هامة ابدا لأن الرواقي يجب ان يكون قادرا على العيش بسهولة بدون صديق ويجب ان يكون قادرا على عمل اصدقاء مع اي كائن انساني( Seneca, Letter IX). الرواقي هو غير اجتماعي بهذا المعنى لدرجة انه سوف لن يستثمر نفسه عاطفيا في فرد آخر. عبر اعتبارات عقلانية بشأن فضيلته الخاصة والعقل المشترك مع كل انسان، فان كل فرد هو بالاساس نفس الشيء بالنسبة له.

بالضد من هذه وفي طريقة اجتماعية واضحة، يصف ابيقور الصداقة بالرغبة العالية – المودة في هذه العلاقة هي متعة عظيمة.مع ذلك، طبقا لايبيقور، الصداقة تبدأ عادة كعلاقة منفعة ومزية متبادلة بعبارات سايكولوجية اجتماعية، ولكن اذا كانت ناجحة فانها سوف تنتهي بارتباط اكثر عمقا كـ "علاقة جماعية". بكلمة اخرى، الانسان عادة يبدأ الصداقات لأنه يريد "الحصول على شيء ما منها"، ولكن اذا تطورت الصداقة بطريقة صحية فان الأطراف تدعم هذه العلاقة لأنها لها قيمة عميقة بذاتها. كذلك، وبالضد من الرواقية، يصف ابيقور العدالة بكونها نتيجة العقد – هي ظاهرة اجتماعية، ليست ظاهرة طبيعية اساسية.

غير ان عنصرا غير اجتماعي يبرز لدى ابيقور عندما يقول "نحن يجب نحرر انفسنا من سجن الشؤون العامة والسياسة" لأن هذا سوف يزعج هدوء أرواحنا. بالضد من الرواقيين (الذين يؤمنون انه من طبيعتنا ومن الطبيعة عموما ان نكون سياسيين)، ابيقور ينظر فقط للصداقة الودية باعتبارها مفيدة حقا للحياة الجيدة – وان الروابط الاجتماعية الجيدة تعتمد على خصوصيات هذه المودة.وبالعكس، المُثل الرواقية العالمية تعطي الصداقة سمة البناء غير الشخصي: الصداقة ليست استثمارا عاطفيا وانما بناء احتياطي. لكي نلخص، الرواقية تجد الانسان اجتماعيا بالطريقة التي يشترك بها في روابط سياسية عالمية – لا انسان غريب عن الآخر. بالمقابل، ابيقور نصح الناس بالانسحاب من السياسة وان يطوروا بدلا من ذلك صداقات ودية معينة. الفرق الجوهري بين المدرستين يبدو يعتمد على رؤيتيهما لما اذا كان الانسان يطور "علاقات خاصة"بين كل شخص و آخر(ابيقور يعتقد بهذا بينما يرفضه الرواقيون). بكلمة اخرى، السؤال يبدو هل نحن نقصر اجتماعيتنا على افراد معينين، او لجماعة تضم كامل النوع الانساني؟

استنتاج

الآن لاحظنا كيف ان الرواقية وافكار ابيقور يلتقيان ويختلفان في مظاهر المتعة والفضيلة والموت والمسألة الاجتماعية. هذه المقارنة تسلط الضوء على بعض السمات المميزة للمدرستين، وتوضح خصائص كل خط من التفكير. ان تعاليم المدرستين في الحياة الجيدة لا تبدو قديمة اليوم، وكذلك النقاشات حول ما اذا كانت"الحياة الجيدة" هي ان تُفهم حسب ارتباطها بالمتعة (كما يقول ابيقور) ام ليس وفق المتعة (كما يقول الرواقيون)، او بان نكون مواطنين عالميين ضمن العالم (كما يؤكد الرواقيون) او ان نكون افراد محليين بروابط خاصة (كافكار الابيقوريين).

 

حاتم حميد محسن

................................

الهوامش

(1) ابيقور يقسم منهجيا الرغبات الى طبيعية وضرورية وتافهة. النقطة الجوهرية هي اننا لكي نصل الى المتعة، والروح الصحية وهدوء البال يجب ان نسعى فقط الى الرغبات الطبيعية والتي هي ايضا ضرورية، هذه يمكن اشباعها وسوف تجلب للروح أعظم متعة وسعادة.

(2) الأشياء غير المختلفة يمكن تقسيمها ايضا الى اشياء مفضلة (التي يجب اختيارها) واشياء غير مفضلة (يجب رفضها). ضمن الصنف الاول نجد اشياء مثل الصحة والصداقة وما يسميه الرواقيون "الافعال الملائمة" appropriate actions. الافعال الملائمة هي افعال يتم اختيارها بسبب طبيعة المرء او موقعه او واجباته – مع ذلك لاتزال هذه الافعال لا تهم الفضيلة او السعادة مباشرة .

(3) بالطبع، الكثير يمكن ان يقال عن المتعة والفضيلة والموت . فمثلا، العديد من افكار الرواقيين لم يتم التطرق لها في هذا الورقة مثل مناقشة وظيفة الـ hegemonikon او الجزء العقلاني من الروح وكذلك المُثل او قيمة العيش بفضيلة والتي هي تماما مثل العيش وفقا للطبيعة.لكننا نؤكد ان اخلاق كلا المدرستين هي طبيعية، بمعنى انهما تؤكدان على ان السعادة يمكن تحقيقها فقط طبقا للطبيعة وظروفها.

 

زهير الخويلدياستهلال: "لسوء الحظ أصبح من الواضح اليوم أن التكنولوجيا لدينا تجاوزت إنسانيتنا"

ألبرت أينشتاين ولد في 14 مارس 1879 في أولم، فورتمبرغ (الإمبراطورية الألمانية)، وتوفي في 18 أبريل 1955 في برينستون، نيو جيرسي (الولايات المتحدة)، وهو فيزيائي نظري. نشر نظريته عن النسبية الخاصة في عام 1905 ونظريته عن الجاذبية المعروفة باسم النسبية العامة في عام 1915. ساهم بشكل كبير في تطوير ميكانيكا الكم وعلم الكونيات، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1921 عن تفسيره لل التأثير الكهروضوئي N 2. عمله معروف بشكل خاص لعامة الناس بالمعادلة E = mc2، التي تحدد التكافؤ بين كتلة وطاقة النظام. يعتبر اليوم أحد أعظم العلماء في التاريخ، وتتجاوز شهرته المجتمع العلمي. إنه شخصية القرن العشرين حسب التايمز الأسبوعي. في الثقافة الشعبية، يرتبط اسمه وشخصه ارتباطًا مباشرًا بمفاهيم الذكاء والمعرفة والعبقرية. كما يعتبر ألبرت أينشتاين أحد أعظم العلماء في القرن العشرين، غير العلم إلى الأبد بفضل مفاهيمه الثورية التي غيرت نظرتنا للعالم. إذا كان الفيزيائي الأمريكي من أصل ألماني معروفًا بشكل رئيسي بصيغته الشهيرة E = mc²، فإن أحد أعظم إنجازات أينشتاين هو القدرة على تصور الأفكار العلمية المعقدة من خلال تصور سيناريوهات في الحياة الواقعية. هذه السيناريوهات، المسماة "تجارب الفكر"، تستند إلى أحلام أينشتاين، الذي طور في سن السادسة عشرة نظرية بعد أن تخيل نفسه يلاحق شعاع من الضوء. لعبت هذه التجربة الفكرية دورًا رئيسيًا في تطوير مفهوم النسبية. على عكس ما يسمى بالفيزيائيين التجريبيين الذين يراقبون ثم يحاولون الفهم، كان أينشتاين مهتمًا أولاً بالنظرية والحساب، من أجل تطوير الأفكار التي تم التحقق منها بعد ذلك بالملاحظة. هكذا ولدت تجارب فكره الشهيرة. "هو المصطلح الشهير الذي حدد فيه ألبرت أينشتاين المحاكاة العقلية التي قادته إلى أعظم اختراقاته العلمية. خلال أحلام اليقظة للمراهقين، تصور الفيزيائي السرعة المحدودة للضوء من خلال تخيل نفسه أشعة الضوء المتداخلة. بعد ذلك افترض أن هذه السرعة متطابقة لجميع المراقبين، وهي فكرة مركزية لنظرية النسبية الخاصة. للبدء في بناء النسبية العامة، نظريته عن الجاذبية، مثل نفسه في الفكر في مصعد متحرك. في كلتا الحالتين، صاغ نظريات جديدة باستخدام مهاراته في التمثيل العقلي لتجاوز حدود التجارب المعملية. لم يكن آينشتاين أولًا ولا آخرًا يفعل ذلك، لكن نجاحاته كانت حاسمة في تأسيس تجارب الفكر كحجر الزاوية للفيزياء النظرية الحديثة. اليوم، يستخدمه الباحثون بانتظام لصياغة نظريات جديدة أو لتعقب التناقضات أو عواقب النظريات الموجودة. ومع ذلك، فإن استخدام هذه التجارب الفكرية يثير أسئلة مقلقة. في البحث عن نظرية التوحيد الكبير التي من شأنها التوفيق بين الوصف الكمي للعالم المجهري والنسبية العامة لأينشتاين، التي تنطبق على المقاييس الكبيرة، فإن الأفكار الأكثر شيوعًا اليوم لا تدعمها أي ملاحظة. هل يعتقد وحده وحده لدعمهم؟ ما مدى موثوقية الخصومات المنطقية؟ أين الخط الفاصل بين الحدس العلمي والفكرة الخيالية؟

تجربة شعاع الضوء:

"النظرية هي عندما تعرف كل شيء ولا شيء يعمل. الممارسة هي عندما يعمل كل شيء ولا أحد يعرف لماذا. لقد جمعنا هنا النظرية والتطبيق: لا شيء يعمل ... ولا أحد يعرف لماذا! "

بدأت تأملات أينشتاين في الضوء في سن 16. سأل نفسه السؤال التالي: ماذا سيحدث إذا طاردت شعاعًا من الضوء يتحرك عبر الفضاء؟ وفقا له، إذا نجحت في التقاط الضوء، فستتمكن من مراقبة الضوء المتجمد في الفضاء. ولكن بحكم التعريف لا يمكن تجميد الضوء. أدرك أينشتاين أخيرًا أنه لا يمكن إبطاء الضوء، وسوف يكون دائمًا في حالة حركة، يتحرك بالسرعة الخاصة به. لذا فهذه معلمة أخرى يجب تغييرها، وهذه المعلمة هي الوقت. أدت هذه التجربة إلى تطوير نظرية النسبية.

مفارقة القطار:

"الخيال أكثر أهمية من المعرفة. المعرفة محدودة لأن الخيال يشمل العالم كله، ويحفز التقدم، ويجلب التطور. "

حتى عام 1905، العام الذي شهد ظهور نظرية النسبية الخاصة، اعتبر العلماء أن الزمان كوني. مفارقة قطار آينشتاين تدحض صحة هذه النظرية وتبين أن الوقت يعتمد على الإطار المرجعي الذي يتم قياسه فيه. وبالتالي يعتمد الزمان بين حدثين على النظام المرجعي المستخدم. تخيل أنك تقف في القطار، بينما يقف صديقك على المنصة، يراقبك تمر. إذا أصاب ضوء طرفي القطار، فقد يرى صديقك أشعة الضوء في نفس الوقت. ولكن عندما تكون داخل القطار، فأنت أقرب إلى شعاع الضوء الذي يتجه إليه القطار، لذلك سترى هذا الشعاع أولاً لأن الضوء على مسافة أقصر. أظهرت هذه التجربة الفكرية أن الزمان يأخذ بعدًا مختلفًا لما يتحرك وما يقف. تظهر نظرية أينشتاين أن الزمان والمكان نسبيان، وأن التزامن غير موجود.

التوائم ومركبة الفضاء:

"إن أجمل وأعمق تجربة يمكن أن يتمتع بها الإنسان هي الغموض."

تجربة الفكر هذه هي اختلاف لتجربة مماثلة من قبل آينشتاين، المهتم بتدفق الوقت. تخيل أن لديك توأم، ولدت في نفس الوقت الذي أنت فيه بالضبط. ولكن لحظة ولادة توأمك، يتم وضعه على الفور على مكوك فضائي ويتم إطلاقه إلى الفضاء للسفر عبر الكون، كل ذلك بسرعة الضوء. إذا كنت تعتقد أن نظرية النسبية لأينشتاين، فسوف تتقدم أنت وتوأمك بشكل مختلف. يمر الوقت ببطء أكثر عندما تقترب من سرعة الضوء، وبالتالي فإن عمر توأمك أبطأ منك. عندما يعود إلى الأرض، ستتقاعد، في حين أن توأمك بالكاد خرج من سن البلوغ.

تجربة الصندوق:

"ضع يدك على موقد لمدة دقيقة ويبدو أنها تستمر لمدة ساعة. اجلس مع فتاة جميلة لمدة ساعة ويبدو أنك تستمر لمدة دقيقة. هذه هي النسبية. "

تخيل أنك تطفو داخل صندوق، غير قادر على رؤية ما يجري في الخارج. فجأة تصطدم بالأرض. ماذا حدث؟ هل تم سحب الصندوق لأسفل بسبب الجاذبية؟ أو ربما تم سحب الصندوق بحبل؟ في الواقع، سيؤدي هذان الإجراءان إلى نفس التأثير، مما أدى بأينشتاين إلى استنتاج أنه لا يوجد فرق بين الجاذبية والتسارع، وهما نفس الظاهرة بالضبط، وبالتالي يمكن أن تؤثر الجاذبية الزمان والمكان. تكتسب هذه التجربة أهمية كبيرة في نظرية النسبية العامة لآينشتاين.

تجربة قطعة النقود:

"مفاهيم العلم هي "إبداعات حرة للعقل البشري ولا تفرضها علينا التجربة"

من المسلم به أن آينشتاين لم يكن أبدًا متخصصًا كبيرًا في نظرية الكم، وحاول حتى إثبات عدم دقته من خلال نظريات فكره. ولكن بدلاً من تثبيط الفيزيائيين عن نظرية الكم، سمحت لهم هذه المواجهات بإتقان أعمالهم. كانت إحدى نظريات فكر آينشتاين مرتبطة بالتشابك الكمي، الذي سماه "العمل الغريب عن بعد". تخيل أنك تمتلك جزءًا يمكن تقسيمه بين وجهيه. رمي الأغنيتين وبدون النظر، أعطي أغنية واحدة لصديقك، بينما تحتفظ بالأخرى لنفسك. ثم يغادر صديقك على مكوك فضائي ويسافر إلى الكون. تنظر إلى نصف العملة الخاصة بك، لتجد فقط أن لديك جانب "الوجه"، وبالتالي تفهم على الفور أن صديقك، الذي يقع على بعد ملايين الأميال، لديه جانب "الوجه". ولكن إذا اعتبرت أن جوانب هذه العملة غير محددة، بالتناوب بين "كومة" و "وجه" حتى تنظر إلى أحدهما، فيمكن للعملة أن تحول سرعة الضوء، مما يؤثر على كل جانب بغض النظر عن العدد سنوات ضوئية تفصل بينهما. لكن كيف استفاد مكتشف النسبية من التجارب العلمية التي أجرها العلماء الاخرين في ميادينه المختلفة ومخبارهم الخاصة بهم؟

التجربة الحاسمة لميشيلسون ومورلي:

"إن الشخص الذي لم يرتكب أخطاءً أبدًا لم يحاول أبدًا الابتكار"

في مقال نشر عام 1905، "عن الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة"، إحدى المقالات الخمسة التي كتبها في ذلك العام (بما في ذلك جون ستاتشل الذي أعاد نشرها في مجلد، تقول بحق أن "غيّروا وجه الفيزياء" -)، يستحضر آينشتاين، لاستخدام كلماته الخاصة: "التخمين الذي سيطلق على محتواه لاحقًا،" مبدأ النسبية ". في عام 1969، اكتشف مؤرخ العلوم جيرالد هولتون مفارقة واضحة حول هذا المقال من قبل آينشتاين. كيف يكون ذلك ممكنًا، عندما تعتبر التفسيرات المعتادة لأصل ما نسميه اليوم "نظرية النسبية" أن مبررها التجريبي هو "التجربة الحاسمة لميشيلسون ومورلي"، لم يتجاهل آينشتاين هذه التجربة في مقاله فحسب، بل أيضًا لم ينشئ على مضض رابطًا بين نظريته، لأنه صاغها لأول مرة في مقال 1905 ، ولقد جرت التجربة قبل ثمانية عشر عامًا في كليفلاند بولاية أوهايو. أو، من خلال عكس المنظور، لماذا تحاول معظم المحاضرات المتعلقة بفيزياء القرن العشرين إقامة علاقة بين هذه التجربة ونظرية النسبية، عندما ينكر آينشتاين ضمنيًا أن هناك بين الاثنان علاقة حاسمة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة ليست غير مبالية لأنها تمس جوهر المنهج العلمي وتكشف عن الفجوة المقلقة بين صورة الشخص العادي عن عمل العالم وواقعه العميق. في عام 1887، باستخدام جهاز اخترعه، يسمى منذ ذلك الحين مقياس تداخل ميشيلسون، ساعد ميكلسون بمساعدة مورلي أن مبدءا مألوفًا للفيزيائيين، أنشأه نيوتن، هو مبدأ إضافة السرعات، لا تنطبق على الضوء. يسهل فهم مبدأ نيوتن بسهولة. لنفترض أنه عندما تضرب كرة جولف، فإنها تسير بسرعة 100 كم في الساعة. تخيل الآن أنك على سطح قطار يسافر أيضًا لمسافة 100 كم في الساعة ويضرب الجزء الأمامي من القطار كرة الغولف. هل حقيقة أن القطار يتحرك بالفعل بسرعة 100 في الساعة، وأن الدافع بأنك قادر على إعطاء كرة جولف هو أيضًا 100 كيلومتر في الساعة، فهل هذا يعني أن لن تتمكن من تحريك الكرة عندما تضربها؟ الجواب بالطبع لا: إذا ضربت الكرة في اتجاه سفر القطار، فإن 100 كيلومتر في الساعة الناتجة عن الدافع الذي تعطيه للكرة سيضيف إلى سرعة القطار: السرعات من الكرة والقطار سيضيف وستطير الكرة بسرعة 200 كيلومتر في الساعة. هذه الإضافة هي بالضبط المبدأ الذي شيده نيوتن في وقته. (ماذا يحدث إذا ضربت الكرة باتجاه الجزء الخلفي من القطار؟ نعم بالطبع: السرعتان، سرعة الكرة وسرعة القطار ستلغي بعضهما البعض مقارنة بالعالم خارج القطار وستتجه الكرة عموديًا نحو الأرض).

ما نجح ميشيلسون ومورلي في تأسيسه بفضل التجربة التي أجراها في عام 1887 (كان ميشيلسون يكررها في عام 1897 في جامعة شيكاغو حيث يدرس الآن)، هو أن مبدأ نيوتن لا ينطبق على الضوء. تخيل هذه المرة أنك على سطح مركبة فضائية بين المجرات تتحرك في الفضاء بنصف سرعة الضوء وأنك توجه شعاع الضوء المنبعث من شعلة نموذج حالي في الاتجاه الذي تتقدم فيه السفينة النجمية. إذا تم تطبيق مبدأ نيوتن لإضافة السرعة على الضوء المنبعث من شعلتك، فسوف ينتقل الآن بسرعة تساوي مرة ونصف سرعة الضوء. ومع ذلك، فإن ما كشفته "التجربة الحاسمة" لميشيلسون ومورلي هو أن الأمر ليس كذلك: مبدأ إضافة السرعة لا ينطبق: مهما كانت السرعة التي تتحرك بها باعث الضوء، سرعة الضوء في الشعاع المنبعث c: 300000 كيلومتر في الثانية، لا أكثر ولا أقل. وبعبارة أخرى، سرعة الضوء ثابتة (ج تمثل في الواقع سرعة الضوء في الفراغ). كيف شرع ميشيلسون ومورلي في تجربتهما؟ ما يتوافق مع القطار بين المجرات أو المركبة الفضائية في الرسوم التوضيحية الخاصة بي، في هذه الحالة، كوكب الأرض. قاموا بتوجيه شعاع من الضوء في اتجاه الحركة العامة للأرض (مزيج من دورانها على محورها ودورتها حول الشمس) وحزمة أخرى متعامدة مع الأولى، على سبيل المثال في اتجاه السماء فوق القطب الشمالي . يقوم مقياس تداخل ميشيلسون، من خلال مجموعة من المرايا، بإرجاع كل من العمودين المتعامدين نحو نقطة انبعاثه، مما يجعل من الممكن تسجيل المدة الدقيقة لرحلة ذهاب وإياب، واحدة في اتجاه الحركة عام للأرض والآخر بشكل متعامد. ما يمكننا رؤيته هو أن الوقت المستغرق لعودة الحزمتين إلى نقطة انبعاثهما متطابقة، مما يدل على أن سرعة الضوء لا تتأثر بلحظة الأرض في حركتها. بالطبع - والشيء ليس غير مبالٍ - في سياق الوقت، من المفترض أن يتحرك الضوء عبر الأثير، وهو وسيط تم التخلي عن مفهومه (سوف ينتقل الضوء عبر الأثير بنفس الطريقة التي ينتقل بها الصوت في الهواء). لذلك، أثبتت تجربة ميكلسون ومورلي دون أي شك السماح به، أن سرعة الضوء ثابتة، وهو ثبات مركزي لحجة آينشتاين في "حول الديناميكا الكهربائية للأجسام المتحركة ". فلماذا لم يذكر أينشتاين "التجربة الحاسمة" في نصه؟ لأنه في عينيه، كان غير ضروري. وفقا له، يمكن إثبات ثبات السرعة من خلال منطق بسيط، مثل ذلك الذي يقترحه في مقالته. بالنسبة لأينشتاين، من الممكن الوصول إلى ثبات سرعة الضوء بطريقة استنتاجية وهذا عمليًا بدون جهد، بدءًا من ظاهرة مألوفة للديناميكا الكهربائية في عصره. وهكذا ثبت أنه إذا تحرك مغناطيس وملف بالنسبة لبعضهما البعض، يتم تحفيز تيار كهربائي في الملف. لكن فيزياء عصرها قدمت تفسيرين متميزين لهذه الظاهرة، اعتمادًا على ما إذا كان أحدهما أو الآخر يعتبر متحركًا والآخر بلا حركة. في نظر آينشتاين، ذهب من دون أن نقول أن حركة الملف والمغناطيس كانت متعلقة ببعضهما البعض وأن نفس التفسير يجب أن ينطبق على ما كان في الواقع نفس التجربة. بالنسبة لأينشتاين، يمكن تحديد ثبات سرعة الضوء على نفس المبدأ.

في حساب السيرة الذاتية الذي كتبه بعد سنوات عديدة، كتب أينشتاين: "كلما مر الوقت، وبذل جهدي اليأس أكثر، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن اكتشاف مبدأ رسمي عالمي فقط يمكن أن يؤدي إلى نتائج قوية. كان المثال الذي قبلي هو الديناميكا الحرارية"، لكن كيف يمكن اكتشاف مثل هذا المبدأ العالمي؟

خاتمة:

"يتم اكتساب المعرفة من خلال التجربة وكل شيء آخر هو مجرد معلومة"

منذ حوالي أربعة قرون، علمنا أنه لا يوجد علم بدون خبرة. منذ ذلك الحين اكتسب مصطلح "العلم" معنى آخر. لم تعد تريد أن تعني المعرفة ببساطة، ولكن فقط نوعًا معينًا من المعرفة، استنادًا إلى دقة المنطق والخبرة. التجربة هي مختبر العلوم. إنها تجريبيتها الأساسية، تجريبيتها في المرحلة الأخيرة، ليس فقط كمنصة اختبار، ولكن أيضًا كمواد بناء. لا يوجد علم بدون خبرة. لقد كتبه الكثير بالفعل. غالبًا ما تمت كتابة تاريخ العلم في ظل هذه القناعة المطمئنة. لقد جعل العلم التجريبي الخبرة سبب وجوده: في التحقق من صحة النظرية، تعتبر التجربة، حتى اليوم، لحظة أساسية. إنها حالة كل الحقيقة العلمية.

إذن، التجربة هي أكثر من مجرد تجريب: إنها تأكيد قوة، شيء تم تنفيذه، تم بناؤه أو يقاوم ما كانت النظرية تريده. انه يكاد يلتصق بمستوى التجريد. وهو أيضًا شيء تم اختراعه. غالبًا ما تسمى اختراعات الإنشاءات هذه بـالاكتشافات". إنها تحمل معها قصة، مغامرة بدايتها، العاطفة التي ستختفي ببطء عند تكرارها، وفحصها. هكذا يتشكل أسلوب آينشتاين وفق طبيعة العمل العلمي الذي يقوم به ومنطق الاكتشاف الذي ينخرط فيه ولقد مثل الاهتداء الى نظرية النسبية العامة والخاصة بمثابة ثورة في تاريخ الفيزياء والعلوم المعاصرة. كما يبني آينشتاين مفهومه للاكتشاف العلمي والاختراع كعملية إبداعية على "الاختيار الحر" للمفاهيم والأفكار النظرية من خلال الفكر. هذه "الحرية المنطقية" فيما يتعلق بالبيانات الواقعية قائمة على النقد البشري للاستقراء، وعلى رفض التجريبية المجردة، وعلى مفهوم الوضوح العقلاني المعتمد على كانط، وفي نفس الوقت على نقد الجانب القبلي في الفلسفة الكانطية بالتشديد على قرب قناعاته في هذا الصدد من الواقعية النقدية . لقد أشار نص آينشتاين لعام 1905 إلى ولادة نظرية النسبية الخاصة. لأول مرة في تاريخ الفكر العلمي، يجب أن يفسح الإطار المألوف مع وقته العالمي الفريد، والذي كان واضحًا منذ قرون لجميع الفيزيائيين، حلًا جديدًا أبسط في أسسه و أكثر إزعاجا في عواقبه. لقد اعتمد أينشتاين على المنهج الحاسم فيما يتعلق بالتفسير المادي والتخلي عن الأثير (خاصة فيما يتعلق بـهنري بوانكاريه). يتذكر أهمية افتراضات آينشتاين، أي أن الضوء ينتشر بسرعة ثابتة مهما كان الإطار المرجعي القصوري ("الثابت") - وهو أقوى من الاستقلال البسيط عن سرعة المصدر (يمكن تفسير ذلك من خلال طبيعة موجة الضوء). يمكن الاشارة الى أهمية التمييز بوضوح بين الظاهرتين المستنتجة بطريقة غير مسبوقة من قبل آينشتاين في مقالة 1905 هذه: تمدد فترات غير مناسبة من ناحية، وتعدد الأوقات المناسبة من ناحية أخرى (التي هو نادرا ما لوحظ). فمتى تتخلص الفيزياء المعاصرة من هيمنة نظرية النسبية التي اخترعها أينشتاين وتحولت الى عائق ابستيمولوجي يمنع العلم من التقدم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المصدر:

Einstein, Albert, « Über einen die Erzeugung und Verwandlung des Lichtes betreffenden heuristischen Gesichtspunkt », Annalen der Physik, 1905, No 17 : 132-148

Einstein, Albert, « Autobiographical Notes », in Schilpp, P.A., Albert Einstein, Philosopher-Scientist, Vol. 1, La Salle (Ill.) : Open Court, 1949, 3 – 94

 

علي محمد اليوسفتفريق: لا بد لنا من التفريق بدءا ما المقصود بالعقل؟

هل هو العقل الفلسفي أو الخطاب الذي يطلق عليه (اللوغوس) أو هو بتعريف أفلاطون (العقل ذلك الجوهر الذي ماهيته توليد الافكار) اللغوية التي نتعامل بها في فهمنا العالم من حولنا ومعرفة ذواتنا وقضايانا الانسانية في تعبيرنا الادراكي العقلي اللغوي عنها، وهو نفس المعنى والتعبير الذي يذهب له ديكارت في تعريفه العقل جوهرا ماهيته ملكة التفكير لغويا، وأنكر ديكارت على العقل أن يكون كينونة تكوينية بيولوجية أو معنى أدراكيا ماديا فيزيائيا وأنما هو جوهر (لافيزيائي) ولا مادي خالد يلازم الجسم يشبه ملازمة النفس للجسد في خلودها بعد الانفصال عنه بالموت كجوهر فيزيائي فان (فاني) يطاله العدم ولا يطال خلود النفس ولا يطال العقل بالفناء.

وأعتبر ديكارت العقل جوهرا لاماديا منفصلا عن الجوهر المادي الذي هو الجسم. كما ذهب في تطرّفه التجريدي لخلود العقل بعد فناء الجسم أعتباره العقل والنفس جوهرا غير فيزيائي واحدا يلازم الجسم في حياته وينفصل عنه بعد مماته. وحين تبنى ديكارت مقولته العقل ليس فيزيائيا ولا ماديا فأنما يكون أراد بذلك أن العقل ليس هو الدماغ. ومن المهم ذكر أن بارمنيدس تبنى واحدية العقل والجسد انهما جوهر واحد وليس ثنائيتهما كجوهرين منفصلين كما فعل ديكارت، وأكد مقولة بارمنيدس هذه اسبينوزا في القرن السابع عشر ولا تزال نظريته تلك يعمل بها في المجالين العلمي والفلسفي.

طبعا العلم الطبيعي علم وظائف الاعضاء أو الفسلجة تحديدا يفهم معنى العقل في دلالة أخرى مغايرة للفهم الفلسفي وعلوم اللغة واللسانيات غير التي نتداولها في الكلام الدارج في عدم التمييز بين العقل كملكة توليد للغة وبين العقل المقصود به بيولوجيا الدماغ، فعلم الطب البشري يعرّف معنى العقل ويتعامل معه على أنه (الدماغ) وتحديدا المخ من حيث تركيبته البايولوجية الفسلجية العضوية الموجودة في جمجمة الانسان العجينة التي تحتوي المخ والمخيخ والنخاع الشوكي.

وبهذا المعنى المادي الفيزيائي البايولوجي الفسلجي للدماغ يكون الدماغ محكوما بالفناء والعدم كباقي وكمثل كل أعضاء جسم الانسان البيولوجية المادية وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان كاملا جسدا وروحا ودماغا ولا صحة لمقولة لا يشمل الفناء العقل الفلسفي بأعتباره جوهرا لاماديا ماهيته الفكر واللغة....والعقل هو مجموع الخصائص المستقلة المنبثقة عن الدماغ والتي لا يمكن حصرها بها والعقل ليس جوهرا مستقلا حسب تعبير ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

ولكن موت الانسان وفنائه الجسمي - النفسي هو موت الدماغ والعقل معا وفنائهما سواء من حيث كونهما ماهية تفكير لا مادي أو من حيث كونهما عضوين فسلجيين في منظومة الادراك العقلي يمّثلان شيئا واحدا من الناحية البيولوجية يفنيان كليهما بموت الانسان وفنائه الجسدي ولا وجود لعقل خالد تحت أي مسمى أو معنى. وليس هناك من خلود للنفس ولا خلود للعقل يعقب موت الجسم باستثناء الفهم اللاهوتي الديني الذي يرى خلود الروح. وهو ما لا يؤكده العلم ولا تأخذ به الفلسفة المعاصرة.

لذا يكون حضور العقل هنا في مقالنا بمعنى (اللوغوس) الخطاب اللغوي التجريدي في التعبير عن مدركات العقل وهو جوهر فلسفي غير بيولوجي وغير متعين ماديا - فيزيائيا كباقي الموجودات والاشياء في عالمنا الخارجي المحيط بنا ويحتوينا وليس هو الدماغ (المخ) الذي تحتويه الجمجمة الذي تكون دراسته من أختصاص طب علم النفس والدماغ ووظائف الاعضاء والجملة العصبية،  ومن المهم التذكير أن هذه الخاصية للدماغ لها روابط قوية مع مفهوم الفلسفة للوعي العقلي في توليد اللغة والفكر.وما يعنينا من العقل في هذا المجال هو العقل الفلسفي، الجوهر المنفصل عن الجسد الذي ماهيته توليد الافكار وخاصيته المميزة اللغة والذكاء.

وحين نذهب الى أن العقل جوهر غير فيزيائي لا مادي فأننا سوف لا نذهب مع نظرية ديكارت بأنه جوهر خالد يشبه النفس الخالدة ولا يفنى بفناء الجسم الجوهر الفيزيائي المادي المختلف عن الجوهر العقلي اللافيزيائي اللامادي للعقل .

وبعض علماء اللغة المحدثين حين يعتبرون العقل عضوا بايولوجيا من أعضاء تكوين جسم الانسان.وبهذا يتم الادماج بين العقل الفلسفي كوعي ولغة وفكر وبين العقل البيولوجي كعضو في جسم الانسان وظائفه لا حصر لها.ومن غير المتاح المتيّسر التحدث عن ماهية العقل الفكرية اللغوية بمعزل عن ماهية العقل كوظيفة بيولوجية متعالقة مع  الجسم والنفس.

فهذا الفهم التجريدي اللغوي الفلسفي يقوم على أن العقل هوفاعلية الفكر واللغة في  التعبير الصوري المجرد عن العالم والاشياء فقط. ويلاحظ أن غالبية الفلاسفة الذين تناولوا بالدراسة العقل يمزجون بين العقل كونه فعالية فكرية توليدية (خطاب) تجريدي لغوي وبين العقل (الدماغ) كعضو مادي بيولوجي فسلجي مدرك مثل باقي أعضاء ومكونات أجهزة الجسم الاخرى .. الدماغ الذي يحتوي مليارات الخلايا العصبية التكوينية له وأرتباطها بمنظومة الحواس عبر الجهاز العصبي والذهن والوعي الانساني القصدي. ولا زالت النظريات العلمية لا تلم الماما كاملا بكيفية عمل هذا الجهاز الفريد في تعقيداته الاعجازية سواء العقل غير الميتافيزيقي المجرد أو الدماغ العجينة المادية (المخ) البيولوجية كعضو في جسم الانسان الحي.

الوعي والعقل

وبالصدد نفسه المتعالق مع مفهوم فلسفة العقل وما معنى العقل وما هو؟ نجد بعض الفلاسفة من مفكري فلسفة العقل المعاصرين أوقعوا انفسهم في أشكالية مستدامة لا خلاص ولا مهرب من مواجهتها تلك هي علاقة (الوعي) بالعقل وعلاقتهما المترابطة كليهما بالفكر واللغة، وكيف نفهم هذه الاشكالية بضوء أن ميزة العقل الانساني هي الوعي القصدي الذكي الهادف الذي يختلف عن وعي الحيوان العشوائي، ولمّا كان الوعي غير فيزيائي ولا مادي ولا معنى ادراكي حسّي له يحدّه شأنه شأن العقل المرتبط وظيفيا به لكنه لا ينوب عنه ولا يمّثله تماما..فالوعي القصدي الذكي ليس هو العقل بل هو حلقة أساسية في سلسلة المنظومة الادراكية للعقل التي تبدأ بالحواس والادراك والوعي والذهن والاعصاب وتنتهي بالدماغ.**

أشكالية الوعي الانساني عند الفلاسفة هي كيف يستطيع العقل اللامادي أدراك ما هو مادي في العالم الخارجي؟ وكلاهما العقل والوعي لا ماديان بالفهم الفلسفي والعلمي على السواء في اقتصار وظيفتهما على توليد الفكر واللغة، الوعي الذي هو الآخر مثل العقل لغزا لاماديا محّيرا في تمكينه الدماغ المادي والوعي اللامادي من أدراك وفهم الاشياء والموجودات المادية وغير المادية في الطبيعة والانسان ومعالجتها،، لكن من الصعب تحديد ما هوالوعي وما معناه وماذا يعني الوعي للعقل واللغة وما وظيفته في منظومة الادراك العقلي؟ وكيف ينشأ الوعي الذي هو لا مادي من العقل المادي (الدماغ)؟

اليوم مع ظهور فلسفة اللغة وعلم اللغة واللسانيات ونظرية المعنى عامة وهيمنتها بشكل طاغ على مباحث وأهتمامات الفلسفة التقليدية الاخرى، ظهرت الاهمية الاستثنائية للنظر بدراسة الوعي فلسفيا بعد أن جرى ركنه بالظل وأعتباره مبحثا من مباحث الميتافيزيقا التي لا فائدة من الخوض في دراسته ومناقشة أبعاده الفلسفية.

والسبب بذلك أنهم لم يستطيعوا لحد الآن معرفة ماهو الوعي وما المقصود منه وكيف يمكننا تناوله فلسفيا في عجز العلم معرفته فسلجيا (وظائفيا)؟ لكن أصبح الوعي في الفلسفة عندهم اليوم منذ النصف الثاني من القرن العشرين ركنا أساسيا من مباحث فلسفة العقل المعاصرة بتعالقها مع فلسفة اللغة في نظرية المعنى ولا يمكن الغاؤه من المعادلة التي تتداخل علاماتها الدلالية موزّعة على العقل والوعي والفكر واللغة.

جلبرت رايل وفلسفة العقل

يشير الباحث الاكاديمي والمترجم الفلسفي المصري صلاح اسماعيل في أحدى محاضراته التصويرية -  السمعية على الانترنيت الى أن مؤسس فلسفة العقل هو الفيلسوف الانجليزي جلبرت رايل (1900 –1976) صاحب كتاب مفهوم العقل الصادر عام 1949 ورغم أهمية الكتاب الكبيرة في عالم الفلسفة لم يترجم الى العربية كما يذكر الباحث.

وكان رايل من أشد المتحمسين لافكارالفيلسوف النمساوي لوفيدج فينجشتين (1889 – 1951) ومن أشد المعادين وليس المعارضين لديكارت وبظهور كتاب رايل هذا ظهر مصطلح فلسفة العقل الحديثة المرتبطة بأوثق العرى مع فلسفة المعنى في اللغة  وهو ما يدعو له ويؤيده الاستاذ صلاح اسماعيل...

كانت ثنائيات ديكارت (العقل – الجسم)(الجسد – النفس)( الخير – الشر) وهكذا راسخة ومسّلم بها قرونا طويلة منذ القرن السابع عشر وقبله والى وقت قريب في القرن العشرين تلك هي أن جوهر الفلسفة ومهمتها الاساسية منصّبة على الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا (المعرفة) الفلسفة الاولى.. التي أثارت حفيظة رايل في مهاجمته ديكارت ومقولته بشدة في أعتباره العقل جوهرا لافيزيائيا خالدا منفصلا عن الجسم مهمته تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) في توليد ماهيته اللغوية،.

كما أراد ديكارت ترسيخ هذا المعنى بأطلاقية لا تناقش صحتها وصفها رايل بتضليل ديكارت لنا قرونا طويلة، رغم عدم أمتلاك ديكارت معنى محددا للعقل الذي يقصده أساسا..فالعقل عند ديكارت هو المفهوم الذي لا يمكننا معرفته الا بمعرفتنا ماهياته في الوعي والفكر واللغة التي هي منتج وصفات عقلية وظيفية لا تمّثل فهما ما هو العقل الذي بات لغزا محيّرا لا يمكن الالمام التام به وكذلك هو الوعي.

وكما  تغاضى ديكارت عن الاجابة على الاشكالية التي أشرنا لها في سطور سابقة اشكالية الوعي -  العقلي عند الانسان، هي كيف للوعي العقلي الذي هو لافيزيائي ولا مادي وغير متفق على دلالته الفلسفية وما هومعناه بالضبط وماذا يعني؟؟ أن يكون وسيلة العقل في معرفة الاشياء المادية والتعبير عنها؟

جلبرت رايل في كتابه مفهوم العقل الذي رد به على مفهوم ديكارت للعقل أنكر بضراوة شديدة ثلاثة مسائل جاءت على لسان ديكارت وأتخذت صفة التسليم المطلق بها طيلة قرون في تاريخ الفلسفة وهي:

- الاولى أن العقل جوهر غير فيزيائي منفصل عن جوهر الجسم ماهيته توليد الافكارواللغة التي بهما يفهم العقل عالم الاشياء والموجودات، وهي مقولة سارية المفعول منذ عهد افلاطون وأكد التسليم بها ديكارت وأستنسخها فلسفيا.

- الثانية أن العقل وظيفته الاساسية هو تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) أضافة لمهمته تزويدنا باللغة في التعبير عن مدركاتنا الحسيّة والخيالية بالفكر واللغة ولا توجد للعقل وظيفة غير أدراكنا ومعرفة العالم من حولنا.

- العقل والنفس هما جوهر واحد، وهذا الجوهر خالد يبقى بعد فناء الجسد.

جلبرت رايل أنكر أن يكون العقل (شيئا على الاطلاق) ولا دلالة فلسفية تحدده أي العقل لا شيء بل هو مفهوم مجرد حاله حال مبحث الوجود وهي أرهاصة فلسفية ترجع أصولها الى الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر في أنكاره وجود شيء يسمى العقل.وما نسميه عقلا هو مجموعة ادراكاتنا للاشياء وكيفية فهمها ومعالجاتنا لها.

كما ولم يهتم رايل كغيره من الفلاسفة السابقين عليه والمجايلين له التمييز أذا ما كان العقل فيزيائيا أم غير فيزيائي، لكنه لم يهمل أهم ركيزة أعتمدها في فلسفة العقل تلك هي أن مصدر أفكارنا اللغوية التوليدية الصورية التجريدية هو العقل، وأنكر رايل مقولة ديكارت أن يكون العقل جوهرا لافيزيائيا منفصلا عن الجسم.

وهو رأي سليم في تفسيرنا أن رايل كان يعتبر فيزيائية الجسم تحتوي لا فيزيائية العقل التي لا يمكن الفصل بينهما كجوهرين متلازمين بعلاقة أحدهما بالآخر وبغير هذا التفسير لا يبقى للعبارة السابقة أستقامة مفهومية معقولة وصحيحة لدى كل من رايل ومن قبله ديكارت..

كذلك نحصل على نفس النتيجة في لا أمكانية فصل العقل كجوهر ليس غير فيزيائي كما يفهمه ديكارت، وأنما نفهم العقل جوهرا فيزيائيا من الناحية الوظيفية الفسلجية الطبية العلمية كدماغ فيكون بهذا المعنى جوهرا متعالقا بالجسم لا ينفصل عنه سوى بفناء الجسم بالموت حاله حال النفس أو الروح التي لا وجود ولا معنى لها بعد فناء الانسان.ومثلها هي عدم أمكانية فصل النفس كجوهر غير فيزيائي عن الجسم كجوهر فيزيائي وكلاهما يطالهما العدم والفناء هذا باستثناء الفهم الديني حول خلود النفس (الروح) في فناء الجسد بعد الموت التي تبعث في يوم الحساب (الدينونة) في تعبيراللاهوت المسيحي وبهذا المعنى يكون جلبرت رايل أيضا صائبا في نقده لديكارت.. .

كما عارض رايل Rayle  المفهوم الفلسفي السائد أيضا عند ديكارت وغيره من فلاسفة أعقبوه لاكثر من قرنين أن تكون معارفنا مستمدة من الادراكات العقلية حصرا بمعنى جوهر العقل يقوم على تزويدنا بالمعرفة الابستيمية فقط، وقال رايل أن العقل هو أستعداد سلوكي يمليه توليد الافكار واللغة التي أعتبرها ميزة العقل التي تكاد تكون الخاصيّة الوحيدة التي تساعدنا معرفة شؤون الحياة والسلوك.

فاللغة سلوك معرفي يقودنا الى المعرفة وليست المعرفة قيمة ناجزة قائمة بذاتها يكون ادراكها الوحيد علميا فقط لا يخلو من لغة هي المعادلات الرياضية والعلامات الرمزية المختبرية التي هي الاخرى لغة غير الابجدية الصوتية في اللغات قاطبة.

وذهب رايل أيضا في تخطئته لديكارت أن يكون مبحث الابستمولوجيا هي وظيفة وملكة العقل الاولى وأنها الفلسفة الاولى مؤكدا على أن الابستمولوجيا بهذا الفهم القديم الكلاسيكي لامعنى لها خاصة مع ظهور فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات والعقل والمعنى أذ أصبح جوهر الفلسفة منذ منتصف القرن العشرين هو المبحث الفلسفي الاول نظرية (المعنى) في فلسفة وعلوم اللغة التي هي سلوك عقلي لا أكثر.

وأنتهى رايل الى أنكار أن يكون العقل مصدر معارفنا (الابستمولوجية) التي تراجعت أهميتها كمبحث مركزي من مباحث الفلسفة. وعلى ذكر الفلسفة الاولى فقد كانت الميتافيزيقا هي الفلسفة الاولى في مبحث الوجود عند افلاطون، وأعقبتها الابستمولوجيا الفلسفة الاولى عند ديكارت في القرن السابع عشر، تلاها فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في العصور الوسطى الاوربية، لتأتي فلسفة اللغة والعقل لتحتل مكانة الفلسفة الاولى في القرن العشرين والى يومنا هذا حسب توصيف تراتيبية الباحث صلاح اسماعيل.

رايل وفلسفة اللغة عند فينجشتاين

كما ألمحنا كان رايل مناصرا عنيدا لافكار فنجشتين في فلسفة اللغة والتحول اللغوي، التي هي أولا وأخيرا فلسفة (المعنى). التي سادت منذ منتصف القرن العشرين وبقيت فاعلة مستمرة الى اليوم. ومن المعلوم أن العديد من الفلسفات التي توزعت في اوربا وامريكا في القرن العشرين كانت تستقي منطلقاتها الفلسفية من معين محورية فلسفة العقل ونظرية (المعنى) في التحوّل اللغوي مثل الوضعية المنطقية الالمانية حلقة (فينا) والتحليلية المنطقية الانجليزية حلقة اكسفورد والفلسفة البنيوية والتفكيكية وأخيرا التاويلية (الهرمونيطيقا) في فرنسا والمانيا وأنتقل تأثير هذه الفلسفات لامريكا في محاولة بناء فلسفة أحيائية حداثية للفلسفة الامريكية الام البراجماتية العملية العتيقة (pragmatism) بضوء فلسفة العقل وعلوم اللغة والمعنى.. وجميع هذه الفلسفات كان أرتباطها بفلسفة العقل واللغة شديدا بين ناكر للعقل ومؤيد لفاعليته ودوره وحضوره في مباحث الفلسفة المعاصرة.

لقد تراجع الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا في الفلسفة المعاصرة في القرن العشرين بل صار معظم الفلاسفة يعتبرونها من مباحث الفلسفة الميتافيزيقية التي لا فائدة منها. ولم تعد تمتلك تلك الهالة المعرفية التي تستحقها، وهذا ماقام به فلاسفة اللغة أمثال فينجشتين ورايل ورورتي وكارناب واوستن وكواين وسانتيانا وعديدين غيرهم أعتبروا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا تجاوزته الفلسفة المعاصرة بلا رجعة.

وكانت مقولة جلبرت رايل الصاعقة قوله (العقل لا شيء على الاطلاق) صادمة في أنكار العقل بضوء سباحة الفلسفة المعاصرة في بحيرة فلسفة اللغة ونظرية المعنى وعلوم اللسانيات وفلسفة العقل والوعي ومعناه، وتوقيت مقولة رايل في النصف الثاني من القرن العشرين تختلف عن توقيت وأهمية مقولة ديفيد هيوم(1711 -1776) نهايات القرن الثامن عشرفي أنكاره وجود شيء يدعى العقل اذ لم يكن وقتذاك معروفا تلك العناية الفائقة في فلسفة اللغة والمعنى  كما هو الحال بعد منتصف القرن العشرين في أنعطافة التحوّل اللغوي لذا عندما أطلق هيوم عبارته لاوجود للعقل كانت مقولته في عصر شهد أنعطافة منطقية تجريبية حديثة قادها جون لوك وهيوم وبيركلي ومور في محاولتهم تثوير وأحياء آراء فرانسيس بيكون ونزعته العلمية التجريبية (1561 – 1626) التجريبية في أعلاء قيمة العلم في القرن السابع عشر الذي كان ديكارت مساهما مهما فيها ايضا.

جلبرت رايل ومقولات ديكارت عن العقل

نستطيع القول بضوء فلسفة العقل واللغة عند رايل في رده على ديكارت أن:

- العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم كما قال ديكارت ولا أهمية يكتسبها العقل بهذا الانفصال التعسفي عن الجسم، وأن العقل ليس غير فيزيائي مادي يشبه النفس في أكتسابهما الخلود المزعوم بعد فناء الجسد، بل العدم الذي يطال فناء الجسد يطال العقل والنفس على السواء.

- ماهية العقل هو التفكير في أنتاج وتوليد الافكار واللغة ووظيفة العقل الفلسفية هو ملاحقة فائض (المعنى) في مباحث اللغة وعلوم اللسانيات وليس مهمته تزويدنا بوسائل اكتسابنا المعرفة (الابستمولوجيا) على مختلف المستويات وفهمنا العالم خارج نطاق نظرية المعنى التي تقوم على فلسفة اللغة.

- العقل عند رايل (استعداد سلوكي) وليس مصدرا وحيدا في أكتساب المعرفة كما كان راسخا في معتقد الفلاسفة منذ عصر ديكارت في محاولة مجاراة النزعة العلمية التي لقيت أهتماما فلسفيا كبيرا في القرن السابع عشر.

كيف تستهلك اللغة العقل؟

عليه يبدو غريبا قولنا أن يكون العقل بهذا التوصيف الفلسفي الجديد عند رايل وفي محيط وأجواء تبنّي الهوس المحموم بفلسفة اللغة والمعنى وعلومها واللسانيات والتحول اللغوي والتاويل، أصبح العقل سلسلة لغوية من التجريد تستهلك ذاتها كموّلد ذاتي للافكاريستهلك العقل ذاته في توليده اللغة بها ومعها أيضا.. فلا يمكننا تصور أندثار اللغة الاستهلاكي من غير اندثار العقل التوليدي التجريدي لها، في ملاحقة فائض المعنى اللغوي المطلوب على الدوام وباستمرارية لا تتوقف من ممارسة التفكيك والتحليل والتاويل، وملاحقة المعنى هي خاصية لغة العقل الجوهرية وماهيتها داخليا وليس خارجيا أي ليس هناك مؤثر على ملاحقة المعنى لغويا سوى النص الماثل فقط كما يذهب له جاك دريدا،ولا معنى لمؤثرات الواقع الخارجي على فلسفة المعنى واللغة...

وبهذا يكون توليد العقل للافكار في ملاحقة وتصنيع المعنى المضاف يعني أندثار العقل تدريجيا كوعي فكري لغوي وأستنفاد طاقته التعبيرية الصورية في التجريد قبل موته السريري المحتوم في العدم الفيزيائي الذي يلحق الجسم ككل من ضمنه العقل المفكر حتى لو كان جوهرا غير فيزيائي فموت جسم الانسان يعني فناء النفس والعقل معه. ولا أهمية ولا معنى يبقى للعقل أن يكون جوهرا منفصلا خالدا كما أراد له ديكارت.

جلبرت رايل رغم مقولته المتطرفة الصادمة (العقل لا يعني شيئا أبدا) فهو على حد تعيرالاستاذ صلاح اسماعيل لم يكن يعادي الميتافيزيقا متماهيا مع سلفه فينجشتين في عدم معاداتهما الميتافيزيقا صراحة كليهما، في نفس الوقت الذي لم يكن فيه يجاري رايل المنطقية التجريبية والتحليلية الحديثة (حلقتي فينّا واكسفورد) في عدائهما المستميت للميتافيزيقا معتبرين أن العالم كله ومعه الانسان هو تكوين من طبيعة فيزيائية أولا واخيرا..رغم وجود وجهات نظر فلسفية جادة تعتبر الانسان جوهرا ميتافيزيقيا والفلسفة جوهر وتعبير ميتافيزيقي بالصميم أيضا لن يندثر ولا يموت في تاريخ الفلسفة ماضيا وحاضرا ومستقبلا....

كما رغب فلاسفة اللغة وخاصة الفلسفة التحليلية الانجليزية المتأخرة على يد اوستن ورايل ورورتي الامريكي وبراتراند رسل شيخ الفلاسفة الانجليز وفلاسفة العالم المعاصرين أن يجعلوا الفلسفة تحليلا علميا تسنده الرياضيات وعلوم الفيزياء حصرا في محاولتهم تخليص التحليل اللغوي من متاهة الركض وراء المعنى اللغوي بما هو هدف غير متحقق على صعيد أخراج مباحث اللغة من التوهان الموغل في قواعد اللغة وكيفية تعلم الطفل اللغة وهل اللغة ملكة فطرية توليدية صرف أم هي ملكة توليدية تنمو وتتطور في السلوك الاجتماعي للفرد وغير ذلك من مباحث أستولدتها ظاهرة التطرف في التحول اللغوي الذي ترجمته تتويجا كلا من الفلسفتين التفكيكية والتاويلية اللتين غرقتا في مستنقع نظام اللغة بما هو نظام لا علاقة له بنظام الواقع الخارجي المصنوع انسانيا.

أذا تماشينا مع التحليلية المنطقية الانجليزية التي أنضم لها فينجشتين مؤخرا أبّان تواجده بوظيفة استاذ للفلسفة في جامعة اكسفورد، فهؤلاء الفلاسفة أعتبروا الفيزياء والكيمياء والرياضيات أصل العلوم الطبيعية جميعها وأن كل قضية أو مسألة لا يمكن التحقق المنهجي العلمي منها تعد باطلة لا معنى ولا قيمة لها....

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..............................

الهوامش

ملاحظة: أود الاشارة الى أن بعض افكار هذا المقال مستمدة من سماعي على النت فيديو مسجلا لمحاضرة استاذ الفلسفة المصري صلاح اسماعيل وقد اشرت لذلك خلال اسطر المقال وبعضها تجاوزت الاشارة له لأنه تعبير خاص بي.

** طبعا هناك من علماء اللغة المعاصرين من يعتبر العقل الفلسفي (اللوغوس) وليس الدماغ فقط هو عضو بيولوجي مادي ولي تعقيب على هذا الراي في مقال قادم اكثر رغم توضيحي الفارق بينهما في سطور هذه الورقة.

 

علي محمد اليوسفبداية: نستطيع الجزم بأن الفلسفة البنيوية جاءت كرد فعل عنيف بوجوب تنحية واستبعاد المواضيع الفلسفية القديمة التي استهلكت نفسها واعتماد فلسفة اللغة ونظرية المعنى المتعالقة بمبحث فلسفة العقل ومبحث الوعي القصدي في قاموسها البحثي الفلسفي المتعدد المنتقد بشدة مباحث الفلسفة الكلاسيكية وعلى وجه التحديد مبحث الابستمولوجيا باعتباره الفلسفة الاولى منذ القرن السابع عشر وكذلك مبحث الوجود والميتافيزيقا.

تناولت البنيوية الانثربولوجيا واللغة والفلسفة والعقل والانسان وعلم النفس والتاريخ والسرديات الكبرى في تماهيها مع ما بعد الحداثة في وجوب تجاوز هذه المواضيع ما عدا مركزية اللغة الذي أعتمدته في تفلسف خاص بها، مواضيع شغلت التفكير الفلسفي طويلا ولازمت الحداثة الاوربية منذ القرن الثامن عشر وحان أوان تجاوزها حسب البنيوية، وقد كشف بول ريكور هذا المنحى الفلسفي المتطرف في كتابه  (نظرية التاويل /الخطاب وفائض المعنى).

حين ذهبت البنيوية تاكيدها مغادرة الفهم الكلاسيكي (الساذج) في توظيف اللغة كوسيط ناقل لفهم الواقع الخارجي والانسان ما جعل من البنيوية تعتمد نظرية المعنى التاويلي للغة نمطا كليّا من التفكير الذي يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية على حد تعبير ريكور.

بمعنى أستبعاد مباحث الفلسفة القديمة التي أصبحت بضوء فلسفة اللغة ونظرية المعنى هراء لا معنى له على هامش الفلسفات الحقيقية الجادة الجديدة التي تتمحور حول فلسفة اللغة والتحول اللغوي. فلا تداخل لهذه الموضوعات الفلسفية الكلاسيكية مع محورية العناية بفلسفة اللغة والمعاني والعقل الواعي.

أكدت البنيوية مبدأ وجوب تجاوز الفهم الابتذالي الفلسفي للغة أذ لم تعد اللغة تلعب دورا بوصفها توسيطا أو وساطة توسيلية بين العقول والاشياء أو هي وسيط تداولي في المحاورة بين الناس بل أصبحت اللغة والمعنى مبحثا محوريا في الفلسفة باعتبارها لغة لها نظامها الخاص في التعبير عن الحياة.. وتشكيلها لعالمها بنسق خاص بها وحدها بمعزل عن كل المؤثرات الخارجية بأعتبارها نمطا كليّا من التفكير يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية على حد تعبير ريكور.

أنه لمن السذاجة والسطحية أن نعتبر توصيفات ريكور التي اشرنا لها عن الفلسفة البنيوية بريئة ومحايدة رغم وجودها وحقيقتها في البنيوية ولم يكن ريكور مخاتلا في منهجه التاويلي الخروج على المنطلقات الفلسفية التي جاءت بها البنيوية وأورثتها  للتفكيكية واخيرا التاويلية فهو متماهي مع هذه الارضية الفلسفية التي منحت له أرضية جيدة وفضاءا غير محدود.. ولم يمارس ريكور ادنى تحذير نقدي وتحفظ بالضد من توجهاته في فلسفته التاويلية التي أرادها أمتدادا طبيعيا في محورية فلسفة اللغة والمعنى وعلوم اللسانيات في كل من البنيوية ومن بعدها التفكيكية، بل الصحيح الاكثر أهمية أن ريكور وجد في المنطلقات البنيوية والتفكيكية الارض الصلبة والملاذ الآمن في انطلاقته الفلسفية خاصة  ثيمة استلاب اللغة من علائقية الارتباط بالواقع الانساني..التي تلتقي عنده تلك الفلسفات التي مهدت لظهور تاويلية ريكور تحت مظلة ما بعد الحداثة عموما.

اللغة في البنيوية وفلسفة ريكور

عندما أشرّت وبشرّت البنيوية كما ذكرنا أن وظيفة اللغة لم تعد تلك الوسيلة المعرفية (الابستمولوجية) لفهم الواقع وتفسير ظواهر الحياة والطبيعة والعلاقات بينها، أو لم تعد اللغة واسطة علائقية بين الافكار والاشياء كما هو معهود بها سابقا فهي أنكرت على العالم الخارجي والمجتمع مؤثراته على فلسفة العقل واللغة في نظرية المعنى، خاصة بعد أن اصبحت نظرية المعنى وفلسفة العقل والتحول اللغوي في مركزية الاهتمام الفلسفي وأعتبارها الفلسفة الاولى في القرن العشرين.

بعبارة أخرى لم تعترف البنيوية ولا التفكيكية ولا العدمية ولا التاويلية أخيرا ولا توليدية نعوم جومسكي بأن اللغة ظاهرة (مجتمعية) لا من حيث التراكم التوليدي ولا من حيث أنها وسيلة التعبير عن قضايا المجتمع...حتى الفلسفة السلوكية اللغوية القصدية التي ترتبط بفلسفة العقل وعلم النفس لم تعترف باللغة ظاهرة أجتماعية (سيسيولوجية).

رفض بول ريكور أن تكون اللغة كما هي في السابق ظاهرة مجتمعية متجذرة في حياة الانسان وفي تطور تاريخه انثربولوجيا ومؤيدا خروج البنيوية عليها أن تكون اللغة والكلام يجري التعامل معهما بوصفهما صورة حياتية كما أراد لهما فينجشتين، بل صارت اللغة نظاما لغويا نسقيا مكتفيا بذاته في علاقاتها الداخلية بما هي لغة ونسق لنظام داخلي منعزل عن المؤثرات الخارجية من أي نوع كانت .

وهذا الاكتفاء الذاتي في تغريب اللغة وأغترابها أنما يقوم على أستقلالية النظام اللغوي ونسقه الداخلي الذاتي معزولا عن النظام المجتمعي المعرفي تماما وفي أفضل الحالات يوازيه لا يقاطعه ولا يستكمله في نهجه الابستمولوجي كما جرت عليه الفلسفة قديما من حيث الفلسفة هي تراكم متسلسل من تاريخ الفلسفة. لقد أزاحت فلسفة المعنى الابستمولوجيا من مكانتها الاثيرة التي كانت تتبوأها في تاريخ الفلسفة طويلا.

وأصبح تطوير اللغة لنظامها التوليدي النسقي الخاص بها هو في مجمل التناقضات والاختلافات والفروقات القائمة داخل النظام اللغوي التي تعطي ذلك النظام تحولات وانتقالات تطورية لا علاقة لها بالتطور الخارجي داخل منظوماته الخاصة به الذي لا يقاطعه نظام اللغة أو يستكمله بل يوازيه في علاقة أنفصامية فلسفية عنه.. وهو ما أعتمده وأستنده بول ريكور منهجا في فلسفته التاويلية، فاللغة عنده تقوم على مبدأ الاكتفاء الذاتي والاستقلالية في أقامة نظامها وعالمها الخاص ولم يعد هناك دورا تلعبه اللغة بخلقها أنساقا معرفية لغوية تعالج وتفاعل قضايا الواقع الانساني بما هو مرجعية معرفية يسندها وتتعالق معه اللغة فلسفيا جدليا.

أقام بول ريكور تاويليته اللغوية من النقطة التي أنتهت اليها البنيوية ومن بعدها التفكيكية فهو تعامل مع اللغة من منطقها اللغوي التجريدي بالتفكير وبناء الانساق اللغوية بما هي لغة بعيدا عن مؤثرات وضغوطات الواقع والعالم الخارجي عليها. وأستبعد ريكور كما فعلت البنيوية في تجاوزها مهمة الامساك بتلابيب الواقع الخارجي في تطويعها اللغة تابعا له وفي خدمته كواقع انساني كما قامت فلسفات عديدة في تاريخ الفلسفة وفق هذا النهج الذي جاءت ما بعد الحداثة والفلسفات المتعالقة بها خروجا كاملا لهذا السائد الذي أصبح لا يجاري تبدلات الحياة وتنوع قضايا المعرفة والعلوم ولم يعد الانسان مقياس كل شيء بالفلسفة في قراءة معاصرة لمقولة بروتوغوراس.

من الملاحظ أن ما بعد الحداثة والفلسفات المتعالقة معها في أدانتها لما سبقها من فلسفات أهتمت بالانسان كبؤرة مركزية في فهمه وفهم العالم من حوله، كما أنكرت هيمنة العقل والايديولوجيات السردية الكبرى لكنها، أي هذه الفلسفات مثل البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية لم تعط بديلا مرضيا للعديد من تلك الالغاءات النقدية ما عدا أستثناءات قليلة نجدها عند شتراوس وفوكو والتوسير الى حد ما رغم أخفاقهم الشديد في معالجة السردية الماركسية على سبيل المثال بما لا قدرة لهم عليها أذ أستهدف التوسير كتاب راس المال والمادية التاريخية والجدل المادي في كتابه (نقد رأس المال) كما فعل زميله شتراوس بكتابه (نقد الجدل المادي) لكنهما لم يتمكنا من أعطاء البديل الذي يمكن الركون اليه ويحمل أسباب القبول في تجاوز الماركسية في منطلقاتها الفلسفية والتنظيرية المتعالقة جدليا مع الايديولوجيا بمفهومها الطبقي والاقتصادي السياسي المعروف.

فلاسفة البنيوية أستهدفوا المنطلقات الماركسية والوجودية في نفي الذات وهيمنة الانسان الفردي والعقل وأسطورة التناقض الطبقي الجدلي والمادية التاريخية لكنهم فشلوا تجاوزالماركسية في ماركسية بديلة خارج اوراق تسويد الصفحات والمؤلفات الفلسفية وأنكار الواقع الانساني والتريخ في الحياة. ولا تمتلك ماركسية التوسير وشتراوس وفوكو وقبلهم سارتر الحد الادنى من المنطلقات الماركسية التي لم تفقد حضورها ولم تشخ بعد، بل هناك اليوم رغبة عارمة في ظل التأزمات الاقتصادية المميتة التي يشهدها العالم العودة لأحياء الماركسية الكلاسيكية بصيغ ديمقراطية جديدة في عدم الغاء حقوق الفرد الاساسية وتذويبها في مراعاة مصلحة المجموع لحل معضلة العالم في أستشراء التفاوت الطبقي بين الغنى والفقر بظل الانفجار السكاني وزيادة الانجاب عن الحد الاستيعابي للموارد المعيشية. بما يجعل من أمر تجاوزالماركسية بصيغة انسانية متجددة مقبولا قابلا التطبيق في عالم اليوم، وكذلك فعلت البنيوية نفس الشيء في سعيها تجريد سارتر من وجوديته كسردية فلسفية انتهت صلاحية أستعمالها بعد أن نالت رواجا منقطع النظير في عصرها الذهبي ستينيات القرن العشرين.

الشيء الملفت الانتباه أن سارتر حاول التماهي مع الماركسية كخلفية فلسفية له في محاولته تكاملها مع الوجودية وفشل في مسعاه كما أتضح لاحقا، وكذلك أراد سارتر ممارسة نقد قاس جدا للبنيوية حول مفهومها انه لايوجد هناك ذاتا انسانية متفردة وهي ثيمة فلسفية تتعارض وفلسفته الوجودية القائمة على محورية الذات وبدلا من تقاطعه مع البنيوية في مسائل عديدة نجده أي سارتر يتحالف مع البنيوية أو على الاقل لم يصطدم بمنطلقاتها التمهيدية الاولى في عدائها الشديد للماركسية كسردية كبرى تحتضر.

أن ما يحسب للبنيوية الفرنسية هو تعدد مجالات مباحثها الفلسفية في الانطولوجيا والتاريخ وعلم النفس والفلسفة واللغة والانثروبولوجيا والمعرفة وغيرها وفلاسفتها على كثرة عددهم كان تاثيرهم الفلسفي ولا يزال طاغيا جدا على معظم الفلسفات المتجايلة معها أو التي جاءت من بعدها. وحملت معها معالجات راديكالية غير منضبطة مهدت لظهور تيارات فلسفية متحررة من كل الارث الفلسفي السابق عليها  خاصة مع ظهور التمهيد الفاعل الذي زرعت بذوره الاولى البنيوية، والذي نقصده بروز نظرية المعنى وفلسفة العقل في التحول اللغوي والانهمام باللغة على أنها (متاهة) أنقاذ الفلسفة عبر تاريخها الذي أثبتت أنعطافة فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات أعتبارها تاريخ الفلسفة كان تاريخا تراكميا من اللغو الفارغ الذي يستعمل اللغة ولا يفهم معناها ولا دلالاتها المحددة والصحيحة في تفسير الحياة ما أدخل الفلسفة بسفسطة تقوم على نقد الافكار في حلقة مفرغة وعدم الوصول لحصيلة فلسفية واضحة في فهم المعنى اللغوي.

لغة التاويل والواقع

أنفصام نظام اللغة وأبتعاده عن التخارج مع الواقع الانساني هو النهج الذي أعتمدته البنيوية كانت التمهيد والارضية الصلبة التي أقام ريكور فلسفته في تطوير مفهوم نظرية المعنى بالتاويلية، ولم يأخذ ريكور عن فينجشتين أعتباره اللغة هي تمثيل حيوية الواقع في مجرى الحياة، وأعتباره اللغة نظاما لا يمكننا فهمه الا من خلال تداخله بواقع الانسان وليس فهمه نسقا تجريديا منعزلا لا شأن له بالحياة والانسان والعقل، فينجشتين أعتبر اللغة ظاهرة تتطور أجتماعيا مؤسسا لفلسفة السلوك اللغوي والتحليلية من بعده وهو خلاف توليدية جومسكي أعتباره اللغة نظام توليد الافكار النسقية بجهد ذاتي فردي والفرد يطور لغته الخاصة به في فهم الواقع بقابلية فطرية هي ملكة العقل الانساني.

كما أن مجتمعية اللغة كظاهرة لا يمكن فهمها ولا التعبير بها من غير سريان دفق الحياة ومجريات الواقع الانساني التي سعى لها فينجشتين في محاولته الخلاص من مفهوم اللغة كنظام (صوري) تجريدي لفهم الحياة والتعبير من خلاله وبه نفهم ما تعّبر عنه اللغة تجريديا ورغم عدم أمكانية توفر البديل في أن يعقل العقل الاشياء والواقع بغير تجريد لغوي صوري ألا أنه يناقض تماما الفهم التاويلي عند بول ريكور حيث أعتبر اللغة تمتلك نظاما خاصا تصنعه بنفسها ذاتيا ليس من أجل تغيير الواقع والتأثير به بل من أجل أن يكون نظام اللغة البحث عن المعنى اللغوي في كل خطاب يعالج مبحثا فلسفيا. وبذلك تم الغاء اللغة أداة للتواصل المجتمعي يتم بها معالجة التجارب الانسانية لدى كل مجموعة بشرية حسب تعبير اندريه مارنيتي وهو نفس التعريف الذي وصلنا عن أبن جني في تعريفه اللغة.

الوعي القصدي والمعنى

يطرح الباحث اللغوي عبد القادر البار تساؤلا مهما أثار فيه الاشكالية في علم المعنى قوله أين يوجد المعنى؟ هل يوجد في أذهان البشر أم يوجد في العالم المشترك بين البشر؟ وهل يمكن للمعنى أن يكون خارج المكوّنات التي تسهم في البناء اللغوي؟

تساؤلات مترابطة تحمل العديد من وجهات النظر والاجتهادات ونرى في معرض تعقيبنا عليها الوقوف على الفهم الصحيح للوعي اللغوي فهو حسب توصيف بعض علماء اللغة هو ظاهرة بيولوجية انطولوجية وليست تجريدا لغويا لا فيزيائيا لا يمكن التحقق المنفرد منه. وهذا التعريف البيولوجي للوعي يتأتى من أعتبار الوعي حلقة وصل قصدية يدخل في منظومة الادراك العقلي التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالذهن بالنسبة لمعرفة محتويات واشياء العالم الخارجي، ويكون الوعي بهذا المعنى ذاتيا قصديا وبيولوجيا انطولوجيا. وليس جوهرا غير فيزيائي ولا مادي كما في فلسفة ديكارت.

والوعي الذاتي الذي مصدره الذهن يحمل معه ويمتلك معنى أدخاري يلازمه يمكن أضافته لمعنى الجملة أو العبارة اللغوية التي يكون لها هي أيضا محمولا من المعنى مجهولا لدى المتلقي وقد لا يتطابق مع محمول معنى الذهن لدى حامله.

والوعي بهذا المعنى هو وعي أستبطاني داخل الجسم يمّثّل أستجابة كردود أفعال عن المثيرات التي ترسلها أجهزة الجسم الى الذهن مثل الشعور بالالم والحزن والفرح والجوع والعطش ورغبة أشباع الجنس وهي غرائز انسانية لا وجود لها خارج وعي الانسان الفرد بها.

والسؤال هل يبقى فهم المعنى وسطا معلقا بين الوعي الذهني والجملة أو العبارة اللغوية موضوعة الادراك؟ أم يبقى المعنى وسطا بين المتحادثين لغويا (الكلام الشفاهي) في تبادل الافكار؟ بالتاكيد لا.

لا يبقى المعنى مدركا ذهنيا مغيّبا في اللامعنى لا في علاقة الوعي الذهني الادراكي الذاتي الفردي في محصلة فهم المعنى بالتخارج الجدلي بين الدال والمدلول على صعيد تبادل الفكر وليس الكلمة، فالمحصلة في فهم المعنى يكون قسمة مشتركة بين المتلقي والعبارة المقروءة المكتوبة لغويا أو العبارة المسموعة كلاما حواريا في الوصول للمعنى الذي يغني العبارة وتغني فكر ولغة المتلقي في مشتركهما بالمعنى. وكل ما لا يكون له محمولا لمعنى غير مدرك ذهنيا لا قيمة حقيقية له.

والمعنى المرجو المضاف هذا هو في عملية دخول الذهن بمحموله من المعنى في علاقة جدلية تخارجية مع المعنى الدلالي في محمول الجملة أو العبارة المقروءة أو المسموعة كلاما، وبذا يتم تبادل المعنى الذاتي في الوعي مع المعنى الموضوعي في العبارة. بمختصر العبارة المعنى يدرك بمشاركة جدلية بين المتلقي من جهة مع العبارات اللغوية المكتوبة أو المسموعة كلاما من جهة أخرى.

الوعي الذهني هو المعنى التعبيري في حمولته الذاتية المدركة ذهنيا لما يستطيعه الالمام بمعرفته قصديا من أشياء وظواهر وعبارات وكلام شفاهي تحاوري. والقصدية هنا هي المعنى المطلوب أستحضاره في الوعي الذاتي الفردي في توجهاته نحو معرفة مدركاته.. تلك المدركات التي لا ينحصر بها تحقق المعنى على الفهم اللغوي التجريدي حصرا بل في المدركات المادية الاخرى المستمدة من الواقع والمدركات الاخرى المستمدة من مخيلة الذاكرة الذهنية. حيث نجد المعنى المطلوب في مجالات متعددة لا حصر لها من ضروب المعرفة مثل الادب والعلوم الانسانية والمنطق وعلم النفس والاجتماع وغيرها مضافا لها أشباع غرائز البيولوجيا عند الانسان..

الوعي بين التجريد والبيولوجيا العضوية

المعنى حسب نظرية الوعي الادراكي البايولوجي يأتي في أعتبار الوعي هو حلقة فسلجية بيولوجية تتوسط مدركات الحواس والذهن في منظومة الادراك العقلي المتكاملة، التي هي بمجموعها تعتبر العقل ومنظومة الادراك المتعالقة به هي نظام بيولوجي – نفسي مشترك في تحقيق ونشدان القصدية في الفعل، ويتوزع الوعي نوعين من الفهم بضوء نظرية المعنى في الادراك.

فأما أن يكون الوعي وعيا أستبطانيا داخليا يكون مصدر أدراكاته مخيلة الذاكرة والذهن كما في لغة الادب والفنون وما يتعالق معها من مواضيع الخيال واشباع غرائز الانسان. ويتفرع عن هذا الوعي الادراكي الاستبطاني الداخلي نوعا آخر من القصدية حين يكون الوعي الداخلي أستجابة ورد فعل للمثيرات التي تصل الذهن عن طريق الجهاز العصبي على شكل أيعازات مستثيرة مستقبلة هي (الاحاسيس) التي مصدرها أعضاء جسم الانسان الداخلية والتي تختلف عن الاحساسات التي مصدرها الحواس، الاستثارات المنبعثة داخل جسم الانسان يمثل ردرود الافعال تجاه شعور الشخص بالجوع والعطش والحب والحزن والالم والفرح والتفاؤل ورغبة اشباع غريزة الجنس وغير ذلك مما يدخل ضمن الوعي الاستبطاني الداخلي المركّب من البيولوجيا والنفس معا.

والنفس كمعطى يلازم الجسم جوهر غير فيزيائي تكون هي مصدر أنبعاث المثيرات الجسمانية التي تصل على شكل أحاسيس داخل جسم الفرد مرسلة الى الذهن، وهذه غيرها الاحساسات والمثيرات التي ترسلها الحواس للذهن عن مدركاتها الاشياء المادية والاشياء الموجودة في العالم الخارجي.

ثمة مسألة يجب أن لا نغفلها أنه طالما كان الوعي هو شعور ذاتي انطولوجي بيولوجي انفرادي يهم الشخص دون غيره، يكون الشخص حامله المستثار لغويا أو المتكلم يمتلك فائض معنى يضيفه على المعنى المدرك من قبله المنبعث من العبارات والجمل التي يسمعها في الكلام أو التي يقرأها مكتوبة بخطاب.بنفس وقت دخول وعي المعنى الذاتي للفرد مع المعنى المدرك لغويا سواء عن الاشياء أو في المحادثة التواصلية مع الاخرين.

ويذهب العديد من علماء علم النفس في تصديهم لنظريات المعنى الى أن المعنى هو الصورة الذهنية، التي هي اللغة التي تتألف من صوت لفظي زائدا له معنى قصديا.. وبهذا الصدد يضيف دي سوسير أن العلامة اللغوية هي كيان نفسي ذو وجهين دال ومدلول وتفسير الكلام الذهني يسبق الجملة اللغوية حسب تعبيره.

كما يذهب الباحث اللغوي احمد مختار عمر الى أن نظرية المعنى هي فرع من علم اللغة الذي يدرس الشروط الواجب توفرها بالرمز اللغوي حين يكون قادرا على حمل المعنى وتتوفربه صفة المعنى القصدي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل